العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 30-06-2019


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

 

في زنازين الأسد.. الحياة على حافة الموت

سليم قباني

حرية برس

الخميس 27/6/2019

إلى أين؟ .. إلى الإعدام؟ .. أم إلى المحكمة الميدانية؟ … أم هل سيتم الإفراج عني؟ .. لا أعتقد ذلك!

أسئلة وهواجس كثيرة دارت في ذهني عندما ذكر اسمي مع عشرة أشخاص معتقلين آخرين في فرع المخابرات الجوية.

عيون تروي المواجع وقلوب أدماها التعب والتعذيب.. الجميع ينتظر عند بوابات المهاجع، وتسمع الهمس هنا وهناك.. “أخبر أهلي إن خرجت قل لهم أين أنا”.. “أخبر أمي بأني لم يعد لي حلم سوى قبلات أغرق بها يديها وضمة أخيرة أموت بعدها”.

كنا نبادلهم نفس المشاعر بكلمات مطمئنة: “سنخبرهم إن خرجنا”.

هي أمانات نحملها بعضنا البعض على أمل أن تخفف من ألم الانتظار لدى من نحبهم.

فتح السجان الباب وخرجنا إلى الساحة، وقد أغلقوا أعيننا وقيدونا بسلاسل متصلة ببعضها، الجميع بدون استثناء يتلون الشهادتين ظناً منا أننا سوف نعدم.

في هذا الموقف تسيطر عليك ذكريات العائلة وأصدقائك وأجمل اللقطات التي عشتها في حياتك.

ولكن حتى هذه اللقطات العابرة في الذاكرة لم يمنحنا السجان فرصة الاستمتاع بها، صاح بنا بصوته المزعج، ليخبرنا أننا سوف نستلم الأشياء التي تتعلق بنا من هوية شخصية ومبالغ مادية.

طبعاً لم يكن هناك أي مبلغ مادي تستطيع أن تستلمه لأنهم سرقوه، وسنرحّل إلى فرع أمني  آخر.. أي أنها رحلة شقاء جديدة، سنحاول فيها التشبث بالحياة بكل ما أوتينا من قوة.

هنا .. حيث فرع المخابرات الجوية في حمص، فرع الإعدامات والقتل تحت التعذيب بلا حسيب ولا رقيب، وسنرحل إلى المجهول.

بعد تسليمنا أوراقنا الثبوتية صعدنا بالدفع والضرب والركل إلى حافلة صغيرة، منزوعٌ منها كل المقاعد، وصعد معنا ثلاثة عناصر، عرفنا العدد من نبرات أصواتهم المختلفة.

أصبح كل المعتقلين يريدون الوصول إلى وجهة الترحيل بسرعة بسبب موجات الشتائم والضرب التي نتعرض لها عند كل حاجز أمني نقف عنده.

بعد وصولنا إلى الفرع المنشود، عرفنا أنه فرع الأمن العسكري في حمص، استقبلنا العناصر هناك بالشتائم والضرب والإهانات.

في ذاك الوقت لم نكن نتألم كثيراً، لأننا فقدنا هذه الحاسة من شدة التعذيب الذي تعرضنا له ونحن فقط على طريق من حي القصور إلى حي طريق الشام.

أُدخلنا مستودعاً كبيراً “هنغار” مخصصاً للعساكر المنشقين أو المتهربين من الخدمة في جيش الأسد، لم يكن متاحاً للشخص من المكان أكثر من 20 سم فقط، عليه أن يعيش فيها ويأكل وينام.

كان الصيف لاهباً.. والحرارة تكاد تخنقنا، ولم يكن في كل المكان سوى مروحتين تشفطان الهواء خارج المكان، و “طاقة” صغيرة لكي يخرج ويدخل منها الأوكسجين، لأكثر من ثلاثمئة معتقل.

وما كاد يأتي المساء حتى جرى ترحيلنا إلى قسم المعتقلين المدنيين في فرع الأمن العسكري، هناك أحسسنا أننا في نعمة كبيرة، فالفارق بالنسبة لنا شاسع وكبير، حيث لا يتواجد في هذا المهجع الجديد إلا 200 معتقل فقط، أي يملك كل معتقل حوالي 35 سم كاملة ليعيش فيها، وهناك مروحتان وثلاثة مداخل للهواء!

في زنازين الأسد.. جمعتنا ظروف مأساوية واحدة، وألم واحد، ما ساهم في تقريب المسافات بيننا وتبديد الكثير من الاختلافات، وبدأنا رحلة التعارف مع المعتقلين الآخرين، ولكن بحذر شديد خوفاً من بعضنا البعض، ورغم أن الكثير منا كان معتقلاً في مظاهرات تنادي بالحرية، لكن نظام الأسد زرع في عمق وعينا الخوف من بعضنا البعض.. لأن “للحيطان أدان” و “دود الخل منو وفيه”.

وفي كل مكان اعتقال جديد تبدأ قصة جديدة من العذاب والتحقيق..

كل شخص يخرج إلى التحقيق يعود مهشماً دامياً، ليس له القدرة على الكلام، يعترف بأي شيء يريده المحقق، فطرق التعذيب المبتكرة كانت لا تنضب عند هؤلاء المجرمين.

أول حادثة أشاهدها بأم عيني كانت لشاب خرج أكثر من ثلاثة مرات في اليوم الواحد إلى التحقيق دون أن يعترف بالشيء الذي يريده المحقق، وفي كل مرة يعود لنا كان يقول “أنا ماني عامل شي… أنا ما بعترف على شي ما عملته” وفي أخر مرة عاد من التحقيق قال لنا السجان “خذوه ونضفوه عملها تحته.. شي نص ساعة وراجع آخده”.

لا زال صوته المرتجف وكلماته المتقطعة.. أنا ماني عامل شي.. ترن في أذني دون سابق إنذار.. تزورني في الليل والنهار.. تلك آخر كلماته مع صعود الروح إلى السماء.. عندها صرخنا لننادي السجان وقلنا له أنه فقد الوعي ومن الممكن أن يكون قد مات ونحتاج إلى الطبيب.

قال السجان لنا بدون أن يفحصه “وهي خلصناكم من واحد.. خدوا راحتكم .. خلي ثلاثة منكم ياخدوه ويزتوه جنب الحمامات”.

هكذا واجهت الموت تحت التعذيب لأول مرة في سجون الأسد، ولم تفارقني منذ ذاك الوقت صعقة الرعب والشعور بالعدم.

===========================

موقفنا: بين بيان "القرف اللبناني"، وهاشتاغ "السوريون ليسوا وحدهم" التركي..مسئولية قوى المعارضة عن ملف اللجوء

زهير سالم

مركز الشرق العربي

30/ 6/ 2019

سيظل العالم بألف خير ..

وستظل إنسانية الإنسان بألف خير . هذا الإنسان الذي كرمه الله سبحانه وتعالى ، وأسجد له ملائكته ، وعندما حاول الملائكة أن يعترضوا بقولهم ( مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء ) رد عليهم الحكيم العليم ( إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ )..

وكان جميلا ويستحق التحية والاحترام والتقدير بيان ما سمي بيان " القرف من الهستيريا العنصرية ضد اللاجئين السوريين " السياسة التي يمارسها وزير الخارجية اللبناني ضد اللاجئين السوريين . وبالمناسبة فإن وزير الخارجية اللبناني " جبران باسيل " هو صهر الرئيس اللبناني ميشيل عون ، الذي هرب في لحظة خوف من قوات حافظ الأسد إلى السفارة الفرنسية في بيروت ، ومن ثم إلى فرنسة حيث ظل لاجئا لأكثر من عقدين . ولا نرى أن من حقنا أن نقول فيه وفي صهره ما يقولان في اللاجئين ..وأعدل ما قاله لاجئ للاجئ ، قول شوقي : كلنا في الهم شرق .

صدر بيان " القرف " من السياسات العنصرية لوزير الخارجية اللبناني الثلاثاء الماضي 25 / 6 ، ووقع عليه عشرات المثقفين اللبنانيين من كل الطيف اللبناني . فنّدوا كل الادعاءات التشويهية المقرفة التي يطلقها جبران باسيل وجوقته من أتباع حزب الله وغيرهم ؛ ليعبروا بذلك عن إنسانية الإنسان اللبناني الأصيل على الشاطئ الشرقي للمتوسط ، من أعلاه إلى أدناه ، الشاطئ الذي كان أصلا لحضارة الإنسان ...

 

وعلى الحدود الشمالية لسورية المنكوبة المنكوب شعبها ، بادر الآلاف من الأتراك اليوم ، وعلى أثر أحداث مؤسفة ، باشرتها بعض المجموعات المشاغبة في بعض أحياء استنبول ضد اللاجئين السوريين هناك ، إلى إطلاق هاشتاغ " السوريون ليسوا وحدهم " في إعلان التناصر الحميد بين أخوة العقيدة والحضارة والتاريخ ليستحق هؤلاء أيضا الشكر والحمد والاحترام والعرفان والتقدير ..

وإن الدرس الأول الذي أريد أن أنقله إلى كل السوريين وهم الأحرار الكرام الأماجد كابرا عن كابر ، والأيام دول ، أن يتبصروا إذا جاءهم يوما خائف فزع مستجير في أي صف يكونون ؟! في صف أصحاب خطاب القرف ضد أمثال جبران باسيل أو في صف هؤلاء الكرام الموقعين على شجبه وسياسته وطرائقه ، في صف هؤلاء النزقين في بعض أحياء استنبول الذين خرجوا يعبرون عن العداوة والكراهية والبغضاء أو في صف هؤلاء الجميلين الذين تصدوا لهم بعبارة : السوريون ليسوا وحدهم ؟!!! وأضيف ولو تأملنا في صفوف هؤلاء وأولئك سنجد أن الفرز ليس على الايديولوجيا الدينية ولا المذهبية ولا السياسية بشكل عام ، فقد وقع على بيان القرف ضد جبران باسيل ولفيفه : مسلمون ومسيحيون ، شيعة وموارنة ودروز لتبقى الحقيقة الجوهرية الكامنة في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : الناس معادن , اللهم اجعلنا من خيار من خلقت .

والدرس الثاني الذي نتوجه به إلى كل قوى المعارضة السورية هو أن ملف " اللجوء " ، وقد طال العهد على الناس يحتاج إلى مبادرات عملية لاحتوائه ، ولتوظيفه في مشروع ثورة الشعب الحر الكريم ، وللنأي به عن طريق الإعادة القسرية في الحال أو الاستقبال ، الهادف إلى إعادة إلقاء اللاجئين في مطحنة الموت ، أو في مزرعة الذل الأسدية ..

يحتاج ملف اللجوء ، ولأن تصل متأخرا خيرا من أن لا تصل أبدا .. إلى برامج توجيه وتثقيف اللاجئين والارتقاء بهم ثم تدريبهم ليكونوا خلايا حية نافعة في المجتمعات التي انضموا إليها ، وليتوقفوا عن كونهم عبئا أو ما يشبه العبء ..

يحتاج ملف اللجوء إلى حلول تقصّر أجله ، أو تخفف كلفته ، أو تعين من تحمل عبئه عليه ، بحيث لا تشعر الدول والشعوب أن كارثة حلت عليها لم يكن لها يد فيها . وكل هذا يجب أن يكون جزء من حراك سياسي هادف على الصعد الإنسانية والاجتماعية والسياسية.

يجب أن تتحمل الدول الممسكة بالقرار الدولي مسئولية أكبر في ملف اللجوء السوري . فالدول التي تمادت في الصمت على تنفيذ سياسات التهجير ، وأطلقت يد الروس والإيرانيين والأسديين في تقتيل الشعب السوري وتهجيره يجب أن تتحمل مسئولية أكبر ، وبحيث تكون دول مثل تركية ولبنان بشكل خاص دول ممر لا دول مقر ..

وكل هذا يجب أن يتم بقرارات آمنة مدروسة يشترك فيها كل المتضررين ..

الكلام في ملف اللجوء كثير ، ولكننا اليوم في مواجهة محطاته الأخيرة يجب أن لا نفقد الحكمة والمبادرة وحسن التقدير ...

____________

*مدير مركز الشرق العربي

============================

تقارير صادمة عن أوضاع المعتقلين في سجون الأسد والموت تحت التعذيب

غسان ناصر

جيرون

الاربعاء 26/6/2019

أفادت مواقع إخبارية سورية معارضة، الأحد 23 الشهر الجاري، أنّ الأجهزة الأمنية التابعة لنظام الأسد رحلّت أكثر من 50 معتقلًا من أبناء الغوطة الشرقية، خلال الفترة الماضية، إلى سجن صيدنايا العسكري سيئ السمعة، بعد الانتهاء من عمليات التحقيق معهم في الفروع الأمنية.

سبق ذلك إعلان (مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا) الفلسطينية الحقوقية، التي تتخذ من لندن مقرًا لها، توثيقها نحو 15 حالة وفاة للاجئين فلسطينيين تحت التعذيب في السجون الأسد، في أيار/ مايو الماضي.

يأتي هذا في الوقت الذي تتوالى فيه تقارير حقوقية وصحفية سورية وعربية وغربية وأميركية صادمة، عن ظروف قاسية يعيشها المعتقلون في زنازين النظام الأسدي، وعن معاناة ذويهم من جراء ما يصلهم من أنباء عن المآسي التي يعيشها أفراد من عائلاتهم في أقبية الجحيم الأسدي.

آخر هذه التقارير كان تقريرًا أصدرته عن منظمة (سوريون من أجل الحقيقة والعدالة) الحقوقية، في 20 من هذا الشهر، حول “إخطارات جديدة بوفاة مئات المحتجزين داخل سجون الأجهزة الأمنية السورية”، كشف عن ما لا يقلّ عن 700 وثيقة وفاة، كانت قد وردت إلى دوائر السجل المدني في محافظة حماة وحدها في أوائل العام 2019.

قرابة 700 شهادة وفاة لمحتجزين من محافظة حماة

المنظمة الحقوقية السورية المعارضة كشفت في تقريرها هذا أنّ دوائر السجل المدني التابعة للنظام عاودت إبلاغ العديد من ذوي المحتجزين بوفاتهم داخل مراكز الاحتجاز التابعة لها، وذلك خلال الفترة الممتدة ما بين بدايات كانون الأول/ ديسمبر 2018، حتى أواخر شباط/ فبراير 2019.

جاء في التقرير أنّه “في محافظتي حماة وإدلب، صُدمت العشرات من عائلات الضحايا بإعلان الوفاة بعد سنوات من الانتظار”. مبيّنة أنّ العديد من شهود العيان وأهالي الضحايا تحدثوا لـ (سوريون من أجل الحقيقة والعدالة) بأنّ “دائرة السجل المدني في محافظة حماة، كانت قد قامت بتسليمهم وثائق بوفاة ذويهم، دونما تسليم للجثث أو تزويدهم بمكان الدفن”.

وبحسب العديد من المعلومات والوثائق التي حصلت عليها (سوريون من أجل الحقيقة والعدالة) فقد “سُجّلت وفاة العديد من أولئك المحتجزين عقب مدة غير طويلة من احتجازهم، لكن لم يتم الإبلاغ بوفاتهم إلّا في بداية العام الحالي”.

وذكرت المنظمة، نقلًا عن عائلات ضحايا قابلتهم في مدينة حماة، أنّ “أحد الموظفين بدائرة السجل المدني أخبرهم بورود قرابة 700 شهادة وفاة لمحتجزين من مدينة حماة وريفها، وأن الإدارة تقوم بين الحين والآخر بإخطار عدد من ذوي المحتجزين بوفاتهم، كي لا تُحدث ضجة بين السكان، وذلك بناء على تعليمات وصلت لدائرة لسجل المدني، ولم يفصح الموظف عن مصدرها”.

وكان “المركز السوري للعدالة والمساءلة” قد كشف، في 21 من الشهر الماضي، أنّ بحوزته آلاف الوثائق تكشف حجم تورط أجهزة الأمن التابعة للنظام السوري في القمع الدموي للاحتجاجات.

وقال المركز الحقوقي المعارض، حينئذ، إنّ آلاف الوثائق التي جمعت من مكاتب حكومية سورية مهجورة تكشف إلى أيّ مدى وصلت قبضة أجهزة الأمن التابعة للأسد، في لمحة نادرة للأعمال التي نفذها قطاع الأمن السوري على المستوى المحلي. وتتضمن الوثائق، بحسب المركز، ملاحظات مكتوبة بخط اليد من كبار القادة “لفعل ما هو ضروري”، من أجل قمع الاحتجاجات المناهضة للنظام.

وذكر المركز، ومقره واشنطن، أنّ الوثائق تُظهر أنّ مسؤولين على أعلى مستوى كانوا إما مدركين أو متورطين في الحملة الدامية منذ عام 2011.

واستند التقرير الذي حمل عنوان (للجدران آذان: تحليل وثائق سرية من قطاع الأمن السوري) وجاء في 52 صفحة، على تحليل نحو 5000 وثيقة من حوالي نصف مليون وثيقة، تم الحصول عليها بين عامي 2013 و2015 من عدّة محافظات سورية بعد انسحاب القوات الحكومية.

وذكر مدير المركز محمد العبد الله إنّه قد يستخدم هذه الوثائق لمحاكمة جنائية. موضحًا أنّ “ممارسات الأجهزة الأمنية معروفة لدى السوريين، إلّا أنّ هذه هي المرة الأولى في تاريخ سورية التي يتم فيها الكشف عن أدلة متعلقة بأعلى مستويات الحكومة السورية. وأنّ الحكومة السورية متورطة بعمق في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، كما يظهر بخط يد هؤلاء المسؤولين أنفسهم”.

تقارير أميركية تكشف عن شهادات مرعبة لمعتقلين سابقين

تقرير المنظمة السورية الحقوقية جاء بعد تقرير صادم نشرته صحيفة (نيويورك تايمز) الأميركية، منتصف الشهر الماضي، حول سجون النظام السرية، وكيف سحق الأسد معارضيه، وهو تقرير طويل أعدته آن برنارد.

تذكر برنارد في تقريرها كيف “عثر محققون يعملون مع المنظمة غير الحكومية (المفوضية للعدالة والمحاسبة الدولية) على مذكرات حكومية، أمر فيها المسؤولون بالقمع وناقشوا قتل المحتجزين. ووقّع على المذكرات كبار المسؤولين بمن فيهم أعضاء اللجنة المركزية لإدارة الأزمة، التي ترتبط مباشرة بالأسد”. كاشفةً عن “مذكرة للاستخبارات العسكرية تصف حالات وفاة نتيجة للتعذيب والأوضاع القذرة التي عاش فيها المعتقلون. وبعض المذكرات تتحدث عن وفيات داخل السجون”.

التقرير الأميركي ذكر كيف “هرّب مصور في السجن آلاف الصور التي أظهرت هياكل عظمية وجثثًا مرقمة. وهناك مذكرتان تطالبان بممارسة التعذيب القاسي على معتقلين حددتهم. وفي مذكرة كتبها مدير الاستخبارات العسكرية رفيق شحادة تحدث فيها عن مخاوف المسؤولين من المحاكمة في المستقبل. ولهذا طلب من كل الضباط إبلاغه بكل الوفيات، واتخاذ كل الخطوات للتأكد من (الحصانة القضائية) للمسؤولين الأمنيين”.

وعن موقف بشار الأسد مما يجري في زنازينه، من قتل للسوريين الثائرين ضدّ استبداده وطغيانه هو وأفراد عائلته الجاثمين كالكابوس على صدور أبناء الشعب منذ نحو خمسة عقود، لفت التقرير، إلى أنّه “في مقابلة بقصره العثماني في دمشق عام 2016، شكك الأسد بصحة كل المعلومات التي قدمها الناجون وعائلات المفقودين. وعندما سُئل عن حالات بعينها قال الأسد لمحاورته: “هل تتحدثين عن اتهامات أمام حقائق؟”. وأضاف أنّ العائلات كذبت عندما قالت إنّها شاهدت قوات الأمن تجر أبناءها. وقال إنّ الانتهاكات أخطاء لا يمكن تجنبها في الحرب، وأردف: “تحدث هنا وفي كل العالم وأي مكان” ولكنها ليست سياسة”.

وذكرتآن برنارد أنّها قابلت على مدى السنوات الماضية الناجين من المعتقلات، واطلعت على كم هائل من الوثائق والمذكرات، وفحصت مئات الصفحات من شهادات شهود قدمت لمنظمات حقوق الإنسان، وكانت قادرة -والحالة هذه- على رسم صورة عن نظام السجون في أثناء الحرب التي اندلعت عام 2011 ولم تتوقف منذئذ.

إعدامات واعتقالات واسعة في الغوطة الشرقية

موقع (صوت العاصمة) المعارض نقل، الأحد، عن مصدر خاص لم يكشف عن هويته، قوله: إنّ “معظم المعتقلين كانوا في فرع حرستا التابع للمخابرات الجوية، وبعضهم في فرع الأمن الداخلي المعروف باسم (فرع الخطيب) التابع لشعبة أمن الدولة، وآخرين في سجن (آمرية الطيران) التابع للمخابرات الجوية، فيما ينحدر معظم المعتقلين، من مدن دوما وحمورية وسقبا وكفر بطنا وجسرين في الغوطة الشرقية”.

ووفقًا للمصدر الذي نقل عنه الموقع، فإنّ “معظم الأشخاص الذين نُقلوا إلى سجن صيدنايا العسكري، الذي يوصف بـ (المسلخ البشري) لفظاعة التعذيب فيه، كانوا سابقًا في صفوف فصائل المعارضة المُسلحة، وشاركوا في معارك ضد النظام، وقرروا إجراء تسويات والبقاء في المنطقة بعد اتفاق التهجير الذي قضى بخروج الفصائل والمدنيين الرافضين للتسوية”.

وأشار المصدر إلى “وجود مدنيين من بين المعتقلين، لم يكن لهم صلة بفصائل المعارضة نهائيًا، وجرى اعتقالهم على خلفية اتهامهم بتمويل الإرهاب والتواصل مع جهات خارجية، قبل أن يتم زجهم مع العسكريين في سجن صيدنايا العسكري”.

وذكر الموقع، المعني بمتابعة أخبار العاصمة ورصد انتهاكات النظام في دمشق وريفها، أنّ “هذه الدفعة من المعتقلين ليست الأولى التي تنقلها أجهزة الأسد الأمنية إلى سجن صيدنايا العسكري، فقد سبقها نقل دفعة في نيسان/ أبريل الماضي، فضلًا عن تنفيذ أحكام إعدام في السجن ذاته، وتبليغ ذويهم بالأمر عبر لجان المصالحة”.

وبلغ عدد معتقلي الغوطة الشرقية، منذ خروج فصائل المعارضة في آذار/ مارس 2018 حتى اليوم، أكثر من 700 شاب ورجل، وفقًا لمصادر موقع (صوت العاصمة)، فضلًا عن حملات التجميد التي طالت المئات لزجهم في جيش النظام وميليشياته.

أكثر من 600 فلسطيني قتلهم الأسد تحت التعذيب

في 18 الشهر الحالي، أعلن “فريق الرصد والتوثيق” في (مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سورية) الحقوقية، توثيق نحو 15 حالة وفاة للاجئين فلسطينيين تحت التعذيب، في سجون النظام السوري خلال الشهر الماضي، كان آخرها الإعلان عن قضاء الفلسطيني رمزي حسن العويمر النعيمي من أبناء مخيم درعا، الذي اعتقل على يد المخابرات الجوية بريف دمشق عام 2013، وأُعلن نبأ وفاته بتاريخ 13/06/2014.

المجموعة الفلسطينية أشارت إلى أنّ حصيلة ضحايا التعذيب في سجون نظام الأسد بلغت 606 فلسطينيين بينهم نساء وأطفال، مبيّنةً أنّها تلقت العديد من الرسائل والمعلومات عن المعتقلين الفلسطينيين، حيث تم توثيقها تباعًا على الرغم من صعوبات التوثيق في ظل استمرار النظام السوري بالتكتم على مصير المعتقلين وأسمائهم وأماكن اعتقالهم.

وفي اليوم العالمي للاجئين، الذي يصادف يوم 20 من حزيران/ يونيو من كل عام، جددت المجموعة الحقوقية مطالبتها النظام الكشف عن مصير مئات المعتقلين الفلسطينيين داخل سجونه، مؤكدةً أنّها وثقت حتى الآن 1757 معتقلًا فلسطينيًا في سجون النظام السوري، منهم 108 نساء.

ونبهت (مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سورية) إلى أنّ “من المتوقع أن تكون أعداد المعتقلين وضحايا التعذيب أكبر مما تم الإعلان عنه، بسبب غياب إحصاءات رسمية صادرة عن النظام السوري، إضافة إلى تخوف بعض أهالي المعتقلين والضحايا من الإفصاح عن تلك الحالات، خوفًا من ردات فعل الأجهزة الأمنية في سورية”.

وأفادت المجموعة أنّه تم رصد عمليات اعتقال مباشرة لأشخاص على حواجز التفتيش أو أثناء الاقتحامات التي تنفذها قوات جيش النظام داخل المدن والقرى السورية، أو أثناء حملات الاعتقال العشوائي لمنطقة ما، وبعد الاعتقال يتعذر على أيّ جهة التعرف إلى مصير الشخص المعتقل، وفي حالات متعددة تقوم الجهات الأمنية بالاتصال بذوي المعتقل للحضور لتسلم جثته من أحد المستشفيات العسكرية أو الحكومية العامة.

