العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 30-07-2017


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

في سوريا دول وحروب وصفقات وأمل .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 27/7/2017

منذ اجتماع هامبورغ بين الرئيسين الأمريكي ترامب والروسي بوتين، في السابع من الشهر الجاري، على هامش «مؤتمر العشرين»، والإعلان عن اتفاقهما على منطقة «خفض التصعيد» في جنوب سوريا، بمشاركة الأردن، وسيل التكهنات لا يتوقف حول مضمون الاجتماع فيما خص المشكلة السورية. هل هو اتفاق موضعي أم ينطوي على صفقة سياسية أوسع بصدد مستقبل سوريا؟ هل هو اتفاق قابل للحياة أم وقف هش لإطلاق النار سرعان ما سيتداعى أمام تناقض أجندات الفاعلين الدوليين والاقليميين؟ هل يطوي الاتفاق الجديد مسارات جنيف وآستانة أم يتحرك في مسار موازٍ لهما ومتكامل معهما؟

ويعود السبب في هذه الحيرة إلى أن مضمون التوافق الأمريكي ـ الروسي الجديد هذا غير معلن، إلا فيما خص بعض الجوانب الإجرائية من عملية «خفض التصعيد» وآليات مراقبتها وضبطها. وحتى هذه اصطدمت سريعاً بتصريحات متناقضة بشأنها من الأميركيين والروس، بما يوحي وكأن الاتفاق لن يتحقق على الأرض. ربما يمكننا تلمس بعض الإشارات من ردود فعل بعض الأطراف المعنية، وتحديداً إسرائيل وإيران. فبحكم الجوار الجغرافي المباشر للمنطقة المحددة المشمولة بالاتفاق، كان على إسرائيل أن تقول كلمتها. وقالتها، بعد تلكؤ، على لسان رئيس وزرائها بنيامين نتانياهو الذي عبر عن عدم رضا تل أبيب. في حين جاء الموقف الإيراني سريعاً ومحيراً. فعلى لسان الناطق باسم الخارجية، لم تعلن طهران رفضها للاتفاق، ولا أبدت حماسةً له. بدا شيء من التحفظ غير الصريح في الموقف الإيراني الذي طالب بأن يشمل الاتفاق جميع الأراضي السورية! اتفاق أمريكي ـ روسي يستبعد أي دور لطهران، وتطالب هذه الأخيرة بتوسيعه ليشمل كل سوريا؟ هذا يعني أحد احتمالين: إما أنها حققت مكاسب ولا تريد التشويش على الاتفاق بإعلانها على الملأ، أو أنها خضعت لأمر واقع أكبر من قدرتها على المواجهة ولا تريد الظهور بمظهر الخاسر.

ينطبق الأمر نفسه على موقف إسرائيل المفاجئ. فقبل إعلان نتنياهو عدم رضى إسرائيل عن الاتفاق، كانت التخمينات تذهب إلى مشاركة إسرائيلية سرية في صياغته، إلى جانب الروس والأمريكيين والأردنيين. ذلك لأنه لا يمكن تصور استبعادها من تقرير مصير منطقة تعتبرها امتداداً لأمن كيانها، من قبل الروس والأمريكيين على حد سواء. لذلك بدت تصريحات نتنياهو مفاجئة، مما اضطر وزير الخارجية الروسي إلى التأكيد على حرص بلاده على مصالح إسرائيل وهواجسها الأمنية.

النظام الكيماوي، من جهته، فضل التزام الصمت الذي يعتبر علامة رضى، في حين فضل حسن نصر الله الاحتفال بتحرير الموصل والاستعداد لخوض معركة جرود عرسال، على التعليق على الاتفاق الأمريكي ـ الروسي الذي من المفترض أنه يعني بصورة مباشرة استراتيجية حزب الله في المنطقة الجنوبية من سوريا التي كان يعول على التمركز فيها تعويضاً عما فقده في جنوب لبنان بعد حرب العام 2006. الأمر الذي لا يمكن لإسرائيل أن تقبل به.

الأسابيع الثلاثة التي انقضت بعد إعلان الاتفاق الأمريكي ـ الروسي، شهدت جملة من التطورات قد تكون كاشفة جزئياً لبعض مضامينه:

توقفت أخبار حملات الميليشيات الشيعية التابعة لإيران باتجاه معبر التنف الحدودي، مقابل تصاعد تحضير حزب الله الأجواء اللبنانية لمعركة جرود عرسال، وكانت بدايتها مع مداهمة وحدات من الجيش اللبناني لمخيمات اللاجئين السوريين، في محاولة لكسب غطاء «وطني» للمعركة القادمة. وهو ما نجح حزب الله في تحقيقه بصورة ملحوظة ومؤسفة. فلأول مرة منذ انخراط حزب الله العسكري في الصراع السوري، يحقق إجماعاً سياسياً لم يحظ به إلا في العام 2000 حين انسحبت إسرائيل، بقرار أحادي، من الأراضي التي كانت تحتلها في جنوب لبنان. مؤسف هذا «الإجماع الوطني» لأنه في الحالتين قائم على أكاذيب: أكذوبة «التحرير» في الحالة الأولى، وأكذوبة محاربة الإرهاب في الحالة الثانية المدعمة بدور مزعوم للجيش اللبناني. لا بد من الإشارة، في هذا السياق، إلى أن «الإجماع» المذكور هو إجماع الطبقة السياسية الحاكمة، أي قادة الطوائف المتحالفة في إطار الحكومة، ولا يعبر بالضرورة عن حالة وطنية عامة. ذلك لأنه تم قمع محاولات التعبير عن رأي عام مخالف لهذا «الإجماع» بشدة بلغت التهديد بالقتل على لسان إبراهيم الأمين رئيس الكتيبة الإعلامية لحزب الله الإيراني في لبنان. فلا يمكن، في ظل هذه الشروط القاهرة، معرفة حجم المعارضة الاجتماعية للحزب الإيراني ودولته في لبنان.

إلى ذلك جاءت مفاجأة ثانية، هذه المرة من القاهرة: اتفاق خفض التوتر في الغوطة الشرقية بوساطة من أحمد الجربا! وذلك بعد مفاوضات في القاهرة بين الفصائل العسكرية المعنية وروسيا، مع غياب تام للنظام الكيماوي الذي «ضمنته» روسيا. يمكن أن نقرأ «دولة الإمارات» بدلاً من أحمد الجربا، بالنظر إلى علاقة متينة بينهما هي التي تمنح الرئيس السابق للائتلاف الوطني المعارض وزنه التمثيلي. ترى هل يمكن القول إن هذا الاتفاق بشأن خفض التصعيد في الغوطة الشرقية هو الحصة التي ارتأى الروسي تقديمها لمحور السعودية ـ الإمارات ـ مصر في بازار تقاسم النفوذ في سوريا المستباحة؟ وهل كان إعلان جيش الإسلام ـ أكبر فصيل عسكري في الغوطة الشرقية ـ عن حل نفسه تمهيداً للانضمام إلى «جيش وطني»، قبيل الإعلان عن اتفاق القاهرة، هو العربون الذي قدمه المحور المذكور لروسيا لإنجاح الاتفاق؟ أما في الشمال، فأبرز التطورات تمثل في حرب جبهة النصرة ضد أحرار الشام في محافظة إدلب ومناطق مجاورة في ريف حلب الغربي وريف حماه الشمالي.

حرب انتهت سريعاً لمصلحة «النصرة» فيما يذكر بسيطرة داعش على الرقة أوائل العام 2014، بعدما كانت حركة أحرار الشام تشاركها في السيطرة على المدينة. قد لا تكون هذه الحرب الفرعية على صلة بتطورات الجنوب، بل مرتبطة أكثر بمسار آستانة وما يحتمل من حصول تركيا، في إطاره، على «الحق» في السيطرة على محافظة إدلب بموافقة روسية.

فإذا أضفنا إلى ذلك، حرب التحالف الدولي ضد داعش في الرقة ومناطق أخرى، بقوات كردية في إطار «سوريا الديمقراطية»، لظهرت أمامنا لوحة من الصراعات المنفصلة بعضها عن بعض، تديرها قوى إقليمية ودولية مختلفة، في مناطق مختلفة مما كان يسمى سوريا. لوحة قاتمة لا مكان فيها لإرادة السوريين.

لكن خياراً آخر لاح كضوء في نهاية النفق المظلم والدامي: بلدة سراقب في الشمال، وسقبا في ريف دمشق، حيث تم انتخاب المجلسين المحليين باقتراع شعبي مباشر. نعم، هناك أمل ما زال.

========================

«أحرار الشام»: على نفسها جنت براقش .. علي العبدالله

الحياة

الخميس 27/7/2017

وقعت حركة «أحرار الشام» ضحية قصر نظر قيادتها في تعاطيها مع التطورات السياسية والميدانية، وانتهازيتها وتكتيكاتها المخاتلة في إدارة الصراع والتنافس مع الأصدقاء، ناهيك بـ «ابتهاجها» بمكاسب ميدانية وتنظيمية ومالية هزيلة جنتها على حساب مآسي أخوة السلاح الذين اضطرتهم التطورات الميدانية إلى قبول حماية «الأحرار» من بطش النصرة أو الاندماج معها بعد هزيمتهم على يد الأخيرة.

لقد اتضح قصر نظر قيادة «الأحرار» وسذاجتها من بداية الثورة حين لم تدرك طبيعة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش»، على رغم المؤشرات الصارخة التي جسدتها عملية الانقسام داخل جبهة النصرة وبروز التنظيم و»فجوره عند المخاصمة»، وفق التعبير الإسلامي التقليدي، فاعتزلت القتال بينه والجيش السوري الحر في الرقة، تحت ذريعة عقائدية: عدم مقاتلة أخوة المنهج، واستمرت على موقفها على رغم قيام «داعش» بإعدام 130 من مقاتليها اعتقلهم وهم يغادرون ساحة المعركة في الرقة، وركونها إلى مصفوفة عقائدية أسمتها «مشروع أمة» لا تنطوي على برنامج محدد بل على عموميات ومواقف نمطية سبق وأطلقتها حركات السلفية العلمية (= النظرية) والجهادية في خططها لإقامة ما تسميه «شرع الله»، في تجاهل تام لطبيعة المعركة والساحة ومستدعياتها السياسية والميدانية.

لم تكتف «الأحرار» بالصمت عن ممارسات النصرة وتدخلها في حياة المواطنين اليومية في المناطق التي تسيطر عليها (إلزامهم بارتداء اللباس «الإسلامي»، منع النساء من السفر من دون محرم، منع الموسيقى والغناء، منع رفع علم الثورة إلخ...)، بل وقفت موقف المتفرج من قيام جبهة النصرة بتصفية فصائل معارضة من الجيش السوري الحر (جبهة ثوار سورية، جبهة حق المقاتلة، عام 2014، جبهة ثبات المقاتلة، ألوية أبو العلمين، اللواء السابع قوات خاصة، حركة حزم، الفرقة 30، عام 2015، تجمع فاستقم كما أمرت، والفرقة 13، عام 2016) أو من الفصائل الإسلامية الصغيرة (جيش المجاهدين وثوار الشام والجبهة الشامية، عام 2017)، والاستيلاء على ما تحت أيديها من أسلحة وسيارات وأموال ومقار، وانتهزت فرصة انهيارها كي تفوز بالتحاق بعض هذه الفصائل، أو بعض من عناصرها، بصفوفها، ولم تجد غضاضة، على رغم كل هذه المؤشرات السلبية، في الدخول في تحالف معها (جيش فتح الشام) ومشاركتها في بسط السيطرة على محافظة ادلب وبلدات وقرى في ريفي حمص وحماة.

لم تدرك قيادة «الأحرار» دلالة التطورات الميدانية، أو تغاضت عنها لاعتبارات عقائدية أو لحسابات خاطئة، وما نجم عن تفكيك جبهة النصرة لعشرات الفصائل، وابتلاع إمكاناتها العسكرية واللوجستية، من توازن قوى يميل لمصلحة الأخيرة، ولا ما ستفرزه من سلبيات عليها، وعلى الصراع في سورية وعليها، حتى بعد أن حاق بها الويل والثبور بانشقاق التيار السلفي فيها والتحاقه بـ «هيئة تحرير الشام» وعمادها «جبهة فتح الشام»، النصرة سابقاً، على خلفية الموقف من مفاوضات أستانة، لعل التيار الإخواني الذي استلم زمام القيادة في الحركة ارتاح لانشقاق التيار السلفي الذي سبق ولعب دوراً معرقلاً أمام تنفيذ طلبات الدول الراعية بالانفصال عن الجماعات المتطرفة وتعديل الخط السياسي باستبدال توجه وطني سوري بالتوجه الإسلامي، فكانت النتيجة ما حصل في الأيام القليلة الماضية من قتال راح ضحيته بحدود المئة مواطن بين عسكري ومدني، وخسارة «الأحرار» لأكثر من ثلاثين بلدة وقرية، ناهيك بخروجها من مدينة إدلب، مركز المحافظة، والتحاق بعض ألويتها بهيئة تحرير الشام، قاطع البادية ولواء الفتح كفرنبل، وتنازلها عن إدارة معبر باب الهوى الذي كان يدر عليها أموالاً طائلة من الضرائب التي كانت تفرضها على المواد الغذائية الآتية إلى الأراضي السورية من تركيا.

========================

في معاني التحاكي بين التجربتين السورية واللبنانية .. منير الخطيب

الحياة

الخميس 27/7/2017

تبحث الإرادات الدولية النافذة في الوضع السوري عن صيغ للحل تبتعد، وفقاً لما هو معلن، عن فكرة الدولة المركزية، لمصلحة تصدّر صيغاً من «الفدرلة» أو «اللامركزية الموسعة»، تستلهم، إلى حدود كبيرة، روح تجربة «التحاصّ الطوائفي» اللبناني.

أي أن تجربة «الدولة التسلطية» في سورية التي اعتقلت ممكنات الاندماج الوطني طيلة خمسة عقود، واشتغلت بعد قيام الثورة عام 2011 على تفكيك «الاجتماع الوطني» الرث أصلاً، واستقدام القسم المتأخر من «المجتمع السوري» بتعبيراته الفصائلية، لخنق القسم الأقل تأخراً بالتكامل موضوعياً مع نهجها الأمني الاستبدادي، تسيل حالياً باتجاه قيام نظام ينطوي على شكل من أشكال المحاصّة بين هويّات طائفية وإثنية، مقترباً من حيث المضمون من النموذج اللبناني. هذا فيما يعمد «حزب الله» داخل نظام المحاصّة الطائفي اللبناني إلى استلهام مضامين «الدولة التسلطية» في سورية، على خلفية تغيّر موازين القوى بين الطوائف اللبنانية، واحتكاره السلاح وقرارات السلم والحرب وتدخله العسكري في سورية، وانتفاخ دوره الإقليمي تحت الإشراف الإيراني. وهو يتّجه إلى تعميق انفصاله عن بقية الطوائف اللبنانية، وذلك بتعالي بنيته الأمنية / العسكرية وتضخمها وانفصالها عن «المجتمع اللبناني»، وتحوّلها إلى مصدر من مصادر استلاب اللبنانيين واغترابهم عن ذواتهم الإنسانية، فضلاً عن تحوّل الطوائف اللبنانية وتعبيراتها السياسية والاجتماعية إلى مجرد «أحزاب جبهة وطنية تقدمية» ملحقة طوعاً أو كرهاً بتلك «البنية الحزبية التسلطية»، وإحالة اعتراضات بعض الأطراف الداخلية اللبنانية على سياسات الحزب إلى مجال اللافاعلية واقعياً.

يشير هذا التحاكي في نتائج تجربتين مختلفتين طيلة عقود إلى تماثل في الماهية العُليا الحاكمة على مجريات الحياة الظاهرية التي تبدو مختلفة بينهما، ويقف تشابه الماهية تلك في خلفية تحول «نظام تسلطي» مغرق في المركزية والشمولية، بعد خمسين عاماً من التسلط، إلى تلمس شكل من أشكال التحاصّ الطائفي والإثني بعد انهيار «الاجتماع السوري»، الذي كان موضوعاً للاستبداد، ويقف أيضاً في خلفية ذاك النهج التسلطي السافر، الذي يستطرد «حزب الله» في فرضه على اللبنانيين، بعد سبعين عاماً من تجربة المحاصّة الطائفية، التي تسيل أيضاً باتجاه مقاربة النموذج التسلطي السوري.

