العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 30-08-2020


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

السوريون في كارثة أعمق!

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاربعاء 26/8/2020

طوال نحو عشر سنوات، ووسط كثير من التعرجات والانعطافات، شهدها المسار الطويل، راوحت القضية السورية بين الفشل الإقليمي والدولي في الوصول إلى حل سياسي لأسباب ومبررات كثيرة، وبين إصرار نظام الأسد وحلفائه على الاستمرار في الحل الأمني- العسكري لإعادة السيطرة على سوريا، وعودة السوريين إلى حظيرة النظام، مما أدى واقعياً الى تغليب بقاء الأسد ونظامه، وتكريس الهدف الذى يسعى وحلفاؤه إليه، رغم كل ما ارتكبوه من جرائم وبعضها كاف وحده لو أراد العالم محاسبتهم لاسقاط نظام الأسد، ومساعدة السوريين في اقامة نظام جديد، يوقف القتل والتهجير، ويطلق المعتقلين، ويعيد المهجرين واللاجئين الى بلدهم، ويضع سوريا على خط تطور نحو مستقبل مختلف.

إن أبرز نتائج صراع السنوات العشر الماضية في سوريا وحولها وفق الأرقام الشائعة، مقتل مئات الآلاف، ومثلهم من المعتقلين والمختفين قسراً، وثلاثة ملايين من الجرحى، أغلبهم من ذوي الإعاقات، يضاف الى ما سبق مغادرة نصف السكان بلدهم هرباً من الموت والاعتقال، أو بحثاً عن شرط أفضل للعيش، فاستقر أغلبهم في بلدان الجوار وسط ظروف صعبة، والقليل منهم وجد طريقه إلى بلدان، وفرت ظروفاً وشروطاً أفضل للعيش والحياة.

أما القسم الثاني من السوريين، فاستقر به العيش في ظل سلطات الأمر الواقع، التي تتمثل اليوم بثلاثة، اولها نظام الأسد، وتشاركه السيطرة إيران وميليشياتها والروس في مناطق الساحل وخط الوسط شاملاً حلب، حمص ودمشق الى درعا والسويداء في الجنوب، وجيوب محدودة في محافظتي دير الزور والحسكة، فيما تسيطر قوات سوريا الديمقراطية «قسد» التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي(pyd) نواتها الصلبة على منطقة شرقي الفرات، وتحظى بحماية ودعم الولايات المتحدة، وتتشارك تركيا والجماعات المسلحة التابعة لها مع هيئة تحرير الشام (النصرة) وأنصارها من جماعات التطرف السيطرة على المنطقة الثالثة، التي تشمل مناطق في الشمال والشمال- الغربي وخاصة مدينة ادلب، والسمة العامة لمناطق السيطرة الثلاث، أن الحياة فيها أشد سوءاً من حياة سكان المخيمات في دول الجوار السوري.

إنَّ سوء حياة السوريين في بلدهم، لا ترتبط فقط بسياسات وممارسات سلطات الأمر الواقع، التي تدير شؤون حياتهم ومعاشهم فقط. إنما تتصل اصلاً بمحصلة حروب بدأها نظام الأسد في العام 2011، ثم انضم للحرب حلفاؤه، وجماعات من الجيش الحر، قبل ان تصفيها منظمات ارهابية وعصابات مسلحة من «داعش» الى «النصرة» و»جيش الإسلام»، وتصل بالصراع الى مقولة «حرب الجميع ضد الجميع»، والتي بلورت سلطات الامر الواقع على نحو ما تبدو عليه اليوم، وفي الطريق اليها تم تدمير أكثرية الممتلكات والمرافق والخدمات العامة والممتلكات الخاصة للمواطنين، وتعطلت غالبية الأنشطة الاقتصادية في كل القطاعات، وانهارت منظومات عيش أغلب السوريين، ولم يخفف الاستقرار الجزئي تحت سيطرة سلطات الأمر الواقع، من تدهور الحياة فيها، بل زادها تدهوراً وسط شيوع الفلتان الأمني والتشبيح والفساد والتضليل اضافة الى خراب سياسي واقتصادي واجتماعي، قبل أن يضاف لما سبق تداعيات انهيار قيمة الليرة السورية من جهة، وانتشار فيروس كورونا من جهة اخرى، وسط انعدام أي قدرات يمكن أن تساهم في صد الوباء ومنع انتشاره والحد من اثره في قتل السوريين بسبب دمار المشافي وشركات انتاج الدواء ومغادرة الاطباء الى الخارج، وقد سجلت الأسابيع الثلاثة الاولى من أغسطس (آب) 2020 موت عشرات الأطباء والمهندسين والمحامين في دمشق وحدها، التي يقول الأطباء إن مشافيها، تحولت الى مراكز انتشار لفيروس كورونا، ومكاناً لنقل العدوى من المصابين الى الأصحاء. فإذا كانت الصورة على هذا النحو في أوساط نخبة المتعلمين وفي العاصمة، فكيف هو الحال وسط بسطاء الناس والفقراء والذين لا مأوى لهم وأبناء المدن النائية والقرى المعدمة.

وسط هذا المستوى من تدهور أحوال السوريين وبفعل سنوات الحرب ومجرياتها، وما كرسته من سلوكيات نهب وفساد وتشبيح وتعفيش، قامت بها اجهزة النظام وأغلب الجماعات المسلحة، ان لم نقل كلها، ووسط ظواهر الفقر والجوع الناتج عن تدمير القدرات والموارد والفقر والبطالة، وانخفاض المداخيل مع انهيار قيمة العملة المحلية، وعجز شبكات الدعم الاجتماعي التي جسدتها إرساليات المغتربين واللاجئين الى ذويهم ومعارفهم، صارت الحياة أصعب ما يمكن، وتردت الامور أكثر مع مجيء وانتشار فيروس كورونا وما يحمله من موت محقق، لا يطال الأفراد فقط، بل يهدد مجموعات بشرية كاملة وعلى وجه الخصوص مجموعتين، اولها مجموعة السجناء والمعتقلين في سجون ومعتقلات سلطات الامر الواقع.

ويقدر عدد المعتقلين والسجناء في سجون النظام بأكثر من مائة وعشرين الفاً، فيما يصل عدد من في معتقلات وسجون «قسد» في مناطق شرق الفرات عشرات آلاف، وهناك آلاف من المعتقلين والسجناء في سجون مناطق شمال غرب سوريا وادلب، حيث تسيطر تركيا وانصارها وهيئة تحرير الشام. والمجموعة الثانية التي يهددها انتشار فيروس كورونا، هي سكان المخيمات، والتي تشبه ما يسمونها في مناطق سيطرة النظام «مناطق الإيواء»، وتنتشر المخيمات ومناطق الايواء في جميع المناطق السورية، ويبلغ عددها المئات، لكن الاهم منها في الشمال الغربي قريباً من خط الحدود السورية - التركية وفيها مئات آلاف السوريين، وتفتقد لأدنى مقومات العيش والصمود في مواجهة كورونا.

محصلة ما هو عليه حال السوريين اليوم، أنهم في كارثة، لا يصنعها أعداؤهم من القتلة والمجرمين والفاسدين واللصوص الذين يتحكمون في مصائرهم ومستقبلهم فقط، بل يشاركهم في ذلك وباء طارئ، تبثه الطبيعة في حياتهم الضعيفة والهشة، لتجعل الكارثة أقوى وأشد فتكاً، تشكل جزءاً من صعوبات الحياة، التي تلقي بظلالها على السوريين، اما الجزء الآخر فتشكله السياسات والتصريحات الإقليمية والدولية حول سوريا، والتي تقول كل شيء، ما عدا الشيء المفهوم والمطلوب حول نهاية ممكنة ومرتقبة للكارثة السورية، التي طالت واستطالت من دون ان يتبيَّن ضوء في آخر النفق.

=========================

موقفنا : ميشيل عون إذ يعلن تأييده لقتل السوريين ... قاتله الله ومن معه

زهير سالم

مركز الشرق العربي

30 / 8 / 2020

ميشيل عون الرئيس اللبناني الهارب من إرهاب حافظ أسد إلى السفارة الفرنسية ، ثم إلى العاصمة الفرنسية التي أقام فيها خمسة عشر عاما طريدا....

في مقابلة له مع الفيغارو الفرنسية منذ ثلاثة أيام .

يدافع عن إرهاب حزب الله في لبنان وسورية ، ويقول إن حزب الله في لبنان يتصدى "لإسرائيل "، وفي سورية يقاتل داعش والنصرة . وأن المعترضين عليه هنا وهناك هم الإرهابيون .. !!

في مقابلة مع صحيفة لوفيغارو الفرنسية يتولى الرئيس الفرنسي الفند حزب الله ـ ويكرسه في لبنان حزبا مقاوما لإسرائيل . وفي سورية حزبا مقاتلا لداعش والنصرة على السواء .

 وحديث ميشيل عون عن حزب الله كحزب مقاوم " لإسرائيل " فإنما هو حديث خرافة اكتشف سرها كل المبصرين اللبنانيين .

وأما حديث ميشيل عون عن أن حزب الله ذهب إلى سورية لقتال داعش وجبهة النصرة فيكذبه أولا ..

حليفه الأول وشريكه في الكذب والإثم والدم حسن نصر الله الذي أعلن أول يوم ذهب فيه إلى سورية أنه ذاهب إلى هناك ليحمي " اللبنانيين" . في القرى الحدودية فهل سمع الرئيس عون يومها هذا التصريح أو أنه نسيه فيما نسي ؟!!

ويكذبه ثانيا ..

ويكذب ميشيل عون في دعواه أن ميليشيات حزب الله ذهبت إلى سورية لقتال داعش والنصرة ، شريكه في الإفك حين أعلن في الموجة الثانية من ادعاءاته الكاذبة أن ميليشياته تذهب إلى سورية لحماية " المراقد المقدسة " تحت شعار " لن تسبى زينب مرتين" . وعلى كل سوري ولبناني أن يواجه الرئيس الكذاب على عجز وشيخوخة بما يستحق من الازدراء والتحقير.

ويكذبه ثالثا ..

ويكذب ميشيل عون في دعواه فيما يدعي ثالثا ...أن شريكه في الجريمة ظل يصرخ على رؤوس الناس أن ميليشياته في سورية للدفاع عن " نظام المقاومة والممانعة " ولم يقل أبدا أنه ضد داعش والنصرة بل كان ذلك الزعم آخر الاختراعات السخيفة المموجة التي كانت بعض معالم الصفقة مع الروس والأمريكيين .. وظل يتبجح والعالم كله يسمع : لولانا لسقط نظام الأسد في أسبوعين !!

ويكذب الرئيس الأفاك رابعا ..

 دماء عشرات الآلاف من الرجال و النساء والأطفال الأبرياء الذين ذبحتهم الميليشيات اللبنانية الحزبلاوية- وأصبح الوصف باللبنانية مستحقا بعد تفوهات عون بوصفه رئيسا للجمهورية - وتم الذبح تحت غطاء الطيران الروسي المحتل المجرم ..

هذه حقائق لا يستطيع ميشيل عون ولا حسن نصر الله أن يطمسوها ..

ومن حقنا بل من واجب كل معارض سوري حر وشريف أن يحمل ميشيل عون بوصفه رئيسا للجمهورية مسئولية تصريحه الآثم الذي لا يقدم عليه إلا حاقد وأحمق مأفون ..

إن تصريحات ميشيل عون بوصفه رئيسا للجمهورية اللبنانية يجعل كل الكيان الطائفي المقيت الذي يمثله ميشيل عون وميشيل سماحة شركاء في الدم السوري إلى أبد الآبدين ..

كأحمر ثمود عاقر الناقة سيكون ميشيل عون في تصريحه هذا شؤما على قومه...

( وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ )

حقيقة ربانية باقية راسخة خالدة ...أو نقول لمن يُحسب كلام هذا السفيه عليهم كفوا سفيهكم لا يوردكم موارد العطب .

( وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا )

____________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

اللجنة الدستورية كحدث موازٍ.. الشمس تشرق من جنيف!

عقيل حسين

سوريا تي في

الاربعاء 26/8/2020

إذا كان مستبعداً بالنسبة للكثيرين تعمد النظام نقل فيروس كورونا لبعض أعضاء اللجنة الدستورية القادمين من دمشق إلى اجتماعات جنيف التي كان مفترضاً أن تبدأ الإثنين الماضي وتستمر لأسبوع، فإن ما لا يجب استبعاده هو تعمد النظام التلاعب بنتائج الاختبارات التي أجراها الأعضاء المصابون بالفيروس في مختبرات وزارة الصحة التابعة له قبل السفر.

على الأقل نحن أمام مثال صريح عن مدى السوء الذي تعيشه مناطق سيطرة النظام بعد كل الأمثلة التي تداعت خلال الأشهر الخمسة الماضية، والتي أظهرت معاناة السكان في هذه المناطق بسبب تدهور القطاع الصحي وانعدام الخدمات فيها وسوء إدارة الأزمة بشكل عام، ومع ذلك يصر النظام على تجاهل كل شيء والتمسك بموقفه الرافض لأي تنازل من أجل الدفع بالعملية السياسية إلى الأمام.