(قانون قيصر) ونشوة الإفلات من العقاب

تواترت في السنوات الماضية تقارير متعددة المصادر، عن قتل نظام الأسد آلاف المعتقلين من المعارضين والناشطين في المعتقلات. وتم تسريب آلاف الصور التي توثق وفاة أعداد كبيرة من المعتقلين جراء التعذيب. وأطلق على المصور الذي سرّبها “قيصر”، وهو أحد المنشقيّن عن المخابرات العسكرية التابعة لنظام الأسد.

ومرّرت “لجنة العلاقات الخارجية” في مجلس الشيوخ الأميركي، في 22 من الشهر الماضي (مشروع قانون قيصر لحماية المدنيين في سورية لـ عام 2019)، بموافقة عشرين عضوًا ومعارضة اثنين. وبذلك اجتاز المشروع خطوة مهمة على طريق إصداره وتصديقه كقانون، وعلى الرغم من ذلك يحتاج إلى خطوتين إضافيتين كي يتحوّل إلى قانون نافذ: الأولى موافقة مجلس الشيوخ والتصويت عليه بالإجماع، والثانية توقيع الرئيس الأميركي عليه.

واتهمت (منظمة العفو الدولية)، قبل عامين، النظام السوري بارتكاب عمليات شنق جماعية سرًا وخارج نطاق القضاء، شملت 13 ألف معتقل في سجن صيدنايا السيئ السمعة بريف دمشق.

وكانت صحيفة (واشنطن بوست) قد كشفت في تقرير لها نهاية العام الماضي، عنوانه (تزايد غير مسبوق بإعدام سجناء صيدنايا) أنّ نظام الأسد يُفرغ سجن صيدنايا العسكري بقتل جماعي للمعتقلين. وبيّنت الصحيفة الأميركية في التقرير أنّ “وتيرة الإعدامات التي تنفذها قوات نظام بشار الأسد بحق معتقلين في سجن صيدنايا تتزايد، وهذه الزيادة تأتي بينما استعاد النظام السيطرة على مساحات واسعة كان قد خسرها مع بدء الاحتجاجات في سورية عام 2011”.

ونشرت الصحيفة شهادات جديدة لمعتقلين نجوا من السجن/ المسلخ البشري، وتحدثوا عن ارتفاع أعداد المعتقلين الذين حُكم عليهم بالإعدام، كما كشفوا عن أساليب التعذيب المروعة التي يتعرض لها السجناء.

وطالبت ثماني منظمات حقوقية سورية ودولية، في بيان مشترك صدر في 13 أيار/ مايو الماضي، بالكشف عن مصير نحو مئتي ألف من المختفين قسريًا والمحتجزين تعسفيًا، وكل من باتوا في عداد المفقودين ضمن إطار الصراع الذي اندلع قبل أكثر من ثماني سنوات وقُتل فيه قرابة نصف مليون شخص وفق بعض التقديرات. وحثت المنظمات الثماني -وبينها (منظمة العفو الدولية) و(هيومن رايتس ووتش)- دولًا أعضاء بمجلس الأمن الدولي، على التطرق فورًا إلى ملف الاعتقالات التعسفية، وعمليات الخطف والتعذيب وأنواع سوء المعاملة الأخرى، والاختفاء القسري بشكل واسع النطاق لعشرات الآلاف من السوريين.

واقترحت هذه المنظمات توصيات بينها “كشف أسماء ومواقع ومصير الأشخاص الذين تعرضوا للاختفاء القسري والخطف، والذين أعدموا خارج نطاق القضاء أو وفق إجراءات موجزة، أو ماتوا في مراكز الاحتجاز، وإعادة جثامين الضحايا فورا إلى عائلاتهم”. ودعت المنظمات الثماني إلى “وقف المحاكمات العسكرية للمدنيين السوريين، ومنح المراقبين الدوليين المستقلين حرية التحقيق في ظروف الاحتجاز”. واقترحت أيضًا “إنشاء نظام موحّد لتسجيل جميع المفقودين في سورية”.

وفي إحصائيات منشورة على الموقع الإلكتروني لـ (الشبكة السورية لحقوق الإنسان) المعارضة، تشمل الفترة بين آذار/ مارس 2011 وآذار/ مارس 2019، تقدر الشبكة عدد المختفين قسريًا والمحتجزين تعسفيًا بأكثر من 143 ألفًا، بينهم 127 ألفًا في سجون النظام السوري، بينما يتوزع الباقون بين فصائل المعارضة المسلحة وتنظيم (داعش) الإرهابي و(قوات سوريا الديمقراطية).

ووفقًا للمصدر نفسه، فإنّ أكثر من 14 ألفًا توفوا تحت التعذيب، وتفوق نسبة المتوفين داخل سجون النظام السوري 98 بالمئة. وترفع بعض التقديرات أعداد المحتجزين والمخفيين والمفقودين في سورية إلى مئتي ألف.

وعلى الرغم من كل التقارير السورية والعربية والغربية والأميركية، الصحفية والحقوقية، وما أكثرها، وهي توثق عذابات عشرات آلف المعتقلين في أقبية أجهزة النظام السدي، فإنّ بشار الأسد وكبار ضباطه، من مرتكبي جرائم الحرب وجرائم ضدّ الإنسانية، لا يكترثون للمصير الأسود الذي ينتظرهم في أروقة المحاكم الدولية، وذلك لقناعتهم -على ما يبدو- بأنّ العالم سيستمر بعد ثماني سنوات من عماه عن معاناة ملايين السوريين، في هذا العمى في زمن موت الضمائر.

===========================

مواقع التواصل الاجتماعي للثورة السورية: ممنوع الدخول

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الاربعاء 26/6/2019

تصاعدت أهمية وقيمة «فيس بوك» و»تويتر» تحديداً، ووسائط التواصل الاجتماعي الأخرى مع بداية الربيع العربي وثوراته، وراجت النكت والنوادر التي لها وزن في الواقع العملي بأن من أسقط هذا الرئيس أو ذاك إنما هو «تويتر» أو «فيس بوك»، واستطاع الناشطون في الثورات العربية تعويض الإعلام الحكومي وسطوته لعقود بالإعلام البديل الرخيص مادياً، والبعيد عن المراقبة الحكومية، لكن هذا الواقع لم يطل فقد التحقت وسائل التواصل الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة بالاستبداد العربي، وأثبتت أنها لم تكن بريئة بالحجم الذي بدأته، وظنت أنها بمقدورها أن تنجح في فرض سطوتها على المستخدمين، كما نجحت في الحلول محل الإعلام التقليدي.

كانت البداية حين قام «يوتيوب» قبل سنوات بحذف عشرات الآلاف من المقاطع التي وثقت الثورة السورية، والتي تدين النظام السوري، والميليشيات الطائفية، ومن معهم، وكانت ضربة كبيرة للثورة السورية، وتبرئة مخيفة للنظام، بحيث طمس «يوتيوب» يومها الأدلة الحسية الملموسة لنظام مجرم، وشرع لاحقاً بفرض قيود وسياسة متشددة إزاء كل من يُحمّل مشاهد عن الثورة السورية بحجج واهية لم يكن لها وجود قبل أيام من تطبيق هذه السياسات الجديدة.

تبع «يوتيوب» «فيس بوك» و»تويتر»، فحظرا نشر أي مقاطع فيديو تحتوي على مشاهد قتل ودماء بحجة أنها مقاطع حساسة، وتم حظر حسابات موثقة بسرعة كبيرة، بينما كان منفذ مجزرة نيوزيلاندا يبث جريمته على «فيس بوك» لنصف ساعة تقريباً دون أي حسيب أو رقيب، ووصل الأمر بموقع «فيس بوك» أن ينبش لحسابات موثقة قصصاً ومقاطع أو صوراً نشرت قبل سنوات ليتم حظر حسابات هؤلاء المستخدمين على هذا الأساس.

وبنفس الشكل اقتفى «تويتر» نفس السياسة، إذ لجأ إلى حظر حسابات موثقة سورية لا لشيء إلا لأنها نشرت مقاطع فيديو توثق مجازر ترتكبها طائرات الاحتلال وذيله في مناطق مدنية تستهدف أطفالاً ونساء وشيوخاً، وهو أمر في غاية الخطورة، إذ إنه سيطلق يد الاحتلال وذيله لتنفيذ المجازر دون وسائط تنقل الجريمة، فضلاً عن توثيقها بالصوت والصورة ليوم محاسبة القتلة والمجرمين، فقتل الشاهد اليوم يسبقه قتل الوسيلة وهي حرمانه من وسيلة للنشر.

الأسوأ من هذا هو لجوء هذه الوسائط بطريقة لوغاريتمية لا يفهمها كثير من مستخدميها إلى حذف مئات، وربما آلاف المتابعين لشخصيات مؤيدة للثورة والربيع العربي، وحرمان بعض الحسابات من أن تظهر تغريداتهم ومنشوراتهم لكثير من متابعيهم وأصدقائهم، وهو ما يشكوه الكثيرون، الأمر الذي يجعل الأصدقاء والمتابعين يلغون متابعتهم هذه الحسابات، ظناً منهم أن صاحب الحساب قد توقف عن التغريد.

الكل بات يتحدث عن دبي كمركز «تويتر» للشرق الأوسط، وتأثير سياستها وقيادتها للثورات المضادة على سياسة «تويتر» وطريقة تعامله مع مستخدميه وزبائنه، وهو ما ينطبق أيضاً على «فيس بوك» وغيره، أمرٌ يضع مثل هذه الوسائط على المحك، ويضعها في محل المساءلة، وقد لاحظ الكثيرون تراجعاً في استخدام هذه الوسائط خلال الفترة الأخيرة، لا سيما بعد أن تبين اختراقها خصوصية المستخدمين.

الإعلام البديل لم يعد بديلاً، والإعلام الشخصي لم يعد شخصياً، والوظيفة التي انطلق على أساسها قد تخلى عنها، وطلّقها، فالاستبداد لم يعد في حيز الواقع فقط، وإنما تسلل وسيطر حتى على الحيز الافتراضي، وما على المستخدمين الآن إلا أن يبدعوا في مواجهة هذا الاستبداد، كما أبدعت الوسائل المستخدمة في حرمانهم من حقهم في حرية التعبير.

===========================


في الصياغة الروسية لمستقبل سوريا

عدلي صادق

العرب اللندنية

الاربعاء 26/6/2019

بخلاف ما يُنشر من أنباء وتقارير وتحليلات تتعلق بالمشهد العام في سوريا، وأبرز ألوانه وحقائقه، الهيمنة الروسية على البلاد، سيزيدك من الشعر أبياتا، لقاؤك بمواطن سوري متعلم وفطن وله علاقاته ورؤيته، زار بلاده وعاد منها.

ففي هذه الأثناء، تتزايد وتتراكم بشكل حثيث ومطرد الوقائع الدالة على سيرورة متحركة سريعا في اتجاه صياغة الشكل النهائي لنظام الحكم ومصير البلاد ومسارات المجتمع، وتوجهات الاقتصاد وبُنية الجيش، حسب ما تراه موسكو وتريده. ويتضح مما يُروى ويُشاهد بالعين المجردة، أن خطط الروس على هذه الأصعدة كلها، تمضي على قدم وساق، لا تُبطئها أي عراقيل، لاسيما وأن الوجود الإيراني يفقد زخمه يوما بعد يوم، ليس بسبب شواغل إيران وظروفها ومعاركها الراهنة في أماكن أقرب إلى حدودها وحسب، وإنما أيضا لكون الشعب السوري الباقي على أرضه، أصبح بعد أن وقعت الفأس في الرأس، يتحاشى الوقوع تحت المزراب، في الأماكن التي نجا فيها من الدلف، إذ يزعجه استبدال الأصولية الدينية الشيعية المتطرفة بالأصولية السُنية التي تضاهيها في التطرّف. لذا وجد فرصته سانحة في أن تخلو المناطق التي تعتبر تحت السيطرة الاسمية للنظام، في الخلاص من أي مجموعات متطرفة، تحاول فرض نمط الحياة الذي يلائمها ولا يخصم من جموحها في اتجاه المجتمع ولا يهذب أو يخفف اندفاعها إلى استباحته.

والروس، من جانبهم، معنيون بتلبية رغبة السوريين في الخلاص من كل ذوي الهستيريا في لبوس الدين، ومعنيون أيضا بدفع عجلة الاقتصاد إلى خارج مربع الكارثة، وهذه مهمّة لا يقدر عليها النظام ولا يصلح لها، لا من خلال القطاع العام، ولا من خلال القطاع الخاص الموصول بمراكز القوى في الحكم، والمعروف بنزعات الفساد والاعتصار!

عوامل كثيرة، تجعل المواطن السوري، مضطرا إلى اختيار ما يمكن احتماله، لكي يتحاشى ما لا يُحتمل، برغم ما يمثله الخيار الأول من فقدان السيادة وبسط النفوذ الأجنبي المتلطي بدور الصديق المُنقذ. فالسيادة التي تعني عودة السلطة إلى انفلاتها الأمني على المجتمع، يخشاها السوريون، ولن يكون مأسوفا من جانبهم على ضعفها، وبخاصة أن من يضعفها هو صديقها الذي أنقذها وأنست به.

أما الإيرانيون الذين أطلقوا ميليشياتهم الأصولية المتطرفة، فإنهم غير محمودين. ثم إن ميليشياتهم، أصلا، لم تتأهل لدورها الذي يُفترض أنه من نوع الطموحات الاستراتيجية لنظام الولي الفقيه. وقد زاد من الطين بِلة، أن من بين هذه الميليشيات العنصر العراقي، القادم من آلام ومظالم حقبة طويلة من الكبت والرجاء، وتغلب على هذا العنصر، سمات الغلاظة والانتقام حيال من لم يظلموه من الناس العاديين في سوريا. فبالمقارنة مع الروس، يصبح الأخيرون أخفّ وطأة، وهذا ما استقر في قناعات عدد معتبر من عناصر الجيش ضباطا وجنودا، من كافة الطوائف. ومن تجليات هذه الحقيقة أن الروس عندما توسعوا في الهيمنة، شكلوا ميليشيات تابعة لهم، وابتعثوا إلى بلادهم عددا كبيرا من ضباط الجيش، دون الرتب الأعلى، لتهيئتهم لقيادة الجيش في مرحلة مقبلة، ضمن رؤية لها معاييرها ونواياها على صعيد حجم الجيش وتسليحه ومحدودية تأثيره، تماشيا مع الحسابات الإقليمية، وبخاصة الحسابات الإسرائيلية.

أما على مستوى الاقتصاد، فقد أسس الروس، بموافقة أوتوماتيكية من النظام لا يملك سواها، منتدى اقتصاديا روسيا – سوريا، يستحوذ على مناطق النفط والغذاء شمالي غرب سوريا، ويؤمن للشركات الروسية الدخول بشكل قانوني بالشراكة مع رجال الأعمال المرتبطين بالنظام أو الذين يعملون لصالح شخصيات نافذة فيه. والروس معنيون باسترجاع ما بذلوه من أموال، لإبقاء الأسد في السلطة، ولا يمانعون في تغييره في حال كانت طواعيته لهم لا تكفي لتلبية طموحاتهم والتزاماتهم المسكوت عنها حيال إسرائيل.

وفي هذا السياق، تراهم يبدأون بالمفيد، أي في قطاعات مضمونة الربح وسريعة العائدية، كمشاريع الطاقة والبناء. وفي هذا الإطار جرى تفعيل المنتدى الروسي – السوري بشكل لافت، منذ فبراير العام الماضي، وكان الجانب الروسي حريصا على استباق موعد الدخول التركي والأميركي على الخط، بعد أن أوشكت الحرب على النهاية ودخلت فصلها الأخير.

ومن المفارقات، أن التطورات الجارية الآن، جاءت كلها لصالح روسيا فلاديمير بوتين، وفتحت له مسالك الاستفادة من جميع المواجهات الدائرة في المنطقة، بل منحته الفرصة لاستعادة إرث الاتحاد السوفييتي على مستوى السياسة الخارجية، وأن يظفر بسيطرة غير مسبوقة على سوريا بشكل أقوى بكثير من قوة نفوذ الاتحاد السوفييتي فيها، عندما وصلت علاقات التعاون مع العالم العربي إلى ذروتها بعد حرب العام 1967. وبحكم طبيعة الصراع الدائر في سوريا، وخطوط التماس مع إيران وتركيا وإسرائيل، وصراع المصالح وحسابات الأميركيين، أصبحت الهيمنة الروسية على سوريا ورقة ضغط قوية على الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، كافية لإجبارهما على تقديم تنازلات لروسيا في مناطق وقضايا أخرى.

وكان طبيعيا، أن يرى الروس في المشروع الإيراني، منافسا مقلقا ولا يستهان به، على الرغم من العلاقات المتطورة بين موسكو وطهران. فالإيرانيون، وإن كانوا في طليعة من هبّوا لنجدة النظام، وكانوا شركاء الروس على هذا الصعيد، لا يرون في النظام العلماني والوراثي المستند إلى الفكرة القومية العربية، شريكا طبيعيا لهم، لا في السياسة ولا في الأيديولوجيا بمطلقاتها ولا في الطموحات القومية. فسوريا بالنسبة للنظام الإيراني، فضاء جغرافي لازم للتمدد في المنطقة والوصول إلى البحر المتوسط، بشافعة أيديولوجيا ترمي في بطنها، للعرب، غواية التحرر و”تدمير” المشروع الصهيوني أو على الأقل كبحه.

غير أن طبائع جحفلها الميليشاوي، وثقافته، جاءت طعنة في مقتل، ولعل ما زاد المقتل مقتلا في سوريا، أن الطرف الإسرائيلي البارع في الشكاية مع العدوان، يتطيّر من الإيرانيين، وقد تعمد إضعافه وبالمحصلة إهانته يوميا بقصف مراكز تموضعه، وجعلها النقطة الأضعف في أداء إيران ومقارباتها في المنطقة. وواضح أن الضربات الإسرائيلية لا تزعج الروس، بل هي بالعكس تساعد على إخلاء الساحة لهم، بحيث لا تتبقى سوى “تشطيبات” أخيرة، يمكن أن تتكفّل بها ميليشيات تابعة لموسكو.

وكان من انعكاسات العقوبات الأميركية على إيران، أن توقف تسديد نفقات الميليشيات التابعة لطهران، فبدأت هذه الميليشيات تنفلت أكثر، وهذه أيضا أوضاع يستفيد منها الروس. وهؤلاء الأخيرون، نجحوا حتى الآن، في ضبط الأمور في منطقة حوران وبعض المناطق الشمالية، ووفروا مثالا يمكن أن يُحتذى في مناطق أخرى في الشمال والشمال الغربي.

خلاصة القول، إن الهيمنة الروسية على سوريا، جعلت موسكو تتجاوز كل المعايير والضوابط التي حكمت جميع تجارب “التعاون” بين الاتحاد السوفييتي والأقطار العربية. فمن سابع المستحيلات، أن تكون لبشار الأسد القدرة على إنهاء مهام الجيش الروسي في سوريا، أو حتى إنهاء خدمات المستشارين، مثلما فعل أنور السادات في مصر في صيف العام 1972.

===========================

60 يوماً من القتال: المعارضة السورية تُوقف "دبيب النمل" وتفشل خطة الروس

أمين العاصي

العربي الجديد

الاربعاء 26/6/2019

توشك العمليات العسكرية في شمال غربي سورية على دخول شهرها الثالث، في ظل انخفاض سقف الآمال بالتوصل إلى اتفاق تركي روسي جديد، يعيد الهدوء إلى محافظة إدلب ومحيطها، والتي باتت أغلب مدنها وبلداتها منكوبة بفعل القصف الجوي والمدفعي من قبل الطيران الروسي وقوات النظام السوري. وكانت قوات النظام بدأت، في 27 إبريل/نيسان الماضي، عملية عسكرية، واسعة النطاق، بضوء أخضر روسي عقب فشل الجولة الأخيرة من مفاوضات أستانة، حيث لم يستطع الروس الحصول على موافقة تركية على تشكيلة اللجنة الدستورية المنوط بها وضع دستور دائم لسورية. وبعد تمهيد جوي ومدفعي كثيف، وغير مسبوق، تقدمت قوات النظام ومليشيات تساندها وسيطرت على بلدة كفرنبودة في 8 مايو/أيار الماضي.

وفي اليوم ذاته، سيطرت هذه القوات على بلدة قلعة المضيق وقرى الكركات والشريعة والتوينة وباب الطاقة في ريف حماة الشمالي الغربي عقب انسحاب فصائل المعارضة منها بسبب صعوبة الدفاع عنها، وهو ما أثار خشية الشارع السوري المعارض من تكرار سيناريوهات أحياء حلب الشرقية وغوطة دمشق الشرقية ودرعا والقنيطرة، ما يعني تقدم قوات النظام الى عمق محافظة إدلب. لكن الفصائل امتصّت الصدمة العسكرية الأولى في كفرنبودة وقلعة المضيق، واستعادت المبادرة، ما وضع حداً لتقدّم قوات النظام التي وجدت نفسها في مواجهة آلاف المقاتلين المعارضين المُدربين، حيث استقدمت الفصائل تعزيزات من منطقتي "غصن الزيتون" و"درع الفرات" في شمال حلب.

وأدركت المعارضة أن الموقف يستدعي تجميع القوى، فشكلت غرفة عمليات واحدة، بعد أن سيطر النظام على 18 بلدة وموقعا خلال أيام، هي مدينة قلعة المضيق، وبلدة كفرنبودة، وقرى الجنابرة وتل هواش والجابرية والتوبة والشيخ إدريس والكركات والمستريحة والتوينة والشريعة وباب الطاقة والحويز والحمرا. وحاولت قوات النظام إعادة تطبيق استراتيجية "دبيب النمل"، لتقضم تدريجياً مناطق في شمال غربي سورية، كما سبق وفعلت في غوطة دمشق الشرقية، وأحياء حلب الشرقية، معتمدة على كثافة النيران، والقصف الجوي. كما اتبع النظام، وحليفه الروسي، سياسة الأرض المحروقة، حيث دمرا كل مظاهر الحياة في ريفي حماة الشمالي وإدلب الجنوبي.

لكن "التوحش" لم يمنع المعارضة المسلحة من إفشال استراتيجية القتال الروسية، حيث استعادت الفصائل زمام المبادرة مرة أخرى، فأعلنت في 7 يونيو/حزيران الحالي، بدء المرحلة الثانية من المعركة على قوات النظام والمليشيات التابعة لها في ريف حماة الشمالي، تحت مسمّى "الفتح المبين". وكانت المرحلة الأولى بدأت في السادس من يونيو الحالي باندفاعة كبيرة من مقاتلي الفصائل باتجاه مناطق تابعة للنظام في ريف حماة الشمالي، ما أدى للسيطرة على تل ملح، والجبين، وكفرهود، ومدرسة الضهرة، والجلمة وكرناز. وعلى الرغم من أن فصائل المعارضة لم تستطع الدفاع عن كل هذه المناطق، فإنها لم تتخل عن الجبين وتل ملح، وصدت عدة هجمات لقوات النظام التي تكبدت خسائر فادحة. ولمنطقة تل ملح أهمية استراتيجية، كونها إحدى طرق إمداد النظام بين محردة والسقيلبية، فضلاً عن مرور طريق رئيسي بين حماة واللاذقية عبر هذه المنطقة. كما أن تل ملح تطلّ على العديد من المناطق التي تقع تحت سيطرة قوات النظام، وفق ما أوضحت مصادر في المعارضة السورية لـ"العربي الجديد".

وكانت قوات النظام حاولت، منتصف مايو/أيار الماضي، تشتيت قوى فصائل المعارضة السورية من خلال الهجوم على محور تلة الكبانة في جبل الأكراد بريف اللاذقية الشمالي. لكن الفصائل المقاتلة في المنطقة أفشلت عشرات محاولات الاقتحام، وكبدت قوات النظام خسائر فادحة في الأرواح. ووفق قيادي في الجيش السوري الحر فإن قوات النظام حاولت السيطرة على قرية الكبانة لأنها "مفتاح ريف إدلب الغربي، فهي أعلى قمة مُطلة على جسر الشغور وسهل الغاب وبداما والناجية والشغر والجانودية وغيرها من المناطق، وصولاً إلى جبل الزاوية في محافظة إدلب". وأوضح أن "سيطرة قوات النظام عليها تعني رصد المنطقة نارياً، ومن ثم يصبح تقدّم هذه القوات إلى باقي المناطق أسهل، كونها ستقود المعارك من الأعلى إلى الأسفل، ومن هنا تنبع الأهمية الكبيرة للكبانة لدى المعارضة والنظام".

ولم تنقطع محاولات الروس والأتراك لتهدئة الوضع في شمال غربي سورية، لكنهم لم يستطيعوا ردم هوة الخلاف بينهم حيال مصير محافظة إدلب ومحيطها. ورفضت أنقرة أكثر من مرة طلباً روسياً بتعديل الخرائط المتفق عليها سابقاً، بحيث تبقى المناطق الجديدة التي سيطر عليها النظام تحت سلطته. وأصرت أنقرة على انسحاب قوات النظام إلى النقاط المحددة وفق اتفاق خفض التصعيد الموقّع قبل نحو عامين، وهو ما دفع الموقف إلى مزيد من التصعيد، فاستهدفت قوات النظام أكثر من مرة نقاط المراقبة التركية المنتشرة في محيط إدلب. ورفع النظام، منتصف يونيو الحالي، سقف تحديه للجانب التركي مستهدفاً النقطة التركية في مورك شمال حماة. وفي خطوة غير مسبوقة، قصفت نقطة المراقبة التركية المتمركزة في منطقة شير مغار بريف حماة الشمالي الغربي، المتاخم لريف إدلب الجنوبي، مواقع لقوات النظام في منطقتي تل بزام والكريم وقرية الكبارية في ريف حماة الشمالي.

