العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 30-12-2018


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

مكافحة الإرهاب على تركيا وإعادة الإعمار على السعودية!

بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 27/12/2018

هكذا غرّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، «موزعاً المهام» على حليفتيه الاقليميتين، بعد قراره بسحب القوات الأمريكية من سوريا. «يمكن لتركيا أن تقضي على ما تبقى من داعش» قال، وأعلن عن موافقة السعودية على تمويل إعادة الإعمار في سوريا.

ارتبك الأتراك أمام هذا الإملاء، على رغم تصريحات مسؤوليهم بشأن قدرة تركيا على مكافحة بقايا داعش، مع التركيز دائماً على أولوية القضاء على وحدات حماية الشعب الكردية التي تعتبرها أنقرة منظمة إرهابية وامتداداً لحزب العمال الكردستاني، أو فرعاً من فروعه، وتجاهر بهدفها المتمثل في منع إقامة كيان كردي في شمال سوريا محاذٍ لحدودها الجنوبية.

أما السعودية، فقد حافظت على صمتها بشأن دورها المفترض في إعادة إعمار ما دمره نظام بشار الكيماوي، لكي يستمر المذكور في السلطة. لم تؤكد ما قاله ترامب ولم تكّذبه أيضاً. فإذا صدق ترامب، هل تكون تكلفة إعادة الإعمار في سوريا هي ثمن حماية ترامب – كوشنير لولي العهد السعودي من المحاسبة عن مسؤوليته في جريمة قتل الصحافي جمال خاشقجي؟ ولكن ما الذي قد يفيد ترامب في صفقة مماثلة؟ ربما لتكون للولايات المتحدة كلمة في رسم ملامح «سوريا الجديدة» بواسطة السعودية، بعدما أدى انسحابها العسكري المقرر من سوريا إلى فقدان هذا الدور. أما كيف يضمن ترامب إبعاد سيف المساءلة عن محمد بن سلمان، فربما كان فتح الطريق أمام تركيا لملء الفراغ الذي سيتركه الانسحاب الأمريكي، من باب «مكافحة بقايا داعش»، ثمناً يريده أردوغان مقابل عدم وصول القضاء التركي الذي يحقق في جريمة القنصلية السعودية إلى تحديد مسؤولية بن سلمان.

هي افتراضات فيها نصيب وافر من الخيال، لكن الدرك المنخفض جداً الذي بلغته السياسة الدولية يمنح التفكير فيها أسباباً كافية.

أطلق قرار ترامب بسحب القوات الأمريكية من سوريا ما يمكن تسميته بمعركة ملء الفراغ، ولا يمكن اختزال هذه المعركة إلى مجرد «تكليف» ترامب لتركيا بمحاربة داعش في شمال شرقي سوريا. فمن جهة أولى تبدو هذه المهمة صعبة جداً على تركيا، ومن جهة ثانية تفترض أن اللاعبين الآخرين في الميدان موافقون على ذلك. فمن جهة صعوبتها، لا يمكن لتركيا ألا تحسب المخاطر الكبيرة لهذه المهمة على أمنها الداخلي. فالعدو المطلوب محاربته عبارة عن شبح يتحرك بسهولة في أراض شاسعة، وعبر الحدود، وبين المدن والمناطق التركية، ويمكن لجهادي داعشي خفي واحد أن يضرب ضربته في أي مدينة تركية ويسبب أذىً كبيراً. ولا نتحدث هنا عن أجانب، بل عن جهاديين يحملون الجنسية التركية، هناك دراسات رصينة سبق وتحدثت عن وجودهم كخلايا نائمة.

أصبح هناك، مبدئياً، ثلاث قوى منافسة لتركيا على ملء الفراغ الأمريكي: ميليشيات النظام، ومعه الميليشيات التابعة لإيران، والقوات العراقية، ومقاتلو داعش، إضافة إلى قوات سوريا الديموقراطية الموجودة أصلاً هناك

أما في الجانب السياسي، فتركيا أبعد ما تكون عن الحصول على موافقة روسية، بصورة أساسية، على دخول مناطق شرقي الفرات. أضف إلى ذلك رفض إيراني – أسدي مرجح لتوسيع مناطق النفوذ التركي داخل الأراضي السورية. كان لافتاً، بهذا الصدد، تصريح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بشأن «موافقة الحكومة السورية» على الوجود العسكري التركي في محافظة إدلب. وهو ما قد يعني، ضمناً، عدم شرعية الوجود التركي، من وجهة نظر روسيا والنظام، في كل من منطقتي «درع الفرات» وعفرين، ناهيكم عن دخول تركي محتمل إلى شرقي الفرات.

كذلك كان تصريح رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي لافتاً بخصوص احتمال تدخل عسكري عراقي لمحاربة داعش داخل الأراضي السورية المحاذية للحدود العراقية. إذن، أصبح هناك، مبدئياً، ثلاث قوى منافسة لتركيا على ملء الفراغ الأمريكي: ميليشيات النظام، ومعه الميليشيات التابعة لإيران، والقوات العراقية، ومقاتلو داعش. إضافة إلى قوات سوريا الديموقراطية الموجودة أصلاً هناك، وهي موضوع مهمة مكافحة الإرهاب التركية، ومعها داعش. من المحتمل إذن أن تكون هناك «دربَكَة» كبيرة، حسب التعبير العامي السوري، في شرقي الفرات بعد إتمام الانسحاب الأمريكي، بين فرقاء عديدين. كل ذلك من غير أن نذكر القوات الفرنسية الموجودة في منبج، بصورة رئيسية، وعديدها 1200 جندي، لا يمكن التكهن الآن بمصيرهم هناك، وإن كان يرجح أن يقرر الرئيس الفرنسي ماكرون سحبهم، بعد فقدان الغطاء الأمريكي.

ومن الاحتمالات المرجحة أن يستدعي حزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي) النظام إلى ملء الفراغ الأمريكي، احتماءً من غزو تركي محتمل. وهذا مما قد ينسف التفاهمات التركية – الروسية بشأن سوريا، ويؤدي إلى خروج تركيا من «ثلاثي آستانة»، ما لم ترغب موسكو نفسها بإعطاء تركيا أوراق قوة إضافية لموازنة إيران، ولضمان استمرار الشرخ الأمريكي – التركي.

بالمقابل، لا بد من أخذ افتراض تمويل السعودية (ومعها أبو ظبي) لأعباء إعادة الإعمار في سوريا على محمل الاحتمال الجدي، بالنظر إلى تكاثر مؤشرات إعادة تعويم نظام بشار الكيماوي عربياً. وأبرزها زيارة الرئيس السوداني الملاحق دولياً إلى دمشق ولقاؤه ببشار الأسد، ثم زيارة رئيس مكتب الأمن القومي علي مملوك إلى القاهرة ولقاؤه بنظيره المصري. هذه الزيارة العلنية التي جعلت الجامعة العربية تشعر بالحاجة لإعلان غياب التوافق بين الدول العربية حول موضوع عودة النظام إلى شغل مقعده الشاغر في الجامعة منذ سبع سنوات.

أما زيارة البشير، وبعيداً عن التوصيفات الأخلاقية، فلا يمكن إنكار شرعية افتراضات بشأن مضمونها السياسي. فهناك تكهنات مشروعة حول الرسائل العربية التي من المحتمل أن البشير حملها إلى الأسد، من قادة دول عربية متلهفة لطي صفحة السنوات السابقة معه. ترى هل تضمنت إحدى هذه الرسائل المفترضة صفقةً يعود النظام بموجبها إلى جامعة الدول العربية، وتتكفل السعودية بتمويل إعادة الإعمار، على ما غرد الرئيس الأمريكي، مقابل تخلي النظام عن تحالفه الاستراتيجي مع إيران؟ فهذا الثمن يبدو جذاباً بالنسبة للرياض وأبو ظبي، إضافة إلى واشنطن طبعاً التي تكون بذلك حققت هدفها بإخراج إيران من سوريا على حساب حليفها السعودي. فهذا منطق بزنس يلائم شخصية الرئيس الأمريكي.

وسط كل هذه الافتراضات والاحتمالات، يبقى الثابت الوحيد هو أمن إسرائيل. فها هي تضرب مجدداً مواقع عديدة حول العاصمة دمشق، يعتقد أن فيها قواعد إيرانية، في أول هجوم كبير بعد هدوء اضطراري في أعقاب إسقاط الطائرة الروسية بالخطأ.

==========================

موقفنا : قول ترامب لأردوغان : المنطقة لك ..تفويض أو توريط !؟

زهير سالم

24 / 12 / 2018

مركز الشرق العربي

ما تزال تداعيات قرار ترامب المفاجئ الانسحاب من سورية تستدعي المزيد من التأمل والتدبر . يزعم ترامب ، والعهدة في هذا عليه ، أن الرئيس التركي تعهد له بتتبع بقايا ما يسمى تنظيم الدولة في سورية ، وأنه أجابه بناء على هذا التعهد : المنطقة لك..

ولقد تأخر هذا التوافق ( الأمريكي - التركي ) قرابة خمس سنوات ، دفعت تركية الدولة وسورية الثورة ثمنه الكثير . وما نظن أن ما تم التوافق عليه اليوم سيستدرك ما فات ويجبر ما انكسر ؛ بعد أن أصبحت روسية حاضرا أول في المنطقة ، يملي إرادته من خلل غياب الولايات المتحدة ، ومن خلال لامبالاتها .

بدأ المراس ( والمراس صراع أقل حدة ) الأمريكي - التركي على الدور في سورية منذ انطلاقة الثورة السورية ، وتصاعد ليبلغ ذروته في عام 2015 ثم ليصير إلى مايشبه الصراع وليعود بنا اليوم إلى نقطة الصفر .

سوريون كثيرون يعيبون على القيادة التركية وعلى دولة الرئيس أردوغان الوعود الوردية التي أطلقوها ، والآمال العراض التي تحدثوا عنها ثم وجدوا أنفسهم في لحظة عاجزين عن الوفاء بها .

كان الموقف التركي يرتكز في كل ما أعلن عنه ووعد به على ركيزتين اثنتين :

الأولى هو موقع الدولة التركية في حلف الناتو كعضو فاعل ومؤثر ووازن يطرق أبواب الاتحاد الأوربي ، ويقود تجربة انفتاح إسلامي حضاري ناجح ، نقومها نحن -ونحن هنا تشمل الجمهور الواعي من العرب والترك والكرد - إيجابيا ، ويقومها الأعداء الذين حاولوا الانقلاب عليها سلبيا .

والركيزة الثانية هو التوجه الإنساني العالمي المزعوم نحو تعزيز القيم الكونية في الديمقراطية وحقوق الإنسان ، والإطاحة بالأنظمة المستبدة والفاسدة والتي وجدت مرتعها في اللعب على حبال الحرب الباردة . وفي هذا أيضا كان المتكأ خطأ ففي دول جارة للكيان الصهيوني مثل سورية ومصر يبقى الاستبداد والفساد مطلوبا بل مدعوما لتحقيق دوره الوظيفي في حماية من يستحق الحامية .

كانت القيادة التركية في السنوات الأولى للثورة تتمسك - وهذا حق - بحل كلي للوضع في سورية يعيد الاستقرار والأمن لهذا البلد من خلال حكم ديمقراطي رشيد ، وكانت القيادة الأمريكية وحلفاؤها يعرضون على تركية دورا وظيفيا جزئيا يتمثل في قمع ما سمي بالتنظيمات الإرهابية . ومن هنا فقد ظل كل فريق في بيدائه ؛ حتى وصل الأمر بالأمريكيين أن يرفضوا مقترحا تركيا مدنيا مثل المنطقة الآمنة . وهنا اتضح أن التحالف الغربي مع أنظمة الاستبداد والفساد في عالمنا العربي أعمق على المدى الاستراتيجي من أي تحالف آخر حتى من دور تركية كعضو في الناتو ، ومن دور تركية كتجربة حضارية منفتحة تدفع بأنموذجها عن المنطقة شبح التطرف المتولد من العدمية واليأس والاستبداد والفساد .

ربما من حق الدولة التركية والمحللين الأتراك أن يعيدوا تقويم سياساتهم وقراراتهم في سورية ما بين : 2012 - 2015 . وبالتأكيد إلى ما قبل الاحتلال الروسي لسورية . وأن يعيدوا تقويم مراسهم السياسي مع الغرب والولايات المتحدة والدور الذي كان يمكن أن يلعبوه تحت عباءة قتال تنظيم الثورة ، العباءة التي ارتداها كل من هب ودب على الساحة الإقليمية حتى أولئك الذين وصلوا إلى سورية عن بعد آلاف الكيلو مترات.

والذي وصلنا إليه اليوم هو عودة للمربع الأول ..

وقبول الدولة التركية - حسب عبارة ترامب - التفويض الأمريكي بتعقب تنظيم الدولة ..وعلى التوازي حق إبعاد شبح البكك والبيد عن الحدود التركية وربما على مستويات معينة في العمق السوري ..

ولكن المختلف هذه المرة على ما كان عليه الأمر سنة 2013 و2014 و2015 هو وجود اللاعب الروسي كندّ للولايات المتحدة وعدو للشعب السوري ونقيض للمشروع التركي في سورية وفي الوقت نفسه حليف مستجد للدولة التركية وللحكومة التركية .

هل كان ترامب عندما قال للرئيس أردوغان : المنطقة لك ، كان يريد فعلا تفويض الدولة التركية بأمر جوارها الجيوسياسي ..أو أنه كان يريد زيادة المشكلة تعقيدا في وضعها أمام الحليف المستجد الحاضر القوي في المنطقة ..؟؟

هل ستعيد ذيول البكك في سورية تحالفها الاستراتيجي القديم مع ( السوفييت وحافظ الأسد ) وتجد الدولة التركية نفسها في ورطة جديدة . شهداء العمليات التي نفذها أوجلان تخطيطا من كنف حافظ الأسد تعد بعشرات الألوف ..؟؟

الأمريكان ينسحبون ، ليصبح الروسي ومعه حلفاؤه الاستراتيجيون الإيراني والأسدي اللاعب الأول في سورية كلها بما فيها شرق الفرات وغرب الفرات وإدلب وريفي حماة وحلب ..

فأي مساحة سيترك هؤلاء للدور التركي المأمول ، الذي بات يتعلق به مصير ثورة كلفت الملايين من الشهداء والمفقودين والمهجرين ؟ لقد بات الدور التركي في المنطقة هو الحامي الأول لوجود الشعب السوري ومستقبله على مستوى الوجود والهوية والحدود بعد أن تخلى عنه الآخرون وخذلوه ..ومن هنا تأتي خطورة المقاربة والمراهنة ..

وحتى لا نختم على تخوف نقول : ويبقى للمعارضة السورية بشقيها السياسي والثوري حق المبادرة لتكون رافعة قوية لخيار متعاون وثيق يليق أكثر بالعقيدة والحضارة والإنسان .

ـــــــــــــ

*مدير مركز الشرق العربي

==========================

ترامب الذي يستثمر الأعداء قبل الحلفاء

منير الربيع

سوريا تي في

الخميس 27/12/2018

لا تختلف سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن سياسة سلفه باراك أوباما من الناحية الاستراتيجية. الفارق بين الرجلين، هو اللغة المستخدمة والمواقف السياسية التي تتخذ على القطعة. لا يجد ترامب ضيراً في تقديمه نموذجاً للرئيس الغريب الأطوار، صاحب العقل التجاري أو المقاول. ولذلك فإن كل المصطلحات السياسية التي يستخدمها، تتخذ طابع الفجاجة، وترتكز على منطق الثمن الواجب دفعه من قبل حلفاء واشنطن لقاء القرارات التي تتخذ وتصبّ في صالحهم. وعلى هذا الأساس اتخذ ترامب قرار الدخول إلى سوريا ونشر قوات أميركية في شرق البلاد وعلى الحدود السورية العراقية، بناء على ضغوط ومطالب خليجية.

اتخذ الانتشار الأميركي هناك شعار تحجيم النفوذ الإيراني في سوريا، والتمهيد لإخراج حلفاء إيران من الأراضي السورية، بالإضافة إلى منع طهران

الانسحاب الأميركي سيعيد الحرارة للعلاقات بين واشنطن وأنقرة، وتكون تركيا قد حققت هدفاً استراتيجياً في ضرب الأكراد ومنعهم من إقامة كيان ذاتي في سوريا

من تأمين الخط الاستراتيجي البرّي الذي يربطها بالبحر الأبيض المتوسط، مروراً بالعراق وسوريا ولبنان. لكن شيئاً من هذه الطروحات لم يتحقق، لا بل ازداد النفوذ الإيراني في سوريا بالارتكاز على التسيّد الروسي في الملف السوري سياسياً وعسكرياً. وكما كان قرار الدخول الأميركي يخدم وجهة النظر الخليجية في يوم من الأيام، وقد دفع ثمنه مئات المليارات. فإن قرار الانسحاب يخدم وجهتي النظر الروسية والتركية.

الانسحاب الأميركي سيعيد الحرارة للعلاقات بين واشنطن وأنقرة، وتكون تركيا قد حققت هدفاً استراتيجياً في ضرب الأكراد ومنعهم من إقامة كيان ذاتي في سوريا، وتكون قد حققت التسلّم الكامل للملف السوري. بينما الغموض يبقى يغلّف حقيقة الموقف الإيراني ووضع طهران في سوريا، التي بلا شك أصيبت بارتباك معين، حول تداعيات هذه الخطوة الأميركية وكيف ستنعكس عليها. لكن بلا شك أن طهران تمسك بالعديد من أوراق القوة بيدها، ومن غير المعروف إذا ما كانت ستضطر لاستخدامها. أولها سيطرتها الجغرافية على مناطق واسعة وأساسية في سوريا، وثانيها استمرار قواتها العسكرية وحلفائها بنشاطهم وانتشارهم على مساحات متعددة. وثالثها حاجة الروس إليها على الأرض وفي السيطرة الميدانية، وثالثها إنشاء العديد من التنظيمات المسلحّة السورية إلى جانب الاستحصال على الجنسية السورية لمقاتلين لبنانيين، أفغان، وإيرانيين، سيكونون أحصنتها في حال حصول أي تطور عسكري، أو في مرحلة الحلّ السياسي المقبل.

قد يكون الانسحاب الأميركي من سوريا، هادفاً إلى تحضير مشهد الأحداث لمرحلة جديدة. وهذا ما يراهن عليه خصوم طهران، إذ يعتبرون أن واشنطن تنسحب في سبيل نقل المواجهة إلى شكل جديد قد يتخذ طابعاً أكثر تصعيداً على الصعيد العسكري، ويربطون القرار بتشديد العقوبات الأميركية على إيران وبالضغوط التي تمارس على حزب الله في لبنان وتحديداً ملف الأنفاق.

منطق الأحداث يشير إلى أنه لا يمكن الرهان على الأميركيين، الذين تلتقي مصالحهم إلى حدّ بعيد مع المصالح الإيرانية، أو على الأقل يعتبرون

واشنطن تبدو منكفئة في انسحابها من سوريا، لكن! في الجوهر هو وقوف المخرج خلف ستار المسرح، بما يتيح القدرة على إدارة المسرح بتحكم عبر خيوط، تحرك الممثلين كما يشتهي المخرج

أن ما حققته إيران في سوريا، من تمزيق لجغرافيتها ودمغرافيتها، وتهجير الأكثرية منها، أمر يخدم مصالحهم الاستراتيجية إلى جانب الإسرائيليين، وبالتالي لن يكون هناك حاجة بالنسبة إليهم إلى ضرب إيران أو تحجيم دورها. بل هي ضرورة تبقى لابتزاز خصومها وحلفاء واشنطن، الذين سيبقون بحاجة إلى الحماية الأميركية والسلاح الأميركي من شراهة البعبع الإيراني.

واشنطن تبدو منكفئة في انسحابها من سوريا، لكن! في الجوهر هو وقوف المخرج خلف ستار المسرح، بما يتيح القدرة على إدارة المسرح بتحكم عبر خيوط، تحرك الممثلين كما يشتهي المخرج الجالس على مقعده بطمأنينة وثقة.

القرار الذي اتخذه دونالد ترامب، وقبله باراك أوباما في الانسحاب من المنطقة، يمثّل رأياً عميقاً في واشنطن، يعبّر عن تجلياته في عموم الشعب الأميركي الذي يتوق إلى اهتمام أميركا بأميركا وليس بالخارج. هذا من الناحية الشعبية، أما من الناحية السياسية، فإن الدولة العميقة في واشنطن، بمختلف انتماءاتها الديمقراطية أو الجمهورية، تقرأ في كتاب رؤية استراتيجية للمفكر الأميركي من أصل روسي زبيغنيو بريجينكسي، والتي تدعو واشنطن إلى التنسيق والتكامل مع روسيا، والانسحاب من الشرق الأوسط، وتوحيد الجهود الروسية الأميركية باتجاه المحيط الهادئ ومواجهة المدّ الصيني المتوسع.

على الأرجح أن يكون قرار الانسحاب الأميركي من شرق سوريا مبنيا على تفاهم بين واشنطن وموسكو، يرتكز على تسليم سوريا إلى روسيا، بالتكافل والتضامن مع الأتراك. وهذا واقع ستجيد طهران قراءته بشكل جيّد، وتحيك من تفاصيله الجديدة، خطّة جديدة للتكيف مع الواقع وتأمين استمراريتها في سوريا، خاصة أن الانسحاب الأميركي سيؤسس لإعادة تفعيل الدور لثلاثي آستانة، أي موسكو وأنقرة وطهران. وللحديث حول هذا الثلاثي صلة.

==========================


الشرق السوري إلى أين؟

حسان الأسود

سوريا تي في

الاربعاء 26/12/2018

وصلت يوم الخميس في 20-12-2018، أوّل دفعة من قوّات الفيلق الخامس، ذي القيادة السورية الروسية المشتركة، إلى منطقة الميادين جنوب شرق مدينة دير الزور، وحسب المعلومات الميدانيّة ستصل الدفعة الثانية منها خلال أيّام قلائل، وقد تكون قد وصلت فعلاً لحظة كتابة هذا المقال.

تتألّف القوّة المذكورة بشكل رئيس من 450 عنصراً من مقاتلي الفصائل العسكريّة الثوريّة التي كانت تتبع للجبهة الجنوبيّة للجيش السوري الحر، والتي باتت تتبع للجيش النظامي بعد استعادة النظام السيطرة على المنطقة الجنوبيّة من سوريا صيف العام الحالي 2018، وبعد الاتّفاق على تسوية هذا الأمر برعاية روسيّة.

ثمّة سعي روسيّ حثيث، للوصول بأسرع وقت ممكن لملء الفراغ، فيما لو انسحبت القوّات الأمريكيّة بسرعة كبيرة، رغم أنّ هذا الأمر غير متوقّع، بعد أن وقّع وزير الدفاع الأمريكي المستقيل جيمس ماتيس قرار سحب قوّات بلاده مطلع العام 2019، والذي يتضمّن آليات سحب الجنود وجدوله الزمني.

الارتباك الذي أحدثه قرار الرئيس الأمريكي ترامب، لم يقتصر على المنطقة المعنيّة فحسب، بل طال أركان الحكم في أميركا بذاتها. استقالة وزير الدفاع جيمس ماتيس، مطالبات أعضاء بارزين في مجلس الشيوخ الرئيسَ بالعودة عن القرار، استقالة المبعوث الأميركي للتحالف الدولي ضدّ تنظيم الدولة الإسلاميّة بريت ماكغورك، إضافة للجدل الكبير الذي أثاره ويثيره القرار يوميّاً داخل الولايات المتحدة الأمريكية عبر وسائل الإعلام وفي مراكز البحوث المختلفة.

أسئلة كثيرة، تطرحها قرارات الرئيس الأمريكي المفاجئة، وقد يكون للتحرّكات على الأرض من جهة، وللتصريحات المتناثرة من هنا وهناك والجولات المكّوكيّة للسياسيّين وقادة الأمر الواقع من جهة ثانية، أن تجيبنا عن بعضها.

على الصعيد الدولي والإقليمي والداخلي السوري، نجد زيارة وفدٍ من قوّات سوريا الديمقراطيّة (قسد) فرنسا، وتصريحات وزيرة الشؤون الأوروبيّة الفرنسية ناتالي لوازو "أنّ بلادها ستحافظ على وجودها العسكري شمال سوريا، وأنّها ستدعم حلفاءها هناك، وأنّها بدأت محادثات مع الولايات المتّحدة الأمريكيّة بشأن ظروف الانسحاب والجدول الزمني لتنفيذه"، إعلان الخارجيّة البريطانيّة "بأنّ قواتها ستبقى هناك لأنّ تنظيم الدولة لم يهزم بعد"، وإعلان الخارجيّة الألمانية "أنّ التنظيم ضعف لكنّه ما زال موجوداً"، إعلان الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان تأجيل العمليّة العسكريّة التي كان من المقرّر أن يقوم بها الجيش التركي في مناطق شرق الفرات، وتعليقاته المتواصلة على الأمر بعد اتصاله الهاتفي مع الرئيس ترامب يوم 23-12-2018، تعليق المتحدّث باسم الخارجيّة الإيرانيّة بهرام قاسمي على الأمر بقوله: "إنّ الوجود الأمريكي في المنطقة منذ البداية كان إجراءً خاطئاً وغير منطقيّ وعامل زعزعة الاستقرار"، عدم تعليق النظام السوري على الأمر، واكتفاء وسائل إعلامه بالإشارة إلى الترحيب الروسي بهذا الأمر، وعدد كبير لا يكاد يُحصى من ردود الأفعال والتصريحات والمواقف التي تعبّر عن اضطراب ملحوظ في الساحة الدولية كما في الإقليم من هذا الأمر.

يبدو أنّ الرئيس الأمريكي أراد وضع الجميع أمام استحقاقات جديدة بهذا القرار المفاجئ، وهو ما عبّر عنه بتغريداته التي قال فيها، "إنّه أوفى بوعده الانتخابي بالانسحاب من سوريا، وبأنّه سيتعّن على روسيا وإيران والنظام محاربة تنظيم الدولة لأنهم العدوّ المحلّي له، وأنّه لن تقوم أميركا بذلك نيابة عنهم بعد الآن، بل يجب العودة إلى الوطن وإعادة البناء"

لا شكّ بأنّ القرار الأمريكي سيأخذ حيّزاً كبيراً من الجدل والنقاش، وأنّه سيغيّر الكثير من توازنات القوى على الساحة السوريّة، ولا يمكن التكهّن مسبقاً بآفاق تطوّر الأوضاع الميدانيّة والسياسيّة هناك، فيجب متابعة الأحداث والتطوّرات يوماً بيوم بل ساعة بساعة.

الأكيد في الموضوع أنّ الإرباك سيصيب حلفاء واشنطن من الدول المشاركة بالتحالف الدولي ضدّ داعش، قبل خصومها

عوّد الرئيس ترامب أعضاء إدارته والعالم أجمع على اتّخاذ قرارات غريبة وأحيانا صادمة، ولا يمكن للمرء أن يطلق عليها صفات من مثل ارتجالية أو مدروسة، صحيحة أم خاطئة، قويّة أم ضعيفة، لأنّ هذا الأمر بطبيعة الحال نسبي يخضع للظروف وزاوية الرؤية ووجهة النظر التي ينطلق منها التوصيف. ها هي شبكة سي إن إن الأمريكيّة تنشر مقاطع من المكالمة الهاتفيّة بين الرئيسين الأمريكي والتركي، وتزعم فيها أنّ ترامب قال لأردوغان: "سوريا كلّها لك.. لقد انتهينا"!

الأكيد في الموضوع أنّ الإرباك سيصيب حلفاء واشنطن من الدول المشاركة بالتحالف الدولي ضدّ داعش، قبل خصومها. فلا يتوقّع المرء أن تستطيع فرنسا أو بريطانيا الاحتفاظ بقواعدهما وقوّاتهما في سوريا بعد الانسحاب الأمريكي.

كذلك لا يمكن التكهّن بطبيعة التفاهمات التركيّة الأميركيّة، ولا بمدى وحجم وقوّة التحرّك التركي في هذا الخصوص. فهل سيكون هذا الأمر فرصة نادرة للحكومة التركيّة كي تصفّي حساباتها مع من تصفهم بأعدائها الإرهابيين في الشمال السوري، أم إنها ستتريّث وتتحسب خطواتها بشكل حذر؟ هل سيعود الأمر على تركيا بالفائدة، أم انّه سيكون مصيدة ستنزلق إليها وتجلب عليها الكثير من المصائب؟

لقد أوضحت السنوات الثمان الماضية أنّ كلا الطرفين التركي، والنظام السوري، كانا على حذر دائم وتيقّظ مستمر في العلاقة بينهما وخاصّة بين قوّاتهما المسلّحة، وباستثناء بعض العمليات ذات الطابع الاستخباراتي، مثل اختطاف المقدّم حسين هرموش، والردّ التركي بعد عدّة أعوام باختطاف يوسف نازيك، المتّهم من قبل تركيا بالمسؤولية عن عمليّة تفجير قضاء ريحانلي في هاطاي، لم نسمع عن أي احتكاك أو تصادم عسكري مباشر بينهما.

بالمقابل فإن التصادم التركي الروسي، قد أدّى إلى توتّر شديد في العلاقة بين البلدين، سرعان ما تمّ احتواؤه لتفادي التصعيد، ولتأمين استمرار التنسيق وتحقيق المصالح المشتركة. ولا شكّ بأنّ القيادة التركيّة، تعرف تماماً أنّ الكثير من القوى الدولية والإقليمّية، تسعى جاهدة لإغراق تركيا في المستنقع السوري، بدءً من إسرائيل وإيران وبعض دول الخليج العربي، ومروراً بالكثير من دول أوروبا، وروسيا وحتّى أميركا ذاتها، وتعلم هذه القيادة أنّ هذا الأمر سيكون له مضاعفات كبرى على استقرار الأوضاع السياسية والاقتصاديّة في البلاد.

بالمقابل، سيكون الدور الروسي هو الأكبر بلا أدنى شك، ولولا ضعف الوجود العسكري البرّي للقوات الروسيّة – الذي تحاول التعويض عنه بالزّج بقواّت الفصائل العسكرية المعارضة التي طوتها تحت جناحها- لكانت التحرّكات الروسيّة أسرع بكثير على الأرض من غيرها من القوّات الأجنبيّة الموجودة هناك. تعتبر روسيا نفسها محميّة بالقانون الدولي باعتبارها تدخّلت في الصراع بناءً على دعوة رسميّة من حكومة لا تزال تحوز الشرعيّة القانونيّة الدولية بموجب قواعد القانون الدولي بما فيها معاهدات ومبادئ الأمم المتحدة. هذا الأمر يجعلها قادرة على استخدام حجّة القانون الدولي في وجه خصومها من بقيّة أطراف النزاع أو المشاركين به.

موقف إيران سيكون الأكثر حذراً من الناحية النظريّة، لكنها ستحاول ملء الفراغ بأسرع وقت ممكن، وكما كانت دائماً، ستعمل الآن على التحرّك بواسطة ميليشياتها المستوردة والمحليّة وبالتعاون مع قوّات النظام السوري. لا شكّ بأن هذا الأمر سيفتح المجال واسعاً للتصادم مع الإسرائيلييّن الذين لم يخفوا هذا الأمر، بل وجدوا فيه فرصة للتعبير من سياستهم العلنيّة باستهداف الوجود الإيراني في جميع الأراضي السوريّة.

موقف إيران سيكون الأكثر حذراً من الناحية النظريّة، لكنها ستحاول ملء الفراغ بأسرع وقت ممكن

الموقف الإسرائيلي الحذر من هذا الانسحاب، وتداعياته على أمنها في مواجهة النفوذ الإيراني في سوريا، أوضحته تصريحات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عندما قال: "بأنّه فشل في إقناع ترامب بالتراجع عن قراره المفاجئ، وأنّه يتم معاينة جودة هذا القرار وتبعاته وتأثيراته على إسرائيل، التي ستعرف كيف تدافع عن ذاتها".  لن يخرج التحرّك الإسرائيلي المتوقّع، والذي دأبت حكومة إسرائيل على العمل به، عن مبدأ المثل العامّي القائل: (لا يموت الذئب ولا تفنى الغنم)، فهي تسعى جاهدة لإطالة أمد الوجود الإيراني كما لإطالة أمد بقاء النظام السوري، لكن بشكل ضعيف وهزيل قادرٍ على قمع أية محاولة للتغيّير المنشودة شعبيّاً، وبنفس الوقت غير قادر على إعادة الاستقرار النهائي. إنّ المصلحة الإسرائيليّة تكمن باستمرار الصراع في سوريا وعليها، لأنّ ذلك سيكون أفضل السيناريوهات التي تناسبها، والتي ما كانت لتحلم بها حتّى ولو كان من يحكم سوريا هو الجاسوس الإسرائيلي الذي تمّ إعدامه في سوريا، إيلي كوهين المعروف باسم كامل أمين ثابت.

ثمّة تشابك وترابط في ملفات المنطقة كاملة، فالتفاهمات بين الأطراف اليمنيّة المتحاربة، لا تنفصل عن التفاهمات الحاصلة في الشأن السوري، وعلى ما يبدو أنّ الرئيس دونالد ترامب أراد إعطاء بعض الإشارات عن تلك التفاهمات، حينما قال في تغريدة على حسابه في تويتر بتاريخ 24-12-2018:

"وافقت المملكة العربيّة السعوديّة على إنفاق الأموال اللازمة للمساعدة في إعادة إعمار سوريا، بدلاً من الولايات المتحدة الأمريكيّة... أترون ذلك، أليس من الجيّد أن تقوم الدول فاحشة الثراء بالمساعدة في إعادة إعمار دول جيرانها بدلاً من دولة عظمى، الولايات المتحدة، التي تبعد خمسة آلاف ميل...؟ شكراً للسعوديّة."

الأيّام القادمة حبلى بالتطوّرات السياسيّة والميدانيّة، ولا يمكننا التكهّن بطريقة سير الأمور إلّا بالقدر الذي يمكننا فيه توقّع قرارات الرئيس الأمريكي. يبدو أنّه مع دونالد ترامب (مُشْ حتقدر تغمَّضْ عِنيك)، وعذراً من العربيّة الفصيحة.

==============================


لماذا المفاجأة؟

مروان قبلان

العربي الجديد

الاربعاء 26/12/2018

لا أعرف بالضبط لماذا مثّل قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الانسحاب من شمال شرق سورية مفاجأة، فالرجل كان قد أعرب عن رغبته في الانسحاب أكثر من مرة خلال العام الماضي، ففي خطابٍ أمام جمهور له في ولاية أوهايو في 29 مارس/ آذار الفائت، قال ترامب إن القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية بات وشيكا، وإنه يريد الانسحاب من سورية بسرعة، لكن تدخل بعض مستشاريه وحلفائه الإقليميين دعاه إلى التراجع مرحليا. وفي الثالث من إبريل/ نيسان الماضي، قال ترامب إنه أعطى وزارتي الخارجية والدفاع مهلة ستة أشهر، للقضاء نهائيا على تنظيم الدولة الإسلامية، ما يعني أن قراره البقاء كان لمدة محددة فقط.

لكن، من جهة ثانية، كانت هناك معطيات مهمة تشير إلى العكس، إذ سرى اعتقاد أن إحاطة ترامب نفسه في السنة الثانية من حكمه بمجموعةٍ من المساعدين الأشد عداءً لإيران، منذ إدارة جورج بوش الابن الأولى (2001-2005)، قد يكون أثّر في تفكيره، لجهة الاحتفاظ بقواتٍ في سورية، خصوصا بعد أن قرّر في الثامن من مايو/ أيار الماضي الانسحاب من الاتفاق النووي، وإعادة فرض عقوبات اقتصادية على إيران، فمستشار الأمن القومي، جون بولتون، ووزير الخارجية، مايك بومبيو، والمبعوث الخاص إلى سورية، جيمس جيفري، يعدّون صقورا عندما يتعلق الأمر بإيران. وقد درجوا، على مدى الشهور الماضية، على التأكيد أن هدف واشنطن الرئيس من الاحتفاظ بوجود عسكري في سورية، بعد القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية، هو منع إيران من تحقيق تواصل جغرافي بين مناطق نفوذها في العراق وسورية ولبنان. وفي مؤتمر صحافي على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/ أيلول الماضي، بدا بولتون واثقا بقوله "إن واشنطن باقية في سورية، طالما بقيت إيران خارج حدودها".