يعرف الجميع أنه لولا الضغط الروسي و(التشجيع) الإيراني على القبول بالمشاركة في اللجنة الدستورية لما وافق النظام على الانخراط حتى في هذا المستوى من الحوار السوري-السوري المتواضع، لكن ما يجب معرفته أيضاً أن حلفاء الأسد ما كانوا ليمارسوا أي ضغط عليه من أجل ذلك لولا مصلحتهم الواضحة في تحقيق شيء ما على هذا الصعيد.

فمن الناحية العسكرية، ورغم كل ما قيل ويقال عن حشود للنظام وتجهيزه لمعركة في إدلب، إلا أن الواقع الميداني بعد الانتشار الواسع للجيش التركي في منطقة خفض التصعيد الرابعة، التي تشمل إدلب وريفي اللاذقية وحماة وجزءاً من ريف حلب، يجعل من أي هجوم على مناطق سيطرة الفصائل بمثابة حرب على تركيا ذاتها، الأمر الذي يعيه النظام وحلفاؤه تماماً اليوم، ولذلك فإنهم تجنبوا ولا يزالون ارتكاب مثل هذه الحماقة التي ستكون مكلفة جداً، ولا أعتقد أنهم سيقومون بها في المستقبل.

ومن أجل المستقبل أيضاً، ومن الناحية الجيواستراتيجية، لن يكون بإمكان الروس والإيرانيين ترجمة مكاسبهم العسكرية التي حققوها من خلال المشاركة المباشرة إلى جانب النظام في معاركة السابقة إذا ما استمر الوضع السوري يراوح في مكانه وفق الأمر الواقع الذي أصبح أقرب إلى الثبات، ومرشح ليحافظ على ما هو عليه لسنوات ربما ما لم تحدث اختراقة مهمة على صعيد الحل الدبلوماسي.

لن يتمكن الروس من إطلاق عملية إعادة الاعمار كما حلموا، أو الاستفادة من الثروات الطبيعية السورية (النفط والغاز والفوسفات) كما خططوا، فالولايات المتحدة وأوروبا كانتا واضحتين فيما يتعلق بهذا الجانب، وما لم يلتزم النظام بتطبيق قرار مجلس الأمن ٢٢٥٤ فلن يكون بإمكان موسكو جني أي من ثمار مشاركتها في الحرب، بل وسيكون عليها دفع المزيد من التكاليف في سبيل الحفاظ على نظام مفلس ينخر به الفساد، كما بات الروس أنفسهم مقتنعين بذلك.

حتى إيران التي حلمت ولا تزال بطريق بري يصل بين طهران والموانئ السورية على البحر المتوسط، وهو الحلم الذي تعتقد أنها قطعت ثلاثة أرباع الطريق نحو تحقيقه، فإنها تدرك اليوم بلا شك أن الربع الأخير المتبقى منه سيظل حلماً طالما أنها تصر على ربط تحقيقه بالنظام الحالي الذي يحكم سوريا، ولم تستسلم لحقيقة أن مستقبل سوريا السياسي محكوم بتوافقات إقليمية ودولية كبرى تقوم بالأصل على توافق السوريين وتشاركيتهم، لا على التفرد والاستفراد.

لقد كانت الفرصة سانحة أمام روسيا وإيران في الحفاظ على علاقات متوازنة وسليمة مع كل السوريين، والعمل معاً لتحقيق المصالح المتبادلة بما ينفع شعوب البلدان الثلاثة ويحقق لها الاستقرار والازدهار لو أنهما (أي موسكو وطهران) استجابتا لمبادرات المعارضة في عامي ٢٠١١ و ٢٠١٢، لكنهما اعتقدتا بأنهما غير مضطرتين للتنازل عن نظام يقدم لهما سوريا على طبق من فضة، من أجل استبداله بحكم وطني مستقل، لكن على الروس والإيرانيين اليوم أن يكونوا مقتنعين بأنهم لم يفعلوا شيئاً سوى إطالة أمد الحرب في سوريا وازهاق المزيد من الأرواح والتسبب بتوسيع رقعة الدمار، ورغم ما حققوه من مكاسب عسكرية كبيرة بالفعل، إلا أنهم لم ولن يحسموا المعركة أو يصلوا إلى النتيجة التي طمحوا إليها من خلال الإصرار على سلوك هذا الطريق.

تعطلت اجتماعات اللجنة الدستورية التي كان مقرراً أن تنطلق في جنيف، لكن ذلك ليس هو المهم، بل الأهم هو اللقاء الثلاثي الذي سيجمع نواب وزراء خارجية روسيا وتركيا وإيران، كضامنين لمسار أستانة، بالإضافة مؤكداً إلى اللقاءات الثنائية التي سيعقدها هؤلاء مع المبعوث الأميركي إلى سوريا جيمس جفري وهم موجودون جميعاً في العاصمة السويسرية الآن.

إن التعويل الحقيقي على ما سيناقشه الديبلوماسيون المبعوثون من قبل حكوماتهم في أنقرة وموسكو وواشنطن وطهران، وما سيوافقون عليه وما سيقررون تأجيل البحث فيه، وما سيعتبرون أن من المهم العمل عليه فوراً لإحداث اختراقة في جدار الحل السياسي في سوريا، وهي لقاءات إذا ما كانت مثمرة فإنها ستكون الحدث المهم للسوريين وليس اجتماعات اللجنة الدستورية، التي نقر جميعاً بأنها مجرد حدث موازٍ للفعل الأساس وهو توافقات هذه الدول الأربعة التي آن لها، وخاصة روسيا وإيران، أن تتصالح مع حقيقة أنها لا يمكن حسم الصراع في سوريا وعلى سوريا بالقوة، وأن التوافق والحل الديبلوماسي هو المسار الوحيد الممكن لتحقيق مصالح الجميع.

=========================

الحراك العشائري في الجزيرة السورية

بشير البكر

سوريا تي في

الاربعاء 26/8/2020

تعود العشيرة في منطقة الجزيرة السورية إلى لعب دور سياسي في هذه الفترة، بعد أن غابت سلطة الدولة السورية، وتم تقسيم المنطقة بين سلطات مختلفة، أبرزها سلطة الأمر الواقع التي تتمثل بالإدارة الذاتية الكردية التي تدعمها الولايات المتحدة، وتأتي في الدرجة الثانية الميليشيات الإيرانية التي تعمل إلى جانب النظام في محافظة دير الزور، وأقل في محافظة الحسكة. وتشهد محافظة دير الزور تحركات عشائرية على درجة كبيرة من الأهمية، تتزعمها مشيخة بيت الهفل التي تعد المشيخة الرئيسية لعشيرة العكيدات كبرى عشائر محافظة دير الزور، وأكثرها تماسكا وعصبية قبيلية، وتقود مشيخة الهفل ممثلة بالشيخ ابراهيم خليل الهفل حراكا ضد حكم "قسد" للمنطقة،  وسيطرتها على الثروة النفطية والغازية والاستئثار بها من أجل خدمة مشاريعها السياسية، وترك المنطقة فقيرة بلا خدمات أساسية.

أبرز العشائر التي بقيت قائمة حتى يومنا في الجزيرة الجبور، البكارة، طي، شمر، العكيدات، العفادلة، والبوشعبان.

تتشكل منطقة الجزيرة السورية من مكونات عشائرية، حالها حال العراق والأردن وأجزاء من فلسطين ولبنان. ورغم التطور الذي عرفته هذه البلدان بقيت العشيرة ركيزة أساسية للبناء المجتمعي العام، ولم يؤثر تراجع دورها على بنيتها، وظلت الروابط العشائرية تشد أبناء المكون العشائري مع أنها غير فاعلة بما فيه الكفاية. وأبرز العشائر التي بقيت قائمة حتى يومنا في الجزيرة الجبور، البكارة، طي، شمر، العكيدات، العفادلة، والبوشعبان.

ومارست السلطات التي تعاقبت على حكم منطقة الجزيرة سياسة ضرب المكون العشائري والعشيرة كمرجعية لأبنائها في الأزمات. وبدأ الاتجاه إلى تحجيم العشيرة خلال الاستعمار الفرنسي، حيث لعب شيوخ العشائر دورا أساسيا في تنظيم مقاومة فرنسا، وتشكلت قوات حرب العشائر ضد الاستعمار الفرنسي، وشاركت بقوة في الثورة السورية، وبرز منها زعماء معروفون كان لهم دور أساسي في الحفاظ على هوية المنطقة العربية، ومقاومة مشاريع فصل الجزيرة عن سوريا، وتحويلها إلى دويلة مستقلة.

وتعتبر الجزيرة أغنى مناطق سوريا على عدة مستويات: الزراعة والثروة الحيوانية، النفط والغاز، المياه، والآثار. وفيما يخص الزراعة والثروة الحيوانية تعد الجزيرة خزان سوريا من القمح والثروة الحيوانية، وخاصة الأغنام بفضل المساحات الواسعة للرعي، وهي المنتج الأساسي للقطن على ضفاف الفرات والخابور وبقية الروافد الأخرى. وتنفرد في أنها تحوز على  ثروتي النفط والغاز، فهي تسد الاستهلاك المحلي، وكانت تصدر قبل الثورة في حدود 300 ألف برميل يوميا. أما على المستوى الآثاري فهي أرض حضارات قديمة منذ الألف العاشر قبل الميلاد، ويمكنها أن تنافس على هذا الصعيد وتتحول إلى مقصد سياحي جذاب.

وأُهملت الجزيرة خلال فترة حكم حزب البعث الذي تعاطى معها كبقرة حلوب، وكان يتم استنزاف ثرواتها من دون أن تحظى بخدمات لائقة. وحتى وقت قريب، كانت من دون مؤسسات تدريس جامعية، وهي تفتقر إلى مطار وبنية تحتية متينة وخطوط كهرباء وشبكات هاتف جيدة ومدارس ومشافي..الخ. وإلى جانب النهب، سلطت سلطات الرئيس السابق حافظ الأسد أجهزة الأمن على المنطقة وحكمتها بالحديد والنار، ونكلت بأهلها تحت ذريعة ميل المزاج العام نحو العراق بسبب الامتدادات العشائرية والتمازج التاريخي بين المنطقتين، ولذلك عملت على ضرب بنية العشيرة، وتقريب زعامات لا وزن لهم داخل المكون العشائري، أو من الذين ترفضهم العشيرة بسبب تبعيتهم واستزلامهم لأجهزة الأمن.

واليوم ينهض الحراك العشائري بمهمة صعبة جدا بعد حوالي نصف قرن من العمل المنهجي لضرب بينية العشيرة. ويجري التعويل على العشيرة في الجزيرة بسبب غياب الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني من أجل الدفاع عن الجزيرة بوجه محاولة تحويلها إلى دويلة كردية تحت مسميات مختلفة وبدعم أميركي. والمهمة الأولى التي على العشيرة النهوض بها هي بلورة خطاب جامع بين أبناء المنطقة، يقوم على رفض مشاريع الإدارة الذاتية الكردية، والعمل بشتى الطرق على اعتبار الجزيرة جزءا لا يتجزأ من سوريا، وإن وجود عدة مكونات لا يسقط هويتها السورية ضمن الدولة السورية الواحدة. والمهمة الثانية هي مواجهة نهب الثروة. والمهمة الثالثة هي الوقوف أمام مشاريع ضرب هوية المنطقة من خلال رفض مشاريع تعليمية تحاول الإدارة الكردية فرضها بالقوة. ولا يمكن أن يتحقق ذلك من دون اتحاد العشائر على أسس واضحة، وبناء كيان سياسي مستقل يمثل منطقة الجزيرة بكافة محافظاتها: الرقة، دير الزور، والحسكة.

=========================

اللجنة الدستورية السورية..كورونا في خدمة النظام

مصطفى عباس

المدن

الثلاثاء 25/8/2020

يبدو أن فيروس كورونا المستجد الذي كان سبباً لتأجيل جلسات اللجنة الدستورية السورية لأشهر، ستكون له الكلمة الفصل، حتى بعد استئناف الاجتماعات في مدينة جنيف السويسرية الاثنين، بعد اكتشاف اصابة ثلاثة من أعضاء اللجنة القادمين من دمشق.

فبعد أن انطلقت أعمال اللجنة في اجتماعها الثالث، عقب انقطاع دام منذ شهر كانون الأول/ يناير، بهدف صياغة دستور جديد للبلاد أو تعديل الدستور الحالي برعاية من الأمم المتحدة، تم تعليق الجلسة الثانية من المفاوضات على خلفية اكتشاف ثلاث إصابات في وفد النظام.

مدير المكتب الإعلامي لهيئة التفاوض السورية إبراهيم الجباوي، أكد ل"المدن"، إصابة ثلاثة من أعضاء وفد النظام، مشدداً على سلامة جميع أعضاء وفد المعارضة قبل الدخول إلى الجلسة الأولى.

بدوره، الرئيس المشترك للجنة الدستورية السورية عن وفد المعارضة هادي البحرة، أكد أن أعضاء الوفد المعارض قد خضعوا لفحوص كشف الإصابة بالفيروس في تركيا وسويسرا.

وكانت الجلسة الأولى من المفاوضات قد انعقدت في ظل أجواء وُصفت بالإيجابية، في حين سربت مصادر إعلامية اعتراض رئيس الوفد المعارض هادي البحرة على تسمية وفد النظام ب"الوفد الوطني" وطلبه الالتزام بالتسميات المتفق عليها عند تأسيس اللجنة الدستورية وبالاتفاق مع الأمم المتحدة.