وينشر الجيش التركي 12 نقطة مراقبة في محيط محافظة إدلب وفق تفاهمات أستانة وسوتشي، حيث تقع النقطة الأولى في قرية صلوة بريف إدلب الشمالي، والثانية في قلعة سمعان بريف حلب الغربي، والثالثة في جبل الشيخ عقيل بريف حلب الغربي. أمّا النقطة الرابعة ففي تلة العيس بريف حلب الجنوبي، والخامسة في تل الطوقان بريف إدلب الشرقي، والسادسة قرب بلدة الصرمان بريف إدلب الجنوبي. وتأتي النقطة السابعة في جبل عندان بريف حلب الشمالي، والثامنة في الزيتونة في جبل التركمان، والتاسعة في مورك بريف حماة الشمالي. وتقع النقطة العاشرة في الراشدين الجنوبية بريف حلب الغربي، والحادية عشرة في شير مغار بريف حماة الغربي، والأخيرة في جبل اشتبرق بريف إدلب الغربي.

وفي منتصف الشهر الحالي لجأ الروس إلى المناورة من خلال الإعلان عن هدنة من طرف واحد، لكن فصائل المعارضة السورية رفضت الهدنة الروسية، مُحذرة من "الحيل التي يتبعها النظام وروسيا لتعزيز صفوفهما، في ضوء التقدم الذي أحرزته الفصائل على حساب قوات النظام"، معتبرة أن إعلان الهدنة من جانب واحد "خديعة روسية لتجميع القوات والاستعداد لشن هجمات جديدة"، وفق مصادر في المعارضة. وعلى ضوء الخسائر الكبرى التي تعرضت لها قوات النظام خلال الأيام الأخيرة، يؤكد قياديون في الجيش السوري الحر أن "حالة يأس ومعنويات مُحطمة تعيشها قوات النظام والمليشيات"، مشيرين إلى أن قادة هذه القوات "يتبادلون الاتهامات بالتقاعس والجبن والخيانة"، مؤكدين أن "هناك غضباً روسياً من أداء المرتزقة والمليشيات الأسدية". وعن تقييمه للموقف العسكري بعد مرور نحو شهرين من تصعيد النظام، يقول العقيد مصطفى البكور، قائد العمليات في "جيش العزة" أبرز فصائل الجيش السوري الحر في ريف حماة الشمالي، لـ"العربي الجديد"، إن "الموقف العسكري (يميل) لصالح الفصائل الثورية بشكل عام بعد فشل عشرات المحاولات للتقدم من قبل مليشيات النظام". ورداً على سؤال يتعلق بفشل الحملة الروسية على شمال غربي سورية، أعرب البكور عن اعتقاده بأن "مجرد طلب الروس الهدنة، أو وقف إطلاق النار، يعني أنهم اقتنعوا بأنهم غير قادرين على المتابعة". وأضاف "نعلم أن روسيا لن تسكت على انتكاساتها، ونحن مستعدون للمواجهة".

وتكبدت قوات النظام والمليشيات المساندة لها خسائر كبيرة في اشتباكات الـ 60 يوماً. وأعلن قيادي في "هيئة تحرير الشام" (جبهة النصرة سابقاً)، في تصريح لإحدى وسائل الإعلام، أن "حصيلة قتلى قوات (بشار) الأسد منذ انطلاق الحملة وصلت لنحو 750 قتيلًا وأكثر من ألفي جريح، موثقين، مع خسائر في العتاد والآليات". ودفع المدنيون في شمال غربي سورية فاتورة الحرب الصعبة، إذ قتل وهُجر عشرات آلاف المدنيين من ريفي حماة الشمالي وإدلب الجنوبي. ووثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل نحو 490 مدنياً في منطقة خفض التصعيد بإدلب ومحيطها "على يد الحلف السوري - الروسي، منذ 26 إبريل/نيسان وحتى 21 يونيو/حزيران". وأضافت أن من بين القتلى 118 طفلاً، و92 امرأة. وأشارت إلى إصابة نحو 1487 مدنياً في الفترة الزمنية ذاتها. من جانبه، وثق المرصد السوري لحقوق الإنسان مقتل 512 مدنياً في شمال غربي بالقصف الجوي والمدفعي من قبل الروس والنظام، بينهم 130 طفلاً، و102 امرأة، منذ 30 إبريل الماضي وحتى 23 يونيو الحالي.

===========================


ترامب وإيران وخطأ الحسابات

مروان قبلان

العربي الجديد

الاربعاء 26/6/2019

عندما خرج وزير الخارجية الألماني، هايكو ماس، من اجتماعاته مع المسؤولين الإيرانيين في طهران، في العاشر من يونيو/ حزيران الجاري، بدا ممتقعا. وخلاف أكثر التحليلات السائدة حينها، حذّر من "أن الوضع في المنطقة خطير بشكل استثنائي، وأن الحرب يمكن أن تقع نتيجة أي خطأ في الحسابات". وبالفعل، تدهور الوضع خلال أيام، بعد أن أسقطت إيران طائرة تجسّس أميركية مسيرة، تعد الأحدث والأغلى ثمنا من بين نظيراتها في ترسانة واشنطن العسكرية. ولكن تراجع الرئيس الأميركي، ترامب، عن الرد في اللحظة الأخيرة خفّف من حدة الاحتقان، إذ بدا أن ترامب يتجنب فعلا الدخول في مواجهةٍ عسكرية مع طهران، على الرغم من الضغوط التي تمارسها عليه بعض أركان إدارته ومن خارجها، لكن المتابع لتطور الأزمة لا بد أن يلحظ جملة من خطأ الحسابات التي ارتكبها الطرفان، وتُنذر إذا استمرا فيها بوقوع المواجهة التي يهربان منها، ويخشاها الوزير الألماني.

تتلخص استراتيجية ترامب الأصلية في التعامل مع إيران في ممارسة أقصى قدر من الضغوط الاقتصادية عليها، لدفعها إلى العودة إلى طاولة المفاوضات، للحصول على اتفاق جديد يعالج وضع برنامجيها، النووي والصاروخي، ونفوذها الإقليمي، ويكون بديلا للاتفاق الذي وقعه الرئيس السابق، أوباما، معها عام 2015. ونتيجة إدراكها مقدار الألم الذي ستسببه هذه العقوبات للاقتصاد الإيراني، وتجنبا للفشل الذي حصل في التعامل مع كوريا الشمالية، تبنّت إدارة ترامب استراتيجيةً أقرب ما تكون إلى استراتيجية أفعى "الباتون"، وتقوم على فكرة خنق الخصم من دون السماح له بالمقاومة، أو تمكينه من الرد، فيما يتم تحطيم عظامه، حتى يستسلم لقدره. بناء عليه، عزّزت الولايات المتحدة، بالتزامن مع الغاء الاستثناءات على شراء النفط الإيراني، والتوجه نحو تصفير صادراته، وجودها العسكري في المنطقة، لردع إيران، وثنيها عن الإتيان بأي رد فعل على العقوبات.

أما إيران، فقد تبنى مجلس أمنها القومي خيار "الصبر الاستراتيجي"، في مواجهة العقوبات الأميركية، حتى موعد الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2020، ووصول إدارة أميركية جديدة، يمكن التفاهم معها. وفي كلتا الاستراتيجيتين، لا ذكر لمواجهة عسكرية، ولا رغبة فيها. مع ذلك، كاد الطرفان يقعان في واحدةٍ الأسبوع الماضي، نتيجة أخطاء جسيمة في الحسابات.

تمثل خطأ واشنطن الرئيس في ثقتها الزائدة بأن استراتيجية الردع التي اعتمدتها سوف تمنع إيران من الرد على عملية خنقها بالعقوبات، أما إيران فقد ارتكبت جملة من الأخطاء، أولها ثقتها الزائدة في أن الأوروبيين، بدافع حرصهم على الاتفاق النووي ومصالحهم الاقتصادية الكبرى التي فتحها لهم في إيران، وتقدّر بعشرات مليارات الدولارات، سوف يتخذون موقفا صلبا في مواجهة العقوبات الأميركية، ويعملون على إيجاد مخارج تسمح لإيران بالصمود في وجهها حتى انتخابات 2020. وواقع الحال أن الأوروبيين لم يفشلوا فقط في تفعيل آلية (Instex) التي وعدوا بها لاستمرار تعاملاتهم التجارية مع إيران، بما فيها استيراد النفط، بل أيضا في إقناع شركاتهم في البقاء في إيران، والحفاظ على استثماراتهم فيها. الخطأ الثاني، أن إيران توقعت أن تمدّد إدارة ترامب إعفاءات الدول الثماني الكبرى، المشترية نفطها، خوفا من حصول صدمة في السوق، وارتفاع الأسعار نتيجة غياب النفط الإيراني. ولكن إدارة ترامب ألغت الإعفاءات، وقامت روسيا بتعويض النقص على الفور، ما جعل الأثر معدوما تقريبا على أسعار النفط. الخطأ الثالث أن إيران كانت تتوقع رفض كبار المشترين لنفطها، وهم الصين والهند وتركيا، الالتزام بالعقوبات الأميركية.

هذه الحسابات الخاطئة جعلت تأثير العقوبات الأميركية على الاقتصاد الإيراني أكبر مما كان متوقّعا، كما جعلت من المستحيل المضي في سياسة "الصبر الاستراتيجي"، لأن الاقتصاد الإيراني لن يقوى على الصمود حتى انتخابات 2020 الأميركية، فضلا عن أنه بات هناك احتمال أن يفوز ترامب بولاية جديدة، بعد خلاصات تحقيقات مولر. وهذا يعني أنه لم يعد أمام إيران إلا سياسة التصعيد التدريجي، لرفع تكاليف عملية حصارها على إدارة ترامب في سنة انتخابية حاسمة. والمشكلة أن إيران لا تعرف بالضبط متى لا يعود بإمكان ترامب الرد عليها، لندخل في متوالية التصعيد التي تصعب السيطرة عليها.

===========================

أميركا وإيران.. خصومة سياسية

علي العبدالله

العربي الجديد

الاربعاء 26/6/2019

حاول محللون ومعلقون سياسيون اكتشاف الأسباب التي دفعت الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلى إلغاء قراره بضرب ثلاثة مواقع إيرانية، ردّا على إسقاط طائرة "أر كيو- 4 غلوبال هوك/ الصقر العالمي" فوق مضيق هرمز فجر يوم الخميس 20 يونيو/ حزيران الجاري. قال بعضهم إنه "حكمة وحسنُ تدبير"، وقال آخرون إنه "تهيّب" من الموقف، ودان آخرون القرار "لأنه أعطى إيران نقطةً في صراع الإرادات وعض الأصابع"، لكنهم اتفقوا على رفض المبرّر الذي أعلنه: التحسّب لعدد الضحايا، لأن حساب "الضحايا" يُؤخذ بالاعتبار، وفق آليات صنع القرار، قبل اتخاذ القرار.

واقع الحال أن قرار إلغاء الضربة مرتبطٌ بجملة أسبابٍ قريبةٍ وبعيدة، فاللحظة السياسية الراهنة استثنائية باستحقاقاتها، المحلية والإقليمية والدولية، من القمّة الأمنية في القدس المحتلة التي جمعت مستشاري الأمن القومي في أميركا وروسيا والكيان الصهيوني، يومي 24 و25 يونيو/ حزيران الجاري؛ ونتائجها المنتظرة في ضوء العرض الذي قدمه وزير الخارجية الأميركية، مايك بومبيو، للقيادة الروسية خلال زيارته لسوتشي في منتصف مايو/ أيار الماضي (تضمن تنفيذ القرار الدولي 2254، والتعاون في ملف محاربة الإرهاب و"داعش"، وإضعاف النفوذ الإيراني، والتخلص من أسلحة الدمار الشامل في سورية، وتوفير المساعدات الإنسانية، ودعم الدول المجاورة، وتوفير شروط عودة اللاجئين السوريين، وإقرار مبدأ المحاسبة عن الجرائم المرتكبة)، إلى ورشة البحرين الاقتصادية التي عقدت في المنامة يومي 25 و26 الجاري، والتي تعوّل عليها أميركا كثيرا، لتسهيل مرور الجانب السياسي من

"الدولة الإيرانية ليست عدواً لأميركا، كما روسيا والصين، وفق الاستراتيجية الأميركية"  "صفقة القرن"؛ وهذا واضحٌ من التسمية التي أطلقتها عليها، "الازدهار من أجل السلام"، ومن الضغوط التي مارستها على دولٍ عربيةٍ لتأمين حضورها، باعتبارها عرّابة "الصفقة"، أعطي تمرير "الصفقة" أولويةً كبرى في السياسة الأميركية، إلى قمة العشرين التي تعقد في أوساكا في اليابان يومي 28 و29 يونيو/ حزيران الجاري كذلك، مرورا باجتماع "المجموعة المصغّرة" لأصدقاء الشعب السوري التي تضم أميركا وفرنسا وبريطانيا والسعودية والأردن ومصر، في باريس يوم 24 الجاري، واجتماع التحالف الدولي ضد "داعش" في باريس يومي 25 و26 الجاري، واجتماع حلف شمال الأطلسي (الناتو) ومبعوثي الدول الغربية إلى الملف السوري في بروكسل يوم 28 الجاري. وهذا بالإضافة إلى الحملة الانتخابية للرئيس الأميركي، التي أطلقها قبل أيام من أجل الفوز بفترة رئاسية ثانية في انتخابات عام 2020، وعدم وجود غطاء دولي للقرارات الأميركية ضد إيران، يمكن القول بوجود تحفظٍ دوليٍّ واسع عليها، خصوصا داخل التحالف الغربي، ما يعني أن خلفية "الإلغاء" هي التوقيت، لأن تبادل الضربات سينعكس سلبا على خطط واشنطن في هذه الاستحقاقات، من جهة، ويضعف، من جهةٍ ثانية، فرصتها لبناء قضية ضد إيران تحوز على موافقةٍ دوليةٍ تقود إلى تأسيس تحالفٍ دولي ضدها. علما أن احتمال توجيه الضربة ما زال قائما؛ وهذا ما يمكن استنتاجه من قول الرئيس الأميركي "إنه لم يُلغ الضربة التي كانت تحضّر لإيران، بل أوقف تنفيذها"، ومن شنّ "وحدات الأمن الإلكتروني الأميركية" هجمة سيبرانية/ إلكترونية على حواسيب في منظومة التحكّم بالصواريخ الإيرانية، لـ "شل" منظومة الدفاع الصاروخية؛ بتعطيل منصّات الصواريخ أو إحداث أضرارٍ فيها لا يمكن إصلاحها، وفق ما نشرته صحيفة واشنطن بوست، كإجراء مرحلي بديل.

يمكن اعتبار الاستحقاقات المذكورة أعلاه الأسباب القريبة التي دفعت ترامب إلى تأجيل الضربة. أما الأسباب البعيدة والعميقة فمرتبطة بوظيفة إيران في الاستراتيجية الأميركية في ضوء السمات التي تنطوي عليها، أولاها وأهمها طبيعة الدولة الإيرانية، دولة عريقة وذات إرث حضاري كبير وعدد سكان ومساحةً وثرواتٍ طبيعية وازنة، امتزجت فيها القومية الفارسية والمذهب الشيعي الاثنا عشري امتزاجا عميقا جعلهما وحدةً متماسكةً لا تقبل الفصام أو الانقسام، ما منحها تميّزها عن محيطها الإقليمي، ووضعها في تناغم وتعارضٍ معه؛ وحوّلها، بالنسبة للاستراتيجيات الدولية، إلى فرص ومخاطر في آن، وإلى ركيزةٍ مهمةٍ في إدارة الصراعات والتوازنات في الإقليم. ثانيها الموقع الجيوسياسي الهام، إطلالتها على الخليج العربي، وخصوصا مضيق هرمز، وبحر عُمان والمحيط الهندي، من جهة، وبحر قزوين، من جهة ثانية، ومحاددتها دولا كثيرة: العراق، تركيا، أرمينيا، أذربيجان، تركمانستان، أفغانستان، باكستان، بالإضافة إلى قربها من روسيا. ثالثها التركيبة المجتمعية وبنية الشخصية الإيرانية، بما تختزنه من إرث ثقافي وديني ومذهبي. وهذا رشّحها للعب دور في الاستراتيجيات الغربية للقيام بوظائف عديدة: تحدّي النفوذين، الروسي والصيني، في آسيا الوسطى، عصا غليظة في وجه قوى التحرّر في الإقليم، العربية منها خصوصا، ركيزة أساسية في توازن قوى إقليمي، احتياط للنفط العربي وبديل للغاز الروسي، وجعلها حاجة استراتيجية ثابتة للدول الغربية عموما، وأميركا خصوصا، وهذا يفسّر، إلى حد كبير، مغزى التعاطي الغربي المفتوح مع الجمهورية الإسلامية التي أقامها آية الله الخميني بعد ثورة 1979، بنظامها السياسي الديني، نظام ولاية الفقيه، حيث يتم التركيز على العمل على ترويضها لاستعادتها، لاستئناف دورها في استراتيجياته؛ وتحاشي مواجهة مباشرة معها قد تقود إلى تدميرها، واستنزاف عناصر القوة التي تتمتع بها ما يُفقدها الدور الذي حدّد لها في هذه الاستراتيجيات باعتبارها ركيزة أساسية للاستقرار وجزءا رئيسا في توازن قوى إقليمي.

عاد الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، إلى الاستراتيجية الأميركية التقليدية: إقامة نظام

"احتمال توجيه الضربة ما زال قائما؛ وهذا ما يمكن استنتاجه من قول الرئيس الأميركي "إنه لم يُلغ الضربة" توازن قوى في الإقليم، بعد أن كانت إدارتا جورج بوش الأب والابن خرقتاها بتبنّي الأول سياسة الاحتواء المزدوج لإيران والعراق، والثاني لتغيير الأنظمة بغزو أفغانستان عام 2001 والعراق 2003، منطلقا من اعتبار التعارض السائد آنذاك ليس بين الدولتين، الأميركية والإيرانية، بل بين نظامي الجمهورية الإسلامية وإدارة المحافظين الجدد، بمغازلة إيران (رسالته إلى الشعب الإيراني بمناسبة عيد النيروز، مديحه الدور الحضاري والثقافي الإيراني، مديحه العقل الإيراني العملي والاستراتيجي، موقفه اللين من قمع الموجة الخضراء عام 2009، تواصله المباشر مع القيادة الإيرانية)، لإغوائها واستدراجها للدخول في مفاوضاتٍ حول برنامجها النووي؛ لأنه يعيق قيام التوازن الإقليمي المطلوب، ويطلق سباق تسلحٍ نوويٍّ خطر، مدخلا لرفع العقوبات وتطبيع علاقاتها بالغرب، وعودتها إلى المجتمع الدولي، على أمل أن يؤدّي هذا الاتفاق والانفتاح إلى تهيئة الظروف لإقامة توازن قوى جديد في الإقليم قائم على دعامتين: دعامة سنّية (السعودية) ودعامة شيعية (إيران).

لقد حدّدت وثيقتا الأمن القومي 2010 و2015 وخطابا أوباما في الجمعية العامة للأمم المتحدة (24/9/2013) وأكاديمية ويست بوينت العسكرية (28/5/2014)، بوضوح كامل، أسس تحرّك أميركا الخارجي، حيث ربط استخدام القوة العسكرية بشكل منفرد فقط، بمواجهة أخطارٍ تهدّد المصالح الأميركية الأساسية والحيوية مباشرة. وأما التي لا تهدّد الأمن والمصالح الأميركية مباشرة، فالتعامل معها يتم عبر رزمة إجراءاتٍ دبلوماسيةٍ واقتصادية. فقد أعلن، في خطابه في الأكاديمية، وهو الأكثر وضوحاً وتحديداً، مواجهة المشكلات والأخطار الإقليمية والدولية، التي لا تمسّ مصالح الولايات المتحدة مباشرة، ومخالفة القانون الدولي، باعتماد آلية العزل والمعاقبة، والعمل مع المنظمات الدولية ذات الصلة. وفي حال الاضطرار إلى تحرّك عسكري، يتم تشكيل تحالفٍ لذلك الغرض، وتقاسم الأعباء البشرية والمادية. وهو ما يتبنّاه الرئيس الحالي، ترامب، على الرغم من هجومه الدائم على إدارة أوباما، ويعمل على تنفيذه، وإن بكثيرٍ من الفظاظة والتهوّر، زادته توازنات الداخل الأميركي؛ ومستدعيات الحملة الانتخابية، تردّدا وتقلبا، عكسه الإعلان المتكرّر بعدم رغبته في الذهاب إلى الحرب مع إيران؛ والانتقال من طرح شروطٍ قاسية للتفاوض معها (شروط بومبيو الـ 12) إلى الإعلان عن استعداده للتفاوض معها من دون شروط مسبقة، ومن التلويح بإبادة إيران إلى الدعوة إلى اتفاق معها تحت شعار "دعنا نجعل إيران عظيمة مجدّدا"، و"أنه سيكون أفضل صديق لإيران"، و"أنها ستصبح من جديد دولة ثرية" إذا تخلت عن مساعي امتلاك سلاح نووي، وقبلت بالتوصل إلى اتفاق نووي جديد.

الدولة الإيرانية ليست عدوا لأميركا، كما روسيا والصين، وفق الاستراتيجية الأميركية، والخلاف الراهن معها مرتبط بسياسات يتبنّاها النظام الإيراني، لا تتسق مع التوجهات الأميركية في الإقليم؛ والمطلوب العودة عنها، والانخراط في توازن قوى إقليمي جديد. وهذا مغزى شعار "تغيير سلوك النظام الإيراني".

===========================


الجنوب السوري.. النظام يحكم قبضته الأمنية ويجند شباب درعا لمعركة ريف حماة

حسين الخطيب

نون بوست

الثلاثاء 25/6/2019

بسطت قوات النظام السوري والميليشيات الموالية له خلال يونيو/حزيران 2018 الماضي، سيطرتها على مدن وبلدات الجنوب السوري، بعد إبرام اتفاق عرف بـ"التسوية"، برعاية ضباط وعسكريين روس، يضمنون انتهاكات النظام والميليشيات بحسب ما أورد الاتفاق آنذاك، مراعيًا مختلف توجهات السكان المحليين وتسوية أوضاعهم مع قوات النظام.

الضمانة الروسية لرعاية الاتفاق لم تنجح على الإطلاق، وذلك لاستمرار قوات النظام والميليشيات الإيرانية و"حزب الله" في اعتقال المدنيين الذين استقروا في الجنوب وتضييق الخناق عليهم بكثافة الحواجز الأمنية بين الأحياء والقرى والبلدات، لإحكام القبضة الأمنية، وعلى العكس كانت روسيا الراعية للاتفاق إحدى الجهات التي جندت شبان درعا في ميليشيات تعمل لصالحها إلى جانب قوات النظام، فيما انتهت المهلة الثانية للتجنيد في صفوف قوات النظام أمس الإثنين 24 من يونيو/حزيران.

تشهد محافظة درعا وريفها في الجنوب السوري، انتشارًا مكثفًا للحواجز التابعة لقوات النظام تحضيرًا لإبلاغ واعتقال الشبان وزجهم في الخدمة الإلزامية بصفوف قوات النظام، وذلك إثر انتهاء المهلة الثانية التي أبرمت في يناير/كانون الثاني من العام الحاليّ، لإمهال الشبان المتخلفين والمنشقين عن الخدمة العسكرية في صفوف قوات النظام.

تعيش محافظة درعا حالة من الغليان خوفًا من عمليات النظام ضد الشبان المتخلفين والمنشقين عن الخدمة العسكرية في صفوفه

وتحدث "نون بوست" مع الناطق باسم تجمع أحرار حوران أبو محمود الحوراني الذي قال: "بدأت حواجز الضاحية ومدخل درعا البلد وحاجز سجنة التابعة للنظام بأخذ بصمات الشبان لمراجعة شعب التجنيد للالتحاق بصفوف قوات النظام"، وأضاف: "حدد النظام مدة أقصاها سبعة أيام لمراجعة شعب التجنيد، بينما من يتخلف عن الوقت المحدد يعتبر من الفارين والملاحقين، وسيتعرض للاعتقال".

وتعيش محافظة درعا حالة من الغليان خوفًا من عمليات النظام ضد الشبان المتخلفين والمنشقين عن الخدمة العسكرية في صفوف الأسد، ويحاول الشبان التزام منازلهم خوفًا من التهديدات المباشرة من حواجز النظام بانتهاء المهلة لمراجعة شعب التجنيد في مدينة درعا.

وأوضح الحوراني أن هناك المئات من الشبان يجلسون في منازلهم، بينهم عسكريون انضموا لقوات النظام والتزموا منازلهم خلال إجازاتهم نظرًا لممارسات قوات النظام بحقهم وزجهم في الخطوط الأمامية للمعارك.

