العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 31-01-2021


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

بايدن وفرصة جديدة في سوريا

رضوان زيادة

سوريا تي في

الخميس 28/1/2021

لحظتان فارقتان في تاريخ الثورة السورية، الأولى استخدام السلاح الكيماوي بهجوم واسع النطاق في الغوطة عام 2013، والثانية التدخل الروسي في سوريا في أيلول 2015.

ما الذي أعنيه باللحظة الفارقة هنا، أقصد بالتحديد طريقة رد فعل الشعب السوري والمعارضة السورية من طرف والمجتمع الدولي من جهة ثانية، فقرار استخدام النظام للسلاح الكيماوي ضد منطقة مدنية بالرغم من التحذير الأميركي المتكرر له عنى تماما أن النظام حرق كل أوراقه فيما يتعلق بالتعامل مع الثورة السورية بطريقة مختلفة غير العنف الأقصى، وصل الأسد حينها إلى قناعة رددها كثيرا شبيحته وموالوه على حساباتهم على الفيس بوك "الأسد أو نحرق البلد" ليس شعارا وإنما هو سياسة منهجية يجب تطبيقها على الأرض مهما كانت الكلفة البشرية والمادية ومهما كانت كلفة ذلك على سوريا كوطن وأمة.

رد الفعل الدولي كان مخزيا للأسف عندما لم يلتزم أوباما بالخط الأحمر الذي حدده وهو ما فهمه الأسد أن ضوءا أخضر أعطي له كي يمارس العنف بحدوده القصوى ولن تكون هناك أية تداعيات عسكرية، وحينها فهمت المعارضة السورية أن نظاما يستخدم العنف بحده الأقصى لن تزيحه سوى القوة العسكرية وهو ما حول الثورة السورية إلى ثورة مسلحة لكنها فشلت في إسقاط الأسد لأسباب كثيرة أهمها التشتت والقتال العنيف بين الفصائل وغياب قيادة موحدة ونقص الدعم الحقيقي للمعارضة الذي لم يوازِ الاستخدام العسكري لنظام الأسد.

فمن دون قيادة أميركية في سوريا سيبقى الأسد مستغلا الانسحاب الأميركي الكامل ومن دون هذه القيادة ستستمر روسيا في فهم سوريا وكأنها ساحة صراع دولية لها فيها قصب السبق

اللحظة الثانية كانت لحظة التدخل العسكري الروسي وهي عنت بشكل أو بآخر أن لا قدرة للمعارضة العسكرية على مواردها المحدودة على حسم الصراع طالما أن روسيا وضعت ثقلها تماما خلف الأسد بغض النظر عن الحسابات السياسية لكل طرف، لكن هذه اللحظة عنت أيضا بالنسبة للمعارضة أن القوة الوحيدة القادرة على إخراج روسيا من سوريا هي قوة موازية لها أو أشد قوة وهي القوة الأميركية.

الذي حصل للأسف أن انسحاب القوة الأميركية مكن الأسد من استغلال اللحظة الأولى إلى الحد الأقصى، وعدم الرغبة الأميركية بمواجهة روسيا في سوريا دفع روسيا لاستغلال اللحظة الثانية للأقصى.

ومن هنا نفهم حجم تعويل المعارضة السورية على دور أميركي أكبر في سوريا يساعدها في التخلص من الأسد ووضع سوريا مجددا على الخريطة الدولية، فمن دون قيادة أميركية في سوريا سيبقى الأسد مستغلا الانسحاب الأميركي الكامل ومن دون هذه القيادة ستستمر روسيا في فهم سوريا وكأنها ساحة صراع دولية لها فيها قصب السبق.

واضح هنا، أن كلا الطرفين الدوليين روسيا وأميركا أرهقا في سوريا عسكريا، أميركا ليس لها الرغبة في أي عمل عسكري بعد العراق وأفغانستان، وروسيا جمدت عملياتها العسكرية في الشمال السوري لأنها ترى في تركيا صدا منيعا لها وبالحقيقة لا تشعر تماما بجدوى أي عمل عسكري تكلفته أكثر من المكاسب الخاصة بها.

لكن للأسف رغم وصول الطرفين إلى هذه القناعة لكنهما لم يجدا في الحل السياسي بديلا مناسبا، فروسيا ما زالت تعتبر أن تغيير المعادلات على الأرض هو قوتها وأن تمسكها بمفاوضات جنيف هو بسبب التغطية على دورها العسكري في سوريا. فروسيا اليوم لا تتدخل لحساب نظام الأسد وإنما تتصرف بوصفها قوة احتلال، وتستخدم القوة لفرض رغبتها العسكرية والقوة ذاتها لرغبات أحلامها السياسية.

على أميركا وروسيا الإقرار بأن مزيدا من القوة العسكرية لن يكون حلا في سوريا، وأن مشكلة سوريا اليوم تكمن في الأسد، بقاؤه في السلطة يعني مزيدا من المعاناة للسوريين وتعميقا لأزمة اللاجئين والمشردين والنازحين، التي لا يبدو أن روسيا تكترث كثيرا لها.

=========================

وجهة نظر : إلى أصحاب النيّات الحسنة في " الدستورية " وفي ثلاثية " أستانا " و" سوتشي" ، كفى .. يكفي .. كُفْكُفان ..

زهير سالم

مركز الشرق العربي

30/ 1/ 2021

وانتهت الجمعة جولة التسلية الخامسة ، التي يمارسها أقطاب اللعبة المثلثة الأضلاع فيما يسمى اللجنة الدستورية . وكما في الجولة الرابعة والثالثة والثانية والأولى يخرج علينا " اللعيبة " كما إخوة يوسف يبكون ، ويقولون لاشيء ، ويرددون : والآخر عطّل ، والآخر لم يقبل ، والآخر ما زال يماطل وأنهم سيتوجهون إلى مجلس الأمن ويتمسكون 2218 / 2013 و 2254 -2015

وكل ما يريده بشار الأسد من الاستمرار في هذه اللعبة ، هو كسب مزيد من الوقت ، في ظل " تهدئة " مبرمجة، مؤقتة ، ملغومة ؛ يحتاج إليها كثيرا لتمرير انتخابات تكرسه رئيسا للجمهورية لفترة رئاسية أخرى ...

هذا الوقت الذي يقدمه له حسنو النية ، إن وجدوا ، مستقطع من آلام السوريين ومعاناتهم ، من حاضرهم ومستقبل أجيالهم ، هو السيف الذي يقطع الطريق على سورية الجديدة ؛ بعد أن حوله بشار الأسد وكل شركائه في الدستورية في أيدي مخالفيه إلى سيف دبكة شعبية ... يحسن البهلوانات الراقصين فيها القفز والقمز وجلوس القرفصاء ...كوميديا ..أو تراجيديا .. أو دراما ؛ لا يهم .. المهم أن على هذا السيرك أن ينفض صيوانه ، وعلى كل حسني النية المشاركين فيه ، أن يتوقفوا عن التلاعب بأعين الناس وأسماعهم وقلوبهم ..

يكفي فقد كفانا من الشر والإثم ما كان ...

وعلى الطرف الآخر نقول بمثل القول الأول لحسني النية من المشاركين في ثلاثية أستانا وسوتشي ..

فقد أنجزت هذه الثلاثية من الشر والسوء للسوريين ما لا يخفى على ذي عين أو قلب .. ومنذ 2017 ، كانت هذه اللقاءات وما صدر عنها القرحة المثخنة في جنب كل الذين يؤمنون بالحق والعدل وكرامة الإنسان .. وكانت الذريعة ، وورقة التوت تلقى على عورة فما تكاد تستر منها إلا القليل ..

إن أبرز ما صدر عن هذه الثلاثية ، مع طبيعة الخلل الذي فيها ، هو ما سمي بمناطق خفض التصعيد ..وآن لمتحدث أن يحدثنا عن مصير هذه المناطق بدون لعثمة ولا لف ولا دوران ..

ثلاثية أستانا - سوتشي ، بنيت على وهن ، ومثلت شراكة " ضيزى " كيفا وكما .. كما : اثنان في مواجهة واحد ، وكيفا دولة عظمى على مستوى العالم في مواجهة الذين تعلمون ..!!

النيّات الحسنة لا أثر لها في تقويم الفعل لا في عالم السياسة ولا في عالم القضاء . وإن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا وسدادا - ابن تيمية - شرطان لا ينفكان ..

سيقول قائل : والسياسة فن الممكن ، ويبقى لدينا سؤال محتاج إلى جواب هل تهذيب عملية التوحش البوتيني - الخمنئي ، لتمريرها في صورة أقل إثارة للفزع وللهول وللاستنكار لدى الناس ، هو من فعل الخير أو من فعل الشر .." لا تقتله بضربة سيف فتطيح برأسه كما يفعل متطرف وغال ، اقتله صبرا واسفك دمه قطرة فقطرة ، موّته في سجنه بالجوع والعطش ، ولتستمع بمشهد موته أطول أسعفه كل يوم بلقمة وقطرة ماء .. وبدل أن يطول الفيلم الممتع ثلاثة أو أربعة أيام ، يمكن أن يطول ثلاثين أو أربعين .. ويطول ربيع سورية الدامي بدل العام عقودا ..

هل إعطاء الذريعة للمجتمع الدولي وللمجتمع الإقليمي برسالة مفادها : اطمئنوا عن الوضع في سورية ، ونحن نكفيكم ،... ثم الانخراط في مشروع "لوحش الجميل " بوتين وخمنئي ونصر الشيطان ، هو من فعل الخير أو الشر.. ؟؟؟

ماذا سيفعل السوتشيون بعد أسبوعين حين سيلتقون ؟؟ منذ الأمس كانوا متفقين على أن يترك بشار الأسد على راحته!! وكان بيان وزارات الخارجية السوتشية عن بشار الأسد "" لا ترزموه ...لا ترزموه "" ولا بد أنكم تحفظونها جيدا ... لا ترزموه ودعوه يكمل مشروعه براحته وعلى دلاله " وتنكبر بعد بكير شو صاير .. شو صاير "

وقالوا - الثلاثة - لا ينبغي أن يُفرض على الدستورية حساب زمن . ولتتوقف كل العدادات عن العد ..," والذي عند أهله على مهلو " والسياسة فن الممكن ، ونحن نسمح " لما لا يمكن أن يكون ليكون " ثم نقول وهذا هو الممكن في اليكون ..!!!

هذا ليس عتبا ولا نقدا ولا نقضا ...إلا على السوريين وللسوريين . وعلى السوريين أن يتعلموا كيف يعيشون أيتاما !! وهذه هي خلاصة الخلاصات ... وأن تعيش يتيما لا يعني أن تحسد من له أب ، ولا أن تنقم على الآباء ، ولا أن تنتظر منهم أن يرعوك ، فكل أب أولى بنيه ، وكل فتاة بأبيها معجبة ..كن الفتى اليتيم

إذا ما راية رفعت لمجد .. تلقاها عرابة باليمين

كل الآباء في السوق يتسوقون لأبنائهم ، وهذا حقهم . واليتيم لا يدخل السوق حتى يكسب بعرقه ويجد في جيبه ما يتسوق به. اليتيم غير متعود أن يقف أمام أبيه عند الصباح ليقول " يا بو بدي ..." كفى يكفي كفكفان

يجب أن نذكر أن كل الأطراف السورية العاقلة والواعية رفضت أستانا ورفضت سوتشي ، رفضت الأصل والفرع ، ولكن الأمر لم يكن ليتوقف عند إعلان الرفض .. وأجمل ما يكون الرفض إذا أعقبه ما يقتضيه...

أكثر كلمة كانت تثير سخريتنا حين كانوا يطيرون البرقيات باسمنا ونحن فتيان ختمها بالقول : سيروا ونحن من ورائكم ...

ونحن الذين في قرآننا سورة جميلة أول كلمة فيها : براءة ... براءة من هؤلاء .. ومن أولئك .. ومن هؤلائكن ..