ومن معاني تحاكي نتائج التجربتين أيضاً:

أولاً، انشغال الرأي العام في كلا البلدين طوال عقود بمسائل ذات طابع أيديولوجي، ما فوق وطنية أو ما دون وطنية، أدخلت «المجتمعين» في صراعات دافعة باتجاه انحداري معرفياً وأخلاقياً وثقافياً ومجتمعياً، فيما ظلت التناقضات الدافعة باتجاه التقدم التاريخي مركونة على الهوامش، كالتناقض بين الهويّة والحرية، أو بين الحداثة والـتأخر، حيث حجبها ضجيج اجترار الكلام الفاقد المعنى.

ثانياً، عمّم النظام السوري خلال اجتياحه لبنان أدلوجة «شعب واحد في دولتين»، كما يعمّم «حزب الله» حالياً أدلوجة «دخلنا إلى سورية لكي نحمي ظهر المقاومة». وفي مواجهة هذا الخلط الرديء في وصل البلدين القائم على مصالح فئوية وهوويّة، ينبغي تأكيد الفصل بين «الشعبين والمجتمعين والدولتين» من أجل وصل قائم على مبدأ الحرية. فالسوريون واللبنانيون شعبان مختلفان في دولتين مختلفتين، لكن قضاياهما المستقبلية المتصلة بتحررهما من الهويّات والتأخر هي قضايا مشتركة ومتصلة وواحدة، فهما «شعبان مختلفان وقضاياهما واحدة»، ويحتاجان إلى الحرية والديموقراطية والعلمانية والأمويّة (من أمّة) وإلى إقامة الحد على «أدلوجة المقاومة» وتفكيكها منطقياً وأخلاقياً ووطنياً، ويحتاجان أيضاً إلى نمو في حيثية الكلي في مواجهة تسلطن الفئوي والجزئي، وإلى الفكر الذي يرفع لواء الكليات، (إنسان، مساواة، عدالة، حرية، قانون، دولة، أمة، شعب...)، في مواجهة التخلّع المجتمعي و «الخلاعة الأيديولوجية».

ثالثاً، استقدمت التجربتان إلى بلديهما مختلف أنواع التدخلات الخارجية، بدوافع المصالح الحصرية المتعارضة مع المصلحة الوطنية العمومية، وبالتالي ساهمتا في انحدار البلدين إلى حضيض البلد- الساحة، فغدت سورية كلبنان ساحة صراع قوى دولية وإقليمية، وتراكبت تلك الصراعات مع الانقسامات المجتمعية الداخلية، فأصبح الخروج من هذا الحضيض مهمة تاريخية مشتركة بين الاستقلاليين اللبنانيين والسوريين.

رابعاً، إن التهديد الذي وجهته أوساط «حزب الله» إلى المثقفين اللبنانيين الذين وقّعوا مؤخراً على بيان التضامن مع اللاجئين السوريين في لبنان، يعيدنا بالذاكرة إلى إعلان «بيروت – دمشق» الذي وقّع عليه مثقفون لبنانيون وسوريون، وقامت السلطات السورية حينذاك باعتقال عدد من الموقّعين، وفصل عدد آخر من وظائفهم. وهذا يدلّل على أن قوى الاستبداد والتأخر في البلدين تعمل في اتجاه واحد، وقوى الحرية والحداثة تعمل في اتجاه معاكس وواحد أيضاً.

بكلام مختصر: إن هاتين التجربتين، على رغم اختلافهما ظاهرياً، قامتا على مبدأ الهوية غلبةً أو محاصّةً، وجرّتا كلا البلدين إلى نتائج متهاوية في كارثيتها، ولم يعد ممكناً إيقاف مسارات الانحدار الراهنة التي تعصف بأسس الحياة الآدمية في البلدين، إلا بالخروج مبدئياً ونهائياَ من سجون الهويّات إلى رحاب الحرية المرتبطة بفكرة الماهية الإنسانية كماهية كلية حاكمة على كل الانتماءات الأخرى.

========================

الشام بين ثورتي الثمانينيات والآن.. د. أحمد موفق زيدان

العرب

الاربعاء 26/7/2017

خلال ثلاثة عقود شهدت الشام ثورتين عظيمتين لإسقاط العصابة الطائفية التي اختطفت الشام ومسارها، ومع أن ثورة الثمانينيات تميزت بنخبوية عملها، كما تميزت العصابة الطائفية بالافتقار إلى البعد الطائفي الإقليمي والدولي الذي مكنها من الصمود أمام ثورة شعب بكافة شرائحه وأطيافه، إلاّ أنها زادت على ذلك كله بقدرتها على حشد قوى دولية روسية وأميركية وغربية بدعم سرديتها، فداست تلك القوى على كل شعاراتها، وجلبت كل ما تملك من خيل القوة والبطش لإخماد ثورة الشام الحالية...

ينقل عالم الاجتماع والسياسة الفرنسي المعروف ميشال سورا، والذي لقي مصرعه على أيدي خاطفيه من حزب الله عام 1984 بدعم وتوجيه من حافظ الأسد، نظير تشريحه للنظام السوري يومها، ينقل عن الأخير قوله بعد أحداث حماة، إنه لا بد من توفير دعم لبقاء النظام السوري، دعم يمتد من دمشق إلى بيروت فطهران فباكستان لمواجهة الثقل السني مستقبلاً في حال انتفاضه، ويبدو أن حافظ وضع المداميك الحقيقية لهذا الحلف، فكان أن أثمر إجراماً وحقداً وبطشاً على الشاميين في ثورتهم الحالية..

تميز شباب الثمانينيات من الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين الذين كانوا رأس الحربة في قتال العصابة الطائفية بذكاء وفهم واقعيين، مع الابتعاد عن طرح تفاصيل مشاريع لا تخدم إسقاط العصابة الطائفية، فكان أن ضمت تشكيلاتهم السلفي الجهادي مع الصوفي وما بينهما، وعلى الرغم من كل الخلافات التي كانت تعتمل بينهم وبين الإخوان المسلمين إلا أنهم حرصوا كل الحرص على دفنها وعدم إظهارها للعلن، أملاً في حشد كل الطاقات من أجل إسقاط العصابة الطائفية، وقد تجلّى ذلك بكل وضوح في افتقارهم إلى المشروع السياسي، إذ إنهم على ما يبدو آثروا أن يكونوا مشروعاً عسكرياً تاركين لغيرهم المشروع السياسي...

يصدر أخيراً كتاب مميز بعنوان «على ثرى دمشق» لكاتبه المهندس أيمن الشربجي، والذي كان مسؤولاً لتنظيم الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين في دمشق حتى عام 1987 يشرح فيه ما حصل في تلك الفترة، والخلافات بينه وبين الإخوان المسلمين، ويؤكد ما ذهبنا إليه من أنهم لم يودوا طرح خلافاتهم وسط صراعهم المرير مع عصابة طائفية يعرفون أن أي صراع هامشي مع غيرها سيضعفهم ويقويها...

كل من شارك في مفاوضات 1984، ومفاوضات 1986 من الإخوان المسلمين مع العصابة الطائفية التي قادها يومها علي دوبا وحسن خليل يؤكد أن هذه العصابة لا يعنيها شيء سوى بقائها على جماجم الشاميين، وبالتالي فكل من يفاوض الطائفيين اليوم ينبغي أن يعرف ذلك، ويعرف أن مصيره سيكون أسوأ من مصير صائب عريقات وحنان عشراوي، فالعصابة الطائفية لن تكون إلاّ أسوأ من الصهاينة في ممارساتها العسكرية كما في الممارسة السياسية...

أخيراً ثورة شعب انتفض ضد عصابة طائفية مدعومة من كل أشرار الأرض، يليق بها أن تبقى كذلك، وحري بكل الفصائل والكتل أن تتقي الله في دماء من سكبت ومن ستسكب في المستقبل، وتترفع عن كل الجراحات والمصالح الفئوية الضيقة من أجل دماء شهداء وأنات ثكالى وأيتام.;

========================

عرض مفتوح لميثاق تصالحي يحقن الدماء .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

23/7/2017 

بسم الله الرحمن الرحيم

عرض مفتوح لميثاق تصالحي يحقن الدماء

إلى قادة الفصائل المقتتلة في زمن الثورة الصعب...

نذكركم الله ، والعهد الذي أخذ عليكم ، والأمانة التي حملكم ،وندعوكم إلى التي هي أحسن وأجمل ، للصلح واللقاء عبر هذه النقاط :

أيها الأحوة والأبناء

نحن نقدر جهدكم وجهادكم وتضحياتكم ..

ونود أن نعلمكم بأن وطنكم وشعبكم وثورتكم بأشد الحاجة في هذه الظروف العصيبة إليكم ..

وأن ما تفعلونه بأنفسكم ، لا يفعله العدو بعدوه ، وهو خذلان لشعبكم ولثورتكم ، فعل يدمي قلوب المؤمنين، ويؤذيهم ، ويشمت الأعداء فيهم وفيكم ويوهن من عزائم أبناء شعبكم وعزائمكم ..

وأننا نتفهم أن لاختلافاتكم وتخوفاتكم أسبابها ودواعيها ومستعدون للتعامل معها ودراستها دراسة موضوعية ومراعاتها ، واقتراح الحلول العملية لها ، الحلول التي تجنبكم إثم الاقتتال ، وتجنب شعبكم تداعياته ..

يقوم هذا الغرض على أن يختار كل فصيل منكم ثلاثة رجال من حكماء سورية ورجال الرأي والمشورة والعلم وأهل الثقة عندكم ..

ثم أن تفوضوا إلى هؤلاء الرجال مجتمعين دراسة المشكلات ، واقتراح الحلول ، وإقرار المواثيق التي تحقن الدماء ، وتضع القواعد للتعاون والتنسيق واستئناف المسير ..

عرض مجرد عن الغرض ، يراد به وجه الله تعالى ، وحقن الدماء ، وفتح الآفاق ولكم على كاتب هذا العرض أن يكون منسقا وميسرا ثم لا يكون له من أمر هذا العرض شيء ...

" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ "

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

=================================

استعراض ديمقراطي على أشلاء السوريين .. كاظم البرجس

العربي الجديد

الاربعاء 26/7/2017

من المشاهد التي لن ولم ينساها السوريون، حين قال بداية الثورة عام 2011، أحد أعضاء ما يسمّى مجلس الشعب لبشار الأسد: "أنت قليل عليك سورية، يا سيادة الرئيس، أنت يجب أن تحكم العالم". كان ذلك بمثابة شكر لبشار، لأنّ قواته حينها تسوم أهل درعا سوء العذاب.

هذا هو المجلس الذي يصح تسميته بأي شيء، عدا أن يكون مجلس الشعب المفترض أن يمثل السوريين، ويجد حلا لأمورهم المعيشية المستعصية في نفق الوعود والتسويف، أما الخوض في مسائل السلم والحرب وسحب الثقة عن منصب رئيس الجمهورية (كما هو وارد في ميثاق المجلس) فهي من ضروب الخيال.

ربما سيفتح السوريون دفتر بؤسهم، ويضيفون إلى جانب عبارة "أنت قليل عليك سورية"، أنّ المجلس التأم، أخيرا، وأجرى مسرحية حاول خلالها الاستعراض الديمقراطي، فأعلن إقالة رئيسته هدية عباس، وتكليف المخرج نجدت أنزور بمهامها ريثما ينتخب رئيسا جديدا له.

وحسبما جاء في بيان المجلس: "استنادا إلى المبادئ الديمقراطية المصانة في دستور الجمهورية العربية السورية فقد تقدم 164 عضواً من أعضاء المجلس بطلب إعفاء رئيسة المجلس من منصبها، وبناء عليه انعقد المجلس.. برئاسة نجدت اسماعيل أنزور نائب رئيس المجلس وحضور أغلبية الأعضاء تم فيها عرض طلب الأعضاء الـ 164 ويصدر قراراه بإعفاء الدكتورة عباس من منصبها رئيسا للمجلس، وذلك بإجماع الحضور".

طالب المجلس الذي بين أعضائه فنانون، كزهير رمضان وعارف الطويل وتوفيق إسكندر، بإبادة كل معارض للنظام، ومنهم الأخير توفيق اسكندر الذي ترك التمثيل، وانضم إلى صفوف الشبيحة لقتل السوريين.. أضافوا، في تصريحات لوسائل إعلام الأسد: "سبب إقالة عباس لأنها غير ديمقراطية وتعمل على قمع الأعضاء ولا تسمح لهم بالنقاش"! من دون تحديد مفهوم الديمقراطية والقمع، طالما أنّ بشار قتل وهجّر ملايين السوريين الذين قالوا له ارحل، أم أنّه تشابه القمع عليهم!

ربما يسأل كل ذي لب: هل هذا هو المجلس الذي وقع اتفاقية الجلاء مع فرنسا عام 1945، بعد الاحتجاجات العنيفة آنذاك، والتي دفعت الفرنسيين إلى قصف المجلس بالمدفعية الثقيلة، واحتلال مبناه، بعد أن رفض شرطة المجلس أداء التحية للعلم الفرنسي.

لم يكن تعيين هدية عباس منذ عام تقريبا سوى رسالة من النظام للمجتمع الدولي أنه يمنح المرأة مناصب قيادية، لكن سرعان ما انتهت تلك التمثيلية بطريقةٍ تراجيديةٍ، تلخص حال المجلس الذي تعيّن مخابرات الأسد أعضاءه ليكونوا أداة طيّعة بيد الأسد، ويتفنّنوا بالعروض الهزلية، بدءا من تغيير الدستور في خمس دقائق كي يتلاءم ومقاس الرئيس الصغير بعد وفاة أبيه عام 2000، وليس انتهاءاً بتعيين نجدت أنزور لإخراج لعبة الكومبارس، ولن يتعدّى دورهم في الحالتين التصفيق والهتافات لبشار الأسد، وربما تتخلّل ذلك فواصل قصيرة، تناقش أمور المواطن، كالمطالبة بتحديد دين اللقيط، كما طالب بذلك نبيل الصالح.

لأول مرة، يجتمع السوريون، بمن فيهم الموالون، على شعور جامع ضد النظام، وهو السخرية من مجلس صوري ليس أنزور وعباس وأعضاؤه إلا أحجار شطرنج بيد بشار الذي هو الآخر دمية بيد مافيا المحتل الروسي.

========================

هم لا يقاومون غير الحرية .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاربعاء 26/7/2017

ليس هناك من خديعةٍ مرّت علينا، وكانت أشد إضرارا بمصالحنا وقضايانا من أكذوبة المقاومة والممانعة التي لعبت أخطر الأدوار في حفر وتعميق الهوة بين العرب، وفي شقّهم إلى معسكرات متعادية باسم تحرير فلسطين تارة، وحتمية المعركة وفوريتها ضد العدو الصهيوني تارة أخرى، بينما كانت الحقبة تتطلب توافقاتٍ وطنيةً وقوميةً تجسّر غربة النظم عن شعوبها وقضاياها، وخلافاتها وتناقضاتها البينية، وتقرّب أطراف الجسد العربي الرسمية والشعبية بعضها من بعض، عبر حوار شفاف، صريح ومفتوح بين النظم، وأقنية وحدود مفتوحة بين شعوبها.

هذا الحوار الذي أحلت دول المقاومة والممانعة محله تباعدا غذّته سياساتٌ ذات ارتباطات خارجية وداخلية استبعادية الطابع، فوّت غيابه فرص وصول كل بلد وشعب في المنطقة إلى مشتركاتٍ، تنتجها توافقات حرة ومصالح عليا موحدة، يمكن في حاضنتها بلورة آليات تعين سبل الالتزام بها ومداه، وتحدّد المهام اللازمة لتحقيق أهدافها في أمد قريب ومتوسط وبعيد، والعمل الضروري لبلوغها ومراحله المتعاقبة والتدرّجية، وصولا إلى تكريس بيئة وطنية وقومية، تهمش خلافات النظم العربية وتناقضاتها أو تزيلها، وتوجه جهودها بالتكامل الضروري نحو حماية الذات وردع العدو، وتطبيق القرارات الدولية حول دولة فلسطين العربية، كما رسمها قرار التقسيم بأرضها التي تبلغ نيفا وخمسة وأربعين بالمائة من مساحة فلسطين الكلية .

