العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 30-10-2016


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

الإخفاق الوطني السوري يسهّل مهمة المتربّصين .. عبدالباسط سيدا

الحياة

الخميس 27/10/2016

تقول الحكاية الكردية أن أحدهم سأل صديقه مستفسراً عن هوية قاتل والده: هل الذي قتله كان راكباً أم راجلاً؟، فأجابه الصديق: هذا لا يغيّر من الأمر شيئاً، لأن والدي قُتل على كل حال.

ما دفعني إلى سرد هذه الحكاية يتمثّل في جملة التحليلات التي قُدّمت وتقدّم لمقاربة القيامة السورية، ومحاولة إلقاء الضوء على بواعثها وخفاياها، وهي محاولات تأخذ منحيين أساسيين.

الأول، يرى أصحابه أن ما تعرّض ويتعرّض له الشعب السوري هو حصيلة تضاد الإرادات والمصالح الدولية، وانشغال أصحاب القرار الدولي بأمور أخرى أهم بالنسبة إليهم من مستقبل الشعب السوري وطموحه نحو الحياة الحرة الكريمة، وهو طموح يتناقض بالمطلق مع وجود زمرة قاتلة فاسدة، أحرقت الأخضر واليابس، ودمّرت البشر والحجر.

أما أصحاب المنحى الآخر من الموالين للنظام، أو التابعين له، والمتناغمين معه، بمن فيهم بعض بقايا اليساريين المتكلّسين، فيدّعون أن ما تعرضت له سورية بشعبها ومدنها وقراها كان نتيجة مؤامرة كونية استهدفت النظام العلماني حامي الأقليات، والمدافع عن الحق العربي في مواجهة المشروع الإسرائيلي والغربي الاستعماري عموماً.

وبعيداً من حجج الفريقين، وبصرف النظر عن مدى توافقها مع الواقع، وبالعودة إلى الحكاية الكردية المشار إليها، نرى أن سورية قد دُمرت، وأهلها قد شردوا في معظمهم، أما من بقي منهم في مناطق سكنهم فيعيشون كابوس القادم المجهول.

أي مصير ينتظر سورية والسوريين؟ سؤال يُطرح كثيراً، والأجوبة التي تُقدم عنه غالباً ما تدخل في عداد التخمينات أو الاحتمالات، لأن مقادير الحسم لم تعد في أيدي أبناء البلد أو الإقليم، بل أصبحت في عهدة اللاعبين الكبار، هؤلاء الذين غدت سورية بآلامها وآمالها في حساباتهم مجرد ورقة ضمن حزمة أوراق الصفقات والبازارات.

في بداية الثورة، قبل نحو ستة أعوام، سئلنا في غير مناسبة عن مدى احتمال تقسيم سورية، وكان جوابنا المعتاد هو استحالة ذلك، وكانت الحجة الأساسية أنه من الصعب تهجير نحو مليون سني أو أكثر من المنطقة الساحلية في سبيل إقامة كيان طائفي تحدث عنه كثر، وما زالوا يتحدثون. والأمر نفسه بالنسبة إلى العلويين في دمشق، والكرد في دمشق وحلب، وهكذا بالنسبة إلى مختلف مكوّنات المجتمع السوري.

لكن بعد كل الذي حصل وبعدما تم تهجير الملايين عوضاً عن المليون، وبعد تدمير الحاضرات السورية، لا سيما حلب وحمص، باتت الأبواب مفتوحة أمام كل المشاريع السوداوية، المعقولة منها واللامعقولة، حتى أن كل الإشاعات تجد لها أرضية خصبة بين معشر المنفعلين.

الوضعية السورية لا تنفصل عن الوضعية العامة في المنطقة التي تشهد زلزالاً سياسياً متعدد المراكز والعوامل وغير مسبوق، الأمر الذي ينذر بموجات ارتدادية قد لا تقل في خطورتها عن الزلزال المركزي نفسه.

فالمتغيرات العميقة المتسارعة في كل من سورية والعراق، بخاصة في ضوء معارك الموصل وحلب، وعلى الأكثر الرقة في وقت قريب، والانعطافات الحادة في الوضعين اليمني والليبي، والغليان الداخلي في مصر وتفاعلاته الإقليمية، كل هذه العوامل ستكون لها انعكاسات على واقع الدول المجاورة، انعكاسات ستتمظهر في هيئة أخطار تهدد استقرارها وحدودها وأدوارها. وهي أخطار متضايفة متفاعلة مع الاستراتيجية التي اعتمدها النظام الإيراني منذ أوائل الثمانينات، وهي استراتيجية توظيف المذهب لخدمة المشروع التوسعي عبر نقل المعركة إلى أراضي الآخرين. وقد تقاطعت الاستراتيجية المعنية في أوجه عدة مع السياسية الأميركية الانسحابية اللافتة، والنزعة الاندفاعية الروسيـة. وهـذا مـع الإقـرار بـتـبايـن مـسوغـات كل طرف.

من الإشكاليات الكبرى التي تواجه السوريين، انعدام صلاحية النظام القائم، وعدم أهلية المعارضة، بوضعها الراهن، لطرح المشروع البديل المقنع الذي يطمئن الداخل الوطني السوري بكل مكوّناته. فالنظام فَقَدَ كل الأهلية والشرعية لاستعادة سورية الموحدة، والمعارضة بخلافاتها وخصوماتها وثغراتها لم تتمكن بكل أسف من استغلال نقاط قوتها، وتجاوز بواعث ضعفها.

وما ترتب على ذلك تحوّل الورقة السورية إلى مجرد مادة منفعلة في انتظار أفعال الآخرين، بحيث وجدنا أنفسنا نبني تقديراتنا على ما نعتقد أنه قُرّر أو سيقرّر في شأننا من أولياء الأمور: أميركا وروسيا.

سورية التي نعرفها لم تعد موجودة. وسورية التي ننتظرها ما زالت في حكم المجهول. وكل حديث عن إمكان التوصل إلى حل وطني توافقي، يكون في مصلحة جميع السوريين من دون استثناء، يدخل لدى معظمهم في عداد الاستحالات العصيّة على أي تحقّق واقعي.

ومع ذلك، يظل هذا الحل، الوطني الموحد، هو الأنجع لاستعادة وحدة النسيج الوطني السوري، وإنعاش ثقة السوريين بمستقبل كريم لأجيالهم المقبلة. وحلّ كهذا يستوجب تحرّك النخب السورية المحبة والمخلصة لوطنها وشعبها بكل شرائحه وانـتماءاته وتـوجهاته وجهاته، بعيداً من الحسابات السياسية المنهِكة، والعقد الانتقامية.

فمن دون حوار سوري - سوري حقيقي، صريح مسؤول، بين النخب التي لم تفقد توازنها بعد، على رغم كل هذا التجييش الذي نعيشه، ولم تتلوث عقولها بسرطان الانغلاق الطائفوي أو القوموي، لن نتمكّن من رؤية الموزاييك السوري الذي يظل موضوع حنيننا المستمر، ولن تستعيد سورية عافيتها، بل سنكون جميعاً مجرد أحجار شطرنح تتحرك بموجب ما تمليه إرادات المتحكّمين.

========================

موقفنا : وماذا بعد استهداف القبلة !؟ .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

28/10/2016

الصاروخ البالسيتي الشيعي الصفوي الذي أطلقه من يسمون بالحوثيين مستهدفين مكة المكرمة ، حرسها الله وزادها إعزازا وتعظيما ، ليس مجرد صاروخ يستهدف بقعة جغرافية ، هي أحب أرض الله إلى الله ، وأحب أرض الله إلى المؤمنين المسلمين ، فقط ؛ وإنما هو صاروخ قطيعة وظلم ، يستهدف مطلقوه ومحركوه إلى أن يقطعوا آخر ما كان يظن بينهم وبين أمة الإسلام من روابط ووشائج .

لقد تعود علماء الإسلام أن يعبروا بمصطلح ( أهل القبلة ) للدلالة على الدائرة الأوسع التي تشمل كل المختلفين من اتباع الفرق والمذهب ، ممن يولون وجوههم (( شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ )) ، فماذا بعد أن تتوجه صواريخ الحقد والقطيعة والظلم إلى مكة الحرام ، مهوى الأفئدة والقلوب ، التي لا يعضد عضاها ولا يخلى خلاها ولا يزعج الآمن في جوارها من طير وأليف من الحيوان ؟!

ماذا بعد أن تستهدف قبلة المسلمين ، التي تضمهم وتجمعهم وتوحدهم ، بجريمة منكرة خرقاء ، أقدم عليها هؤلاء المارقون من الدين ومن كل القيم والأخلاق؟!! ماذا حين يتجرؤون على الاستهانة بما عظم الله من مشاعر وشعائر (( وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ )) ؟!

إلا أن الجريمة المنكرة التي أقدم عليها ( قرامطة ) القرن الخامس العشر ، كان لها سابقتها في التاريخ ، حين أقدم قرامطة القرن الرابع الهجري ، وبالتحديد في سنة 317 / بالإغارة على بيت الله الحرام ، في أيام الحج الأكبر ، واستباحوا الحجيج في ساحات الحرم الشريف ،فقتلوا نحوا من ثلاثين ألف ، حاج محرم ، وردموا بئر زمزم بأجسادهم ، وصعد أبو طاهر القرمطي ، سابق وسلف الولي الفقيه وقاسم سليمان وحسن نصر الله ، ظهر الكعبة ، يتحدى الله وينادي :

أنا بالله وبالله أنا ... يخلق الخلق وأفنيهم أنا

ثم أكملوا فعلتهم الشنيعة ، باقتلاع الحجر الأسود ، وسرقته وتغييبه عن مكانه نحوا من عشرين عاما . ..

لن تتسع طاقة البيان للتعبير عن حجم النكارة والإدانة والغضب التي تضطرم في قلوب كل المؤمنين والمسلمين للجريمة النكراء الخرقاء .

وإننا إذ نحمد الله أن وقى الله بيته وحرمه من مكر الماكرين وشر الأشرار ، ونشكر جند الحق إذ كانوا لجند الباطل بالمرصاد ؛ إلا أننا لا بد أن ننبه إلى ان الصاروخ الذي تصدت له العيون الساهرة ، ليس إلا البداية ، وأن هذه الجرأة على دين الله والبلد الحرام الذي جعله الله سواء للناس ، سيكون لها أخوات . ورأس الأفعى وجحرها ومكمنها لا يغيب عن عين رقيب ...

اللهم من أراد ببيتك سوء ومكرا ، فخذه بالطير الأبابيل ، واجعله وجنده وآلة حربه كعصف مأكول ..

اللهم إن قلوب المؤمنين والمسلمين حول العالم ، تبرأ إليك من شر الأشرار وكيد الكائدين ، ننكر جرائمهم وجرائرهم ونستعيذ بك من شرورهم وندرأ بك في نحورهم ...

اللهم ألهم القائمين على حماية بيتك الحرام في الذود والحفاظ رشدهم ، وزدهم قوة إلى قوتهم ، ويسرهم لنصرة الإسلام والمسلمين في كل مكان ..

اللهم انصر من عزم وتوكل ونصر وجنبنا من تخاذل وخذل ..

اللهم زد بيتك الحرام وكل أرض المسلمين تعظيما وتشريفا وإعزازا والطف بها بالحفظ والأمن والسلام ...

28 / 10 / 2016

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

========================

ولادة عسيرة للخيارات الأميركية بشان سورية .. غازي دحمان

العربي الجديد

الخميس 27/10/2016

استنزفت أميركا طاقات حلفائها، وهي تتحدّث عن نيتها تصنيع خياراتٍ بديلة في سورية، بل وضعت الثورة السورية نفسها في سلسلةٍ من المخاطر غير المسبوقة، والأخطر أن سياستها هذه جعلت من روسيا شريكاً واقعياً في إدارة السياسات الدولية، على الرغم من أنها طرف غير مؤهل لهذه الأدوار، نظراً لضعف خبراتها في الإدارة السلمية للأزمات.

ماذا فعل أوباما؟ استنفر وكالاته وأجهزته، وطلب منها اقتراح خيارات وبدائل للتعاطي مع الحالة السورية، شرط أن تكون تلك الخيارات عملية، ويمكن تنفيذها، بهدف تعديل موازين القوى، أو تصحيح الخلل الذي أحدثته روسيا وحلفاؤها في حلب، وذلك لانعكاس هذا الخلل على مصداقية أميركا ومصالحها. والمعلوم أن لدى الأجهزة الأميركية تقديرات وقوائم خيارات كانت قد أعدتها في مناسبات سابقة، سواء بقصد الوقوف الدائم على تطورات الأزمة وتداعياتها المنفلتة، أو حتى تلبيةً لطلب من الإدارة نفسها التي طالما وقفت على عتبة الأزمة، متأبطة ملفها بين جنيف وموسكو، وكانت هذه الخيارات على الدوام تحتاج إلى تحديث وتعديلاتٍ، نظرا للمتغيّرات السريعة الحاصلة في مواقع الأطراف وظروف الحرب.

من الواضح اليوم، ومن الاجتماعات الكثيفة وطول مدة التشاور أن واضعي الخيارات للرئيس أوباما يعملون ضمن مناخاتٍ صعبة، فالرجل يطلب منهم المشورة، نتيجة ما يتعرّض له من ضغوط. وفي الوقت نفسه، يقيدهم بمحاذير كثيرة، تكاد تكبّل قدرتهم على الحركة والفعل، حيث يقع هامش البدائل المقبولة من أوباما بين حدي انعدام المخاطر وعدم تورّط أميركا بإرسال قواتٍ إلى سورية.

وتكشف تصريحات أوباما المتواترة أنه يجري، على الدوام، موازنةً بين المخاطر والفرص في القرارات التي سيتخذها، من دون أن يلتفت إلى أن التغيرات جارية بشكل متدفق، وما قد يكون اليوم فرصةً يصبح غداً، وفي حال التلكؤ في التنفيذ، خطراً أو أقله فرصةً قليلة الجدوى والفعالية، فماذا سيعني السماح بتسليم مضادات للمروحيات، في وقت تكون روسيا قد استعادت حلب، وهدّدت الفصائل في مناطق أخرى. حينها لن تكون ثمة حاجة لسلاح المروحيات. أو ماذا يعني احتمال قصف مطارات محدّدة، فيما تتولى روسيا القوة النارية الجوية من مطار حميميم؟

الأهم أن الخيارات التي تسعى أميركا إلى اجتراحها لن تترجم على شكل التزامات دائمة، ولا

"أسقطت أميركا، بتردّدها وسلوكها المتهاون بشأن سورية، عدة خيارات، كانت، حتى وقتٍ قريبٍ، ممكنة التحقق" أعمال مستدامة، إلى حين تغيير موازين القوى على الأرض، لن تكون أكثر من ضربة واحدة إن حصلت، أو دفعة محدّدة من الأسلحة. وهنا، على القيادة الأميركية أن تتنبه بالفعل للمخاطر التي ستجلبها مثل هذه السياسات، حيث إنها ما لم تردع روسيا وتجبرها على التراجع عن أساليبها، فإنها ستدفعها إلى استعمال أقصى أنواع العنف تجاه الشعب السوري، وستفعل ذلك بذريعة أنها تخوض حرباً مقدّسةً ضد أميركا والغرب، كما أن نظام الأسد سيزاود على السوريين بأنه يواجه مؤامرةً كبرى لإسقاطه وإسقاط الدولة السورية. أليس من الأفضل لخياراتٍ على هذه الشاكلة أن لا ترى النور؟

لم تفعل دراسة الخيارات الأميركية سوى تحفيز روسيا على توسيع انتشارها في سورية، وإرسال مختلف صنوف الأسلحة. وهنا أيضاً مكمن خطورة آخر، ذلك أن عدم اتخاذ واشنطن إجراءاتٍ رادعة ضد روسيا سيعني أنها لم تفعل شيئاً آخر، سوى تغيير ديناميكية الصراع لصالح روسيا في سورية. وهي وضعيةٌ لن يستطيع الرئيس القادم أن يفعل تجاهها شيئاً له قيمة.

أسقطت أميركا، بتردّدها وسلوكها المتهاون، عدة خيارات، كانت، حتى وقتٍ قريبٍ، ممكنة التحقق: خيار تشكّل ائتلاف إقليمي، تقوده تركيا والسعودية، يسقط نظام الأسد، وخيار إمكانية إسقاطه من الثوار، وخيار إنشاء منطقة آمنة، حتى وإن كانت هناك مصاعب عملية تقف في وجه تنفيذ هذه الخيارات، فإنه مع الاستعدادات الروسية وطبيعة الانتشار وحجم الأسلحة صارت كلها في حكم الماضي.

ويمكن للمراقب لصيرورة الإجراءات الروسية في سورية ملاحظة بعدٍ تقنيٍّ خطير فيها، ذلك أن تلك الإجراءات كانت، في الغالب، ذات طابع تكتيكي اختباري (أوراق ضغط تكتيكية)، طبيعة الاستعدادات ومستوى التحضير وحجم الموارد والأصول كانت مؤشرات واضحةً على ذلك، لكن الرد الضعيف من أميركا حوّلها إلى إجراءات مستدامة واستراتيجية، ولم تأخذ الإجراءات الروسية وقتاً طويلاً، في طور الاختبار، قبل أن تتحول من مجال المناورة المتحرّك إلى الواقع الاستراتيجي الصلب. لذا من المقدّر أن يحصل تمدّد وانتشار روسي في الأشهر القليلة الباقية من حكم أوباما، بما يوازي أضعاف ما جرى حتى اللحظة، وليس في سورية وحدها، وإنما على مستوى العالم.

لم تكن أميركا بحاجةٍ إلى دراسة مديدة لخياراتها، لقد وفّرت لها ظروف الحرب السورية

"تنتهي الخيارات الأميركية بفرض عقوباتٍ من نمط منع بعض ضباط الأسد وقادة نظامه من السفر إلى أميركا" وتطوراتها الفرصة تلو الأخرى، للقيام بعملٍ يؤيده المجتمع الدولي كله. كان يمكن إنزال الإمدادات الإنسانية فوق حلب، وغيرها من المناطق المحاصرة، بطائرات نقل أميركية من مسؤولي الأمم المتحدة. وكان يمكن أن يكون ذلك بدايةً لتأسيس آلية تدخلية خالية من المخاطر، لو أن إدارة أوباما التقطتها وطوّرتها.

غالباً ما تنتهي الخيارات الأميركية بفرض عقوباتٍ من نمط منع بعض ضباط الأسد وقادة نظامه من السفر إلى أميركا، والذين في الواقع لا يفكرون أصلاً بزيارة أميركا، ولن يكون لديهم وقت لزيارتها، في ظل انشغالهم في الحرب. وعند انتهاء الأزمة، سيكون القسم الأكبر منهم قد غادر الحياة، أو عقوبات اقتصادية تطاول بعض رجال الأعمال القريبين من بشار الأسد، وهم من المفترض أن يكونوا، بدون هذه الواسطة، مطلوبين للانتربول الدولي، نتيجة فسادهم وجرائمهم الاقتصادية.

========================

منشطات سياسية .. أحمد طه

العربي الجديد

الخميس 27/10/2016

لا يكاد يمرّ أسبوع من دون أن تطالعنا الصحف ووكالات الأنباء عن عقوبات بحق الرياضيين الروس، بتهمة تعاطي عقاقير تعتبرها الهيئات الرياضية الدولية مخالفة لقوانين الرياضة، حتى وصل الأمر إلى سحب ميداليات من أبطالها بالتهمة نفسها.

الحال مع الرياضة الروسية لا يشبه حال السياسة الروسية التي مضى أكثر من عام على تدخلها العسكري في سورية، فإن كانت الفحوصات التي تجري للرياضيين هي ما يكشف المخالفات، فإنّ ما تخلّفه المقاتلات الروسية في سورية لا يحتاج إلى اختبار، وهو ما ترصده مئات العدسات، حتى الروسية منها .

لا يعرف السوريون أسماء الرياضيين الروس المعاقبين، لكنهم يعرفون أسماء أحبائهم، كالطفل عمران الذي انتشرت صوره بعد خروجه من تحت الأنقاض في طفرة إنسانية عالمية، لم تلبث أن انحسرت وتلاشت، ليعود العالم إلى الانشغال بأخبار عديدة، أحدها مخالفات الرياضيين الروس، وقد لا نبالغ إذا قلنا إنّ تعاطف العالم مع العقوبة الرياضية التي فرضت على لاعبة التنس الروسية، شارابوفا، فاق تعاطفهم مع ضحايا طيران بلادها.

