العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 31-03-2019


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 


"يتصدّى" بشار للصهيونية فتخسر سورية الجولان

دلال البزري

العربي الجديد

الخميس 28/3/2019

حتى بداية العام 2011، كان بشار يفاوض الإسرائيليين سراً، عبر الولايات المتحدة، بغية الوصول إلى اتفاق سلام، على غرار الأردن ومصر (مذكرات جون كيري). لكن هذه المفاوضات توقفت، مع اندلاع ثورة السوريين على حكمه؛ فانكبّ هو على "محاربة المؤامرة الإمبريالية والصهيونية" عبر قتلهم وتهجيرهم وتدميرهم. وها هو اليوم، يعلن، هو وحُماته، أنه إنما "انتصر" على شعبه، أي على الشرّين العظيمَين، وأن أميركا هُزمت، ومعها إسرائيل، وأن "شرق أوسط جديدا" يبزغ في الأفق، خاليا منهما، بعدما طحنتهما محادل الممانعين والمقاومين.. إلخ.

ثم جاءت تغريدة دونالد ترامب، منذ بضعة أيام، أنه بعد اثنين وخمسين عاماً على احتلال الجولان، حانَ وقت اعتراف الولايات المتحدة بسيادة إسرائيل على الهضبة السورية؛ مبيّناً أهميتها الاستراتيجية والأمنية لإسرائيل ولـ"استقرار المنطقة". ويكون بذلك قد خرقَ قرارات أممية، وألغى صفة الاحتلال عن الجولان، ومكّن إسرائيل من الاستيلاء عليها قانونياً. وسوف يكون مستحيلا بعد ذلك أن تفكر القيادات الإسرائيلية اللاحقة بالانسحاب من الجولان، في حال عادت المفاوضات بين إسرائيل وسورية: ستكون ساعتها كمَنْ يتنازل عن أرضه، عن سيادته الوطنية.

أمام الاستنكار الدولي لهذه الخطوة، وفرحة نتنياهو العارمة، ووصفه الخطوة بالتاريخية، أجاب ترامب بعفويته المفتعلة بأنه لم يقصد منها تعزيز فرص نتنياهو في الانتخابات التشريعية 

"بلد ضائع، محتل، سائب، مدمَّر، مفلس، يختلف المتنافسون عليه، يمرّرون ضرباتهم فوق الطاولة وتحتها" المقبلة؛ بل إن الموضوع هذا "لم يخطر على باله". وصف أحد المعلِّقين البارزين هذه الكلمة بأنها إما تنمّ عن جهل أو عن استغباء، مصيبة في كلتا الحالتَين. لكن مراجعة بسيطة لخطوات ترامب السابقة، ونشاطاته العقابية ضد حزب الله وإيران، توضح العكس: أن ترامب، على خلاف تخبطاته السابقة، يعلم هنا ما يفعل. وهو مدعومٌ من كتلةٍ قوية داخل حزبه، يقودها السيناتور البارز لانسلي غراهام. تمْزيقه الاتفاق النووي مع إيران، وإعادة العقوبات عليها، أكثر من إعلانه القدس عاصمة إسرائيل، هو الأب الشرعي لقراره حول الجولان: إنه يستهدف إيران أكثر مما يطمح إلى إبقاء نتنياهو رئيسا لحكومة إسرائيل.

وهذه التي تبدو خطوةً غبية، أو متغابية، هي مثل الهدية الرمزية لمعسكر بشار والممانعة: فتحت شهية الغضب السعيد، المبتهج بصحة رأيه، إن الإمبريالية والصهيونية، تثبتان مرة أخرى تحالفهما العضوي وتآمرهما على سورية، تكرِّسان أراضي محتلة، تكسبهما الديمومة، تغتصب الأرض والعرض.. إلى ما هنالك من شعاراتٍ لم تغْفُ لحظة واحدة، طوال الحرب على الشعب السوري. شعارات تستفيق، فتعود وتطلّ على الجماهير، متألقةً، متجدّدة؛ تؤكد على "صحة الخط"، و"الثبات على الثوابت"، وطبعاً، "الانتصار" الدائم، من دون خدْشةٍ واحدة، ولا غلطة واحدة، تُدخل لحناً، أو تطريباً، أو تنويعا على المؤكَد، فتظهر أميركا الأبدية على الصورة ذاتها، الثابتة هي الأخرى. من دون أن يلمح الممانعون تبديلاً واحداً على ملامحها. خذْ هذه النقطة مثلاً: عام 1981، الموقف المغاير للرئيس الأميركي، رونالد ريغان، الذي ردّ على قرار الكنيست ضم الجولان إلى إسرائيل، بأن أوقف مفاوضات معها، كانت تهدف إلى إقامة شراكة استراتيجية.

ولكن، لا تغشُّكَ اللهجة الغاضبة، ولا الشتائم ولا النبشْ في "الأميركي البشع". غير فرحة البرهان على صحة الموقف، ثمّة غبطة داخلية عظيمة من هذا القرار. إنه يعطي نفحة شرعية إضافية للاحتلال الإيراني في سورية. بوجه روسيا بالخصوص، منافسة إيران الكبرى على هذا الاحتلال. ومن ظن أن قرار الجولان هو ضربة لإيران؟ تحت شعار تحرير الجولان، كما شعار تحرير فلسطين، ستُخاض لاحقاً معارك هوائية أخرى، ضد الأعداء، ضد الخصوم، ضد الحلفاء، ضد المنافسين.. لكل منهم "حصته"، "طريقته"، "دوره". وله ما يدعمه بين "الأهل" والأحزاب الرديفة، يسارية ديمقراطية قومية دينية.. كل ما يشتهيه المرء من جرعاتٍ تعطي المعنى إلى اللامعنى، وتنفخ في بوق "الانتصارات"، من دون أن تنسى الغضب الدافئ، المطلوب، المجترّ.

وكما بعد كل هزيمة، يتعزَّز موقع الحاكم. في حرب حزيران 1967 التي قلبت الدنيا العربية

"خرقَ ترامب قرارات أممية، وألغى صفة الاحتلال عن الجولان، ومكّن إسرائيل من الاستيلاء عليها قانونياً" على نفسها، إذ كانت هزيمةً موصوفة، احتلت من بعدها الجولان، كما سيناء والضفة والقدس الشرقية وغزة. حافظ الأسد وقتها، قائد سورية، صعد من بعدها إلى الحكم، وأبّد حكمه. اليوم، "بعد اثنتين وخمسين سنة" على هذا الاحتلال الأول للجولان، لم تَعُد الجولان أرضا "محتلة"، بل أضحت أرضا "إسرائيلية"؛ ولا يحق بالتالي للسوريين المطالبة بها. كانت فرصة لإسرائيل، تطابقت مع حرب الولايات المتحدة على إيران.

قبل خطوة ترامب هذه، لم تتوقف الطائرات الإسرائيلية عن التحليق فوق سورية، وقصف أهدافها، من دون وازع. بلد ضائع، محتل، سائب، مدمَّر، مفلس، يختلف المتنافسون عليه، يمرّرون ضرباتهم فوق الطاولة وتحتها، لا حصانة فيه لسيادته، يغري إسرائيل حتماً ونزوعها التوسعية. أضف أن على رأسه وارث الاحتلال الأول الذي يقتل شعبه باسم التصدّي لهذا الاحتلال؛ يضمن بقاءه، بالاشتراك مع الاحتلالات الأخرى. ورث بشار أرضاً "محتلة"، من حقه أن يسترجعها. ومن إنجازات عهده الميمون، بعدما دمر سورية والسوريين، أنها أصبحت الآن "تحت السيادة الإسرائيلية". جيل آخر سوف ينشأ، بعد ذلك، يحتاج، قبل البندقية، إلى مدقِّق لغوي تاريخي.

===========================

موقفنا: مجلة فورين بوليسي الأمريكية " أنظمة عربية تتحالف مع جماعات اليمين المتطرف في الغرب " ضد ؛ العقيدة .. والشريعة .. والإنسان

زهير سالم

31/3/2019

مركز الشرق العربي

ذكرت مجلة فورين بوليسي الأمريكية، أن أنظمة عربية تتحالف مع جماعات اليمين المتطرف في الغرب، من أجل تغذية الإسلاموفوبيا.

وقالت المجلة في مقال نشرته الجمعة 29 / 3 / 2019 : تقوم حكومات عربية بتغذية الكراهية ضد المسلمين، ضمن حملاتها الهادفة إلى قمع المعارضة بالداخل والخارج، في محاولة لتبرير قمعها واسترضاء الجماهير الغربية.

وتابعت بعض تلك الأنظمة أقامت تحالفات غير رسمية مع جماعات وشخصيات محافظة ويمينية متطرفة في الغرب، من الذين يكرسون جهدهم للدعاية المناهضة للإسلاميين.

قد يكون الخبر الذي كشفت عنه " الفورين بوليسي " الأمريكية ليس جديدا على العرب والمسلمين . حكومات عربية ، فقد دأبت أنظمة مستبدة قمعية على التحالف مع الغرب ضد هويتها وإسلامها وشعوبها منذ عقود.

ومثل هذا الخبر قديم عمره عمر الاستبداد في عالمنا العربي . حيث كانت تتواتر الأخبار على حرص المستبدين العرب على اختلاف طبقاتهم ومشاربهم وسلالاتهم على تشويه هويتهم وشعوبهم والتحذير من بدائية وتخلف هذه الشعوب معتمدين على إرث تاريخي سلبي في الضمير الجمعي لحكومات غربية كانت لها مع هذه الشعوب ذكريات مؤلمة من الحروب وتاريخ طويل من العداء .

والخبر قديم أيضا عمره عمر الوثيقة التي وقعها بعض الطائفيين في سورية يستجدون من المستعمر الفرنسي البقاء لحمايتهم ، متذرعين بخوفهم الوطني من " مواطنيهم " المتوحشين . الوثيقة التي ما تزال تتجدد وتتردد في عالم من الكراهية والبغضاء في صورة جريمة ميشيل سماحة الإرهابية التي تغاضى عنها كل الإرهابيين ، كما في الشكر الذي قدمه الطائفي الحاقد ميشيل عون منذ أيام يشكر الرئيس بوتين على حماية " مسيحيي المشرق " والتعبير له من تغول المتغولين !!.

الجديد فيما نشرته مجلة "فورين بوليسي" ، أنه بينما كان المستبدون الأوائل من قادة النظام العربي ، يسكبون جهدهم في التشويه والتحريض بين يدي حكومات هي مؤسسات رسمية تمتلك مدخلات عامة بنكهة موضوعية لمقرراتها ولمواقفها ؛ تجاوزت النسخة الثالثة أو الرابعة من أجيال المستبدين هذه الحالة ، وأمعنت في السقوط والنذالة وخلع الربقة من دين أو من حياء أو من ذمام

فلم تعد تقارير التشويه والتحريف والتخويف والتحريض تتوجه هذه الأيام إلى مراكز صنع القرار في الغرب فقط ، مع كل ما في هذه المراكز من تحيز وانحراف ، ومع كل ما يتحكم في هذه المراكز من مدخلات مريبة ومشبوهة ؛ بل امتدت اليد الأثيمة إلى مناجم الكراهية والبغضاء الفردية والمنبوذة حتى في مجتمعاتها تغذيها وتغدق عليها وتحرضها وتستثمر فيها حتى استوى الحصاد المر للمستثمرين فيه في صورة ما جرى على المسلمين في مساجد نيوزيلندا ومثله مما يمكن أن يجري كثير ..

لم يعد الجيل الثالث من المستبدين العرب على اختلاف انتماءاتهم يتوجه فقط إلى الحكومة البريطانية ، مثلا ، بحملة الكيد والافتراء فترد عليهم بدراسة وتقرير وتحكيم محكمين ؛ ولكنهم باتوا يتوجهون إلى قاع اليمين من حملة رايات الكراهية في كل مجتمع ودولة تغذية وتحريضا ..

يتوجه الجيل الثالث من المستبدين العرب اليوم إلى مؤسسات العلاقات العامة الامبريالية الرأسمالية التي تبيع كل شيء في سوق الرغبة والإشباع . وما أسخى المستبد العربي بمال لم يكن يوما مما جنته يداه..؟!!

ويؤسس الجيل الثالث من المستبدين العرب الامبراطوريات الإعلامية ويغدقون الأموال على أصحاب الوجوه الصفر ينعقون بالشر والإفك والزور صباحَ مساءَ ..إفكا وتشويها وتحريضا

ويشترون الامبرطوريات الإعلامية الضخمة مستغلين عناوينها وتاريخها وسمعتها ، موظفِين كل ذلك في خدمة مشروعهم في التحريض على الدين العقيدة والشريعة والإنسان بل على أنفسهم وهم لا يشعرون ..

وحين يقارب الحديث " السوشيال ميديا " أو وسائل التواصل الاجتماعي فحدث عن ذباب الاستبداد وزنابيره ولا حرج فما تقرؤه وما تسمعه من تفوهات وكذب وسباب يفوق الوصف وتصورات العقل.

ومن الإعلام إلى الإعلاميين يُستكتبون و بالزور والإفك يُستشهدون ، حيث أصبح لكل إعلامي تسعيرة ، وحساب المقالات بعد الكلمات . ومن الإعلاميين إلى بعض السقط من الدبلوماسيين والمضطرين إلى تمويل حملاتهم الانتخابية لتدوير سيادتهم من جديد ..

ومن الإعلام إلى مراكز الدراسات حيث " يفبرك " الزور والإثم برداء العلمية والموضوعية والبحث الرصين ، ومن مراكز الدراسات إلى هوليود والسينما وعالم المسلسلات يختلط الإفك بالإثم بالإثارة الرخيصة بالتحريض والتشويه ..

لاشك أن المنظمة الصهيونية قد أنفقت الكثير على حملاتها الإعلامية المنظمة والممنهجة ضد الإسلام والمسلمين والعرب خاصة دون خلق الله أجمعين ..ولكنها اليوم وجدت في هذه الطغمة من المستبدين من كفاها المؤنة وحمل عنها العبء ، وكفى ووفى وهو الشاهد على أهله المحسوب عليهم.

تساءل الناس يوما وهم يتابعون الحرب الباردة الامبريالية أو الأمريكية ضد " الاتحاد السوفياتي " : من يدفع للزمار؟! وعرفوا من الذي يدفع وكيف يدفع . ولكن الدفع اليوم يتم وسط صحراء مكشوفة أرضها ، ساطعة شمسها ، وترتكب الجريمة فيها جهارا نهارا حيث المستبد يفخر مما يستحيي منه أو يستخفي منه حتى المنافقون ..

وعنوان من يدفع للزمار – الحرب الباردة الأمريكية " هو عنوان لكتاب من تأليف الصحفية البريطانية الحرة " اف . اس . سوندرز " وترجمه إلى العربية " طلعت الشايب " فضحت الباحثة في هذا الكتاب كل الأساليب المستترة للمخابرات الأمريكية التي ظلت تعمل عليها نصف قرن في تشويه وتدمير الاتحاد السوفييتي . وإنه لحري بكل مواطن عربي ومسلم تدار هذه الحرب عليه اليوم أن يقرأ هذا الكتاب ، ويتتبع أساليب الحرب المكرورة في كثير من الأحيان ...

إن المختصر الذي يجب أن نوضحه اليوم ، والذي أشارت صحيفة فورين بوليسي إلى جزء منه منذ يومين هو :

إن معركة تشويه الإسلام والتحريض على الإنسان وعلى الأوطان لم تعد وقفا على فريق من المستبدين العرب دون فريق . فقد انغمس جميع المستبدين – مع الأسف – في معركة تدمير الذات ، وتدمير الإنسان والأوطان.