_____________

*مدير مركز الشرق العربي

============================

التطبيع جسر حافظ بشار الأسد إلى السلطة

غازي دحمان

العربي الجديد

الخميس 28/1/2021

لم يعد التطبيع بين بشار الأسد وإسرائيل مجرّد تكهنات. لقد بدأ يتضح أنه يتم ضمن مسار صممّته روسيا، وأنجز مرحلته الاستكشافية في لقاءين في قبرص وقاعدة حميميم في اللاذقية، وكانت قد سبقته رسائل نقلها الروس من الأسد إلى حكومة نتنياهو، يخبر فيها الإسرائيليين أن بالإمكان إطلاق مفاوضات سلام معهم، إن كانوا راغبين ومستعدين.

كان من الطبيعي أن تنفي وزارة خارجية الأسد حصول هذه اللقاءات، ويمكن الجزم بأنها صادقة في نفيها، لأن مثل هذه الأمور لا يمكن أن تمرّ عليها، ما دام جهاز الأمن، عبر علي مملوك، هو من يتولّى الأمر، ولأن هذه المفاوضات لا تحتاج مفاوضين محترفين من وزارة الخارجية ولا خرائط لإثبات الحدود ولا قانونيين لصياغة الاتفاقات، هذه الأمور باتت خلف إسرائيل والأسد نفسه. 

ما يريده الطرفان صفقة ساخنة، لا تنفع معها أطقم المفاوضات الرسمية، ولا تحتوي على سجالات ومماحكات وتفنيد للروايات، صفقة تشبه ما فعلته حكومة السودان، القبول بالتطبيع، من دون أي شروط مسبقة، مقابل فتح الأبواب المغلقة أمام الأسد، إذ بات هذا مقتنعاً أن الدول الغربية ربما تورّطت في الذهاب بعيداً في مسألة العقوبات ضده، وباتت أبوابها موصدة بأقفالٍ لن تكون مفاتيحها على شاكلة التكتيكات السابقة، من نوع التعاون الاستخباراتي، والتهديد بزعزعة استقرار لبنان، والمطلوب هو صدمة بحجم التطبيع مع إسرائيل، تُسقط جدار العزلة المضروب على نظام الأسد.

لا يحتاج الأسد سوى ولايتين دستوريتين جديدتين، 14 عاماً لن تكون كثيرة على المجتمع الدولي

يعتقد الأسد، المبهور بذكائه الاستراتيجي، وقدراته الهائلة على التقاط الظرف الدولي وفهم توجهاته، أن الفرصة مواتية للإقدام على هذه الخطة، فإدارة بايدن، المتخبّطة حتى اللحظة، ستجد في مبادرة الأسد، التطبيع مع إسرائيل، منقذاً لها من تخبّطها، فهذه الإدارة الواقعة بين إخلاصها لسياسات إدارة أوباما، إلى درجة أنها لا تستطيع اجتراح سياسة سورية مختلفة عن سياسته، وما خلفه ترامب من وقائع على الأرض، ستجد نفسها ممتنّة للأسد على خطوته الذكية، ثم إنه ما دامت إسرائيل قد قبلت بإجراء صفقة مع الأسد فلا كلام بعد كلامها.

ويراهن الأسد على أن دول العالم ستبارك الصفقة، ومعها، ستفتح خزائنها لإنقاذ اقتصاده وإعمار كل حجر دمّره، وسيمحو العالم، بدوله ومنظماته، كل ما سُجّل من وقائع بطشه وجنونه، وسيتجاوز مطالبه بمرحلةٍ انتقاليةٍ ودستور جديد ومحاكمة لمجرمي الحرب، مقابل ذلك سيتركون له المجال لصياغة مخارج مناسبة، ربما تتضمن إعداد رواياتٍ جديدة عما حصل وكيف.

لا يحتاج الأسد سوى ولايتين دستوريتين جديدتين، 14 عاماً لن تكون كثيرة على المجتمع الدولي، بل إن هذا المجتمع هو من يُفترض به أن يبادر إلى طلب هذه المهلة لبشار الأسد، فحماية إسرائيل من عشرات مجاميع المتطرّفين، سنة وشيعة لا فرق، تتطلب مثل هذه المساحة الزمنية، كما أن إسرائيل نفسها لم تشبع من خمسين عاماً من خدمات العائلة الأسدية، وتطمح إلى مثلها ما دامت الإمكانية متوفرة. حافظ بشار الأسد على أعتاب الحكم، تفصله عنه فقط ولايات أبيه، وثلاث أو أربع ترقيات عسكرية لضمان حصوله على رتبة فريق أول.

يعتقد بعضهم أن إيران التي استثمرت في الحرب السورية مبالغ طائلة، وقدّمت أرواحا كثيرة، ربما تُقدم على اغتيال الأسد إذا فكّر بإخراج مليشياتها من سورية

قد يقول أحدهم إن بشار الأسد المأزوم، والباحث عن صفقة ساخنة وحلول سريعة، لا يملك ترف التفكير بتوريث ابنه في هذه اللحظة، ومن يبحث عن طحينٍ ووقود، لتسيير شؤون يومياته، لا طاقة له في التفكير باستحقاقات تفصلنا عنها سنوات مديدة؟ تختلف حسابات الأسد في ذلك، وطالما أن الأطراف الدولية والإقليمية قبلت بفتح البازار، فهذا يعني أن مطالب الأمس، بالتنحّي والمحاكمة، باتت من سفاسف الأمور. في الأصل، لا تحتاج هذه القضايا إلى مفاوضات، ولم يحصل في التاريخ أن تم التفاوض مع طرفٍ ما على محاسبته ومحاكمته، فالأسد يدرك أنه لن يدخل المفاوضات لينفذ شروطا ومطالب. كل ما هو مطلوب منه قبول التطبيع وإخراج مليشيات إيران من سورية، وعدا ذلك، فهو من سيتقدم بلائحة مطالب: الدعم الاقتصادي، رفع العقوبات، وربما عدم التدخل في الشأن السوري مستقبلاً.

كيف سيحلّ الأسد المشكلة مع إيران؟ إذ يعتقد بعضهم أن إيران التي استثمرت في الحرب السورية مبالغ طائلة وقدّمت أرواحا كثيرة، ربما تُقدم على اغتيال الأسد إذا فكّر بإخراج مليشياتها من سورية. ولكن في المقابل، لماذا لا نطرح السؤال: هل تمانع إيران في دوام حكم الأسد إلى الأبد إذا كان التطبيع سيحقق هذا؟ وهل تمانع إذا أعاد لها الأسد عشرات مليارات الدولارات التي صرفتها في الحرب، ما دام أن هناك أطرافا دولية مستعدة لدفع هذه المبالغ مقابل إخراج مليشيات إيران من سورية؟

السؤال الأهم، أليست إيران بحاجة إلى مثل هذا المخرج الآن؟ ما الذي تفعله مليشياتها في سورية سوى تلقي الضربة تلو الأخرى. ثم إن إيران أنجزت مشروعها في سورية، حققت أقصى قدر ممكن من التهجير والتغيير الديمغرافي، وقتلت وشرّدت جيلاً كاملاً، وأصبحت موجودة في مفاصل الاقتصاد والأمن ومجلس الشعب، وما دامت المطالب تقتصر على خروج مليشياتها وحسب، فالأمر ليس إشكاليا، خصوصا أن إدارة بايدن عائدة إلى التفاوض معها.

يوم مات حافظ الأسد، جاء العالم كله يبارك تسليم بشار السلطة، النخب الحاكمة التي فعلت ذلك ما زالت موجودة هي نفسها في السلطة، ما المانع أن تبارك غداً توريث حافظ بشار الأسد؟

=========================

صورة سورية في عهد أميركي جديد

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاربعاء 27/1/2021

لعله من الصعب الربط بين مصادفة اقتراب الذكرى العاشرة لثورة السوريين، مع تولى الرئيس الأميركي جوزيف بايدن مهمة رئاسته للولايات المتحدة، لكن الأمر يغدو بسيطاً، إذا استرجعنا سيل التحليلات وبعض التصريحات، ولا سيما الأميركية، التي ظهرت مع فوز بايدن واستمرت لاحقاً، وقد رجحت تغييرات في سياسة الولايات المتحدة، والتي لا شك أن لها تأثيراً قوياً وحاسماً في القضية السورية، ما جعل كثيرين من المنخرطين في الصراع السوري وحول سوريا والمتابعين لهما، يؤكدون أن ما صارت إليه القضية السورية في الأهم من أسبابه ناتج سياسة واشنطن في رئاستي باراك أوباما ودونالد ترمب، وأن مستقبل سوريا في السنوات المقبلة سيكون نتيجة ما تتمخض عنه سياسة بايدن وفريقه.

غير أن كل الحديث عن سياسة بادين وفريقه بصدد سوريا ومستقبلها في السنوات المقبلة، لا بد أن تسبقه مقاربة لصورة مكثفة لسوريا والسوريين في الواقع الراهن، ما يساعد في استكشاف التقاطعات الممكنة، لما يمكن حدوثه من تحولات سورية مرتقبة نتيجة توجهات وتدخلات السياسة الأميركية لعهد جو بايدن وإدارته، وقد كثرت التوقعات والتقديرات في الموضوع.

مختصر صورة سوريا اليوم، تجسدها خريطة مقسمة إلى 3 مناطق رئيسية؛ قسم رئيسي يسيطر عليه نظام الأسد بمشاركة حلفائه الروس والإيرانيين، يمتد في منطقة الوسط من الجنوب إلى الشمال متضمناً الساحل السوري غرباً، وشاملاً في الشرق دير الزور وبعضاً من الحسكة، والمنطقة الثانية تمتد في شرق الفرات، ويسيطر عليها حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (PYD) الذي يقود تحالف قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بدعم مباشر من الولايات المتحدة، التي تنشر قواعد عسكرية في مناطق شمال ووسط شرقي سوريا، وتقع المنطقة الثالثة في شمال غربي سوريا، وتعتبر إدلب مركزها الرئيسي، وتمتد حوافها في أرياف المحافظات المجاورة؛ حيث حماة في الجنوب، واللاذقية في الغرب، وحلب في الشمال، وتتقاسم السيطرة في المنطقة القوات التركية والمقربون منها من تشكيلات إسلامية مسلحة، إضافة إلى «هيئة تحرير الشام» وأخواتها من جماعات التطرف الديني.

وتبيَّن الصورة المكثفة، ضعف مستوى الفاعلية السورية مقارنة بالفاعلين الآخرين؛ حيث تسيطر الولايات المتحدة في شرق الفرات خلف واجهة أقلية هي أكراد «PYD»، التي تستبعد بقية الأكراد، وتهمش حضور غيرهم من الجماعات السياسية، إن لم تستبعدهم كلياً، فيما الأكثرية الشعبية من سكان المنطقة موزعة إلى لاجئين في العراق وتركيا، ويشكو الباقون من ظلم وظلامات سلطة الإدارة الذاتية وأجهزتها، وخاصة الأمنية - العسكرية، والحال ليس أفضل في مناطق التبعية التركية؛ حيث سلسلة طويلة من نماذج السلطة. ففي منطقتي درع الفرات وغصن الزيتون، تظهر أكثر سيطرة الأتراك، وفي إدلب ومحيطها، ثمة سيطرة معلنة لـ«هيئة تحرير الشام» المتطرفة، وفي هذه المنطقة تتوزع الإدارة بين حكومتين؛ الحكومة السورية المؤقتة التابعة للائتلاف الوطني، وحكومة الإنقاذ التابعة لـ«هيئة تحرير الشام»، وبسبب عوامل متداخلة ومتعددة، فإن المنطقة توفر هامشاً واسعاً لحضور السوريين ومشاركتهم في الحياة العامة، لكنه مثقل بارتباكات معيشية وأمنية نتيجة أعمال عصابات القتل والإجرام وأجهزة المخابرات والعمليات العسكرية لنظام الأسد وحلفائه الذين يرسلون تهديدات متواصلة باجتياح المنطقة.

