العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 31-12-2017


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

سورية.. الحوار "الوطني" أم الفصل السادس؟ .. يحيى العريضي

العربي الجديد

الخميس 28/12/2017

مشكلة الشعب السوري، أو حتى "الشعوب السورية" على الطريقة البوتينية، ليست مع بعضه بعضا. تعايش عقودا وقرونا، وما شكا يوماً من كل تلك الأمراض التي ألبسه إياها أو أسقطها عليه نظام الأسد. مشكلته ومصيبته الأساسية بنظامٍ بنى حياته على استراتيجية العداء والمواجهة والكره والاحتقار لهذا الشعب.

ومن الطبيعي، والحال هكذا، أن يبقى هذا النظام ناكرا متنكراً، ورافضاً أن يكون هناك صراع بينه وبين هذا الشعب، فالشعب بنظره لا يمكن أن يكون الند، ليكون هناك أي نزال أو مواجهة؛ فما بالك مفاوضات أو حوار! الشعب بنظره ليس إلا رعايا تسبح بحمد قائدها الرمز، الإله الذي لا يمكن لمخلوق سوري أن يرتقي لأي حالةٍ من التنافس معه، أو حتى الاعتبار من قبله. أبناء هذا الشعب لحم أكتافهم من خيره؛ تعلموا في مدارسه؛ هو من منحهم شهاداتهم، وهو من صرف على علمهم وطبابتهم وأكلهم وكسائهم. ولولاه لما توالدوا وزاد عددهم. من هنا، قال ماهر الأسد، في الشهور الأولى للانتفاضة السورية: "استلمناها ثمانية ملايين نعيدها كما استلمناها". ومن هنا كان تصريح أخي ماهر لصحيفة وول ستريت جيرنال: "في سورية لا يمكن أن يحصل كما يحصل في بلدان عربية أخرى". ما يعكس كيف ينظر النظام إلى هذا الشعب السوري. استخدم هذا النظام الكيماوي ضد الشعب، ولَم يرف له جفن؛ شرّد نصفه، ولَم يعبأ؛ قتل منه تحت التعذيب في معتقلاته الآلاف، وما خشي عقابا؛ اغتصب إناثه وحتى ذكوره، من دون التفاتةٍ أو وجل.

"حتى اللحظة لم يَرَ النظام في أي شخص هتف للحرية، أو قال إن ما يرتكبه النظام بحق سورية وأهلها جريمة، إلا خائنا مرتزقا"

حتى اللحظة لم يَرَ النظام في أي شخص هتف للحرية، أو قال إن ما يرتكبه النظام بحق سورية وأهلها جريمة، إلا خائنا مرتزقا تشغّله إحدى الدول. يطالب ممثله، بشار الجعفري، "مشغلي" المعارضة أن يسحبوا له بيان مؤتمر الرياض. المعارضة ذاتها التي وضعت البيان؛ بالنسبة له غير موجودة إلا كخونة وعملاء يحرّكهم أصحاب المؤامرة على دولة الصمود والتصدّي التي تقف في وجه إسرائيل. ومعروف مدى حرص إسرائيل على بقاء منظومة الأسد، لتكون الذريعة المناسبة لاستمرار دمار سورية وآلام شعبها.

يعتقد النظام أن من غير الممكن أن يقبل الجلوس مع المعارضة، فهي من الشعب الذي اعتاد التسبيح بنعمته؛ فكيف يمكن أن تكون ندّا له، أو يسمح لها أن تكون في حضرة مقامه السامي؛ فهذا اعتداءٌ على ذاتٍ لها قداسة. وأهم ما لديها هو السيادة التي لا يمكن لأحد أن يستبيحها. ومن هنا الوجود الأميركي في الشمال الشرقي السوري غير شرعي، لأنه لم يأخذ إذن الحكومة "الشرعية". أما الوجود الروسي والإيراني فيبدو أنهما أخذا إذنا من الحكومة "الشرعية ذات السيادة"، ولهذا فهو شرعي.

الحوار الوحيد الذي يعترف به النظام، ويمكن أن يجريه، هو "المصالحات". وتتم هذه بعد أشهر على حصار منطقةٍ وقصفها على مدار الساعة، وجعل أطفالها وشيوخها يموتون جوعاً أو مرضاً، ثم تتم المصالحة مع من تبقى من أهل ذلك المكان.

النظام لا يحاور، ولا يفاوض شعبه أو من يعارضه. يرى أن هناك إشكالات بين مختلف المكونات والطوائف، وها هي روسيا تدعوها له إلى سوتشي، كي تتحاور مع بعضها بعضا. وتعود وترجوه كي يغفر لها، ويقبل الاستمرار برعايتها كقطعان. تحتاج تلك النعمة التي أسبغها الله عليها بأن خصّها بتلك القيادة الحكيمة الملهمة. ولولا التدخل الروسي والتعب الروسي من أجل هذا الحوار بين السوريين، لما قبل أو غفر النظام لتلك الرعية أن تتحاور.

الأكثر من ذلك أن النظام قبل من الروس حتى السماح لأعضاء المؤتمر أن ينظروا في الدستور، وربما يحدّدوا عهد الرئيس بولايتين جديدتين حتى العام 2035؛ إلا إذا أصر الشعب أن يمدّد له ولايتين جديدتين حتى العام 2049.

وبالعودة إلى التجرؤ على مفاوضات النظام أو الحوار معه؛ لا بد أن النظام يستغرب أن يُدعى أساساً إلى مفاوضاتٍ مع ثلة من العملاء، وهو الذي لا ند له إلا الدول الكبيرة. ألم يقل وزير خارجيته مثلا إن قارة كاملة يعتبرها ممسوحةً عن الخريطة العالمية! فكيف يفاوض أو يحاور، وهو قد طرد الإرهابيين؟ وهو قد صمد في وجه الاٍرهاب كل هذه السنوات؟ وهو الذي يوقع معاهدات مع دولة عظمى؟ وهو الذي يمتلك ترساناتٍ من مختلف صنوف الأسلحة؟

لماذا يفاوض النظام، وهو يعتبر نفسه انتصر، بغض النظر عما هي حقيقة هذا الانتصار؛ فكيف يكون انتصارا على إرهابٍ هو ساهم بوجوده؛ وتحديدا "داعش"؟ كيف يفاوض وبظهره قوتا إيران وروسيا؛ ومن يدّعون أنهم معارضة أو ثورة ليسوا إلا مرتزقة؟ يكفيه أنه يسمح لألف وخمسمئة شخص ليباركوا له انتصاراته، ويباركوا هذه العودة الحميدة، بعد كل تلك الإنجازات في وجه المؤامرة... لماذا يفاوض، وداعموه سيف بظهره، وداعمو المعارضة سكين بظهره.

من هنا لا بد من التمسك بالقرارات الدولية، ولا بد أن توضع موضع التنفيذ في انتقال سياسي، يعيد السوريين إلى بيوتهم متطهرين من سموم منظومة الاستبداد. بإرادة هذا النظام، وبإرادة داعميه، لن تكون هناك فرصة لسلام حقيقي، عبر انتقال سياسي يخلّص سورية من التوتر والاستبداد والجريمة. وإن لم يحدث ذلك، لا بد من استصدار قرار دولي تحت الفصل السابع، يريح سورية والمنطقة والعالم من وباءٍ قل نظيره. وهذا ممكن، وروسيا لن تتمكّن من عرقلة ذلك، والاستمرار بحماية الجريمة باستخدام حق النقض (الفيتو).. السؤال؛ كيف يمكن أن يحدث ذلك؟

"لا بد من وضع اسم روسيا في الشكاوى المقدمة على النظام في مجلس الأمن شريكا مع النظام"

تقول المادة 27 مِن ميثاق الأمم المتحدة، والتي تنظم عملية التصويت في مجلس الأمن: لكل عضو من أعضاء مجلس الأمن صوت واحد. تصدر قرارات مجلس الأمن في المسائل الإجرائية بموافقة تسعة من أعضائه. تصدر قرارات مجلس الأمن في المسائل الأخرى كافة، بموافقة أصوات تسعة من أعضائه يكون منها أصوات الأعضاء الدائمين متفقة، بشرط أنه في القرارات المتخذة تطبيقا لأحكام الفصل السادس.

وتقول المادة الثالثة من المادة 52: "يمنع من كان طرفا في النزاع عن التصويت". وهنا لا بد من وضع اسم روسيا في الشكاوى المقدمة على النظام في مجلس الأمن شريكا مع النظام؛ حيث لا يحق لها التصويت باعتبارها شريكة؛ وبذا يتم توقّي استخدامها "الفيتو". ولسنا الوحيدين في القول إنها شريك؛ بل لا ينفك النظام ذاته وممثلوه عن قول ذلك تكراراً، وحتى التباهي به؛ وروسيا ذاتها ما اعترضت يوماً؛ هذا إضافة إلى اتفاقيات الشراكة بين روسيا الاتحادية وحكومة الأسد. وتجلت تلك الشراكة، طبعا بعد كل ما فعلت روسيا من أجل سلطة الأسد، في تصريح مبعوث الرئيس الروسي الخاص إلى سورية، ألكسندر لافرنتيف، بشأن مؤتمر بلاده في سوتشي، أن من يريد مناقشة رئيس سورية لا مكان له في هذا المؤتمر.

روسيا شريك لنظام الأسد في كل شيء. لا بد للأمم المتحدة أن تطبق قراراتها؛ وخصوصا المواد التي يتم التغافل عنها حتى الآن، بحسن نية أم بسوء نية. لا بد لسورية أن تعود آمنة، لكي يعود أهلها إليها آمنين.

========================

السوريون ومؤتمر سوتشي .. رضوان زيادة

الحياة

الخميس 28/12/2017

يبدو أن روسيا مصرة في أي شكل من الأشكال على إفشال مفاوضات جنيف من أجل بث الروح في محادثات آستانة التي ترعاها هناك بالتعاون مع تركيا وإيران. لقد بدا واضحاً أن روسيا تفكر في ما بعد الحرب في سورية وبالعوائد الاقتصادية التي يمكن أن تجنيها كما أعلن نائب رئيس الوزراء الروسي في زيارته الأخيرة إلى سورية.

لكن التحدي الرئيسي ما زال أن إعلان انتهاء الحرب في سورية ما زال بعيداً وربما بعيداً جداً في ظل الرغبة الروسية في التهدئة وعدم الحسم مع الجيوب المتبقية للمعارضة في إدلب والغوطة الشرقية وريف حماة وغيرها من المناطق، وفي الوقت ذاته إدراك روسيا إفلاس الحكومة السورية وعدم قدرتها على تحمل تبعات إعادة الإعمار، بالتالي تجد في هذا المدخل فرصة دائمة لإهانة الرئيس السوري كما حصل في زيارة الرئيس بوتين الأخيرة قاعدة حميميم الروسية في سورية حيث مُنع الأسد من جانب جندي روسي من مرافقة الرئيس الروسي خلال توجهه إلى منصة التتويج، وعليه لا ترى روسيا فائدة اقتصادية حقيقية من بقائها في سورية، لكنها تجد فيها فرصة لزيادة حضورها وتأثيرها الدولي ومنافسة الولايات المتحدة على الصعيد العالمي، لكن مع انسحاب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط تحت إدارة ترامب وتبني أجندة "أميركا أولاً"، لا تجد روسيا فائدة من مناكفة الولايات المتحدة دولياً وأصبحت تفكر أكثر في الجدوى الاقتصادية من تدخلها المكلف في سورية.

لذلك، فهي ترغب في إدارة المرحلة الانتقالية من خلال آستانة لا جنيف، بحيث تسيطر تماماً على مخرجاتها ولا تسمح للسوريين بقول الكلمة الفصل أو اتخاذ القرار النهائي في شأن ذلك، وهو السبب الذي دعا الرئيس بوتين إلى الدعوة إلى مؤتمر سوتشي الذي تأجل مرات عدة، وربما يعقد في عام 2018 بهدف "الحوار بين السوريين" لكن جميع المؤشرات تدل على أنه لن يضع نهاية للحرب السورية بسبب التدخلات الروسية وعدم اتضاح أجندته والمخرجات النهائية الخاصة به، لذلك فمن المؤكد أن قوى المعارضة السورية كلها ربما لن تشارك في المؤتمر.

شاركت المعارضة السورية في مفاوضات آستانة بناء على رغبة الجانب التركي، وقد توصلت إلى رؤية في ما يتعلق بالتعامل مع ملف المعتقلين السياسيين والمفقودين، لكن رفض النظام السوري التوقيع على اتفاق من أجل حل قضية المعتقلين السياسيين الذين يقدر عددهم بمئات الآلاف في سجون النظام السوري، جعل المفاوضات بلا معنى ومن دون أي أجندة، وفي اليوم الأخير من المحادثات طرحت روسيا الدعوة إلى مؤتمر سوتشي الذي ترفض المعارضة السورية حضوره من دون وجود أجندة واضحة أو رؤية لمخرجات الاجتماع.

لقد بدت محادثات آستانة أشبه بالمفاوضات الدولية حول سورية من دون أن يشارك فيها السوريون، فالنتائج تبدو معدة مسبقاً والبيان الختامي غالباً يتم الاتفاق عليه مسبقاً من جانب ما يسمى الدول الضامنة وهي روسيا في شكل أساسي وتركيا وإيران، على رغم أن النظام السوري لم يحترم اتفاق وقف النار أو ما يسمى مناطق خفض التصعيد في الأماكن المتفق عليها، لا سيما في الغوطة الشرقية، حيث نرى صور الحصار والتجويع تتالى من دوما وحرستا وغيرها من المناطق التي يفرض عليها النظام حصاراً مطبقاً من دون الاكتراث بالقرارات الدولية، بخاصة القرار 2268 المتضمن السماح بالمساعدات الإغاثية والإنسانية لمناطق الحصار وللمناطق التي هي في حاجة إليها.

لذلك، لا يتوقع أن تقود الجولة الجديدة من محادثات آستانة المقبلة إلى نتيجة مختلفة مع تشدد النظام السوري ورفضه بحث مسألة المعتقلين وعدم ضغط روسيا على نظام الأسد للتعامل مع ملف المعتقلين وفك الحصار عن الغوطة بجدية.

إن جميع قوى المعارضة السورية ترفض المشاركة في مؤتمر سوتشي من دون وضوح الأجندة الخاصة به والمخرجات التي يمكن أن تنتج منه، وهو ما ليس واضحاً لدى الطرف الروسي الجهة الداعي إلى المؤتمر، وليس واضحاً ما إذا كانت روسيا متمسكة بعقد المؤتمر مهما كان الثمن ومن دون وضوح الأجندة أو قائمة المدعوين إلى المشاركة، ومن سيتحمل تكلفة عقد المؤتمر حيث إن موسكو نادراً ما تتحمل تكاليف عقد هذه المؤتمرات السياسية.