وإن هذه الحرب وإن كانت قديمة بعمر عقود من الزمان إلا أن الجديد في حرب هذا الجيل من المستبدين ، على الحياة والنماء أنهم تجاوزوا الخطوط الرسمية في تواصل الدول بالدول والحكومات بالحكومات إلى إحداث ما يظنونه انتصارا أو اختراقا في إقامة التحالفات مع مناجم العداوة والبغضاء في قاع المجتمعات ..ممن لاخلاق له ولا عقل ولا ضمير .

وأن خلاصة ما يجب أن يصل إلى هؤلاء المصابين بعمى الألوان أن لا يفرح الجالس على غصن وهو ينشره بالانتصار !!

وخلاصة الخلاصة في قول الله تعالى : " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ"

سيخرج الإسلام منتصرا . وسينتصر في العالم الحق والعدل والحرية والإنسان ..

____________

*مدير مركز الشرق العربي

==========================

الإرهاب ومكافحته من نيوزيلندا إلى باغوز

بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 28/3/2019

قدمت رئيسة وزراء نيوزيلندا جاسيندا أردرن درساً للعالم في مكافحة الإرهاب، فلم تبحث عن جينات مسببة لآفة الإرهاب عند جماعة بشرية معينة، ولا أمطرت حواضن شعبية مفترضة له بالقنابل أو الصواريخ أو البراميل المتفجرة كما يفعل نجوم «الحرب على الإرهاب» كالولايات المتحدة وروسيا ونظام بشار وإسرائيل وغيرهم. ولا حتى نكلت بالقاتل الذي ارتكب مجزرة المسجدين في مدينة كرايست تشيرتش، بل ألقي القبض عليه وسيحاكم محاكمة عادلة يستحقها. كذلك تم تعديل قانون حمل السلاح بما يلبي الاحتياجات الأمنية لما بعد المجزرة لمواجهة احتمالات تكررها. هذا إضافة إلى الأداء المتحضر في إظهار روح التعاطف والتضامن مع الضحايا والجالية المسلمة التي ينتمون إليها، سواء من قبل الحكومة أو المجتمع المدني في نيوزيلندا.

بالمقابل، قامت الولايات المتحدة وحلفاؤها الميدانيون (قسد) بـ«تحرير» آخر جيوب الدولة الإسلامية (داعش) في بلدة باغوز بتكاليف بشرية باهظة لما يسمى بـ«الحاضنة الشعبية» للمنظمة الإرهابية المذكورة، في تكرار لما حدث قبل ذلك في الرقة وغيرها من مناطق «الدولة الإسلامية» التي استهدفتها قنابل التحالف الدولي ضد الإرهاب.

ولا يعفي اختلاف الظروف بين هجوم نيوزيلندا وباغوز «محاربي الإرهاب» من مسؤولياتهم الإنسانية إزاء الضحايا المدنيين، بل ربما يضيف إليها مسؤوليات سياسية تتعلق بمستقبل سكان المنطقة وصيغ التعايش بين الهويات المختلفة التي ينتمون إليها. فإذا كانت «العدالة الانتقالية» ممراً إجبارياً لمستقبل مختلف في سوريا، لماذا لا تكون كذلك أيضاً بالنسبة للمناطق الجزئية التي لها ظروفها الخاصة، كحال مناطق «الدولة الإسلامية» التي تم تقويضها، أو إدلب أو عفرين وغيرها من المناطق التي تخضع لأطر وظروف خاصة؟ بكلمات أخرى، إلى أي مدى يمكن الوثوق بصحة الاتهامات الموجهة إلى أفراد بأنهم كانوا مقاتلين لدى داعش أو متعاطفين معه لمجرد كونهم عرباً سنة في مناطق كان يحتلها تنظيم داعش؟ أو اعتبار كل كردي في عفرين منتمياً إلى وحدات حماية الشعب أو متعاطفاً معها؟ فبمثل هذه الذرائع تتم ارتكابات متبادلة في مناطق «محررة» من «الإرهابيين». أم أن هذه الأسئلة نافلة في «ظروف الحرب» التي تبيح كل القبائح؟

إلى أي مدى يمكن الوثوق بصحة الاتهامات الموجهة إلى أفراد بأنهم كانوا مقاتلين لدى داعش أو متعاطفين معه لمجرد كونهم عرباً سنة في مناطق كان يحتلها تنظيم داعش؟ أو اعتبار كل كردي في عفرين منتمياً إلى وحدات حماية الشعب أو متعاطفاً معها؟

الواقع أن الفارق الأساسي بين الحدثين موضوع هذه المقالة، ليس كون الإرهاب «مسيحياً» أو أسترالياً (بالنظر إلى جنسية القاتل) أو «غربياً» في الحالة الأولى، و«إسلامياً» في الحالة الثانية، وليس أيضاً في هوية الضحايا، ولا في كون الأولى حادثة منفردة مقابل حالة الحرب في الثانية… بل هو في طريقة الاستجابة لتحدي الإرهاب في منطقتين مختلفتين. في الأولى تأخذ العدالة مجراها بإلقاء القبض على الإرهابي ومحاكمته، واتخاذ الإجراءات الأمنية وغير الأمنية المساعدة على تطويق الإرهاب وتهميشه. أما في الحالة الثانية فتنزع الصفة البشرية عمن يعتبر إرهابياً ثم يعامل بالإبادة والاستئصال حلاً وحيداً لآفة الإرهاب. وتشمل إجراءات الإبادة والاستئصال بيئات واسعة من السكان الموصوفين بحواضن اجتماعية للإرهاب. أو، في أحسن الأحوال، يتم التساهل مع «الخسائر الجانبية» في عمليات القصف بالقنابل حيثما تعلق الأمر بمجاميع من «الإرهابيين» يحتلون مناطق مأهولة بالسكان. هذه هي حال المناطق الخارجة عن سيطرة نظام دمشق الكيماوي، وقطاع غزة، ومناطق «الدولة الإسلامية» سابقاً، ومناطق سيطرة «وحدات حماية الشعب» سابقاً (عفرين).

الواقع أن شعار «الحرب على الإرهاب» الذي أطلقته الولايات المتحدة وتمكنت من تعميمه عالمياً، قد منح طيفاً واسعاً من حكومات الدول ذريعة لمحاربة كل من يعارضها بالكلمة أو السلاح. ففي نظر إسرائيل كل فلسطيني إرهابي، أو إرهابي محتمل في أحسن الأحوال، ولدى دوائر غربية فاعلة كل مسلم هو إرهابي محتمل، ولدى نظام بشار الكيماوي كل سوري لا يدين بالولاء للطغمة الحاكمة هو إرهابي، ولدى تركيا كل كردي هو إرهابي أو داعم له أو متعاطف معه، ولدى حكومة السيسي في مصر كل معارض هو إرهابي تعريفاً.

هذا الانفلاش لمفهوم الإرهاب هو أهم منبع لتوليد مزيد من الإرهابيين الحقيقيين ممن تضيق بهم سبل التعبير عن مظالمهم، فلا يجدون سبيلاً لتنفيسها سوى في عنف عدمي لا يستهدف أي تأثير سياسي بقدر ما يسعى نحو الثأر المحض. أما إذا «واتاه الحظ» ووجد ضالته «النضالية» في إطار تنظيمي وعقيدة إيديولوجية تسمو بمشاعر الثأر الضيقة في نفسه، فتحولها إلى قضية عامة، فسوف يتحول إلى مقاتل في سبيل «هدف سام» يبيح له الفظائع. هذه هي حال من انتموا إلى منظمة القاعدة أو «الدولة الإسلامية» من مختلف مناطق العالم وثقافاته.

لهذا السبب يدرك أركان «الحرب على الإرهاب» قبل غيرهم أن دولة داعش الإسلامية التي أعلن عن إنهائها لا بد أن تظهر في أشكال وأطر عمل جديدة لا يمكن القضاء عليها بالحرب الكلاسيكية كما جرت حين كان لتلك «الدولة» أرض محددة في العراق وسوريا. ما أسهل أن تظهر «الدولة» مجدداً في أي مدينة أوروبية على هيئة رجل يقود شاحنة يدهس بها المارة بلا تعيين، وهذه أبسط صور ظهور «الدولة» بالمقارنة مع ما تتيحه التكنولوجيا الحديثة من وسائل عنف لا يمكن حصرها.

كل المظلوميات التي لا تجد استجابات، لديها قابلية للتحول إلى إرهاب ما لم تعالج بوسائل سياسية. ولا شيء يمكن أن تعجز عنه السياسة إذا صفت النوايا. فهي فن إيجاد الحلول لمشكلات تبدو، للوهلة الأولى، غير قابلة للحل.

كاتب سوري

===========================

ضياعُ الأوطان

حسان الأسود

سوريا تي في

الاربعاء 27/3/2019

لطالما كان الاستبداد أهمّ عاملٍ في هدم بنى الدول والمجتمعات، وقد رأينا هذه النتيجة عشرات بل مئات المرّات عبر التاريخ، وها نحن اليوم نعيش نكسة جديدة على مستوى سوريا، نكسة لم نساهم في صناعتها إلّا بالقدر الذي يمكن به مُساءلتنا عن صمتنا على الديكتاتوريّة حتى استفحلت في مجتمعنا السوري فباتت جزءاً منه.

بعد سابقة خطيرة وغير مسبوقة في العلاقات الدوليّة، اعترف بموجبها الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالقدس عاصمة لإسرائيل قبل أشهر، ها هو يهدي اليوم في 25-3-2019 لإسرائيل مجدّداً اعترافاً سياسياً بشرعيّة سيطرتها على مرتفعات الجولان، في حين أنّه لا الواهب يملك ما وهب ولا الموهوب يحقّ له قبول الهبة أو المطالبة بها أو الانتفاع بها أساساَ.

تأتي خطورة هذا التصرّف من ثقل تأثير المرجعيّة الأميركيّة التي تكرّس الأمر الواقع، ومن ضعف تأثير المرجعيّتين السوريّة والعربيّة المضادّتين لهذا التصرّف. فإذا أخذنا موازين القوى في المرحلة الراهنة، وفي المدى المنظور بل المتوسّط سنجد الكفّة راجحة باتجاه المعسكر الغاصب للأرض والحق.

في حسابات هذه الموازين، تتفوّق إسرائيل علينا بكافة المجالات العسكرية والاقتصاديّة، وفي العلاقات الدولية أيضاً حيث تكتسب تعاطف أو خوف الدول عامّة والغربيّة منها خاصّة، التي لا تستطيع الوقوف بوجهها تجنّباً للوقوع تحت مقصلة تهمة معاداة الساميّة، أو تجنباً للضغوط الهائلة من اللوبي الصهيوني العالمي. بالمقابل فإننا نتفوّق عليها بعدّة نقاط هامّة، فنحن أصحاب الحق وفق المنطق والتاريخ والقانون الدولي وقرارات الشرعيّة الدولية، ونحن الأكبر حجماً من حيث المساحة الجغرافيّة وعدد السكّان، ونحن – كشعوب- أصحاب الإرادة التي تلين ولا تتنازل.

لكن، هل يكفي ذلك لتقرير استعادة الحقّ المغتصب، وهل المجتمع السوري الآن في حال تمكّنه من المطالبة بالأجزاء المغتصبة من أرض سوريا شمالًا وجنوباً وشرقاً وغرباً؟ ألم يدمّر نظام الاستبداد البنية التحتيّة للدولة السورية، ألم يستنزف مقدّراتها وخيرة شبابها، ألم يهجّر نصف شعبها خارج حدودها، والباقون منهم يعيشون تحت خطّ الفقر والكرامة أو في السجون والمعتقلات، ومن لايزال خارج نطاق سيطرته يعيش حالة تخبّط وتشرذم وضياع بين عدّة مرجعيات كلّها ما دون الوطنيّة؟

ألا يبدو كذلك حال الواقع الرسمي العربي في غاية العجز، بعد أن استطاعت القوى المضادّة لثورات الشعوب أن تكرّس تحالفاً شبه معلن مع إسرائيل، تحت شعارات مكافحة الإرهاب ومحاربة تمدّد النفوذ الإيراني في المنطقة؟ ففي أكبر الدول العربيّة من حيث عدد السكّان ومن حيث المقدّرات، نجد الحرب شعواء على شعوبها الرافضة لنهج التطبيع، بإشغالها بلقمة عيشها تارة أو بإثارة النعرات بين أبنائها بألاعيب مخابراتيّة تارة أخرى، أو بخلق عدوّ وهمي من أبناء الشعوب الشقيقة المجاورة. وفي دولٍ عربيّة أخرى نجد نفخاً مستمرّاً في كير العنصريّة والشعبويّة المقيتة، لخلق حالة من العداء بين أبناء الشعوب العربيّة بدل تعزيز حالة التضامن والشعور بوحدة المصير.

الحقيقة أنّ نظرة سريعة للأمور تجعلنا نتخوّف من مرور الزمن الطويل ومن التهاون في التحرّك للمطالبة باسترداد الحق، ولنا في المناطق المسلوخة عن سوريا بعد سقوط السلطنة العثمانيّة وزمن الانتداب الفرنسي أكبر مثال وعبرة. فمن لا يعرف أنّ عدداً من البلاد المجاورة التي تشكّل دول مستقلّة كانت عبر التاريخ تتبع لسوريا الكبرى أو ما كان يُعرف تاريخيّاً باسم بلاد الشام؟ وحتّى في أحلك الظروف، كانت تشكّل وحدة متقاربة متجانسة بالموروث والعادات وطباع الناس وثقافتهم واهتماماتهم وانتماءاتهم المختلفة، وما استشهاد سليمان الحلبي ومن بعده جول جمّال في مصر، ولا استشهاد عزّ الدين القسّام في فلسطين، إلّا أمثلة بسيطة على مدى هذا التقارب والانتماء الواحد.

لقد سئم السوريّون من خطابات النظام الأسدي الذي سلّم الجولان ابتداءً للوصول إلى السلطة، وانتهاءً للبقاء بها

بالتأكيد ليست هذه دعوة للسيطرة على دول الجوار، فلا نحن بوضع يسمح لنا بالتفكير بهذا الأمر، ولا نحن نقبل على أنفسنا أساساً أن نتصرّف بعقليّة الأنظمة القمعية الوصائيّة التي نعاني منها جميعاً، لكن بالمقابل، من حقّنا أن نتخوّف من المصير المجهول الذي قد يلحق بالجولان كما لحق بغيره من أجزاء سوريا.

لقد سئم السوريّون من خطابات النظام الأسدي الذي سلّم الجولان ابتداءً للوصول إلى السلطة، وانتهاءً للبقاء بها، ولم يعد لديهم ثقة إلّا بأن الحديث عن هذا الموضوع ليس أكثر من حجّة ووسيلة لاستدامة القمع وإعادة إنتاج النظام لذاته. لقد اكتوى السوريّون بنيران الأسلحة التي اشتروها من نقود المجهود الحربي التي دفعوها على مدار سبعين عاماً منذ النكبة الأولى عام 1948، وبات من حقّهم أن يفكّروا بطرق مبتكرة للتمسّك بأرضهم المحتلّة وبنفس الوقت التمتّع بحقوقهم الإنسانيّة المنصوص عليها في كل الشرائع السماويّة والأرضيّة.

