العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 31-05-2020


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

المشروع الروسي خارج الزمان والمكان

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الخميس 28/5/2020

ما جرى أخيراً في ليبيا من انهيار وهزيمة لم يكن لقوات الانقلابيين والثورة المضادة بزعامة خليفة حفتر، ولا للمشغل الروسي والإماراتي، بقدر ما هو انهيار للأسلحة الروسية، وعلى رأسها منظومة سلاح «بانتسير» المفترض أن تكون مضادة للطائرات، فتحوّلت خلال دقائق إلى خردة تباع في المزاد العلني، ومن قبل تحوّلت المضادات نفسها أو قريباً منها، إلى المصير نفسه في سوريا، يوم كانت طائرات بلا طيار البيرقدار التركية تتصيّد أهداف العصابة الطائفية في شوارع وأزقة وحارات الشمال السوري، وعلى مدى سنوات ونحن نرى المضادات لا تحرك ساكناً تجاه الطائرات الصهيونية التي تقصف الحليف الروسي في سوريا من الميليشيات الطائفية الأسدية أو الحليف الإيراني.

هزيمة حفتر في ليبيا لن تُقرأ أبداً على أنها انهيار له فقط، ولمن شغّله ودفع له، ولكنه انهيار مشروع الثورات المضادة، الذي لا يزال يعاند حركة الشعوب، ويقاوم ويمانع الدورة الحضارية المتشوّقة للحرية، فبعد الهزيمة الساحقة التي تعرّض لها في أفغانستان على يد المجاهدين الأفغان أواخر الثمانينيات، وكانت هزيمة مزّقت الاتحاد السوفييتي، وقلصت أرضه الجغرافية، وقلّصت معه نفوذه السياسي والاقتصادي، يحاول اليوم اللعب على حساب تراجع الدور الأميركي في مناطق عالمية عدة، لكنه لعب يثبت من جديد أنه يفتقر إلى الكثير من الأدوات التي تناسب العصر الحالي، فلا تزال أدواته هي نفس الأدوات التي سعى من خلالها إلى الهيمنة على أفغانستان وغيرها، وفشل، واليوم يقتفي الأثر نفسه بالاعتماد على أدوات أحزاب ديكتاتورية ديناصورية من التاريخ البائد، المفصولة عن شعوبها وعن حاضرها، ويعتمد كذلك على استراتيجية القتل والإبادة والتهجير والأسلحة المحرمة دولياً، لإخضاع الشعوب، وهي الأسلحة ذاتها التي ثبت فشلها إن كان في داخله يوم أخضع الجمهوريات الإسلامية والمسيحية فتمردت عليه في أقرب فرصة، أو من خلال الاستراتيجية الإبادية التي اعتمدها لعقد كامل في أفغانستان فثبت فشلها وعقمها، وخسر بالتالي الأرض والإنسان على حدوده بالأمس، وفي مجال نفوذه الحيوي اليوم.

اليوم يتكرر الأمر نفسه في سوريا وليبيا، وهو ما يصرّ على استنساخه في دول أخرى، وكأن الزمن لم يتغير بالنسبة له، وقد توقف تماماً، وحين سعى الروسي إلى عقد مصالحات في الجنوب السوري فاعتمد على أدوات جديدة قبل أن تتعامل معه من مقاتلي الثورة وكتائبها، فاته أنه لا يستطيع أن يلعب هذا الدور نظراً للنظرة الإنسانية تجاهه، فهو بنظر البشر، فضلاً عن الثوار، جزء من المشكلة وليس جزءاً من الحل، فهو الذي دعّم الاستبداد على مدى عقود، وهو الذي سعى إلى تثبيته في ظل الربيع العربي وثوراته، وهو ما أدى ونجم عنه انهيار لمشروع سعى إلى ترويجه في درعا إن كان على المستوى السياسي أو على المستوى العسكري، فالمحتل والاستبداد لديه فائض قوة خشنة للتدمير والخراب، ولكنه محروم من فائض قوة ناعمة لتسويق برنامجه وجذب الشعوب إليه، وقد أتى تحالفه مع قوى استبدادية شمولية ديكتاتورية لإخضاع الربيع العربي وثوراته ليزيد من الشقة بينه وبين الواقع الذي تعيشه الدول العربية وشعوبها، والتي من الصعب -إن لم يكن من المستحيل- قدرته في إعادة جنّ الشعوب لقمقم الاستبداد والاحتلال.

ليس أمام المشروع الروسي إلا الاعتذار للشعب السوري عما أجرم به طوال سنوات، وليس أمامه إلا الانشقاق عن نظام طائفي ثبت يوماً بعد يوم أن خطره على الشعوب العربية والإنسانية بقدر خطره على الشعب السوري.

===========================

موقفنا : الدستور مقومات وأساسيات وهواجس الهويات .. قاعدة السلام الاجتماعي الدائم .. لا ضرر ولا ضرار

زهير سالم

مركز الشرق العربي

30 / 5/ 2020

وعلى الرغم أن الضرر الأكبر الذي وقع على الشعب السوري طوال ستة عقود هو ضرر التسلط بأبعاده.. ؛

وعلى الرغم من أن الحيف الأكبر الذي أصاب كل السوريين هو في حقوقهم الإنسانية والمدنية والاجتماعية والاقتصادية على السواء ..؛

وعلى الرغم من أنه لم يكد ينجو من ذلك الضرر وذاك الحيف أحد ؛

إلا أننا كلما سمعنا حديثا عن دستور جديد لسورية المستقبل . نلحظ أن السوريين ، يخافون من بعضهم - مع الأسف - أكثر من خوفهم من ظالمهم الأول مقتل رجالهم ونسائهم وأطفالهم ومدمر ديارهم ، ومشردهم تحت كل نجم ..!!

" لغا " الجمهور الأكبر من السوريين المظلموين المحرومين المضطهدين ، ينصب على الاهتنمام ببعض مواد تتعلق بالهويات رئيسية وفرعية !!. وكل ما فتح حديث الدستور قفز إلى السطح عند هؤلاء بعض المواد المتعلقة : بالدين ..والعرق .. واللغة والثقافة ؛ نفيا أو إثباتا ..

يخيل إلينا أحيانا ، ونحن نقرأ أو نسمع أو نتابع أن يعض ممثلي المكونات ولا أستثني ، يرشح نفسه، ومن يمثل ، ليحل محل الظالم المستبد تحت مظلة دستور يغطيه ويحميه !!!

لا أريد لأحد أن يفهم أنني ضد أن يحفظ الدستور حقوق أصحاب الهويات ويصونها، ولكنني أظن أن النقيض الأول الذي يجب أن يرتسم أمام أذهاننا ونحن خارجون من هذه الحرب العمياء هو هذا " الظالم المستبد " بل هذا " الطغيان والاستبداد "، هذا الاستبداد الذي فعل بنا ، بدولتنا ومجتمعاتنا كل هذه الأفاعيل .

أنا مسلم ولكن نقيضي الوطني ليس المسيحي يجب أن أقول هذا وأرفع به صوتي ، أنا عربي ولكن نقيضي الوطني ليس الكردي ، وأنا سني ولكن نقيضي الوطني ليس أتباع المذاهب الآخرين ، ليس العلوي ولا الدرزي ولا الإسماعيلي ولا اليزيدي ..

نحن جميعا نقيضنا " الظالم المستبد حبيب الفناء عدو الحياة "

وعلى هذه القاعدة يجب أن نلتقي ويجب أن نتضامن ، ويجب أن نتعاون لصناعة الدستور المستقبلي ، لتقييد سلطات القادم الجديد ، بحيث لا يطغى على أي واحد منا ولا يستبد .

 وبحيث نجعل بموجب الدستور الذي نتوافق عليه "الصفعة" التي يوجهها رجل أمن إلى وجه مواطن ، جريمة حرب تطاله وتطال وزير داخليته ورئيس جمهوريته مهما تكن التعلات والظروف ...

نحن بحاجة إلى دستور قادر بمواده على أن يحمينا جميعا ، والأهم من ذلك أن يحمي نفسه من أن يكون علفا للحمار من جديد . وفي مثل هذا المضمار يجب أن يتبارى المتبارون ويتنافس المتنافسون ..

ثم إ، الدستور في فصوله الأولى هو الوثيقة الوطنية الأولى التي تحمي حقوق الفرد ، وحقوق الجماعات ، وحقوق التجمعات ...وفي بناء دستور مستقبلي مستشرف جديد نعلم أن مرصوفة هذه الحقوق في مجتمعاتنا ما تزال بحاجة إلى مزيد من التعريف ومن التحديد وعلينا أن نوفي هذا الاستحقاق نصيبه من الدرس والتمحيص والتوافق والتبشير.

والتبشير ضروري لأن الذي يفكر بالعقل الديمقراطي لا يفكر أن يستعين بفرض الدستور لا بوزير ولا بسفير .

وفي دستورنا القادم بحاجة إلى مزيد من الحماية والتكريس . يشعر الإنسان منا بالانمساخ وهو يعاين الفرق بين ما تنص عليه قائمة حقوقه الفردية في دستور الظالمين ، وبين الواقع الذي يعيش !! هل تعلمون أن الحكومة الأسدية قد وقعت من قبل على كل مواثيق حقوق الإنسان ؛ ويا لها من مواثيق !!

لا أظننا نملك الكثير في ميدان الحقوق الفردية لنضيفه مثلا إلى دستور السيد" قدري جميل " غير الضمانات العملية للإنفاذ ، والإرغامات الزاجرة الرادعة جزاء على لإخلال ، في أطر القوانين الدولية والإنسانية بتوصيف أي مقاربة لهذه الحقوق بالسوء بجرائم ضد الإنسانية تفتح الباب لإلحاق منتهكيها بعتاة المجرمين ..

ثم حين نرى كيف عبث الطغاة على مدى عقود بأمن سورية وبسيادتها ، وكيف أجلبوا عليها ، وكيف سلموها لقمة سائغة للمحتلين ، وتدبج كل صفقة خيانة بعبارة : رئيس الجمهورية بناء على أحكام الدستور يرسم ..!! أو مجلس الشبع بناء على لائحته الداخلية يقرر ...

أقول ضبط كل هذا بإحكام في نصوصها ، وبحماية ولو بالقوة الأرسطية في آفاقها ، كل ذلك يستحق منا عناء التضامن والتعاون والتفكير.

نعم نحن في سورية بحاجة إلى دستور إبداعي استثنائي يحمينا جميعا من تغول الغيلان الذين لا تزال دماؤنا جميعا على مخالبهم وأنيابهم ووجوههم وثيابهم ..فهل نفعلها ونتحد في وجوههم ونبدع دستورنا الجديد .

الدستور هو وثيقة العدل الدائم ، وكلما استطعنا أن نجعله أكثر عدلا كان أكثر استقرار وأمنا . والدستور الأعدل هو الدستور الأشمل ، وهو الذي يستطيع أن يرضي العدد الأكبر من المستظلين بظله على المستويين الأفقي ، شرائح أكثر ، والعمودي ، رضا أكبر . وهذا هو الذي يجب أن يشتغل عليه فقط المبدعون . وقاعدة انطلاقنا : كيف أرضيك وكيف ترضيني ، وكيف نرضيها وكيف ترضينا ؛ باعتبارنا دائما الشركاء المتضامنين ولسنا الشركاء المتشاكسين !!

نعلم أن من ألاعيب بعض الشياطين أن يرفعوا أمام الناس دائما ستائرهم الحمراء ليحرفوا الأعين الكليلة عن ساحة الصراع الحقيقي .. عن مسلاخ الطاغية الذي لا يزال وسيظل حتى نمتلك الوعي الذي يرديه ..

وأهم ما ننتظره في الدستور القادم ..

- كيف يحمي الدستور نفسه من الهوان ومن أن يكون علفا للحمار ..؟

- كيف يغل الدستور أيدي كل من يفكر بالطغيان لكي لا يطغى علينا أحد من جديد ؟

- كيف يضبط لنا دستور الغد حقوقنا الفردية والجماعية يحميها ويحمينا بها ..؟

- كيف ينظم الدستور العلاقة بين مؤسسات الدولة العليا ويكف يد بعضها عن بعض؟ أي خرافة في أن يعين قضاة المحكمة العليا رئيس !!

كيف يحمي الدستور عمليات الرقابة على الأداء السلطوي العام ؟

كيف تحصن مواد الدستور ؟ وكيف تعدل أو تغير ؟

دستورنا الذي نريده لا يحظر ولا يحجر إلا على الطغاة المستبدين والسفهاء المفرطين..

وأستأذن رجل من الأعراب على عبد الملك بن مروان في دمشق ، فلم يأذن له ، فألح الأعرابي ، فأذن له ، وقال عبد الملك برما للأعرابي : ماذا تريد ؟!!