وللحقّ فإن منطقة سيطرة الأسد وحلفائه، هي الأكثر تعقيداً، ليس لجهة تنوع السيطرة فيها وهذا مهم، بل أيضاً بحكم تنوع سكانها بخلفياتهم ومواقفهم إزاء السيطرات القائمة. وحيث يوجد الإيرانيون وميليشياتهم فإنهم أصحاب السلطة والقرار، سواء من خلال وجودهم المباشر، أو عبر مؤسسات وأجهزة تتبع النظام شكلاً، لكنها من الناحية العملية أدوات في يد الإيرانيين، وهي تقوم على تطبيق سياساتهم وتأمين مصالحهم. والأمر يتكرر بصورة أقل بالنسبة للوجود الروسي في سوريا، سواء عبر الشرطة العسكرية الروسية، أو من خلال مؤسسات وأجهزة النظام الواقع تحت نفوذهم. وخارج خريطة النفوذ الإيراني - الروسي الخاضع لتغييرات وتبدلات مختلفة، فإن السيطرة متروكة لمؤسسات وأجهزة النظام العسكرية - والأمنية، مع دور محدود لبعض الميليشيات في بعض المناطق، التي تتطلب فيها الاحتياجات الأمنية للنظام ذلك.

=========================

السوريون بين التميّز الفردي والإخفاق الجماعي

عبد الباسط سيدا

العربي الجديد

الثلاثاء 26/1/2021

ما هي الأسباب التي تمنع نجاح العمل الجماعي بين السوريين المناهضين للنظام، على الرغم من تميّزهم أفراداً؟ سؤال مشروع يطرحه باستمرار الأصدقاء غير السوريين، والسوريون المعنيون أنفسهم. ظاهرة العمل الفردي، والمبادرات الفردية، باتت واضحة ملموسة، خصوصاً في أوساط من يصنفون في خانة العلمانيين أو الليبراليين أو الوطنيين السوريين، هذا في حين أننا نجد قدرة أفضل نسبياً على التنظيم، والعمل المشترك بمختلف الأشكال لدى الإسلاميين، على الرغم من الخلافات الكثيرة بين مجموعاتهم العديدة، أو ضمن كل مجموعة من تلك المجموعات، ربما للتعاليم الدينية التي تركّز على أهمية الجماعة، إلى جانب ثقافة وتجربة العمل في الجمعيات الخيرية، دور في ذلك. 

هل إخفاق العمل الجماعي بين السوريين أمر له علاقة بالتجارب الشخصية؟ أم بالإخفاقات السياسية، أم بالتباين في توصيف الحالة السورية، وتحديد ملامح المعالجة أو المعالجات المطلوبة؟ أم أن للظاهرة أسبابها العميقة في الواقع السوري نفسه الذي كان باستمرار ساحة صراع بين القوى الإقليمية والدولية، وميدان حرب، في أحيان كثيرة، بين القوى التي كانت تريد منذ فجر التاريخ السيطرة على شرقي المتوسط؟ وقد دفع هذا الأمر السوريين باستمرار نحو المراهنة على المنقذ المخلص الخارجي، وذلك في أجواء غياب الإمكانات الذاتية، أو عدم الثقة بها.

ويبدو أن عوامل الجغرافيا، وواقع توزّع القوى الإقليمية الأساسية، وصراعاتها ومشاريعها، قد أثرت على الأوضاع السورية باستمرار، وأدّت، عبر العصور، إلى ترسيخ عقلية استقوائية تُراهن على قوة الآخرين ومشاريعهم، وتستعين بها الأطراف السورية لتعزيز دورها وسلطاتها ضمن مجتمعاتها المحلية، وذلك مقابل الالتزام بما تمليه عليها القوى الخارجية التي كانت تتبدّل وفق نتائج الصراعات على الأرض السورية منذ أقدم العصور، سواء بين المصريين والحثيين والأكاديين، ومن ثم الآشوريين، مروراً بالمراحل الرومانية والأموية، ومن ثم الصليبية والأيوبية والعثمانية، وصولاً إلى مرحلة الاستعمار الفرنسي، وتشكل الدولة السورية الحديثة، حتى وصلنا إلى بداية عهد الاستقلال، وهي المرحلة التي استمرت سبعة عشر عاماً من الحكم المدني، وهو الحكم الذي لم يتمكّن من التأسيس لمشروع وطني سوري، كان من شأنه مساعدة السوريين في تجاوز واقع الاستقطاب بين التيارين، القومي العروبي والديني الإسلاموي.

وجد حافظ الأسد في أيديولوجية حزب البعث التي تمحورت حول الربط بين النضالين، القومي والطبقي، ضالته؛ فعزّز العلاقات مع الاتحاد السوفييتي، ومد الجسور مع الدول العربية

وجاءت مرحلة الانقلابات التي بلغت ذروتها مع انقلاب "البعث"، وهو الانقلاب الذي سرعان ما خطفه حافظ الأسد الذي تمكّن من تثبيت مواقعه بعد الفشل الذريع الذي تعرّض له المشروع الناصري القوموي في مصر على إثر هزيمة 1967، ومن ثم وفاة جمال عبد الناصر في 1970. وقد وجد حافظ الأسد في أيديولوجية حزب البعث التي تمحورت حول الربط بين النضالين، القومي والطبقي، ضالته؛ فعزّز العلاقات مع الاتحاد السوفييتي، ومد الجسور من جهة أخرى مع الدول العربية، خصوصاً الخليجية منها، تحت شعار ضرورة تحقيق التوازن الاستراتيجي مع إسرائيل. وقد كانت قضية فلسطين بالنسبة إلى نظامه، وما زالت بالنسبة لنظام ابنه ومحور المقاومة، أداة دعائية إعلامية، تستخدم لدغدغة المشاعر الشعبية وإشغالها.

ومع انهيار الاتحاد السوفييتي 1991، تراكمت عوامل التشاؤم لدى مثقفين سوريين كثيرين كانوا يناهضون السلطة، ويتحرّكون، من جهة ثانية، ضمن فضاءات الأحزاب اليسارية والقومية التي كانت تعد من ناحيةٍ معارضة، ولكنها كانت، من ناحية أخرى، قد أصبحت، في واقع الأمر، جزءاً من واجهة الحكم التي هندسها حافظ الأسد في صيغة "الجبهة الوطنية التقدّمية". أما القوى التي تمرّدت على التدجين، فكان نصيبها القمع والسجن والشيطنة. ولكن اللافت، في هذا السياق، أنه حتى هذه القوى لم تقدّم مشروعاً وطنياً يخصّ الواقع السوري نفسه، ولم تركّز جهدها على الأوضاع المعيشية الصعبة التي كان السوريون يعانون منها. كما لم تكترث هذه القوى بمعاناة السوريين مع الاستبداد والفساد، ولم تُقرأ كما ينبغي، أو تعمّدت الغباء أو الاستغباء في قراءة لعبة النظام في ميدان الإيقاع بين المكونات السورية، وتفضيله لبعضها، وإبعاد بعضها الآخر واضطهاده، في سياق خطته لتكريس مشروعه التسلطي. وإنما ركّزت على السياسة الخارجية، والتقت، في أحيان كثيرة، مع شعارات النظام نفسه، من جهة تأكيد أهمية الصداقة مع الاتحاد السوفييتي، أو مناهضة الإمبريالية الأميركية، والتمسّك بشعارات المقاومة الخاوية التي كانت تُستخدم للتمويه على عملية أنقاض النظام على الداخل الوطني. فبينما كان النظام يتعامل مع تلك الشعارات من موقع براغماتي نفعي، كانت القوى المعنية تنمّي في أعضائها وأنصارها ووسطها نزعة أرثوذكسية عقائدية متشدّدة، وغالباً ما كانت التخريجات اللغوية الطويلة المعقدة الوسيلة للتغطية على حقيقة ما كان يجري في الواقع العملي؛ وما كان يفعله نظام حافظ الأسد عملياً على الأرض لتثبيت سلطته، واستخدامه مختلف الأدوات، بما فيها الطائفية، من أجل تسويق ذاته، بوصفه صمام الأمن والأمان للطائفة، ولكل المكوّنات السورية التي كانت، وما زالت، تتحسّب لتبعات المشروع الإسلاموي المتشدد في بعده السني.

مع بداية الثورة السورية، ساهم مثقفون وأكاديميون سوريون في الجهود التأسيسية للمجلس الوطني السوري

ومع سقوط نظام صدام حسين في العراق 2003، وقبله انهيار الاتحاد السوفييتي، تراجعت شعبية الأحزاب القومية واليسارية بصورة جذرية، وانفضّ عنها المثقفون والكتّاب والمبدعون بصورة عامة، هؤلاء الذين كانوا يوفرون لها سابقاً ميداناً حيوياً فاعلاً بين الأوساط الشعبية؛ وكانت الأحزاب المعنية تستفيد من الاحترام الذي كانوا يحظون به. ومع الوقت، توزّع أولئك المثقفون والكتاب والمبدعون بين مجموعتين بصورة عامة. مجموعة تبعثر أعضاؤها بين العمل الفردي الذي شمل البحث، والجهد الإعلامي، والمقالات والدراسات النقدية، وذلك في انتظار قادم أفضل.

هذا في حين أن قسماً آخر أسهم في تأسيس إعلان دمشق، ومن ثم هيئة التنسيق. وقد أدّت الإخفاقات التالية بعدد كبير من هؤلاء المثقفين إلى الابتعاد ثانيةً عن الأجواء الحزبية والسياسية بصورة عامة. ومع بداية الثورة السورية، ساهم مثقفون وأكاديميون سوريون في الجهود التأسيسية للمجلس الوطني السوري، وبذلوا مساعي حميدة في ميدان التقريب بين مختلف الأطراف السياسية (إعلان دمشق، هيئة التنسيق، الإخوان المسلمين، الأحزاب الكردية)؛ ولكن سرعان ما دبّت الخلافات، وعاد معظمهم إلى مواقعهم الفردية المختلفة.

والعلة الأساسية التي يعاني منها هؤلاء تتمثل في أنهم خرجوا من مدارات أحزابٍ لم تعد ترتقي إلى مستوى تطلعاتهم، ولكنهم لم يتمكّنوا بعد من الانتظام في أحزابٍ تجسّد أفكارهم وطموحاتهم، وتحقق تفاعلاً مطلوباً بين جهودهم عبر التنظيم.

تبرّم وشكوى مستمرّان من هيمنة الإسلاميين على مؤسسات المعارضة الرسمية، ونقد مستمر لتغلغلهم في مختلف الجهود

أما الدعوات الفردية التي تشيد بالديمقراطية، وتبشّر بها، وتجدها حلاً، وتطالب بضرورة الأخذ بها، فهي قد غدت، مع الوقت، مجرّد لازمة جميلة لا تتردّد أصداؤها في الواقع العملي، فالديمقراطية بوصفها نظاماً سياسياً، تقوم في جوهرها على التعدّدية الحزبية، ولا يمكن أن تقوم بصيغة من الصيغ بناء على أفراد وأمزجة الأفراد. والحالة السورية خاصة؛ إذ تمرّدت الكفاءات السورية على أحزابٍ ما زالت تتخذ من الأوهام الأيديولوجية ركيزة لسياساتها، ولا تعطي أي اعتبارٍ للوقائع والمتغيرات التي ظهرت، وتبدّلت، أكثر من نصف قرن. أحزاب مترهلة منهكة أصلاً، وأنهكتها أكثر الأجهزة المخابراتية الأخطبوطية بتدخلاتها المتواصلة التي أسفرت عن الانشقاقات المستمرّة، حتى اضطرت تلك الأحزاب، في نهاية المطاف، إلى التزام الهوامش المسموح بها سلطوياً. وعلى الرغم من محاولاتٍ عديدة جرت لتجاوز هذه الوضعية، لم تظهر بعد بدائل مقنعة من شأنها تأطير الكفاءات المبعثرة المتذرّرة الملتحفة بعوالمها الخاصة.

هناك تعويل مشروع على الشباب؛ ولكن حالة التبعثر والشرذمة تفعل فعلها هنا أيضاً، فقد توزّعت الكوادر الشبابية الواعدة بين المهاجر والمخيمات والداخل الوطني. كما أن الظروف القاسية قد دفعت طاقات شبابية كثيرة نحو العمل ضمن إطار منظمات دولية لها أهدافها وتوجهاتها الخاصة بها.

هناك تبرّم وشكوى مستمرّان من هيمنة الإسلاميين على مؤسسات المعارضة الرسمية، ونقد مستمر لتغلغلهم في مختلف الجهود التي تبذل من أجل تجاوز الواقع الحالي. وفي الآونة الأخيرة، بدأنا نتلمس ملامح خصومة مفتوحة، مفتعلة في معظم الأحيان، بين "العلمانيين" و"الإسلاميين"، الأمر الذي لا يساهم قطعاً في توحيد جهود السوريين المناهضة لنظام الاستبداد والإفساد.