بدل حوار التوافق الوطني والقومي، الداخلي مع الشعب، والخارجي مع المجال العربي، قامت الممانعة على مقاومة هذا النهج الذي استبدلته بتخوين حكام معظم البلدان العربية، وبشحن العالم العربي بتناقضاتٍ وانقساماتٍ جديدة، طائفية ومذهبية أساسا، غذّتها بكل ما من شأنه إدامتها وتمكينها من تفجير مجتمعاتها، ونقل علاقاتها من حال سلمية وباردة إلى طورٍ عنيفٍ وحربي الاحتمالات، روّجه بالأمس حافظ الأسد وحزبه، ويروّجه اليوم حسن نصر الله في كل ما يقوله ويفعله، فلا عجب أن عداءه للعرب صار أشد حدّةً وراهنية من عدائه إسرائيل. وللعلم، فإن

"ها هم أبطال المذهبية يخوضون حربا شاملة ضد شعوب أربعة بلدان في المشرق" الأسد الأب لم يكن يذكر إسرائيل، إلا عندما يجري ديماغوجيا المقاومة والصمود على لسانه، كما لم يأمر يوما بوضع خطط عسكرية طويلة الأمد، قابلة للتطبيق ضد محتلي الجولان، بينما تركّز عنتريات نصر الله أكثر فأكثر على حربه الإلهية ضد السوريين والعرب، حتى غدت خطبه، سيئة الإخراج، مجرد تفوّهات ناقمة تطفح بالحقد واللؤم ضد "شعب سورية التكفيري": ضحية حزبه الذي ينقل معارك المقاومة والممانعة من العلاقة مع عدو إسرائيلي، يحتل مناطق لبنانية حساسة إلى علاقات العرب التي لم تكن يوما أشد تمزقا وتناقضا منها اليوم، حتى ليطرح نفسه السؤال: إذا كانت الممانعة والمقاومة تسكن وتحيد جبهاتها مع إسرائيل وتفتحها وتسخنها مع العرب، فلماذا تعتبر ممانعة ومقاومة، وما هي وظيفتها الحقيقية في بلداننا؟ ومن يقارن "ممانعة" حزب الله حيال العدو الإسرائيلي بمقاومته الثورة السورية يجد أن الأولى كانت في أوجها متقطعة ومحدودة زمانيا ومكانيا، وأنه استخدم فيها عددا محدودا من المقاتلين، فترة قصيرة جدا في أغلب الأحيان. لذلك لم تكن تنجح في تحرير أراضي لبنان المحتلة، لكنها أدت، في المقابل، إلى سيطرته الكاملة على لبنان، دولة ومجتمعا، وحوّلته دولة تحتلها إيران، في حين تدخل مقاومته للثورة السورية التي ترجمها إلى عدوان شامل على كل فرد وبيت في سورية عامها الخامس، من دون أن يتوقف دقيقة عن قتل مواطنات ومواطنين، لطالما اعترف نصر الله بارتباط "مقاومته" بدعمهم، قبل أن يغير رأيه وموقفه بأوامر من "المرشد" الإيراني خامنئي، عدو السوريين والعرب، الذي لا يرى من ثلاثة وعشرين مليون مواطن سوري غير غاصب السلطة فشار الأسد، ولا يهمه غير خلفيته الطائفية، المتفقة مع مذهبية طهران والمتقاطعة معها. لذلك، ليس تشدّق المرشد، وتابعه اللبناني، بفلسطين غير مادة تسوّق من خلال أكاذيبها الفاقعة سياسات حجبت حقائق كشفتها الثورة لحسن الحظ، هي أن التقاء مذهبية الملالي وطائفية الأسدية قصم ظهر أية مقاومة سورية لاحتلال الجولان، وأحبط أي سعي سوري لتحرير أرض الجولان من الصهاينة، وفبرك بدلا منها عمليات حزب الله المتقطعة والمحدودة التي لا علاقة لها إطلاقا مع الجولان، واتسمت غالبا بطابع تهويلي، فضحته تهويمات نصر الله الإلهية، ومساعيه لاستثمار أية رصاصة يطلقها مرتزقته في سورية والعراق واليمن إلى القضاء على المطالبين بحريتهم، وما أنتجه تاريخ طويل ومشترك من علاقات طبيعية بين العرب، ولصالح إيران الملالي: الدولة التي يحتل جيشها أراضي عربية في الأحواز، ويستولي، بمعونة مرتزقتها العراقيين والسوريين واليمنيين واللبنانيين، على السلطة في هذه البلدان جميعها، ويهدّد البحرين والكويت، ويعلن تصميمه على إلحاق المشرق العربي وبلدان الخليج بإمبراطورية فارس الشيعية التي يعتبر مسؤولوها البلدان سابقة الذكر محافظاتٍ إيرانية هي جزء تكويني من دولتهم، أما الفضل في ذلك فيعود إلى احتلالها بقوة "المقاومة"، بينما ترتع الصهيونية بالأمان في فلسطين والجولان وتلال شبعا ومزارع كفر شوبا، وتسدّد الضربة تلو الأخرى، في سورية ولبنان، لقتلة السوريين باسم الممانعة والمقاومة، ولا تتوقف عن تذكيره بقدرتها على إلزامه بسياساتٍ منخفضة السقوف تمنعه وطهران من تخطيها!

بدأت أكذوبة المقاومة بشق العرب، وها هم أبطال المذهبية يخوضون حربا شاملة ضد شعوب أربعة بلدان في المشرق واليمن، ثم لا يخجل نصر الله وفشار الأسد من الحديث عن المقاومة، كأن الجولان ليس محتلا بسبب انعدام المقاومة الأسدية لاسرائيل منذ خمسين عاما، وحزب الله لم يدخل الزمن الجولاني/ الأسدي منذ نيف وعشرة أعوام لم يرم خلالها وردة على المحتل الإسرائيلي لجنوب لبنان، أو كأنه لم يحول وجهة مقاومته من إسرائيل إلى العرب عامة وسورية خاصة، ولم يقتل ألف عربي مقابل كل إسرائيلي سقط على يديه، ولا يقاوم المطالبين بالحرية، والمناضلين في سبيلها من السوريين خصوصا الذين غزاهم نصرالله بذرائع مذهبية، كسخافة حماية "زينب" من سبي جديد، كأن امرأة فارقت الحياة قبل قرابة 1500 عام يمكن أن تسبى بعد أن غدت عظامها مكاحل، حسب قول العامة، أو كأن هذه الحجة لا تطرح السؤال الخطير بشأن قدرة الكلمات والتهرية على تحويل غزو مذهبي لشعب سورية إلى عمل من أعمال المقاومة؟ وهل سبق لغزو مذهبي، تكمن وراءه دوافع طائفية، أن أنتج غير حروب أهلية ودينية، يقتل فيها الأبرياء والآمنون، ولا تؤذي ذبابة للعدو؟

بغزو حزب الله سورية، وحرب الأسد على شعبها، واختراق إيران العالم العربي، انتقلت منطقتنا إلى حقبة ما بعد الصراع ضد الاحتلال الإسرائيلي للجولان ولأراضي لبنان وفلسطين، فهل هذا مقاومة أم هو إنجاز نوعي، لا يستهان به إطلاقا من إنجازات حزب الله والأسد 

"شحنت هذه "المقاومة" العالم العربي بتناقضاتٍ وانقساماتٍ جديدة، طائفية ومذهبية" وإيران الإسرائيلية، بدل معنى ومبنى المقاومة ممارسة تحرّرية، تعتمدهما الشعوب والأمم المحتلة، أو المدافعة عن كيانها واستقلالها، ضد غازٍ أجنبي، وأحل محلها "مقاومة" عائدها الوحيد تمزيق حملة المقاومة وتدميرها: أي العرب شعوبا وأمة، فلا عجب أن صارت مقاومة نصر الله ومرتزقته محط ترحيب العدو، وسخرية من يستمعون إلى خطبه أو يشاهدونه محتقن الوجه، وهو يهدّد... السعودية وبلدان الخليج، وكل من يمكن أن تصل أيديه إليه في العالم الفسيح، ويعلن بتبجح انتصاراته على "شعب سورية التفكيري"، تحت غطاء أكذوبة مرّروها علينا وسمّوها "المقاومة والممانعة"، لحسن نصر الله امتياز فضح حقيقتها الخفية كحروب مذهبية، يخوضها تستهدف المقاومة، بمعناها المجتمعي ثورة على الطغيان والوطني، وحربا ضد الاستعمار الداخلي/ الأسدي، يخوضها بتضحياتٍ لا توصف أولئك الذين طحنهم القمع والفساد الطائفي وأفرغ حياتهم من أي معنى في سورية، لو كان لدى المرتزق الإيراني ذرة حس أو فهم لأدرك أن من أنزلهم إلى الشوارع هو تجبر الأسدية وفسادها وطائفيتها، وأن هدفهم الوحيد كان استعادة حريتهم وحقهم في الحياة من حكام قتلة قرّروا مقاومة "أي تغيير أو إصلاح لأوضاع اعترفوا هم أنفسهم أنها صارت لا تطاق، وأغرقوا بلدهم ببحار من دماء مواطناتهم ومواطنيهم، بمعونة مرتزقة المذهبي الأعنف والأكثر إجراما في منطقتنا كلها، حسن نصر الله، الذي لا بد أن تشعر إسرائيل بامتنان خاص له، بسبب مقاومته وممانعته، ولا يستبعد أن تمنحه في زمنٍ آت وسام خادم الصهيونية الأول: اعترافا منها بإنجازات مقاومة يتشدّق بها، لم تفكش منذ عقد إصبع جندي إسرائيلي في لبنان المحتل، وفتكت بعشرات آلاف السوريين، ودمرت ما فوقهم وما تحتهم.

هل يستطيع نصر الله أن يشرح لنا لماذا أحجمت إسرائيل إلى اليوم عن افتراس نظام صار لقمة سائغة، بعد أن ثار شعبه عليه، وأوصله إلى مشارف الهزيمة مرتين، إن كان نظاما مقاوما سيطردها من الجولان ذات يوم؟

========================

الانتقال السياسي في سورية وشرعية الأسد .. حسين عبدالعزيز

الحياة

الاربعاء 26/7/2017

لا يحاول هذا المقال تقديم أجوبة عن أسئلة تبدو مستعصية وشائكة، وإنما يهدف إلى طرح إشكالية سياسية مربكة. إنها مسألة مصير الأسد وشرعيته في حكم سورية.

هي إشكالية ظل السوريون يتعاملون معها من منطلق وجداني وفق رغباتهم الشخصية وخيالهم الاجتماعي، لا من منطلق سياسي، والفرق بين الحالتين كبير، الأولى تبنى على القناعة والمصلحة الخاصة، في حين تبنى الثانية على المعرفة وفن الممكن.

ولهذا انقسم خطاب السوريين الاجتماعي - السياسي حيال الأسد بين حدين متطرفين: الأول يجعله حاجة لا غنى عنها، فتصبح المعادلة لا مكان لسورية من دون الأسد، والثاني يحمله المسؤولية المباشرة عن الأزمة، وبالتالي يرى أن لا مستقبل لسورية بوجوده.

هكذا انقسم الشعب السوري بين مفهومين للشرعية، لكن هاتين الشرعيتين ظلتا نظريتين، أي لا تأثير لهما عملياً على بقاء الأسد أو عدم بقائه رئيساً.

إن أحد أهم خصوصيات الأزمة السورية أنها تجاوزت هاتين الشرعيتين، فنشأت شرعيات فرعية تبدو أكثر واقعية، مثلما يحدث في المناطق الكردية، حيث نشأت شرعية لدى السكان الأكراد بحكم «حزب الاتحاد الديموقراطي»، ونشأت شرعيات دينية متعددة، سواء في بعض مناطق المعارضة أو مناطق «داعش»، وإن بدرجات، ونشأت شرعيات وطنية في مناطق سيطرة المعارضة.

السبب الرئيسي في تعدد هذه الشرعيات يعود إلى عاملين رئيسيين: الأول أن الصراع في سورية ليس قائماً على بعد واحد، بقدر ما هو متعدد الأبعاد (سياسي، أيديولوجي، طائفي، إثني، اقتصادي، طبقي). والثاني استمرار شرعية الأسد أمام المجتمع الدولي، وخصوصاً لدى المؤسسات والمنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة.

هذا السبب الثاني هو في غاية الأهمية، إذ أن منح المجتمع الدولي الأسد شرعية واقعية، بغض النظر عن كونها شرعية دستورية / قانونية أم لا، وبغض النظر عن مواقف العواصم الدولية منه، دفع الأطراف الداخلية للبحث عن مساراتها الشرعية.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا لم يحاول المجتمع الدولي وتحديداً الولايات المتحدة إضعاف شرعية الأسد وتقوية شرعية المعارضة على سبيل المثال؟ لا يتعلق الأمر بما يتم تداوله إعلامياً من عدم وجود بديل عن الأسد، فلو أرادت الولايات المتحدة تكوين معارضة فاعلة قوية قادرة على الحكم لفعلت، ولو أرادت إسقاط الحكم كما فعلت في العراق لفعلت، ولو أرادت إسقاط الدولة وإغراق البلاد في فوضى عارمة لفعلت.

خصوصية سورية تجعل التعامل مع أزمتها مختلفاً عن بقية بلدان الربيع العربي، وليس الأمر مرتبطاً بالجغرافيا فحسب، وإنما ببنية الحكم القائمة.

وخصوصية الأسد كانت في عقل صناع القرار داخل الولايات المتحدة، الذين كانوا أكثر فهماً للحالة السورية من السوريين أنفسهم ومن دول المحيط العربي والإقليمي.

يتكون نظام الحكم في سورية من شبكة فوق طائفية أو عابرة للطوائف، لكن في قلب منظومة الحكم هذه تقع السلطة العلوية، ولذلك كانت ولا تزال أهم مناصب الدولة القادرة على إحداث الفرق بيد العلويين، وفي قلب منظومة السلطة العلوية يوجد الأسد.

بعبارة أخرى، إن إسقاط المنظومة الحاكمة العلوية وغير العلوية لن يؤدي إلى إسقاط الأسد، والعكس هو الصحيح، فإسقاط الأسد سيؤدي إلى إسقاط كامل للنظام بكل أبعاده الطائفية بما فيها العلوية، وسيجد العلويون أنفسهم في أتون حرب شرسة للسيطرة على الحكم، فما يوحد منظومة الحكم العلوية هو الأسد، وما يجعل كثيراً من الطوائف الأخرى وجزء مهم من السنّة متماسكين هو الأسد، لا المنظومة الحاكمة التي يقع العلويون في القلب منها، وهذه الخصوصية السورية تعتبر استثناء عربياً.

هذه المعادلة هي التي جعلت المجتمع الدولي يركز على الشرعية الخارجية للأسد أكثر من شرعيته الداخلية، لأن نزع الغطاء الشرعي الدولي عنه، يعني إسقاط النظام، بالتالي إسقاط الدولة، وهذا خط أحمر دولي.

بالتالي فما جرى في بعض الدول العربية مثل مصر واليمن، لا يمكن أن يحدث في سورية، فالضغط على النظام لإبعاد الرئيس حالة لا تصلح في سورية، وما يصلح هو العكس: الضغط على الأسد لإسقاط النظام، وهو ما يتم العمل عليه بين الولايات المتحدة وروسيا، وعلى المعارضة السورية أن تعي ذلك، وتخرج عن خطابها الميتاواقعي، فلا مجال لعملية انتقال سياسية من دون الأسد.

لا يعني ذلك أن الأسد سيبقى رئيساً للبلاد إلى أجل غير مسمى، فهذا الأمر لم يعد واقعياً بعدما وصلت الأزمة إلى ما وصلت إليه، وإنما يعني أن التغيير سيتم بوجود الأسد وفق أسس دستورية وقانونية مختلفة عن الواقع الحالي، ووفق معايير دولية وإقليمية.

========================

في الثورة السورية والمراجعة وثقافة المسؤولية .. برهان غليون

العربي الجديد

الثلاثاء 25/7/2017

منذ الأشهر الأولى للثورة السورية، وفي مواجهة التصعيد غير المتوقع وغير المسبوق في العنف الذي واجه به نظام الاحتلال الداخلي التظاهرات السلمية، تبلورت في صفوف النشطاء والمثقفين الموالين للثورة، بشكل عفوي، استراتيجية جوهرها المراهنة على تفعيل التضامن الدولي مع قضية الشعب السوري، والضغط على الأمم المتحدة ومنظماتها الإنسانية والدبلوماسية، لتطبيق ما تنص عليه مواثيقها في ما يتعلق بحماية المدنيين، بما في ذلك، وفي مقدمه، حق التدخل الإنساني. وللرد على هذا الرهان وتطويره، قام المجلس الوطني الذي ضم أغلب قوى المعارضة المنظمة أو شبه المنظمة، وجعل محور نشاطه العمل على كسر جمود الموقف الدولي، وعزل النظام القائم سياسيا ودبلوماسيا، وتكثيف الضغوط المختلفة عليه، لوقف القتل المنظم والقبول بعملية الانتقال السياسي. لكن ليس هناك أي شك في أن الثورة والمعارضة منيا بخيبة كاملة على هذا الصعيد.