الجباوي أكد ل"المدن"، أن الجميع حالياً بانتظار الإجراءات التي ستتخذ من قبل الأمم المتحدة والسلطات السويسرية لضمان سلامة الوفود من الإصابة بالفيروس، مشدداً على جاهزية وفد المعارضة التامة لاستئناف المفاوضات، تاركاً الباب مفتوحاً أمام كل الاحتمالات، بما فيها تعليق الجولة أو استكمالها عن طريق الانترنت، لكنه أشار إلى أنه "إلى الآن لم ترد تعليمات حول ذلك".

من جانبها، عضو اللجنة المصغرة في وفد المجتمع المدني رغداء زيدان أوضحت أنه تم اتخاذ كل الإجراءات المشددة التي تضمن منع انتقال العدوى بدءاً من فحوص ال"PCR" في تركيا وسويسرا، وصولاً إلى الالتزام بقواعد التباعد الاجتماعي واستخدام المطهرات، مشيرة إلى أن اكتشاف إصابة بعض أعضاء وفد النظام بفيروس كورونا رغم خضوعهم قبل يوم من السفر للفحص يدل على مدى تفشي هذا الوباء في سوريا.

وكانت الحكومة السويسرية قد أعادت إجراء فحص كشف الفيروس للوفود المشاركة الأحد، إلا أن النتيجة لا تظهر إلا بعد 48 ساعة، وبالتالي ظهرت إصابة ثلاثة من أعضاء النظام بعد انعقاد الجلسة الأولى، و"هنا خطأ الأمم المتحدة، التي كان ينبغي أن تؤجل انعقاد الجلسات حتى ظهور النتيجة"، حسب قول زيدان التي أوضحت في حديثها ل"المدن"، أن هناك احتمال ظهور إصابات جديدة، كون الوفد القادم من دمشق جاء على متن طائرة صغيرة.

بدوره، استبعد الجباوي أن يكون هناك أي تلاعب من النظام في هذا الموضوع، خصوصاً وأن فحوص "PCR" قد تم إجراؤها في مركز الأمم المتحدة في دمشق قبل يوم واحد من السفر، وليس في مشافي النظام.

تشكيك كبير بتعمد النظام إرسال الوفد الذي يمثله إلى اجتماعات اللجنة الدستورية دون اتخاذ الإجراءات اللازمة والتقيد بالضوابط الصحية المفروضة على اعتبار أنه حاول جاهداً التهرب من هذا الاستحقاق الذي يعتقد الكثيرون أنه لولا الضغوط الروسية والخشية من الإدانة الدولية، لما سمح لوفده بالوصول إلى جنيف بالأساس، ولكن يبدو أن الإصابات بفيروس كورونا ستمنحه ذريعة جديدة للمماطلة وشراء الوقت.

=========================

ماذا تحتاج العملية السياسية في سوريا لتنجح؟

نصر الحريري

القدس العربي

الثلاثاء 25/8/2020

يستمر السوريون بتكبد الخسائر ودفع الأثمان جرّاء بقاء هذا النظام جاثماً على حاضرهم ومستقبلهم، سواء عبر تعرضهم المستمر للقصف ونزوح وتهجير الملايين من أبنائهم، أو بسبب اضطرارهم للعيش في مناطق سيطرة النظام في ظل الغلاء والفقر ومخاطر الاعتقال والتعذيب، إضافة إلى التدهور الرهيب في الأوضاع الصحية والخدمية.

يشكل الانتقال السياسي في سوريا ضرورة سياسية واقتصادية وإنسانية واجتماعية وأمنية وقانونية ودولية أيضاً، ما يعني أيضاً أن تعطيل هذا الانتقال، وعرقلته وتأجيله المستمر، يكبد كل هذه المحاور أثماناً متصاعدة.

ويكاد المجتمع الدولي أن يكون منعدم الوجود بما يخص الشأن السوري، فمجلس الأمن معطل، والجمعية العامة بلا مخالب، والأمم المتحدة بكل مؤسساتها ومكاتبها عجزت طوال عشر سنوات عن اتخاذ أي خطوة فعلية وعملية ضد نظام مستبد ارتكب كل ما يمكن ارتكابه من جرائم وتسبب بسقوط نحو مليون شهيد سوري وهجّر نصف الشعب من منازلهم.

واليوم يتساءل السوريون، ما هي بالضبط حدود الإجرام التي يجب على النظام أن يتجاوزها لكي يتحرك المجتمع الدولي بشكل حاسم ونهائي؟

ألم يرتكب النظام حتى اليوم ما يستدعي ذلك التحرك؟ ما مقدار الدماء التي يجب أن تسيل؟؟ وكم مليوناً يجب أن يقتل ويهجّر؟؟! وكم من السنوات أو العقود يجب أن يستمر هذا القتل والتدمير قبل أن ينطق المجتمع الدولي بكلمة «كفى».

النظام الاستبدادي: هل العالم مستعد للتعايش مع هذا النظام الاستبدادي الإرهابي لنصف قرن آخر؟!! وهل يدرك العالم فعلاً معنى بقاء مثل هذا النظام لكل ذلك الوقت، وحجم الأثمان التي سيدفعها العالم جرّاء ذلك؟!

للأسف، ليس من إجابة عن هذه التساؤلات إلا داخل المنظمة الدولية، الأمم المتحدة مسؤولة، كمؤسسة دولية أخذت على عاتقها مهمة صون السلم والأمن الدوليين، أن تأخذ دورها الحقيقي تجاه الملف السوري، وأن تضع الأولوية القصوى لدعم حل سياسي يستند إلى قراراتها، وأن تضع جميع الدول الفاعلة في المجتمع الدولي وأطراف الصراع أمام مسؤولياتها بشكل إلزامي ومباشر.

إن الأطراف المتورطة في الجرائم لن تغير سلوكها ومواقفها طواعية، المجرمون لا يتوقفون عن إجرامهم انصياعاً لأي وازع داخلي أو أخلاقي، وإنما بقوة القانون، واليوم لم تعد للمجتمع الدولي أعذار قانونية، فالإطار القانوني للخروج من حالة العطالة موجود، وهو قائم على القرار 2118 والقرار 2254، باعتبارهما يضعان الأسس اللازمة لتحرك دولي يمكن أن يفرض على النظام الالتزام بالحل السياسي وصولاً لعملية انتقال سياسي حقيقية. فالقرار 2118 يفتح الباب أمام تحرك دولي تحت الفصل السابع في حال خرق النظام القرار المتعلق باستخدام الأسلحة الكيميائية، والتي بالمناسبة تمر الذكرى السابعة في 21 آب/ أغسطس لاستخدام نظام الأسد لغاز السارين الكيميائي في مذبحة الغوطة الشرقية بدمشق سنة 2013.

حيث قرر مجلس الأمن الدولي في المادة 21 من القرار 2118، في حال عدم الامتثال، بما يشمل نقل الأسلحة الكيميائية دون إذن، أو استخدام أي أحد للأسلحة الكيميائية في سوريا؛ أن يفرض تدابير بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، مشدداً على إبقاء هذه المسألة قيد نظره الفعلي!!

ولكي تبقى المسألة قيد النظر فعلاً، فإن من واجبنا أن نذكّر المجلس بتقرير فريق التحقيق التابع لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية الصادر في نيسان-إبريل الماضي والذي أكد مسؤولية قوات النظام عن استخدام الأسلحة الكيميائية، غاز السارين على وجه الخصوص، ضد المدنيين، في قصف بلدة اللطامنة شمالي محافظة حماة خلال شهر آذار- مارس من عام 2017.

 

يشكل الانتقال السياسي في سوريا ضرورة سياسية واقتصادية وإنسانية واجتماعية وأمنية وقانونية ودولية أيضاً، ما يعني أيضاً أن تعطيل هذا الانتقال، وعرقلته وتأجيله المستمر، يكبد كل هذه المحاور أثماناً متصاعدة

 

يجب فعلاً أن نذكّر مجلس الأمن الدولي بهذا التقرير، خاصة وأن موقع الأمم المتحدة باللغة العربية لم يتكبّد عناء تناول هذا التقرير أصلاً، ولا ترجمة أي خبر عنه، ولا حتى الإشارة إليه عرضاً، والحديث هنا طبعاً عن التقرير الصادر في 8 نيسان- أبريل 2020، والذي خلص إلى مسؤولية قوات النظام عن استخدام غاز السارين في هجوم على مدينة اللطامنة. الأمر الذي يزيد من الشكوك التي تدور حول غياب المنظمة الدولية عن متابعة موضوع في غاية الخطورة بقدر كاف من الجدية والمهنية. وما يعني فعلياً أننا مطالبون بتذكير المنظمة ومجلس الأمن أيضأً بنتائج هذا التقرير كل يوم وكل ساعة وفي كل مناسبة.

المناخ الدولي: يجب أن تكون هذه المعطيات حاضرة أشد الحضور خلال اجتماعات اللجنة الدستورية، المناخ الدولي يجب أن يكون صارماً وعلى كل الأطراف أن تدرك أن الخيارات قليلة ويجب التمسك بالحلول العادلة وتعزيز فرصها بالنجاح، أو تكون البدائل صعبة وعسيرة.

تمثل اللجنة الدستورية واحدة من بوابات الحل في سوريا، وهي بحاجة إلى دفع دولي وتعزيز لدورها بما يضمن بدء عملها الحقيقي ومنع أي فرصة لتعطيل عملها من قبل النظام. كلنا نأمل بأن لا تتأثر الاجتماعات بأي شيء خارجي وأن يلتزم المجتمعون بالعمل على إنجاح مهمتهم.

ونحن ملتزمون وسنسعى لدعم جدول الأعمال كما هو، وليس لدينا في الوقت نفسه أي شكوك أو أوهام تجاه نوايا النظام، إننا نعرفه جيداً، ونتوقع أنه سيلجأ لكل وسيلة ممكنة لعرقلة جدول الأعمال، سواء عبر التصعيد على الأرض أو عبر توجيه ممثليه لحرف جدول أعمال الاجتماعات، وهنا يأتي دور الدول الراعية للعملية السياسية والأمم المتحدة لتضع حداً للتلاعب المستمر بجدول الأعمال والتهرب المتكرر من استحقاقات العملية السياسية من قبل النظام.

القرارات الدولية: المعارضة السورية بكل إمكاناتها ومؤسساتها جاهزة للانتقال السياسي في سوريا، وهي ملتزمة بمبادئ الحل السياسي وفق القرارات الدولية، ولم تضع أي شروط مسبقة للتفاوض، وهي مدعومة بإصرار شعبي على رفض النظام، فالتطورات تؤكد أن الشعب السوري ملتزم بخياراته وقادر على مواصلة صموده، وأن النظام بالمقابل عاجز عن تحقيق أي تقدم حقيقي على الأرض، وأن المجازر وجرائم الحرب وقصف الأحياء السكنية هي الإستراتيجية التي تقوم عليها كل خطط النظام والاحتلال الروسي والميليشيات الإيرانية.

وكل الأطراف تدرك أن الجيش الوطني السوري والفصائل المنضوية تحته لم تبادر إلى خرق أي اتفاق أو تفاهم للتهدئة، وأن الحل السياسي كان ولا يزال المسار الذي وافقت عليه قوى الثورة والمعارضة السورية لاستعادة حقوق الشعب السوري وتحقيق أهداف ثورته وتنفيذ قرارات الأمم المتحدة.

إن الاستعصاء القائم حالياً ما بين انهماك النظام اليائس بالنهج العسكري، وما بين الصمود الاستثنائي للشعب السوري يعيد وضع المسؤولية على عاتق المجتمع الدولي باعتباره الطرف الوحيد القادر على لجم النظام وحلفائه وإرغامهم على التوجه نحو حل سياسي حقيقي.

لقد كانت السنوات العشر الماضية صعبة وعسيرة، وعلى الجميع أن يتكاتف لمنع استمرارها ووقف أسبابها، يحتاج السوريون إلى مجتمع دولي يقف بجانبهم ليحققوا نهاية مشرفة لنضالهم الطويل، وليفتحوا أبوابهم نحو المستقبل، ويتمكنوا من العودة إلى وطنهم وبنائه والمساهمة في إعادة إعماره، في ظل حكم رشيد يختارونه بحرية ووعي.

إن السوريين وبكل عزيمة وإصرار يرفضون خيار الرضوخ للاستبداد، وهم يرفضون في الوقت نفسه استمرار الألم والقتل والتجويع والإجرام وسلب الثروات، وكل ما يحتاجونه من المجتمع الدولي يقتصر على التزام هذا المجتمع بتفعيل قراراته وتعهداته.

 

رئيس الائتلاف الوطني السوري

=========================

حول محاكمة قتلة الحريري

فارس الذهبي

سوريا تي في

الاثنين 24/8/2020

لم يفهم سبب الغضب المتصاعد من نتائج بيان الاتهام الصادر عن مجلس المحكمة الدولية الخاصة بـ لبنان، المنعقد في لايدسخندام هولندا، إلا بسبب تلك الموجة الشعبوية التي تجتاح وسائل التواصل الاجتماعية في كل فترة، وتوجه جموع المغردين دون أية تفكير أو تمحيص، فلقد أصدرت المحكمة الخاصة من أجل لبنان، حكمها النهائي الاتهامي بحق أحد عناصر حزب الله، بتجريمه بثلاثة اتهامات على الأقل، أهمها تخطيط وتنفيذ اغتيال رئيس وزراء لبنان السابق رفيق الحريري، وقتل 21 شخصاً كانوا برفقته من المدنيين، أو تصادف وجوده في مكان التفجير، ومحاولة قتل 226 شخصاً كانوا قد أصيبوا بجروح في تفجير الرابع عشر من شباط في العام 2005..