نحن اليوم أحوج ما نكون فيه إلى أحزاب ومنظمات وطنية، تتخذ من الواقع المشخص السوري واحتياجاته محور برامجها وسياساتها، وتعمل من أجل طمأنة السوريين، كل السوريين من دون أي تمييز أو استثناء؛ وتسعى من أجل تعزيز الثقة بينهم، وتمنحهم الثقة بإمكانية الوصول إلى مستقبل أفضل، على الرغم من كل ما جرى، وما زال يجري.

=========================

المواجهة الأميركية – الصينية القادمة في الشرق الأوسط

د. خطار أبودياب

العرب اللندنية

الثلاثاء 26/1/2021

لم تتحقق الاستدارة الأميركية من الشرق الأوسط وأوروبا نحو آسيا والمحيط الهادئ، كما تصورت إدارة باراك أوباما. وحاليا بعد المسعى الترامبي إلى إعادة تركيب المشهد الإقليمي، ينتظر كل المعنيين بلورة وبدء نشاط الإدارة الديمقراطية الجديدة في أحد أبرز مسارح الصراع العالمي.

لكن بالرغم من ثقل أوزان اللاعبين الإقليميين وحجم واشنطن التاريخي والعودة الروسية والحضور الأوروبي والآسيوي، تبرز الصين بمثابة القوة التي تنطلق من مشروع “طرق الحرير الجديدة” وتتمّم تمددها الجيوسياسي نحو هذه المنطقة. ولذا لن تكون إدارة جو بايدن مضطرّة إلى خوض مبارزة ترتسم مع الصين في الشرق الأوسط حول المصالح والنفوذ والتوازنات العالمية الجديدة. ولأن الصين تمثل وفق العقيدة الاستراتيجية الأميركية التحدّي الأكبر لواشنطن عالميا، سيكون للشرق الأوسط نصيبه من اختبار القوة المفتوح بين الجانبين وما يرافق ذلك من تغيير في قواعد اللعبة الدولية.

من إدارة ترامب إلى إدارة بايدن، لن يكون هناك تغيير ملموس في مقاربة الصين، إذ إننا أمام نظرتين للعالم ورؤيتين أيديولوجيتين تتواجهان ولا تتقاسمان في المدى المنظور أيّ مخرج مشترك لتنظيم العولمة أو إعادة تشكيل النظام الدولي. والأدهى أن المشهد العالمي في حقبة جائحة كورونا يتخبط باضطراب متصاعد مع عودة سباق التسلح بين الدول الكبرى والقوى الإقليمية ومن دون وجود حوكمة وضوابط في تنافسية لا ترحم إلى حدّ أن وزيرة الدفاع الفرنسية فلورانس بارلي حذرت من أن “الأزمة الوبائية أدّت إلى تفاقم السلوكيات العدائية على الساحة الدولية”. وبالفعل يشتد التجاذب الدولي على خلفية الأزمة الصحية والاقتصادية والاجتماعية وردود الفعل المتجهة نحو الانكفاء وإثارة النزعات القومية والطموحات الوطنية والفئوية.

وكان من اللافت في حصاد 2020 السنة الاستثنائية، أن اقتصاد الصين يتعافى ويسجل نموا وباقي القوى الاقتصادية الكبرى تغرق في الانكماش، حيث إن جائحة كوفيد – 19 والتداعيات الاقتصادية المصاحبة لها رجحت بالتأكيد كفة الصين في المنافسة الدولية. وحسب مركز الاقتصاد وأبحاث الأعمال (سي.إي.بي.آر)، ومقره في بريطانيا (وهو من المراكز الرائدة للأبحاث الاقتصادية)، كانت تداعيات وباء كورونا الاقتصادية لصالح الصين، مؤكدا أن “إدارة بكين الماهرة للأزمة ستجعلها الاقتصاد العالمي الرئيسي الذي سيتوسع في العام المقبل”. ووصل الأمر بهذا المركز الرصين ليتوقع أن “الصين ستصبح أكبر اقتصاد في العالم بحلول عام 2028، متفوقة بذلك على الولايات المتحدة، قبل خمس سنوات ممّا كان متوقعا في السابق”.

وعلى ضوء تعاظم حصة الصين في الاقتصاد العالمي وتوصلها في الأشهر القليلة الماضية إبان “الوقت الأميركي الانتخابي الضائع”، إلى اتفاقين ثمينين للتبادل التجاري مع آسيا ومع أوروبا (الاتفاق الأول في نوفمبر 2020 شمل 15 دولة من منطقة آسيا والمحيط الهادي ويضم 10 دول في جنوب شرقي آسيا إلى جانب الصين واليابان وكوريا الجنوبية ونيوزيلندا وأستراليا أي أكثر من ملياري نسمة، وثلث التجارة العالمية. والاتفاق الثاني في ديسمبر 2020 كان مع الاتحاد الأوروبي تحت قيادة ألمانيا وهو اتفاق شامل بشأن الاستثمارات بين الطرفين).

ونظرا إلى الموقع الصيني المترسخ في أفريقيا، سيكون الشرق الأوسط من مسارح التجاذب الأساسية بين واشنطن وبكين. ومن المنتظر أن تركز إدارة بايدن في الشرق الأوسط على إعادة العمل بالاتفاق النووي مع إيران (وربما تحسينه) والعمل على استئناف المفاوضات الإسرائيلية – الفلسطينية. ويمكن لهذا الجهد أن يهز العلاقة الأميركية مع حليفين رئيسيين لواشنطن وهما إسرائيل والمملكة العربية السعودية.

لن تكون إدارة جو بايدن مضطرّة إلى خوض مبارزة ترتسم مع الصين في الشرق الأوسط حول المصالح والنفوذلكن القطبة المخفية ستكون في تجاهل نفوذ الصين المتنامي في الشرق الأوسط ، الذي يشكل تحديا جيوسياسيا رئيسيا لا يتم التنبه له مليا في واشنطن خاصة من جانب أركان إدارة أوباما العائدين إلى مراكز القرار، مع العلم أن الشرق الأوسط تغيّر كثيرا وأنه لا يمكن تجاوز إرث ترامب فيه بسهولة من جهة، ونكران آثار العودة الروسية والصعود الصيني التدريجي.

في السنوات الأخيرة من خلال مبادرة الحزام والطريق التي تبلغ تكلفتها عدة تريليونات من الدولارات، استثمرت الصين في ميناء جوادر الاستراتيجي بباكستان (الممر بين طريق الحرير البرية وطريق الحرير البحرية نحو آسيا) بالقرب من الخليج وفي أول قاعدة عسكرية عالميا في جيبوتي عند مدخل البحر الأحمر. كما يفكر الصينيون في إنشاء قاعدة عسكرية في بورتسودان شمالا على البحر الأحمر (ليس بعيدا عن القاعدة العسكرية الروسية التي أقيمت حديثا)، ومنشأة بحرية في جيواني – باكستان على الحدود الإيرانية. وهناك أيضا المشروع المثير للجدل حول إدارة محتملة لمنشآت جديدة في الموانئ الإسرائيلية في حيفا وأشدود. وضمن هذه اللوحة قد تصبح أفغانستان ذات يوم خطا فرعيا لطريق غرب الصين وممرَّ الحزام عبر باكستان إلى بحر العرب.

وحسب لغة الأرقام، فالصين هي الشريك التجاري الرئيسي للمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. تستثمر الصين مليارات الدولارات في مصر وربما مليارات أخرى كجزء من اتفاق استراتيجي تقول إيران إنها أبرمته معها ولم تؤكده الصين بشكل قاطع.

تسقط العوائق الجغرافية أمام الصين عبر استخدام القوة الناعمة والإمكانيات الاستثمارية، ويراهن الصينيون على أن نظام الطرق والسكك الحديدية والموانئ الذي يبنونه في الشرق الأوسط سوف يمنحهم يوما ما يدا قوية في أوروبا وشرق آسيا، ناهيك عن شرق أفريقيا. وهذا يجعل العالم أكثر ترابطا ويسهل تمددهم الاقتصادي.

ولا نلمس تفكيرا شموليا على نفس المستوى في واشنطن التي تعتمد على التحالفات سبيلا لمواجهة الصين في وقت تمكنت فيه بكين في الشرق الأوسط من تحقيق اختراق كبير عند حلفاء أساسيين لواشنطن، حيث لا تنحاز بكين إلى أي طرف وتبدو مرتاحة للعمل مع إيران وإسرائيل والمملكة العربية السعودية وأخيرا مع تركيا.

والبارز في النهج الصيني عدم التدخل في شؤون الدول والتركيز على الاستقرار وطريقة رابح – رابح ظاهريا أي أنه بدلا من الترويج لرؤية ما يتبنى الصينيون نهجا توسعيا لصالحهم في المقام الأول وفيه تخصيص قسم من الفائدة تجاريا. عبر المال والوسائل المتاحة. أي أن الثورة الرقمية والإنجازات الاقتصادية كلها تصب لخدمة التوسع الصيني. وأخيرا تبين أن المملكة العربية السعودية كانت أول مصدّر للنفط إلى الصين في 2020 وقد سبقت روسيا، أما دولة الإمارات العربية المتحدة فكانت أول من استخدم اللقاح الصيني ضد كورونا.

يطالب بعض الاستراتيجيين الأميركيين أن تقتدي واشنطن ببريطانيا التي كانت تعمل على منع أي قوة من السيطرة على أوروبا القارية. وذلك بالعمل على منع أي قوة من الهيمنة على الأفرو-أوراسيا، وهو ما أطلق عليه العالم الجغرافي البريطاني ماكيندر “جزيرة العالم” (أي قلب العالم) لأنه من خلال ربط أوروبا بشرق آسيا عبر الشرق الأوسط، ستعمل الصين في النهاية على تطوير قدرتها على تهديد أميركا الشمالية اقتصاديا وعسكريا. هذا حسب هؤلاء وهو في النهاية هدف الحزام والطريق. وعلى إدارة بايدن مواجهته ومنعه قبل فوات الأوان، مما يعني أن الشرق الأوسط سيبقى في مخاض الصراعات بالوكالة وتصفية الحسابات ضمن الثلاثي العالمي القيادي (الولايات المتحدة، الصين وروسيا).

البعض في واشنطن يذكر بنصيحة المنظر الأميركي الاستراتيجي زبيغنيو بريجيتسكي بوجوب قبول الولايات المتحدة لشراكات موضعية مع كل من روسيا والصين للحفاظ على موقع القوة العظمى الوحيدة بأسلوب مرن. لكن الحرب السيبرانية التي بدأت والحروب التجارية القائمة تشيان بأن الشرق الأوسط سيكون من مسارح السباق العالمي المحتدم.

=========================

آخر علاج للنظام.. لكنه قاتل

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 25/1/2021

كانت جائزة الترضية لحافظ الأسد إثر إرساله قواتٍ سوريةً للاشتراك في حرب الخليج الأولى عام ١٩٩٠، وعداً بمفاوضات مع إسرائيل؛ فكان مؤتمر مدريد عام ١٩٩١؛ وتبعه جولات مفاوضات مع الإسرائيليين في "واشنطن" و "واي بلانتيشن".

في إحدى جولات واشنطن، سألتُ المرحوم الدكتور موفق العلاف، رئيس وفدنا (حيث كُنْتُ في الجانب الإعلامي للوفد): "لماذا لا يحصل أي نتيجة مما نحن بصدده؛ والإسرائيليون يبدون جاهزين؟"؛ فقال ما صدمني، وما يمكن تلخيصه بأن {"جماعتنا"- ويقصد حافظ أسد حصراً- ما (بدهن)}. كان ذلك في الجولة الخامسة من المفاوضات في واشنطن؛ حيث استمرت تلك الجولة أربعة أسابيع؛ وبدت الأمور شبه منتهية: "سنأخذ الجولان، وسيأخذ الإسرائيليون سلاماً". لم يحدث شيء من ذلك.

