العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 04 / 01 / 2004


عيون وآذان (29 كذبة)

جهاد الخازن / الحياة / 2003/12/20

الضجة التي رافقت اعتقال صدام حسين بالشكل المهين الذي رأيناه على شاشات التلفزيون يجب ألا تحجب الحقيقة الأصلية في موضوع العراق, وهي ان الحرب شنت لأسباب كاذبة تماماً, فلا أسلحة دمار شامل, ولا تهديد ممكناً, ولا علاقة مع القاعدة... لا شيء من 29 كذبة عرضتها واشنطن ولندن وهما تستعدان للحرب.

الثابت في موضوع صدام حسين هو انه ارتكب جرائم حرب رهيبة على امتداد عقود حكمه الظالم المظلم, وان أسوأ هذه الجرائم ارتكب في الثمانينات, وانتهاء باحتلال الكويت, عندما كانت الولايات المتحدة حليفته وتساعده (هذه حقيقة لا أقصد بها ولو تلميحاً ان الولايات المتحدة شجعته, وإنما هو شجع نفسه بوجود أقوى دولة في العالم الى جانبه).

الثابت كذلك, وهو ما أنا في سبيله اليوم ان صدام حسين كان معارضاً للسلام في الشرق الأوسط, وقد حاول دائماً كسب شعبية بالاستفادة من الاجماع العربي على القضية الفلسطينية, ولعب دوراً معطلاً تنبه له أكثر الاخوان في قيادات الفصائل الفلسطينية, وهو دعا قادة حماس والجهاد لزيارة بغداد مرة بعد مرة, ووعدهم بمساعدات مالية غير محدودة, إلا أنهم رفضوا التعامل معه, وقد حدثتهم عن الموضوع في حينه, وكتبت عنه في هذه الزاوية.

وظلت قدرة صدام حسين على تعطيل العملية السلمية محدودة لبعده عن المواجهة, ثم الحصار الذي فرض على العراق. غير ان قدرة آرييل شارون على تعطيل العملية السلمية بلا حدود, وطالما ان الاميركيين ازالوا عقبة صدام في وجه السلام, فإنه يبقى ان يزيلوا عقبة مجرم الحرب الأقدم آرييل شارون.

إدارة بوش لن تخطط لتحالف ضد شارون, فهي لا تزال تعتبر اسرائيل ديموقراطية... ديموقراطية القتل والتدمير ومعسكرات الاعتقال النازية, غير ان السلام في الشرق الأوسط لن يجد فرصة إلا اذا زال شارون عن الخريطة كصدام, فهذا ثابت آخر أفرزته الحرب الأميركية على العراق.

ولعل من القراء من سمع كيف أن شارون نقل التهمة عنه بعد اعتقال صدام حسين, فقال ان اطاحته درس لسورية والسلطة الفلسطينية, مع ان الدرس هو لشارون وحده.

بقدر ما ان شارون شبيه صدام حسين في الجريمة, فإن سورية نقيض عراق صدام حسين, وعندي للقراء قصة تغني عن شرح.

بعد عودة "الحياة" الى الصدور في لندن سنة 1988, اتصل بنا مسؤولون عراقيون, أذكر منهم نزار حمدون الذي عرفته سفيراً لبلاده في واشنطن ثم الأمم المتحدة, وطلبوا ان توزع "الحياة" في العراق.

وكلف مجلس الادارة الزميل جورج سمعان, رئيس التحرير الحالي, ومدير التحرير في حينه, أن يذهب الى بغداد لترتيب توزيع "الحياة", فذهب وفي جيبه طلب موقع لعرضه على السلطات المعنية.

أخونا جورج, وهو موجود ويمكن مراجعة التفاصيل معه, قابل كبار المسؤولين, بمن فيهم طارق عزيز, وانتهى مع لطيف نصيّف جاسم, وزير الاعلام في حينه.

كانت جلسة حميمة, وقال الوزير ان العراق يرحب بـ"الحياة", وأكد انها ستكون في بلد حر ومن دون رقابة البتة. وهمّ جورج بإخراج طلب التوزيع من جيبه, لولا ان الوزير أكمل قائلاً ان هناك شرطاً صغيراً واحداً. وسأله جورج بارتياب: ما هو؟ وقال لطيف نصيّف جاسم: لا تنشروا أي شيء عن سورية.