ولعل هذا بالتحديد ما كان المراقبون يتوقعونه من المحكمة التي استمر العمل فيها منذ العام 2009، وبكلفة تجاوزت 600 مليون دولار، حيث تم توجيه الاتهام بشكل نهائي وحاسم لأحد منتمي حزب الله، المدعو سليم جميل عياش، وتم وقف الاتهام والملاحقة الصادرة بحق مصطفى بدر الدين بدعوى وفاته أثناء قتال حزب الله في سوريا، مع الاحتفاظ بحق استئناف ملاحقته في حال اكتشاف أنه لم يلق حتفه في سوريا، بالإضافة إلى تبرئة المتهمين الأربعة الباقين لعدم وجود أدلة كافية تدينهم وتثبت تورطهم في الاغتيال على الرغم من ذكرهم في شبكات الاتصال التي أحاطت بالحريري قبيل اغتياله، وهذا بالضبط هو أقصى ما يمكن للمحكمة أن تفعله في ظل استئثار حزب الله واستحواذه على لبنان وعلى قضاته وأرضه والأدلة بمجملها، وحتى تصفيته عدداً كبيراً من الشهود المرتبطتين بالقضية، وهو ما وضع سكة العدالة في لبنان لأول مرة في بلد شرق أوسطي على السكة الصحيحة، أما إن كان المترقبون للنتيجة يتوقعون إصدار أحكام إعدام بحق حسن نصرالله و بشار الأسد ، فذلك وهم تبناه من لم يكن متابعاً لمجريات المحكمة.

ة حزب الله أو قادة النظام في سوريا، إلا أن روسيا هي من تتحمل ذلك الشرط وتبعاته، حيث إننا شاهدنا جميعاً قدرة الفيتو الروسي الصيني على تعطيل عمل مجلس الأمن لسنوات امتدت لعقد كامل فيما يخص المسألة السورية.

لعل الساخطين على نتائج المحكمة والذين ينعون العدالة تناسوا أن المحكمة الدولية قامت بالأساس بناء على صفقة روسية - أميركية، اشترطت روسيا فيها عدم ملاحقة رؤساء الدول أو رؤساء الأحزاب

رغم كل ذلك يبقى الواقع القانوني هو من يسير الأمور في نتيجة تلك المحاكمة، حيث اتفقت الدول المعنية بشؤون الشرق الأوسط على ترك الباب موارباً على الدوام لقادة الأحزاب المصنفة على أنها إرهابية للخروج وعقد تسويات وصفقات سياسية تجنب المدنيين الحرب والويلات، فبعد التصنيف الأوروبي للحزب على أنه حزب إرهابي، برفقة التصنيف الأميركي والكندي والعربي، بقي التصنيف خاصاً بالجناح العسكري للحزب وليس بالجناح السياسي، وتلك مناورة ذكية جداً من الغرب لتفادي حرب إلغاء وجودية مع حزب الله، على اعتبار أنه يحتكر حتى اليوم التمثيل الشيعي في البرلمان اللبناني برفقة حركة أمل، لذلك فإن تجريم أحد منتمي حزب الله بمقتل الحريري، هو بشكل من الأشكال تجريم للحزب بكامله، فمن غير المنطقي أن يقوم عنصر من الحزب بالتخطيط والتنفيذ لعملية بهذه الضخامة من دون استشارة قادته، وحتى يتم تسليم سليم عياش نفسه للمحكمة واستكمال التحقيقات لن نتمكن على الإطلاق من تحديد مَنْ أعطى الأمر السياسي أو العسكري لتصفية رفيق الحريري، وعليه فإن شبك إبرة الاتهام في ثوب الحزب بشكل قانوني، هي من ستنقل النيران إلى ذات الثوب يوماً ما، ولكن الأمر يحتاج إلى صبر وتأنٍ، بعيداً عن الثأر والغضب، والانتقام القطيعي الذي لم ولن يحصل على الإطلاق، وإن حصل فستكون نهاية لبنان الذي نعرفه حيث ستحرق الحرب الأهلية الجديدة ما تبقى من البلاد المنهكة من الفساد و مغامرات حزب الله العسكرية في بلدان الجوار.

لقد أثبتت المحكمة الدولية موثوقية قانونية كبرى في تبرئة من يجب تبرأتهم و تجريم من يجب تجريمهم، بحيث أصبح الاتهام صادقاً وغير مسييس ويستند إلى أدلة و وقائع لا يمكن تجاهلها، فالأربعة الذين تم إسقاط التهم عنهم لعدم اكتمال الأدلة هم أيضاً من حزب الله، و من عناصره الاستخباراتية العسكرية، مثل عياش المتهم أيضاً بمحاولة اغتيال مروان حمادة وجورج حاوي، وعليه فمن ينتظر من الغرب أن ينتصر لقضايانا وللعدالة بغضب أولياء الدم واهم، فالحقيقة والعدالة تحتاج لرؤوس باردة وعقول منفتحة لتحقيق العدل ولكشف الستائر عن الحقيقة بعيداً عن الانتقام القبلي، العدالة تختلف عن الانتقام القبلي نحن نحتاج للقانون والعدل بشكل أكبر من حاجتنا للدم والتحريض لقد اختبرنا الحرب، واختبرنا نتائجها، بحيث لم يبقَ لنا نحن المحاصرون بالسلاح من طهران إلى بيروت إلا الانحياز للقانون من جهة أخرى تبقى معركة استمرار المحكمة ووصولها إلى نتائج حقيقية، هي انتصار آخر ضد محاولات حلف الممانعة في إفشال المحكمة عبر تشويهها وقتل شهودها وتدمير أدلتها هي معركة مستمرة وليس قرار المحكمة هو نهايتها حتماً.

=========================

ورطة بوتين

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 24/8/2020

في آخر مقال نشرته الشرق الأوسط لروبرت فورد (سفير أميركا في دمشق وقت انطلاق الثورة السورية)، يعرّج على الاستعصاء الذي تعاني منه موسكو في ترويض الأسد، ويَعزي ذلك - كما درج وآخرون على سوق هكذا حجج- إلى عدم تيسّر بديل له، وإلى تصادم مقاربات موسكو مع توجّه واشنطن، وإلى رضى الأولى وصبرها على الواقع الجامد كما هو. في كل ذلك السرد التيئيسي والحالة الإحباطية والعمليات التشويهية، التي درج عليها فورد في مقاربته القضية السورية متعمداً ومساهماً بهذا الاستعصاء المرير- حيث كان فورد ذاته أول من أطلق على ما يحدث في سوريا مصطلح "حرب أهلية"، وساهم بهندسة موقف إدارة أوباما المسؤولة بالتكافل والتآمر على الشعب السوري- يغفل فورد الاستعصاء الذي يجد السيد بوتين نفسه به، والذي يدفعه لسحق كل صوت معارض لتوجهاته؛ حيث يأتي ذلك نتيجة طبيعة للبنية السياسية التي انطلق أو أُطلق منها بوتين في كل هذه السنوات السابقة في السلطة.

ومن هنا، لن يكون غريباً اعتبار تدخل أو إدخال بوتين في القضية السورية الوصفة الأنجع لتعميق المأساة السورية واستطالتها. فمن أي خلفية، وبأي مؤهلات انطلق بوتين في امتطاء ربع مساحة العالم (روسيا) كي يمد أذرع سلطته إلى حيث يريد أعداء روسيا، وبالتحديد إلى سوريا، لإغراقه هناك؟!

عندما وصل بوتين الى السلطة كان مشبعاً بفكرة استعادة العظمة التي تهاوت على غير المتوقع لإمبراطورية سوفيتية، لم يخطر على بال أحد أن مُلكها يمكن أن يزول؛ ولكن النخر كان قد وصل الى أخشابها الداخلية، بسبب انصراف أرباب السفينة إلى مقاتلة الإمبريالية بسيوف من خشب؛ في حين كان الشعب السوفيتي يخسر قوته اليومي تباعاً، لأن "الأخ الأكبر" وحاشيته كانوا يوزعون هبات بلادهم على الرفاق الأمميين المنتشرين في أصقاع الأرض كدرع ضد الرأسمالية؛ التي ساورتهم أوهام زوالها بحسب حتمية التاريخ على يد الشيوعيين الحمر. ولكن خداع الذات لم يؤتِ أكله ضد الأعداء بل ارتد على نحر البلاد والعباد؛ حيث تداعت بلاد السوفييت وتوابعها مثل أحجار الدومينو؛ فما كان من سليل جهاز ال"كي جي بي"، الذي وصل إلى رأس الهرم في الكرملين في غفلة من التاريخ، في عهد الرئيس بوريس يلتسين، الذي قضى الهزيع الأخير من حياته مخموراً، وأودع أمانة قيادة البلاد بيد الشاب الصاعد بوتين؛ إلا أن وجد لزاماً عليه تغيير تقنيات العمل للتعامل مع الشعب في الداخل، ومع الآخرين في الخارج دون المساس بجوهر فكرة المحافظة على قهر العباد.

في الواقع إن بوتين، الذي لا تنقصه الحصافة قد استفاد حقاً من خدمته كضابط استخبارات سوفيتي في مدينة "لايبزغ" الألمانية لمدة خمسة عشر عاماً، حيث اختبر وفهم بعمق العقلية الجمعية الغربية وطريقة التفكير في البلاد الديمقراطية الحقيقية؛ وبالتالي عرف الثغرات التي يمكنه استغلالها للنفاذ والتغلغل لتسويق أفكاره التوسعية. وبناء على هذا الفهم استطاع بطريقة انتهازية مد الجسور مع اليمين الشعوبي الأوروبي أملاً بخلق شروخ مجتمعية في أوروبا؛ واستثمر رهاب الأجانب عند هذا اليمين الأوروبي، من خلال دفعات اللاجئين السوريين التي أجبرتها طائراته أن تهيم على وجهها طالبة الأمان في أوروبا وغيرها. ولا يخفى على أحد أن غاية بوتين هي تفتيت الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، كي يستفرد بالدول الأوروبية الشرقية التي خرجت عن الطاعة السوفيتية؛ كما استغل فترة الانكفاء الأميركي المتَعَمَد ليتمدد في كل من أوكرانيا والقرم وسوريا؛ واستغل حالة الغضب التركي من برودة حلف الناتو تجاه تركيا أثناء حادثة إسقاط الطائرة الروسية ليقنع أردوغان بأن الصداقة مع روسيا هي أكثر مصداقية وديمومة من مثيلتها مع أميركا، مستغلاً اكتشاف أردوغان أن يداً أمريكية غير نظيفة متورطة بحياكة الانقلاب ضده عام 2015.

هذا، وابتدع بوتين أيضاً تقنية مد الجسور مع الأطراف الدولية المتناقضة: فهو يبدي الصداقة مع إيران في سوريا، ولكنه في الوقت ذاته صديق حميم لإسرائيل، رغم تناقضها الظاهر مع ملالي طهران. وكذلك استغل حالة التوتر المتفاقمة بين الصين وأميركا ليدعم أوراقه التوسعية؛ رغم أنه لن يستطيع تجاهل حقيقة النوايا التوسعية الصينية على حدودها الشمالية مع روسيا؛ حيث إن العيون الصينية ترنو إلى ملء السهوب الروسية الشرقية الفارغة بالفائض السكاني الصيني.

ولكن هل يعتقد بوتين أن الأميركان غافلون عما يفعله، أو عما يخطط له؟ ليست أميركا العميقة غافلة عن عبثه بالانتخابات الأميركية على مختلف مستوياتها، ولا عن لعبه في فضاءات التدخل الأميركي التقليدية، ولا عن زواجه المصلحي مع تركيا، ولا عن زواج المتعة مع إيران. وهكذا تلتقط آلة السلطة العميقة الأميركية نزعة الغرور لديه، وتراقبه يبتلع طُعم الانتصار الواهي والوهمي في البلدان التي غزاها؛ تاركة له الحبل على الغارب، كي يغرق في المخاضات التي وقع فيها كمصيدة الدببة، ومنها الحالة السورية الراهنة.

بناءً على كل ذلك، أتت عبارة فورد المفتاحية حول ما سمّاه "التصادم الروسي- الأميركي" في مقارباتهما للقضية السورية. وهو الأمر الذي لا ينفك المسؤولون الروس التحدث عنه. الثغرة الأساسية التي لم يلتقطها هؤلاء- وخاصة الروس- هي أن الأمريكيين وضعوا لغماً بيد بوتين يتمثل بالتمسك الفعلي بأنظمة مجرمة - وعلى رأسها نظام دمشق- الذي لا يستطيع الاستمرار بالتشبث به، ولا هو قادر على رميه؛ فيثور في وجهه. والأميركيون من جانبهم يستمرؤون حاله هذا، ويستمرون بتسجيل ارتكاباته، وبينها استخدامه الفيتوهات لحماية المنظومة الأسدية وإجرامها. وزيادة على ذلك يتم تحريك الداخل الروسي، كي يزداد توتر بوتين، ويسمم أعداءه، ويستمر بدعم دكتاتوريين كرجل بيلاروسيا. وكل ذلك يفاقم سجله المأزوم سلفاً.