عدت لاحقاً للتفكير بعبارة "العلاف" (ما بدهن)؛ ولَم استوعبها إلا عام ألفين، وتحديداً في السادس والعشرين من آذار، خلال آخر لقاء لحافظ الاسد و"بيل كلنتون" في جنيف؛ وبحضور "مارتن انديك" سفير أميركا في إسرائيل، و"دينس روس" المبعوث الأميركي لعملية السلام. خلال القمة كان الأخيران يتواصلان مع "إيهود باراك"، رئيس وزراء إسرائيل حينها. باراك اعترف بما سُمي "وديعة رابين"، التي بموجبها تقرُّ إسرائيل بتبادل (الأرض بالسلام)، وتعود الجولان؛ إلا أن حافظ الأسد لم يوافق؛ وحجته أمتار قرب بحيرة طبريا. رسالته هذه أنه / لا يتنازل عن سنتيمتر واحد من الجولان/. هكذا تم تصدير الأمر إعلامياً؛ إلا أن جوهر الأمر وحقيقته كان واضحاً عنده فقط لثلاثة: الأسد، دينس روس، ومارتن انديك. لا كلنتون، ولا حتى إيهود باراك كانا يعرفان أن الأسد لا يستطيع أن يوافق؛ ولكنه يستمر بالظهور بمظهر المتمسك بكل سنتيمتر؛ إلا أن همّه وهاجسه في مكان آخر. كان لموقفه ذاك أسباب حقيقية أخرى، لا ما هو ظاهر.

من هنا، وكي يبقى الأسد خارج أي استحقاق فعلي، يولّد حلاً، وتستعيد من خلاله سوريا أرضها المحتلة؛ كان الأسد يتلظى حيناً بالقضية الفلسطينية والشعارات البراقة في "المقاومة والممانعة"؛ وشعاره الخاص /لا حل سورياً قبل حل فلسطيني/. وكان قبلها قد عاش على "الصمود والتصدي"، إثر استعادة مصر لسيناء. ثم عاد، واختبأ في ظل "أوسلو"، ومناصبة عرفات العداء، كي يبقي مزاوداته حيّة في "المقاومة والممانعة".

كثرت الفرضيات والنظريات حول موقف حافظ الأسد ذاك. بعضها وصل لدرجة القول إن الأسد قد باع الجولان فترة تسلمه وزيراً للدفاع، وقبض ثمنها؛ ومن هنا كانت أوامره كوزير للدفاع بذلك الانسحاب المذل من الجولان عام سبعة وستين. وبناءً عليه، يُطلَقُ التساؤل الاستنتاجي: كيف يستردها، وقد باعها وقبض ثمنها؟! آخرون يسوقون تفسيراً آخر لموقفه، بأن السبب الأساس يكمن بضرورة "المقاومة والممانعة والعداء لإسرائيل"، الذي يعطيه مبرر البقاء الأبدي في السلطة وتوريثها كما يشاء؛ لأنه في حال عادت الجولان، وعم السلام والديمقراطية؛ فلن يكون له أي مبرر إلا الخضوع للمعايير الديموقراطية في حكم رشيد أساسه تداول السلطة، والتنمية الحقيقية، ومحاربة الفساد والقمع والاستبداد؛ وهذا ما لا يستطيع الأسد أن يعيش معه، ويحتكر السلطة في آن معاً.

ومن هنا فإنه من وقت لآخر، لا بد من فتح هذا البازار للحاجة الماسة أو للضرورة: "مفاوضات سلام أو تطبيع مع إسرائيل". فتكون تركيا أو غيرها الوسيط. والآن وبعد النكبة السورية لسنوات هي الأخطر والأكثر تهديداً لسوريا وشعبها عامة، ولمصير النظام التوريثي الحاكم، ومن يقف وراءه، خاصة؛ تدخل روسيا المأزومة على الخط.

مُقنع في هذا المفصل الزمني أن تكون روسيا هي الوسيط؛ فليس أهم عندها من تقديم نفسها للغرب، رعاة إسرائيل، كصديقة لها آملة أن تكون بوابتها للغرب

هناك تسريب إخباري عن لقاء تمَّ في حميميم، قاعدة الروس الأساسية في سوريا، جمَعَ الأسد وإسرائيليين برعاية روسية الشهر الماضي. يفصّل ناقلو الخبر حتى بالشروط التي وضعها الأسد الابن كي يطبّع مع إسرائيل: تثبيت نظامه، رفع عقوبات قانون قيصر، تسديد ديون إيران، إعادة علاقاته مع الخليج، والعودة للجامعة العربية. ومن جانبهم طلب الإسرائيليون- كما ينقل المسربون- فك الارتباط بإيران، إخراج حزب الله من سوريا، تقديم معلومات وإحداثيات عن الحرس الثوري، وإعادة هيكلية الجيش والآمن وتنظيفه من الولاءات لإيران، وتسليم ما تبقى من السلاح الكيماوي.

مُقنع في هذا المفصل الزمني أن تكون روسيا هي الوسيط؛ فليس أهم عندها من تقديم نفسها للغرب، رعاة إسرائيل، كصديقة لها آملة أن تكون بوابتها للغرب؛ فهو من جانب إخراج لها من أزمتها وتورطها؛ ومن جانب آخر إنقاذ لنظام طالما سعت لإعادة تعويمه؛ إلا أن ذلك يأتي بعد أن توهّم الروس أن القضية السورية كلها بيدهم، غير مدركين أن أميركا لا ترى فيهم حتى الشريك الند للحل. ما هو غير مقنع يكمن أولاً في هذه الشروط المتبادلة شبه المستحيلة. فمن ناحية، نظام الأسد ونظام الملالي كتوءم سيامي يصعب فصله؛ فقد تناسى رأس النظام أن إيران تعتبر خطوة كهذه بمثابة افتئات على ملالي قُم؛ وبالتالي يجب أن يُنزل أشد العقاب بالخائنين الذين يرغبون بالاستغناء عن الأوكسجين الإيراني، ولعل نهاية "علي عبد الله صالح" خير موعظة لمنظومة الاستبداد. من جانب آخر، مَن قال إن إسرائيل ليست مسرورة بوجود إيران وأدواتها في سوريا كحجة لها للنيل منهم ومن سوريا معاً؛ وخاصة أن الأسد هيأ لها هذه الفرصة مختاراً أم مجبراً. ومن ناحية ثالثة، هل تحتاج إسرائيل أن تطبّع مع منظومة استبدادية منحتها كل ما أرادته لأربعة عقود، ودمّرت لها سوريا في العقد الخامس؟! ربما كان نافعاً لإسرائيل أن تطبع مع النظام في أي وقت، إلا في هذا الوقت؛ فهو الآن يحمل أوزاراً، حتى إسرائيل لا تستطيع حملها أو رفعها عنه. والأكثر أهمية، أن إسرائيل تعرف بأنه نظام مهترئ، ولا يستحق منها حتى مكافأة نهاية خدمة.

لقد وصل النظام الأسدي إلى حافة الهاوية فعلاً؛ إنه في حالة يأس قاتلة؛ وما بقي أمامه إلا الانكشاف

ما الغاية إذن من هكذا تسريبات، حتى ولو كانت صحيحة؛ وخاصة أن أخطر ما يمكن أن يتعرض له النظام هو انكشاف حقيقته، وانفضاح كذبة "المقاومة والممانعة والصمود والتصدي" التي عاش بظلها، وزاود على الجميع بظلها، وقتل السوريين بظلها، وجعل موالاته مقعدين عقلياً وأخلاقياً بظلها؟؟!!

لقد وصل النظام الأسدي إلى حافة الهاوية فعلاً؛ إنه في حالة يأس قاتلة؛ وما بقي أمامه إلا الانكشاف. فإن تمخض شيء عن المحاولة، فلا بأس؛ وإن لم يحصل (للأسباب المذكورة أعلاه) يقوم بتكذيب التسريب، ويستعيد بعض ماء الوجه أمام موالاته على الأقل، ويبرر شيئاً من الوضع المأساوي الذي وصلت إليه سوريا. ويقول: "ها هي المؤامرة الكونية مستمرة، وعناصرها يتهمون نظام المقاومة بالتواصل مع إسرائيل بكذب وتجنٍ وظلم!!" وبذا يحافظ على سردية عاش بظلها كل هذه السنين، ويستعيد عقولاً برمجها؛ بدأت "تشك" به.

أخيراً، لقد كسبت إسرائيل ما لم تكن تحلم به خلال السنوات العشرة الماضية؛ إلا أن هذا الجنى مرحلي؛ فعمر الشعوب لا يقاس بسنة أو بعقد أو بقرن. ربما كان بودها ألا يصل نظام الاستبداد الخادم لها إلى هذا الحد. لقد سقطت ورقة التوت وانكشفت عورته؛ ولم يعد هناك ما يتلظى به، وسقطت شماعة "أولوية معركة المصير مع إسرائيل"، التي ينشر عليها عذابات السوريين. إنه نظام تخضبت يداه بدمائهم. إنه نظام يحتضر. وقد يكون العلاج الإسرائيلي قاتلاً بالنسبة له. وهكذا، لم يبقَ أمامه إلاّ الرحيل.

=========================

اللجنة الدستورية: اجتماع حاسم

بشير البكر

سوريا تي في

الاحد 24/1/2021

كانت الإحاطة الأخيرة مساء الأربعاء الماضي أمام مجلس الأمن من طرف المندوب الأممي إلى سوريا غير بيدرسون مختلفة وخارجة عن المعهود في كلام الدبلوماسيين الأمميين. وتضمنت عدة خلاصات على قدر كبير من الأهمية. أولها "لا توجد محادثات سياسية بين السوريين إلا على المسار الدستوري". والثانية "الصراع دولي في سوريا وتنشط على أرضها خمسة جيوش.. لا يمكننا التظاهر بأن الحلول بأيدي السوريين فقط، أو أن الأمم المتحدة يمكنها أن تفعل ذلك بمفردها". أما الخلاصة الثالثة فهي "الانتخابات الحرة والنزيهة التي ستجري بموجب دستور جديد تحت إشراف الأمم المتحدة، على النحو الذي ينص عليه قرار مجلس الأمن 2254 تبدو بعيدة في المستقبل".

تبدو كل رسالة من هذه الرسائل موجهة في اتجاه وتخاطب طرفا بعينه، ولكنها تلتقي عند نقطة معينة، وهي أن الحل في سوريا ليس قريبا أو بيد السوريين والأمم المتحدة، وأن اقتصار المفاوضات بين السوريين على الجانب الدستوري لا يكفي وحده، وهو ما يوحي بأن المنظمة الدولية تمهد لإعلان فشل اللجنة الدستورية كآلية سياسية جرى التوافق عليها كمدخل لتطبيق القرار 2254. وهذه رسالة إلى الإدارة الأميركية الجديدة التي عليها النهوض بمسؤولية كبيرة.

لا يبدو أن الاجتماع سوف يسير كما هو مقرر له بسبب العقبات التي بدأت تظهر في الطريق، وعلى رأسها الخلاف داخل الهيئة العليا للمفاوضات

وجاءت تلك الخلاصات في وقت ذهب السوريون إلى جنيف ليبدؤوا يوم الإثنين المقبل جولة جديدة من اللجنة الدستورية، هي الجولة الخامسة التي تم تحديد جدول أعمالها والاتفاق عليه من حيث المبدأ كي يباشروا بصياغة الدستور. إلا أنه لا يبدو أن الاجتماع سوف يسير كما هو مقرر له بسبب العقبات التي بدأت تظهر في الطريق، وعلى رأسها الخلاف داخل الهيئة العليا للمفاوضات، والذي تفجر منذ عدة أيام ووصلت أصداؤه إلى بيدرسون وروسيا. والسبب الظاهري في هذه الأزمة داخل الهيئة التي تشكلت في مؤتمر الرياض 1 في نهاية العام 2015 هو ما تشهده بعض منصات الهيئة من خلافات داخلية، كما هو الحال داخل منصة القاهرة، ولكن السبب الفعلي والعميق هو محاولة السعودية عقد مؤتمر الرياض 3 من أجل إعادة هيكلة الهيئة التي يمتلك الائتلاف وقيادته الحالية الأكثرية فيها. وتطمح السعودية والإمارات إلى وضع اليد على الهيئة باعتبارها الجهة التي صارت موكلا إليها التفاوض، وهناك سبب إضافي للضغط الذي تمارسه الرياض وأبو ظبي يتمثل في محاولات إضعاف الدور التركي في المسألة السورية.