كان البنتاغون (وزارة الدفاع) يضغط باتجاه البقاء، وإن لأهداف مختلفة، بدليل الاستمرار في إنشاء قواعد عسكرية أميركية في المنطقة، كان آخرها في عين العرب، فيما غدت قاعدة التنف في الجنوب الشرقي عين أميركا على إيران وأذنها. وكان وزير الدفاع المستقيل، جيمس ماتيس، يرى أن تنظيم الدولة الإسلامية لم ينته بعد، وأن الانسحاب في هذه المرحلة قد يؤدي إلى عودته، وربما بأشكال أخرى، وهو كلام كان قد ردّده وزير الخارجية السابق، ريكس تيلرسون، عندما وضع ما اعتقد حينه أسس سياسة جديدة في سورية، قوامها عدم تكرار خطأ الانسحاب من العراق، عندما هيمنت إيران، وعادت القاعدة بحلة جديدة (تنظيم الدولة الإسلامية)، كما أشار تيلرسون، في خطابه أمام معهد هوفر في جامعة ستانفورد في يناير/ كانون الثاني 2018. من جهة ثانية، بدا "البنتاغون" أقل استعدادا للتخلي عن الحلفاء الكرد الذين أثبتوا فائدة كبيرة في قتال تنظيم الدولة الإسلامية، فضلا عن إمكانية استخدامهم أداة ضغط فعالة، عند الحاجة مع تركيا.

فوق ذلك، ساد اعتقاد أن بقاء القوات الأميركية بالنسبة لترامب من عدمه قضية مالية، فوجه اعتراضه الرئيس على الاحتفاظ بوجود عسكري في سورية يتمثل في التكلفة، لكن السعودية، التي يعنيها أكثر من غيرها بقاء الأميركيين في سورية لمواجهة النفوذيْن، الإيراني والتركي، تعهدت في الصيف الماضي بتحمل كامل نفقات بقاء هذه القوات، ومقدارها 300 مليون دولار، سدّدت الدفعة الأولى منها (100 مليون دولار) في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي.

لكن هذا كله لم يسهم، على ما يبدو، في تغيير موقف ترامب، فعندما لاحت له فرصة لتنفيذ رغبته بالانسحاب، أخذ المال السعودي، تخلّى عن الحليف الكردي، أخرج وزير دفاعه المعترض، وترك الآخرين، خصوما وحلفاء، في حالةٍ من الذهول والحيرة. ولا تنتهي القصة هنا طبعا، فبقراره الخروج من سورية، يوجّه ترامب دعوة إلى كل القوى المتحفزة لوراثة التركة الأميركية للتنافس والتناحر، وهو يضع خصوصا شركاء أستانة (روسيا وإيران وتركيا) أمام امتحانٍ عسير، فالروس والإيرانيون والأتراك كانوا متفقين على ضرورة إخراج القوات الأميركية من سورية، أما الآن وقد خرجوا، فماذا هم فاعلون؟ هل يتجهون نحو صدامٍ يقضي على كل تفاهمات أستانة، أم إلى اتفاقٍ لتقاسم النفوذ، وما مصير اتفاق إدلب في كلتا الحالتين؟

==============================

ما وراء الانسحاب الأميركي من سورية

علي العبدالله

العربي الجديد

الاربعاء 26/12/2018

المفاجأة، الصدمة، القلق، خلط الأوراق، كسر الجمود، قلب الطاولة، ملء الفراغ، مفرداتٌ طغت على تعليقات المعلقين والمحللين السياسيين على قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، سحب القوات الأميركية من سورية، رافقها ميل واضح إلى الحديث عن الانعكاسات المباشرة على القوى المنخرطة في الصراع على سورية والأدوار والمواقف المنتظرة منها، وتقديرات بشأن الرابحين والخاسرين نتيجة القرار، من دون كبير اهتمام بالخلفيات التي دفعت الرئيس الأميركي إلى اتخاذ القرار، على الرغم من معارضة أركان إدارته: وزارة الدفاع (البنتاغون) وكبار الجنرالات ومسؤولي الملف السوري في وزارة الخارجية، وتأثير هذه الخلفيات على مستقبل القرار ومصيره.  ربطت تعليقات سياسية بين القرار ووعود ترامب الانتخابية، ناسية أن الوعود الانتخابية غدت غير ذات شأن، بعد مرور سنتين على فوزه وتسلمه مقاليد السلطة، من دون أن يذكّره أحد بها، أو يلومه على إهمالها ويطالبه بتنفيذها؛ ما جعل الربط بينها وبين القرار نمطيا وغير مناسب لتفسير اتخاذ القرار. زعم صحيفة يسرائيل هيوم، في تقرير، يوم 21/12/2018، أنّ تفاهما أميركيا إسرائيليا عربيا مع روسيا سبق الإعلان الأميركي، تمحور حول تعهد روسيا بكبح جماح إيران وحزب الله اللبناني في سورية، والسماح بعودة حرية الحركة الإسرائيلية في الأجواء السورية ضد أهداف لحزب الله وإيران، وضد نقل أسلحة كاسرة للتوازن، كذّبه تعليق المؤسستين العسكرية والاستخبارية الإسرائيليتين اللتين رأتا "أن القرار يعني أن الرئيس دونالد ترامب قد ألقى بإسرائيل تحت عجلات القطار الروسي". وقول معلق الشؤون الاستخبارية، رونين بريغمان، في تعليق بثته القناة الإسرائيلية العاشرة في اليوم نفسه، "لا يمكن تصور حجم الغضب والإحباط الذي يعصف حاليا بكبار قادة الجيش والاستخبارات الإسرائيلية في أعقاب القرار الأميركي، وتحذيرهم من انعكاساته: القرار يمكن أن يفضي إلى "تبديد الإنجازات" التي حققتها إسرائيل خلال الأعوام الثلاثة، عبر تدخلها العسكري المباشر لإحباط نقل السلاح إلى حزب الله وإعاقة سعي إيران إلى التمركز عسكريا في سورية". وقول معلق الشؤون العسكرية في صحيفة يديعوت أحرونوت، رون بن يشاي، "القرار يهدّد البيئة الإستراتيجية لإسرائيل.. وتفكيك القاعدة العسكرية الأميركية في منطقة التنف، قاعدة للوحدات الخاصة الأميركية،

"إسرائيل: القرار يعني أن ترامب ألقى بنا تحت عجلات القطار الروسي"  بالقرب من مثلث الحدود السورية الأردنية الإسرائيلية، سيمثل ضربة قوية لإسرائيل، على اعتبار أن القاعدة تلعب دورا مهما في منع إيران من نقل السلاح والعتاد إلى سورية عبر البر، إلى جانب إسهامها في منع الحرس الثوري الإيراني ومقاتلي حزب الله من التمركز في جنوب سورية ومنطقة الجولان".

ثلاثة عوامل وقفت وراء قرار الانسحاب: أولها: التصعيد التركي ضد تبنّي الولايات المتحدة لقوات سورية الديمقراطية (قسد) التي تشكل "وحدات حماية الشعب" و"وحدات حماية المرأة" التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي) عمودها الفقري، والدعم العسكري الكبير (أوردت تركيا مرات عديدة عدد الشاحنات التي نقلت العتاد، أكثر من خمسة آلاف شاحنة، وأنواعه واحتواءه على أسلحة ثقيلة تشكل خطرا على الأمن القومي التركي)، والبرامج المعدّة لزيادة عددها وتطوير قدراتها وكفاءتها (تدريب بين 30 ألفا و40 ألف عنصر حرس حدود) وتمويلها وحمايتها، بتجاهل تام للتحفظ التركي واعتباراته، التحفظ على الخلفية القومية للقوات والمشروع السياسي الذي تسعى إلى تنفيذه وانعكاسه على القضية الكردية في تركيا، وإعلان الرئيس التركي، أردوغان، نيته شن عملية عسكرية شرقي الفرات ومنبج، للقضاء على هذا "الخطر"؛ وبدء تدفق قوات تركية على الحدود في مواجهة المدن السورية التي تسيطر عليها "قسد". وقد وجدت الإدارة الأميركية نفسها ممزقةً بين حليفين، دولة عضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو) وقوات لعبت دورا وازنا في القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في سورية. وقد زاد الطين بلة رفض "قسد" الحل الوسط الذي اقترحته لتليين المواقف القاضي بابتعادها عن الحدود ونشر قوات كردية (بشمركة روجافا) وأخرى عربية في مواقعها.

حاولت الإدارة الأميركية تنفيس الاحتقان التركي، واحتواء الانفجار المتوقع عن طريق العمل على صياغة الوضع شرقي الفرات، بإعادة صياغة "الإدارة الذاتية" التي شكلها حزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي) بتوسيع مشاركة بقية المكونات في الإدارة واتخاذ القرار؛ والتصويب على التغيير السكاني الذي نفذته "الوحدات" في بلدات وقرى عربية وآشورية سريانية، وترتيب شرقي الفرات بمطابقة تركيبة المجالس المحلية مع مجتمعاتها؛ وتحقيق توازنٍ في قوات "قسد" بإشراك مزيد من العرب والتركمان، وإسناد مواقع قيادية لهم، بحيث تكون مشاركتهم في اتخاذ القرارات حقيقية وملموسة.

ثانيها: تواضع مساهمات الحلفاء، أعضاء التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش، العسكرية والمالية، مشاركة عسكرية صغيرة؛ مئات من القوات الخاصة البريطانية والفرنسية والإيطالية والنرويجية، ومساهمة مالية سعودية وإماراتية يتيمة، مائة مليون دولار، علما أن الرئيس الأميركي سبق أن ربط بقاء القوات الأميركية في سورية بالمساهمة في تغطية تمويلها، في موقف ينسجم مع تركيبته تاجر عقارات ومستثمرا يقيس الأمور بميزان الربح والخسارة، وتجاهلهم (الحلفاء) رغبته برفع مستوى مشاركتهم الميدانية ومساهمتهم المالية.

"روسيا لا تثق بنوايا أميركا، وتنتظر تنفيذ القرار كي تدفع شركاءها جانباً، وتستأثر بالغنيمة"

ثالثها: تبرّم الرئيس الأميركي وضجره من العمل المؤسسي المنضبط، واستياؤه من ضغط المؤسسات الأميركية عليه، كي يلتزم بمعاييرها وتقديراتها وتصوراتها وخططها.

وهناك عوامل داخلية، تحقيقات المحقق الخاص روبرت مولر، وتوسعه في التحقيق مع أركان الحملة الانتخابية للرئيس الأميركي وأسرته، وصولا إلى شخصه؛ مع توقع صدور تقرير مولر النهائي في الشهرين المقبلين، الاشتباك مع الكونغرس على خلفية رفضه تقديم خمسة مليارات دولار، لتمويل مشروع الجدار على الحدود مع المكسيك، وافق على تقديم مليار ونصف المليار، الخلاف مع وزارة الدفاع (البنتاغون) لاعتراضه على إرسال الجيش إلى الحدود مع المكسيك، لرد المهاجرين، تعثر التعيينات الجديدة في معظم المناصب الشاغرة، تواصل هبوط البورصة السريع والمتوالي، وسط توقعاتٍ باقتراب دخول الاقتصاد في دورةٍ من الركود، تفاقم الخلافات بشأن السياسة الخارجية، سيما بين البيت الأبيض والكونغرس، وخصوصا الجمهوريين فيه. وهي مرشحة لمزيد من التعقيد، في ضوء عزم الرئيس سحب نصف القوات الأميركية من أفغانستان، استياء الرئيس الشديد من تعليق "البنتاغون" على قول الرئيس التركي عن فحوى مكالمته الهاتفية معه "إنه وجد تفهما للعملية العسكرية في شرق الفرات".. لعبت هذه العوامل دورا حاسما في الصيغة الحاسمة والسريعة للقرار (انسحاب كامل وفوري في مدة لا تتجاوز مائة يوم).

فاجأت ردود الفعل المحلية والخارجية على قرار الانسحاب البيت الأبيض، بقدر مفاجأته لهذه القوى والدول بقرار الانسحاب، ربما أكثر، حيث عزف "البنتاغون" عن التعليق، وصمتت وزارة الخارجية، وألغت مؤتمرها الصحافي اليومي قبل ساعتين من موعده، لتحاشي أسئلة محرجة حول القرار. وطلب رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، السناتور بوب كروكر، موعدا مع الرئيس، للاطلاع منه على الأسباب التي حملته على اتخاذ قراره، ثم قرّر البيت الأبيض إلغاء اللقاء في آخر لحظة؛ الأمر الذي فاقم الاعتراض في الكونغرس، وعزّز الشكوك بشأن الدواعي، وانتقاد أعضاء في مجلس الشيوخ والنواب القرار، ومطالبتهم بإجراء جلسات استماع لمناقشة حيثياته، وظروف اتخاذه، وانتقادات خبراء ووسائل إعلام أميركية كثيرة للقرار، وإبراز سلبياته على الإستراتيجية الأميركية، والدور الأميركي عامة، وفي الحل في سورية خصوصا. وكانت ذروة الاعتراضات استقالة وزير الدفاع، جيمس ماتيس، انطوت رسالة الاستقالة على نقدٍ قاس لسياسة ترامب، والمبعوث الأميركي إلى التحالف الدولي، بريت ماكغورك. هذا بالإضافة إلى انتقادات أوروبية وإسرائيلية.

أثار قرار الانسحاب نقاشاتٍ بشأن انعكاساته على المشهدين، السوري والإقليمي، من رفع الغطاء السياسي، والحماية العسكرية عن "قسد"، وفتح طريق للعملية التركية، إلى إطلاق سباق على ملء الفراغ، ما يضع تركيا في مواجهة حتمية مع روسيا وإيران على خلفية تناقض المصالح والرؤى، ما دفعها إلى السعي مع الولايات المتحدة من أجل انسحاب تدريجي، قال الرئيس الأميركي إنه اتفق مع الرئيس التركي على انسحاب بطيء ومنسق بدقة، وهذا سيزيد حدة التناقض مع روسيا وإيران. روسيا تنتظر تنفيذ القرار، لأنها لا تثق بالنوايا الأميركية، كي تدفع شركاءها جانبا وتستأثر بالغنيمة، إيران مرتاحة للقرار الذي ضحّى بموقع ودور حسّاسيْن، من أجل توفير بعض المال، ما يمنحها الأمل بانسحابٍ من المنطقة، والتخلي عن خطة محاصرتها. تراهن بعض القوى على الضغوط الداخلية والأوروبية والخليجية، خصوصا إذا تقدمت بعروض لرفع مشاركتها الميدانية والمالية، والإسرائيلية؛ لدفع الرئيس الأميركي إلى التراجع عن القرار، المؤكد أن تنفيذه سيفتح باب الصراع على شرقي الفرات من أجل التحكّم بمصير سورية كاملة.

==============================

استقالة جيمس ماتيس

عبد المنعم سعيد

الشرق الاوسط

الاربعاء 26/12/2018

لم تكن استقالة جيمس ماتيس، وزير الدفاع الأميركي، من منصبه المهم مفاجأة كبيرة، بل إنها كانت متوقعة إلى حد كبير بعد قرار الرئيس دونالد ترمب سحب القوات الأميركية من سوريا، بعد فترة طويلة أكدت فيها السلطات الأميركية المختلفة أن هذه القوات باقية على الأقل كما جاء على لسان جون بولتون مستشار الأمن القومي طالما كانت إيران باقية في سوريا. لم يكن هناك ما يشير إلى تغيرات في الوجود الإيراني، بل بدا أن موقع إيران، بالتعاون مع تركيا وروسيا، يتعزز إلى حد كبير. صدر قرار الرئيس على أي حال، كما صدر بعده قرار وزير الدفاع بالاستقالة، وربما كان الأهم من خروج آخر العقلاء والراشدين كما يطلق عليهم من إدارة ترمب، ما جاء في خطاب الاستقالة ذاته، الذي احتوى على ثلاث نقاط أساسية؛ أولاها أن ماتيس أكد على أنه آن الأوان أن يكون لدى الولايات المتحدة وزير للدفاع تتوافق آراؤه مع آراء الرئيس؛ والثانية ضرورة أن يكون تعامل الولايات المتحدة مع حلفائها باحترام؛ والثالثة أن السياسة الأميركية لا بد أن تكون «حازمة» وغير متناقضة في مواجهة الصين وروسيا. الاستقالة هكذا «مسببة» تعرض لانقسامات أساسية وخلافات متعلقة بالسياسة الخارجية الأميركية، وربما ما هو أعمق من ذلك وممتد للسياسة الداخلية أيضاً، والآيديولوجيا الحاكمة في الولايات المتحدة.

استقالة ماتيس ليست الأولى، وليست الأخيرة لوزير الدفاع الأميركي، بل إنه كثيراً ما حدث أن جرت تغييرات قيادية في أعقاب نهاية فترة رئاسية، أو التجديد النصفي للكونغرس، لكن الأمر هنا مختلف تماماً؛ لأن الرئيس دونالد ترمب ليس مثل كل الرؤساء الأميركيين. هو حالة جديدة على النظام السياسي الأميركي، ربما كان فيها بعض من سياسات العزلة التي كانت في أعقاب حرب الاستقلال أو بعد الحرب العالمية الأولى عندما عزفت أميركا عن دخول عصبة الأمم وانكمشت على ذاتها محاطة بمحيط في شرقها وآخر في غربها، لكن الجديد في الأمر أن العالم يعيش الآن في القرن الواحد والعشرين، وبعد قيام نظام دولي قادته أميركا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية مع وجود التحدي السوفياتي خلال الحرب الباردة، أو بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانفراد أميركا بقيادة العالم. وربما كان الأكثر أهمية أن الجديد جاء من الداخل، وحينما يطرح وزير الدفاع في خطاب استقالته أن الرئيس يحتاج إلى وزير يتوافق معه، فإن معنى ذلك أن الفجوة ما بين الرئيس والوزير، والأرجح المؤسسة الدفاعية أيضاً، باتت مستحيلة العبور. المسألة هنا ليست نوعاً من التوافق الشخصي من عدمه، وإنما هي خلافات جوهرية ربما بدت من مواقف رئيس الدولة الذي أعلن في أكثر من مناسبة أنه يعرف أكثر من الجنرالات، وفي واحد من تصريحاته قال في سابقة لم تحدث من قبل لرئيس أميركي إن الولايات المتحدة لم تكسب حرباً منذ الحرب العالمية الثانية. وفي أكثر من مناسبة، فإن انتقاداته تعدت وزارة الدفاع إلى كامل المؤسسات الأمنية الأميركية، وبخاصة وكالة المخابرات المركزية الأميركية التي وقف أمام تقديراتها فيما يخص الاتهامات الموجهة لروسيا بالتدخل في الانتخابات الرئاسية الأميركية، حيث انتصر لموقف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين المنكر لهذا التدخل على حساب تقديرات الوكالة المؤكدة له.

استقالة ماتيس هي خروج لمدرسة كاملة كانت مقتنعة أن الرئيس الأميركي أياً من كان لا يستطيع الخروج على السياسات الكبرى الأميركية، وأنه من الممكن ترشيده إذا ما عرف أسرار الحكم والعالم والمسؤوليات الكبرى الواقعة على كتفه. الرؤساء يجيئون ويذهبون، لكن الولايات المتحدة باقية بمصالحها الاستراتيجية الكونية، التي بذلت جهوداً مضنية من أجل خلق الوسائل لتدعيمها، ومن أهمها إنشاء حلف الأطلسي، ومعاهدة الدفاع المشترك بين واشنطن وطوكيو، والتحالف المخابراتي الخاص بين الدول الأنغلوساكسونية الذي يضم الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وكندا، وأستراليا، ونيوزيلندا، ودعم الاتحاد الأوروبي واعتباره جناحاً آخر للتحالف الغربي. كل هذه المؤسسات كانت نتيجة جهود جبارة بذلتها المؤسسات الأميركية لكي تقوّض الاتحاد السوفياتي والآيديولوجيا الشيوعية، وقيام مؤسسات عالمية مثل منظمة التجارة العالمية تعبر عن العولمة وتفاعلاتها الفكرية الليبرالية والتكنولوجية التي تربط الكرة الأرضية بعضها بعضاً، وتنظم عمليات الخروج من الأرض إلى الفضاء. كل ذلك لم يكن مصدر ارتياح للرئيس الأميركي، بل أكثر من ذلك فإن مواقفه كثيراً ما عبّرت عن «عدم الاحترام» لحلفاء الولايات المتحدة، وحلف الأطلسي، والاتحاد الأوروبي.

الرئيس ترمب جاء من مدرسة أخرى، لا ترى العالم وحدة واحدة، أو ينبغي أن يكون هكذا وحدة واحدة تتعامل مع التجارة بقدر ما تتعامل مع الاحتباس الحراري. العالم هنا مكون من وحدات قومية لكل منها مصالحها وقدراتها، ومن بينها فإن الولايات المتحدة لا يهمها كثيراً مصالح العالم بقدر ما يهمها مصالحها الخاصة، ومصالح مواطنيها، وبخاصة البيض منهم الذين غبنوا نتيجة زحف «الملونين» من أجناس مختلفة على الدولة الأميركية. هنا، فإن منهج ترمب يتعامل مع العالم كوحدات منفصلة، كل واحدة منها لها علاقات ثنائية مع الولايات المتحدة، التنظيمات المتعددة الأطراف مثل الأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية و«نافتا» في السابق لا تعني الكثير إذا كانت تعني نقل المصانع من الولايات المتحدة إلى المكسيك، وأن تحصل الصين على فائض مزمن في الميزان التجاري بينها وبين الولايات المتحدة. وعندما ذكر ماتيس في خطاب استقالته ضرورة أن تكون الولايات المتحدة حازمة وغير متناقضة فيما يتعلق بالعلاقات مع روسيا والصين، كان ذلك باعتبار الدولتين ليستا فقط منافستين للولايات المتحدة، وإنما باعتبارهما من القوى «المراجعة» للنظام الدولي كله الذي تقوده الولايات المتحدة. ترمب هنا لا يعرف الموضوع بهذه الطريقة، فهو من ناحية لا يريد قيادة مكلفة للولايات المتحدة للنظام الدولي، وبخاصة لو كانت القيادة تكلفها عسكرياً حروباً مؤلمة كما جرى في كوريا وفيتنام وأفغانستان والعراق ومؤخراً في سوريا. ومن ناحية أخرى، أنه في العلاقات الثنائية بين الدول «القومية» فإن المصالح تتناقض أحياناً، وتتواءم أحياناً أخرى؛ وربما تفرق التجارة بين الصين والولايات المتحدة؛ لأن الأولى صممت دائماً أن تحصل على المزايا التي تحصل عليها الدول النامية، بينما الحقيقة أنها باتت قوة تجارية عظمى. لكن العلاقات الصينية الأميركية من الممكن أن تتوافق فيما يتعلق بنزع السلاح النووي عن كوريا حتى ولو كان التوافق غائباً فيما يخص بحر الصين الجنوبي. وتقوم المعادلة نفسها في العلاقات الروسية - الأميركية التي قد تتوافق في الحرب على «داعش» والحرب على الإرهاب عامة، لكنها لا تتوافق فيما يتعلق بأوكرانيا.

المسألة هنا أن استقالة ماتيس كاشفة؛ فقد جاءت بعد استقالات لكيلي رئيس موظفي البيت الأبيض، وتيليرسون وزير الخارجية، وماكماستر مستشار الأمن القومي، أي أن هجرة كاملة جرت لجماعة العاقلين الراشدين كما يسميهم الإعلام الأميركي؛ لكنهم في الحقيقة يمثلون مدرسة بكاملها في السياسة الخارجية الأميركية، والآن بات الرئيس الأميركي حراً تماماً لكي يقدم سياسته نقية وصافية.

==============================

الثابت والمتحول في القضية السورية

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 24/12/2018

"ليس هناك من ثوابت في القضية السورية إلا أمران: الأول أنه ما مِن ثابت فيها، والثاني أنه إذا كان هناك أمر دائم ومستمر أو ثابت في القضية السورية، فهو العذاب والمواجع، واستمرار المأساة". هذا اقتباس من إحدى إحاطات ستيفان ديمستورا الأخيرة. إذا كان ديمستورا قد أبدع بمسألة أو نجح ببراعة في أمر بتلك المهمة التي كُلِّف بها في سوريا فهي بتدبيج الكلام وتنميقه؛ والاقتباس أعلاه أحد أهم إبداعاته، ويمكن أن يدخل في سجل "إنجازاته". حقيقة لم يكن هناك ما هو أكثر ديمومة وثباتاً في سوريا وما يمكن تسميته بـ "ثابت/constant" في القضية السورية إلا الألم والعذاب وديمومتهما.

كانت هناك جملة من الثوابت لدى النظام، وعلى رأسها أن يحكم البلد أو يدمرها؛ وظهر أنه بعد أن دمّرها لم يتمكن من البقاء في حكمها؛ فكان المتحول أن يأتي بقوة روسية مدعّمة بإيران وميليشياتها ليكونوا الحاكم الفعلي، ولكن بفعل قوتهما وسحقهما لمن يعارضه يبقى حاكماً ولو شكلياً.

الثابت الآخر الذي حرص النظام عليه هو محاولة نسف أي حل سياسي. فجأة يهتز هذا الثابت، ونرى النظام يقع بغرام /مؤتمر سوتشي الوطني/ ويهتم اهتماماً كبيرا بـ "اللجنة الدستورية"؛ ويعتبر ذلك التزاماً بالعملية السياسية. يعود الثابت ليصبح متغيراً بعد أن يكتشف أن "اللجنة الدستورية" ستدخله بعملية سياسية، فيعمل على نسفها برفقة روسيا وإيران من خلال وضع شروط مستحيلة.

الثابت الآخر الذي حرص النظام عليه هو محاولة نسف أي حل سياسي. فجأة يهتز هذا الثابت، ونرى النظام يقع بغرام /مؤتمر سوتشي الوطني/ ويهتم اهتماماً كبيرا بـ "اللجنة الدستورية"

على الأقل إعلامياً، تشكل "العروبة" ثابتاً آخرَ في سياسة النظام يطول شرحه. ذلك "الثابت" يتحول إلى متغيّر أو /متحوّل/   في الأزمة السورية حتى زيارة الرئيس السوداني؛ فيعود ليصبح ثابتاً.

إنّ تَحَوُل "ثوابت" نظام الأسد إلى متحولات، ومتحولاته إلى ثوابت، مسألة لا تنتهي؛ وكلها تصب في ثابت لا يتزحزح، هو فعلاً الوحيد في حياة هذا النظام ويتمثل بـ /البقاء، ولو فني كل شيء/؛ ومن هنا قول ديمستورا بأن الثابت الوحيد في الحياة السورية هو المعاناة واستمرار المأساة؛ ولكن ما لم يقله ديمستورا هو أن ثابت النظام الأوحد هذا: (البقاء) مرتبط مع ثابت الحياة السورية الأوحد: (المأساة). ديمستورا للأسف لم يمتلك الجرأة حتى في آخر إحاطة له- على الأقل كتبرئة ذمة- أن يسمي الأمور بمسمياتها ويقول إن هذا النظام هو المسؤول عن المأساة السورية؛ وهو من وُجد الإرهاب وداعش والاحتلالات بسببه.

نعم، كل شيء متحول في القضية السورية؛ يمكن لمتعصب أو متطرف فهم الدين وتطويعه وعجنه وخبزه كما تشاء أو ترسم سياسة الاستبداد والدكتاتورية؛ وأن يتحول معتقل في سجن صيدنايا إلى أمير في داعش أو النصرة في الصباح يمارس "تشريعاته" وممارسة القتل، وفي الظهيرة يكون في مطار "الشدادة" بلباسه العسكري ليستقل طائرة هيلوكبتر لحضور اجتماع في فرع مخابرات في دمشق.

بفضل ديمستورا وغيره، دامت وازدادت الثوابت ديمومةً وثباتاً؛ وازدادت المتحولات والمتغيرات وصارت أكثر تحولاً وتغيراً؛ فتماهي الروس مع الحل العسكري، الذي نهجه النظام بدعم إيران وميليشياتها، زاد من تعنّت النظام وجعل من شعاره العدمي التدميري /الأسد أو نحرق البلد/ ثابتاً جمّد كل استراتيجية روسية محتملة لإيجاد حل سياسي حقيقي للقضية السورية وحوّلها إلى رزمة من التكتيكات ساهمت أيضاً بتحويل المتحولات إلى ثوابت والثوابت إلى متحولات.

متحولات وثوابت اللاعب الأساسي الآخر "أميركا" في القضية السورية أكثر غرابة؛ وربما الأكثر مساهمة بامتداد المأساة السورية. فمن ثابت "أوباما" المتمثل بسياسة النأي بالنفس والسياقة من الخلف- والتي اعتبرها البعض ثابتاً- والتي ساهمت بخنق وتكبيل وتشويه المعارضة، ويسرت الدعم للنظام وإعطائه الفسح والسماح والتملص من الاستحقاقات والنجاة من أية محاسبة عبر قارب النجاة الروسي.. من كل ذلك.. إلى ثابت "ترامب" الذي يعمل علنا عكس سياسة أوباما كيفما كانت.

في عهد ترامب دخل حابل الثوابت بنابل المتحولات والمتغيرات؛ وترى المقاربة الأميركية للقضية السورية تتأرجح بين إدارة الظهر إلى رسم وبلورة استراتيجية ثابتة ركائزها إنهاء داعش واقتلاع الخطر الإيراني والولوج بعملية سياسية حقيقية. فجأة ثابت الاستراتيجية الأميركية المتبلورة حديثاً يصيبه الجمود بتغريدة يطلقها ترامب تربك الحلفاء والأصدقاء والأعداء وتعيد القضية السورية إلى ثابتها الأساس في ديمومة وثبات المأساة واستمرارها.

ما يمكن أن يخرج القضية السورية من هذا الثابت المأساوي الذي التصق بها خلال السنوات الثماني الماضية لا بد أن يستند إلى ثابت جديد يأخذ جملة من الحقائق بعين الاعتبار وينطلق إلى مشروع مبني على ثابت العودة إلى سكة الحياة مهما كلف الأمر. وإذا كان هذا النظام المجرم لا يهتم إلا ببقائه؛ فليكن ذلك البقاء مكلفاً جدا، بحيث لا يحتمله أو يتحمله أحد. حياة حرة كريمة وهذا النظام أمران لا يلتقيان.

==========================

وفعلها البرتقالي!

بكر صدقي

سوريا تي في

الاثنين 24/12/2018

منسجماً مع وعوده الانتخابية، كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد تحدث، في شهر آذار الماضي، عن الانسحاب العسكري من سوريا. وإذ عاندته المؤسسة العسكرية والدبلوماسية والأمنية، حينذاك، أعطاهم مهلة تسعة أشهر قبل البدء بالانسحاب. الآن انتهت الأشهر التسعة، فظل ترامب وفياً لوعوده، فأصدر أوامره بالانسحاب الكامل والسريع. ومع ذلك فاجأ قرار ترامب الجميع. فهو، بهذا المعنى، قرار مفاجئ وغير مفاجئ في الوقت نفسه.

 ووجه المفاجأة فيه هو أنه لم يمض وقت طويل على إعلان وزير الخارجية مايك بومبيو، ومبعوثه الخاص جيمس جيفري، عن تفاصيل استراتيجية أميركية جديدة لسوريا قائمة على 3 نقاط: هزيمة تنظيم داعش بما يقطع الطريق على عودته مرة أخرى، وإخراج إيران من سوريا، ووضع ترتيبات انتقال سياسي في سوريا. إعلان ترامب، من هذا المنظور، يعني طي صفحة هذا البرنامج الطموح، بما أن الأهداف الثلاثة لم تتحقق، وإن كانت الحرب على داعش قد حققت بعض الإنجازات الميدانية. كذلك هي الحال مع تصريحات كثيرة من أركان البنتاغون فحواها توقع بقاء مديد للقوات الأميركية في سوريا.

تحدثت التسريبات عن أن ترامب قال لنظيره التركي أردوغان، أثناء المكالمة الهاتفية التي جرت بينهما،

هدية ترامب هي لبوتين أكثر مما لأردوغان، سيكون على تركيا، بعد إتمام الانسحاب الأميركي، الحصول على موافقة موسكو بدلاً من واشنطن، وهو أمر ليس مضموناً في الجيب

الأسبوع الماضي: "سأقول لك شيئاً. أتريد سوريا؟ خذها إن شئت. نحن عائدون إلى الوطن"! مع ذلك لا يصح اعتبار قرار ترامب بالانسحاب، هدية يقدمها لتركيا التي طالما هددت بملاحقة من تصفهم بالإرهابيين من وحدات حماية الشعب الكردية في منطقة شرق الفرات الواقعة تحت الحماية الأميركية، وطالما ضغطت على واشنطن لفك تحالفها مع تلك الوحدات. ذلك لأن دخولاً عسكرياً تركياً إلى تلك المنطقة، بتفاهم مع واشنطن شيء، وبعد خروجها منها شيء آخر. وبالنظر إلى أن هدية ترامب هي لبوتين أكثر مما لأردوغان، سيكون على تركيا، بعد إتمام الانسحاب الأميركي، الحصول على موافقة موسكو بدلاً من واشنطن، وهو أمر ليس مضموناً في الجيب.

وهكذا كان أول رد فعل تركي على القرار الأميركي هو الحديث عن تعليق موعد العملية العسكرية شرق الفرات إلى أجل غير مسمى. وهو ما قد يعني أن التهديدات التركية كانت، أصلاً، نوعاً من التهويش لاستدراج تنازلات أميركية في مناطق أخرى، منبج مثلاً، حيث لم ينفذ الأميركيون تعهداتهم لأنقرة بشأنها، وواصلوا المماطلة والتسويف. الآن وقد زالت العقبة الأميركية، وجد الأتراك أنفسهم، فجأة، في مواجهة الفراغ. وهو ما سوف يستدعي إعادة تقييم الموقف قبل التورط في أي توغل بري جديد.

روسيا بوتين هي الرابح المطلق من قرار ترامب. فقد باتت مستفردة تماماً بكل جوانب المشكلة السورية. هي التي ستوزع المغانم السياسية من الانسحاب الأميركي بين تركيا وإيران وإسرائيل. وكذا فيما يتعلق بالمسار السياسي. ففي ظل غياب أي سياسة أميركية لسوريا (بعد طي صفحة الاستراتيجية الأميركية المذكورة أعلاه) سيواصل بوتين المضي في تسويته السياسية، مع شريكيه الضعيفين في ثلاثي سوتشي، إيران وتركيا، وربما مع الاستغناء التام عن أي مساهمة للأمم المتحدة، حتى بذلك الشكل الهزيل الذي مثله المفوض الأممي المستقيل ستيفان ديمستورا.

من الأسئلة الملحة التي يطرحها قرار ترامب: ما هو مصير التحالف الدولي لمحاربة داعش، بعدما اعتبر ترامب أنه تم القضاء على المنظمة الإرهابية، مسوغاً بذلك قراره؟ أما "ما تبقى" من تلك المنظمة فقد رمى ترامب بمسؤولية القضاء عليه على "دول المنطقة، بما فيها تركيا" على ما جاء في أحدث تغريداته. فهل نتوقع قراراً ترامبياً جديداً بخروج الولايات المتحدة من التحالف الدولي؟ أم أن من شأن ضغوط فرنسية - بريطانية أن تقنعه بمواصلة العمل ضمن التحالف، أقلّه على مستوى سلاح الطيران، حتى تحقيق الهدف الأصلي من إنشاء التحالف، أي القضاء التام على داعش (وإن كنا لا نعرف ما قد يعنيه ذلك، وكيف يمكن التأكد من "تعقيم" العالم ضد هذا السرطان).

وإذا كان أكبر الرابحين هو روسيا بوتين، فأكبر الخاسرين من قرار ترامب هو "وحدات حماية الشعب" بما لا يقبل الجدل. يتوقع كثيرون أن تتجه تلك الوحدات، وجناحها السياسي "حزب الاتحاد الديموقراطي" إلى إعادة التحالف مع نظام دمشق الكيماوي للاحتماء من أي توغل تركي محتمل. ولكن يفوت أصحاب هذا التوقع أنه لم يعد هناك قرار مستقل في دمشق، بعدما أصبح رسن النظام في يد موسكو إلى حد بعيد. وهنا إذا أرادت روسيا إعادة النظام إلى مناطق شرق الفرات، استكمالاً لديكورات التسوية السياسية، في هذه الحالة فقط يمكن أن تنسق القوات الكردية لعودة النظام الرمزية إلى تلك المنطقة.