رغم كل ما ورد أعلاه؛ وفي القضية المفصلية في كل تلك الصراعات تحديداً "سوريا"، يبقى أحد سبل نجاته الابتعاد عن منظومة استبدادية تعامله كأداة أنقذتها، ولكنها لا تدين له بالولاء، بل لمن- باعتقادها- سخّره لتلك المهمة القذرة. ورسالة المخابرات السورية على لسان خالد العبود الدليل الأكبر على ذلك. على السيد بوتين أن يتيقن أن كلّ ما وهبته له هذا العصابة ليس إلا "عطاء من لا يملك، لمن لا يستحق"؛ فهذا ملك سوري شرعي سيعود للسوريين أمام أعين بوتين طال الزمان أم قصر. ربما يكون ذلك بداية خروجه من الورطة.

=========================

قصة نهب النفط العربي عمرها 100عام

 د. سعيد الشهابي

القدس العربي

الاثنين 24/8/2020

الصراع على نفط منطقة الشرق الأوسط له عدة وجوه: تاريخية، أي منذ اكتشاف النفط في نهاية القرن التاسع عشر، وسياسية تؤكد طمع العالم في هذه السلعة الاستراتيجية التي كانت عماد المشروع الصناعي في العالم، واقتصادية بين الشركات النفطية الغربية خصوصا الأخوات السبع: اكسون، موبيل، شيفرون، غلف اويل، تكساكو، بي بي وشيل.

هذا الصراع تحول تدريجيا ليدخل ضمن السياسات الغربية التي تسابقت للسيطرة على منابع النفط، ويمكن اعتبار النفط أحد اسباب استهداف المنطقة من قبل الدول الاستعمارية منذ مطلع القرن العشرين، وما ادى اليه من سقوط الخلافة واقامة الدولة القطرية بديلا للمشروع الأممي المؤسس على الدين او الايديولوجية السياسية. هذا الصراع لم يتوقف على مدى أكثر من قرن، اي منذ اكتشاف النفط في دول المنطقة، وقد اتخذ اشكالا شتى ابتداء بالاستعمار مرورا بالتواجد العسكري بعد مرحلة الاستعمار، ومنع قيام انظمة سياسية عصرية على اساس الارادة الشعبية، واقامة الكيان الإسرائيلي، وصولا للوضع الحالي.

يتميز هذا الوضع بوجود وكلاء محليين أكثر حماسا لضمان مصالح الغربيين من التواجد العسكري المباشر بتكاليفه السياسية والاقتصادية. فمثلا ما دامت هناك أنظمة سياسية مستعدة لشن الحرب على اليمن فلماذا يتعب التحالف الانكلو-أمريكي نفسه في حرب غير مضمونة النتائج؟ وما دامت هذه الانظمة مستعدة لضمان أمن «إسرائيل» والتصدي للجهات المناوئة لها فلماذا لا تستفيد أمريكا من ذلك؟ ومن يمعن النظر في ما يجري في الوقت الحاضر على ارض الواقع في العالم العربي يكتشف وجود مشروع سياسي يهدف لأمرين: الحفاظ على التفوق العسكري النوعي للكيان الإسرائيلي، ومنع قيام وحدة عربية او إسلامية حقيقية توفر قوة ضاغطة على الغربيين الهادفين لاستمرار هيمنتهم على المنطقة.

النفط سلعة استراتيجية لا يمكن أن يستغني العالم عنها، حتى لو استطاع تطوير مصادر أخرى للطاقة. صحيح أن انتشار الجائحة في الوقت الحاضر قلل من بريق النفط نظرا لتراجع معدلات استخدامه في العالم الصناعي، إلا أن الصراع على النفط سيظل عنوانا للاهتمام العالمي بالمنطقة. ولدى الجمهور العربي شعور أن نفطه يتعرض لعمليات نهب منظمة من قبل الشركات الغربية التي ضمنت امتيازات خاصة للتنقيب والانتاج والتصدير. كما يعرف ان التلاعب بأسعار هذه السلعة وسيلة اخرى لتقليل شأنه ومنع تطوير وسائل انتاجه. ويعرف كذلك أن السياسة الغربية تعمل لمنع قيام منظومة عربية مؤسسة على الاستقلال والحرية والديمقراطية لكي تضمن استمرار الهيمنة الغربية في المنطقة. يعرف الجمهور كذلك أن الغرب استطاع ضمان مصالحه من خلال دعمه أنظمة سياسية يتهمهما، نفاقا، بالاستبداد وانتهاك حقوق الإنسان ومنها حقوق المرأة والطفل، وان الشعوب لا تساوي شيئا في المشروع الغربي القائم على الجشع والنهب. لكن الأكثر إيلاما لهذا الجمهور ما يراه من سلب لهذه السلعة الاستراتيجية بأساليب وقحة خصوصا في السنوات الاخيرة. وهنا ترتفع بعض الصيحات الداعية لحماية النفط العربي من النهب والسلب وإعادة طرح سياسات اقتصادية تهدف لتوجيهه نحو التنمية الحقيقية ودعم سياسات إقليمية مختلفة عما هو سائد الآن. في السابق كانت شركات النفط العملاقة تستأثر بالقطاع النفطي بعد حصولها امتيازات خاصة أوصلتها الى مستوى من النفوذ والهيمنة غير مسبوق. وتكشف وثائق الخارجية البريطانية دور السياسيين الغربيين في تسهيل الهيمنة الاقتصادية الغربية على العالم العربي من خلال الهيمنة على السوق النفطية سواء من خلال برامج التنقيب والانتاج ام على مستوى التسعير والتسويق.

 

تكشف وثائق الخارجية البريطانية دور السياسيين الغربيين في تسهيل الهيمنة الاقتصادية الغربية على العالم العربي من خلال الهيمنة على السوق النفطية سواء من خلال برامج التنقيب والانتاج أم على مستوى التسعير والتسويق

 

قبل ثلاثين عاما، كانت القوات الغربية بقيادة الولايات المتحدة تستعد لخوض أكبر حرب إقليمية حديثة بدعوى اخراج القوات العراقية من الكويت. ولم تخف القوى الغربية سعيها لضمان تدفق النفط بمعدلات وأسعار تناسب الاقتصادات الغربية. ومنذ ذلك الوقت أصبحت منابع النفط في مرمى القوات الغربية، وشيئا فشيئا اصبحت هذه القوات مرابطة في المنطقة بعناوين شتى. ثم جاءت الحرب الأمريكية على العراق في 2003 لتبدأ مرحلة من النهب المنظم للنفط، وهو امر لم يخفه الاستراتيجيون الغربيون لتبرير تشجيع التدخل الغربي العسكري المباشر.

حدثت الحرب على العراق وكانت النتيجة تعويم النفط العراقي ليصبح مشاعا بين أطراف شتى. فبالإضافة للحكومة المركزية استقل الأكراد في موضوع انتاج النفط وتسويقه بعد أن فتح الأمريكيون الطريق لهم لذلك، ومنعوا الحكومة المركزية من الهيمنة الكاملة على القطاع النفطي.

وبعد تصاعد التوتر الأمني في السنوات العشر اللاحقة، اصبحت المجموعات الإرهابية قادرة على استغلال النفط العراقي وبيعه خصوصا في الشمال. يضاف الى ذلك وضع بعض المجموعات المسلحة الداخلية يدها على بعض منابع النفط وتهريب كميات كبيرة منه للخارج للحصول على عائدات مالية كبرى.

في البدء كانت داعش تسرق النفط وتبيعه بطرقها الخاصة، وبعد تحرر محافظة نينوى وعاصمتها المحلية «الموصل» من سيطرة داعش استمرت سرقة النفط الخام عبر شبكات تهريب عديدة، واستمر الامر حتى الآن. لقد أصبح بعض نفط العراق منهوبا بشكل منظم ولم تستطع الحكومة المركزية منع ذلك بسبب الوجود الأمريكي العسكري الذي يوفر الغطاء لسراق النفط.

ولم يسلم نفط ليبيا من النهب، خصوصا أن أغلب منابعه تقع في المناطق التي يسيطر عليها خليفة حفتر المدعوم من قبل الإمارات ومصر. كما أن المجموعات المسلحة تسيطر على بعض الانتاج وتبيعه بطرقها الملتوية. بينما تعرضت موانئ ليبيا مرارا للتوقف عن تصدير النفط، الأمر الذي انعكس سلبا على الأوضاع الاقتصادية المحلية. وقد ساهم الصراع بين جماعة حفتر وحكومة فائز السراج في طرابلس في استيلاء مجموعات مسلحة على منابع نفطية. وبرغم جهود بعض القبائل الا انه لم يمكن منع تهريب النفط والمنتجات النفطية إلى تونس ومالطا.

والجدير بالذكر أن الامم المتحدة اصدرت سابقا قرارا بحصر حق تصدير النفط الليبي بالمؤسسة الوطنية للنفط، وأن أي محاولات لتصديره عبر قنوات أخرى ستخضع لعقوبات دولية، وحتى لمنع تصديره بصورة تامة. مع ذلك تستهدف الجهود العسكرية التي يقوم بها خليفة حفتر السيطرة على حقل الشرارة، الذي هو الأكبر في ليبيا، لحرمان الحكومة الوطنية في طرابلس من مصدر دخلها الرئيسي.

الأمر المؤكد ان سرقة نفط البلدان لا ينحصر بالمجموعات الإرهابية، بل أن هناك اتهامات بأن السعودية تسعى لوضع يدها على نفط اليمن الذي يتمتع باحتياطيات كبيرة من النفط والغاز لا سيما في الجوف ومأرب وشبوة وحضرموت. وقد كشف مسؤولون في شركة النفط والغاز المملوكة للدولة في اليمن، والمعروفة عالمياً باسم «صافر» وكذلك أعضاء حكومة هادي أن هنالك «مفاوضات» تجري بالفعل بين المملكة وحلفائها من المسؤولين في وزارة النفط اليمنية وشركة صافر للتوصل إلى اتفاق من شأنه أن يمنح السيطرة على جزء كبير من احتياطي اليمن من النفط والغاز إلى السعودية لعقود قادمة. وقد حضر مفاوضون من شركة النفط الفرنسية توتال بعض الاجتماعات التي عقدت في مأرب والمهرة والعاصمة السعودية الرياض. وتسعى السعودية للسيطرة على معظم احتياطي النفط في البلد وخاصة فيما أطلق عليه بعض المسؤولين «مثلث النفط» وهو منطقة تقع بين محافظتي الجوف ومأرب. ونشر مؤخرا مقطع فيديو يتحدث عن وجود وثيقة اتفاق نفطي بين السعودية واليمن، برغم اعتراض حكومة صنعاء على ذلك. ولم يكن سرا أن الطمع في النفط كان من بين أسباب الحرب التي يشنها التحالف السعودي ـ الإماراتي على ذلك البلد منذ اكثر من خمسة اعوام.

=========================

صيف ساخن للدبلوماسية الفرنسية

سلام الكواكبي

العربي الجديد

الاحد 23/8/2020

كما هو منتظر، ومع اقتراب نهاية الولاية الرئاسية الأولى سنة 2022، يسعى الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، كمن سبقه من الرؤساء، إلى تعزيز حظوظه في تجديد ولايته لفترة رئاسية ثانية. وأمام وضع اقتصادي متأزم، نتيجة السعي إلى فرض إصلاحاتٍ لاقت رفضاً من القوى العاملة، وتمخضّت عنها إضرابات واضطرابات كانت "السترات الصفراء" إحدى علاماتها، صمد ماكرون وحكومته، مع قليل من التنازلات، معتمداً على جذب اليمين التقليدي الى صفوفه، مما يعزّزها مقابل اليسار الفرنسي غير القادر على التآلف حتى إشعار آخر. وقد أتت الأزمة الوبائية الكونية، والتي أفضت إلى تراجعٍ هائلٍ في الدخل القومي، وضاعفت نسب البطالة، وأقفلت عدداً متزايداً يوماً بعد يوم من المؤسسات الصناعية كما السياحية كما التجارية، لتزيد طين الإليزيه بلّة، وتزيد من تعقيد ملف الإصلاحات المرغوبة من الرئيس وطاقمه الحكومي، ما دفع بهم إلى تأجيلها. 

نجاح دبلوماسي على المستوى الأوروبي شجّع ماكرون على المضي في محاولته الدفع بملفات عدة إلى واجهة الأحداث

وإثر الموجة الأولى من الوباء، والتي عالجتها الحكومة الفرنسية بشكلٍ لا بأس به عموماً، وحظي رئيسها إدوار فيليب بارتفاع ملفتٍ في شعبيته مقابل استمرار انخفاض شعبية الرئيس، قرّر ماكرون إجراء تغيير حكومي جذري، نتج عنه الاستغناء عن رئيس الوزراء، خوفاً من منافسةٍ تدفعه إليها أرقام استطلاعات الرأي. وفي مسعى إلى توسعة التحالفات مع مختلف الأطراف السياسية التي قبلت ماكرون رئيساً سنة 2017، تم إقرار زيادة عدد الوزراء ووزراء الدولة من 39 في الحكومة السابقة إلى 43 في الحكومة الجديدة التي كُلّف بترؤسها اليميني جان كاستيكس. وبمجرّد وصول هذا السياسي المغمور إلى الحكومة، عاد الخوف من اجتياح موجة ثانية من الوباء، استناداً إلى أرقام غير مطمئنة من الإصابات اليومية. 