واعتقلت قوات النظام خلال المهلة الأولى في النصف الأخير من عام 2018، 250 شخصًا من بلدة أبطع، و800 شاب من أنخل ونوى، بينما سيق الآلاف منهم من بلدات ريف القنيطرة وريف درعا الجنوبي إلى الخدمة العسكرية في صفوف قوات النظام، كما قدمت ميليشيات تابعة لإيران و"حزب الله" بشكل مباشر، عروضًا بمرتبات شهرية للانخراط في صفوفها، وهذه العروض يعتبرها البعض أخف الضررين وأفضل من الخدمة في صفوف قوات النظام، ما دفع العشرات للالتحاق في صفوف الميليشيات هربًا من الخدمة بجيش الأسد.

ودعا ناشطون في تجمع أحرار حوران (المنبر الإعلامي الناطق بالجنوب السوري)، الإثنين 24 من يونيو/حزيران إلى حملة عصيان مدني ضد قوات النظام ضمن هاشتاغ "عصيان درعا" على على منصات التواصل الاجتماعي، مؤكدين أن الجنوب السوري متعرض للخطر خلال الأيام القليلة القادمة، وسيطرأ على الجنوب تطورات تهدد حياة الأهالي والشبان وزجهم في معارك الشمال.

وقال أبو محمود الحوراني: "الجنوب السوري مهدد من قوات النظام لذلك قمنا بإطلاق حملة عصيان درعا، رداً على سوق الشباب للخدمة الإلزامية خلافاً لاتفاق التسوية، ووضعهم في الخطوط الأمامية في معارك ضد أهاليهم في مناطق أخرى"، مؤكدًا أن النظام يحاول إفراغ المدينة من شبانها نظرًا لمشاركتهم في الثورة السورية.

وكتب قائد فوج الهندسة والصواريخ سابقًا في محافظة درعا، أدهم كراد، الأحد 23 من يونيو/حزيران في حسابه على فيسبوك: "لدينا 3 فئات شبابية متأثرة بما حصل: المنشقون والاحتياط والخدمة الإلزامية"، وأضاف: "طالما أن هناك معارك قائمة في إدلب وأنه قد تم الغدر بأبنائنا الذين صدقوا قرار العفو وتعجلوا بالالتحاق، فإن درعا لن تسلم فلذات أكبادها لتجعلوهم حطبًا لمشاريعكم، وهي قريبة من العصيان المدني، خيطوا بغير مسلة".

أحكمت قوات النظام قبضتها الأمنية خلال الأشهر القليلة الماضية على مدن وبلدات محافظة درعا، تخوفًا من استهداف مقارها العسكرية المنتشرة بكثافة داخل المحافظة

وكانت قوات النظام قد جندت المئات في صفوفها، وزجتهم في معارك ريف حماة الشمالي ضد المعارضة، وقال النقيب ناجي مصطفى لـ"نون بوست": "قوات النظام استخدمت عناصر التسوية في معارك حماة ووضعتهم في الصفوف الأمامية"، وأكد "العشرات منهم يقتلون بسبب قلة خبرتهم العسكرية". وتتعرف المعارضة على عناصر التسوية من خلال الوثائق التي بحوزتهم بينما انشق العشرات من عناصر التسوية في ريف حماة، خلال الأيام القليلة الماضية.

أحكمت قوات النظام قبضتها الأمنية خلال الأشهر القليلة الماضية على مدن وبلدات محافظة درعا، تخوفًا من استهداف مقارها العسكرية المنتشرة بكثافة داخل المحافظة، وتضييق الخناق على تحركات المدنيين وملاحقة الشبان المتخلفين عن الخدمة العسكرية.

وقال الحوراني: "النظام وسع عدد الحواجز الأمنية وبلغ عددها 118 حاجزًا في محافظة درعا وريفها، بينهم 24 حاجزًا داخل درعا فقط"، وأضاف: "الفرقة الـ15 التابعة للنظام نشرت حواجز قرب بلدة المفطرة شمال درعا، وتمنع هذه الحواجز المدنيين من الوصول إلى المزارع والأراضي الزراعية".

وذكرت وكالة آكي الإيطالية في تقرير لها قبل أيام أن الوجود الروسي في محافظة درعا معدوم، مشيرةً إلى أن الأجواء توحي باحتمال حدوث انفجار للوضع الأمني والعسكري وخروجه عن السيطرة، معتبرةً أن الأوضاع الاقتصادية المتردية في المحافظة تساهم بعودة التوترات، وكانت المقاومة الشعبية التي استهدفت حواجز النظام قد اغتالت العشرات من ميليشيا النظام في المنطقة.

الاستياء من قوات النظام وتضييق الخناق دفع عشرات المدنيين في محافظة درعا جنوب البلاد الجمعة 21 من يونيو/حزيران الحاليّ، إلى الخروج في تظاهرة عقب صلاة الجمعة من المسجد العمري في درعا البلد، وجابت التظاهرة أحياء وشوارع درعا البلد، وطالبوا بإزالة النقاط العسكرية التي أنشأتها قوات النظام قبل أسبوعين شمال المحافظة وتمنع تحركات المدنيين، كما أكدوا أن الدوائر الحكومية ليست مقرات أمنية وعسكرية، وطالبوا بإعادتها إلى عملها، وتتخذ ميليشيات عدة تابعة لإيران وأخرى لروسيا من المؤسسات الحكومية مقارًا عسكرية، وتنفذ من خلالها حملات اعتقال ضد المدنيين.

تقوم حكومة النظام بمعاملة الجنوب السوري، بشكل مختلف عن المناطق التي كانت تقبع تحت سيطرته منذ سنوات، محاولةً تهميشه وتغييب الخدمات عنه بشكل مباشر

ونشرت قوات النظام الجمعة 21 من يونيو/حزيران لوائح على أبواب مساجد مدينة إنخل بريف درعا، لمراجعة فرع أمن الدولة التابع لنظام الأسد، وتحمل القوائم أسماء مطلوبين جدد، أجروا تسوية مع قوات النظام، ومن بينهم النقيب المنشق عبد الحكيم العيد، القيادي السابق في قوات شباب السنة الذي انضم لصفوف الفيلق الخامس التابع لروسيا، حيث يوجد الآن بريف اللاذقية، كما تضم القوائم عددًا من المدنيين الذين قتلوا بقصف قوات النظام.

تهميش الخدمات

تعامل حكومة النظام، الجنوب السوري بشكل مختلف عن المناطق التي كانت تقبع تحت سيطرته منذ سنوات، محاولةً تهميشه وتغييب الخدمات عنه بشكل مباشر، من خلال إلغاء الدوائر الحكومية وتحويلها إلى مقار للميليشيات التي تسيطر على المنطقة.

وتعاني مدن وبلدات محافظة درعا من انقطاع للتيار الكهربائي بشكل كامل نظرًا لأعطال فنية في شبكة الكهرباء كانت تسببت بها قوات النظام خلال قصفها للمنطقة في أثناء سيطرة المعارضة عليها، كما يعاني الأهالي من قلة توافر المياه بسبب الأعطال الفنية التي لم تقم الجهات الخدمية التابعة للنظام بإصلاحها، إلى جانب سيطرة الميليشيات على هذه الدوائر.

وخلال الحديث مع الحوراني قال: "النظام همش المنطقة من الناحية الخدمية، فما زالت محطات الكهرباء ومحطات المياه واقفة دون عمل إلى الآن"، واعتبر أن الوضع الخدمي في المنطقة معدوم مما دفع الأهالي للخروج في عدة مظاهرات خلال الأسابيع القليلة الماضية، مطالبين بتحسين الواقع الخدمي، في حين جمعت بعض القرى تبرعات من الأهالي لإصلاح المدارس وشركتي المياه والكهرباء من خلال مبادرات جماعية.

وكانت حكومة النظام قد فصلت كل معلمي المحافظة الذين عملوا في مؤسسات الثورة التعليمية وحتى الخدمية، محاولة تجنيدهم في صفوفها، والقضاء عليهم عبر زجهم في معارك حماة في الشمال السوري، فهل تدفع التطورات الأخيرة أهالي "مهد الثورة" للانتفاض في وجه الأسد مجددًا؟

===========================


القمة الثلاثية الأمنية: استقرار سوريا أم إزاحة إيران؟!

هاني حبيب

عربي 21

الاثنين 24/6/2019

قمة أمنية تعقد، غدا، بمدينة القدس، تجمع بين رؤساء الأمن القومي في كل من إسرائيل وأمريكا والاتحاد الروسي، مائير بن شابات، وجون بولتون، ونيقولاي بتروشيف، وفي حين أن كلا من أمريكا وإسرائيل تشيران إلى أن هدف القمة الثلاثية الأمنية، هو بحث «التهديدات الإيرانية»، إلا أن الاتحاد الروسي يرى في هذه القمة هدفا آخر، وهو إرساء الاستقرار في سوريا والشرق الأوسط بشكل عام.

وتعكس العناوين المختلفة الأهداف المتباينة التي يعقد فيها هذا الاجتماع الذي تم التحضير له بعناية، ولعلّ تركيز روسيا على عنوان مختلف للقمة، جاء بعد سلسلة إشاعات وتسريبات مفادها أن هذه القمة ستبحث إبعاد إيران عن الأراضي السورية، ووقف تهديداتها من خلال أذرعها في المنطقة مقابل توافق أمريكي - إسرائيلي على بقاء الأسد زعيما لسوريا، وسرعان ما حاولت روسيا من خلال تصريحات قادتها، بوتين الرئيس الروسي، وسيرغي لافروف وزير الخارجية، ووسائل إعلام روسية مختلفة، إلى نفي هذه التقولات والإشاعات، بالتأكيد أن روسيا لا تتخلى عن حلفائها، وعلى العكس من ذلك، أعلن أمين مجلس الأمن القومي الروسي نيقولاي بتروشيف أن روسيا تحمل معها إلى القمة الثلاثية، مصالح إيران وستطرح وجهة نظر طهران، باعتبار أن الوجود الإيراني في سوريا جاء بطلب من الحكومة الشرعية السورية، وهي تشارك بفعالية في محاربة الإرهاب.

وإذا كان من المتوقع أن تطغى التطورات الأمنية في منطقة الخليج العربي؛ إثر العقوبات الاقتصادية على إيران من قبل إدارة ترامب، الذي أدى تفاعلها إلى أن وصلت إلى حافة حرب لا تزال تهدد المنطقة والعالم بأسره، أن تطغى على القمة الثلاثية، فلا شك أن الإدارة الروسية ليست في وضع يسمح لها أولا بالتخلي عن الحلفاء، وثانيا فإنها لن تسمح بتحقيق أمريكا وإسرائيل أي نجاح، وإحراز ما يمكن تفسيره أنه انتصار لسياساتها عبر هذه القمة، خاصة أن روسيا تشهد مع العالم كله، أن إدارة ترامب بدأت تخسر على مستوى سياستها الخارجية، فقد فشلت بإسقاط حكم مادورو في فنزويلا لحساب المعارضة، كما فشلت في أي تقدم حلمت بإحرازه مع كوريا الشمالية، بالتوازي مع تململ بين الحلفاء التقليديين في حلف الأطلسي، بين أوروبا وأمريكا. ومن ثم فإن روسيا، لن تقدم إيران لقمة سائغة لا لإسرائيل ولا للولايات المتحدة، خاصة أن التحالف الروسي - الإيراني على الأراضي السورية، تمكن من تحقيق إنجازات واضحة لتوسيع سيطرة الحكومة السورية على أراضيها في مواجهة قوى الإرهاب المختلفة.

الدعوة إلى القمة الثلاثية، جاءت بمبادرة إسرائيلية، التفاهمات الروسية - الإسرائيلية حول التدخل العسكري الإسرائيلي في سوريا، يمكن أن تكون مجالا للبحث، وهو مأخذ كبير على طريقة إدارة روسيا لتحالفاتها مع سوريا الذي يمتد إلى التحالف مع إيران، وأكثر ما يمكن التوصل إليه هو تعزيز هذا التوجه الذي يواجه بالكثير من النقد لسياسة موسكو على الساحة السورية!

===========================

في ضرب إيران المُؤجَل قليلاً

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 24/6/2019

يصعب اختصار أسباب إحجام "ترمب" عن ضرب إيران بالخشية على حياة 150 مدنياً، أو بمعارضة "الكونغرس" الأمريكي، أو توجس من قوة إيران. أقرب التفسيرات تقول إن الأمر يتعلق بحسابات رجل الأعمال "ترمب"؛ فرجل الأعمال يحسب كثيراً، ويتطلّع إلى الكسب كثيرا. السبب فعلاً يتعلّق بمسألة الحسابات؛ ولكن ليست حسابات "ترمب" /البزنس مان/ بل حسابات أمريكا الدولة الأعمق، وربما الأكثر "بزنسمانية".

قادة إيران أشبعوا العالم ضجيجاً بمزايداتهم في “المقاومة والممانعة” ومعاداة إسرائيل وأمريكا، وبإشعار أصحاب الحقوق المغتصبة من العرب والمسلمين بالدونية والانهزام تجاه المعتدين عليهم. تمدد الملالي بأرض "مهيضي الجناح" هؤلاء، ووضعوا يدهم على أربع عواصم عربية عبر التعاقد مع “زعران” وحاكمين خونة لأوطانهم وشعوبهم في تلك العواصم، ليتحول "ولي الفقيه" إلى حاكم بأمره في تلك البلدان.

كانت بداية عبث ملالي إيران في العراق؛ ثم بالتمدد إلى الشام في ثمانينيات القرن الماضي مستندين إلى مزايدات حاكم دمشق المطعون بشرعيته؛ ثم حرّكوا الحوثيين، ليتحول اليمن إلى حالة كسيحة لا تقوم له قائمة بزمن؛ ولتشغل دول الخليج المحيطة بمأساة عبثية تستنزف الجميع.

الأكثر حساسية في كل ذلك، كان التمدد الإيراني إلى لبنان بروافع طائفية وعبر إنشاء "حزب الله" ليلغي أي مقاومة وطنية فلسطينية حقيقية تجاه إسرائيل.

لا إسرائيل ولا أمريكا غافلة عن طموحات ملالي إيران؛ ولا عن مصلحتها بإضعاف محيطها العربي؛ وما قدّمت أمريكا عراق

إيران وتحت أنظار أمريكا تمددت من المحيط الهادي جنوبا إلى حدود تركيا الجنوبية؛ ومن المتوسط غربا حتى الباكستان شرقاً؛ وما كان هذا بعمى أمريكي

صدام حسين لإيران لتستبيحه دون أن يكون / الكومسيون / أضعاف قيمة الغنيمة؛ ولا هي كانت لتسمح لحزب الله- أداة إيران- بأن يعبث بسورية؛ ولا كانت لتسمح لإيران بدخولها العسكري إلى سوريا، وحتى إلى الاقتراب من الحدود مع ربيبتها إسرائيل؛ لو لم يكن وراء الأكمة ما وراءها.

إيران وتحت أنظار أمريكا تمددت من المحيط الهادي جنوبا إلى حدود تركيا الجنوبية؛ ومن المتوسط غربا حتى الباكستان شرقاً؛ وما كان هذا بعمى أمريكي؛ وأمريكا ليست مغفّلة إلى هذه الدرجة لتترك لإيران الحبل على الغارب، كي تهدد أعز ما لديها من مصالح ... هي الأهم في العالم؟! والأهم أنها ترى وتسمع التصريحات الصاخبة لمسؤولين إيرانيين كبار حول تمدد إمبراطورية فارس. والأكثر من الرؤية والسمع هو الفعل الإيراني مؤخراً باستهداف سفن تهم أمريكا؛ إلى درجة أنها استهدفت طائرة استطلاع أمريكية.

ما السر يا ترى؟ هل هناك فتح لسياسات التمدد الجغرافي الاستعماري الذي يمهد الطريق أمام إسرائيل بتمدد جديد أسوةً بمن يتمدد؟! هل الأمر لإظهار كم كانت إسرائيل” رحومة” بتمددها وممارساتها في الأرض العربية مقارنة مع الامبراطورية الفارسية الجديدة؟! يبدو أن الأمر ذا الطابع الاستراتيجي كان دفع ملالي إمبراطورية فارس الفاشلة تاريخياً إلى مغامرات مغرية قابلة للتصديق. إنها “استراتيجية ترقيق الجبهات واستنزاف القوة.

ها هم ملالي إيران يستشعرون الخطر الحقيقي؛ وما الدليل على ذلك ليس إلا الاضطراب الإيراني الذي لم نشهده سابقاً. تجلّى ذلك سابقاَ بنفي ونكران الإيرانيين استفزاز إسرائيل بصواريخ أُطلقَت من الأرض السورية، ورمي تلك الفِعلة بعنق ذلك "المشحّر" الذي يحمون في دمشق متخلين عن كل "مقاومة أو ممانعة"، وباستجداء لبعض الدول كي تتدخل للحؤول دون ضربة أمريكية-إسرائيلية تنهي تلك الامبراطورية الكذبة.

يرى بعض المراقبين أن أمريكا تستطيع سحق إيران كلياً، ولكنهم يرون أن ما يحول دون ذلك هو تصميم الملالي لإيران على شكل ترسانة بأذرع خارجية أخطبوطية؛ ومن غير المعقول أن يكون من هو مقبل على انتخابات جاهزاً لمغامرة كهذه، وخاصة إذا كان الخطر الإيراني لا يهدد الأمن الوطني الأمريكي. من جانب آخر سيقول العالم إن مَن كان البادئ بهذا الاستنفار والتوتر هو أمريكا، عندما

هناك حَفْر حول ذلك الضرس الإيراني المتعفن كي يسهل قلعه؛ هناك خنق اقتصادي لإيران في داخلها ولأذرعها الأخطبوطية؛ هناك غليان في الداخل الإيراني –اقتصادياً وغير ذلك- يزداد سعيره

انسحبت من الاتفاق النووي، ويصعب أن ينتصر الدافعون باتجاه حرب على الدافعين باتجاه الدبلوماسية والتهدئة. إضافة إلى ذلك، إذا كان خيار أمريكا حربا محدودة، فإن إيران لن تبقيها هكذا؛ فهل أمريكا في وارد تعبئة عسكرية واستنزاف اقتصادي وخاصة مع ردات فعل إيرانية تغلق هرمز، ودولية ترى في تصرف أمريكا بلطجة دولية؟ الحسابات الدقيقة، وتحديدا حسابات اليوم التالي هي ما يمنع أو يعيق هكذا حرب؛ فبحكم الاختناق الذي تعيشه إيران، فإنها ترى أن الحرب هي مخرجها الوحيد؛ ومن هنا ربما لن تمنحها أمريكا ذلك الإنقاذ اللازم؛ بل تزيد وتوسع وتعمق العقوبات.

في ضفة التفكير الأخرى، هناك من يقول إن الدولة العميقة التي جعلت شخصاَ مثل "ترمب" رئيساً لأمريكا، أو صهيونية جعلت من "نتنياهو رئيس وزراء يكاد يصبح أبديا، هناك جملة من الأسباب الضاغطة التي ستجعل الضربة المزدوجة الأمريكية-الإسرائيلية حتمية؛ ولكن لا بأس إن تأخرت: فهناك حَفْر حول ذلك الضرس الإيراني المتعفن كي يسهل قلعه؛ هناك خنق اقتصادي لإيران في داخلها ولأذرعها الأخطبوطية؛ هناك غليان في الداخل الإيراني –اقتصادياً وغير ذلك- يزداد سعيره؛ هناك دول خليجية، يلتصق مصيرها بأمريكا، تدفع باتجاه ضربة ساحقة ماحقة لإيران؛ هناك رئيس وزراء إسرائيلي مأزوم قانونياً وجرمياً لا ينقذه إلا فعل عسكري خارجي لا يبق ولا يذر؛ والأهم من كل ذلك هناك رئيس أمريكي يستعد للترشح لولايته الثانية. وبعكس التفكير القائل بأن حرباً خارجية قد تودي بفرصة ترمب الرئاسية، ولكن وحدها الحرب يمكن أن تعيد هذا النموذج إلى البيت الأبيض. لا شيء يمكن أن يعيده إلا بطولة يتحدث عنها العالم، تتمثل بتوجيه ضربة حقيقية لمصدر الإرهاب في العالم- ضربة لن تأتي على إيران بل على منظومة تعيث إرهاباً وفساداً في عالمنا. وهكذا يكون أنقذ إيران من تلك الطغمة أولاً، وجعل عالمنا أكثر أماناً، وأثبت مقولته بأن أمريكا هي "الأعظم"؛ هكذا فقط يدخل البيت الأبيض ثانية.

===========================


تصعيد في أفق درعا: تظاهرات وهجمات واعتقالات

أحمد حمزة

العربي الجديد

الاحد 23/6/2019

بعد ظهر أول من أمس الجمعة، تجمّع سكان محليون في درعا البلد في محيط الجامع العمري، المنطقة ذات الدلالة الرمزية الخاصة لأهالي المحافظة، محتجين على عودة مظاهر "القبضة الأمنية"، وحواجز قوات النظام، فيما تلت ذلك هجمات مسلحة بمناطق مختلفة في المحافظة الواقعة جنوب العاصمة دمشق، بالقرب من الحدود الأردنية. وتأتي هذه التطورات في وقت تعمل فيه سلطات النظام بالفعل على إعادة تطبيق سياسة "القبضة الأمنية"، التي عاشت مناطق واسعة في المحافظة خلال السنوات الثماني الماضية تحرراً منها، فيما بدأ هذا الواقع يتغيّر مع اتفاقيات "التسوية" التي عقدت في يوليو/تموز الماضي. وكانت فرضت "التسوية" في درعا بعد حملة عسكرية واسعة للنظام وروسيا في المحافظة، وانتهت بخروج الرافضين لها إلى الشمال السوري، وبقاء الموافقين عليها تحت "الضمانة الروسية" في مناطقهم. لكن كثيرين من هؤلاء باتوا يشعرون بأنهم مهددون بالاعتقال، خصوصاً مع توزيع سلطات النظام لأسماء المئات منهم في قوائم "المطلوبين".

وهاجم مجهولون فجر أمس السبت، موقعاً لقوات النظام، وذلك بعد إصدار الأخير قوائم مطلوبين ضمّت أسماء العشرات من عناصر فصائل "المصالحة والتسوية". وأوضح الناشط محمد الحوراني من درعا، لـ"العربي الجديد"، أنّ مجهولين هاجموا حاجز "المخابرات الجوية" التابع للنظام، غرب مدينة داعل بريف درعا الأوسط، كما هاجموا قوات النظام المتمركزة في مقر الفرقة الحزبية في المدينة.

وقال الحوراني إنّ دوي انفجار عنيف سمع من جهة حاجز داعل، تلاه صوت اشتباكات بالأسلحة المتوسطة وانفجار قنابل، ليتبيّن أن ذلك ناجم عن هجوم على الحاجز، وعلى نقطة الفرقة الحزبية القريبة منه، مضيفاً أنّ الهجوم لم يكن الأول، وأنّ حجم الخسائر الناتجة عنه لم تُعرف بسبب استنفار النظام في المنطقة ومنع أي شخص من الاقتراب من الحاجز.

في موازاة ذلك، أطلق مجهولون أمس السبت، النار على اجتماع ضمّ رئيس بلدية بلدة الحراك في درعا، مع أعضاء في المجلس البلدي، الذين أصيب بعضهم، من دون ورود معلومات عن وقوع قتلى، في حين أصيب مختار بلدة نوى بطلقٍ ناري في هجوم نفذه مجهولون. ولم تتبن أي جهة مسؤولية هذه الهجمات.

ويأتي كل ذلك بعد إصدار فرع أمن الدولة التابع للنظام، قوائم لمطلوبين قام بتوزيعها على الحواجز التابعة له في درعا وريفها. وذكرت مصادر في درعا لـ"العربي الجديد"، أنّ القوائم التي صدرت من فرع أمن الدولة بمدينة إنخل، وزّعت على نقاط النظام كافة بالمحافظة، كما تمّ إلصاقها على لوحات إعلان بعض المساجد. واللافت في كل هذه المستجدات في درعا، أنها تأتي مع اقتراب نهاية المهلة الثانية التي منحها النظام للشباب والرجال والضباط المنشقين للالتحاق بقواته، بعد قرابة عام كامل على عقد اتفاق "تسوية ومصالحة" أفضى إلى سيطرة النظام على كامل المحافظة.

لكنّ الكثير من السكان ما زالوا يؤكّدون تمسكهم بمعارضة نظام الأسد، ولعل عبارة "سنعيد سيرة الثورة الأولى" التي كتبت على لافتة رفعت في تظاهرة أول من أمس الجمعة، عند الجامع العمري، بدرعا البلد، المكان الذي شهد أولى التظاهرات الضخمة ضدّ نظام الأسد في الثامن عشر من مارس عام 2011، تؤكّد على ذلك. وقد شارك في هذه التظاهرة العشرات من السكان المحليين، هاتفين "الشعب يريد إسقاط النظام"، "الشعب يريد المعتقلين"، كما كتبوا لافتات طالبت الحواجز التابعة للنظام بمغادرة المنطقة.

وقال الناشط محمد الحوراني لـ"العربي الجديد"، إنّ الأهالي خرجوا تعبيراً عن "رفضهم لممارسات النظام، وحملات الاعتقال التي يشنها في المحافظة بحجة سوق الشباب والرجال إلى التجنيد الإجباري في صفوف قواته".