إيران بدورها ستتنفس الصعداء، بعد أشهر عصيبة وقاتمة من توقع

قرار ترامب سيشكل بداية مرحلة جديدة في الصراع في سوريا وعليها، أبرز سماتها الموقع القيادي المتفرد لموسكو

الأسوأ من جهة تضييق الخناق الأميركي عليها. لكن قواتها ستبقى تحت رحمة الطائرات والصواريخ الإسرائيلية التي ستواصل ضرب المواقع الإيرانية في سوريا بضوء أخضر روسي.

الخلاصة أن قرار ترامب سيشكل بداية مرحلة جديدة في الصراع في سوريا وعليها، أبرز سماتها الموقع القيادي المتفرد لموسكو. أما فرنسا التي أعلنت أنها باقية في سوريا، فمن المحتمل أن تسحب العدد الرمزي لقواتها من سوريا قريباً، بالنظر إلى أنها لا تملك القدرة على مواجهة أي مخاطر يمكن أن تتعرض لها (من النظام أو تركيا أو داعش).

وعلى ذكر داعش، لن نفاجأ إذا عادت المنظمة إلى استعادة زمام المبادرة وتفعيل خلاياها النائمة في مناطق سورية عديدة، لتعود لاعباً مهماً في الصراعات العسكرية.

من المستبعد أن يتراجع ترامب عن قراره، بعدما استقال وزير الدفاع جيمس ماتيس، وكذا ممثل الولايات المتحدة في التحالف الدولي ماك غورك، على خلفية قرار الانسحاب. إلا إذا أراد صاحب الشعر البرتقالي أن يفاجئ العالم بتغريدة جديدة تحبس الأنفاس.  

==========================

لقد أفسدت علينا أحزاننا ياعمر .... البشير !؟ ( زيارة غير ميمونة ولاموفقة للطاغية بشار أسد )

يحيى حاج يحيى

كنا نتمنى أن تسأل عن اليد التي صافحتها في دمشق المحتلة  : كم من دماء أهلنا سفكتْ !؟

وعن الوجه الذي ابتسمت له : كم فيه من الحياء ؟ والحياء شعبة من الإيمان !

ولكنك لم تسأل ! إلا أنك ستُسأل !؟

وفي كل الأحوال ، لو أنك بدّلت نظارتك الطبية بنظارات إنسانية ، لرأيت الجثث المتفحمة ، والأطفال مقطعي الأطراف !؟

ولو أنك استعنت بمكبر صوت لأذنيك لسمعت صراخ وآهات المعذبين  في السجون ، وتنهدات وعويل اليتامى والأرامل ، وبكاء ونحيب الأمهات والآباء !؟

ولو أنك قبل أن تأتي إلى دمشق تخلصت من الزوائد الأنفية لشممت رائحة الكيماوي وغاز السارين الذي قُصف به أطفالنا وشيوخنا !؟

ولو أنك خرجت في زيارتك عما رُسم لك ، لرأيت وسمعت أوباش الصفويين يشتمون أخيارنا بعد سيدنا رسول الله صلى الله وسلم !!!؟؟

وأخيراً : فإن مياه النيل الأبيض ، وتراب أم درمان ، لن يطهرا اليد التي صافحت اليد القاتلة المجرمة في دمشق !

لقد أفسدت علينا أحزاننا أيها الزول الذي انضم إلى الذين خيّبوا آمال أهل الشام المبارك !؟؟

----------------

*عضو رابطة أدباء الشام / كاتب سوري

==========================

فراغ ما بعد الانسحاب الأميركي من سوريا

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الاثنين 24/12/2018

بنقرة على موقع «تويتر» فاجأ الرئيس الأميركي دونالد ترمب أقرب مساعديه ومستشاريه، فضلاً عن حلفائه الدوليين، من أمثال بريطانيا وفرنسا، ومن قبلهم حلفاءه المحليين من العصابات الكردية، بإعلانه سحب كامل قواته الموجودة في المناطق الشرقية السورية، والبالغ عددها ألفي مقاتل، تقوم بمقاتلة تنظيم الدولة ومساعدة العصابات الكردية العاملة هناك أيضاً، مثل هذا القرار خلق وسيخلق فراغاً جيو استراتيجي لا يمكن أن يتنبأ أحد بحجمه ولا بتداعياته ولا بارتداداته، ولذا فقد ردّ عليه وزير دفاعه جيمس ماتيس بالاستقالة المباشرة، احتجاجاً على هذا القرار الذي خالف كل النصائح السياسية والاستراتيجية، وضرب بعرض الحائط بها، وبتصريحات مناقضة لها أحرجت أصحابها من أمثال وزير الخارجية، ووزير الدفاع، ومستشار الأمن القومي، لكن للتذكير فإن مثل هذه الاستقالة لم تحصل في تاريخ السياسة الأميركية منذ عام 1980 يوم استقال وزير الخارجية آنذاك سايروس فانس، احتجاجاً على تعامل رئيسه جيمي كارتر مع قضية احتجاز الرهائن الأميركيين من قبل ثورة الخميني.

الفراغ الذي حصل بإعلان واشنطن الانسحاب من المناطق الشرقية السورية، وتعهد الرئيس ترمب بعدم المشاركة بالضربات الجوية على تنظيم الدولة، وترك مسؤولية الأمر إلى دول مثل روسيا وإيران، يشير إلى رغبة أميركية بخلط الأوراق في سوريا بين لاعبين دوليين وإقليميين متشاكسين، وبالتالي سيتحتم على هؤلاء اللاعبين ترتيب أوراقهم على عجل، ولعل هذا ما يفسر هرع الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى أنقرة، ولقائه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، خصوصاً أن تفاصيل الانسحاب مجهولة بالنسبة للكثيرين، ولعل السلوك التركي المقبل هو الذي سيحدد حجم الفراغ وتداعياته وارتداداته، فهل كان هذا الانسحاب بعلم مسبق تركي، خصوصاً أن التصريحات التركية المسبقة الواثقة من تحركهم ضد العصابات الكردية وتعاون واشنطن معها في هذا السياق أشار إلى أن ثمة تنسيق تركي- أميركي في هذا الصدد.

لعل أفضل السيناريوهات للثورة السورية هو وجود تنسيق أميركي- تركي بحيث يقوم الأخير بملء الفراغ الأميركي في المناطق الشرقية، من خلال خلق كتلة سنية عربية مع قوى كردية معتدلة تملأ الفراغ الكبير، وحرمان المعسكر المعادي الآخر، من استغلال وملء الفراغ الحاصل، أما إن كان الانسحاب دون هذا الترتيب، فهذا يعني أن الفوضى ستكون سيدة الموقف في المنطقة، وهو ما قد يلقي بتداعياته على أمن المناطق الثورية التي ترعاها القوات التركية، بالإضافة إلى تداعياته الأمنية على الأراضي التركية لاحقاً.

على صفوف الثورة السورية السعي إلى قراءة الموقف بشكل صحيح ودقيق، والعمل على رصّ صفوفها بشكل قوي ومتين، فلو كانت هذه القوى الثورية صفاً واحداً أو على الأقل تنسّق فيما بينها اليوم، لكانت استفادت كثيراً من هذه الخطوة الأميركية، وبالتالي فإن الفراغ الذي سيخلفه رحيل هذه القوات من المناطق الشرقية السورية يعني أن خزان النفط والغاز الموجود بها سيكون في متناول يديها، إن كانت على قدر المسؤولية، وهو ما سيخفف عنها بالتالي كل الأعباء المالية التي تعاني منها ولا تزال منذ بداية الثورة، وهنا نستطيع القول إن الكرة اليوم في ملعب القوى الثورية من المنطقة الشرقية والعشائر السورية فيها لتقوم بدورها بملء هذا الفراغ، الذي سيعيد ربما مئات الآلاف من المشردين والمهجرين الذين تم تهجيرهم بفعل غارات التحالف الدولي. حجم التآمر العالمي على هذه الرقعة الصغيرة من العالم، والممثلة بسوريا، يعكس أهمية هذه المنطقة، وهو للأسف ما يجهله أصحاب القضية نفسها، وإلّا فلم يتعاملون مع بعضهم بهذه الطريقة وبهذه السذاجة، فهل يعقل أن يخفّ كل قادة العالم إلى الشرق والغرب من أجل اللقاءات والبحث في القضية السورية وأبعادها، ويغيب عنها أصحابها وثوارها، ويرفضون أن يلتقوا مع بعضهم، فهل ما يجمع هؤلاء أكثر مما يجمع قادة الثورة وفصائلها، ولكنه بُعد النظر والفهم العميق للقضية، ولو كان لهذه الفصائل بُعد النظر والفهم العميق للقضية وأبعادها وتداعياتها، لما تعاملوا مع بعضهم بهذه السذاجة والسياسة الطفولية، ولعل أولى الأولويات وأسبق الأسبقيات تقديم جسم سياسي يمثل الجسم العسكري الحقيقي في الداخل يفاوض ويعاهد، تماماً كما يحصل مع حركة طالبان الأفغانية، ولذاك حديث آخر.

==========================

"المنشقون" بين مطرقة الأسد وسندان المعارضين

سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاثنين 24/12/2018

يختلف السوريون حول كل العناوين اللازمة لصياغة رؤية واضحة لمستقبلهم، بدءاً من اسم الدولة التي تجمعهم، وانتهاء بمن هو مسموح له، وممنوع عنه، العيش فيها. ولكل من السوريين "سوريته" الخاصة به، وكأن "نظرية" المجتمع المتجانس التي طرحها بشار الأسد، في أغسطس/آب 2017، في إشارة منه إلى قبوله واكتفائه بسورية المختصرة على مناطق نفوذه، والتي يخضع سكانها (عددهم يساوي نصف سكان سورية ما قبل 2011) لقوانين النظام الأمني الاستبدادي الذي يحكمها، في تخلٍّ تام، وربما محاولة إسقاط الجنسية عن ما تبقى من سوريين، من نازحين ولاجئين ومبعدين، لنفاجأ اليوم بأصوات "معارضة" لا تختلف طروحاتها عن نظرية الأسد في المجتمع المتجانس، هي في حقيقتها مجموعاتٌ متجانسةٌ من السوريين، ترفض الآخر المختلف معها تحت عناوين قومية ومذهبية وحزبية وفكرية، فحيث عانى المشروع السوري البديل للنظام السوري الذي تمثله هياكل المعارضة (المجلس الوطني، الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، الهيئة العليا للمفاوضات بنسختيها 1 و2) من ضبابية الرؤية حتى غيابها أو الخلط بين مفهوم التغيير أو استلام السلطة بديلا وشريكا، والخضوع لإملاءات الدول المتصارعة على سورية، وبقي ذلك المشروع رهين مصالحها، غير قابل في أوقاتٍ كثيرة على الجمع بين ما يتطلبه كمشروع وطني (خارج سورية) من مصالح متبادلة مع الدول الراعية لقيادات المعارضة، والمصلحة الوطنية السورية التي تتطلب التداعي لصياغة بديلة لشكل (وآلية) الحكم لسورية الدولة ذات السيادة التي تمنح، وفق دستور ومنظومة قوانين كاملة، حقوقا مواطنية لكل السوريين، وتوفر بيئةً آمنة لهم، لمزاولة حقهم في الحياة والعمل والتعبير، وضمن تلك الأدوار الوظيفية المرتهنة، ظهر ما يمكن تسميتها المجموعات المتجانسة داخل أروقة ما سميت المعارضة، بأبعادها السياسية والعسكرية، وبكل تشعباتها ومنصّاتها وقومياتها وأيدولوجياتها.

"يصر بعضهم على تمليك مؤسسات الدولة للنظام، بغرض إدانة كل موظفي الدولة وتجريمهم"

وحيث تجنبت المعارضة السياسية مناقشة القضية الكردية، على سبيل المثال، بجدّية تمكنها من جعل حلها ضمن ما يسمى الحل السوري الشامل، لم تخف المعارضة نفسها تبنّيها المعلن أو الصامت، خطابات دينية إقصائية، وممارسات عملية فرضتها الفصائل المسلحة ذات الأيدولوجيات المتطرّفة في المناطق التي سميت "محرّرة"، إلى اختلاق جماعات كردية على الطرف المقابل "بدعم أميركي وهمي ووظيفي مؤقت" حلولا فئوية انفصالية، لا تشمل تطلعات عموم الأكراد السوريين، ولا تخدم بناء منظومة حكمٍ بديلةٍ لنظام الحكم الأمني الذي تسبب في اندلاع ثورة السوريين عام 2011، وقبلها احتجاجات الأكراد 2004.

وبينما كان الخلاف الحقيقي بين الثوار الذين هبّوا لإعلاء أصوات المطالبة بالحرية والعدالة والكرامة، وكان معظمهم، في البدايات، ممن دفعوا الثمن من موظفي المؤسسات السورية (يصر بعضهم على تمليكها للنظام، بغرض إدانة كل موظفي الدولة وتجريمهم)، ومجموعة أمنية سواء كانت حاكمة، أو أدوات لها، وربما لا يتجاوز عددهم عشرات إلى بضع مئات، ظهرت أصواتٌ، وبعضها من المحسوبة على المثقفين، تنادي بتوسيع دائرة الخلاف والاختلاف، لزيادة حالة الشقاق السوري، وتمتين "اللاثقة"، فيخشى كلٌّ منا الآخر، على أساس أنه الجهاز الأمني البديل، وليس الآلية الديمقراطية البديلة، بما يخدم تطلعات النظام في محاسبة "المنشقين" الذين وقعوا اليوم، على الرغم من تضحياتهم بحياتهم ووظائفهم وأملاكهم، بين مطرقة النظام وسندان المعارضة الإقصائية الشبيهة به.

وإذا كانت الثورة ليست "الطهور"، أي أنها ليست حكم البراءة من كل ما يشين، ما يعني ضرورة خضوع كل مرتكبٍ، سواء كان على ضفة النظام أو في مواجهتها، وسواء كان من موظفي الدولة أو رعاياها، للعدالة الانتقالية التي تسهم في استقرار المجتمع، وضمان استقرار الحل السياسي المنشود، إلا أن ذلك لا يجب أن يشمل فقط "المنشقين"، كما أن ليس لأحد تقييم وطنيتهم، والتطاول على كرامتهم، ما لم تتوفر الأدلة التي تدينهم، وتثبت مشاركتهم في القتل أو التحريض عليه، أو سرقة المال العام بكل توصيفاته، ومنه مال موازنات الكيانات المعارضة التي أنتجت "رجال أعمال الثورة" ليسوا من المنشقين على كل حال، من حساب المساعدات الدولية للسوريين.

في المحصلة، غياب رؤية وطنية جامعة لدى كيانات المعارضة منذ "اضطلاع الشخصيات المختارة دولياً لمهمة قيادة المعارضة"، وتجاهل أولويات العمل السياسي المعتمد على المرجعية الشعبية التي يمثلون تطلعاتها، وإعلان خطط عملهم ووسائلهم لتحقيق ذلك، لحصد الإجماع الشعبي عليها، كان أدى إلى انشغال عديد من سياسيين ومثقفين سوريين وناشطين ومنظرين (رغم قلّتهم) إلى اختراع مشاريع لرؤى سياسية لسورية المستقبل التي يتطلعون إليها، ويرفضون فيها الآخر المختلف عنهم، "المناطق المحرّرة مثالاً" وفي مقدمة المرفوضين "المنشقون" الذين رفضوا أن يكونوا أدوات حربٍ ضد السوريين المطالبين بالحرية.

"السؤال الأساسي عن انتقال لا رجعة عنه من نظام استبدادي إلى نظامٍ يضمن لكل السوريين حقوقاً متساوية"

ما يجعل من السهل على أي منشق أن يقارن نداءات بعض الناشطين والكتاب بإبعادهم من الحياة العامة، بل والتحريض عليهم بنداءات النظام، بل هي محاولة محاكاة "لسورية الأسد" المتجانسة، في وقتٍ نحن أحوج ما نكون فيه إلى لمّ شمل السوريين، وابتداع خطة عمل، لصياغة مستقبل سوري جامع، يتجاوب مع مصالح كل السوريين، بغضّ النظر عن خلفياتهم الأيدولوجية، ومواقفهم السياسية وانتماءاتهم الإثنية أو الطائفية أو المناطقية.

يعيدنا كل ما تقدم إلى التساؤلات الأساسية في قضيتنا السورية، بغض النظر عن الصراع القائم بين المكوّنات السورية من جهة، والناشطين الفيسبوكيين مع بعضهم بعضاً من جهة ثانية، والأطراف الدولية المتصارعة على النفوذ داخل سورية من جهة ثالثة وأساسية، هي: عن شكل سورية التي نذهب إليها؟ وكيف الطريق إلى خلاصٍ لا رجعة عنه، من نظام استبدادي إلى نظامٍ يضمن لكل السوريين حقوقاً متساوية في سورية ما بعد الحرب المسلحة الداخلية والخارجية، وما بعد حرب الفضاءات المفتوحة التي يشارك فيها الكل ضد الكل، ومن دون هدف يرتجى، أو فضيلة تعم أو أمل يسكن القلوب بسورية على مقاس الوطنية الجامعة، بعيدة عن التجانس "الإقصائي"، بشقيه في النظام والمعارضة، قريبةٍ من وحدة الشعب السوري التي تبدو كأنها أول المستهدفين في حرب السنوات الثماني.

==========================

في أسباب الانسحاب الأميركي من سورية

حسين عبد العزيز

العربي الجديد

الاثنين 24/12/2018

لا يستطيع هذا المقال تقديم إجابة واضحة ومكتملة عن الأسباب العميقة وراء قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، سحب القوة الأميركية من سورية، لكن معطيات سابقة وحالية يمكن البناء عليها من أجل فهم دوافع القرار.

وفق إحدى المقاربات التي يمكن الاعتماد عليها جزئيا أن سورية لم تكن ولن تكون في أي يوم جزءا من الفلك الأميركي، أي جزءا من دائرة المصالح الأميركية العليا. ويدرك صناع القرار في واشنطن هذه جيدا، وهي السبب الذي جعل واشنطن، خلال عمر الأزمة السورية، لم تذهب بعيدا في القضاء على النظام واستبداله بقوى أخرى، ولم تجنح كثيرا إلى إيجاد حلول خلاقة للأزمة، بقدر ما اقتصر الدور الأميركي على التعطيل أكثر منه على الفعل، فهي التي عطلت سابقا حصول فصائل المعارضة على السلاح الثقيل، وعطلت أدوار بعض الدول العربية في الملف السوري، وعطلت اندفاعة الدول الداعمة للمعارضة على المستوى السياسي. وفي المقابل، هي التي عطلت حرية التحرك الإيراني في الشرق السوري، وهي التي عطلت الاندفاعة الروسية نحو إنتاج حل سياسي يستقيم مع رؤية النظام، وهي التي عطلت الاندفاعة التركية في شرق الفرات.

"لم تجنح أميركا كثيراً إلى إيجاد حلول خلاقة للأزمة، بقدر ما اقتصر دورها على التعطيل"

انسحاب 2500 جندي أميركي قد لا يعني أي شيء على الصعيد العسكري، فالحضور العسكري الأميركي لا يُختزل بعديد القوات في سورية، وإنما بالقوة العسكرية الأميركية المطلقة القادرة على التحرّك من أي مكان، بشرط أن لا يكون الانسحاب جزءا من انسحابٍ على المستوى الاستراتيجي. 

من غير الواضح بعد ما إذا كان سحب القوات الأميركية من سورية يعني انسحابا على المستوى الاستراتيجي من مجمل الساحة السورية، بما فيها السياسية، وأغلب الظن أن الولايات المتحدة ليست بصدد الانسحاب الاستراتيجي من سورية، بقدر ما هي إعادة تموضع، واعتماد أساليب جديدة تفرضها المرحلة المقبلة.

لقد وصلت الأمور في سورية إلى مرحلة انفجار الصراع بين المحور الروسي والولايات المتحدة، على عكس ما يبدو في الظاهر من حالة ستاتيكو (ثبات) تخيّم على كامل المشهد. فمن جهة تبدو المعطيات أن دمشق وموسكو عازمتان، العام المقبل، على إرباك الوضع في الشرق والشمال الشرقي من سورية، في وقتٍ لا يبدو أن الأتراك على استعدادٍ للتخلي عن مهاجمة الوحدات الكردية في عمق الأراضي السورية شرق الفرات.

لا يعني ذلك هروبا أميركيا بالمعنى الحرفي، وإنما إعادة تموضع وعدم الانخراط في التفاصيل العسكرية الجزئية المباشرة. والمقاربة الأميركية يمكن أن تكون كالتالي: تقليص الانخراط الأميركي المباشر في الصراعات الإقليمية، عبر البحث عن شركاء محليين وإقليميين ودوليين، يخففون من الحضور الأميركي، مع الحفاظ على المصالح العليا لواشنطن.

ربما تكون هي محاولة لإجراء فصل بين الأهداف السياسية العامة عن الأهداف العسكرية المباشرة والسريعة، بمعنى أن عملية محاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وحدها التي تجمع بين الأهداف السياسية والعسكرية للولايات المتحدة. وفيما يتعلق بإيران، ودعم الوحدات الكردية، والتسوية السياسية، فهي أهداف عامة لواشنطن طويلة الأمد وغير مرتبطة بالأهداف العسكرية.

إضافة إلى ذلك كله، لن يعود الوضع في سورية القهقرى، إلى الوراء، بسبب الوجود العسكري الروسي، وهذا هو السبب في اختلاف الواقع السوري عن الواقع العراقي، فالولايات المتحدة لا تستطيع سحب قواتها كاملة من العراق، حيث لا بديل عنها.

"بعد الانسحاب، لن يعود الوضع في سورية إلى الوراء، بسبب الوجود العسكري الروسي"

بعبارة أخرى، ستكون روسيا الضامن الوحيد للحفاظ على الوضع الراهن في سورية، وهي التي ربما (وهذه إحدى مفارقات السياسة) منوط بها إعادة ترتيب المشهد بما لا يضر بالمصالح الأميركية. ولا يُستبعد أن تكون روسيا ضامنا للمصالح الأميركية المتبقية في سورية، في مقابل ضمان الولايات المتحدة المصالح الروسية في العراق. وربما من المهم الإشارة هنا إلى أن القوات الأميركية المنسحبة من سورية ستنتشر في العراق، في وقت تعيد واشنطن تموضع قواتها على الحدود العراقية السورية. كما من المهم التأكيد على نقطة أخرى، هي أن الولايات المتحدة لم تنسحب من التحالف الدولي.

يشير ذلك كله، وفق هذه القراءة غير المكتملة، إلى أن الولايات المتحدة ليست بصدد الانسحاب كاملا من المشهد السوري، بقدر ما هي محاولة لموضعة أهدافها المتغيرة. والمشكلة الآن في عدم قدرة فرقاء الصراع على تحديد هوية المصالح الأميركية، وربما هذا هو السبب في تريث القوى المحلية والإقليمية والدولية في اتخاذ قراراتٍ سريعة. فالرئيس التركي أرجأ العملية العسكرية إلى حين، والنظام بدأ خطوات خجولةً بتعزيز قواته في البوكمال، وإرسال قوات قليلة إلى بلدتي حربل وأم حوش الخاضعتين لسيطرة "قوات سوريا الديمقراطية" في ريف حلب الشمالي، من دون وجود معطياتٍ بشن عمليات عسكرية حاليا، فيما تنتظر روسيا انجلاء الصورة بالكامل، أما الوحدات الكردية فتعيش حالة تخبّط كبيرة، وغير قادرة على لملمة شتاتها.

في كل الأحوال، سيؤدي هذا الانسحاب إلى تغيير في خريطة المصالح داخل سورية. لا يتعلق الأمر هنا، كما سبقت الإشارة، بنوعية الانسحاب، وإنما بمبدأ الانسحاب الذي سيدفع مختلف القوى إلى إعادة ترتيب مصالحها واصطفافاتها.

==========================

موقفنا : المطلوب من الأكثرية .. المطلوب من المسلمين .. المطلوب من الإخوان المسلمين

زهير سالم

23 / 12 / 2018

مركز الشرق العربي

كلمات ما زلنا نسمعها منذ أكثر من عقد ، وما زال الكثير من الناس يرددونها وكأنها طريقة لإلقاء حمل عن كاهل ، أو تقاذف الكرة بين من هم شركاء في فريق واحد .

ولقد سمعنا في سياق هذه الثورة المباركة عبارات من عقلاء لا يمكن أبدا أن تنتمي للعقل ومن أعجبها " دكتاتورية الأكثرية " وكأن الأكثرية في سورية قد اجتمعت على قلب رجل واحد ، ورمت مخالفيها في الدين أو في المذهب أو في الجنس عن قوس واحدة !! اعتبرت الأكثرية العددية المسلمة في حسابات البعض النقيض اللاعقلاني للواقع الراهن المتمثل في دكتاتورية الأقل من الأقلية على المستويات الديموغرافية ، والسياسية والدينية والمذهبية والعرقية أيضا ..

نقول أقل من الأقلية لأن حسب معطيات النظم الديموقراطية الحديثة هناك قواعد للاعتراف بالمجموعات البشرية كأقليات ذات حقوق ، وإلا فهي في عرفهم مجموعات فردية يغطيهم قانون المواطنة العام الذي يضمن الحقوق الفردية لكل مواطن .

وأكثر ما طولبت به الأكثرية في سورية - ونحن لسنا من أنصار تقسيم المجتمع إلى أكثرية وأقلية - هو تطمين الأقليات !!

فعلى مدى سنوات من صعود الخط البياني للثورة كان المطلوب من الإنسان السوري المحكوم بالإعدام على خلفية اعتقاده الديني أو موقفه السياسي - القانون 49 / 1980أنموذجا تناساه الناس - وكذا المطلوب من المشبوح يسلخه الجلاد أو المغتصب والمنتهك في سجون تديرها الأقلية بالوصف الصريح أن يقدم تطمينا للجزار المتحالف مع الروسي والإيراني أو الأمريكي يقصفونه بالطائرات وبكل أنواع الأسلحة المحرمة دوليا في مستشفياته ومدارسه ومساجده والوكنات الطينية تستر لحم أطفاله ..

في منطق عجيب مرتكس منتكس تطالب الضحية أن تطمئن جلاديها وليس جلادها .

كل الخطابات المسئولة التي أطلقتها قوى المجتمع المدني والسياسي السوري ومنها جماعة الإخوان المسلمين على مدى عقدين من الزمن - ميثاق الشرف الوطني 2001 - المشروع السياسي 2004 - ورقة العهد والميثاق 2012 والتي تتحدث جميعا عن دولة : مدنية حديثة ديموقراطية تعددية تداولية تقوم على قاعدة المواطنة والدستور المدني والتكافؤ في الحقوق والواجبات بين المواطنين جميعا لم تقنع أصحاب الامتيازات المنكبين على قصعة الدبس الوطني يتضلعون بلعقها وهم يرتجفون خوفا كاذبا صنعوه بأن هذه الثورة سوف تودي بالعلوي على التابوت وبالمسيحي على بيروت . الشعار الإفك الذي افتروه والتحفوه وأعانهم على ترويجه قوم آخرون .

وعشرة ملايين سوري كانوا هم وقود هذه الثورة المباركة على أنحاء مختلفة لم يأبه لتضحياتهم وبما وقع بهم العالم كما أبه لجريمة مزعومة أو مفبركة مصنوعة قيل إنها وقعت في جبل سنجار فسارع الأمريكي إلى تدخل كان يدعي أنه يأباه في سورية وشكل تحالفه الستيني لينضم كفريق فاعل في قتل السوريين وتهجيرهم تحت ذريعة الحرب على تنظيم الدولة الذي تشاركوا في غرسه وفي سقايته ورعايته . وإذا صدق الأمريكي اليوم في الانسحاب من سورية فإننا نتحدى بالعودة إلى الإحصاء العلمي الشفاف لنحسم الجدل حول من قتلهم هذا التحالف من المدنيين ومن قتلهم حسب زعمه من الإرهابيين .

عشرة ملايين سوري قتلوا واعتقلوا وهجروا أصبحوا اليوم لوكة في أفواه أقوام لا خلاق لهم ما زالوا منذ انطلاقة الثورة متكئين على أرائكهم يلقون على الناس دروس الوطنية والأخلاق .

كل الحقائق تؤكد أن الحرب على التنظيمات الإرهابية الذريعة كانت ذريعة لقتل السوريين وتدمير ديارهم وتشويه هويتهم ومشروعهم الإسلامي الحضاري الذي تمت مصادرته بخلفيات غارقة في التعصب والكراهية في كل من مصر وتونس وليبية .

وفي السياق نفسه ما يزال بعض العقلاء يرددون بأن على المسلمين في سورية وعلى كبرى حركاتهم المنظمة المتمثلة في جماعة الإخوان المسلمين أن تجري مراجعات لأفكارها وأساليبها ودورها ..

الحديث عن المراجعات في إطار الحرص على عملية تقويم مستمر للأداء الذاتي في الإطارين الجماعي والفردي مطلب مستدام مطلوب من جميع الناس لا يجوز أن يتوقف عنه إنسان عاقل أريب، يراجع المحسن نفسه ليزداد إحسانا ، ويراجع المخطئ نفسه ليستدرك خطأه ؛ ويظل الإنسان الحصيف العاقل يردد مقولة سيدنا رسول الله : لو استقبلت من أمري ما استدبرت .. ولكن أن يظل بعض الناس يطالبون بهذه المراجعات فريقا منهم وكأن هذا الفريق هو صاحب الأمر الإد والدعوة النُّكر مدعين الحصافة لأنفسهم ، والكمال لطريقتهم ومنهجهم فهذا أمر لا يستقيم لا في منطق العقل ولا في واقع الحال .

إن الحقيقة التي يجب أن يعترف بها الجميع هي أن في المجتمع السوري دعوات ومناهج ومذاهب فكرية وسياسية واجتماعية متباينة ومختلفة وأول المصداقية للحديث عن الديموقراطية أن يعترف الجميع بالجميع ثم تكون إرادة المجتمع هي الفيصل والحكم .

الإخوان المسلمون لم يطالبوا أي فريق وطني أن يغير من عقائده وطرائقه وأساليبه . نحن رفضنا وسنظل نرفض الاستبداد والفساد كما سنظل نرفض منهج ادعاء الأستاذية والاستعلاء على الناس .

والإخوان المسلمون قد حجزوا موقعهم على الخارطة الوطنية السورية بما قدموا من تضحيات ورؤى وأفكار على مدى سبعة عقود خلت . ونحن أدبا منا لا نمن على أحد لا على وطن ولا على شعب ولا على فريق ولكن في الوقت نفسه لا نقبل أن يمن علينا أحد .

وإذا كان للشعب السوري من حصن ودرع ورأس رمح خلال العقود الخمس العجاف فهي هذه الحركة الإسلامية بتيارها الواسع العريض وليس بتنظيمها فقط بما قدمت وتقدم ضد نظام الفساد والاستبداد ، وضد مشروع الغلو والتطرف الذي يراهن عليه أصحاب الذرائع ، وضد المتهيعين من أصحاب المصالح العاجلة والطموحات الشخصية . من غير نكران منا لدور أي فصيل أو شخصية وطنية قدمت وضحت بما يجعلنا عندما يجد الجد فخورين بعطاءات كل السورين ، معتزين بها .

لقد قيل الكثير من الباطل والكذب والإفك والافتراء في حق هذه الجماعة المباركة خلال سني الثورة ..وها نحن بعد كل الذي جرى نعد جماهير شعبنا أننا بحول الله وقوته سنظل ماضين في طريق ثورتنا حتى تحقق أهدافها كما أرادها الله العلي القدير أولا ، ثم كما تصورها الشهداء الذين قضوا ومضوا في بناء وطن حر سيد لجميع أبنائه . وطن أساسه العدل وقاعدته المساواة الكاملة بين الناس . وطن يسوده دستور حق يعبر عن هوية شعبنا ويجسد إرادته وتطلعاته . دستور تخطه الثكالى والأيامى والأيتام حتى لا يكون في وطننا ثكل ولا يتم ...

ونرجو أن يكون قد آن الأوان ليراجع الكثيرون أنفسهم بما قالوا وزيفوا في حق هذه الجماعة المباركة حتى كان خطابهم لا يختلف كثيرا عن خطاب بشار الأسد في استهداف هذه الجماعة وفي تشويه سمعتها ومن ورائها استهداف هذا الشعب العظيم وهذه الثورة المباركة ..

ونرجو أن يكون قد آن الأوان ليراجع المغرورون والمخدوعون والمراهنون على الدعوات البراقة دعواتهم ومناهجهم وأفكارهم وسائلهم ..نرجو ألا ينسوا للحظة تصريح لافروف " إن من الخطر أن يحكم أهل السنة سورية ولن نسمح به " نرجو أن يتأملوا بعمق الدور الأمريكي والدور الأوربي في بعده الإنساني : حيث 92% من أموال المانحين أعيد تدويرها في مطحنة بشار الأسد حسب تحقيقاتهم وليس حسب ادعاءاتنا . وما نظن ذلك حصل خطأ أو عفوا ..

نرجو أن يمتلك هؤلاء الذين ما زالوا يراهنون على قيم مدعاة كذاب تفسيرا واحدا لإهمال كل ما وثقه القيصر من وثائق والتمادي في السكوت على الجريمة الهولكست كل هذه السنوات ..

وستظل هذه الجماعة متمسكة بالقواعد الربانية الركينة لدينها وإسلامها ، مستعدة لمراجعة طرائقها وأساليبها ووسائلها بما يحفظ على وطننا سيادته ووحدته واستقلاله وعلى شعبنا دينه وعقيدته وهويته وحريته وكرامته وعزته . في دولة أساسها العدل ورايتها إخاء ومساواة .

"وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ"

والله أكبر ولله الحمد

_____________

*مدير مركز الشرق العربي

=============================

ترامب وسورية والأكراد.. انحطاط البراغماتية

وائل السواح

العربي الجديد

الاحد 23/12/2018

قال لي والدي مرّة، وكنت فتى في العاشرة، إن الفرق بين الاستعمارين البريطاني والفرنسي أن البريطانيين مخلصون لحلفائهم وعملائهم، بينما لا يأبه الفرنسيون بذلك. والدي من مواليد 1910، وتوفي في 1992، وكان اعتزل السياسة والحياة العامة قبل ذلك بعقدين. الرؤساء الأميركيون بالنسبة له هم فرانكلين روزفلت، ودوايت أيزنهاور، وجون كينيدي. وكان آخر عهده بالسياسة، حين انفجرت فضيحة ووترغيت، فراح يشتكي لرفاقه عن المستوى الذي وصلت إليه الحال في السياسة العالمية. لم ينتظر والدي ليرى تردّي السياسة الأميركية في عهد ريغان، وجورج بوش الابن، وباراك أوباما. وكان من حسن حظه أنه لم يسمع باسم دونالد ترامب، الرجل الذي ساق البراغماتية الأميركية إلى مستوى لم تعرفه سابقا من الانحطاط الأخلاقي والإفلاس السياسي.

الفرق بين براغماتية ترامب وبراغماتية الرؤساء الآخرين أن سابقيه كانوا، على الأرجح، يضعون أميركا (أو جزءا منها) في بالهم، وهم يصنعون قراراتهم، فيما لا يضع ترامب نصب عينيه سوى مصلحته الفردية الضيقة، وما يحيط بها من عائلة وأعمال ومال. لا يكترث لمبدأ، ولا يحترم قيمة، ولا يراعي صديقا أو حليفا. لم يرفّ له جفن، وهو يتخلى عن كبير موظفي البيت الأبيض الذي كان يلمّ القذارة التي يخلّفها ترامب في كلّ حركة يقوم بها، ورمى وراء ظهره كلّ مساعديه الذين يحقّق معهم المحقّق المستقلّ، روبرت مولر، في فضائح التآمر مع روسيا.