مع بقاء الملفات الداخلية معلّقة بتطورات الجائحة الوبائية، ومدى القدرة على التخلّص منها أو تجاوزها، تم تسجيل تنفيذ الحكومة السابقة، كما الحالية، إجراءات صحية واقتصادية ناجحة نسبياً، على الرغم من بعض التخبط الذي اعترى بعض تفاصيلها. ومع اطمئنان الإليزيه إلى أن كاستيكس سيؤدي عمله دونما سعي إلى البروز، ومع حلول فصل الصيف، تحوّل اهتمام الرئيس ماكرون إلى تعزيز وجوده في إدارة الملفات الخارجية. وبدأ نشاطه بإنجاز كبير مرتبط بالوضع الصحي العالمي، وانعكاساته الاقتصادية على القارّة الأوروبية. ونجح، بمساعدة من المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، في تحريك مشروع اقتصادي ضخم للدول 27 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، للدفع بعجلة الاقتصاديات الأوروبية المتضرّرة بمجموعها، والأكثر تضرّراً خصوصاً، كما إيطاليا وإسبانيا، مخصصين لذلك مبلغا يفوق الـ 750 مليار يورو. 

شكّلت كارثة الانفجار في بيروت فرصة استعراضية صادقة، أو مبالغا بها للرئيس ماكرون، ليقفز إلى مقدمة الدول المؤثرة في هذا الملف

نجاح دبلوماسي على المستوى الأوروبي شجّع ماكرون على المضي في محاولته الدفع بملفات عدة إلى واجهة الأحداث. وقد برز موقفه السياسي الصارم الداعم لليونان، والمعادي للسياسات التركية في شرق المتوسط، مع بُعدٍ عسكري تمثّل بتحريك قطعٍ بحريةٍ فرنسية. موقفٌ ارتبط أساساً بتوتر قديم له علاقة بمقاومة تاريخية فرنسية لأي حديثٍ عن انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. كما يُعتبر التدخل الفرنسي في ليبيا لصالح قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر المدعومة إماراتياً، مؤشرا إلى ملف صراع تركي/ فرنسي أكثر راهنية. وحيث تُدين فرنسا ما تعتبره تدخلاً تركياً، فهي تُغفل تدخلات القوى والدول الأخرى الصارخ، كما الإمارات وروسيا ومصر، وفرنسا نفسها. والتحدّي اللفظي القائم بين أنقره وباريس يؤثّر سلباً على علاقة باريس مع برلين، حيث تحافظ الأخيرة على علاقات هادئة مع تركيا، وتحسب كل الحسابات لأسباب عدة: العلاقة التاريخية بين البلدين، والتي تتخطى تاريخ تأسيس الجمهورية التركية الحديثة. كما يعتبر وجود أكثر من ثلاثة ملايين تركي في ألمانيا مؤشّرا على بعد اجتماعي/ ثقافي في ملف العلاقات. وأخيراً، تفضّل السياسة الألمانية عموماً التفاوض الهادئ والذي يُقارب السرية، في حين تتميّز السياسة الخارجية الفرنسية في السنوات الأخيرة بأداء علني، والذي يقارب الاستعراض. 

ملف ملتهب أيضاً تواجهه باريس في لبنان، وتحاول ألا تسجل فشلاً فيه، وتسعى من خلاله للعودة بقوة إلى هذا البلد، والذي على الرغم من التأثير النظري للسياسة والثقافة الفرنسية فيه، إلا أن ملفه سحب من بين يديها منذ فترة طويلة، لتعبث به طهران ودمشق والرياض وتل أبيب كل على حدة، أو بتوافقات غامضة أحياناً ومكشوفة في أحيان أخرى. وشكّلت كارثة الانفجار يوم 4 أغسطس/ آب الحالي فرصة استعراضية صادقة، أو مبالغا بها للرئيس ماكرون، ليقفز إلى مقدمة الدول المؤثرة في هذا الملف، جامعاً القوى السياسية جُلّها، ومسمعاً إياها كلاماً قاسياً يعيد لفرنسا دوراً انتدابياً غير مرئي على لبنان، بعد مائة عام من مساهمتها في إعلان نشوء هذا البلد.

التركيز على السياسة الخارجية وسيلة لتسجيل نجاحٍ ما ضمن الخيبات

ملف ساخن آخر، وربما ليس الأخير، الانقلاب العسكري في مالي، والذي يُشكّل قلقاً وإحراجاً فاعلين في الموقف الفرنسي، حيث تدفع فرنسا، منذ عهد فرانسوا هولاند، بالآلاف من جنودها لمساعدة الجيش الوطني في محاربة الجماعات المسلحة المتطرّفة. ترفض باريس الانقلاب، ويضغط الإليزيه على حلفاء فرنسا الأفريقيين، لعزل الانقلابيين الذين تشير معلومات إلى قرب بعض رموزهم من موسكو. 

عشية الخريف، ومع عودة الحديث عن موجة جديدة من وباء كورونا، وعن انهيارات مرتقبة لعديد من كبريات المؤسسات الاقتصادية والمالية، يبدو أن التركيز على السياسة الخارجية وسيلة لتسجيل نجاحٍ ما ضمن سلسلة من الخيبات. في المقابل، يتعلم الحصيف من دروس التاريخ الحديث أن السياسة الخارجية لم تكن البتة عاملاً حاسماً في الفوز في انتخاباتٍ رئاسية.

=========================

ما قبل المحكمة الدولية وما بعدها

رضوان السيد

الشرق الاوسط

السبت 22/8/2020

اعتادنا في لبنان بعد كل حدثٍ كبيرٍ على القول: ما قبل كذا ليس كما بعده. وقد ردَّدنا ذلك أخيراً بعد زلزال 4 أغسطس (آب)، فقلنا: ما بعد 4 آب ليس كما بعده! إنما بعد حكم المحكمة الدولية في مقتل الرئيس رفيق الحريري بعد انتظار خمسة عشر عاماً، ما خطر ببال أحدٍ من أنصار الحريرية أو خصومها أن يعتبر الحكم في 18 أغسطس واقعة مغيِّرة. ذلك أنّ العبارة بحدّ ذاتها تحمل نوعاً من التفاؤل رجاء التغيير في وضعٍ قائمٍ غير مستحبّ. وهو الأمر الذي لم يبعثْ عليه الحكم باعتباره قد جاء مخفَّفاً في نظر البعض، أو يُعاني من الفوات والتفويت في نظر البعض الآخر. ولستُ مختصاً لا في القانون الدولي ولا القانون الجنائي اللبناني، لكنني ما انتظرتُ كثيراً من حكم المحكمة، ليس بسبب العبقرية أو الألمعية؛ بل لأنني قرأتُ بتمعُّن القرار الاتّهامي الطويل الذي أصدره المدعي العام للمحكمة عام 2014. المدعي العام اتهم في قراره خمسة من أعضاء «حزب الله» باغتيال الرئيس رفيق الحريري، واستظهر أنّ زعيمهم مصطفى بدر الدين. وتحدَّث بشكلٍ أطول عن الدوافع السياسية للنظام السوري والحزب المسلَّح لاغتيال الحريري بما لا يخرج عما ذكره حكم المحكمة في 18 أغسطس 2020. وقدَّر المدعي العام أنّ التفكير في الاغتيال لدى النظام السوري والحزب بدأ في أحد شهري سبتمبر (أيلول) أو أكتوبر (تشرين الأول) عندما بدأت متابعة الحريري ومراقبته في كل مكانٍ في لبنان؛ مع انتهاز أو ترقُّب ظروف الزمان والمكان الملائمين. بينما ذهبت المحكمة في قرارها النهائي إلى أنّ الاغتيال تقرر من الجانب السوري والحزب خلال الأسبوعين الأولين من شهر فبراير (شباط) 2005، وقد قُتل الحريري كما هو معروف في 14 فبراير. وهذا التقدير يستند إلى أنّ الفريقين يئسا من الحريري عندما جرى التأكد أنه صار ضد الوجود السوري في لبنان (مثل المعارضين المسيحيين)، وأنه دخل في تحالُفٍ معهم ومع وليد جنبلاط فيما يشبه الجبهة لإخراج الجيش السوري، وليأتي القرار الدولي رقم 1559 الذي يطالب بخروج الجيش السوري، ونزع سلاح كل الميليشيات، والذي قادته الولايات المتحدة وفرنسا، وعلاقة الرئيس الحريري بالرئيس الفرنسي جاك شيراك معروفة.

اختلف المدعي العام مع محكمة الدرجة الأولى إذن في تحديد تاريخ قرار الاغتيال، وفي تحديد عدد المتهمين يقيناً، فأدان واحداً هو سليم عياش بدلاً من أربعة كما رأى المدعي العام. وأنا أرى أنّ هذين الأمرين تفصيليان. إنما الأهمُّ في النهاية فيما اتفقا عليه هو أنهما بعد أن حدَّدا الدوافع السياسية للجريمة والتي تقع في حضني النظام السوري والحزب، ما ذكرا الآمِرَ أو الآمِرين بالقتل أو مَنْ أمر مباشرة مصطفى بدر الدين أو سليم عياش بالقتل. لقد ذكر المدعي العام وذكرت محكمة الدرجة الأولى أنّ المجموعة كلها ومنها سليم عياش أعضاء وقادة عسكريون في الحزب. لكنْ في يوم ارتكاب الجريمة (14 فبراير) ما كان هناك على مسرح الجريمة للتنفيذ إلاّ سليم عياش. والمدعي العام الذي يضيف الأربعة الآخرين إلى الاتهام، ليس متيقناً إلاّ من وجود عيّاش. أما ذكره لثلاثة من الأربعة الآخرين فلأنهم شاركوا في عملية التضليل وحَرْف الانتباه بعد وقوع الجريمة من خلال الكاسيت المصوَّر لـ(أبو عدس) الذي أوصلوه إلى محطة الجزيرة و«رويترز» وأن منظمة «النصرة والجهاد» الوهمية هي التي نفّذت الجريمة. المحكمة لم تر أن التليفونات من أجل الإيصال لا تدل على علمهم ولا على اشتراكهم، مع أنه ثابتٌ من أجهزة الاتصال أن هؤلاء شاركوا في ملاحقة الحريري ومراقبته طوال أربعة أشهر! لقد سيطرت على المحكمة فكرة أنّ جماعات الإرهاب المحترفة لا تُطْلع الوحدات التي تكلفها بالقتل على كل شيء، بل يقوم كل قسم بمهمة محددة من دون أن يعلم شيئاً عما يقوم به زملاؤه!

من الذي نظّم هذه العملية المعقدة، وصولاً للأمر بالقتل؟ المحكمة تقول إنها لا تملك دليلاً على مَنْ أَمر ووجَّه، وهي في النهاية لم تستمع إلى أي من المتهمين. فمصطفى بدر الدين قُتل عام 2016 في سوريا وأعلنه الزعيم المعصوم بطلاً جهادياً، أما الآخرون فرفض «حزب الله» حتى الآن تسليمهم باعتبارهم كما قال الزعيم «من قدّيسي الجهاد والاستشهاد»، وهو ما عاد مطلوباً منه الآن غير تسليم سليم عياش، ولن يفعل ذلك بالطبع!

هناك إذن وجوه قصورٍ وتفويت. لكنّ المتهم الأوحد معروفٌ لدى المحكمة أنه من كوادر الحزب. وقد اكتفى سعد الحريري بذلك ليقول إنّ المطلوب كان الحقيقة والعدالة، وقد تبينت الحقيقة، وينبغي أن تتحقق العدالة بالقصاص من المتهم، وبالسير في طريق المحاسبة لمغادرة حقبة سلاح الجريمة القتل والتفلت من الحساب.

ماذا سيحدث الآن؟ هناك من يقول إنّ الحريري الذي يدعم الحزب رجوعه لرئاسة الحكومة سيسهِّل الأمر عليه ولو لم يحضر هو وجبران باسيل في الحكومة الحيادية التي يطالب بها المجتمع الدولي الحكم اللبناني. وهناك من يذهب إلى أنّ الحزب وبسبب اشتداد الأزمة عليه سيتشنج أكثر، ولن تتشكل الحكومة المطلوبة، وسينتظر الانتخابات الرئاسية الأميركية رجاء أن يأتي بايدن؛ أما إذا بقي ترمب فعندها تكون التنازلات ممكنة من ضمن صفقة!

منذ حدث بيروت الهائل، بل قبل ذلك بشهرين طالبتُ الفرقاء السياسيين ومنهم تيار المستقبل بالامتناع عن الشراكة السياسية مع الحزب إلى أن يُلقي سلاحه ويدخل في الحياة الوطنية مثل سائر الأحزاب - إضافة إلى حكومة الاختصاصيين المحايدة. وبعد الانفجار أو التفجير طالبنا بالتحقيق الدولي، وبالخلاص من العهد وفساده. ذلك أنّ النظام القائم الآن هو نظامٌ للعسْف والفساد والعداء للعرب والعالم بحراسة الحزب المسلح.