إنّ الارتماء في حضن إسرائيل كما فعل بعضٌ ممّن يحسبون أنفسهم على الثورة، لم يكن إلّا نتيجة قصور فكريٍّ بيّن وغباءٍ سياسي فاضح وانعدامِ وطنيّة مُخجل، فلن يلتفت الإسرائيليون إلى هذه الحثالات أبداً إلّا بمقدار ما يستطيعون تسخيرها في مجالات التطبيع النفسي والسياسي الذي يسيرون به بشكل حثيث منذ معاهدة كامب ديفيد المشؤومة. ليس لدى هؤلاء شيء يقدّمونه أساساً، ولو كان لديهم ما يقدمونه فلن يطاولوا كعب الأسد العالي صاحب السبق أباً عن جدّ في هذا المضمار.

إنّ السلوك الوطنيّ القويم يفرض علينا أن نتمسّك بالشرعيّة الدوليّة المتمثّلة بقرارات مجلس الأمن والجمعيّة العامّة للأمم المتحدة

علينا كذلك ألّا ننجرّ إلى المعادلة القائلة بأنّ إسرائيل تبقى أرحم من نظام الأسد، لأنّ هذا الاستنتاج – الحقيقي والواقعي والمشروع – هو ما سعى النظام وإسرائيل بنفس الدرجة لإيصالنا إليه، فلو احتلّت إسرائيل سوريا بالكامل، ولو لقيت من الشعب السوري عشرات أضعاف المقاومة التي جابه بها نظامَ الأسد، لما دمّرت ربع عُشرِ ما دمّره جيشنا الباسل، ولما قتلت واحداً على ألف ممن قتلهم جلاوزة الأسد من أبناء جلدتنا، ولما اعتقلت ربع من اعتقلتهم أجهزة مخابراته ومليشياته، إلّا أنّ ذلك لا يجعل من المحتلّ ملاكاً ولا من إسرائيل بديلاً مقبولاً عن حكم هذه العصابة المارقة.

ما يمكن أن يترك في النفس أثراً مطمئناً إلى حدّ بعيد، هو جيل الشباب الذين قاموا بالثورة رغم أنهم ولدوا في عصر الاستبداد، وما يعطينا مثالاً رائعاً لا يمكن المرور عليه من دون توقّف ولا تجاوزه دون أخذ دلالاته بالحسبان، العمل البطولي للصبايا والشباب الفلسطينيّين المقاومين حقّاً وبالفعل في الداخل المُحتل، وآخر مثال عنهم الشهيد عمر أبو ليلى. لكن هذا كلّه يحتاج إلى موقف واضح وحازم منّا جميعاً، أفراداً وجماعات، من كلّ من يستطيع أن يعبّر عن رأيه وأن يقول لا للتخلي عن أي شبر من سوريا وتحت أيّة ذريعة كانت. علينا جميعاً أن نكون على قدر المسؤوليّة الوطنيّة والتاريخيّة، ويجب ألّا يؤثّر علينا ما ألحقه نظامُ الأسد منذ خمسين عاماً بجوهر المفاهيم والقيم الوطنيّة ذاتها. الوطن أكبر من أجزائه، وهو الباقي وغيره زائل.

===========================

ماذا بعد هزيمة تنظيم الدولة؟

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الاربعاء 27/3/2019

تسابق الأميركيين وقوات سوريا الديمقراطية «قسد» على إعلان النصر على «داعش»، وهزيمته في المنطقة الشرقية، جاء وسط تغييب وصمت كاملين، لما جرى من إبادة جماعية لمخيم الباغوز، الذي قُصف وضُرب بالفوسفور والمواد الحارقة، فتحولت جثث أطفال ونساء وشيوخ إلى عظام نخرة، ليس هناك من يبكي على رحيل عصابة مجرمة مثل «داعش» أجرمت بحق السوريين والمسلمين أكثر مما أجرمت بحق غيرهم، وجعلت الثورة الشامية تدفع أثماناً باهظة لمغامراتهم ومقامراتهم وعمالتهم وإجرامهم، فحولت هذه الثورة من ثورة شعبية مدنية حضارية إلى قتلة مجرمين.

مرحلة جديدة ستدخلها سوريا بعد الإعلان عن هزيمة تنظيم الدولة، وإن كان لا يمكن وصفها بالهزيمة الشاملة حتى الآن، فهذا التنظيم الإجرامي لديه ألف لبوس ولبوس، ولديه القدرة على التخفي والظهور من جديد، على شكل خلايا نائمة، والضرب هنا وهناك، ولكن لعل أهم الساحات التي ستشهدها عملياته الإجرامية هي ساحة الشمال المحرر، وربما يكون ما جرى أخيراً من استهداف الأخ محمد قباقجي النائب العام في وزارة العدل بحكومة الإنقاذ في إدلب دليلاً على ذلك، وإن كان أمر ملاحقتهم والوصول إليهم لم يستغرق أكثر من 24 ساعة، حين تمت مداهمة وكرهم في بنش القريبة من إدلب، فعمد المجرمون الأربعة إلى تفجير أنفسهم، وراح لغزهم معهم، وهذه السرعة في الملاحقة والمداهمة توحي بقدرة قوى الأمن في المحرر على الملاحقة السريعة لهؤلاء المجرمين، بالإضافة إلى أنهم أصبحوا في ظروف صعبة للغاية، يعجزون فيها عن التخفي أطول من هذا كما كان في السابق.

تسلل عناصر التنظيم الإجرامي لمناطق درع الفرات وغصن الزيتون ومن ثم إلى الشمال المحرر، قد

على صعيد قوات سوريا الديمقراطية «قسد»، استبقت الجميع وأعلنت استعدادها للحوار مع العصابة الطائفية في دمشق، فردت الأخيرة بتجديد موقفها باستعادة كل المناطق السورية، وهو ما ترفضه «قسد» دون الاعتراف بإدارتها الذاتية، وهذا الموقف من «قسد» إما يوحي بموافقة ضمنية أميركية على بقاء الطاغية في السلطة بعد صفقة بين عملائها في «قسد» والعصابة، أو أن ذلك لا يعدو أن يكون جسّ نبض الطرفين إزاء المرحلة المقبلة، ومعه جسّ لنبض تركيا المتضرر الأكبر من وجود قوات سوريا الديمقراطية على حدودها، وهي التي تتحدث عن عملية منبج العسكرية، وبالتالي مثل هذا الاتفاق إن حصل بين قوات سوريا الديمقراطية والعصابة الحاكمة في دمشق، قد يطيح بالمشروع التركي، ولعل ذلك يُفهم في سياق التأهيل الأميركي-الصهيوني للأسد، بإعلان ترمب عن مصادقته على أن الجولان أراضٍ صهيونية، وبذلك تكون عائلة الأسد قد استخدمت الجولان مرتين لبقائها في السلطة، الأولى يوم تخلى عنها المؤسس حافظ ثمناً لوصوله إلى السلطة، وذلك مثبت في كتاب مهم «سقوط الجولان» للضابط خليل مصطفى ضابط الاستطلاع في الجولان قبل ويوم سقوطها في عام 1967، بالإضافة إلى وثائقيات عدة أنتجتها وبثّتها «الجزيرة» وغيرها، من رواد وأبطال تلك المرحلة المهمة من تاريخ سوريا، واليوم أيضاً تعود الجولان إلى الواجهة من أجل بقاء عائلة الأسد في السلطة، مقابل التنازل عن الجولان، وأي سلطة تبقت في الشام له.

===========================

ماذا بعد في جعبة ترامب؟

مروان قبلان

العربي الجديد

الاربعاء 27/3/2019

مع انتهاء المحقق الخاص، روبرت مولر، من تحقيقاته التي جاءت بنتائج عكس ما توقعه كثيرون، بتبرئتها ساحة حملة ترامب الانتخابية من تهمة التواطؤ مع روسيا في انتخابات الرئاسة الأميركية عام 2016، سوف ندخل، على الأرجح، مرحلة جديدة، قد تكون الأسوأ في ولاية ترامب التي يأمل كثيرون أن تكون وحيدة. وإذا كانت سيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب تحد من قدرة الرئيس على الحركة في قضايا السياسة الداخلية (على الرغم من أن هذا أيضًا نسبي، كما تبين بعد أن استخدم ترامب الفيتو لنقض قرار الكونغرس إلغاء حالة الطوارئ التي كان فرضها للحصول على موازنة من وزارة الدفاع لبناء الجدار الحدودي مع المكسيك)، فإن حرية ترامب في السياسة الخارجية سوف تكون على الأرجح منفلتة، وقد تؤدّي إلى تغييرات كبيرة ودائمة فيها.

هذا التوجه مستمر منذ وصول ترامب إلى الحكم مطلع عام 2017، لكنه يصبح أكثر وضوحا كلما اقتربنا من موعد الانتخابات الرئاسية أواخر العام المقبل، من ذلك مثلا توقيع ترامب يوم أول من أمس، الاثنين، قرارا يعترف فيه بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان المحتلة. ويعد هذا القرار تراجعا كبيرا عن سياسةٍ أميركيةٍ عمرها أكثر من نصف قرن، وتعد الجولان أرضا سورية محتلة. وكانت الولايات المتحدة أيدت جميع قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، مثل القرار 242 لعام 1967، والقرار 338 لعام 1973، والقرار 497 لعام 1981، وهذا الأخير يعد قرار الكنيست الإسرائيلي ضم الجولان لاغيًا وباطلاً. وقد وافق عليه مجلس الأمن حينها بإجماع أعضائه الـ 15. واقع الحال أن الرئيس ترامب يضع بقراراته الأخيرة الخاصة بالصراع العربي - الإسرائيلي نهاية لعملية السلام التي بدأتها الولايات المتحدة في مدريد عام 1991، اذ لم يعد، بسببها حاجة لأي مفاوضات. وكان ترامب اعترف بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال في ديسمبر/ كانون الأول عام 2017، ونقل السفارة الأميركية إليها في مايو/ أيار 2018، ثم أوقف بعد ذلك تمويل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، وطالبها بإعادة تعريف اللاجئ الفلسطيني، في خطوةٍ غايتها إلغاء حق العودة لملايين الفلسطينيين، والذي نص عليه قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 لعام 1948.

لا تعني هذه الإجراءات الترامبية تغييرا كبيرا في السياسة الأميركية تجاه الصراع العربي - الإسرائيلي فحسب، بل تدخل أيضا تغييرات عميقة على الموقف الأميركي من الأمم المتحدة التي أنشأتها واشنطن بعد الحرب العالمية الثانية، ومن القانون الدولي. فهذه هي المرة الأولى التي تخرق فيها الولايات المتحدة قراراتٍ صادرة عن مجلس الأمن بشكل صريح ومباشر. وقد اعتادت واشنطن أن تمنع صدور قراراتٍ عن مجلس الأمن، إذا كانت تتعارض مع مصالحها أو مواقفها من القضايا والشؤون الدولية، من خلال استخدام حق النقض (الفيتو)، لكنها عندما تسمح بصدورها فإنها تلتزم بها عموما، وإن كانت لا تضع ضغوطا كافية لتنفيذها، إلا إذا كانت مصالحها تقتضي ذلك، كما فعلت في الحرب الكورية (1950- 1953) وحرب تحرير الكويت (1991).

لقد أبدى الرئيس ترامب، خلال السنتين الماضيتين، استعدادا غير محدود لتسخير السياسة الخارجية الأميركية لخدمة مصالحه الشخصية والانتخابية، من تعامله مع ملف كوريا الشمالية إلى الأزمة الخليجية إلى قضايا الهجرة، واتفاقات المناخ والتجارة الدولية. وباعترافه بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، وقبلها القدس، يحاول ترامب كسب الصوت اليهودي في انتخابات 2020، علما أن 20% فقط من يهود أميركا صوّتوا له في انتخابات 2016. كما يهدف ترامب إلى رص صفوف اليمين المسيحي (الإنجيليين خصوصا المتعصبين في دعمهم إسرائيل). وهو بتقديمه هذه المكافآت المجانية لنتنياهو، يحاول أيضا مساعدة الأخير في كسب انتخابات الكنيست المقرّرة في التاسع من الشهر المقبل. وسوف يرد نتنياهو هذه الخدمة في انتخابات 2020 عندما يحاول حشد يهود أميركا وراء ترامب. لقد تحولت الجولان، وقبلها القدس، إلى مادة لخدمات انتخابية متبادلة بين إسرائيل وأميركا، لسبب بسيط، هو أنها لا تكلف شيئًا، ولا حتى بيان إدانة أو استنكار عربي من نوع تلك التي اعتدنا التندّر بها فيما مضى، وأصبحنا لفرط هواننا لا نطاولها اليوم، فماذا يُخرج ترامب من جعبته تالياً؟

===========================


أي انتصار هذا الذي تدّعون؟

يحيى العريضي

العربي الجديد

الاربعاء 27/3/2019

هناك علاقة عضوية بين استطالة الوجع السوري والإحراج الذي يشكله لقوى وسلطات دولية وعربية. أراد هؤلاء للسوريين أن يكونوا مثلا، وأن يكون ما حل بهم درسا لباقي شعوب المنطقة العربية بأن المصير مأساوي، إن فكروا، وعملوا، مثل السوريين.

لا، لم يكن ذاك المصاب هو الإنجاز الوحيد، ولا الولادة الخبيثة الوحيدة لقرار "نحكمها أو ندمرها"، أو الثمرة النجسة الوحيدة للغرام بالسلطة على حساب دم الجميع. حتى بضاعة الشرذمة والتقسيم التي يروجها إعلام الأبدية غدت شائعة على ألسنة كثيرين، يطلقونها، فتشرذم أرواحهم وأجسادهم؛ فالتقسيم ما كان يوماً جغرافياً بل نفسي وروحي؛ وما حافَظَ السوريون على بلدهم واحداً في وجه المخطط الفرنسي يوماً إلا لأن أرواحهم وإرادتهم كانت واحدة. ها هم السوريون اليوم يشهدون تحقق ما عجز المستعمرعن تحقيقه. يتحقق باليد ذاتها التي طالبت به يوماً، لا برسالة للمستعمر، بل بفعل حاقد قاتل، تأتي عبارة الشرذمة والتقسيم على ألسنة بعض السوريين، من دون اختيار أو إرادة؛ فهم أمام ظاهرة مشوّهة أنانية، تريد أن تدّمر لعبة، لأنها لا تستطيع امتلاكها.

ليس ذاك الذي يطلق صوت حزن برسالةٍ تقول أريد أن أحافظ على ما تبقى من هذا البلد بمستكين أو نذل أو ذليل؛ وما تلك الأم الطاهرة الجليلة جبانة، عندما تقول أريد لولدي أن يعود إلى عقله ويرجع حياً؛ وما كان ذاك الذي سعى إلى تحصيل سلاح ليوقف تلك الطائرة التي ترمي البراميل بخائن أو إرهابي. هناك من وضع كل أولئك في الممرات الإجبارية بمن فيهم ذاك الذي يريد أن يسرق من القاتل معلَمه. لم يصل كل أولئك إلى هذه الحال لأنهم مندسّون أو طائفيون أو خونه أو إرهابيون وهابيون أو جراثيم. ذنب أولئك أنهم أرادوا مجرد فسحةٍ من الحرية، سمّاها القتلة "مؤامرة كونية".

يميل كثيرون إلى تسمية ما حدث بالمؤامرة؛ وربما يكون ذلك صحيحاً. ولكن صحتها تضعها بتطابق كامل مع مؤامرة عام 1967 عندما قيل إن المؤامرة فشلت (كما يُقال الآن) عندها 

"أهل الداخل في سورية يعرفون أن زوال النظام ينهي ذريعة الإرهاب التي طالما تسلح بها" المؤامرة فشلت لأنها لم تتمكّن من إسقاط "النظام الثوري الوطني العربي القومي الاشتراكي التقدمي"؛ ولكن تلك المؤامرة أخذت في طريقها قطعة من قلب سورية والسوريين، الجولان، وكان ذلك في ساعات.