في السنوات الست الأخيرة، كان الروس أكرم ما يكونون في تقديم الفيتو لصالح النظام في دمشق، فمن الفيتو الأول عام 2011 وحتى الفيتو قبل أيام، لم تخف روسيا دعمها المطلق حليفها في دمشق، لينتقل الدعم من أروقة الأمم المتحدة إلى سماء سورية، وصولاً إلى المشافي التي تدواي جرحى القصف والمقابر التي تضمّ من لم يتحوّل بيته إلى قبره .

لم يتوقف التدخل العسكري الروسي على قصف المدن السورية، بل تعدّاه لمحاربة الناس في أقواتها، فالقصف الجوي على القافلة الأممية التي كانت متوّجهة إلى حلب في 19 سبتمبر/ أيلول تمّ على مرأى ومسمع العالم أجمع، مخلّفا عشرات القتلى والجرحى، وإن افترضنا جدلاً أنّ طائرات النظام هي من قصفت القافلة، فإنّه قصف لم يكن ليتم إلا بمباركة روسية.

الأزمة الرياضية مستمرة وتوقفها مشروط بامتناع الرياضيين الروس عن تعاطي بعض العقاقير، لكن الحرب في سورية تقتات على دماء السوريين وتغذّيها منشطات سياسية لم يحظرها العالم تسمى اليوم: الفيتو.

========================

الهدنة الخدعة .. علي العبد الله

المدن

الاربعاء 26/10/2016

مرت “الهدنة” في حلب دون أن تحدث فارقا إنسانيا أو سياسيا، حيث لم تُنفذ عملية إخراج مئات الجرحى والمرضى وإدخال المساعدات الإنسانية الى المدنيين المحاصرين في الأحياء الشرقية من المدينة.

لم، وأين المشكلة؟.

لم تقبل روسيا دعوات وقف إطلاق النار في حلب، واستخدمت حق النقض(الفيتو)، وهو الخامس لحماية النظام السوري من المحاسبة، ضد مشروع القرار الفرنسي الاسباني، وأرفقته بتكثيف غاراتها على الأحياء المحاصرة وبكل أصناف القنابل الفراغية والارتجاجية والفسفورية وإرسال مزيد من الطائرات والقطع البحرية الى سوريا، والاعلان عن اهدافها فيها: القضاء على الارهابيين، والابقاء على رأس النظام في السلطة، وفق تصريح الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، في مسعى للي ذراع الولايات المتحدة ودفعها للدخول في مفاوضات على صفقة شاملة تؤسس لنظام دولي ثنائي القطبية يمنحها حصة وازنة ودورا كبيرا في إدارة الملفات الدولية وحلها، لذا لم يكن منطقيا، بالنسبة لها، أن تفرّط في الورقة السورية بعامة وورقة حلب بخاصة في ضوء الإحراج الذي شكلته للإدارة الأميركية والمخاوف التي أثارتها في أوروبا على خلفية تجدد موجات النزوح والهجرة الى أراضيها.

لكنها(روسيا) لم تستطع تحمّل نتائج الحملات الإعلامية والحقوقية والسياسية التي ابرزت مدى وحشية قصفها للأحياء المحاصرة واستهداف المدنيين بشكل مباشر عبر قصف الأسواق والمدارس والمشافي، ووصفه من قبل قادة غربيين بـ “جرائم ضد الإنسانية” و “ترقى الى جرائم حرب”، والتلويح بفرض عقوبات اقتصادية جديدة عليها، وتحرّك منظمات حقوقية دولية ودعوتها لمعاقبتها في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة(تبنى المجلس يوم 22 الجاري في جلسة طارئة بطلب من 16 دولة، قرارا يستهدف بشكل محدد النظام السوري و”حلفاءه”، وبشكل خاص روسيا وايران. ونال القرار 24 صوتا مقابل سبعة في حين امتنعت 16 دولة عن التصويت، بالاضافة الى دعوة من 80 منظمة حقوفية لطرد روسيا من المجلس)، ودعوة مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان الأمير زيد بن رعد بن الحسين الى إحالة الملف الى المحكمة الجنائية الدولية، وتحريك الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا لملف استخدام غاز الكلور السام في قصف بلدات في ادلب والذي اثبته تقرير اللجنة الأممية المشتركة الخاصة والدعوة الى محاسبة النظام على ذلك في ضوء نتائج التحقيق التي اثبتت استخدامه لهذه الاسلحة مرتين عامي 2014 و 2015 وخرقه لتعهده في هذا المجال بعد انضمامه الى منظمة حظر الاسلحة الكيماوية، والتزام موسكو بضمان ذلك، والبدء باعداد مشروع قرار فرنسي بهذا الخصوص، وحاجتها الى ترطيب الأجواء مع دول الاتحاد الأوروبي قبيل اجتماع برلين لبحث تطورات الوضع في أوكرانيا ومراجعة تنفيذ اتفاق مينسك حولها، ولقطع الطريق على مطالب ألمانيا وفرنسا المتوقعة خلال الاجتماع الثلاثي حول سوريا، دفعتها الى طرح مبادرة لوقف القصف وقبول “هدنة” لثمان ساعات يوميا، مددتها الى أحدى عشرة ساعة، ولمدة ثلاثة أيام، وذلك لتخفيف الضغوط وسحب مبررات الدعوة الى معاقبتها وعزلها.

غير ان الاعلان الروسي “للهدنة” لم يكن أكثر من تكتيك ومراوغة لامتصاص الضغوط الكبيرة وتخفيف الحرج الذي سببه القصف العشوائي والوحشي للمدنيين في الأحياء المحاصرة في المدينة، وكذلك في إدلب وريفي حمص ودرعا، ورمي الكرة في الملعب الآخر من خلال الدعوة لتنفيذ اقتراح المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا باخراج مقاتلي “جبهة فتح الشام” من احياء المدينة الشرقية، لكن وفق رؤيتها هي لا وفق ما اقترحه المبعوث الدولي في اجتماع لوزان(اشتمل اقتراح دي ميستورا على خمس نقاط رئيسية أهمها الوقف التام لقصف شرق حلب، وكذلك وقف تام لقصف غرب حلب(من شرقها)، وخروج مقاتلي “جبهة فتح الشام” فقط من المدينة، فهذا لا ينطبق على منظمات معارضة أخرى موجودة في شرق حلب، رفع الحصار وإدخال المساعدات الإنسانية، مع بقاء الإدارة المحلية كمسؤولة عن إدارة الوضع في شرق حلب، وعدم دخول قوات النظام إلى المدينة حتى بعد مغادرة “جبهة فتح الشام”، وتقديم الخدمات والأمن العام والخدمات القانونية والأمن والحماية. في حين تريد موسكو اخراج بقية الفصائل، وترفض بقاء الادارة المحلية المعارضة في شرق المدينة، وتربط كل ذلك بموافقة النظام السوري، وذلك كوسيلة لافشال الاقتراح في حال عدم قبول تصورها لتنفيذه).

تجسد التلاعب الروسي بداية باقترح “هدنة” مقرونة بصيغة استفزازية بالحديث عن تهجير السكان كما حصل في داريا(علق لافروف على تهجير أهالي داريا قالا:”هذا ما يجب أن يحصل في المناطق الأخرى)، وإخراج المقاتلين، لم يكتف بإخراج مقاتلي “جبهة فتح الشام” بل أضاف لازمته غير المحددة “ومنظمات إرهابية أخرى”(الموقف الروسي قائم على أن كل مَنْ يرفع السلاح في وجه السلطة الشرعية إرهابي، وغير ذلك من التفاصيل لا يستحق التوقف عنده)، والاعلان عن ممرات آمنة يوفره لهم، ووضعهم أمام خيارين لا ثالث لهما: الخروج أو الموت، وكأنه يريد استفزازهم ودفعهم للرفض. وقد أوضح فرانتس كلينتسيفيتش٬ النائب الأول لرئيس لجنة الدفاع والأمن في المجلس الاتحادي الروسي٬ هذا التوجه بتصريحه لصحيفة “إزفستيا” حيث قول:”إن روسيا وعبر تلك الهدنة تهيئ ظرفا مناسبا ليتمكن المدنيون من الخروج من منطقة العمليات القتالية. وتتيح فرصة كذلك للمقاتلين٬ وأنه بعد الهدنة الإنسانية ستبدأ عملية التطهير٬ وأنه لن يكون من السهل عندها اتهام روسيا بأنها لا تأخذ مصالح المدنيين بالحسبان”. وهذا ما أكده اعلانها بعد انتهاء “الهدنة” ان لا “هدنة” أخرى.

لم تكن “الهدنة” العتيدة الا لعبة سياسية لتحقيق هدفين متكاملين: تجيير اقتراح المبعوث الدولي لصالح تصورها للمخرج في حلب بحيث يتحول الى دعوة لخروج كل مقاتلي المعارضة من المدينة وتسليمها للنظام دون قتال، وهذا ما أكده وزير الدفاع الروسي في تصريحات لـه دعا فيها “القيادات في الدول التي لها تأثير على قادة المجموعات المسلحة بإقناع المقاتلين بالكف عن المقاومة والخروج من حلب”، واحتواء الضغوط الدولية التي يُخشى من تطورها باتجاه عزل روسيا ومحاصرتها سياسيا وحقوقيا، خاصة مع الاصرار الفرنسي على محاسبة النظام على استخدام الاسلحة الكيماوية وتحذير وزير الخارجية من اسقاط مشروع القرار بفيتو روسي، فقد استبق طرح مشروع القرار في مجلس الأمن بالقول:”إن ما قام به النظام هو جريمة حرب وانتهاك واضح لالتزاماته٬ وأن إجهاض قرار جديد من قبل روسيا في مجلس الأمن سيكون بمثابة مشاركة في الجريمة”، ناهيك عن امكانية فرض مزيد من العقوبات الاقتصادية عليها مع ما يمكن ان تجلبه الانتخابات الرئاسية الاميركية من مواقف وما قد تحدثه من تغيرات في التعاطي الاميركي مع الملف.

========================

حلب المواجهة الكبرى .. يمان دابقي

العربي الجديد

الاربعاء 26/10/2016

عندما يُطالب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بفصل المعارضة المعتدلة عن جبهة فتح الشام (النصرة سابقاً) ويأمرها بالخروج الفوري من حلب، فمن الطبيعي أن يأتي الجواب من الحلبيين أنفسهم: لماذا لا تخرج أنت؟ ومن الذي وكّلك أن تطلب وتأمرنا بالخروج؟ أنت محتل غاز، ونحن أصحاب الأرض، ومن حقنا أن ندافع عن أرضنا وعن أعراضنا، ونحن من نحدّد مصيرنا، فإما أن نحيا فيها أو أن نموت.

جاء هذا الكلام من أهالي حلب المحاصرة، والذين ينطبق عليهم اليوم قوله تعالى (المستضعفون في الأرض). كانت هذه الكلمات كفيلة لإظهار عزيمة الصمود، والإصرار لأبناء المنطقة المحاصرة على تعرية الدُّب الروسي أكثر أمام خصومه الغربيين، بهدف توبيخه أكثر أمام الرأي العام، واتهامه مباشرة بأنّه مجرم حرب، ولعلّ السؤال الآن: ماذا تريد روسيا أن تفعل في حلب؟ ولماذا كلّ هذه الهالة الإعلامية التي تخرج من الكرملين، ومن الخارجية الروسية بالإصرار على خروج ما أطلقت عليهم الإرهابيون من حلب؟

منذ تدخلت روسيا في سورية منذ أكثر من عام، وهي تصرّ على أخذ ما تريده بالقوة، فغيّرت المعادلة سياسياً وعسكرياً، وامتلكت زمام الأمور في سورية، وتحوّل الأسد إلى ناطق رسمي باسم الكرملين، وأصبحت تطرح مبادراتٍ وتُلغى أخرى، بما يتناسب مع هواها. وفي الآونة الأخيرة، اتضحت الرؤية أكثر للموقف الروسي من خلال ما ظهر من تواطؤ دولي وعجز مجلس الأمن وإدارة الرئيس الأميركي، بارك أوباما، ظهره لكلّ المنطقة، وترك الساحة السورية للروس، مع استمرار التواصل والغزل بينهما، من تبادل أدوار وإخراج مسرحي بزعامة الوزيرين، كيري ولافروف.

أحرق بوتين حلب مستخدماً جميع أنواع الأسلحة المحرّمة دولياً، بغرض سقوط حلب وإعادتها للنظام بأسرع وقت ممكن، إلا أنّ ما فاجأ بوتين أنّ أميركا لم تستطع أن تغطي وتبرّر له كلّ جرائمه، إذ صدمت أميركا وروسيا بتحرّك دول الغرب، لتبدأ بوادر الانشقاق الدولي تتضح بعد جلسات عدّة لمجلس الأمن بخصوص حلب، لكن بوتين أصرّ على موقفه، وعطّل قرار فرنسي في مجلس الأمن مستخدماً الفيتو في الثامن من أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، ما انعكس إيجاباً في توحيد دول أوروبا لتشكيل جدار منيع ضد روسيا التي راجعت حساباتها لامتصاص هذا الغضب الأوروبي، فعاد زخم الحراك الدبلوماسي من جديد، ودخل الملف السوري في دورة جديدة يدور بين لوزان ولندن وبرلين، والنتيجة إعلان هدنة روسية في حلب ثماني ساعات في 19 أكتوبر الجاري، ومُدّدت إلى 24 ساعة بطلب من الرئيس بوتين، والهدنة كانت من طرف واحد أراد منها بوتين إخراج "جبهة فتح الشام" وفتح ست ممرّات لإخراج الجرحى والمصابين، لكنّ هذا لم يتحقّق حتى الآن لفقدان الأمان والضمانات بحسب ما أعلنت الأمم المتحدة.

عندما تعزّز روسيا من وجودها البحري في المتوسط، بوصول سفينة كوزنتسوف المحملة بأكثر من خمسين طائرة برؤوس نووية، لا شك أنّ هدفها من الهدنة ليس خروج جبهة النصرة، فداريا وحي الوعر والمعضمية وقدسيا والهامة تمّ تهجيرهم من دون أن تكون جبهة النصرة موجودة بين الناس.

أما حلب، فهي هدنة عسكرية ومهلة أخيرة، قبل الاجتياح الأخير جواً وبراً، اتخذتها روسيا ذريعةً جديدة أمام الرأي العام، لتقول لهم أنا قمت بما يجب أن أقوم به، ولكن جبهة النصرة لم تخرج، وهو ما صرّح به لافروف قبل يومين، كما ظهر تصريح من مسؤول في حلف الناتو، يقول فيه إنّ روسيا تستعد لشن هجوم كبير على شرق حلب، فالبوارج الحربية والأسطول البحري والأسلحة النووية، من المؤكد أنّها ليست لمواجهة 300 مقاتل من النصرة.

لم تتوان الفصائل في حلب عن الردّ على المكر والخداع الروسي، فقد أعلنت كلّ الفصائل في حلب البقاء والقتال حتى الرمق الأخير، وتوّعدت بفك الحصار عن حلب، وإنهاء وجود النظام فيها، حتى المدنيون قرّروا التمّسك أكثر بأرضهم، ومواجهة كل الصعاب.

أثبت أهالي حلب لكلّ العالم أنّ الهدنة الروسية لم تكن لتأتي، لولا فشل النظام وروسيا في اقتحام المدينة، فالعنف الروسي زادهم عزيمة وإيماناً بنيل الحرية أو الموت في سبيلها.

من المرجح أنّ حلب مقبلة على ملحمة كبرى، ستكون فيها مرحلة حسم وتغيير لكل المعادلة على الأرض، فإما أن تمحى من الخريطة السورية أو تدخل التاريخ بسواعد أهلها.

========================

الصراع السوري من جنيف إلى لوزان .. سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاربعاء 26/10/2016

هل تزيح توافقات لقاء لوزان في 15 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري مقرّرات بيان جنيف، بحيث تصبح بمثابة المرجعية الجديدة لحل الصراع السوري؟ الفارق بين هذه وتلك، أنه في جنيف كان الطرفان المتصارعان، أي النظام والمعارضة، يتفاوضان وجهاً لوجه، بغضّ النظر عن جدّية هذه العملية أو رأينا فيها، أما في لوزان، فقد أضحينا أمام مشهدٍ مختلف تماماً، إذ اختفى، أو أزيح، الطرفان المعنيّان، وأصبحت الأطراف الدولية والإقليمية الفاعلة، والموجودة على الأرض، تتفاوض مع بعضها مباشرة، بدلاً من أدواتها، لأول مرة منذ بداية الصراع السوري، وهذا ما توفّر بجلوس كل من وزيري خارجية الولايات المتحدة وروسيا، مع وزراء خارجية إيران وتركيا والمملكة العربية السعودية وقطر ومصر والأردن والعراق، وفي غياب الدول الأوروبية (ألمانيا وفرنسا وبريطانيا).

هذه نقلة كبيرة في مسار الصراع السوري، على الرغم من معرفتنا أن القضية السورية خرجت من أيدي السوريين، نظاما ومعارضة، منذ زمن، إذ أضحى الأمر، هذه المرة، بيد الولايات المتحدة الأميركية وروسيا وتوابعهما، من الناحية العملية وعلى المكشوف، كأن أصحاب القضية باتوا مجرد أدواتٍ تنفيذية لهم، وذلك نتيجة هيمنة القوى الخارجية على الطرفين المتصارعين، لتغدو هذه القوى كأنها العامل الداخلي، نتيجة ارتهان النظام لحليفيه الإيراني ثم الروسي، ونتيجة اعتمادية فصائل المعارضة على القوى الخارجية.

على ذلك، هل تحلّ توافقات لوزان محل مقرّرات جنيف، أو مفاوضات لوزان غير المعلنة محل مفاوضات جنيف العلنية؟ في الإجابة على تساؤلٍ كهذا، ربما يمكن القول بإمكان حصول ذلك، بحسب ما تفيد مجمل التسريبات والوقائع، إذ هذه المرة ثمّة توافقاتٌ يجري ترجمتها من الناحية الفعلية على الأرض، وعلى جبهات القتال، وفي الفصل بين المتحاربين، وفرض خطوط تماس، إضافة إلى حديثٍ عن العودة إلى مسار تفاوضي، لكن على أساس الاتفاق الأميركي الروسي الذي جرى في 9 سبتمبر/ أيلول الماضي، وثمة خبراء روس وأميركيون يجتمعون بشكل منتظم في جنيف، في ما يشبه ورشة عمل جماعية، مع خرائط وتفصيلات، بل ومع توجيهات وأوامر للنظام والمعارضة.

ما كان يمكن الوصول إلى هذا الوضع، لولا إخفاق المجتمع الدولي، ممثلاً بمجلس الأمن 

"لا يبدو أن ثمة قدرة لأحد على مقاومة الوصفة الأميركية للحل، لا من النظام ولا من المعارضة" الدولي، في فرض صيغةٍ لاتفاق ما يضمن وقف إطلاق النار، ووقف القصف الجوي وتأمين المساعدات الإغاثية للمناطق المحاصرة، واستئناف عملية جنيف؛ هذا أولاً. ثانياً، يبدو أن إطلاق عملية لوزان تم برغبة روسيا، لتأمين ما يشبه سلّماً للنزول لها، بعد أن شعرت موسكو بعزلتها في مجلس الأمن الدولي، وبعد أن تبيّن أن لعبها بالورقة السورية لن يجدي نفعاً في دفع الغرب إلى تقديم تنازلات لها في الملفات الأخرى (أوكرانيا، الدرع الصاروخي، رفع أسعار النفط، رفع الحظر التكنولوجي). ثالثا، تحاول روسيا، ومعها الولايات المتحدة، فتح مسارٍ يجمعها وروسيا بالدول الأخرى التي تعتبر منخرطةً بالصراع السوري، ولا سيما إيران وتركيا والسعودية وقطر والأردن، مع استبعاد الدول الأوروبية التي بات موقفها ينحو نحو التشدّد وفرض مزيد من العقوبات على روسيا بدلاً من رفعها؛ وهذا ما تمخضت عنه قمة الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والفرنسي فرانسوا هولاند ومستشارة ألمانيا أنجيلا ميركل في برلين أخيراً.