ليس بعد حكم المحكمة الدولية فقط سيبقى لبنان كما كان، بل وبعد 4 أغسطس أيضاً إن لم يناضل اللبنانيون من أجل مكافحة العهد وفساده، وسلاح حزب السلاح!

=========================

اللجنة الدستورية السورية بين التعطيل والموات

أكرم البني

الشرق الاوسط

السبت 22/8/2020

ثلاثة مستجدات تفرض نفسها على اللقاء الثالث لما سميت «اللجنة الدستورية السورية»، المزمع عقده في جنيف بعد أيام (24 أغسطس/ آب) بين ممثلي النظام والمعارضة والمجتمع المدني، وتجعله شكلياً وغير مجدٍ، ولنقل تجعل مصير هذه اللجنة محكوماً بالتعطيل والموات، أسوة بما حصل لـ«بيان جنيف» عام 2012، وللمؤتمرات الكثيرة التي عقدت تحت مظلته؛ من مؤتمر «جنيف 1» صيف 2012، وحتى مؤتمر «جنيف 9» شتاء 2018، وأسوة أيضاً بقرار مجلس الأمن رقم «2254» لتسوية النزاع السوري الصادر في يناير (كانون الثاني) 2015، ثم ما حل بما سمي «إعلان موسكو» في 2016 بين روسيا وإيران وتركيا لإحياء العملية السياسية في سوريا، وما تلاه من اجتماعات ومؤتمرات عقدت في «آستانة» و«سوتشي».

أولاً؛ يأتي هذا اللقاء بعد إخفاق الرهانات والتحليلات التي تبناها غير طرف عن قرب تنحي واستبدال رأس النظام السوري، بما في ذلك انحسار الحملات التي قادها بعض الإعلام الروسي ضده للتأثير على مكانته وموقعه، وتقف وراء هذه النتيجة أسباب متضافرة؛ منها تمسك طهران الشديد باستمرار حاكم دمشق ورفضها القاطع أي تغيير يطاله، ومنها رغبة إسرائيلية، أعلنت غير مرة، تميل لبقاء رموز سلطة أثبتت حرصها (كاتجاه عام) على حماية الحدود المشتركة، ومنها تراجع موسكو نفسها عن فكرة تغيير رأس النظام، ربما تحسباً من التداعيات والتكلفة، خصوصاً بعد نجاحه في توفير حد لافت من الالتفاف حوله خلال المعركة التي خاضها لإزاحة رامي مخلوف وأعوانه.

ما سبق يعني أن النهج السلطوي القديم سوف يستمر بالزخم والقوة نفسيهما، خصوصاً لجهة تشدد النظام السوري في رفض التنازلات وفي إفشال مختلف المبادرات السياسية، متوسلاً ما يمتلكه من خبرات لتمييع ما يفرض عليه من حلول وإفراغه من محتواه، ومتسلحاً بحصيلة وفيرة من تجاربه القمعية يحدوها إدمان على الفتك والتنكيل وثقة بأن العمل المجدي لدوام السيطرة ليس الاستجابة لمطالب الناس ومعالجة مشكلاتهم ونيل رضاهم، بل الاستمرار في إرهابهم وإذلالاهم وشل دورهم.

فأنّى لسلطة مرتبكة أن تذعن للتفاوض سياسياً، حتى في حدود التوافق على دستور جديد، وهي تدرك مخاطر ذلك؛ إنْ في هتك هيبتها وتحريض الخلافات داخل بطانتها وبين مراكز قوى تشكلت في أتون الصراع وباتت متفاوتة المصالح والأهداف، وإنْ بتحسبها من المساءلة والمحاسبة حين يفضح المسار السياسي دورها ومسؤوليتها في معضلات الخراب والتفكك الوطني والفساد وتهتك الاقتصاد وتردي الأوضاع المعيشية؛ والأهم مصير المعتقلين والمغيبين والمشوهين؟! ثم أنّى لنظام رفض وهو في شدة أزمته تقديم التنازلات، مهما بدت صغيرة، أن يتنازل اليوم وقد أغراه ما حققه من تقدم عسكري، الأمر الذي يفسر الطعن الصريح لرأس النظام في خطابه الأخير بالمعارضة وخيار التفاوض معها، وتأكيده أنه لن يسمح لها بأن تحقق بالسياسة ما لم تحققه بالإرهاب؛ كذا؟!

ثانياً؛ يتزامن اللقاء مع فترة قصيرة تسبق الانتخابات الأميركية وفي مناخ ينتظر فيه الجميع نتائج هذه الانتخابات كي يتم البناء عليها، مما يعني أن ليس ثمة حماسة واطمئنان، وإنْ بدرجات، لدى مختلف الأطراف الراعية والمشاركة في هذا اللقاء، لخوض مناقشات عقيمة يحكمها تباين كبير بين هموم أطرافها ومطالبهم، ما دام ثمة ترقب لما قد يرسو عليه قرار واشنطن، الجهة التي لا تزال تمتلك أوفر قدرة على التأثير والتقرير والحسم، خصوصاً بعد عودتها عسكرياً إلى المشهد واستعانتها بالحضور الكردي وبـ«قوات سوريا الديمقراطية» للسيطرة على مناطق مهمة في شمال البلاد وشرقها، وأيضاً بعد العقوبات التي اتخذتها مؤخراً ضد السلطة السورية وشركائها تحت عنوان «قانون قيصر» وشكلت حالة ضغط كبيرة ليس فقط على السلطة؛ وإنما أيضاً على حليفتها روسيا، مما زاد من تعقيدات الدور الذي تتطلع إليه هذه الأخيرة في رسم المستقبل السوري.

صحيح أن قيادة الكرملين نجحت، بفضل جهدها العسكري، في إنقاذ النظام وحلفائه الإيرانيين، وصحيح أنها الجهة التي يبدو أنها تمسك بأهم خيوط اللعبة في البلاد وتمكنت من اختراق الاستعصاء المزمن وتخميد حدة الصراع القائم، لكنها خير من يعرف أن التسوية السياسية الناجحة للمحنة السورية تتطلب تنازلات مؤلمة لإرضاء خصومها الغربيين وتحديداً واشنطن، وتعرف أنه من دون ذلك فسوف تستمر حالة «الاستنقاع» التي كرسها فشل التفاهمات الكثيرة المعلنة بين الرئيسين، بوتين وترمب، للإقلاع بالحل السياسي السوري.

ثالثاً؛ التراجع الموضوعي لقدرة المجتمع الدولي والبلدان الغنية؛ الغربية والعربية، على التقدم للمشاركة في إعادة إعمار سوريا، محكومة ليس فقط بصعوبة حصول تغيير في السلطة استجابة لاشتراطاتها السياسية، وإنما أيضاً بالنتائج الوخيمة التي خلفها وباء «كورونا» على قدراتها الاقتصادية، ويصح أن نضيف هنا تداعيات انفجار بيروت وما شهدناه من صرف جزء مهم من الجهد العالمي نحو لبنان، وهو أمر مفهوم ومفسر بالمقارنة مع الحالة السورية، والمفارقات كثيرة؛ منها المسؤولية التي يتحملها نظام الاستبداد السوري عمّا حل في البلاد من خراب وضحايا، محفوفاً بإصراره على رفض المبادرات السلمية الأممية كافة؛ ومنها عمق حضور الفكر الليبرالي، سياسياً واقتصادياً، في لبنان وما راكمه من قوى لها مصلحة في تغيير الاصطفاف الذي فرض عليه خلال السنوات الماضية، وتقريبه من الشروط السياسية التي حددها الغرب للمساعدة في إعادة إعمار بيروت، ومنها قوة رأس المال اللبناني المنتشر في بلدان الاغتراب وقدرته النسبية على التأثير في القرارات الغربية المتعلقة بشؤون بلاده، عدا روابطه العميقة مع قطاع كبير من اللبنانيين وحماسته اللافتة لمدّهم بالعون اللازم.

والحال؛ لا معنى اليوم للتعويل على اللجنة الدستورية، ولنقل على فضلات ما تبقى من مسارات التسوية السياسية في ظل سلطة لا يهمها سوى التفرد بسطوتها وامتيازاتها أياً يكن الثمن، مما يرجح فشلها كحال مختلف المبادرات والمفاوضات السياسية، تاركة المأساة السورية مفتوحة على تفاقم أزماتها المتنوعة؛ سياسياً وأمنياً واقتصادياً، ورهينة التوغل المريع للأطراف الخارجية وما ترسمه خلافاتها وتوافقاتها، في مناخ عالمي يلوذ بصمت مريب وحسابات بغيضة تجاه عظمة الأهوال والفظائع التي تعرض ويتعرض لها السوريون.

=========================

تصارعوا تصحّوا!

 د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 22/8/2020

يؤكد علماء السياسة والاجتماع أن أهم عنصر للتقدم الإنساني عامة وتحقيق الديمقراطية خاصة يكمن في الحراك الاجتماعي، أي أن الديمقراطية لا يمكن أن تولد إلا من رحم الصراعات والاشتباكات حتى لو كانت عنيفة ودموية في أغلب الأحيان، فالوضع المزدهر الذي آلت إليه أوروبا وأمريكا مثلا لم يأت فجأة، بل كان نتيجة لقرون من التطاحن والمعارك والدماء. وكلنا يعرف كم خسر الأوروبيون من الأرواح حتى وصلوا إلى حالة الرخاء والتقدم والاستقرار ومن ثم الديمقراطية التي ينعمون بها الآن. فقد قتلوا من بعضهم البعض الملايين في حروب مدمرة أتت على الأخضر واليابس ناهيك عن التقاتل داخل الدول نفسها، فالمجتمعات الغربية لم تتناحر مع بعضها البعض فقط بل شهدت أيضا حروبا وصراعات داخلية أشد وأعتى، فأمريكا مرت بحرب أهلية دونها التاريخ. أما بريطانيا، كما يجادل المفكر الفلسطيني بشير موسى نافع، « فلم تكن الديمقراطية فيها ممكنة لولا انتهاء الصراعات الدموية منذ القرن السادس عشر… لقد ولد الإجماع البريطاني في نهاية مائتي سنة من الحروب الأهلية الطاحنة، وولد هذا الإجماع في ألمانيا من أتون هزائم مدمرة» واضطرابات وتحولات كبيرة. ولا ننسى ثورات فرنسا وإسبانيا وغيرهما. أما إيطاليا فلم تصل إلى بر الأمان الداخلي إلا في وقت متأخر، فقد عاشت كغيرها من الدول الأوروبية فترات عصيبة من الصراعات والمشاحنات الداخلية قبل أن تستقر فيها الأمور وتصل إلى مبتغاها.

بعبارة أخرى فإن حالة الاستقرار والرفاهية والديمقراطية كانت نتيجة نضال عسير ليس فقط ضد الآخرين بل أيضا بين أبناء البلاد أنفسهم، فكانت الجماعات والأحزاب والفصائل تشتبك وتتناحر وتقاتل بعضها البعض حتى وصلت إلى الإجماع الوطني المطلوب، فمن أهم مقومات بناء الديمقراطية كما يرى بعض المفكرين، هو الإجماع الداخلي والتوصل إلى وضع مشترك يحسم الأمور ويتفق عليه الجميع، فمن دون ذلك تظل البلاد في حالة مخاض. وكلنا يعرف أن المرأة لا تلد مولودها إلا بعد أن تنتهي من مرحلة المخاض المعروفة بالطلق.

وكي يحدث الحراك الاجتماعي والسياسي لا بد من توفر المجال وحرية الحركة حتى لو أدت هذه الحركة إلى صراعات دامية داخل الأوطان، فحجر الصوان لا يحدث شرارة إلا إذا احتك بقوة بحجر صوان آخر. صحيح أن العرب ناضلوا طويلا وضحوا بملايين الشهداء من أجل التحرر من نير الاستعمار الأجنبي. ولا أحد يستطيع أن ينكر بطولات وتضحيات معظم الشعوب العربية، فالجزائريون خسروا أكثر من مليون شهيد لطرد الفرنسيين من ديارهم. الجميع ناضل وقدم الدماء كي يتحرر من ربقة الغاصبين. لكن كان على الذين حققوا الاستقلال في البلدان العربية أن يعرفوا أن التحرر من المستعمر الخارجي ليس نهاية المطاف، فهو مجرد استقلال أولي، لهذا دعا المفكر التونسي منصف المرزوقي مثلا في كتابه الرائع بنفس العنوان إلى تحقيق «الاستقلال الثاني» ويعني بذلك الاستقلال الوطني، أي تحرير الوطن من أعدائه الداخليين الذين ما لبثوا يخنقون حريته ويغتصبون حقوقه وتقدمه ويدوسون كرامته.