وهكذا، بعد فشل الضغوط السياسية الداخلية والدولية، تفجر القتال في مواجهة الحرب الرسمية التي أعلنها النظام على المجتمع بأكمله، وليس فقط على الثوار. وبعد سنواتٍ من القتال المرير، وحصول التدخل الدولي الرسمي، ممثلا بالغزو الإيراني والاحتلال الروسي، وغير الرسمي الذي مثلته السلفية الجهادية، وفشلنا في إسقاط النظام بالقوة، سلمنا بأن الحل أصبح رهين التفاهم الدولي الروسي الأميركي. ولم يتأخر الوقت حتى اكتشفنا، في الواقع من دون مفاجأة، حقيقة النوايا الروسية والأميركية، واستهتار موسكو وواشنطن بمصير السوريين، وتركيزهما على الحرب ضد الإرهاب الذي يخشون انتقاله إليهما، وفي موازاة ذلك التوافق على تقاسم المصالح والنفوذ في بلادنا، إن لم يكن تقسيمها لضمان أهدافهم الاستراتيجية.

ومن الطبيعي أن يقود هذا العجز المستمر عن التوصل إلى حل بالسياسة أو الحرب أو التفاهم الدولي الرأي العام السوري إلى الشعور بالإحباط، وفقدان الثقة والأمل. أما المعارضة، فيكاد يقتصر عملها السياسي والدبلوماسي منذ أشهر على توجيه النقد اللاذع والمحق للمجتمع الدولي الذي خان المبادئ والقيم التي جعل منها مبرّر تدخلاته في مناطق مختلفة. وتحول نشاطنا السياسي، أكثر فأكثر، إلى شكوى دائمة من استبعادنا من المناقشات الجدية حول تقرير مصير المناطق السورية، واتهام العالم بالتآمر على الشعب السوري، وكأننا نكتشف لأول مرة خيانة الدول المهيمنة للمواثيق الدولية والقيم والمبادئ التي وضعتها قبل أي شيء آخر، للمحافظة على مصالحها القومية.

 

1

ليس هناك أي شك في أن دولا كثيرة ادعت صداقتها السوريين قد خدعتهم. لكن ما من شك

"خدعنا حين اعتقدنا أنه من الممكن المراهنة على موقف الدول الديمقراطية التي جعلت من الحرية والعدالة عنوان هيمنتها" أيضا في أننا خدعنا نحن أيضا أنفسنا، حين اعتقدنا أن من الممكن المراهنة على موقف الدول الديمقراطية التي جعلت من الحرية والعدالة عنوان هيمنتها ومصدر شرعية نفوذها العالمي، وسيطرتها لتحقيق أهدافنا، كما لو صدقنا أن العلاقات الدولية قد أصبحت بالفعل خاضعةً لقواعد قانونية ومبادئ أخلاقية. وربما ساهم وهم هذا الاعتقاد بالتقدّم القانوني والأخلاقي لعصرنا في تخدير وعينا بالمسؤولية، ومنعنا من الشعور بقدرتنا على انتزاع المبادرة من أجل تغيير أوضاعنا.

فإذا كان من الصحيح أن العوامل الخارجية، على اختلاف أنواعها، سواء أكانت تدخلا مباشرا على طريقة المليشيات الموجهة من طهران وموسكو، أو تنكرا للالتزامات الدولية من الدول الديمقراطية ومؤسسات المجتمع الدولي، فإن من الصحيح أيضا أن بناء استراتيجية فعالة وناجعة لمقاومة هذه العوامل، أو التقليل من وزنها، والعمل على توحيد قوى السوريين، وحثهم على الدفاع عن حقهم في تقرير مصيرهم في مواجهة النظام والدول الداعمة له، هي من مهمات قوى المعارضة ومسؤوليتها. وفي هذا الإطار، لا شك أيضا في أن النخبة السورية، السياسية والثقافية، تعاملت في هذه المسألة مع نفسها بتواطؤ مستمر، فعلى الرغم من الفشل المتكرّر، العسكري والسياسي والإداري والإعلامي، لا نكاد نعثر على مساهماتٍ حاولت فيها النخب السورية أن تطرح سؤالا عن مسؤولياتها، ولم تقم أيٌّ منها بمراجعة للسياسات التي طبقتها خلال سنوات طويلة ماضية، ولم تجرؤ على مناقشة خياراتها، وطرح نتائج قيادتها حركة الاحتجاج وتقييمها. وعندما تتجرأ أطراف وتيارات، أو قادتها، على النظر في سلبيات خيارات المعارضة السابقة، فليس ذلك على سبيل المراجعة، وإنما في أغلب الحالات للتهرّب من المسؤولية، ورميها على الطرف الآخر. وهناك ميل كبير اليوم إلى التهرب من المسؤولية في تحويل بعض الأشخاص، أو التيارات، إلى كبش فداء، ترمى عليه جميع الأخطاء، ويمكن من خلال شيطنته التخلص السهل من الشعور المؤلم بالفشل، وربما الذنب.

وعلى الرغم من الشكاوى والانتقادات الحادة والمتكرّرة التي يوجهها قطاعٌ واسع من الجمهور الثوري والمعارض لعمل مؤسسات المعارضة، وعجزها عن تحقيق أهدافها والغايات التي أنشئت من أجلها، لم يشعر مسؤول واحد بأن من واجبه أن يستجيب لهذه النداءات، ويقدم استقالته، تعبيرا عن اعترافه بالفشل، ولم نقرأ لأحدٍ من هؤلاء المسؤولين مراجعة ذاتية أو حتى محاولة لتفسير ما جرى. وبالمثل، خرج مئات المثقفين والصحافيين والمسؤولين السابقين على النظام وانشقوا عنه، بعد عقود من التعاون معه، والخدمة في مؤسساته، والخضوع لأوامره، والسير في ركابه، وفي معظم الأحيان مشاركته في عمليات القمع والقهر التي طاولت شعبا بأكمله. لكن لم نقرأ أي مراجعةٍ جدية لمواقفهم السابقة. وقليلون جدا منهم من سعوا إلى تنوير الجمهور بتجربتهم مع النظام، والأسباب التي تجعلهم اليوم مع الثورة والتحولات الديمقراطية، ورؤيتهم الجديدة إلى دورهم ومسؤولياتهم المنتظرة في مجتمعهم في المستقبل. ولم ينتقد شخص واحد منهم ضلوعه السابق مع النظام، ولم يعتذر للشعب عن الأذى الذي تسبب له به بدعمه النظام، ومسايرته، أو التهاون في كشف خياراته الدموية.

لا يعني ذلك أن مراجعة قادة مؤسسات المعارضة الأخطاء التي ارتكبت كانت ستنقذ الثورة من المهاوي التي وقعت فيها، ولا كانت ستحول دون حصول ما حصل من تغوّل القوى الإقليمية

"لا نكاد نعثر على مساهماتٍ حاولت فيها النخب السورية أن تطرح سؤالاً عن مسؤولياتها" والدولية على حقوق الشعب السوري، لكنها كانت ستظهر أن لدينا، أو أصبح لدينا رجال أحرار بالفعل، يعرفون أن احتلال موقع القرار يرتّب على صاحبه مسؤولية ومساءلة، وهو ما يحتاج إليه رجل السياسة والدولة وكل مركز قيادة عمومية، في منظومة سياسية ديمقراطية، وأن وجودهم في مواقع السلطة والقرار ليس منحةً، أو تكريماً لهم، وتشريفاً لحسبهم ونسبهم، وإنما هو تكليف من الشعب، تترتب عليه واجبات محدّدة في خدمة المؤسسة أو المجتمع، والناس الذين أولوه مهمة التصرّف بمصيرهم أو مواردهم وتوجيه مستقبلهم.

والواقع، ليس هناك مثال يعبر عن استهتار النخب الحاكمة بشعوبها، ورأيها العام ومصالحها، أفضل من مثال النخبة البعثية، ونوعية رجالها الذين حكموا البلاد، وقادوا المجتمعات، في العقود الماضية، من دون أي شعور بالمسؤولية، وباقتناع تام بأن مناصب السلطة التي احتلوها هي غنائم لهم استحقّوها بقوة ذراعهم، واستعدادهم لارتكاب كل الانتهاكات، والتجرّد من أي قيم إنسانية أو أخلاقية والتقلب في المواقف الفكرية والسياسية، وبين المذاهب والأيديولوجيات القومية والاشتراكية والليبرالية والإسلامية والعلمانية، من دون أي حاجةٍ للشرح أو التفسير أو التبرير. يشترك هؤلاء جميعا في الإيمان الراسخ بأنهم ليسوا مسؤولين أمام أي شعب أو قاعدة شعبية أو رأي عام، وأن سلطتهم ليست مستمدة من أحد سوى "المعلم" الذي جنّدهم، أي ولي نعمتهم، ولا تحتاج إلى موافقة أو تفويض أي شعبٍ أو قبوله، وإنما هي تفرض نفسها بالقوة ولا تحتاج لشرعنتها سوى إلى إتقان فن الكذب والغش والخداع. وهم يدركون جميعا ويؤمنون بأن استمرارهم في احتكار مناصب السلطة والقرار منوط بقدرتهم على التعاون والتضامن والتكاتف ضد أي مشاركة أو مراقبة شعبيتين وإقصاء الجمهور عن أي نشاط عمومي أو قرار، وفرض الإذعان على المجتمع، وتعطيل أي قدرة له على التفاعل والتواصل وتكوين رأي.

 

2

ليست المراجعة وتفسير الانقلابات في المواقف والخيارات ضروريةً لتصحيح الأخطاء فحسب، ولا ترتبط بقضية شخصيةٍ، ولا تتعلق بمسألة أخلاقية من قبيل تبرئة الذمة أو إرضاء الضمير، وإنما هي واجب على أصحاب السلطة والقرار تجاه شعوبهم ومرؤوسيهم، وحق لهؤلاء من أجل معرفة واقع ما حصل، والاستفادة من دروس الماضي، وتجاربه لتحسين الخيارات المقبلة والمطلوبة، وربما في اختيار قياداتٍ أكثر قدرةً وكفاءة في حمل المسؤولية، فمن حق السوريين الذين فقدوا الآلاف من أبنائهم، ودمرت بلادهم، أن يعرفوا من هم الذين انشقوا عن النظام، بعد أن عاشوا في كنفه، وعملوا تحت رايته، عن قناعةٍ أو من دونها، وكيف استطاع هذا النظام أن يورّط نخبة المجتمع الاقتصادية والسياسية والثقافية بشكل شبه كامل في مشروعه الدموي، وما هي الأسباب التي حالت دون معرفتهم بما يجري، أو قبولهم به، فهذه المراجعة ليست ضرورية لتأكيد الانفصال عن النظام، ونمط تفكيره وقيادته، ولتعريف الرأي العام بالأشخاص المنشقين، ومشاريعهم وأفكارهم وخياراتهم فحسب، وإنما هي أساسية أيضا لمعرفة كيف نجح نظام الأسد في إعداد البلاد لمثل هذه المذبحة. وفي ما وراء ذلك، هي الشرط اللازم لإعادة بناء الثقة بين الشعب والنخبة التي خذلته عقودا طويلة، وبناء صدقية المنشقين وإخلاصهم لخيارهم الجديد، والمصادقة على انشقاقهم، وتغيير ولائهم من الشعب. ومن دون ذلك، لا يمكن لهم أن يأملوا بالقيام بأي دور أو الاندماج في حركة المجتمع الجديد.

وفي المقابل، يقدم غياب الشعور بالحاجة للمراجعة وتفسير الأخطاء، أو انقلاب الخيارات والتوجهات عند نخب المعارضة القديمة والمنشقة، ونأيهم بأنفسهم عن تقديم كشف حسابٍ عن مسيرتهم العمومية للرأي العام، الدليل الواضح على استمرار المشكلة العميقة وراء الكارثة التي شهدتها البلاد، وهي انفصال النخب الاجتماعية عن المجتمع والجمهور العريض، واستهتارها برأيه وموقفه ومشاعره، واعتقاد رجالاتها الراسخ بأنه ليس لرأي الشعب والجمهور أي قيمةٍ في تقرير مصيرهم العمومي، ودورهم في النظام القادم، وإنما يتوقف الأمر على تحالفاتهم فيما بينهم، أو بين هؤلاء وأولئك والدول الراعية لهم، أو صاحبة النفوذ الجديد في البلاد. ولأنهم غير معنيين بنيل ثقة الشعب، ولا تعني لهم هذه الثقة شيئا، ولا يراهنون عليها لتحسين أوراقٍ تنافسهم في ما بينهم، فهم غير معنيين بتقديم أي كشف حسابٍ، أو تفسير، أو ومن باب أولى الاعتراف بالخطأ، والاعتذار عن نتائج أعمالهم للشعب.

ربما يعتقد بعضهم، أو أكثرهم، أن هذا الموقف المتستر على نشاطهم الماضي يحفظ لهم ماء

"لا يعني ذلك أن مراجعة قادة مؤسسات المعارضة الأخطاء التي ارتكبت كانت ستنقذ الثورة من المهاوي التي وقعت فيها" وجههم، وأن تجنيبهم المساءلة يترك لهم هامشا واسعا من المناورة السياسية، لكنه يحرمهم في الواقع من أي صدقيةٍ، بمقدار ما يبرهن على ضعفهم الأخلاقي، وغياب إرادتهم وقدرتهم على تحمل المسؤولية، وربما الاستعداد لركوب طريق سياسة الحكم السابق، وخياراته السياسية المكرّسة في التلاعب والتحايل والغش والانتهازية. وهذا ما يفسر أن الجمهور الواسع استمر ينظر إلى كثيرين منهم، على أنهم من أتباع النظام القديم، أي من الفلول المتربصين، على الرغم من انفصالهم عنه، أي لا يختلفون عنه في سلوكهم وتفكيرهم، ويرى فيهم النواة الجاهزة لإعادة إقامة النظام القديم، والتي تتجسد في بنية التفكير وطبيعة العلاقة مع السلطة والهوة التي تفصل بين النخبة والجمهور الشعبي العريض.

ليس الهدف من التذكير بمسؤولياتنا، نحن السوريين، التغطية على مسؤوليات القوى الإقليمية والدولية، ولا على إفلاس المنظمات الدولية التي كان العالم يراهن عليها، من أجل وضع حد أدنى من الثقة والعدالة والتضامن في حقل العلاقات الدولية، وعدم السماح بأن تكون القوة الوحشية معيار العلاقات بين الجماعات والبشر. إنما كان الهدف التذكير أيضا بدورنا ومسؤوليتنا، والإشارة، بشكل خاص، إلى استمرائنا الهرب من الاعتراف بأخطائنا والإمعان في رمي المسؤولية على الآخرين، في كل ما يحصل لنا، حتى أصبحنا مثار شفقة العالم وموضع سخرية شعوبنا نفسها، فإذا لم يكن هناك شك في أن العالم الخارجي، أي القوى الأجنبية هي المسؤولة الرئيسية عن المحنة التي أصابتنا، والكارثة التي حلت بوطننا، فليس هناك أدنى شك أيضا في أننا نحن وحدنا المسؤولون عن خلاصنا، وعن العمل لوضع حد لتحكم العالم بمصيرنا، وتقويضه لمستقبلنا، فمصيرنا لا يعني أحدا غيرنا، وإذا لم نعمل على تجاوز الحفرة التي أوقعنا العالم فيها، بسبب تناقضاته وصراعاته التاريخية التي لم يكن لنا، بوصفنا الشعب، يد فيها، فلن يهتم أحد بإخراجنا منها، ولا يعني خروجنا منها شيئا لأحد.

لا تهدف المراجعة، ولا النقد الذاتي، إلى تكبيل أنفسنا وإحباط شبابنا، ولكن بالعكس إلى تشجيع أبنائنا على مواجهة الواقع والحقائق كما هي، ودفع السوريين إلى تحمّل مسؤولياتهم تجاه أنفسهم وقضيتهم والكف عن انتظار الخلاص والمخلص في من لا يعنيه مصيرهم، أو لا يستطيع لهم نفعا، ولا ضرا من القوى والمنظمات الدولية.

فالاعتراف بالخطأ والمراجعة هي الخطوة الأولى في مسيرة التحرّر التي فجرتها ثورة 11 مارس/ آذار 2011 غير المكتملة، وهي شرط أول لاستعادة الثقة، ثقتنا بأنفسنا وثقة العالم بمقدرتنا وثقة الشعب بالمستقبل التي لا يمكن من دونها أن يعود إلى ساحة العمل والتضحية، ومن وراء ذلك إحياء الضمير الأخلاقي في كل واحد منا. ومن دون ذلك، سوف يكون من الصعب تحقيق الخطوة الثانية الهادفة إلى كسر الحواجز التي أقامها النظام، ورسختها سنوات الحرب بين السوريين، أقليات وأكثريات، إسلاميين وعلمانيين، جنوبيين وشماليين، عشائر وقرويين، مدنيين وعسكريين، طوائفيين وديمقراطيين وطنيين، والانطلاق نحو بناء عهد جديد يفتح باب الحرية، وينهي عهد الفساد والاستعباد والتغول والاغتيال.