الآن أيضاً فشلت المؤامرة لأنها لم تستطع إسقاط النظام "الممانع والمقاوم"، ولكنها أخذت بطريقها سورية وأهلها، منفذة تماماً شعار النظام "بقاؤنا أو زوال البلد"، فمن تكون تلك المؤامرة استهدفت، عام 1967، خسر السوريون قطعة من أرواحهم؛ الآن تتمزق تلك الروح، فعن أي مؤامرة وأي انتصار يتحدّثون؟!

ليس انتصاراً أن تشيد مملكة على الجماجم، أو على الشرذمة؛ وليس فخراً أن يكون محتل الأرض وأعوانه أساساً بالبقاء، وليس بطولة ولا نصراً أن تحكم مكاناً مستباحاً لم تستطع حمايته؛ ولا السيادة تأتي من بقعةٍ زُرعت بسلاح الآخر، وعصاباته الحامية.

حتى لو أغمض العالم ليس فقط عيونه بل ما تبقى له من بصيرة وأخلاق؛ إلا أنه يدرك أن السوري وُضع في كل الممرات الإجبارية الدامية والمدمرة لروحه وإنسانيته؛ وحتى لو تم إعلان "النصر" وتم التتويج، إلا أن ما بُنى على باطل لا يمكن أن يكون إلا باطلاً؛ ومصيره الزوال.

لتتجمع كل الحتميات التاريخية والسياسية والعسكرية والاقتصادية (إن توفرت هذه الأسماء)؛ إلا أن هناك حتمية غير معروفة لمن ذبح سورية، ولمن ساهم بالمساعدة والتغطية والتزوير؛ إنها الحتمية الإلهية.. تلك التي فِعْلُها من فِعْلِ الذي يمهل، ولا يهمل.

إذا كانت السلطة تنظر إلى الـ 23 مليون سوري أنهم من رعاياها، فهل وجود نصفهم خارج حدود سورية انتصار؟ هل خروج 70% من الأرض السورية عن سيادة الدولة، وفقدان سيطرتها على 90% من معابر الدولة انتصار؟ هل تعطيل 90%من الطاقة البشرية العلمية والاقتصادية والمعرفية السورية انتصار؟ هل السمعة التي تتمتع بها السلطة على أنها مصدر الإرهاب والمصدّر له مكسب أو انتصار؟ هل خسارة مليارات الدولارات، ودمار نصف البلد مكاسب؟ هل وجود ربع مليون سوري في أقبية السلطة مكسب؟ هل العيش على حساب دول لها مصالح معينة كروسيا وإيران انتصار للسلطة؟

إذا صح القول بأن النظام في سورية كان حامياً لإسرائيل في حدود فلسطين الشمالية، بحكم

"إذا كانت السلطة تنظر إلى الـ 23 مليون سوري أنهم من رعاياها، فهل وجود نصفهم خارج حدود سورية انتصار؟" محافظته على هدوء مع الكيان المحتل أربعة عقود؛ وإذا كان قد فقد القوة للحفاظ على تلك الحدود، فأي انتصار هذا الذي يجعله يفقد مهمة أو وظيفة حيوية، ساعدته في صموده في وجه سعي الشعب إلى إسقاطه؟ هل استغباء الجميع ومحاولة إقناعهم بأن النظام كان على عداوة مع تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وأنه ليس من المساهمين في صناعته انتصار؟ وإلى أي درجة ينطلي ذلك حتى على أنصار النظام؟ هل تحويل سورية إلى مقاطعات لأمراء الحروب انتصار؟

وهل يُنظر إلى العصابة الحاكمة في دمشق أكثر من إمارة من إمارات الحرب المتحكمة فوق الأرض السورية؟ أي انتصار هذا إذا كان انقطاع الدعم الإيراني أو الروسي عن العصابة 24 ساعة كفيل بهروبها كالفئران في كل اتجاه؟ أي انتصار هذا ومجموعة مقاتلة تقول بعظمة لسانها: لولا حزب الله لسقط النظام؟ أي انتصار ومن تبقى حول النظام بفعل الخوف، وانعدام سبل الخروج، يكسّرون ما تبقى من أثاث بيوتهم للحصول على شيء من الدفء؟ أي انتصار هذا الذي يترك 700 ألف ممن يحملون "هوية الجمهورية العربية السورية" مقعدين؟

اختار النظام نهايته بشعاره: "أحكمها أو أدمرها". أهل الداخل في أعماقهم يعرفون أن زواله ينهي ذريعة الإرهاب التي طالما تسلح بها ليذبح سورية وأهلها، عندما خرجوا عليه. هم يدركون، يوما بعد يوم، أنه أعجز من أن يؤمن لهم حياة آدمية؛ وكثيرون منهم تساوى عندهم الموت والحياة بالإهانة والذل؛ حتى من يُقال إنهم حاضنته ضاقوا ذرعاً باستمراره على حساب دم أولادهم وأخوتهم. أما من خرج من سورية فهو حتما الأخطر عليه؛ ولهذا يصفه بأوصافه.. هؤلاء لم يعودوا رهائن لديه كسوريي الداخل؛ وما من قوةٍ في الكون يمكنها نزع السورية عنهم. هؤلاء عائدون، وهو منهزم. إسرائيل لم تتمكن حتى الآن من إعلان انتصارها على الفلسطينيين، ولن تتمكّن، على الرغم من أن هؤلاء ليسوا من طينة العصابة المحتلة لبلدهم كما هو؛ فما باله بأن من يقاومهم هم من الطينة ذاتها، ولا موطن لهم إلا سورية.

===========================


ترمب يَهب الجولان لإسرائيل

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاربعاء 27/3/2019

أثارت أقوال الرئيس الأميركي ترمب حول الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، حملة استنكار واسعة على المستوى العالمي، شملت هيئات دولية في مقدمتها الأمم المتحدة، إضافة إلى كثير من الدول بينها دول كبرى، واستندت عمليات الاستنكار إلى مخالفة الرئيس ترمب وإدارته للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة والسياسة الدولية، والتي أكدت طوال أكثر من خمسة عقود على احتلال الجولان من قِبل إسرائيل، أنه لا يجوز الاستيلاء على أرض الغير بالقوة، وأن الجولان أرض سورية محتلة.

ولم تكن خطوة ترمب مفاجئة بالمعنى العام. إذا سبقتها خطوات ذات دلالة، وتنتمي إلى السياق نفسه، أبرزها قرار نقل السفارة الأميركية إلى القدس، وهو قرار تجنب رؤساء أميركا تنفيذه طوال أكثر من عقدين، رغم كل ما هو معروف عن محاباة الرؤساء الأميركيين لإسرائيل، وخرْق ترمب هذه القاعدة جعله قادراً على خرق قاعدة أخرى تتعلق بموضوع السيادة الإسرائيلية على الجولان.

لقد حلل البعض سلوك ترمب في موقفه نقل السفارة الأميركية إلى القدس أو في موضوع السيادة الإسرائيلية على الجولان بالقول إنه يستند إلى سلوك «مغامر» أو «أرعن» كما قال البعض، بينما قال آخرون إنه استند إلى عقلية التاجر وصاحب رأس المال، أكثر مما استند إلى موقف السياسي ورجل الدولة. ورغم أن في سلوك ترمب كل ما سبق وأشياء أخرى أبرزها فجاجة سلوكياته ومواقفه، فإن موقفه في الموضوعين يبدو محصلة طبيعية للبيئة المحيطة بهما، وقد تقادمتا إلى درجة كاد العالم أن ينساهما، خصوصاً أنه عجز طوال أكثر من خمسين عاماً عن إيجاد حل لهما، أو أنه لم يكن يسعى إلى توفير إرادة سياسية وعملية لحل سياسي يتصل بالصراع العربي - الإسرائيلي وبتفرعات فيه منها قضيتا القدس والجولان، واكتفى ببيانات استنكار وإدانة لا معنى لها كلما تعرضت القضيتان لخضّات أو أحاطت بهما هزّات سياسية ومخاوف أمنية.

إن الدافع الأهم لموقف ترمب في موضوع الجولان يتمثل في البيئة المحيطة، وفي هذا الجانب تمكن ملاحظة أن المبادرة تشكّل إضافة إلى خطوة مماثلة سبقتها وهي نقل السفارة إلى القدس، وأخرى ترافقت معها، وهي القضاء على آخر معقل لـ«داعش» في الباغوز شرق سوريا، وستشكل النقاط الثلاث، قوة تضاف إلى برنامج ترمب في حملة انتخابه لرئاسة ثانية التي ستبدأ العام القادم.

وثمة عامل آخر شجع ترمب على القيام بخطواته بصورة متتابعة وخصوصاً في موضوعي القدس والجولان لدعم ومساندة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، تعبيراً عن التمييز في العلاقات الأميركية - الإسرائيلية، التي يقول الأميركيون إنها في أحسن حالاتها على الإطلاق، خصوصاً أن نتنياهو يواجه تحديات داخلية صعبة سواء لجهة اتهامات بقضايا فساد أو اتهامات بالرشوة والتزوير وخيانة الثقة، إضافة إلى تصاعد المنافسة السياسية على السلطة عشية الانتخابات البرلمانية المبكرة في إسرائيل والمقررة في أبريل (نيسان) القادم، وقد أظهرت استطلاعات الرأي تراجع أسهم حزب الليكود الذي يتزعمه نتنياهو مقابل خصومه، ولا شك أن خطوات ترمب في بعض نتائجها الإسرائيلية، سوف تنعكس إيجاباً على مكانة نتنياهو وحزبه في الانتخابات المقبلة، خصوصاً بعد أن قرر ترمب توقيع مرسوم اعتراف الولايات المتحدة بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان بحضور نتنياهو شخصياً.

وإذا كانت العوامل الأميركية - الإسرائيلية ذات تأثير مهم في خطوات ترمب حول القدس والجولان، فإنه لا يمكن التقليل من أهمية العوامل الأخرى. ففي السياسة الدولية لا توجد سياسات جدية وحاسمة لهيئات بما فيها الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، وللدول بما فيها دول كبرى مثل الصين وبريطانيا وفرنسا وروسيا في مواجهة السياسة الأميركية. بل إن مثل هذه السياسات لم تظهر طوال ثماني سنوات في مواجهة نظام مثل نظام الأسد الذي يتابع قتل السوريين وتشريدهم وتدمير قدراتهم، وهو أمر يشجع الإدارة الأميركية على القيام بما ترغب فيه من خطوات، حتى لو كانت تخرق القانون الدولي، خصوصاً أنها تعرف أن حملة الاستنكار العالمية لن تتمخض عن أي نتيجة.

وبطبيعة الحال، فإن ردة فعل البلدان العربية والإسلامية ومنظماتها الدولية من الجامعة العربية إلى منظمة التعاون الإسلامي، التي تعد نفسها صاحبة العلاقة الأقرب بقضيتي القدس والجولان، لا تختلف كثيراً عن الموقف الدولي، خصوصاً في ضوء تردّيات الأوضاع الداخلية السياسية والاقتصادية والاجتماعية لغالبية الدول، وما تواجهه من تهديدات الصراعات الداخلية أو صراعاتها البينية، ولعل الصراع بين العرب وإيران مثال للأخيرة، بينما يمثل تدخل إيران في العديد من الدول العربية والإسلامية وإذكاء الصراعات العرقية - الطائفية مثالاً آخر.

ومما لا شك فيه أن واقع السلطة في البلدين العربيين المتصلين بقضيتي القدس والجولان، أعني السلطة الفلسطينية ونظام الأسد، شجع ترمب على مبادرته هنا وهناك، ففي الحالتين ثمة سلطة فاسدة ومتهالكة ومعادية للشعب، وغير معنية إلا من الناحية اللفظية بالمصلحة الوطنية وبمصلحة الشعب، وتحولت إلى حامية لإسرائيل بشهادات من داخلها، وليس بشهادات الإسرائيليين فقط.

===========================

الجولان بعد القدس.. الشعوب في مواجهة جنون الهيمنة والاستبداد

عمر إدلبي

حرية برس

الثلاثاء 26/3/2019

رغم موجة الاستنكار العالمية، فعلها ترامب وقدم ما لا يملكه هدية لمن لا يستحق، معيداً إلى الأذهان جريمة “وعد بلفور”، مع اختلاف يفترض أنه كبير وجوهري بين زمنين، وعصرين، الجديد منهما يصفه الحالمون بأنه عصر النظام العالمي الذي يحترم سيادة الدول ويصون حقوق الشعوب!

هدية ترامب الجديدة للصهاينة، بعد نقله سفارة بلاده إلى القدس المحتلة، كانت هضبة كاملة، ببشرها وشجرها وحجرها، حين وقع رئيس الدولة الأعظم في العالم أمس الاثنين 25 آذار/مارس 2019 مرسوماً يعترف فيه بسيادة الكيان المارق “إسرائيل” على الجولان السوري المحتل، بحضور رئيس وزراء العدو الإسرائيلي بنيامين نتانياهو وعدد من كبار مسؤولي الإدارة الأميركية، وما إن فرغ ترامب من توقيعه هذا القرار الإجرامي حتى قدم القلم الذي وقع فيه قراره هدية إلى نتنياهو، في دلالة لا أبلغ منها على سطوة الصهاينة على صانع القرار الأمريكي وقلمه الذي يعبث به بمصائر العالم، ومنها مصير الجولان، الأرض العزيزة على السوريين والعرب، التي احتلها الصهاينة بتهاون وتواطؤ لا ينساه السوريون من قبل وزير دفاع بلادهم حافظ الأسد خلال حرب حزيران، في العام 1967، حين خسر العرب في 6 أيام مساحة من أراضيهم أكبر من مساحة الكيان الصهيوني قبل تلك الحرب بعدة أضعاف.

خطوة ترامب التي تأتي مدفوعة بالدرجة الأولى بأسباب انتخابية أمريكية و “إسرائيلية” أيضاً، تحمل في طياتها مستويات عديدة من المضامين والمعاني والمخاطر، قد لا يحيط بها مقال محدود الأسطر، لكننا نحاول مقاربتها ما استطعنا.

فهي أولا دليل جديد على عنجهية وغرور ما فتئ صناع القرار في واشنطن يتعاملون بهما مع شعوب العالم المستضعفة، خدمة لمصالح الأمريكي أولاً، وحلفائه الصهاينة ثانياً.

وهذه الجريمة الأمريكية الجديدة تشكل دعامة إضافية لمشروع الصهاينة المتواصل في محاولة تصفية القضايا الناتجة عن اغتصابهم أرض فلسطين واحتلالهم أراض عربية في سوريا ولبنان، وتشريدهم الملايين من سكان هذه البلاد الأصليين كلاجئين ونازحين، وحرمانهم من حق العودة الذي أقرته قرارات أممية كثيرة، ووقف الاستيطان الذي يقوض أي فرصة للسلام المزعوم.

وتؤكد هذه الخطوة الإجرامية أن تهافت الأنظمة العربية على التطبيع المجاني مع الصهاينة، منح ترامب جرأة إضافية لتعزيز المكاسب الإسرائيلية دون أي مقابل أو “تنازلات” في أي ملف من ملفات التسوية، التي كذب القادة العرب على شعوبهم بإمكانية تحقيق اختراق فيها مقابل تهافتهم المروع على تقديم الطاعة والخضوع للراعي الأمريكي، إلى جانب أموال نهبها هؤلاء القادة من تعب وكد وثروات شعوبهم.