بالنسبة للمعارضة السورية، من الواضح أنها تفتقد للخيارات المناسبة، السياسية أو العسكرية، لمواجهة الحل المطروح، بمعنى أنها غير مخيّرة، وليس لها إلا القبول، بحكم اعتماديتها على الدعم الخارجي، وأيضاً بسبب تشتّت قدراتها وفصائليتها وتعدّد مرجعياتها، وضعف إمكاناتها، وأخيراً بسبب الكارثة المحدقة بالسوريين، في ظل واقع اللجوء والحصار والتشرد.

يستنتج من ذلك أنه لا يوجد لدينا في الساحة الآن سوى الاتفاق الأميركي ـ الروسي، وعملية لوزان، بغض النظر عن رأينا في هذا وذاك، ولا يوجد لدينا، ولو مضطرين، إلا الوصفة الأميركية للحل السياسي القائمة على الحفاظ على رسم خطوط فصل بين الأطراف المتحاربة في سورية، وإنهاء القصف الجوي (من روسيا والنظام) وإغاثة المناطق المحاصرة، والتوجه نحو محاربة الإرهاب (داعش وجبهة النصرة)، ثم الانتقال إلى عمليةٍ سياسيةٍ لا تتطرّق إلى مصير الأسد، أو لا تشترط رحيله، في المرحلة الانتقالية، مع إقامة حكومة انتقالية بالتفويض بصلاحيات غير واضحة حتى الآن، بالشراكة بين النظام والمعارضة.

هذه هي الوصفة الأميركية للحل، ولا يبدو أن ثمة قدرة لأحد على مقاومتها، لا من النظام ولا من المعارضة، بل إن جلب الأطراف المعنية (تركيا وإيران وقطر والسعودية) إلى لوزان كان بهدف وضع هذه الدول أمام مسؤولياتها (إلى جانب روسيا)، كي تأتي الخطوة التالية، وهي جلب الفصائل السورية المقاتلة، لتضع توقيعاتها على هذه الوصفة، وإلا اعتبرت ضمن الجماعات الإرهابية، وجرت مقاتلتها.

عموماً، تم التمهيد لذلك، بإعلان تركيا والمملكة العربية السعودية باعتبار جبهة فتح الشام (جبهة النصرة سابقا) تنظيماً إرهابياً حسب السعودية، ويجب أن تخرج من حلب حسب تركيا، ودعوة الفصائل العسكرية إلى فصل مواقعها عن تلك الجبهة، والتحريض على التبرؤ منها، وإخراجها إلى إدلب، وتبدو قطر ملتزمة بهذا التوجه بحضورها اجتماع لوزان.

لعل هذا كله يؤكد أننا إزاء مسارٍ جديد في مسيرة الصراع السوري على مختلف الأصعدة، أي

"نحن أمام واقعٍ يلغي تماماً النظام كرأي مستقل، ويضيق خيارات المعارضة، حتى لتغدو صفراً" على صعيد مواقف الدول الكبرى، الولايات المتحدة وروسيا، ومواقف الدول الإقليمية المشاركة في الصراع (إيران وتركيا والسعودية وقطر)، كما على صعيد الموقف من جبهة النصرة، ولا سيما أن هذه لا تعتبر نفسها محسوبةً على الثورة السورية، بل إنها تناهض أهدافها، وحتى إنها لعبت دوراً رئيساً في إزاحة الجيش الحر من المشهد، بل وسهّلت استعداءها برفضها التخلي عن منهجها المرتبط بالقاعدة.

قد يشمل التغير الحاصل في مشهد الصراع السوري أيضاً تجميد قواعد الاشتباك السائدة، والدخول في عمليةٍ سياسية، وما يرجح ذلك تصاعد التبرم الأوروبي من روسيا، والتغير الآتي في الإدارة الأميركية، ووصول الأطراف المتصارعة في سورية إلى مرحلةٍ كبيرةٍ من الإنهاك والاستنزاف.

في كل الأحوال، نحن أمام واقعٍ يلغي تماماً النظام كرأي مستقل، ويضيق خيارات المعارضة، حتى لتغدو صفراً، إذ لا خيارات بديلة، أو أنها غير قادرة على اجتراح خياراتٍ بديلةٍ، في حال بقيت تدور في واقعها الحالي، بعيداً عن متابعة خطواتها الإصلاحية التي أعلنت عنها، بدءاً من إنهاء حالة الفصلنة العسكرية، مرورا بتوسيع دائرة التمثيل والمشاركة بصناعة القرار السياسي.

========================

معركة الباب في نظر تركيا والنظام السوري .. حسين عبد العزيز

الحياة

الاربعاء 26/10/2016

تسير التطورات العسكرية في محافظة حلب نحو مزيد من التصعيد ضمن مرحلة يمكن تسميتها بكسر العظم قبيل وصول رئيس جديد إلى سدة الحكم في البيت الأبيض، وما يمكن أن يستتبعه ذلك من تغير في التعاطي الأميركي مع الأزمة السورية.

ولذلك يحشد النظام السوري وحلفاؤه قواتهم لاقتحام مناطق سيطرة المعارضة في الأحياء الشمالية الشرقية للمدينة وفي الأحياء الجنوبية الغربية وامتدادها في الريف الجنوبي الغربي، لا سيما نحو خان طومان ومحيطها.

وتبدو الأيام المقبلة على موعد مع دخول المعارك مرحلة جديدة بعد حصول ثلاثة تطورات:

الأول، فشل اجتماع لوزان، وما يعنيه ذلك من فشل روسي في تحصيل اتفاق أو هدنة تتوافق مع مصالح النظام.

الثاني، نجاح عملية «درع الفرات» في قضم مزيد من الأراضي لمصلحة فصائل «الجيش الحر» ومن ثم اقترابها نحو إطلاق معركة مدينة الباب.

ويبدو أن وصول عملية «درع الفرات» إلى هذه المرحلة قد استفز الأكراد بقدر ما استفز النظام الذي أعلن للمرة الأولى منذ بدء العملية أنه سيتعامل مع القوات التركية كقوات احتلال.

والغريب أن النظام لم يطلق مثل هذا التصريح منذ بدء عملية «درع الفرات» قبل نحو شهرين، لكن سيطرة فصائل «الجيش الحر» على دابق ثم التوجه غرباً نحو تل رفعت على غير ما هو متوقع، ثم إعلان الرئيس التركي أن بلاده مصرة على التوجه نحو الباب، تدل على أن النظام بدأ يشعر بتهديد حقيقي من العملية التركية التي إذا وصلت إلى الباب فإنها ستكون على تماس مباشر معه.

الثالث، معركة الموصل وتصريحات وزير الدفاع الأميركي عن ضرورة عزل تنظيم «داعش» في مدينة الرقة.

ولا تفضل روسيا والنظام وإيران انطلاق معركة الرقة من جانب حلفاء الولايات المتحدة، خصوصاً الأتراك و «الجيش الحر» وبعض القوى العربية داخل محافظة الرقة، لأن من شأن ذلك أن يمنح الأتراك سيطرة تامة على ضفتي الفرات، أي على شريط حدودي يمتد من أعزاز غرباً إلى تل أبيض شرقاً، وهي مسافة كبيرة جداً.

وفقاً لذلك، تتسارع خطوات الأطراف المتقاتلة، فبالنسبة إلى تركيا، الأولوية الآن هي لإكمال السيطرة على مدينة الباب، أو على الأقل السيطرة على محيطها الشمالي، قبل الضغط على منبج لدفع الأكراد إلى مغادرتها، وبالتالي إنهاء الترابط الجغرافي الكردي ليس فقط بين شرق الفرات وغربه، وإنما أيضاً تقطيع التواصل الجغرافي للأكراد في غرب الفرات وحصرهم في أقصى الغرب نحو عفرين وأجزاء من مدينة حلب.

أما بالنسبة إلى النظام وإيران وروسيا، فالأولوية الآن لمدينة حلب عبر خطين، الأول السيطرة على الأحياء الشمالية الشرقية للمدينة، والثاني قطع أي تواصل بين مدخل المدينة من الناحية الجنوبية الغربية والريف الجنوبي الغربي، أي منع أي تواصل للمعارضة في هذا الريف مع المدينة.

ولذلك شن النظام هجوماً على كتيبة الدفاع الجوي في ريف المدينة الجنوبي لخلق أسفين جغرافي بين المدينة والريف مع التحضيرات التي تجريها «جبهة فتح الشام» والفصائل الأخرى لشن هجوم على المدينة من الريف الجنوبي الغربي.

ولن تكون بلدة خان طومان بعيدة عن سيناريو المعارك بين الطرفين لما تشكله من أهمية كبيرة في معادلة الصراع في هذه المنطقة، فالبلدة تتمتع بموقع جغرافي هام كونها البوابة الجنوبية لمدينة حلب، وقربها من الأوتوستراد الدولي بين دمشق وحلب، فضلاً عن طبيعتها الجبلية.

أما الأولوية الثانية للنظام، فهي الحيلولة دون سيطرة فصائل «الجيش الحر» المدعومة من تركيا على مدينة الباب، ذلك أن السيطرة على الباب تعني وفق القاموس العسكري للنظام أن أنقرة ستكون مهيمنة على كامل الريف الشمالي والشمالي الشرقي لحلب.

وليس مفاجئاً أن التعزيزات العسكرية للنظام المرسلة إلى حلب كبيرة جداً، وبعضها جاء من مناطق بعيدة، مثل القلمون وحمص، وهي تتجه نحو موضعين هما الراموسة جنوب مدينة حلب، ومطار كويرس في الريف الشرقي لحلب.

المنطقة الأولى من أجل إحكام السيطرة على المنفذ الجنوبي لمدينة حلب قبيل الانتقال إلى مرحلة توسيع النطاق الجغرافي لقوات النظام في الريف، والمنطقة الثانية من أجل إطلاق معركة الباب قبل الأتراك.

لكن المشكلة التي يواجهها النظام في مدينة الباب هي ذاتها التي يواجهها الأتراك وفصائل «الجيش الحر»، وهي أن كلا الطرفين لا يملك القوة العسكرية الكافية للسيطرة عليها، فالمدينة تشكل الرقم الأصعب للتنظيم في عموم المحافظة، فهي عبارة عن قلعة متينة بسبب مساحتها ووزنها الديمغرافي، وبسبب الترتيبات الدفاعية التي جهزها التنظيم في المدينة منذ نحو عامين.

النظام ليس لديه هو وحلفاؤه العديد البشري والعسكري الكافي لإطلاق معركتين كبيرتين ومتزامنتين في حلب والباب، والأتراك لن يكون في مقدورهم تأمين الغطاء المدفعي للفصائل أثناء معركة الباب بسبب بعدها الجغرافي، في حين لا يمتلك «الجيش الحر» القوة البشرية والعسكرية وحده لدخول مثل هذه المعركة.

أما «قوات سورية الديموقراطية»، فقد أصبحت خارج معادلة معركة الباب بعد توسيع «درع الفرات» لمساحة سيطرتها الجغرافية في الريف الشمالي، بالتالي لم يعد للأكراد أي منفذ نحو الباب.

وعليه يمكن القول إن المشهد العسكري المقبل سواء في مدينة حلب أو في مدينة الباب لا يزال غير واضح بسبب تعقيدات التداخلات الإقليمية الدولية الحادة وتعقيدات موازين القوى المحلية وتداخلاتها.

*إعلامي وكاتب سوري

========================

نحن الأرقام... من حلب إلى الموصل .. زهير قصيباتي

الحياة

الاربعاء 26/10/2016

نكتة سوداء أن يتقاسم وزيرا الخارجية الأميركي جون كيري والإيراني محمد جواد ظريف جائزة «تشاتام هاوس» الديبلوماسية، عن دوريهما في إبرام الاتفاق النووي الإيراني، فيما الأميركي يكتفي بدموع باردة يذرفها على السوريين ضحايا الجحيم الروسي- الإيراني.

نكتة مبتذلة أن تعرض طهران التوسُّط بين بغداد التي تقاتل «داعش» في معركة الموصل، وأنقرة التي تصرّ على دور في محاربة التنظيم في شمال العراق، ومطاردة «إرهابيي» حزب العمال الكردستاني. فالأتراك يدركون أن إيران هي الحاكم الفعلي للعراق، بغطاء أميركي، وإصرار حكومة حيدر العبادي على استبعاد أي دور لأنقرة في معركة تحرير الموصل، يعكس رغبة إيرانية في التصدّي لسعي الرئيس رجب طيب أردوغان إلى تكريس نفوذ إقليمي لبلاده، في انتظار مرحلة التسويات الكبرى لملفّي العراق وسورية... وربما تغيير الخرائط.

وإذا كان التراشق العراقي- التركي بالاتهامات ولغة «الاستفزاز»، مرشّحاً لفصل آخر من التصعيد، نتيجة إصرار أنقرة على ما تراه «حقاً مشروعاً» في الدفاع عن النفس وراء الحدود، فاللافت هو توسيع حملة إعلامية تركّز على «الحقوق التاريخية» لتركيا في أراضٍ في الإقليم، ووثائق تتناول خطاً من حلب إلى كركوك فالموصل.

لم يرَ أردوغان ما يحول دون تبديل عقيدة الأمن القومي لتركيا، مثلما بدّل قيصر روسيا فلاديمير بوتين عقيدة الجيش الروسي الذي بات يعتبر سورية والسوريين حقل تجارب، لاختبار أسلحته الجديدة. وَضَعَ الرئيس التركي خطّين للأمن القومي خارج الحدود، أحدهما من حلب إلى الموصل وكابول، والثاني ينتهي في الصومال... أصرّ على «منطقة آمنة» في سورية، ويصرّ على منطقة «عازلة» في شمال العراق.

وبعيداً من جبهتي الحرب في سورية وفي العراق، وبعيداً من الفظائع التي يرتكبها «داعش»، قد يبدو «المشروع» أو الحلم التركي محاولة استباقية قبل أن تستقر الهيمنة الإيرانية ضمن خطوط جغرافيا توسُّع «الهلال الشيعي» وتشرّعه، وهذه المرة برضا روسي وتغاضٍ من الغرب الذي لا يريد أن يدفع ثمن العجز الأميركي عن لجم شهية روسيا وإيران.

لا يضير واشنطن في عهد الإدارة الأميركية الجديدة، أن يتفاقم صراع النفوذ التركي- الإيراني، ولا أزمة الثقة مع أردوغان، ولا تمديد دور المتفرّج على «استنزاف» الروس في الحرب السورية. فبين بوتين وتحقيق «الانتصار» هناك بدءاً من حلب، فصول من الدماء والدمار، فيما الخمول الأميركي يشجع القيصر على التمسُّك برهانه على الحل العسكري مع كل المعارضين للنظام في دمشق.

آخر مشاهد فضيحة الدعم الأميركي للمعارضة السورية «المعتدلة»، ما سرّبته صحيفة «واشنطن بوست» من توضيحات للنهج الحالي للإدارة، الذي يركّز على إحالة ملف تسليح تلك المعارضة على خَلَف الرئيس باراك أوباما. وتلك نكتة، لأن الرئيس المتردّد المتلعثم بأهدافه «الإنسانية» الكبرى، لن يُقدِم في أيامه الأخيرة على «مغامرة» وقف المجزرة، بعدما تفرّج عليها طويلاً. وأما الفضيحة الجديدة فهي تشديد مسؤولين أميركيين على أهمية فحصٍ جديد للنيات، يخضع له مقاتلو المعارضة «المعتدلة»، للتحقُّق مما إذا كانوا لا يزالون معتدلين!

وللمرة المئة، يتبيّن التطابق الروسي- الأميركي أو توافق المصالح على تدمير تلك المعارضة، فلا يبقى سوى إمعان واشنطن في التفرُّج على «جرائم حرب» اتّهمت الروس بها... فردّوا بالتهمة ذاتها لقصف التحالف الدولي مواقع في الموصل.

وإذ يبدو ما يرتكبه الروس في حلب إبادة، بذريعة استئصال «الإرهابيين»، لا يبقى بينها وبين إبادة «الدواعش» مدنيين في سورية والعراق، أي خيط رفيع.

بين مدن القتل وبلدات المشرّدين والنازحين ونعوش الأطفال التي لا تصفع وجداناً لدى الأميركيين والروس، الكل مُدان بالجريمة الكبرى، مُدان بتفريخ «داعش»، بعد سنوات طويلة من استخدام الإرهاب سلاحاً «سرّياً» في الصراعات الإقليمية والدولية، ومُدان بتدمير قدرات العرب.

وحدة العراق وسورية تحقّقت، بنكبات الإرهاب بعد الاستبداد، وأما العرب فليسوا لدى الأميركيين والروس سوى أرقام في المذبحة.

========================

هل تنقذ مبادرة دي ميستورا مدينة حلب؟ .. أكرم البني

الحياة

الثلاثاء 25-10-2016

تقضي مبادرة المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا، بتسهيل خروج مقاتلي جبهة «فتح الشام»، «النصرة» سابقاً، من شرق مدينة حلب إلى شمال البلاد، لسحب ذريعة استمرار القصف والأعمال القتالية، بما يجدد الهدنة ويمكّن قوافل الإغاثة من الوصول إلى المتضررين والمحاصرين، والأهم أن موسكو التقطت المبادرة كأنها طوق نجاة لكسر الاستعصاء العسكري القائم، فأعلنت دعمها وأبدت الاستعداد لإقناع النظام السوري بها، وضمان خروج مقاتلي فتح الشام من المدينة مع أسلحتهم، شريطة أن تعلن فصائل المعارضة التي ستبقى في أحياء حلب الشرقية التزامها بالانفصال النهائي عنهم، وتسجيل ذلك على الورق! وزاد المبادرة اندفاعاً، توافق الرئيسين الروسي والتركي على ضرورة تنفيذها، يحدوه إعلان هدنة موقتة من جانب موسكو وتشديد ضغط أنقرة على مسلّحي النصرة للانسحاب من حلب.

وبينما أثنت هيئة التنسيق المعارضة في بيان مكتبها التنفيذي، على المبادرة واعتبرتها بارقة أمل جديدة لإنقاذ حلب، ودعت الفصائل المسلحة المؤمنة بالحل السياسي لتنفيذها حقناً للدماء، لم يتأخر الائتلاف المعارض عن رفضها، وطالب بعض قادته بإقالة دي ميستورا الذي يحمّل الضحية المسؤولية وليس الجلاد، واعتبروا أن غاية المبادرة هي تفريغ حلب من حماتها حيث الجزء الأكبر من مقاتلي فتح الشام هم من أهالي المدينة ويدافعون عن ذويهم وأبنائهم، في حين وجد آخرون المبادرة مجرد خدعة ومناورة غرضها خلق الشروخ وتفكيك القوى المناهضة للحملة العسكرية على حلب تسهيلاً لضرب من تبقى من فصائل الجيش الحر والاستيلاء على المدينة كاملة.

وبعيداً من الفضاء السياسي المعارض وتأثيره المحدود في مواقف الجماعات المسلحة، لا تزال هذه الأخيرة تتمسك برفض المبادرة، بل وسارعت الى إنشاء غرفة عمليات واحدة مع فتح الشام كإشارة الى تضامنها ومنع استفراد أي فصيل منها، معلنة تعجيل التحضير لمعركة واسعة تفك الحصار المفروض! لكن الحقيقة، أن موقف أنقرة الجديد أضعفها وأربكها وهي العارفة بوزن أردوغان وتأثيره، وبأن معاندته ستفقدها الدعم اللوجستي، لجهة العتاد والسلاح، العابر للحدود من تركيا، وربما تتركها وحيدة في مواجهة آلة فتك وتنكيل لا ترحم، فكيف الحال وهي تلمس تراجع قدرة الحاضنة الشعبية على تحمل المزيد من المعاناة نتيجة شدة القصف ووحشيته وانعدام أي أفق للخلاص، لتبدو محرجة أمام أصوات منكوبة تطالب بإخراج مقاتلي فتح الشام من المدينة وسحب ذريعة استمرار القصف العشوائي.

ربما تنجح مبادرة دي ميستورا في وقف العنف وإنقاذ حلب موقتاً من استمرار القصف والتدمير ربطاً بتقدم محادثات بين خبراء عسكريين وديبلوماسيين في جنيف لإخراج عناصر فتح الشام، لكن يبقى مصير المدينة ومسار الصراع فيها، رهناً بعوامل عدة.