من جهته، ذكر "تجمّع أحرار حوران" المعارض، أنّه وثّق اعتقال 673 شخصاً من أبناء درعا في الأشهر القليلة الماضية، على الحواجز التابعة للنظام، واقتيد المئات منهم إلى التجنيد الإجباري، فيما تمّ إرسال بعضهم للمشاركة في معارك ريف حماة الشمالي. كما أفاد "التجمّع" بأنه وثّق مقتل 33 من أبناء درعا والقنيطرة خلال مشاركتهم في المعارك بريفي حماة واللاذقية، بعد أن قام النظام بتجنيدهم قسراً ضمن قواته.

التوتر قد يتصاعد مع نهاية المهلة

وكان من بين بنود "التسوية" في محافظة درعا، أن يلتحق العسكريون المنشقون عن قوات النظام، للقتال في صفوف الأخيرة، خلال مدة ستة أشهر، بداية من يوليو/تموز الماضي، لكن هذه المهلة مُدّدت في وقت سابق، ويبدو أنّ سكانا محليين وعسكريين منشقين، يخشون تطبيقها فعلياً بعد أيام قليلة.

وشهد يوم الثلاثاء 2 إبريل/نيسان الماضي، اجتماعاً لـ"لجنة التفاوض" عن درعا، مع ضباط جيش واستخبارات في النظام، في دمشق، بعد أيام من تظاهرات خرجت في درعا، رفضاً لإعادة نصب سلطات النظام، تمثال حافظ الأسد، وهي تظاهرات أشعلت فتيل التوتر الذي يبدو أنّ النظام أراد احتواءه. وجاء الاجتماع في دمشق في هذا السياق، إذ طالبت اللجنة الممثلة للأهالي، بحسب مصادر "العربي الجديد" حينها، بتنفيذ بنود اتفاق "التسوية"، من إطلاق سراح المعتقلين، ورفع القيود الأمنية، وتحسين الخدمات. لكن مسؤولي النظام بدورهم، طالبوا بضرورة إعادة المنشقين إلى الخدمة العسكرية، وتمّ لاحقاً تمديد المهلة الممنوحة لهؤلاء، والتي تنتهي خلال الشهر الحالي.

ولم تتوقّف النشاطات التي تُعبّر عن رفض عودة سيطرة النظام في درعا، كما لم يتوقف الأخير عن إبداء حزم في إعادة "هيبته الأمنية" هناك منذ أشهر. وفيما نشر النظام حواجز عسكرية للفرقة 15، التي تقع قيادتها في محافظة السويداء المجاورة، سُجلت في الأسابيع الماضية، هجمات عديدة لمجهولين ضدّ قوات النظام بالمحافظة، التي لم تنحصر فيها التحركات بالهجمات العسكرية، إذ شهدت بلدات ومدن عدة، تظاهرات احتجاجية، فضلاً عن كتابات على الجدران، مثل "ثورتنا مُستمرة" و"يسقط الأسد"، وهي شبيهة بالشعارات التي كانت كتبت في مارس 2011، وأدت لخروج التظاهرات الضخمة في المحافظة، التي خرجت لاحقاً عن سيطرة النظام تدريجياً، من سنة 2012، لحين إعادة بسط نفوذه في معظمها، الصيف الماضي.

===========================

موقفنا : " نظام مغشوش " .. إغاثة وإعادة إعمار أو اشتراك في جريمة حرب

زهير سالم

مركز الشرق العربي

29/ 6/ 2019

" نظام مغشوش " هو العنوان الذي أطلقته المنظمة الدولية لحقوق الإنسان " هيومان رايت وتش " على نظام صرف المساعدات وأموال ما يسمى إعادة الإعمار في سورية. باختصار شديد يمكن أن نوجز التقرير بالتساؤل : هل هذه الأموال للمساعدة على الحياة أو المساعدة على القتل ؟ هل هي لإعادة الإعمار أو لدعم المزيد من التقتيل والتهجير؟!

صدر التقرير عن المنظمة الإنسانية المحايدة في نحو مائة صفحة . واعتمد التقرير في مصادر معلوماته على :

- السياسات المقررة التي تنشرها زمرة الأسد في توضيح أساليب عملها !!

- إفادات مسئولين وكبار الموظفين من منظمات دولية كبرى ووكالات الأمم المتحدة العاملة في مناطق النظام بل تحت قبضته

- شهادة ثلاثة وثلاثين موظفا وخبيرا من العاملين في ميدان الإغاثة ومن المانحين والخبراء من سوريين وغيرهم .

وتقول المنظمة : إن النظام يظل يضع العراقيل في طرق تحرك المنظمات والعاملين ، ويوجه حركتهم بحيث تصب كل المساعدات في النهاية في مناطق مواليه له ، وبحيث يحرم معارضيه من أي مساعدات . ويتم فرض هذا التوجيه حتى على صعيد تمويل المدارس والمستشفيات حيث تكون المساعدات أكثر بعدا عن التسييس .

تشرح المنظمة أن العاملين في ميدان الإغاثة من خبراء ومسئولي هيئات يظلون يجدون العراقيل كلما فكروا في إسعاف مناطق غير موالية للنظام حتى يستسلموا ويقبلوا بصرف الأموال التي بأيديهم حيث يشجع موظفو النظام ..

وكثير من الأموال التي تنفق هناك لا يستفيد منها عمليا لا موالون ولا معارضون ، وإنما يتم تحويلها بطرق ملتوية لدعم مشروعات التقتيل والتهجير القسري والتخريب ..

وتنهي المنظمة الإنسانية تقريرها مشكورة : بأن وكالات الأمم المتحدة والهيئات الحكومية التي تشارك بهذه اللعبة المسيئة تخاطر بالتواطؤ مع انتهاكات النظام لحقوق الإنسان ..

وتحذر المنظمة بأنه قد يخاطر الأفراد والمنظمات الأخرى بالتواطؤ " الجنائي " من خلال تقديم مساعدات كبيرة لمرتكبي الجرائم الدولية . جرائم الحرب التي يرتكبها النظام .

وتعلق السيدة " لمى الفقيه " مديرة قسم الشرق الأوسط بالوكالة في المنظمة " بدون إصلاح الإطار الذي تعمل فيه وكالات الإغاثة لا يمكن لهؤلاء أن يثقوا أن جهودهم لا تشارك في صنع الجريمة "

ويبقى أن نضيف مع شكرنا وتقديرنا لكل ما ورد في التقرير : أن المعلومات الواردة في التقرير ليست جديدة . وأنه سبق للغارديان البريطانية أن أفادت في تقرير منذ 2016 أن 80% من أموال المانحين تصب في صناديق تابعة لبشار الأسد وزوجته أسماء الأسد بالذات ..

ثم تبعتها صحيفة أمريكية في 2018 لتؤكد أن 93% من أموال المساعدات الإنسانية المقدمة للشعب السوري تصب في أطر داعمة للزمرة الأسدية في سورية..

إن كل معرفة لا تنتج فعلا لا قيمة لها . ليبقى موقفنا نحن السوريين ملتحما مع موقف المنظمة الإنسانية : أنه بعد كل هذا الذي علم سيكون على جميع المنظمات والمؤسسات والهيئات والأفراد الذين يصرون على الاستمرار في التعاطي مع شبكة الجريمة الأسدية أن يكونوا مستعدين يوما للمقاضاة الجنائية بالاشتراك في جريمة الحرب التي تدار على الشعب السوري منذ عشر سنين .

___________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

لبنان والصراع على مصير اللاجئين

د. رضوان السيد

الاتحاد

الاحد 23/6/2019

قبل أسبوع جرى في بلدة شبعا بجنوب لبنان، الواقعة على الحدود مع فلسطين ومع سوريا في الوقت نفسه، اغتيال محمد الجرار. وهو عسكري سابق، عمد بعد تقاعده للاهتمام بشؤون اللاجئين السوريين في بلدته والقرى المجاورة. وهؤلاء يبلغون عشرات الأُلوف في تلك المنطقة، وقد جاؤوا بعد عام 2012 من الجولان أو الجزء الذي ظلت السلطات السورية تسيطر عليه. واختلفت الروايات والآراء في الجهة صاحبة المصلحة في اغتيال الجرار. فتراوحت التخمينات بين حزب الله والنظام السوري. والحجة أو الذريعة في هذه الحالة أن الرجل القتيل وبالتعاون مع المنظمات الدولية، ما كان يرى إمكان عودةٍ للسوريين إلى ديارهم إلاّ طوعاً وإلى المناطق الآمنة. وإذ كان الأمر كذلك، فلماذا يضغط عليه الحزب أو تضغط عليه المخابرات السورية؟! إذاً كلا الطرفين لا يريد عودةً للسوريين إلى ديارهم، التي بدأ النظام والإيرانيون يُسكِنون فيها آخرين من الميليشيات الشيعية، العراقية والباكستانية والأفغانية. النظام السوري و«حزب الله» سيُحرَجان إذا عادت أعدادٌ كبيرةٌ، ووجدوا ديارهم وبيوتَهم مغتصبة ومسكونة!

النقاش حول اللجوء السوري في الأجواء السياسية اللبنانية يقع في قلب كل المجادلات منذ ثلاث سنوات. ويتزعم هذا النقاش اليوم وزير الخارجية جبران باسيل، وقد قال أخيراً إنه حتى «جيناته» مختلفة عن جينات السوريين والفلسطينيين والأجانب الآخرين! والمعروف أنّ كثيرين من الفلسطينيين المسيحيين والسوريين المسيحيين قد جرى تجنيسهم في لبنان لزيادة أعداد المسيحيين فيه، وإن لم ينفعوا كثيراً! والسؤال: هل تغير الجنسية اللبنانية العظيمة الجينات، فيتأهل بها دم الآخرين وعصبهم لهذا التميز النادر المثال؟!

يستخدم الوزير باسيل ووزير المهجرين لغةً صارخةً في أبلسة السوريين والفلسطينيين اللاجئين إلى لبنان. وهم يقولون إنهم يبلغون مليوناً ونصف المليون، والفلسطينيون نصف مليون. ويقول خبراء الأمم المتحدة إن أعداد السوريين بحدود المليون. أما الفلسطينيون فقلّوا كثيراً بالهجرات، وما عادت أعدادهم بلبنان تزيد على مائة وخمسين ألفاً. على أنّ هذا الإلحاح من «التيار الوطني الحر» لا يترافق مع نشاطٍ باتجاه النظام السوري، الذي يقول العونيون إنه صديق وحليف.

وقبل أيام وصل إلى بيروت وموفد روسيا الجديد، وسارع رئيس الحكومة فأولم له. وأعلن الموفد أنّ عودة اللاجئين مربوطة بتحقيق أمرين: وجود أموال لمساعدة السوريين في المناطق التي يعودون إليها، وجهد عالمي يشارك فيه الأوروبيون والعرب الخليجيون لإعادة الإعمار. وطلب الموفد الروسي من اللبنانيين أن يسعوا لدى العرب ولدى الأوروبيين. وما ذكر أحدٌ الرئيس ترامب، إما لأنه غير مهتم، أو لقوله بأنه لن يفعل شيئاً في سوريا في ظل بقاء الأسد!

ماذا ينفع توتير باسيل ما دامت العودة غير ممكنة، لأن النظام السوري يرفضها؟! باسيل يريد كسب الشعبية بين المسيحيين، ولذا عاد لذكر الفلسطينيين أيضاً، وزعم تمييزه «الجيني» عليهم! فالهدف التوتير ولا شيء غيره، وبخاصةٍ أن يقرن ذلك بالذهاب إلى أنّ المسيحيين حقوقهم مأخوذة، وهو يريد استعادتها من المسلمين!

وموقف الحريري غير واضح من مسألة اللاجئين. لكنه قال أخيراً إنّ الهجوم على السوريين علناً، لا يخدم مصالح لبنان، إذ ماذا نقول للأوروبيين الذين يساعدون السوريين كثيراً، ولماذا نسكت عن موقف باسيل ضد اللاجئين، وهو وزير خارجية لبنان؟! الواقع أن معيشة معظم السوريين ليست على الحكومة اللبنانية، بل على عاتق الدوليين. وهذا لا يعني أنّ الأعباء على المجتمعات المحلية غير كبيرة. لكنْ، ومن أجل تخفيف العبء، وفتح أفق للعودة، لابد من سياساتٍ أُخرى مع النظام السوري، ومع العرب والدوليين، وهي سياسات لا تبدو الحكومة اللبنانية قادرةً عليها.

===========================


لغز ما تردد عن هدنة بالشمال المحرر

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

السبت 22/6/2019

ترددت في الفترة الأخيرة عن طلب روسيا إعلان هدنة مؤقتة في الشمال المحرر، تم تسريبها من خلال الأتراك للفصائل الثورية، لكن الأخيرة رفضتها على ما يبدو دون أن تعلن ذلك، كما رفضت من قبلها هدنة مماثلة مطلع رمضان وذلك بعد أيام على سيطرة القوات الروسية وميليشيات النظام على قلعة المضيق وكفرنبودة، أملاً بفرض واقع عسكري جديد عنوانه دبيب النمل، والذي يهدف إلى قضم المناطق المحررة قطعة قطعة.

الواضح أن الهدنة تم تمريرها إلى الفصائل الثورية عبر الضامن التركي، وبغض النظر عن الأهداف الخفية للجانب الروسي، والتي يراها المقاتلون بأنها تهدف إلى تموضعات عسكرية جديدة على الأرض، بعد أن أنهكتهم تكتيكات الثوار الاستنزافية على مدى الشهرين الماضيين، حيث برز بشكل واضح ضعف أداء ميليشيات النظام السوري، وعجزها عن التقدم على الجبهات الاستراتيجية المهمة، وعلى رأسها جبهة كبينة بالساحل السوري التي كما وصفها المراقبون بأنها غدت مثلث برمودا، وثقباً أسود لميليشيات النظام وداعميه الروس والإيرانيين، من حيث حجم الخسائر البشرية والمادية التي تكبدها هناك.

لكن الرسالة الأهم التي توقف عندها المراقبون، وهي أن العرض الروسي الجديد إنما ينسف كل الرواية الروسية التي تقول إن حربها على الإرهاب والجماعات الإرهابية، وإلّا فكيف يتم إعلان هدنة مع تنظيمات ومجاميع إرهابية، فهذا اعتراف بها وبشرعيتها. وبغض النظر عن حديث البعض أن هذا لم يتم بشكل رسمي وعلني، فإن كل التحركات السياسية والديبلوماسية تاريخياً تبدأ وتتم بهذا الشكل ولا تحصل دفعة واحدة، ولعل تحرك الولايات المتحدة الأميركية باتجاه حركة طالبان الأفغانية، والتفاوض التدريجي الذي وصل إلى ما وصل إليه، قد سبقه مفاوضات تدريجية ربما شبيهة بما تتنازل عنه روسياً عملياً في هدنها، وربما لاحقاً التفاوض مع الجماعات الثورية في سوريا، ولروسيا تاريخ في هذا، يوم قاتلت المجاهدين الأفغان لعقد كامل، ثم نزلت من فوق الشجرة لتتفاوض معهم وتقبل بهم، ولعل استقبال وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف أخيراً وفدا طالبانيا رفيع المستوى في موسكو دليلاً على ذلك، ولا يخفى أن طالبان متهمة دولياً بإيواء رأس تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، فهل الجماعات الثورية في سوريا أشد تشدداً ممن آوى وحمى ورفض تسليم شخصية مثل ابن لادن!

إذن ثمة أبعاد للهدن، وهذه الأبعاد سياسية بالدرجة الأولى، ولعل الصورة التي خرجت فيها الفصائل الثورية بوجود زعيم هيئة تحرير الشام أبي محمد الجولاني، كانت رسالة للفصائل الثورية المصنفة بأنها معتدلة على أن الجميع في مركب واحد، وهو ما أضعف الرواية الروسية تماماً في حديثها عن فصل الفصائل المعتدلة عما توصف بالمتشددة، فنسفت الفصائل هذه الرواية بخروجها بصورة تجمع الجميع، لتقول إن ما تم تطبيقه في مناطق خفض تصعيد أخرى لن يمرر في الشمال المحرر تحت هذه الذريعة.

الخلاصة أن النظام السوري انتهى منذ فترة، فلا سياسياً يملك السيادة، ونحن نرى اختطاف السياسة من قبل الروسي والإيراني، وكذلك العسكرة لا سيطرة له عليها، في ظل انهيار قواته وتفسخها، والأهم من ذلك كله التدهور الاقتصادي والمعيشي في مناطقه الخاضعة لسيطرته، بالمقابل نرى تحرك الفصائل كلها بالشمال المحرر باتجاه تنسيق وتعزيز صفوفها، تجلى ذلك بغرفة عمليات الفتح المبين، وهو ما ذكر بجيش الفتح الذي تشكل قبيل تحرير إدلب وغيرها من المناطق المهمة.

===========================


الوجود الأميركي في سوريا

د. عبدالله جمعة الحاج

الاتحاد

السبت 22/6/2019

تُمارس الولايات المتحدة الأميركية هذه الأيام سياسة الكر والفر في تعاملها مع الأزمة السورية، فبعد أن فقدت المقاومة السورية زخمها، خاصة الفصائل التي تدعمها الولايات المتحدة، باتت الأخيرة غير قادرة على أخذ زمام المبادرة الكاملة في القضية السورية، فتارة ما تهدد الإدارة الأميركية بالانسحاب الكامل، وتارة أخرى ما تطرح إيقاف الدعم عن بعض الفصائل المقاتلة. لكن في الآونة الأخيرة، يتضح من مسار الأحداث بأنه لا توجد لدى إدارة الرئيس ترامب أية نوايا لسحبه قواتها، وبأنها باقية فيها إلى أن تتضح لها الأمور بشكل أفضل.

وبمنطق تحليلي، فإن ذلك يعود إلى عدة أسباب، أهمها القضاء الكامل على تنظيم «داعش» الإرهابي، ومواجهة النفوذ الإيراني الذي تمدد في الأراضي السورية بشكل منهجي، الأمر الذي بات يهدد أمن جميع دول المنطقة العربية وجوارها الجغرافي، والحد من خطورة «حزب الله» اللبناني الذي يشكل الذراع العسكري الفعَّال لإيران، وأخيراً الضغط العسكري والسياسي والمعنوي على نظام بشار الأسد.

ترى الولايات المتحدة بأنه من الأمور الحاسمة لمصالحها حيال الأزمة السورية أن تحافظ على وجود عسكري محدود، وحضور دبلوماسي من زاوية النقاط المشار إليها. هذا الطرح يذكرنا بما آل إليه الأمر في العراق عام 2011، في ما يبدو بأنه كان درساً قاسياً تعلَّمت منه الولايات المتحدة الشيء الكثير، وذلك عندما قررت إدارة أوباما الخروج مهرولة من العراق وتقديمه على طبق من ذهب لإيران التي عاثت فيه فساداً، وهي عملية انسحاب لا أخلاقية جعلت الولايات المتحدة وحلفاءها في المنطقة يدفعون أثماناً باهظة إلى لحظة كتابة هذه السطور، وربما يدفعون الشيء الكثير على مدى المستقبل.

ورغم أنه لم تتجل حتى الآن سياسة أو استراتيجية يعتد بها للولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي تجاه المعضلة السورية، سواء كان ذلك من زاوية كيفية حلها.

أو الموقف تجاه بقاء النظام الحاكم في السلطة أو زواله منها، إلا أن المسألة السورية تبقى حائرة وتراوح مكانها، والتدخلات الخارجية في سوريا قائمة على قدم وساق، ما بين روس وفرس وأتراك وغربيين ومن شئتم من شتات الأرض.

إنه لأمر حميد أن تكون الولايات المتحدة قد تعلَّمت من درس الخروج من العراق، فذلك الخروج السريع، وعواقبه غير المدروسة بدقة سمح لـ«القاعدة» بالوجود المكثف في العراق، والوقوع في الشباك الإيرانية دون عناء، ولـ«داعش» لكي تشكل لنفسها دولة على أراضيه، وقس على ذلك الكثير من المآسي الأخرى.

لذلك، فإن عدم التزام الولايات المتحدة بمسؤولياتها كقوة عظمى وحيدة في عالم اليوم ربما يقود إلى النتائج نفسها التي تمخضت في العراق، ومن شأن ذلك أن يتيح لإيران فرصة ذهبية جديدة، خاصة أن «حزب الله» مخلب القط الإيراني، يوجد بكثافة عسكرياً على التراب السوري، وقريب جداً من عمقه الاستراتيجي في لبنان، لكي يعزز من الوجود الإيراني العسكري، ومن تمركز إيران الاستراتيجي انطلاقاً من الأراضي العراقية واللبنانية للسيطرة على كامل الأراضي السورية.

لذلك، فإن الولايات المتحدة يمكنها أن تنظر بشكل أوسع وأعم وأكثر شمولية وبُعد نظر إلى الجوانب الأمنية والاستراتيجية لوجودها في سوريا، وذلك بعيداً عن مناظير الربح والخسارة المالية التي تمارسها الإدارة حالياً وتنتظر من الآخرين تحمل تكلفتها، والقيام بتسديد فواتيرها.

ما نعتقده هو أنه لو خرجت الولايات المتحدة من سوريا سريعاً، وفرطت في وجودها القائم، فإنها قد تندم كثيراً على ذلك في ساعة لا ينفع فيها الندم، لأنَّ من شأن الانسحاب أن يسمح لإيران بالمزيد من التمدد والاقتراب من أهدافها الاستراتيجية في المنطقة.

===========================

شتّان بين السلطة والسيادة

د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 22/6/2019

يُضحكني انشغال كثير من السوريين بتغيير بعض القيادات الأمنية أو العسكرية أو بترفيع الضباط وتغيير بعض المسؤولين، ويعزون ذلك الأمر إلى فرض أمر روسي تارة أو إيراني تارة أخرى، منطلقين من فكرة مفادها: أن النظام لم يعد يملك من أمره شيئاً.

ولعل سائلاً يسأل وما المضحك في ذلك؟ وأراه سؤالاً مهماً بل سؤالٌ يفتح الباب واسعاً أمام مختصي السياسة ليعلنوا للناس أنّ ثمة فارقاً بين السلطة والسيادة، فالسلطة الممنوحة لدول ما قبل الدول تكمن في حقّ إذلال الشعوب والتحكم بها وتنميطها بأسوأ الأساليب مقابل سيادة منقوصة أو معدومة في بعض البلاد. ولهذا تحرص أمريكا على أن تكون بلادنا بلاد «سلطة» حين تمنح شرعيتها لأنظمة تملك سلطة ولا تملك سيادة. وربما أنّ الأنظمة الوظيفية تخطّت أنظمة الحكم لدينا بعد أن انتقلت أنظمتنا إلى الحالة الخدمية.

ومن هنا يمكن أن نفسّر طغيان هذا الحاكم أو ذاك أو إسقاط حاكم ومجيء آخر أكثر إجراماً. ويكون هذا الإجرام سبباً في البقاء أو سبباً في إضفاء الشرعية عليه، وكلنا يذكر كلام ترامب لأحد الجنرالات العرب وهو يصفه بأنّه قائد عظيم ويقوم بأعمال عظيمة، وهو جنرال منقلب على الديمقراطية التي تتشدق بها أمريكا، وقد وصل من خلال الدماء، وخطف رئيساً منتخباً ولم يسمح له بالدفاع عن نفسه حتى بالكلام، ومنع عنه رؤية أهله حتى مات في سجنه، ولم يسمح لأهلة بدفنه أو أن تقام له جنازة شعبية.

عندما يكون أيّ حاكمٍ قادراً أن يقتل ويذبح ويعتقل بالملايين، ويدمّر ويحرق الأخضر واليابس، فهذا لا يعني أنه طاغية ومجرم.. لا. لا ابداً، بل هو مدعوم من قوى كبرى وينفذ مهمات مطلوبة منه بحماية الكبار.

الأنظمة الوظيفية تخطّت أنظمة الحكم لدينا بعد أن انتقلت أنظمتنا إلى الحالة الخدمية

وهذا الفعل يدخل في باب السلطة. هذه السلطة التي تقيّد الشعوب العربية وتمنعها من النهوض، وهذا التفويض محصورٌ بصاحبة القرار العالمي، وليس بدول كبرى في العالم كروسيا أو في المنطقة كإيران، فهاتان الدولتان تعملان وفق استراتيجية أمريكية ما عُلم منها القضاء على الثورات ومنع انهيار البناء الرسمي للمنطقة وحماية إسرائيل أو الحرب بالوكالة، وما خفي منها أنّ الاقتصاد الأمريكي المتعثر منذ أزمة «وول ستريت» يحتاج حروباً ونزاعاتٍ في منطقتنا، وهي الأثرى في العالم، وهدم عدة دول ما يسمح للشركات العابرة القومية أن تتمدد في المنطقة وتبدأ بالبناء أو مشروع مارشال جديد

وبناء على وقائع الأرض، فإن من ذكرنا ليس لهم في القرار السلطوي، بل هو تفويض من «ضباع العالم» لهذا الحاكم أو ذاك. وفي الحالة السورية وما يتردد عن دور روسي إيراني في التغيير والتعيين أتحدى أن تستطيع روسيا أن تفرج عن سجين سوري واحد من سجون النظام، فكل الوساطات والمناشدات للروس لإطلاق سراح عبد العزيز الخير باءت بالفشل! ولهذا تجد المخابرات تفعل ما تريد من ظلم وقهر وامتهان كرامة، بل تتدرب هذه الأجهزة عند «قادة العالم» وتتلمذ عليهم وتمدّهم بأحدث تكنولوجيا المعلومات ووسائل التعذيب، بل وتتعاون مع المخابرات الأمريكية في تعذيب خصومها، فالسلطة في العالم الثالث مغايرة للسيادة، فهل تستطيع دولة في منطقتنا أن تبيع نفطها بعملتها المحلية؟ وحين تجرأ صدام حسين أن يبيع النفط باليورو تعلمون ماذا كانت النتيجة! ورب قائل يقول: هناك دول ثرية وقوية ولكنها منقوصة السيادة، ولاسيما دول المحور؟ نقول نعم، وهذه السيادة المنقوصة تعني عدم التفكير في التوسع العسكري أو بناء أحلاف خارج القوة العظمى، وفي المقابل لم تجعل السلطة في بلادها تفويضاً من أمريكا مقابل إذلال الشعوب، بل كانت ومازالت تتبع الشعب بوصفه مصدر السلطات وصاحب التفويض يمنحه بانتخابات حرّة ويسحبه بالطريقة ذاتها ويفوض حزباً آخر.