واستغرب الزميل هذا الطلب "الصغير" وسأل الوزير كيف لا ننشر أي خبر عن سورية, فقد يزورها رئيس دولة أو تجري اتصالات مع الأميركيين, أو تعلن موقفاً من القضية الفلسطينية.

ورد الوزير العراقي وقد بدأ صوته يرتفع بطريقة ديموقراطية: قلت لك ولا خبر... ولا خبر عن سورية. سورية غير موجودة على الخريطة.

وعاد جورج سمعان الى لندن وأوصى مجلس الإدارة بنسيان التوزيع في العراق, وهكذا كان. وعندما احتلت الكويت أغلق مكتبنا في بغداد, وأنكرنا مراسلنا وأنكرناه صوناً لحياته, ولم نعد إلا بعد سقوط النظام, فكانت "الحياة" أول صحيفة عربية توزع في العراق.

النظام السوري كان دائماً أول عدو لنظام صدام حسين وأكبر عدو. وفي حين أن أنظمة عربية أيدت صدام حسين في حربه على إيران, ولزمت أنظمة اخرى الصمت, فإن دمشق كانت العاصمة العربية الوحيدة التي انتصرت لطهران, وتعرضت لحملات عراقية وعربية أخرى, وصمدت في موقفها, فيما كانت الولايات المتحدة تساند نظام صدام وتشجع الرئيس الأحمق على خوض مغامرات أخرى, حتى وقع على رأسه باحتلال الكويت.

ان كان هناك من شبه بعد سقوط صدام فهو مع آرييل شارون, مجرم الحرب الذي يبني سداً في وجه السلام, ويعرض أرواح الاسرائيليين والفلسطينيين الى مزيد من الأخطار.

كان إسقاط صدام انجازاً للقوات الأميركية فهو ما كان ممكناً من دون تدخلها, والخطوة التالية مع تعذر اسقاط شارون في حرب مماثلة, هي عزله سياسياً والتمهيد لقيام حكومة اسرائيلية تعمل للسلام.

انتهى مقال الأستاذ جهاد الخازن

 

كل الفظائع التي تتم في عالمنا العربي تجد غطاءها عند المثقفين والصحفيين المتحضرين جداً. هذه وثيقة نهديها إلى الأستاذ الصحفي اللامع (جهاد الخازن) ونضع أمامها ما نشره في زاويته (عيون وآذان) بتاريخ 20/12/2003، لترى العين وتسمع الأذن.

كل الذين يغطون على فظائع الاستبداد أينما كان هم شركاء فيه.

من شهادة رضا حداد

مقتطفات من شهادة نشرت بعدة لغات للمرحوم الصحفي رضا حداد الذي تعرفت إليه في المستشفى الفرنسي في دمشق وشاهدت بسمته وهو يودعني قبل أن يخطفها الموت الذي كان يصارعه بسبب إصابته بسرطان الدم. هذا المرض الذي أودى به بعد ثمانية أشهر من خروجه من السجن الذي قضى فيه خمس عشرة سنة بين 1980 و1995 بتهمة مناهضة الثورة.

(.. أنت في السجن تفقد خصوصيتك، فرديتك تضمحل.. تصبح نهباً للتوتر وعصبياً، ليس من لوائح نظامية دائمة تحدد حقوقك وواجباتك، بل أنت خاضع خضوعاً مطلقاً لمزاج وأهواء ليس مدير السجن وحسب، بل لمزاج أصغر عنصر أمن من حراس جناحنا أو قسمنا في مختلف السجون التي تنقلنا فيها. معظم ضباط الأمن كانوا يقولون لنا وبالحرف الواحد (حقوق، عن أي حقوق تتحدثون ؟) (بسخرية وهزء) ليس لكم حقوق رغبتنا فقط وما نريده نحن هو الحق الوحيد).. حتى أن أحد الزملاء اغتاظ يوماً وقال: (إذا كان لا يوجد لنا حقوق، لماذا تكون علينا واجبات، لماذا القوانين السورية ؟ حتى قوانين وأنظمة السجون تتكلم عن حقوق السجين، أنتم لا تتقيدون بشيء). صرخ الضابط في وجهه وكان برتبة مقدم: (هذا القانون الذي تتحدث عنه في قفاي وحذائي).