جرأة ترامب الوقحة هذه أتت دون شك من ضعف مواقف القادة العرب، ويقينه التام بأنهم وكل قادة العالم مجرد ظواهر صوتية في أحسن حالات شجاعتهم، فلا أثمان ولا خسارات ولا تحديات سيواجهها إن فعل، خاصة أنه اختبر وضاعة الحكام العرب وضعف ردود أفعال العالم على قراره قبل عام بنقل سفارة بلاده إلى القدس المحتلة، وقد عبر ترامب عن ذلك بوضوح في حديثه لقناة “فوكس بيزنس”، قبل أيام مؤكداً أنه فكر في القيام بالاعتراف بسيادة “إسرائيل” على الجولان السوري المحتل منذ فترة طويلة، وأن هذا القرار كان صعباً بالنسبة لكل الرؤساء الأمريكيين الذين سبقوه، مضيفاً: “هذا يشبه مسألة القدس وأنا قمت بذلك”.

ولم يخطئ ترامب التقدير، فبعض القادة العرب لم يجدوا أدنى حرج ولم يلجأوا حتى للكذب على شعوبهم، لتبرير مجالسة وملاطفة نتنياهو في مؤتمر وارسو للشرق الأوسط الشهر الماضي بدعوة من واشنطن، ومناقشته بما أسموه “قضايا مشتركة” لا تشمل بالطبع قضية فلسطين، وكل ذلك حصل بعد قرار ترامب بنقل سفارة واشنطن إلى القدس المحتلة!

وإضافة إلى كل ما سبق، يكرس هذا القرار الجائر الوقح سطوة القوة والهيمنة بالعنف على تاريخ وحاضر ومستقبل هذه المنطقة، ويعزز دعوات التوسل بالعنف باعتباره الوسيلة الوحيدة الباقية أمام الشعوب المظلومة لانتزاع حقوقها، وفرض قرارها بالاستقرار الآمن في بلادها، في ظل ازدراء القوى الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة وعدم احترامها للقانون الدولي وحق الشعوب في تقرير مصيرها ورفض احتلال أراضيها بالقوة، وما ينطوي على ذلك من مخاطر تشجيع دول مارقة أخرى على تجاوز النظام الدولي وتصعيد موجة حروب واحتلال وضمّ أراض بالقوة ونهب موارد شعوبها.

ترامب المجنون المتهور فعلها، وربما سيحظى بمزيد من الوقت والظروف المناسبة لفعل ما هو أكثر وقاحة وإيذاء لشعوبنا المقهورة وأحلامها بأوطان مستقلة حرة، وليس غريباً ولا مفاجئاً ما فعله لصالح الصهاينة في مسألتي القدس والجولان؛ فهو يحقق لنفسه مكاسب قبل كل شيء، وهو إلى جانب حمقه وغروره باعتبار أنه يعي كونه حاكم الدولة الأقوى عالمياً؛ يخدم مصالح قوى ساهمت في تمكينه من الوصول إلى البيت الأبيض؛ الأسود بتاريخه ومواقفه المنحازة أبداً إلى الصهاينة، إنه يخدم نفسه وحلفاءه دون أدنى خشية من خسارات أو مواجهات؛ خاصة في هذا الوقت الذي يتساقط فيه معظم حكام المنطقة عند أقدامه حفاظاً على عروشهم الغارقة بدم شعوبهم.

الغريب والمدان والمحتقر هو مواقف بعض السوريين والعرب الذين لا يشعرون بأي حرج من المجاهرة بمواقف التخلي عن القدس والجولان لترامب وبالتالي للصهاينة؛ دون أي هدف ولا منفعة مهما كانت ضئيلة أو محتقرة!

فلسطين لن تكون إلا عربية، والجولان سوري، ولا ينتقص من هويته مراسيم الحماقة والتهور الأمريكية، ولا غرق النظام السوري بدم شعبه وتوجيه مدافع جيشه إلى صدور مواطنيه بدل الدفاع عن الجولان، ولا وضاعة حكام المنطقة وتخاذلهم في الدفاع عن قضايا شعوبهم.. لكن أي عار وذل يغرق فيهما هؤلاء ويدخلهم تاريخ الهوان من أقذر أبوابه؟!

وأي تحديات تنتظر السوريين والفلسطينيين وكل شعوب المنطقة والعالم في مواجهة جنون قوى الهيمنة والاستبداد؟

===========================

الأسد الأب تخلى عن الجولان.. والابن عن سوريا كلها

يوسف بزي

سوريا تي في

الاثنين 25/3/2019

منذ التسعينات، أي عندما بدأ العالم يتعرّف على الإرهاب الذي تتبناه الحركات الإسلامية المتطرفة، ويتشابك النضال الفلسطيني معه، باتت قضية القدس والحق الفلسطيني بها موضع تساؤل وريبة في نظر العالم. فحمل الخمينية لراية القدس، وحمل تنظيم القاعدة وأخواته للراية نفسها، ونشوء حركات فلسطينية من النمط ذاته، تتبنى خطاباً من نوع "إزالة إسرائيل من الوجود"، بالإضافة إلى استحضار الحروب الصليبية وما شابه.. أفقد القضية الفلسطينية طابعها القومي – الوطني لصالح الطابع الديني، الذي لا يقبل بأقل من "القيامة" حلاً لمشاكل البشرية. وهذا لن يجد له تعاطفاً ولا تأييداً من أي جهة في الأرض.

قبل ذلك، وفي خطيئة مشابهة لتأييد مفتي فلسطين أمين الحسيني للنازية، تضامن الفلسطينيون مع أسوأ الرموز السياسية من أمثال معمر القذافي وصدام حسين.. ما أفقدهم أيضاً تفوقاً أخلاقياً تمنحهم إياه قضيتهم الوطنية المحقة. وفي أثناء "أوسلو"، قبله وبعده، نفذت تنظيمات فلسطينية سلسلة تفجيرات انتحارية في باصات وشوارع ومطاعم وساحات داخل إسرائيل.. نظر إليها العالم على أنها متصلة، مصدراً وغاية، بما يصيبه من إرهاب في مدنه. فاقترنت القضية الفلسطينية بأسوأ ما يصيب العالم، على الرغم من كونها واحدة من أنبل القضايا، كونها آخر قضية استعمار ظالم.

استغلت إسرائيل كل هذا، لترويج روايتها، بوصفها القلعة المتقدمة للدفاع عن "العالم المتمدن". رواية تقول إن الفلسطينيين غير جديرين لا بتسليمهم القدس ولا بمنحهم دولة وحدوداً متاخمة لإسرائيل. وما ساعد السردية الإسرائيلية، أن الفلسطينيين أنفسهم، وحتى قبل اكتمال دولتهم الموعودة انخرطوا في "حرب أهلية" في غزة والضفة الغربية. فظهر الفلسطينيون وكأن هويتهم الوطنية غير مكتملة، أو أنهم شعب لم يكتب بعد عقده الاجتماعي – السياسي.

الأسوأ من ذلك، أن العرب الذين يتبنون القضية الفلسطينية، قدموا للعالم أمثلة لا يمكن معها

عندما جاء قرار ترمب بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، لم يواجه فعلياً أي متاعب. تماماً كما حدث عندما انقض أرييل شارون على اتفاق أوسلو وعلى مجمل "عملية السلام"

الانحياز إلى حقوقهم. فما بين الفشل التاريخي في بناء الدولة الوطنية، والديكتاتورية المتوحشة، والحروب الأهلية بطابعها الطائفي والمذهبي، تضاف إليها ممانعة راسخة للقيم المشتركة والمعولمة، وغياب أي نموذج سياسي وكياني يكفل حلاً للأقليات الإثنية والدينية، جعل من الصعب الركون لطروحاتهم في حل المسألتين اليهودية والفلسطينية.

على هذا، عندما جاء قرار ترمب بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، لم يواجه فعلياً أي متاعب. تماماً كما حدث عندما انقض أرييل شارون على اتفاق أوسلو وعلى مجمل "عملية السلام"، بعد الانتفاضة الفلسطينية المسلحة وسلسلة الهجمات العنيفة داخل أراضي 1948، ومن ثم مباشرته ببناء جدار الفصل العنصري الشهير.

الاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة لإسرائيل، يرتكز على قناعة انعدام الأهلية العربية والفلسطينية، كما يستند إلى انتهاز بؤس الصورة العربية في العالم، التي يمكن إيجازها في مشهد "تنظيم الدولة الإسلامية" و"الدولة الأسدية"، وما يزين هذا المشهد من دويلات شبيهة، وحروب عدمية على كامل خريطتنا العربية، على نمط "الحوثيين" وشعارهم "الجذاب": "الموت لإسرائيل، الموت لأميركا، اللعنة على اليهود والنصر للإسلام". وأين؟ في معمعة بؤس قتال قبائل وعشائر وطوائف وعصبيات ثأرية، لا غور لها.

وبعد القدس، يأتي الآن دور الجولان المحتل. فقرار دونالد ترمب بالاعتراف بالسيادة الإسرائيلية عليه، لن يواجه عملياً سوى برفض لفظي على سوية رفع العتب. فالدولة السورية في عهد حافظ الأسد هي التي تخلت عملياً وبتعمد عن الجولان. كان الأسد الأب يعرف بيقين تام، أن العرض الوحيد المنطقي الذي يستطيع الإسرائيليون (والأميركيون، والعالم) تقديمه من أجل إبرام السلام، هو الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الجولان إلى "الحدود الدولية"، أي الحدود المثبتة في وثائق الأمم المتحدة. إصرار الأسد على أن يكون ذاك الانسحاب إلى خط وقف إطلاق النار قبل حزيران 1967، وهو خط عسكري وليس "حدوداً"، عنى أمراً واحداً: رفض استعادة الجولان. لأن الأسد الأب كان يدرك أن ثمن الجولان هو سلام ينهي "شرعية" نظامه القائمة على الحرب، وضمناً، ينهي شرعية احتلاله للبنان آنذاك.

إن مثال "لواء اسكندرون" هو أفضل دليل على الصفقة التي كان يريدها

أوغل بشار الأسد بالمعادلة التي أرساها الأب: أي ثمن مقابل بقاء النظام. ولا ننسى أنه في بداية الثورة، خاطب أركان النظام إسرائيل برسالة بالغة الوضوح: بقاء النظام ضمانة لأمن دولتكم

حافظ الأسد. لقد تخلى عن إسكندرون (مساحة 4800 كلم مربع، أكبر من الجولان بأربع مرات) باتفاق مع الدولة التركية لعدم تهديد نظامه، إضافة إلى تكفّله السيطرة على الأكراد. كان الأسد الأب يريد من الأميركيين والإسرائيليين أموراً كثيرة مقابل الجولان، وطالما أنهم رفضوا منحه إياها، فقد رفض الصفقة الخاسرة بالنسبة له: الجولان مقابل السلام.

سهولة تثبيت ضم الجولان إلى السيادة الإسرائيلية، متأتية الآن من أن لا وجود لسوريا (عطفاً على مقالتنا الأخيرة)، فقد أوغل بشار الأسد بالمعادلة التي أرساها الأب: أي ثمن مقابل بقاء النظام. ولا ننسى أنه في بداية الثورة، خاطب أركان النظام إسرائيل برسالة بالغة الوضوح: بقاء النظام ضمانة لأمن دولتكم. ولا ننسى أيضاً في بدايات الثورة، تلك المسيرات التي دبرها النظام نحو حدود الجولان، بما يعني أنه إذ يستشعر خطر سقوطه، فهو مستعد لتصدير أزمته إلى الحدود مع إسرائيل.. وهي اللعبة ذاتها التي يمارسها الآن بالشراكة مع إيران في جنوب سوريا.

السوريون أنفسهم، ورغم بقاء إسكندرون والجولان، بل وفلسطين، لها في وجدانهم الوطني والقومي، يشعرون أنهم خسروا بلدهم كله أصلاً، وربما يشعرون أن أهل الجولان كما أهل إسكندرون أوفر حظاً منهم، كناجين من المذبحة. فبشار الأسد، صوناً لبقائه منح سوريا كلها لروسيا وإيران وأميركا و"داعش"، واستباح دم شعبه بتوحش. فلا أرض محررة ولا شعب حر الآن في سوريا. يكفي القول إن عشرة ملايين سوري هم نازحون، كما لو أنهم ضحايا احتلال كامل الأوصاف. 

قضية الجولان وقضية القدس، والقضية الفلسطينية والقضايا العربية المحقة والعادلة، تبنتها حركات وأنظمة ودعاوى هي في منطلقاتها ومآلاتها ليست سوى مشاريع طغيان وإرهاب وحروب أهلية وعداوة للعالم ولما هو حق وعدل، ما جعل تلك القضايا خاسرة، بل وسبباً لمظالم حلت بشعوبنا وكوارث أطاحت بمجتمعاتنا إلى حد توهم الخلاص بالاحتلال الأجنبي، على نحو تلك اليافطة الشهيرة التي رفعها أهل بلدة سورية طلباً للخلاص من البراميل المتفجرة: "نريد غزواً فضائياً..".

===========================

الجولان سوريا؛ وسوريا الجولان

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 25/3/2019

لا أحد ينكر العلاقة الخاصة بين إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية؛ كما أن ذاكرتنا حيّة جداً لتستحضر بسهولة المرات العديدة التي عطّلت فيها أميركا القرارات الدولية التي تنصف الفلسطينيين، وتوقف توتر الشرق الأوسط على يد الإجرام الإسرائيلي؛ ولا أحد ينكر قوة اللوبي الإسرائيلي في أميركا، وضرورة تقديم كل مَن يطلب منصباً في أميركا أوراق اعتماده بداية لهذا اللوبي، كي يحظى بالدعم اللازم، ليفوز بذلك المنصب؛ وغير منكور استخدام أميركا لإسرائيل كرأس حربة، وكشرطي للمنطقة تعبث كما تشاء بحماية أميركية كاملة.

ولكن أن تصل الأمور برئيس أميركي أن/ يهب ما لا يملك لمن لا يستحق/، فهذا لم يحدث بعد. الجولان السوري ليس ملكاً لأميركا، ولا هو أحد الملكيات الخاصة للسيد ترمب، كي يهبه للكيان الإسرائيلي. العالم كله يعرف أن الجولان جزء لا يتجزأ من سوريا احتلته إسرائيل بعدوانها عام 1967؛ وأن أميركا ذاتها وقعت على القرار 242 الذي لا يجيز الاستيلاء على أراضي الآخرين بالقوة؛ وأنه إثر تمرير إسرائيل تشريع في "الكنيست" عام 1981 لضم الجولان، أصدر مجلس الأمن قراراً يعد الإجراء الإسرائيلي باطلاً وغير معترف به (null and void)

ملفت استخدام السيد ترمب العدد 52 سنة؛ وكأن أميركا بشكل خاطئ صبرت كل هذا

تقديم أوراق اعتماد السيد ترمب لولاية جديدة لا يكون عن طريق وهب أراضي الآخرين لإسرائيل، ولا عن طريق دعس القانون الدولي

الوقت دون أن تقوم بهذا الإجراء "النبيل"، ألا وهو إقرار "سيادة إسرائيل على الجولان". ربما لولا بعض الحياء لقال السيد ترمب؛ "كم كان أسلافه مقصرين بحق إسرائيل".