أولاً، صدقية موسكو في الفصل بين المعارضة المعتدلة والإرهابيين، وتالياً جديتها في التعاطي مع المبادرة واحترام الهدنة مع باقي الفصائل العسكرية التي توصف بالاعتدال، واستدراكاً حقيقة ما تبيته من تدخلها العسكري، هل تستمر في إنقاذ السلطة القائمة والدولة الشمولية بلغة الحديد والنار، ما يعني مزيداً من التصعيد والخوض في مستنقع حرب أهلية مديدة، أم تتجه، كما يأمل بعض المعارضين، الى تقدير الأسباب السياسية لما يجري وحقيقة أن المزيد من العنف والقمع لن يأتيا بنتيجة، وأن تفاقم الصراع السوري والانقسامات المجتمعية ليسا سوى رد فعل على احتكار السلطة وظواهر القهر والاستبداد والفساد والتمييز؟

ثانياً، درجة التباين بين الحسابات الروسية ومصالح النظامين السوري والإيراني، ما يرجح الإعاقة والتعطيل إن شعر الأخيران بأن مسار تنفيذ المبادرة وتداعياتها لا تلتقي مع مخططاتهما، بما في ذلك افتعال أحداث وخلق ذرائع تسوغ خرق الهدنة وتأجيج المعارك مجدداً للاستفراد بمن تبقى من المعارضة المسلحة.

ثالثاً، الدور المحتمل أن تلعبه الدول الغربية، إن أجبرها تضرر مصالحها من تفرد الكرملين بالمصير السوري، على التخلّي عن سلوك المتفرج الذي أدمنته تجاه مأساتنا الإنسانية، من دون أن نغفل ما تخفيه درجة التوافق بين موسكو وأنقرة، من تناغم متبادل في استمرار التهدئة، وربما رسم مستقبل حلب.

مكره أخاك لا بطل، هو واقع الفصائل المعارضة في حلب التي خسرت زمام المبادرة، نتيجة التعقيدات الإقليمية والعالمية الراهنة والعداء العام والمستحكم لجبهة فتح الشام، ما يطرح على المعارضة السياسية سؤالاً مشروعاً، هل تتجرأ اليوم على التبرؤ من الجبهة كنقطة انطلاق لحماية الفصائل المعتدلة وتمتين الحاضنة الشعبية وتالياً تصويب مسار الصراع؟ أم تستمر في تغطيتها، كما حصل عندما أدرجت أميركياً في قائمة الإرهاب، وتشجيع التعاون معها في العمليات الحربية بحجة أولوية إسقاط النظام، من دون اعتبار للنتائج المريرة الناجمة عن ذلك، إن لجهة تنامي الشك والارتياب الغربيين في موقفها من الإرهاب الإسلاموي، وإن لجهة إضعاف الاصطفافات المناهضة للنظام والمؤيدة للتغيير، مع نجاح التطرف الجهادي في دفع الصراع السياسي نحو أبعاد طائفية ومذهبية بغيضة، دمرت معنى الثورة وآمال الناس في الحرية والكرامة؟!.

واستدراكاً، هل تتمسك المعارضة بأولوية وقف العنف كعتبة لانطلاق المعالجة السياسية؟ أم تضمر رفضاً لأي مسعى يوقف الحرب والقتال، وتستمر في مطالبتها بسلاح متطور لتمكين الجماعات المقاتلة، من دون حساب للتكلفة والثمن، وبأن هذا الخيار هو عنوان لتسعير الحرب الداخلية وتغذية جحيم الفتك والتدمير، حتى لو سوغت الأمر على أنه الرد الطبيعي على عنف مفرط ومنفلت لم يتخل عنه النظام لحظة واحدة، وحتى لو ادعت بأن استجرار السلاح غرضه تكتيكي لتعديل توازنات القوى من أجل إجبار السلطة وحلفائها على التسليم بالحلول السياسية.

صحيح أن التوغل المريع في العنف يضيق هامش القراءة الموضوعية للأحداث، ويستحضر الانفعالات والرغبات والتبسيط، لكن الصحيح أيضاً أن فظاعة ما يحصل في حلب أثار نقاطاً إشكالية لا مناص من معالجتها، كي لا تتراكم الأخطاء والعثرات، وكي تخفف المعاناة والخسائر ونوازع اليأس والإحباط.

========================

ما بعد معركة حلب تأسس قبلها .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الاثنين 24-10-2016

بعد هدنة أو ثلاث، لا بد أن تتواصل معركة حلب، حتى إن تم إخراج مقاتلي جبهة «تحرير الشام» («القاعدة» سابقًا) من حلب، فهذا لن يكون إلا فصلاً من المعركة، وليس خاتمتها على نحو ما يقول البعض، أو يتوهم آخرون. وثمة سببان معروفان لهذا المآل؛ أولهما أنه ليس من برنامج للحل السياسي لدى الطرف المصر على أخذ المدينة بالحرب قتلاً وترحيلاً لمن فيها ودمارًا لمعالمها، ثم احتلالاً بالقوة وفق النموذج الذي طبقه حلف النظام في محيط دمشق على مثال داريا في غوطة دمشق الغربية، وعلى نحو ما سيؤول إليه الحال في أكثر مدن غوطة دمشق الشرقية. أما السبب الثاني فيتصل بالفريق الآخر من المجتمع الدولي والموصوف باسم «أصدقاء الشعب السوري» بقيادة واشنطن، الذي لا يملك الإرادة بالمضي نحو حل سياسي، بات يتطلب تغييرات ميدانية، توقف الذاهبين إلى الحل العسكري عن مسارهم، وتدفعهم إلى طاولة المفاوضات، للوصول إلى توافقات للحل السياسي عبر تنازلات متبادلة، وتكمن في خلفية هذا الموقف مخاوف من اندلاع حرب تخرج من الداخل السوري إلى محيطه الإقليمي، قبل أن تتحول إلى حرب عالمية كثرت التحليلات حول مساراتها ونتائجها الكارثية.

في ظل الوقائع القائمة، التي تعكس صلفًا في معسكر حلف الروس والإيرانيين ونظام الأسد، وإحساسًا بالقوة، وإصرارًا على الهدف بالاستيلاء على حلب، وضعف وغياب للإرادة في الطرف الآخر، تبدو معركة حلب محسومة النتائج، وهي سقوط المدينة بيد المهاجمين الذين سينتقلون إلى مرحلة تالية في حرب الشمال السوري، ستكون إدلب ميدانها، وفق سيناريو لن يكون بعيدًا عما تم في حلب، وإن اختلف بعض تفاصيله بحكم المعطيات المحلية ليس أكثر من ذلك، وسيكون المدافعون عن إدلب في وضع، لن يختلف كثيرًا عما كان عليه حال المدافعين عن حلب إلا في بعض التفاصيل، لأن بيئة الحرب الإقليمية والدولية، لا ينتظر أن تتغير كثيرًا في الفترة القريبة، وهو عامل يشجع حلف الروس والإيرانيين ونظام الأسد على إنجاز سريع لهذا الفصل في حرب الشمال السوري.

إن الخلاصة المنتظرة لما بعد معركة حلب مزيد من الخسائر في صفوف السوريين في حرب غير متكافئة من الناحيتين السياسية والعسكرية، تبدو معالمها الرئيسية في الداخل في ثلاثة تعبيرات؛ أولها انحسار مساحات الأراضي الخارجة عن سيطرة النظام، وتمدد الأخير وحلفائه فيها، والثاني مزيد من الخسائر البشرية والمادية في صفوف معارضي النظام وحواضنهم الاجتماعية، وبالتالي مزيد من معاناة سكان مناطق الشمال، والثالث تراجع قوة تشكيلات المعارضة المسلحة، وقد تختفي بعض تلك التشكيلات من مسرح الشمال.

ولا يكمن سبب هذه الخلاصة في العامل الإقليمي والدولي بوزنه المؤثر فقط، بل يمتد إلى العامل المحلي الذي ساهمت في تكريسه سياسات وممارسات، شكلت الأساس فيما لحقه ويلحقه من خسارات وهزائم، ولعل أول تلك السياسات والممارسات، هي انفصال السياسي عن العسكري، ومحاولة الأخير تحت حجج مختلفة، أن يزاوج بين الدورين العسكري والسياسي لصالح مشروعه في نظام أكثري لسوريا المقبلة، باعتبارها عربية - إسلامية - سنية، مقابل مشروع سياسي، يقوم على «سوريا لكل السوريين، دولة ديمقراطية تعددية»، وهو مشروع استدعى مسايرة السياسي للعسكري، ولو على حساب مشروعه الأشمل والأقرب إلى أهداف ثورة السوريين، كما استدعى في آن معًا سكوته عن وجود وممارسات جماعات مسلحة متطرفة، ومصنفة في القائمة العالمية بوصفها تنظيمات إرهابية، مثل «جبهة النصرة»، فرع «القاعدة» في سوريا، التي غيرت اسمها إلى «جبهة فتح الشام»، وأعلنت انفصالها عن «القاعدة»، دون الذهاب إلى تغييرات عميقة في قياداتها وبناها التنظيمية وفي منظماتها الفكرية والسياسية وأهدافها، التي بقيت على أرضية «القاعدة»، ومثل «جند الأقصى»، التي وصفتها التشكيلات المسلحة للمعارضة، بالتابعة لتنظيم داعش الموصوف بـ«الإرهاب والتطرف»، ثم سكتت عن مبايعة «جند الأقصى» لـ«جبهة فتح الشام» واندماجها فيها.

والخط الثاني في السياسات والممارسات باعتبارها سببًا فيما صار إليه الوضع الحالي، تمثله الصراعات البينية، ليس في المستوى السياسي فقط، ولا بين السياسي والعسكري، بل في الطرف الأخير رغم تقارباته الآيديولوجية والسياسية الإسلاموية. فثمة حذر وتوجس وعصبوية، وتنافس محاط بالشك والشكوك والاغتيالات، وحروب غير معلنة بين الجميع.

أما الخط الثالث في سياسات وممارسات التشكيلات العسكرية، فقد بدا في علاقتها مع الحاضنة الشعبية. وبدل أن تبذل جهودها في خدمة الحاضنة، التي منحتها معظم عوامل «القوة» التي صارت إليها، فإنها عملت على إخضاعها آيديولوجيًا وسياسيًا، واستخدمت مختلف الوسائل مزاوجة بين الترغيب والترهيب، وبدل أن تحسن سبل الحياة، جعلتها أصعب.

وسط تلك السياسات والممارسات وبالتزامن مع بيئة إقليمية ودولية سلبية التأثير، بدا من الطبيعي الوصول إلى ما صار إليه الوضع في الشمال السوري، وصار بالإمكان لروسيا وحلفها مع الإيرانيين ونظام الأسد تحقيق تقدم ميداني على الأرض وتحقيق تقدم سياسي من شأنه تغيير موازين القوة والمضي على طريق استعادة السيطرة في الشمال الذي تمثل معركة حلب فصلاً أساسيًا فيه، وقد تكون إدلب فصله الثاني، إن لم تحصل معجزة، تبدل النتائج التي تلوح في الأفق.

========================

مسلخ حلب.. أين النظام الدولي؟ .. د. طيب تيزيني

الاتحاد

الاثنين 24-10-2016

كم علينا أن نكون أنذالاً كي نقرأ هذا العنوان، ولا يرف لنا جفن، والمثل الشعبي السوري يلتقط هذه الحالة الحزينة المروعة ليضعها في موقعها من العالم الراهن، حيث يُعلن بكل الأسى والاحتجاج ما التقطه من تاريخ البشرية وراهنها: «الناس اللي اختشوا ماتوا». لقد دخل العالم والمنظمات الدولية حالة «موت سريري»، ويكفي أن يجلس المرء أمام أحد اختراعات العلم المعاصر وهو (التلفاز)، ليكتشف ما كان مفارقة وصار عاراً، نعني هذا الاختراع وما لا يُحصى من الاختراعات الأخرى العظمى اللاحقة، في وقت وأوقات تفصح فيها منظمات كبرى وصدى ومؤسسات في حقول الإنسان وكرامته وحريته، عن ميول بشرية تجسد كل الدناءة والحقارة والوحشية والرغبة في القتل، إنها بحق تعبير عن ميل جارف للعودة إلى مرحلة أو مراحل عصر الوحشية والتوحش، وعلى هذا الصعيد ينبغي التمييز بين نمطين من التوحش (وبين قوسين) قد يتدخل القارئ لإضافة القول بضرورة التمييز بين صيغتين من التوحش، الأول تقوم على الحاجة إلى هذا الأخير من قبل الحيوان لممارسة قدرته على التوحش، ريثما يصل إلى حاجته، في حين أن الثانية تتمثل في كون التوحش حالة وجودية تلتصق بأنماط من البشر المعاصرين، كما في حالتنا الراهنة، فضلاً عن كونهم ورثوا شيئاً من ذلك من سابق عهدهم، هذه الكائنات تتجلى في مرحلتنا الراهنة بالقتلة القادمين من كل فج عميق والمتفقين على اللقاء في سوريا.

والآن يطرح السؤال التالي نفسه: ما المناسبة من لقاء أولئك بعضهم ببعض، وعبر التدقيق في سجلات مجرمي العصر، نضع يدنا على الفريق الأول منهم المتمثل في من يرغب في تجريب أسلحته على الأراضي السورية، عبر استخدامها هاهنا، مع التذكير بأن إنجاز ذلك يقتضي البقاء في سوريا «حتى وقت غير محدد»، أما الفريق الثاني فيلهث نحو سوريا لسببين (وقد أعلنهما جهاراً) هما التأسيس في الوطن العربي لأربع عواصم تصبح تابعة، وهي دمشق وبغداد وبيروت وصنعاء، أما شخصية هذا الفريق فهي (إيران الإسلامية وعلى رأسها الولي الفقيه)، أما السبب الثاني فيكمن في «نشر الدين الإسلامي» في العواصم السابقة، وخصوصاً ولاية الفقيه. وثمة فرقاء آخرون يأتون إلى سوريا لمساعدة شعبها على الخروج من وطنهم السوري المسالم، والذي عرّفت شعبه السوري منظمة كندية بأنه «أقرب إلى الحياة»، ولن نفصل في المجموعات العسكرية التي قدمت إلى سوريا لكثرتها وعدم أهميتها، أما السؤال الكبير الذي تتقاطع فيه كل تلك المجموعات من الضيوف غير المرحب بهم، فهو - بكل بساطة - «مشاركتهم السوريين في أعز مما يملكونه» وهو وطنهم، بمواردهم الاقتصادية الطبيعية والأخرى الاستراتيجية والثقافية والتاريخية، لكن المجموعات المذكورة، إذ عرفت من تاريخ السوريين العرب أن هؤلاء متكونون - مع إخوتهم العرب - من المحبة والكرامة والحرية وعشقهم للحياة الكريمة، إضافة إلى كبريائهم التاريخي الوطني، فإنهم، أي تلك المجموعات الغريبة الدخيلة، فاشلون وسيفشلون في اقتلاعهم من جذورهم، فقد التقوا على هدف استراتيجي واحد هو «تهجيرهم» من وطنهم إلى بقاع العالم كيفما كانت وأينما وجدت.

أما الطريف المدوي فيما نعيشه راهناً فيتمثل فيما تم تقديمه إلى سكان حلب من عرض يهتز له شرف البشرية، لقد قدم هؤلاء إلى الحلبيين عرضاً يتم بمقتضاه إخراجهم من مدينتهم على نحو آمن (وهنا تتجلى أكثر العواطف همجية)، لكن هؤلاء قدموا جوابهم على ذلك عملياً، وكذلك نظرياً: لقد خرجوا في تظاهرة تمثل تحدياً لأولئك، وهم يعلنون: إن حياتنا ومماتنا إنما هما نجمتان لا تزدهران ولا توجدان أساساً إلا في المدينة التي خلدها أمثال الشهيد يوسف العظمة وسعد الله الجابري وفارس الخوري، وأمثالهم ممن شرفوا الشعب السوري ومنحهم هذا شرف الخلود.

لقد سمعنا وعلمنا أن الباطل عمره يوم، وأن الحق والشرف عمرهما الخلود، فسوريا التي تستقوي بشعبها بكل طوائفه وإثنياته وأديانه من هنا وهناك وهنالك وفق الجهات التي يمتد فيها الوطن العربي، والآفاق البعيدة التي تتسع للبشرية الإنسانية الكونية، إن سوريا هذه تمثل أيقونة للعالم، بقدر ما تجد نفسها في هذا العالم بكرامة وشرف وحرية، وهذا ما يجعلنا نخاطب أعداء هذه المثل الكبرى، أن انتظروا، ولن نكون إلا إخوة لأبنائكم وأحفادكم نساويهم ويساووننا.

========================

حلب الشهباء.. بين رحلات أبي وتتار العصر .. د. أحمد موفق زيدان

العرب

الاثنين 24-10-2016

ثلث قرن تفصل بين زياراتي مع أبي إلى حلب الشهباء، وبين زيارتي لها بعد أن جاست فيها آلة القتل والقمع والدمار والخراب الطائفية والاحتلالية، لم تصدق عيناي وأنا ألاحق عمارات باب الحديد وباب النصر والقلعة القديمة وغيرها من الأحياء، التي حفرت قصصها وحكاياتها في تلافيف ذاكرتي التي لن تُنسى، أنني أعود للشهباء بعد هذه الفترة الطويلة من الزمن، تذكرت وقدماي تطرق حجارتها القديمة المعتقة بالتاريخ والحضارة والقدم، تذكرت أبي وهو يسعى إلى جري بعيداً عن ألعاب وثياب وأحذية جديدة معروضة، كنت أستوقفه لشرائها، فكعادة الطفل يريد أن يشتري كل شيء ومن أول وهلة، بينما نصيحة الأب حينها كانت: ادخل السوق متفرجا واخرج منه مشتريا.

كان صاحبي الذي يرافقني في تغطيتي يومها لقناة الجزيرة كأول صحافي يدخل الشهباء عام 2012، يسعى إلى تذكيري كل خمس دقائق أكثر أو أقل أن أسرع، فكأنما خِلت أن أبي بجانبي وأحاول أن أستبقيه لشراء حاجياتي وأشيائي، لكن صحوت لحظتها من حلم جميل أعادني لطفولتي.

يخرج الشاب من بلده مهاجراً، فيعود إليها بعد سنوات وعقود ليعيش حالة من التناقض هل يتعامل مع الآخر كيوم خروجه، أو كيوم عودته، وهل الطرف الآخر سيتعامل معه على أساس أنه ابن العشرين من عمره يوم هجرته، أم ابن الخمسين من عمره يوم عودته، وهم الذين يجهلون تطورات وتغيرات طرأت عليه وعلى حياته.

يومها المشهد الوحيد الذي يتراءى أمامك الخراب والدمار، رائحة الموت القاسم المشترك بين كل الأحياء، والبراميل المتفجرة تفتك بأجساد الحلبيين، وكأن الابن الحاكم بشار لم يشف غليله ما فتك به والده حافظ أسد بأجساد الحلبيين في الثمانيينات، فعبث بالحمض النووي للمدينة، يوم فرض عليها نخباً صناعية وثقافية وعلمائية ومنهم المفتي أحمد حسون الذي أطلق عليه الثوار مفتي البراميل المتفجرة.

ما أجمل أن تعود إلى الديار بعد فترة طويلة، والأجمل أن تعود عزيزاً غصباً عمن طردك، وتراه ذليلاً لا يقوى على الوقوف أو زيارة الأماكن التي طردك منها، أمشي في الصاخور وأستمع لأناشيد المنشد أبي الجود وأبي دجانة المعروفين لجيل الثمانينيات، وأتلفت حولي لأرى سيارات عسكرية للثوار وعليها عبارات الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين، ماذا لو بُعث حافظ أسد من قبره وعاد حسني عابو وموفق سيرجيه وإبراهيم اليوسف ثوار الثمانينيات من جديد وهم يرون تلك المشاهد التي لم يتخيلها الأسد في أسوء كوابيسه، كما لم يتخيلها عابو وسيرجيه واليوسف في أفضل مناماتهم.