يأتي هذا التشرذم وتمييع القضية السورية مع وصول إدارة أميركية جديدة، كان ألف باء السياسة يفرض على السوريين أن يبدوا موحدين

ومن المؤسف أن من يفتح أبواب التدخلات الخارجية، ويمهد الطريق لها هم من السوريين الذين يتولون مسؤوليات قيادية في هيئات المعارضة، ومنها المنصات التي فرضت نفسها على المعارضة داخل هيئة التفاوض واللجنة الدستورية بضغط من روسيا في مؤتمر الرياض 2، في حين أن مكان بعضها الطبيعي هو صف النظام، وهذا ينطبق بصورة لا تقبل النقاش على منصة موسكو التي يديرها رجل الأعمال والسياسي الكردي الوزير السابق في حكومة بشار الأسد، والمقيم في موسكو منذ أعوام قدري جميل. وكان له حضور في مجريات الخلاف الراهن وترتيب اجتماع بين وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف وبعض الشخصيات مثل الفنان جمال سليمان وخالد المحاميد رجل الإمارات وأحد عرابي صفقة تسليم درعا للروس والنظام في العام 2018.

ويأتي هذا التشرذم وتمييع القضية السورية مع وصول إدارة أميركية جديدة، كان ألف باء السياسة يفرض على السوريين أن يبدوا موحدين، عسى أن يتمكنوا من فرصة لإعادة تقديم القضية السورية على نحو يساعد الشعب السوري من التقاط أنفاسه على طريق إيجاد تسوية سياسية تليق بالتضحيات. ولكن يبدو أن هناك من لا مصلحة له في ذلك، ويود استمرار الوضع الراهن الذي باتت فيه موسكو صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة.

=========================

خطة روسيا الجهنمية.. متى ترحل إيران عن سوريا؟

مرصد مينا – هيئة التحرير

الاحد 24/1/2021

مع قدوم إدارة أمريكية جديدة وتوجه سوريا نحو انتخابات رئاسية، يبدو حتى الآن أنها محسومة سلفاً لصالح رأس النظام السوري، “بشار الأسد”، تتزايد الأسئلة حول مستقبل الميليشيات الإيرانية في سوريا، لا سيما وأن روسيا لم تتخذ حتى اليوم أي إجراءٍ علني ملموس لإخراج تلك الميليشيات، بعد مرور أكثر من 5 سنوات على تدخلها العسكري المباشر في الحرب السورية لصالح النظام.

وكانت روسيا قد أعلنت صيف العام 2015، تدخلها عبر سلاح الجو الروسي في الحرب السورية، تحت مظلة محاربة الإرهاب، حيث تمكن النظام السوري منذ ذلك الوقت من استعادة السيطرة على معظم المدن والمناطق، التي كانت المعارضة تسيطر عليها بعد اندلاع الثورة السورية عام 2011.

خطة جهنمية

تكشف مصادر من داخل النظام السوري، أن خروج إيران وميليشياتها من سوريا، مرتبط بخطة روسية وصفتها بـ”الجهنمية”، لافتةً إلى أن روسيا تعمل حالياً على إنشاء جيش سوري جديد يكون بديلاً عن جيش النظام السوري الحالي، وأن ما يعرف بالفيلق الخامس، هو نواة ذلك الجيش.

كما تبين المصادر أن النفوذ العسكري الروسي البري، يمتثل فعلياً بالفيلق الخامس، التابع مباشرةً لقاعدة حميميم الروسية، موضحةً أن الفيلق يمثل كياناً عسكرياً مسلحاً موازيا لقوات نظام “بشار الأسد” التقليدية.

يشار إلى أن قاعدة حميميم، التي تعتبر مقر القيادة العسكرية الروسية، قد أعلنت قبل سنوات عن تشكيل الفيلق، والذي ينتشر في عدة مناطق حيوية في البلاد، بينها مناطق البادية السورية ودرعا والقنيطرة، كما سبق لعدد كبير من مقاتلي المعارضة السورية الانضمام إلى الفيلق المذكور بموجب اتفاقات المصالحة المعقودة مع النظام برعاية من روسيا.

في السياق ذاته، تؤكد المصادر أن الخطة الروسية تسير بوتيرة متسارعة وأن الجيش الروسي يسعى لاستقطاب أكبر عدد من المتطوعين للانتساب إلى الفيلق، مؤكدةً أن روسيا تنظر إلى القوات التقليدية للنظام، وتحديداً الفرقة الرابعة، التابعة “لماهر الأسد” شقيق رأس النظام، على أنها تابعة للنفوذ الإيراني.

يذكر أن سوريا شهدت خلال الأشهر الماضية، عدة صدامات بين قوات تابعة للفرقة الرابعة وأخرى تابعة للفيلق الخامس، لا سيما في مدينة درعا جنوب بلاد، كان آخرها قبل أسبوعين، حيث اقتحمت كتيبة من كتائب الفيلق، والتابعة للقيادي السابق في المعارضة السورية، “أحمد العودة”، حاجزاً للفرقة الرابعة على أوستراد درعا – دمشق، واحتجزت عدداً من العناصر لعدة ساعات بعد اشتباكات مسلحة.

وتبين المصادر أن قوات النظام حالياً تقسم إلى ثلاثة أقسام، الأول هو قوات النخبة التقليدية والتي يمثلها الفرقة والحرس الجمهوري، وهي تعتبر موالية لإيران، وقوات الفيلق الخامس والتي تعتبر موالية لروسيا، أما القسم الثالث، فهو القوات النظامية، والتي لا تشكل أي ثقل في المعادلة السياسية ومعادلة النفوذ، على حد قولها، لافتةً إلى أن الوجود الروسي حجم من دور الحرس الجمهوري والفرقة الرابعة في سوريا.

دروس العراق وأفغانستان

روسيا فيما يتعلق بالملف السوري، استفادت من درسين تاريخيين، الأول حربها في أفغانستان والثاني من الحرب الأمريكية في العراق، وفقاً لما يراه الباحث في شؤون الشرق الأوسط، “محمد الحاج علي”، لافتاً إلى أن روسيا تسعى إلى تشكيل جيش سوري جديد بمواصفات جديدة، على أن يكون ذلك الجيش جاهزاً قبل حل الجيش الحالي أو على الأقل بعض القطع الاستراتيجية فيه.

كما يوضح “الحاج علي”: “كل العالم رأى خطأ الجيش الأمريكي بحل الجيش العراقي السابق، وما يعيشه العراق حالياً بسبب ذلك القرار، بالإضافة إلى أن حرب أفغانستان وما حصل فيها، دفعت روسيا إلى عدم المخاطرة بالوجود البري في سوريا، لذا فإن القرار الروسي على ما يبدو، هو عدم حل الجيش بشكل مباشر وإنما تشكيل الجيش الجديد بشكل تدريجي بحيث يكون ممثلا لنفوذها البري في سوريا”، لافتاً إلى أن مصالح روسيا في سوريا قائمة على ترسيخ الاستقرار وعدم انزلاق البلاد إلى السيناريو العراقي، خلافاً للمصالح الإيرانية.

وعلى الرغم من أن العلويين في سوريا أقرب إلى الروس من الإيرانيين، نظراً لعدم تبنيهم لنمط الحياة الدينية المفروض من إيران، إلا أن “حاج علي” يشير إلى وجود قلق روسي من ولاءات قوات النظام الحالية، خاصة في ظل وجود جناح مدعوم إيرانياً تمثله قوات النخبة في جيش النظام، معتبراً أن لحظة الانتهاء من تشكيل ذلك الجيش هي ذات اللحظة التي ستبدأ فيها روسيا بالضغط على إيران بشكل واضح لإخراجها من سوريا.

يذكر أن بعض التقارير الاستخباراتية قد ذكرت في وقتٍ سابق، أن روسيا تعهدت لإسرائيل والولايات المتحدة بالعمل على إخراج إيران والميليشيات المدعومة منها، مقابل السماح بالتدخل الروسي في سوريا، لا سيما وأن الرئيس الروسي، “فلاديمير بوتين” قد أجرى عدة زيارات إلى إسرائيل قبيل ذلك التدخل.

هيمنة عسكرية وموعد متوقع

السياسة الروسية في سوريا وكما يشرحها المحلل السياسي، “فتحي عبد الغني”، تقوم على ضرورة الهيمنة على المؤسسة العسكرية بالدرجة الأولى، دون أن يكون لها أي ولاءات أخرى، واصفاً قضية السعي الروسي لبناء جيش سوري جديد بالمنطقية والواقعية، خاصة وأن قوات النظام الحالية خضعت خلال السنوات الأولى من الثورة السورية لقيادة وخطط إيرانية، هندسها قائد فيلق القدس السابق، “قاسم سليماني”.

يشار إلى أن مصادر إيرانية قد كشفت في وقتٍ سابق، أن “سليماني” كان أول من زار “الأسد” بعد اندلاع الثورة السورية، وأكد له دعم إيران الكامل له، بالإضافة إلى كونه عراب التدخل العسكري الإيراني في الحرب السورية والقائد الأول للميليشيات هناك، قبل مقتله مطلع العام الماضي.

ويضيف “عبد الغني”: “من يتابع نشاطات وزير الخارجية الروسي، “سيرغي لافروف” واجتماعاته مع أطياف من المعارضة السياسية السورية، يستشف أن روسيا تسعى لتكون صاحبة الكلمة الأكبر وربما الوحيدة في شكل النظام في سوريا فترة ما بعد الحرب، طبعاً بما يتلاءم مع المتطلبات الدولية”، مشيراً إلى أن ذلك لا يمكن أن يحصل في ظل التركيبة الحالية لقوات النظام والانتشار الكبير للميليشيات الإيرانية.

كما يرجح “عبد العني” أن تحتاج روسيا إلى ما يتراوح بين عامين إلى ثلاثة أعوام قادمة، حتى تتمكن من تطبيق خطتها، والبدء بالضغط على إيران للخروج من سوريا، مشدداً على أن ملف مدينة إدلب ليس هو السبب الوحيد، الذي يمنع روسيا من إخراج إيران من سوريا وإنما أيضاً شكل النظام الحالي ومؤسسته العسكرية.

=========================

عودة الروح لـ«داعش» في المشهد السوري!

أكرم البني

الشرق الاوسط

السبت 23/1/2021

تتباين الآراء حول أسباب تواتر العمليات العسكرية لتنظيم «داعش» في الآونة الأخيرة، حتى بدا وكأنه لا يكاد يمر يوم من دون أن نسمع بتفجير أو كمين أو اغتيال أو هجوم خاطف، يقوم به هذا التنظيم في مناطق متفرقة من البادية السورية، الممتدة بين أرياف محافظات الرقة وحماة وحمص ودير الزور، مستهدفاً أمنيين وعسكريين من جيش النظام أو الميليشيا الإيرانية أو القوات الكردية أو الخبراء الروس، كان أبرزها اغتيال الجنرال الروسي فيتشسلاف غلادكيخ في شهر أغسطس (آب) الفائت، وكان آخرها مهاجمة سيارات مبيت للجيش السوري على طريق تدمر– دير الزور، في آخر يوم من العام المنصرم، ذهب ضحيتها أكثر من أربعين عسكرياً وضابطاً، تلاها في مطلع العام الجديد مهاجمة حافلات نقل وصهاريج وقود، شمال محافظة حماة، أدت لمقتل خمسة عشر عسكرياً على الأقل من قوات النظام والمقاتلين التابعين لها.

والحال، على الرغم من الإعلان الأميركي عن تصفية تنظيم «داعش» في ربيع 2019، واستسلام المئات من مقاتليه إثر سقوط آخر معاقله في قرية الباغوز قرب دير الزور، ونجاح واشنطن في قتل زعيمه البغدادي، وعلى الرغم من الحملات الجوية والبرية التي نفذتها القوات الروسية وجيش النظام في البادية السورية لملاحقة فلوله، وكان آخرها عملية «الصحراء البيضاء»، وأيضاً على الرغم من تمكن قوات أمنية عراقية من قتل واعتقال عديد من قادته وكوادره، واضطرار «جبهة النصرة»، خلال الشهور المنصرمة، لملاحقة واعتقال أهم ناشطي «داعش» ممن لجأوا إلى مناطق سيطرتها؛ على الرغم من كل ذلك يبدو أن هذا التنظيم قد نجا من الموت والهلاك، وأعاد الروح لنشاطاته العسكرية، معتمداً أسلوب حرب العصابات، ومستقوياً بقدرة عناصره على الانتشار والتخفي ضمن الطبيعة الجغرافية للبادية السورية المترامية الأطراف، والمتصلة مع الحدود العراقية والأردنية والتركية.