لذلك، يمكن القول أن هناك أسئلة كثيرة حول مؤتمر سوتشي وأجوبة قليلة، لذلك علينا أن ننتظر توضيحات من الجانب الروسي في شأن عقد المؤتمر من عدمه.

لكن، يجب أن تضع روسيا في ذهنها دوماً وهي تعد للتحضير لمؤتمر سوتشي أنه لن يكون نهاية الأزمة السورية ولن يتمكن اللاجئون السوريون من العودة إلى وطنهم ما دام بشار الأسد في الحكم، وجميع التغييرات في المواقف الدولية لن تغير حقيقة أن نظام الحكم الذي فرضه الأسد لن يقنع السوريين بالعودة إليه أو إقناعهم بأن كل التضحيات التي بذلوها على مدى السنوات السبع الماضية ستعود بهم إلى شكل نظام الحكم نفسه في القتل والتعذيب والاضطهاد.

========================

موسكو ومطاردة الساحرات .. علي العبدالله

العربي الجديد

الاربعاء 27/12/2017

على الرغم من الهيمنة الروسية الظاهرة على الاجتماعات العسكرية والسياسية بشأن الملف السوري في أستانة وسوتشي، وحرصها على السيطرة على إيقاع اجتماعات جنيف، فإن فرض تصورها للحل في سورية ليس محسوما في ضوء الهوة الواسعة بين هدفها الاستراتيجي وقدراتها الواقعية، فالهدف الاستراتيجي الذي تعمل، بكل طاقتها، لتحقيقه هو حجز موقع قطب دولي ندٍّ للولايات المتحدة الأميركية؛ ومعالجة الجرح النفسي الذي ترتب على انهيار الاتحاد السوفييتي، والفوضى والضياع خلال فترة حكم بوريس يلتسين، بضمان أمنها الوطني. وهذا يحتاج قدراتٍ، وخوض صراعات كبيرة ومتنوعة، بدءا بكسر الطوق الذي يحيط بها (اقترب حلف الناتو من حدودها الغربية، شبكة الدرع الصاروخية الأميركية التي نشرت أجزاء منه في تركيا ورومانيا وبولندا، شبكة صواريخ "ثاد" المتطوّرة التي نشرتها الولايات المتحدة في كوريا الجنوبية، الصواريخ النووية المتوسطة في أوروبا واليابان)، وتحقيق توازن عسكري مع خصومها الإقليميين والدوليين، برفع قدراتها العسكرية البرية والجوية والنووية كمّا ونوعا، وضعت لنفسها هدفا تحديث 60% من أسلحتها، بما في ذلك الأسلحة النووية، وهذا يتطلب ضخ أموال كبيرة، والعمل على حماية حصتها في استثمارات دول الجوار الجغرافي التي بدأت الصين بالسيطرة عليها وامتصاص فوائضها.

تحدّيات كبيرة وصعبة في ضوء تنوعها واتساعها وضخامتها، بالقياس إلى إمكاناتها وإمكانات الخصوم المباشرين والمحتملين. ولم يكن ردها الرئيس؛ عبر الانخراط في تكتلات وتجمعات لتثقيل أوراقها في مواجهة الثقل الغربي السياسي والاقتصادي (منظمة شنغهاي، بريكس، الاتحاد الأوراسي)، تصعيدها العسكري في وجه التمدّد الغربي في دول أوروبا الشرقية (الهجوم على جورجيا وفصل أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية عنها، الضغط على دول البلطيق، التدخل في أوكرانيا وضم جزيرة القرم ودفع المقاطعات الشرقية للانفصال عنها)، واستثمار احتياطياتها الضخمة في مجال الطاقة (النفط والغاز) للضغط على الدول الأوروبية، المستورد الرئيس لهما، عبر السعي إلى التحكّم بالأسواق والأسعار وخطوط النقل، تسخين الأجواء مع "الناتو" (تحليق الطيران العسكري فوق سواحل دول البلطيق، تحليق طائرات استراتيجية

"الهدف الاستراتيجي الذي تعمل روسيا، بكل طاقتها، لتحقيقه هو حجز موقع قطب دولي ندٍّ للولايات المتحدة الأميركية؛ ومعالجة الجرح النفسي الذي ترتب على انهيار الاتحاد السوفييتي" بالقرب من الشواطئ الأوروبية والأميركية والكندية، نشر قوات في القطب الشمالي، نشر الغواصات في البحار والمحيطات القريبة من الدول الغربية، نشر بطاريات صواريخ إس 400 في القرم وعلى الحدود الشرقية)، للضغط من أجل دفع الخصوم إلى الجلوس حول مائدة التفاوض، لم يكن كافيا لإقناع الغرب، وخصوصا الولايات المتحدة، بالاعتراف بها قوة عظمى، أطلق عليها الرئيس الأميركي السابق، بارك أوباما، وصف "قوة إقليمية"، فطوّرت هجومها العسكري والسياسي والدبلوماسي في شرق المتوسط وشمال أفريقيا وأميركا اللاتينية، من أجل تحقيق مكاسب جيوسياسية تسمح بوجود عسكري وسياسي واقتصادي؛ وإقامة قواعد ونقاط ارتكاز قرب حدود الدول الغربية ومصالحها لردعها، وردع ذراعها العسكرية (حلف الناتو). تدخلت عسكريا في سورية بشكل مباشر، وبالتنسيق مع إيران ومليشياتها المذهبية. وفي ليبيا بدعم خليفة حفتر عبر مصر. وعملت، وما تزال، على سحب تركيا بعيدا على التحالف الغربي بالاستجابة لهواجسها ومخاوفها الكردية. واتفقت مع الرئيس السوداني، عمر البشير، على إقامة قاعدة بحرية على البحر الأحمر، وسرّعت وتيرة إنتاجها العسكري لإعطاء صدقية ووزن لتكتيكاتها السياسية وخطواتها العملية.

وقد حرصت وزارة الدفاع الروسية في الذكرى 103 لانطلاق الصناعات الحربية الروسية على الإعلان عن إنجازاتها العسكرية، مرفقة بذكر نوع القطع العسكرية المنجزة وعددها. وأعلن وزير الدفاع أن القوات الروسية تسلّمت في السنوات الخمس الماضية 80 صاروخا عابرا للقارات وتسع غواصات و55 طائرة و3237 دبابة ومدرعة، وتغنّى إعلامها بقدراتها العسكرية، فقد ذكرت قناة آر تي الروسية إن مجمل الساعات التي أمضتها القاذفات الاستراتيجية الروسية في أجواء روسيا والعالم خلال العام الماضي 17 ألف ساعة، و"جابت أجواء الكرة الأرضية في الليل والنهار ومختلف الظروف الجوية". وقالت عن الطائرة الروسية "تو- 160"، التي سيتسلم الجيش خمسين منها حتى عام 2025، " تحمل 12 صاروخا مزوّدة برؤوس نووية ليصل إجمالي ما على متنها من ذخائر إلى 40 طنا، وقادرة على التحليق لـ14 ألف كم دون التزود بالوقود، وتستطيع بصواريخها النووية تغطية أراضٍ تعادل القارة الأوروبية بمساحتها". وعن الصاروخ الروسي المجنح الجديد أكس - 50 "يمكنه إصابة الهدف بدقة على مسافة 1500 كلم". وذلك كله ضمن تصور أن يتحقق هدف روسيا باعتراف الغرب بها قوة عظمى، ويتعاون معها في حل المشكلات الدولية. ولكن الغرب بقي على موقفه منها، وما زال يطالبها بالتوقف عن التدخل في أوكرانيا والانسحاب من جزيرة القرم، ووقف تهديداتها لدول البلطيق، ويفرض عليها عقوبات اقتصادية، بل ويفرض مزيدا منها. ووضعها ذلك كله في موقف دقيق وحرج، على خلفية كلفة التمدّد الإقليمي، فإنشاء قواعد عسكرية مكلف ماليا؛ خصوصا لدولةٍ يعاني اقتصادها من نقاط ضعف وهشاشة (معظم الناتج القومي من تصدير المواد الأولية، النفط والغاز خصوصا). والاقتصاد أساس قيام القوى العظمى. وكان المؤرخ الأميركي، بول كنيدي، قد درس تجارب نشوء القوى العظمى وسقوطها خلال 500 سنة، واستنتج القانون الذي حكم الظاهرة: "اقتصاد قوي يمول قوات منتشرة في الخارج"، مع احتمال تضاعف عجز اقتصادها إذا ما استدرجتها الولايات المتحدة إلى سباق تسلح (موازنة روسيا العسكرية 43 مليار دولار وموازنة الولايات المتحدة نحو 700 مليار).

وكان لافتا أن القيادة الروسية لم تكتف بتجاهل النتائج المتواضعة لمحاولاتها المتكرّرة لإقناع الغرب بقبول أوراق اعتمادها في قائمة القوى العظمى، بل وذهبت بعيدا في تضخيم هذه النتائج، فقد ذكرت وكالة سبوتنيك إن الاستراتيجية الكبرى لروسيا في القرن الـ21 تدور حول التحول إلى القوة العظمى لتحقيق التوازن داخل المنطقة الأورو - آسيوية، الأمر الذي يفسر السبب وراء محاولتها "تحقيق توازن" داخل منطقة الشرق الأوسط التي تتداخل مع ثلاث قارات، عبر دبلوماسية القوة العظمى مع إيران وتركيا من أجل التصدّي للعمليات المدمرة التي أطلقتها الولايات المتحدة داخل المنطقة، منذ ما أطلق عليها "الحرب الدولية ضد الإرهاب"، وحتى الآن، أحرزت المهمة متعددة الأقطاب التي أطلقتها موسكو نجاحاً هائلاً".

غير أن مكابرة موسكو لم تجد في إخفاء موقفها الدقيق والحرج الذي عكسته النتائج السورية الهزيلة لجولات أستانة الثماني، وقمة سوتشي مع الرئيسين التركي أردوغان والإيراني حسن روحاني، ونقاط الضعف التي تحيط بتحرّكها لعقد مؤتمر الحوار الوطني السوري في سوتشي يومي 29 و 30 من يناير/ كانون الثاني 2018، حيث التناقض والتعارض بين أهداف الدول الراعية (روسيا، تركيا وإيران) وتصوّراتها، فروسيا تريده لاستمرار تحرّكها السياسي، لا تريد وقف محاولاتها لكي لا يظهر عجزها ونقاط ضعفها وعدم تحقيقها نتائج ملموسة. ولمواصلة الضغط على الولايات المتحدة التي لم تمنح تحرّكها في أستانة وسوتشي شرعية بإعلانها المتكرّر "إن جنيف هو المسار الوحيد الشرعي"، بإعطاء انطباع بانفرادها في قيادة

"القيادة الروسية لم تكتف بتجاهل النتائج المتواضعة لمحاولاتها المتكرّرة لإقناع الغرب بقبول أوراق اعتمادها في قائمة القوى العظمى، بل وذهبت بعيدا في تضخيم هذه النتائج" عمليةٍ سياسيةٍ، بينما الولايات المتحدة، التي ليس لوجودها في سورية مشروعية، تكتفي بتدمير المدن والبلدات السورية، وإيجاد تكتل مناهض للغرب في منطقة الشرق الأوسط، وتمرير الحل عبره، يحرّرها من مشاركة دول لها تصورات مختلفة، والإبقاء على المعارضة في موقف دفاعي.

وفيما تنحني تركيا للمطالب الروسية، لعلها تكسب رضا موسكو، فتمنحها ضوءا أخضر للتحرّك ضد وحدات حماية الشعب في عفرين، تناور إيران عبر الموافقة على عقد مؤتمر سوتشي والتصعيد العسكري (في قمة سوتشي التي جمعت بوتين وأردوغان وروحاني طالب الأخير بموافقة شريكيه على احتلال مليشيا موالية لإيران بقاعا غير متصلة بين الحدود العراقية والحدود السورية مع لبنان)، كي تغطّي على رفضها الانتقال السياسي، انتقدت صحيفة كيهان موقف موسكو ودعوتها ضمنا بقولها: "الذين يرتدون ملابس الأصدقاء لا يمكنهم أن يحدّدوا مصير سورية بل سيحدده شعبها في ظل قوة محور الممانعة". ولم يقبل النظام السوري طرح دستور جديد وانتخابات رئاسية في سوتشي، في حين أعلنت المعارضة تمسكها بأهدافها في تحقيق انتقال سياسي، وتشكيل هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحيات. وهذا بالإضافة إلى تفضيل دول أوروبية التركيز على مفاوضات جنيف، وضرورة الغطاء الدولي لأي اتفاق، ما يعني حاجة روسيا لمباركة واشنطن التي لن تمنح مباركتها من دون تحقيق أهدافها، والتي ربطت استمرار وجود قواتها في سورية بالتوصل إلى سلام دائم، جعل التحرك الروسي واحدةً من حالات مطاردة الساحرات.

========================

لاءات المعارضة السورية لسوتشي بطعم "نعم" .. سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاربعاء 27/12/2017

فتحت المعارضة السورية الأبواب على مصراعيها لكل التكهنات المتعلقة بقرارها حضور مؤتمر سوتشي من عدمه، إذ هذه المرة لم تتراشق كيانات المعارضة الاتهامات فيما بينها، في مشهدٍ اعتاده الشارع السوري، قبيل كل حديث عن مؤتمر أو اجتماع يلوح في الأفق، حتى عندما لا يكون النظام طرفاً صريحاً فيه، وهو ما حصل، مثلاً، لدى تشكيل منصة موسكو، وفي مؤتمر القاهرة 2 لعام 2015، مروراً بلقاءات موسكو من العام نفسه. وكما هو معلوم، فإن الأوساط النافذة في "الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة" كانت رفضت الاعتراف بمنصتي القاهرة وموسكو جزءا من المعارضة، كما نظرت بتشكّكٍ إلى ورشات العمل التي أقيمت في عواصم أوروبية، وكان غرضها مناقشة قضايا الدستور والانتخابات، بل إنها أثارت الشبهات بشأن المشاركين بهذه الأنشطة، ودعت إلى محاسبتهم، ويجب أن يحاسبهم "الائتلاف" الذي ظل سنواتٍ يعتبر نفسه الممثل الشرعي الوحيد للمعارضة السورية.

اختارت المعارضة، في هذه المرة، أن تقدّم إجابات مرنة بشأن مؤتمر سوتشي، يمكن أن تحمل معنى القبول، بقدر ما تحمله من إمكانية الرفض. هكذا رأى فريق مسار أستانة أن الموقف سيأتي بعد التشاور مع الكيانات والمنظمات الثورية والمدنية، وبحسب ما سيوفره المؤتمر من مخرجاتٍ تسهم في دفع مفاوضات جنيف. أما وفد الهيئة العليا للمفاوضات، فإن إجابته اقتصرت على ضرورة العودة إلى رأي مكوناته، مختصراً الطريق، بدل طرح تساؤلاتٍ عن المؤتمر، من شأن إجاباتها أن تساعده في تكوين رأي موحد لكامل الأعضاء بناء على ذلك.