"استخدم ترامب أكراد سورية كما يستخدم أي لاعب ورق محترف ورقة الجوكر"

ومع ذلك، لا شيء يمكن أن يقارن بالخطوة التي أعلن عنها قبل أيام: سحب قوّاته من سورية، والتخلّي عن السوريين عموما، والأكراد في شمال شرق سورية خصوصا. وهو استخدم أكراد سورية كما يستخدم أي لاعب ورق محترف ورقة الجوكر، فحصد من ورائها ما حصد، ثمّ رمى بها بعيدا، وجمع نقوده ومضى، لا يلوي على شيء.

هل كان قرار ترامب مفاجأة؟ نعم ولا. نعم، لأن ترامب نفسه وإدارته توصلا قبل أشهر فقط (سبتمبر/أيلول) إلى استراتيجية أميركية جديدة في سورية، تقضي ببقاء غير محدود للقوات الأميركية في سورية، حتى نهاية تنظيم الدولة الإسلامية نهاية تامّة، وحتى (وأرجو الانتباه جيدا) سحب إيران قوّاتها، والكفّ عن التدخل المستمرّ في السياسة السورية. وكم كان جيمس جيفري مبعوثه الخاص لسورية فخورا وهو يتشدّق بذلك، حتى قبل أيام.

ونعم، لأن معظم مساعدي ترامب لم يكونوا موافقين على القرار، بدءا بوزير الدفاع المحنّك، جيمس ماتيس، الذي استقال الخميس الماضي، احتجاجا على انسحاب ترامب من سورية، وانتهاءً بأعضاء الكونغرس من الجمهوريين والديمقراطيين. وجاء انتقاد هذه الخطوة من أقرب المقرّبين إلى الرئيس، والمدافعين عنه. "إنه خطأ كبير"، هكذا كتب السناتور الجمهوري، ماركو روبيو، من فلوريدا، على "تويتر"، متابعا، "إذا لم يتمّ إيقاف ذلك، سوف يطارد هذه الإدارة وأميركا لسنوات مقبلة". أما حليف ترامب، السيناتور ليندسي غراهام، الجمهوري، من ولاية كارولينا الجنوبية، فدعا إلى عقد جلسات استماع للكونغرس بشأن القرار.

وحدّدت صحيفة واشنطن بوست الرابحين من قرار الرئيس ترامب بأربع فئات: إيران وروسيا وبشار الأسد وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، بينما حدّدت الخاسرين باثنين: الأكراد وإسرائيل، ناسية طبعا السوريين بعمومهم، فهم لا يشكّلون كبير فرق.

لم تكن الخطوة مفاجئة جدا من منظور آخر، فنحن لم نعرف عن ترامب يوما اهتمامه الحقيقي بأي قضية أو شعب أو مهمّة. وإن كان ثمّة ولاء حقيقي لترامب، سوى ولائه لنفسه وشركاته، فهو للرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وقد توصّل بوتين وتركيا إلى اتفاق فيما يخصّ الشمال السوري، ولا يتعيّن على الولايات المتحدة أن تعيق ذلك الاتفاق. وفي يونيو/حزيران 2017، قال السفير الأميركي السابق في سورية في مقابلة مع صحيفة الشرق الأوسط: "أعتقد أن ما نقوم به مع الأكراد ليس فقط غباء سياسيا، بل غير أخلاقي. الأميركيون استخدموا الأكراد سنوات طويلة خلال حكم صدام حسين". هل تعتقد أن الأميركيين سيعاملون حزب الاتحاد الديمقراطي، ووحدات حماية الشعب، بشكل مختلف عما عامل (وزير الخارجية الأسبق) هنري كيسنجر الأكراد العراقيين (عندما تخلى عنهم)؟ "بصراحة، مسؤولون أميركيون قالوا لي ذلك. الأكراد السوريون يقومون بأكبر خطأ عندما يضعون ثقتهم في الأميركيين".

"الأسلوب ليس غريباً على واشنطن، وليس غريبا أيضاً أن يقع الكرد مرّة ومرّة في هذا المطب"

وبعد ذلك بسنة، كتب صاحب هذه السطور في "العربي الجديد" أن المبعوث الخاص الأميركي إلى التحالف العالمي لهزيمة داعش، بريت ماكغورك، قرّر أن يستخدم الكرد رافعة للحرب على التنظيم الإرهابي، رافضا التعاون مع المكوّنات السورية الأخرى. ونجحت "قوّات سوريا الديمقراطية" ووحدات حماية الشعب، في إزالة "داعش" من منبج، بعد أن عبرتا نهر الفرات، وخاضتا، خلال أكثر من ثلاثة أشهر في صيف عام 2016، معارك ضارية وصعبة للغاية ضدّ "داعش"، فقدتا خلالها نحو ثلاثمائة مقاتل. ومنذ ذلك الحين، خفّت، إلى حدّ كبير، حدّة العمليات الإرهابية في العالم، ومن ثمّ بدأت قبضة "داعش" تفلت في سورية، إلى أن تمّ القضاء عليه نهائيا. في الوقت نفسه، بعد معركة منبج، بدأت تركيا في تلك المنطقة عملياتها المسمّاة "درع الفرات"، والتي دعمت فيها تركيا قوى المعارضة، وقامت، فيما بدا أنه غضُّ طرفٍ من الأميركان والروس، بتطهير هذه المنطقة المسماة جيب منبج من "داعش". وبذلك أحكمت إغلاق الزجاجة، حيث كان "داعش" يحاول التسلل داخل سورية وخارجها. ليس هذا الأسلوب غريبا على واشنطن، وليس غريبا أيضا أن يقع الكرد مرّة ومرّة في هذا المطب. لقد عانوا عقودا طويلة جدا من سياسة تمييز قومي ومجتمعي من نظام "البعث" الحاكم في سورية، لذلك حين فتحت أمامهم أبواب للنجاة، ما كان عليهم سوى أن يخرجوا منها.

ولم يكن ذلك بدون ثمن، فقبل يوم واحد، وقّعت تركيا اتفاقا مع الولايات المتحدة لشراء 80 صاروخا من طراز باتريوت بقيمة 3.5 مليار دولار. هو سعر معقول للتخلي عن الأكراد، وترك سورية لإيران وترك الأكراد لتركيا. وما على الرئيس أردوغان الآن سوى التفكير في صفقة ينتج عنها تسليمه خصمه التاريخي فتح الله غولن. ولم لا؟ إنه عالم خالٍ من القيم. إنه عالم ترامب.

==========================


الأكراد خاسرون دائمون في لعبة الأمم

د. خطار أبودياب

العرب اللندنية

السبت 22/12/2018

أتى قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالانسحاب من سوريا متماشيا مع أسلوبه في العزف المنفرد عبر تغريدات تويتر واختزال إدارته بشخصه ما عجل برحيل وزير الدفاع جيمس ماتيس وأربك المستشارين والمؤسسات الأميركية قبل الحلفاء والأصدقاء. من الصعب أن تكون صديقا لواشنطن في زمن ترامب، فكيف إذا كان الأمر يتعلق بالأكراد وهم الذين كانوا ضحية لعنة الجغرافيا والأحلاف المقدسة ضدهم، وقبل كل ذلك ضحية خياراتهم غير المدروسة وانقساماتهم.

إزاء كل التحولات في المشرق والصراعات المحتدمة منذ 2011 في إطار “اللعبة الكبرى” انطلاقا من سوريا، تصور الأكراد أنه حان وقت تصحيح التاريخ وتقسيمات ما بعد الحرب العالمية الأولى من خلال ممارسة حق تقرير المصير وفرض أنفسهم كلاعبين في رسم خارطة سوريا المستقبلية. وظن الأكراد أنهم الرقم الصعب نظرا لدورهم في الحرب ضد تنظيم داعش، لكن رهاناتهم أو حساباتهم لم تصمد أمام “الفوضى التدميرية” على أرض الواقع وتلقوا الضربة الأولى في الاستفتاء في إقليم كردستان العراقي وخسارة كركوك في سبتمبر 2017، وبعد ذلك في خسارة عفرين، جوهرة الشمال السوري. واليوم بعد قرار الانسحاب الأميركي لا تخشى “وحدات الحماية الكردية” (النواة الأساسية لقوات سوريا الديمقراطية) من خسارة الكثير من جغرافيا وجودها وسقوط هدفها بتحقيق سوريا فيدرالية تعددية، لكن هذا التخلي الأميركي والإهمال الروسي يقودان حكما إلى ضرب الحلم الكردي، وعلى الأرجح سيحصل انكفاء عسكري نحو شمال العراق مع كل المخاطر المترتبة على ذلك.

بيد أن التراجع أو الهزيمة في سوريا، وخسارة معركة في العراق، واحتواء الاحتجاج الكردي في إيران وكذلك الضغط السياسي والأمني على المكون الكردي في تركيا، لن يقوض فكرة تقرير المصير لأكبر شعب في العالم من دون دولة.

بين مصالح دولية متناقضة أو متقاطعة، وبين أصوليات قومية تبرز صورة الكردي المطارد من حقبة إلى أخرى ومن بلد إلى آخر. لكن ذلك لا ينحصر في الأكراد فقط، بل يطول شعوبا بعينها أو مكونات أخرى في المشرق موئل الحضارات والديانات التوحيدية، وإذ بصراع الآلهة وصراعات النفوذ على أنواعها تحول العالم العربي إلى الرجل المريض لهذا القرن كما كانت الإمبراطورية العثمانية قبل قرن.

تتردد مقولة أن لا أصدقاء للأكراد إلا جبالهم وفِي ذلك تبسيط وتهميش لمساراتهم، لأن هناك مسؤوليات ذاتية وقرارات خاطئة في التعويل على الآخرين والتحول إلى أدوات إذا لم يكن هناك من ضمانات أو من استيعاب لتعقيدات اللعبة الإقليمية ومتغيراتها. وربما ما حدا بالجانب الكردي إلى عدم التنبه لرقصة تحالفاته (قيادة جبل قنديل لها صلات مستمرة مع إيران والنظام السوري). يمكن بالطبع ‏لوم الآخرين بدلا من التعلم من الأخطاء والاستمرار في معركة غير محسوبة ضد أنقرة وقدراتها. وتبرز في هذا الحصاد مسؤولية خاصة أخلاقية وسياسية على عاتق واشنطن وحلفائها.

خلال معركة عفرين هلل الغرب للبيشمركة الأكراد الذين لعبوا دور الحلفاء الرئيسيين في المعركة ضد إرهاب تنظيم الدولة الإسلامية، وركزت وسائل الإعلام الأوروبية على المقاتلات الكرديات وعلى بطولات الأكراد وشجاعتهم وتضحياتهم في مواجهة الجهاديين من سنجار إلى كوباني (عين العرب) والرقة، ووصل الأمر بواشنطن والتحالف الدولي ضد الإرهاب إلى التعويل على وحدات الحماية الكردية لتكون نواة قوات سوريا الديمقراطية في السيطرة على المناطق الحساسة شمال وشرق الفرات في سوريا. لكن كما في منعطف عفرين وبعد حسم معركة “جيب هجين” ضد داعش، سرعان ما أتى قرار ترامب الذي قبل بتأجيله منذ ستة أشهر ومبررا إياه باكتمال الانتصار، وهذا ما لم يحصل بشكل كامل وحاسم، ويذكر ذلك تماما بإعلان سلفه جورج بوش الابن الانتصار في العراق في 10 مايو 2003 ولا يزال العراق حتى الآن في وضع غير مستقر. ويذكر هذا القرار بانسحابات لها تداعياتها وانعكاساتها مثل انسحاب آرييل شارون من غزة في 2005 وانسحاب إيهود باراك من لبنان في العام 2000.

يتساءل أكثر من مراقب عن النتيجة الفعلية للمعركة ضد تنظيم داعش منذ 2014، وهي تسليم العراق وسوريا بشكل أو بآخر للنفوذ الإيراني، مع جوائز ترضية للاعب التركي تحت إشراف القوة الدولية الجديدة في الشرق الأوسط أي روسيا فلاديمير بوتين.

من المبكر القيام بجرد حول الرابحين والخاسرين، ربما شاء ترامب رمي كرة النار ليتلقفها غيره، وما يُحكى عن صفقة مع تركيا غير دقيق لأن هناك ميزان قوى وتنافسا أميركيا – روسيا حول تركيا يستفيد منه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لفرض أجندته. ويتوجب عدم التقليل من أهمية العامل الداخلي الأميركي وشبح “روسيا غيت” المسلط على سيد البيت الأبيض، وربما يكون قراره حيال سوريا وسحب الكثير من القوات من أفغانستان، جزءا من مواجهته مع الكونغرس الذي يعانده من حرب اليمن إلى جدار المكسيك، وفِي خلفية القرارات تنفيذ الوعود الانتخابية قبل حملة جديدة تقترب وتطبيق لاستراتيجية بدأها الرئيس السابق باراك أوباما بالتخلي عن دور “شرطي الشرق الأوسط” والتركيز على آسيا والمحيط الهادئ إلى جانب تحريك خيوط اللعبة والتحكم بها في الشرق الأوسط الكبير عبر أسلحة العقوبات وحروب الوكالة وغيرها.

بالطبع تفقد الولايات المتحدة رافعة كبيرة لتقرير مصير التسوية في سوريا ويمكن لتركيا أن تكسب بعض المناطق في جوارها لأن تغلغلها في شرق الفرات وحتى شمال العراق سيرتبط بالسقفين الروسي والإيراني والمواقف الأوروبية والرقابة الأميركية.

في هذا الخضم المتماوج يخشى اللاعب الكردي الغرق بسبب إعصار ترامب شرق الفرات، ويطوي ذلك صفحة من التاريخ الكردي مع تراجع تياري مسعود البارزاني وعبدالله أوجلان، ويكون هناك رهان على جيل جديد يدير اللعبة بشكل أفضل من أمثال صلاح ديمرتاش القابع في السجن التركي وهو المعارض التركي الأول، وكذلك مع شباب كردي أخذ يفهم العالم بشكل أفضل.

==========================

في الانسحاب ومشتقاته!

علي نون

المستقبل

السبت 22/12/2018

في الصورة البرّانية والشكلية أنه بدلاً من أن "تخرج" إيران من سوريا، تخرج أميركا!

الخلاصة حادّة لكنها خادعة! ولا تخفّف من حدّتها التفسيرات المتطايرة في كل اتجاه للخطوة الأميركية وأبعادها وتداعياتها على الأكراد خصوصاً وعموم المثلث العراقي – السوري – اللبناني الموصوف في الأجندة التصديرية الإيرانية بأنه لبّ الهلال المشتهى الممتد من بحر قزوين إلى شواطئ البحر المتوسط!

لكن برغم الاحتفالات الممانعة (الخفرة هذه المرة في واقع الحال!) فإن أمر الانسحاب الأميركي "يتزامن" مع تسجيل تراجعات إيرانية مُعتبرة لم تكن واردة قبل فترة وجيزة، أتعلق ذلك بالاتفاق اليمني في السويد الذي قضى بإخراج الحوثيين من الحديدة والموانئ الرئيسية المطلّة على البحر الأحمر، أم بالتخلّي عن شرط توزير رمز "الحشد الشعبي"، الإيراني الرعاية، فالح الفيّاض في الداخلية العراقية. أم بإعطاء "الإذن" في بيروت لإقفال صفحة ما يُسمّى توزير النواب الستّة وما سُمِّي "اللقاء التشاوري".. أم بالاستمرار في مقاربة القرار 1701 باعتباره عنواناً تهدوياً سلمياً يُناقض لعلعة الصوت باتجاه الصهاينة والسعي إلى اختراقهم وتفطيسهم! ويثبت معادلة ربط الجبهتين الجنوبية اللبنانية والجولانية السورية بحبل جليدي وليس العكس. مثلما يثبت المنطق القائل بأن الاستجابة للمطلب الإسرائيلي بابتعاد إيران وأدواتها عن حدود الجولان إلى حدود حمص لا يمكن له إلاّ أن يُستتبع تلقائياً وعفوياً في الجانب اللبناني وإن بطريقة أخرى عمادها ترسيخ الستاتيكو القائم وليس نسفه!

وهذه (مجدداً) إشارات ودلالات على إنكفاء إيراني واضح برغم الدربكة الإعلامية "الانتصارية" المألوفة.. لكن في مقابل ذلك هناك مَن يعطي الأمر برمّته أبعاداً روسية أكثر من أبعاده الإيرانية الصرفة.. بحيث أن حديثاً معقّداً يدور عن "صفقة" تبادل أراضٍ ونفوذ تطال سوريا والعراق أساساً، وقوامها تثبيت الحضور الروسي في الأولى والحضور الأميركي في الثانية.. وأن إيران في المكانين واحدة من أبرز ضحايا هذا التقاطع الدولي الكبير، وأن انكفاءها فيهما وفي محطات انتشارها ونفوذها الأخرى، أي اليمن ولبنان، يتم تحت وطأة العقوبات والجدّية الأميركية في متابعتها ثم تعبيراً عن التيقّن من أن موسكو في مكان آخر تماماً تتلاقى فيه مع واشنطن على ضرب الإرهاب الداعشي مرحلياً.. وعلى "معالجة" الحالة الإسلاموية التي بدأت مع "الثورة" الإيرانية قبل أربعة عقود، استراتيجياً!

تثبيت "الحضور" الروسي في سوريا يعني في مكان ما تسهيل الحضور التركي من الزاوية التي تهمّ أنقرة وتتعلق بالهمّ الكردي. ويعني في مكان آخر زيادة طمأنة إسرائيل إلى حفظ "أمنها" على الجبهة الشمالية (اللبنانية – السورية).. ويعني التطنيش (أميركياً) عن الانقلاب على اتفاق سوتشي الخاص بقصّة اللجنة الدستورية وعلى حساب المعارضة السورية (كل المعارضة!).. ثم يعني مقاربة النفوذ الإيراني وفق سياقات تقليصية، وليست تصاعدية. وبانصياع من طهران وليس بمكابرة يمكن أن تكون انتحارية وغير مألوفة في كل حال، في أداء الإيرانيين الذين يعرفون التمييز بين الجدّ والهزل! ويعرفون راهناً أن "القرار" المتّخذ في شأن "إعادتهم" إلى حدودهم غير مسبوق في جدّيته! ولا يحتاج إلى قاعدة في التنف أو في غيرها لتنفيذه! ولا تنفع في محاولة مواجهته الأساليب التي اتبعت سابقاً من خلال "المقاومة" في العراق والتمدّد عبر "الحرس الثوري" وملحقاته في سوريا و"حزب الله" في لبنان وصولاً إلى بني حوث في اليمن! وما تفرّع عن تلك السياقات إرهاباً وتخريباً ومحاولات ميدانية في الخليج العربي وغيره من جنوب شرق آسيا إلى أميركا اللاتينية!

تتابع إدارة ترامب حربها الذكية على إيران وفق معادلة "صفر أكلاف" عليها.. وانسحابها الميداني من المشهد السوري يدخل في ذلك السياق ولا يكسره! خصوصاً وأن الجميع يعرف بأن الألفي جندي أميركي المطلوب سحبهم من شرق سوريا ليسوا هم "حرّاس" وزن وثقل وتأثير الدولة الأقوى في العالم (وفي التاريخ!) ولا تعني "إعادتهم" إلى بلادهم نكوصاً عن القرار الاستراتيجي في شأن إيران.. بل الحاصل (إذا صحّ حديث الصفقة أو لم يصحّ) هو أن واشنطن تذهب من شرق سوريا وفي مخيالها الذهاب إلى شرق العراق! واستعادة بلاد الرافدين من سطوة النفوذ الإيراني شبه الاحادي! ووفق سياق أعلى هو "إستعادة" إيران نفسها من "غيبة" طالت على مدى أربعة عقود!

.. بهذا المعنى يمكن أن يُقبل الكلام القائل بأن الكل منهزم في هذه المحن الفظيعة وأول المهزومين هي إيران التي كلّف جموحها "الثوري" المنطقة وشعوبها الويلات والكوارث والفظاعات! وبدلاً من "تحريرها" من "الغزاة الصهاينة" في رقعة واحدة، تمزقت وتتمزق رُقعاً وقطعاً منكوبة ومبتلية ومسلوبة القرار والإرادة من قِبَل "غزاة" متعددي الجنسيات والأوصاف والأجندات!

صالات أفراح الممانعة تصدح على الطالع والنازل، لكن على ماذا تدور الأناشيد الانتصارية هذه المرة؟! على تحرير القدس وإعادة النازحين واللاجئين الفلسطينيين إلى أراضيهم؟! أم على توحيد سوريا وإعادة الملايين من أهلها إليها؟! أم على انتهاء "النفوذ" الأجنبي في دنيا العرب والمسلمين؟! أم على فوائض الرفاه والتنمية والعلوم والثروات في إيران نفسها؟! أم على ماذا يا فطاحل الانتصارات و"ممانعات" آخر زمن؟!

==========================

المرحلة التالية

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 22/12/2018

لم تفصح الناطقة باسم الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، عن طبيعة "المرحلة التالية" التي ستترتب على قراره الانسحاب من سورية، بعد أن "ألحقنا الهزيمة بتنظيم داعش في سورية، التي كانت السبب الوحيد لوجودنا هناك"، كما قال في تسويغ قراره.

بدا القرار مباغتا، وغير مفهوم ولا منطقيا. اتخذ بصورة أحادية، ومن دون تنسيق مع أحد، وإلا كيف نفسر أقوال ممثل وزير الخارجية الأميركية، جيمس جيفري، قبل يومين، إن قوات بلاده باقية في سورية إلى أن يتم انتقال سياسي جذري، وتخرج إيران منها؟ هل كانت هذه التصريحات التي سبق أن أطلقها ترامب نفسه مجرد أكاذيب، أريدَ بها الضحك على الكرد، بحجة الحرب على الإرهاب، وبقية السوريين بالحديث عن الانتقال السياسي وإخراج إيران، ريثما يحين وقت التخلي عنهم كردا وعربا، بإعلان الانسحاب الذي كنت أعتبره ضربا من الاستحالة، لاعتقادي أنه أعطى واشنطن بديلا استراتيجيا فريدا للعراق، أخذته من دون خسائر تذكر، يتمتع بأهمية خاصة بالنسبة لمعركتها المزعومة مع إيران، وتجاذبها مع روسيا، وضغوطها على الأسدية، وتلاعبها بتركيا. لكن ترامب اتخذ قرار الانسحاب من منطقةٍ هذه صفاتها ووظائفها، إما لأنه عازم على إجراء تحول جذري في سياسات واشنطن الشرق أوسطية، بعد أن خربط النظام الدولي، من دون استشارة مؤسستيه السياسية والعسكرية، الأولى التي سارعت إلى التفاعل بإيجابية مع القرار، والثانية التي شعرت بأنها تلقت صفعة شديدة، لأنها كانت قد أعلنت تصميمها على البقاء في المنطقة من عشرين إلى ثلاثين عاما، واتسم موقفها من القرار بسخطٍ عبرت عنه كثافة الإمدادات العسكرية التي تدفقت البارحة واليوم على شرق الفرات من العراق، أو لأن ترامب أراد إثارة زوبعة خارجية، تحجب ما يواجهه من زوابع داخلية، بلغت حدودا تعزّز فرص إطاحته، أو جعل إعادة انتخابه ضربا من المحال، في ظل التقارب المتزايد والمتسارع بين أعضاء الحزبين الجمهوري والديمقراطي ضد شخصه وسياساته، ما دفعه إلى إعلان قراره من دون تنسيق أو تشاور مع أحد منهما، في خطأ إضافي لا يغتفر، يضاف إلى أخطائه الكثيرة، قد يتراجع عنه أو يتجاهله، أو لا يطلب من عسكر أميركا تنفيذه، لأنه كما كتب ديفيد أغناطيوس في "واشنطن بوست"، "يخلق فراغا يمكن أن يملأه مسلحو تنظيم الدولة الإسلامية أو الروس والنظام السوري وإيران، أو تركيا، وهولاء جميعا يشكلون خطرا على المصالح الأميركية". أذكر، بهذه المناسبة، أن عسكر أميركا لم ينفذوا قرارات عديدة بالانسحاب من أفغانستان.

ما الذي يمكن أن يترتب على قرار ترامب، في حال تم تنفيذه؟ إنه باختصار ضربة قد تكون قاضية للنظامين، الإقليمي والدولي، كما نراهما اليوم في المنطقة العربية وجوارها، تضاف إلى ضربات ترامب المزلزلة للنظام الدولي، يرجّح أن توطد البيئة التي تحتاج إيران إليها لتبقى جاثمة على صدر المنطقة، ولتمكينها من إكمال سيطرتها على سورية، وتعزيز مواقعها فيها تجاه روسيا وتركيا وإسرائيل، مقابل تركها اليمن ومضيق باب المندب، وتصعيد صراعها على شرق الفرات مع تركيا التي أُعلن البارحة عن شرائها نظام دفاع جوي من واشنطن، فإن ضمت المنطقة إلى إدلب امتلكت 40% من مساحة سورية، وتعزّز احتمال نشوب حرب بين الدولتين، وإنْ بالواسطة، وإلا فرض الرئيس أردوغان إرادته، وتوطد دوره حيال روسيا والأسدية، وتبدلت حصص الجميع من الحل السوري، بينما ستصبح إسرائيل سيدة المنطقة، وستدمر فرص قيام كيان كردي.

هل ستنسحب واشنطن من شرق الفرات؟ هناك دلائل تؤكد هذا الاحتمال ونقيضه، تجعل من أيامنا ما قاله جيفري قبل أيام: لحظة فاصلة في تاريخ منطقتنا!

==========================


هل لو انتصرت المعارضة كانت سوريا أفضل الآن؟

د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 22/12/2018

قبل أن نتباكى على اللبن المسكوب، لا بد إذا كنا سوريين وطنيين فعلاً أن نتساءل: هل لو سقط النظام الفاشي في دمشق كانت سوريا ستكون أفضل مما هي عليه الآن؟ المؤشرات والوقائع على الأرض في سوريا وكذلك في ليبيا واليمن لا تعطينا أي أمل بالتفاؤل، لأن الثورات الشعبية الوطنية الحقيقية في تلك البلدان وخاصة سوريا، انتهت عملياً بعد ستة شهور على الأكثر لأسباب يعرفها الجميع، ففي سوريا نجح النظام وحلفاؤه في سحق المظاهرات الشعبية السلمية التي لم تكن تحمل سكيناً أو شفرة حلاقة كما اعترف نائب الرئيس السوري الأسبق فاروق الشرع في مقابلته الشهيرة مع صحيفة الأخبار اللبنانية، حيث قال: «كان النظام يتوسل ظهور متظاهر سوري واحد وهو يحمل مشرطاً كي يبرر استخدام القوة ضد المتظاهرين، لكن المظاهرات كانت سلمية تماماً ولم يلجأ المشاركون فيها إلى أي فعل عنيف مطلقاً». والكلام طبعاً لفاروق الشرع. وبعد أن استطاع النظام أن يسحق الثورة الشعبية مبكراً كما كان يخطط منذ اللحظة الأولى التي شاهد فيها المتظاهرين يملؤون ساحات مصر وتونس، لم يعد هناك ثورة في سوريا.

وقد أخبر كبار ضباط المخابرات السوريين مفكرين مثل ميشيل كيلو وغيره أنهم اتخذوا قراراً قبل الثورة بسحق المتظاهرين بالحديد والنار. وهدد أحد الضباط بأن سوريا ليست تونس ولا مصر، وأن أول ما سيستخدمه النظام ضد المتظاهرين سيكون الرصاص حصراً. وهذا ما حصل، فقد انتصر نار النظام على الثورة.

وبعدها بدأت مرحلة جديدة لا علاقة لها مطلقاً بالثورة، فقد بدأ الأسد بإطلاق سراح المتطرفين الإسلاميين من سجونه وساعدهم في تشكيل الفصائل كي تبدأ الحرب الحقيقية على الأرض السورية. وقد فعلت القوى التي تدخلت في الشأن السوري الشيء نفسه، فراحت تدعم الفصائل التابعة لها كي تشارك في عملية التدمير الممنهج لسوريا وتشريد شعبها. إذاً منذ تلك اللحظة خرجت سوريا من الثورة ودخلت في حرب كونية على أرضها حرقت الأخضر واليابس. وكل ما حدث بعد الستة الشهر الأولى من الثورة حتى هذه اللحظة لم يكن ثورة في سوريا، بقدر ما كانت حرباً متعددة الأطراف، وكانت الفصائل السورية التي ترفع شعار الثورة مجرد أدوات ومرتزقة في أيدي داعميها ومموليها. وكانت تعمل بالريموت كونترول، ولم يكن هدفها مطلقاً تحرير سوريا بقدر ما كانت مجرد عتلة في أيدي المتآمرين على سوريا وطناً وشعباً.

أصبح النظام وجيشه مجرد مرتزقة تحت امرة روسيا وإيران

ليس هناك أدنى شك أن السبع سنوات الماضية في سوريا كانت عبارة عن حرب بين القوى التي تدعم النظام والقوى التي تدعم المعارضة المرتزقة من أجل مصالحها الخاصىة حصراً. مرة تتقدم الفصائل المدعومة من الخارج، ومرة تتقدم ميليشيات النظام والميليشيات الإيرانية والروسية والباكستانية والأفغانية والعراقية واللبنانية الداعمة للنظام. وظلت اللعبة بين كر وفر بين الطرفين، حتى تدخلت روسيا وحسمت المعركة لصالح النظام كما يبدو، بينما الحقيقة أنها وإيران بسطتا سلطتهما على سوريا كقوات احتلال مفضوحة. بعبارة أخرى، استقر الرأي الأمريكي والإسرائيلي على تمكين النظام وحلفائه على حساب معارضيه والقوى التي كانت تدعمهم. وبما أن الأطراف التي كانت تدعم المعارضين المزعومين كانت بدورها مجرد أدوات أمريكية، فقد قبلت بالنتيجة، لا بل إن بعضها كتركيا مثلاً تحالف مع المنتصرين الروس والإيرانيين في سوريا، مع العلم أن الأتراك كانوا يعتبرون أنفسهم أكبر داعمي الثورة. والسؤال السخيف هنا: كيف للذين يزعمون دعم الثورة والشعب السوري أن يتحالفوا مع من سحق أنصارهم في صفوف المعارضة وحرق البشر والحجر في سوريا، ونقصد هنا الروس والإيرانيين؟ وبالتالي، فإن ما انتهت إليه الأمور حتى هذه اللحظة في سوريا ليس نتيجة ثورة، بل نتيجة تفاهمات وتقاسمات دولية.

وبما أن السوريين نظاماً ومعارضة مجرد أدوات مفعول بها في هذه اللعبة الدولية، فالسؤال الذي لا بد أن يتبادر إلى الذهن: هل يا ترى لو قررت القوى المتحكمة بالوضع السوري تمكين قوى المعارضة المزعومة وليس النظام وحلفاءه، كيف كان سيكون الوضع السوري الآن؟ هل ستكون سوريا حرة ديمقراطية تمتلك قرارها السيادي، أم ستكون كما هي الآن بالضبط مع اختلاف المحتلين والمتحكمين بالأرض السورية؟ يعني بدل أن يكون المحتلون روساً وإيرانيين، سيكونون من جماعة القوى التي دعمت المعارضة. وربما كان الوضع أسوأ لو حدث ما حدث في ليبيا واليمن. ففي ليبيا مثلاً انتصرت القوى المعارضة لنظام القذافي، لكن هل نجحت الثورة الليبية المزعومة، أم إن المنتصرين المزعومين حولوا ليبيا إلى أفغانستان أخرى، وتحولوا هم أنفسهم إلى أدوات متصارعة في أيدي داعميهم من الخارج؟

باختصار، فإن كل ما حصل في سوريا بعد الأشهر الستة الأولى الطاهرة النقية الوطنية من الثورة، كان سيقودنا إلى هنا سواء كان المنتصر الروس والإيرانيين والنظام، أو المعارضة وداعميها. لقد أصبح النظام وجيشه مجرد مرتزقة تحت امرة روسيا وإيران، وصارت أغلبية الفصائل المعارضة مجرد أدوات في أيدي هذا وذاك. لاحظوا أن كل المعارك التي خاضها ما يسمى بالجيش الحر في الأشهر الماضية كانت تحت قيادة الجيش التركي. ما حدا أحسن من حدا.

==========================


الخط الإيراني ـ الروسي وتعريب نظام الأسد

فايز سارة

الشرق الاوسط

السبت 22/12/2018

لم يكن القرار العربي بتجميد عضوية نظام الأسد في جامعة الدول العربية، ووقف العلاقات معه في أواخر عام 2011، يستند فقط إلى ما سجله النظام من وحشية وجرائم في تعامله مع السوريين، بل استند أيضاً إلى رفض النظام للمساعي العربية الجماعية عبر «المبادرة العربية»، والمبادرات الخاصة بعدد من الدول العربية لمعالجة القضية السورية، فكانت النتيجة سبباً ثانياً ومهماً في الأسباب الظاهرة لقرار إبعاد نظام الأسد عن المجموعة العربية.

ولعل بين الأسباب العميقة وغير المعلنة للقرار، ما هو معروف من صلافة ووحشية سياسة النظام في تعامله مع المحيط العربي طوال عهد الأسد الأب والابن، التي تجاوزت وقوفه مع إيران ضد الأكثرية العربية إلى تنظيم تدخلات النظام في شؤون البلدان العربية، بما فيها التدخلات العنيفة في لبنان والعراق وضد الفلسطينيين، وتنظيم الاغتيالات في الأردن والعراق ولبنان، وشنّ هجمات إعلامية، وإطلاق اتهامات، طالت القادة والأنظمة في أغلب البلدان العربية، فكان تجميد عضوية النظام في الجامعة فرصة عربية للرد على بعض ما سبق.

وسط تلك الأسباب مضت سنوات العزل العربي المعلن لنظام الأسد، وطوالها كانت الخروقات قليلة وضعيفة، قبل أن تصل إلى حد الإشهار الفج بزيارة الرئيس السوداني عمر البشير إلى دمشق، بالتزامن مع أخبار وتصريحات عن زيارات محتملة لبعض القادة العرب إلى دمشق، أو زيارات الأسد إلى عواصم عربية، من ضمنها مشاركته في قمة عربية مقبلة.

ولا تتوافق الأسباب المعلنة للزيارات واللقاءات مع مثيلاتها، التي أدت إلى عزل النظام عن محيطه العربي، حيث بين الأسباب، أنها تساعد في التوصل إلى حل للقضية السورية، كما يقول الروس والإيرانيون، دون أن يشرح أحد منهم كيف يمكن أن يحصل ذلك. كما أن بين الأسباب، استعادة نظام الأسد إلى الصف العربي بعد تبعيته العميقة لحكم الملالي في إيران، وصيرورة الأخيرة مع الروس صاحبي القرار في قصر المهاجرين بدمشق، دون أن يجيب أصحاب هذا الطرح عن سؤال ما إذا كان نظام الأسد يرغب في الانعتاق من السيطرة الإيرانية، أو يستطيع ذلك، وثمة من يقول، إن استعادة العلاقة مع نظام الأسد، سوف تساعد في الحرب على الإرهاب، ويتناسى أصحاب هذا الطرح مسيرة الإرهاب التي اشتهر بها النظام طوال تاريخه الطويل، وما نسجه من علاقات مع الإرهابيين، لا المنتمين إلى «القاعدة» وأخواتها فقط، بل إرهابيين من كل أنحاء العالم، إضافة إلى ما يستمر في ارتكابه من جرائم قتل وتشريد وتدمير وإرهاب ضد السوريين.

الأهم مما سبق، أن سياسة نظام الأسد حيال البلدان العربية، لم تشهد أي تحولات إيجابية في السنوات الماضية، بل زادتها تطورات الوضع السوري صلفاً وعدوانية، تجاوزت حدود اتهام البلدان العربية بالمشاركة في المؤامرة التي تستهدف النظام، ودعم الإرهاب، وصولاً إلى التهجم على القادة العرب والعروبة من أعلى مستويات في نظام الأسد، إضافة إلى تدخلاته المباشرة وغير المباشرة في الشؤون العربية على نحو ما يحصل في لبنان.

وسط الإشكاليات المحيطة بفكرة التطبيع العربي مع نظام الأسد، تبدو الأسئلة عن سبب ومعنى التواصل مع النظام، وزيارة عاصمته من قِبل مسؤولين عرب أو احتمالاً زيارة مسؤولين فيه إلى عواصم عربية ولقاءاته بمسؤولين عرب.. أسئلة ليس لها من جواب سوى التفتيش عمن يقف وراءها، وهو الحلف الإيراني - الروسي بصورة أساسية.