فأجابه الأعرابي يرفع بها صوته : نريد عدلا ..

نعم نريد عدلا ...

نريد عدلا لكل السوريات ولكل السوريين ونرفع بها أصواتنا ..

ومن طلب العدل لذاته أو لفئته فقد ظلم ..

وفي قرآننا دستورنا الأول بل دستور الدساتير ..

( وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ )

____________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

في سوريا: «النار تأكل بعضها»

 موفق نيربية

القدس العربي

الاربعاء 27/5/2020

يستحضر المراقبون عموماً والسوريون منهم خصوصاً في هذه الأيام، قول المثقف العباسي ابن المعتز، والخليفة ليوم وليلة وحسب، مات غيلةً بعدهما، في أكثر أيام العباسيين اضطراباً: «النار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله».

ويحدث ذلك حالياً مع حكاية رامي مخلوف، مع ابن خاله بشار الأسد، وهو- كأنه- يدعو الناس إلى التأمين على دعائه في ختام الفيديو الأخير الذي نشره على الإنترنت، بلغة مكسّرة: «أريهم فـعلك يـا الله فـقـد حان مـوعد ظهـوره ولـك الأمـر.. فـقـد قـلـت إن لله رجـالاً إذا أرادوا أراد.. فبعـزتـك وجـلالتـك سـيـذهـلون من فـعـلـك!».. الأمر الذي يولّد الإحساس بأن بشار الأسد وزوجته سوف يردان على تهديده، بموقف يزلزل أركانه وينهي مسألته، خصوصاً بعد أن وضع عنواناً فيه شيء من الحكم والتهديد- أيضاً- على شريطه المسجل، من الآية الكريمة» إن الظالمين بعضهم أولياء بعض»، ولكن شيئاً من ذلك لم يحدث بعد.

وعند صدور قرار تجميد أسهمه في اثني عشر مصرفاً من بين الأربعة عشر الموجودة في سوريا، استغربوا أيضاً بقاء المصرفين الباقيين خارج مساهمته: بنك بيمو اللبناني- السعودي الفرنسي، وبنك البركة؛ مع أنه طالما قيل في السابق إن له أسهماً في البنك الأول، الذي تملك أكبر حصة فيه أساساً شركة المملكة القابضة الغنية عن التعريف، وأسهماً في الثاني الذي تملك حصة مهمة من أسهمه مجموعة» دلة البركة» لصاحبها المتَوفّى مؤخراً صالح كامل.

«التايكون» مفهوم مستورد يعبّر عن شخص يمسك بخيوط الثروة والقوة بشكل كاسح، ولا نحتاج نحن السوريين لأي براهين على أن رامي مخلوف كان «التايكون» المطلق للبلاد، منذ وراثة بشار الأسد كرسي الحكم، بعد وفاة أبيه في يونيو/حزيران 2000، الأمر الذي جاء بعدها مباشرة وبأشهر معدودات بقانون المصارف الخاصة رقم 28 بتاريخ 16 إبريل/نيسان 2001، الذي كان جزءاً تأسيسياً من الأجواء الليبرالية الجديدة، التي أراد تحويل الاقتصاد نحوها تحت غطاء نوايا الإصلاح المزعومة، وبتشجيع ورضا غربي آنذاك، يرى في فتح الاقتصاد فتحاً للبلاد. كان التحوّل الوراثي شاملاً على الناحيتين السياسية والاقتصادية: بشار ورامي بعد حافظ ومحمد، والديهما، بأسلوبين جديدين قياساً إلى ما كان في عهد الأبوين كذلك، بزواج الأول من أسماء الأخرس السورية- البريطانية- السنية؛ وباستحواذ الثاني على محور احتكار الاتصالات والهاتف الجوّال، مصدر الثروة الحديث.

لم يكن الأسد يعاني من أي ضائقة في السابق، وبين يديه الدولة ومواردها، ولكنه ابتدأ منذ تولّدت لديه الشكوك في مستقبله، وفي استعادة البلاد كما كانت، وحين شحّت موارده وجفّت؛ بتسريب المفاصل الاقتصادية الناشئة على نسق أمراء الحرب خارج هيمنة مخلوف، إلى شريحة جديدة وفّرتها الحالة التي وصلت إليها ثورة 2011، خلال عامين من بدايتها.. تلك الشريحة ذاتها التي سمّاها الأخير في واحد من تسجيلاته أثرياء الحرب. وظنّ أنه قادر على تجاهل الإشارة إلى وجوب الالتزام بتسليم عهدته عند اللزوم من دون تلكؤ، وعلى إبقاء ما تحت يديه من «ثروة العائلة» بعيداً عن «عرّابها» وهو يهتزّ ويترنّح مع مفاعيل المتغيّرات التي لا تهدأ.

 

على السوريين أن ينفضوا عن همتهم التراب، وتنظيم قواهم ومراجعة استراتيجياتهم وتجميع طاقاتهم

 

أصبحت الحقوق والحدود كلها مهزوزة غائمة، مزدحمة بالأسئلة: ما الذي يملكه رامي وعائلته؟ وهل هي في الحقيقة ملكية أيضاً لبشار؟ وهل يمكنه استردادها؟ البحث عن جواب لتلك الأسئلة، استدعى الخلاف أو الحرب بين تايكون الاقتصاد الآفل، وتايكون السلطة الذي يلوح الأفول أمام عينيه أيضاً. وطريق الحرب تلك محفوف بالمخاطر، ولكنها لا تقبل المساومة أو التنازل، بعد أن بلغت ما بلغت. أحدهما من دون السلطة يفقد أنيابه، ولا يبقى له إلا اجترار المليارات التي قام بتهريبها بعيداً، وقد تبقى بعيداً وحدها من دونه، والتي يريد الاستحواذ عليها ابن عمته وزوجته؛ والثاني من دون موارد يندفع إلى الزاوية محاصراً أكثر فأكثر، ويغدو من دون قدرة على شراء الولاء في الداخل والصداقات في الخارج، أو قدرة على تلبية مطالبات هؤلاء الأصدقاء اللجوجة.

ليس هذا سهلاً. فقد كان رامي يوزّع المساعدات على آلاف من عائلات جرحى الحرب مثلاً، ويعطي القروض الصغيرة للأعمال، ويوظف عدة آلاف من المقاتلين في الميليشيا التي شكلّها، وهذا كله جدير بأن يقلب الكثيرين من الطائفة التي يدّعي بشار حمايتها لتحميه، أكثر مما فعلت ذلك سياسات حلفائه الروس، المتمركزين أيضاً في قلب ديار الأهل. وبستان الباشا قرية آل مخلوف أقرب إلى مطار حميميم، حيث قاعدة الروس الأكثر أهمية مما هي بلدة القرداحة، موطن آل الأسد ومسقط رأسهم. وبالأحرى كلاهما قريب وتحت مرمى النار عند الضرورة، أو ربما مرمى الكرة. لا يمكن الجزم هنا بطبيعة العلاقة بين معركة بشار- أو زوجته كما يُفَضِّل أن يوحي للناس – مع رامي، وتلك الحملة الروسية الإعلامية على النظام أيضاً. ويوحي تخفيف تلك النيران مؤخراً وكأنه إتاحة فرصة لبشار وزوجته لإكمال مهمتهما مع ذوي القربى، من دون تشويش كبير، شكلاً على الأقل.. وربما أيضاً لأن الحكومة الروسية، قلقت من احتمال تسارع انهيار النظام قبل أوانه باتّحاد المفعولين الداخلي والخارجي معاً. وربما أيضاً لحسابات في حقل التنافس مع الإيرانيين، وما تقتضي وتتطلب. يقابل ذلك من الناحية الأخرى احتمال أن تكون الحملة الروسية ظرفاً اغتنمه رامي للتمرّد لتصعيد ردّه إلى مستوى غير مسبوق وغير معتاد نهائياً في هذا النظام وتركيبته.

هنا تجدر الإشارة إلى أن طباخ المطعم السوري في موسكو هو فيتالي نعومكين- رئيس معهد الاستشراق، التابع لأكاديمية العلوم الروسية – وليس بريغوجين، «طباخ بوتين»، أو إن نعومكين هو طباخ المراحل والسياسات السابقة، التي يحتمل أو لا يحتمل أن تكون جاهزة للتغيير قليلاً في هذه الأيام. نعومكين رافق كل مراحل الشغل الروسي على العملية السياسية السورية، وطبع الكثير من تفاصيلها بطابعه، مسيئاً على الأغلب لما نذكره من بعض الجوانب الإيجابية، لتاريخ الاستشراق الروسي. وقال نعومكين منذ الخامس من مارس/آذار الماضي، قبل بداية الحملة الواسعة، التي أقلع بها جهاز بريغوجين الإعلامي في البداية وقبل انضمام أطرافٍ متعددة إليها، في مقالة مهمة، إن هنالك سيناريوهات ثلاثة للمسألة، أولها أن يتابع أردوغان تنفيذ تهديداته باستهداف قوات النظام، بعد أن طلب من روسيا الابتعاد جانباً، وستكون حرباً لن تنجح بها تركيا وقتذاك. وثانيها أن تفسح تركيا المجال للنظام وروسيا لاستكمال استرداد إدلب، مع ضمانات لها من الجانب الكردي، وثالثها شيءٌ يجمع بين الاحتمالين، ويميل إلى جانب الثاني بينهما. ذلك عموماً هو متابعة واستمرار بالسياسة القديمة، وباعتبارها استراتيجية راسخة، وليست مجرد مرحلة ضغوط سابقة للتسوية عندما تصبح الولايات المتحدة جاهزة لها. عاد نعومكين مؤخراً وأدلى بدلوه، بعد أن شجعته بعض مؤشرات تكبح الضغوط على الأسد وتهدئ منها قليلاً، شكلاً على الأقل. وأكد على كلّ مقومات ومحددات السياسة الروسية القديمة، وكأن العالم نفسه سيبقى على ما هو عليه في الأشهر المقبلة.

في حين أن ما انكسر قد انكسر، وما ينبغي قوله قيل وخرج للعلن المكشوف، ولا يمكن ابتلاعه والتظاهر بأنه لم يكن. قيل إن بشار فاسد حتى العظم، وغير مؤهل سياسياً على الإطلاق، خصوصاً للخروج من عنق الزجاجة، كما أنه فقد شعبيته إلى حدٍ كبير، وأن نظامه قائم على عصابات وقطاع طرق، وأشياء كثيرة من هذا القبيل. العالم يتغيّر الآن بسبب فيروس كورونا، ولا يمكن التنبؤ بما ستغدو عليه معالم وجهه الحقيقية كلها في ما بعد. ولكن، بعد ثورة اللبنانيين وما آلت إليه من إغلاق لقصبات رئة الفساد المالية على دمشق، والثورة العراقية وابتداء انغلاق طريق إيران- دمشق وبيروت بالتدريج، وحلول موسم قانون قيصر الخانق قريباً جداً، وأجواء كورونا الملبّدة العاصفة، ثمّ إعادة النظر الروسية بسياساتها السورية، فانفجار دمامل الفساد المحتقن بين العائلتين المتحالفتين في النظام.. كلّ ذلك يوحي بأن التغيير- أو تغييراً- مقبل، واقترب إلى الأفق المنظور أو المتوسط، بعد أن كان حتى الآن بين المتوسط والبعيد.

مرة أخرى، للسوريين عموماً أن ينفضوا عن همتهم التراب والقرف والاستكانة، ويحاولوا التقاط ما يمكن أن يسنح لهم من نقاط القوة وأجهزة الصوت، إذا نظروا في تنظيم قواهم ومراجعة استراتيجياتهم وتجميع طاقاتهم.. أما نيران النظام الاستبدادي وقد شاخ وأصبح في أرذل العمر، فلعلها تأكل بعضها، بعد أن لم تجد ما تأكله.. ولعل ذلك يسهم بإطفاء النيران التي تأكل قمح وأشجار سوريا حالياً، وتلك التي تضطرم في قلوب أهلها.

===========================

عزله قريباً: البديل الروسي لـ "بشار الأسد"!

ابتسام تريسي

الشرق القطرية

الاربعاء 27/5/2020

لم تظهر أسماء الأسد فجأة وكما تهيّأ لكثيرين في منتصف عام 2019 لتزيح رامي مخلوف ابن خال الرّئيس بشّار الأسد الغول الاقتصادي لسوريا وتحلّ مكانه أشخاصا آخرين من عائلتها؛ عائلة الأخرس.