"خيارات المعارضة السورية محدودة، في ظل ارتباط وجودها مع الدول المساندة لمؤتمر سوتشي، وأن لاءاتهم الخافتة حتى اليوم كانت تحمل طابع ترويج نَعم مقبلة" وهذا يعني، في إجابتي وفدي أستانة والهيئة، أن المرجعية في تحديد الموقف من مؤتمر سوتشي تتوقف على مدى تعاون الجهة الداعية إليه، وإمكانية تشاركيتها معهم، وليس من مبدأ ما طرحه الائتلاف والجيش الحر في (2 أكتوبر/ تشرين الثاني 2017) في بيان مشترك، وهما من مكونات الوفد التفاوضي، ويمثلان قرابة نصف عدده، بأن الدعوة إلى سوتشي تمثل التفافا على مفاوضات جنيف، وأنهما لن يشاركا فيه.

هكذا، ثمة أسئلة مهمة مطلوب الإجابة عليها، تسبق موافقة المعارضة على حضور مؤتمر سوتشي، أو عدم ذلك، منها: أولاً، من هي الجهة التي تقرّر أسماء المعارضين المدعوين، وما هي نسبتهم إلى كامل عدد الحضور؟ ثانياً، كيف سيتم تشكيل لجنة صياغة الدستور؟ هل بناء على التمثيل العددي للحضور من المعارضة والنظام؟ وأين يمكن تصنيف الأحزاب المرخّصة لدى النظام، والتي تعمل بتمويل منه وبرعايته، تحت مسمى معارضة الداخل؟ ثالثاً، هل سيتبنّى المؤتمر القرارات الدولية ذات الصلة بالصراع السوري مرجعيةً، أم سينشئ مرجعيته الخاصة؟ وهل سيكون حضور الأمم المتحدة بهدف أخذ العلم، أم أنها ستكون ميسرة بين الأطراف، وتعيد إنشاء قرار أممي جديد على نحو ما فعلت بالقرار 2254؟

واضح أن الإجابات على كل هذه الأسئلة شبه محسومة لدى الجانب الروسي، الداعي إلى المؤتمر، لكن المعارضة تريد تجنّب الدخول في تفاصيل من شأنها أن تعكّر ما تعتبره إنجازاً لها في جولة جنيف 8، التي لم تحدث أصلاً، حيث يعتبر الوفد المعارض أنه حقق إنجازاً تمثل في مفاجأته العالم بوحدته، وأنه أنجز جولةً أكثر واقعية من سابقاتها، مع أن الجميع يعلم أن هذه الجولة فاشلة، مثل سابقاتها، وأنه لم تحدث فيها أية مفاوضات.

إذاً نحن إزاء لغة تجديدية في أوساط كيانات المعارضة السائدة، تعتمد المرونة والتروّي في اتخاذ القرارات، ليس بسبب ضبابيتها، ولكن لأن هذه القرارات اليوم لم تعد مرتبطةً بقرار الكيانات، قدر ارتباطها بالجهات الدولية والإقليمية التي ترعى هذا المؤتمر، وتتقاسم سلفاً ثمار نتائجه، لجهة مصالحها أولاً، ومن ثم إسقاط هذه النتائج على تقاطعات الكيانات التي تجمعت ضمن وفد الهيئة، أو في محيط عملها، كحال وفد أستانة، مع اختلاف الجهات الراعية لهم. ومن هنا انتقل الخلاف من بين الكيانات بعضها مع بعض، ليصبح بين الحاضنة الشعبية، من جهة، والكيانات السياسية والفصائلية، من جهة أخرى. وبناء على ذلك، انطلقت حملات شعبية ترفض مؤتمر سوتشي، وتضع المطبّعين معه في خانة المهادنين لنظام الأسد، والمتعاونين لإعادة إنتاجه من جديد.

على ذلك، يضعنا المشهد السوري "المعارضاتي" الذي يدور حول الموقف من مؤتمر سوتشي، المزمع في نهاية الشهر المقبل، أمام واقع المعارضة الذي لم يتغير من حيث المضمون، خلال السنوات السبع الماضية، مع فارق أن التراشق بالاتهامات إعلامياً لم يعد بين الكيانات (ائتلاف، منصة موسكو، منصة القاهرة)، بل في مواجهتها، كما ذكرنا، من شريحة واسعة من السوريين في الشتات والداخل، غير المسيطر عليه من النظام، لنسأل، قبل الخوض في الحديث عن القبول أو الرفض، عن حقيقة المشروع الجامع الذي تستند عليه المعارضة في قراراتها، فإذا كانت المرجعية هي بيان الرياض2، فإن هذا البيان بات موضع خلاف، ليس بين النظام الذي يطالب بسحبه، بل بين الأطراف التي يجب أن تدافع عنه، والذي تحوّل إلى مجرد وجهة نظر، برأي مشاركين في الوفد الموحد، ويتضح ذلك من التصريحات المتضاربة حوله، بواقع استمرار أحد قياديي منصة موسكو بتحميل المعارضة سبب تعثر قيام مفاوضات مع النظام، لتمسكها ببند رحيل الأسد.

يستوجب هذا الوضع عقد تفاهمات جديدة بين مكونات الوفد الموحد، على أساس الندّية بالطرح والمرجعية الشعبية، وليس مرجعية التبعية للدول، وبما يتناسب ومصداقية تمثيل المعارضة، وليس التلاعب بهذا التمثيل لإرضاء أجنداتٍ لا تتقاطع مع القرارات الدولية المكتسبة للمعارضة، ومنها بيان جنيف1، وقرارا مجلس الأمن 2118 و2254. حيث إن ربط قرار الموافقة على حضور مؤتمر سوتشي من عدمه بقرار الكيانات المشكلة للوفد هو تهرّب من المسؤولية من جهة، ومحاولة لنسف مرجعية الوفد التي يفترض أنها المؤتمر الذي أنتجه من جهة ثانية، وهو تبرير لحضور المؤتمر، من بعض الوفد، تحت عنوان أن كيانه اختار ذلك، ما يعني أن الوفد الموحد سيحضر بعضه، وبصفته، من دون حرج، للتغطية على عدم حضور

"هل سيتبنّى مؤتمر سوتشي القرارات الدولية ذات الصلة بالصراع السوري مرجعيةً، أم سينشئ مرجعيته الخاصة؟" الآخرين، بسبب الضغط الشعبي على كياناتهم، وليس لأن "سوتشي" يمهد لتسوية غير عادلة مع نظام الأسد، هي أقرب، حسب التصريحات الروسية، بمصالحة "تبويس شوارب ويا دار ما دخلك شر".

خيارات المعارضة محدودة، في ظل ارتباط وجودها مع الدول المساندة للمؤتمر، وأن لاءاتهم الخافتة حتى اليوم كانت تحمل طابع ترويج نَعم مقبلة، حسب مصالح الدول الراعية، ومدى تقدّمها في إنجاز ملفاتها المشتركة التي تضمن لكل منها مصلحته في الصراع، لجهة استمراره، أو الحد منه، أو وقفه عبر حلول جانبية، (أستانة وسوتشي) من شأنها أن تجعل تقسيم الغنائم على أربعة، أفضل من جنيف الذي يقسمها على أربعين وأكثر. أما الولايات المتحدة الأميركية التي باتت تسيطر على نصف المساحة السورية، وتلتزم الصمت حين تريد المزيد لها ولمن معها، مع بعض المحفزات للمعارضة التي تقول لا لتنعم بنِعم النَعم، فما زالت لا تكشف عن أجندتها، ولا عن رؤيتها لمآلات الصراع السوري، ولا يبدو أنها مستعجلة على ذلك.

========================

عام جديد وملامح جديدة في المشهد السياسي .. أكرم البني

الحياة

الاربعاء 27/12/2017

قد لا يتطلب رصد التحولات التي طرأت في المشهد السياسي، مناسبة خاصة، كانتهاء عام وبداية عام جديد، لكن المنـــاسبة تشكل حافزاً قوياً لفهم ما يجرى حــــولنا، ولنقل فرصة لتقدير ما راكمته السنــــة المنصرمة من ظواهر سلبية لها تأثيــــرها الـمديد في تعميق أزماتنا ومفاقمـــة معاناة المضطهدين والمقهورين.

أولاً، انفتاح الصراع الدولي على معالم مرحلة تستمد مقوماتها من مناخ الحرب الباردة، بما هو انفتاح على فشل الولايات المتحدة في الحفاظ على موقعها كقطب وحيد سيطر عالمياً بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، لقاء نجاح روسيا في استعادة وزنها السياسي وهيبتها العسكرية، وتواتر التقدم الذي تحرزه الصين اقتصادياً، واتساع هوامش الحضور الأوروبي في مناطق نفوذه، بخاصة في أفريقيا، وتصاعد الأدوار الإقليمية لدول أقل أهمية مثل إيران وتركيا، ولا تغير هذه الحقيقة، بل تؤكدها وصول رئيس شعبوي وعنصري الى البيت الأبيض يفاخر بشعار، "أميركا أولاً" وبانسحابه، كأهم دولة عظمى، من واجباته الأممية، مستهزئاً باتفاقية المناخ، ومتبجحاً بأنه انتحب ليمثل مصالح بلاده فقط! ثم ذهاب استراتيجيته الأمنية، إلى تصنيف روسيا والصين كعدوين، ومطالبته بفرض إتاوات على بعض الدول لقاء دور واشنطن بحمايتها!

ما سبق لا يعني التطابق مع المقومات القديمة للحرب الباردة كافة، حيث سباق التسلح المحموم وتشديد الحصار الاقتصادي وتسعير المعارك الإعلامية والسياسية، وحيث سعي كل طرف الى استثارة الطرف الآخر وإرهاقه بتغذية الفتن والحروب بالوكالة، وتكريس ما أمكن من التخندقات والتحالفات الحادة، لكنه يعني عملياً، عودة بغيضة للصورة النمطية عن دول كبرى تستهتر بمصير البشرية وليس لديها أي خوف من الرأي العام والمؤسسات الأممية، وتتوسل منطق الغلبة والمكاسرة في مخاطبة الآخر وفي منازعته على الهيمنة والنفوذ من دون أن تقيم اعتباراً لمصالح الشعوب الضعيفة وحقوقها.

والحال، نعيش اليوم في عالم منحه انهيار الحرب الباردة فرصة لإدارة صراعاته السياسية والاقتصادية سلمياً، لكنه آثر العودة إلى تسويغ الحروب والقوة المباشرة العارية أو التهديد بها لفرض المصالح الخاصة والأنانية، وهذه المرة، على حساب المبادئ والقيم الإنسانية، التي شكلت، في ما مضى، أحد محاور الصراع بين عالم حر يروج للديموقراطية وحقوق الإنسان وبين نظام مركزي منضبط يفرض على البشر، بدعوى تطبيق العدالة الاجتماعية، صورة نمطية قاهرة لحياتهم... عالم تعجز فيه المؤسسات الأممية بتركيبتها الحالية، كمجلـــس الأمن والجمعية العامة، عن تحقيق أي اختــراق جدي لأداء واجبها بحفظ السلم والأمن وحماية المدنيين وحقوق الإنسان، ويحضرنا الفيتو الروسي المتكرر لدعم إفراط النظام السوري في العنف والانتهاكات ولتغطية استخدامه أسلحة محرمة دولياً، وأيضاً الفيتو الأميركي لدعم قرار ترامب نقل سفارة بلاده إلى القدس على قاعدة اعترافه بها عاصمة لدولة إسرائيل!

ثانياً، منذ مائة عام تقاسمت الدول المنتصرة، فرنسا وبريطانيا ما كان يسمى تركة الرجل المريض، أو تركة السلطنة الاستبدادية العثمانية، واليوم نقف للآسف، أمام مشهد مماثل عربياً حيث تفتح الأبواب لتقاسم تركة الأنظمة العربية التي كان ديدنها قهر مجتمعاتها، ولم تتردد أو تخجل، لتكريس سطوتها وفسادها، من إجهاض فرصاً جدية وثمينة لتنمية بلدانها وتطويرها، وتالياً نقف، أمام سلطات تزداد استبداداً وأنانية، وتستسهل لقاء ضمان تسلطها وامتيازاتها استجرار كل أشرار الأرض لتعيث فساداً في أوطاننا، ولنا في ما يحصل في ليبيا واليمن والعراق وسورية خير أمثلة، بينما يستمر التوغل والتغول على الحقوق العربية وتتنوع بصورة مذهلة القوى والأطراف الراغبة في تقاسم بلادنا وسرقة ثرواتها وتاريخها وحاضرها ومستقبلها، لتشمل إلى جانب الدول العظمى، دولاً إقليمية كتركيا وإيران وإسرائيل.

من هذه قناة يمكن النظر مثلاً، إلى استمرار دور إيران في تعزيز نفوذها متوسلة الانقسام المذهبي وجعل مجتمعاتنا أسرى لتاريخ فتنة طائفية بغيضة، بين السنة والشيــعة، ثم إلى التغطية المشينة لسياسة الاستيطان والقمع الإسرائيلية التي تستمر في قهر الفلسطينيين وقضم المزيد من أراضيهم، وأيضاً إلى تعاون تركيا وإيران والعراق على وأد الحلم القومي الكردي، وإلى المنازعات السافرة التي تجرى على قدم وساق لتوزيع الحصص ومناطق النفوذ ولهدر دماء الشعوب وتضحياتها في سورية والعراق وليبيا، وأخيراً إلى الأيادي الخفية المستفيدة من نمو جماعات جهادية إرهابية، كـ "داعش" و "القاعدة"، وتحويلهما إلى شيطان رجيم، تسوغ في مواجهته مختلف أشكال التدخل والقمع لتمكين أنظمة الاستبداد وإجهاض تطلعات الشعوب نحو الحرية والرقي.

ثالثاً، لسورية القسط الأسوأ والأكثر إيلاماً من المشهد، والذي لا يقتصر على حالة الخراب وأعداد الضحايا والمعتقلين والمفقودين والمشردين المفتوحة على المزيد من التأزم والغموض والمعاناة، أو على استمرار الاستباحة غير المسبوقة لوطن، استسهلت أطراف دولية وإقليمية ومحلية، تخريبه وتوظيفه كورقة لتحسين الموقع واستنزاف الآخر، ولا يقتصر أيضاً، وعلى رغم تواتر المؤتمرات والمفاوضات من جنيف إلى آستانة إلى سوتشي، على صعوبة إن لم نقل استحالة تحقيق تسوية سياسية، مستقرة ومتوازنة، في ظل تعدد وتضارب مصالح الأطراف المؤثرة بالصراع السوري، بما هي صعوبة البدء بإعادة إعمار جدية وشاملة للبلاد تبدو أمامها إعادة الإعمار الهزيلة التي يروج لها النظام وحلفاؤه، أشبه بلعب أطفال، لكنه يصل إلى الأقسى والأصعب، إلى شجاعة الاعتراف بالهزيمة التي منيت بها ثورة السوريين وشعارات الحرية والكرامة، كعتبة لا غنى عنها للوقوف نقدياً على حقيقة ما جرى واستخلاص العبر والدروس، بما في ذلك تحمل المسؤولية، بعيداً عن ادعاءات المزايدين وأوهامهم، لتغذية الأسباب التي دعت الشعب السوري للانتفاض والثورة، ولتوسل مختلف أشكال التعاضد الإنساني والتواصل السياسي والثقافي مع المنكوبين، لإبقاء روح الأمل بالتغيير الديموقراطي متقدة، ولمحاصرة قوى الاستبداد والعدوان وتعرية ارتكاباتها، ما يفوت، في هذا الظرف المهين، على "المنتصرين" أو من يدعون الانتصار، الفرصة لتعميق هذه الهزيمة وتكريس تداعياتها المريرة.