معظم عناصر أجهزة الأمن وضباطه من الريف، من النادر أن تجد عنصراً أو ضابطاً من المدينة، أية مدينة في البلاد.. وريف البلاد عاش فترة لا بأس بها شبه معزول عن المدينة والمدنية، غير أن التعبئة المنظمة من قبل مسؤولي الجهاز الأمني للعناصر كانت تجعلهم في بعض الأحيان شرسين جداً ولؤماء في التعامل معنا كسجناء سياسيين. بعضهم بسبب انتمائهم لمناطق معينة، أو لمذهب معين، والبعض الآخر خوفاً من السلطة والعقاب. كان يفتعل العقاب لسجين ما ليثبت ولاءه للجهاز الذي يعمل فيه..

انتماؤنا السياسي وحده لا يشكل سوى عامل واحد من عوامل الضغط علينا.. المسألة ببساطة خارطة عشوائية من العوامل.. تلك كانت مشكلة حقيقية عانينا منها أن نكون بشراً مباحين للشتم وكذلك للإهانة والضرب في كل لحظة ولأتفه الأسباب. وكما قلت استمر ذلك حتى عام 1989 حين تم تغيير مسؤول سجننا..

المرعب والشيء الذي يضغط على أعصابك ويجعل حواسك ومخاوفك وهواجسك المتبقية والمترسبة في أعماقك تستيقظ مجدداً، حتى أنك تلهث أحياناً لدرجة الشعور بالاختناق وتشعر بالغيظ والقهر عندما تتناهى إلى مسامعنا خاصة في ساعات الليل أصوات التعذيب في غرفة التحقيق، أصوات العصي والكابلات وهي ترتطم باللحم الآدمي.. تتلوها صرخات وحشية.. شيء ما يتحطم في داخلك.. أحياناً كثيرة كنت لا أستطيع احتمال وتيرة الصوت المشحون بالألم والعذاب، فأرتجف وتنهمر دموعي قهراً وذلاً.. مع أن الأمر كان يتم بشكل أسبوعي أكثر من مرة، وكان أكثر ما يشق علي أن تكون المعذبة امرأة..

اعترضنا في إحدى المرات أمام ضابط مناوب على تعريضنا مرة أخرى ولفترة طويلة لمشاعر قاسية وعلى تعذيب الآخرين.. استغرب طلبنا واعتراضنا وقال (اتفضلوا امسكوا البلد عنا وقولوا لنا شو لازم نعمل ولك شو نحنا بالسويد ولاّ‍ بسويسرا) ولن أقول أكثر من ذلك..

كنا نقضي كل يوم في الغرفة اثنتان وعشرون ساعة وثلث، وعند النوم تكون حصة الواحد ما عرضه 30 سم فقط. ضاق بنا الأمر وكثرت الضغوط علينا وكلما كبرت الضغوط يسود التوتر بيننا وتنشب الخلافات بين السجناء. إن قدرة الناس على الاحتمال مختلفة. ومخاوفهم مختلفة وشروطهم مختلفة، لذلك تولد ضغوط السجن الطويل أحياناً ظاهرة مدمرة مثل (هوس الريبة والشك) وحدثت حالات كثيرة من انفصام الشخصية. كما تولد أمراضاً بسيطة قابلة للعلاج مع الزمن مثل تركيز سجين لوساوسه ومشاعره المكبوتة ومخاوفه على شخص آخر، غالباً ما يكون أحد زملائه في غرفته، ونادراً ما يكون أحد السجانين. فيبدأ الإحساس لمشاعر الكراهية نحوه وبانتقاده سراً وعلناً وتحميله كل الرذائل والآفات الممكنة.. هذه الحالة كانت تتولد بين الحين والآخر بين عدد لا بأس به من السجناء، وأعتقد بأنها نوع من التفريغ لطاقة العدوان المتولدة من القهر والكبت.