تذكرت يومها زميلة مذيعة سابقة في الجزيرة التحقت بالنظام السوري وأصبحت من حوارييه، حين سألتني في ساحة من ساحات الجزيرة قبل الثورة السورية بثلاثة أعوام بطريقة لا تخلو من اللؤم، كم مضى على خروجك من سوريا؟ فقلت لها حوالي 27 عاماً، فقالت لن تدخلها أبداً، ويعلم الله يومها ويومها فقط تيقنت أنني سأدخلها غصباً عنها، لأن الكبرياء والغرور من صفة الألوهية، سكت يومها، لكن حين ظهرت على شاشة الجزيرة بعدها بسنوات في إدلب وحلب ودمشق كان أبلغ جواب ورد لي، فهل تجرؤ هي ورئيسها اليوم على زيارة أماكن زرتها.

اليوم وبعد أربع سنوات، يدخل تتار ومغول العصر بقيادة فلاديمير بوتن يجوسون خلال الديار، وفاءً لإرثهم وميراثهم الدموي التخريبي الإجرامي، التي تحكيه مجلدات ما فعلوه في مناطق المسلمين بآسيا الوسطى إن كان أيام القياصرة أو البلاشفة، وكذلك قصصهم في هنجاريا وأفغانستان وجروزني، لكن ما فعلوه في الشام أملاً في استعادة كرامة مهدورة، على سفوح أفغانستان وغيرها، لن يعيدها لهم هذا الإجرام، ولن يجنون من خلاله إلا مزيداً العزلة والانهيار الأخلاقي، قبل الانهيار المادي لإمبراطورية مفتتة متشظية يسعون عبثاً لاستعادتها.

وستبقى حلب متحدية تتار ومغول وفرس وروم من سبقوا، وماذا تفعل الشهباء وغيرها إن كانت ذاكرة المحتل ذاكرة سمكة، فيكفي الشهباء وشقيقاتها في الشام أن في صفهم محاربان هما الأكثر قوة وصلابة: الصبر والوقت، وهما ما يفتقر إليهما الاحتلال وأذنابه.;

========================

يحاربون أمريكا بقتل السوريين؟ .. غازي دحمان

عربي 21

الاحد 23-10-2016

تدّعي أغلب الأطراف الموغلة في الدم السوري أنها تخوض حربا مقدّسة وشرعية ضد عدو أكبر يقف في خلفية المشهد ويعمل على تحريكه، وهذا الطرف هو الولايات المتحدة الأمريكية، وبالتالي فإن هذه الأطراف المتدخلة في الحرب على السوريين إنما تحارب أمريكا، وإن بطريقة غير مباشرة، وينطبق هذا الأمر بدرجة كبيرة على روسيا وإيران وأذرعها في المنطقة، فهل هذه الأطراف مقتنعة بالفعل أنها تحارب أمريكا من خلال قتلها للشعب السوري الثائر في سبيل حقه في الحياة والعيش الآدمي؟

ليس من الصعب، وبالارتكاز على تحليل سلوك وأهداف تلك الأطراف إثبات زيف إدعاء محاربة أمريكا من خلال الحرب على السوريين، وربما لسبب بديهي أن أمريكا نفسها، وبالوقائع الساطعة، ليست معنية بسوريا وأزمتها، إضافة إلى أنها لم تبذل أي مجهود حقيقي للوقوف إلى جانب السوريين، بل على العكس من ذلك فقد ساهمت في زيادة نكبة السوريين وتقوية منظومة الأسد ضدهم من خلال تغاضيها المستمر عن سلوكه الإجرامي تجاههم، أما فيما يخص الأطراف المقابلة المنخرطة في الحرب التي تدّعي أنها تواجه أمريكا ومشاريعها، في المنطقة والعالم، فإنها تمارس هذا الأمر باعتباره تقية تخفي وراءها الحسابات والتقديرات الحقيقة لانخراطها في الحرب والمتمثلة بـ:

 إدراك جميع اللاعبين المنخرطين بالحرب السورية “روسيا إيران والميليشيات الطائفية من لبنان والعراق” أن رفع شعار الحرب على أمريكا هو تطبيق لقاعدة كلاسيكية في السياسة محتواها إذا أردت أن تلهي الداخل عنك فعليك أن تشغله بالحرب الخارجية، فالعدو الخارجي الذي يهدد المصالح والأمن والاستقرار غالبا ما يشكل وسيلة تحفيز للمشاعر الداخلية وقبول الشعب بأي ظرف طالما أن نظامه أو ولي أمره يخوض معركة التحدي والكرامة، جميع اللاعبين الذين يخوضون الحرب السورية يتقاطعون عند نقطة وجود أزمات داخلية مستفحلة تتمثل بعدم الرضا السياسي من الأتباع نتيجة الإدارة العامة لسياسات الحكم والسلطة وتوزيع الموارد وإدارة الثروات.

 اعتقاد جميع اللاعبين أنهم إزاء فرصة إستراتيجية تتمثل بتحسين واقعهم بتكاليف مقبولة ويستطيعون تحمّلها، نتيجة حالة الفوضى التي يمر بها النظام الدولي عموما، ووجود هامش للحركة يسمح للاعبين الإقليميين والمحليين التحرك في إطاره ضمن مجال حركة محدّد ومسموح به، أي أن الأمر له علاقة بحسابات إستراتيجية لا يدخل في إطارها احتساب مواجهة أمريكا لأن ذلك سيجعل تكاليف المواجهة غير محتملة وممكنة وينزع عنها البعد الربحي المتوقع.

 جميع اللاعبين، بما فيهم روسيا، تحرك سياساتهم أبعاد دينية لا علاقة لها بالصراع مع أمريكا ويدمجون البعد الديني في سياساتهم بشكل واضح، ولا يخفون مخاوفهم من حصول تغيرات في بنية الحكم في سوريا تؤثر على واقع التركيبة المذهبية السلطوية الحالية، ولا تخفي إيران هذا البعد من خلال ادعائها الدفاع عن العتبات المقدسة في سوريا.

 وأخيرا، إدراك اللاعبين أن سوريا تقع خارج إطار الاهتمام الإستراتيجي الأمريكي، وأن أمريكا وفي ظل إعادة تموضعها العالمي الراهنة وما أفرزته من توجهات جديدة يستحيل حصول تصادم معها في سوريا، وأن الكلام الذي يقال عن احتمالية اندلاع حرب أمريكية- روسية على خلفية الأوضاع في سوريا وبسببها ما هو إلا مجرد دعاية الهدف منها إضفاء مناخ من التشويق لتدعيم ادعاءات تلك الأطراف بخوضها حرب وجود ضد الشعب السوري.

وعلى العكس من ذلك، تتواطأ أمريكا مع هذه الحالة لغايات مصلحية خالصة لا علاقة للشعب السوري وثورته بها، قد يكون من بينها إستنزاف الروس والإيرانيين، وقد يكون إنهاك جزب الله إلى أبعد، لكن ذلك الأمر يجري بعيداً عن أي شكل من أشكال التصادم بين الطرفين، فلم يحصل أن جرى استهداف القوى التابعة لإيران وروسيا بطريقة منهجية ومعلنة، ولا يمكن وضع الخطأ الذي وقع باستهداف معسكر لأذرع إيران في دير الزور في إطار الحرب الأمريكية على هذه الأطراف.

على مدار الأعوام السابقة، كشقت الحرب السورية مواقف ومواقع الأطراف، وبأثر رجعي أيضاً، فأعاد الذاكرة تحليل ما حصل قبل الثورة السورية من مواقف وادعاءات ووضعها في سياقها الصحيح، ليتبين حجم الخرافات التي عملت تلك الأطراف على زرعها في وعي شعوب المنطقة، وتبين أن المقصود من وراء كل ذلك المجهود تبرير وشرعنة الأهداف المبيّتة، بعد تكريس قداسة الفاعلين لها باعتبارهم لا يخطئون وأن الطرف المستهدف من قبلهم، مهما تكن قضيته، هو المخطئ حتماً لأنه يقف عائقاً في طريق حروبهم المقدسة، من هنا كان سهلاً على أمين عام حزب الله أن يقول بأن طريق القدس تمر من الزبداني ومضايا.

لا ينطبق مع العقل، القول إن هذه الأطراف تحارب أمريكا، ومن خلفها إسرائيل، إلا إذا كان التهجير الديمغرافي لشعب سوريا وإحلال آخرين مكانهم هو مصالح أمريكية وإسرائيلية يتم ضربها، أو إذا تم اعتبار قتل أطفال حلب بالفوسفور والنابالم ومحاصرة أهل مضايا حتى الموت جوعاً هو ضرب لمصالح أمريكا وإسرائيل، حينها قد نحتاج إلى عقل منحرف وضمير مخروم حتى نصدق هذه الكذبة.

========================

حان الوقت لكي نضغط على الثوار المتناحرين فبل انهيار باقي مدن الغوطة المحاصرة.. .. د. مازن صواف

كلنا شركاء

الاحد 23-10-2016

يحمل شعبنا المنكوب مسؤولية سقوط الزبداني ثم القلمون ثم داريا ثم المعضمية على دخول حزب الله والطيران الروسي إلى جانب ما تبقى من جيش الأسد وميليشياته.. ولكن هذه نصف الحقيقة..

منذ حوالي سنة ونصف تقدم جيش الإسلام فاحتل أكثر من عشرة كيلومترات من الأوتوستراد الذي يربط القلمون بجوبر وكان النظام على وشك الانهيار الكامل … ثم جاءت الأوامر بالتوقف المفاجئ

ثم حصل اقتتال كبير بين فيلق الرحمن الذي تتزعمه دولة خليجية والذي يسيطر على الأنفاق التي تصل إليها الملايين التي ترسلها دولة خليجية أخرى إلى جيش الإسلام وذلك لطمع الجيشين بالحصول على حصة أكبر من هذه المساعدات.. ومنذ ذلك الاقتتال وما نجم عنه من أحقاد وثأر وصراع على النفوذ والسلطة والهزائم تنهار على الجهتين والخاسر الأكبر هم المدنيين الذين احتضنوا الثوار ودفعوا الثمن بأرواح وأطراف أطفالهم وذاقوا مذلة الجوع وانقطاع الدواء والتعليم..

كنّا أيضا” نتأمل النصر المحتم من أبطالنا في درعا الذين ضحوا بالكثير ولكنهم وقعوا في نهاية الأمر بالفخ نفسه الذي نصبه لهم النظام ومخابرات بعض الدول فحصل مسلسل طويل من الخلافات والإغتيالات والإقتتال تلاه شراء بعض منهم بالمال والجاه وتخاذلهم عن دعم المحاصرين من إخوانهم في الغوطة

حاول الكثيرون من العقلاء رأب الصدع بين الجيشين في الغوطة من دون نتيجة ولكن الأخبار التي تصلنا الآن من الأطباء القلائل الذين ما زالوا في الغوطة تفيد بأن الصبر قد نفذ لدى الأهالي ونأمل بأن يضع القادة جانبا” تعنتهم وتعلقهم بالجاه والمال والنفوذ فبل أن تسقط باقي القرى والمدن ويتم سحن الثوار وتجميعهم في إدلب قبل أن تتم تصفيتهم هناك في مرحلة لاحقة..

كلما نظرت إلى الظلم الذي يلحق بالأبرياء والأطفال أتساءل كيف لا ينصرنا الله على الظالمين؟ ولكن عندما أرى أمراء الحرب يقتتلون فيما بينهم بينما العدو ينهش أصابع الأطفال أدرك تماما” معنى أن الله يسلط علينا الظالمين

ترى هل يعود هؤلاء القادة ومن يأتمر بأوامرهما إلى رشدهم قبل فوات الأوان؟

========================

ردع الذيل أم ردع الكلب؟ .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاحد 23-10-2016

يدلي بشار الأسد بتصريحاتٍ عنترية، يريد بها إظهاره بمظهر رئيس مستقل، وإنكار حقيقة أنه صار "دميةً" بيد موسكو وطهران، منذ استدعى جيشي الدولتين لاستعمار سورية، ووافق على أن يكون لهما وجود عسكري وسياسي غير محدود زمنيا فيها.

عندما يدعو حاكمٌ على وشك السقوط قوىً استعمارية لاحتلال بلاده، يتحوّل إلى دميةٍ يتلاعب بها، ويحرّكها سادتها الذين يحمونها؟ وبما أن بشار الأسد غدا دميةً في أيدي غزاة استعماريين يحتلون بلاده، فإنه لم يعد رجل خيار وقرار، للسبب السابق، ولأن الحرب السورية تتحوّل إلى حرب إقليمية كونية الأبعاد، لا علاقة له برسمها وتقريرها، ولا سيطرة له على قواتها. لذلك، يضحك السوريون، عندما يعلن تصميمه على استعادة كل شبر من بلادٍ غدا دميةً بيد محتليها الذين ربط مصيره الشخصي بمرتزقتهم، ويتساءلون: بأي قواتٍ ستستعيد "الدمية" أكثر من 70% من الأرض السورية، إذا كان ما بقي من عسكره عاجزين عن صد أي هجوم على مواقعهم، كما حدث، أخيراً، في ريف حماة، حيث نشرت صور الفرار الجماعي لمئات من ضباطه وجنوده الذين كان قد أخبرهم، مراتٍ عديدة، في عامي الثورة الأولين بأنها "خلصت"، وها هو يحتمي بجيش الاحتلال الروسي، بعد مرور نحو من ستة أعوام على حربه ضد شعب يدّعي أنه موال له، بدلالة ما يلقيه عليه، هو والروس، من براميل متفجرة وقنابل ارتجاجية وفراغية وفسفورية، من طائرات جيشه الذي فرّ ثلاث مراتٍ خلال أقل من خمسة عشر عاماً أمام الجيش الإسرائيلي، بعد أن سلمه الجولان، وسوّغ فراره بافتقاره إلى أسلحة وذخائر، ثم تبين بعد الثورة أن لديه من الأسلحة والذخائر ما مكّنه من شن الحرب ضد شعب سورية الأعزل طوال ستة أعوام، لم يستخدم خلالها معظم الذخائر التي تزوّده روسيا بها يومياً.

قال حسن نصر الله عام 2013 إنه أرسل مرتزقته إلى سورية لإنقاذ بشار الأسد الذي كان على وشك السقوط. وفي نهاية عام 2015، قال بوتين لجنرالاته إنه تدخل في سورية لإنقاذ بشار الأسد من السقوط. لكن من كان على وشك السقوط طوال ثلاثة أعوام يستمتع بدور المهرّج، ويتعنتر على السوريين، مؤكّدا اقتناعهم بأنه يستقوي عليهم بمن يحرسونه منهم، من دون أن يدرك أن تدخلهم جعله من مخلفاتٍ ماضٍ ثاروا عليه، نصّب هلفوتاً مثله رئيساً عليهم، لن يذكر التاريخ من "إنجازاته الوطنية"، غير استدعاء غزاة أجانب، وقطاع طرق، وأفاقين، ومرتزقة من حثالات البشر، لشن الحرب عليهم.

إذا كانت إيران وروسيا قد أنقذتا رجلاً متهالكاً، تسبب في حربٍ يرجّح أن تتسع لتصير إقليمية في الأشهر المقبلة، هل يكون من المقبول التمسك به، بحجة تحقيق حل سياسي، هو الجهة الرئيسة التي تحبطه؟ أم يجب التخلي عنه، وردع منقذه وحاميه: فلاديمير بوتين الذي غزا سورية، ودمر ما كان سليماً من عمرانها وقتل شعبها، وها هو ينقل حربها إلى المجال الدولي، بسياسات حافة الهاوية التي تثير توتراً خطيرا مع أميركا، يرتبط منع انفجاره باتفاق موسكو مع واشنطن على تسوية خلافاتٍ ليس لسورية علاقة بها، وحلول لها تلبي مصالح الكرملين، صار من المؤكد أن الحل السياسي السوري لن يتحقق قبل بلوغها، بعد أن كان اتفاق واشنطن وموسكو على أولويته سبيلهما إليها؟

من دون ردع بوتين، سياسياً وعسكرياً، لن يحول شيء دون انتقال الحرب على سورية إلى المجال الإقليمي، أو تتوقف حرب روسيا ضد سورية. والآن: هل تخطط واشنطن لردع روسيا، أم إنها تخطط لحربٍ إقليمية تمعن في تمزيق دول المنطقة، وتغرق روسيا في لجاجها، كانت دوماً هدف البيت الأبيض وقصده الخفي الذي ساق سورية، ويسوق اليوم الدول الإقليمية، وبوتين الأحمق، إليه؟

========================

يحاربون أمريكا بقتل السوريين؟ .. غازي دحمان

عربي 21

الاحد 23-10-2016

تدّعي أغلب الأطراف الموغلة في الدم السوري أنها تخوض حربا مقدّسة وشرعية ضد عدو أكبر يقف في خلفية المشهد ويعمل على تحريكه، وهذا الطرف هو الولايات المتحدة الأمريكية، وبالتالي فإن هذه الأطراف المتدخلة في الحرب على السوريين إنما تحارب أمريكا، وإن بطريقة غير مباشرة، وينطبق هذا الأمر بدرجة كبيرة على روسيا وإيران وأذرعها في المنطقة، فهل هذه الأطراف مقتنعة بالفعل أنها تحارب أمريكا من خلال قتلها للشعب السوري الثائر في سبيل حقه في الحياة والعيش الآدمي؟

ليس من الصعب، وبالارتكاز على تحليل سلوك وأهداف تلك الأطراف إثبات زيف إدعاء محاربة أمريكا من خلال الحرب على السوريين، وربما لسبب بديهي أن أمريكا نفسها، وبالوقائع الساطعة، ليست معنية بسوريا وأزمتها، إضافة إلى أنها لم تبذل أي مجهود حقيقي للوقوف إلى جانب السوريين، بل على العكس من ذلك فقد ساهمت في زيادة نكبة السوريين وتقوية منظومة الأسد ضدهم من خلال تغاضيها المستمر عن سلوكه الإجرامي تجاههم، أما فيما يخص الأطراف المقابلة المنخرطة في الحرب التي تدّعي أنها تواجه أمريكا ومشاريعها، في المنطقة والعالم، فإنها تمارس هذا الأمر باعتباره تقية تخفي وراءها الحسابات والتقديرات الحقيقة لانخراطها في الحرب والمتمثلة بـ:

 إدراك جميع اللاعبين المنخرطين بالحرب السورية “روسيا إيران والميليشيات الطائفية من لبنان والعراق” أن رفع شعار الحرب على أمريكا هو تطبيق لقاعدة كلاسيكية في السياسة محتواها إذا أردت أن تلهي الداخل عنك فعليك أن تشغله بالحرب الخارجية، فالعدو الخارجي الذي يهدد المصالح والأمن والاستقرار غالبا ما يشكل وسيلة تحفيز للمشاعر الداخلية وقبول الشعب بأي ظرف طالما أن نظامه أو ولي أمره يخوض معركة التحدي والكرامة، جميع اللاعبين الذين يخوضون الحرب السورية يتقاطعون عند نقطة وجود أزمات داخلية مستفحلة تتمثل بعدم الرضا السياسي من الأتباع نتيجة الإدارة العامة لسياسات الحكم والسلطة وتوزيع الموارد وإدارة الثروات.

 اعتقاد جميع اللاعبين أنهم إزاء فرصة إستراتيجية تتمثل بتحسين واقعهم بتكاليف مقبولة ويستطيعون تحمّلها، نتيجة حالة الفوضى التي يمر بها النظام الدولي عموما، ووجود هامش للحركة يسمح للاعبين الإقليميين والمحليين التحرك في إطاره ضمن مجال حركة محدّد ومسموح به، أي أن الأمر له علاقة بحسابات إستراتيجية لا يدخل في إطارها احتساب مواجهة أمريكا لأن ذلك سيجعل تكاليف المواجهة غير محتملة وممكنة وينزع عنها البعد الربحي المتوقع.

 جميع اللاعبين، بما فيهم روسيا، تحرك سياساتهم أبعاد دينية لا علاقة لها بالصراع مع أمريكا ويدمجون البعد الديني في سياساتهم بشكل واضح، ولا يخفون مخاوفهم من حصول تغيرات في بنية الحكم في سوريا تؤثر على واقع التركيبة المذهبية السلطوية الحالية، ولا تخفي إيران هذا البعد من خلال ادعائها الدفاع عن العتبات المقدسة في سوريا.