من جانبنا نعتقد أن تقديم أوراق اعتماد السيد ترمب لولاية جديدة لا يكون عن طريق وهب أراضي الآخرين لإسرائيل، ولا عن طريق دعس القانون الدولي/ رغم معرفتنا كم هو رخيص هذا القانون بأعين الاستبداد العالمي/؛ ولا تكون ولاية ثانية بمزيد من الحرائق والتوترات في منطقة لا ينقصها حرائق وعداوات.

نحن ندرك أيضاً حجم الانتهازية في خطوة أو موقف كهذا، وسوريا بهذا الحال الذي لا تجهله أميركا ذاتها؛ فهي تصرّح وتعرف أن هذا النظام الأسدي قد عرّض بلاده إلى هذه الحالة من الاستباحة والتدمير والتبعثر؛ وأميركا ذاتها تصرح بحرصها على وحدة الأراضي السورية. ومن هنا، هل يريدنا السيد ترمب أن نصدّق الروس عندما يقولون بأن أميركا تسعى إلى تقسيم سوريا؟ وهل إطلاق هذا التصريح بخصوص الجولان جزءٌ من استراتيجية التقسيم التي يتحدث عنها الروس؟!

من جانب آخر، إذا كان السيد ترمب يقدم أوراق اعتماده للوبي الإسرائيلي في أميركا كي يضمن ولاية رئاسية ثانية، عبر تقديمه هدية ملكاً لدولة أخرى، فهو واهم؛ فالإسرائيليون أنفسهم يعرفون أن ذلك ليس من حق ترمب، ولا من حق أية جهة أخرى. هذا ليس إلا اعتداءً صارخاً على حقوق الشعوب وعلى القانون؛ وهو الوصفة الأنجع لحرب دائمة. من جانب آخر، إذا كان السيد ترمب يريد أن يثبت تبجحات نظام الاسد بالمقاومة والممانعة ومحاربة المؤامرة الصهيو-أميركية، فهذا لم يعد ينطلي على أحد. بات العالم يعرف أنه لولا إسرائيل بالذات، لما استمر هذا النظام أيام. ما يحدث يؤكد بالدليل القاطع أن أميركا هي من سمح لميليشيات إيران وحزب الله ومن بعدهم القوات الروسية التدخل لحماية منظومة الاستبداد الأسدية من شعب سوريا.

من جانب آخر، هل كان إذاً هدف استخدام السيد ترمب عبارات كــ (حيوان ومجرم وسفاح) لتوصيف رأس النظام في سوريا من أجل نسف أهليته في إدارة البلاد للتهيئة لسلخ قطعة من سوريا وضمها لإسرائيل؟ ماذا لو قال بوتين إن ترمب ليس مؤهلاً لقيادة أميركا، وإن ولاية ميتشغان يجب أن تكون تحت السيادة الكندية؟! أليس هناك شعب في تلك الولاية؟ ألا تعود سيادتها لأهلها أم للسيد ترمب فاقد الأهلية كما يقول بوتين افتراضياً؟!

ليعرف السيد ترمب أنه إذا كان شعب سوريا الآن في حالة يرثى لها على يد نظام مجرم، ويد الإرهاب، ويد إيران وروسيا، وأيضاً على

المستهجن في تصريح السيد ترمب كان عبارة (استقرار) والتي يرى أنه سيحل، إن هو شرعن وضع اليد الإسرائيلية على الجولان

يد الانتهازية الأميركية الإسرائيلية؛ فإن دوام الحال من المحال. هذا الشعب سيزداد سخطه على إسرائيل وعداؤه لأنه يعرف ويتأكد الآن أكثر من أي وقت مضى بأنها أساس دائه وبلائه وحامية نظامه المستبد؛ وسيزداد هذا الشعب تصميماً على استرداد حقه منها بالذات طال الزمان أو قصر.

المستهجن في تصريح السيد ترمب كان عبارة (استقرار) والتي يرى أنه سيحل، إن هو شرعن وضع اليد الإسرائيلية على الجولان؛ وهنا لا بد من سؤال السيد ترمب عن الاستقرار الذي جلبته إسرائيل أساساً إلى المنطقة؛ أليست الأساس في لا استقرار المنطقة الدائم؛ وخاصة بدعمها ورعايتها وحفاظها على نظام مستبد في سوريا سعى من أجل بقائه في السلطة إلى استدعاء كل استباحة احتلالية وإرهابية؟

تهدأ المنطقة وتستقر، وتكون آمنة ومزدهرة فقط بالخلاص من الاستبداد، ولجم طموحات مستعمر استيطاني كنتنياهو؛ وفِي الوقت ذاته بوقف تغريدات انتهازية كتلك التي أطلقها السيد ترمب لأغراض انتخابية رخيصة أو لأزمة داخلية يمر بها حالياً، ودعم لصديقه نتنياهو المطلوب بقضايا فساد مثله.

أخيرا إذا كان مَن فرّط بالجولان ارتكب خيانة وطنية؛ فمن يفكر بوهبها يرتكب خيانة أخلاقية وإنسانية وقانونية، ويعرّض منطقتنا إلى حروب لانهاية لها. الجولان ليس أرضاً يباباً وصخوراً وجغرافيا؛ الجولان إنسان وروح وحق سوري أبدي. الجولان سوريا، وسوريا الجولان.

===========================

في المعاني المحتملة لتغريدة ترمب بشأن الجولان

بكر صدقي

سوريا تي في

الاثنين 25/3/2019

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في تغريدة جديدة إنه "آن الأوان" للاعتراف بالسيادة الإسرائيلية الكاملة على الجولان. لا يحتاج الأمر تأويلات من أي نوع، فكما اكتسبت أسرلة القدس شرعية أميركية قبل أشهر، سيكتسب ضم الجولان السوري إلى إسرائيل شرعية مماثلة على يد الرئيس الأكثر إثارة للجدل في تاريخ الولايات المتحدة. التغريدة واضحة وصريحة. ما أريد التوقف عند تفسيره هو تعبير "آن الأوان" أو بصيغته المبتذلة المعروفة: "لماذا الآن؟".

لا نستبعد أن يكون الجواب بسيطاً بقدر سطحية شخصية قائلها، كأن يعني بذلك أن وجوده في البيت الأبيض هو الفرصة المناسبة التي طال انتظار الإسرائيليين لها للقيام بهذه الخطوة، بعدما أحجم كل الرؤساء السابقين عنها، تماماً كإحجامهم المديد عن نقل السفارة الأميركية إلى القدس. أو أن يكون المقصود هو بداية العد التنازلي نحو العام الانتخابي في الولايات المتحدة، وما يعنيه ذلك من حاجة ترمب لأصوات اليهود في الانتخابات الرئاسية القادمة.

ولكن لا بأس من محاولة ربط التوقيت بـ "اللحظة السورية" الراهنة، سواء قصدها ترمب أو لم يقصدها. ذلك أن قرارات من هذا النوع لا يمكن عزلها عن التطورات السورية المشؤومة.

تقول لنا اللحظة السورية الراهنة إن العام الحالي، 2019، وربما العام القادم كامتداد للحالي، يحتمل أن يشهدا تطورات كبيرة بشأن تقرير مصير "سوريا الأسد" ومستقبل الكيان السوري بصورة عامة. فمن الواضح أن التسوية وفقاً للرؤية الروسية دخلت في طريق مسدود، مؤشر ذلك غياب موضوع "الحل السياسي" من التداول في الآونة الأخيرة، لمصلحة السجالات والتكهنات بشأن

هناك خمس دول لديها وجود عسكري أو أنشطة عسكرية على الأراضي السورية، هي بالترتيب من حيث الأهمية: روسيا وإيران وتركيا وإسرائيل والولايات المتحدة

الانسحاب الأميركي من شرق الفرات وما قد يستتبعه من تداعيات أو تداعيات معاكسة إذا تراجع الأميركيون عن قرار الانسحاب كما يمكن الاستنتاج من تصريح جيمس جيفري الأخير بهذا الخصوص.

هناك خمس دول لديها وجود عسكري أو أنشطة عسكرية على الأراضي السورية، هي بالترتيب من حيث الأهمية: روسيا وإيران وتركيا وإسرائيل والولايات المتحدة، إضافة إلى قوات رمزية تحت المظلة الأميركية لكل من فرنسا وبريطانيا. تأخر الحضور الأميركي في هذا الترتيب يعود إلى غموض أو تذبذب القرارات الأميركية، مما يمكن أن يشير إلى غياب استراتيجية واضحة متفق عليها بين البيت الأبيض والبنتاغون والخارجية ووكالة المخابرات المركزية. مع ذلك هو حضور مربك لروسيا وتركيا يمنعهما من التقدم بثبات لتحقيق أهدافهما، مقابل تشجيعه لإسرائيل على مواصلة حربها بالمفرق على الوجود الإيراني في سوريا.

إضافة إلى موضوع ملء الفراغ الذي سيحدثه انسحاب أميركي محتمل، أو ما قد يترتب على بقاء القوات الأميركية أو قسم منها، هناك موضوع إدلب الموجود على رأس سلم أولويات التحالف الأسدي – الروسي – الإيراني، في حين تريد تركيا الحفاظ على الوضع القائم في تلك المنطقة كما هو لأطول فترة ممكنة قبل اضطرارها للتخلي عنها. وتشير كل المعطيات إلى أن تركيا لن تنال ما تصبو إليه من موافقة على اجتياح شرق الفرات، مقابل تخليها المحتمل عن إدلب، سواء انسحبت القوات الأميركية أو استمرت في البقاء. عفرين ومنبج مؤهلتان أكثر لبقاء الأولى وإضافة الثانية إلى مناطق النفوذ التركي. يمكن للروسي أن يقدم عفرين جائزة ترضية لتركيا مقابل تطبيع العلاقات بين أنقرة ودمشق، كما يمكن للأميركي أن يقدم لها منبج جائزة ترضية مقابل غض نظرها عن بقاء مناطق الإدارة الذاتية شرقي الفرات في يد "قوات سوريا الديموقراطية" و/أو تخليها عن شراء صواريخ s400 الروسية. فإضافة إلى اقتراح بوتين العودة إلى اتفاق أضنة، وموافقة أنقرة المبدئية على ذلك، يجري العمل حالياً على إعادة فتح خط غازي عنتاب – حلب التجاري. ومن جهة أخرى تضغط روسيا على تركيا من أجل الوفاء بالتزاماتها بشأن فتح الخطين الحيويين: حلب – دمشق، وحلب – اللاذقية. في حين يعلن الأميركيون بتواتر عن عدم تخليهم عن "قسد"، ويخصصون ملايين الدولارات لدعمها في ميزانية البنتاغون للعام القادم، على الرغم من الإعلان رسمياً عن القضاء على آخر معاقل داعش في الباغوز.

في هذه المعمعة من الصفقات المحتملة على جثة "سوريا الأسد" يكون قد "آن الأوان" فعلاً لتحديد الحصة الإسرائيلية من الكعكة. فلا يعقل أن يحصل الجميع على نصيبهم من الوليمة ويبقى الإسرائيلي المتعطش دائماً إلى مزيد من الأراضي بلا حصة، وخاصةً إذا نظرنا إلى سجلها "الغني" في تقديم خدماتها بسخاء إلى كل من الطغمة الأسدية وإدارة ترمب. فبعدما اقترحت على إدارة أوباما صفقة الكيماوي الشهيرة، فمدت بذلك في عمر النظام، ها هي تحارب إيران في سوريا بالنيابة عن الأميركيين. ولابد أن تنال شيئاً مقابل خدماتها، قد لا يقتصر على اعتراف أميركي بضمها للجولان. تقول أحدث الأخبار، مثلاً، إن الميليشيات الإيرانية

إسرائيل وتركيا لديهما، إذن، مطالب محددة في جثة "سوريا الأسد" لا يستبعد أن تنالاها إذا تحقق التوافق الدولي بشأن إنهاء "المشكلة السورية" بطريقة ما

غادرت مطار دمشق. ولن نفاجأ إذا طالبت إسرائيل، على طاولة "الحل النهائي"، بمنطقة منزوعة السلاح تمتد حتى أطراف العاصمة دمشق. وبالنسبة لبشار فلا مشكلة لديه في ذلك ما دام يستطيع الإمساك بالميكروفون في دمشق.

إسرائيل وتركيا لديهما، إذن، مطالب محددة في جثة "سوريا الأسد" لا يستبعد أن تنالاها إذا تحقق التوافق الدولي بشأن إنهاء "المشكلة السورية" بطريقة ما. أما إيران المطلوب خروجها أميركياً وإسرائيلياً، ولا تجد سنداً موثوقاً في روسيا، فقد تضطر للاكتفاء بمناطق حدودية في القلمون يحتلها حزب الله، إضافة إلى استثماراتها العقارية في دمشق وأنحاء مختلفة في سوريا. أما الولايات المتحدة فهي قد تحصل لحلفائها الميدانيين (قسد) على وضع دستوري خاص في المناطق الواقعة شرقي نهر الفرات.

إنما بهذا المعنى من تقاسم جثة "سوريا الأسد" يمكن تأويل توقيت تغريدة ترمب وسبب عبارته "آن الأوان". فهل يشهد العام الحالي فعلاً هذه النهاية اللائقة بالمجرم التافه الذي يحتل قصر المهاجرين؟ هل يشهد العام الحالي التوافق الدولي على تقرير مصير سوريا؟ وهل تكون تغريدة ترمب، في هذا الإطار، هي النهاية البائسة لقصة الجولان مع عائلة الأسد، تلك القصة التي بدأها وزير الدفاع حافظ الأسد في العام 1967 بالانسحاب المفاجئ أمام الجيش الإسرائيلي، مخلياً له الساحة ليتقدم؟

===========================

موقفنا : الجولان يوحدنا .. ضد مغتصبيه والمفرطين به وخاذليه

زهير سالم

25 / 3 / 2019

مركز الشرق العربي

وأسقطت ثورات الربيع العربي لعبة " الذين يحبون الوطن يصطفون ورائي " . فلم يعد يروج لهذه اللعبة إلا لاعبوها والمستفيدون منها على السواء .

ويعتقد كل السوريين العقلاء الأحرار أنه لو دافع حافظ ومن بعده بشار الأسد عن الجولان كما دافعوا عن كرسي سلطتهم لكانت الجولان ، بل كل فلسطين قد تحررت وعادت إلى أهليها منذ عقود ..يشكل إعلان ترامب شرعنة احتلال الجولان جسر عبور متعدد الاتجاهات لإعادة التموضع بطرائق ترضي الغرور....

صاروخ نزل على بعض ضواحي تل أبيب جعل نتنياهو يقطع زيارته فيما قالوا إلى واشنطن - على أهمية الزيارة - ويعود ..

أي رد فعل حقيقي على إعلان ترامب كان عند بشار الأسد أو عند قادة فيلق القدس الجعفري والسليماني ولفيفهم المزاودين ..

النصرة للجولان على أرض الجولان تكون ..وما عدا ذلك من أحاديث الخرافة التي أدمنتها أم عمرو على مر العقود

ولكن إعلان ترامب شرعنة الاحتلال الصهيوني للجولان المحتل لم يعن للمفرطين بالجولان والمتخاذلين عن نصرته غير المزيد من التوظيف ..؟!

إن السؤال الأكثر وجاهة المطروح على المتداعين لنصرة الجولان أيهما أولى بالنصرة أو بالانتصار ، والانتصار في لغة العرب يفيد دفع الظلم عن النفس وعن المظلوم ؛ أيهما أولى الانتصار للأرض التراب أو الانتصار للإنسان الذي يعمر الأرض ويحميها ويعزها ويفديها ..