وأختتم: كل من يقول إن روسيا تتحكم بتعيينات النظام السوري وتفرض على رئيسه أن يعيّن ويرفّع ويحيل للتقاعد من تريد، وكذلك من يخال أن إيران لها الصلاحيات ذاتها يضحك على نفسه ويحلم أضغاث أحلام، فتلك أمور تُركت له في التفويض الذي ذكرناه، ولكي يحقق شروط البقاء، ويزيد في دمار سورية، فقد كان كل الضباط السوريين الجدد من عظام رقبة النظام ومن أقرب المقربين العلويين. ويبقى الدور الروسي أو الإيراني ومن يزودهما بالمال والمعلومات ضمن الخط المرسوم أو عقد الاستئجار الأمريكي والرؤية الإسرائيلية، والذي لا يتجاوز تدمير المنطقة، وحماية وصناعة نزاع مجتمعي طويل الأمد، ومن ثم يخرجان بعد أن أدّيا المهمة.

===========================

الديكتاتورية ومواجهتها

بيار عقيقي

العربي الجديد

السبت 22/6/2019

يُقال دوماً إن "بعض الشعوب لا تستحقّ حرية"، أو "لا تستحقّ أنظمة ديمقراطية"، لا بل يُقال إن "النظام الديكتاتوري هو أفضل لها". يعلّل أصحاب هذا القول كلامهم بالإشارة إلى كيفية تصرّف هذه الشعوب بشكل عام، وكيفية تعاملها مع مختلف القضايا المتعلقة بها، خصوصاً في سياق علم الاجتماع. ويعتبرون أن الأخلاقيات المفقودة في دول عدة أو النظرة إلى الحقوق الإنسانية، سواء حقوق الطفل أو المرأة أو البالغين، أو الموروثات الدينية والاجتماعية، تُحكم الطوق على تفكير الفرد، وبالتالي المجتمع. والخلاصة بالنسبة لأصحاب هذا القول أن "الحرية ستؤدي إلى تردّي الأخلاقيات أكثر، وترسيخ الموروثات من دون تطوير. وبالتالي، الديكتاتورية هي الحلّ".

حسناً، لنعتبر أن الديكتاتورية هي الحلّ. وماذا بعد؟ بما أن الحتمية الأساسية في الحياة أن الزمن لا يتوقف، وعناصره متحرّكة، فكيف نضمن استمرارية الديكتاتورية فترة طويلة، أو "إلى الأبد" في بعض المفاهيم، من دون أن نضمن انفجاراً مجتمعياً ما بوجهها، يؤدّي حكماً إلى تغييراتٍ عنيفةٍ في تركيبة سلطة أو دولة، من دون توقع نتائجها التي قد تكون كارثية أو ناجحة؟ لنعتبر أن أبطال الديكتاتورية تمكّنوا من استنساخ قادة موالين لهم، بغية تأمين ديمومة النظام، حينها ما الذي يمنع أن يكون القادة الجدد أضعف ممن سبقوهم، فقط لأنهم تسلّموا شيئاً "لم يصنعوه"؟ لنفترض أيضاً أن صناعة الديكتاتورية، بالعنف والدم والنظام الأحادي وإشعار الناس بالضيق، وصلت إلى جدار مسدود، في ظلّ انعدام القدرة على تطوير المنظومة الدموية، على وقع اكتشاف الشعب الرازح تحت نير الدكتاتورية، معاني الحرية أو الديمقراطية، وبالتالي "إسقاط الألوهية عن الزعيم"؟

يؤدّي ذلك كله إلى حتمية موازية لحتمية الزمن: لا شيء يبقى على حاله. كل شيءٍ معرّض للتغيير، ولولا التغيير لما وصلت البشرية إلى هذه النقطة من تاريخها. من الطبيعي، وفقاً لهذه الحتمية، أن الديكتاتورية، بمفهومها الأحادي، ستزول في يومٍ ما. كما أن في إسقاط نظام ديمقراطي غربي على دولةٍ شرق أوسطية ما يكفي من الظلم بحقّ هذه الدولة. على كل نظام ناشئ من أي مجتمع أن يكرّس ثوابت محدّدة، كالحرية والمواطنة وحقوق الإنسان، وبعدها ليُنشئ ما يريد من نظام ضمن الإطار الديمقراطي، طالما أن الثوابت مكفولة.

أيضاً، لا يُمكن السماح بتسليم أوطانٍ أو إدارتها من أشخاصٍ يدّعون حرصهم على الحريات والمواطنة وحقوق الإنسان، وهم في الواقع عنصريون مستترون، أو طائفيون، أو أتباع المذاهب الديكتاتورية في السلوكين، الفردي والجماعي. أمثال هؤلاء يصبحون "طغاة"، فنعود مجدّداً إلى الدائرة الأولى، وكأن شيئاً لم يكن. من الضروري في كل قيادة لدولة ألا تكون القرارات أحادية، بل تسودها قوانين متغيرة، وفقاً لحركية المجتمعات. بالطبع إن سلطة القوانين، وخضوعها لإرادة الحرية، لا تعني إطلاقاً تحوّلها إلى قبضة قمعية.

صحيح أن المسار بالنسبة لبعضهم يبدو طويلاً، وبالتالي يُمكن إرجاؤه "حتى تستقيم الظروف"، لكن هناك من ينسون أن الظروف وليدة قرار، والقرارات تُتخذ بناء على حالة ما، والاستعجال في اتخاذ مثل هذه القرارات ضروري، كي لا نصل بعد 50 عاماً إلى تماسٍّ حادٍّ بين السلطة والشعب، يُمكن أن يؤدّي إلى توسّع دائرة الدمّ والعنف. لا يُمكن السماح لمؤيدي فكرة "الديكتاتورية في العالم العربي" بالاستمرار في تسويق طروحاتهم، فهم يريدون حكماً ديمومة هيكلية مبنية على الفساد وسوء استخدام السلطة والقمع. هؤلاء كأنهم شركاء لديكتاتوريي أوروبا في القرون الوسطى، وسقوطهم حتميّ.

مشكلتنا أساساً في العالم العربي نابعة من فكرة أن "القائد هو صاحب السلطة المطلقة". وهو أمر موروثٌ حتى في أماكن العمل والدراسة والقطاع العام وكل تفاصيل الحياة. هذا ما يجب أن يسقط. تحتاج هذه الهالة إلى هزّة، لأن قيمة البشر أجمعين أكبر بكثير من الخضوع لنظامٍ يقمعهم أو سلوك فردي.

===========================


الورطة الروسية في سورية (مقال تحليلي)

محمود عثمان

الأناضول

الخميس 20/6/2019

مرة أخرى يعلق الدب الروسي فوق الشجرة بانتظار من يمد له سلم النزول المشرف!.

مرة ثانية، تتجه أنظار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى نظيرة التركي رجب طيب أردوغان ليخلصه من ورطته في إدلب.

ومرة أخرى يفشل بوتين في فرض الحسم العسكري بإدلب، بهدف فرض أمر واقع يرغم بقية الأطراف على قبوله. لكنه في هذه المرة يرتطم بالصخرة التركية الصلبة.

منذ تدخله العسكري المباشر في سورية عام 2015 إلى يومنا هذا، لم يكن في جعبة بوتين سوى سيناريو واحد، هو سيناريو الحسم العسكري، وفق نموذج جروزني (الشيشان)، أي سياسة الأرض المحروقة، التي تعني الانتصار على الخصم عسكريا بأي ثمن، حتى لو أدى ذلك إلى قتل جميع المدنيين، وتسوية المدن والعمران بالأرض.

سلاح الجو الروسي يستهدف المستشفيات والمساجد والمدارس ومخيمات اللاجئين، بنفس الطريقة والتكتيك الذي اتبعه الروس قبيل الهجوم على حلب والغوطة ودرعا، ثم إدلب في أيلول سبتمبر العام الماضي.

قبل أيام قليلة، لم يكن بوتين ليقبل بأقل من القضاء على جميع الإرهابيين في إدلب. وعندما يتحدث الروس عن الإرهاب والإرهابيين فإنهم يقصدون كل من يعارض نظام الأسد، بما في ذلك المعارضة ذات الأجندة الوطنية السورية، لكنه اليوم يعلن هدنة، ويدعي اتفاقا روسياً مع تركيا، تشمل جميع مناطق خفض التصعيد، لكن الطرف التركي سرعان ما نفى علمه بهدنة أو اتفاق!.

كما هو معلوم فإن الطرف الضعيف، أو الطرف الخاسر هو من يعلن الهدنة، وليس الطرف الرابح !.

الهدنة في القاموس الروسي لا تعني التوقف عن شن الهجمات الجوية. لذلك واصلت قوات الأسد وروسيا قصفها لمناطق ريفي إدلب وحماه بأكثر من 35 غارة جوية، وذلك في اليوم الثاني من الحديث الروسي عن هدنة مؤقتة.

منذ تدخله العسكري المباشر في سورية عام 2015 إلى يومنا هذا، ما فتئ الرئيس الروسي بوتين، يسعى لتجيير / تسويق انتصاراته (!) العسكرية إلى ثمن سياسي استراتيجي.

** أنقرة تكذب موسكو

ربما للمرة الأولى منذ التقارب بينهما، وزارة الدفاع التركية تنفي في بيان لها ما أعلنته وزارة الدفاع الروسية، حول قصف طائرات الأخيرة إدلب، بالاعتماد على إحداثيات حصلت عليها من تركيا. وكانت وزارة الدفاع الروسية قد ذكرت أنه بعد الاتفاق مع تركيا على هدنة في شمالي غربي سورية، شنت طائراتها أربع ضربات "على الإرهابيين في إدلب وفق الإحداثيات التي قدمها الجانب التركي"، مضيفة أن القيادة التركية توجهت بطلب إلى مركز المصالحة الروسي بسورية للمساعدة "في توفير الأمن لجنودها وشن ضربات على مواقع الإرهابيين" في إدلب.

الأمر الذي اضطر وزارة الدفاع التركية، لنشر بيان بخصوص ما تداولته بعض وسائل الإعلام عن قصف روسيا مواقع الإرهابيين الذين يهاجمون نقاط المراقبة التركية في مناطق خفض التصعيد بسورية. حيث جاء في البيان، "الخبر الذي تداولته بعض وسائل الإعلام بخصوص قصف القوات الجوية الروسية، بناء على الإحداثيات التي تقدمها تركيا، مواقع الإرهابيين الذين يشنون هجمات على نقاط المراقبة التركية، عار عن الصحة".

أنقرة تخاطب موسكو وفق المثل الشعبي الذي يقول: "إياك أعني واسمعي يا جارة" .. تقول دمشق وهي تشير إلى موسكو، تقول النظام السوري وهي تقصد القوات الروسية.

ضمن هذا السياق تأتي تصريحات المسؤولين الأتراك، حين شدد أردوغان، على أن استهداف النظام السوري مناطق المدنيين في إدلب بقنابل الفوسفور "جريمة لا تغتفر ولا يمكن السكوت عنها"، مضيفا أن الوضع في إدلب كان سيتطور بشكل مختلف عما هو عليه الآن، لولا الموقف الذي تبنته تركيا حيالها.

الرئيس أردوغان، حذر أيضا من أن تركيا لن تلتزم الصمت في حال استمر الهجوم على نقاط المراقبة في إدلب.

وزير الخارجية التركي مولود تشاوش أوغلو، كان واضحا هو الآخر عندما قال بأن روسيا "لا عذر" لها بعدم وقف الضغط على النظام السوري من أجل وقف ضرباته في شمال غرب سورية. ويأتي ذلك غداة مقتل 28 شخصاً بينهم سبعة مدنيين على الأقل، جراء قصف النظام السوري بمشاركة الطيران الحربي الروسي، استهدف مناطق عدة في محافظة إدلب.

** موسكو تتهم أنقرة

مقابل تكذيب أنقرة لموسكو، ردت الأخيرة بتوجيه اتهامات مضادة عبر وكالة سبوتنيك الروسية شبه الرسمية هذه المرة. حيث اتهمت الوكالة تركيا صراحة، بخرق قواعد الاشتباك المتفق عليها، وتزويد فصائل المعارضة السورية في إدلب، بصواريخ مضادة للطيران، استخدم أحدها ضد طائرة سوخوي .حيث عزت سبوتنيك لمراسلها قوله، "إن الدعم التركي للمجموعات المسلحة بدأ يأخذ منحى جديدا في الآونة الأخيرة ويتسم بالتسليح النوعي، مثل صواريخ التاو والكورنيت، بالإضافة إلى مضادات الطائرات المحمولة على الكتف".

كما هاجمت الوكالة الروسية الدور التركي في سورية، على لسان مراسلها الذي قال "من يظن أن تركيا غير قادرة على التحكم بقرارات المجموعات المسلحة فهو واهم، الأتراك يقدمون الدعم العسكري واللوجستي والحماية للإرهابيين بشكل علني" موجها أصابع الاتهام لتركيا "بتزويد المعارضة السورية بطائرات مسيرة تستهدف قاعدة حميميم ومعظم الآليات التي دمرها الجيش السوري، هي عبارة عن مصفحات تركية دخلت عبر الحدود مع تركيا، وسلمت للمجموعات الإرهابية".

** روسيا على مفترق الطريق حول مصير اتفاق سوتشي

فشلت روسيا في تسويق تدخلها العسكري للأمريكان، حيث كانت تنظر مقابله ثمنا استراتيجيا. جميع محاولات الروس فرض أمر واقع على الأرض السورية، في إدلب وغيرها، تحت ذريعة الحرب على الإرهاب، لم تحظ بضوء أخضر أمريكيا، بل قوبل بالصدود والإعراض والتجاهل.

التدخل العسكري الروسي بلغ مرحلة النهاية، لكن دون احراز مكاسب تذكر من الناحية الاستراتيجية، ولم يبق أمام الروس سوى تركيا لتسويق الورقة السورية، وتحويلها إلى مكاسب سياسية في علاقاتها معها.

من قبيل التذكير، فإن الاتفاق الروسي التركي الذي تم التوصل اليه في مدينة سوتشي الروسية، نص على إقامة منطقة منزوعة السلاح بعمق 15 إلى 20 كيلومتراً على خطوط التماس بين قوات النظام وفصائل المعارضة عند أطراف إدلب وأجزاء من ريف حماة الشمالي وريف حلب الغربي وريف اللاذقية الشمالي.

كان اتفاق سوتشي بالنسبة لموسكو حالة شبه اضطرارية، حيث حرمها الفيتو الأمريكي والتركي من فرصة الحسم العسكري في إدلب، وإعلان النصر في عموم سورية. كما كان ضرورة بالنسبة لتركيا أيضا، عندما سدت واشنطن جميع قنوات التحرك السياسي الخاص بالقضية السورية، تاركة موسكو تصول وتجول في سورية، فلم يكن أمام أنقرة مناص من التعامل مع الأمر الواقع.

لم يكن دخول تركيا على خط مسار أستانا بسبب تطابق الرؤى ووجهات النظر بين أنقرة وموسكو حول طريقة الحل في سورية، ولا لقناعة أنقرة بأن موسكو لديها مفاتيح الحل في سورية، إنما للحد من التغول الروسي، وللحيلولة دون قيام الروس بتصفية المعارضة الوطنية السورية نهائيا، وإرغامها على الاستسلام دون شروط.

**الورطة الروسية

تظهر ورطة الروس في سورية في عدة مجالات استراتيجية على قدر كبير من الأهمية.

المجال الأول: فشل روسيا في تسويق تدخلها العسكري في سورية لأمريكا، والحصول على ثمن استراتيجي مقابله.

المجال الثاني: وقوف روسيا عاجزة عن حماية مركزها الرئيسي في قاعدة حميميم. كما أن بقية قواعدها العسكرية في سورية عرضة للهجمات في أي وقت، وهذا يفسر النزق والعنف واستخدام القوة المفرط من طرف الروس.

المجال الثالث: فشل مشروع المصالحات الذي سوق له الروس في سورية، فقد تبين للسوريين خلال فترة قصيرة بأن المصالحات التي فرضها الروس بقوة السلاح، لم تكن سوى مسرحية معدة مسبقا لتسليم الثوار الذين قبلوا بالمصالحة للنظام، الذي جندهم عنوة، وأرغمهم على خوض المعارك ضد رفاقهم بالأمس، بينما الطرف الروسي يتفرج دون التزام بأي من تعهداته كوسيط محايد !.

لكن خسارة الروس الكبرى، كانت في دفع أنقرة نحو واشنطن، عندما أصر بوتين على الحسم العسكري، متجاهلا تركيا وقدراتها، ناسيا سياسة التوازنات التي تنتهجها أنقرة، والتي تتيح لها فرصة التعامل والتعاون مع القوى التي تراها الأقرب إلى مصالحها الاستراتيجية.

روسيا على مفترق الطريق في سورية، فهي إما تبقى الحال على ما هو عليه دون حسم عسكري، باستنزاف مقدور عليه، لكن دون مكاسب سياسية تذكر.. أو أن تأتي بجيشها ومقاتليها لتحسم المعركة بنفسها، وهذا يعتبرا تكرارا للسيناريو الأفغاني المرعب.

===========================


"ترانسفير وتغيير ديمغرافي".. بصمات حزب الله في القصير

بيروت - جوني فخري

العربية نت

الخميس 20/6/2019

في وقت ترتفع فيه أصوات بعض المسؤولين اللبنانيين وسكان بلدات بضرورة عودة النازحين السوريين إلى مناطقهم بسبب ظروف لبنان الاقتصادية، وذهاب بعض الأحزاب اللبنانية بعيداً في "التحريض" على بقائهم وربطه بالاستفادة من المساعدات المالية التي "تُغدقها" عليهم المنظمات الدولية كما يروّجون، يُمنع قسم كبير من النازحين السوريين من بلدة القصير ونواحيها في الريف الغربي من محافظة حمص، من العودة إلى مناطقهم لأسباب سياسية وديموغرافية يقف وراءها "حزب الله" والنظام السوري.

السماح بعودة الأقليات فقط

ففي العام 2013 استعادت قوات النظام و"حزب الله" السيطرة على مدينة القصير ونواحيها في الريف الغربي من محافظة حمص عند الحدود مع لبنان، بعد تدمير 75% من أحيائها تدميراً كاملاً، وتهجير أهلها المقدّر عددهم بـ 150 ألف نسمة، وسمح خلال العام ذاته بعودة نحو عشرة آلاف نسمة غالبيتهم من الأقليات، مسيحيين وعلويين وشيعة، وقلّة من السكان السنّة الذين كانوا يشكّلون الغالبية العظمى من سكان القصير (مدينة وريف) الذين لم يسمح لهم بالعودة رغم محاولاتهم، ورغم أنهم لم ينخرطوا في القتال ضد النظام.

وتتوزع الكتلة الأكبر من مهجري القصير بين ريف حمص، ومنطقتي عرسال في البقاع ووادي خالد في عكار شمال لبنان.

حزب الله والنظام يمنعان العودة

ويُقدّر عدد النازحين من منطقة القصير وضواحيها إلى وادي خالد بنحو 25 ألف نازح، في حين يبلغ عدد سكان وادي خالد نحو 34 ألف نسمة يعمل معظمهم في الزارعة.

وفي هذا السياق، أكد رئيس اتحاد بلديات وادي خالد رئيس بلدية وادي خالد السابق فادي الأسعد لـ"العربية.نت" "أن حزب الله والنظام السوري يمنعان عودتهم، حتى إن المنازل التي لم يهدماها في قرى القصير باتت ملجأً للمطلوبين والفارّين اللبنانيين من وجه العدالة بغطاء من حزب الله وتحت حمايته".

وتابع "مهما عمل اللاعبون الأساسيون في سوريا على عقد تسوية سياسية للأزمة تبقى منطقة القصير وضواحيها بعيدة منها لأسباب مرتبطة بالتنوّع الطائفي الذي يُميّزها".

فرز مذهبي

ويطرح منع عودتهم تساؤلات حول نيّة "حزب الله" والنظام السوري من وراء ذلك، وما إذا كان هناك حسابات "طائفية-ديموغرافية" خلف مفاقمة معاناتهم الحياتية والمعيشية.

في حين أكد الأسعد "أن هناك أسباباً مذهبية تمنع عودتهم. فبلدة البرهانية مثلاً ذات الغالبية السنّية وهي أكبر بلدات القصير المتاخمة لبدة زيتا الشيعية، من المستحيل أن يسمح لهم حزب الله والنظام بالعودة، خصوصاً أنهم ضدّ النظام السوري".

مطلوبون لبنانيون يسيطرون على ممتلكاتهم

وأشار إلى "أن ممتلكاتهم وأراضيهم الزراعية باتت بيد اللبنانيين الهاربين من لبنان الذين استقرّوا في مناطق القصير، وهم يستثمرون هذه الأراضي التي تُعدّ خصبة ويسكنون في منازل أصحابها".

كما ناشد الأسعد الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة "بزيادة المساعدات للنازحين، في وادي خالد، لأن لا قدرة لمعظهم للعودة إلى مناطقهم في القصير التي هُجّروا منها بالقوّة".

المعاناة ذاتها في عرسال

وكما في وادي خالد شمال لبنان، تعاني بلدة عرسال البقاعية على الحدود مع سوريا، ذات الغالبية السنّية من تداعيات معركة القصير، إذ تحتضن أكبر مخيم للنازحين في لبنان ويضمّ نحو 65 ألف نازح من بينهم حوالي 35 ألف من منطقة القصير وجوارها.

وأوضح رئيس بلدية عرسال باسل الحجيري لـ"العربية.نت" "أن قسماً كبيراً من النازحين في عرسال يتخوّف من العودة الى سوريا"، قائلاً "حاولنا ترتيب عودتهم من خلال التواصل مع الأمن العام السوري لتسجيل أسماء من يرغبون بالعودة، وتمت الموافقة على قسم منهم للعودة وعدم السماح لقسم آخر".

كما أشار إلى "أن المصالحة لم تحصل في منطقة القصير وجوارها، لذلك فإن سكانها يتخوّفون من العودة، ومن المعروف أن ملف القصير هو الأكثر تعقيداً في الأزمة السورية".

ترانسفير طائفي بمخطط إيراني

من جانبه، قال المحامي ومدير مؤسسة "لايف" الحقوقية، نبيل الحلبي، لـ"العربية.نت"، "إن حزب الله والنظام السوري يمنعان السوريين المقيمين في لبنان من الزبداني (باتت محتلّة من حزب الله) ومضايا والقصيّر من عودتهم إلى ديارهم، وطلب منهم خلافاً للقرار الدولي 2254 (الذي ينصّ على عودة النازحين الى مدنهم وبلداتهم الأصيلة) بالذهاب إلى مناطق سورية غير خاضعة لسلطة النظام (في اتّجاه إدلب)، وذلك تطبيقاً لمخطط إيراني من اجل إحداث تغيير ديموغرافي قائم على التهجير الطائفي والاستيطان في غرب سوريا".

أما عن "خصوصية" منطقة القصير بالنسبة للمخطط الإيراني القائم على الفرز الديموغرافي، أشار الحلبي إلى "أنها قريبة من منطقة بعلبك-الهرمل ذات الغالبية الشيعية والتي تعتبر معقلاً لـ"حزب الله"، لذلك نفهم النيّة وراء عدم السماح لأهالي القصير بالعودة إلى مناطقهم وقراهم وإسكان مكانهم عائلات شيعية من لبنان والعراق، وهذه تعتبر جريمة حرب".

وأوضح الحلبي "أن قسماً كبيراً من النازحين من القصير وجوارها تم توطينهم في أوروبا من خلال المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، أما القسم المتبقّي فتم توزيعهم بين تركيا ولبنان وشمال سوريا (إدلب)".

كما شدد على "أن هناك أسباباً للجوء السوريين إلى لبنان لا يُمكن إغفالها وهي مرتبطة بالنظام السوري و"حزب الله" لأنهما يمنعان قسماً كبيراً من النازحين من العودة إلى قراهم ومناطقهم". واعتبر "أن الدولة اللبنانية "متورّطة" بالسماح لـ"حزب الله" بالقتال في سوريا ويكون سبباً من أسباب تهجير السوريين. فهو لم يلتزم لا بـ"إعلان بعبدا" الذي وقّع عليه وينصّ على تحييد لبنان عن أزمات المنطقة، وعدم التدخل في الشوؤن الداخلية للدول، ولا بسياسة "النأي بالنفس" التي تعتمدها الحكومة".