========================

واقعية ومثالية جنيف 7 .. يمان دابقي

العربي الجديد

الاثنين 24/7/2017

عند كل جولة من محادثات جنيف السورية، تتجه الأنظار إلى المدينة التي أصبحت بوصلة استقطاب لكل من رغب بإبداء رأيه في قضية من المفترض أنه خيرُ ممثلاً لها.

وكما عودتنا الشخصيات المعارضة، وعند عشية إطلاق المفاوضات، فهي دوماً غائبة عن مخاطبة السوريين، وهو أمر أصبح طبيعياً، طالما أنّ الحشود تتهيّاً لمراجعة جدول أعمال المحادثات، والإيثار على مراجعة المسموح والممنوع، بحسب ما تمليه عليهم من الدول الداعمة.

لم يكن جنيف 7 في حلّته الأخيره كما الجولات السابقة، بل إنّ درجة الوضوح في انحراف مسار المفاوضات، استشفها حتى الطفل السوري، وفي الوقت نفسه، فإنّ هذا الطفل لن يسأل سؤال العارف عن سبب استمرار حضور المعارضة محادثات مثالية، أصبحت تركز على تفنيد بعض المصطلحات الفضاضة الخاصة بالمستقبل البعيد، والبعيدة كل البعد عن الواقع المعاش.

ومن زاوية الواقعية لهذه الجولة، ثمة من رأى ظهور نوع من الجدية ونسبة مئوية من الصدق، لكنها تصب في مضمار مصالح الدولة التي تسعى إلى تكريس مصالحها في سورية، فتم تسويقها من بوابة جنيف، وعبر عرّاب المسرح الدولي للأمم المتحدة، ستيفان دي ميستورا.

من هنا، نلحظ أنّ جنيف قد غدا مكان صدق أُريد به خيراً، لكن ليس لصالح تلبية متطلبات من يُحتضر بالوقت الآني، فهذا شأنٌ قد يأتي في نهاية المطاف، أو كما قال مبعوث الأممي السابق لسورية، الأخضر الابراهيمي، إنًّ مصالح الدول وأجنداتها تأتي أولاً ثم مصالح الشعب السوريثانياً أو تالثاً، أو قد لا تأتي.

فالواقعية إذاً في جنيف 7 تمخضت في تفاهمات دولية نتجت عن آستانة 5، وكان لزاماً على دي ميستورا تكريسها في محادثات جنيف، فالاتفاق الأميركي الروسي بخصوص وقف التصعيد في جنوب سورية، والذي نتج من خلف بوابتي جنيف وآستانة، كان حاضراً، بل هو المحور الأساسي للمحادثات، في الوقت الذي كان من المفترض نقاش السلل الأربعة.

كانت واضحة، على دي ميستورا هذه المرة، ملامح الأريحية الإيجابية، ربما لأنه ضمن استمراره في عمله مبعوثا على الأقل لبداية العام المقبل، ريثما ينتهي من عقد أربع جولات، قد أعلن عنها أنها ستجرى حتى نهاية العام الجاري، فلم يتوانى دي ميستورا من عقد مؤتمر صحفي حتى يشيد بالاتفاق الثلاثي.

وذهب إلى أبعد من ذلك على اعتبار أنًّ ما يجري في درعا من تطبيق وقف النارهو إنجاز يدخل في إطار تكاملي للعملية السياسية الكاملة للحل السوري.

ومن عادة دي ميستورا أن يسرّب في حديثه رسائل مباشرة وغير مباشرة لوفدي النظام والمعارضة، إلا أنّه، هذه المرة، استثنى النظام من كلامه المعسول، واستفرد بالمعارضة مخاطباً إياهاً، عليك القبول وترسيخ قناعة أن اتفاق تخفيف التصعيد هو بداية المرحلة الانتقالية في سورية، مضيفاً إن على جميع السوريين اعتناق هذه القناعة، بمعنى آخر دي ميستورا بتغييرهجدول المحادثات، على اعتبار أنها البديل الحقيقي، وأساس لأي حل قد ينتج مستقبلاً لتحقيق السلام والاستقرار في سورية، تجاهل، في الوقت نفسه، كل الأسس الذي أنتجت بداية جنيف، بما فيها قرارات مجلس الأمن 2245، وبنود الوثيقة لجنيف 1 التي لم يعد لها ذكر من جميع الحضور، وأخص بالذكر وفد المعارضة التي وضعت نفسها بمكان شُبهة، عندما قًبِلت على نفسها أن تشارك وفدي موسكو والقاهرة المحسوبة على النظام السوري وموسكو، فكيف لمنصّاتٍ لا تقبل بالمساس بمصير الأسد وأجهزته الأمنية أن يتنج عنها نقاط مشتركة مع منصة الرياض التي رفضت تلك المنصات سابقاً، حتى أنّها علقت محادثاتها بجولاتٍ سابقة، ورفضت كلّ الرفض أن يكون مصيرها التميع مع المنصات الأخرى.

الحديث عن موقف المعارضة يطول شرحه، إلا أنه بات واضحاً الموقف المتناقض الصادر عنها، فبعد انتهاء الأيام الخمسة للمحادثات، بدأت بياناتهم تظهر وتمخضت على أنهم لم يتنازلوا قيد أنملة عن الثوابت الثورية، ولن يقبلوا بأي دور للأسد، وهم، في الوقت نفسه، قبلوا نقاش السلل الأربع التي رفضوها سابقاً، وهم دائماً يذهبون إلى جنيف قبل أي وقف لإطلاق النار! وهم حتى قبلوا الانخراط مع المنصات الأخرى، ومنهم من أثنى على النقاشات التي تجري بينهم خارج قاعات جنيف بإيجابية النتائج، وليس أخيراً فهم ينكرون أنهم تنازلوا عن أي مطلبٍ يحملوه أنه أمانة في أعناقهم، مع ذلك فهم عبّروا عن غضبهم أنّ جنيف 7 لم يناقش المسائل الجوهرية إذاً على ماذا تفاوضون؟

تتلخص واقعية جنيف في حقائق واضحة، أولها عدم ثبات المعارضة على موقف ثابت، فهم يتنقلون بين النفي والإثبات، ولا وجود لدورجديد أو برنامج سياسي جديد، أضافت الواقعية أيضاً ما أصبح أمراً مفروضاً، الاتفاق الأميركي والروسي.

أما المثالية فهي الجانب الموجود عند بدء كل جولة ونهايتها، والتفكير على الدوام في ملف مكافحة الإرهاب والحوكمة والدستور، وجميعها تصب في الفخ الذي نصبه دي ميستورا للجميع، حينما أطلق عليها مصطلح السلال الأربع.

========================

الشحاذ التركي واللاجئون السوريون .. رياض معسعس

القدس العربي

الاثنين 24/7/2017

كثر في الآونة الأخيرة عدد اللاجئين السوريين، بشكل خاص في لبنان والأردن.

في لبنان كان الحديث عنهم وكأنهم طاعون يجب القضاء عليه بشتى الطرق، فهم يهددون النسيج الاجتماعي اللبناني، والتوازن الديمغرافي، ويأكلون خبز اللبنانيين لأنهم يستولون على سوق العمل كونهم أيادي عاملة رخيصة، ويكلفون لبنان مبالغ طائلة لتأمين تعليم أطفالهم، وعلاجهم، وتوفيير السكن لهم، حتى بات اللاجئ السوري مكروها وينظر إليه كما كان ينظر للجنود السوريين في لبنان في زمن «قوات الردع العربية».

ولم يتوان الجيش اللبناني عن الهجوم على مخيم عرسال، واعتقال عدد من اللاجئين وقتل بعضهم تحت التعذيب، وإهانة الجميع، وإحراق بعض خيامهم، حتى أن كبار الساسة اللبنانيين هددوا بإرسالهم في بواخر إلى الأمم المتحدة، وحسن نصر الله يريد أن يعيدهم إلى الاراضي السورية عنوة، بل إن البعض راح يقدم إحصائيات الولادات ويقدرها بثلاثمائة مولود سنويا، التي ستكون وبالا على استقرار لبنان، بل ورفعت لافتات تهدد السوري من الاقتراب من سوق عمالة بعض المدن والقرى، بعد أن بات السوري مطلوبا ليس فقط لأنه أرخص أجرا من اللبناني ولكن لاحترافه وتفانيه في عمله.

وفي آخر زيارة لي لاسطنبول استقبلت في المطار من قبل موفد من مضيفي، اكتشفت فورا أنه سوري من لهجته الحلبية المحببة، واسمه سمير، من حديث لحديث، والطريق طويلة، وخاصة عند عبور جسر البوسفور بسبب الاختناقات المرورية وصلنا إلى وضع اللاجئين السوريين في تركيا، ذكر لي أنه وأخوته أنشأوا شركة سياحية لنقل الركاب العرب من المطارات إلى أماكن إقاماتهم، ووضعهم المادي بات مريحا جدا بعد أن وصلوا إلى اسطنبول منذ ثلاثة أعوام لا يملكون شروى نقير، سوى أحزان ثقيلة على قلوبهم بعد أن هدمت طائرات بشار ببرميل متفجر منزلهم الكائن في حي الصاخور وقتل أباهم وأختهم. وتفاجأت عندما وصلنا الفندق الذي أقيم فيه أنه على علاقة جيدة بعامليه ويتكلم معهم التركية بطلاقة، فطلبت منه ان يرافقني في بعض تنقلاتي الكثيرة هناك داخل المدينة المترامية الأطراف وأن يعرفني على سوريين آخرين في البلد، كي ألمس أحوالهم وكيف يعاملون في دولة «ليست عربية « كي أقف على حقيقة الوضع. قادني سمير إلى صديق تركي له يعمل في دائرة انشاء الشركات واسمه ناظم أوغلو، الذي أكد لي أن السوريين كانوا من أنشط اللاجئين الذين عرفتهم تركيا التي تدفق إليها اللاجئون الأفغان والايرانيون والأزاريون والطاجيك.. بأعداد كبيرة، فكثير منهم أسسوا شركات سياحية، ومطاعم ومقاه وورشات بناء وعيادات طبية، وصيدليات.. حتى بات التركي زبونا مداوما لديهم عدا عن السوري والعربي إجمالا. وقال بأن الحكومة التركية أعفت السوري من قانون العمل والاستثمار الذي يرغم المستثمر ان يخلق خمس فرص عمل لعمال أتراك، وسهل له رخص العمل والإقامة. في شارع تقسيم ( شانزليزيه اسطنبول) ترى فرقا موسيقية تعزف إغان لفيروز، والسيد درويش، والقدود الحلبية العريقة، امام فرقة تعزف أغنية «موطني» بكيت وحاولت أن أستر بكائي أمام سمير، لكنه ربت على كتفي وقال: «لقد بكيت قبلك ايضا». في غازي عنتاب «عاصمـــــة اللاجئين السوريين» لم يختلف الوضع كثيرا، بل إن السوري بات منخرطا في المجتمع التركي وأبناء السوريين يدرسون في مدارس تركية، كما ظهروا في بلدان أخرى كألمانيا وهولندا والسويد وفرنسا، حيث حققوا إبداعات وتفوقا كبيرا في أكثر من مجال، وهذا يدل على أن الشعب السوري، الذي كان تحت سيطرة الأجهزة الأمنية والمخابرات سجينا في بلده، أثبت انه شعب خلاق عندما يمتلك حريته التي انتفض من أجلها في ثورته المباركة.

لنعد إلى سمير المدخن، الذي دعاني، بعد أن عرفني جيدا «وقد أسر لي بأنه «غوغلني» على الانترنت، إلى مقهى عثماني قديم ليس بعيدا عن مسجد السلطان أحمد، أجمل ما هندس معمار سنان من مساجد في اسطنبول، المقابل لأياصوفيا أكبر كنيسة شرقية تحولت إلى مسجد لندخن « نرجيله» عثمانية، المكان يوحي بأنك في القرن السابع عشر والرواد الاتراك، تراهم في حديث مستمر وعال لا يختلفون كثيرا في هذه الناحية عن العرب. على باب المقهى عندما خرجنا متأخرين ليلا اعترضنا شحاذ تركي، طلب لفافة تبغ من سمير فاعطاه علبة كاملة، ثم طلب مني ليرة تركية فأعطيته ليرتين، سأل سمير من أين نحن، قال: نحن لاجئون سوريون. فما كان من الشحاذ التركي إلا أن أعاد علبة الدخان لصديقي، والليرتين لي وقال انتما أحق بهما مني، وبات يصرخ في الشارع، عاشت سورية، عاشت سورية، يسقط بشار الاسد، تركيا معكم، الله يحميكم. كان سمير يترجم لي وأنا أقف مشدوها أمام شحاذ تركي يعطف عليّ وعلى سمير ولم يكن يظهر علينا اننا بحاجة لعطف، فقط لأننا «لاجئون سوريون».

٭ كاتب سوري

========================

في علاقات الضمير اللبنانية ـ السورية .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الاثنين 24/7/2017

في خطوة تمت قبل أيام، وقع مائتان وخمسون لبنانياً من الكتاب والصحافيين والفنانين والناشطين السياسيين وفي المجتمع المدني، بياناً ضد الممارسات التي تطال المدنيين السوريين في لبنان.

وقال بيان الناشطين اللبنانيين، إنه انطلاقاً «من موقع إيماننا بلبنان وطناً للحرية والتعدد واحترام حقوق الإنسان»، و«إن الجيش ينبغي أن يكون الطرف الوحيد المسلح في هذا البلد، نعلن رفضنا القاطع، واستنكارنا لبعض الممارسات المقززة بحق المدنيين السوريين، الذين اضطرتهم مأساتهم إلى اللجوء إلى بلدنا». وأضاف البيان، أن ما يرافق هذه الممارسات من حملات تحريض على السوريين على وسائل التواصل الاجتماعي وفي بعض الصحف وشاشات التلفزيون، أو على ألسنة بعض السياسيين، لا يقل بشاعة عن الممارسات الإجرامية نفسها، وهذه مثل تلك، لا تسيء للسوريين الأبرياء فحسب، بل تسيء أولاً وأخيراً إلى صورة لبنان، كما تنقص من ضمائر اللبنانيين، فما يجري على هذا الصعيد، لا يمثلنا بتاتاً، بل يواجهنا بخيارات حادة، يتعلق بعضها بتنظيف وطنيتنا من شوفينيتها، ويجعل الموقف من اللاجئين، أحد هذه المعايير، التي نريدها صنواً للديمقراطية وحقوق إنسان.

لقد بدت هذه الخطوة متوقعة ومطلوبة. متوقعة لأن لبنان واللبنانيين، لا يمكن أن يكونا متوافقين على نسق من ممارسات عنصرية دموية تم ارتكابها بدم بارد ضد اللاجئين السوريين، وقد سبق وقامت فعاليات لبنانية في السنوات السبع الماضية بأنشطة متعددة، أظهرت مواقف لبنانية سياسية وضميرية حول ما جرى ويجري ضد السوريين، ليس في سوريا وحدها، بل في لبنان أيضاً. وكانت الخطوة متوقعة، ليس فقط، لأن لبنان واللبنانيين، لا يمكنهما السكوت عما جرى في عرسال ومخيماتها، وهو أمر يمكن أن يتكرر إلى مناطق لبنانية أخرى، ينتشر فيها أكثر من مليون لاجئ سوري، مما يعني تحويل لبنان إلى ساحات دم وعنف واضطهاد، ذاق اللبنانيون مرارته في سنوات الحرب الأهلية اللبنانية (1975 - 1990) ولا يرغبون في عودته كلياً أو جزئياً إلى حياتهم، بل إن الأهم في ضرورة إصدار البيان، إعادة تصويب النقاش حول وضع اللاجئين السوريين في لبنان، وتأثيراته الراهنة واللاحقة على مستقبل العلاقات السورية - اللبنانية، التي لا يمكن تجاوز قدريتها، ليس بحكم العلاقات التاريخية والاجتماعية فقط، بل بحكم المصالح التي تربط البلدين والشعبين، خصوصاً أن بعض الأوساط اللبنانية والسورية، ذهبت في نقاش القضية باتجاه تأسيس مرحلة من الصراع التناحري بين البلدين والشعبين، وهي خطوة ينبغي أن تتوقف، لأنها لا تخدم البلدين ولا الشعبين في الراهن ولا في المستقبل.