المثل يقول عندنا (الذي لا يذوق المغراية لا يعرف الحكاية).. عندما يسحق الإنسان إلى درجة حرمانه من أشيائه الصغيرة والعادية في حياته اليومية، عندما يوضع في أمكنة لا تنتمي إليها روح الإنسان ويجرد من كل شيء حتى من اسمه ويتحول إلى مجرد رقم.. أخذنا نكتشف بالتدريج أن إدارة الجناح تعمدت أن تمارس ضغوطاً متتالية نفسية علينا بافتعال حراس السجن للمشكلات معنا بين الفترة والأخرى من أجل إيقاع العقاب بالزملاء لأتفه الأسباب.. ولسبب تافه جداً حصل ذات يوم أن رفض أحدنا إخراج قمامة الإدارة والسجانين إلى مكان التجميع. فما كان من عناصر حراسة السجن إلا أن انهالوا بالضرب عليه وأخذوا يصفعونه ويلكمونه ويركلونه في رأسه ووجهه وكافة أنحاء جسده: (ما بدك تخدمنا يا..، ولك بدك تخدم حذاءنا وتلمعه بوجهك)، وأجبره على الجلوس في دولاب السيارة المطاطي وأخذ يضربه بوحشية على قدميه العاريتين بكابل من النحاس ويركله ويشتمه ويصفعه في مختلف أنحاء جسده، ويأمره بمسح طاولة مكتبه من الغبار. رفض زميلنا رفضاً قاطعاً وأصر على رفضه: (أنا لست خادماً لكم ولا يمكن أن أجبر على القيام بعمل لا أرتضيه)، فدفع ثمن عناده أسبوعاً من التعذيب اليومي لمدة ساعتين كل يوم.. رفس ولكم وركل وصفع وضرب بالعصي والكابلات النحاسية بالإضافة إلى بلّ جسمه بالمياه قبل الضرب وأثنائه وسكب الماء البارد عليه لفترات طويلة دون أن يفوزوا بمرادهم. إنه الزميل الذي لا زال حتى الآن في السجن (محي الدين).

ساد الجناح وجوم وحزن شديدان لسماعنا أصوات التعذيب وآلام زميلنا.. كان يستنجد بنا، لكننا تأخرنا في نجدته لأن معظم السجناء كان يعيش تحت كابوس انتقام الإدارة منا، ونقلنا إلى سجن تدمر الرهيب. ولأن ذكرى مذبحة سجن تدمر التي وقعت في صيف عام 1980 وأسفرت عن قتل أكثر من ألف سجين أعزل، لازالت تعيش وربما حتى اللحظة في ذهن كل سجين. وكثيراً ما كان ضباط الأمن يلجأون إلى هذا التهديد (سننقلكم إلى سجن تدمر) كلما شعروا بأننا نسعى للمطالبة بتحسين شروط وجودنا واستعادة جزء بسيط من حقوقنا كبشر.

لا يمكنني في هذه العجالة أن أتحدث عن شروط الوجود في سجن تدمر، فقد كتب آخرون عن الموضوع، وسمعت عدداً هائلاً من الأمور الغريبة، التي كان عقلي ووجداني يرفضان تصديقها حتى بعد مروري لسنوات بتجارب مريرة في السجن.. لأنها ببساطة أشياء مذهلة لا تصدق.. فهل يمكن أن يتحول الناس إلى مجرد موضوعات تمارس عليهم أشد أساليب التعذيب الجسدي والمعنوي والتجويع وقتل عدة أشخاص يومياً بشكل عبثي دون أي سبب مباشر ؟ هذا ما كان يحصل في تدمر. ما رواه عشرات بل مئات الأشخاص الذين عادوا من هناك بعد عام 1985 بالتدريج.

كانت لدى معظم السجناء صورة واضحة عن ذلك السجن، لذا كان يكفي ذكر اسمه من قبل ضابط الأمن ليشكل ضغطاً نفسياً هائلاً ورادعاً مخيفاً. العديد من الزملاء الذين عرضوا للضغط والضرب والإذلال والشتيمة خلال فترة السجن كانوا يصابون بأعراض كابوسية أثناء نومهم، وبعضهم كان يستيقظ هلعاً وهو يصرخ وينفجر بالبكاء وتستولي عليه نوبة من الهستيريا لعدة دقائق فيصاب بتشنج وتصلب في جسده، ويبدأ جسده بالاهتزاز كأنما تيار كهربائي قوي يسري فيه، حدثت هذه الحالة لعدد لا بأس به من الزملاء.. بعضهم أصيب بأمراض نفسية حادة كالزميل والأخ (مصطفى الحسين) ورغم قرار لجنة طبية مدنية لم يفرج عنه.