فالرئيس السوداني زار دمشق بطائرة روسية حملته من الخرطوم، وأعادته إليها، وهذا مؤشر على الدور الروسي، الحاضر أيضاً في صلب الموقف المصري في التعامل مع نظام الأسد، رغم أنه ما زال أبعد من أن يتبادل الزيارات معه، والتطورات الإيجابية في العلاقات الأردنية مع نظام الأسد، والتي أدت إلى فتح معبر نصيب بين البلدين وتبادل زيارات لوفود رسمية بين عمان ودمشق، لم تكن بعيدة عن المساعي الروسية، إنما جاءت من بعض نتائجها، وهذا جزء من دبلوماسية نشطة، تعمل عليها موسكو لإعادة تسويق نظام الأسد دولياً بدءاً من البوابة العربية، ليس لأنها الأقرب فقط، بل لأنها الأضعف أيضاً.

وكما الروس، فإن الإيرانيين حاضرون في خط تعريب نظام الأسد، والأكثر أهمية في جهودهم، ما يتم عبر البوابتين اللبنانية والعراقية، حيث لإيران نفوذ وتأثير لا يمكن النقاش فيهما، يتجاوزان العلاقة مع النخبة الحاكمة إلى وجود جماعات وميليشيات، تمثل امتدادات سياسية وطائفية، ونفوذاً مسلحاً لسلطة الملالي في البلدين.

لقد دفع النفوذ الإيراني في العراق نخبته الحاكمة إلى التخلي عن اتهاماتها العلنية لنظام الأسد عبر المنابر الدولية بالتدخل في العراق ودعم الجماعات الإرهابية المسلحة فيه، ومنع العراق من استقبال لاجئين سوريين، وأجبر حكومته على تسهيل مرور «داعش» و«القاعدة» وميليشيات مناصرة لنظام الأسد إلى سوريا، ووفر دعماً مالياً وعسكرياً لتمويل جرائمهم ضد السوريين، وتدفع البصمة الإيرانية العراق نحو انفتاح معلن على نظام الأسد من خلال زيارات مسؤولين عراقيين لدمشق، آخرها زيارة وزير الخارجية إبراهيم الجعفري.

ويقارب الدور الإيراني في لبنان مثيله العراقي وسط صخب أعلى يصدره «حزب الله» في إطار صراعات سياسية - طائفية، دمرت النظام، وعجزت نخبته عن التوافق، فصارت عرضة للخضوع لنفوذ إيران من خلال «حزب الله» تنظيمها الطائفي المسلح بالرشوة حيناً، وبالإكراه أغلب الأحيان، وقد وفرت سيطرة «حزب الله» وتحالفه على لبنان، تمرير سياسة إيرانية في القضية السورية، جعلت من لبنان بوابة انفتاح لإعادة تعريب نظام الأسد بالاستناد إلى ما يسمى بـ«المصالح اللبنانية» من فتح الحدود، التي لم تغلق بسبب سيطرة «حزب الله» عليها، إلى موضوع اللاجئين السوريين في لبنان، التي كان «حزب الله» بين القوى التي تسببت بلجوئهم بعد أن دمر واحتل مدنهم وقراهم في أرياف دمشق وحمص.

خلاصة القول، أن محاولات إعادة تعريب نظام الأسد، وإن امتد الحديث فيها لأطراف متعددة، فإن أكثر الفاعلين فيها، حلفاء نظام الأسد من إيرانيين وروس، يمارسون ضغوطاتهم على بلدان وجماعات سياسية لتطبيع علاقات النظام مع محيطه العربي تمهيداً لإعادة تسويقه في المستويين الإقليمي والدولي. غير أن هذه المحاولات ستظل تصطدم بحقائق بينها جرائم النظام التي ما زالت تتوالى، وإصراره على رفض الحل السياسي في سوريا، واستمرار مقولاته حول المؤامرة والدور العربي فيها، واعتماده سياسة الصلف والعدوانية والتدخلات حيال البلدان العربية.

==========================

بين سوريا طوباوية وسوريا الأمر الواقع

بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 20/12/2018

إذا ألقينا نظرة عن قرب إلى خطوط الانقسامات العمودية في المشهد السوري اليوم، لرأينا أن إمكانيات التعايش بين مكونات المجتمع الأهلية، في مستقبل يطوي الصراع الدموي المديد، ضعيفة جداً. وذلك على رغم أن التعبيرات السياسية القائمة تتنكر لهذا الأمر باعتباره غير مقبول أو غير لائق بمقاييس الوطنية المقدسة. في حين أن الضمانة الوحيدة المتبقية لوحدة الدولة السورية هي، للمفارقة، القوى الدولية الفاعلة في الصراع السوري. وذلك بخلاف رهاب منتشر بيننا حول أن «الخارج» يريد تقسيم وطننا.

شارك كاتب هذه السطور شخصياً، في سنوات سابقة، بتحليلات تحذِّر من احتمال وجود نوايا دولية لتقسيم سوريا، بالاستناد إلى تنافرات داخلية قائمة. سبق ثبوت بطلان وجود تلك النوايا في المثال العراقي الذي كان، وما زال، أكثر نضوجاً لمشاريع مماثلة. لقد رأينا كيف أن الأغلبية العراقية ودول الجوار والمجتمع الدولي جميعاً قد وقفوا موحدين ضد الاستفتاء على استقلال الإقليم الكردستاني. وفي سوريا، نرى أن الحلول الدولية المقترحة، سواء في مسار جنيف أو في مسار سوتشي، تتعاطى مع موضوعها على أرضية سوريا موحدة، وإن كانت تلك المقترحات فاشلة لأسباب أخرى، ولا يبدو أنها قابلة للنجاح في الشروط القائمة. وربما يشير فشلها بالذات إلى غياب الإرادة الداخلية الجامعة للحفاظ على وحدة البلاد. لا يعني هذا الكلام إضفاء الفضيلة على القوى الخارجية، أو نزعها من القوى الداخلية، بقدر ما يعني وجوب التساؤل عما إذا كانت الوحدة خيراً مطلقاً أو الانقسام شراً مطلقاً.

ربما الكرد وحدهم، من بين المكونات الأهلية السورية، يعبرون عن طموحهم لوضع دستوري جديد يراعي خصوصيتهم القومية ـ الثقافية، من غير أن يصل إلى فكرة الانفصال في دولة مستقلة، ليس تعففاً عنها بقدر ما لأنهم لا يرون شروط تحققها الواقعية متوفرة. كذلك يتفاوت تعاطي الأكثرية العربية مع ذلك الطموح بين رفض قاطع وعدائي، وقبول مشروط وعلى مضض. وعلى امتداد هذا التفاوت، من أقصاه إلى أقصاه، ثمة تقبل أمر واقع لفكرة اختلاف المكون الكردي، مقابل رفض قطعي لأي انقسامات أخرى على أسس دينية أو مذهبية أو جهوية. مع العلم أن الدويلات الخمس التي قامت، في سوريا تحت الانتداب الفرنسي، بين عشرينيات القرن الماضي وثلاثينياته، لاحظت هذه الانقسامات بالذات، وتجاهلت اختلاف المكون الكردي.

سيحتاج حل الصراع إلى قيام حكم انتقالي ما تتوافق عليه الدول الفاعلة، ويرغم السوريين على القبول به، يدعو إلى انعقاد مؤتمر وطني تأسيسي، تتمثل فيه المكونات الأهلية والتيارات السياسية

الشكوى الشائعة بصدد خروج مصير سوريا من يد السوريين، من المحتمل أن تنقلب إلى طلب متزايد على «حَكَم خارجي» يوفّق بين السوريين المتنافرين، وهو المجتمع الدولي المرذول في الخطاب السياسي السوري. صحيح أن التدخلات الخارجية زادت الأمور تعقيداً، وأمدّت بعمر الصراع الدموي، ولكن دعونا نتخيل الوضع بمعزل عن تلك التدخلات. كان من شأن عزل الداخل السوري عن أي تدخلات خارجية، في الأشهر الستة الأولى للثورة السلمية، أن تؤدي إلى سحقها من قبل النظام على مثال صراع مطلع الثمانينات. بالمقابل كان من شأن عدم تدخل إيران وروسيا، بين 2012 ـ 2015، أن يسقط النظام وتنتصر قوى إسلامية مسلحة، فيصبح الوضع السوري شبيهاً بنظيره الليبي، مفتوحاً أمام صراع مديد. أو كالمثال المصري الذي انتهى بعودة النظام القديم بصورة أسوأ مما كان عليه قبل 2011.

الغاية من طرح هذه الاحتمالات الافتراضية هي أن نعيد النظر بمسلمات مألوفة تنظر إلى الأمور بمنظار الأبيض والأسود، أو تتثبت على مقولات تجاوزها التاريخ. فلا معنى اليوم لاستمرار التغني بالأيام الأولى للثورة (شعبية، سلمية، وطنية جامعة، مدنية..) أو بالجيش الحر في عصره الذهبي أيام عبد القادر الصالح وأمثاله، أو للتمسك المرضي بنموذج الدولة المركزية، على سبيل المثال.

بالمقابل، لا تعني حاجة السوريين إلى تحكيم خارجي (دولي) لضمان وحدة بلدهم، تبريراً لتبعية الأطراف السورية لقوى دولية وإقليمية، سواء في ذلك النظام أو معارضيه. فتلك تبعيات تعمق الانقسامات بدلاً من الوحدة. وهي سائدة ما دامت القوى الخارجية نفسها متنافرة في الشأن السوري وغيره. القرار الوطني المستقل سوف يبقى مطلب حق وضرورة، بصرف النظر عن الحاجة إلى تحكيم دولي من عدمها. بل إن من شأن وجود القرار الوطني المستقل أن ييسر توافق القوى الدولية ذات الأجندات المتضاربة حول سوريا.

عاجلاً أم آجلاً، سيتضح أن التسويات المطروحة على أساس الغَلَبة غير قابلة للتنفيذ وبخاصة الديمومة، وسيحتاج حل الصراع إلى قيام حكم انتقالي ما تتوافق عليه الدول الفاعلة، ويرغم السوريين على القبول به، يدعو إلى انعقاد مؤتمر وطني تأسيسي، تتمثل فيه المكونات الأهلية والتيارات السياسية ـ الإيديولوجية جميعاً، يقوم بوضع دستور قائم على عقد اجتماعي جديد يشكل الحد الأدنى الممكن من التوافقات بين السوريين، ويقدم تصوراً لعدالة انتقالية لا بد منها لطي صفحة الصراع الدموي. كما يطمح إلى إقامة دولة عصرية «طبيعية» قابلة للحياة والتطور، بضمانة المجتمع الدولي إياه الذي كثيراً ما نهاجمه بحق. هذا إذا لم نذكر موضوع إعادة الإعمار الذي يبدو مستحيل التنفيذ بدون تضافر جهود عدد كبير من الدول.

بحل من هذا النوع يكون السوريون قد أرغموا على القبول بالعيش معاً في دولة أمر واقع مفروضة عليهم «من الخارج» بدلاً من التغني بسوريا طوباوية لم تعد تؤمن بها إلا قلة قليلة، وإن كانت الكثرة الكاثرة تزعم أنها تريدها.

==========================

ماذا سيحصل بعد قرار ترامب الانسحاب من سوريا؟

رأي القدس

القدس العربي

الخميس 20/12/2018

في تغريدة مفاجئة أمس قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب: «لقد انتصرنا على تنظيم الدولة في سوريا، وهذا كان سبب وجودنا هناك خلال فترة رئاستي»، وتبعت ذلك أخبار عن قرب انسحاب القوات الأمريكية أكّدها البيت الأبيض بوضوح حين قالت الناطقة باسمه إن القوات «بدأت في التحرك إلى أرض الوطن»، فيما عبّر مسؤول أمريكي في تصريح لوكالة الأنباء رويترز عن جانب آخر عن «سرعة العملية» بالقول إن إجلاء كل موظفي الخارجية الأمريكية في سوريا سيتم خلال 24 ساعة.

ليس هذا التصريح الأول لترامب، الذي كرر منذ استلامه منصبه أنه يرغب في انسحاب كامل لقواته ليس من سوريا فقط ولكن من كل الشرق الأوسط، وفكرة الانسحاب هذه جزء أساسيّ من خطابه السياسيّ الرافض للتدخّل العسكري الأمريكي في العالم، وهو ما كان يجد معارضة من المؤسسات العسكرية والخارجية والأمنية الأمريكية التي نجحت، أكثر من مرة، في تأجيل هذا القرار. مسؤولو البنتاغون بدأوا مجددا بمحاولة إقناع ترامب بتأجيل قراره (كما تقول «نيويورك تايمز») بدعوى أنه يشكل «خيانة» لحلفائهم الأكراد، وإذا لم ينجحوا في إثنائه، هذه المرة، عن قراره، فسوف نشهد تموضعات عسكريّة وسياسية جديدة في سوريا، حيث ستحاول الأطراف الخارجية ذات الوزن، كروسيا وتركيا وإيران، أن تملأ الفراغ الناجم عن الانسحاب الأمريكي، وهو ما ينطبق على الأطراف الداخلية أيضا، وعلى رأسها النظام والميليشيات اللبنانية والعراقية الحليفة له، وتنظيمات المعارضة المسلحة.

وإذا كان القرار منسجما مع برنامج ترامب السياسي فإن هذا لا ينفي ارتباطه بعوامل أخرى كثيرة، خارجية وداخلية. أول هذه العوامل هو «العلاقة الخاصة» التي تربط الإدارة الأمريكية بموسكو، والتي تجسّدت، بشكل فظّ، في التدخل الروسي المباشر لصالح انتخاب ترامب في انتخابات عام 2016 الرئاسية، وإذا كان هذا التدخّل يبدو مبررا كافيا لـ«مكافأة» ترامب لروسيا رغم ما سيشكّله ذاك من إحراج سياسيّ للرئيس الأمريكي، فإن الواقعية السياسية تقتضي القول إن تلك «العلاقة» هي من طبيعة أيديولوجية، فترامب، ومعسكره الأيديولوجي، برهنوا أنهم حلفاء سياسيون طبيعيون لبوتين، وهو أمر أكدته العلاقات الوثيقة لكل أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا والعالم.

لا يخلو ربط الانسحاب بالضغوط التي مارسها الرئيس التركي رجب طيب إردوغان على ترامب من وجاهة، غير أن هذه الضغوط تراكبت مع علاقة ترامب ومعسكره «الخاصة» بالقيادة الروسيّة، وانضافت إليها الضغوط التي شكّلتها قضية اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي، والانتصار الذي حققه الحزب الديمقراطي في الكونغرس، والذي بدأ مطاردة حقيقية لترامب في القضايا العالمية والمحلّية.

الرابحان الأساسيان الظاهران للقرار (لو تمّ تطبيقه بالسرعة التي يطلبها ترامب) سيكونان روسيا، التي بدأت حشد قوات ونقل ذخائر في دير الزور (التي تحتوي حقولا نفطية كثيرة أهمها حقلا العمر والتنك)، وتركيا التي أعلنت منذ أسبوع استعدادها لعملية كبيرة للقضاء على خصومها الأكراد شرق الفرات، ولابد أن سباقا كبيراً سيجري بين هاتين القوّتين على ملء الفراغ العسكريّ الأمريكي، وهناك بوادر أيضاً لمحاولة إيران والنظام السوري استغلال الوضع ودفع قوات نحو المناطق التي تسيطر عليها المعارضة.

أما ما الذي سيحصل لما يسمى «قوات سوريا الديمقراطية» التي كانت الذراع العسكرية الأساسية الفاعلة للتحالف الدوليّ في النزاع مع تنظيم «الدولة الإسلامية»، وما هو سيكون موقفها من هذه «الخيانة» الأمريكية الجديدة (على حد وصف مسؤولي البنتاغون)، فأمران سيتكشفان سريعا في مقبل الأيام.

==========================


ديمستورا و"اللجنة الدستورية"

رضوان زيادة

سوريا تي في

الاربعاء 19/12/2018

استمعت إلى خطاب السيد ديمستورا المبعوث الأممي إلى سوريا في منتدى الدوحة بالعاصمة القطرية في السادس عشر من الشهر الحالي، لقد أقر ديمستورا أن تشكيل اللجنة الدستورية لا ينسجم مع قرار مجلس الأمن الدولي 2254 الصادر في عام 2015 والذي أقر ديمستورا أن وظيفته تنحصر في تطبيق هذا القرار والذي نص صراحة على أن دعمه لبيان جنيف المؤرخ في 30 حزيران 2012 والذي ينص على بيان جنيف كأساس لانتقال سياسي بقيادة سوريا إنما يتم في ظل عملية يمتلك السوريون زمامها، من أجل إنهاء النزاع وحدد قرار مجلس الأمن المذكور العملية السياسية بوصفها عبارة عن ثلاث مراحل رئيسية يجب أن تتم في فترة مدتها ستة أشهر حددها كالتالي:

-حكم ذو مصداقية يشمل الجميع ولا يقوم على الطائفية.

-حدد جدولا زمنيا وعملية لصياغة دستور جديد.

-انتخابات حرة ونزيهة تجرى، عملا بالدستور الجديد، في غضون 18 شهرا تحت إشراف الأمم المتحدة، بما يستجيب لمتطلبات الحوكمة وأعلى المعايير الدولية من حيث الشفافية والمساءلة، وتشمل جميع السوريين الذين تحق لهم المشاركة، بمن فيهم أولئك الذين يعيشون في المهجر، على النحو المنصوص عليه في بيان الفريق الدولي المؤرخ 14 تشرين الثاني/نوفمبر 2015.

نسي السيد ديمستورا أن السوريين عولوا على الأمم المتحدة لكنهم وجدوا أن مطالبهم تتقلص يوما بعد يوم

فالسيد ديمستورا أقر أن تشكيل اللجنة الدستورية لا تنسجم مع روح قرار مجلس الأمن ونصه الذي عبر بوضوح أن تشكيل هيئة حكم انتقالية يعتبر نقطة البداية لتشكيل دستور جديد ومن ثم إجراء انتخابات انتقالية، لكنه وبحكم إدراكه أن روسيا هي الممسكة بزمام الأمور في سوريا مع الانسحاب الأمريكي الكامل من الملف اللهم إلا من بضعة بيانات تدعم فيها حلفاءها في قوات الحماية الكردية إلا أنه ما عدا ذلك ليس هناك ضغوط سياسية جدية من أجل البدء بعملية انتقالية في سوريا.

ديمستورا أقر أيضا بأنه وخلال عمله كمبعوث أممي على مدى 47 عاماً لم يشهد مستوى العنف الذي شهده في الحرب السورية وخاصة من قبل نظام الأسد عبر استخدامه للبراميل المتفجرة وحصار المدن، ولذلك يبدو السؤال مشروعا إذا كان ديمستورا سيرحل مع نهاية العام أي بعد أيام قليلة والجدية الروسية والإيرانية في الحل السياسي معدومة مطلقا فما المعنى إذا في إطلاق هذه اللجنة الدستورية التي ليس لها أية مصداقية في عيون السوريين.

أجاب ديمستورا ولكن بشكل شخصي أنها الطريقة الوحيدة التي يمكن تحقيقها اليوم، صحيح أنها لا تحقق شيئاً من قرار مجلس الأمن وينظر لها السوريون بعين الريبة لكن الموافقة النهائية لها إنما تمر عبر الشرعية الأممية وإذا لم توافق الأمم المتحدة على شمولية وجدية هذه اللجنة فإنها لن يكون لها الشرعية.

نسي السيد ديمستورا أن السوريين عولوا على الأمم المتحدة لكنهم وجدوا أن مطالبهم تتقلص يوما بعد يوم، فمن بيان جنيف وقرار مجلس الأمن 2254 الذي ربط بين وقف إطلاق النار وانطلاق عملية سياسية موازية، عملا ببيان جنيف لعام 2012، وبضرورة التعجيل بالدفع قدما بكلتا المبادرتين، وأعرب عن تأييده لوقف إطلاق النار في جميع أنحاء سوريا، وهو ما التزم الفريق الدولي بدعمه والمساعدة على تنفيذه، على أن يدخل حيز النفاذ بمجرد أن يخطو ممثلو النظام والمعارضة الخطوات الأولى نحو انتقال سياسي برعاية الأمم المتحدة، استنادا إلى بيان جنيف، على النحو المنصوص عليه في بيان الفريق الدولي المؤرخ 14 تشرين الثاني/نوفمبر 2015، على أن يتم ذلك على وجه السرعة.

هذا قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي عام 2015 وافقت عليه روسيا والصين ودعمتاه، ورغم أنه صادر تحت الفصل السادس وليس السابع فإنه يبقى ملزما لكل الأطراف بتنفيذه وعلى رأسها روسيا.

 اختصر قرار مجلس الأمن إلى لجنة دستورية ليس معروفا صلاحياتها وبنيتها والأهم كيف يمكن كتابة دستور لا نعرف شكل النظام السياسي فيه وبالتالي فاللجنة نفسها ستكون أداة للتلاعب من قبل النظام إلى ما لانهاية حتى يعيد ترتيب أوراقه داخليا والقضاء النهائي على ما بقي من جيوب المعارضة.

يجب التأكيد بصراحة أن نص قرار مجلس الأمن ركز على تشكيل حكم انتقالي قبل تشكيل لجنة دستورية وليس العكس، ولا يمكن بكل الشرائع الدستورية في كل دول العالم صياغة دستور قبل أن يتحدد شكل النظام السياسي الذي سيعبر عنه هذا الدستور

==============================


بوصلة الثورة السورية

د. أحمد موفق زيدان

العرب

الاربعاء 19/12/2018

على مدى ثماني سنوات عجاف من عمر الثورة السورية، يحاول أعداؤها وخصومها تحريفها عن مسارها، وتفريغها من محتواها الذي ضم مليون شهيد وأضعافهم من الجرحى والمعاقين والمشردين والمعتقلين، يحاولون حرفها عن مسارها وكأنها مشكلة بين معارضة وحكومة معترف بها، تقيم وزناً لشعبها الذي قتلته وشرّدته ودمّرت مساكنه، في مشاهد لم تحصل في تاريخ العلاقات البشرية بين حكومة وشعب، فتارة يتم حرف البوصلة بذريعة مؤتمرات ترعاها الأمم المتحدة، التي اعترف بعض مسؤوليها اليوم بأن الأسد أكثر من أعاق وعرقل عمل المنظمة في إيجاد حل لكارثة العصر، وربما سيعترف آخرون بعد تدمير ما تبقى من سوريا، ليدينوا أنفسهم على هذا الصمت قبل أن يدينوا الطاغية وسدنته.

سعت العصابة الطائفية وسدنتها إلى طرح مشاكل آنية تكتيكية من أجل حرف المسار، فتارة باسم عصابة «داعش» حيث تم تدمير المنطقة الشرقية فوق رؤوس ساكنيها بذريعة محاربتها، في حين نرى أن الثوار في مناطق إدلب وحلب تمكنوا من تصفية هذه العصابة بدون أية خسائر وسط المدنيين، يحصل هذا بينما المدنيون في دير الزور والبوكمال لا يزالون يدفعون فاتورة رهيبة بذريعة محاربة «داعش»، والأخطر من هذا أن يتم إشغال تركيا بعصابات الـ «بي. كي. كي» العميلة للعصابة الطائفية وسدنتها، ما دام معظم قيادات هذه العصابة طائفية بامتياز، وبالتالي لها ثأر مضاعف مع تركيا -ثأر طائفي وآخر عرقي- كما تحاول تصويره وإبرازه.

على الصعيد الداخلي، يتواصل سوء التفاهم أو عدم التفاهم بين الفصائل الثورية، لتنشغل هذه الفصائل ببعضها، وتنشغل معه بتحميل بعضها مسؤولية الإخفاقات الأمنية وغيرها، مما يدفع ثمنه المواطن العادي وحاضنة الثورة، في حين نرى تماماً أن الوضع الاقتصادي والمعيشي وحتى الأمني في مناطق الثورة، إن كان بإدلب أو غيرها أفضل بكثير عما هو عليه في مناطق العصابة الطائفية، التي يكثر فيها اليوم انتشار المخدرات وحبوب التخدير بين الأطفال، فضلاً عن غلاء رهيب في أسعار السلع وغياب بعضها، مما شكل حالة تذمر كبيرة وسط المدنيين في تلك المناطق، في حين لا نجد هذا الغلاء في مناطق الثورة.

تعظيم أخطاء الثورة والثوار في المحرر من قبل بعض الجهات، هو محاولة لحرف الثورة عن مسارها، والنيل من ثوار كانوا دائماً ولا يزالون شوكة في حلوق الطائفيين وسدنتهم، لن يفيد إلا أعداء الثورة، كل هذا ما هو إلا انجرار واضح في مسار أعداء الثورة وخصومها، وما جرى في إدلب أخيراً من الإعلان عن حكومة جديدة للإنقاذ ينبغي أن يُتعامل معه بشكل واقعي وعملي وجدي، فإدلب قبل حكومة الإنقاذ ليست كإدلب بعدها، هذا يعرفه كل من في قلبه ذرة عدل وإنصاف، ولكن الواقع ليس هو المأمول والمطلوب إذ لا بد من تحسينه، عبر توسعة الحكومة الحالية وضم فصائل ثورية حقيقية ونخب شاركت وتشارك بالثورة من أجل الأفضل وتقديم صورة حقيقية وجميلة وواقعية للثورة السورية، فحكومة الإنقاذ اليوم في إدلب عبارة عن نخب حقيقية للثورة، وكلهم ممن يحملون شهادات عليا، لم يتخرجوا من كهوف «طورا بورا» ولا غيرها، وبالتالي العزف الدائم من قبل البعض على النيل منهم والتشكيك بهم لن يخدم إلا الساعين إلى حرف بوصلة الثورة، وصدق شاعرنا المتنبي القائل:

أقلّوا عليهم لا أباً لأبيكمو من اللوم

أو سُدّوا المكان الذي سَدّوا;

==============================

أميركا في سورية لاحتواء روسيا

عمار ديوب

العربي الجديد

الاربعاء 19/12/2018

تنطلق الاستراتيجية الأميركية عالمياً من مواجهة الصين واحتواء روسيا، والضغط على أوروبا. وضمن هذا الإطار، توزَّع "الغنائم" ويُقتسَم العالم بين دوله الأقوى. أميركا تتحرك في العالم على وقع مواجهتها مع الصين ومنذ أكثر من عقد، وهذا مما لم يتغير. كان الوجود الروسي في سورية بموافقة أميركية، وليس بتضادٍ معها، بل وجاء بعد الحلف الأميركي لمحاربة الإرهاب 2014. وبالتالي، هناك تنسيق مستمر بين الدولتين العظميين بخصوص سورية. والخلاف في السياسات والتكتيكات عبر السنوات السابقة، ومنها التصعيد العسكري، وضربات عسكرية هنا وهناك لقوات تابعة للدولتين العظميين، لا يُغير من حقيقة هذا التنسيق. أميركا بسياستها العالمية هذه إذًا، لا ترفض الاحتلال الروسي لسورية، لكنها تحدّد شكل التدخل للروس ولسواهم في سورية. ما زالت أميركا المهيمنة على العالم، وضمن ذلك نفهم استراتيجيات الدول العظمى والإقليمية في سورية.

لم يقل المبعوث الأميركي إلى سورية، جيمس جيفري، جديداً عما كان يقوله مسؤولون أميركيون سابقون، أي إنهاء تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وإخراج إيران وإحداث تغيرات في النظام، ولكن جيفري حسم في قضية بقاء أميركا في سورية، ولا سيما بعد الانتهاء من قضايا طُرحت سابقاً، كتفكيك قاعدة التنف، وخروج إيران، ويقابله خروج أميركا من سورية؛ هذه القضايا انتهى الحديث عنها. يكرّر جيفري الآن ما قاله تيلرسون، ويضيف عليه ضرورة الانتهاء من مساري أستانة وسوتشي، والعودة إلى قرار مجلس الأمن 2254 وربما جنيف. وأيضا، يُمهل روسيا للانتهاء من تشكيل اللجنة الدستورية، وبغياب تحقق ذلك، فإن السياسة 

"أصبح الأميركان ضاغطين أكثر على روسيا من أجل الانتقال إلى إنهاء الوضع السوري" الأميركية تريد وضع نهاية للعب الروسي ولمساراته ضمن أستانة وسوتشي، ومناطق خفض التصعيد والهدن والمصالحات، والتي سمحت لروسيا بفرض سيطرة كاملة على مناطق واسعة، وتشمل حلب ودمشق وغوطتيها ودرعا وأغلبية حمص وحماه وأجزاء واسعة من دير الزور، وبالتأكيد كلا من دمشق والسويداء واللاذقية وطرطوس؛ القصد من ذلك أن حدود روسيا الآن مرسومةٌ، وكذلك الأميركان وتركيا، وتُنافس إيران روسيا على مناطق الأخيرة!

كل ما سردناه أعلاه تمّ بالتوافق مع الأميركان، وليس فقط عبر التحالف بين روسيا وتركيا وإيران فقط؛ أميركا التي انفردت بشمال شرقي سورية، وبتحالفٍ وثيقٍ مع حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (البايادي)، وبنت قواعد عسكرية ونقاط مراقبة على الحدود مع تركيا والعراق، وأجرت توافقات "متعثرة" مع تركيا، أقول إن أميركا هي حجر الأساس في ذلك كله. ولهذا حينما يصرِّح جيمس جيفري بما يخص سوتشي وأستانة ومصير إيران في سورية، فإن روسيا وتركيا وإيران يجدون أنفسهم في "خانة اليك"، أي لا بد من حسم نهائي لقضية الوجود الإيراني في سورية، وحسم مصير إدلب، لجهة تثبيت الاتفاق الروسي التركي بخصوصها، وأيضاً التوافق مع تركيا بخصوص مصير شمال سورية.

تتبنّى أميركا الآن سياسة دقيقة، فشمال سورية لها، بكل خيراته وناسه، وبالتالي لم يعد لروسيا وحلفها الثلاثي تقرير مستقبل سورية، ولم يعد لخيار سوتشي وأستانة أهمية تذكر؛ فقد كان له ذلك لتصفية الفصائل المسلحة، وتقوية الوجود الروسي في سورية بالضد من إيران بالتحديد، وأيضاً لتقوية الوجود التركي في كل من عفرين وجرابلس وبقية المناطق، وتقاسم إدلب بين روسيا وتركيا.

لا يمكن قراءة الموقف الأميركي الجديد كاستراتيجية تتوخى أميركا من ورائها إخراج روسيا من سورية؛ فهذا خطأ كبير في قراءة استراتيجيتها العالمية، وكذلك خطأ في قراءة سياسة الرئيس دونالد ترامب ذاته، حيث يعتمد على فَرضَ سياسات عالمية غير مُكلفة، وإحداث صراعات متعددة في العالم، ثم إن سورية بلدٌ ضعيف، ويمكن استغلال ضعفه في إنشاء قواعد عسكرية ثابتة، وتكون مُكملةً أو بديلة في حال حصلت خلافات واسعة مع تركيا، لكنها مكملة للقواعد العسكرية الموجودة في الخليج خصوصا.

إذاً، أصبح الأميركان ضاغطين أكثر على روسيا، من أجل الانتقال إلى إنهاء الوضع السوري، ومزيد من الضغط على إيران لتحجيم نفوذها، وتفكيك مليشياتها، وتأهيل النظام السوري نفسه 

"لم يعد لروسيا وحلفها الثلاثي تقرير مستقبل سورية" ليتقبل التغيير. تنطلق أميركا من أن ما حدث في سورية عبر ثماني سنوات يسمح لروسيا بفرض سيطرة واسعة على النظام، وأنها قادرةٌ على الضغط عليه ليتقبل التغيير، وإجراء تغييرات جذرية فيه. الرهان هنا الآن، فليس من مبررٍ لاستمرار مسار أستانة واقعياً، ولم يعد مقبولاً استمرار مسار سوتشي أيضاً، وبالتالي، هناك ضرورة لإنهاء موضوع التغيير في سورية والوجود الإيراني فيها. وقد أصبحت أميركا حاسمة في الفكرة الأخيرة، وهناك ضغط أميركي مستمر بخصوصها، وكذلك بخصوص الحل في اليمن واستمرار الضغوط في العراق. وتضاف إلى ذلك كله العقوبات الأميركية على إيران والوضع الاقتصادي المتدهور جداً. تريد أميركا بذلك تهيئة الأجواء العربية من أجل محاصرة إيران.

لا جديد في القول إن الاتفاق بين روسيا وأميركا بشأن سورية هو الذي يُنهي هذا الملف، والتخوف هنا أن تكون الورقة السورية جزءا من أوراق عالمية مختَلَف عليها بين الدولتين. ولكن، هل يمكن لروسيا الاستجابة للشروط الأميركية المذكورة أعلاه؟ وهل يمكن لتركيا التوافق مع أميركا بخصوص قوات الاتحاد الديمقراطي الكردي والقواعد العسكرية الأميركية الحامية لها؟ غياب تحقق هذه الشروط أعلاه يعني استمرار غياب التوافق بين هذه الدول، وبالتالي: ما هي الاحتمالات المستقبلية في سورية؟

هذا عن التوافقات، وتتضمن أن الجغرافيا السورية مقسمة حاليا بين الدول المحتلة لسورية، وهذا هو واقع سورية حالياً، ولكن هناك مشكلات بين الدول المحتلة هذه، ولم يتم الانتهاء منها بعد، وتتمثّل في خرقٍ مستمر من النظام وإيران لاتفاق إدلب وبتغطيةٍ روسية. وهناك رفض تركي للتوافقات الأميركية مع الأكراد، فبالنسبة لتركيا يُشكل تسليح الأكراد خطراً أمنياً مستمراً ومستقبلياً؛ وأيضاً هناك توافقاتٌ بين إيران وروسيا بخصوص سورية، وتشمل مصالح في سورية وإيران، وليس من السهولة التخلي عنها لصالح إخراج إيران من سورية.

وعلى الرغم من كل الأسئلة أعلاه: هل نضجت الطبخة الروسية الأميركية بخصوص سورية والدول المتدخلة فيها؟ هذا ما ننتظر دخانه الأبيض في الأشهر المقبلة؟

==============================


إلى أين تنتهي طموحات السوريين؟

نزار السهلي

سوريا تي في

الثلاثاء 18/12/2018

مع أن السوري  ما يزال يحتفظ بتجدد الثورة، كما دلت إعادة كتابة الشعارات المناهضة للأسد على الجدران في درعا، أو انطلاق المظاهرات الحاشدة في مناطق بإدلب وريفها كلما سنحت ظروف التعبير الحر عن ذلك، فإن السوري ذاته بات يعلم أن الأفق الذي فتحته ثورته آخذٌ لطريق الانحسار، وأن الشعارات الكبرى التي ضحى من أجلها ودفع أغلى الأثمان ومازال قد تفضي لنقائضها، وذلك بفضل نظام وحشي له وظيفة مناطة به من قبل المجتمع الدولي، وبفضل معارضة ربطت استمرارها بأجندات الممولين والداعمين مالاً وتسليحاً.

لكن ما هي الأهداف والغايات التي حملت الثورة وشعاراتها السياسية؟ لقد قامت الثورة  لتبرهن  أن قدرية وأبدية طغيان النظام السوري، لا تعني نهاية كفاح السوريين ضمن هياكل اختارها النظام لخمسة عقود، بل أعلن السوريون أن المواجهة المباشرة مع الطاغية تقوم في كل قرية ومدينة وزاوية من زوايا وطنهم الذي اختزله الأسد باسمه، وهو ما تم هدمه وهدم رمزيتة هذا أولاً، أما النقطة الثانية، وهي ترتبط بالأولى ولا تنفصل عنها، من خلال التأكيد على أن خلاص السوريين وعبورهم  إلى مستقبل يعبر عن طموحاتهم تكون بمساحة ممارسة الحرية الحقيقية كتعبير عن إرادة ورغبات من خلال المواطنة وصون الكرامة الإنسانية.