بل عملت بصمت طيلة سنوات حتّى أزاحت منافسيها من السّاحة، وقد انهدم الهرم فوق رؤوس آل مخلوف ليس بيد أسماء أو زوجها بل بموت أنيسة الظّهر والسّند لعائلة مخلوف.

التّاريخ يعيد نفسه، كما فعلت أنيسة في بداية السّبعينيات، فعلت أسماء نهاية 2019 ما بدأته وبهدوء منذ موت أنيسة حتّى علّق البعض على أنّ "البعض" زرعوا جاسوسة في القصر الجمهوري حفرت للعائلتين العلويتين وأوقعتهما ببعضهما.

أسماء استفادت من الصّروح التي أقامها رامي مخلوف سواء "شركات الاتصالات" أو "المبرات الخيرية" وسيطرت عليها وأقامت هي مشروعها الخاص الذي ظهر على العلن لتروّج له منذ أيام، فإن كان زوجها قد "برَّ" أهل الشّهداء بساعة حائط فهي زايدت عليه بقنينتي زيت وعسل.. أيّ والله!.

زيت وعسل ثمن كلّ قتيل يقتل فداء لحذاء زوجها وحذائها والحق يقال: إنّ الحذاء يستحق فثمنه آلاف الدّولارات التي تكفي لسد حاجة مدينة كاملة لمدة سنة.

أسماء في عيون الغرب

قال الصّحفي الأمريكي جيرمي هودج إنّ أسماء منذ تعافيها من السّرطان باتت تقدّم نفسها كملكة منقذة لبلد سيطرت عليه ثمّ فقدته عام 2011 ووصفها بأنّها سيرسي لينستر السّورية "بطلة مسلسل صراع العروش"

وأطلقت عليها مجلة "فوغ" لقب "زهرة الصحراء" لكنّ هذا اللقب سبب فضيحة إذ سحب المقال واعتذرت المجلة من الصحفية وكشفت المجلة أنّ اللقب أطلق ضمن حملة دعاية سياسية مدفوعة الأجر قبل الثورة السّورية.

أمّا بعد الثورة وبعد موت أنيسة فقد أصبحت أسماء القوة الحقيقية في عرش الأسد وهي مسؤولة تماماً عن كلّ ما يجري في سوريا؛ لأنّها كانت تمتلك القدرة على حرف المسار وإنقاذ البلاد من ديكتاتورية زوجها ودمويته.

لكنّ أسماء لم تفعل ولن تفعل؛ لأنّها كما وصفت نفسها في الإيميلات المسربة "أنا ديكتاتور حقيقي" وكان هذا قبل موت أنيسة وقبل إحاطتها رقبة بشّار بالرسن الذي تشده متى شاءت لترشده إلى الطّريق الذي سيسلكه.

الإعلام الروسي نشر خبراً مفاده بأنّ موسكو تفكر في استبعاد الأسد واستبداله بشخصية مقبولة محلياً ودولياً وذات يد نظيفة!.

موقع "نيوز رو" الرّوسي نشر مقالاً بعنوان "روسيا ملتبسة بشبهة تغيير الرّئيس السّوري" الرّوس يلمِّحون إلى أسماء الأخرس زوجة بشّار الأسد، بوصفها شخصية موثوقة دولياً وصرّحوا بأنّهم لم يعودوا يثقون في بشار الأسد، لأنّ الأطراف الدّولية المؤثرة غير راغبة في استمرار حكمه.

وقد اعتمد المقال في ترشيحه لأسماء الأخرس كونها أثبتت في الفترة الأخيرة من نهاية عام 2019 مقدرتها على تحييد منافسيها أولا من خلال إنشائها لمُشغِّل ثالث للهاتف الخليوي في سوريا في منتصف الشّهر العاشر من عام 2019، ولأنّها تقف خلف القرار الذي اتّخذته وزارة المالية بحق رامي مخلوف بعد شهرين بحجز أمواله لصالح الجمارك.

ومن جانب آخر غيّرت قناة قاعدة حميميم التي يسيطر عليها الرّوس لهجتها الدّاعمة لبشار الأسد بتصريح صدر في 27 ديسمبر 2019تقول فيه: (نعود لنؤكد مجدداً أننا لا ندعم بشار الأسد بل نحن ملتزمون بقرارات مجلس الأمن الدولي، التي نصت بوضوح على أنّ الشّعب السّوري وحده من حقّه تقرير مصير سوريا، كما أنّنا لا نريد لسوريا مصيراً مشابهاً لما حدث في العراق، اليكسندر إيفانوف.

بغض النّظر عن السّخف الوارد في نص التّقرير والكذب الفاحش، فمن الواضح أنّ الرّوس أظهروا نياتهم إلى العلن نحو الصّبي الذي أطلقت عليه صحافتهم لقب ذيل الكلب.

وفي مقال لعماد أديب في صحيفة الوطن المصرية كشف عن تحركات إقليمية دولية لإزالة "رأس النّظام السّوري" بشار الأسد عن السّلطة.

وقال الكاتب إنّ رحيل الأسد يحتاج لموافقة الضّامنين "إيران وروسيا وإسرائيل" وأكّد أنّ الأسد لم يعد مناسبا لقواعد اللعبة الجديدة بعد تسع سنوات من القتل والتّدمير والتّهجير، والمطلوب في سوريا الجديدة أن تكون تحت إدارة مقبولة شعبياً وترى أنّ الأمر مستحيل بعد كلّ الدّماء التي تورط فيها النّظام السّوري الحالي،

ومطلوب أيضاً ألا تكون سوريا الجديدة عبئاً على إيران وروسيا اللتين تعانيان من فواتير الحرب في سوريا!.

ومطلوب من سوريا الجديدة أن تدخل في منظومة التّفاوض المقبل مع إسرائيل وهو ما لا جدوى منه في عهد بشار.

وذكّر عماد أديب بالتّسريب الرّوسي لوجود خُطّة للتخلي عن بشّار الأسد.

وضع رامي مخلوف تحت الإقامة الجبرية بإصدار قرار يمنعه من السّفر يوضّح أنّ أسماء أمسكت بيدها كلّ الخيوط، وقد يظهر قريباً السّيناريو المتبع في سوريا الأسد، فنقرأ خبر انتحار رامي مخلوف بست رصاصات في رأسه، ولو أنّ معظم السّوريين الذين نهبهم طيلة 40 عاماً يتمنون لو أنّ الحطب الذي في خلفية الفيديوهات التي يبثها يشتعل فيه وبكل النّظام الذي أيده وسنده وسهّل له سلب خيرات سوريا وابتلاع اقتصادها.

الأسد ظهر في تسجيل مرئي متجاهلاً رامي مخلوف والخلافات التي أغرقت وسائل التواصل الاجتماعي بمواد ساخرة وأخرى تحلل الوضع وتضع الخطط للمستقبل، بدا الأسد وكأنّه يعيش في بلد آخر لا يوجد فيه سوى وباء كورونا الذي يجب على الطّبيب الفذ أن يجد له علاجاً ويضع خطة لمواجهته وقهره.

الدّفة "الاقتصادية والسّياسية الآن بيد أسماء" الملعب لآل الأخرس والكرة التي يلعب بها الأسد "كرة شراب" أعطته إياها أسماء كي يتسلى بها ولا يشعر بالملل.

والسّؤال الذي يطرح نفسه "هل ستتغلب أسماء على الأسد وتطرده نهائياً من الغابة؟".

الجواب عند بوتين فما زالت خيوط اللعبة في يده ما لم يخطفها الأمريكان منه ويرسلوه ليلعب مع الأسد.

===========================

530 مليار دولار وتدمير 40 % من البنية التحتية... خسائر سوريا في 9 سنوات

لندن: إبراهيم حميدي

الشرق الاوسط

الاربعاء 27/5/2020

بلغ إجمالي الخسائر الاقتصادية في سوريا خلال تسع سنوات من الحرب أكثر من 530 مليار دولار أميركي، ذلك بزيادة تجاوزت 130 مليارا عن أسوأ تقديرات لخبراء أممين وسوريين قبل سنتين. كما تضرر 40 في المائة من البنية التحتية ما تسبب في خسارة حوالي 65 ملياراً، وبلغ معدل الفقر 86 في المائة بين السوريين البالغ عددهم حوالي 22 مليوناً.

بشرياً، بلغ عدد الوفيات المرتبطة بالنزاع 690 ألف شخص بينهم 570 ألفا قتلوا بشكل مباشر نتيجة النزاع الذي أدى إلى خروج 13 مليونا من بيوتهم نازحين ولاجئين، في وقت يعيش 2.4 مليون طفل خارج المدارس داخل البلاد، التي تعلم ستة مناهج في «مناطق النفوذ» المختلفة. وهم حوالي 35 في المائة من الأطفال في سن الدراسة، يضاف إلى ذلك نسب عدم التحاق بالمدارس مشابهة في أماكن اللجوء خارج سوريا.

كانت هذه بعض خلاصات بحث أعده «المركز السوري لبحوث السياسات» وتعلن نتائجه في بيروت اليوم. وقال الباحث في المركز ربيع نصر لـ«الشرق الأوسط» أمس، إنه أمام هذه المؤشرات «لا يمكن الحديث عن إعادة الإعمار قبل معالجة جذور النزاع وأهمها الظلم الذي يرتبط بالظلم السياسي والظلم الاقتصادي والظلم الاجتماعي»، مضيفاً «الأهم من الإعمار، هو تجاوز النزاع. هذا يتم بعملية طويلة الأجل وتدريجية من خلال رفع المظلوميات وفتح المجال للمجتمع للمشاركة بمحو آثار النزاع وبناء مستقبل جديد».

كان مسؤولون روس تحدثوا قبل سنتين عن 400 مليار تكلفة الدمار في سوريا. ولا شك أن الأرقام الجديدة، تشكل تحديا كبيراً لأي مخطط لإعمار سوريا خصوصاً في ضوء الوضع الداخلي والأزمات الاقتصادية في العالم تحديدا مع وباء «كورونا». وقال أحد الباحثين: «هذه الأرقام تجعل من الإعمار أقرب إلى الوهم».

والتقرير، الذي أعده خبراء سوريون عبر شغل وعلاقة عميقين في الداخل السوري، جزء من سلسلة تناولت الأبعاد لآثار النزاع المسلح في سوريا بين 2011 و2019، في ضوء دراسة الوضعين الاجتماعي والاقتصادي، والأداء المؤسساتي للبلاد. ويطرح استراتيجيات بديلة للإعمار «قائمة على تفكيك اقتصادات النزاع وتطوير التوافقات الاجتماعية والتأسيس لمؤسسات عادلة وتضمينية».

- الظلم الاقتصادي

أدّى النزاع إلى ظهور اقتصادات مختلفة ومجزأة «داخل الدولة المتشظية». وأظهرت أنظمة الحوافز في الاقتصادات الجديدة أن واحدة من المصالح المشتركة القليلة، بين القوى المتنافسة على السيطرة، كانت إساءة استخدام الموارد الاقتصادية لمصلحة نخبة النزاع على حساب الأنشطة الاقتصادية الإنتاجية، حسب التقرير، الذي يقول: «إنها حوّلت المقومات الاقتصادية إلى مصادر لاستدامة العنف، من خلال تدمير جزء كبير من رأس المال، أو إعادة تخصيصه لأنشطة مرتبطة بالنزاع».

ويقدّر التقرير الخسائر الاقتصادية للنزاع حتى نهاية عام 2019 بحوالي 530.1 مليار دولار، بالمقارنة بالسيناريو الاستمراري، ما يعادل 9.7 ضعف للناتج المحلي الإجمالي لعام 2010 بالأسعار الثابتة. ويشمل هذا الرقم، الخسارة في الناتج المحلي الإجمالي البالغة 420.9 مليار والزيادة في الإنفاق العسكري بحوالي 37.8 مليار والأضرار التي لحقت بمخزون رأس المال وقدرها 64.6 مليار، إضافة إلى الإنتاج غير الرسمي للنفط والغاز، المقدر بـ9.9 مليار. وخلال الفترة ذاتها، شهد الدعم الحكومي تراجعاً مطرداً، كنسبة مئوية من الناتج المحلي بالأسعار الجارية، من 20.2 في المائة في 2011 إلى 4.9 في المائة في 2019. ونتيجة لذلك، انخفض عجز الموازنة العامة مع الدعم من خارج الموازنة من 23.6 في المائة إلى 8.8 في المائة.