بين الفترة والأخرى كانت تحدث هذه الانهيارات العصبية ونوبات الهستريا المؤقتة.. أما الكوابيس الليلية فكانت تلازم بعض الأفراد، والبعض الآخر بشكل متناوب.. إنه الحصر.. إنه الرعب والهلع أن تقضي بقية حياتك في السجن وبأن السلطة كلية القدرة وتفعل ما يحلو لها. ولكن كيف يمكن لروح الإنسان أن يتحمل كل هذه العذابات دون أن تئن أو تختلج شاكية ؟

في عام 1986 ـ 1987 تعرضنا لخفض كبير في مخصصاتنا الغذائية، ثلاث وجبات شحيحة، لا يمكنك أن تتخيل أن إفطارك هو 50 غرام مربى وبيضة أو عدة حبات زيتون فقط. الغذاء يفتقد إلى النظافة وافتقدنا اللحم. ربما قد تبلغ حصة الفرد في ثلاث وجبات وفي الأسبوع 60 غرام، وعلى العشاء حبتي بطاطا مسلوقة، أو بيضة أو 50 غرام حلاوة، أو عدة حبات من الحمص أو الفول، ونحصل على ثلاث أرغفة من الخبز يومياً وزنها الإجمالي لا يتعدى 350 ـ 400 غرام. هذا الوضع الذي استمر عامين أدى إلى انهيار مناعة أجسادنا، فتفشت مختلف أنواع الالتهابات في السجن. فأكدنا عدة مرات على المطالبة بالسماح لنا بشراء الأطعمة من خارج السجن وأن يسمح لأهلنا لإحضار بعض المواد الغذائية.. لم تتم الاستجابة الكاملة حتى أواخر 1987.. وبعد تدهور الوضع الصحي إلى حد كبير لمرضى الجهاز الهضمي الذي لا يتوافق نوع الغذاء المقدم في السجن مع حالاتهم الصحية.

في عدة مرات ولكسر معنوياتنا وممارسة ضغوط علينا يحضر ضابط أو أكثر من الفرع الإداري ليطرح علينا إمكانية إطلاق سراحنا شريطة أن نقدم بياناً بالانسحاب من الحزب والتخلي عن ممارسة أي نشاط سياسي، وإعلان القبول بالتعاون مع الأجهزة الأمنية ووضع أنفسنا تحت خدمتها. البعض يرفض وآخرون يستجيبون.

لا يمكن أن أنسى من ماتوا معنا في السجن قهراً.. أو نتيجة للتعذيب الذي تعرضوا له الأخ (عبد الرزاق أبازيد) نتيجة إصابته بالتهاب رئوي حاد إثر تعرضه في فترة التحقيق للضرب الشديد وتعريضه للماء البارد جداً، بأن يوضع في بركة من الماء شبه المثلج ثم يوضع في زنزانة دون أغطية ولعدة أيام، قضى نحبه بعد شهرين أو ثلاثة. الشيخ (أبو سليم المصري) قضى نحبه بعد قضائه سبع سنوات في السجن وهو رجل طاعن في السن تجاوز السابعة والستين من العمر. تهمته الوحيدة هو وأولاده الاثنين وأخيه وأزواج بناته الاثنين وابن أخيه أنهم من عائلة المصري، وهم موقفون كرهائن حتى يسلم ابن الشيخ المطارد والمطلوب للأجهزة الأمنية نفسه. توفي الشيخ بصمت وجلال إثر نوبة قلبية تعرض لها بعد منتصف ليل أحد أيام 1990.

(عبد المجيد أو شالة) مهندس كهرباء، حلبي اعتقل عام 1980 إثر بيان النقابات المهنية، أصيب بسرطان الأمعاء عام 1989 وقضى نحبه بعد أن تأكدوا من إصابته بالمرض وأن لا أمل من شفائه أفرجوا عنه، لكنه توفي بعد شهرين من خروجه من السجن.

وأخ لنا، قيادي التنظيم الشعبي الناصري (أحمد رجب) والذي توفي إثر نوبة قلبية أصيب بها بسبب الإجهاد الذي تعرض له بنقله من سجن ادلب إلى فرع تحقيق الأمن في دمشق وحلب وادلب. وكانت المفاجأة إخبار العقيد له بأنه سيتم تحويله إلى محكمة أمن الدولة العليا. وهذا ما كان يخشاه لأنه بذلك سيفقد وظيفته وعمله وهو أب لخمسة أطفال يعانون من الحاجة والحرمان منذ دخوله إلى السجن عام 1986، وبعد نقله بساعات إلى سجن عدرا توفي ليلاً..