معنى ذلك أن ثورة الشعب السوري، لم تكن حركة مطلبية كما صُور في البداية احتجاجا على سلوك وقمع الجهاز الأمني في درعا أو غيرها من المناطق، بقدر ما كانت فعلاً شعبيا وسياسياً  له غايات محددة في تحقيق مطلب الحرية والمواطنة  والكرامة، كان ملايين السوريين المنتشرين آنذاك في طول البلاد وعرضها وساحاتها يصدحون بهذه المطالب التي فضحت لوحدها نظام الأسد وعرته منذ الشهور الأولى لاندلاع الثورة، تتمثل النقطة الثالثة في فضائح ممارسات النظام الوحشية و المرعبة  والنقيضة لإظهار مطلبية الشارع  فقط، وتبدى ذلك من حجم الجرائم واتساع رقعتها على عموم جغرافيا السوريين الثائرة.

ثورة الشعب السوري، لم تكن حركة مطلبية كما صُور في البداية احتجاجا على سلوك وقمع الجهاز الأمني في درعا أو غيرها من المناطق، بقدر ما كانت فعلاً شعبيا وسياسياً

ويمكن لمن يقرأ مسار الثورة وتفاصيل أحداثها واختراقاتها، أن يعثر على بعد رابع في هذا المضمار من خلال زج النظام لتنظيماته الإرهابية وعناصره التي تمثلت بـ "داعش والنصرة " وغيرها من التشكيلات المتصلة مع أجهزة أمن النظام التي انشغلت فقط بممارسة جرائم وتصويرها وبثها خدمة لرواية وذريعة الأسد، لمواجهة الثورة والشارع السوري بإجراءات تنتمي لعصور سحيقة، برهن السوري أن باستطاعته مواجهة غطرسة ووحشية النظام في البداية  وأن باستطاعته وضع يده على هدف أساسي للثورة، بخلق حالة حقيقية لمواجهة النظام تنبثق عن جسم المعارضة السياسية التي تشكلت في السنوات الأولى من خلال الهيكلين السياسيين، الائتلاف الوطني السوري، و مجلس قوى الثورة، قبل التصدع والاختراق والتشظي لمنصات وأجندات كانت صدى لاختراقات قاتلة.

هذه بشكل مختصر وغير مكتمل الأسباب والغايات، التي صاغت الثورة السورية ومآلاتها، والتي ساهمت مع أسباب أخرى في تأمل النظام لثورة متصاعدة، وترتيب جبهته ووظيفته، ليبرز السؤال التالي : ما الذي تحقق من أهداف وشعارات الثورة؟ والى أين انتهت طموحات السوريين التي دفعوا من أجلها دَمهم وراحتهم؟ الإجابة تستلزم التوقف عند طبيعة النظام الوحشية والدموية، وطبيعة المعارضة المسيطرة التي لم تشكل في أي يوم من أيام الثورة سلطتها ومعارضتها القوية ليكون لها تمثيل وحائط قوي تستند إليه، فعلى الرغم من عادات اللغة التي تمنح الإطار السياسي أو العسكري صفة المعارضة، فإن هذا الإطار لم يشكل قيادة سورية معارضة بالمعنى الشامل، للأسباب الناقصة الذكر أعلاه من توزع الأجندة والتمويل إلى مصلحة العبث بالثورة خدمة للنظام وحلفائه، ولهذا نرى التطاول على اللاجئ السوري في كل بلدان اللجوء، بالإضافة لترتيب جبهة مواجهة الثورة وإسناد الأسد حاجة اقليمية ودولية حفاظاً على وظيفته في ملفات عدة.

سعت الثورة إلى التعبير عن إرادة جماعية سورية، لكن وصلت اختراقات النظام  لها من الأسلمة  والتطرف، الى الإرهاب، حتى استطالة بائسة من بعض فصائل المعارضة  للإرادة الدولية، لكن النظام  بقي صورة عن مخفر للوطن وشرطي وجلاد مأجور للشعب السوري، و بقي من طموحات الشعب السوري وثورته أمور كثيرة ليس آخرها خلع النظام، بل خلع وكنس الاحتلالات المتعددة التي استحضرها النظام لمؤازرته بحيث بات عليه في زمن التآمر وتكاثره القتال على أكثر من جبهة لكسر القيود المتكاثرة، لانبثاق معارضة سياسية وطنية، تكون للسوري صورة عن أحلامه وارادته .

==========================


عن الجيش الكردي، فرع سورية

سمير صالحة

العربي الجديد

الثلاثاء 18/12/2018

تواصل أنقرة، ومنذ عامين، انتقاداتها السياسة الأميركية في شرق الفرات في سورية، ومضيها في مشروع تشكيل جيش نظامي قوامه 40 ألف مقاتل، تكون "وحدات حماية الشعب الكردية" قلبه النابض. وتجمع القيادات السياسية التركية على أن واشنطن تقوم بخطواتٍ مثيرةٍ للقلق، لإضفاء الشرعية على هذا التنظيم، ليبقى دائما في المنطقة، بدلا من أن توقف دعمها هذه الوحدات التي ترى فيها تركيا امتدادا لحزب العمال الكردستاني، المعلن تنظيما إرهابيا في دول عديدة. وقد كرّر الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، مراتٍ أن القوات التركية ستتحرك لطرد هذه الفصائل من المناطق الحدودية، لأنها تشكل خطرا على الأمن القومي التركي، مهما كان الثمن. والمقصود هنا طبعا أن أنقرة تضع بعين الاعتبار احتمال وقوع مواجهة مباشرة مع القوات الأميركية المنتشرة هناك تحت غطاء إنشاء أبراج فصل ومراقبة في المنطقة.  في المقابل، يعلن التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة في سورية، أنه يعمل مع الفصائل السورية الحليفة له، لتشكيل قوة حدودية جديدة، سيكون نصفها من المقاتلين المخضرمين في "قوات سوريا الديمقراطية". ويجري حاليا تجنيد النصف الآخر. وستنتشر هذه القوات على طول الحدود مع تركيا شمالا، والحدود العراقية باتجاه الجنوب الشرقي، وعلى طول وادي نهر الفرات. ما لا تقوله واشنطن إن هذه الوحدات ستتحول إلى جيش كامل التسليح والتدريب، وبرواتب شهرية ثابتة، وبرتب عسكرية نظامية متعارف عليها دوليا، وإن فرقا للأمن الداخلي والوحدات الخاصة والاستخبارات العسكرية يجري التحضير لها لاستكمال مهام هذا الجيش. والمشكلة الآن أنه خلال هذه المرحلة الانتقالية في شمال شرق سورية، والتي ستكتمل خلال أسابيع، تتولى قوات التحالف الدولي حماية هذه الفصائل، لكن المشكلة الكبرى والأهم أن هذه الحماية ستستمر، طالما أن الأزمة السورية مستمرة.

"ما لا تقوله واشنطن إن  الوحدات ستتحول إلى جيش كامل التسليح والتدريب"

مشروع الجيش الكردي السوري لا مفر منه بعد الآن، فالإدارة الأميركية وقوات التحالف وعواصم عربية تريده، سيكون لباسه اليوم بألوان متناسقة، عربية كردية جامعة موحدة، حتى يتم التحضير للخطوة المقبلة. وهو جيش كردي كلفته واشنطن بحماية المناطق الحدودية التركية، فما الذي يغضب أنقرة؟ استفادت واشنطن مثلا من دروس شمال العراق، وإهدار فرصة عدم تحويل البشمركه هناك إلى جيش صغير قوي. لذلك نراها تريد أن تطبق هذا الاختبار على الحدود التركية السورية والسورية العراقية. هي تريد جيشا كرديا متماسكا بتسليح حديث، وخبرات قتالية أوسع. لماذا هذا الجيش، وضد من سيقاتل؟ "مسألة ثانوية" تترك لعامل الوقت والظروف.

يتحدث وزير الخارجية التركي، جاووش أوغلو، عن أربعمائة ألف كردي نازح من سورية اختاروا الهروب من النظام، ومن هيمنة "وحدات حماية الشعب" الكردية. ويقول نائب الرئيس التركي، فؤاد أوكتاي، نريد أن ننقل تجربة غرب الفرات إلى شرقه، مشترطا تفتيت ممر الإرهاب هناك، لكن واشنطن تتحرّك باتجاه إعداد حلفائها الأكراد، ليكونوا الرقم الصعب في المعادلة السورية. وتريد لنهر الفرات أن يلعب دور قناة السويس بين عامي 1967 و1973، ويشكل الحدود الشمالية الواقية للكيان الكردي. وبانتظار إنجاز المشروع، فإن القوات الأميركية هي التي ستلعب دور قوات الفصل والطوارئ والمراقبة في الشمال السوري.

وستكون مهمة الجيش الكردي محاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) والإرهاب، وتوفير أمن المنطقة وحمايتها . لكن بين مهامه أيضا التصدي للمشروعين، الإيراني والتركي، والضغط على النظام في سورية، ليلتزم بخيار طاولة التفاوض على التقسيم، وإعطاء واشنطن وحلفائها ما يريدونه في سورية. من دون أن نهمل ما تقوله قياداتٌ، مثل رياض درار الرئيس المشارك لـ"مجلس سوريا الديمقراطية"، إن المسألة لن تتوقف عند الشق العسكري والأمني فقط، و"ارتأينا أن وجود مجلس تنفيذي يدير كل هذه المناطق هو بمثابة نظام حكم إداري مؤقت، ونحن نفاوض النظام على تكريس النموذج اللامركزي الديمقراطي".

شأن سوري بحت ربما، لكن أن يتم ذلك بحمايةٍ ورعايةٍ أميركيتين، فهو من دون شك لن يبقي حوار أنقرة وموسكو وطهران في أستانة محصورا بإدلب وأمنها. وقد قال وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، الذي استقبل المبعوث الأميركي الخاص إلى سورية، جيمس جيفري، في أنقرة إن بلاده لن تسمح على الإطلاق بتشكيل "ممر إرهابي" على حدود تركيا الجنوبية. لكن البيان التركي الأميركي المشترك، الصادر عن اجتماع مجموعة العمل المشترك بين البلدين، يؤكد فقط على ضمان تحقيق تقدم ملموس وسريع في خريطة الطريق المرسومة حول منبج السورية، حتى نهاية 2018، وعلى التزامهما الحفاظ على سيادة سورية واستقلالها ووحدة ترابها. كل ما تقدمه الإدارة الأميركية لأنقرة وتعد به هو التنسيق في موضوع منبج، مع الأخذ بالاعتبار أن لا يعني ذلك سيطرة القوات التركية على المدينة. وقد يكون نموذج القامشلي مشابها للحالة السياسية والدستورية القائمة في أربيل اليوم بتعديلاتٍ "طفيفة"، حيث التفاهمات على حالة خاصة بين الفيدرالية والكونفدرالية. سيكون النظام موجودا ماليا واقتصاديا وسياسيا، لكنه لن يتدخل في شؤون المنطقة أمنيا وعسكريا، المهمة والدور هنا سيكونان للجيش الكردي.

"تركيا تريد نقل تجربة غرب الفرات إلى شرقه، لتفتيت ممر الإرهاب هناك"

نحن لا نتحدّث هنا عن حقوق الأكراد السوريين، السياسية والاجتماعية والثقافية، المهدورة منذ عقود، بل عن مشروع تفتيتي، يراد أن يكون بعض أكراد سورية رأس الحربة فيه، وكأن الثورة في سورية نشبت من أجل هذا المشروع لا غير.

مرة أخرى، وللتذكير فقط، تنتظر الإدارة الأميركية من أنقرة القبول بالحوار مع تشكيل سياسي كردي جديد، بلافتات وعناوين سياسية دستورية ملمّعة، فهل من الممكن أن تقبل أنقرة بما عارضته وحاربت ضده عقودا: إعطاء حزب الاتحاد الديمقراطي، الصورة طبق الأصل لحزب العمال الكردستاني، المشروعية المطلوبة بضمانات أميركية؟

هل ما تفعله واشنطن اليوم في شرق الفرات تقوم به باسمها، ونيابة عن الروس، لأن التفاهمات الأولية تمت بين البلدين منذ اتفاقية هلسنكي في يوليو/ تموز المنصرم بشقها السوري؟ وهل الإدارة الأميركية أساسا تنفذ مشروعا روسيا هناك، في إطار مسودة الدستورالسوري الجديد التي أشرف عليها نيكولاي باتروشيف، سكرتير مجلس الأمن الروسي وفينالي نومكين مستشار الرئيس بوتين للشرق الأوسط، وحيث يفاوض النظام في سورية عليها ومنذ فترة، إلهام أحمد القيادية الكردية في حزب الاتحاد الديمقراطي.

==========================

كي نستحق هزيمتنا نحن السوريين

  إيلي عبدو

القدس العربي

الثلاثاء 18/12/2018

علّق أحد الصحافيين على الانتقادات التي طالت زيارة الرئيس السوداني عمر البشير إلى دمشق، ولقائه الرئيس بشار الأسد، من قبل سوريين معارضين، ملاحظاً أن هؤلاء اكتشفوا لتوهم أن الزائر «مجرم» ومتهم بجرائم حرب ومطلوب للجنائية الدولية. والملاحظة تلك، إن أمكن تطويرها، تحيل إلى الفشل في ربط القضية السورية بأفق يتعدى الخصومة المباشرة مع الديكتاتور، والانتماء إلى منظومة قيمية تمنع تكرار نموذجه.

ولعل هذا الفشل ترك المجال مفتوحاً لطغاة لا يقلون قسوة عن الأسد يتسللون إلى الوعي المعارض بحكم موقفهم فقط وبصرف النظر عن سلوكهم وطرق حكمهم، ما جعل الانحياز إلى الثورة، موقف تبسيطي لا يترتب عليه سوى الصراخ والهتاف دعماً لـ»المقاتلين»، بدل أن يكون مركباً قيمياً يجسر المسافة بين المرجعيات المحلية والقيم الليبرالية، فيخاصم بنية النظام وليس نموذجه.

وجرى استخدام السياسة هنا بالضد من ماهيتها، إذ تذرع المعارضون بها لتبرير استيعابهم كل ما يتناقض مع ثورتهم، من شخصيات وأحزاب وأنظمة، في حين أن السياسة هي جزء من المركب القيمي المفقود، ولا يستدل بها بالمفاوضات والتسويات وتدوير الزوايا فقط، بل أيضاً، بالدفاع عن المصالح ربطاً بالعقد الاجتماعي، ما يعني تنافيها مع قوى تتقاطع مع نظام الأسد في السلوكيات والبنى.

ربح بشار الأسد لأسباب بعضها يتعلق بطبيعة المجتمع السوري وتعقيداته، والآخر يرتبط بصيغ التحالفات والقدرة على الاستثمار فيها

ولعل ما جرى من محاولات لربط القضية السورية بما يتعداها محلياً، جاء انطلاقاً من الترسيمة السابقة، وليس بغرض تطوير الحق السوري وتحريره من مجاله الضيق، فقد انشغل البعض معرفياً بخلق مقاربات مشابهة بين الظلمين السوري والفلسطيني في استغلال واضح للتعاطف العربي مع الأخير، الذي تراكم عبر سنوات وسنوات بشكل شعبوي يفتقر إلى التماسك القيمي. فيما عمد معارضون منتظمون في هياكل رسمية، إلى حضور مؤتمرات المعارضة الإيرانية التي تعاني هي الثانية من محلية تجعل تذكرها من قبل العالم أمرا موسميا يخضع لمستوى الصراع مع نظام طهران.

لقد ربح بشار الأسد لأسباب كثيرة، بعضها يتعلق بطبيعة المجتمع السوري وتعقيداته، وبعضها الآخر يرتبط بصيغ التحالفات والقدرة على الاستثمار فيها، لكن جوهرياً يرجع انتصاره إلى انقسام العالم إلى قسمين، يمين متخفف من الأيديولوجيا يستثمر بضعف الاقتصادات لاجتذاب الجمهور، معطوف على ديكتاتوريات توسع نفوذها بدعم حكام محليين، وسط شهية الانقضاض على الديمقراطيات والتدخل في تركيبتها لتخريبها من الداخل. وجزء آخر ينازع للمحافظة على ما تبقى من قيم ليبرالية، في خضم أزمات تعصف به وتضعه أمام اختبار خلق أدوات جديدة. والحال، فإن هذا الانقسام لا يمكن فرزه على مستوى الدول التي يشهد بعضها صراعا داخل مؤسساتها يكثف ما يحدث عالمياً.

وإذا كان الأسد أضعف من التموضع في الشطر الأول فقد تولى بوتين عنه هذه المهمة، لكن القيمين على القضية السورية لم يتحركوا نحو الشطر الثاني، خلال صراعهم مع حاكم دمشق، ما جعل هزيمتهم أقرب إلى نتيجة في نهاية سباق، وليس عارا قيميا.

ربما ما تزال الفرصة سانحة كي نستحق هزيمتنا بحيث نربطها بصعود اليمين وضعف الديمقراطيات. عندها، يصبح عمر البشير مجرم ليس لأنه زار بشار الأسد بل لأنه عمر البشير فقط.

==========================

موقفنا : في سورية اهتمامات دولية بالميليشيات .. لا أحد يهتم لا بالنساء ولا بالأطفال

زهير سالم

22 / 12 / 2018

مركز الشرق العربي

حين نتابع التداعيات السياسية والإعلامية لإعلان الرئيس الأمريكي الانسحاب من سورية نجد انقساما وترددا في المواقف الدولية والإقليمية وإن كانت في جملتها لا تهتم بالشعب السوري ولا بالنساء ولا بالأطفال . ونجد أن أكبر من رحب بالانسحاب الأمريكي ميليشيا بشار والروس وإيران وتركية وأكبر من تخوف من تبعات هذا الانسحاب الأوربيون عامة وفي مقدمتهم الفرنسي والبريطاني ..حتى الأمريكي الذي انشق على رئيسه لم يفكر لحظة بمستقبل سورية إنسانها أو عمرانها ؛ وإنما ظل يفكر بما يعود عليه بالمزيد من النفع ..

أما صاحب القضية - الذي يجب أن يمثله من تعلمون - فما زال يجمجم - والجمجمة غير الحمحمة التي نسبها عنترة لفرسه في قوله : وشكا إلي بعبرة وتحمحم -

المهم أن كل الدول مهتمة بمستقبل الميليشيات على اختلاف انتماءاتها وألوانها الأمريكي يعلن مراهنته على الميليشيا الأسدية لإعادة ما يسميه الاستقرار إلى سورية في كلام صريح وواضح لا لعثمة فيه كتلك التي كانت تردد على الأسد أن يرحل . ويسند رسميا حسب كلام الرئيس ترامب إلى الصهيوني معالجة وضع الميليشيات الإيرانية ، التي سبق للرئيس ترامب أن أعلن أن إخراجها من سورية هم إضافي ملتصق بهم القضاء على داعش .

الأوربيون وفي مقدمتهم الفرنسيون : يعلنون تخوفا وقلقا عظيمين على ميليشيات قسد ويسارعون إلى استقبالهم وإعلان تبنيهم دون أن ينسوا الاستمرار في مضغ لبان "فوبيا داعش "

الجار التركي يعيد تقويم الموقف بعد الترحيب بالانسحاب الأمريكي ؛ فالواقع الجديد يجعل التنسيق مع الروسي الذي أصبح المالك الدولي الأول والحصري للملف السوري أكثر أهمية وجدوى ؛ ومن هنا فقد تم الإعلان عن تأجيل تنفيذ الهجوم الذي كان مستعجلا ، وليأخذ تصريح مثل " سندفنهم في خنادقهم " بعده الذي يحذره السياسي الناجح والعسكري الجاد .

أغرب التعليقات على ترتيب الواقع بعد انسحاب الولايات المتحدة ما تحدث به وليد المعلم الناطق باسم الميليشيات الأسدية : إدلب بالنسبة إلينا هي الأولوية ..ذلك أن ميليشيات الشرق والغرب على كل الخلفيات إنما يجمعها نسب التمليش والتملش .

لم نسمع أي جهة دولية تتحدث عن مستقبل نساء سورية وأطفالها بعد أن خلا الجو للفيل الكبير يدوس كل ما يحيط به ..غير صوت واعد ي مظاهرات درعا وإدلب وريف حلب عاد يغني : يللا ارحل يا بشار ..

عاد يبث الأمل ويعالج الألم ..

___________

*مدير مركز الشرق العربي

=============================

فرائس وفخاخ وقناصّة

سماح هدايا

حرية برس

الاثنين 17/12/2018

“إما أن تخنع، أو تصمت فتخيط فمك بحبال، أو تدفع ضريبة غالية..” هذا ما قاله أحد المعارضين السياسيين عن واقع العمل السياسي للمعارضة السوريّة؛ وهو ما يعني أنّ قوى المعارضة السوريّة والثورة في أزمة كبيرة وإشكاليات فكرية وأخلاقيّة داخل شرنقة الصراع الدولي في الحرب السوريّة.

الإجابة عن السؤال المطروح ليست سهلة، فلا يجوز الحكم بالمطلق، من دون أدلة تفسّر هذا  الحكم، والشائع في المشهد السوري إما تعميم أحكامٍ بلا تثبّت من الحقائق، أو تخوين أشخاصٍ وتقديس آخرين، وفق المصلحة والهوى، أما التحليل بمنهج عقلي منطقي؛ فصعب. قد تكون الأحداث الجارية مجالاً خصباً لأحكام الخيانة والمؤامرة والفساد؛ فالثّورة السوريّة على شفا الانهيار، ويتحمّل، واقعياً، أشخاص وأطراف في المعارضة الرسمية وغير الرسميّة جزءاً كبيراً من مسؤولية هذا المآل لسبب رئيس، وهو عدم استقلال القرار الوطني الذي أفسح في المجال للتّنازل المستمر عن الثوابت الوطنيّة وعن أهداف الثورة، ناهيك عن الفوضى وانكشاف كبير للثورة واختراقها بعملاء ومقاولين وضعفاء. ومع ذلك، لا يبقى سهلاً وبسيطاً تحميل المعارضة هذه المسؤولية بالمطلق، وقد كانت وماتزال تواجه حرباً عسكريّة ضخمة مدمرة ونظاما طاغية يشن حرب إبادة، وقوى عسكريّة عابرة للحدود مربوطة بخطوط تمويل، وواقعا اجتماعيّاً معقّداً وتقاعساً عالمياً منظومته الدوليّة متفاهمة على إبقاء نظام الأسد، خوفاً من مشروع التحرّر الذي سيغيّر، إن نجح، في ترتيب النفوذ في المنطقة.

من الضروري بحث الوقائع بعمق  لتقييم الوضع بشكل أفضل.  أدوّن  بعض الملاحظات  في سياق محاولة الفهم:

المعارضة سواء أكانت وطنيّة أو مأجورة أو موالية، لا تستطيع تجاوز التّرتيبات الدوليّة ومشاريعها العريضة؛ فهناك خارطة سياسية دوليّة وإقليميّة تتحكّم ببوصلة الوضع السّياسي والعسكري والمدني في سوريا وماحولها، وهناك دول وقوى تتدخل بشكل مباشر أو غير مباشر في مجريات الحرب وفي مسار الثورة والمعارضة وتخلق الأوضاع والظروف والشخصيات التي توافقها، وهي بذلك نسّاج  الفوضى والصراع بمنوال مصلحتها، سواء بدعم النظام وقواه، أو بدعم أطراف محسوبة على المعارضة، أو بخلق تشكيلات جديدة عميلة لها. وعملها يخلط السياسي بالعسكري بالاجتماعي والثقافي، ولذلك تمكّنت أن تنمّي استقطاباً واسع الخصومة، وهو ما رهن المعارضة بتعقيدات هذا النسيج، وجعل عملها مقيّدا بالاستقطاب والصراع وفوضى الخلاف.

قوى المعارضة والثورة لا تتحمّل وحدها تعثّر الاتفاق والتوحّد بين قواها المختلفة، ولا اضطراب العلاقة بينها وأطياف السوريين المتنازعين ضمن التّحاصص والأدلجة، بل أسهم، في ذلك نشاط  إعلامي ضخم لوسائل إعلاميّة مرئية ومسموعة ومكتوبة ذات حضور داخلي أو خارجي على صلة بأجندات دولية أو إقليمية، عملت على احتلال الوعي السوري بالتشكيك والتقسيم وتقوية الأدلجة بصالحها وفاسدها، بما وسّع الاستقطاب وعمّقه، وذلك بسياق ما تتناوله من أخبار ومعلومات وافتراضات غير محايدة ومزيفة أحياناً، وبما تتداوله من تفسيرات غير موضوعيّة تثير الفتن وتضخّم النزاع، فتحطّ من شأن أسماء وجهات معارضة وتهزّ مصداقيتها وتضعف الثقة بأفكارها ومواقفها، سواء بحق أو من دون حق، وتعلي من شأن جهات وأسماء تخدّم مقاصدها، حتى لو كانت مشبوهة أو هزيلة، وهو ما زاد في تفريق قوى المعارضة وتشتيت عملها، وضاعف من صعوبات عملها ومن توحد قراراتها.

تكاثر المنابر والمنصّات السياسيّة والفكريّة وتضخّم الفصائل العسكريّة للمعارضة بفعل الدعم الإقيلمي والدّولي، كان محركاً قوياً للفوضى الشعبيّة، خصوصاً، مع تعاظم سلطة بعض القوى على حساب أخرى، فنشأ مزيد من العداوة والشقاق وفقد الجميع ثقته بالجميع، مما سهّل مسار التسويات الجانبيّة والمنعزلة، التي جاءت كمصيدة لقنص قوى المعارضة والثورة، فانقسمت حواضن الثورة والمعارضة، ولم يعد الاصطفاف مقتصراً على النظام ومناهضيه، بل بات المجتمع حراكا متشظيا متنازعا، يحارب بعضه باسم الشرعية أو ضد الإرهاب، أو لمصلحة إنشاء دويلة، أو لمناطق عازلة خالية من سلاح المقاومة، أو دفاعا عن أمن الجوار.

واجهت المعارضة عرقلة دولية مستمرة لحل سياسي واقعي عادل يسقط  نظام الطاغية وينشيء مسار دولة ديمقراطية، فحوارات الحل السياسي الطويلة عبر سنوات الثورة، لم تثمر إلا تمييعاً للحل السياسي المنشود؛ فتقزّمت الأهداف في لجنة دستورية وانتخابات شكليّة، وشعارات محاربة الإرهاب وتصنيف الإرهابيين، ثم تطوّقت بمناطق خفض تصعيد، ثم مناطق عازلة، وكلها حلول جزئية آنيّة لا تصبّ في مصلحة الشعب السوري استراتيجيا، بل في مصالح الدول المعنيّة… كما توانت منظومة الحقوق الدوليّة عن دعم قوى الثورة والمعارضة بما ينصف حقوق الشعب السوري،  ودعمت بدل ذلك نظام الأسد ومنظومته بالمليارات، هو ما تم كشفه مؤخّراً، حتى بدا أنّ جميع المتدخلين في الشأن السوري لم يعملوا على إزاحة نظام الأسد الذي دمر سوريا وهدّد أمن دول الجوار السوري، وبلا ريب لا يستثنى من هذا الأمر، أصدقاء سوريا الذين، يسجّل لهم أنهم ساعدوا السوريين إنسانيا وإغاثيا، لكنّهم تورّطوا في الحرب بدعم سخي لبعض  الفصائل العسكريّة المؤدلجة والأجنبيّة بما يتماشى مع مصالحهم وأمنهم، على الرغم من ارتكاب هذه الفصائل أخطاء وانتهاكات بحق السوريين، كما تخلوا عن وعودهم بالمساعدة في إسقاط  النظام إلى التحالف مع روسيا وإيران، بضغط المخاوف الأمنيّة والمصالح الاقتصادية، بثمن إخضاع الحواضن الثوريّة السوريّة وتفكيك الفصائل المقاتلة للنظام.

الخيار الذي اتخذته قوى في المعارضة الوطنيّة والثورة بعلاقتها السياسية والعسكريّة والأمنيّة بروسيا التي شنت حربا واسعة على الشعب السوري غير صحيح. فقد وضعت نفسها في صف لا ينسجم مع مطالب الثورة، لا في مسار الحوار، ولا في الموقف الملتبس من نظام بشار. فما تتحاور فيه مع روسيا وحلفائها، من لجنة دستورية وإصلاحات شكلية وانتخابات ودستور جديد، ومصالحات وهدنات، بلا معنى في ظل وجود طاغية يجثم على قلب الشعب بجهازه الأمني وفرقه العسكرية المتورطة في حرب أهلية مروعة مدعومة من قوى روسيا وإيران. صحيح أنّ الاحتلال الروسي واقع لا يمكن تجاوزه؛ لكن ليس بمزيد تسوية مخلّة بالحقوق والكرامة الوطنيّة؛ خصوصا أنّ روسيا عدو وما انفكّت تعرقل الاتفاق على حل سياسي حقيقي، وتستمر في تمزيق الحواضن التي تحارب ايران والنظام وتصفية الثورة عسكريا وسياسيا، وهي تسنتطيع أن تنسحب متى أحبت من الاتفاقات والتفاهمات التي أجرتها.

نعم، هناك مؤامرة مضادّة للثورة وهناك شخصيات من المعارضة والثورة متورّطة في ذلك، لكنْ، لا يمكن إجمال قوى المعارضة والثورة،كلها، بهذه الأحكام من فساد وخيانة، من دون أدلّة، وفيها من قدم التّضحيات الكبيرة، وفيها من عمل جاهداً لمشروع التّحرّر، وفيها شجعان قاوموا ببطولة، وفيها سياسيون ما زالوا مصرّين، رغم ضيق السّبل على الثوابت الوطنية، وفيها من بقي يناضل في الأرض بعيداً عن ضوضاء الإعلام، وفيها من يعمل بفكره وقلمه وفنّه لدعم مبادئها. لا شك أنّ المعارضة مسؤولة عن جزء من مآلات الواقع بعدم الاتفاق على مشروع ثقافي وسياسي في إطار هوية وطنية تاريخية، ومسؤولة عن سلسلة واسعة من تشظّي التشكيلات الدينيّة والمنصّات والفصائل، والعمل لمشاريع أيديولوجية ولجهات مموّلة، أو لمشروع ديني سياسي عابر للدول أساسه الهيمنة السياسية لا القيم الأخلاقيّة السامية، لكنّ  الحرب في سوريا ضخمة مرتبطة بمشاكل دوليّة ومحليّة عميقة، كما لا يقتصر الخلل على المعارضة أو المؤامرة الدوليّة، بل يمتد إلى عمق الشعب السوري الذي أفرز عقليّة التشتت والمعارضات التي تحمل مشاكله، والذي استمرت فئات منه راضخة لنظام الطغيان أو تابعة لجهات خارجيّة، والذي يتحمّل مسؤولية الوصول إلى هذه المرحلة التاريخية في تفتيت سوريا، باستسلامه لما زرع في عقله من ثقافة استبدادية جاهلة مشحونة بإنكار الآخر، وبعدم إدراكه، فعلياً، طبيعة المرحلة التاريخيّة الحاليّة وما فيها من امتدادات الماضي الجغرافي والثقافي الواسع وحجمها وتعقيد أحداثها، وبعدم اعتماده رؤية معرفيّة واضحة وجامعة، فخسر مكمن قوته وقدرته وثقته.

مشروع الثورة محاصر بشكل خانق، والمخارج ضيقة ومكلفة جدا، ولن ينفع الاستسلام؛ لأن الحرب مستمرة وتتوسع  وفقا للصراعات والتفاهمات الدوليّة؛ لذلك لا بدّ أن يستمرّ حراك الشعب السوري الذي كسر أسطورة الخوف من الطاغية. الخيار الوحيد الآن، إن لم يتوفر سند دولي لحل عسكري، هو أن يناضل الشعب لقراره الذاتي الوطني، بالتوحّد ومقاومة التقسيم والاحتلال. تصورات أن سوريا انتهت وانتصر المعتدون والمستبدون هو إقرار بالفشل والهزيمة.. حتماً انتهت الجغرافية التاريخية القديمة للسوريين، وحتماً هناك من يعمل على رسم دويلات على  الأرض السورية؛ لكنّ الشعب هو صاحب القرار إن أراد وآمن بنفسه واسترد وعيه الذاتي وأصر على إسقاط منظومة القهر والاستبداد، وعلى رأسها نظام الأسد. إنْ تعاون السوريون، مع بعضهم عوضاً عن الاقتتال الفوضوي والعصبيّة فسوف تتخطّى سوريا هاوية الخطر.

==========================

شرقي الفرات

بكر صدقي

سوريا تي في

الاثنين 17/12/2018

صادف، قبل سنوات، أنني رأيتُ، في محطة انطلاق باصات السفر في مدينة قونية، وداعاً صاخباً لمجند تركي انتهت إجازته عند أهله ويستعد للعودة إلى قطعته العسكرية. لم تسبق لي مشاهدة وداع مشابه في سوريا. السوريون يعودون إلى مواقعهم العسكرية بلا أي ضجيج. في حين كانت أصوات الطبل والزمر والأغاني التركية الحزينة تملأ محطة الباصات في قونية، ويرفع المجند على أكتاف الشبان المودعين، وتلتقط معه صور وداعية، في حين تنهمر دموع الوداع من عيون نساء عائلته. مشاعر متناقضة كانت تسيطر على مراسم الوداع الشعبية هذه، تتراوح بين الفخر والخوف والحزن. الخوف من أن ابنهم قد لا يعود، فلن يروه مرة أخرى.

تعود تقاليد وداع المجندين، في بر الأناضول، إلى "السفر برلك" أي الحرب العالمية الأولى التي انتهت بتفكك الإمبراطورية العثمانية، حين كان المجندون، في إطار التعبئة العامة، يقتادون إلى اليمن وغيرها من جبهات القتال، فلا يعودون منها. في الفلكلور التركي أغانٍ كثيرة تتحدث عن تلك المأساة، تقول كلمات إحداها:

هنا موش/ طريقها طلعة/ من يذهب لا يعود/ ترى لماذا؟

هنا وان/ طريقها وعرة/ من يذهب لا يعود/ ترى لماذا؟..

وهكذا تمضي مقاطع الأغنية الشعبية، ذاكرةً مدن الأناضول النائية، ومكررة لازمة أن من يذهبون لا يعودون.

لذلك كان أحد شعارات مصطفى كمال "سلام في الوطن، سلام في العالم" بمثابة بوصلة للسياسة الخارجية التي كان يأمل أن تلبي توق الشعب الذي أرهقته الحروب والمجاعة إلى سلام يضمدون فيه جراحهم. (للمفارقة، سيكون هذا الشعار هو عنوان البيان الوحيد الذي أصدرته المجموعة الانقلابية ليلة 15 تموز 2016! لكن هذا يقع خارج حدود هذا المقال).

أما سبب استمرار تقليد وداع المجندين الصاخب، إلى اليوم، فمرده الحرب الداخلية المستمرة، بصورة متقطعة، منذ 34 عاماً، بين القوات المسلحة التركية ومقاتلي حزب العمال الكردستاني، وبلغت كلفتها على الطرفين أكثر من أربعين ألف قتيل. تلك الحرب التي بدا، قبل بضع سنوات، أنها انتهت، في إطار مشروع الحل السياسي الذي قادته حكومة حزب العدالة والتنمية، واستجاب له الحزب الكردستاني

الترقب بشأن "عملية شرقي نهر الفرات" هو الذي يطبع مناخات الرأي العام في تركيا، بعدما انتقل الأمر من تهديدات متفرقة وعامة، إلى ما يقترب من تحديد موعد العملية

وواجهته السياسية، اندلعت مجدداً، في صيف 2015، فحصدت مزيداً من الأرواح، وخلفت دماراً كبيراً في عدد من مدن جنوب شرقي الأناضول ذات الغالبية السكانية الكردية، ونزوح مئات آلاف المدنيين إلى مدن ومناطق أكثر أماناً.

انتهت تلك الحرب، في فصلها الساخن فقط، لكن فصلها البارد ما زال مستمراً. أما تلك الآمال الكبيرة، في ربيع العام 2013، باستتباب حل سلمي لهذا الصراع الدموي، فقد ذهبت أدراج الرياح. ثم كانت حملتا "درع الفرات" و"غصن الزيتون" لتنتعش مجدداً روحية "سفر برلك" والحرب ضد "الكردستاني" في الوجدان الشعبي.