ورغم انخفاض قيمة الليرة بدءا من 2011، عندما كانت 46 ليرة للدولار، شهدت موجة أخرى من الانخفاض وبنسبة 43 في المائة في سبتمبر (أيلول) الماضي مقارنة بشهر يوليو (تموز) 2018، إذ سجلت الفترة بين أكتوبر (تشرين الأول) 2019 ويناير (كانون الثاني) 2020 تسارعاً في تدهور قيمة العملة ليصل إلى 96 في المائة في 16 يناير مقارنة مع 17 أكتوبر الماضي. ويبلغ سعر الصرف حاليا حوالى 1700 ليرة للدولار الأميركي. وسجّل إجمالي العمالة انخفاضاً حاداً في أثناء النزاع من 5.184 مليون عامل إلى 3.058 مليون. وارتفع معدل البطالة من 14.9 في المائة إلى 42.3 في المائة. وفقد سوق العمل 3.7 مليون فرصة عمل، ورفعت الخسارة الضخمة لفرص العمل نسبة الإعالة الاقتصادية من 4.13 شخص لكل مشتغل في عام 2010 إلى 6.4 شخص في عام 2019.

- الظلم الاجتماعي

ارتفع عدد السكان داخل سوريا، بمعدل 0.9 في المائة في عام 2018 و1.1 في المائة في عام 2019، ليصل العدد إلى 19.584 مليون نسمة في العام 2019، وتسبّب النزاع في نزوح قسري لأكثر من 5.6 مليون شخص بحثاً عن الأمان في لبنان، وتركيا، والأردن، ودول مضيفة أخرى. ووصل عدد النازحين داخلياً بحلول أغسطس (آب) الماضي 6.14 مليون، و«هو أكبر عدد من النازحين داخلياً بسبب نزاع في العالم».

ويستمر السوريون في «فقدان ملايين السنين من التعليم»، إذ بلغ عدد الأطفال ممن يتراوح عمرهم بين 5 أعوام و17 عاماً، ممن هم خارج المدرسة، حوالي 2.4 مليون في عام 2019. ويقول الباحث: «تعتبر الحصيلة الحالية كارثية لأن ملايين الأطفال سيعانون من نقص المهارات والمعرفة، بالإضافة إلى الآثار الأخرى للنزاع. كما خلّف النزاع فقداناً في اتساق المناهج الدراسية في أنحاء سوريا، بسبب إنشاء أنظمة تعليمية مختلفة في كل منطقة بحسب القوى الحاكمة فيها، ووجود 6 مناهج دراسية مختلفة تستخدم في المدارس». وهناك عدد مشابه خارج سوريا. ويوضح: «ضاعت 24 مليون سنة تدريس على السوريين، وهذا يعقد فرص النهوض في المستقبل».

ويكشف التقرير ارتفاع معدل الوفيات الخام من 4.4 لكل ألف نسمة في عام 2010 إلى 9.9 لكل ألف نسمة في 2017 و7.0 لكل ألف في عام 2019. ويقول: «هناك 570 ألف قتيل بشكل مباشر و120 ألفا بسبب غياب المعدات والأدوية وظروف المعيشة المناسبة». وبلغ معدل الفقر الإجمالي ذروته عند 89.4 في المائة في نهاية عام 2016، وانخفض في عام 2019 إلى 86 في المائة. وأدت الأزمة الاقتصادية في لبنان إلى تفاقم الوضع الاقتصادي في سوريا. ومن المتوقع أن يؤدي «قانون قيصر» الأميركي الذي يبدأ تنفيذه في منتصف الشهر المقبل، إلى إضافة أعباء إضافية على الوضعين المعيشي والاقتصادي.

وتشترط دول أوروبية وأميركا تحقيق حل سياسي بموجب القرار 2254، فيما تطالب موسكو ودمشق برفع العقوبات الاقتصادية. ومن المقرر عقد مؤتمر للمانحين في بروكسل في نهاية الشهر المقبل لتقديم تعهدات مالية وبحث الملف السياسي. كما يبحث مجلس الأمن الدولي بعد أسابيع موضوع إيصال مساعدات إنسانية إلى سوريا عبر بوابات الحدود وسط خلاف روسي - غربي.

===========================

نظام الأسد الكيميائي يزداد شفافية وعفناً!

 بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 21/5/2020

مع تطور التكنولوجيا ووسائلها، واحتدام الصراعات الداخلية والمؤامرات الخارجية، بات بإمكاننا كمشاهدين في حالة حجر طويلة بسبب الوباء اللعين، أن نتابع أولاً بأول فصول سجالات حامية، بين جناح مخلوف في نظام الأسد وجناح الأخرس، من جهة أولى؛ وبين الإعلام الروسي و«مثقفين» سوريين من جهة ثانية، ولا نعرف، بعد، ما إذا كان هناك ما يربط بين خطي التوتر هذا غير التزامن، أي ما إذا كان هذا التزامن بريئاً أم لا.

فعلى الخط الأول يواصل رامي مخلوف الذي يحتل في النظام منصب ابن خال بشار الأسد إصدار حلقاته اليوتيوبية وكتابة بوستاته الفيسبوكية، فيما أصدر وزير مالية بشار الأسد قراراً بالحجز الاحتياطي على ممتلكات المذكور وممتلكات زوجته وأبنائه وبناته. ليرد ابن المخلوف بنشر وثائق تثبت أن شركته لم ترفض تسديد الجعالة المطلوبة منها وأن مزاعم وزارة المالية بشأن رفض الشركة التسديد ما هي غير افتراء لا أساس له. وواصلت «الجهات المختصة»، في غضون ذلك، اعتقال موظفي شركات مخلوف وجمعياته ليبلغ عددهم الإجمالي 60 شخصاً لا ذنب لهم غير العمل في الشركة الخطأ في الزمان الخطأ. وفي تجليه اليوتيوبي الثالث على خلفية حطب المدفأة الذي لم يخسر شيئاً من تنسيقه منذ الفيديو الأول، أضاف ابن المخلوف مسحة فلسفية إلى ورعه ودروشته فأعطانا لمحة أولية عن فلسفته المانوية القائمة على قطبين: السالب والموجب، الذكر والأنثى، الأرض والسماء.. إلخ، ليطبقها على المشكلة القائمة بينه وبين جناح الأخرس من عائلة الأسد، فيحاول إقناع ذاك الذي في موقع الخصم والحكم بأن الدولة بلا قطاع خاص لا يمكنها أن تعمل، الدولة الأنثى والقطاع الذكر، الدولة السالبة والقطاع الموجب، الدولة الأرض والقطاع السماء التي تمطر الليرات..

لا شيء مدهشاً، إذن، في هذه التطورات على الخط الأول. فماذا عن الخط الثاني؟

هنا ترتفع درجة التشويق إلى حد كبير مع سجالات حامية تلت الحملة الإعلامية الروسية على النظام وعلى رأسه بالذات قبل أسابيع قليلة. وكان عضو مجلس الشعب بمرتبة بوق إعلامي خالد العبود سباقاً ومدهشاً في رد الصاع صاعين للرفاق الروس، حين كتب مطوّلته المعنونة بـ»ماذا لو« مهدداً فيها الرئيس الروسي بغضب أسد دمشق الذي من شأنه أن ينهي عهد بوتين في السياستين الروسية والعالمية. جميل أن يتحول بشار الأسد إلى فزاعة يمسك بها شخص بمواصفات خالد العبود يهدد بها رجل كرملين القوي الذي اعتاد أن يشحن الأسد إلى موسكو حيناً، وقاعدة حميميم الروسية في سوريا حيناً، ومركز عسكري روسي قرب دمشق حيناً، وأن يسومه صنوف الإذلال في كل تلك الأحيان، قبل أن يوعز لوسائل إعلامه بالانقضاض عليه بالمقالات والتقارير واستطلاعات الرأي.

 

السجالات بين وسائل الإعلام الروسية والأبواق الأسدية، وكذلك بين رامي مخلوف وخصومه، إضافة إلى عجز النظام عن إدارة الأمور، تشكل معاً لوحة يطغى عليها العفن كنهاية منطقية لنظام عفن احتل الحكم في سوريا طوال نصف قرن

 

كانت مقالة خالد العبود المشار إليها كحصاة ملقاة في بحيرة راكدة، جاءت بردات فعل متباينة من أبواق النظام، فمنهم من انتقد العبود على تجرئه على الحليف الروسي خشية أن تفهم «القيادة الروسية» كلام العبود على أنه رسالة من النظام أو رأسه، وهو ما لا قبل له بتحمل عواقبه. فماذا لو «صغّر» بوتين عقله ورد على العبود بما يناسب موقعه القوي في العلاقة مع النظام التابع المتهافت؟ فالنظام لا يملك ترف توتير العلاقات مع روسيا وبخاصة «في هذا الوقت المصيري» (على فكرة: كل الأوقات كانت مصيرية لدى النظام السوري من 1970 إلى اليوم).. ومنهم من دافع عن خالد بحجة «تاريخه الناصع» في الولاء على رغم زلته الطفيفة. غير أن ردة الفعل الأهم هي في أن مقالة العبود، وامتناع الروس عن الرد عليها، قد شجعا بهجت سليمان على جمع مئات التوقيعات من سوريا وتونس ولبنان وفلسطين وغيرها من الأماكن على رسالة مفتوحة وجهوها إلى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الذي طالما زاوج في عمله الدبلوماسي بين وزارة الخارجية الروسية ونظيرتها السورية، ودافع عن النظام في المحافل الدولية والمؤتمرات الصحافية ومارس تكذيب الحقائق المثبتة وإثبات الأكاذيب المختلقة دفاعاً عن النظام وعن سياسة بلده في سوريا. الرسالة المفتوحة أو البيان تحفة تستحق المشاهدة، سواء بمضمونها أو بالقائمين على إصدارها والموقعين عليها أو بسياق صدورها.

يشكو الموقعون على البيان، وبينهم عدد لافت من التونسيين وهو ما يستحق التنويه، من وسائل الإعلام الروسية التي أطلقت العنان لنفسها في النيل من الرئيس الأسد والإساءة إليه، وهو أمر غير مقبول في رأي البيان. صحيح أن الموقعين عليه يؤمنون بحرية التعبير في وسائل الإعلام (!) لكن الإساءة المباشرة إلى الأسد لا تستقيم مع علاقات الصداقة والتحالف الروسية السورية. ومن هذا المنطلق فهم يدعون لافروف والقيادة الروسية إلى الإيعاز بوقف تلك الحملة الظالمة. لا سيما وأن الإعلام الروسي لا يتحامل على رؤساء عرب آخرين بنفس الطريقة التي تحامل بها على الأسد!

يا له من منطق بسيط: عاملوا بشار «أسوةً» بزملائه العرب الآخرين، فإما أن تسيئوا إليهم جميعاً فتضيع الطاسة، أو تتوقفوا عن الإساءة إليه، «فهذا حرام، هذا ظلم، هذا لا يجوز» إذا أردنا الاستعانة بقاموس رامي مخلوف وأسلوبه المهادن اللطيف.

بعيداً عن أي تحليلات أو تخمينات بشأن نهاية النظام الوشيكة، بانفجار تناقضاته الداخلية أو بقرار من فلاديمير بوتين، كما يذهب كثير من التحليلات المنشورة، فالسجالات المذكورة أعلاه بين وسائل الإعلام الروسية والأبواق الأسدية، وكذلك بين رامي مخلوف وخصومه، إضافة إلى عجز النظام عن إدارة الأمور، تشكل معاً لوحة يطغى عليها العفن كنهاية منطقية لنظام عفن احتل الحكم في سوريا طوال نصف قرن.

===========================

ثروة الاسد قيد التحقيق

ساطع نور الدين

المدن

الخميس 21/5/2020

يُحكى أن الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد ترك لخليفته بشار، مبلغ 30 مليار دولار، في الصندوق السري للعائلة وللنظام، والذي لا يظهر في أرقام الميزانية العامة للدولة السورية، جمعت في معظمها من عائدات النفط والغاز وصفقاتهما على مدى الاعوام الثلاثين الاولى من عمر النظام،  لكي يتصرف بها في حالات الطوارىء القصوى.

وبغض النظر عن دقة الرقم، الذي كان الدبلوماسيون العرب والاجانب في سوريا يتداولونه علناً، وعما صرف وما بقي من ذلك الإرث، فإن    الاعتقاد السائد اليوم في كل من روسيا وإيران، هو أن النظام السوري غنيٌ، لا تقل ثرواته الخاصة عن ثروات بقية الانظمة العربية، عدا الخليجية طبعا، لكنه لا يزال يرفض ان يصرف من أمواله لتمويل المجهود الحربي، ولا لتغطية الاكلاف الاقتصادية والاجتماعية للحرب المستمرة منذ تسع سنوات.