خطوات الضمير اللبناني في العلاقة مع السوريين، ليست طارئة، ولا ظرفية، إنما هي جزء من تاريخ العلاقات السورية - اللبنانية، وخصوصاً في الحالات التي كانت تجور فيها السلطات ضد مواطنيها أو ضد البلد الآخر ومواطنيه، وهو سلوك طبيعي، تكرر في الماضي البعيد، كما في العقود الماضية، وكلف أصحاب الضمير، ولا سيما السياسيين منهم أثماناً باهظة في بعض الأحيان. فبعد اندلاع الأحداث اللبنانية في عام 1975، سعى نظام الأسد في سوريا إلى إحكام قبضته على لبنان أرضاً وشعباً، ثم قرر أن يحول سيطرته في لبنان إلى احتلال مباشر، فدفع قواته للدخول إلى لبنان في صيف عام 1976، وقد قوبلت الخطة باعتراضات سياسية وأخلاقية من جانب قطاع واسع من السوريين، وشارك في الاعتراضات كتاب ومثقفون وفعاليات بينها أحزاب سورية، كان الجوهري في اعتراضاتها، حق اللبنانيين في تقرير مصيرهم ومعالجة شؤون بلدهم دون تدخلات خارجية، ويذكر الذين عاصروا تلك الفترة، أن اعتراضات السوريين ضد رغبة نظام الأسد في احتلال لبنان، كانت بين مقدمات الهجوم على القوى والشخصيات الوطنية والديمقراطية السورية المعارضة، فتم زج كثير من القيادات والكوادر في سجون ومعتقلات النظام، وجرى تشريد مئات منهم في بلدان الشتات وبينها لبنان.

قد يكون الأهم في علاقات الضمير السورية - اللبنانية الأقرب، ما حدث في مايو (أيار) من عام 2006، حيث وقع مئات من المثقفين السوريين واللبنانيين ما عرف باسم «إعلان دمشق - بيروت، بيروت - دمشق»، وطالبوا فيه بوقف تدخلات نظام الأسد في لبنان، ووقف عمليات اغتيال الناشطين والسياسيين في لبنان، وتصحيح العلاقات السورية - اللبنانية، بحيث تقوم على احترام استقلال لبنان وسيادته، وإقامة علاقات دبلوماسية بين البلدين، ومعالجة القضايا المشتركة بين البلدين بمستوى الندية.

إن أهمية تلك الخطوة، تنبع من توقيتها كما من مضمونها. ففي المضمون كانت أول نداء علني سوري - لبناني لإعادة صياغة العلاقات بين البلدين والشعبين خارج إطار السيطرة السورية والتبعية اللبنانية، التي كرسها نظام الأسد العسكري - الأمني ما بين 1976 و2005، وإعادة بنائها على أسس موضوعية ووفقاً للقانون الدولي والمصلحة المشتركة للشعبين والبلدين، وهذا من شأنه تعزيز العلاقات الخاصة متعددة الجوانب بين سوريا ولبنان.

وأهمية الخطوة من حيث توقيتها، أنها جاءت في فترة نهوض شعبي سوري - لبناني في مواجهة نظام الأسد في سوريا وامتداداته في لبنان، الأمر الذي كرسته تطورات ربيع دمشق السوري بحراكيه الثقافي والسياسي، وانتفاضة الاستقلال اللبنانية التي أعقبت اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري.

تعيد خطوة اللبنانيين في بيانهم الأخير الروح لتضامن اللبنانيين مع السوريين الذين لا يواجهون تداعيات سياسة نظام الأسد الدموية فقط، بل يصبحون فريسة سياسة امتداداته السياسية والأمنية في لبنان، وهي تعكس في الوقت ذاته طموح اللبنانيين إلى بلد حر ديمقراطي ومستقل، يؤمن بحقوق الإنسان ويحرص على العمل بها.

========================

حصّة لمن لا حصّة لهم .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاحد 23/7/2017

يمكن القول، من دون مبالغة، إن الصراع الدولي في سورية انتهى إلى نمطٍ من تقسيم عمل روسي/ أميركي، يترجم نفسه هذه الفترة من خلال علاقةٍ تكاد تكون اندماجية بين موسكو والنظام، تضمن بقاء الأسد، وتمرّر حلا دوليا/ إقليميا/ محليا، يعيد إنتاجه شخصا لا بديل له، ولا بديل سواه. في ظل ما بلغه الانخراط السياسي/ العسكري الروسي في سورية، من غير الجائز استبعاد بقاء النظام معدّلا، في حال جسّد الحل القراءة الروسية للقرارات الدولية الخاصة بسورية.

في مقابل علاقة روسيا الكيانية مع الأسد، ونجاحها في إقناع دول عديدة بأن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، متمسّك بتابعه، تبلورت، خلال العامين الماضيين، علاقة أميركية مع حزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي)، مشابهة لعلاقة روسيا بنظام الأسد، ومع أنها أكثر غموضا والتباسا، فإنها تضمن كيانية دولوية، أو شبه دولوية، للحزب، توضع ركائزها اليوم بقوة تعيرها واشنطن له، تكرّسه قوة تحتل منطقة تعادل خمس مساحة سورية، ترشحها للاتساع الحرب ضد "داعش" التي مكّنت الحزب من تشكيل جيش كبير، يضم كردا عراقيين وإيرانيين وأتراكا وبعض السوريين، تحميه طائرات أميركا ومدفعيتها من تركيا، وتمكّنه من احتلال مناطق، ليس في مئات من قراها وبلداتها أي وجود كردي، تقع خارج المنطقة التي طرد عربها وتركمانها وآشورييها، وجرف قراهم، بحجة الدفاع عن حق شعبه الكردي في تقرير مصيره. هناك اليوم قوة عسكرية مشتركة ومتكاملة تضم أميركيين وكردا، وأعدادا قليلة من العرب والتركمان، تغطي قوات الحزب الكردي بواسطتهم مشروعا هو جزءٌ من مشروع إقليمي، يتخطّى سورية إلى تركيا وإيران، يتطلب تمريره دعما أميركيا وتفهما روسيا.

أين "المعارضة" من الكيان الأسدي المنفذ روسيّاً، وكيان حزب الاتحاد الديمقراطي (البايدا) المحمول أميركياً؟ ليس لديها مشروع تستطيع ترجمته إلى وجود مادي، تأخذه الدولتان في حسبانهما. أليس هذا حقيقة جلية، رسمتها نتائج الاحتلال الروسي وشلل "جنيف"؟ وفي المقابل، أليس برود أميركا السوري موقفاً يسهّل جهود روسيا، في مقابل برود روسي تجاه انتشار عسكر واشنطن شمال سورية وشرقها وجنوبها، الضروري لمعركتها القادمة ضد إيران، ولإنجاز حوار عربي/ كردي، إن نجح ساعد على إقامة وضع سوري جديد بموازين قوى مختلفة، يعزّز حضور اليانكي في سورية والعراق، حيث قرّرت البقاء فترة طويلة، وقد يخلق ظروفا مناسبة روسياً لتحقيق حل سياسي متوازن، يزيد فرص ترحيل الأسد. أليس من الضروري إنجاز هذا العمل، قبل أن يدخل الروس على الخط، ويضغطوا لقيام تفاهم بين "البايادا" والأسد؟ وهل تعترف واشنطن، عندئذٍ، بحق "البايادا" في الانفصال، لإبقاء ورقتهم في يدها. ماذا سيبقى، في هذه الحال، من خيار للمعارضة، غير ذهابها أو ذهاب أطراف منها إلى روسيا، علها تضغط على الأسد، كي يقبل مشاركتها في حكومة وحدة وطنية.

هناك أمران يطرحهما الوضع المعقد الحالي:

ـ حتمية انتخاب ممثلين لمجالس المناطق مخفضة التصعيد، يلتزمون التزاما لا شبهة فيه بوثيقة جنيف، والمواقف الوطنية التي يتبناها الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية والحراك الوطني والثوري السوري، لتكون جزءا من الثورة، إن فاوضت النظام والروس فاوضتهما باسمها، ولتحقيق أهدافها، على أن تكون، في الوقت نفسه، ممثلة في "الائتلاف" ومؤسساته.

ـ حتمية إجراء حوار مع واشنطن، يتناول تحديد نمط الدولة السورية البديلة للأسدية، على أن يواكبه تفاهمٌ مع مختلف أطراف الكرد على حقوقهم فيه، وينتهي بضماناتٍ أميركية لوحدة الدولة والمجتمع السوريين، ولما سيتم التفاهم عليه، فضلا عن حمايته من إيران، لتصبح نتائجه خيارا وطنيا يعبر عنه الحل السياسي المطلوب. بعد المجالس والحوار، لا بد من تواصلٍ مع روسيا يقنعها أن التمسّك بالنظام ليس لصالحها، ويغلق أبواب مصالحتها مع الشعب السوري.

بعد قيام كيانين، لا علاقة لهما بالثورة في وطننا، روسي/ أسدي وأميركي/ باياداي، وبعد نشوء مخاطر تهدّد وجود سورية، لم يعد بإمكاننا بلوغ أهداف شعبنا وثورته بالوسائل والممارسات التي اعتمدها "الائتلاف" والعمل الوطني خلال السنوات الماضية. ولم يعد ممكنا أو مجديا التخلي عن روح المبادرة ومتطلبات الواقعية السياسية، والتمسّك بطرق عمل وممارساتٍ عائدها الوحيد تفويت فرص تحقيق ما يُراد تحقيقه من أهداف بواسطتها.

========================

لبنان.. هذا التحريض العنصري ضد السوريين .. سعد كيوان

العربي الجديد

الاحد 23/7/2017

استوت الطبخة، وبدأت التعبئة السياسية والإعلامية والشحن الطائفي، والتخويف من النازح واللاجئ، وشد وتر العصبية اللبنانية، تفرز نتائجها. العنوان المعلن لهذه الحملة هو الدفاع عن الجيش اللبناني "سياج الوطن وحامي أمنه وحدوده من الإرهابيين". علما أن لا أحد تعرّض للجيش بكلمة. أما المبطن والمضمر فخطير وخبيث وسلطوي واستبدادي وفتنوي، ناهيك عن رائحة العنصرية التي بدأت تفوح.

بدأت الحملة على مواقع التواصل الاجتماعي تنافس مزايدة في التهليل للجيش والإشادة به، وشتم النازحين السوريين، خصوصا في أوساط المراهقين والجهلة، بدأت تنتقل إلى وسائل الإعلام وتتوسع، ثم تليها التعبئة في الشارع وعلى اللوحات الإعلانية. وها هي تدخل كل بيت، متخطيةً كل الخلافات السياسية والانتماءات الطائفية والمذهبية. الجيش لا يُنتقد ولا يُمسّ، ولا يمكن إبداء أي ملاحظةٍ تجاه ما يقوم به. ولا يجب حتى أن يُؤتى على ذكره على أي شفة أو لسان، غير التبجيل والحمد، كما في ظل الأنظمة العسكرية. أنه يقاتل ويستبسل في مواجهة الإرهاب وتنظيماته، مثل "داعش" وجبهة النصرة المتغلغلة بين النازحين، بحسب أصحاب الحملة. حتى عندما يخطئ، وجلّ من لا يخطئ، وإذا حصل وأن أخطأ في التعاطي مع بعض من تم اعتقالهم خلال عمليات مواجهة على الحدود الشرقية اللبنانية - السورية، وأدّى هذا الخطأ إلى وقوع أربع ضحايا، فمن غير المسموح أن يحتج أحدٌ، أو أن يطالب بإجراء تحقيقٍ لكشف حقيقة ما حصل، حفاظا على حقوق الموقوف، حتى تثبت إدانته، أو بهدف معرفة حقيقة ظروف من قضى، وحفاظا، في الوقت عينه، على دور الجيش وسمعته وحصانته.

ولأن أحدا تجرّأ، وهو طرفٌ لبناني بطبيعة الحال، ودعا إلى اعتصام رمزي سلمي مرخص، 

"تمرير تحت دخان غطاء مشحون بالسموم العنصرية "معركة تحرير جرود عرسال" اللبنانية من إرهابيي "النصرة"" تضامنا مع الموقوفين والضحايا، ومطالبا بكشف حقيقة ما حصل مع هؤلاء الأشخاص، بغض النظر عن جنسيتهم وانتماءاتهم، ارتفعت أصواتٌ تهدّد بالثبور وعظائم الأمور. واشرأبت أعناق وأبواق مأجورة ومسعورة مطلقةً حملة شعواء على النازحين السوريين، "المعتدين على أمننا" و"المتنكّرين لحسن الضيافة"، و"ناهبي خيراتنا ولقمة عيش أبنائنا" و.. و.. وحولت البروباغندا الاعتصام إلى تظاهرة معادية للجيش اللبناني. وأعلن "سعاة الخير"، من حاقدين وبقايا أجهزة، عن تظاهرة مضادة، تضامنا مع الجيش في المكان نفسه. ووسط هذا المناخ المسموم، اندفع متهورون ليلا إلى مطاردة بعض النازحين، والاعتداء عليهم بوحشية. عندها، سارعت وزارة الداخلية إلى التحرّك لضبط الأمور، قبل حصول ما لا تُحمد عقباه. وقد دفعت الوقاحة بالسفير السوري في بيروت إلى حد إصدار بيانٍ يدين فيه "المعاملة السيئة التي يتعرّض لها السوريون من البعض" في لبنان؟!

الخطوة الأولى إذا إيجاد مناخٍ معاد للنازحين السوريين الذين هم بمعظمهم من معارضي النظام، ولجأوا إلى لبنان هربا من القتل ببراميل الأسد المتفجرة. ثم تسويق فكرة أن مخيمات النزوح أصبحت مخترقة من إرهابيي "داعش" وجبهة النصرة الذين يتلطون بالنازحين، للاعتداء على الجيش كما يروّج حزب الله منذ فترة. وبالتالي، تأليب الجيش ضد النازحين، ووضعهم في مواجهةٍ معه، بالتزامن مع إحداث مناخٍ تعبويٍّ من الحقد والكراهية والعنصرية تجاه السوريين، واللعب على خلفية مخزون الذاكرة، الحديثة في مطلق الأحوال، عبر الخلط بين الشعب السوري وممارسات النظام السوري وأجهزته التي حكمت لبنان ثلاثين سنة.

الخطوة الثانية هي إيهام النازحين السوريين، في المقابل، بأنهم باتوا غير آمنين، وغير مرغوب فيهم في لبنان، وإن العودة إلى سورية هي الخيار الأسلم لهم. ولكن، إلى أين؟ يحاول هنا حزب الله الضغط على الحكومة اللبنانية، لإجبارها على فتح حوار مع بشار، والاعتراف بشرعيته، والتنسيق معه بشأن عودة النازحين التي يضمنها هو إلى "المناطق الآمنة" التي يسيطر عليها. وطبعا نريد أن نقتنع أنها مزحة، ولو سمجة، إلا أن هذه المناورة لم تنطل على رئيس الحكومة وحلفائه من غير "الممانعين".

الخطوة الثالثة والأهم تمرير تحت دخان هذا الغطاء الكثيف والخبيث المشحون بالسموم

"حولت البروباغندا الاعتصام إلى تظاهرة معادية للجيش اللبناني" العنصرية "معركة تحرير جرود عرسال" اللبنانية من إرهابيي "النصرة" التي مهد لها حزب الله منذ أسابيع، وأطلقها فجر الجمعة 21 يوليو/ تموز الجاري. وهي معركةٌ قرّرها وافتعلها حزب الله بمفرده، ووضع الجيش اللبناني أمام الأمر الواقع، بعد أن تم توريطه في معارك تطهير تمهيدية، اصطدم خلالها بوفاة أربعةٍ بظروف غامضة من بين الذين تم توقيفهم خلال المداهمات. وقد مهّدت هذه الواقعة الطريق أمام حملة التعبئة والتجييش مع الجيش، وضد النازحين. وقد مهد الطيران الحربي الأسدي لهذه المعركة منذ أكثر من أسبوع بغاراتٍ على جرود عرسال داخل الأراضي اللبنانية، فيما بدت الحكومة اللبنانية مربكةً، تلتزم الصمت حيال انتهاك طيران بشار السيادة اللبنانية. أما جماعة "الممانعة" فيبرّرون هذا الانتهاك بأنه يعود إلى عدم ترسيم الحدود بين البلدين، علما أن من رفض كل محاولات الترسيم هو النظام السوري، سواء بالمباشر أو عبر الأمم المتحدة.