 وأخيرا، إدراك اللاعبين أن سوريا تقع خارج إطار الاهتمام الإستراتيجي الأمريكي، وأن أمريكا وفي ظل إعادة تموضعها العالمي الراهنة وما أفرزته من توجهات جديدة يستحيل حصول تصادم معها في سوريا، وأن الكلام الذي يقال عن احتمالية اندلاع حرب أمريكية- روسية على خلفية الأوضاع في سوريا وبسببها ما هو إلا مجرد دعاية الهدف منها إضفاء مناخ من التشويق لتدعيم ادعاءات تلك الأطراف بخوضها حرب وجود ضد الشعب السوري.

وعلى العكس من ذلك، تتواطأ أمريكا مع هذه الحالة لغايات مصلحية خالصة لا علاقة للشعب السوري وثورته بها، قد يكون من بينها إستنزاف الروس والإيرانيين، وقد يكون إنهاك جزب الله إلى أبعد، لكن ذلك الأمر يجري بعيداً عن أي شكل من أشكال التصادم بين الطرفين، فلم يحصل أن جرى استهداف القوى التابعة لإيران وروسيا بطريقة منهجية ومعلنة، ولا يمكن وضع الخطأ الذي وقع باستهداف معسكر لأذرع إيران في دير الزور في إطار الحرب الأمريكية على هذه الأطراف.

على مدار الأعوام السابقة، كشقت الحرب السورية مواقف ومواقع الأطراف، وبأثر رجعي أيضاً، فأعاد الذاكرة تحليل ما حصل قبل الثورة السورية من مواقف وادعاءات ووضعها في سياقها الصحيح، ليتبين حجم الخرافات التي عملت تلك الأطراف على زرعها في وعي شعوب المنطقة، وتبين أن المقصود من وراء كل ذلك المجهود تبرير وشرعنة الأهداف المبيّتة، بعد تكريس قداسة الفاعلين لها باعتبارهم لا يخطئون وأن الطرف المستهدف من قبلهم، مهما تكن قضيته، هو المخطئ حتماً لأنه يقف عائقاً في طريق حروبهم المقدسة، من هنا كان سهلاً على أمين عام حزب الله أن يقول بأن طريق القدس تمر من الزبداني ومضايا.

لا ينطبق مع العقل، القول إن هذه الأطراف تحارب أمريكا، ومن خلفها إسرائيل، إلا إذا كان التهجير الديمغرافي لشعب سوريا وإحلال آخرين مكانهم هو مصالح أمريكية وإسرائيلية يتم ضربها، أو إذا تم اعتبار قتل أطفال حلب بالفوسفور والنابالم ومحاصرة أهل مضايا حتى الموت جوعاً هو ضرب لمصالح أمريكا وإسرائيل، حينها قد نحتاج إلى عقل منحرف وضمير مخروم حتى نصدق هذه الكذبة.

========================

حان الوقت لكي نضغط على الثوار المتناحرين فبل انهيار باقي مدن الغوطة المحاصرة.. .. د. مازن صواف

كلنا شركاء

الاحد 23-10-2016

يحمل شعبنا المنكوب مسؤولية سقوط الزبداني ثم القلمون ثم داريا ثم المعضمية على دخول حزب الله والطيران الروسي إلى جانب ما تبقى من جيش الأسد وميليشياته.. ولكن هذه نصف الحقيقة..

منذ حوالي سنة ونصف تقدم جيش الإسلام فاحتل أكثر من عشرة كيلومترات من الأوتوستراد الذي يربط القلمون بجوبر وكان النظام على وشك الانهيار الكامل … ثم جاءت الأوامر بالتوقف المفاجئ

ثم حصل اقتتال كبير بين فيلق الرحمن الذي تتزعمه دولة خليجية والذي يسيطر على الأنفاق التي تصل إليها الملايين التي ترسلها دولة خليجية أخرى إلى جيش الإسلام وذلك لطمع الجيشين بالحصول على حصة أكبر من هذه المساعدات.. ومنذ ذلك الاقتتال وما نجم عنه من أحقاد وثأر وصراع على النفوذ والسلطة والهزائم تنهار على الجهتين والخاسر الأكبر هم المدنيين الذين احتضنوا الثوار ودفعوا الثمن بأرواح وأطراف أطفالهم وذاقوا مذلة الجوع وانقطاع الدواء والتعليم..

كنّا أيضا” نتأمل النصر المحتم من أبطالنا في درعا الذين ضحوا بالكثير ولكنهم وقعوا في نهاية الأمر بالفخ نفسه الذي نصبه لهم النظام ومخابرات بعض الدول فحصل مسلسل طويل من الخلافات والإغتيالات والإقتتال تلاه شراء بعض منهم بالمال والجاه وتخاذلهم عن دعم المحاصرين من إخوانهم في الغوطة

حاول الكثيرون من العقلاء رأب الصدع بين الجيشين في الغوطة من دون نتيجة ولكن الأخبار التي تصلنا الآن من الأطباء القلائل الذين ما زالوا في الغوطة تفيد بأن الصبر قد نفذ لدى الأهالي ونأمل بأن يضع القادة جانبا” تعنتهم وتعلقهم بالجاه والمال والنفوذ فبل أن تسقط باقي القرى والمدن ويتم سحن الثوار وتجميعهم في إدلب قبل أن تتم تصفيتهم هناك في مرحلة لاحقة..

كلما نظرت إلى الظلم الذي يلحق بالأبرياء والأطفال أتساءل كيف لا ينصرنا الله على الظالمين؟ ولكن عندما أرى أمراء الحرب يقتتلون فيما بينهم بينما العدو ينهش أصابع الأطفال أدرك تماما” معنى أن الله يسلط علينا الظالمين

ترى هل يعود هؤلاء القادة ومن يأتمر بأوامرهما إلى رشدهم قبل فوات الأوان؟

========================

يكفي كلاماً وتحركوا للتغيير: القوة الداخلية أساساً لمواجهة تحديات الخارج .. وائل مرزا

المدينة

الاحد 23-10-2016

يكفي كلاماً وتحركوا للتغيير: القوة الداخلية أساساً لمواجهة تحديات الخارج الجزء الأول من العنوان أعلاه هو للمستشار المصري المخضرم طارق البشري. وكان قد نشرَ تحته مقالاً، منذ بضع سنوات، فيه أكثر من خصوصية تلفتُ الانتباه.

فمن جهة، كان المقال فريداً في أسلوب الرجل الذي عُرف عنه الكتابة في عالم الأفكار، تحليلاً لواقع مجتمعه وعرضاً لتحدياته وطرحاً لأسئلته، مع الإشارة بشكلٍ غير مباشر إلى ملامح الحلول والإجابات. فالمثقف يرى في إشاعة هذا التفكير من خلال الجهد العلمي والإعلامي دافعاً يُحرك أصحاب العلاقة، في الشعوب والحكومات، لإصلاح الواقع عملياً من خلال البرامج والخطط والقوانين.

غير أن الرجل وصلَ وقتَها، فيما يبدو، إلى مرحلة صدمةٍ باتَ فيها مضطراً إلى الكلام بأسلوبٍ مختلف وبصراحةٍ أكبر. لم أجد في أرشيفي، للأسف، إلا مقدمة المقال الطويل، لكنها كانت مُعبرةً بشكلٍ واضحٍ عن مقصدهِ منها، إذ بدأ بالقول: «لقد تكلمنا بما يكفي وزيادة، واستنفد الكلام غرضه بما وَصلَ إليه من مقررات يكاد ينعقد عليها إجماعُ من تهمهم شئون بلادهم، ولم تبقَ الآن زيادة لمستزيد في هذا الشأن، ولقد ذاع ذلك كله وتناولته الصحف والأحاديث بما صار به عِلماً عاماً، ولم تبقَ إلا الحركة، والمطلوبُ هو تلك الأفعال التي تفضي إلى الإزاحة العملية لما هو ضارٌ ومخربٌ وظالمٌ ومستبدٌ وغير وطني، لا يرعى مصالح الجماعة السياسية في يومها ولا في غدها ولا في مستقبلها، ويمكّن أعداءها فيها، ويجعلهم المسيطرين عليها، والحاكمين لها وأصحاب القرار النافذ فيها... ونحن أمام وضعٍ عجيب، فليس الفكرُ فقط هو ما بلغ منتهاه فيما يُفصِحُ عنه من مهام مطلوبة في هذا الوقت في هذا البلد، هنا والآن، ولكن الدعوة السياسية والإذاعة الإعلامية والإشاعة.. كل تلك تكاد تكون بلغت منتهاها أيضاً في القدرة على الإسماع والانتشار».

أما الخصوصية الثانية المتعلقة بالمقال فتكمن في حقيقة أنه جاء قبل اشتعال الثورات في بعض البلاد العربية، وماتلاها من تغييرات تاريخية، وَصَلت بالعرب جميعاً إلى واقع اليوم بمافيه من مخاطر وتحديات. وأذكرُ تماماً أنه تنبأ في المقال بحصول ماحصلَ فِعلاً بعد ذلك.

لم يكن الرجل يعلم الغيب ولا «يضرب المندل» كما يقول المثل العامي، وإنما كان يقرأ قوانين الاجتماع البشري التي يجهل البعض أن قوتها وتماسُكها يُماثِلُ قوة القوانين الفيزيائية، وأنها كانت دوماً تحكمُ حركة ذلك الاجتماع عبر التاريخ، في كل زمانٍ ومكان، وستبقى تحكمهُ وتتحكم فيه، دون أن يجد أحدٌ مهرباً من هذه الحقيقة، تماماً كما هو الحال مع قواعد الكيمياء والفيزياء. لهذا، يبدو التذكير بها واستحضارُها، اليوم، مسؤوليةً لامفرَّ منها.

لم يعد ثمة جدالٌ في وجود وطبيعة التحديات الخارجية الضخمة التي تواجه العرب اليوم، وتحديداً، من لايزال يملك أوراق الفعل البشري منهم. وفي حين يبقى مشروعاً، ومطلوباً، التعاملُ مع تلك التحديات من خلال سياسات خارجية تستوعبها بكل شكلٍ ممكن، تظل القوة الداخلية للمجتمع والدولة، بعناصرها المعروفة، الأرضية الصلبة التي تتأكد في وجودها إمكانيةُ التعامل مع كل تحدٍ خارجي في نهاية المطاف.

نعم، الكل يسمع ويقرأ عن نية الإصلاح والجهود المتعلقة به في أكثر من مجال. لكن استفراغ الوسع، عملياً، في هذا المجال، يبدو أولويةً قصوى لايمكن التهاونُ فيها. خاصةً وأن «مايجب فعله» لم يعد سراً يحتاج لبحث وتنقيب، اليوم، تماماً كما وصفَ البشري الحال منذ سنوات.

في كتابه الشهير عن «فن الحرب»، يقول الاستراتيجي الصيني صن تسو: «يُعلمنا فنُّ الحرب ألا نعتمد على احتمال عدم مهاجمة العدو، بل على استعدادنا لمنازلته، وعلى حقيقة أننا جعلنا أنفسنا في موقع من لاتُمكنُ مهاجمتهُ أصلاً». ثم يقول في موقعٍ آخر: «عامل رجالك كما تعامل أولادك المحبوبين، وسيسيرون تحت قيادتك إلى أعمق الوديان». ثمة علاقةٌ وثيقة بين المقولتين يجدر التفكير بها على الدوام.

========================

عقدة حلب والخطة الروسية الإيرانية .. د. وليد البني

 كلنا شركاء

السبت 22/10/2016

تتجه أنظار معظم المهتمين بالشأن السوري الى حلب ، بعد ان رفضت روسيا جميع العروض والتمنيات والمحاولات التي بذلها أكثر من طرف دولي  لفك الحصار عن أكثر من ثلاثمائة الف مدني سوري أصبحوا معزولين تماما دون اية إمكانية لإيصال المساعدات الغذائية والطبية اليهم ، ثلاثمائة الف إنسان غالبيتهم الساحقة من العائلات الحلبية الفقيرة التي تقطن منازل متواضعة مع العديد من الأطفال و التي لم تمكنها ظروفها من مغادرة حلب ، أو هم عائلات للمقاتلين الذين يدافعون عنها،  بينهم أقل من ثمانية الاف مقاتل ، قال دي مستورا ان أقل من ثلاثمائة منهم فقط  قد يكونون  مقاتلين ينتمون الى جبهة النصرة .

تصر روسيا على الحسم العسكري في حلب كمقدمة لفرض حل سياسي في سوريا ، معتمدة على القوة  التدميرية لسلاحها الجوي  مدعوماً بمليشيات تقاتل على الأرض ممولة من ايران، وهي في غالبيتها ذات خلفية طائفية كحزب الله اللبناني والكتائب العراقية والأفغانية .

إن نجاح روسيا في تمكين النظام ومليشيات ايران من دخول حلب الشرقية سيشكل نقطة تحول كبيرة في الحرب  السورية وسيؤدي الى اختلال كبير في موازين القوى لصالح ايران وميليشياتها ونظام الأسد  ، وخاصة بعدنجاح الضباط الروس في تمكين النظام من استعادة السيطرة على الكثير من المناطق المحاذية لدمشق وبعض مناطق حمص ، من خلال عقد اتفاقات مع سكانها تتضمن  إجلاء المقاتلين عنها وتجميعهم في إدلب الخاضعة لسيطرة النصرة ( من الملاحظ أن روسيا ترفض ارسال هؤلاء المقاتلين إلى اي منطقة أخرى خاضعة لسيطرة المعارضة المسلحة ما عدا إدلب الواقعة تحت سيطرة جبهة النصرة بالكامل) فبعد مضايا والزبداني تم اخلاء داريا والوعر وقدسيا والهامة  ، ثم المعضمية بينما تجري مفاوضات مع سكان كل من دوما والتل وحرستا وجوبر لمحاولة التوصل الى اتفاقات مشابهة ، وفي حال نجح الروس والإيرانيين  في السيطرة على حلب وإخراج المقاتلين وعائلاتهم منها وإرسالهم إلى إدلب ، ستكون روسيا وإيران قد نجحتا في تجميع قوى المعارضة السورية في ثلاث مناطق رئيسية ، اثنان منها يخضعان لتنظيمات مصنفة إرهابية من قبل الأمم المتحدة والمجتمع الدولي  ( أدلب وريفها تحت سيطرة القاعدة ، والرقة وريف دير الزور تحت سيطرة داعش) سيسهل تجييش العالم ضدهما ومن ثم استعادتهما الى سيطرة روسيا وايران ومليشياتها  بالتعاون مع الجميع أو دون اعتراض من أحد   ، وواحدة تتقاسمها  كل من تركيا وبعض الفصائل المسلحة المدعومة من قبلها في الشمال الغربي والميليشيات الكردية في الشمال الشرقي ، ولكلا الجهتين علاقات جيدة مع الروس ستمكنهم من ايجاد حلول قد يكون تم الاتفاق عليها مسبقا مع كل من تركيا وميليشيات صالح مسلم 

هذا هو المخطط الروسي في دعم بقاء نظام الأسد وتقاسم النفوذ على سوريا مع ايران على ما يبدو، مع ضمان عدم قيام كيان كردي على الحدود التركية وإطلاق يد تركيا في تلك المنطقة لمنع اي تهديد لحدودها .

مع الاسف حقق هذا المخطط الكثير من النجاح الى حد الآن وقد ينجح فعلاً في قمع الثورة السورية نهائيا وخاصة بعد تحييد تركيا ، وضمان أمن اسرائيل واستغلال الإنشغال الأمريكي الحالي بالإنتخابات الرئاسية،  والعجز العربي الواضح عن الوقوف في وجه الطموحات التوسعية الايرانية.

الخطة الروسية الإيرانية  الحالية والتي هي في مراحلها الأخيرة ، يمكن إعاقتها فيما لو توفرت الشروط التالية أو بعضها  :

-صحوة عربية سريعة تتدارك العجز وانعدام التأثير على الحالة السورية ، والبدء فوراً بإتصالات جدية مع كل من روسيا وتركيا وتوصيل رسالة سريعة لهما بأن توافقهما مع ايران على حساب المصالح العربية لن يكون بلاثمن ، وأن العرب رغم التشتت والضعف الذي يعانون منه ، إلا أن إرادتهم في الدفاع عن مصالحهم ستنحي الخلافات جانبا وتجعلهم يوحدون مواقفهم .

-صحوة سورية تشمل السوريين بمختلف تلاوينهم العرقية والدينية والسياسية وفي الطرفين الموالي والمعارض غير المتورط بالفساد والدماء ، وهم يشكلون أكثرية الشعب السوري  بأن لا حليف حقيقي لهم سو وحدتهم وإرادتهم بالحفاظ على وطنهم.

-تعثر الخطة الإيرانية الروسية إلى حين وصول الإدارة الأمريكية الجديدة ونشوء تعاون امريكي اوربي يهدف الى وضع حد للطموحات الروسية الإيرانية ، وقدرة السوريين على الاستفادة من تناقض المصالح هذا للحفاظ على وطنهم دون الوقوع في التبعية لأحد المحورين .

-وقوع خلاف روسي ايراني ممكن ان يذهب النظام ضحيته،  وقدرة السوريين والعرب على الاستفادة من هذا الخلاف إن حصل.

========================

انتحار الغرب في سورية .. برهان غليون

العربي الجديد

السبت 22/10/2016

في اللقاء الأول الذي جمعني، كرئيس للمجلس الوطني السوري، في نوفمبر/ تشرين الثاني 2011 مع وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، خرجت، بعد أقل من ساعتين بقليل، باستنتاج واحدٍ لم يتغير حتى الآن، هو أنه ليس لموقف روسيا في النزاع السوري الراهن هدفٌ أكبر من الانتقام من الغرب الذي قوّض مواقع موسكو في العراق وليبيا، ومن قبل في أفغانستان وأوروبا الشرقية، وأن موسكو مصمّمة على أن تحوّل الأزمة السورية إلى مدخلٍ لقلب الطاولة على الغرب، وإحباط خططه ومعاقبته على سياسات العزل والتهميش والاستخاف التي عاملها بها خلال عقودٍ ثلاثة، بعد زوال الاتحاد السوفييتي. ولهذا، كان ردّي على تساؤل الوزراء الغربيين الذين كنت ألتقيهم في إطار تجمع أصدقاء الشعب السوري، بشأن ما يريده الروس، وفي ما إذا حققت زيارتي أي نتائج، أن موسكو ليست معنيةً بسورية، إلا بمقدار ما تشكّل بالنسبة لها مناسبةً لإعلان تمرّدها على الغرب، وإظهار قدرتها منذ الآن على مقاومة مخططاته، والضغط عليه، لتأكيد وجودها قوّة عظمى، واستعادة مركزها الدولي، واستعادة الاعتراف بمكانتها العالمية.

جميع هذه المطالب ليست بيدنا، وإنما بيد الغرب. لذلك أيضاً لا يستطيع الروس أن يروا فينا محاورين جديين، ولا مفاوضين، إنما رسل لنقل رسائلهم إلى الغرب، ولا تعنيهم حججنا ولا قضيتنا، ولا يهمهم مصير سورية، ولا مصير الشعب السوري. وهذا يعني أن على أصدقائنا الغربيين، إذا أرادوا أن يساعدونا ويدعموا قضيتنا، ألا يكتفوا بالضغوط والعقوبات على موسكو، وإنما عليهم أن يسعوا إلى فتح حوارٍ مع روسيا، ليس من أجل تقديم تنازلاتٍ مجانية لها في القضايا العالقة التي تهمها في أوكرانيا والقرم ودول البلطيق والدرع الصاروخي وغيرها. ولكن، من أجل إعادة الاعتبار الدولي لها، وحفظ كرامتها وكبح جماح روح الانتقام التي تحرّك سياستها، والتي برزت في مسألة أوكرانيا، وانتهت بإلحاق القرم، وها هي تقود إلى تدمير سورية. وكنت أعتقد، بالفعل، أنه من دون تخلي الغرب عن سياسة عزل موسكو وتهميشها، والسعي، بالعكس، إلى استيعابها، لن يكون من الممكن دفعها إلى تعديل سياستها، وتبني موقف إيجابي لصالح التعاون من أجل السلام والأمن والاستقرار الدولي. لكنني، عندما كنت أتساءل، أمام زملائي الغربيين، عمّا إذا كان حوارهم مع موسكو ممكناً، كان الجواب أنه مستحيل: الغرب لن يفاوض روسيا على أي موضوع من هذه الموضوعات.