وهي نقطة الاتفاق الأهم الآن بين موسكو وطهران: النظام لا يضحي بما يكفي لتسديد الديون المتراكمة وسد العجز المتزايد ، ويحرص على أن يلقي هذا العبء الضخم على الدولة السورية المفلسة، كما على حلفائه الروس والايرانيين، الذين حاولوا قبل سنتين ومن دون جدوى، الحصول على تمويل دولي لإعادة ملايين اللاجئين السوريين من مختلف بلدان العالم، الى بلدهم، ثم سعوا الى تسويق النظام لدى أشقائه العرب والمجتمع الدولي، أملاً في أن يسهم هؤلاء يوماً في اعادة إعمار سوريا.. لكن أيضا بلا نتيجة.

هذا هو السياق الوحيد الذي يمكن ان توضع فيه فضيحة إبن النظام المدلل وإبن خال الرئيس المقرب، رامي مخلوف، الذي لا يصدق حتى الآن أن الصراع يدور الآن على ثروة النظام والعائلة، لا على إقتصاد الدولة السورية، المهدد ، أو على ميليشيات الحرب الموالية وفقرائها الذين يتركون الآن لمصيرهم. وهو لا يزال يأمل ان تحميه القوانين التي لطالما صيغت لمصلحة الأسرة حصراً طوال السنوات العشرين الماضية.

ليست صحيحة قصة اللوحة التي إشتراها بشار لزوجته أسماء، الصاعدة في سماء الأسرة وثرواتها، بمبلغ ثلاثين مليون دولار، لكنها كانت إشارة روسية صريحة مباشرة تفيد بأن موسكو تراقب الآن الإنفاق الشخصي للأسد، الذي يقال أن الحرب ونفقاتها الباهظة لم تعلمه التقشف، ولم تفرض على بقية آل الاسد ومعهم آل مخلوف طبعا، تجنب التباهي بالثروة، لاسيما في ظل الحاجة المحلة الى تخصيص المزيد من الموارد لسداد الديون ولإعادة بناء الدولة ومؤسساتها، لاسيما المؤسسة الاصعب، الجيش.

فضيحة رامي مخلوف، ليست سوى تفصيل صغير في ذلك المشهد السوري المعقد. هي مشكلة مباشرة مع بشار نفسه، لا مع أحد أكبر وأهم موظفيه ومشغلي أموال العائلة. والاخطر من ذلك أنها مشكلة على الميراث الخاص للنظام، الذي باتت إيران تطالبه علنا برد ما بين عشرين وثلاثين مليار دولار أنفقتها عليه طوال السنوات التسع الماضية، والذي باتت روسيا تلح عليه لفتح دفتر الديون الضخم، من دون أن تكشف الرقم الذي تتوقعه، والذي يفوق حسب تقديرات غربية مبلغ الثلاثين مليار دولار.

الفضيحة لا تكمن في ان رامي تمرد على رئيسه علناً ، بل في أن بشار يقف اليوم أمام معضلة جدية: هو مطالب بان يطرد إبن خاله من وظيفته، وبأن يسدد من إرث العائلة الخاص، الذي يعتبر آخر ما لدى النظام من أموال، منقولة وغير منقولة، تؤهله للبقاء، بمعزل عن إفلاس الدولة السورية وعملتها، الذي بات يهدد ولاء الجيش، وقدرة الموالين على الصمود.

النظام ما زال غنياً ، لكن الدولة تزداد فقراً. وهي إزدواجية ثابتة في مختلف الانظمة الدكتاتورية. لكنها في الحالة السورية، تضع الدائنين الروس والايرانيين أمام خيارات صعبة جدا.

===========================

هل تتكرر تجربة «سرايا الدفاع» مع مخلوف؟

فايز سارة

الشرق الاوسط

الخميس 21/5/2020

لعل الأهمية الأساسية للتاريخ، تكمن في دروسه، أكثر من أهمية ما تحتويه المتاحف من لقى وقطع موروثة، بقيت من التاريخ. وفي الحالة السورية - كما في غيرها - يحتاج الناس إلى دروس التاريخ الذي غالباً ما يعيد نفسه، فيكون في الحالة الأولى مأساة، وفي الثانية مهزلة، وهي الخلاصة التي تقفز أمام كثير ممن يعرفون تاريخ نظام الأسد في سوريا، وخصوصاً الذين عايشوه منهم، وعرفوا ما جرى له من أحداث وحوله من تفاصيل.

عندما استولى حافظ الأسد على السلطة عام 1970، بنى حوله سياجاً من الضباط الصغار من مختلف التخصصات العسكرية والأمنية، كان بينهم وأبرزهم أخوه النقيب رفعت الأسد. وولَّى الأسد الأب ضباطه الصغار مناصب عسكرية وأمنية، غدت في خلال سنوات قليلة القوة التي تحرس نظامه؛ سواء في مواجهة التحديات الداخلية أو الخارجية، وهو ما كان ظاهراً بصورة واضحة في العقد التأسيسي الأول من عهد الأسد ما بين 1970 و1980 الذي شهد تطورات مهمة، كان أبرزها ثلاثة: ذهاب النظام إلى حرب محسوبة النتائج والأهداف مع إسرائيل عام 1973، كان الأبرز فيها حصوله على «شرعية وطنية»، وتمدد النظام في محيطه الإقليمي عبر تدخله العسكري في لبنان عام 1976، والذي سيعطيه لاحقاً قدرة على اللعب بعديد من الملفات المهمة، وأن يصير له وزن إقليمي كبير، والثالث شنه الحرب على السوريين، مستغلاً تحرك الجناح المسلح لـ«الإخوان المسلمين»، وتنظيمات مسلحة أخرى، قامت باغتيالات وهجمات على مؤسسات للدولة السورية، ما كان لنظام الأسد أن يقوم بأحسن منها في خدمة مصالحه واستراتيجيته لإحكام قبضته على المجتمع والدولة، وتحوله إلى بديل معلن عنهما، وتحول سوريا إلى «سوريا الأسد»، وكان بين تلك العمليات عملية مدرسة المدفعية في حلب عام 1979، واغتيال شخصيات علمية واجتماعية بارزة، مثل اغتيال فقيه القانون الدكتور محمد الفاضل في فبراير (شباط) 1977.

لقد تعمَّد ضباط الأسد الأب في أتون العقد التأسيسي الأول، وصار الأساسيون منهم مع بداية الثمانينات أركاناً للنظام الأمني - العسكري، وبرز في قائمة هؤلاء: محمد ناصيف، وعلي دوبا، ومحمد الخولي، وشفيق فياض، وإبراهيم الصافي، وعلي حيدر و... إضافة إلى رفعت الأسد الذي صارت له إضافة إلى مرتبته بين نخبة ضباط النظام أنه شقيق الرئيس، والحارس الرئيسي للنظام، بوصفه قائداً لما كان معروفاً باسم «سرايا الدفاع»، وهي وحدات نخبة من الجيش، مميزة في التدريب والتسليح والمهمات والمزايا، وبطبيعة الحال في التركيب الطائفي، والتي كان لها دور بارز في مواجهة الجماعات الإسلامية المتشددة وفي مجزرة سجن تدمر، في يونيو (حزيران) 1980.

عندما مرض الأسد الأب في عام 1983، أحس شقيقه رفعت أنه الأحق بالاستيلاء على السلطة، بما له من مكانة وإمكانيات، فنشر سراياه في اتجاه المفاصل الأساسية للنظام، وكاد يستولي عليها جميعاً، لولا تكتل المجموعة الصلبة من ضباط الأسد الذين شدوا أزرهم بالنخبة الظاهرة من سياسيي النظام، مما وضع النظام وسوريا على عتبة محرقة، كان يمكن أن تشتعل في أي لحظة، لولا صحوة رأس النظام، واستجماعه كل ما تبقى من طاقته ودهائه، في التوصل إلى حل بدا تسوية بين الضباط المتصارعين؛ لكنه صار جذرياً في إخراج شقيقه من تركيبة السلطة، وجعله وكأنه لم يكن فيها، عبر ترحيله إلى المنفى الذي ما زال يقيم فيه حتى الآن.

وإن كان الأسد الأب قد تخلص من شقيقه الذي كان أبرز أركان نظامه، فقد كان عليه أن يعالج وضع «سرايا الدفاع» التي كانت تحت قيادة رفعت الأسد، فلجأ إلى حل من عدة خطوات، أولها محاصرة معسكرات السرايا، وأماكن وجود مفارزها، واعتقال كبار ضباطها والفاعلين الأساسيين من عناصرها؛ حيث تم تسريح بعضهم من الخدمة، وإحالة آخرين للخدمة في وحدات الجيش الأخرى، مع بقائهم تحت عين النظام ومراقبة أجهزته، ثم جاءت الخطوة الثالثة، فقام بتفكيك ما تبقى من السرايا، فتم إلحاق جزء أساسي من ضباطها وعناصرها بالحرس الجمهوري الذي تسلم معسكراتها ومواقع تمركزها، وصارت مهمته القيام بما كان منوطاً بها من مهام، تحت قيادة ضباط موثوقين من رأس النظام. وقد انضم ابنا الأسد الضابطان باسل الأسد، ثم بشار الأسد بعد موت أخيه الأكبر عام 1994 إلى الحرس الجمهوري، ليكونا عيناً وضماناً لولائه التام للرئاسة.

بين مسار رفعت الأسد وتجربة «سرايا الدفاع»، ومسار رامي مخلوف وتجربة إمبراطوريته المالية والاستثمارية، مشتركات. فكلاهما من قلب العائلة التي أسست سلطة آل الأسد، والتي نقلت محمد مخلوف - والد رامي - من مجرد موظف صغير في جهاز الدولة البيروقراطي إلى تولي إدارة مؤسسات اقتصادية، يسهل استثمار والاستيلاء على أموالها، قبل أن يجري تكليفه بإدارة ثروة العائلة، والتي على أفضالها أسس وطور ابنه رامي عديداً من أعماله في بيع الفضاء من خلال «سيريتل»، قبل أن يأخذ بالتمدد في كل الاتجاهات وعلى كل المستويات، لدرجة يمكن أن يقال فيها إن ما من عمل استثماري في سوريا، إلا وكان له إصبع فيه، ما دام راغباً في أن يكون الأمر كذلك.

الفصل الأخير في مسار رامي مخلوف وتجربته المالية والاستثمارية، يكاد يقترب من نهايته. السؤال: هل نهاية مخلوف سوف تتشابه مع نهاية رفعت، بعد أن تقاربت البدايات والمجريات، رغم كل ما بينهما من اختلافات؟

===========================

أسطورة السوريين ونهاية الأسد

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الاربعاء 20/5/2020

ليس لأحد فضل في النهاية التي تقترب منها العصابة الأسدية، إلا أسطورة السوريين في الصمود والتحدي والصبر والمصابرة والمرابطة التي أرغمت الكل على تغيير قواعده في التعاطي مع ثورة السوريين.

بالأمس كان الاحتلالان الروسي والإيراني يتحدثان عن الأسد وكأنه قدر السوريين وقدر المنطقة في أن تتعامل معه، ومن قبله كان الأميركيون يدعون للتعامل معه والقبول به كطرف يشارك في انتخابات عامة، ومعهم دوائر غربية عدة بدأت تدعو للقبول به، وتتعامل مع أجهزة قمعه ومخابراته، وقد شجع هذا دولاً عربية على التقرّب من بشار الكيماوي ففتحت سفاراتها، وبدأت مساعيها لمساعدته اقتصادياً، وهو الذي يرسل لها تجارة الحشيش الأسود، أحد أهم منتجين برع بهما على مدى نصف قرن من حكم سلالته، وهما الإرهاب والمخدرات.

الأسطورة السورية التي صبرت لعقد تقريباً على كل ما أجرمت به العصابة الطائفية، إن كان ما تسرّب من خلال صور قيصر لتعذيب وقتل المعتقلين فكانت بمثابة قمة جبل جليد المحرقة السورية، أو ما صبرت عليه من تشريد في حمص والقصير ودرعا ودمشق والساحل وإدلب وحماة، وأخيراً الهجمة الاحتلالية الشرسة التي استهدفت تشريد مليون شخص في معرة النعمان وخان شيخون وسراقب وغيرها، ومع هذا آثر المليون شخص أن يصوّتوا بأقدامهم رافضين ليس الطاغية، وإنما كل من يدعمه ويسعى إلى تثبيته، فكانت ربما لأول مرة تُفرغ مدن بكاملها من أهلها وأصحابها، لا لشيء إلا لأنها ترفض أن تعيش في ظل عصابة طائفية مدعومة من احتلالات متعددة.

