العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 07 / 03 / 2004


درس من بيشاور ـ 1930

دفعت حملات غاندي اللاعنيفة التي عرفت بـ (الساتياجراها) بعديد من الهنود، من المسلمين والهندوس، إلى اتباع طريق اللاعنف في مقاومة الاحتلال البريطاني. ويعد عبد الغفار خان، الذي ينتمي إلى قبائل البتهان في الإقليم الشمالي الغربي، من أكبر أتباع غاندي لدرجة أنه عرف باسم (غاندي الحدودي). وقد أسس خان جيشاً تحت اسم (خوداي خيد متجارس) أي (جند الله)(1)، وهو جيش لاعنيف كرس نفسه من أجل الحرية وخدمة الشعب. وقاد خان من خلال هذا الجيش الآلاف من المسلمين البتهانين في مقاومة البريطانيين.

لقد عاش المسلمون البتهانيون في مناطق مستقلة في وادي بيشاور الواقع عند الحدود الغربية في الإقليم الشمالي الغربي للهند. ولم يخضع الإقليم في يوم من الأيام بشكل كامل للاحتلال البريطاني. ووقعت معارك متفرقة بين البتهانين والبريطانيين في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. وكان العنف تقليداً راسخاً لدى البتهانيين، ولذلك اتسمت مواجهاتهم مع البريطانيين بأقصى درجات من العنف والانتقام المتبادل.

وفي أعقاب الحرب الحدودية عام 1897، أصبح الإقليم دولة بوليسية، وتم عزله عن الأقاليم الأخرى، وفرض أكثر من ستة آلاف جندي إجراءات بوليسية صارمة على الإقليم. فقام عبد الغفار خان خلال العقدين الأولين من هذا القرن بزيارة كل قرى الإقليم. وكان خلال هذه الزيارات يقوم ببناء المدارس وتعليم المهارات الزراعية ويدعو للعناية بالصحة العامة. وعندما دعا غاندي للإضراب العام في 1919، تجمعت أعداد من البتهانيين في قرية اتمانزاي، قرية خان، وردت بريطانيا على هذا الاحتجاج السلمي بإعلان الأحكام العرفية واعتقلت خان ووضعته في السجن دون محاكمة. وفي ذلك الوقت، قرر خان خوض نضال لاعنيف من أجل الاستقلال الذاتي للهند.

وفي عام 1929، شكل خان جيش (خوداي خيد متجارس)، وقد تشكل هذا الجيش من الرجال والنساء الذين التزموا بنبذ العنف، وتكريس ساعتين في اليوم للعمل الاجتماعي. وقد درب هؤلاء تدريباً دقيقاً، وكانوا يرتدون زياً خاصاً ويتبعون قواعد الانضباط العسكري. وكانوا يحملون أعلاماً خاصة، ولهم فرق موسيقية. وقد أطلق على هذا الجيش اللاعنيف أيضاً (أصحاب القمصان الحمراء) إشارة إلى لون زيهم الموحد. وكان هذا الجيش يجوب القرى لفتح المدارس وإكمال المشروعات، وحفظ النظام في التجمعات الجماهيرية. وكانوا يشنون هجمات سلمية أيضاً على قاعات المحاكم ومستودعات الخمور.

وفي اليوم الأخير من عام 1929، أعلن الكونغرس الهندي عن بدء حملة جديدة من أجل الاستقلال الذاتي. وفي 12 آذار قام غاندي وآلاف الهنود بمسيرة الملح الشهيرة. وكان جيش (جند الله) يواصل حملته التعليمية. وفي 23 نيسان دعا خان إلى المقاومة المدنية للحكم البريطاني، وسرعان ما تم اعتقاله هو وعدد من القادة الآخرين.

وتظاهر آلاف البتهانيين احتجاجاً على الاعتقالات وأحاطوا بالسجن مطالبين بإطلاق سراحهم، وقاد (جند الله) الاحتجاجات في شتى أنحاء الإقليم. وعندما اعتقل بعض أفراد الجيش في بيشاور، دخلت القرية في إضراب عام عفوي.

وردت بريطانيا على احتجاجات البتهانيين السلمية باستخدام العنف. وفي 23 نيسان، تجمع عدد كبير في بازار (فيساخان) في بيشاور احتجاجاً على اعتقالات جند الله. وكان التجمع سلمياً تماماً. وبدأ في التفرق عندما طلب قادتهم والبريطانيون ذلك. إلا أن القوات البريطانية فتحت النار عليهم فجأة. وعلى امتداد ست ساعات من إطلاق النار، قتلت القوات البريطانية ثلاثمائة من البتهانيين وأصابت ما يزيد عن هذا العدد. وعندما رفضت إحدى الوحدات العسكرية الهندية إطلاق النار على إخوانهم الهنود، تم اعتقال أفرادها جميعاً وحوكموا بموجب الأحكام العرفية وصدرت ضدهم أحكام قاسية.

وبعد عدة أيام، أعلن البريطانيون أن جند الله خارجون عن القانون. وتم إغلاق مكاتبهم ومصادرة أموالهم وتم عزل الإقليم مرة أخرى. وفي فجر 31 أيار، حاصرت القوات البريطانية مكاتب جند الله في قرية عبد الغفار خان. وعندما رفضوا الأوامر بخلع زيهم، جردتهم القوات البريطانية من ملابسهم بالقوة وأوسعتهم ضرباً وأحرقت مكاتبهم، ونهبت القرية واعتقلتهم جميعاً. وجرت وقائع مشابهة في كل أنحاء الإقليم. وبالرغم من هذا القمع الوحشي، التزم جند الله باللاعنف.

لقد أزعج هذا الالتزام الكامل باللاعنف من جانب البتهانيين السلطات البريطانية، وحاولت أن تدفعهم للجوء للعنف إلا أنها فشلت. لقد كان خان قد جند ألفاً فقط من جند الله قبل اعتقاله، إلا أن عددهم وصل إلى ما يقرب من 80 ألف في نهاية صيف عام 1930 بسبب القمع البريطاني الوحشي. وفي عام 1933، لم يجد البريطانيون مفراً من التراجع وإعلان الإقليم مستقلاً ذاتياً على قدم المساواة مع الأقاليم الأخرى.

وقد واصل خان نضاله اللاعنيف خلال الثلاثينات والأربعينات والخمسينات، وقضى خمسة عشر عاماً في السجن خلال حياته.

وتمثل حركة البتهانيين في بيشاور أهمية خاصة من زاويتين:

الأولى: أنها أزالت خرافة أن اللاعنف يصلح فقط للشعوب السلمية أصلاً.

الثانية: أن جند الله يمثلون نموذجاً مبكراً لجيش لاعنيف.



(1) ـ الترجمة الحرفية (خدم الله) وما أثبتناه هو الأليق.

 

أرشيف (مقاومة)

الثورة الفلبينية في عام 1986

درس من جنوب إفريقية

درس من حركة التضامن في بولنـدا

كيف قهر شعب الجنرالات

رسالة من النرويج

ثم الوحدة الوطنية

في تجاوز الفروق

لا تكن بعيدا

حجرٌ...  حجر تعلو الدار

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