العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 25 / 01 / 2004


درس من حركة

التضامن في بولنـدا

1980 ـ 1982

تتميز تجربة حركة التضامن، أنها جرت في مواجهة نظام شمولي بوليسي يشبه إلى حد بعيد الأنظمة الشمولية الثورية السائدة في عالمنا العربي من حيث الطرائق والوسائل.

ربما الفارق الأساس الذي يمكن أن يلحظ بين تجربتين متزامنتين: سورية ومحاولة التغيير 1979 ـ 1982. وبولندا 1980 ـ 1982

أن السوريين في محاولتهم للتغيير سيطر عليهم النزق والانفعال فاندفعوا في تيار العنف بتلقائية، فزجوا بأنفسهم في معركة غير متكافئة،  مما أفقدهم قوتهم، وأعطى السلطة المبرر لاستئصالهم.

كما أنهم لم يحظوا، في الوقت نفسه، بالغطاء الإعلامي الدولي الذي حظيت به حركة التضامن وواليسا إبان الحرب الباردة.

كان اللجوء إلى العنف خطيئة السوريين الكبرى، الذين ثبت أنهم كانوا عفويين وغير منظمين.. كما كان عجزهم عن تقديم أنفسهم للعالم، وإسقاطهم المعادلة الخارجية من حساباتهم خطيئتهم الثانية.. وبين هاتين الخطيئتين القاتلتين ارتكست الحياة السياسية في سورية نصف قرن إلى الوراء. التجربة المرة لا تعني أن نتوقف عن المحاولة، ولا سيما إذا استفدنا من الدرس. نتأمل تجربة بولندا التضامن وواليسا ليكون في الدرس بعض الغنى. وهو درس يؤكد على قدرة المواطن العادي (العامل) (الفلاح) (المثقف المهني) أن يتحمل مسؤولية التغيير بعيداً عن التعلل بالأعذار.

(اختارت حركة التضامن في بولندا الأساليب اللاعنفية في شكل الإضرابات والمظاهرات وعدم التعاون والأعمال الرمزية لمقاومة العناصر الشمولية في النظام البولندي. وقد اعتبر بعض المؤرخين حركة التضامن بمثابة أكثر أشكال المقاومة فعالية التي شُنت ضد نظام شيوعي على الإطلاق.

وبالرغم من أن الإضرابات الكبرى التي قادت إلى تشكيل (التضامن) حدثت في صيف عام 1980، إلا أن هناك سوابق تاريخية مهدت لقيامها. ففي عقود ما بعد الحرب الثانية أعلن العمال البولنديون معارضتهم، في شكل إضرابات ومقاطعات للعديد من سياسات الحكومة البولندية. وفي هذا الإطار، حدثت إضرابات كبرى في حزيران 1956 وفي كانون أول 1970 وفي حزيران 1976. وقامت القوات الحكومية بسحق كل هذه الإضرابات.

وفي أيلول 1976، نشأت لجنة الدفاع العمالية لمساعدة العمال المعتقلين في إضرابات ذلك العام في (رادوم وأورسوس). ويعتبر قيام هذه اللجنة بمثابة خطوة أساسية قادت إلى تشكيل (التضامن)، وقد تولت تدعيم اللجان العمالية وفي وقت لاحق قدمت النصائح للتضامن بخصوص استراتيجيتها التنظيمية. وأحد الخطوات الهامة الأخرى التي قادت لقيام التضامن تمثلت في قيام لجنة النقابات العمالية الحرة في الساحل التي نشأت في (جدانسك) من 30 نيسان 1978. وساهمت كلتا المنظمتين في تشكيل الخلايا الأولى لحركة التضامن.

وفي تموز 1980، أعلنت الحكومة عن زيادات في أسعار اللحوم. وبالرغم من محاولات الحكومة للحيلولة دون اندلاع إضرابات بالإعلان عن زيادات في الأجور، إلا أن نحو 150 مؤسسة أعلنت الإضراب في تموز ومطلع آب، وفي 14 آب 1980، أعلن عمال حوض بناء السفن في جدانسك الإضراب احتجاجاً على طرد القائد العمالي أنا والينتينوتيس. وسرعان ما حذا حذوهم عمال من مصانع أخرى أعلنوا الإضراب لأسباب مماثلة وللتضامن مع عمال جدانسك. وشكل المضربون بقيادة ليش واليسا لجنة لتنظيم الإضرابات داخل المصانع تضم ممثلين عن كل مؤسسة مضربة. وأعد هؤلاء قائمة تضم 21 مطلباً من بينها حق العمال في إنشاء نقابات عمالية حرة، وحق الإضراب، وعودة أنا والينتينويتس وليش واليسا للعمل (وكان واليسا قد طرد من العمل منذ سنوات)، وحربة التعبير والطباعة والنشر. وأعلنت الكنيسة الكاثوليكية تأييدها للعمال المضربين. وتوجه ممثلون للمصانع المضربة إلى جدانسك، وفي 22 آب صدر أول عدد من نشرة (التضامن) متضمنة أخبار الإضراب.