أما اليوم، فالترقب بشأن "عملية شرقي نهر الفرات" هو الذي يطبع مناخات الرأي العام في تركيا، بعدما انتقل الأمر من تهديدات متفرقة وعامة، إلى ما يقترب من تحديد موعد العملية، وذلك في تصريح الرئيس أردوغان، يوم الجمعة الفائت، حين تحدث عن "أيام معدودة" على انطلاق الحملة الجديدة.

لاقت تصريحات أردوغان أصداء فورية من مسؤولين أميركيين، حذروا تركيا من عواقب تلك الحملة المرتقبة. وقبل ذلك كانت هناك اتصالات كثيفة بين الجانبين، من المحتمل أن البند الأبرز على جدول أعمالها كان عملية شرق الفرات، منها زيارة رئيس جهاز الاستخبارات التركي هاكان فيدان إلى واشنطن، وزيارة مسؤول الملف السوري في الإدارة الأميركية جيمس جيفري إلى كل من أنقرة وغازي عنتاب.

يستثمر الرئيس التركي، في اندفاعه هذا، في خشية الولايات المتحدة من تعميق التحالف الظرفي بين أنقرة وموسكو، فيزيد من الضغط على واشنطن في موضوع تخييرها بين الحليفة الأطلسية (تركيا) ووحدات حماية الشعب التي تعتبرها

تدور التكهنات حول منطقتين فقط من شرقي الفرات، كهدفين محتملين للحملة العسكرية التركية المرتقبة، هما تل أبيض شمال محافظة الرقة، ورأس العين في أقصى الشرق

تركيا منظمة إرهابية. في حين تلجأ واشنطن إلى امتصاص الاندفاعة التركية، بتسويف المشكلات العالقة أو بتقديم وعود أو تنازلات صغيرة. لم يصدر أي توضيح بشأن مضمون المكالمة الهاتفية التي جرت، قبل يومين، بين ترامب وأردوغان، وموضوعها عملية شرق الفرات. الطرف الكردي ليس مطمئناً من حليفه الأميركي، وهو ما يعني أن احتمال تقديم واشنطن "شيء ما" لأنقرة مقابل تخليها عن "الكل" ما زال احتمالاً وارداً. تدور التكهنات حول منطقتين فقط من شرقي الفرات، كهدفين محتملين للحملة العسكرية التركية المرتقبة، هما تل أبيض شمال محافظة الرقة، ورأس العين في أقصى الشرق. وذلك لأن الأولى ذات غالبية سكانية عربية، والثانية خليط أقرب إلى التوازن. فهل يقدمهما ترامب لأردوغان لامتصاص الضغوط التركية، أم يقدم له هدية ترضية في منبج؟ لا أحد يمكنه التكهن الآن.

يبقى أن اعتبار تركيا وجود حزب الاتحاد الديموقراطي، وجناحه المسلح وحدات حماية الشعب، خطراً على الأمن القومي التركي، هو مجرد امتداد لفشل تركيا في حل مشكلتها الكردية في الداخل، وذلك بالنظر إلى أن "الحزب" و"الوحدات" لم يقوموا، طوال سنوات سيطرتهم على المناطق المحاذية للحدود، بأي عمل عسكري ضد تركيا، إلا كلما تعلق الأمر برد على قصف مدفعي تركي. أما إذا كان الأمر يتعلق بتوجس تركي من قيام كيان فيدرالي أو إدارة ذاتية كرديين على حدودها الجنوبية، بالانطلاق من هواجسها الداخلية، فلا شيء يمكن أن يطمئن تلك الهواجس إلا العودة إلى مسالك الحل السلمي، بالعودة إلى شعار أتاتورك: "سلام في الوطن، سلام في العالم". 

==========================

" الدب والضباع" و"الطريدة والقواد"

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 17/12/2018

ما هذه "الطريدة" النادرة؟! وكيف يكون بلدٌ- عاصمته الأقدم بتاريخ البشرية- طريدةً بذهن مخلوق يسبقه أهل سوريا حضارياَ بأجيال؟ ما الذي حلّ بسوريا، وماذا ارتكب أهلها من ذنوب لتتم معاقبتهم بهذه الطريقة البشعة؟! تُبتلى سوريا بعائلة قررت أن تكون مالكة، وما هي من المُلك بشيْ. أهل سوريا جاروها اضطرارا؛ وقالوا: /للأبد للأسد/؛ ولكن، عندما طلبوا بعض أوكسجين الحرية، ذبحهم. والملوك التقليديون الأبديون؛ عندما طالبتهم رعيتهم ببعض أوكسجين الحرية؛ استجابوا لطلباتهم.

الآن، وبعد ما يقارب ثماني سنوات من القتل والدمار والاعتقال والتهجير؛ بعد استباحة الوطن من قبل محتل الأرض سابقاَ، ومحتل الأرض لاحقاً؛ وبعد نهاية

عملت موسكو على بسط هيمنتها في سوريا وجعل الطريدة بكليتها رهينة بيدها؛ ومن أجل ذلك قتلت ودمرت، وارتكبت ما يمكن ببساطة أن يُسجَّل عليها كجرائم حرب

سيادة الأبدية الزائفة القاتلة؛ وبعد قرارات دولية تدعو إلى حل سياسي؛  تريد تلك الأبدية الزائفة أن تقنع العالم بأن الأمور عادية، ومَن خرج يمكنه العودة، وما تدمَّر يمكن إعادة اعماره؛ ولكنها تغفل أن من قتل مرة، وبدون حق، يمكن أن يقتل ثانية؛ ومن دمّر مرة، يمكن أن يكون قد تعوّد على التدمير؛ ومن فقد غالياً أو بيتاً أو صديقا،  لا يمكن أن يتعايش ثانية مع من فعل ذلك أو تسبب به؛ ومن جلب الاحتلال يمكن أن يجلبه ثانية ليحمي كرسيّه.

عملت موسكو على بسط هيمنتها في سوريا وجعل الطريدة بكليتها رهينة بيدها؛ ومن أجل ذلك قتلت ودمرت، وارتكبت ما يمكن ببساطة أن يُسجَّل عليها كجرائم حرب: (قصف مدارس ومُستشفيات وأسواق، وقتل مدنيين- وكل ذلك موثّق، وخاصة من قبل مجموعات الخوذ البيضاء، الذين نشأت عداوة عميقة بينهم وبين موسكو، حيث اعتبرتهم عملاء للغرب عدوها، واعتبرتهم إرهابيين أيضا). وعلى الصعيد السياسي، أبدت موسكو استعدادية لارتكاب جرائم لا تقل عن تلك العسكرية؛ وتمثل ذلك بإغلاقها بوابة مجلس الأمن والحؤول دون التوصل إلى أي ردع أممي لنظام الأسد، حتى ولو كلّفها ذلك تصنيفها كحامية لمجرمي حرب.

بعد كل هذا الشقاء في السعي للاستئثار والتفرد بالصيد الثمين، يفتح الدب أعينه ليجد عددا من المتربصين بالطريدة؛ وهؤلاء من جانبهم يسعون لنتف حصصهم دون أن يكون له حول أو قوة للحؤول دون ذلك. يستيقظ ليجد أمريكا ومن تدعمهم يسيطرون على ما يقارب ثلث الطريدة؛ وتركيا ومن تدعمهم على ما مثل ذلك؛ يستيقظ ليجد إيران وعصابات بقايا "النظام" يشاركونه ما تبقى؛ وإسرائيل تستبيح القطاع الذي في عهدته حمايته على الدوام. يستيقظ ليجد أمامه بلداً مدمراً لا يمكن أن يقبل أحد إعادة العلاقات مع القائمين على ما تبقى منه؛ وهناك ملايين تشردوا من بيوتهم في الداخل والخارج السوري؛ ولا أحد يقبل إعادة تأهيل نظام تسبب بذلك؛ وهناك ملايين في حارة النظام بوضع اقتصادي مؤلم؛ وهناك وضع أمني لا يُحتمل. وفوق كل ذلك، هناك قرارات دولية تلاحق روسيا قبل أن تلاحق النظام الذي تعهَّدتَ حمايته.بالنسبة للروسي يمكن التخمين أن ما يعادل كل تلك المنغصات أعلاه هو مسلك نظام الأسد المنفصم عن أي واقع، والذي يعكّر عليه ويشوش خريطة سيره بالاستئثار بالطريدة. مواقف النظام المنفصمة عن الواقع المستفيدة انتهازياً من التناقضات بين مختلف اللاعبين على الساحة السورية والطامعين بنتف الجسد السوري تربك موسكو وتضعها في حالات حرج أمام الآخرين وخاصة الفاعلين بينهم. فـ "اللجنة الدستورية" مثلاً هي نتاج سياسي روسي؛ والمفارقة أن من يعرقلها هو نظام الأسد الذي تحميه روسيا. روسيا هاهنا وجدت نفسها عرضة لهجوم عالمي بسبب ألاعيب النظام وتنسيقه مع الخبث الإيراني، فانفضحت هشاشة موقفها بخصوص العملية السياسية، ما دفع الموفد الأمريكي إلى استخدام عبارات إملائية كـ "dead line" /موعد نهائي/ كي يقوم المبعوث الدولي بعمله بخصوص "اللجنة الدستورية" متجاوزاً روسيا وتحكمها بالعملية؛ وهنا تجد أن موسكو قد سارعت بإرسال - لا وزير خارجيتها بل معاونه - إلى قيادة دمشق ويوصل إليها الأوامر بالموافقة.

عملياَ، بالنسبة لروسيا، كان بإمكان لقاء استانا في الثامن والتاسع والعشرين من الشهر الماضي أن ينجز ما صرح به السيد لافروف بالأمس فرحاً كإنجاز تاريخي

روسيا ستجد نفسها على الدوام في حالة حرج عندما تسير وراء ألاعيب وخداع هذه العصابة

بأن الاتفاق على قائمة اللجنة الدستورية قد أُنجز؛ وهو ذاته الذي قال قبل وخلال وإثر لقاء استانا إنه "لا استعجال على تشكيل اللجنة الدستورية". ربما كانت نسبة ماء الوجه المحافَظ عليه أكثر، لو أن الإعلان بالموافقة قد تم إثر القمة، وليس إثر تصريحات "جيمس جفري".

المشكلة أن هذه المسيرة، وهذه الآلية، وهذا المسلك المنفصم عن الواقع؛ والذي يتصرف تصرف "البلطجية" والعصابات سيستمر من قبل عصابة دمشق؛ ونعتقد أن روسيا ستجد نفسها على الدوام في حالة حرج عندما تسير وراء ألاعيب وخداع هذه العصابة؛ ليتبع ذلك تصريح قوي أو تهديد؛ ثم لتسارع موسكو بالإعلان عن الموافقة أو الاتفاق. كل ذلك لا يشي بسياسة أو تصرف دول تحترم نفسها ولها قيمة وتعمل بناء على استراتيجية واضحة لا تكتيكات تنتهجها فقط الجهات المتمرسة بالعمل المافيوي. مشوار السوريين قد يكون طويلاً مع الحامي والمحمي؛ فهما ربما من الفصيلة الاستبدادية ذاتها. ببساطة، رغم حقارته، صَدَق ذلك التوصيف لسوريا بـ "الطريدة"؛ ولكن فاته أن يتحدث عن "الدب" و "القوّاد" و "الضباع".

==========================


تركيا وشرق الفرات.. هذه الحسابات

خورشيد دلي

العربي الجديد

الاحد 16/12/2018

مع إعلان الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، عن إطلاق عملية عسكرية في شرق الفرات خلال أيام، تتجه الأنظار إلى موعد هذه العملية، ومن أين ستنطلق؟ وما هي محاورها؟ وهل ستكون برية واسعة أم مجرد قصف بري وجوي، قبل أن يتحول إلى تدخل برّي؟ والأهم كيف سيتم التعامل مع إشكالية الوجود العسكري الأميركي في هذه المنطقة؟ وهل احتمال الصدام مع القوات الأميركية قائم؟ وكيف ستكون مواقف الدول المعنية بالأزمة السورية، مثل روسيا وإيران والولايات المتحدة؟  تشير هذه الأسئلة وغيرها إلى تعقيدات أي عملية عسكرية تركيا في شرق الفرات الذي بات يشكل كيانا خاصا، يتشكل على وقع سيطرة "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) على مزيد من هذه المناطق من جهة، وبناء مؤسسات وهياكل أمنية وعسكرية برعاية أميركية في هذه المناطق من جهة ثانية. في دوافع العملية العسكرية التركية، ترى أنقرة أن الكيان المتشكل على حدودها الجنوبية بات يشكل خطرا على أمنها القومي، وأن الولايات المتحدة غير جادّة في التعاون معها لمعالجة المخاوف التركية، فاتفاق منبج لم ينفذ بالكامل، والدعم العسكري الأميركي بالمعدات والأسلحة يتواصل لقوات سورية الديمقراطية، مع أن المعركة ضد "داعش" انتهت تقريبا. وتزيد المخاوف التركية تلك الخطوات الأميركية الأخيرة، سيما إقامة نقاط مراقبة حدودية، وتسيير دوريات مشتركة مع قوات "قسد" في المناطق الحدودية مع تركيا، وتدريب ما يقارب نحو 40 ألفا من العناصر الأمنية لمراقبة الحدود، وهو ما يدفع أنقرة إلى الاعتقاد بأن لواشنطن خططا سرية بخصوص إقامة دولة كردية في المنطقة، ستكون تركيا المتضرّر الأكبر منها مستقبلا.

في المقابل، يرى الكرد، ولا سيما الإدارة الذاتية الكردية في شمال شرق سورية، أن المخاوف التركية هذه ليست سوى حجج لمحاربة التجربة الفتية التي نشأت في هذه المنطقة، وأن تركيا تعاني من فوبيا القضية الكردية أينما كانت. وعليه، تريد القضاء على هذه التجربة، وأبعاد المكون الكردي من طاولة تسوية الأزمة السورية، وذلك كله تحت عنوان محاربة إرهاب حزب العمال الكردستاني، وفرعه السوري حزب الاتحاد الديمقراطي.

في توقيت العملية، ثمّة من يرى أن لإعلان أردوغان عن إطلاق العملية خلال أيام، وعلى نحو مفاجئ، علاقة بفشل المحادثات التي أجراها المبعوث الأميركي، جيمس جيفري، في أنقرة أخيرا، سيما لجهة رفض واشنطن طلب أنقرة التخلي عن نقاط المراقبة الحدودية. وعليه، يعتقد هؤلاء أن التصعيد التركي يحمل طابع ممارسة الضغط على الإدارة الأميركية، لإجبارها على تقديم تنازلات في المنطقة الحدودية، ولا سيما تنفيذ اتفاق منبج بشكل كامل، وإجراء ترتيباتٍ أمنيةٍ تضمن أمن حدودها الجنوبية، فضلا عن خطواتٍ سياسيةٍ، تؤدي إلى تفكيك سيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي لمصلحة جميع المكونات السياسية والاجتماعية في شمال شرق سورية.

ولعل تركيا تنطلق، في ذلك، من قناعةٍ ثابتةٍ بأن الولايات المتحدة لا يمكن أن تتخلى عن تركيا كرمى تحالفها الناشئ مع كرد سورية، فضلا عن قناعة لدى المبعوث، جيمس جيفري، أن الولايات المتحدة لا يمكن أن تهزم المشروع الإيراني في سورية، ما لم يتم استقطاب تركيا إلى جانبها في الملف السوري.

أبعد من البعد الثنائي في العلاقات الأميركية – التركية، تدرك واشنطن جيدا أن موسكو قد تشجع سرا أنقرة على القيام بعملية عسكرية في شرق الفرات، بغية ضرب النفوذ الأميركي هناك، ولزيادة الخلافات الأميركية – التركية، وإلى مزيد من التقرّب التركي نحوها، بما يصب ذلك كله لصالح الاستراتيجية الروسية في سورية والشرق الأوسط. وعلى الرغم من هذا البعد الروسي الواضح، فإن تركيا بحكم موقعها الجغرافي مستفيدة بقوة من التنافس الروسي – الأميركي، إذ يتيح لها هذا الموقع الاستفادة من الخلافات السياسية بين موسكو وواشنطن، وهو ما يجعل الحصول على موافقة ضمنية من هذا الطرف أو ذاك على شكل صفقة سياسية قائمة لحظة البدء بأي عملية عسكرية في شرق الفرات.

==========================

هل نعيد الكرّة مع كيان جديد؟

سهير الأتاسي

سوريا تي في

الاحد 16/12/2018

لقاءات تشاورية وندوات وورشات عمل تنعقد بشكل مستمر، وعلى وجه الخصوص في الآونة الأخيرة للبحث عن جوابٍ لسؤال يطرحه من يؤمن بضرورة استمرارية الثورة السورية وانتصارها في نهاية المطاف، ومن يبحث عن الطريقة المثلى للخروج من الاستعصاء الحالي: "ما العمل"..؟؟ خصوصاً بعد أن وصلت القضية السورية إلى حالة من التعقيد الشديد، وبعد مرورها بالمشاهد التي تحاول بعض الأطراف الخارجية بالتعاون مع بعض السياسيين السوريين، أن يجعلوا منها المشاهد الأخيرة. لم تخرج تلك اللقاءات والندوات والورشات عن المألوف في اقتصارها على الدور التحليلي الذي بتنا نستسهله، نحن وبعض شخصيات المعارضة حتى ممّن عهدنا جذريتهم في الدفاع عن مبادئ الثورة السورية، حيث تبدأ تلك الندوات كما تنتهي: قراءة المشهد الحالي وتحليله وسرد مسبباته الذاتية والموضوعية، نقد المسار الرسمي الذي تنخرط فيه المؤسسات الرسمية لقوى الثورة والمعارضة وهو نقد له موجباته، ولكنه لا يمكن أن يكون كافياً لتبرئة أنفسنا من التدهور السريع الخطير للقضية السورية، الأمر الذي يمكن أن يأخذ أيضاً شكلاً من أشكال التنصُّل من المسؤولية في الحاضر والمستقبل. بينما تقع على عاتقنا مسؤولية محاولة العمل على صناعة مشهدٍ آخر ومسارٍ آخر بدلاً من التخفّي وراء ذريعة أننا مازلنا بحاجة للمزيد من الوقت لاستيضاح المشهد الذي يصنعه الآخرون: دولاً وشخصيات لم تكن سوى أداة إخراج سوريّة ذلك المشهد. وبعض تلك اللقاءات تناقش السؤال الحتمي: "هل نحتاج كياناً جديداً يمثّل الثورة والمعارضة، ويحلّ محلّ الكيانات القائمة في مخاطبة المجتمع الدولي والانخراط في العملية السياسية؟". فهل نعيد الكرّة من جديد؟

ومع تلك السلسلة بدأنا نتوه، وصار شغلنا الشاغل ضمان كسب الشرعية الدولية واستمراريتها بدلاً من الحفاظ على الشرعية الشعبية الثورية التي منحنا إياها الثوار على الأرض في البدايات

لقد بدأت سلسلة تشكيل الأجسام السابقة لقوى الثورة والمعارضة على أساس ضرورة وجود كيان تمثيلي يخاطبه المجتمع الدولي ويدعم الثورة من خلاله، ثم توالت الأجسام للتكيّف مع المراحل التي فرضتها المبادرات الدولية والمجتمع الدولي على القضية السورية: فمن إسقاط نظام الأسد ورفض الحوار أو التفاوض معه، إلى مرحلة المفاوضات للوصول إلى حل سياسي شامل عبر انتقال سياسي جذري يبدأ بتأسيس هيئة حكم انتقالي لا وجود للأسد وزمرته القاتلة فيها، إلى عمل مشترك مع النظام القائم في لجنة دستورية تتجاوز المرحلة الانتقالية وتقزّم العملية السياسية لتصبح عملية دستورية ثم انتخابية ثم تقاسم سلطات. ومع تلك السلسلة بدأنا نتوه، وصار شغلنا الشاغل ضمان كسب الشرعية الدولية واستمراريتها بدلاً من الحفاظ على الشرعية الشعبية الثورية التي منحنا إياها الثوار على الأرض في البدايات، وبدلاً من إعطاء الأولوية لترتيب البيت الداخلي والعمل على مشروع وطني بتوافقات حقيقية وبرامج عمل قابلة للتطبيق، أصبحت تلك الكيانات هدفاً قائماً بذاته لا يمكن استمراره دون الرضى الدولي الذي بات هو المعيار والأساس. فهل نعيد الكرّة أيضاً ومن جديد؟

لستُ ممن يعتقد بصوابية البحث من جديد عن صنع كيانٍ يسعى للتنافس على الشرعية الدولية مع الكيانات القائمة لقوى الثورة والمعارضة، ويشغل نفسه بالعمل على انتزاع صفة تمثيل الثورة منها، والحلّ محلها في المسارات التفاوضية: الآستانية والسوتشية والجنيفية، بل ولستُ ممن يدّعي امتلاك أجوبة استباقية حول مقتضيات المرحلة الحالية بما تحملها من تحديات وتراجعات وانتكاسات، وبما تتضمّنها أيضاً من فرص وآمال بأن نبحث للمرة الأولى عما تحتاجه الثورة السورية فعلاً وحقاً لتستعيد أنفاسها وتحقق انتصارها، وليس عما يحتاجه المجتمع الدولي ليدعمها خصوصاً بعد تجاوز حالة الوهم بأن المجتمع الدولي يمكن أن يعطي الأولوية لنصرة حقوق الشعب السوري على حساب استغلال تلك الحقوق واستخدامها كمجرد ورقة تساومية لتقاسم المصالح والنفوذ الدولي.

لا يجوز اليوم أن نعيد الكرّة من جديد، بل لا بدّ من بحث جدّي ومسؤول، معمّق ونوعيّ، للاستراتيجية التي من شأنها أن تمكّننا، على المستوى الوطني أولاً، من وقف التدهور السياسي للقضية السورية، ولا بدّ من السير باتجاه الخطوات الأولى لدراسة هامش حركتنا وتأثيرنا وفعّاليتنا، أدواتنا وخارطة طريقنا، كذلك دراسة مرتكزات خطة عملية تنفيذية قابلة للتطبيق والقياس، حيث لم يعد من الممكن الاستسلام للخوف من الفشل الذي يُؤجّل دوماً الخطوة الأولى. ففي ساحة العمل السياسي والمدني وفعالياته هناك تعبيرات مستمرة للحاجة إلى جهة وطنية مستقلة تتمسّك بأهداف الثورة وتمسك بزمام المبادرة، تعبّر عن إرادة الشعب السوري في الحرية والديمقراطية والعدالة والكرامة والتحرر والاستقلال دون ادّعاء تمثيله، وتحافظ على استقلالية القرار الوطني أو بالأحرى تعيد التأسيس لهذا المفهوم، فتذهب إلى ما بعد الأطر الجنينية غير المكتملة التي أسست لها تلك التعبيرات التي بقيت، في غالبها، في إطار إعادة الاعتبار للمبادئ والأهداف المتفق عليها لدى قوى الثورة والمعارضة دون الإجابة على الأسئلة الجوهرية المطروحة.

الاستحقاقات والتحديات تزداد تعقيداً، وتحتاج إلى ذهنية مختلفة ومنهجية وآليات عمل جديدة، سبقتنا فيها وإليها بعض المبادرات المدنية والاجتماعية التي تجترح اليوم مساراً حديثاً يستمرّ بعمله الثوري ويتجذّر عميقاً في الساحة السورية الداخلية والخارجية. وما نفتقده اليوم المبادرة في المسار السياسي وتحمّل مسؤولية القيام بمهام راهنة يجب أن تذهب في جوهرها وآنيّتها وراهنيّتها إلى ما بعد التأكيد على المبادىء العامة التي رافقت ومن الطبيعي أن ترافق أسس تشكيل كل التيارات والبنى الوطنية، ومن تلك المهام البحث في أولوية وكيفية التأسيس لمسار وطني شعبي مستقل يستعيد الثورة ويدافع عن جذرية أهدافها ليكون بمثابة بوصلة الرأي والموقف، وكذلك التأسيس لكتلة حرجة منظّمة تعمل على توسيع قاعدة الموقف وصولاً لبلورته وبناء توافقات حوله وتشكيل رأي وموقف وطني عام رافض للحل الاستسلامي الانهزامي وضاغط لتصويب مسار المعارضة المنخرطة في العملية السياسية، يتحمّل مسؤولية الوضوح في رفض المسار السياسي الرسمي الحالي الذي يتجاوز الشرعية الدولية ويخترق قراراتها ويشوّهها. وبذلك يمكن أن تعود فعاليات الثورة إلى دائرة التأثير والفعل والمشاركة في صناعة القرارات المصيرية.

لن يكون كل ما سبق ممكناً دون مشاركة حقيقية فعلية، وليست شكلية، لشخصيات شبابية لها تأثيرها في الداخل السوري والمناطق المحاصرة والمهجَّرة، أثبتت مصداقيتها في العمل وثباتها على الموقف الجذري، وبعضها تمّ انتخابه من حاضنته الشعبية والثورية. فوجود تلك الشريحة هي الأساس في الخطوات الجوهرية الأولى لبناء هذا المسار، ومن تلك الخطوات: التوصّل إلى قراءة توافقية للمشهد الحالي السوري ورؤية مشتركة لما يواجه فعاليات الثورة من استحقاقات ومواقف لا بدّ من اعتمادها، القيام بمراجعة ونقد ذاتي للمرحلة السابقة وتحديد الأسباب الذاتية لما وصلنا إليه دون الاكتفاء بالأسباب المتعلقة بالممانعة الإقليمية والدولية للتغيير في سوريا، صياغة وثيقة المبادئ والمرتكزات الأساسية للإبقاء على الثورة حية ومستمرة وتجديد روحها وحماية خطها الوطني التحرري، تحديد المهام الحالية الراهنة والمرحلية والمستقبلية، بلورة وإنضاج المشروع السياسي الذي يضمن استقلالية القرار الوطني ويمكن من خلاله القيام بتلك المهام وعدم الاكتفاء بالمقاربات العامة والسطحية، خارطة طريق تنفيذية عملياتية ذات أُطر زمنية محددة، ثم البحث في الشكل والهيكل التنظيمي وآليات العمل القادرة على القيام بتلك المهام المطلوبة بمرونة وتفاعلية وديناميكية.

ليس للمشاركين في ذلك المشروع الوطني السوري الخالص مغنماً اليوم، إذا كان سياق الحديث عن المصالح الشخصية الضيقة، بل هو مَغرم بهذا المعنى وبما يمكن أن يواجهه من تحديات ومصاعب على كافة المستويات، لن يكون آخرها المستوى الدولي، ولكنه بارقة الأمل الممكنة لمشهد مختلف تستحقه تضحيات الشعب السوري، لمشهدٍ لا يعيد الكرّة من جديد.

==========================


إيران تستعد للمعركة

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 15/12/2018

تبدو واشنطن حائرةً بصدد معركتها مع طهران، وما عليها فعله لنقلها من الأقوال إلى الأفعال، على الرغم من مرور نيف وعام على إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أن إدارته لن تكتفي من معاركها بالكلمات، وقررت إرغام إيران على مراجعة برامجها العسكرية، وأولوياتها الإقليمية، إذا أرادت إنقاذ نظامها.

وقد تساءل كثيرون عن المكان الذي ستبدأ واشنطن معركتها منه: أهو اليمن، حيث يمكنها إنزال هزيمة سريعة بالحوثيين، من دون أن تتمكن طهران من تحاشي ارتدادات هزيمتهم عليها، ويرجّح أن تسارع إلى إعادة تموضعها في اختراقاتها العربية الأخرى، لكن وزير الدفاع الأميركي، جيمس ماتيس، أعلن أن واشنطن تريد حلا سياسيا في صنعاء، للحوثيين وبالتالي لايران حصة فيه؟ أم أنها ستبدأ من العراق، حيث لأميركا حضور لا يستهان به، أزاح قبل ثلاثة أعوام نوري المالكي عن الحكم، على الرغم من تمسك المرشد به؟ أم أن بدايتها ستكون من سورية، حيث يرجّح أن تطلب واشنطن مساعدة موسكو، بينما بدأت إسرائيل حربا متقطعة، لكنها مؤثرة ضد الوجود الإيراني وملحقاته؟ أم سيكون لبنان، مستعمرة إيران التي يحرسها قطاع من الحرس الثوري، يسمى حزب الله، منطلقها؟

لم تبدأ واشنطن المعركة بعد، وإن كان صحيحا أن بدايتها قد تنطلق من حدثٍ مباغت، يقع من دون مقدمات، فتتصاعد المعارك بعده إلى حربٍ يستخدم الطرفان فيها ما لديهما من سلاح.

في مقابل سلبية واشنطن، بدأت إيران أعمالا استباقية نشطة، تخفض رغبة أميركا في الإقدام على حربٍ واسعة معها، عبرت عن نفسها في جملة تدابير، تستهدف توسعة ميدان أي معركة قد تبدأ من الساحة السورية، حيث تريدها واشنطن، إلى الساحة العربية وما وراءها، لإضفاء طابع على الصراع، تبدو طهران معه كأنها غير منخرطة فيه، بينما تجد أميركا نفسها مجبرة على إعادة النظر في حساباتها، بسبب كلفة المعركة البشرية والمالية، وما ستتطلبه من زمنٍ لن يكون محدودا. تهدف هذه الخطوة إلى إقناع واشنطن بأن معركتها لن تكون محدودة وقابلة للحسم بسرعة. هذه التوسعة إلى البلدان المجاورة تعني أن على العرب تحمل تكلفتها، والانخراط فيها إلى جانب جماعاتها المحلية التي صعدت مواقفها الداخلية في العراق وسورية ولبنان، وأعلنت، بلسان قادة بناها العسكرية والسياسية الموازية، تصميمها على التصدّي لواشنطن بنقل الحرب ضدها إلى بلدانها، وتنفي وجود طهران قوة خارجية فيها، ليحقّ لأميركا مطالبها بالانسحاب منها. توسع إيران ساحة المواجهة لاعتقادها أن واشنطن ستقلع عن خوضها، إذا ما غطت العراق وسورية ولبنان، وأيقن ترامب أن نهايتها لن تكون سريعة.

تتوضع إيران في مجتمعات الدول المجاورة، ويصل انتشارها إلى بناها التحتية، ومؤسساتها الخدمية المتنوعة والمذهبية، ولا يقتصر على حضورها العسكري الأمني الذي تغطيه في أيامنا من خلال انغراسها العميق في الهياكل المجتمعية المتنوعة لسورية والعراق الذي يجعله حضورا محليا، إن استهدفته أميركا أخطأت هدفها، وتورّطت في حربٍ تفتقر إلى استراتيجية خروج منها، وبقيت خارجية وبعيدة بالنسبة للمجتمع الإيراني الذي سيكون أكثر استعدادا لخوضها من المجتمع الأميركي، بما ستتركه عليه من ارتداداتٍ سلبية.

بدأت إيران هجوما استباقيا متشعبا يستهدف تغيير طبيعة وساحة المعركة الأميركية ضدها، بينما تنتظر واشنطن نتائج العقوبات، لاعتقادها أنها ستمكنها، في حال خاضت صراعا عسكريا معها، من بدئه وخصمها منهار لا يقوى على خوض حربٍ ذات نتائج حاسمة بالنسبة له. لذلك، يكفي أن تلوّح أميركا بالحرب، حتى تتخلى طهران عن سياساتها تجاه جيرانها، وتبدأ مفاوضات جديدة حول برنامجها النووي وصواريخها، بينما تقول لنا تدابير طهران الاستباقية إنها لن تنصاع لواشنطن، ما دامت تمارس ضغوطا عن بعد عليها!

==========================

لعنة اللجوء السوري

رضوان زيادة

العربي الجديد

السبت 15/12/2018

كنت مشاركاً في ندوة ضمت منظمات أوروبية عديدة تعمل في إطار مساعدة اللاجئين السوريين، وهدفت الندوة، بشكل رئيسي، إلى حصر ومتابعة القوانين الأوروبية التي صدرت خلال الأعوام الخمسة الماضية، بهدف وقف عبور اللاجئين أو منعهم أو حتى تجريم من يساعدهم. لا تترافق كل الحروب مع اللجوء كما عرفناه سابقاً، لكنها حتماً تشهد نزوحاً داخل البلد، لكن إذا ما عبر هؤلاء النازحون إلى حدود دولة أخرى تحول النازحون إلى لاجئين، وقد تميزت الحرب السورية بأنها كانت وقوداً لملايين اللاجئين، ليس إلى دول الجوار فحسب، لبنان والأردن والعراق وتركيا، وإنما هاجر السوريون، ولجأوا إلى دول أوروبا المختلفة وشرق آسيا. ومع تصاعد أزمة اللاجئين في أوروبا في عام 2015، جرى توزيع حصص اللاجئين على الدول الأوروبية المختلفة. ولذلك، وصلت عائلات سورية لاجئة إلى آيسلندا على سبيل المثال، ولم يكن معظم السوريين قد سمع بها أو فكر بالذهاب إليها.

دفعت عوامل كثيرة اللاجئين إلى الهروب من وطنهم وترك بيوتهم واللجوء، مثل القصف العشوائي والاستخدام المكثف للبراميل المتفجرة واستخدام الأسلحة الكيميائية والحصار وغير ذلك، لكن بشار الأسد أصدر رزمة من القوانين والإجراءات الأمنية، وعمل على تدمير الممتلكات التي تجعل من هذه العودة مستحيلة إلى البلد الأم سورية، وحولت اللاجئ السوري إلى مقيم دائم في بلد اللجوء المضيف. إذ غالباً ما يتبع عملية تهجير السكان من المناطق 

"وصلت عائلات سورية لاجئة إلى آيسلندا على سبيل المثال" المستهدفة استيلاء قوات النظام على أراضي النازحين ومساكنهم وممتلكاتهم، وجرى الحديث عن إنتاج الوثائق المزورة كنايةً عن تكتيك واسع الانتشار في نقل الملكية القانونية للممتلكات والأراضي من مالكيها الشرعيين إلى الموالين للنظام. كما ظهرت تقارير عن التدمير المتعمد للسجلات المدنية في حمص، والمناطق التي كانت تسيطر عليها المعارضة سابقاً في ريف دمشق وحمص وحلب، فضلاً عن مصادرة الوثائق عند نقاط التفتيش.

كما تمتلئ الإنترنت بمقاطع فيديو مذهلة في وضوحها، وفي دلالتها على ارتكاب الجريمة، كفعلي سرقة ممتلكات الغير ونهبها، تحت اسم مليشيا الدفاع الوطني، وغيرها من المليشيات الموالية للنظام، أو أفراد من الجيش السوري التابع للنظام، كما قام النظام، وبشكل علني، بتدمير أبنية ومساحات كبيرة من الأراضي بحجة التنظيم، فقد وثقت منظمة هيومان رايتس ووتش أنه اعتباراً من يوليو/ تموز 2012، قامت السلطات السورية عن عمد بتهديم الآلاف من البنايات السكنية، وأحياء بكاملها في بعض الحالات، باستخدام المتفجّرات والجرافات، في دمشق وحماة. وزعم مسؤولون حكوميون ومنافذ إعلامية موالية للحكومة أن عمليات الهدم أتت كجزء من جهود التخطيط العمراني لإزالة مبانٍ مقامة بالمخالفة للقانون، إلا أن عمليات الهدم كانت تجري تحت إشراف قوات عسكرية، وكثيراً ما كانت تتم في أعقاب قتال بين القوات الحكومية والمعارضة في تلك المناطق. وقالت المنظمة الحقوقية الدولية إن هذه الظروف تشير، علاوة على أقوال شهود وتصريحات أقل مواربة من مسؤولين حكوميين تناقلتها وسائل الإعلام، إلى تعلق عمليات الهدم بالنزاع المسلح، في مخالفة للقانون الإنساني الدولي، أو قوانين الحرب.

وخلصت "هيومن رايتس ووتش" إلى أن سبع حالات من حالات الهدم واسع النطاق الموثقة في تقريرها تخالف قوانين الحرب، إما لأنها لم تخدم أي غرض عسكري ضروري، وبدت كأن المقصود منها معاقبة السكان المدنيين، أو لأنها تسبّبت في أضرار غير متناسبة للمدنيين. وقد وقعت أول حالةٍ من حالات الهدم واسع النطاق التي وثقتها "هيومن رايتس ووتش" في يوليو/ تموز 2012. وتبيّن صور القمر الصناعي التي حللتها المنظمة أن السلطات السورية هدمت، منذ ذلك الحين، ما يبلغ مجموعه 140 هكتارا (ما يعادل مساحة مائتي ملعب كرة قدم) من البنايات السكنية في معظمها، في سبعة أحياء في حماة ودمشق. كانت مبانٍ مهدومة كثيرة عمارات سكنية ترتفع عدة طوابق، وبلغ بعضها ثمانية. لقد فقدت آلاف العائلات مساكنها نتيجة عمليات الهدم هذه.