========================

الأسد معياراً لسوتشي .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الثلاثاء 26/12/2017

ـ حسم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، الشك باليقين، وأبلغنا، على لسان أحد زلمه، أن الذين يرفضون رئاسة الأسد لن يكون لهم مكان في مؤتمر سوتشي. بكلام أوضح: سيكون معيار قبول من سيدعون إلى سوتشي التخلي المسبق عن المطالبة برحيل الأسد باعتبار هذا الأمر، حسب وصفه، شعارا، وليس، حسب ثورتنا، حقا للسوريين، اعترف به العالم في وثائق رسمية، أقرّها مجلس الأمن بإجماع دوله الخمس، بما في ذلك روسيا. لن يشارك في سوتشي من يرفض قرار بوتين إبقاء "طرطوره" بشار الأسد رئيسا لنا إلى قرابة عشرين عاما مقبلة، فلا يقولن لنا أحدٌ، بعد الآن، إنه سيذهب إلى سوتشي ليطالب برحيل الطاغية، لأنه إذا كان من المطالبين حقا برحيله لن يدعى إليها، وإذا دعي سيعتبره السوريون موافقا على رئاسة بشار، وخائنا لشعبه وثورة هذا الشعب.

ـ يدّعي الروس أنهم يؤيدون قيام نظام "غير طائفي" في سورية. في الوقت نفسه، يعتبرون المحافظة على جيش الدولة الأسدية العميقة ومخابراتها لب المحافظة على الدولة السورية التي ادّعوا أنهم غزوا سورية لمنع إسقاطها الوشيك. هل يريد الروس لنا أن نصدّق أن النظام الذي سيحافظ على جهازين طائفيين، من رأسهما إلى أخمص قدميهما، سيكون نظاما "غير طائفي"؟ إذا كانت موسكو تؤيد حقا قيام نظامٍ كهذا، يكون عليها أن تكون في مقدمة مؤيدّي حل الجيش والمخابرات الأسديين، وبناء جيش وطني وجهاز أمن غير قمعي لسورية القادمة. أما أن تربط موسكو حلها ببقائهما على حالهما الراهنة، باعتبارهما الدولة التي على الثورة القبول بها، ثم تحدثنا عن النظام القادم باعتباره "غير طائفي"، فهذا مغالطةٌ تنم عن احتقارهم عقولنا، وثقتهم بأننا سذّج إلى حد نبتلع معه أي أكاذيب تقدّم لنا في سياق الضحك علينا والتلاعب بنا.

ـ لا يريد الروس الإبقاء على بشار وحده، بل هم يعتبرون جيشه ومخابراته الطائفيين أركان "النظام غير الطائفي" الذي علينا القبول المسبق به، قبل السماح لنا بالمشاركة في سوتشي، بما أن الدولة الأسدية العميقة تعتبر، في نظرهم، كيانا فوق تفاوضي، لا بد من فرضه سياسيا على السوريين، بعد أن تم إنقاذه عسكريا، يمنح من يسلم به شهادة سوتشية، تؤكد جدارته، لتوقيع صك الاستسلام الذي سيدعى إلى سوتشي للتوقيع عليه، فإن رفضه، أو رغب بمناقشته، سحبت موسكو جنسيته السورية، وحولته إلى حامل شعاراتٍ متشدّدة، لا يستحق أن يكون سوريا، أو أن يشارك في مناقشة قضايا وطنه.

ـ يكذب الروس كل من نشر أخبارا ملفقة عن علاقتهم بالأسد ونظامه، وصدّق أنه ليس خيارهم الاوحد في سورية، أو فسر بهلوانيات بوتين في قاعدة حميميم بطريقة تخمينية، يثبت كل ما يصدر من تصريحاتٍ عن أي مسؤول روسي إنها خاطئة. الأسد هو خيار الروس وأداتهم لتدمير الحل الدولي، ولفرض حلهم المناهض لما يمنحه للسوريين من حقوق، بينها رحيل قاتلهم، والمقاتل لإبقائه حاكما أبديا لشعبهم الذي يرفضه. تدوس موسكو على مليون شهيد، قدّمتهم الثورة للتخلص من السفاح، من دون ينجح أحد إلى اليوم في لي ذراعها، أو كسر إرادتها، أو يجبرها على وقف الدفاع عن حقوقها، ولن يجبرها الروس أيضا، حتى في حال وجدوا خونةً يوافقون على التخلي عن حقوق شعبهم، لن ينجو أحد منه بجلده، إن وافق على المشاركة في موتمرٍ هدفه المعلن تفريطهم بما ليس ملكهم: حق السوريين في الحياة الذي لا يحارب الروس سورية إلا من أجل انتهاكه، وحقهم في الحرية: عدو حكام موسكو التاريخي، في بلادهم وخارجها، الذي بنى بوتين استراتيجية كاملة على كسره، والتخلص من المطالبين به. خطوتها الأولى الاستيلاء على وطننا بموافقة بشار الأسد. والثانية استخدامه قاعدة عسكرية، ينتشرون منها إلى الوطن العربي خصوصا، والبلدان المجاورة بصورة عامة، بواسطة صفقاتٍ يعقدونها مع دول إقليمية، صرنا نحن السوريين مادة محاصصاتٍ بالنسبة لسياساتها. لم يبق من صداقتها المزعومة لنا غير السعي إلى مراضاة الكرملين على حسابنا، مقابل وعدٍ كاذبٍ بمساعدتهم على التحكّم بمشكلاتهم الداخلية.

ـ لا يحق لسوري بعد اليوم تبرير سلوكه بحقه في الخطأ، ما دام نجاح سوتشي يعني تسديد طعنةٍ تريدها روسيا قاتلةً لشعبه وثورته، وسيكون فشلها، في المقابل، طعنة قاتلة للحل الروسي، وفشلا لا يستهان به لكل ما عملوه ضدنا في العامين الماضيين. سيفتح من جديد باب الحل الدولي، في حال صوّبنا عملنا، وأعدنا النظر في ممارساتنا، وبنينا استراتيجيةً فاعلة حقا للدفاع عن حقوقنا المشروعة، ووفرنا مستلزمات الصمود الوطنية في وجه العواصف الحربية، التي سيطلقها الروس ضدنا.

========================

"شرعيو" الفصائل في سورية: الوظيفة والهدف .. علي العبدالله

الحياة

الثلاثاء 26/12/2017

في بادرة طيبة، أعد "مركز جسور للدراسات" (مقره في إسطنبول) تقريراً تحت عنوان "الشرعيّون في سورية... الفكرة والدور"، نشره يوم 28/11/2017، عرض فيه لنشوء ظاهرة الشرعيين في بنية الفصائل الإسلامية المسلحة، السلفية منها في شكل خاص، وتطورها والدور الوازن الذي لعبته في تحرك هذه الفصائل العسكري والسياسي ما بين 2012 و2015 إن لجهة إصدار رأي شرعي في قضايا يومية تواجه هذه الفصائل في تحركها العسكري والسياسي، وفي قرارات هذه الفصائل؛ أو لجهة الدفاع عنها وعن مواقفها في خلافاتها مع فصائل أخرى حول التكييف الشرعي لموقف عسكري أو سياسي، أو لجهة تغطية عمل عسكري وتبريره ضد فصيل آخر.

لكن أهمية الموضوع لا تبرر للمركز (نوجه الملاحظة إلى المركز لأننا لا نعرف فريق الباحثين)، تناوله في شكل عام وسطحي، وعدم نقده الظاهرة بالكشف عن ضعف أساسها الديني، وتباين منطلقاتها العقدية وتعارضها وتناقضها من جهة، وعدم إقرارها بالتعددية وحق الاختلاف داخل المشهد الإسلامي، بخاصة السلفي، ما جعل الصراع على الشرعية أولوية مطلقة لهذه الفصائل قاتل بعضها بعضاً للاستحواذ على حصرية تمثيل السلفية، من جهة ثانية، والدور السلبي الذي لعبته في المجتمع والثورة السوريين.

يقول التقرير عن القضاء الشرعي الذي تأسس في المحافظات السورية (ريف دمشق، حلب، إدلب، حوران) وتسلّم الشرعيون إدارته: "وشكّلت مسألة القضاء الشرعي قضية مفصلية بالنسبة إلى الفصائل السلفية، باعتبارها طريق "الحكم بما أنزل الله"، واعتُبر هذا القضاء حدّاً فاصلاً بين المؤمنين بالشريعة وبين الرافضين لها، الأمر الذي جعل المطالبة بأي قضاء آخر مصدر خلافٍ وصدام مع الفصائل الأخرى". وأضاف: "وتعود مركزية القضاء الشرعي لدى الفصائل السلفية إلى مبدأ أساسي لديها، وهو أن تحكيم الشريعة مقدّم على قتال النظام، وأن تأجيل التحكيم يؤجّل النصر. وهو ما أدخلهم في صدام مع المجتمعات المحلية، ومع الفصائل والمكونات [الأخرى]"، من دون أن يلحظ طبيعة هذا القضاء (قضاء حزبي) والهدف من تأسيسه (تحقيق مصالح خاصة لفصيل أو أكثر تنفيذاً لرؤية وأهداف خاصة) وتعارضه مع التصور الإسلامي للقضاء ودوره (عام، لخدمة المجتمع، مستقل، يقف على مسافة واحدة من المتخاصمين ويهدف إلى تحقيق العدل)، وفساد منطلقه (طريق الحكم بما أنزل الله) و (تحكيم الشريعة مقدّم على قتال النظام)، فوظيفة القضاء في الإسلام فض المنازعات وإحقاق الحق، وهو جزء صغير مما أنزل الله. وتحكيم الشريعة في الإسلام ليست له أولوية مطلقة بل هو مرتبط بشروط اللحظة والمرحلة، وفتوى عمر بن الخطاب بوقف قطع يد السارق خلال المجاعة في عام الرمادة، شديدة الدلالة والوضوح، وقولها هذا مخالفة صريحة لما استقر في فقه الأولويات الإسلامي وفق ما لخصه أبو حامد الغزالي في كتابه "الاقتصاد في الاعتقاد" حيث قال: "إن نظام الدين لا يحصل إلا بنظام الدنيا... فنظام الدين، بالمعرفة والعبادة، لا يتوصل إليهما إلا بصحة البدن، وبقاء الحياة، وسلامة قدر الحاجات من الكسوة والمسكن والأقوات والأمن... فلا ينتظم الدين إلا بتحقيق الأمن على هذه المهمات الضرورية... وإلا فمن كان جميع أوقاته مستغرقاً بحراسة نفسه من سيوف الظلمة وطلب قوته من وجوه الغلبة متى يتفرغ للعلم والعمل، وهما وسيلتاه إلى سعادة الآخرة؟ فإذاً: إن نظام الدنيا، أعني مقادير الحاجة، شرط لنظام الدين"، وعدم منطقية الربط بين "تأجيل التحكيم" و "تأجيل النصر"، وقول فقهاء مسلمين كثرٍ: "إن الله ينصر الدولة الكافرة العادلة على الدولة المؤمنة الظالمة" كاف لجبه هذا الربط غير المنطقي وتقويضه. وقد اتضحت الطبيعة الحزبية والوظيفية لهذا القضاء الشرعي في بيانات شرعيي الفصائل التي بررت قرارات عسكرية وسياسية متناقضة من جهة ومؤيدة قرارات القيادة العسكرية والسياسية بالمطلق، أتحفتنا بذريعة رد "الصائل" تبريراً لقتال فصائل منافسة، قبل أن يثير "حميتنا" البيان الأخير لـ "المجلس الشرعي العام"، التابع لـ "هيئة تحرير الشام"، والذي نُشر بعد تعرض قوات "الهيئة" لهزائم عسكرية قاسية في القتال على جبهتين مع فلول "داعش"، وقوات النظام، في ريفي حماة وإدلب، وجاء فيه: "إن النفير للجهاد اليوم متعين على كل قادر على حمل السلاح واستعماله داخل صفوف تحرير الشام، حيث إن أهل العلم قرروا أن جهاد الدفع أوجب الواجبات بعد الإيمان بالله"، ودعا "كل من لم يكن منشغلاً الآن بعمل يفيد الجهاد بطريقة مباشرة إلى أن ينفر مباشرة إلى مناطق النزال وساحات الشرف، ولو لفترة موقتة، لرد هجمة قوات النظام وتنظيم الدولة"، معتبراً "أنه لا يحل لأي أحد أن يعتذر عن هذا الجهاد الواجب المتعين بالانشغال بأهل أو بمال أو بعمل إداري، إلا أذا أمره أميره بالبقاء في إدارة ينصب العمل فيها في مصلحة الجهاد مباشرة" (توجيه الدعوة إلى النفير العام إلى كوادر "الهيئة" سببه الصراع داخل "الهيئة" بين تيار يريد الارتباط بـ "القاعدة" وتيار رافض هذا الارتباط، ما دفع قيادة "الهيئة" إلى اعتقال عدد من كبار القادة والشرعيين الذين يريدون الارتباط بـ "القاعدة" ودفع كتائب فيها إلى اعتزال القتال تحت قيادتها ما لم تطلق المعتقلين)، ودعوته إلى تشكيل غرفة عمليات مشتركة من جميع الفصائل، متناسياً ما كان قد أصدره ضد هذه الفصائل من فتاوى اتهمها فيها بـ "الردة" وأباح قتالها، وتجاهل قيادة "الهيئة" لمطالب هذه الفصائل بالإفراج عن معتقليها لدى "الهيئة" وإعادة الحقوق، برد المقارت والأسلحة التي استولت عليها في هجومها عليها.