الجولان جرحنا القديم الغائر الذي ما يزال يضنينا ودير الزور وحلب وإدلب وحماة وحمص والقلمون وغوطة دمشق وحواضر حوران جرحنا النازف الثاعب حقائق لا يتغافل عنها إلا الذين يمترون أو يمارون ..

نعم الجولان يجمعنا ، يجمعنا ضد مغتصبيه ويجمعنا ضد المفرطين به وخاذليه ..وسيعلم الذين ظلموا والذين نكثوا والذين انقلبوا أو سينقلبون أي منقلب ينقلبون .

______________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

خطة الوجود الأميركي في سورية

فاطمة ياسين

العربي الجديد

الاحد 24/3/2019

أحدثَ تصريح الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في ديسمبر/ كانون الأول الفائت، عن نيته سحب قوات بلاده من سورية خلال ثلاثين يوماً، ارتباكاً جماعياً نجم عنه استقالة وزير الدفاع الأميركي، جيمس ماتيس، ونشاط دبلوماسي مكثف، من وزير الخارجية مايك بومبيو، ومستشار الأمن القومي، جون بولتون، قبل أن يعود ترامب، ويخفف النبرة، حين قال إن الانسحاب سيجري بوتائر أبطأ، ثم حسم الأمر بتأكيد أن مجموعة صغيرة من الجنود الأميركان سيبقون في الشمال السوري، ومجموعة أخرى ستبقى في المحمية الصحراوية على الحدود السورية الأردنية العراقية في منطقة التنف.

أيقن ترامب أنه هَزَم تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وقوّض الكيان الذي بناه هذا التنظيم، وحوّله إلى شراذم مهزومة، أو معتقلة، وبالتالي لا مسوغ لبقاء جيشه في المنطقة. وبعد إعلان ترامب إتمام المهمة، لم يعد ثمّة مبرّر قانوني لاستمرار وجود الأميركيين في الميدان السوري، خصوصا وأن معظم الأميركيين الموجودين هم من جنود الاستطلاع والتدريب، وما تحتاج إليه المناطق التي أخليت من عناصر "داعش" هو إعادة الإعمار والإدارة. وهذا ما لا تمتلكه القوات الموجودة حتى الآن. ولكن لدى ترامب هدف آخر أكثر أهميةً بالنسبة له، هو مواجهة إيران. والتكتيك هنا يختلف بالطبع عن مهمة قتال "داعش"، فهنا من غير المتوقع استعمال القوات العسكرية المباشرة والجيش والأساطيل لاقتحام مناطق سيطرة النظام السوري وحلفائه، ولكن يمكن أن تستخدم هذه الجيوش لمنع إيران من التقدّم إلى مناطق المعارضة.

بعد أن انتشرت الهيمنة الإيرانية في مناطق النظام بشكل متفاوتٍ، بين مدينة وأخرى، تبقى مناطق شرقي الفرات والشمال السوري في إدلب خاليةً من ذاك النفوذ، ووضعت أميركا وحلفاؤها هناك وجودا راسخاً لهم، إضافة إلى نقطة حدودية أقيمت أصلاً لتدريب قوات المعارضة، وتقديم المشورة لهم والسلاح أيضاً، تحوّلت تدريجياً إلى منطقة مراقبة للحدود، لمنع التحرّك الحر لإيران عبر الحدود العراقية والدخول إلى سورية ولبنان، وتؤمن هذه المنطقة التي تشكل دائرة نصف قطرها حوالي خمسين كيلومترا مجالاً حيوياً لمراقبة كل ما يجري على الحدود، وهو ما تعوّل عليه أميركا في سياسة المراقبة التي تريدها.

التنف بلدة صحراوية قاحلة، كانت الحكومة السورية تقيم فيها مركز أرصاد مناخية. وكانت هذه المحطة تسجل أقل معدل هطول مطري في القطر السوري كله، بما لا يتجاوز 50 ملمتراً في العام. أما القاعدة العسكرية الأميركية في التنف فتقع على بعد 25 كيلومتراً من نقطة الحدود المشتركة بين العراق والأردن وسورية، وتقطع طريقاً يصل الريف الدمشقي بالعراق عبر الضمير، وتبعد عن نقطة دخول الفرات في الأراضي العراقية حوالي 230 كيلومتراً، مع عدم وجود طرق نظامية في هذه المسافة، ويمتد ذراعٌ أمني طوله 50 كيلومتراً من هذه القاعدة، ليعزل مساحة تقدر بـ 2400 كيلومتر مربع، قرّرت الولايات المتحدة أن تحتفظ بهذه المساحة، وفيها بعض مقاتلي المعارضة الذين تقوم هذه القوات بتدريبهم والإشراف عليهم.

وبعد أن انتهت العمليات رسميا ضد تنظيم الدولة الإسلامية سيكون عمل القاعدة موجهاً للسيطرة التامة على الحدود السورية العراقية، وسيتم منع أي قوافل أو شحنات تشتبه القوات الأميركية باحتوائها على ما ينفع إيران أو سياساتها في سورية. وقد جرت بالفعل سابقاً احتكاكاتٌ عسكرية دامية بين أميركا ومن يمثل إيران في هذه القاعدة. ولكن ما تزال ترابط بالقرب منها قوات شبه عسكرية معروفة بمولاتها لإيران. وتعبيراً عن خيبة أمل إيران بقرار أميركا البقاء في سورية، طالبت، عبر اجتماع عسكري ثلاثي سوري إيراني عراقي، بخروج الولايات المتحدة وقواتها، ولكن أمر الانسحاب تم سحبه، وأصبحت إقامة العناصر الأميركية شبه دائمة، فالوجود في قاعدة التنف جزء أساسي من استراتيجية أميركية تؤمن قطعاً مربكاً للتواصل الإيراني السوري عبر العراق، وهذا يرشح الوجود الأميركي للتمدّد، وليس للانكماش.

===========================


أيها العلمانجيون العرب: تعلموا العلمانية من نيوزلندا

 د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 23/3/2019

«عذراً أسود السنة… رفع الآذان في البرلمان النيوزلندي ليس نصراً للإسلام، إنما نصر لمبادئ نيوزيلندا وإنسانية شعبها ومن يحكمها… نصر للدولة التي تساوي بين الجميع وتحترم كل مواطنيها.. رجلي بالعلمانية والعلمانيين العرب دواعش بلا لحى». هكذا علق الفنان السوري ثائر جلال والي على الأجواء الإسلامية التي سادت نيوزلندا بعد المذبحة الرهيبة التي راح ضحيتها تسعة وأربعون مصلياً على يدي الإرهابي الأبيض تارانت.

لم تتوقف مظاهر التضامن والدعم من السلطات أو المواطنين في نيوزيلندا للمسلمين بالبلاد، بعد أيام من مجزرة المسجدين في مدينة كرايست تشيرتش. والخميس أعلن عن دعوى عامة للنيوزيلنديين، ذكوراً وإناثاً، لارتداء الحجاب يوم الجمعة لإظهار تضامنهم مع المسلمين.

وقد واصل نشطاء في الجمعيات والمواقع الاجتماعية حشد الدعم لهذه الحملة التضامنية، من أجل تشجيع كل القاطنين في نيوزيلندا على القيام بهذه اللفتة الإنسانية وحثهم على التضامن مع المجتمع الإسلامي بعد الحادث الدموي الذي وقع الأسبوع الماضي. وقد اختير يوم الجمعة باعتباره عيداً للمسلمين والمسلمات في كل بقاع العالم. وقالت ثايا أشمان، إحدى منظمات هذه الحملة، إنها «دعوى بسيطة لكل سكان نيوزيلندا بهدف التعبير عن حزننا لما وقع وإظهار تعاطفنا مع المسلمين». وأشارت إلى أن الحملة تستهدف الذكور والإناث والصغار والكبار، مضيفة «سواء كنتم في المنازل أو العمل أو المدارس، ندعوكم جميعاً إلى ارتداء الحجاب باللون الذي تفضلونه ووضعه سواء على الرأس أو الكتفين (بالنسبة للرجال).

إن الحملة التي قادتها تلك السيدة العظيمة والرائعة رئيسة وزراء نيوزلندا ستدخل التاريخ من أوسع أبوابه، فقد قدمت نموذجاً عظيماً من العلمانية الحقيقية، العلمانية التي تعتبر كل أبناء الوطن بغض النظر عن هوياتهم الدينية والعرقية مواطنين من الدرجة الأولى، لا فرق بين مسيحي ومسلم ويهودي وبوذي إلا بما يقدمه للوطن.

لم يتم التعامل مع المسلمين في نيوزلندا كمهاجرين أو وافدين أو أهل ذمة، بل كجزء لا يتجزأ من نيوزلندا. تلك هي الدول العلمانية العظيمة التي لا تفرق بين الناس على أساس طائفي ومذهبي وإثني وقومي وعرقي.

إن الحملة التي قادتها تلك السيدة العظيمة والرائعة رئيسة وزراء نيوزلندا ستدخل التاريخ من أوسع أبوابه، فقد قدمت نموذجاً عظيماً من العلمانية الحقيقية، العلمانية التي تعتبر كل أبناء الوطن بغض النظر عن هوياتهم الدينية والعرقية مواطنين من الدرجة الأولى

قارنوا بين موقف العلمانجيين العرب جماعة أدونيس وشركاه وبين موقف رئيسة وزراء نيوزلندا المسيحية العلمانية، فبينما قدمت جاسندا آردرن نموذجاً عظيماً في التضامن والتعاطف والإنسانية، راح العلمانجيون العرب يشمتون بالمسلمين في الغرب ويدعون إلى قتلهم وتدمير مساجدهم بدل الترحم عليهم وإدانة القاتل المجرم. وقد شاهدنا ذلك الإرهابي الطائفي البغيض بشار برهوم المرتبط عضوياً بالنظام الطائفي القذر في سوريا الذي يتخذ من العلمانية شعاراً زائفاً، شاهدناه وهو يدعو القاتل إلى مكة كي يقتل الحجاج بشكل جماعي بدل الاكتفاء بقتل خمسين مصلياً في مسجدين بنيوزلندا. بالله عليكم كيف يختلف هؤلاء العلمانجيون الطائفيون عن أقذر الدواعش وأبشعهم؟ ما الفرق بين بشار برهوم وعلمانجيي طائفته المجرمين وبين أتباع داعش؟

الفرق الوحيد أن الدواعش الأنذال يربون اللحى، بينما العلمانجيون الطائفيون في سوريا وغيرها يلبسون البدلات الحديثة وربطات العنق، لكنهم يفكرون بعقليات الدواعش وداحس والغبراء. تعلموا العلمانية الحقيقية أيها السفلة من رئيسة وزراء نيوزلندا، وهي محسوبة على المسيحية، بينما أنتم محسوبن زوراً وبهتاناً محسوبون على الإسلام.

وكي نكون أمناء، لا بد أن نذكر أن العديد من الأديان والطوائف والأقوام عاشت في كنف المسلمين عبر التاريخ بنفس الطريقة التي يعيش فيها المسلمون الآن في نيوزلندا وغيرها من الدول المتحضرة، قبل أن تبتلى بالفكر الداعشي والعلمانجي القذر. وكما نمتدح الغرب الذي يطبق العلمانية النظيفة، لا بد أن نستذكر أن الإسلام بدوره طبق من قبل كل تلك الأفكار العلمانية العظيمة قبل أن تصيبه لوثة الدعشنة. ولو نظر الغربيون إلى التاريخ بتمعن لما لوجدوا أن علمانيتهم الرائعة الآن كانت من صلب الدين الإسلامي في الماضي. ويتساءل المفكر الكبير شكيب أرسلان في ملحق ما علق به على تاريخ ابن خلدون المطبوع في المطبعة الرحمانية في مصر 1355 بهذا الكلام: «ومن العجب أننا نرى الأوروبيين يعملون بكل قوتهم لمحو الشريعة الإسلامية التي في ظلها ـ وبسببها لا غير ـ بقي النصارى في جميع الممالك الإسلامية وفي السلطنة العثمانية، متمتعين بجميع الحقوق التي يتمتع بها المسلمون منذ ظهور الإسلام إلى يوم الناس هذا، وكان نصارى البلاد العثمانية بضعة عشر مليون نسمة، ومن العجب أننا نراهم مع ذلك يفضلون أن تكون الحكومات الإسلامية مُلحدة، ولو كانت تخرج جميع النصارى من بلادها، وهذا أقصى ما يتصوره العقل من التحامل والتعصب على الإسلام !! يكرهونه ولو حفظهم، ويحبون زواله ولو كان في ذلك زوالهم!». أيها الغربيون الذين تطبقون العلمانية الجميلة بشكل رائع، لا تنسوا أننا طبقناها معكم ذات يوم.

في الختام، هذه رسالة ثلاثية للعلمانجيين والإسلامجيين العرب والغربيين أيضاً. أيها العلمانجيون تعلموا من علمانية الغرب، وأيها الإسلامجيون يجب أن تعلموا أن الطريقة التي عاملت بها نيوزلندا أخوتكم موجودة في دينكم الحنيف… لو كنتم تبصرون. وأيها الغربيون لا تنسوا أننا عاملناكم بطريقتكم الجميلة ذات يوم.

كاتب واعلامي سوري

===========================


مهمّة بيدرسون

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 23/3/2019

منذ عُيّن غير بيدرسون مبعوث الأمم المتحدة إلى سورية، وهو يدلي بتصريحاتٍ أقل ما يقال فيها إن صدورها عن مسؤول أممي مستغرب، بما أنه مكلفٌ بتطبيق القرارات الدولية، الخاصة بإيجاد حل سياسي دولي ينهي الصراع في سورية. قال أخيراً: قرار مجلس الأمن 2254 واضح... أن أعمل مع الحكومة والمعارضة على حد سواء، لتطوير العلاقة معهما وبينهما، لجمع الطرفين، وإطلاق مفاوضات جوهرية. إن تفويضي بموجب القرار هو العمل على إصلاح دستوري، وانتخابات تدار بإشراف الأمم المتحدة، ولكن من الضروري ألا أصدر أحكاماً حول نتائج المفاوضات... هذا قرار سيادي.

بصراحة، هذا التصريح يثير القلق، لأسباب أولها أن بيدرسون لم يسأل سابقيْه، الأخضر الإبراهيمي وستيفان دي ميستورا، عن خبرتهما في "جمع الطرفين وإطلاق مفاوضات جوهرية"، ومن هو الطرف الذي رفض ستة أعوام ونيف إطلاق المفاوضات، جوهرية أم سطحية. وامتنع، في ثماني جولات تفاوضية، عن أي بحثٍ في تطبيق القرارات الدولية، أو إجراء مفاوضات، وحمّل أول مبعوث أممي إلى سورية، كوفي عنان، المسؤولية عن فشله في إحراز أي نجاح. ولمّح الأخضر الإبراهيمي في عديد من تصريحاته إلى دور هذا الطرف في فشل مهمته. وحمّل دي ميستورا الطرف نفسه المسؤولية عن إخفاقه في إيجاد نقاط تقاطع بينه وبين المعارضة، أو إقناعه باللجنة الدستورية والانتخابات الحرة.