لم يتغيّر هذا الوضع حتى الآن، على الرغم من المظاهر. ليس لدى الغرب أي استعداد لفتح مفاوضات من أي نوعٍ مع موسكو، في كل ما يتعلق بالمصالح الغربية في أوروبا بشكل خاص، فهو هنا متشبثٌ إلى أبعد الحدود بعنفوانه وعنجهيته. لكن، بعد سنواتٍ من الصراع المرير في سورية، نجد اليوم وزراء خارجية الغرب، وفي مقدمتهم الوزير جون كيري، يجرون وراء سيرغي لافروف، من عاصمةٍ إلى عاصمة، على أمل أن يحصلوا منه على تنازلٍ، مهما كان جزئياً، يفتح ثغرةً في الوضع المأساوي المعدوم الأفق القائم في سورية، والذي أغلقه الفيتو الروسي بشكلٍ لا سابق له، ضارباً عرض الحائط بكل المواثيق والأعراف الدولية القانونية والأخلاقية، في وقتٍ يفرض فيه الوزير الروسي كل يوم، وفي كل جلسةٍ، شروطه المذلة بحق واشنظن التي كانت تدّعي، وتتصرّف بالفعل حتى مجيء باراك أوباما، كقائدة للعالم.

كيف وصل الوضع إلى هذه الحال، وأصبحت الولايات المتحدة التي لا تزال، على الرغم من كل ما أصابها من عناء، تمثل أعظم قوة عسكرية واقتصادية وسياسية وتقنية وعلمية في التاريخ، تتسوّل حلاً للأزمة السورية لدى دولةٍ لم تكن تعيرها، منذ سنوات قليلة، أي اعتبار، وترفض حتى محاورتها؟ وكيف وجدت الولايات المتحدة نفسها تقف مكتوفة اليدين، وعاجزةً عن القيام بأي فعل أو رد فعل، وهي القوة الأعظم، أمام ما يجري من حرب إبادةٍ يوميةٍ بحق مدنيين، ليس لهم من ذنب سوى انتمائهم إلى شعبٍ تجرأ على المطالبة بحكومةٍ تمثله، وبالحرية التي بنت عليها الولايات المتحدة شرعية نفوذها العالمي، وتدخلاتها التي لم تتوقف في مصائر الشعوب ومستقبلها؟

ليس في هذا أي سر. إنه يعبر ببساطةٍ عن الإخفاق العميق الذي منيت به السياسة الغربية، منذ بداية الأزمة السورية. لا ينجم هذا الإخفاق عن انتزاع روسيا مكاسب استثنائية في سورية، ولا عن فشل الغرب في تحقيق أهدافه فيها، فروسيا والغرب يشتركان في موقفٍ واحدٍ، هو أن كليهما لا يعنيهما أمر سورية والسوريين. لكن، بينما تسعى روسيا، بإغلاق فرص السلام في سورية، إلى إحراج الغرب وتركيعه، وإجباره على فتح مفاوضاتٍ حول ملفاتها الرئيسية المعلقة معه، يحاول الغرب أن ينأى بنفسه بأي ثمن عن الصراع، وهو مستعدٌّ، في سبيل ذلك، لتوكيل موسكو بمهمة التوصل إلى حلٍّ في سورية، لكنه غير مستعد، مهما كان الثمن، خصوصاً عندما يكون من دم السوريين، لتقديم أي تنازلٍ يمسّ بمصالحه وهيمنته العالمية. وبينما ينتظر الغرب للتهرّب من المفاوضات مع موسكو غرق روسيا في ما يسميه المستنقع السوري، تراهن موسكو على التقويض المستمر لصدقية الغرب الاستراتيجية والسياسية والأخلاقية الذي يتفاقم كل يوم مع تجلي عجز الغرب عن القيام بأي فعل، وفقدانه أي خياراتٍ في سورية. وما من شكٍّ في أن روسيا لا تزال الرابحة في هذه المناورة الكبرى، بمقدار ما نجحت في تجنيب نفسها، بنجاحها في إخضاع إيران وحشودها لجدول أعمالها، الانخراط برياً، وبشكل واسع، في الحرب، بينما يكاد الغرب يفقد عناصر قوته، وتسيده السياسية والرمزية، فالعجز عن استخدام القوة مع توفرها يلحق الضرر بصدقية الدول أكثر بكثير من الضرر الناجم عن الافتقار إليها.

أخطأ الغرب في تهميشه روسيا، وإغلاق الباب في وجهها، والسعي إلى ضرب الحصار من حولها عندما كان ينبغي فتح حوار إيجابي لضمها إلى المنظومة الدولية، وتشجيعها على لعب دور إيجابي فيها، بعد زوال الاتحاد السوفييتي. والآن، يخطئ بشكل أكبر، عندما يركع تحت أقدامها، ويقبل التفاوض معها في شروطٍ مذلةٍ حول سورية التي لم تعد أزمةً محليةً، وإنما أصبحت محكّاً للصراع على الهيمنة والمبادئ الدولية. وكان الأولى به أن يرفض أي حوارٍ ما لم تلتزم روسيا وحليفتها الإيرانية بالمواثيق والاتفاقات الدولية، وتتوقف عن القصف الأعمى للمدنيين، وتجويع المدن وحصارها، وترويع سكانها وتهجيرهم.

يحاول الغرب أن يمتصّ نقمة الروس على سياساته الرامية إلى عزلهم، وتهميشهم بتعويضهم في سورية، حيث لا يعتقد أن له مصالح استراتيجية مهمة. وهذا ما فعله أيضاً مع إيران التي فاوض معها على الملف النووي الذي يهمه، لكنه أطلق يدها في الإقليم، وتركها تذرع الخراب والدمار، من دون أن يرميها بحجر، وهو ما فعله كذلك مع نظام الأسد نفسه، حين أباح له القتل بالجملة، ومن دون رادعٍ ولا خوف من عقاب، لمجرد قبوله بتسليم أسلحته الكيماوية. باختصار، لا يقبل الغرب التفاوض على مصالح تخصه، لكنه مستعد للتنازل بأريحيةٍ بالغةٍ في كل ما يتعلق بحيوات الآخرين ومصالحهم ومستقبل أبنائهم، فسواء ذهبت سورية، أم بقيت على قيد الحياة، لن يضير ذلك الغرب في شيء. سوف يتعامل على كل الأحوال مع من يرثها، وفي أسوأ الحالات يمكنه أن يمحوها ببساطةٍ من الذاكرة.

لكن الحقيقة أن الغرب هو اليوم الخاسر الأكبر من فشله في الارتقاء إلى مستوى المسؤولية الدولية التي انتزعها بالقوة والسياسة والقدرة على تحمل المسؤولية. وخسارة الغرب الأطلسي السياسية والمعنوية أكبر أثراً من أي خسارةٍ عسكرية، وهي ستتفاقم باضطراد. والسبب أن الغرب الذي دفع نحو الاندماج العالمي جعل مصائر الدول والمجتمعات أكثر ترابطاً اليوم من أي وقت مضى. وكما لم يعد من الممكن حصر عواقب اختلال الأمن وزعزعة الاستقرار في منطقة، ومنعه من الانتشار في بقية أجزاء العالم، لم يعد ممكناً حصر هزيمة الغرب في سورية في النطاق السوري، ولا المشرقي. بمقتل هذا البلد العربي الذي لم يكن أبداً حصناً من حصون الغرب، سقطت الهيمنة الغربية العالمية، ومعها كل شاراتها الرمزية، من دون أن يعني ذلك انتزاع روسيا، أو أي قوةٍ أخرى، مكانة الغرب الريادية. لم يحصل ذلك بسبب هزيمةٍ عسكريةٍ ولا أزمة داخلية اقتصادية أو سياسية، وإنما لتخلي واشنطن، عاصمة الغرب، عن التزاماتها الدولية، وتهرّبها من مسؤولياتها القانونية والأخلاقية التي أقامت على أساسها صرح نفوذها وتفوقها المعنوي وقيادتها العالمية منذ أكثر من قرن.

========================

مدينة حلب.. ويوم طويل في حياة قصيرة! .. رضوان السيد

الشرق الاوسط

السبت 22/10/2016

كنتُ أستمع إلى استغاثة الطبيب الجراح الوحيد الباقي في أحد أحياء شرق حلب، وهو يقول: «كل يومٍ في هذه المدينة المنكوبة هو في عُمُر دهرٍ بل دهور. وإذا كان طويلاً عليّ، فهو طويلٌ جدًا على أطفال حلب ونسائها وشيوخها، فليرحمنا الرحمن الرحيم». وما مضت ساعاتٌ على هذه الاستغاثة حتّى رأيتُ أحد المقاتلين الذين دخلوا إلى دابق وقُراها وهو يقول: صحيحٌ أننا ذاهبون إلى بلدة الباب لطرد «داعش» منها، لكنّ هدفنا التالي هو مدينة حلب لإنقاذها من الغُزاة! والمقاتل صادقٌ في طموحه، لكنّ الوقائع على الأرض تجعل من الـ35 كيلومترًا بين دابق وحلب، بمثابة مئات الأميال!

وليست هذه الأيام في عُمُر حلب ومآسيها بمبعدة عن وقائع نحو الألف عام في حياة هذه المدينة منذ فتحها على أيدي العرب، وإلى أن حسم العثمانيون مسألة السيطرة على محيطها ثم عليها عام 1516 - 1517م. بعد فتح حلب في عام 637م استطاع الروم (= البيزنطيون) دخول حلب اثنتي عشرة مرة عبر خمسمائة عام. وقد اتخذ العرب من دابق ونواحيها خطَّ الدفاع الأول عن حلب. ولأنّ دابقًا تقع وسط مروجٍ ممتدة، فقد ظلّت عُرضة لهجمات الروم في نهضات الدولة البيزنطية، ويقول المسعودي إنّ مرج دابق جرى تبادُلُهُ زُهاء العشرين مرة خلال ثلاثين عامًا، مما دفع العرب إلى بناء تحصينات هائلة في المرج خاصة، ولذلك تكثر في أنحاء المرج «الخرائب» المقترنة بأسماء القرى، التي هي في الأصل حصون، أو آثار لقرى ومزارع كانت عامرة. و«الحدث الحمراء» التي يذكرها المتنبي في قصيدته «على قدر أهل العزم» في امتداح سيف الدولة الحمداني، هي إحدى القلاع، التي كان القصدُ من بنائها الدفاع عن حلب، التي اتخذها سيف الدولة عاصمة لإمارته.

لقد كانت الصوائف والشواتي التي سميتْ بها الحملات العربية أيام الأُمويين والعباسيين، هدفها حفظ محيط حلب من أجل حفظ المدينة. ولأنّ المحيط شاسعٌ جدًا حتى بمقاييس مواصلات اليوم؛ فإنّ مقارّ المرابطين بالصيف والشتاء تحولت بدورها إلى إمارات تصغُر أو تكبُر تبعًا لقدرة مقاتليها على الصمود في وجه الهجمات، إلى أن انتصر السلاجقة في موقعة ملا زكرد عام 1071م وأسروا إمبراطور الروم آنذاك، وتغلغلوا في آسيا الصغرى، فابتعدت الجبهة عن حلب إلى وراء ما صار يُعرفُ اليوم بباب الهوا، الذي صار مركزًا حدوديًا بين تركيا وسوريا. ولذا فإنّ ملاحم الدفاع عن حلب، تُشبه في نظر المؤرّخ ابن الأثير، ملاحم الدفاع عن القدس وعن عسقلان والكرك أيام الحروب الصليبية.

لماذا نذكر هذا كلَّه اليوم؟ نذكره ليس لتعزية النفس فقط (والتعزّي مسوَّغ لسوء الحظ)؛ بل للقول إنّ حلب كانت دائمًا مدينة استراتيجية، لوقوعها على التخوم بين الدول والإمبراطوريات. وهي دُرّة في الموقع والوظائف بحيث كان الجميع حريصين على الاستيلاء عليها مهما بلغ الثمن. والطريف أنّ سليم الأول عندما اندفع للاستيلاء عليها وواجهه الجيش المملوكي بقيادة قنصوه الغوري ملك مصر والشام آنذاك بمرج دابق للدفاع عن حلب؛ إنما كان بين أسباب هجمة العثماني، اتهامه الغوري بالتآمُر مع إسماعيل شاه الصفوي الذي كان سليم قد هزمه في وقعة جالديران عام 1514م. وبالطبع ما كان الصفوي وقتها طامعًا ولا قادرًا على الاقتراب من حلب بعد هزيمته المدوّية. لكنّ الأمر اليوم الذي يستحق الذكر أنّ عشرات الألوف من الإيرانيين والمتأيرنين بحلب ومن حولها، يقاتلون ويموتون هناك، مرة للدفاع عن «العتبات»، ومرة للدفاع عن الأسد الممانع، وهذه المرة كما يقولون لأنهم يريدون استعادة شيعية حلب! وقد كانت حلب مدينة عالمية منذ قرونٍ وقرون وفيها العرب والتركمان والأكراد، وبين هؤلاء جميعًا السنة والشيعة. لكنّ ناصر الدولة ابن حمدان، وابن أخيه سيف الدولة، ويقال إنهما كانا شيعيين، عندما دعاهما الفاطميون للولاء لهم مقابل ترك المدينة بأيديهم، أَبَيا ذلك، وانصرفا للدفاع عن عروبة الدولة وعن بني العباس، باعتبار أنّ الأمر كما قال المتنبي: «لا يصلُحُ عُرْبٌ ملوكُها عَجَمُ».

إنّ التاريخ لا يعيد نفسه، أو أنه يقع التشابه بين البدء ووهم الإعادة، بين المأساة والملهاة. والكوميديا المأساوية اليوم في المدينة ومن حولها هو الصراعُ بين الإيرانيين والأتراك وعلى سوريا والعراق. حضر الإيرانيون إلى حلب بعد حمص بدعوة من الأسد الضرغام أو من دون دعوة، فكان لا بد أن يحضر الترك. في حمص كان همُّ الإيرانيين والمتأيرنين غير القتل والتهجير نبش قبر خالد بن الوليد لأنه كما قالوا كان خصمًا لعلي وفاطمة! ولا ندري في دمشق وحلب قبور من نبشوا وينبشون. بيد أنّ التاريخ لفظاعته يصبح بمثابة الأُسطورة، أو هو يرتقي إلى مصافّها(!). ما قال الأتراك إنهم دخلوا سوريا قاصدين حلب، بل قالوا إنهم يريدون الحيلولة دون قيام كيان كردي على حدودهم. ثم ها هم يقولون الآن إنهم يريدون إقامة المنطقة الآمنة بعد طول انتظار. لكنهم بعد دابق سيجدون أنفسهم في مواجهة الإيرانيين. ولن يقبل الروس والأميركيون ذلك، لكنّ أحدًا من السوريين لا يقبل أيضًا أن تكون حلب للإيرانيين الذين هبَّ الروس لنجدتهم ونجدة الأسد. وكان المتنبي يقول في القصيدة، إياها: «وكيف تُرجّي الروم والروس هَدْمها - وذا الطعنُ آساسٌ لها ودعائمُ»، الروس ما يزالون روسًا، فهل صار الإيرانيون رومًا؟! وبالمناسبة؛ فإنه في بحث حسن نصر الله الحثيث عن فضائل للهجمة الروسية، قال - لا فُضَّ فوه - إنهم منعوا تقسيم سوريا!

ليست حيوات المدن كحيوات الأفراد. إنما ما قيمة المدينة من دون ناسها؟ الجرّاح الحلبي يومُهُ طويل، وليلُهُ أطول، وكان المتنبي قد تساءل عن مشاعر سيف الدولة في ليل حلب المدلهمّ: «فكيف ليلُ فتى الفتيان في حلب؟». نعم إنّ ليل المدن العربية المنكوبة طويلٌ كنهارها، ومن حلب إلى دمشق، إلى تعز وصنعاء وبيروت وبغداد. كلُّ هذه المدن غاصّة بالغُزاة، والذين يريدون الحلولَ محلَّ أهلها، الذين عاشوا فيها وعمروها وصنعوا حياتها وهم يدافعون عنها ولا يقبلون موتها.

في مرويات الآثار الملحمية أنّ دمشق، وأنّ حلب، تبقيان بعد خراب الأمصار. وفي المرويات أيضًا، بحسب الشيخ الطبّاخ، أنّ المُرابط بحلب له عشرة أضعاف أجور المرابطين بالثغور، فهل يكون الطبيب الحلبي منهم؟ إن لم يكن طبيب حلب وأطفالها ومقاتلوها من المرابطين، فمن يكون المرابطون إذن؟

========================

موقفنا : مسلمو الوَهْن .. وها هم ينتظرون كما انتظر الذين من قبلهم .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

26/10/2016

قرأنا في كتب التاريخ أن آخر خليفة من بني العباس ، المدعو ( المستعصم بالله ) نام في سنة 656 ، على يد وزيره الرافضي ابن العلقمي ، وخرج بزينته وحشمه إلى حفلة قتله ( دوسا تحت الأقدام ) ، وما رام دفاعا ولا حفاظا ، كما يفعل الكثير من قيادات هذه الأمة اليوم !!

قرأنا في كتب التاريخ ، أن المحتل المغولي ، كان يمر في شوارعنا ، فيستتبع أربعين من رجالها ، لا يوثقهم بوثاق ، ولا يشدهم بحبل ، ثم يأمرهم بالاصطفاف فيصطفوا ، ثم يخبرهم أنه قد نسي سيفه ، وان عليهم أن ينتظروه ، حتى يعود إليهم ليذبحهم ، فيذهب ويعود ، ولا يروم واحد منهم خلاصا ، ولا يبغي نجاة !! وأن حال الأمة في ذلك الزمان حال قطيع من العجماوات ، مرصودة للذبح، لا يفحص الرجل من أبنائها عند ذبحه ، لئلا يزعج ذابحه ...!!

كنا نقرأ هذا ، في كتب تاريخ صحاح موثوقة ، فنصدق ونكذب ، ونرد ونقبل ، وننقد ونفند ، ولا يملك أمثلنا طريقة إلا أن يقول حسبنا الله ونعم الوكيل .

وعندما كانت ممالك الأندلس ، ومدنها ، تتهاوى تحت ضربات الاسبان ، مملكة بعد مملكة ، ومدينة بعد مدينة ، كان من يسمون ( ملوك الطوائف ) يعقد كل واحد منهم تحالفا مع قاتل أخيه ، ومدمر ديار المسلمين ، تحت معاذير خادعات كِذاب ، من السياسات الطائشة الرعناء ، التي أنزل ليلجمها الشرع والدين ، ((وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ )) وأمام الالتزام بالحد يجد الجِد ، وتستبين السبيل ، وينادي فوق رؤوس الناس (( قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ )) : (( فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ))؟!

وما كنا نظن ، أن يمر على أمة الإسلام ، في هذا العصر الذي نعيش ، من القرن الخامس عشر ، أيام نحسات كالتي مرت في القرون الأولى ، بل بطريقة أبشع وأشنع . وأن يضرب على قيادات هذه الأمة ورجالها ونسائها من الذلة والوهن ، والاستسلام والاستخذاء ، ما يفوق ما جرى في أيام الصليبيين والتتار ومحاكم التفتيش، فلا تكاد تجد في صفوف هذه الأمة رجلا حليما حكيما رشيدا ، يتوكل على الله ، ويستعصم بحبله ، ويعزم على الرشد ، ويقود للحق كتائب. بل ها هم كما كان أولئك ، يتسارعون إلى عقد التحالفات مع قاتليهم ، ومدمري ممالك المسلمين وعمرانهم ، تحت العناوين الكاذبات نفسها التي كان يسوق بها ملوك الطوائف تخاذلهم ، والتي سوق بها الملك ( الصالح ) في دمشق تحالفه مع الصليبيين ، ضد ابن عمه في مصر ( نجم الدين أيوب ) .

يقتلنا الأمريكي ويكبون على يديه ، ويقتلنا الروسي ويسيرون في ركابه ، ويقتلنا الصفوي ويتنافسون على طلب رضاه ، يُصافقون هذا ، ويشاركون ذاك ، وينزلون على حكم الثالث . ولا سميع لبكاء الأطفال ، ولا مجيب لاستغاثات النساء ، ولا نصير لنواح المآذن ، تشكو إلى الله ..