وقد كان لافتاً مرور التقرير السريع على ظاهرة استسهال قتل الإنسان لأتفه الأسباب، مثل قتل صبي في الرابعة عشرة من عمره في حلب لأنه قال لمن لم يسدد له ديناً "لو إجى محمد ما عاد دينك"، علماً أن ممارسة القتل بفتوى "شرعية" قد انتشرت واتسعت لتشمل المئات إن لم يكن الآلاف، حيث اكتفى التقرير بالقول: "ويُلاحظ أن المشايخ المحليين الذين اضطلعوا بشؤون الفتوى في تلك المرحلة اتّسموا عموماً بالتورّع في الدماء والأموال، على خلاف الشرعيين الذين سيَقدُمون لاحقاً من خارج سورية والشرعيين الذين اتبعوا مدرستهم". ناهيك بإيغال الفصائل السلفية في القتل لأسباب مذهبية، ما عمق الانقسام المذهبي والتفكك الوطني والاجتماعي، والافتئات على حقوق الناس ومصادرة أموالهم وأملاكهم، بذرائع واهية في كثير من الأحيان، وما جرته الفتاوى الفصائلية، تبريراً للاقتتال بينها، على المجتمعات المحلية من خراب ودمار، وما أزهقته من أرواح؛ وما تسببت فيه من كوارث لثورة الشعب السوري من أجل الحرية والكرامة.

واضح أننا أمام قضاء حزبي وظيفي له غاية وهدف خاصان، ما يجعله غير إسلامي بامتياز، كان لخلفاء بني العباس "شرف" ابتداع ظاهرة "المجالس الشرعية" وإعطائها شكلها وآلية عملها، لتغطية قراراتهم وممارساتهم الجائرة بغطاء شرعي تصدره هيئة فقهية مشكلة من فقهاء يعينهم الخلفاء، اشتهروا في التاريخ الإسلامي بوعاظ السلاطين، آلية اعتمدتها حركات السلفية الجهادية وسيلة لفرض رؤيتها وأهدافها على مجتمع المسلمين، كما تبنتها جماعة "الإخوان المسلمين" في مصر في مشروعها السياسي الذي دعا إلى تشكيل هيئة فقهية لإبداء الرأي في شرعية قرارات السلطة التنفيذية، ما يستدعي التحفظ عن مشروعيتها وعن شرعية قراراتها وفتاواها.

========================

ضرورة استكشاف الدور الأمريكي في مواجهة إيران .. وائل مرزا

المدينة

الاحد 24/12/2017

أي دورٍ ستتخذه الإدارة الأمريكية، فعليًّا، في مواجهة إيران؟ هذا سؤال في غاية الأهمية، سيما بعد ما ذكرناه الأسبوع الماضي عن احتمال وجود سيناريو خطير يتعلق بترسيخ سيطرة إيران على سوريا، تمهيدًا لاستكمال مخططها في الهيمنة على المنطقة، بمدخلٍ يختبئ وراء الواجهة الروسية.

وبما أن ثمة إجماعًا على أن إيران تُشكل فعلًا التهديد الاستراتيجي الأكبر على المنطقة بأسرها، وعلى دول الخليج، وفي مقدمتها المملكة. يبدو التحليل الدقيق لكل الأوراق المتعلقة بكيفية مواجهة ذلك التهديد أمرًا ملحًّا وضروريًّا.

أحد أهم تلك الأوراق، دون شك، يتمثل في الموقف (العملي) للإدارة الأمريكية من الملف الإيراني. مع الإصرار على كلمة (العملي)، أخذًا بالاعتبار معطيات مُعبّرة سَيَرِدُ بعضها في هذا المقال.

فعلى سبيل المثال، يبدو إيجابيًّا، رؤية التقرير الذي قدمته مندوبة الأمم المتحدة "نيكي هايلي" للأمم المتحدة والعالم عن أدلةٍ لتورط إيران في محاولة قصف مطار الرياض، فضلًا عن ملامح تدخلها العسكري السافر في اليمن وغيرها. خاصةً وأن هايلي تحدثت عن "تحركٍ من وزارتي الخارجية والدفاع ومجلس الأمن القومي الأمريكي لمواجهة التصرفات الإيرانية المزعزعة للاستقرار". أكثر من هذا، طالبت "هايلي" المجتمع الدولي بالانضمام إلى الولايات المتحدة في مواجهة تلك التصرفات، بل وبناء تحالف دولي لذلك الغرض.

ثم إنها استخدمت كلمات يُفترض أن تكون ذات معنى عملي في هذا الإطار، حين قالت: "نقوم بالكشف عن هذه المعلومات؛ لأن النظام الإيراني لا يمكنه الاستمرار في تهديد الأمن والسلم، والأمر يعتمد علينا للتصدي للتصرفات الإيرانية، ولا بد من هزيمة هذا التهديد".

ما يزيد المفارقة غرابةً أن الإدارة، وخاصة وزارة الدفاع، بذلت جهدًا واضحًا في ترتيب الحدث المذكور، بشكلٍ غير مسبوق، في قاعدة أناكوستيا العسكرية بالعاصمة واشنطن. وقالت إنه يأتي كجزء من استراتيجية إدارة ترامب لتقديم أدلة واضحة على استمرار إيران بخرق قرارات الأمم المتحدة. وأخيرًا، أكدت لورا سيال، المتحدثة باسم البنتاغون، أن واشنطن قدمت للعالم الدليل على استراتيجية إيران الخبيثة، بحسب تعبيرها، مضيفةً: "نحن نقدم هذه الأدلة حتى يتمكن حلفاؤنا وشركاؤنا الدوليون بمن فيهم منظمات مثل الأمم المتحدة، من الاطلاع على الأنشطة الإيرانية بصورة قاطعة".

بالحد الأدنى من المنطق، ماذا يوحي كل هذا الجهد وتلك التصريحات، خاصةً عندما تصدر عن مثل هذه الإدارة؟

في اليوم التالي تمامًا، عقد وزير الدفاع الأمريكي؛ جيمس ماتيس، مؤتمرًا صحافيًّا في الوزارة ذكر فيه - فوق كل ما قالته هايلي - أن أمريكا ترى أن "إيران منخرطة بقوة في إبقاء بشار الأسد في السلطة، على الرغم من ارتكابه مجازر بحق شعبه، بما في ذلك استخدام أسلحة كيميائية". ثم إنه هاجم إيران أيضًا؛ بسبب دعمها لحزب الله اللبناني، مؤكدًا على أن "ما تقوم به إيران حاليًا غير شرعي، ويُسهم في قتل أبرياء".

هكذا، كان الوطيس، لساعات، يبدو حاميًا أكثر فأكثر ضد إيران وانتهاكاتها الشنيعة. وكانت الإدارة الأمريكية تبدو في مقام خلق زخمٍ مبنيٍ على الحقائق المتعلقة بكل ممارسات إيران المخالفة لكل القوانين الدولية. وكاد هذا الزخم يوحي بحتمية وجود ممارسةٍ عملية تعطي درسًا (فعليًّا) لإيران، ولو بحجم رمزي.

لكن وزير الدفاع ختم تصريحاته بما يشبه إلقاء سطلٍ من الماء البارد على جمرٍ متقد. فقد صرح - بعد كل ما سبق - أن بلاده لا تعتزم "إطلاقًا"، وليس لديها "أي نية" للرد عسكريا على إيران؛ بسبب "دورها المزعزع للاستقرار"، مشددًا على أن "الرد الأمريكي لن يتعدى الإطار الدبلوماسي".

وفي عبارة قد تحمل الكثير من الدلالات، قال الوزير متحدثًا عن وجود المندوبة هايلي في القاعدة العسكرية المذكورة أعلاه: "لهذا السبب، فإن من كانت هناك هي السيدة هايلي، وليس أحد جنرالاتنا"!..

هل نعيش حقًّا، عمليًّا مرةً أخرى وليس نظريًّا، استمرارًا لسياسة أوباما باستنكاف أمريكا عن قضايا المنطقة المهمة استراتيجيًّا للعرب، وتركهم لمصيرهم؟ وهل بات من المصلحة بناءُ سياسات تتمحور حول تلك الحقيقة والممارسات العملية، بدل التصريحات النظرية؟ المهم ألا يفوت الأوان قبل التفكير جديًا بتلك الأسئلة الحساسة.

========================

أخسُّ من شبيح ، وأكثر سفالةً من بلطجي !؟ .. يحيى حاج يحيى

تقرأ له تغريدات ، لا تدل على أنه عربي أو مسلم !؟ يخالف فيها ثوابت الأمة وإجماعها ، بأسلوب وقح ، وصياغة سمجة !؟

يشتم المسلمين ، ويتطاول على العرب ويتبرأ منهم !؟ 

ويدعو للإرهابي المجرم بوتين بالنجاح في مهمته لذبح الشعب السوري ، ويتشفى بجراحات أهلنا !؟

فهو مع كل خائن ، وفي صف كل زنديق !؟

يتلذذ بشتمه ، وبسب أبيه وأمه !؟

ينُزُّ حقداً ، ويتفجر سفالةً !؟

فمن الذي زرعه في بلاد العرب !؟ بئس الزارعُ والمزروع !؟

أرجو المعذرة فقد شغلني ماحلّ ببلدي عن تنظيف الزبالات من بلاد العرب !؟ وإن كنت لا أزال أردد :

بلاد العُرب أوطاني - من الشام لبغدانِ

وأضيف :

ومن فاس ٍإلى يافا - إلى حمص ٍ( فعجمان ِ) !؟

===========================

هل تحقق النصر على "داعش"؟ .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 24/12/2017

مضت أسابيع على إعلان قوى الصراع الرئيسية في سوريا انتصارها على "داعش"، وانتظمت في قائمة الإعلانات كل من روسيا وإيران والولايات المتحدة إضافة إلى نظام الأسد، وأضاف الرئيس الروسي إلى إعلان انتصار قواته على "داعش" إعلانه عن سحب قواته، التي شاركت في تلك الحرب، وإعادتها إلى أماكن تموضعها الأساسية مع الإبقاء على القوات المخصصة للمرابطة في قاعدتي حميميم الجوية وطرطوس البحرية، اللتين أعطاهما نظام الأسد رخصة وجودهما على الأراضي السورية، كما أعلنت واشنطن تقييد دعهما لحلفائها من قوات سوريا الديمقراطية بعد انتصارهما المشترك على "داعش".

غير أنه وبعد تلك الإعلانات، توالت على مدار الأسابيع الماضية أخبار وتقارير، عن معارك وتحشدات وتحركات قام بها "داعش" في مناطق سوريا متعددة، شملت مناطق جنوب دمشق، وريفي درعا والقنيطرة، وريف حماة، وجنوب إدلب، وأماكن عدة في شمال شرقي سوريا، الذي كان مسرحاً لأهم معارك الحرب على "داعش" من جانب الروس والإيرانيين ونظام الأسد في دير الزور، ومن جانب الولايات المتحدة وحلفائها من قوات سوريا الديمقراطية، التي يقودها حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في الرقة ومحيطها. بل إن الأخبار والتقارير، سجلت تقدماً لـ"داعش" في بعض المعارك، مما يؤكد أن الحرب على "داعش" لم تحقق انتصاراً حاسماً، يتوافق مع ما تم الإعلان عنه، رغم الخسائر التي أصيب بها التنظيم نتيجة فقدان سيطرته على الرقة ودير الزور.

وطبقاً للمعطيات الميدانية، فإن الشكوك في الانتصار على "داعش"، تبدو حقيقة واقعة. ولعل الأهم فيما يدعم تلك الشكوك، لا يكمن فقط في تحركات "داعش" والمعارك التي خاضها في الأسابيع الأخيرة، إنما في أن أحداً من المنتصرين في الحرب، لم يقدم تفاصيل انتصاراته على "داعش"، بإعلان عدد من قتلوا أو تم أسرهم من التنظيم، وما تم الاستيلاء عليه من أسلحة وذخائر ومعدات، كانت تمثل ترسانة التنظيم، التي راكمها طوال السنوات الماضية، واستعملها في انتشاره والحفاظ على سيطرته ضمن رقعة واسعة من شمال وشرق سوريا، وجاء أغلبها من الصين وروسيا وأوروبا الشرقية طبقاً لتقرير بلجيكي صدر مؤخراً، كما لم يتم الإعلان عن معلومات تكشف مصير من تبقى من عناصر وقيادات "داعش" الذين تسربوا من الرقة ودير الزور في خلال فترة استعدادات الأطراف لدخول الحرب، حيث لم يقل أي من المحاربين أين ذهب قياديو التنظيم ومقاتلوه، وأسرهم التي تمثل بيئة اجتماعية وآيديولوجية لفكر التطرف والإرهاب.

إن أهم ما تسرب عن تفاصيل الحرب، يمثله إعلان وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو عن مقتل أربعة آلاف من مقاتلي "داعش" في المعارك ضده في سوريا والعراق، وهو عدد قليل من إجمالي عناصر "داعش" الذين كانوا موجودين في سوريا وحدها، والمقدر عددهم في المناطق الشمالية الشرقية باثني عشر ألفاً حسب أقل التقديرات، وحتى لو تمت إضافة خمسة آلاف من عناصر التنظيم، قال جاويش أوغلو إنه تم ترحيلهم إلى تركيا، فإن هناك آلافاً من عناصر التنظيم ما زالوا منتشرين في وحدات مقاتلة في سوريا، وثمة آلاف أخرى تحولت إلى خلايا نائمة للتنظيم، أو هي في طور إعادة ترتيب صفوفها، واستئناف معاركها على نحو ما تبين الوقائع.

إن ما أحاط بمجريات الحرب على "داعش" والتغطية على نتائجها، يؤكدان استمرار وجود التنظيم، وتواصل عملياته التي يمكن أن تتسع لاحقاً، وإن يكن بصورة مختلفة عما كانت عليه في السنوات الماضية، وهو تحول يبدو شديد الارتباط بقوى الصراع الرئيسية ومساراتها السياسية والعسكرية في سوريا، والتي تسربت معلومات، وكشفت وقائع كثيرة عن علاقاتها مع "داعش"، واستخدام الأخير من جانبها سواء في الصراعات البينية من جهة، أو في جهودها المختلفة لتأكيد أن ما يجري في سوريا هو حرب على الإرهاب والتطرف، وليس صراعاً بين النظام ومعارضيه من أجل مستقبل سوريا والسوريين.

وتطرح وقائع ما حصل في الحرب على "داعش"، أن ما جرى لم يكن هدفه حسم الصراع مع "داعش" أو تصفيته، إنما كان هدفه تحجيم التنظيم، ودفع ما تبقى منه للقيام بدور في مواصلة الحرب السورية من الناحيتين السياسية والعسكرية؛ إذ يحافظ من خلال وجوده من الناحية السياسية على استمرارية نظرية الحرب على الإرهاب والتطرف، ويغطي عجز أو عدم رغبة أطراف الصراع في التوصل إلى حلول سياسية للقضية السورية، ويتم استخدام "داعش" من الناحية العسكرية الميدانية لرسم خرائط متبدلة للصراع في سوريا وعليها، ويلعب دوراً في حسم الأوضاع القائمة في المناطق الخارجة عن سيطرة نظام الأسد خصوصاً في إدلب أو في درعا وفي محيط دمشق سواء في الغوطة المحاصرة أو في جنوب دمشق، وكلها قضايا، كانت ستتبدل، إذا جرى حسم وضع "داعش" وتم تحقيق انتصار حقيقي عليه.