وفي البداية، رفض قادة الحزب الشيوعي الحديث مع اللجنة الممثلة للعمال المضربين، إلا أنه من 22 آب، وافق نائب رئيس الوزراء جاجيلسكي على التفاوض. وبدأت المفاوضات في اليوم التالي. وفي 26 آب أصبحت اللجنة الممثلة للعمال تضم ألف وفد يمثلون خمسمائة مؤسسة، وهددت بتنظيم إضراب شامل في الأول من أيلول. ونتيجة لذلك، اضطرت الحكومة لتوقيع اتفاقية في 31 آب 1980، وافقت فيها على الاعتراف بشرعية حركة النقابات العمالية الحرة وعلى الإقرار باستقلالية النقابات والموافقة على حق الإضراب. وبهذا الشكل، كان العمال البولنديون قد أحرزوا لأول مرة نجاحاً باهراً في النضال من أجل حقوق العمال.

وفي 17 أيلول، التقى ممثلون لخمسة وثلاثين اتحاداً نقابياً في جدانسك وأعلنوا تشكيل التضامن، اتحاد العمال البولندي الحر، وأبدى ثلاثة ملايين عامل استعدادهم للانضمام إلى الاتحاد. وفي 29 أيلول، دعا التضامن إلى إضراب تحذيري لمدة ساعة في 3 تشرين أول احتجاجاً على عدم تطبيق السلطة لاتفاق 31 آب بالكامل. وفي  10 تشرين الثاني، اعترفت المحكمة العليا في بولندا رسمياً بشرعية التضامن.

وفي أواخر عام 1980، أصبحت التضامن تضم ما يقرب من عشرة ملايين عامل. وفي 2 كانون الثاني 1981، بدأ الفلاحون في رزيسزو إضراباً انتهى بتشكيل (تضامن) فلاحية. وفي 19 آذار اعتدت قوات البوليس بالضرب على ثلاثة من قادة التضامن في بيدجوسزس. وعلى الفور، دعت التضامن إلى إضراب تحذيري في 27 آذار لمدة أربع ساعات وهددت بالدعوة إلى إضراب شامل في 31 آذار إذا لم تقم السلطات بمعاقبة المسؤولين عن الاعتداء، وتم إلغاء الإضراب بعد التوصل إلى تسوية.

وفي أعقاب إضراب التضامن في أواخر 1981، قرر ياروزيلسكي القائد الجديد للحزب الشيوعي البولندي التصرف بحزم وأعلن في 13 كانون أول (حالة الحرب). وهكذا تم اعتقال ما يزيد على ألف من قادة التضامن وتم إعلان قانون الطوارئ الذي تم بمقتضاه فرض حظر التجول وفرض الرقابة وحظر الاجتماعات العامة. واقتحمت قوات الأمن المصانع وسحقت الإضرابات، وتم اعتقال آلاف العمال في الأشهر القليلة التالية.

ولم تنجح هذه الإجراءات القمعية في القضاء على التضامن. وبالرغم من اعتقال عديد من قادتها، إلا أن التضامن تحولت إلى العمل السري، وشكلت لجنة مؤقتة للتنسيق في 22 نيسان 1982. ونجحت التضامن في تنظيم مظاهرات ضخمة في 1 أيار و31 آب 1982، وفي تموز 1984 صدر عفو عام عن عديد من قادة التضامن. واستمرت التضامن تمارس نشاطها السري بإصدار الكتيبات والصحف وخلق مؤسسات بديلة والدعوة إلى احتجاجات رمزية. وفي 30 أيلول 1986، تم تشكيل مجلس مؤقت للتضامن بصفة علنية لتنسيق الأنشطة مع لجنة التنسيق السرية. وبقيت التضامن حركة فعالة للمقاومة اللاعنيفة في مواجهة الشمولية).

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