تجنبت طول الحديث السابق الكلام عن مرحلة الاعتقال الأولى، وفترة التحقيق لأن ذكراها تؤلمني.. تشوشني، وتحيي في داخلي كل مشاعر الذل والمهانة والألم النفسي.. عندما تصبح لا شيء وهم يؤكدون بوسائلهم في كل لحظة أنك مجرد رقم يمكن أن تمحى ليس من سجلاتهم بل من الوجود متى شاؤوا وببساطة.. رقمي أنا كان (61).. وهذا ما علمته بعد عودتي من المشفى إلى فرع التحقيق. قضيت في المستشفى سبعة أيام، اثنين منها في غرفة العناية المشددة وأنا بحالة غياب كامل عن الوعي. والسبب ببساطة طلبوا مني بعد اعتقالي بدقائق وأنا معصب العينين ومغلول اليدين والقدمين، طلب مني (هشام بختيار) وهو عميد حالياً، كما طلب فيما بعد اللواء (علي دوبا) رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية، تزويده بمعلومات لا أملك عنها شيئاً. قال: (قل ما نريد وستعود إلى عملك وبيتك، أنت صحفي ومثقف ونحن لا نريد إيذاءك). رغم شعوري بالخوف ابتسمت في سري، خمسة عناصر مسلحين بالرشاشات (الكلاشنكوف) يسوقوني في منتصف الشارع ويخطفوني من الطريق، يعصبون عيني ويكبلون يدي بالأصفاد.. ويقول (لا نريد إصابتك بأي أذى ؟) أكدت لهما عدة مرات أني لا أملك معلومات عن الموضوع الذي يحققون به.. نعم صديق ومؤيد لخط الحزب الشيوعي ـ المكتب السياسي، لكن هذا لا يعني امتلاكي للمعلومات التي تطلب، أجبت السيد (علي دوبا).

وبدأت دورة العذاب الجهنمية التي تركت آثارها في أيامي وطيلة حياتي المتبقية.. آثارها جسدية تمثلت بأعطال شبه دائمة وأخرى مؤقتة، وآثار نفسية لن تمحيها السنوات. علقت على سلم حديدي مرتفع، يدي مشدودة إلى عارضة حديدية وجسمي يلوح في الهواء مرتفعاً على الأرض بقدر متر تقريباً، بعد أن جردت من كافة ملابسي.. كل هذا وعيني معصوبتين بعصابة سوداء مع عدة لكمات في البطن وأسفل الظهر.. لم أستطع تحديد الوقت الذي بقيت فيه معلقاً أتأرجح في الهواء. كل ما أذكره الألم الفظيع في عضلات الإبطين.. ثم تشنج.. وغياب عن الوعي.. صحوني لتبدأ مرحلة أخرى من العذاب.. الضرب بالكابلات على القدمين حتى تورمتا تورماً كاملاً.. وكلا الضابطين يعيدان نفس الأسئلة أثناء عملية الضرب.. وأنا أؤكد أني (لا أملك أية معلومات تفيدهم في الموضوع المطروق) وإغماء مرة أخرى.. وجدت نفسي مربوطاً إلى كرسي وركبتي تبرزان إلى الأمام بسبب ثني ساقي وربطهما بطريقة لا أعرف كيف تتم حتى هذه اللحظة، لأني كنت في حالة تشوش عالية.. ولاتزال العصابة على عيني وفخذي في وضعية الفسخ.

تناول العميد (هشام) جسماً صلباً مفلطحاً وأخذ يضربني بشدة ولؤم على ركبتي ويكيل السباب والشتائم بلغة فاحشة مليئة بالرذيلة: (يا.. يا..) وأنا أكرر الإجابة ذاتها. كان اللواء (علي دوبا) يلكمني ويركلني بقدميه.. وقال: (والله يا.. يا..) أصبت بدوار شديد وشعرت برغبة شديدة في تقيؤ كل محتوياتي في وجه هذا الوحش. غبت عن الوعي مرة أخرى.. وصحوت لأجد نفسي ممدداً على الأرض.. وقد ربطوا بأصابع يدي ورجلي سلكين كهربائيين.. وبدأ التيار يسري في جسدي وأنا ممدد على أرض مبللة بالماء.. العميد بختيار يقف عند رأسي واللواء على دوبا يجلس على كرسي. للحظات قليلة استطعت مشاهدته من خلال فرجة تحت عصبة العيني السوداء لأني كنت في وضعية استلقاء كاملة. كان يرتدي بنطالاً سكرياً حريرياً.. يضع رجلاً على رجل وفي فمه سيكار ضخم.. ويحمل في يده كأساً من الويسكي. هذا ما شاهدته حقاً وأنا أرتعد من سريان التيار الكهربائي في جسدي والألم يمزق كل خلية في جسمي وبشكل خاص دماغي. كانوا يقفون للحظات يعيدون السؤال.. ثم يسكبون الماء على جسدي، ويعودون لتمرير التيار الكهربائي.