وكان الفارق الفالق بين ما كان في القرون الأولى وما نعيشه اليوم في القرن الخامس عشر ، أن المغولي المتوحش كان يصف أبناء أمتنا فردا ..فردا ، واليوم فإنهم في مساليخهم الجديدة ، وفي عقر دار الإسلام ، في عراقنا وفي شامنا وفي يمننا ؛ يصفوننا بلدة بلدة ومدينة ومدينة ..

أبادوا حمص والفلوجة ، واستباحوا الأنبار والغوطة ، وثلثوا بحلب والموصل ، وتوعدوا الرقة ودير الزور وتعز وصنعاء ، ويخورون حول مكة والمدينة ، وأمة من الموتى تنتظر أن تسارع للعق صفحة من ثريد ، وبالدور بلدة بعد بلدة ، ومدينة بعد مدينة ينتظر المسلمون ...

جأر بها بالأمس المالكي : قادمون يا نينوى ...قادمون يا حلب ..قادمون يا يمن ..فلم يجد تبجحه وعدوانه من يجيب !!

وخار بها حسن نصر الله وهو يزدرد طرابلس وصيدا ويتهدد الشام كل أرض الشام ، فلم يكن جوابه ممن يسمي نفسه قيادات الأمة إلا المزيد من الخنوع والخضوع ، وبالأمس ألقوا العباءة العربية على كتفي المأفون ميشيل عون . لا ندري أبها أم بأنفسهم كانوا يستهزئون ..

ونعود إلى أبي البقاء :

لمثل هذا يذوب القلب من كمد ... إن كان في القلب إسلام وإيمان

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

========================

ليست مجرد حلب .. حسام كنفاني

العربي الجديد

السبت 22/10/2016

خلال الشهور الماضية، نجح الروس، ومعهم النظام السوري، في حصر دائرة الثورة السورية في منطقة واحدة، هي حلب. حتى بات الاهتمام العربي والدولي منصباً على إنهاء المأساة التي تعيشها المدينة، ليختفي معه أي حديث آخر كان يجري تداوله في أروقةٍ دوليةٍ كثيرة، على غرار المراحل الانتقالية أو بقاء نظام الأسد من عدمه. مثل هذا الكلام لم يعد له مكان على طاولة المستجدّات التي تنصب فقط على حلب.

حتى عندما أعلنت القوات الروسية عن الهدنة، وهي القوات الآمرة الناهية الآن على الأراضي السورية، اقتصر الأمر على حلب، فيما بقيت الغارات والمعارك قائمةً في مناطق أخرى. لم تثر هذه الغارات أي اهتمام من الدول الغربية التي تعاطت بإيجاب مع الهدنة الروسية، وأشارت إلى إمكان أن تكون اختبارا لنوايا الروس، متجاهلةً ما هو حاصل من قصف وتدمير وتهجير في مناطق أخرى، سواء في إدلب أو ريف دمشق.

"نوايا الروس"؟ من المؤكد أن ما هو حاصل جزء من هذه النوايا التي لا تخفيها موسكو، فهي تعمل بشكل واضح على كسب مزيد من الوقت والأرض، على حساب الحيرة الغربية في كيفية التعاطي مع التمدّد الروسي الذي بات له وجود دائم وشرعي على الأرض السورية. ووفق هذه النوايا، تعمل موسكو على رفع الأوراق التي تناسب استراتيجيتها. حالياً، يلعب الروس ورقة حلب في وجه المجتمع الدولي والدول الإقليمية، تجر وزراء الخارجية إلى اجتماعات ثنائية وثلاثية ورباعية، لبحث كيفية حل وضع هذه المنطقة السورية. يخرج وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، من الاجتماعات، ليعلن تأجيل الاتفاقات إلى اجتماعاتٍ لاحقة، وبالتالي إبقاء الوضع على ما هو عليه، في حلب تحديداً، التي لا حديث اليوم إلا عنها.

يدرك الروس الارتباك الغربي جيداً، وعدم القدرة على المواجهة في ظل الانكفاء الأميركي وعدم النية الأوروبية على التحرّك بشكل منفرد، لذا، هم يديرون المعارك الميدانية والسياسية وفق ما يريدون، في وقتٍ يتلقف الغرب ما يقدمه الروس على أنه إنجاز. تماماً مثل ما هو حاصل في ما يتعلق بهدنة حلب، والتي يريد فيها الروس التمهيد للمعركة الكبرى في المدينة، إذ يدركون أن المعارضة لن ترفع راية الاستسلام. مع ذلك، تبنت الدول الغربية، والأمم المتحدة، الهدنة، واعتبرتها إنجازاً يسمح بإدخال المساعدات وإخراج الجرحى، وهو ما لم ولن يتم، فالشعار الضمني في حصار المدينة هو الاستسلام بشكل كامل أو الموت بأشكال مختلفة، منها الموت جوعاً أو عطشاً.

وفي سياق أوراق اللعب الروسية، من غير المستبعد أن تقدم موسكو نهاية الوضع في حلب، سواء باتفاق سياسي أو بجريمة حربٍ كبرى، على أنه نهاية للأزمة السورية بالمطلق، بعدما تم اختصار كل الثورة السورية بالوضع الجاري في حلب حالياً. الغرب بدوره، وعلى غرار تعاطيه مع السياسة الروسية، سيكتفي بالإدانات والتلويح بالخيارات غير الموجودة أساساً، تماماً كما فعل الرئيس الفرنسي، فرانسوا هولاند، أول من أمس. غير أنه، في النهاية، سيسلم بما يروّجه الروس، ولا سيما أنه بات ينظر إلى الوضع السوري بأنه تهديد مباشر، وأن نهايته أصبحت واجبة بأي شكل كان.

إلا أن الثورة السورية ليست مجرد حلب، على الرغم من خطورة حرب الإبادة التي تشن على المدينة، فالأهداف والشعارات التي رفعت في التظاهرات الأولى، حتى وإن خفتت أمام صوت الرصاص والطائرات والبراميل المتفجرة، إلا أنها لا تزال موجودة، ولا تخضع لحسابات روسيا واستراتيجياتها.

========================

العودة إلى سورية .. هيفاء بيطار

العربي الجديد

السبت 22/10/2016

سؤالٌ يبدو أبدياً، يُطرح على كل مثقف سوري يكتب مقالات ينتقد فيها النظام، وخصوصاً ممارسات الأجهزة الأمنية وسلطة الأمن، أو يتحدّث عن معتقلي الرأي، والسؤال الأبدي هو: هل ستجرؤ على العودة إلى سورية بعد كتابتك هذه؟.

أسافر كثيراً خارج وطني سورية، لكنني أعود إليه دوماً، لأنه انتمائي، ولأني أؤمن أن لي كل الحق أن أعيش فيه، وأن أتكلم بنزاهة ومصداقية، والأهم بحرية. ولست وحدي من يتلقى تحذيرات وتخويفا من الأصدقاء، بعد أن نكتب مقالات عن انتهاكات الأجهزة الأمنية وعن المعتقلين، وتحديداً مُعتقلي الرأي، وعن عنف السلطة من استعمال البراميل المتفجرة والدبابات لمحاربة ما تسميها جماعات إرهابية مسلحة.

ما الذي يعنيه في علم النفس أن يُسأل الشعب السوري (23 مليونا قبل الثورة، ونزح حوالي نصفه بعد العنف الفظيع): هل تجرؤ، أيها المثقف الذي تنتقد النظام وأجهزته الأمنية القمعية، على العودة إلى سورية؟ سؤال يعني أن كل الشعب السوري مُروّع من الأمن، وأن ثمة حالة من الرُهاب النفسي التي تقارب الذعر من مجرّد انتقاد النظام والمخابرات، حتى أن العملية التربوية في سورية (بشكل عام وواسع) تعتمد على استمرار تحذير الأولاد من التحدّث بالسياسة، أو الانتماء إلى أحزابٍ معادية للنظام، والذاكرة الجمعية للشعب السوري لا تنسى المعتقلين الإسلاميين، والمنتمين لرابطة العمل الشيوعي، وحتى المدافعين عن حقوق الإنسان، أفواجاً بالآلاف، غُيبوا في السجون، بعضهم عشرين سنة.

أصابت تلك الاعتقالات الناس بحالةٍ من الذعر الأخرس، بل أصبحت لدى بعضهم حالة رهيبة من العُصاب النفسي، تُسمى التماهي مع المُعتدي. وقد أبدع مصطفى حجازي في كتابيه "سيكولوجية الإنسان المقهور" و"سيكولوجية الإنسان المهدور" في تحليلها، وهي أن هول الذعر ممن يمثلون الأجهزة الأمنية يجعل المواطن يبرّر لها استبدادها، ويلوم كل من تجرأ مُعترضاً أو مُخالفاً الرأي الوحيد السائد في سورية. بل يتعمد بعض هؤلاء من ضحايا حالة التماهي هذه أن يجهروا بأن الأجهزة الأمنية على حقّ في اعتقال الشبان الذين سيخرّبون الوطن بأفكارهم المُعادية لسياسة الممانعة والمقاومة التي تمثلها سورية وحدها! ومفهوم المؤامرة أحد ركائز الأجهزة الأمنية في سورية، فكل رأي مُخالف للرأي الأوحد مؤامرة، وصاحبه مدفوع من الخارج، وربما يقبض أموالاً لتخريب البلد، حتى أن مئات الشبان، ومعظمهم دون الثامنة عشرة، اعتقلوا بسبب جرأتهم على تصوير المُظاهرات السلمية بالموبايل، والأكثر إيلاماً الحالة النفسية التي يشعر بها معظم السوريين بأنهم متهمون حتى يثبت العكس، كما لو أن السوري مُضطر لتقديم براءة ذمةٍ يوميةٍ للأجهزة الأمنية، ولأن يسلمها، بكل رضى، عنقه، لكي لا تعتقله ويعدها ألا يفكّر، وبأن لا يتكلم إلا عن نظرية المؤامرة، ولا يؤمن إلا بالله عز وجل، وبأن سورية دولة الممانعة والمقاومة ضد العدو الإسرائيلي.

هذا هو النمط الذي تم فبركة السوري على أساسه عقوداً. لكن، بعد أن انتفض السوريون مطالبين بالحرية، لم يعد هذا السؤال مقبولاً لدى الكتاب الذين ينتقدون النظام وأجهزته الأمنيه: هل ستجرؤ وتعود إلى سورية. وكم أحزنني حين راهن أصدقاء ومعارف على عودتي إلى سورية بعد نشر مقالي "مؤامرة بندر بن سلطان" (العربي الجديد، 23/12/2014)، عن المسرحية الهزلية، حرق المسؤولين في المشفى الوطني في اللاذقية هضبةً من حبوب الهلوسة (كما ادّعوا)، أرسلتها إليهم قناة الجزيرة. ثم مقالات أخرى، وصفت في أحدها شاحنةً محملة بأكوام جثثٍ مشوهة لشبان قُتلوا بالبساطة التي تُقتل فيها الحشرات، مرّت تستعرض بضاعتها في شوارع اللاذقية، ليرى الناس مصير الإرهابيين(!). بعد كل مقال لأصدقائي الكتاب الذين أصرّوا على البقاء في سورية، والتحدّث بحرية، مستعدين لدفع ثمن كلمة الحق، يتساءل السوريون: هل ستجرؤون على العودة إلى سورية، في كل مرة تغادرونها وتكتبون بجرأة؟ وقاطع سوريون مذعورون هؤلاء الكتاب الشجعان، وحذفوهم من صداقاتهم في "فيسبوك"، أو تعمّدوا أن يسخروا من أفكارهم، لإرضاء الأجهزة الأمنية، وإرضاء عنصر المخابرات الصغير المزروع في دماغ كل سوري؟ المنطق الغريب الذي تستعمله معظم أجهزة المخابرات في سورية حين يستدعون كاتباً، بسبب مقالٍ لم يعجبهم: لا يجوز نشر الغسيل الوسخ أمام العالم. .. ما مهمة الكتابة إن لم تنشر الغسيل الوسخ، وتحك عن الفساد والسلبيات في مؤسسات الدولة؟.

سأعود إلى سورية، مع أصدقائي الكتاب الذين يعتبرون الكتابة شرفاً، وكلمة حق، ودفاعاً عن حقوق الإنسان بالحرية والعيش الكريم. وسنستمر بنشر الغسيل الوسخ أمام عيون العالم كله.

========================

الراعي والكلب أقوى من القطيع .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 22/10/2016

ألا نستطيع أن نسأل الآن بعد أن ذاب الثلج وبان المرج: هل كان الربيع العربي الذي صفقنا له كثيراً، رغم مشروعيته وضرورته وعدالة قضاياه ومطالبه وتأخره في الانفجار، هل كان صناعة شعبية محلية، أم إنه كان صناعة شيطانية لأغراض خارجية مصلحية استعمارية لا علاقة لها أبداً بأحلام الناس وتطلعاتها، وبأن الشعوب التي تغنينا بقوتها وجبروتها أثبتت أنها أوهن من بيت العنكبوت في مواجهة شياطين العالم؟ كم كنا مخطئين عندما رددنا العبارة الشهيرة: « قوتان لا تـُقهران، قوة الله وقوة الشعب». لا شك في أن قوة الله لا تـُقهر أبداً، لكن الخطأ الفادح يتمثل في تشبيه قوة الشعب بقوة الله. شتان بين الثريا والثرى.

كم أشعر الآن بالشفقة على شعوبنا التي أعطيناها قوة خارقة، فتبين أننا حالمون ورومانسيون ومخدوعون بالنظرة الماركسية السخيفة لدور الشعب في حركة التاريخ. ولو كان كارل ماركس حياً الآن لربما أعاد النظر في كل نظرياته الطوباوية حول قوة الشعب ودوره في صنع التاريخ، ولربما اعترف بأنه كان رومانسياً أكثر من اللازم، خاصة على ضوء الاختراعات الاقتصادية والتكنولوجية والتواصلية الرهيبة التي باتت تتحكم بقطعان الشعوب، والتي تقف وراءها عقول أفراد استطاعوا أن يسيّروا مليارات الشعوب كما يسيّر الراعي قطيعه.

لا ننسى أن شاباً صغيراً يحمل جينات العبقرية استطاع أن يضع مليارات البشر على فلاشة يضعها في جيبه، أو في أصعب الأحوال على موبايل. ونقصد هنا مخترعي مواقع التواصل التي استطاع منتجوها أن يجمعوا العالم كله تحت خيمتها، ويتحكموا به بكبسة زر صغير. تعال يا ماركس وشاهد أين وصل العالم، وكيف بات يستطيع الفرد البطل الذي سخرت من إنجازاته في الماضي أن يفعل الأفاعيل بما كنت تسميه أنت بالجماهير «The Masses». تعال وشاهد كيف يستطيع بضعة أفراد من خلال شركاتهم العابرة للقارات أن يتحكموا بمصير مليارات الشعوب والحكومات. تعال وشاهد كيف تستطيع بضع وسائل إعلام تمتلكها بضع عائلات أن تدير وتتحكم بمليارات البشر من الأمريكيين والأوربيين المتحضرين، فما بالك بمليارات البشر البسطاء الذين لا يستطيعون بعد أن يفكوا الحرف في العالم الثالث.

لقد قال ماركس يوماً مقللاً من قوة نابليون في صناعة التاريخ: «لو لم يكن نابليون موجوداً وقتها، لصنع الشعب الفرنسي نابليوناً آخر ليقود تلك المرحلة التاريخية من تاريخ فرنسا».

بعبارة أخرى، فقد كان ماركس يعزو دائماً حركة التاريخ لا لقوة الأفراد والقادة، بل لقوة الشعب، فالشعوب، حسب ماركس، هي من تحدد مسار التاريخ وليس القادة، مهما بلغوا من قوة وعبقرية. لكنني الآن أجد نفسي متفقاً أكثر مع المفكر والفيلسوف الاسكتلندي توماس كارلايل الذي كان يسخر دائماً من قوة الشعوب، ويعزو حركة التاريخ وإنجازاته إلى عبقرية البطل الفرد.

لا أريد أن أذهب بعيداً إلى الغرب المتقدم الذي تديره جماعات وأفراد يعدون على أصابع اليد الواحدة، بل دعونا نتحدث قليلاً عن عالمنا التعيس الذي ظن أنه يستطيع التمرد على واقعه البائس وأنظمته الشيطانية، فاصطدم رأسه بحائط فولاذي هشم رأسه وأضلاعه. انظروا كيف تبخرت أحلام الشعوب بالتغيير في بلاد الربيع العربي، وباتت القطعان تحن إلى أيام الطغيان الخوالي، لأنها دفعت ثمناً لم تكن تتخيله أبداً، ولأنها حاولت أن تشق عصا الطاعة، وتثور على الرعاة المتحكمين بهذا العالم.

لقد أظهرت الأيام أن الشعوب بلا حول ولا قوة في مواجهة سادة العالم وأدواتهم الصغيرة التي تتحكم بالشعوب في بلادنا وغيرها. ماذا بقي من الثورة المصرية التي بحت حناجرنا ونحن نصفق لملايينها في ميدان التحرير؟ لقد استطاع المتحكمون بالعالم أن يستبدلوا لها حاكماً بآخر جعل المصريين الآن يتشوقون إلى الماضي الأليم. ما أضعف الشعوب في مواجهة الآلة الإعلامية الرهيبة التي استطاعت أن تلعب بالشعوب كرة قدم. بالأمس خرج الشعب كالسيل الجارف ليطرد طاغية من الحكم، وفي اليوم التالي خرج الشعب نفسه ليهلل ويطبل ويزمر لطاغية أفظع بنفس الحماسة. لماذا؟ لأن الشعوب أضعف بكثير من عبقرية الأفراد المتحكمين بهذا العالم إعلامياً واقتصادياً وثقافياً وسيكولوجياً والقادرين أن يلعبوا بالجماهير كما يلعب الأطفال بالدمى.

انظروا كيف استطاع المتحكمون بالعالم وأدواتهم المحلية أن يحولوا الثورة الليبية المزعومة إلى صراع قبلي وعقائدي كي يتفرغ المخططون لنهب الثروات الليبية. انظروا كيف عاد الشعب التونسي إلى عصر بات يحلم فيها بالرجوع إلى أحضان النظام الذي ثار عليه. انظروا كيف عاد الأفراد أنفسهم إلى اللعب بالشعب بدعم من أسيادهم الكبار الذين يتحكمون بالعالم. انظروا إلى الوضع السوري الذي صار عبرة لمن يعتبر. هل كان الشعب السوري يتوقع من المتحكمين بالعالم أن يسمحوا لأدواتهم الأسدية في سوريا أن تفعل بالسوريين ما فعلت؟ بالطبع لا. لكنهم سمحوا، وهاكم النتيجة. هل ما زال الرومانسيون الماركسيون يستطيعون الحديث عن قوة الشعب في سوريا وغيرها، أم إن حسبهم أن يشفقوا على وضع الشعب اللاجئ والنازح والمشرد والجائع والمعتقل والنازف والمتوسل؟ أيهما أقوى، الشعب السوري، أم الضباع المتصارعة على أرضه التي تريد أن تتقاسم أشلاءه وثرواته وأرضه كالروس والأمريكيين وغيرهم؟ لقد وصل الأمر بالسوريين أن يقبلوا بأي حل يحمي جلودهم حتى لو قسّم أرضهم، ونهب خيراتهم، ولعب بهم شطرنجاً. إنه الضعف الشعبي في أدنى درجاته أمام جبروت العملاقة الذين يتحكمون بالعالم.

سامحونا إن قلنا إن الشعوب مجرد فرائس مغلوبة على أمرها في غابات يسمونها مجازاً دولاً، وإن الوحوش آكلة اللحوم أقوى بعشرات المرات من الحيوانات آكلة العشب، وأن وحشاً واحداً لاحماً يستطيع أن يقضي أو يسيطر على ملايين الحيوانات العاشبة.

دعونا نعترف أن الراعي والكلب أقوى بمئات المرات من القطعان. دعونا نعترف أن الدولة العميقة في بلادنا استطاعت أن تعيد الشعوب إلى زريبة الطاعة راضية مرضية. دعونا نعترف أن راعياً ذكياً وكلباً شرساً يستطيعان أن يضبطا قطيعاً من ألوف الأغنام والماعز والأبقار والجواميس والدجاج.

========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com