إن الحرب على "داعش"، رغم أهميتها وضرورتها، لم تدخل مستوى من الجدية في سلوك أطراف الحرب طوال السنوات الأربع الماضية، والفصل الأخير، لا يمثل تحولاً نوعياً فيها، بل تبدلاً في شكلها، وهو ما جرى اعتباره انتصاراً، فيما الانتصار الحقيقي أمر يتجاوز ربح المعارك العسكرية والذهاب إلى سياسات وإجراءات من شأنها الحد من التطرف ومحاصرة الإرهاب، ولعل الأهم في هذا الدفع نحو إجراءات بينها وقف قصف المناطق المدنية، ورفع الحصار عن المناطق المحاصرة وفتح الأبواب أمام تدفق المساعدات الإنسانية والطبية، وإطلاق المعتقلين والسماح بعودة النازحين واللاجئين إلى ديارهم باعتبارها مقدمات لحل سياسي، يستند إلى المقررات الدولية خصوصاً في موضوع الانتقال السياسي. وما لم يتم المضي في هذه الطريق، فإن بيئة توليد التشدد والتطرف مستمرة، وسوف تغذي استمرار "داعش" وغيره من المتطرفين خاصة، إذا كانت أطراف الصراع السوري الرئيسية كلها أو أكثرها ذات روابط وخيوط مباشرة مع "داعش"، وترى أن له دوراً سياسياً وعسكرياً - ميدانياً مستمراً في القضية السورية.

========================

هل من نهايةٍ قريبةٍ للحرب في سورية؟ .. رضوان زيادة

العربي الجديد

السبت 23/12/2017

كلما استمر القتال في سورية أصبحت خريطة الصراع أكثر صعوبة وتعقيدًا. قرّر سوريون ولاجئون كثيرون البحث عن ظروفٍ أفضل وحياة أفضل للعيش، والسبب الأكثر أهمية بالنسبة للسوريين، في حملهم على الفرار وتحمل مخاطر الرحلة إلى أوروبا، أنه لا توجد أي علامات لانتهاء الحرب فيها، واللاجئون في البلدان المجاورة يفقدون حاليًا الأمل في أن يتمكّنوا من العودة.

داخل سورية، يستمر الوضع في التدهور، مع كثافة الاشتباكات في جميع المناطق، الاقتصاد والخدمات في حالة انهيار عام، يقود ذلك مزيدا من الناس إلى الرحيل، ولايزال هذا الانهيار يؤثر عميقًا على الذين هربوا بالفعل إلى الدول المجاورة. كما أن وضع اللاجئين في دول الجوار أصبح أكثر صعوبة وغير إنساني في حالاتٍ كثيرة، وكثيرون منهم مقتنعون بأن المخاطرة والعبور إلى أوروبا قد تيسر مستقبلا أكثر إشراقا لأبنائهم.

في جميع البلدان المجاورة التي يقيم فيها اللاجئون السوريون، لا يسمح للاجئ بدخول سوق العمل رسميًا، ويواجه عقوبات إذا تم القبض عليه. في الأردن، على سبيل المثال، يواجه خطر الإعادة إلى المخيمات. وفي لبنان، يضطرّون إلى توقيع تعهد بعدم العمل، إذا كانوا يرغبون في تجديد إقامتهم.

ينظر المجتمع الدولي اليوم إلى الأزمة السورية على أنها ثلاث أزمات منفصلة: الإرهاب: بروز التنظيمات الإرهابية في سورية واتخاذها ملجأ آمنا، مثل داعش والقاعدة. اللجوء: فرار لاجئين كثيرين إلى دول الجوار وعبورهم إلى أوروبا. الانتقال السياسي: الحاجة إلى استقرار سياسي ينبع من أهمية تحقيق الانتقال السياسي الذي يتيح للسوريين اختيار رئيسهم ونظامهم السياسي بحرية. وللأسف، يركز المجتمع الدولي اليوم على الأزمتين، الأولى والثانية، في حين يترك الثالثة للمفاوضات السياسية التي لم تحرز جولتها الثامنة في جنيف أخيرا أي تقدّم على الإطلاق، كما سابقاتها في أربع سنوات.

اليوم وبعد مرور سبع سنوات تقريباً على بداية الثورة السلمية في سورية، تظهر الحاجة، أكثر من أي وقت مضى، إلى رسم خطة استراتيجية كبرى، تربط هذه الأزمات الثلاث معاً، وتدرك أنه لن تكون هناك إمكانية للقضاء على الإرهاب في سورية بشكل كامل، وعودة ملايين اللاجئين من دون دفع عجلة الانتقال السياسي، وممارسة الضغوط السياسية والدبلوماسية، وحتى العسكرية، على نظام الأسد من أجل تحقيق هذا الانتقال.

لا بد من تحقيق انتقال سياسي كامل في سورية، ينقلها من نظام تسلطي طائفي إلى نظام ديمقراطي تعدّدي غير طائفي، يعتمد على مبدأ المواطنية ومساواة كل السوريين أمام القانون. ولذلك، ربما يحقق النظام البرلماني هذه الأهداف بالشكل الأمثل في سورية اليوم. كما لابد من خروج كل المليشيات الأجنبية والطائفية، ممثلة في القاعدة و مليشيات حزب الله والمليشيات الإيرانية المتحالفة معها ومع نظام الأسد (زينبيون وفاطميون وحركة النجباء العراقية).

بالتأكيد، زاد التدخل الروسي العسكري اليوم الأمور تعقيداً في سورية، فروسيا لم تعد داعما لنظام الأسد أو راعيا له، وإنما أصبحت مالكة له. وبالتالي عليها "إنقاذ سورية" من أجل الخروج بشرف وكرامة من تدخلها العسكري، إذ تدخلت روسيا في كل الأماكن، مع تركيز عسكري وقوة نارية هائلة ضد المعارضة السورية المسلحة، بما دعم نظام الأسد، وشجّعه على الاستمرار في ارتكاب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وإجبار الأهالي على الخروج من مدنهم ضد رغبتهم من مدنٍ، مثل حلب وداريا ومضايا، وجديدها كان حي الوعر في حمص. إنه اتفاق تهجير قسري ضد القانون الإنساني الدولي، وليس اتفاقا لحماية المدنيين.

هل هناك حاجة لروسيا كي تستنفد كل هذه الموارد المالية والعسكرية والسياسية في الدفاع عن نظامٍ من المستحيل عليه الاستمرار بطريقة سياسية أو قانونية؟ استمرار هذا النظام يعني استمرار الحرب السورية إلى مالا نهاية، ولن يشعر اللاجئون السوريون الذين يزيد عددهم اليوم على سبعة ملايين لاجئ، بالأمان، من أجل العودة إلى سورية، طالما أن طريقة حكم الأسد في القتل والتعذيب والبراميل المتفجرة مستمرة في حكم ما تبقى من سورية.

ولذلك، يمكن تصور ضمان تحقيق الانتقال السياسي من خلال الضغوط العسكرية على نظام الأسد، ممثلة في المناطق الآمنة التي ستجبر الأسد على الرضوخ بجدية إلى مطالب المفاوضات السياسية.

========================

لغز داعش .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 23/12/2017

تتضح، يوما بعد آخر، هوية أصحاب المشروع الداعشي. وتتأكد واقعة أن اتهام الشعب والثورة السوريين بالوقوف وراءه كان سياسة دولية أملتها حساباتٌ ليس بينها سوء التقدير، جعلت الثورة أول ضحاياه، وحين أوشك على السقوط خلال الأشهر الماضية، أبدت قدرا من الحرص عليه، ما كان أحد يتوقعه، لإنقاذه من مصير محتوم توعده الجميع به نيفا وثلاثة أعوام. ثم، وما أن قضت مجاميع "داعش" على الجيش الحر في المناطق التي كان قد أخرج النظام منها، حتى برزت جهود تتسم بالغموض والسرية لإنقاذ أمرائها ومقاتليها، فأنقذ الأميركيون الذين تذرّعوا بالحرب ضدها، لاحتلال نيف وأربعين ألف كيلومتر مربع من شمال سورية وشرقها، بعض أمرائها، بشهادة روسيا التي تحدثت عن التقاط وحدة أميركية مجوقلة أمراء داعشيين، بينهم أمير مالية التنيظم وأسرته، وفي حوزته صناديق مجهولة المحتوى. ووصف سائقون سوريون، أمروا بنقل مقاتلي "التنظيم الإرهابي" من الرّقة إلى دير الزور، حجم ما حملوه من أسلحة متوسطة وثقيلة وذخائر، بالإضافة إلى 4500 مقاتل وامرأة وطفل، فكيف تمت عمليةٌ كهذه، احتاج تنفيذها سبعة أيام، رتب كل شيء خلالها وكأن الرّقة لا تعيش حربا، أو تتعرّض لقصف جهنمي من الطيران الأميركي، أو يوجد اتفاق أميركي/ روسي بعدم التعرّض لقافلتهم التي بلغ طولها نحو سبعة كيلومترات، واجتازت قفارا صحراوية، وكان فيها عدد كبير من الأجانب، يصحبهم واحد من أكبر أمراء التنظيم. كما نشرت وزارة دفاع روسيا صور قافلة عسكرية داعشية في طريقها من دير الزور إلى البوكمال، وأكدت أن واشنطن حمتها.

وكشف الأميركيون أن أكثر من 97% من جهد روسيا العسكري استهدف الجيش الحر، وتحاشى الرّقة، عاصمة التنظيم، باستثناء مراتٍ تعد على أصابع يد واحدة، استهدفوا خلالها مناطق طرفية لا أهمية لها، وكذلك فعلوا في دير الزور، وصولا إلى حدود العراق، حيث استهدفوا مدنيين.

يوجد كثير من الحقيقة في هذه المعلومات، فالروس ركّزوا جهدهم بعد غزو سورية على إبادة الجيش الحر، وسمحوا لقوافل داعشية اجتازت الصحراء باحتلال تدمر مرتين، من دون إطلاق رصاصة عليها، بينما قصفوا الشعب الآمن، ودمّروا ما استطاعوا تدميره من الجيش الحر، بينما لعبت فزّاعة "داعش" دورا مهما في تسويغ حربهم ضد السوريين، وفي المحافظة على التنظيم الإرهابي في الشمال البعيد، حيث أقام "دولة"، ونشر قواته الرئيسة، لكن الروس أبقوا عليه ليكون أداة مساومة مع واشنطن وأنقرة المتهمتين روسيا بدعمه.

لا حاجة لأدلة تؤكد تعاون حزب الله وإيران مع "داعش" وجبهة النصرة، بعد فضيحة إخراج مسلحي التنظيمين من البقاع بحافلات مكيفة إلى دير الزور، تحيط بهما من دون خجل حراسات حسن نصر الله وراياته، وهو الذي لطالما زعم أنه غزا سورية لمقاتلة التكفيريين، ولمنعهم من اختراق لبنان. وحين استسلم هؤلاء بعد معركة تهريجية فضحها الإعلام اللبناني، أوصلهم بأمان وحرص إلى حيث يستطيعون استئناف "إرهابهم" ضد الجيش الحر والشعب السوري. وعندما حالت واشنطن دون بلوغهم غرضهم، أصدرت الخارجية الايرانية بيانا يتباكى على حقوق الإنسان، ويطالب بفك "الحصار" عن الأطفال والنساء المحتجزين في الصحراء، فاستجابت واشنطن لنداء الإنسانية، ودموع الغفران في مآقي عسكرها الذي يستميت للقضاء على "إرهاب داعش".

يفضح هذا الموقف الموحّد من "داعش" وجود سياسات أميركية/ روسية/ إيرانية/ حزب اللاهية تسمح لمقاتليها بالإفلات من الموت والأسر، في سورية والعراق، حيث بطش "الحشد الشعبي" بالآمنين من العراقيين، وترك الدواعش يغادرون الموصل وتلعفر إلى سورية، بينما سمح الأميركيون بمغادرة معظم دواعش سورية إلى العراق! ألا تلقي هذه الوقائع الأضواء على هوية "داعش" شركة مساهمة أسستها مخابرات دولية، تنقذ اليوم مندوبيها فيها، وتحافظ على "التنظيم" لأنه إرهابي.

قتل الاميركيون والروس والإيرانيون عشرات آلاف السوريين، وخاض الأسد حربا منظمة، بمعونة طهران وموسكو ضد شعبه، بحجة الحرب على إرهابٍ أخرج قادته من سجونه، وأسهمت مخابراته في تنفيذ عديد من عملياته. وعندما لاحت فرصة القضاء عليه، سارع الجميع إلى إنقاذه وإعادته إلى السرية، ليستخدموه من جديد، في حروب أخرى ضد "إرهاب داعش"، الذي نجحت الحرب ضده إلى درجة مكّنته من الانتشار والقتال في بلدان عديدة في آسيا وأفريقيا. .. مات الإرهاب، عاش "داعش".

========================

مفاوضات الإخضاع وخيار سوتشي الفاشل .. عمار ديوب

العربي الجديد

السبت 23/12/2017

كان على مؤتمر "الرياض 2" أن يُنهي دور المعارضة السورية في الإصرار المستمر على القرارات الدولية، والتي جوهرها، تشكيل مجلس حكم انتقالي كامل الصلاحيات. تخلى بيان "الرياض 2" عن أية شروط مسبقة للبدء بالتفاوض، ولكن عبارته القائلة برحيل الأسد في بداية المرحلة الانتقالية لم تُقبل على الإطلاق، وهو ما تحفظ عليه وفد قدري جميل بشكل معلن. مع بدء جولة جنيف التفاوضية الثامنة، تأخر النظام عنها ليومٍ، ثم رفض الدخول بأيّ مفاوضات مباشرة، وحاول جاهداً تقديم سلة محاربة الإرهاب على بقية سلل البائع دي ميستورا. وفي النهاية، أفشل النظام جنيف الثامن؛ وحاولت المعارضة التفاوض ولو لمجرد التفاوض، وعلى الرغم من ذلك، لم يستجبْ لها وفد النظام، وهي لا تفهم أن سقف التنازلات هو سقف حضن النظام، وهو ما لوحظ في قول المتحدث باسم وفدها المفاوض، يحيى العريضي، إن لا مشكلة مع مؤتمر سوتشي، إن ساهم في تحقيق مقررات جنيف1 والانتقال السياسي. هنا المطب، فالسؤال البديهي هنا: لماذا "سوتشي" من أصله، ما دام "جنيف" يستند إلى المقرّرات الدولية، ويرفضه كل من النظام وروسيا وإيران؟ أليس هذا إقراراً بأن هناك تنازلات إضافية ستقدمها المعارضة في سوتشي؛ مجرد الموافقة عليه، بل وتلويح بعض شخصياتها الرئيسية بمشاركتها موقف خاطئ بالكامل.