هل يصح القول بأن خصوصية «داعش»، ببنيته الجهادية ولحمته الآيديولوجية، وما راكمه من كفاءات وإمكانيات عسكرية ومادية، تمنحه القدرة على التجدد وإعادة إنتاج ذاته بذاته متجاوزاً الضربات الأمنية أياً تكن شدتها، ما يفسر عودته اللافتة إلى المشهد السوري؟ أم ينبغي البحث، هذه المرة، عن الأسباب في عوامل خارجية، ربطاً بالخسائر الكبيرة التي تكبدها التنظيم على صعيد قادته وكوادره، ومصادرة جل ما يمتلكه من مال وأسلحة وعتاد، وربطاً بانحسار حاضنته الشعبية، وتنامي حالة الجفاء بينه وبين الجماعات الأهلية التي اعتاد الاستناد إليها، بما يعني ربط تسعير نشاطه الراهن بتنامي حاجة بعض الأطراف المتصارعة لتوظيفه كورقة سياسية وعسكرية في معارك الابتزاز والنفوذ؟!

من هذه القناة، يمكن النظر إلى حاجة حكام طهران والنظام السوري لإعادة الروح لدور «داعش»، إنْ لقطع الطريق على أي خطة للتسوية السياسية، وإنْ للتلويح ببعبع الإرهاب لمحاصرة ردود فعل الناس ضد معاناة معيشية لم تعد تطاق، وإنْ - وهو ما دأبتا عليه تاريخياً - لتأجيج المخاوف الغربية من الجهادية المتشددة، وتحصيل قبول دولي بهما، كأهون الشرور، ولا يغير هذه الحقيقة ازدياد أعداد قتلاهما على يد «داعش»، فذلك يجعل رهانهما مجدياً وقابلاً للتصديق؛ بل يؤكدها توقيت تصاعد عملياته العسكرية مع وصول رئيس جديد للبيت الأبيض، بغرض تغذية التحذيرات الأميركية والغربية المتكررة من خطر عودة «داعش»، ولعل أولى ثمارها إرسال حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول» إلى شرق المتوسط.

لنتذكر إطلاق سراح مئات المتطرفين من سجون العراق وسوريا الذين شكلوا النواة الأولى لتأسيس «داعش»، ثم ما أثير عن تواطؤ حكومتي البلدين لتسهيل سيطرته على مدينة الموصل وعلى كميات وفيرة من السلاح والذخائر، ثم تمكينه من الاستيلاء على مدينتي الرقة وتدمر وقطاع واسع من البادية السورية، وأيضاً لنتذكر اكتشاف كوادر لـ«داعش» مرتبطين بالأجهزة الأمنية السورية، ثم وجوه التعاون الاقتصادي بين الطرفين في مجال تسويق النفط وتبادل المنتجات الزراعية، والأسوأ التواطؤ العسكري بينهما في توقيت بعض المعارك والانسحابات لتسهيل سحق مناطق التمرد المستعصية؟ ثم أليست ذات دلالة عبارة زلق بها أحد قادة «الحرس الثوري»، تفوح بقلق من أن تفضي الجدية في القضاء على «داعش»، لحرمان بلاده من إحدى شبكات اللعب والتأثير في المنطقة؟!

ومن القناة نفسها يصح النظر إلى دور حكومة أنقرة في تنشيط «داعش»، ما دامت صاحبة مصلحة حقيقية في توظيفه لأهداف متنوعة: أولاً، لضرب القوات الكردية ومحاصرتها، وللنيل اغتيالاً من قادتها وكوادرها، وثانياً، لإشغال موسكو وتخفيف ضغطها على مدينة إدلب؛ حيث تهدد نشاطات «داعش» الأخيرة الاستقرار في حقول النفط والغاز والفوسفات التي تستثمرها الشركات الروسية، ما يستدعي إعادة توجيه الجهود صوب البادية السورية، بدليل عنف قصف الطيران الروسي لهذه المنطقة، وتواتر حملات الاجتياح والتطهير التي تقوم بها الكتائب الموالية، وثالثاً، لركوب موجة الفوبيا العالمية من الإرهاب الداعشي، كي تفرض نفسها كخيار للاعتدال، كما يحاول الإسلام السياسي عادة، عساها تحسن من فرص تقبلها في أوساط الرأي العام العربي والغربي.

لنتذكر كيف فتحت حكومة إردوغان الحدود على مصراعيها لتسريب الآلاف من الكوادر «الجهادية» من الشرق والغرب، كي ترفد تنظيم «داعش» وتمده بالخبرات والأموال، وأيضاً ما أثير عن اكتشاف مخازن أسلحة نوعية لـ«داعش» فوق الأراضي التركية، وعن عمليات عسكرية أُعلنت باسم «داعش»، وتبين أن من قام بها هم عناصر من جماعات إسلاموية متشددة لها صلات ملتبسة مع أجهزة الأمن التركية.

استدراكاً، ما كانت الأسباب السابقة عن عودة الروح لـ«داعش»، والتي يحلو للبعض إدراجها في إطار نظرية المؤامرة، أن تأخذ طريقها إلى الضوء والجدل، لولا حالة الإبهام والتعمية التي تلف هذا التنظيم بنشأته وكوادره وقادته، وغموض بنيته الداخلية وآليات تشكيل هيئاته، ما يوفر الفرص لاختراق صفوفه وزرع كفاءات استخباراتية يمكنها تجيير بعض نشاطاته لمصلحة الجهة الموالية لها، والأهم لولا انحطاط الصراع السياسي في المنطقة نحو عنف طائفي بغيض، يحدوه اكتفاء مقصود من قبل جميع الأطراف التي تدعي مناهضة «داعش»، بالحلول الأمنية والعسكرية وتجاهل العوامل السياسية والمعرفية والاقتصادية، كالاستبداد والتمييز والجهل والفقر والفساد، والتي من دون معالجتها لا يمكن هزيمة هذه الآفة جذرياً وتجفيف منابعها.

=========================

حل قريب في سورية؟

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 23/1/2021

أعلن المسؤول الأميركي عن الملف السوري، جويل ريبورن، أن الحل في سورية صار قريباً، وأنه يتوقع أن ينهار النظام الأسدي فجأة. وأثار هذا الإعلان موجةً من التفاؤل لدى قطاعات واسعة من السوريين، تعتقد أن المسؤول الأميركي يعرف ما يقول، وأنه حان لمن بيدهم القرار أن يجدوا حلاً طال انتظاره، بعد أن دفع شعب سورية ثمنه الفادح، مذ ثار لنيل حريته، وها نصفه ينهشه الجوع، ويجد نفسه مشرّداً في البراري والقفار، ونصفه الآخر أشد جوعاً ودماراً في مناطق الأسدية، وينتظر بدوره الحل. 

هل اقترب الحل؟ هذا ما آمله، كالسوريين الذين شبعوا موتاً وغربة، ويتطلعون إلى عودةٍ قريبةٍ إلى وطنٍ لا يريدون غيره، ولا يساويه في أعينهم أي مكان آخر!

ثمّة عناصر في وضعنا ترجّح أن يكون الحل قريباً، وهناك عناصر تجعله مستبعداً إلى زمن يعلمه الله وحده، والسبب: تعارض مصالح (ورهانات) الممسكين به، الذين يسيطرون على المنخرطين فيه، ويُحجمون عن العمل لتسويةٍ تضمن التوازن بين مصالحهم وأهدافهم القريبة والبعيدة التي لا علاقة لسورية وثورتها بها، وتتخطّاها إلى ما في الواقع الدولي القائم من تناقضات وخلافات بين موسكو، الراغبة في الصعود من مواقعها الحالية إلى مراكز تحتلها واشنطن، التي قرّرت منعها من ذلك، ونجحت في سحب أوراق الحل السوري من أيديها، واحتجزت قدرتها على استكمال الحل العسكري الجزئي الذي حقّقته بحلٍّ سياسيٍّ شامل، يقوّض هيمنة أميركا على الصراع السوري ومخرجاته، ورفضها التعاطي بإيجابيةٍ مع مطامح الكرملين السورية، وتعاملها بندّيةٍ معه في الشؤون الدولية، وتسهيل خططه في سورية وما وراءها من ديار العرب. فهل يشجع هذا الواقع الدولي المتناقض الرهانات على حل قريب، أم يقول عكس هذا؟ وهل أيقنت موسكو أنها عاجزةٌ عن الخروج من الاحتجاز الأميركي، وأن من الأفضل لها قبول تسويةٍ تخرجها من الارتباط المفرط بالشأن السوري، الأسدي تحديداً، وتُلزمها بالانصراف إلى غيره، وسط تحوّلاتٍ دوليةٍ فيها من الفرص الافتراضية ما يساعدها على كسر عزلتها الخانقة التي تخلّقت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، بما قد يترتب على ذلك من ميلٍ أميركي إيجابي إلى التفاهم معها، بنتائجه التي تفوق، في أهميتها، ما قد يقدّمه الأسد لها، أو تقدّمه هي من تنازلاتٍ في قضايا ومسائل لا ترتبط مباشرة بالصراع السوري، ولا تنعكس إيجابياً بالضرورة على المعارضة، لكنها تمنح موسكو فرصة الخروج من العزل الخارجي، والتخلّص من المستنقع السوري. 

هذه العوامل المتشابكة التي يؤيّد بعضها الحل القريب، ويستبعده بعضها الآخر، تضمر مجاهيل عديدة لا نعرف تفاصيلها، ودورها في سياسات الدولتين الكبيرتين، وموضوعاتها الحقيقية. ومع أن علينا الاهتمام بما قاله الدبلوماسي الأميركي ريبورن، والعمل لمعرفة ما لديه من تفاصيل تسوّغ تقديره المتفائل والمفاجئ، المعاكس لما يحيط من غموض بالصراع على وطننا وفيه، ويسود من ركود في مواقف أطرافه المختلفة، فإن من الواضح أننا لن ننال ما ضحّى شعبنا من أجله، إن استمرّت مواقفنا الأقرب إلى الفرجة على مصيرنا منها إلى العمل لتحقيق أهداف ثورة قدّم أهلنا فيها ملايين الضحايا، من أجل نيل حريتهم، وتفاءلنا وتشاءمنا بين تصريح وآخر، لأننا ظللنا، بمحض إرادتنا، أو بسبب غبائنا، مجرّد معلقين على ما يبلغ أسماعنا، بدل أن نكون صناع ما يستمع إليه الآخرون، روساً وأميركيين وإيرانيين ... إلخ. 

قد لا يكون الحل قريباً، لكنه قد لا يكون بعيداً أيضاً. المشكلة أن المعنيين به يبدون غير معنيين بنا في الحالتين، فلا عجب إن أصبنا بمفاجأةٍ تذهلنا في حال تحقق قريباً، أو كان في المقابل بعيداً، لأننا لن نكون فاعلين، بل منفعلون به، بكل ما يملأ نفوسنا اليوم من حسرة على أهلنا!

=========================

وجهة نظر : اللُحمة والسداة ... هذا التبان السوري المتقلص عن العورة صنيع من !!!؟

زهير سالم

مركز الشرق العربي

٢٨/ ١/ ٢٠٢١

أما التبان فهو نوع من الثياب القصيرة التي يلبسها العاملون في البحار . وإذا شئتم هو نوع من " البكيني" يلبسه الرجال، والمقصود بشار الأسد ومن يوازيه أو يناظره ..

ولن يعرف الكثير من أبناء الجيل معنى اللحمة " بضم اللام والسداة " ما لم يمروا كما مررنا أمام النول العربي، وعامله الذي يجلس خلف مقعد القيادة ، فيحبك بإشراف عينيه، وحركة يديه ورجليه اللحمة " الخيوط التي تمتد عرضا ومن أسفل ، بالسداة" الخيوط التي تمتد طولا ومن أعلى على نسق من الألوان محفوظ ومعروف ومقرر عليه .