حالة الاستقرار والرفاهية والديمقراطية كانت نتيجة نضال عسير ليس فقط ضد الآخرين بل أيضا بين أبناء البلاد أنفسهم، فكانت الجماعات والأحزاب والفصائل تشتبك وتتناحر وتقاتل بعضها البعض حتى وصلت إلى الإجماع الوطني المطلوب

إن حالة الاستقرار المزيف التي فرضتها الأنظمة العربية منذ عشرات السنين على أوطانها كانت في واقع الأمر حقا يُراد به باطل، فقد صدعت هذه الأنظمة رؤوسنا وهي تتشدق بالحديث عن نعمة الاستقرار والأمن وضرورته لبناء الأوطان والنهوض بها، لكننا اكتشفنا بعد طول انتظار أن الهدف من فرض حالة من السكون على البلدان العربية لم يكن من أجل البناء والتقدم كما كانوا يدعون، بل من أجل أن تستتب الأمور للأنظمة الحاكمة و يحلو لها الجو كي تسلب وتنهب وتعبث بمقدرات الشعوب والأوطان وتبقى مسيطرة على زمام الحكم دون إزعاج من أحد، فبحجة الحفاظ على الاستقرار وصون ما يُسمى بالوحدة الوطنية مارست هذه الأنظمة أبشع أنواع الكبت والقمع بحق البلاد والعباد. وماذا كانت النتيجة؟ طبعا تقهقر وتراجع على مختلف الأصعدة. وقد سمعت معلقاً عربياً يقول ذات مرة إن بعض الأنظمة العربية وضعت شعوبها وأوطانها في الثلاجة منذ اللحظة التي وصلت فيها إلى السلطة. وقد جاء كلامه هذا تعبيراً عن حالة التجمد التي وصلت إليها الدول العربية في مختلف المجالات. فلا اقتصاد يزدهر، ولا تجارة تتحرك، ولا حراك سياسي أو اجتماعي، ولا ومن يحزنون، فكل من يحاول أن يرفع رأسه يٌقمع بوحشية عز نظيرها تحت حجج الأمن والاستقرار.

يحاجج بعض المتفلسفين والمنظرين لأنظمة القمع والاستبداد أن بناء دولة القانون والمؤسسات لا يمكن أن يتم إلا بعد المرور بما يسمونه بمرحلة القمع، وكأن الشعوب عبارة عن قطيع من الحمير والبغال أو حيوانات متوحشة كما وصفها المفكر السياسي هوبز تحتاج للتأديب والتطبيع كي تصبح أليفة لا تتجرأ على المعاكسة والمشاكسة أو الخروج على النص. ويستشهد هؤلاء المتفلسفون بفوائد الأمن والاستقرار وآثاره الإيجابية على البلدان الغربية. ويستشهدون بالمثل القائل إن الحجر المتدحرج لا ينبت عليه العشب. وأن لا تقدم وازدهار من دون استقرار داخلي، وهذا صحيح جزئياً، لكنهم يتعامون قصداً عن الحقيقة القائلة أن الاستقرار الذي وصلت إليه أوروبا والبلدان المتقدمة لم يكن مفروضاً، بل جاء نتيجة طبيعية لحالات طويلة وعصيبة من النضال والصراع. وهو أمر مفقود تماما في تاريخنا السياسي والاجتماعي العربي. والدليل على بطلان نظريتهم أن الاستقرار المزعوم الذي فرضوه على الشعوب والأوطان لم يحقق أي تقدم، بل كما قلت، أدى إلى حالة من الكساد السياسي والثقافي والاقتصادي والاجتماعي وحتى الديني في البلاد العربية.

أما الوحدة الوطنية التي كانت تتفاخر الدول العربية بتحقيقها فهي وحدة زائفة ومؤقتة ومرتبطة أولا وأخيراً بزمن فترة القمع والاستبداد. ولن يحدث الاستقرار الحقيقي في مثل تلك البلدان إلا عندما تتعارك وتشتبك الشعوب مع بعضها البعض وتصل بعد طول صراع إلى صيغة وإجماع وطني يحقق لها الوحدة الحقيقية والاستقرار الدائم.

=========================

موقفنا : في اليوم العالمي للمغيبين قسريا : الحرية لكل المخطوفين والمغيبين والمعتقلين

زهير سالم

مركز الشرق العربي

30 / 8 / 2020

يصادف اليوم 30/ 8/ من كل عام اليوم العالمي للمختفين قسريا ..

وكأن العالم منذ أن تم تأسيس نظام الأقلية في سورية قد خيم عليه بقبة زجاجية ، كما صنوه في فلسطين المحتلة ، تجعله خارج إطار كل القوانين والمواثيق الدولية ..

وإذا شئنا ألا نتحدث عن سوريين ولبنانيين وعراقيين ويمنيين مختفين قسريا في زمن حافظ وبشار الأسد ..فبإمكاننا أن نتحدث عن صحفيين وكتاب أوربيين وأمريكيين مختفين قسريا في سورية الأسد ، تخلت عنهم حكوماتهم تحت عنوان تفويت المصلحة الصغرى لتحقيق المصلحة الكبرى .

منذ أيام فقط كان الرئيس الأمريكي ترامب يحاول التواصل مع بشار الأسد ، الذي وصفه من قبل بما وصفه به ، من أجل صحفي أمريكي !! هل حقا أن الرئيس ترامب لا يستطيع تحرير إنسان أمريكي ؟! أم أنها معادلة شيراك منذ ثمانينات القرن الماضي : لا تنظروا إلى عضة هنا وخمشة هناك ..انظروا إلى ما يقدمه حافظ الأسد من قمع الأصولية الإسلامية في الشرق الأوسط !!

فمن أين سيحصل الرئيس الأمريكي والرئيس الفرنسي على قائمقام في سورية ، يقتل مليون سوري ، ويهجر أربعة عشر مليونا ، ويذوّب في السجون والمعتقلات مئاتٍ الألوف من المفقودين الآخرين ..؟!

إن تواطؤ القوى الدولية مع الزمرة الحاكمة ليس جديدا ، ولا هو وليد ثورة الربيع العربي كما يظن بعض الخليين ..

فكل من يملك ذاكرة سياسية يعلم أن في سجون حافظ وبشار الأسد أكثر من ستة عشر ألف لبناني ، منهم اللبناني ومنهم الفلسطيني ، منهم المسلم ومنهم المسيحي . ستة عشر ألف إنسان مال تزال أسرهم تحمل صورهم على أرصفة بيروت . تذكر بهم السيد ميشيل عون ونبيه بري .. ونذكرهما نحن أن أمهات هؤلاء وزوجاتهم وبناتهم لسن داعشيات ، ولا من جبهة النصرة ..كما يعتزي اليوم المجرم الرئيس ..

ونذكر شعبنا السوري ، وجماعة الإخوان المسلمين خاصة ، بثلاثين ألف مغيّب قسري ، هم بحكم المفقودين منذ 1980 ونقول في مثل هذا اليوم العالمي آما آن لهذا الملف المثخن الدامي أن يترجل ..؟!

ومنذ قامت هذه الثورة المباركة اختفى في زنازين بشار الأسد مئات الألوف من الرجال من الشيوخ والشباب ، ومن النساء ومن الأطفال كل ذنبهم أنهم قالوا : الشعب يريد إسقاط الدكتاتور ..

حتى لا تكون الثقافة الإنسانية ضربا من الكذب يخاتل فيه الأقوياء الضعفاء ، ويخادعونهم يجب أن يكون لمثل هذا اليوم / اليوم العالمي لذكرى المختفين قسريا / أثره في إنصاف المظلومين والأخذ على أيدي الطغاة والمستبدين ..

الحرية لكل المفقودين والمخطوفين والمغيبين ..

والخزي والعار للمستبدين والمتواطئين والكذابين .

أيها المفجعون بأبنائكم أينما كنتم لا تنسوهم وذلك أبسط حقوقهم عليكم .

أيها السوري المفجوع في أبيك أو ابنك أو أخيك ...غرّد في كل يوم واسأل هذا العالم عمن فقدت ..وذلك بعض الوفاء

____________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

في مغزى العدالة الدولية

رندة حيدر

العربي الجديد

السبت 22/8/2020

ليس لبنان البلد العربي الوحيد الذي عانى من الجريمة السياسية، ومن اغتيالات سياسية زعزعت استقراره بعد اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري في فبراير/ شباط 2005. لكن تجربة المحكمة الدولية التي نطقت، أخيرا، بحكمها في جريمة قتل الحريري قد تكون استثنائية وفريدة من نوعها في الدول العربية، فللمرة الأولى ربما تدين محكمة دولية مشتبهاً به، هو المواطن اللبناني الذي ينتمي إلى حزب الله سليم عياش، وتبرئ ثلاثة آخرين من الحزب، لعدم توفر الأدلة الكافية لإدانتهم. الدلالة السياسية والمعنوية والأخلاقية لحكم المحكمة الدولية هائلة، على الرغم من قناعة أغلبية اللبنانيين بأن المدان لن يحاسب، ولن يعاقب على جرائمه، لا هو ولا الذين كانوا وراءه. 

أحيا حكم المحكمة الدولية الشيزوفرينيا اللبنانية: سليم عياش مجرم قاتل في نظر مجموعة من اللبنانيين، وهو مقاوم مجاهد في نظر أبناء بلدته حاروف في الجنوب اللبناني، وفي نظر كل جمهور المقاومة وحلفائهم في لبنان. لم يشعل حكم المحكمة نزاعاً سنياً شيعياً كما توقع محللون وحذر منه سياسيون، ولا يعود هذا إلى دعوة زعيم تيار المستقبل سعد الحريري، نجل رفيق الحريري، إلى التهدئة، بل يعود إلى شعور كبير وعميق بأن حكم المحكمة لن يغير الواقع السياسي المهترئ السائد في لبنان، خصوصاً بعد جريمة تفجير المرفأ، ولن يؤثر على سياسات حزب الله داخل لبنان وخارجه. 

المفارقة المؤلمة أن النطق بقرار المحكمة جاء في خضم مطالباتٍ لبنانيةٍ بإجراء تحقيق دولي في جريمة انفجار المرفأ في بيروت الذي يعاني سكان لبنان كله من تداعياته الكارثية. ما حدث في المرفأ جريمة ضد الإنسانية، مواطنون قتلوا داخل مكاتبهم ومنازلهم وداخل سياراتهم، وأحياء تحولت في لحظات إلى دمار.

يعلم اللبنانيون أن التسابق على مساعدتهم ليس لأسباب إنسانية فقط، بل هناك أهداف أخرى تخدم مصالح هذه الدول أيضاً

اعتقد بعض اللبنانيين الذين فقدوا، منذ زمن، الثقة بمؤسساتهم السياسية والقضائية، ويريدون المسؤول عن الكارثة التي ألمت بهم، أن تحقيقاً دولياً في جريمة المرفأ يمكن أن يتوصل إلى معرفة حقيقة ما حدث، لكن تجربة المحكمة الدولية، والقرار الذي نطقت به بعد أكثر من عشر سنوات من التحقيقات، وإنفاق مئات ملايين الدولارات، قد يدفعهم إلى إعادة التفكير بتكرار هذه التجربة. 

يتساءل اللبنانيون اليوم: هل في استطاعة أجهزة الدولة التحقيق في جريمة جميع مؤسسات الدولة الحكومية والإدارية والقضائية والأمنية متورّطة فيها بشكل أو بآخر؟ يرى بعضهم في مساعدة خبراء فرنسيين وأميركيين وغيرهم في التحقيق عنصراً مشجّعاً، لكن الأغلبية غير واثقة من ألا توظف نتائج التحقيق في خدمة أغراض سياسية تخدم أجندات هذه الدول. يعلم اللبنانيون أن التسابق على مساعدتهم ليس لأسباب إنسانية فقط، بل هناك أهداف أخرى تخدم مصالح هذه الدول أيضاً. من هنا شعور اللبنانيين بالتخوف والتوجس والقلق.

 اليوم بعد كارثة هائلة من نوع تفجير المرفأ لم تظهر أي دلائل تشير إلى بوادر تغيير جذري

الفرضيات الكثيرة وراء أسباب كارثة المرفأ، من الإهمال والفساد والحادث العرضي أو الانفجار المدبر، والاكتشاف اليومي لعمق الفساد المستشري في إدارة المرفأ المهترئة، وحجم استخفاف هذه الإدارة بالمصلحة العامة، ومدى استهتار الدولة بسلامة مواطنيها، بعد اعتراف رئيسي الجمهورية والحكومة بعلمهما بوجود مواد خطرة في المرفأ منذ سنوات، ذلك كله مضافا إلى الوضع المأساوي الذي يعيشه اللبنانيون منذ أشهر مالياً ومعيشياً، والمأزق السياسي الذي وصل إليه الوضع بعد استقالة حكومة حسّان دياب، يجعل الحياة في لبنان تمريناً يومياً على الصبر وتحمل المشقات والألم والمعاناة وانعدام الأمل. 

لدى حدوث كارثة كبيرة في دولة ما، يكون هذا سبباً لإجراء تغيير سياسي كبير. كان من بين أهم تداعيات اغتيال رفيق الحريري خروج قوات الجيش السوري من لبنان. اليوم بعد كارثة هائلة من نوع تفجير المرفأ لم تظهر أي دلائل تشير إلى بوادر تغيير جذري، لا في موازين القوى، ولا في قواعد اللعبة السياسية في البلد، فعلى الرغم من مرور أشهر على "ثورة 17 تشرين" والمطالبة بالتغيير، وعلى الرغم من الانهيار المالي والاقتصادي، والخراب والدمار الذي حل بالعاصمة، ما زال زعماء المنظومة التقليدية الفاسدة يتحكّمون بحياة اللبنانيين، أو بالأحرى بموتهم.

=========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com