===========================

كيف تلعب روسيا "الورقة الإيرانية"

بسام مقداد

المدن

الخميس 20/6/2019

قد يكون قول الرئيس الروسي بوتين بشأن أزمة الخليج ، بأن روسيا ليست فرقة إطفاء ، قد وضع السقف ، الذي تتحرك تحته روسيا حيال الأزمة . وكان بوتين قد صرح بذلك إثر محادثاته مع وزير الخارجية الأميركي في سوتشي ، مما جعل المراقبين الروس يفسرون القول ، بأنه إعلان صريح بأن روسيا لن تنخرط في تسوية الوضع الناشيء بين إيران والولايات المتحدة . لكن من السذاجة الإعتقاد ، بأن هذا الكلام يعني وقوف روسيا متفرجة على ما يجري ، دون محاولة الإفادة القصوى من الوضع الناشىء ، وسحب الكستناء من الشواء المستعر. والكلام الروسي ليس موجهاً ، بالتأكيد، للولايات المتحدة ، التي لا يمكن أن يرد بذهن قادتها صورة روسيا بدور إطفائي حرائق، بل هي تتهمها بالتسبب بإشعالها، إنما الكلام كان موجهاً  للإيرانيين ، الذين تكثر روسيا من تأييدهم اللفظي .

يتساءل موقع "rosbait" ذو التوجه الشيوعي ، ما إن كان ينوي بوتين الدفاع عن نظام خامنئي ضد الأميركيين ، ليجيب مؤكداً بأنه سوف يدافع عنه بالكلام فقط، وبواسطة المواقع الإعلامية وبيانات وزارة الخارجية وسواها من المؤسسات السلمية ، لكن دون توريد اي سلاح ، أو إرسال قوات . بعد اسبوعين من اللقاء مع بومبيو في سوتشي، أعلنت " Bloomberg" الأميركية أن روسيا رفضت تسليم إيران صواريخ "S-400" ، مع العلم أن الطلب جاء من القيادة السياسية الإيرانية العليا ، ولم يتضح سبب الرفض ، ما إن كان تقنياً أو سياسيا أو سواه. ويقول الموقع ان القصة مع الأسد لن تتكرر، بما في ذلك بالنسبة لإيران التي ، وإن كانت قد شهرت قبضتها بوجه واشنطن، إلا أنها شهرت إصبعها بوجه موسكو ، حسب ما نقل موقع "sp" ، الذي لم يدخل في تفاصيل ما ذكره ، واكتفى بالتذكير بالتعرجات ، التي اعترت علاقات طهران بموسكو في السنوات الماضية .

لكن إيران ، وحسب صحيفة الكرملين "VZ"، لم تتخل عن الأمل بالحصول على صواريخ "S-400. فقد نقلت الصحيفة في 19 من الجاري عن علي شمخاني ، سكرتير المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني قوله ، بأن إيران كانت دائما على تعاون واسع مع روسيا في الحقل الدفاعي والأمن. وإذا ما أظهرت تقديرات قطاع الدفاع في إيران الحاجة إلى صواريخ "S-400" ، فإن إيران سوف تقوم بما قامت به بشأن صواريخ "S-300" ، وسوف نعقد محادثات مع "الأصدقاء الروس" ونتخذ معهم قراراً بهذا الشأن . وتشير الصحيفة إلى أن شمخاني يعتبر أن " إيران وأميركا لن يصلا إلى الحرب ، لأن ليس من سبب لأن تندلع مثل هذه الحرب". وهو يرى ، أن مسألة الوساطة في الحوار بين إيران والولايات المتحدة بشأن الصفقة النووية ليست مطروحة، لأن "الولايات المتحدة خرجت بشكل منفرد من المعاهدة، وتجاهلت إلتزاماتها، وفرضت عقوبات غير قانونية على إيران". وافترض الرجل أن على الولايات المتحدة أن تعود إلى نقطة البداية ، وتصحح أخطاءها ، وهذه العملية لا تحتاج إلى وساطة" ، حسب الصحيفة .

وينقل موقع القوميين الروس المذكور"sp" عن عدد من المتخصصين الروس بشؤون الشرق الأوسط آراءهم حول " كيف تلعب روسيا ورقة إيران" في النزاع الراهن في الخليج . يقول كبير الباحثين في مركز أبحاث الشرق الأوسط في معهد الدبلوماسية الروسية ألكسندر كريلوف ، بأنه يتوقع أن تتفاقم  الأزمة حول إيران أكثر مما هي عليه الآن. ويرى أن روسيا لن تدير ظهرها لإيران، "على الأقل لأنها أحد شركائنا الإقتصاديين الرئيسيين" . لكنه يذكر بأن ليس من معاهدات ملزمة لروسيا بمساعدة إيران في حال تعرضها للإعتداء من طرف ثالث، وإن كانت "تجارة السلاح معها قائمة". لكنه لا يعتقد أن روسيا يمكن أن تقدم لإيران اية "أسلحة جدية" قد تحتاجها ، لأن ذلك يمكن أن يؤدي إلى حلقة جديدة في المواجهة مع الأميركيين، "وهو ما لسنا معنيين به الآن " . ولهذا يرى أن روسيا سوف تستمر في تنفيذ العقودة القائمة مع إيران ، لكن من المستبعد أن تعمد روسيا إلى مدها بأي سلاح "فائق الحداثة" ، برأيه  .

ويرى كريلوف أن الولايات المتحدة  تدرك جيداً ، أنه لا يمكن أن تحدث أية مجابهة في منطقة خليج عمان ومضيق هرمز ، وهي لن تبادر إلى مثل هذه المجابهة ، لأنه يكفي أن تطلق إيران صاروخاً واحداً باتجاه حقول النفط السعودية والبحرينية او الكويتية ، حتى يحل من جديد العام 1974 ، بارتفاع أسعار النفط، الذي حمله وأزمة الطاقة الشاملة حينئذ. ولهذا يرى الرجل أن المجابهة سوف تحتدم، لكنها سوف تبقى مجابهة كلامية من دون أن تتحول إلى مجابهة عسكرية .

أما الخبير العسكري بوريس روجين ، فيقول للموقع بأن روسيا سوف تسعى للمحافظة على علاقاتها مع جميع الفرقاء في الشرق الأوسط. ويرى أن روسيا وإيران، مع أنهما شريكان في الحرب السورية ولهما مصالح متشابهة، إلا أنهما لا يخفيان وجود اختلافات بينهما، ذات طابع سياسي وإقتصادي، لكنهما يعتبرانها خلافات عمل يمكن التعايش معها. ويعتبر هذا الخبير أن من المفيد لموسكو أن تكون إيران قوية بذاتها  لكي تتمكن من تنفيذ سياستها الذاتية في الشرق الأوسط ، مما يحول دون استعادة الأميركيين سيطرتهم على المنطقة ، التي تمتعوا بها في السنوات الأولى بعد اجتياح العراق .

أما بالنسبة لصراع إيران مع إسرائيل والسعودية والولايات المتحدة ، فإن روسيا لا تزمع التدخل في هذه "الحرب الهجينة" ، وتحاول أن تتخذ موقع الوسيط حيالها . فقد سبق لموسكو ، برأيه، أن كانت وسيطاً في سوريا ، حين سحبت إيران قواتها عن الحدود مع إسرائيل ، مقابل قيام إسرائيل والسعودية بالتخلي عن جبهة المقاتلين الجنوبية، والسماح لقوات الأسد بالإشراف على الحدود مع الأردن وإسرائيل في هضبة الجولان. أي أن مثل هذا الموقع أصبح اعتيادياً بالنسبة لروسيا، برأيه ، وهي ، في الأغلب ، سوف تتخذ مجدداً موقفاً مماثلاً بشأن الحدث في خليج عمان، وسوف تدعو لاعتماد الوسائل الدبلوماسية في معالجة المسألة، لكنها ستستخدم حق الفيتو في الأمم المتحدة ، إذا لجأت الولايات المتحدة إلى أية إجراءات موجهة ضد إيران .

ويجزم الرجل أن روسيا لن تقف خلف إيران، لأنها تريد أن تحافظ على صلاتها بالسعودية وإسرائيل، وسوف تبقى "فوق الكباش". وهو يرى بصراحة، أن ثمة "لحظة إنتهازية" في مصلحة روسيا بالصراع الدائر الآن ، إذ أنه سيؤدي ، برأيه ، إلى رفع سعر النفط ، ويستدل على ذلك بارتفاع اسعاره عدة نقاط إثر حادثة حاملات النفط . ويرى أنه إذا ما بدأت الولايات المتحدة بتعزيز وجودها العسكري في المنطقة ، فإن الأسعار سوف تتجه نحو الإرتفاع . وهو لايرى أن الولايات المتحدة سوف تقدم على اجتياح إيران ، بل جل ما يمكن أن تقدم عليه هو القصف الجوي والبحري للأراضي الإيرانية . لكنه حتى في هذه الحالة لا يستبعد بأنه سوف تترتب على مثل هذا القصف عواقب لا يمكن التنبوء بها، إذ سوف تطال الحرب عدة بلدان، مثل لبنان وإسرائيل وسوريا والعراق واليمن .

أما مدير معهد الطاقة القومية سيرغي برافاسودوف فيتحدث بصراحة أكثر عن "اللحظة الإنتهازية" لروسيا ومصلحتها في الصراع القائم . يقول الرجل أن إيران تحتل الموقع الثاني في العالم بعد روسيا من حيث احتياطيات الغاز لديها، وإذا ما تمكن الأميركيون من تغيير نظام الملالي القائم ، فسوف يسمحون للنظام الجديد بتصدير الغاز إلى أوروبا ومنافسة روسيا في سوقها. ولذلك يرى الرجل أن من مصلحة روسيا الحفاظ على نظام الملالي القائم، الذي تقف الولايات المتحدة في وجه قيامه بتصدير الغاز إلى أوروبا ، وتجعله يستمر بتوجيه صادراته من الغاز نحو الهند والشرق عموماً .

لا يجد الروس حرجاً ، كما هو واضح من آراء الخبراء أعلاه ، في الحديث بصراحة عن "اللحظات الإنتهازية" في مصالحهم في الصراعات والحروب الدائرة في المنطقة والعالم، وهم لا يلعبون "الورقة الإيرانية" في الصراع الدائر في الخليج الآن ، سوى من وجهة نظر هذه "اللحظات الإنتهازية" بالذات . 

===========================

"الخوذ البيضاء" صناع الحياة من تحت أنقاض الموت

بلدي نيوز

فراس عزالدين

الخميس 20/6/2019

اختاروا المخاطرة بأرواحهم ليصنعوا الحياة، تركزت أعمالهم على الجوانب الإنسانية، ويبلغ تعدادهم حسب الإحصائيات ما يزيد عن 2600 شاب وشابة من مختلف المناطق السورية تطوعوا ضمن فرق "الخوذ البيضاء" كما يطلق عليهم السوريون أو "الدفاع المدني السوري".

وفي حديث مع "سراج محمود" متطوع في الدفاع المدني، قال لبلدي نيوز، معرفاً أصحاب الخوذ البيضاء بأنهم؛ "شبان وشابات سوريون، من مشارب مختلفة من الحياة وخلفيات وأفكار مختلفة، جمعهم العمل التطوعي لحفظ حياة الإنسان في سوريا وفي كل أماكن وصولهم ضمن الأراضي السورية؛ فمنهم من كان نجاراً أو معلم مدرسة أو ممرضاً أو تاجراً، من خلال تطور العمل، شكلوا ونسقوا عملهم بمنظومة واحدة أصبحت تعرف للعامة بالخوذ البيضاء وتحمل الاسم الرسمي، "الدفاع المدني السوري".

يعرّف عناصر "الدفاع المدني" عن أنفسهم بعباراتٍ مختصرة؛ "العمل بحيادية وإنسانية من دون تمييز، ولا ندين بالولاء لأي حزب أو جماعية سياسية... نعمل لإنقاذ أكبر عدد ممكن من الأرواح والحد من الإصابات بين الناس والضرر على الممتلكات".

قدموا توثيقاً لأعمالهم داخل قاعة مجلس الأمن الدولي خلال جلسةٍ تناولت البحث في استخدام "غاز الكلورين" بسوريا، وثقوا فيها لحظات استهداف طائرات نظام بشار الأسد المناطق المدنية في منطقة سرمين بإدلب السورية بالغاز السام وحالات اختناق عشرات الأطفال والنساء، وسجلت عدسات المصورين بكاء الحضور من المشهد.

وفي هذا الصدد، أجاب "محمود" عن سؤالنا، لماذا يهاجمهم بشار الأسد ويتهمهم النظام السوري بشكل عام بأنهم فرع من جبهة النصرة؟ بالقول "بشار الأسد ككل مجرمي الحرب يخاف من شهود العيان القادرين على فضح الجريمة، لذلك لا يتوانى عن قصفهم وقتلهم واعتقالهم، وذلك لحجب الحقيقة وقتل شهود العيان. وأفضل طريقة للانتقاص من رسالتهم والأدلة التي يملكوها هي اتهامهم بانتمائهم. العالم كله مجمع على أهمية بطولات متطوعي الدفاع المدني السوري في حفظ حياة المدنيين، لذلك يكرههم بشار الأسد، فهو مجرم حرب مثبت بالحقائق".

ويتعهد "الدفاع المدني" أنه "وبمجرد أن ينتهي القتال، ستلتزم المنظمة بالشروع في مهمة إعادة بناء سوريا كأمة مستقرة ومزدهرة ومحبة للسلام، التي يمكن فيها تحقيق تطلعات الشعب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية".

ويتراوح أعمار عناصر الدفاع المدني بين 18 و40 عاماً، يخضعون لدورات تدريبية في الأراضي التركية عبر المنظمة العالمية للبحث والإنقاذ، بينما يتم "التدريب الأولي" في ثلاثة مراكز موجودة في إدلب وحلب.

كان للدفاع المدني 104 مراكز موزعة في ثماني محافظات سورية يتم التنسيق في ما بينها بشكل مستمر، ولا سيما بعدما توحّدت في أكتوبر (تشرين الأول) العام 2015 بعد اجتماعات جمعت قادة المحافظات لتحويله إلى مؤسسة عامة تحت راية واحدة هي "الدفاع المدني السوري"، ومنذ ذلك الحين بدأ التنسيق بشكل أكبر بين كل المراكز ومحاولة توزيع المساعدات بشكل متساوٍ عليها، بينما بقي هذا الأمر صعب التحقيق في المراكز الموجودة في دمشق وريفها وحمص، المحاصرة والتي لا يسمح النظام بدخول المساعدات إليها.

وبقيت العوائق التي تواجه المسؤولين في "الدفاع المدني" والمتطوعين متمثلةً بضعف الإمكانات وقلةّ المساعدات التي تحول في أحيان كثيرة دون قدرة العناصر على القيام بواجباتهم.

يذكر أنّ نواة هذه المؤسسة الإنسانية تشكلّت بداية وبشكل أساسي في حلب في 15 آذار/ مارس 2013، من منشقين من "فوج الإطفاء السوري"، رفضوا تعليمات قوات النظام بمواجهة المتظاهرين. إذ أعلن نحو 55 عنصراً في مركز واحد الانشقاق دفعة واحدة وبدأوا العمل مع "الدفاع المدني" من مركزهم، قبل أن يعود النظام ويستهدفهم بالقصف، ما اضطرهم إلى نقله إلى مكان آخره، كما عمد أحد العناصر المنشقين من "فوج الإطفاء" بإدلب إلى نقل سيارة من المركز معهم.

وفي هذا الصدد، يقول "سراج محمود"؛ "بدأوا كأفراد بالركض نحو أماكن سقوط القذائف، مثل أي سوري تغمره المحبة لأهل حيه وجيرانه. ومع الوقت شكل هؤلاء الأفراد مجموعات متفرقة في المدن والقرى والأحياء، كانت هذه المجموعات تأخذ على عاتقها إنقاذ المدنيين بكل ما استطاعوا. اكتشفت هذه المجموعات لاحقاً تواجد مجموعات أخرى تحمل نفس المهمة في العديد من قرى وبلدات سوريا؛ فبدأوا بالتواصل فيما بينهم لتبادل الخبرات خصوصاً وأن هذه المجموعات تضمنت بعض المنشقين من فرق الدفاع المدني تحت كنف النظام الذين رفضوا الانصياع لأوامر النظام. كذلك شاركوا موارهم".

ومع كبر مساحة القصف والحاجة المتزايدة لأمثالهم، كان الاجتماع الأول الذي نتج عنه ميثاق مبادئ الدفاع المدني السوري، وكانت هذه نواة التأسيس للمنظومة التي نراها حالياً، والتي تتضمن أنظمة شفافية وانتخاب، طورناها مع الخبرة والوقت. كان التصويت الأول على الأدوار التي يلعبها كل متطوع في مركزه".

ولعل من أبرز مهامهم؛ السعي لتقديم مختلف الخدمات الإنسانية التي تسهم في إنقاذ المدنيين، كالتحذير من الهجمات والمخاطر، والبحث والإنقاذ في المناطق السكنية، وإخلاء السكان المدنيين من مناطق القتال التي فيها انتهاكات، وتوفير الخدمات الطبية -بما في ذلك الإسعافات الأولية- عند موقع الإصابة، وإطفاء الحرائق، وإدارة ملاجئ الطوارئ، إضافةً لمهمة الكشف ووضع علامات على المناطق الخطرة كتلك التي يوجد فيها ذخائر لم تنفجر، وتأمين المقابر في الحالات الطارئة، وإدارة تدابير التعويض الطارئ في حالات انقطاع الخدمات".

وأجاب محمود عن سؤالنا لمن يتبعون؟ بقوله؛ "ببساطة، للشعب السوري. وفقط للشعب السوري. التبعية هي شيء ضد مبادئ عمل الدفاع المدني، ولو كان هناك متبوع، لمنعنا من إنقاذ أشخاص بعينهم بسبب انتمائهم السياسي أو الديني. وكما نقول دائماً، ننقذ السوريين في أي مكان نقدر عليه، بغض النظر عن دينهم، جنسهم، عرقهم أو إيمانهم و انتمائهم السياسي".

وحول وجود مرجعية لهم يرجعون لها، قال؛ "المرجعية التي يعتمدها الدفاع المدني السوري هي القانون الإنساني الدولي ومبادئ الدفاع المدني العالمية".

===========================

موقفنا : مجزرة سجن تدمر 1980 .. الوفاء لدماء الشهداء ليس ذكرى

زهير سالم

مركز الشرق العربي

26 / 6/ 2019

هؤلاء هم مصطفى وعثمان وعبد الرؤوف وعدنان وزاهد وكمال وحسان وعماد وعمر وجهاد ... وأعدُّ حتى الألف فلا تغيب عن عينيّ الوجوه ، ولا تنقطع عن أذني الكلمات ، ولا تتلاشى دونها الضحكات . ما زلت أسمعهم ينادون عليك : أخي هل تراك ..

و تأبى ، رغم كل الجراح واللأواء والعنت إلا أن تجيب ، ودمعة لا تفارق محجر عينيك ( فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا ).

ما بقينا بعد الأحبة الذين وفوا فمضوا للعيش فلم يكن للعيش بعدهم معنى ، وإنما بقينا لنكمل الطريق ، ونبلغ الراية مأمنها في عصر الظلمة والريح والخوف والفتنة ..!!

" وقطعت يمين جعفر رضي الله عن ذي الجناحين ، فاخذ الراية بشماله ، فقطعت شماله فاحتضن الراية بعضديه " وما تزال راية رسول الله مرفوعة ، وستظل راية رسول الله مرفوعة ،ما فرط بها مفرط منذ ألف وخمس مائة من السنين ، ولن تترك الراية بإذن الله للمفرطين ولا للمضيعين ولا للمتخاذلين ولا للمتآمرين ..

قد حسبنا الجريمة يوما - لطيب قلوبنا وسلامة صدورنا وجميل ظنونا - الجريمة الفلتة، وأنها مرت خلسة عن عيون أصحاب الضمائر والقلوب ، لم يُحاطوا بها علما ، ولم يستطيعوا لها تداركا ولا منعا ، وعلى مدى العشرات من السنين كنا نرى وجوههم تبش وتهش للقاتل المجرم ، وأيديهم تمتد لمصافحته وتثبيته وتأييده ؛ فنظن ونخال ونحسب ؛ حتى كانت ثورة شعبنا الفاضحة الكاشفة التي وضعتنا أمام الحقيقة الجهيرة لآيات القرآن الكريم ( الزَّانِي لا يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ) فشهدت لنا كل الجرائم والمذابح التي كانت بعدُ ... أن كل ما وقع إنما كان بتقدير وتخطيط وتواطؤ بين المجرمين طبقا عن طبق منهم القريب ومنهم البعيد ..

يزعم بعضنا ، ويالسذاجتنا وطيبة قلوبنا ، أن شهادة الطبيب السوري الملقب بالقيصر - السيزر - قد فضحت بخمسة وخمسين ألف وثيقة جريمة بشار الأسد وعرته وكشفته أمام العالمين !! والحقيقة الحقيقة الحقيقة التي أقولها لكم : إن شهادة الطبيب السوري قد وثقت بخمسة وخمسين ألف وثيقة سقوط الحضارة وموت الإنسان ، وكذبة القانون الدولي ، وعنصرية مواثيق حقوق الإنسان ..!!

لم تكن مجزرة سجن تدمر الصحراوي في السابع والعشرين من حزيران 1980 الأولى في تاريخ الزمرة الطائفية الوظيفية ، التي تعاقد معها أشرار العالم ، على تقتيل أبناء الشام وتهجيرهم ؛ الأولى في تاريخ هؤلاء المجرمين ، ولم تكن الأخيرة فقد سبقتها مجازر في حماة وجسر الشغور وإدلب وحلب وتبعتها مجازر في حماة ثم وفي كل المدن السوري حتى كان الانفضاح المريب الرهيب الذي نعيشه اليوم في أطول هولكست مستدام يشهده التاريخ وتوثقه الأقمار الصناعية بالصورة والصوت واللون ، ويتباهى بارتكابه مجرموه فيعلن سيرغي شويغو : بأنهم قد جربوا على مدار الهولكست الصهيوني الأسدي المشترك 200 سلاح استراتيجي في بنية الشعب السوري ..

كان بطرس الناسك وزملاؤه من الرهبان الجوالين يحملون صورا مزورة لقبر المسيح - زعموا - يبول عليه رجل مسلم !! يجيشون الجيوش ويحرضون الطغام ، تماما كما فعل ابن العلقمي يؤلب التتار على بغداد ، التي بلغ عدد ضحاياها " ألف ألف" كما يقول المؤرخون . لم يتغير في المشهد التاريخي شيء ، على اعتبار التاريخ سيرورة يعتنق فيها الحدث بالزمان ، ما تزال صور بطرس الناسك الكذاب تُعرض على العقول والقلوب في صور " جناة " صنعوهم ، و"جنايات" اقترفوها ، تحرض على أرض ولد فيها المسيح ..بينما يجعر حسن نصر الله : لن تسبى زينب مرتين ..

الجريمة المجزرة الموثقة التي نفذت على معتقلين - أسرى في سجن الطاغية - والتي أودت بحياة نخبة النخبة من رجال سورية خلقا وعلما والتزاما كانت جزء من مخطط صهيوني خفي يجهر به بالأمس نتياهو والمجتمعون معه في قدسنا المدنس السليب : " بشار هو صمام الأمن لإسرائيل .." أليس في هذا الإعلان كلمة مفتاحية لحل اللغز السوري والهولكست الذي نفذ على الشعب السوري بكل أبعاده.

نضع درس ما جرى ويجري من حديث المجازر بحلقاتها المتتابعة أمام عقول السوريين وأمام قلوبهم ، مؤكدين أنه قد تساقطت أساطير الشجب والاستنكار ، وقد فُضحت أكاذيب كل ما تخفوا وراءه من قانون دولي أو مواثيق مدعاة تحمي حقوق الإنسان ..

وأن لنا حقيقة نحفظها أن بعد اليوم غدا ، وأن الأيام دول . وأن مصرع البغي والبغاة وخيم . ( وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ) .

____________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

احتكار السلطة لتحطيم المجتمع السوري

سمير الزبن

العربي الجديد

الخميس 20/6/2019

يملك الاستبداد المديد قدرة هائلة على التأثير في المجتمع، وإعادة تشكيله، وصناعة هوياتٍ بملامح جديدة لم تكن موجودة سابقاً. وهذه الهويات تخدم هذه السلطة بالضرورة، فالهويات التي تسعى السلطات المستبدة إليها، يجري بناؤها في سياق تبرير استمرار السلطة وخدمة مصالح إستراتيجية للقائمين عليها، بوصفها سلطة مشخصنة، كما كانت الحال في التجربة السورية، في زمن حكم عائلة الأسد.

لو لم يتسنَ لحافظ الأسد حكم سورية ثلاثة عقود، لما كان هناك توريث للحكم في سورية. جعلت فترة الحكم المديدة هذا الرجل يُعيد تشكيل ليس الخريطة السياسية لسورية، بل ويعيد تشكيل المجتمع السوري، ويُمسك بكل آليات التحكم السلطوي في البلد. ترافق، خلال هذه العقود الثلاثة الأخيرة، تفريغ البلد من القوى السياسية مع صناعة انزياحات اجتماعية تخدم السلطة، بفعل سياسات السلطة المعلنة والباطنية التي حكمت البلد فعلاً، خلف الواجهة الشكلية لمؤسسات الدولة، وفي مقدمتها الوزارات التي تم تفريغها من كل قوة سياسية ممكنة، وتحويلها إلى أعمالٍ إدارية في خدمة الرجل الأول، لا أعمال سيادية تنفذ سياسات قوى اجتماعية ببرنامج سياسي.