ثاني أسباب استغراب هذا التصريح، أن بيدرسون ربما يكون نسي أن هناك مرجعية للقرار 2254 هي بيان جنيف والقرار 2218، وكلاهما يحدّدان الانتقال الديمقراطي هدفاً وحيداً للتفاوض وللمبعوث الدولي، المكلف بتحقيقه حصراً، لكونه لا ينتمي إطلاقاً إلى المسائل السيادية، ما دام رفضه يخالف القرارات الدولية التي يفترض أن بيدرسون مكلف بتطبيقها حرفياً، وليس من صلاحياته منح حقوقٍ سياديةٍ لمجرمٍ مارس أفظع إرهاب دولة منظم ضد قطاعاتٍ واسعةٍ جداً من شعب سورية الأعزل، وقتل من مواطنيه عددا تقدّره الأمم المتحدة بمئات الآلاف، على أقل تقدير، دع عنك الجرحى والمشوّهين، ومن فقدوا أطرافهم وأخفتهم أجهزة الأسدية أو ألقتهم في المحارق التي زوّدته بها إيران، ودفنتهم في مقابر جماعية، وقصفتهم بالغازات السامة والأسلحة الكيميائية... إلخ، ووثقت مقتلهم لجانٌ دولية رسمية، تابعةٌ، مثل بيدرسون، للأمم المتحدة، وصفت ما ارتكب ضدهم من فظاعات، وأوصت بإحالة بشار الأسد وعديد من قادة نظامه، إلى محكمة مجرمي الحرب ومرتكبي الجرائم ضد الإنسانية في لاهاي.

إذا كان تطبيق القرارات الدولية مرتبطاً بسيادة الأسد ونظامه، وكنت تعتقد أن القرار 2254 يبطل بقية القرارات، بما فيها التي تحدد آلية الحل الذي يبدأ بتشكيل هيئة حاكمة انتقالية، فلماذا تتعب نفسك وتواصل مهمتك التي كان يجب أن تعلم رفض الأسد لها بنداً بنداً، وتدرك أن وليد المعلم يسخر منك، حين يبدي استعداده للتجاوب مع مهمتك، كما يُفهم من أحد تصريحاتك، وأن هدفه كسب ما تمنحه له من وقتٍ، كي يفرض سيده الأسد حله العسكري/الأمني الذي أعلن وكرّر، مرات متعدّدة، أنه لا يقبل أي حل سواه. ولذلك، قال في خطبة بثها تلفزيونه قبل أيام إنه يرفض اللجنة الدستورية والانتخابات، بذريعة أنهما، كما تعتقد أنت، مسألة سيادية!

أخيراً، سيد بيدرسون، أنت تنتمي إلى مجتمع ديمقراطي، وتعلم أن السيادة للشعب، وأنه مصدرها الوحيد. أما سيادة الحكام فهي إما أن تستمد من قبول الشعب الطوعي بهم، أو أنها لا تكون سيادة، بل استبدادا قاتلا، كما هو النظام الأسدي.

سيد بيدرسون: لا يريد السوريون غير تطبيق القرارات الدولية، وبلوغ حل سياسي، فهل هذا كثير، بعد حرب الأسد عليهم، وتعطيله القرارات الدولية حول السلام ثمانية أعوام؟

===========================


فينيق درعا ينتفض من وسط رمادها

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

السبت 23/3/2019

اشتد في الفترة الأخيرة الحراك السلمي في حوران كلها، وتحديداً مدينة درعا، ولم تفلح المصالحات والوساطات التي رعتها دولة الإمارات من خلال أدواتها وهم الذين اختطفوا الثورة وسرقوها في تثبيت مصالحاتهم، ولا في الالتفاف على الحراك الأخير، فقد شهدت مدن درعا مظاهرات احتفالاً بالذكرى السنوية الثامنة للثورة السورية، ورفع الأهالي شعارات تجدد العهد بالمضي بالثورة، والوفاء لدماء الشهداء ولكل المشردين خارج الوطن، وجاءت الشعارات الثورية خلال المظاهرة لتذكر تماماً بمشاهد حوران الثورية في بدايتها، وهي الموصوفة بمهد الثورة، حيث هتف المتظاهرون عاشت سوريا ويسقط بشار الأسد، كما هتفوا تضامناً مع إدلب، والشمال المحرر؛ الذي يتعرض هذه الأيام لغارات وقصف من العصابة وسدنتها المحتلين، ونصحوا كل المشردين خارج الوطن بعدم العودة إليه في ظل وجود العصابة الحاكمة.

تزامن ذلك بتصعيد عسكري لافت تقوده المقاومة الشعبية في درعا دون أن يعرف شيئاً عنها وعن تفاصيلها، فقد استهدفت مفارز الأمن الجوي السوري، وهو أخطر المخابرات السورية التي قمعت وتقمع الثورة السورية، بالإضافة إلى التصعيد في مهاجمة مقرات عسكرية بالقذائف والمدفعية والصواريخ، وهو ما أشاع جواً من القلق والاضطراب والخوف وسط العصابة هناك.

الاستفزاز الأكبر لأهل حوران الذين عاد بعضهم إلى مناطقه فوجدها قاعاً صفصفاً، كان برفض العصابة الطائفية تقديم أي خدمات للأهالي، وهو ما تكرر مع أهالي الغوطة من قبل، ولذا قام الأهالي في حوران بجمع تبرعات أهلية من أجل تقديم أبسط مقومات الحياة من مياه ونظافة وكهرباء ونحوها، وهو ما ترفض العصابة الطائفية تقديمه لكل المناطق التي شهدت زخماً ثورياً خلال السنوات الماضية، وتقوم المقاومة الشعبية في حوران باستهداف حواجز العصابة الطائفية من قوات قمع وجنود ومليشيات طائفية، لا سيما بعد أن نكثت العصابة كل تعهداتها التي تعهدت فيها بالإفراج عن المعتقلين والمختفين قسرياً طوال سنوات الثورة، وكانت ذروة الأحداث تطورت يوم خرج الآلاف من الأهالي متظاهرين ضد نصب تمثال الطاغية المؤسس قرب المسجد العمري وسط مدينة درعا المدمرة، وهو ما استفزّ الأهالي تماماً لأن العصابة لم تكتف بعدم توفير أي من الخدمات للعائدين، بل قدمت لهم تمثالاً لمن قهرهم على مدى عقود.

التصعيد العسكري الثوري المتجدد طاول منذ بداية المصالحات كل رموزها الذين صوّروا المصالحات على أنها في صالح الشعب وفي صالح الثوار والمشردين، ولكن جرت الرياح بما لا تشتهيه السفن، فكان مصير رموز المصالحات قتلاً على أيدي الثوار لخيانتهم الثورة وخذلانهم لها، وكذبهم على الشعب والثوار، أو قتلاً وأسراً واعتقالاً.

الثورة عبارة عن فكرة وموقف ولن تموت بخيانة البعض أو بقمع عسكري يخال الاستبداد أنه قادر على هزيمة ثورة بهكذا أسلوب وتكتيك، وما يجري اليوم في درعا، وجرى أخيراً في الرستن وضواحي حمص من كتابات على الشوارع يؤكد مرة أخرى أن الثورة لن تموت، وأن ضحايا الثورة ومعتقليها ومشرديها لن يتخلوا عنها، وهم يرون انتفاضة ربيع عربي جديد في الجزائر والسودان.

===========================


المعارضة السورية إذ تنتقد ذاتها

أكرم البني

الشرق الأوسط

السبت 23/3/2019

هو أمر مفسَّر أن تتواتر المراجعات النقدية في الذكرى الثامنة لانطلاق ثورة السوريين، تحدوها آلام الانكسار والفشل، وفداحة التضحيات التي تكبَّدها الشعب السوري، قتلاً واعتقالاً وتشريداً، وهو أمر مفهوم أن تتصدر هذه المراجعات رموز وشخصيات احتلت مواقع قيادية في صفوف المعارضة السياسية، وإن كان غرضها التحرر من المسؤولية وتبرئة النفس! لكن ما ليس مفسَّراً أو مفهوماً هي شدة التباينات في قراءة هؤلاء المعارضين لما حصل، واستمرار تشتتهم وعجزهم، حتى في بلورة رؤية نقدية صادقة تكشف أسباب النتائج المأساوية التي آل إليها الصراع.

ثمة مَن تمترسوا في انتقاداتهم عند البدايات، عند لحظة تخلي المعارضة عن النهج السلمي واستسلامها المبكر للتحولات التي جرت نحو العسكرة وتالياً حماسها الطفولي «للانتصارات» التي حققها اللجوء إلى السلاح، الأمر الذي أدى برأيهم إلى الوقوع في الفخ السلطوي وإخضاع الصراع السياسي لقواعد العنف التي يتقنها النظام جيداً، ويسعى من خلالها لعزل الثورة عن دوائر التعاطف، وتسويغ كل أنواع القهر والتنكيل ضدها. زاد الطين بلّة وعزّز تنحية الحقل السياسي وتهميش المجتمع المدني، سلوكُ الفصائل العسكرية التي لم تُعِرْ أيَّ اهتمام للمرجعيات والحسابات السياسية ولم تتأنَّ في اختيار معاركها، بل خاضتها في أماكن مكتظة مدنياً، ما أدى إلى ردود فعل سلبية من حاضنة شعبية صارت عنواناً للحصار والقصف العشوائي، وتالياً خسارة قطاعات اجتماعية ترفض منطق السلاح ويصعب عليها إشهار تأييدها لثورة لا تستمد شرعيتها من ممارسات سلمية وحضارية تنسجم مع شعارات الحرية والعدل والكرامة التي تبنّتها.

بينما وجّه آخرون النقد إلى تأخر المعارضة السياسية في اتخاذ موقف واضح وحاسم من تنامي الجماعات الإسلاموية المتطرفة بما في ذلك الاستخفاف بوزنها وتغطية أدوارها الغامضة إلى أن تمكنت في غير مكان من مصادرة روح الثورة وقيمها، غامزين من هذه القناة إلى بعض قادة المعارضة الذين دافعوا وبشكل صريح عن «جبهة النصرة» بعد أن أُدرجت دولياً في قائمة الإرهاب، أو حين شجع آخرون نشوء تشكيلات عسكرية تدعو لدولة الخلافة وتغاضوا عن شعاراتها الدينية وعن ردود فعلها الطائفية بحجة أولوية مواجهة السلطة، أو حين قللوا من أهمية ما أوردته تقارير حقوقية عن انتهاكات وتجاوزات قامت بها الفصائل المسلحة في أماكن سيطرتها على أنها لا تشكل نقطة في بحر عنف النظام! والأسوأ حين صمتوا عمّا قام به الإسلامويون من تهجير واعتقالات بحق الناشطين المدنيين والسياسيين، بما في ذلك تصفيتهم جسدياً، والأمثلة تبدأ برزان زيتونة ورفاقها، ولم تنتهِ بإعلاميَّي كفر نبل، رائد فارس وحمود جنيد! كل ذلك أفضى برأيهم إلى تشويه معاني الثورة وأفقد الجسم المعارض فئات متعاطفة معه، كانت مترددة ومحجمة بسبب غموض البديل المنشود، لتغدو متخوفة من تمدد سلطة الميليشيات الإسلاموية التي لم تختلف في ممارساتها عن أعتي الديكتاتوريات، ولا يغيّر هذه الحقيقة عند هؤلاء النقاد، وضعُ المسؤولية الأساس في أسلمة الثورة على عاتق السلطة التي تقصدت تسعير الاستفزازات المذهبية وإطلاق قادة وكوادر «الجهاديين» من سجونها، بل يؤكدها انزلاق المعارضة نحو خطاب عنفي تصعيدي، بدأ بالإلحاح على استجرار سلاح نوعي، ولا يزال يشدد المطالبة بتدخل عسكري خارجي لفرض منطقة آمنة! ويؤكدها أيضاً سلوك بعض قادة المعارضة اليوم، الذين لا يجدون ضيراً من استيلاء «جبهة فتح الشام» على آخر معقل مناهض للنظام في مدينة إدلب وأريافها، واصطفوا كالعميان وراء سياسة أنقرة التوسعية والمهادنة للنفوذين الإيراني والروسي، وشكّلوا عملياً، رأس حربتها للتوغل عسكرياً، وتطهير الشريط الحدودي، وبخاصة مدينة عفرين، من أبناء شعبهم الأكراد!

«لقد بالغنا في الرهان على العامل الخارجي وخيار التدخل العسكري» بهذه العبارة يكثّف بعض المعارضين انتقاداتهم، ويتساءلون: ألم يقدنا ذلك إلى الترويج لأوهام سقوط سريع للنظام، تأثراً بما حصل في ليبيا، وما ترتب على ذلك من بناء مواقف وتكتيكات مغامرة وأحياناً متهورة، غيّبت عن قصد أو دون قصد، الخصوصية السورية وتعقيداتها، إنْ من جهة تأثرها بحسابات الجوار الإسرائيلي، وإنْ لجهة ارتباط النظام بمحور نفوذ في المنطقة يمده بكل أنواع المساندة والدعم، وإنْ لجهة ما أظهرته النيات الغربية من ميل لاستثمار استمرار الصراع السوري كمستنقع استنزاف لخصومها بدءاً بروسيا، فإيران وحلفائها، إلى المتطرفين الإسلامويين؟! وألم يؤدِّ البحث عن مصادر التمويل إلى الارتهان والخضوع لإملاءات هذا الطرف الخارجي أو ذاك، وتمثُّل مطالبه، أو السير وفق حساباته وتوقيتاته، ليغدو تبدل مواقفنا وتحالفاتنا السياسية كأنه تلبية لإشارات صدرت منه؟ وأيضاً ألم يفضِ الركون إلى الدعم الخارجي إلى قصور وتراجع اهتمامنا بالتطورات والحاجات الداخلية وبأولوية مواكبة حراك الناس وهمومهم، من دون أن نقدّر خطورة هذا القصور والتراجع في ثورة كثورتنا، جاءت مفاجئة وعفوية، وعطشى لقوى سياسية تتواصل معها مباشرةً وتقودها ميدانياً؟

هي قلة قليلة ذهبت في نقدها إلى البنية التكوينية للمعارضة السياسية التي تعتمل داخلها حزمة من الأمراض خلّفتها عقود طويلة من جور السلطة وظلمها، ما أضعف فرصتها في توحيد صفوفها أو الظهور كقدوة ومثلاً يُحتذى في السلوك الديمقراطي والمثابرة والتضحية، وأشاع صورة لقادتها تضجّ بخلافاتهم الشخصية وبتنافس مرضيّ على المناصب، تفوح منه رائحة الأساليب المتخلفة والمصالح الحزبية الضيقة وظواهر الأنانية والاستئثار وأحياناً الفساد، زاد تلك الصورة سوءاً عجزُ الفكر المعارض عن تقديم رؤية موضوعية لمسار الصراع وللآليات السياسية التي تضع في اعتبارها خصوصية المجتمع السوري بتعدديته القومية والدينية والمذهبية وحساسية ارتباطاته الإقليمية.

واستدراكاً، ليس من خيبة أعظم من خيبة أمل السوريين بمعارضة سياسية توجِّههم وتقودهم، وعجزت مراراً عن معالجة أزماتها ومشكلاتها المزمنة، ولا يغيّر هذه الحقيقة استمرارُ الاعتراف الدولي والعربي ببعض جماعاتها، أو الدور الذي لا تزال تمارسه في حقلَي الإعلام والتفاوض، مثلما ليس من وفاءٍ يقدَّر لثورة السوريين وتضحياتهم خيراً من إجماع المعارضة على مراجعة نقدية شاملة لاستخلاص الدروس والعبر وتعميمها، بما يعيد بناء الثقة بين المجتمع والذات السياسية ويمكّنهما من خوض جولات جديدة نحو التغيير، بأقل الخسائر والآلام.

===========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com