في كثير من المدن السورية أسر تحمل عنوان " المسدي " وهو عنوان ينتمي إلى مرحلة من مراحل صناعة النسيج اليدوي. فالنساج والخشان والفتال والحايك والمزيك والقصار والصباغ ...كلها تنتمي إلى العالم نفسه .

كانت بعض العجائز في حلب يرتزقن بما يسمينه " تدوير الخشين " وهي مرحلة من مراحل الغزل ، والانتقال بالخيط من ثخين إلى رفيع . وكانت أخريات ينصبن النول في بيوتهن للارتزاق ..

وهكذا كان في عالم أكثر رقيا وحداثة!!!

لن أطيل عليكم ، هذا القماش السوري الرديء هو صنعة كل الذين ما زالوا منذ عشر سنوات يلحّمون سداة الروس والإيرانيين والأسديين . ونقول في حلب " فلان يلحّم لفلان" أي يرقع له ويصوّج ...

وحين أكتب لكم " كلن أعني كلن " أنا لم أتعلم " الخوز" يوما ، غيري هم الذين يخاوزون .. فيذكرون أقواما وينسون آخرين !! وكأن الآخرين فراطة العنقود !!

كلن تعني أصحاب اللُحمة البيضاء والحمراء والخضراء والسوداء أيضا .. أما السداة فما زالت روسية إيرانية أسدية، وأنا أعلم وأنتم تعلمون

ولعلكم تتفكرون ..

__________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

مطالع 2011: حين هرب بن علي وتوحّش الأسد

صبحي حديدي

القدس العربي

السبت 23/1/2021

عندما «هرب» زين العابدين بن علي من تونس، في مثل هذه الأيام قبل عشر سنوات، صدرت صحف النظام السوري الرسمية الثلاث وكأنّ الخبر المدويّ لم يصل إليها، بل كأنّما «ما في شي» شهده أو يشهده ذلك البلد؛ على غرار ما سيقول حسن نصر الله، بعد سنوات قليلة، عن الانتفاضة الشعبية في مدينة حمص السورية. ولم يكن صمت النظام عن مجريات تونس غريباً، بالطبع، لأنّ بن علي كان أحد أخلص أصدقاء «الحركة التصحيحية» سواء في زمن حافظ الأسد أم وريثه بشار.

ولأنّ الكثير من المراقبين، على صعيد الأوساط الصحفية في الغرب تحديداً، كان مهتماً بما ينتظر سوريا ضمن موجة الانتفاضات الشعبية؛ فقد أجرت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية حواراً مطولاً مع الأسد؛ علّق خلاله على انتفاضتَيْ تونس ومصر، وأجاب على أسئلة الصحافيَيْن جاي سولومون وبيل سبيندل بطرائقه المراوغة. جوهر تشخيص الأسد انحصر في أنّ نظامه محصّن ضدّ «الميكروبات» بسبب سياسته الخارجية، «الممانِعة» و«المقاومة»؛ وأنه شخصياً يتبنى المبدأ التالي: «إذا اردتَ أن تكون شفافاً مع شعبك، لا تلجأ إلى أيّ إجراء تجميلي، سواء من أجل خداع شعبك أو لتحظى ببعض التصفيق من الغرب».

مبدأ «الشفافية» هذا سوف ينسفه الأسد بنفسه، سريعاً، حين نشرت «وول ستريت جورنال» النصّ الكامل للحوار يوم 30 كانون الثاني 2011، فجاء في قرابة 13,740 كلمة؛ بينما نشرت وكالة «سانا» الرسمية نسخة من الحوار ذاته، فلم يتجاوز 980 كلمة، وبصيغة فقرات منتقاة. وأمّا عدم اللجوء إلى «الإجراءات التجميلية» فقد لجأ إليه الأسد، سريعاً أيضاً، فأصدر المرسوم التشريعي رقم 9 القاضي بإحداث «الصندوق الوطني للمعونة الاجتماعية»؛ ورفع دعم التدفئة بنسبة 72 في المئة، دفعة واحدة؛ ولوّحت أجهزته بزيادة في الرواتب يمكن أن تبلغ 17٪…

والحال أنّ تلك الإجراءات لم تكن تجميلية فحسب، بل أتت أقرب إلى رشوة متأخرة، إذْ كيف حدث أنّ المواطن لم يكن بحاجة إلى صندوق المعونة الجديد طوال عقد ونيف من سلطة الأسد الابن؟ وكيف كانت حال المواطن، استطراداً، حين كان دعم التدفئة أقلّ بنسبة 72 في المئة؟ والأهمّ من هذا وذاك: أين تبخرت الوعود بأنّ زيادة الرواتب سوف تبلغ 100 في المئة، خلال الخطة الخمسية العاشرة التي انتهت سنة 2010؟ في المقابل، وعلى صعيد أهداف الحريات والحقوق والعيش الكريم التي انتفض من أجلها الشارع الشعبي العربي، لم تتأخر محكمة أمن الدولة، سيئة الصيت وحاوية أبشع مهازل الاستبداد في سوريا المعاصرة، عن إصدار حكم بالسجن خمس سنوات على المدوّنة السورية الشابة طلّ الملوحي؛ في خطوة باغتت بعض الذن علّقوا الآمال على اتعاظ الأسد الابن بما جري ويجري في بلدان عربية شتى، والعجيب أنّ صفوف هؤلاء المباغتَين ضمّت شخصيات سوف تتصدّر منصّات «المعارضة» السورية هنا وهناك.

وقبل اقتياد الملوحي إلى محكمة أمن الدولة، مكبّلة اليدين ومعصوبة العينين حسب رواية وكالة أنباء رويترز، كانت الصبية قد خضعت لأشكال شتى من المهانة والإذلال وبثّ الإشاعات (الحقيرة، المنحطة، التي ابتدعها وأدار طرائق نشرها الفرع 285 التابع لإدارة المخابرات العامة، والتي لم تكن حكاية التجسس لصالح الولايات المتحدة الأمريكية أشدّها وطأة، بل كانت الأقلّ جرحاً… على بشاعتها!). كما تعرّضت أسرتها إلى شتى الضغوط، وأقصى التهديد، حتى بلغ الأمر بوالد الصبية أن أدلى بتصريح صحافي قال فيه إنّ ابنته ليست موقوفة بسبب ما كتبته في مدوّنتها، بل لأنها تخابرت مع جهة أجنبية! والأصل في حكاية الملوحي أنّ رأس النظام (الذي قُدّم في صورة «فتى الإنترنت المدلل» خلال أشهر تدريبه لوراثة أبيه) لم يطق أنّ حفنة مواقع اجتماعية، ومنظمات حقوق الإنسان الدولية والعربية، تبنّت قضية الملوحي.

 

إذْ هرب بن علي، مفترضاً أو عارفاً ربما بأنّ بن عمار لن يرتكب المجازر ضدّ المواطنين العزّل؛ فإنّ الأسد توحّش، مفترضاً ومتأكداً، أنه ما من بن عمار في صفوف جيشه وجيش أبيه، بل ثمة العشرات من نماذج ماهر الأسد وآصف شوكت وجميل حسن.

غير أنّ انطلاقة الانتفاضة الشعبية في سوريا ذاتها، أواسط آذار (مارس) توجّب أن تطلق السؤال الكبير الناحم عن أولى دروس تونس: أيّ فارق بين سلوك العسكر، على صعيد البنية والعقيدة والتربية السياسية، في نظامَيْ استبداد وفساد ومزارع عائلية عربيَيْن: تونس، خلال أسابيع انتفاضة 2011 حتى هروب بن علي؛ وسوريا، خلال الأيام القليلة الأولى التي أعقبت التظاهرات الشعبية، خاصة في محافطة درعا؟ وذاك سؤال لا يصحّ، من حيث المبدأ، طرحه بمعزل عن حقيقة أنّ التاريخ العربي عموماً، والسوري الحديث خصوصاً، اختزن سلسلة دروس حول سلوك العسكر والعسكرتاريا في ظلّ الأنظمة الاستبدادية والشمولية؛ بحيث صار من الواجب البسيط، والضروري، توخي الحذر الأقصى عند الحديث عن أيّ دور وطني أو ديمقراطي للجيوش، وترجيح السيناريوهات الانقلابية والمضادة الأسوأ.

السنوات التي أعقبت هروب بن علي كشفت، تباعاً وربما ليس تماماً حتى الساعة، سلوك الجنرال رشيد بن عمار، رئيس هيئة أركان الجيوش في تونس؛ وما إذا كان قد رفض، بالفعل، تنفيذ تعليمات بن علي وإصدار الأوامر للجيش بإطلاق الرصاص على المتظاهرين، فأقاله الدكتاتور وسمّى الجنرال أحمد شبير، مدير مدير الإدارة العامة للأمن العسكري، بديلاً عنه. لكنّ التاريخ أثبت أننا، في المثال السوري، لا نقع في حيرة ترجيح المسؤولية عن تنفيذ العديد من المجازر الجماعية، ضدّ أطفال ونساء وشيوخ عزّل أبرياء، في عشرات المدن والبلدات والقرى السورية؛ خلال سنوات الانتفاضة، وقبلها، وطوال عقود حكم آل الأسد منذ 1970.

كذلك حفظ التاريخ أنّ أياً من كبار ضبّاط النظام السوري (رفعت الأسد، قائد «سرايا الدفاع»؛ علي حيدر، قائد «الوحدات الخاصة» وهاشم معلا أحد كبار معاونيه؛ شفيق فياض، قائد الفرقة الثالثة؛ إبراهيم صافي، قائد الفرقة الأولى؛ بدر حسن، قائد الفرقة التاسعة؛ والصفوة العليا من ضبّاط أجهزة الاستخبارات المختلفة…) ممّن تلقوا أوامر باستخدام الأسلحة، الخفيف منها والثقيل؛ لم يهمس ببنت شفة احتجاجاً على استهداف المدنيين، ولم نسمع أنّ هذا عُزل أو ذاك نُقل، لأنه رفض تنفيذ الأوامر.

مجزرة حماة، شباط (فبراير) 1982 كانت أقصى القياس، إذْ قامت كتائب مختارة من «سرايا الدفاع» وأخرى من «الوحدات الخاصة» بمحاصرة المدينة طيلة 27 يوماً، فقصفتها بالمدفعية الثقيلة والدبابات قبل اجتياحها، وسقط عدد من الضحايا يتراوح بين 30 و40 ألفاً، غالبيتهم القصوى من المدنيين العزّل، فضلاً عن 51 ألف مفقود، وتهجير نحو 100 ألف مواطن. كانت حماة، في الجانب الآخر من معادلة الصراع، بمثابة «درس تربوي» شاء النظام تلقينه للشارع السوري بأسره، إسلامياً كان أم علمانياً، فضلاً عن الأحزاب والنقابات والاتحادات المهنية ومجموعات المثقفين. وبالطبع، لم تكن تلك هي المجزرة الوحيدة لأنّ النظام استقرّ، جوهرياً، على قمع روح المعارضة في الشارع السوري بأسره، فتكاثرت الأمثلة: من حصار حلب ومجزرة المشارقة، إلى جسر الشغور وسرمدا ودير الزور واللاذقية، انتهاء بمجزرة تدمر الشهيرة ضدّ السجناء.

وإذْ هرب بن علي، مفترضاً أو عارفاً ربما بأنّ بن عمار لن يرتكب المجازر ضدّ المواطنين العزّل؛ فإنّ الأسد توحّش، مفترضاً ومتأكداً، أنه ما من بن عمار في صفوف جيشه وجيش أبيه، بل ثمة العشرات من نماذج ماهر الأسد وآصف شوكت وجميل حسن وعلي مملوك وعاطف نجيب وعصام زهر الدين وسهيل الحسن… وكلّ هذا بمعزل عن إسناد قاسم سليماني وضباط «حزب الله» وأركان مطار حميميم؛ وحيثما يعرض النظام أقدار سوريا للبيع بأثمان بخسة، لقاء الحفاظ على محض بقاء هزيل، ناقص ومنتقص.

 

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

=========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com