الانقلاب الذي حصل على الطاغية إن كان الانقلاب الداخلي بسبب الخلافات العائلية بين مخلوف والأسد، أو الانقلاب الخارجي الذي نلمسه من خلال التسريبات الروسية المعارضة له، أو الحصار الاقتصادي الأميركي القاتل للنظام، وقرب تطبيق قانون قيصر بعد أسابيع من الآن مما يجعل الليرة السورية ثمن طباعتها أعلى من قيمتها التداولية، كل هذا كان مردّه وأساسه وجوهره إصرار السوريين على نيل حريتهم مهما كانت التضحيات، ولو كانت على شكل مقابر جماعية، أو براميل متفجرة، وقصف وإبادة، أو مخيمات لا تقي برداً ولا حراً، فكانت فضيحة عالمية بامتياز، فضيحة للأمم المتحدة التي صمتت صمت القبور عن كل هذه المجازر، دون أن تحرك ساكناً، فكانت وظيفتها «الشاهد اللي ما شافشي حاجة»، وهي التي تسارع اليوم لدعوة الجيش اللبناني لنزع سلاح حزب الله، بينما صمتت عن هذا السلاح الذي قتل السوريين لعقد كامل تقريباً.

نقولها للمرة الثانية ليس لأحد فضل بعد الله تبارك وتعالى على قرب نهاية الطاغية إلا هذا الصمود الأسطوري الذي سجله السوريون كدليل إرشادي لكل من يسعى إلى الحرية، ولكن الآن ما ينبغي على السوريين فعله الكثير، إن كان من حيث تخفيف الضغوط الاقتصادية الرهيبة على أهلنا في مخيمات الشتات، عبر تبديل العملة إلى تركية، وهو ما ينبغي أن يتداعى إليه كل المعنيين في الأمر في الداخل وفي تركيا وفي أميركا والغرب للخروج بقرار سريع يحفظ ما تبقى لأهلنا من قيمة مالٍ لديهم، بالإضافة إلى كونه سيعجّل برحيل الديكتاتور الجاثم ليس على صدر السوريين، وإنما على صدر الإنسانية كلها.

بالمقابل كثورة سورية تدرك تماماً أنها لا يمكن لها إلا أن تعيش في فضائها المنسجم مع حريتها وكرامتها وعزتها، ولا بدّ لها أن تتعاون مع القوى الجادّة في إسقاط الطاغية وتخليص السوريين من ليل طويل ألمّ بهم، ولكن هذه القوى بالطبع لن تكون القوى الاحتلالية جزءًا منها، فالاحتلال عليه أن يدفع ثمن احتلاله، وليس مكافأته.

===========================

لماذا تنحسر إيران في سورية؟

مروان قبلان

العربي الجديد

الاربعاء 20/5/2020

لا تحجب التفاصيل التي تجري على الأرض في سورية، ميدانيةً كانت أو اقتصادية ومعيشية، على أهميتها، الرؤية عن المشهد العام الذي تتكشف ملامحه باضطراد، نتيجة التقاء واختلاف مصالح الفاعلين الرئيسيين في الصراع: روسيا، الولايات المتحدة، تركيا، إيران، وإسرائيل.

لكن قبل أن نبدأ بتناول حسابات هذه الأطراف ورهاناتها، من المهم الإشارة إلى أن القوة العسكرية في الميدان قد بلغت أقصى ما تستطيع تحقيقه لجميع الأطراف، بمعنى أن حدود الصراع ارتسمت على الأرض، بفعل موازين القوى القائمة، وأصبح متعذّرا تغييرها باستخدام القوة، هذا يقود إلى أن هناك فرصة مهمة لحصول تطوراتٍ على صعيد الحل السياسي، ولكن هذا سيؤدّي، على الأرجح أيضا، إلى إعادة ترتيب العلاقة بين القوى الرئيسة الفاعلة في المشهد السوري، بما يتلاءم ومتطلبات المرحلة الجديدة.

هناك أولا الثنائي الروسي - التركي، وقد بات، على ما يظهر، متمسّكا أكثر بإنفاذ تفاهمات مسار أستانا، نظرا لكونه يكرّس الطرفين باعتبارهما الفاعلين الرئيسين في المشهد السوري، بدلا من مسار جنيف الذي يراهما مجرّد طرفين من بين أطراف عديدة على الطاولة. بدا هذا التوجه واضحا في مواجهات إدلب أخيرا، والتي شهدت أول صدام عسكري مباشر بين تركيا وإيران على الأرض السورية، اكتفت خلالها روسيا بموقف المتفرّج، وكأنما أرادت أن تعطي تركيا الفرصة للرد على قتل إيران جنودها الـ33 في بلدة بليون في ريف إدلب، نهاية فبراير/ شباط الماضي، ليكون ذلك ثمنا لإنقاذ تفاهمات أستانا. وبالفعل، تم إنقاذ هذه التفاهمات في الاتفاق الذي تم التوصل إليه في موسكو في 5 مارس/ آذار 2020، بين الرئيسين الروسي بوتين والتركي أردوغان، ورسم ما يشبه خطوطا نهائية للصراع العسكري على الأرض، قبل الانتقال إلى طاولة المفاوضات. التحدّيات التي يفرضها تفشّي وباء كورونا، وانهيار أسعار النفط، يدفعان الطرف الروسي خصوصا إلى المضي في هذا الاتجاه.

وبمقدار ما تتقدم التفاهمات الروسية - التركية وتتبلور، يبرز التعارض أكثر في ما بينها وبين المصالح الإيرانية التي باتت تشكل عقبةً يعملان على تجاوزها. هنا يدخل على الخط الثنائي الآخر في المعادلة السورية، أي أميركا وإسرائيل. وبغض النظر عن أسباب زيارة وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو إلى إسرائيل، الأسبوع الماضي، إلا أنه بات واضحا وجود قرار مشترك أميركي – إسرائيلي بتكثيف الضغوط على إيران في سورية، بالاستفادة من تباعد المواقف بين إيران وشركائها الآخرين في مسار أستانا. ويبدو أن قرار روسيا رفع الغطاء عن الوجود العسكري الإيراني في سورية هو ما دفع وزير الحرب الإسرائيلي، نفتالي بينيت، إلى الإعلان عن تغيير كبير في الاستراتيجية الإسرائيلية التي باتت تستهدف إخراج إيران من سورية بعد أن كانت تهدف، منذ عام 2013، إلى إضعافها وإبعادها عن الحدود. وقد جرت ترجمة هذا التغيير في الزيادة الكبيرة في عدد الهجمات الإسرائيلية ضد أهداف إيرانية في سورية منذ 25 من الشهر الماضي (إبريل/ نيسان). وقد باتت أيضا قوات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة تستهدف، بوتيرة أكبر، مواقع المليشيات الإيرانية في مناطق الشرق السوري.

التغير في الموقف الروسي من وجود إيران العسكري في سورية لا تخطئه العين، فبعد أن كانت موسكو تندّد، في كل مرة، تعتدي فيها إسرائيل على "السيادة السورية"، لمهاجمة مواقع إيرانية، يكاد الصمت الروسي حيال الهجمات الأخيرة يصم الآذان. ويعكس هذا الموقف فحوى التغير في النظرة الروسية للدور الإيراني في سورية، مع انتفاء الحاجة إليه بعد بلوغ العمليات العسكرية نهاياتها، وهو يحاكي الموقف الأميركي من قوات سورية الديموقراطية (قسد)، بعد استنفاد الغرض منها في هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

في هذا كله، يجب أن لا يفوتنا الانتباه إلى أهمية التوقيت، ذلك أن روسيا وتركيا وإسرائيل باتت جميعا تتوجس، كل منها لأسبابها، من احتمال خسارة ترامب انتخابات نوفمبر/ تشرين الثاني الرئاسية في الولايات المتحدة، بسبب إدارته السيئة ملف كورونا، ومن ثم ضياع فرصة إخراج إيران من سورية مع العودة المحتملة للديمقراطيين وسياسات حقبة أوباما التي يكرهها الروس والأتراك والإسرائيليون. هذا يعني أننا أمام توافق، وإن كان عابرا، على إخراج إيران من سورية، أو أقله إضعاف تأثيرها هناك، يمهد الطريق لنشوء علاقة "تخادم" لتحقيق هذا الهدف، وتغيير كبير في قواعد اللعبة، لن تملك إيران على الأرجح القدرة لمواجهته.

===========================

كرد سورية بانتظار نتائج مباحثات إشكالية

عبد الباسط سيدا

العربي الجديد

الثلاثاء 19/5/2020

المباحثات بين المجلس الوطني الكردي السوري وحزب الاتحاد الديمقراطي (الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني) مستمرة برعاية أميركية وفرنسية، وبالتنسيق مع المسؤولين في إقليم كردستان العراق، وسط أجواء من التصريحات والتوقعات المتباينة. وهي مباحثاتٌ تتابعها مختلف الأطراف المهتمة بالملفين، السوري والكردي؛ ويُشار هنا إلى كل من أنقرة وموسكو وطهران. وأي اتفاق يتمخض عما يجري راهناً لا بد أن يأخذ في اعتباره مختلف الحسابات والحساسيات والتداخلات. أما كرد سورية، فآراؤهم مختلفة في شأن هذا الموضوع. هناك شريحة شعبية واسعة منهم تتعامل معه من موقع عاطفي، محوره الرغبة في وحدة الكرد، ووضع حد للخلافات البينية التي تُضعف الموقف الكردي بصورة عامة، وتنذر بصراعاتٍ داخليةٍ لا تحمد عقباها في حال تطوّرت الأمور نحو الأسوأ. ويرى هؤلاء أن الاتحاد الديمقراطي قد تمكّن من إبعاد المنطقة، على الرغم من كل سلبيات إدارته، عن الفوضى المتوحشة التي سيطرت على مناطق سورية عديدة خرجت عن دائرة سيطرة النظام، وباتت في أيدي قوىً لم تتمكّن من طمأنة السوريين، بل تحوّلت، بنزعاتها الإسلاموية المتطرّفة المتشدّدة، وولاءاتها الخارجية، إلى مصدر قلق وخوف لدى غالبية السوريين.

وفي مقابل هؤلاء، هناك كثيرون بين الكرد السوريين يرون في الحزب المذكور قوة وافدة، أدخلها نظام بشار إلى جانب المليشيات الأخرى منذ بدايات الثورة السورية، وقد كُلّف مع تلك المليشيات بمهام مختلفة، تمحورت حول مساعدة النظام في عملية قمع ثورة الشعب السوري.

وكانت مهمة هذا الحزب بصورة أساسة ضبط الأوضاع في المناطق الكردية لصالح النظام. وهي المناطق التي سُلّمت إليه بموجب تفاهماتٍ وتوافقاتٍ شملت التمويل والتسليح والإدارة، وحتى هوية الكوادر المفصلية؛ وقد تم ذلك كله في اجتماعات سرّية بين أجهزة النظام وممثلين

كثير من الكرد السوريين يرون في حزب الاتحاد الديمقراطي قوة وافدة أدخلها نظام بشار إلى جانب المليشيات الأخرى منذ بدايات الثورة السورية عن قيادة حزب العمال الكردستاني، وبالتنسيق مع النظام الإيراني، وبتسهيلٍ من أوساط محدّدة ضمن قيادة الاتحاد الوطني الكردستاني التي أقدمت على هذه الخطوة بناء على التزاماتها مع حليفها الإيراني، ورغبةً منها في التضييق على منافسها الداخلي: الحزب الديمقراطي الكردستاني، والرئيس مسعود البارزاني تحديداً، وذلك نظراً إلى حالة التأييد الواسعة التي يتمتع بها بين الكرد السوريين، هذا إلى جانب الاعتبارات الجغرافية والتداخل السكاني، فالمنطقة الكردية في سورية أقرب إلى مناطق الحزب الديمقراطي، كما أن النسيج المجتمعي على جانبي الحدود متداخلٌ بفعل الانتماءات العشائرية والأسرية المشتركة. هذا فضلاً عما يثيره هذا الموضوع من حساسيةٍ لدى الجانب التركي، الأمر الذي من شأنه تعكير صفو العلاقات بين الحزب الديمقراطي وتركيا، وفي ذلك مصلحة مباشرة للنظام الإيراني، ومعه نظام بشار بطبيعة الحال. وليس سرّاً أن إيران هي التي أسهمت بقوة، عبر قرارات وممارسات قيادة حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل، في إفشال العملية السلمية التي كانت بين الحزب المعني وحكومة حزب العدالة والتنمية، وتم الإعلان عنها في عام 2010. ويشار هنا، على سبيل المثال، إلى ظاهرة حفر الخنادق في جزيرة بوطان ونصيبين وسور؛ وإطلاق النار على الشرطة التركية؛ والحملات الإعلامية التجييشية؛ الأمر الذي عزّز مواقف القوميين المتشدّدين في الجانب التركي، حتى تفجّرت الأوضاع، وتفاعلت مع موضوعاتٍ أخرى، مثل الأزمة مع الروس، وقضية الانقلاب الفاشل، واضطراب العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية. وقد دفع ذلك كله الحكومة التركية نحو مسار أستانة وسوتشي، وترتيب الأوراق مجدّداً في إطار سياسة اعتماد الخطط البديلة، خصوصا على صعيد التحالف مع اليمين القومي التركي في الداخل. ولذلك يرى هذا الفريق من الكرد السوريين أن ما يجري إنما يأتي في سياق سعي أميركي من أجل الاستمرار في الاستفادة من إمكانات الحزب المعني العسكرية، والاستفادة، في الوقت ذاته، من الموقف الكردي السوري العام الذي لم يتمكّن حزب الاتحاد الديمقراطي من كسب ثقته، وتأييده؛ وإنما تمكن من السيطرة

إيران أسهمت بقوة، عبر قرارات وممارسات قيادة حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل، في إفشال العملية السلمية التي كانت بين الحزب المعني وحكومة حزب العدالة والتنمية عليه عبر استخدام أدوات التهديد والترغيب، إلى جانب الشعارات العاطفية التي لم تعد قادرةً على إقناع الناس الذين يعيشون أوضاعاً اقتصادية في غاية الصعوبة، نتيجة انهيار قيمة الليرة السورية، وحالات الفساد بأشكالها المختلفة خصوصا، وسوء الإدارة، خصوصا في ميادين التعليم والصحة والقطاع الزراعي.