"تبيّن صور القمر الصناعي التي حللتها "رايتس ووتش" أن السلطات السورية هدمت، منذ ذلك الحين، ما يبلغ مجموعه 140 هكتاراً"

كما هدمت سلطات الحكومة بنايات سكنية في منطقتي التضامن والقابون مباشرة، عقب تصدّي القوات الحكومية لهجمة عسكرية من المعارضة في العاصمة في منتصف يوليو/ تموز 2012. كما تردّدت مزاعم باستخدام مقاتلي المعارضة حيين سكنيين في حماة، دمرتهما قوات الحكومة في سبتمبر/ أيلول وأكتوبر/ تشرين الأول 2012 وإبريل/ نيسان ومايو/ أيار 2013، لدخول المدينة والخروج منها. وقد تمت بعض عمليات الهدم في نطاق أهداف حكومية عسكرية أو استراتيجية، كانت قوات المعارضة قد هاجمتها، مثل مطاري المزة العسكري ودمشق الدولي، ومستشفى تشرين العسكري في حي برزة. وعلى الرغم من أن اتخاذ السلطات إجراءاتٍ لحماية هذه الأهداف العسكرية أو الاستراتيجية ربما كان له ما يبرّره، إلا أن تدمير مئات المباني السكنية، على بعد كيلومترات من تلك الأهداف في بعض الحالات، يبدو أنه لم يتسم بالتناسب، وكان يخالف القانون الدولي. وقد استمر نظام الأسد بعمليات الهدم الكامل عبر تسوية أحياء بكاملها بالأرض، لأسباب سياسية محضة، تقوم على تأييد هذه الأحياء للثورة السورية، كما جرى في حمص وداريا وغيرها.

كما قام النظام أيضا بعملية مسح كاملة وواسعة النطاق وتزوير لسجلات الممتلكات في جميع أنحاء البلاد، بهدف منع السكان من العودة والمطالبة بأي حقوق. ففي 1 يوليو/ تموز 2013، مثلا، قصفت قوات النظام السجل العقاري لمدينة حمص المركزية، وهو ما أدى إلى حريق هائل، دمر العديد من سجلات الممتلكات في المدينة، وهو ما دفع سكان المدينة إلى الاعتقاد أنه كان متعمدا، لأنه كان الهيكل الوحيد الذي احترق في الجزء الأكثر أمنا من المدينة. وسجلت أيضا حرق سجلات الأراضي في كل من الزبداني وداريا ودرعا والقصير، فحرق السجلات لا يمنع فقط أصحاب الأملاك الخاصة الأصليين من استعادة ممتلكاتهم، لكنه يسمح أيضا بنقل الملكية للأفراد والجماعات الموالية للنظام.

وفي بعض الحالات، شملت السجلات المدمرة أيضا فواتير الكهرباء والماء التي يمكن استخدامها لإثبات الملكية، كما ترددت رواياتٌ كثيرة عن تزوير السجلات، بما في ذلك استخدام وثائق مزورة لتنفيذ بيع الملكية ونقلها إلى الملّاك الجدد.

وقد ترافق ذلك مع إصدار قوانين ومراسيم قد تبدو "محاولاتٍ" لإصلاح القوانين العقارية، وتسريع إعادة الإعمار في ظل الحرب، لكنها لا تأخذ في الحسبان حالة الأشخاص النازحين أو المفقودين. ولذلك، أصبح بعضهم يعتبر أنها بالعكس وضعت من أجل استهدافهم، ومنعم من العودة، عبر مصادر ممتلكاتهم وحرمانهم من حق الملكية الخاصة.

==========================

اختطاف وتقييد الشبان بالسلاسل وإرسالهم للموت آخر إبداعات الأسد: كونتا كونتي السوري!

  د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 15/12/2018

لم يكتف نظام القتل واللصوص بسلب ونهب سوريا وإفقار وتجويع وإذلال شعبها وتركيعه وتهجيره إلى المنافي وأقاصي الأرضي البعيدة وجعله واحداً من أفقر شعوب العالم قاطبة وحرمانه من أبسط حقوقه ومتطلبات العيش والرفاهية ومعاملته كعبيد وعناصر سخرة وقطيع في حظيرة خاصة ومملوكة لبني الأسد وتحويله إلى شعب من النازحين واللاجئين والمشردين والجياع الفارين من بلادهم، بل يريد أيضا سلبهم أعز ما لديهم وهم أبناؤهم وسوقهم لخدمة لصوص وحيتان ومافيات البلد وعصابات القتلة بحجة إسرائيل والمقاومة التي لا يتجرؤون على إطلاق «فشكة» بارودة صيد واحدة نحوها، فكل من قُتل من زهرة شباب سوريا مات في حمأة هجوم الطغيان على الشعب الثائر في درعا والسويداء والرقة وحلب، وليس في الجولان، ولأجل الحفاظ على مليارات بشار وسامر فوز ورياض شاليش ورامي مخلوف وبقية عصابات القتل التي تجثم على صدر الشعب السوري الفقير الجائع المعدم الذي لا يجد اليوم لا الغاز ولا الماء ولا الكهرباء ولا الدواء وراتب أكبر موظف سوري (الوزير) لا يصل المئة دولار، أي ثلاثة دولارات في اليوم للوزير وليس للمواطن العادي، وهو معدل غير موجود وغير مدرج على لوائح ومؤشرات الأمم المتحدة لمعايير الفقر والحياة، أي أن منجزات بشار الأسد حرمت السوريين أيضا من شرف تصنيفهم كفقراء وبشر عاديين تساوياً مع بقية شعوب العالم.

ومن رأى السوريين وهم يُجرون بالسلاسل ومحشورين بأقفاص كالبهائم وهم في عز الشباب والعنفوان لن يتذكر فقط رواية «الجذور» لأليكس هيلي والعبد الأفريقي كونتا كونتا وقصته المأساوية ورحلته المضنية مع القهر والذل والعبودية وخدمة طغمة قتل ولصوصية، بل سيدرك كم بات رخيصاً هذا السوري عند بني أسد وشاليش ومخلوف وما يضمره رئيسهم للسوريين، وأن لا مستقبل ولا حياة حرة وكريمة وكرامة وعيش هنيء أبدا للشعب بوجود هؤلاء الموتورين الذين حولوا سوريا إلى سجن كبير ومقبرة موشحة بالسواد وملجأ أيتام ومخيمات للفقر والجوع والتشرد المهجورة الكئيبة البائسة الخاوية على عروشها تصفر وتنعق فيها البوم والغربان إكراماً وخدمة لمشروع ملالي طهران.

كل من قُتل ومات من زهرة شباب سوريا الجريحة مات بمواجهة الشعب الثائر ضد الطغيان الأسدي وفي الداخل في درعا والسويداء والرقة وحلب، ومن أجل مليارات بشار وسامر فوز ورياض شاليش ورامي مخلوف وبقية عصابات القتل الفاشية التي تجثم على صدر الشعب السوري الفقير

ينعم الأسد ويلعب اليوم وطغمته، من شاليش ومخلوف وبقية أفراد العصابة، بمئات مليارات الدولارات، ويسرقون البلد بشكل ممنهج ومنظم، ولا يتركون للشعب حتى الفتات كجرة غاز يطبخ عليها، هذا في حال توفر معه ثمن لقمة العيش، 50 دولاراً يا ناس (25 ألف ليرة) هو متوسط راتب العائلة شهريا يا جمااااعة الخير، يا هووو، يا بشر، يا أوادم، لا تكفي الطفل حليباً وحفاضات، ومع ذلك يريدون أن يسرقوا أبناءنا منا ويزجوهم بالقتال خدمة للنظام الإيراني ليموتوا بالمجان خدمة لبقاء هؤلاء القتلة الذين يبيعون الشعب الشعارات الكاذبة والتضليلية البراقة.

صُدم الرأي العام العالمي والسوري خاصة وصُعقت الأمهات الثكالى المفجوعات بأبنائهن والمحرومات من فلذات أكبادهن وهن يرون زهرة شباب سوريا مكبلين بزرد السلاسل من أجل زعيم يقود عصابة قتل ولصوص تفتك بالسوريين على مدى 50 عاماً، ولم يصدّق كثيرون هذه الصور الصادمة، لكن من يعيش في سوريا ويرى ويتابع مشهداً بات مألوفاً ومحزناً ومؤلماً وموجعاً وطاعناً بكرامة كل سوري، وهي الدوريات المشتركة و«الطيارة» التي توقف السيارات العابرة في مناطق سيطرة الأسد وتفتش بأوراق أي شاب وطلاب الجامعات وجيوبهم، وتنزع ملابسهم بالشوارع و«تفيّشهم»، وتختطفهم على مرأى من الناس جميعاً، وتنزلهم عنوة من الحافلات العامة سيدرك أن لقطة ومشهد السلاسل ليس إلا تفصيلاً بسيطاً في رواية طويلة ومحزنة وقصة طويلة عنوانها تدمير سوريا وقتل شعبها واستمرار مسلسل العبودية والطغيان والاستبداد وكابوس ثقيل اسمه عائلة أبو البراميل الأسدي.

==========================

موقفنا : حول قرار ترامب سحب القوات الأمريكية من سورية ...من سيملأ الفراغ !؟

زهير سالم

٢٠/١٢/ ٢٠١٨

مركز الشرق العربي

يروون أن سيدنا عمر رضي الله عنه إذا حزبه أمر جمع له أهل الشورى من مشيخة بدر . ذلك أن سيدنا عمر كان يصبح ويمسي وأكبر همه أمر المسلمين ؛ حتى يرى جيشهم على بعد آلاف الأميال فينادي ؛ يا سارية الجبلَ ...الجبلَ ، أي عليك بالجبل ركنا ومستندا .

منذ سمعت قرار الرئيس ترامب سحب قواته المحتلة لأرضنا السورية وأنا أقلب الخبر من حيث جديته وحقيقة تنفيذه وأبعاده وتداعياته وانعكاساته على شعبنا وثورتنا وتحدياته التي يفرضها علينا وما يجب أن نقول فيه وما يجب أن نعد للتعامل مع آثاره ..

أقدر ثم أعيد التقدير مرة بعد مرة وفِي كل مرة يشتعل في قلبي نار تحرقا إلى مجموعة من رجال يفكرون  ويقدرون ونقلب الأمر وجها لبطن ومن ساس إلى راس ومن اليوم إلى الغد لنصدر في هذا الحدث الكبير عن رأي يكون هو الرأي

وأتذكر قول من قال :

وقد كنت ذَا مال كثير وإخوة

فقد تركوني واحدا لا أخا ليا

وكل الذي يهمني الآن جواب سؤال :

من سيسد الفراغ الذي تتركه القوات الأمريكية على الأرض السورية ؟؟؟

الفصائل الإرهابية من كل الخلفيات الدينية أو المذهبية أو العرقية ؟  ..أم الفصائل الثورية المتقاعدة والمنسقة بالمفهوم العسكري ؟؟ أم الصديق التركي مشكورا وإلى أي عمق ؛ وهل يمكن مثلا أن يمتد طيفه إلى قاعدة التنف مثلا ؟! أم  وهذه التي بت أخشى منها وأحذر  هل ستسلم المنطقة بجملتها إلى الروسي والإيراني والأسدي ؟!

هل سيعيد الإرهابيون العنصريون تحالفهم مع الروس بالانتقال من فراش إلى فراش حتى بدون فترة عدة تقدر عادة للإماء والجواري؟!

وفِي وقت تتراقص شياطين الاحتمالات في مخيلة كل سوري يأخذ أمر وطنه بجد لا بد أن تعصمنا بعض الثوابت التي لا بد أن تحشد في سياق التغير الكبير ..

أولا - نحن ضد كل أشكال الإرهاب في العالم أجمع وفِي وطننا سورية . ونعتقد أن الإرهابي الأول في وطننا هو بشار الأسد وميليشياته ، بشار الأسد هو الذي استورد واستنبت ودعم كل منظمات الإرهاب .

ثانيا - نحن ضد كل صور الاحتلال على الأرض السوري ونعتبر الاحتلال الإيراني الإحلالي بأبعاده الثقافية والمذهبية الطائفية الإرهابية أبشع أنواع هذا الاحتلال وأولاها بالحرب والإدانة .

ثالثا - نحن مع خروج كل القوات الأجنبية من وطننا بطريقة متزامنة لا نؤيد ذلك فقط بل نطالب به ونلح عليه . إن انسحاب بعض قوى الشر وبقاء بعض يعني فيما يعني ان المنسحب يعطي للباقي مشروعية الانفلات بلا لجام ولا خطام على مستشفياتنا ومدارسنا ومساجدنا ليستكمل اللاحق ما لم تصل إليه يد السابق

ولقد كان دور التدخل الأمريكي وتحالفه الذي يعلن انتصاره على الإرهاب في وطننا أن يحمي الإرهابيين ويدعمهم حتى ظن أن الأمر استقر لهم في شخص مجرم الحرب بشار الأسد قرر أن يترك له ولشريكيه الروسي والإيراني استكمال ما بدأ من قتل وتدمير وتهجير .

عديدون كانوا يقولون لي أنت تبالغ في الحديث عن الحرب التظاهرية بين الولايات المتحدة وإيران !!

وأقول هذا برهاني الولايات المتحدة تغادر والإرهابي الثأري الإيراني المحتل يتعزز ويتمدد .

والمرجو من قوى الثورة والمعارضة ان تكون لها مبادرة سورية ببعد وطني يسد الثغرة وتملأ الفراغ . عسى أن يكون الجميع قد استفادوا من دروس مما كان منهم وعليهم .

والمرجو من  القيادة التركية التي هي الأمل الوحيد المتبقي للسوريين - بعد أملهم في الله - مبادرة جادة تسد الفراغ وتحمي الجار والدار. وتطوي الصفحة وتعطي الفرصة وتبني على معطيات الحضارة والتاريخ.

السوريون ليسوا بحاجة إلى رجال يقاتلون عنهم وإنما هم بحاجة إلى مبادرة حكمة تقدر وتدبر وتستعين بالله وتعينهم ..

وربنا الرحمن المستعان

___________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

ماذا تريد أميركا من سوريا؟

أكرم البني

الشرق الاوسط

السبت 15/12/2018

يصعب الركون لما أعلنه مؤخراً اجتماع نيويورك للجنة المصغرة حول الشأن السوري، من عدم رضا البيت الأبيض عن تفرد قيادة الكرملين بتقرير مصير سوريا، ورفضه ما يعدّها مماطلة روسية لوأد اللجنة الدستورية والالتفاف على هدف الانتقال السياسي، ما دامت واشنطن قد وضعت عملياً الملف السوري في عهدة موسكو. مثلما يصعب الاطمئنان لإشارات أميركية تؤكد الرغبة في تعزيز وجودها العسكري في البلاد وإقامة نقاط مراقبة للجم الاندفاعات التركية، أمام إشارات مناقضة حول تحسبها من مد المعارضة و«قوات سوريا الديمقراطية» بالدعم اللازم، وتكرار تلميحاتها حول عدم الحاجة لبقاء قواتها في شرق سوريا، والتنسيق مع حكومة أنقرة لضبط الأمن ومحاصرة تمدد القوات الكردية، وتبقى حاضرة المفارقة الشهيرة في تحول المطالبة الأميركية برحيل النظام وتحذيره من عقاب شامل إن لجأ للأسلحة المحرمة، إلى تفهم لاستمرار رموزه القائمة والاكتفاء بقصف مواقع هامشية بعد استخدامه، ولمرات، السلاح الكيماوي.

ومع أن واشنطن لم تكلف نفسها عناء إيضاح أسباب ما تتخذه من مواقف في مسار الصراع السوري، وصلت أحياناً إلى حد التناقض، إنْ من النظام أو من المعارضة أو من الدور الأممي، فإن ثمة معالم ومحددات عامة يمكنها تفسير طابع السياسة الأميركية تجاه سوريا، وتالياً تفهم أسباب سلبيتها وترددها وما يكتنفها من تباين، والأهم دوافع إهمالها الوزن والدور الكبيرين اللذين تمتلكهما، بصفتها قوة عظمى، في حفز ديناميكية التأثير والعلاقة بين التطورات الداخلية والعوامل الخارجية.

ربما لا يجانب الصواب من يقرن الأمر بتراجع الدور الأميركي عموماً وفقدانه كثيراً من حيويته الخارجية بسبب ما عاناه في العراق وأفغانستان، وبسبب تفاقم أزمته الاقتصادية والتفاته لمشكلاته الداخلية، مما يفسر تبدل النزعة الهجومية التدخلية نحو الإحجام والسلبية، أو الاقتصار على ما تسمى «القيادة من الخلف» واللجوء لاستخدام القوة الناعمة والضغط المرن من دون أن يصل الأمر إلى تورط يتطلب جهداً وتكلفة، فكيف الحال مع بلد يحتل موقعاً ثانوياً في سلم اهتمامات واشنطن، كما أنه غير مدرج ضمن أوليات أهدافها وترتبط أزمته بعدد من الملفات الإقليمية الحساسة والخطيرة، ويرجح أن تكون تبعات وأثمان التدخل الناجع فيه باهظة ويصعب تعويضها من دولة فقيرة في ثرواتها مثل سوريا؟!

وأيضاً لا يجانب الصواب من ينظر إلى الأمر من قناة المرامي والحسابات الأميركية في استثمار الصراع السوري لاستنزاف خصومها، مثل روسيا وإيران وتركيا، لإنهاك الدول الثلاث مادياً وسياسياً، والحد من طموحاتها الإقليمية ونهجها التوسعي، والأهم لتوظيف الوجود العسكري في شرق البلاد وسيلةً لقطع طريق التواصل البري بين دول ما سمي «الهلال الشيعي» بما يحاصر التمدد الإيراني ويضعف محاولاته بناء تمركزات استراتيجية في العراق وسوريا ولبنان.

كما يصيب من يقرن تلك السياسة بالمصلحة الأميركية المزمنة والعميقة في اغتنام الساحة السورية لتصفية الحساب مع تنظيم «القاعدة» والنيل من قادته وكوادره، ربطاً بوقائع تزداد وضوحاً مع كل يوم يمر عن تحول المحنة السورية إلى بؤرة جاذبة لعناصر وقوى إسلاموية متطرفة، توافدت من مختلف البلدان، لحسم ما تعدّها معركة مصيرية على وجودها ومشروعها بإقامة «دولة الخلافة»؛ الأمر الذي وفّر، ويوفر، فرصة ثمينة لتوجيه ضربات مهمة لهذه العناصر والجماعات تضعفها وتحد من قدرتها على النمو والتطور، تحدوها حقيقة أن تصفية هذه الكوادر النوعية تلحق ضرراً كبيراً بإمكاناتها العملية على تجديد قدراتها، وتفقدها كفاءات مجربة يصعب تعويضها باندفاعات شبابية متهورة وعديمة الخبرة، من دون أن نغفل الإفادة من المعركة ضد «الإرهاب الإسلاموي» في تعميق شروخ العلاقة الموضوعية بين جماعات الإسلام السياسي والتيارات المتطرفة، خصوصاً أن بعض مراكز صنع القرار الأميركي قد خلصت، وإنْ متأخرة، إلى نتيجة تقول بقوة الترابط العقائدي بين هذه الجماعات على اختلاف أساليبها، وإن كلاً منها يغذي الآخر، وخير دليل سرعة مبايعة أطراف سياسية إسلامية «دولة الخلافة» بمجرد أن أعلنت في العراق وسوريا، ناهيك بانكشاف حقيقة تزامن صعود التطرف الديني مع انتصار الثورة الإسلامية في طهران، وما رشح من معلومات عن تواصل ملغوم بين أجهزة أمنية إيرانية وبعض قادة وكوادر «القاعدة» في أفغانستان والبلدان العربية.

وأخيراً لا يخطئ من يعتقد أن لإسرائيل كلمة قوية في رسم السياسة الأميركية تجاه مستقبل الأوضاع في بلد يجاورها وتحتل جزءاً من أرضه، والمغزى هو أولوية ما يمكن أن يترتب على أي تغيير أو تطور في سوريا على أمن إسرائيل بصفته العامل رقم واحد في التأثير على مواقف الغرب، خصوصاً على النخبة الأميركية الحاكمة وعلى اتجاهات الرأي العام هناك، مما يعني أن أي موقف أميركي تجاه سوريا لا يمكنه القفز فوق هموم وحسابات حليفته الاستراتيجية أو تجاوز تحسبها وقلقها من طابع البديل المقبل في حال كان وزن وتأثير الإسلاميين فيه كبيراً، وتالياً حرصها على استمرار النظام السوري القائم، الذي خبرته وحافظ على جبهة الجولان آمنة ومستقرة طيلة عقود، حتى لو أعلن بعض مسؤوليها عكس ذلك!

صحيح أنه ما لم تتخذ أميركا موقفاً حاسماً من الحدث السوري، فلن يحدث أي تحول نوعي، استناداً إلى تجارب مقاربة، وإلى ما تملكه الولايات المتحدة من قوة نافذة؛ سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، تضعها في موقع اللاعب الأول وأحياناً المقرر لمصير كثير من الصراعات الوطنية والأزمات الإقليمية، ولكن الصحيح أيضاً أن الدور الأميركي لا تحكمه الرغبات والأمنيات؛ بل يستند إلى المصالح وموازين القوى وضغط الرأي العام.

وهنا ثمة عمل ينتظر الطامحين لتفعيل الجهود الدولية، خصوصاً الأميركية، لتخفيف المأساة السورية، أحد أهم وجوهه المثابرة على تحويل ما يتراكم من تعاطف إنساني مع معاناة السوريين وما يكمن دونه، إلى وسيلة ضاغطة على صناع القرار في الغرب عموماً وأميركا خصوصاً، في رهان على مجتمعات تشاطرنا الهموم والقيم الإنسانية، ولها قدرة انتخابية في اختيار حكامها وإجبارهم على تغيير سياساتهم؛ مجتمعات لعبت دوراً مهماً، وأحياناً حاسماً، في نصرة شعوب الجزائر وفيتنام وجنوب أفريقيا والبوسنة، وتمكينها من تقرير مصيرها.

==========================

من أجل نزع فتيل الحرب الكردية العربية

برهان غليون

العربي الجديد

السبت 15/12/2018

هدد الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، الأسبوع الماضي، الولايات المتحدة، بشن هجوم واسع خلال الأيام المقبلة في منطقة شرق الفرات السورية، لإبعاد خطر مليشيات قوات سورية الديمقراطية (قسد)، الكردية، في إطار تطبيق خطة تركية ترمي إلى منع قيام كيان كردي مستقل شمال سورية، الأمر الذي تعتبره أنقرة أكبر تهديد لأمنها القومي، وهي التي تشكو من تهرب واشنطن من تطبيق الاتفاق الذي توصلت إليه العاصمتان منذ بداية العام بشأن منبج، واستمرار الولايات المتحدة في تسيير دوريات مشتركة مع المليشيا الكردية في المدينة، كما تشكو من استمرار الدعم الأميركي لها، ومن مشروع واشنطن الجديد القاضي بإقامة نقاط مراقبة على الحدود السورية - التركية، بالتعاون مع المليشيات الكردية. وهذا ما ترى فيه تركيا خطة لحماية المليشيات الكردية من الهجمات التركية، بينما تقول واشنطن إن هدفها منه، بالعكس، حماية الحدود التركية. ولعل ما أثار مخاوف الأتراك أيضا تصريح السفير الأميركي الخاص للمنطقة، جيمس جيفري، بأن الحضور العسكري الأميركي سوف يستمر، وأن من المحتمل أن تطبق واشنطن في شرق الفرات، إذا احتاج الأمر، ما طبقته من قبل في شمال العراق، بما يعني إعلانها منطقة حظر جوي فيه

تترافق هذه التهديدات المتبادلة التركية - الأميركية بتحذيراتٍ روسية جاءت على لسان رئيس هيئة الأركان الروسية، الجنرال فاليري غيراسيموف، الذي اتهم، حسب وكالة روسيا، الأربعاء الماضي، الولايات المتحدة "بمحاولة إنشاء كيان كردي مستقل عن دمشق شمال سورية"، و"المراهنة على الأكراد السوريين، لإنشاء كيان شبيه بدولة، مستقل عن دمشق شمال البلاد، ويقومون بتشكيل حكومة ما تسمى فدرالية شمال سورية الديمقراطية". أما الأميركيون الذين يجمعهم مع الأتراك حلف شمال الأطلسي، فجاء جوابهم على لسان الناطق باسم وزارة الدفاع (البنتاغون)، سين روبيرتسون، أن القيام بعمليات عسكرية في مناطق يوجد فيها أميركيون أمر مقلق، "ونحن نعتبر مثل هذا العمل غير مقبول".

"روسيا تتهم الولايات المتحدة "بمحاولة إنشاء كيان كردي مستقل عن دمشق شمال سورية""

من الواضح أن الجبهة الرئيسية للمواجهة الدبلوماسية والعسكرية على الأراضي السورية قد انتقلت، أو هي في طريقها للانتقال، إلى منطقة شرق الفرات، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى أن تستعيد من خلالها وترسخ حضورها في المنطقة، وربما أن تحولها إلى منطقة نفوذ دائم لها اعتمادا على القوى الكردية، في سياق غياب حل سياسي، واستمرار التقسيم، وحرمان "سورية الروسية" من 60% على الأقل من موارد البلاد، وأهمها: موارد الطاقة والمياه والمحاصيل الزراعية الاستراتيجية.

وفي المقابل، تدرك موسكو أنها تفقد أكثر فأكثر قدرتها على التحكم بأوراق المناورة الاستراتيجية والدبلوماسية السورية، بإبقاء الأميركيين أجزاء كبيرة من سورية خارج سيطرة نظام الأسد، الذي جعلت منه حصان طروادة، لفرض وصايتها العليا والكاملة على البلاد، وبعد تأكد فشل الرئيس، فلاديمير بوتين، في إقناع أوروبا والدول الصناعية الغنية بتمويل إعادة الإعمار، لطي صفحة الانتقال السياسي الذي تؤكد عليه جميع القرارات الأممية، وتخفيف العبء عن حلفائه السوريين والإيرانيين. وهذا ما يؤكده أيضا التحذير الأميركي من أن مساري أستانا وسوتشي قد وصلا إلى طريق مسدود، وأنه لا مهرب من العودة بالمحادثات السورية إلى جنيف.

تضغط تركيا بقوات "الجيش الوطني" السورية لدفع واشنطن إلى تغيير سياستها إزاء الشمال والشرق السوريين، وأملا بتقليل الدعم العسكري والسياسي واللوجستي الذي تقدمه لمليشيا "قسد". أما روسيا فتطمح أساسا إلى تعديل موقف واشنطن في ما يتعلق بالحل السياسي، ومن تطبيق قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن الداعية إلى انتقال سياسي جدي، والتي لا يمكن تفسيرها بإعادة تأهيل الأسد أو نظامه بأي شكل.

من هنا، تبدو المواجهة حقيقية، وربما حتمية، فتركيا تشعر بأنها تدافع عن أمنها القومي، وأنها في سباقٍ مع الزمن لقطع الطريق على ولادة كيان كردي يشكل موطئ قدم لحزب العمال الكردستاني التركي الذي تخوض حربا دموية معه منذ عام 1984. وهي فقدت الثقة بواشنطن التي تتهمها بأنها خدعتها في منبج، ولا تزال، في شرق الفرات. ويزيد من قلقها الحديث عن حضور عسكري سعودي في هذه المنطقة، لما يعنيه من ربط أمن تركيا بمواجهة إقليمية تتجاوز المليشيات الكردية. أما واشنطن فليست على استعداد، في اعتقادي، لأي مواجهة جديدة، وتستطيع أن تناور مع جميع الأطراف الإقليمية من أجل الاحتفاظ بوجودها الاستراتيجي في أكثر المناطق حساسية وأهمية، ليس في سورية فحسب ولكن في المشرق، على حدود دول ثلاث رئيسية، تركيا وإيران والعراق، بالإضافة إلى سورية.

وهناك دائما مخرج آمن للقوى الأجنبية المتنازعة على "اقتسام" سورية، يضمن متابعتها رهاناتها الخاصة، من دون الذهاب إلى درجة الصدام في ما بينها، وذلك ببساطة من خلال توجيه المليشيات السورية، التابعة لها بعضها ضد بعض، وهنا "الجيش الوطني" الخاضع للنفوذ التركي ضد مليشيا قوات سورية الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة، وترك السوريين يقتلون بعضهم بعضا. سوريون يقتلون سوريين، من دون إيذاء "أحد". هذا ما يحصل منذ ثماني سنوات، في عموم سورية، حتى يتمكّن كل طرفٍ من الأطراف الدولية والإقليمية من تحقيق مصالحه من دون أن يحرق أصابعه بالنار.

لهذا من حق السوريين، والكرد منهم خصوصا الآن، أن يقلقوا على مصير آلاف المدنيين المهدّدين بالتعرّض للكوارث نفسها التي تعرّض لها أشقاؤهم من قبل، ممن خبروا حرب المليشيات وحكمها، في حلب وغوطة دمشق والرقة ودير الزور وإدلب وعفرين ومدن وبلدات سورية عديدة. وأن يسعى نشطاء ومثقفون كثر منهم إلى مناشدة الأطراف المختلفة بإيجاد وسيلة أخرى لفض النزاع الدولي، وفتح مفاوضات جماعية من أجل البحث عن مخرج سياسي يطمئن الجميع، ويحقن دماء إخوتهم، ويوفر على السوريين مزيدا من الموت والدمار. ولكن سيكون من السذاجة الاعتقاد بأن أيا من الدول المتنازعة، وأولاها نظام الطغيان الأسدي البغيض، تعير اهتماما من أي نوع لمصير الشعب والمدنيين.

في المقابل، ليس لدى السوريين، المتنازعين على الهرب من المركب السوري الغارق، حل آخر سوى التحرر من الوهم الذي سمم وجودهم، ودمر حياتهم وبلادهم، وهو اعتقاد أي فردٍ وأي مجموعةٍ وأي طبقةٍ وأي مذهبٍ وأي قوميةٍ أنها تستطيع أن تهرب بنفسها، وتبني على أنقاض المركب الغارق وطنها الخاص، من دون اعتبارٍ لمصير الآخرين، أو التفكير بمصالحهم، وأن تعمل على إغراقهم مع المركب المحطم وبمساعدة القوى الأجنبية أو بتطبيق سياسات شمشونية.

"ينبغي الاعتراف الثابت بالهوية القومية وبحقوق الكرد السوريين، في إطار سورية ديمقراطية تعدّدية"

انتزع الطغيان الوحشي من السوريين، جميع السوريين، وطنهم، وتركهم في العراء، عربا وكردا، مسلمين ومسيحيين، سنة وشيعة وعلويين وإسماعيليين وموحّدين، عشائر وحضريين، مدنيين وريفيين، فلم يعد أحد منهم يشعر بأنه في بيته، أمين على حياته ومستقبل أبنائه. جميعهم يشعرون بأنهم في خطر الموت، وجميعهم يركضون وراء سراب مراكب من خيالهم، ويتعلقون بقشة الدعم الأجنبي، من أجل قطعة وطنٍ تحميهم وتحتضنهم وتطمئنهم بينما يتركون المركب الذي يحملهم يهرب من بين أيديهم. وكلما اقتتلوا عليه، خرج عن سيطرتهم، ووجدوا أنفسهم بين غرقى ومشردين ومهجرين ونازحين في أرضهم، بمن فيهم الذين يعيشون على حطام وطنٍ لم يعد له من اسمه نصيب.

يحق للكرد أن لا يثقوا بسلطة عربية مركزية، بعد ما عاشوه من تشرد واضطهاد، ويحق للعرب أن يشكّوا بنوايا سلطة مليشيات كردية، لا تتردد في قتل الكرد الذين يخالفونها، وتتبنّى سياسة فرض الأمر الواقع على الجميع، تماما كما فعلت وتفعل المليشيات الأخرى السورية، وكل مليشيات العالم. الخطوة الأولى للخروج من المقتلة السورية وتفكيك قنبلة الحرب "الأهلية"، التي تدور منذ ثماني سنوات بين الطوائف والقوميات والأحزاب والطبقات والنخب السورية اليسارية واليمينية، برعاية دولية، ولصالح بقاء الأسد ونظام طغيانه، هي الشفافية، فهي وحدها التي يمكن أن تضع حدا لسياسة "الغموض البناء" التي تتبنّاها جميع الدول الأجنبية المنخرطة في الحرب، للعب على جميع الأطراف السورية، واستخدامها أدواتٍ لخدمة أغراضها الاستراتيجية فحسب. وبالنسبة لما يجري من حربٍ مقنعة ومكشوفة في الشمال السوري، وفي سبيل نزع فتيل حربٍ عربيةٍ كرديةٍ يراهن على إشعالها عدد من دول التدخل الأجنبي، ينبغي أن يؤكد جميع السوريين، أحزابا وهيئات وشخصيات وطنية أيضا، اعترافهم الثابت بالهوية القومية والحقوق المترتبة عليها للكرد السوريين، في إطار سورية ديمقراطية تعدّدية يقرّر الشعب، عبر ممثليه الشرعيين، أي المنتخبين، شكل إدارتها السياسية وتسييرها. وينبغي أن يعلن القادة الكرد، أحزابا ومليشيات وشخصيات وطنية، بعكس ما فعلوه حتى الآن، أن مصير المناطق التي يسيطرون عليها بمساعدة خارجية، ذات أغلبية كردية أو عربية، لا تقرره الأحزاب الكردية، مهما كانت قوتها العسكرية، ولا حلفاؤها الأميركيون، وإنما يقرّره جميع السوريين، في إطار مؤسسات الدولة الشرعية السورية الجديدة التي ينبغي التفاهم على إرسائها، وأن يكفّوا عن الحديث عن الفيدرالية المفروضة من طرف واحد، حتى لو كانت في اعتقادهم العميق، وربما في اعتقاد سوريين كثيرين، هي الحل الأمثل على المدى المتوسط أو البعيد. فلا يمكن لشعبٍ أن يقبل أن يُملى عليه تقرير مصيره من طرف واحد، حتى لو كان حكامه. استبطان هذه القاعدة، هو المدخل للمسار الطويل الذي يقود إلى بناء وطنٍ فعلي، لا غابة وحوش، وولادة شعب، يحترم إرادة جميع أبنائه وجماعاته، لأنه يحترم نفسه. هذا هو مختصر ثورة الكرامة والحرية التي ضحّى من أجلها ملايين السوريين.

==========================

الطائفيون وقحون بامتياز !؟ ( شريف شحادة نموذجاً )

يحيى حاج يحيى

هم يمارسون الطائفية في أقذر وأشنع صورها !؟ تحكماً بالأكثرية ، واستئثاراً بخيرات البلد ، وتعصباً ، وتحيّزاً ، وانغلاقاً على ذاتهم ، وتسليط الأدنى على الأعلى !؟ بل استدعاءً للغرباء لاستباحة الوطن ، وقهر أبنائه !؟ وتصرفات غير مقبولة ولا معقولة ، وكأنهم أتوا من خارج سورية ، لايهمهم تاريخها ولا جغرافيتها ،  ولا قيمها ، ولا حاضر ومستقبل أبنائها !؟

وإن قام أحد فوصف واقعهم ، وبيّن مخاطر ومساوئ تصرفاتهم ، اتهم بأنه يثير النزعات الطائفية !؟

==========================

يا أنتم ! أينما كنتم ، ومن تكونون !؟

يحيى حاج يحيى

إذا كنتم لم تعملوا على إيقاف القنابل والصواريخ الروسية والصفوية والطائفية التي انهالت على أهلنا العزل في عموم انحاء سورية ، فاضطرتهم  إلى سكنى الخيام !؟

ولا تستطيعون رد المطر  الغزير عنهم 

أفلا تستطيعون التغاضي عن الذين في قلوبهم رحمة وإنسانية حين يودون نجدة إخوانهم وإنقاذهم !؟

==========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com