تم التحضير لمعركة عرسال بإتقان، وعلى أكثر من مستوى، أوله إحراج الجيش وإجباره على اللحاق بما يقرّره حزب الله، بسبب غياب أي قرار رسمي حكومي. وثانيا، عبر إيجاد مناخ لبناني حاضن ومعاد للنازحين. وثالثا، مواكبة من وسائل إعلام "الممانعة" التي راحت تروّج المعركة، وتتكلم عن تفاصيلها وإحداثياتها قبل حصولها. وواضح أن الهدف الجوهري للمعركة أن منطقة عرسال (نحو 50 ألف نسمة من السنّة) تشكل عقبة كأداء في طريق تحرير الشريط الساحلي (دويلة الأسد المزعومة؟) من دمشق نحو حمص واللاذقية.

وللمفارقة، رسمت صحيفة الأخبار اللبنانية صورة عن مجريات المعركة في عددها الصادر صباحا بالتزامن مع بدء الهجوم، واعتبرت بوضوح، ومن دون أي إحراج، أنها معركة يخوضها حزب الله والجيش السوري. وقدمت للتقرير جازمةً أن المعركة "ستنتهي قريباً بتحرير ما يزيد على 300 كلم مربّع من سيطرة الإرهابيين على يد المقاومة والجيش السوري، ليتسلّم الجيش اللبناني لاحقاً الحدود اللبنانية ــ السورية "خالية من الإرهاب".

========================

تركيا وأميركا في سورية؟ .. خورشيد دلي

العربي الجديد

الاحد 23/7/2017

لا يمكن فهم كشف وكالة الأناضول التركية القواعد العسكرية الأميركية في شمال شرق سورية إلا في سياق زيادة التوتر بين البلدين، على خلفية مواصلة الإدارة الأميركية دعمها الكرد، وعدم استجابتها لمطلب تركيا بوقف هذا الدعم، وهو ما تعدّه أنقرة الحليفة التاريخية لواشنطن انقلابا على ثوابت العلاقة الأميركية - التركية، منذ انضمت تركيا مبكرا إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) عام 1952، ولعل ما يزيد من مخاوف تركيا شعورها العميق بأن وراء الدعم الأميركي للكرد وجود مخطط غير معلن، هدفه إقامة دولة كردية في المنطقة، وإن إقامة مثل هذه الدولة ستؤدي إلى تقسيم تركيا، فيما تقول واشنطن إن ذلك يأتي في إطار الحرب على "داعش". وهكذا، تحول الدعم الأميركي للكرد إلى نقطة خلاف متصاعدة في العلاقات التركية – الأميركية، أفقدها الثقة من جهة، ومن جهة ثانيةٍ، عمّق من الشروخ بين البلدين، لاسيما ان قضية تسليم فتح الله غولن المتهم بالتورّط بالإنقلاب العسكري الفاشل في تركيا تخيم بظلالها على هذه العلاقة.

أمام هذا الواقع، ترى تركيا أن اللغة الدبلوماسية الأميركية التي تحاول التوفيق بين الحليف التاريخي (تركيا) والحليف الكردي الجديد عبر لعبة التوازنات ليست سوى مجرد أسلوب دبلوماسي، للتهرب من مطالب أنقرة، والمضي في المخططات الخفية، ومثل هذا الأسلوب لم يعد ممكنا القبول به في المرحلة المقبلة، وإن على واشنطن أن تحسم خيارها بين استمرار تحالفها مع الكرد أو العودة إلى تحالفها القديم مع أنقرة. وعليه، فان كشف أنقرة المواقع العسكرية الأميركة في سورية يشكل رسالة تركية بأنها لن تقبل باستمرار الوضع هكذا، وهي رسالةٌ تتكامل مع التسخين العسكري التركي في شمال سورية، والتهديد بشن عملية عسكرية ضد عفرين، تحت عنوان "سيف الفرات".

أبعد من قضية الدعم الأميركي للكرد، ثمّة قضية حسّاسة قد تفجر العلاقات بين البلدين، فبعد الاتفاق الأميركي – الروسي على وقف إطلاق النار في جنوب غرب سورية، زادت الهواجس التركية إزاء إدارة دونالد ترامب، ولاسيما بعد تلميح الأخير إلى احتمال إبرام اتفاق ثان يشمل منطقة شمال شرق سورية التي تتمتع بأهمية قصوى لتركيا. ولعل تركيا تخشى هنا، في المقام الأول، من أن يجري مثل هذا الاتفاق من دون الترتيب معها، وأن يؤدي إلى تكريس الكيان الكردي الناشئ على شكل اعتراف أمني، يجلب اعترافا سياسيا به في المرحلة المقبلة. ومن جهة ثالثة، قد يؤثر مثل هذا الاتفاق سلبا على التقارب التركي – الروسي، والتفاهمات التي حصلت في أستانة بشأن التهدئة في المناطق المنخفضة التوتر، فيشكل ذلك كله ضربة لنفوذ تركيا ودورها في الأزمة السورية.

من دون شك، يثير وصول العلاقات الأميركية - التركية إلى هذا المستوى من الخلافات مخاوف مفتوحة في تركيا، لاسيما وأن سياسات دونالد ترامب توحي بمزيد من التصعيد، في ظل شعاراته المعادية للإسلام، وانخراطه في إجراءات إقصائية بهذا الخصوص، والحديث عن احتمال تصنيف الكونغرس الأميركي جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية، كذلك ازدياد حدّة الخلافات بين تركيا ودول أوروبية عديدة... إذ يوحي ذلك كله بتطورات دراماتيكية في العلاقات التركية مع الغرب، بشقيه الاميركي والأوروبي، قد يكون من أهم نتائجها إعادة تموضع العلاقات، إن لم نقل القطيعة في بعض الحالات.

========================

اللاجئون السوريون و«حزب الله» .. د. رضوان السيد

الاتحاد

الاحد 23/7/2017

قبل ثلاثة أشهر أعلن حزب الله الانسحاب من بعض المواقع على الحدود الشرقية بين لبنان وسوريا، وقال إنه «نسّق» مع الجيش اللبناني لتسلُّم تلك المواقع بعد أن حرَّرها من الإرهاب! وقتها ظننّا الأمر وهماً أو أنّ الحزب يحتاج إلى بعض قواته في جنوب سوريا على الحدود مع الأردن. إنما منذ ذلك الوقت بدأ نصر الله يلقي خطابات تدعو المسلَّحين الإرهابيين للانسحاب من عرسال وجرودها، ويطلب من الجيش اللبناني مهاجمتهم وإلا فسيعود الحزب للقيام بذلك!«حزب الله» مسيطرٌ على تلك الحدود منذ أربعة أعوام. وقد أعلن مطلع 2013 الانطلاق منها إلى الداخل السوري ما بين القصير وحمص والقلمون وضواحي دمشق، وامتداداً نحو الشمال ونحو الجنوب باتجاه درعا. وخلال كل تلك السنوات، كان الجيش اللبناني يتمركز إلى جانب الحزب، وينسِّقُ معه للقيام بعملياتٍ مشتركةٍ بالجرود وبالمخيمات العشوائية حول عرسال وداخلها.

وإلى جانب التركيز على عرسال ومحيطها وجرودها، كانت هناك حملات سياسية على اللاجئين أنفُسهم باعتبار أعدادهم المتزايدة، حتى بلغ بهم البطريرك الماروني حدود المليونين!

المهم أنه في الشهرين الماضيين، أطلق الحزب وأنصاره، والتيار الوطني الحر وأنصاره حملتين: الأُولى لإعادة اللاجئين إلى ديارهم في سوريا عبر التفاوُض مع النظام السوري. والحملة الثانية التي سبق ذكرها، وهي ضرورة قيام الجيش اللبناني المتمركز في عرسال وحولها بالضرب في ناحتين: ضرب المسلحين في الجرود على الحدود، وضرب الإرهابيين الذين تسللوا إلى البلدة ومخيمات اللاجئين العشوائية من حولها.

على الحملة الأولى (إخراج اللاجئين) ردَّ الرئيس الحريري بأنّ الحكومة لن تتفاوض مع النظام، وإنما على المؤسسات الدولية التي ترعى اللاجئين، والتي تعهدت بعدم الموافقة على عودتهم إلاّ لمناطق آمنة حسب تقديرها هي التي تتفاوض.

أما الحملة الثانية والداعية لضرب الإرهابيين بعرسال وجوارها وجرودها أو تقوم ميليشيات نصر الله بذلك، فقد شهدنا نموذجاً لها قبل أيام عندما دخل الجيش إلى مخيم «النَوَر»، فقُتل أربعة أو خمسة قيل إنهم فجروا أنفسهم بأحزمة ناسفة، ودمَّر الجيش المخيم وقبض على سائر ساكنيه (نحو 350) غالبيتهم من النساء والأطفال، وبعد التحقيق معهم فيما قال الجيش، تبين أنّ بينهم أربعين أوقفهم الجيش اللبناني بتهمة الإرهاب، ولم يحسب الجيش بينهم 4 أو 5 أو 6 ماتوا أثناء التحقيق قال الجيش إنهم ماتوا بسبب شدة الحر!

لماذا أذكُرُ هذه التفاصيل؟ لأنني أنا وغيري تابعنا بيانات الجيش ومعلوماته وكلام السياسيين، وسألنا ضباطاً عاملين في عرسال، وآخرين متقاعدين، وقد قالوا إنهم يتوقعون أمرين، استناداً إلى تجارب سابقة مع الجيش والحزب: الأول، اقتراف مذبحة في عرسال ومخيماتها لتشريد اللاجئين والسكان مجدداً، كما تشرد الآلاف من قبل، بحيث تُصبحُ المنطقةُ الحدودية صافيةً للحزب ومسلَّحيه، لأنّ سكان عرسال سُنّة. والأمر الآخر أنّ الهجوم في الجرود العالية لا مبرر له، لأنّ المسلحين فيها معظمهم بداخل الأراضي السورية الجبلية الوعرة. ومراكز الجيش كثيفة ومنتشرة وبالتالي فلا خوف من قدرة المسلحين على التسلل، بل المقصود بالهجوم في الجرود مساعدة النظام السوري والحزب على المسلحين المشرَّدين بالجبال، وكلهم من سكان القرى التي هجّرهم منها الحزب.وفي يوم 17/‏7/‏2017 أعلن رئيس الحكومة اللبنانية أنّ الجيش سيقوم بعمليةٍ «مدروسة» في جرود عرسال، ومن دون تنسيق مع النظام السوري! لكن دولة الرئيس يعلم أنّ هذه العملية أمر بها الأمين العام للحزب قبل أكثر من شهرين. وأما أنها «مدروسة»، فإنّ صاحب «كليلة ودمنة» قال: إنّ أشجع الشجعان من يشرب السُمَّ على سبيل التجربة!

*أستاذ الدراسات الإسلامية بالجامعة اللبنانية -بيروت

========================

كتاب اليهود والقرابين البشرية تأليف :محمد فوزي حمزة .. عرض : يحيى حاج يحيى

في سلسلة ( اعرف عدوك ) صدر عن دار الأنصار بالقاهرة كتاب اليهود والقرابين البشرية ، وقد احتوى على أكثر من خمسين وثيقة لجرائم إعداد الفطيرة المقدسة التي تعني التقرب إلى الله بشرب دماء غير اليهود ؟ ! وهو كتاب وثائقي هام مع أنه لم يتجاوز الأربعين صفحة من القطع المتوسط . اعتمد فيه المؤلف على مصادر كثيرة منها : كتاب خطر اليهودية على الإسلام والمسيحية لعبد الله التل ، والتعاليم اليهودية لدورزي ، والمخطط الصهيوني حتى عام ألفين لدائرة المعارف اليهودية ، والكنز المرصود في قواعد التلمود وقد ترجمه يوسف حنا نصر الله .

والجدير بالذكر أن هناك شريعتين تبيحان سفك الدماء بغير الحق هما : شريعة الغاب وشريعةيهود ،كما يقول الناشر ،و يضيف : الوثائق في هذا الكتاب تقدم الحقائق مباشرة وفق تسلسل تاريخي حسب مواقع حدوثها في بقاع الكرة الأرضية ويضيف : إن حقد الصهيونية على المسيحية قديم منذ عهد عيسى عليه السلام ، وإن مؤامراتها ضد الإسلام والمسلمين لاتخفى على أحد ،وإن العداء الصهيوني للإنسانية جمعاء يسجله كتابهم الجهنمي (بروتوكولات حكماء صهيون ) ولعل المسيحيين والمسلمين في أنحاء العالم يدركون هول الخطر وسوء المصير الذي يبيته اليهود للإنسانية ، فإن الصهيونية العالمية تقوم بإبادة المسلمين وستواصل إبادة المسيحيين إذا استمر العالم في استمرار الخضوع لهم والخنوع أمامهم ؟!

 يبدأ المؤلف من بريطانيا بذكر عدد من ا لأحداث والجرائم التي قاموا بها ،وكان جميع ضحاياهم من الأطفال الذين تؤخذ دماؤهم للفطير الصهيوني ؟! ففي سنة 1290 م ذبح اليهود في اكسفورد طفلا مسيحيا وذلك في 21يونيو من تلك السنة ، وبعد شهر من هذا التاريخ أصدر الملك ادوارد الأول أمره بطرد اليهود من بريطانيا نهائيا .

وأما في فرنسا فقد توالى ىسرقة الأطفال وذبحهم ففي سنة 1288 م عثرفي ترويس على جثة طفل مذبوح على طريقة يهود ، فحوكموا وأعدم13 منهم حرقا ، وقد اعترفت بذلك دائرة المعارف اليهودية في الجزء 12 – صفحة267

وكذلك في ألمانيا اعترف يهود عام 1235 م باستنزاف دماء ضحاياهم لأغراض طبية في زعمهم . وأما في عام 1932 م وفي ألمانيا أقدم الجزار اليهودي مايير وابنه على ذبح فتاة تعمل لديهم وثبت في التقرير الطبي أن الدم قد سحب من الفتاة قبل تقطيع أجزائها؟!

وفي أسبانيا وسويسرا والنمسا وإيطاليا و هنغاريا تكرر ذلك و شهد كل بلد عاش فيه هؤلاء جرائم متشابهة في طريقتها وهي خطف الأطفال و ذبحهم .

ونقف عند إحدى جرائمهم في إيطاليا على سبيل المثال ففي عام 1475 اختفى في ( ترينت) طفل عمره ثلاث سنوات يدعى سيمون ، وحينما انتبهت الأنظار إلى اليهود ، أحضروا جثة الطفل من ترعة ، ليبعدوا الشبهة عنهم .. وبعد التحقيق ثبت أن الطفل لم يمت غرقا ، بل استنزف دمه بواسطة جروح في العنق والمعصم و القدم ، و اعترف يهود بالجريمة ، وبرروا ذلك بحاجتهم للدم من أجل إتمام طقوسهم الدينية وعجن خبر العيد بالدم البشري والنبيذ وقد أعدم سبعة منهم في تلك القضية .

وفي بردوسيا في ضاحية كوينتز ، عثر على شاب مذبوحا و ثبت بالتحقيق أن الوفاة نجمت عن استنزاف دمه ... و ثبت كذلك أن عددا من اليهود قد زاروا البلدة ليلة الحادث واختفوا صباحا ، وقد أثارت هذه الجريمة سكان المنطقة على يهود و جرت حوادث انتقامية ذكرتها دائرة المعارف اليهودية في صفحتين ونصف ؟! وحدث مثل ذلك في بلاد مختلفة في اليونان ولبنان و سورية و مصر ونقف عند هذه الحادثة فقد اختفى عام 1890 م في دمشق ، الطفل المسيحي هنري عبد النور ( 6 سنوات ) قبل عيد الفصح اليهودي ، ثم عثر عليه في بئر بالقرب من حارة يهود وتبين أن دمه قد استنزف من جرح في المعصم !؟

لقد اعتاد يهود وفق تعاليمهم ووفق ما ضبط من جرائم على قتل الأطفال و أخذ دمائهم لمزجها بفطائر العيد واعترض المؤرخ اليهودي ( برنارد لازار ) في كتابه ( اللاسامية ) بأن هذه العادة ترجع إلى استخدام دماء الأطفال من السحرة اليهود في الماضي .

والملاحظ -كما يقول عبد الله التل في كتابه ( خطر اليهودية العالمية على الإسلام والمسيحية ) أن فرحة اليهود لا تتم في عيدهم المقدس (عيد البوريم ) إلا بتقديم القرابين البشرية وضحايا هذا العيد تنتقى عادة من الأطفال وأما ذبائح عيد الفصح اليهودي فتكون عادة من الأولاد الذين لا تزيد أعمارهم كثيرا على عشر سنوات ؟!