وبين هذين الموقفين، هناك مواقف الحزبيين من الطرفين، إذ لا يثق كل جانب بالجانب الآخر، وذلك بناء على التجارب الطويلة غير المشجعة مع حزب العمال الكردستاني، وواجهته السورية، ولكن يبدو أن لكل طرفٍ حساباته وأسبابه.

ولكن الأمور في هذه المرحلة قد تغيرت بعض الشيء، فحزب الاتحاد الديمقراطي هو اليوم ضمن مجلس سورية الديمقراطية (مسد) وقوات سورية الديمقراطية (قسد)، وله التزامات مع شركاء عرب وسريان. كما أن للأميركان وجودا مؤثرا في المنطقة؛ وهم يتحكّمون بمفاتيح عديدة ضمن الحزب المعني، باعتبارهم مصدر الإمداد والتمويل. كما أن تعقيدات الإدارة ومتطلباتها قد أضعفت، إلى حد ما، من درجة تحكّم حزب العمال الكردستاني بكل التفاصيل، على الرغم من حرص الأخير على توزيع كوادره في مختلف المواقع المفصلية.

ما يرشح عن المباحثات أن هناك حرصا أميركيا على إنجاحها، ومن ثم توسيع دائرة التوافقات مع بقية الأطراف الكردية التي ما زالت خارج دائرة المباحثات، ويُشار هنا بصورة خاصة إلى الحزب الديمقراطي التقدمي، وحزب الوحدة؛ هذا إلى جانب الأحزاب الكردية الأخرى المرتبطة عملياً بالإدارة "الذاتية" التي يشرف عليها حزب الاتحاد الديمقراطي. كما ستشمل المباحثات والتفاهمات القوى العربية والسريانية، ولكنها تعاني من جملة مشكلات؛ فعلى الصعيد العربي، لا توجد قوى أو أحزاب سياسية فعلية، قادرة على تمثيل العرب في منطقة شرقي الفرات، وإنما هناك بنية عشائرية، تعاني، هي الأخرى، من الهشاشة والضعف نتيجة توزع الشيوخ بين جملة

على الصعيد العربي، لا توجد قوى أو أحزاب سياسية فعلية قادرة على تمثيل العرب في منطقة شرقي الفرات من الولاءات، حتى ضمن العشيرة الواحدة في بعض الأحيان. والموقف عند السريان هو أفضل نسبياً، فهناك المنظمة الآثورية وغيرها من القوى السياسية، ولكن تبقى الكنيسة الجهة الأكثر نفوذاً، وهي مرتبطة، في نهاية المطاف، مع النظام. شأنها في ذلك شأن كل المؤسسات الرسمية لمختلف الأديان والمذاهب في البلد.

هل سينجح الأميركيون في عملية تفكيك العلاقات العضوية الشمولية بين حزبي الاتحاد الديمقراطي والعمال الكردستاني، ولو جزئياً، ليحظى الأول بشيءٍ من الاستقلالية النسبية، ويستعد للتحول فعلياً، ولو تدريجيا، إلى حزب كردي سوري، يأخذ مصلحة كرد سورية ضمن الإطار الوطني السوري بالاعتبار؟ هذا هو السؤال الجوهري الأساسي الذي يفرض نفسه قبل إطلاق أي حكم، سواء بحظوظ نجاح المباحثات المذكورة أو فشلها. ونحن هنا لا ننكر وجود نزوع لدى كوادر عديدة ضمن حزب الاتحاد الديمقراطي نحو تحقيق أمرٍ من هذا القبيل، ولكن التجارب الماضية تؤكد أن الحزب الأم مستعدٌّ للإقدام على أي خطوة من أجل منع حصوله. والمجلس الوطني الكردي هو الآخر يعاني من نقاط ضعفه، سواء الداخلية الخاصة بكل حزب من أحزابه، أو في علاقات هذه الأحزاب مع الأحزاب الأخرى، خصوصا مع التي تركت المجلس لأسباب عدة.

مع ذلك، المباحثات والحوارات مستمرة؛ ويبدو أن الكل يراهن على عامل الزمن والتطورات التي قد تحدث، فحزب العمال الكردستاني استفاد من ورقة الكرد السوريين، واستغلها على نطاق واسع في حملاته الإعلامية، بغية التغطية على إخفاقاته في الداخل التركي. ويبدو أن النظام الإيراني لا يضغط كثيراً على الحزب المذكور لوقف هذه المباحثات؛ بل ربما يعتبرها مناسبة لسبر النوايا، وحتى فتح قنوات الاتصال، وهو على ثقةٍ بأن المفاتيح الأساسية ضمن الكردستاني ما زالت بيده. أما تركيا، وهي المعنية أكثر من غيرها بهذه المباحثات، فهي تراقب تفصيلات الوضع عن كثب، وتنتظر التوضيحات الخاصة بالحصيلة من الجانب الأميركي. وبالنسبة إلى الكرد السوريين، فإن مصلحتهم الاستراتيجية تتمثل أولاً في نزع فتيل الصراع الداخلي بين من أصبح من مؤيدي حزب الاتحاد الديمقراطي وأولئك الذين هم على خلاف معه. وإلى جانب هذا، فإن المعطيات التاريخية والجغرافية، والموجبات السكانية والاقتصادية، تلزمهم بالحفاظ على علاقة ودية مع تركيا، بغض النظر عن هوية الحزب الحاكم أو الأحزاب الحاكمة، فهناك حدود برية طويلة، وتداخل سكاني، ومصالح اقتصادية مشتركة، فضلاً عن مشاريع إنمائية كبيرة ممكنة في المستقبل.

الأكثر الأهمية هو مراعاة الاعتبارات والالتزامات الوطنية، والحفاظ على أفضل العلاقات مع النسيج المجتمعي الوطني السوري، والتفاعل مع كل السوريين من مختلف الانتماءات، والعمل معاً من أجل الوصول إلى حل سياسي يفتح الآفاق أمام تغيير حقيقي، يؤدّي إلى انتقال سياسي يضمن القطع مع الاستبداد والفساد، ويلتزم بمشروع وطني سوري، يطمئن الجميع على قاعدة احترام الحقوق والخصوصيات، والتشارك في الإدارة والموارد.

===========================

موقفنا: حول ما جرى ويجري في عفريننا الحبيبة ..براءة.. براءة.. براءة من كل يد تمتد إلى أهلنا بالسوء

زهير سالم

مركز الشرق العربي

29/ 5/ 2020

أما جرى في عفرين الأمس ، وما تزال تداعياته ساخنة على الأرض ، مما تصلنا أخباره تباعا فهو انفلات سلاح أو انفلات مسلحين . وكل الانفلات في شرعنا مرفوض .

لقد انطلقت هذه الثورة تعبيرا عن الرفض لانفلات الأسديين . وحامل السلاح المنفلت ليس منا . ليس من الثورة . ولا ينتمي إلى الغد المأمول . حتى الكلمة المنفلتة التي تخرج من أفواه بعض الذين حسبوا على الثورة ، في ليل الغفلة ، ستظل تحافظ على انتمائها إلى المنفلت الأول ، في فضاء السقوط والابتذال والسفه ..ولنا " ليس المؤمن بطعان ولا لعان ولا فاحش ولا بذيء " وليس رجل الثورة ولا حامل سلاحها " بطعان ولا لعان ولا فاحش ولا بذيء ، ولا فارض " خوة " ولا متعاط " أتوات : ولا باسط أذى بيد أو بلسان . وعلى هذا ختم الكلام .

اليد التي تسفك الدم السوري البريء ، تحت أي ذريعة وبأي دعوى ، يجب أن يؤخذ عليها بالقانون العادل . القانون العادل الذي لا يحابي ولا يتأخر ولا يجامل ولا يماطل ولا يسوف . لن نقول لأحد أضرب بيد من حديد ، ففي يد العدل الحاسمة ما يغنينا .. خذوا على أيدي المسيئين والمتجاوزين والمنفلتين كائنا من كانوا بيد العدل الصديقية : القوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ منه الحق . الضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له الحق . ومن أجل هذا كانت الثورة .

وفي الوقت نفسه لا يجوز أن نسمح لموقدي نار الفتنة ، من الذين يتربصون بنا الدوائر أن يؤججوا نارهم لا بكلماتنا ولا بصرخاتنا ولا بتصرفاتنا . الرد على الانفلات بالانضباط الحازم العاقل ولا يرد على الانفلات بالانفلات .

لن نسمح لمفبركي الأخبار الكاذبة ومروجيها أن ينالوا من ثورتنا ، ومن محبتنا ومن إخوتنا. الكذاب يكذب ، والمروج يروج . مصنع الكذب يفبرك ، ومشغلوه والمتآمرون معه يروجون لتزداد نار الفتنة استعارا . والضحايا نحن . منشار الفتنة ينشرنا صاعدا نازلا .. لنحذر جميعا أن نكون من السماعين لهؤلاء الفاتنين ، وقد أخبرنا ربنا من قبل أن فينا ( سَمَّاعُونَ لَهُمْ ) وبعض الناس يسمع ويردد بسذاجة وطيبة قلب !!

في عفرين ، وفي غير عفرين ، وعلى كل شبر من الأرض السورية نحن ضد الفوضى ، وضد الانفلات ، وضد تغول السلاح ، وضد أي إساءة تصدر بحق أي إنسان . وضد أي تمييز عرقي أو ديني أو مذهبي ..

ونحن أيضا ، وليكن هذا واضحا للجميع ، ضد اللفلفة ، وضد الطبطبة وضد تبويس الشوارب على دخن . وضد أن يكون حالنا حال من " إذا سرق فيهم القوي تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد " بل مع كل ما تقدم نطالب بالجزاء العدل ، ليحاسب كل المجرمين أو المنفلتين أو المتجاوزين طبقا عن طبق ..

وإن لم يتحقق ذلك ، فلننبذ إلى كل هؤلاء على سواء . ولن نلقى الله شركاء في الصمت على دم بريء . أو عرضه أو ماله .. ولن نبوء بإثم أي كلمة نابية تقال لسورية حرة مهما يكن العنوان والذريعة ..

أيها المواطنون السوريون في عفرين وفي غير عفرين الوقار .. الوقار .. السكينة .. السكينة ، فإن المتربصين بكم ، يتواطؤون عليكم ببث الأخبار الكاذبة طبقا عن طبق .. يتواطؤون على تأجيج الفتنة ، وإشعال نارها ، واعلموا أنكم غير مخذلولين ، ولا مستضعفين ، وأن هؤلاء الذين أساؤوا إليكم سيكونون بإذن الله الأخسرين .

يا أصحاب القرار في هذه الثورة المباركة في كل مواقعكم ...

خذوا بما استطعتم على يد المنفلتين ، وحاسبوهم ، وعاقبوهم الجزاء الوفاق ..

أعلنوا البراءة من كل من يسيء إلى بريء على أي خلفية كانت الإساءة ، ومهما كان حجم هذه الإساءة ..

وإنما كانت هذه الثورة ، وقضى هؤلاء الشهداء ، ليردوا على الناس - كل الناس - كراماتهم ، وليس لننزعها منهم ، ولنحمي بجمعنا متعاونين متكاتفين متضامنين حياتهم وأعراضهم وأموالهم ، وليس لنغير ظالما بظالم ، ولا قاتلا بقاتل ..!!