مسلسل الإخضاع مستمرٌ؛ فهو تارة يمر بجنيف اللامتناهي، وتارة بأستانة وثالثة الأثافي في سوتشي؛ وهذا مهمته تهميش المعارضة والقرارات الأممية، والانتقال بالمحادثات إلى إعادة تأهيل النظام وتشكيل حكومة موسعة، ووعود طنانة بإمكانية الانتقال في سورية نحو دولةٍ يتحكّم أهلها فيها، وهو ما يكرّره الروس والإيرانيون بوقاحة "الاستعمار"، والقصد منه أنّهم أتوا إلى سورية عبر النظام، وسيعملون ما في وسعهم من أجل إعادة الحياة إليه، وإجراء إصلاحات دستورية هامشية، وانتخابات نيابية ورئاسية تحت هيمنة النظام.

"المعارضة السورية معنية بفهم دورها السياسي بدقة؛ فبوتين يدفعها إلى مواقف تخدم تجديد رئاسته أكثر من المساهمة في حل سياسي"

انتهاء "جنيف"، وترحيل بعض ملفاته إلى "سوتشي" الذي لا صفة شرعية دولية له، يُوضحان أن كل القرارات الدولية الخاصة في سورية ليست ذات قيمة أو أهمية، ويمكن التخلي عنها إن رضيت المعارضة أو جهات سورية كثيرة معارضة، فبذهابها إلى سوتشي تكون قد رفعت من قيمته وشرعنته، وربما تتحوّل مقرراته اللاحقة إلى وثيقة دولية، وهو ما سيعمل الروس من أجله. الأسوأ أن الروس لا يمتلكون حلاً لسورية، إلا احتلالها ونهبها.

وفي هذه الأثناء، ما زالت الولايات المتحدة التي لا تستقر على موقفٍ دوليٍّ، يعتد به إزاء شرقنا التعيس هذا، ولو مع الأنظمة، تناور بين أن جنيف وحده مكان للحل السياسي وأن سوتشي ليس سيئاً. مواقفها غامضة، ومن ناحية أخرى، ترسخ قواعدها العسكرية في سورية، وتستولي على شرق البلاد وقطاع كبير من جنوبها وغربها! ويوضح عدم تحديدها موقفا دقيقا من سوتشي، وغياب توافقات دقيقة بينها وبين روسيا بما يخص المنطقة والعالم، أن الصراع على سورية لم ينته بعد، وأن كل الحديث عن الاستقرار في دائرة الأوهام.

مراد القول هنا إن الكلام عن إعادة الإعمار حالما سيحصل الحل السياسي في سوتشي من ناحية، أو من ناحية أخرى في مناطق سيطرة الأميركان كما قيل إثر تحرّر الرقة هو أقرب إلى الكذب والدجل. ولا حاجة للتذكير هنا بغياب أيّ إعادة إعمارٍ في العراق أو أفغانستان. روسيا المثقلة بالديون والعقوبات وكذلك إيران لا تملكان مشروعاً لإعادة الإعمار، بل هما وقعتا وتوقعان اتفاقياتٍ مع النظام، من أجل السيطرة على الثروات الباطنية أو المشاريع سريعة المردود، وكذلك أميركا التي سَرقَ رئيسها مليارات الخليج، ويبحث عن نهبٍ إضافي في دول العالم، لن يغامر بأموال لإعادة الإعمار في سورية. الأمر عينه يخص أوروبا، وإن كان بسبب عدم حدوث أي استقرار في سورية. إذاً، سوتشي الذي يزعم الروس أن 1500 شخصية سورية ستشارك فيه يُعقد من أجل شرعنة الاحتلال الروسي وبقية الاحتلالات، ولا يضع أية مداميك لإخراج إيران من سورية وتعزيز الوجود التركي؛ سورية ضمن ما يُرسم لها لن يكون مصيرها أفضل من بقية الدول الفاشلة المذكورة أعلاه.

تضارب المصالح الروسية الأميركية يعيق أيَّ حلٍّ سياسي جدّي. وفي الوقت عينه، يفتح الأفق نحو حل روسي فاشل، ضمن مناطق يسيطر عليها النظام تحديدا. ما يمنع ذلك أو يساهم فيه هي المعارضة بالتحديد. إذن، على المعارضة توحيد رؤيتها وموقفها ورفض مؤتمر سوتشي،

"الموقف السليم مقاطعة "سوتشي" والتمسك بمسار جنيف، والمناورة ضمنه من أجل تطبيق القرارات الدولية" وإجبار الفصائل على عدم الذهاب إليه. ومعلوم أن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، يستعجل هذا المؤتمر من أجل الانتخابات الرئاسية التي ترشح لها، وهو السبب نفسه الذي دفعه إلى إعلان نهاية الحرب ضد "داعش". وللأمر نفسه، استقبل الرئيس السوري في قاعدة حميميم وليس في دمشق، للقول إن روسيا تسيطر على سورية بالكامل، ولم تتكلّف أرواحا كثيرة، بل وسيعيد جزءا من القوات هناك. وبذلك وعبر إعلان احتلال سورية، يمهد بوتين لإعادة انتخابه رئيساً لروسيا.

المعارضة السورية معنية بفهم دورها السياسي بدقة؛ فبوتين يدفعها إلى مواقف تخدم تجديد رئاسته أكثر من المساهمة في حل سياسي. وفي حال حصل حل سياسي ما فهو سيكون ضمن سورية المفيدة، ومن أجل نهب ثروات سورية. وهذا لن يحقق انتقالاً سياسياً، ولا استقراراً. ولهذا إن تضمن "سوتشي" حلاً وهذا مستبعد، فإنّه لن يكون أكثر من تشريع لاحتلال سورية. السؤال: أية مصلحة للمعارضة في ذلك. الموقف السليم مقاطعة "سوتشي" والتمسك بمسار جنيف، والمناورة ضمنه من أجل تطبيق القرارات الدولية، خطوة أولى نحو إخراج القوات الأجنبية من سورية، وأن يقرّر حينها أهلها مصيرها بحق.

========================

صرخة المرأة السورية الشجاعة .. بشير البكر

العربي الجديد

السبت 23/12/2017

عارض سوريون ترويج فيلم "الصرخة المكبوتة" الذي أنجزته وعرضته القناة التلفزية الفرنسية الحكومية (الثانية)، عن عمليات اغتصاب تعرّضت لها نساء سوريات من أجهزة نظام بشار الأسد. ويرى أصحاب هذا الموقف أن الفيلم ذو مفعول سلبي على صورة المرأة السورية، ولن يكون له أي دورٍ في تحريك العدالة الدولية، من أجل محاكمة الجناة والاقتصاص منهم. ويقول هؤلاء إن هذه الجريمة ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة لنظامٍ مكون من فريق محترفٍ للجرائم ضد الإنسانية، وهو يمارسها بدون حرج أو خوف، ليس اليوم فقط، وإنما منذ زمن طويل.

معروفٌ أن نظام الأسد قام على الجريمة، وعاش واستمر عليها. ومن جريمة إلى أخرى، صار لديه جهاز من القتلة المحترفين الذين تخصّصوا في فنون السيطرة على المجتمع السوري، وتطويعه كي لا يتحرّك. ولذلك استطاع، خلال أعوام الثورة، التكيف مع الانتفاضة العامة، بابتكار أساليب من العنف للدفاع عن نفسه، لم تكن في حساب أحد، حتى تفوّق في ممارسة الرعب على سائر الأنظمة التي حكمت شعوبها بالحديد والنار.

ويستدعي النقاش الدائر بشأن الشريط التلفزيوني عدة ملاحظات: الأولى، أن استباحة النساء سلاح قذر جرّبه النظام قبل مجازر حماة وحلب وبعدها، في أوائل الثمانينات، من أجل تحطيم البنية العامة للمجتمع، وإخماد الانتفاضة الشعبية في المدينتين. وهناك شهاداتٌ، القليل منها مسجّل، عن الاستخدام المنهجي لهذا الفعل المشين، من أجل إجبار المعارضين على إلقاء سلاحهم والاستسلام، وتقديم اعترافات عن عملهم السياسي وتنظيماتهم. ويروي عسكريون سابقون أنهم كانوا يتلقون أوامر من القيادات العليا بضرورة اغتصاب جميع النساء في البيوت التي تتعرّض للمداهمة، وأن تجري العمليات بحضور الأزواج والإخوة والأبناء والآباء.

والملاحظة الثانية، إن عمليات الاغتصاب التي شملت النساء يُراد، في جانبٍ منها، شطب المرأة السورية من الثورة التي لم تكن لتستمر إلى اليوم، لولا القدرة الهائلة على الصبر والعطاء والتحمل لدى النساء السوريات. وكل من سوف يقوم بدراسة الثورة ذات يوم، سيجد أنها لم تكن لتستمر، لولا الخط الدفاعي الذي وفرته النساء، لكي لا تنهزم الثورة في أشهرها الأولى. الأمهات والزوجات والأخوات والصديقات كنَّ مع الرجال في كل موقع، ولعبن دوراً كبيراً في تماسك مجتمع الثورة، وحمايته من الانهيار، سواء في الداخل أو بلدان الهجرة. وتتحمل النساء الأرامل مسؤولية مئات آلاف الأطفال الذين استشهد آباؤهم، ولم يعد لهم من معيل غير أمهاتهم اللاتي اضطر قسم كبير منهن إلى الهرب إلى الخارج من أجل حماية الأطفال.

الملاحظة الثالثة، إن الشهادة على هذا الوضع الصعب تساعد بعض الضحايا على تجاوز ما هو مكتوم من حمل ثقيل، ووضعه أمام الآخرين، بهدف رؤية الضحية داخل محيط شرطها القاسي. ويمكن إدراك أهمية هذه النقطة من خلال ردود الفعل التي عبر عنها رجالٌ تهيبوا مشاهدة الشريط، ثم عادوا لمشاهدته أكثر من مرة، لأنه وضعهم أمام صورةٍ عاريةٍ للوضع السوري اليوم.

الملاحظة الرابعة، إن كل جرائم نظام الأسد الأب والابن حصلت على تغطيةٍ دولية، ولم تخضع للحساب الذي تستحقه وفق القانون الدولي، ولو لم يسكت العالم عن جريمتي حلب وحماة في الثمانينات، لما تجرّأ النظام على ارتكاب جرائم اليوم. ولو لم يتكفّل الروس بتخليص النظام من تبعات استخدام السلاح الكيماوي في الغوطة الشرقية في أغسطس/ آب عام 2013 لما كان النظام على قيد الحياة، لكن عدم محاسبته لا يعني سقوط حقوق الضحايا، ودور الفيلم أساسي في هذا المضمار.

بعد هذا الشريط، لم تعد صرخة الضحايا من السوريات والسوريين مكتومةً، بل باتت مدويةً في كل مكان، ولن يقلل من ثقلها إفلات النظام المجرم من العقاب حتى إشعار آخر.

========================

تركيا واضطراب الأجندات في آستانة وسوتشي .. سميرة المسالمة

الحياة

السبت 23/12/2017

يستند مسار مفاوضات آستانة، الذي وصل إلى جولته الثامنة، إلى مرجعية ثلاثية هي روسيا- إيران- تركيا، على رغم أن العراب الأساسي لهذا المسار هو روسيا، إلا أن الوقائع تفيد بأن أي خلل بخصوص تحقيق رغبات أي من الأطراف المذكورة من شأنه أن يعطل هذا المسار، وفي أحسن الظروف أن يبقيه قيد الانتظار. ولعل ذلك يفسّر حالة الجمود التي انتابت التوافقات الحاصلة في الجولتين السابقتين (السادسة والسابعة)، إذ تجلّى فيهما تعثّر قدرة الأطراف الثلاثة على الالتزام بتنفيذ متطلبات اتفاقات مناطق خفض التصعيد، التي تشهد اليوم معارك عديدة، خلافاً لما تم التوافق عليه في الجولة السادسة، وخاصة في ما يتعلق بمناطق إدلب وريفها وريف حماه، وتوزيع القوى الضامنة على حدودها بين روسيا وتركيا، وما يتعلق بإغلاق ملف وجود "هيئة تحرير الشام" (النصرة سابقاً) في سورية.

على ذلك فإن مسار آستانة يواجه اليوم تحديات تهدّد استمراريته، وتعيد الخلافات بين تلك الدول الضامنة إلى المربع الأول، بحكم تباين أجنداتها حول تنازع النفوذ في سورية، ونوع الآليات التي تعّزز ذلك، بما يضمن مصالحها، ويهيئ الأجواء لانعكاسات هذه القسمة على الحل السياسي، سواء تابع مساره منفرداً في جنيف، أو استطاعت موسكو، من خلال إعادة الثقة إلى مسار آستانة، جر الأطراف الثلاثة، مع الأطراف السورية التي تتبناها، إلى طاولة مفاوضات سوتشي، التي تعدها للبحث في القضايا السياسية المختلف عليها في مفاوضات جنيف، ومنها موضوع إعداد الدستور والانتخابات بشقيها الرئاسي والبرلماني.

هنا قد يمكن البحث في تحديات مسار آستانة من خلال المآلات المتعلقة بمصير اتفاق "خفض التصعيد" الخاص بإدلب، وهي المنطقة الأكثر إلحاحاً اليوم، إضافة إلى علاقات الأطراف المعنية، وفقاً للملاحظات الآتية:

أولاً: يفترض أن تنهي الفصائل الموجودة في منطقة إدلب وريفها، المدعومة تركياً، معركتها ضد "هيئة تحرير الشام" ("النصرة" سابقاً)، لإنهاء وجودها كاملاً من إدلب، واستعادة السيطرة عليها لمصلحة مجلس محلي من أبنائها، مع انتشار مراقبين أتراك من جهة المعارضة، ومراقبين روس من جهة النظام، إلا أن هذا الاتفاق لم يحترم من قبل النظام وروسيا، اللذين شنّا غارات على شمال سورية خلال شهر أيلول (سبتمبر) الماضي ضمن منطقة خفض التصعيد ذاتها، ورغم ذلك فإن تركيا تابعت إعلانها عن معارك داخل المنطقة لتحريرها من "النصرة"، لكن عمليات التحرير لم تمتد إلى كامل المنطقة حتى اللحظة وما تزال الحرب على "النصرة" قيد تفاهمات، وتغيير في مواقع الجبهات حتى اليوم بين الفصائل العسكرية المختلفة الموجودة داخل وفي محيط تواجد "النصرة" في إدلب، مما يعني أن ملف "النصرة" لا يزال مفتوحاً للتفاوض، وهي النقطة التي تأخذها روسيا على تركيا، بينما تحتفظ بها تركيا للبحث، أو للضغط، في بقية الملفات.