وقد أفردالمؤلف لجريمة دمشق الكبرى فصلا خاصا ، وهي التي تم فيها ذبح الأب توما وخادمه إبراهيم عمار ، وفيها قدم المتهمون اعترافات كاملة ومذهلة ،وعثرت السلطات آنذاك في عام 1840 م على أجزاء من جثتي الضحيتين وجرت للمجرمين محاكمة تاريخية ؟! ونقتطف فقرة من اعتراف (مراد الفتال) أحد مجرمي هذه المذبحة إذ يقول " أحضروا طشتا من نحاس أبيض ، و(مراد فارحي ) وضع رقبة إبراهيم عمار عليه وذبحه وأنا كنت أمسك رأسه معه ، و( أصلان بن مخائيل ) و ( إسحاق بتشوتو ) كانا جالسين فوق رأسه ، و( هارون اسطنبولي ) مع الباقين كانوا ضاغطين عليه جيدا كي لا يتحرك وبقي الحال هكذا حتى تصفى دمه "

وهذه الحادثة الموثقة اعتمد عليها الدكتور نجيب الكيلاني- رحمه الله – في روايته " دم لفطير صهيون "وهي تصور حقد يهود على جميع الأديان و الشعوب.

إنه من خلال وقوع هذه الجرائم في مختلف الأزمة و الأمكنة وحتى يومنا هذا حيث يقوم جيش يهود بذبح الآمنين من أطفال فلسطين و نسائها على مشهد من العالم كله ... يتوضح :

1/ أن عمليات الذبح و استنزاف الدماء لم تتوقف

2/ أن هذا الذبح يكون بطريقة متوارثة مما يدل على خبرة طويلة عبر أجيال .

3/ أنه مع ما أصاب يهود من نكبات بسبب فعلتهم الشنيعة ، إذ أعدم العشرات منهم فإنهم لم يتوقفوا ولم يتراجعوا مما يدل على تأصل الجريمة في نفوسهم .

4/ أن المال اليهودي كان يتدخل في كثير من الحوادث وقد نجح في حالات كثيرة كما في قضية الأب توما و إبراهيم عمار .

========================

حديث حول الدستور السوري .. د. رياض نعسان أغا

الاتحاد

السبت 22/7/2017

مع انطلاق اللقاءات التشاورية التقنية التي عقدها دي مستورا في لوزان مطلع هذا الشهر (يوليو 2017) بين أطراف المعارضة السورية، انطلقت في المجتمع السوري حملات شعبية ملأت صفحات التواصل الاجتماعي تدعو إلى اعتماد دستور 1950 الذي رسخ بنية الديمقراطية في تلك المرحلة من تاريخ سورية، وأسس لحكم غير طائفي، وقد جاء هذا الدستور بعد أن مرت سورية بحالة قاسية من الفوضى حيث شهدت ثلاثة انقلابات عسكرية في عام واحد هو 1949 وكان الانقلاب الذي قاده حسني الزعيم (في شهر مارس) أول انقلاب في الشرق الأوسط، وبداية لتدخل الجيش في الحكم بشكل مباشر، وبعد أقل من خمسة أشهر قام سامي الحناوي بانقلاب على الزعيم (شهر أغسطس) وسرعان ما قام أديب الشيشكلي بانقلاب على الحناوي (شهر ديسمبر)! ولعل هذه الأجواء الانقلابية حفزت الشعب السوري على الإصرار على استعادة الحياة الديمقراطية، التي بدت مطلباً شعبياً منذ حكومة علي رضا الركابي عام 1918 حيث تم تأسيس أول تجربة برلمانية عربية بعد نهاية المرحلة العثمانية. والطريف أن الأمير فيصل بن الحسين استعان عام 1919 بالناخبين الذين اختاورا ممثليهم لمجلس المبعوثان لإسطنبول ليكونوا أعضاء المؤتمر السوري العام الذي قام بتعيين الأمير فيصل ملكاً لسوريا، وهو المؤتمر الذي تولى رئاسته بعد فوزي باشا العظم، هاشم الأتاسي الذي ترأس لجنة صياغة دستور 1920.

ولقد قام الانتداب الفرنسي بتعطيل هذا الدستور لأن خطة فرنسا يومذاك هي تقسيم سوريا، وقد فعلت ذلك، ولن أستعرض التفاصيل فحسبي أن أشير إلى أن دستور 1920 انتهى العمل به وانتخبت لجنة جديدة لوضع دستور لسوريا عام 1928 برئاسة إبراهيم هنانو، وأعلن الدستور الجديد أن سوريا جمهورية نيابية عاصمتها دمشق ودين رئيسها الإسلام، وأن بلادها وحدة سياسية لا تتجزأ، وتم في هذا الدستور فصل السلطات، وقد تم تعديله عام 1947 ثم عام 1948 حيث سمح للقوتلي بولاية ثانية، إلى أن جاء انقلاب الزعيم وتم تعطيل العمل بالدستور.

وحين جاء سامي الحناوي بانقلابه كلف الرئيس السابق هاشم الأتاسي بالإعداد لانتخاب جمعية تأسيسية لوضع دستور جديد، وكان دستور 1950 الذي سمي دستور الاستقلال، وكان قد ترأس لجنة وضع الدستور الدكتور ناظم القدسي الذي صرح يومذاك بأن اللجنة درست خمسة عشر دستوراً أوروبياً وآسيوياً للوصول إلى أرقى المعايير الدستورية.

وأهم ما جاء به الدستور الجديد هو إنهاء النقاش الحاد حول «دين الدولة» حيث اتفق الجميع على الاكتفاء بأن يكون دين رئيس الدولة الإسلام، وهذا ما كان أقره دستور 1930، كما أقر دستور 1950 تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية، وزاد من صلاحيات البرلمان، ولكن هذا الدستور لم يحسم موضوع تدخل الجيش في الحياة السياسية، وكانت هناك مادة لم يتم إقرارها.

والمفارقة اليوم أن موضوعات النقاش الجارية في لوزان وفي مواقع أخرى تستعيد ذات القضايا على رغم مرور ستة عقود ونيف، حيث كانت الحوارات وما تزال تدور حول صلة الدولة بالإسلام، وحول حقوق الأقليات، وحول موقف الجيش من السياسة، كما أن هاجس تقسيم سوريا لا يزال خطراً يخشاه جميع الشرفاء من السوريين.

وقد توافقت رؤى أغلب المتحاورين في اللجنة التقنية التي تدرس ملف الدستور حالياً على أن صياغة دستور جديد لسوريا تأتي في سياق عملية انتقال سياسي ضمن محادثات جنيف الراهنة، وينبغي أن يبدأ العمل في إعداد الدستور فور إنشاء هيئة الحكم ذي المصداقية غير الطائفي (كما تسميه البيانات والقوانين الدولية) وسيطرح على النقاش الشعبي العام. ويفترض أن تكون آلية ذلك منوطة بهيئة الحكم التي ستدعو إلى عقد مؤتمر وطني عام، يقوم بتشكيل لجنة صياغة الدستور، الذي سيعرض على استفتاء عام، وتلتزم الأمم المتحدة بالإشراف عليه.

وأعتقد أن إصرار قوى مهمة من الشعب السوري على استعادة دستور 1950 بشكل مؤقت هو توجيه مهم لمن سيقومون بوضع دستور جديد، بألا يخرجوا عن روح هذا الدستور، وأن يرسخوا قيم الديمقراطية ومفهوم المواطنة، وأن يحافظوا على المرجعيات الثقافية التي حافظ عليها الشعب وحافظت بدورها على هويته.

========================

(النصرة) في إدلب.. عَوْد على بدء بغيض .. صبحي حديدي

القدس العربي

السبت 22/7/2017

أجرت مدينة سراقب جولة جديدة من سلسلة انتخابات اتصفت بها، على نحو مميز، منذ تحررها من قبضة النظام، في آذار (مارس) 2012؛ وتحت تأثير ضغط شعبي، إيجابي تماماً، تمثّل في وسم أطلقه نشطاء المدينة، بعنوان «الانتخابات مطلب شعبي»، على مستويات المجلس المحلي ومجلسَيْ الشورى والأعيان. إحدى هذه الجولات الحديثة كانت انتخاب رئاسة «مجلس الأعيان» في المدينة، بمشاركة 130 من أصل 200 عضو أصيل في المجلس؛ وأمّا المنجز الأحدث لهذه الرئاسة الجديدة، ومجلسها، فقد كان تشكيل اللجنة التحضيرية التي ستشرف على انتخابات مجلس سراقب المحلي، بعد أن تشاور «الأعيان» مع التجمعات المهنية والفعاليات المدنية.

وبالفعل، أجرت هذه اللجنة، قبل أيام قليلة، انتخابات رئاسة المجلس المحلي، وكانت نسبة المشاركة 55٪، بينها 25٪ للنساء؛ وشهدت تنافساً جلياً، وبالتالي نتائج متقاربة، بين مثنى عبد الكريم المحمد (الذي حصل على 1265 صوتاً)، ومنافسه إبراهيم باريش (1174 صوتاً). والفائز من مواليد المدينة (41 سنة)، يحمل الإجازة في الحقوق، وسبق له أن شغل رئاسة المجلس المحلي، كما كان عضواً في نقابة «محامي إدلب الأحرار»، وكان من مؤسسي «مجلس الأعيان» في المدينة، وأحد المشاركين في وضع نظامه الداخلي. وتجدر الإشارة إلى أنّ اللجنة التحضيرية كانت قد اشترطت في المرشح أن يكون من أبناء سراقب، يتجاوز الخامسة والعشرين، «ممن لديه سيرة حسنة وتاريخ ثوري»، و«ألا يكون مداناً بجرم من محكمة»، و«ألا يرتبط بأي شكل من الأشكال مع النظام السوري».

منذا الذي سوف يستشيط غيظاً من نشاط كهذا، وطني وشعبي ومدني وديمقراطي؟ أطراف، أو كلها، تبغض التوصيفات الأربعة الأخيرة، لأسباب قد تتباين في حيثية أو أخرى، لكنها على الأرجح سوف تلتقي عند مظنّة كبرى مشتركة، هي معاداة المفاهيم ذاتها خلف تلك التوصيفات: الوطن، والشعب، والاجتماع المدني، والديمقراطية. وأية جهة، في محافظة إدلب عموماً، ومدينة سراقب تحديداً، سوف تستأثر بالحصة الأعلى في العداء والبغضاء، سوى «جبهة النصرة»، سابقاً ودائماً، وحاملة الاسم الجديد الزائف: «هيئة تحرير الشام»! لا «وطن» عندها، سوى ما تختاره من «ساح الجهاد»، الذي تحلّ فيه يوماً، لكي تغادره بعد يوم؛ ولا «شعب» يعنيها، خارج تعريف غائم وعائم عن «أمّة الإسلام»، مرتبط بالغيب وليس بالبشر؛ ولا «اجتماع» عندها يمكن أن يتجاوز ما يُجمع عليه «أمير الجماعة» أو ولاته، وما يقسرون العباد على الإجماع فيه؛ ولا ديمقراطية، بالطبع، لأنها رجس يتوجب اجتنابه لصالح ما يأمر به الولي الشرعي وما ينهى عنه!

فإذا كانت «النصرة» لم تحتمل، ولم تتحمل، الخلافات «الشرعية» مع أخوتها في الجهاد والسلاح والعقيدة، «أحرار الشام»، فانخرطت معهم في صولات حرب وجولات تطهير؛ فكيف لها أن تقبل، أو تتقبل، نشاطاً انتخابياً يمكن أن يمنح الصوت الشعبي حرية أعلى في إدارة الأرض وخدمة الشعب، وهي ـ أي «النصرة»، وقائدها أبو محمد الجولاني شخصياً ـ تأنس في ذاتها الحكم بتفويض من شرعية إلهية (افتراضية) أعلى؟ وهل إنزال علم الانتفاضة، ثمّ الدوس عليه (بأقدام ليست سورية أيضاً، بل يسير عليها جهاديون عدميون شذاذ آفاق، لا وطن لهم ولا وطنية)؛ أقلّ من يد بيضاء/ سوداء قاتمة في الحقيقة، تُقدّم إلى نظام بشار الأسد؟ وهل اغتيال الناشط الإعلامي مصعب العزو، خلال لجوء «النصرة» إلى إطلاق النار على تظاهرة مدنية في سراقب؛ أقلّ من هبة ميدانية، سياسية وإعلامية، تُهدى مجاناً إلى أجهزة النظام؟

وقبل سنتين ونيف، حين سقطت إدلب في قبضة «النصرة»، كانت الآمال حسيرة النظر قد هللت للحدث لأنه «تحرير» للمحافظة من قبضة النظام؛ غافلة عن حقيقة أخرى نظيرة، كانت تُنذر بوضع أهالي إدلب، ومجتمعها بأسره، في أسر جديد ليس أقلّ همجية مما كانت عليه الحال خلال عقود «الحركة التصحيحية». ولم يطل الوقت حتى كشرت «النصرة» عن أنياب ليست أدنى شراسة، عبر سلسلة إجراءات «شرعية» واشتراطات «أمنية»، استبدادية وقمعية وتعسفية؛ لم يكن أوضحها إغراق ساحات المدينة بصور زعيم تنظيم «القاعدة»، أيمن الظواهري، وإزالة أعلام الانتفاضة، ومحو الشعارات الوطنية والمدنية والديمقراطية. كذلك لم يطل الوقت حتى ابتدأت «النصرة» في تطهير المحافظة من أيّ خصم عسكري محتمل، وكان هؤلاء الخصوم ينحدرون من صفوف الجهاديين أصلاً، إذْ لم يكن قد تبقى من «الجيش السوري الحرّ» إلا أسطورة التسمية!

من جانب آخر، كان سقوط إدلب تحت هيمنة «النصرة» قد أسقط سلسلة من المعادلات الرديفة، المحلية والإقليمية والدولية، بما آل إلى حصيلة لصالح «النصرة»، للمفارقة الصارخة. ومنذ كانون الأول (ديسمبر) 2012، حين لجأت الولايات المتحدة إلى الإجراء الكلاسيكي، والكاريكاتوري، المتمثل في وضع «النصرة» على اللائحة الأمريكية للإرهاب؛ ارتفعت شعبية الجبهة، الأمر الذي عنى أنها سوف تستشرس أكثر في الاستقواء ضدّ خصومها، وضدّ أبناء المحافظة إجمالاً، وسوف تكشف المزيد من المكوّنات الظلامية في خطابها وسلوكها. وكان تخبّط واشنطن في مسألة تسليح الفصائل العسكرية ــ أسوة بتخبط الآخرين في الواقع، كلٌّ حسب الملعب الذي اختاره للعب بالفصائل الجهادية ــ بمثابة عامل تقوية إضافي للجبهة؛ فلم يكن لديها ما تخسره جرّاء حجب الأسلحة، ويتوفر لها الكثير الذي تربحه في حال تدفقها. ولقد رجحت كفة «النصرة»، كما حدث يومذاك في حربها ضد «حزم» و»الجبهة الثورية السورية» و»أحرار الشام»، في جبل الزاوية ومحيط إدلب وشمال حلب، ثمّ في المعركة الفاصلة للسيطرة على معسكرَي وادي الضيف والحامدية تحديداً.

وكم بدا بائساً، وقصير نظر، ذلك التهليل الذي صدر عن برهان غليون ــ في صفته كرئيس أوّل «مجلس وطني» للمعارضة، على الأقلّ! ـ للترحيب ببيان الجولاني، حول إدارة مدينة إدلب؛ معتبراً أنها تقضي على «الشكوك التي يثيرها الكثيرون في الداخل والخارج حول العلاقة بين القوى الجهادية والقوى الوطنية، والتي تجعل المستقبل يبدو غامضاً بالنسبة للسوريين إزاء أي تقدم على الارض وفي مجال التحرير». ذلك لأنّ مستقبل إدلب، في قبضة «النصرة»، لم يكن غامضاً البتة، بل توجب أن يبصره أمثال غليون في حقائقه الكابوسية؛ هذه التي أخذت تتكشف تدريجياً، يوماً بعد آخر، وليست التطورات الأخيرة في سراقب إلا بعض تفاصيلها. وحين عبّر كاتب هذه السطور عن توجسه من سيطرة «النصرة» على إدلب، تنافخ نفر آخر من قصيري النظر، نافخي الأبواق الشعبوية وقارعي الطبول الطائفية، لتأثيم أيّ تخوّف من المستقبل؛ وليس غريباً أنّ هؤلاء يلتزمون، اليوم، صمت القبور إزاء جرائم «النصرة» في سراقب.

ومن أسف، وأسى أيضاً، أن يقف المرء على مقدار التناقض بين مجتمع مدني يُجري انتخابات بلدية وطنية وشعبية وديمقراطية، تناهضه جماعة جهادية ظلامية التفكير والسل