عفرين وأهلها : براءة .. براءة .. براءة من كل من يؤذيكم أو يسوءكم أو يريد أن يحيف عليكم ..

_____________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

بين البهلوانية والواقعية: متى تشرق الشمس؟

يحيى العريضي

سوريا تي في

الثلاثاء 18/5/2020

بحماله الثقيلة، قفز بوتين إلى القضية السورية -المدوّلة سلفاً- بفعلٍ ودعوةٍ من نظام عَجِزَ عن مواجهة انتفاضة شعبه. سَمِعَ العالم بوتين يزايد على التحالف الدولي، الذي حرَمَه من الانضمام إلى "محاربة الإرهاب" في سوريا؛ لكنه دخل عام 2015، وتعهد أن ينهي القضية بثلاثة أشهر. كل هذه السنين مَرّت، وما زال بوتين أكثر المتدخلين أزمة، وأقربهم للغوص في المستنقع السوري، الذي يكاد يخنقه. وها هو ربما يكتشف أخيراً أن الذي برّر وشرّعن تدخله هو مسبب اختناقه. مؤكد، يصعب عليه الاعتراف بالخيبة والمراهنة البائسة؛ ولكنه ربما يعقد عزمه أخيراً للخروج بأقل الخسائر، و ما تيسّر من مغانم.

مؤخراً شهدنا تسليط بوتين إعلامه ومراكز الدعاية والبحوث لتقول ما لا يستطيع قوله تجاه مسبب الخيبة؛ ليأتيه الجواب وقحاً، وفاضحًا للعلاقة المخيبة. وأكثر ما في الرد إيلاماً كان التهديد المبطن بداعش البيداء السورية الساخنة، وبإيران، الحليف العضوي لمَن أتى إلى سوريا لإنقاذه. كان ذكْرُ داعش في الرد للتدليل بأن المهمة التي أتى إلى سوريا من أجلها "محاربة الإرهاب"، قد فشلت؛ أما التهديد بإيران، فيحدد اصطفاف النظام الحقيقي، لا المصلحي.

لقد استدعى تيقُّن الروس من بؤس وخيبة هذه العلاقة، مع منظومة لا عهد لها، قصفاً إعلامياً غير رسمي استهدف مواقع فساد النظام، وشلله، واستحالة إعادة تأهيله. وبذا تم رمي سبب الخيبة الروسية على مَن يستحق؛ ليأتي رد النظام من صنف الهجوم؛ ولكنه كان وقحاً ومهدداً. وهنا وقع النظام الأسدي بسوء عمله؛ فسعى إلى "لملمة" المسألة؛ بداية برسالة لها الصفة "العقلانية" من وزير إعلام سابق، ثم أتبعها برسالة وقّعها مئات "المنحبكجية" يطلبون من وزير خارجية الروس أن يلجم الإعلام الروسي ويتحمل "حرية الإعلام السوري".

في التراشق الإعلامي نقطة تتجاوز كل ما احتوته الحملات المتبادلة تتمثل بتحديد الاصطفاف الفعلي المتحدّي لنظام الأسد مع ايران والاستجارة بها. وفي هذا السياق تبرز جملة من المسائل تؤكد انسداد الأفق أمام تحالف الشر المتمثل بالنظام وحُماته:

مهما كانت القدرات البهلوانية في السياسة الخارجية الروسية، لا يمكنها أن تكون صديقة لضدّين أو أكثر في آن معاً

- بداية، مهما كانت القدرات البهلوانية في السياسة الخارجية الروسية، لا يمكنها أن تكون صديقة لضدّين أو أكثر في آن معاً؛ فإذا كان ما لذَّ طعمه لإسرائيل، سم رعاف لإيران -كما يظهر على السطح- فروسيا مهما برعت في بهلوانيتها ستجد نفسها في ورطة. تنجح روسيا ها هنا فقط إذا كان عمق علاقة الأضداد غير ذاك الذي يظهر على السطح. وفي هذه الحالة، هل يلجأ نظام الأسد أخيراً لكشف المستور، وفضح علاقته بإسرائيل وبإيران معاً؛ الأمر الذي قد يفسر تحديه وتهديده للروسي؟!

- هناك حقائق ماثلة أمام بوتين يصعب عليه وعلى إيران وحتى على إسرائيل تجاوزها تتمثل بارتكاب جرائم حرب أشارت إليها صراحة وعلانية لجنة التحقيق باستخدام السلاح الكيماوي؛ حيث كانت الجلسة الأخيرة لمجلس الأمن التي تغيّب الروس عنها حول هذا الموضوع تحديداً. فهل يَصب ذلك الغياب بموقف روسي جديد تجاه مَن يحميه ويهدده في آن معاً؟

- هناك أيضاً قانون قيصر وسيفه المسلّط على رقبة النظام ومن يدعمه. فهل يكون الاستنفار الروسي نتيجة إحساس بتورط بدأ يستنزف امبراطورية بوتين المتعثرة؟ كل هذا، ولم نتحدث عن كساد أسلحة بوتين التي استعرضها وتفاخر بها؛ ولم نذكر تدهور أسعار النفط مرتكز الاقتصاد الروسي، الذي يترنح سلفاً.

والحال هكذا يمكن الاستخلاص أنه من الممكن لبوتين أن يحتمل كل ذلك، لكن العقوق والجحود والوقاحة، التي استشعرها من منظومة الأسد، وخاصة التهديد بداعش وبإيران لإظهار فشل سياساته قد يجعله أكثر تصميماً على تغيير قواعد الاشتباك واللعب.

أكثر من أي جهة أخرى، يعرف بوتين أن أمريكا تريده أن يلعب هذا الدور، الذي يستنزف هيبته ومستقبل روسيا؛ وأن اسرائيل تمسكه ابتزازياً باليهود الروس في إسرائيل، وبتأثيرها على بوابات الغرب التي يحتاجها؛ ويعرف أن علاقته الأقوى والأصدق هي مع تركيا، التي يحول دون تعميقها الخبث الإيراني وتلاعبه بالنظام الرخيص؛ والأكثر من كل ذلك، يعرف أنه رغم التغلغل الإيديولوجي والعسكري لإيران في سوريا، إلا أنَّ هذا الوجود دموي إجرامي خبيث لن يتردد بنسف مقام "السيدة زينب" ليبرر الوجود في سوريا؛ وهو ذاته سيزاحمه يوماً على علاقة أقوى(لكن خفية) مع إسرائيل.

هكذا حال يترك بوتين أمام الخيار الأوحد بعد خمسة أعوام من التخبط في الملف الأعقد تاريخياً؛ وهو أن يسبق الجميع في التطبيق الحرفي للقرار الدولي 2254 بصدق وشفافية ودون بهلوانيات؛ الأمر الذي يستلزم نجاحاً للجنة الدستورية بإنتاج عقد سوري جديد؛ يزيح طغمة تسببت بالمأساة السورية؛ يهيء لانتخابات برلمانية ورئاسية برعاية دولية، تضع سوريا ثانية على سكة الحياة. هكذا يكون بوتين المنتصر الأول، لا المهزوم الأكبر.

===========================

رامي مخلوف ورفعت الأسد: إدارة الخلاف العائلي

رضوان زيادة

سوريا تي في

الثلاثاء 18/5/2020

مع استلام بشار الأسد السلطة في عام 2000 خلفاً لوالده حافظ الأسد الذي حكم سوريا لمدة ثلاثين عاماً (1970-2000) بدأ بمجموعة من الإصلاحات الاقتصادية الجزئية التي كانت تهدف بشكلٍ رئيسي إلى السماح بدخول القطاع الخاص إلى قطاع البنوك والمصارف وشركات التأمين والتعليم التي كانت حكراً على القطاع العام فقط، ولقد قوبلت هذه الخطوات بالترحيب من قبل رجال الأعمال السوريين ومن المجتمع السوري بشكل عام، لكن لم يمضِ شهور على صدور المراسيم والتعليمات التنفيذية الخاصة بهذه الخطوات حتى طفا على السطح اسم رامي مخلوف الذي أصبح المستفيد والشريك الوحيد من كل هذه الاستثمارات الخاصة حيث أسس البنك الدولي الإسلامي وبنك عودة -سورية وبنك البركة وبنك الشام وسيطر على شركات التأمين الخاصة مثل الشام كابيتال وفتح فرعاً لمدرسة الشويفات الدولية الخاصة ودخل على القطاع العقاري فأسس عدة شركات مثل البتراء والحدائق والفجر وغيرها التي امتلكت مساحات واسعة من الأراضي لبناء العقارات السكنية والتجارية، وكوالده محمد مخلوف دخل على قطاع النفط عبر شركة GULFSANDS Petroleum  واحتكر بشكل مطلق مناطق التجارة الحرة الحدودية السورية مع كل دول الجوار تركيا والأردن ولبنان والعراق عبر شركته التي أسماها راماك، لكن درة الاحتكار كما يقال كان امتلاك واحتكار حقوق شركات الخلوي هذه الخدمة التي دخلت سوريا متأخرة تقريباً مقارنة مع جيرانها.

الأنظمة العائلية التسلطية كنظام الأسد تحاول إخفاء الخلافات العائلية بالحد الأقصى لأن أي خلاف يظهر للعلن يعني أن الصراع داخل العائلة هو على أشده وقد يتحول إلى محاور تقضي على استقرار النظام بأكمله، وقد نجحت عائلة الأسد في إدارة خلافاتها الشخصية داخلها بشكل كبير حتى خلال أسوأ الأيام وأحلكها خلال الحرب السورية سيما في عام 2012 ومن ثم عام 2014 عندما زادت الضغوط الدولية بشكل كبير وازداد حجم الانشقاقات بشكل متصاعد وخطير، ولذلك أن يخرج رامي مخلوف بهذه الفيديوهات العلنية عبر صفحته على الفيسبوك هذا يعني أولاً أنَّ إدارة الخلافات داخل العائلة فشل في الوصول إلى حلول بطرق سلمية وسرية كما هي العادة دوماً، وثانياً أن طرق الاتصال بين مخلوف وبشار الأسد قطعت تماماً فأحب أن يتوجه له عبر صفحته الشخصية على الفيسبوك.

طبعاً هناك الكثير من التشابه بين تصرفات رفعت الأسد ضد أخيه حافظ الأسد في عام 1982 وبين تصرف مخلوف ضد ابن عمته الرئيس بشار ألأسد عام 2020 ولكن القوة العسكرية التي كان يتمتع بها رفعت الأسد في تلك الفترة لا تقارن بما هو عليه رامي مخلوف اليوم وبالتالي يمكن القول إن مركزية عائلة الأسد داخل النظام التسلطي السوري وثقافة عبادة الشخصية التي بنيت حول والده حافظ وبشار من بعده وخاصة التضامن داخل الطائفة العلوية خلال سنوات الحرب والعصبية الطائفية التي تصرفت بها ضد كل مظاهر المعارضة أو اختلاف الرأي يجعلنا واثقين من القول أن الأسد سيكون الأقوى في الحد من هذا التأثير التصاعدي لفيديوهات مخلوف داخل الطائفة وهذا هو الأهم وهي المخاطب الوحيد الذي يعنيه مخلوف من فيديوهاته كما أنها هي مخاطب الأسد الأول والأخير.

وإذا صدقت التقارير التي تحدثت عن مرافقة روسية رافقت الأجهزة الأمنية السورية خلال اعتقالها لعدد من المديرين في شركة سيريتيل المملوكة لرامي مخلوف فإن هذا الصراع بين الأسد ومخلوف يعكس من جهة أخرى خلافاً روسياً مع الأسد بهدف تحصيل عائدات الحرب، إذ تقول التقارير إنَّ روسيا طالبت الأسد برفع مبلغ 3 مليارات دولار كتعويض عن المشاركة الروسية في الحرب السورية إلى جانب نظام الأسد، لكن الأسد تحجج بعد توفر المبلغ فقدمت روسيا حسابات لرامي مخلوف تثبت أنه يملك أكثر من المبلغ المطلوب وهو ما أشعل الصراع بين الأسد ومخلوف.

باختصار، إن رامي مخلوف سيدرك أن زمن إدارته لأموال عائلة الأسد انتهى وحان الوقت كي تمتلك أسماء الأسد كما تورد كل التقارير السيطرة فوق هذه الثروة خاصة مع كبر أولادها وهم أولاد بشار الأسد وعلى رأسهم حافظ الذي يتطلع للعب دور أبرز ربما في السنوات القادمة على المستوى المالي والأمني لإظهار تماسك أكبر داخل الطائفة وداخل النظام المتصدع.

===========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com