ثانياً: تأمل تركيا من روسيا مساندتها في ما يتعلق بمعركتها في عفرين، في الشمال الغربي من سورية، بهدف منع "قوات سورية الديموقراطية"، المدعومة أميركياً، من أن تجعل من هذه المدينة منطلقاً لمد النفوذ الكردي في المناطق المحيطة، ما يشكّل تهديداً لمناطق جبال التركمان والأكراد قرب الساحل السوري، ما يتيح إقامة الكيان الكردي، أو كيان الحكم الذاتي للكرد، الذي ترفضه تركيا خوفاً من امتداده إلى مناطقها التركية، ذات القومية الكردية. وكل المؤشرات تفيد بأن تركيا لا تزال تحتفظ بهذه الورقة، أي ورقة التهديد بهذه المعركة، التي قد تجعل منها معبراً لفرض طلباتها على طاولة مفاوضات آستانة، ومن ثم لاحقاً سوتشي، ما يفسر قيامها، خلال الأيام الماضية، بفرض وقائع ميدانية، تعزز من مكانتها إزاء "قوات سورية الديموقراطية" مباشرة، من خلال إزالتها أجزاء من السور الأسمنتي، الذي كان يفصلها عن المنطقة التي يسيطر عليها الكرد، ما يمكنها من تحريك آلياتها العسكرية، ما يعني احتمال فتح المعركة للضغط أو لاستكشاف نوايا موسكو تجاه الاتفاقات السابقة حول منطقة خفض التصعيد ووعود انعقاد سوتشي من غير كرد "قوات سورية الديموقراطية".

ثالثاً: وبخصوص إيران، التي تراجع دورها دولياً بفعل الحصار الأميركي، وتباعد المصالح بينها وبين الجانب الروسي، الراغب في إنجاز مبادرة للحل السياسي وفق منطق القرار 2254، واتفاقاته مع الجانب الأميركي، المنجزة (خفض التصعيد في جنوب سورية)، وفيها ما يقلص الدور الإيراني، ما يعني ضرب مصالح إيران الحيوية في وجودها داخل سورية، فإنها تسعى من خلال إمساكها قرار النظام إلى إجهاض اتفاقات آستانة وهو ما يحصل اليوم في ريف حماة، وعرقلة أي جهد لإنجاح مسار جنيف، لذا فهي لا تجد لها أي مصلحة في سوتشي (وآستانة)، رغم موافقتها الشكلية على المسارين الروسيين.

رابعاً: بالنسبة إلى روسيا، التي تعتبر مسار آستانة أحد معايير نجاحها في الإطباق على ملف سورية، وفي ظل تحالفاتها مع إيران وتركيا (أعداء الأمس)، فإن توقّف ذلك المسار لأي سبب كان يعتبر بمثابة تعثر، من شأنه أن يبدد الحلم الروسي في اشتقاق مسار على الضفة الأخرى، يوازي آستانة العسكري، ويختص بالشأن السياسي، الأكثر خلافاً بين الدول المتصارعة على سورية من جهة، وبين السوريين معارضة ونظاماً من جهة أخرى. لهذا توزع موسكو ضغوطها الدبلوماسية بين الدول الثلاث (بإضافة دمشق)، التي استضافت أكثر من مبعوث روسي خلال أيام، بدءاً من بوتين الذي زار قاعدته العسكرية في حميميم بحضور الأسد، ومرورا بموفدي وزارة الخارجية قبل وبعد جنيف-8، ما يعني أن إنجاز جولة آستانة التي سيحضرها الوسيط الدولي لم يعد كما كان سابقاً وفق الجدول الزمني المرن ولكن وفق منطق التوافق على الغنائم قبل الوصول إلى التفاهم.

خامساً: أما الولايات المتحدة الأميركية، التي تراقب بصمت وريبة كل مجريات آستانة وتحضيرات سوتشي، وتعتبرهما بحكم الغائب الحاضر، حيث يمكن توظيفهما وليس استثمارهما في الحل النهائي، الذي يتوقّع أن تفرضه أميركا في مسار جنيف وليس بتجاوز له، وباعتبار أن أي حل مقرون بالنهاية بالرغبة الأميركية في وضع نقطة في نهاية ملف الصراع على سورية، وفق معادلة لا أطراف سورية منتصرة ولا قيام لسورية ما قبل 2011، ولا لسورية خالية من مخلفات النظام وتبعياته القائمة.

هكذا، فإن المعادلات الدولية تضع النظام أمام خيارات جميعها لا يتوافق مع رغبته أو رؤيته للحل، التي يختصرها بترك فرصة للمعارضة لمشاركته في بعض جوانب السلطة التنفيذية فقط، وليس السيادية، على مبدأ ما هو حاصل فيما يسمى "الجبهة الوطنية"، وهو ما نرى بعض الأطياف المحسوبة على المعارضة يدافع عنه، لذلك يذهب النظام إلى جنيف لتعطيل مساره، ويتعاطى بحذر مع آستانة، التي لا يلتزم بمخرجاتها أينما استطاع مع شريكته إيران إلى ذلك سبيلاً، ويصمت تجاه مشروع مؤتمر سوتشي، الذي تعد له موسكو، رغم رفضه جدول أعماله الذي يتطابق مع جدول أعمال جولة جنيف-8 الماضية وذلك لأسباب منها:

إن النظام يرفض سوتشي لنفس أسباب رفضه غير المعلن لجنيف، بيد أنه لا يعلن ذلك حيث الفرصة متاحة له للحضور، من أجل المناورة والتمييع، في حين أن مناقشة نفس البنود في جنيف من شأنها أن تتحول إلى قرار أممي، يدخل في رصيد المعارضة كطرف مقابل له.

من مصلحة النظام غياب المعارضة عن سوتشي، كي لا تجد روسيا شريكاً لها غيره، وحتى يتمكن بمن حضر من صياغة مخرجات لا تتوافق مع القرارات الدولية بهدف إجهاضها تحت مظلة إرادة الشعوب المجتمعة في المؤتمر.

ومن هنا فإن المعارضة ليست أمام تحديات صعبة بقدر ما هي تحديات وجودية يصعب معها اختصار المسألة بالموافقة أو الرفض لمؤتمر سوتشي، لأنه ليس نهاية المسارات ولكنه قد يكون الشعرة التي تقصم ظهر البعير.

========================

تضحيات السوريين لن تذهب هدراً على رغم قسوة المعاناة .. عبدالباسط سيدا

الحياة

السبت 23/12/2017

سألني أحد الناشطين الشباب من المشاركين في فاعلية جمعتنا في الآونة الأخيرة عمّا إذا كنت متشائماً إزاء ما وصلت إليه الأحوال في سورية، أو إذا ما كنت أقرّ بانتصار النظام على الشعب السوري اعتماداً على كل من روسيا وإيران، وذلك بعد سبعة أعوام حافلة بالتضيحات والعذابات والتصميم من جانب الشعب، وجرائم مستمرة غير مسبوقة ضد الشعب من جانب النظام.

وكان جوابي هو الآتي: لست متشائماً على الإطلاق، ولكنني واقعي، وأعترف بأن المرحلة التي نعيشها صعبة بكل المقاييس. علينا أن نجري قراءة متكاملة لكل ما حصل، ونمعن النظر في جوانب قوتنا، لنبني عليها، ونتوقف مطولاً عند الثغرات والأخطاء التي كانت، لنبحث في أسبابها، ونعمل على تلافيها عبر معالجة موضوعية، تأخذ في الاعتبار الإمكانات الذاتية، والتداخل الحاصل بين قضيتنا وحسابات المعنيين بمعادلات المنطقة من قوى دولية وإقليمية.

لست متشائماً ابداً، لأنني أتذكر ايام السبعينات والثمانينات والتسعينات، حينما كان عدد المعارضين الفعليين للنظام لا يتجاوز بضعة آلاف. وهؤلاء كانوا يتعرضون لضغط نفسي شعبي من أهلهم وجيرانهم وأبناء حاراتهم، لا دفاعاً عن النظام، وإنما خوفاً من بطشه وجرائمه. وكان ذلك الضغط أكثر تأثيراً من ذاك الآتي من جهة النظام. كانت المعتقلات في انتظار من ينكشف أمره، هذا إلى جانب التغييب والنفي. كما كان الحرمان من العمل والسفر، والمراقبة المستمرة، من نصيب من سجلّتهم أجهزة النظام المتشعبة على قائمة المعارضين.

أما اليوم، فالوضعية اختلفت تماماً. وبات الخوف لدى السوريين جزءاً من الماضي. ولدينا الآن مئات الآلاف من الناشطين والناشطات الشباب ممن وقفوا في وجه النظام بقوة وكبرياء، على رغم كل الثمن الباهظ الذي دفعوه أمام العالم أجمع، وما الفيلم الأخير الذي عرضه التلفزيون الفرنسي تحت عنوان: سورية الصرخة المكتومة، سوى نقطة من بحر يمثل عذابات السوريين والسوريات والجرائم التي تعرضوا لها.

النظام وعملاؤه هم الذين يعانون من الضغط النفسي والازدراء القيمي، حتى بات العديد ممن لم تنقطع صلاتهم مع النظام في يوم ما، يقدمون أنفسهم راهناً بوصفهم من المعارضين له، وذلك تحاشياً لمآلات العزلة الشعبية، أو الرغبة في الحصول على موقع ما ضمن وضعية لم تتضح قسماتها بعد.

النظام لم ينتصر ولن ينتصر قط، وإنما قد سقط منذ زمن بعيد بالنسبة إلى غالبية السوريين. وباتت وظيفته اليوم مقتصرة على تأدية دور الواجهة التي تغطي على التدخل الروسي والإيراني المباشر، وبكل أنواع الأسلحة والميليشيات والمرتزقة، حتى أن الروس اعترفوا بأنفسهم بأنهم قد استخدموا قوة غير مسبوقة ضد "الإرهابيين"، هذا المصطلح الذي اتخذوه متراساً لشن أعنف الهجمات على الأفران، والمدارس، والمراكز الصحية، وقوافل الإغاثة، والأسواق التجارية، والأحياء المدنية، وعلى كل القوى المناوئة للنظام ما عدا داعش.

أوضاع المعارضة بأجنحتها العديدة السياسية منها والعسكرية ليست على ما يرام. هذه حقيقة لا يمكن أن ينكرها أحد، هذا على رغم التفاؤل الذي كان، وربما ما زال موجوداً عند بعضهم، بعد مؤتمر رياض 2. كما أن هيئة المفاوضات الجديدة تعاني من ظروف لا تُحسد عليها، وهي تتعرض لضغوط هائلة شعبية، وسياسية داخلية، وإقليمية، ودولية، في ظل تفرّد الروس شبه الكامل بالملف السوري، وغياب لافت لدور أميركي وأوروبي مؤثر، مع مساندة رسمية معلنة من جانب أعضاء مجلس الأمن لمهمة المبعوث الدولي، ولكن من دون اعانته على مواجهة الهيمنة الروسية على الملف، هذه الهيمنة التي تتجلى عبر تعنت النظام، وتهرّبه الدائم من الدخول في مفاوضات مباشرة جادة حول مصير سورية والسوريين، وذلك لتيقّنه من أن هكذا مفاوضات ستكون بداية العدّ التنازلي لحكم تسلطي استبدادي إفسادي.

وما يستنتج من المعطيات الميدانية، والتحركات واللقاءات السياسية بين الدول في شتى الأماكن، ومن التصريحات العلنية هنا وهناك، ما نستنتجه من كل ذلك هو أنه لا حل قريب في سورية. ولن يكون هناك حل من دون دور أميركي فاعل لا تبدو ملامحه في الأفق راهناً، وبناء على ذلك ستستمر عملية جنيف على رغم عدم إنتاجيتها، لأنها تمثل الحد الأدنى من توافق دولي حول إدارة الأزمة في سورية وليس معالجتها، وذلك انتظاراً لما قد تستقر عليه الأوضاع الإقليمية والدولية مستقبلاً. وسيكون الملف السوري حينئذٍ ملفاً من بين ملفات التسوية بين الفاعلين الدوليين والإقليميين.

أما بالنسبة إلى كل ما يسوّق ويُقال حول لقاء سوتشي المرتقب، فهو في معظمه لايتجاوز نطاق سعي روسي لكسب المزيد من النقاط، وفرض واقع سياسي بهدف أن يتكامل مع ذاك الميداني الذي أسفرت عنه اجتماعات آستانة، ولكنه في جميع الأحوال لن يقدم الحل السحري الذي يراهن عليه بعضهم بنبرة تفاؤلية وردية لا تدعمها الوقائع. وأمر كهذا فحواه أن وضعية مناطق النفوذ التي تعيشها سورية راهناً ستستمر إلى أمدٍ غير محدد، ريثما تتبلور وتتحدد ملامح الاستراتيجية الأميركية الخاصة بالمنطقة، وسورية ضمناً.

ذلك على المستوى الدولي. أما على المستوى الوطني السوري، فالوضع يستوجب بذل الجهود لبلورة معالم مشروع وطني سورية حقيقي، يكون بالجميع وللجميع على أساس احترام الخصوصيات والحقوق، وطمأنة سائر المكونات المذهبية والقومية ومن دون أي تمييز أو امتيازات.

ومهمة كبيرة كهذه سينجزها شبابنا وشاباتنا الذين باتوا كهولاً بفعل التجارب القاسية التي مروا بها. فقد أكسبتهم تلك التجارب خبرة، وحكمة، وقدرة على الصبر والتحمّل، والتحرّر من عقد الأحكام الأيديولوجية المسبقة بمختلف أشكالها ومسمياتها.

وانسجاماً مع ما تقدّم، نرى أن الوضع الذي نعيشه في سورية لا يدعو إلى التشاؤم من طرف من خبر النظام الحاكم، وتعرّف إلى ممارساته، وقمعه، ومواطن ضعفه، عن كثب.

فهذا النظام هو في واقع الأمر يعيش في غرفة الإنعاش، يعتمد في بقائه على ما يوفره له الراعيان الروسي والإيراني من دعم عسكري وسياسي. ولكن الأمور لن تستمر هكذا إلى ما لا نهاية. وكما تغيّرت أولويات الدول الإقليمية التي وقفت إلى جانب الثورة السورية في بداياتها، ستتغيّر أولويات كل من روسيا وإيران في نهاية المطاف، وستبقى سورية للسوريين بعيداً من الاستبداد والإرهاب، ولكن شرط ألا يتملّكنا التشاؤم على رغم قسوة المعاناة.

========================

خفض التصعيد !؟ .. يحيى حاج يحيى

واقع الحال يشير بقوة أن ما يقصده الروس والتيوس والمجوس من خفض التصعيد ، هو أن تتلقى الضربات المؤلمة في أهلك العزل متى ماشاؤوا ، وكيف وأين !؟

وإذا ضُربت على خَدَّك الأيمن أن تدير لهم الأيسر ، ثم تخفض رأسك لتنال خبطة لطيفة تقول لك : نحن هنا ، ولدينا مزيد ؟! فاجعل من بندقيتك عصا تتوكأ عليها بعد كل صفعة حتى لا تفقد توازنك في مستنقع التنازلات !

لقد دخل هذا المصطلح قاموس الكذب والدجل والاستخفاف كما في الممانعة والمصلحة العامة وخدمة الشعب !؟

========================

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com