لم أستطع معرفة مقدار المدة الزمنية التي قضيتها تحت التعذيب، في المرحلة الأخيرة لم أعد أقدر على احتمال الألم، رأسي كرة تلتهب، أشعر بأني أتمزق وأتلاشى، دماغي تكاد تنفجر من شدة الألم، والتيار لا يتوقف عن السريان في عروقي. بيأس كامل أخذت الطم رأسي بشدة بكامل القوة التي بقيت في جسدي، كنت أرفع رأسي لأخبطها وأضرب الأرض بشدة.. أخذوا يشتموني وأمسكوا برأسي.. وقف اللواء علي دوبا مغتاظاً من عدم حصوله على أي نتائج مرجوة لمعلومات لا أملك منها شيئاً وأخذ يركل رأسي بحذائه ويدوس على رقبتي ويدخل مقدمة حذائه في حلقي وهو يقول غاضباً: (بدي موتك يا.. يا..، تريد أن تموت بطل، سألبي لك رغباتك، موت يا..) وسمعت شتائم لم أسمعها طيلة حياتي من بشر. ثم تناول خيزرانة وأخذ يضربني بها على مختلف أنحاء جسدي.. وهشام يشاركه الضرب بكابل نحاسي.. لقد فقد صوابه، تكسرت عصاه، فتناول الكابل من يد هشام وأخذ يتابع ضربي بشكل هستيري.

لم أعد أشعر، غبت عن الوعي تماماً.. بعد مضي ساعات وجدت نفسي في مشفى لا أعرفه، علمت فيما بعد أنه مشفى المزة حيث قضيت سبعة أيام.. أعدت بعدها إلى فرع تحقيق المنطقة حيث قضينا خمسة عشر يوماً ملقيين على أرضية غرفة تقع تحت الأرض. خمسة وخمسون رجلاً في أربعة أمتار مربعة لا نعرف ليلاً من نهار، عيوننا معصوبة في الليل والنهار وأيدينا مكبلة بالأصفاد طيلة أربعة وعشرون ساعة، والسجان مقيم معنا في الغرفة. كل عدة ساعات يغيرون السجان الذي يحمل في يده كابلاً نحاسياً لمعاقبة كل من يحاول الكلام مع جاره.. العقوبة ضربات وركلات وشتائم لمن يهفو بحرف واحد إلى جاره الذي يلتصق جسده بجسده.. أو لمن حاول التخفيف من أثر العصابة على عينيه بأن يحك عينه من فوق العصابة الجلدية الضاغطة على العينين.

اكتشف بعد استعادتي لوعيي بالتدريج أني مصاب بشلل نسبي في يدي، فأنا لا أستطيع حمل السندويشة بأصابعي، بل بجماع كفي وكذلك كأس الماء. وبقيت حالة الشلل هذه مدة عشرة أشهر ثم أخذت تتلاشى بالتدريج.. كما أصبت بتمزق في غضروف ركبتي اليمنى.. وقد أجري لي عمل جراحي في بداية 1993 وتم استئصال الغضروف الممزق في مشفى حكومي. وها أنا أكتشف بعد أربعين يوماً من إطلاق سراحي بأني مصاب باللوكيميا (ابيضاض الدم). ورغم أني غادرت السجن إلا أنه لن يغادرني، فآثار آلامه تغلغلت في دمي، لكن روحي مازالت تهفو إلى الحرية والكرامة والعدالة.

مستفاد من كتاب (حقوق الإنسان والديمقراطية في سورية) الصادر عن اللجنة العربية لحقوق الإنسان.

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