تأخذ المعارف والمفاهيم السياسية معناها من المجتمع والتجربة التي تستخدم فيها. ولذلك من الطبيعي أن يتم ربط هذه المفاهيم في سياق تجربة البلد المعني. ولذلك تحتاج المقولات السياسية والثقافية والممارسات السياسية ذاتها إلى ربطها بلغة المجتمع وثقافته وتجربته. وهي تحتاج أيضاً لمعرفة كيف يفهم الناس في هذا المجتمع المقولات السياسية، فمقولات مثل "الثورة"، "المساواة"، "الديمقراطية".. إلخ، ليست لها الدلالات نفسها في كل المجتمعات، فإدماجها في 

"بقيت سياسة تخويف الطائفة العلوية قائمةً خلال العقود المنصرمة، ما جعلها موحدة خلف النظام" المجتمع يعطيها معاني مختلفة عن مجتمعات أخرى. من هنا يمكن القول إن الأسد الأب كرّس تجربة خاصة في آليات التحكم والاستجابة السياسية، وكرّس مفاهيم سياسية على مستوى القول، من جانب. ومن جانب آخر، كرّس آليات تحكم معلنة، الكل يشاهدها، الكل يخضع لها، لكنها "مسكوت عنها"، فعلى "المواطن" أن يكرّر الخطاب الذي تمليه السلطة على مستوى الشكل، وأن يتعامل مع معطيات السيطرة القائمة في الواقع، والمتناقضة مع الخطاب الشكلي للسلطة ذاتها. وكان التناقض الأبرز بين الشعارات العلمانية للدولة والكلام العمومي عن المواطنين والحقوق، وواقع التحكّم في البلد عبر الأداة المخابراتية وتوظيفاتها للطائفية التي جعلها الأسد الأب القوة الضاربة لسلطته. وهذا ما أخذ مساراً طويلاً منذ تسلمه السلطة، وصولا إلى تكبيل البلد بالتوريث.

كانت ثمانينيات القرن المنصرم ذروة تحطيم السلطة المجتمع، شهدت تلك الفترة، ليس تحطيم الحياة السياسية في سورية فحسب، بل وتم تحطيم المجتمع السوري أيضاً، بتحويل المواطنين السوريين إلى مطلق متهمين، عليهم إثبات براءتهم في كل وقت. وفي تلك الفترة من تغوّل السلطة، سادت في البلد لهجة الطائفة التي ينتمي لها الرئيس، بوصفها تعبيراً عن القوة، وفاتحة لكل الطرق المغلقة عند السلطات، حتى أصبح كل من يريد أن يوحي بالقوة يتصنع لهجة الرئيس.

خلال سنوات حكمه الطويلة، عمل الأسد الأب على نشر أفراد طائفته بوصفهم الأداة الحاسمة لسلطته في المفاصل الرئيسية لمؤسسات الدولة، كما كان الأمر في الجيش وأجهزة المخابرات، حيث شكّل الضباط العلويون العمود الفقري لقادة الوحدات. وهذا ما جعل للطائفة فعلياً اليد العليا في البلد، ليس بالامتيازات فحسب، بل بمنح أعضائها المراكز الحساسة بوصفهم مؤتمنين، ولا يشكلون خطراً على سلطة الرئيس الذي يطرح نفسه على مستوى الخطاب العام، بوصفه "أبو السوريين"، ولكنه في أدوات التحكم يعتمد، بشكل أساس، على طائفته، سواء في أدوات القوة التي كانت أجهزة المخابرات أداتها الرئيسية، أو على مستوى التحكّم الاقتصادي، التي كانت أدواتها رجال الطائفة في زمن الأب، أمثال محمد مخلوف، ورامي مخلوف الابن في زمن الأسد الابن.

حتى تكتمل حلقة القبض على المجتمع، كان لا بد من شيطنه المجتمع السوري من أجل

"كانت ثمانينيات القرن المنصرم ذروة تحطيم السلطة المجتمع" إخضاعه وتركيعه، وقد استثمر الأسد الأب الصراع مع "الإخوان المسلمين" في مطلع الثمانينيات، لا لاستئصالهم فحسب، بل لتركيع المجتمع السوري وتحطيمه أيضا. وكانت حرب النظام على المجتمع السوري، بذريعة الصراع مع "الإخوان المسلمين"، والذين لم يتم شيطنتهم وحدهم، بل وشيطنه المجتمع، بوصف "الطائفة السنية" الكتلة الأساسية المُشكلة له. ويمكن القول إن الأسد الأب استطاع، في تلك الفترة، مصادرة الطائفة العلوية، بتخويفها من الطائفة السنية، باعتبارها مستهدفةً منها بشكل استئصالي، كما جرى تصويرها، في ذلك الوقت، في مذبحة مدرسة المدفعية التي قتل فيها الطلاب الضباط من الطائفة العلوية، أو اغتيال شخصياتٍ علوية، منهم عميد كلية الحقوق، محمد الفاضل، وبقيت سياسة تخويف الطائفة العلوية قائمةً خلال العقود المنصرمة، وهذا ما جعلها، إلى حد كبير، موحدة خلف النظام في مواجهة الثورة. شيطنت السلطة الأسدية الطائفة السنية، بوصفها البيئة الحاضنة للإرهاب. ولذلك يجب إخضاعهم وإذلالهم، وعلناً، وهذا ما كان عندما نزعت حجابَ النساء في مدينة دمشق، بشكل سافر وعنيف، ما عُرفت، في ذلك الوقت، بالمظليات، التابعات فعلياً لأسوأ وحدات الجيش حينها (سرايا الدفاع)، التي كان يقودها رفعت الأسد شقيق الأسد الأب.

بوضع الطائفة السنيّة في موقع المتهم، وتصويرهم باعتبارهم "مشكلة" من دون حل. وتقدم الأدلة أيضاً على أن الحلول العقلانية لا تجدي نفعا معهم. لم يعد يُنظر إلى السنّة بوصفها 

"حتى تكتمل حلقة القبض على المجتمع، كان لا بد من شيطنه المجتمع السوري" كيانات مأمونة من السلطة، وحرموا من أن يكون لهم موقعهم المعنوي المستقل في البلد، وأصبح هؤلاء بالنسبة للطائفة العلوية بمثابة "حثالة" أو حتى "جراثيم"، كما جاء على لسان الأسد الابن، بوصف القائمين في الاحتجاجات ضده. وباستخدام مجازاتٍ متباينة تتصل بالفضلات (قذارة، حثالة، الجراثيم، وما شابه) للإشارة إلى أن المقصودين بالحديث لا ينتمون إلى البشر. وتصنيف السنّة باعتبارهم إرهابيين ومجرمين، يعني تجاهل خصالهم البشرية المنظورة، والإشارة إلى خلاصة ذات دلالات استئصالية. ومع الخطاب التحاملي المتطرّف الذي اعتمدته السلطة في مواجهة الاحتجاجات الشعبية، تمت إدارته بعناية: على أساس فرضيات الاستئصال متضمنة فيه، وأحيانا معلنة، ولكن الخلاصة كان التحامل المبالغ فيه ونزع الصفات الإنسانية عن الطائفة السنيّة، مدخلاً لإخضاعها أو اجتثاثها، كما عبّر عنه الشعار الذي كتبته السلطة على الجدران في كل البلد منذ مطلع الاحتجاجات، "الأسد أو نحرق البلد"، بحجة اجتثاث البيئة الحاضنة للإرهاب، ما فتح الباب واسعاً لاستخدام البراميل المتفجرة بشكل عشوائي، ضد تجمعاتٍ بشرية، كانت جميعها سنيّة، حاضنة للإرهاب، حسب التوصيف الرسمي للسلطة.

===========================

شهداء مذبحة سجن تدمر ( ٢٨ حزيران ١٩٨٠ )

يحيى حاج يحيى

"عويمر جبل قرب تدمر، في سفحه حفر المجرمون أخاديد كبيرة قبل يوم المذبحة، ثم حملت جثث الشهداء لتُلقى فيها!! وأصبح الجبل وما يحيط به مناطق محرمة لا يقترب منها أحد".

"عـويمرُ" أيها الجبـلُ الحبيبُ     ويـا قمماً تضمّخها الطيـوبُ

مـررتُ به ، وبي شوقٌ وحبٌ     وخـوفٌ أن يحسّ بي الرقيبُ

أقـولُ  هـنـا أحَيْبابي فأجثو     كـما  فعلَ المشوقُ المستريبُ

تـركتُ به دموع العين تجري     ولو أنصفتُ قلت : هي النحيبُ

أتـذكرُ  "يا عويمرُ" يوم جاؤوا     بـأحـبابي  وقد برزتْ نُيوبُ

وحُـدّدتِ  المخالبُ، واستبانت     ضـغـائنهم،  وأججها اللهيبُ

رَمـوهم بالسفوح ، وهم ذُراها     فـمُـزّقـتِ  الحَنايا والقلوبُ

فـكـم  مـن قمةٍ كانوا عليها     تـطـاولُ ألفَ نجـم لا يغيبُ

فـمـعـذرةَ الـثريا والعوالي     قـريـبٌ  حـدُّهم منها قريبُ

فـأحـبابي  النجوم، وأيّ نجمٍ     تُرى، قد ضمّه الجدث الرطيبُ

أتدمرُ! يا جنانـاً في الصحارى     بـهم  أورقتِ واخضلَّ الكثيبُ

يـعـاتـبـني ، وبي همٌّ وغمٌ     عـلى الأحزانِ ذو عقل أريبُ

وأُقـسـم إنّ حزني في ازديادٍ     وعـيـشـي بعدهم أبداً كئيبُ

فـلـستُ أذوق للأفراح طعماً     وكـيـف العيشُ  بعدهم يطيبُ

أتـعجبُ من همومي واكتئابي     لـعمركَ، فالسرورُ هو العجيبُ

==============================

التغيير الوطني الديمقراطي ليس حكرًا سياسيًا.. الساروت نموذجًا

 جمال الشوفي

جيرون

الاربعاء 19/6/2019

عبد الباسط الساروت، ومثله الآلاف من الشباب السوري، نموذج ناصع للإنسان السوري البسيط، بكل تجليات صدقه وعفويته، بآماله وطموحاته، بسياق متغيراته الواقعية التي فُرضت عليه، وما تخللها من آلام وأخطاء وانزلاقات وممرات إجبارية، كانت عندها القدرة على الخيار مجرد ترف نظري أمام حدة الواقع وقسوته ومرارته.

الساروت لخّص روح النشوة الشعبية بحراكها السلمي والمدني، باندياحه في الساحات الشعبية وتمثيله لتطلعاتها الوجدانية في الحرية والكرامة، حيث حاز إجماعًا شعبيًا عامًا في تلك المرحلة، وفي لحظة موته الحرام أيضًا، وما بينهما من منعطفات وممرات ما زالت قيد شد وجذب، كل بحسب رؤيته ومنطقه وأدلوجته، وهذا خلاف وسؤال في السياسة والتغيير الديمقراطي أيضًا، ذلك التغيير الذي بات إشكالية سياسية وصلت إلى حد التأزم في المسألة السورية، تتأرجح رؤاه ومشاريعه بين نماذج متعددة:

أحقية القيادة الشعبية بمرجعيتها التحزبية “ماركسيًا أو قوميًا”، التي ما زالت تصرّ على “شعبوية” الحراك الثوري الشبابي، فإما أن تقوده هي أو تعاديه!

نماذج العمل السياسية والمدنية متعددة الأصناف والأنماط والمنصات، من حيث التمثل لمقولات “الديمقراطية” و”حق الرأي الآخر”، وفق رؤى تفترض أن الواقع أنجز ثورته الوطنية وحقق معادلة الدولة المنشودة، وبات التنافس السياسي -وفق النص والشعار- هو التغيير المطلوب، ولا ترى حوار المدافع والطائرات والقتل اليومي!

نماذج الانتفاع والكسب السياسي السريع، على حساب موجات الشباب السوري المتعاقبة، قتلًا وتهجيرًا، وهذه تنوس بين القوى السياسية الإسلامية وتحالفاتها العسكرية، وغيرها من رغبوية السلطة من الأحزاب التقليدية المعارضة وافتراض أحقيتها وشرعيتها!

حقيقة الموضوع اليوم هي تجاذبات هذه الأيديولوجيات السياسية بصيغة النفي المطلق، التنكير المطلق، الحواجز الكبرى، تلك التي تتجلى بوضوح في عدد غير منته من القوى السياسية المعارضة المتشكلة والمتكاثرة يومًا وراء يوم، وافتراض رؤية أصحابها أنه الأحق في المقدمة والأكثر تمثيلًا للشارع السوري! وربما تكون بعض هذه الرؤى هي الأقرب إلى المشهد السوري وتطلعاته نصيًا، لكن معظمها، بل غالبها، إلى اليوم، لم يرَ من الفعل السياسي موضوعة الحوامل المجتمعية وشرعيتها الفعلية في الواقع والحركة، هذه التي لم ترتقِ لها بعد قوى المعارضة السياسية، وتصرّ على تجاذباتها البينية، لتظهر هذه النصية اللغوية على شكل استعراض قيمي عرضي لكل حدث سوري، بين القبول المطلق أو الرفض المطلق! وكل يصبغ أدلوجته القيمية ذات البعد الشخصي عليها، ليصبح الساروت وأمثاله من جيل الشباب السوري موضوع تقييم وتنميط سياسي يأخذ صفة ناطقه، وكأن الشاب كان يجب أن يكون ماركس أو نهرو أو عبد الناصر أو غيفارا أو روجيه غارودي أو أي مفكر آخر! بينما الساروت وأمثاله، مثالٌ للبساطة السورية، للظلم السوري، لوجع مقتل إخوته أمامه، للوجود والحضور الشعبي، للروح التواقة للحرية، للسلام، للعدالة، للسوريين حين يغنون أو يرقصون… فهل كانت تستطيع الورود والأغاني أن تصمد في وجه المدافع؟ وهل استطاعت لغة السلاح أن توقف العنف أيضًا؟ وهذه، العمل المسلح العسكري والنموذج العسكري للثورات، من الصعب حسم جدلها والوصول فيها إلى نتائج سريعة، إلا إذا أردنا الإجهاز على المظلومين والمحترقين بنيران القنابل والحصار في معادلة التهجير أو القتل، سلفًا وبشكل أيديولوجي فاقع! وهذا ليس تبريرًا لعمل عسكري، بل فرضية لا بد من البحث فيها، وأخذ مقارباتها النسبية، فبعض الدراسات، من أمثال التي أجراها دانيال رايتر في جامعة توتنهام، أشارت إلى أنه بينما تنجح الثورات الشعبية السلمية بنسبة تتجاوز 55 بالمئة، لا يمكن للمسلح منها أن يتجاوز 23 بالمئة، وما يزال هذا سجالًا، كما أنه ضرورة في التفسير والتحليل وأخذ السياق والأحداث بمجرياتها، وتبدو الحالة السورية حتى اليوم استثناءً عن كلا الإحصائيين!

موضوعة التغيير الديمقراطي هي المسألة المعضلة في الحالة السياسية السورية؛ ففي الخلفية أتت هذه الموضوعة نتيجة جهد وإثمار سياسي لمسار المعارضة السياسية الكلاسيكية في محاولة الخروج من عنق زجاجة الاستبداد، وكسر الجمود السياسي وتدارك الذهاب نحو الهاوية في ظل قيادة البعث، لأفق العمل السياسي المعارض والعلني، فكان أن شكلت صيغة التغيير الديمقراطي التدريجي السلمي، بصيغة إعلان دمشق عام 2005، الذي ضمّ أحزاب التجمع الوطني الديمقراطي (الأحزاب التقليدية المنشقة عن الأحزاب التي شكلت مع حزب البعث نموذجه السلطوي في “الجبهة الوطنية” مبكرًا)، ولجان إحياء المجتمع المدني، وأحزابًا سياسية منفردة، وهيئات حقوقية في مجال حقوق الإنسان، وعددًا من الأحزاب الكردية والكثير من الشخصيات الوطنية المستقلة. وعلى قدر ما اعتبر في مضمونه الأول مشروع عمل سياسي متكامل يستهدف بناء الدولة الوطنية، والحد من تغول السلطة السياسية واستفرادها الدكتاتوري لا بقيادة الدولة فحسب، بل بالهيمنة على كامل مقدراتها السياسية والاقتصادية والتربوية والثقافية والتنموية، وفق نموذج الدولة التسلطية الأمنية ذات القبضة الحديدة، مع القليل من شعارات الاشتراكية الجوفاء وآمال الوحدة العربية الزائفة، في مقابل تطبيق قانون الطوارئ، ومن ثم الإرهاب، وفتح أبواب المعتقلات والسجون على مصراعيها لكل من يعارض أو يفكر في ذلك؛ إلا أن الأحزاب ذاتها اليوم وصيغها النمطية تساهم في الاستعصاء السوري، بتكاثرها وتشظيها! ليثبت الواقع أنه لا قوى إعلان دمشق ولا الإسلاميين ولا الماركسيين أو القوميين يستطيعون احتكار التغيير الديمقراطي، بقدر ما أثبتت مسيرة الشباب السوري أنها لا تشبه أحدًا من هذه القوى السياسية، إلا بشكل متفاوت ونسبي، وبالضرورة يصبح السؤال المطروح اليوم وبكل إلحاح:

متى يمكن لهذه القوى مجتمعة التوقف النقدي على فرضيتي: التوعية الثقافية النظرية التي باتت وصايا إلهية أمام تغولات الدم اللامنتهية، والقيادة الشعبية والثورية التي باتت عبئًا سياسيًا ومحط خلاف وتنابذ لا ينتهي، والانتقال منهما إلى موضوعة العقد الاجتماعي الوطني والبحث المعمق في تقاطعاته ومشتركاته وقواسمه المجتمعية والسياسية، في نموذج يجمع موضوعة الشخصية العمومية، الهوية الوطنية السورية، لتتضمن في طياتها كل الاختلافات والتنويعات السياسية والمجتمعية بشكل متساوٍ، حقوقيًا وقانونيًا، والانتقال منها بالضرورة إلى البحث في آليات العمل الممكنة في أرض الواقع، وفق صيغة عقلانية ومقاربة له في البعد المصلحي العام والمستقبل الممكن وتطلعات ومظالم الشباب السوري، في بحر من تلاطم القوى الدولية وتكالبها على تقاسم الكعكة السورية المترافق مع تغول آلة العسكر الروسية، وإلا فإن هذه القوى ستساهم -من حيث تريد أو لا تريد- في المزيد من التشظي السوري والإغراق في نماذج المحاصصة السياسية التي قد تصل إلى التقسيم، وهذا وبال مطلق، وهو ما لم يرده يومًا جيل الشباب والساروت أولهم.

في صفعة القدر الوحشية، في لعنة الموت، في شبهة الحياة هذه، حيث الحزن والدمع والكلمة شكل عناد، يبقى الساروت في موته المعلن نموذجًا للحرية الحقة، للتفرد، لجيل من الشباب السوري المهدورة طموحاته وأحلامه وآماله والأقسى فيها، هرس آلامه وإغراقه في القهر والعجز لدرجة الإسقاط بيده مرات، فيغتاله التصنيف والتنميط السياسي والأيديولوجي مرات ومرات، قبل أن تُجهز عليه آلة القتل الحرام.

===========================

معنى القيم الكونية بعد سوريا

رضوان زيادة

سوريا تي في

الاربعاء 19/6/2019

ما جرى في سوريا ويجري يوميا ربما وضع على المحك المؤسسات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة، فشلها المتعدد الأوجه في إدارة الملف السياسي والإنساني في سوريا، له أبعاد كثيرة خاصة على مستوى القانون الدولي والفكر الفلسفي لما ستكون عليه تطور العلاقات بين الدول في المستقبل.

إذ تدرك معظم الأعمال الأكاديمية التي تبحث في تطور القيم الحاصل مع مرور الوقت، استمرار تقدم الليبرالية المنفتحة على قيم حقوق الإنسان والعدالة الدولية، ويبدو هذا بشكل خط بياني متصاعد لا عودة عنه على الأقل في أوربا وأميركا الشمالية. كما أن البحث الأكثر تفصيلاً الذي أجراه استبيان القيم العالمية، والذي قام بنشر بياناته على شكل ست موجاتٍ منذ أوائل الثمانينيات، ما يزال يؤكد استمرار هذا التقدم الحاصل. فليس من الواضح حتى الآن إذا ما كان يمكن اعتبار صعود اليمين المتطرف والنزعات التشاؤمية تمثل نكسة لهذا الفكر الليبرالي المتحرر أم تشكل ردة فعل أصلية تدفع باتجاه الانحراف الكلي عن هذا الفكر الليبرالي.

من جهته، يزعم رونالد انجلهارت، والذي كان سباقاً في إنجاز كتابٍ حول تغير القيم، أنه عندما تتجه الدول

القيم الجديدة لا تركز فقط على حصول المرء على الحقوق والرفاه لنفسه فحسب بل أن يحصل الجميع على ذلك

نحو العمل على إعلاء شأن القيم الدينية التقليدية وَالخضوع للسلطة فإن هذا يفسح مجالاً لظهور أولوياتٍ أكثر علمانيةً وعقلانية، تظهر بداية الأمر بين المثقفين. ومع زيادة غنى ورخاء المجتمعات يقل تعلقها بقيم البقاء – المرتكزة إلى الأمن الذي يجده الإنسان ضمن أسرته، الجماعة أو الجماعات الأخرى التي ينتمي إليها – وترجح كفة قيم التعبير عن الذات وَقيم الانعتاق. فالقيم الجديدة لا تركز فقط على حصول المرء على الحقوق والرفاه لنفسه فحسب بل أن يحصل الجميع على ذلك. فمع خبو الضغوط الوجودية، تتوسع أفق الناس ويزدادون انفتاحاً فيقدمون الحرية على الأمن، الاستقلالية على السلطة، الاختلاف والتنوع على وحدة النسيج الاجتماعي والإبداع على النظام، كما جاء في كتاب كريستيان ويلزيل الذي حمل عنوان صعود الحرية.

لكن، ومع أن هذه المعتقدات معتقداتٌ انفتاحيةٌ كلاسيكية، إلا أن قلةً فقط هم من يؤمنون بها حتى في المجتمعات الغنية. فوفق التوصيف الذي ذكرته مجموعةٌ من علماء نفس الحضارات الأميركيين، فإن الأفراد الذين يحملون هذه الأفكار يتم اعتبارهم فعلاً غريبي الأطوار– فهم ينحدرون من ثقافةٍ فرعيةٍ غربية، متعلمون، خضعوا لعملية تطويرٍ في المفاهيم والقيم)، أثرياء وديمقراطيون. كما أنهم ميالون إلى العولمة الأخلاقية ويبدون الشك والريبة حول الولاء الوطني الشديد. كما أنهم وفقاً لما أفاد به استبيان القيم العالمية، يميلون لمنح الأولوية الأولى للاستقلالية وَتحقيق الذات. وعادةً ما يكونون شديدي الانشغال بالعدالة الاجتماعية وَالظلم، ويظهرون ريبةً حول اللجوء إلى الدين، التقاليد والطبيعة البشرية لتبرير أي خرقٍ أو تجاوزٍ للمعاملة المنصفة العادلة – فهم يرون على سبيل المثال، أنه يمكن إرجاع كافة الفوارق والاختلاف بين الرجال والنساء تقريباً إلى أسبابٍ ثقافيةٍ اجتماعية أكثر من الاختلافات البيولوجية.

 أيضاً، فإن هذه الرؤية تمثل ما يصفه بعض الناس برؤية المواليد الجدد العلمانيين المتحررين في شكلها النقي الخالص – وهي رؤيةٌ

معظم المجتمعات التقليدية تتصف بكونها مجتمعات تركز على مصلحة المجتمع، أي أنها تقدم مصلحة وحاجات الجماعة والمؤسسات على أي شيءٍ آخر

متينة وجذابةٌ من عدة نواحي. إلا أنها ولأسبابٍ تاريخية تتعلق بالإمبراطويرية وَإثم ما بعد الإمبريالية، غير راسخةٍ أو متأصلةٍ في ثقافة النخب السياسية– بل إن وجودها يقتصر على أوساط الجامعيين وَفي بعض وسائل الإعلام.

 إلا أن معظم المجتمعات التقليدية تتصف بكونها مجتمعات تركز على مصلحة المجتمع، أي أنها تقدم مصلحة وحاجات الجماعة والمؤسسات على أي شيءٍ آخر. أما اليوم، فقد تحولت معظم المجتمعات الغنية نحو التركيز على مصلحة الفرد، ما يعني أنه قد تم تكريس المجتمع لخدمة الفرد. ولكن وعلى الرغم من هذا، إلا أن هذا التركيز على المجتمع والجماعة الذي ميز مجتمعاتنا فيما مضى قد ترك اليوم بصماتٍ واضحة على عقليات الناس والرؤى الأخلاقية حتى داخل مجتمعات الدول التي شقت طريقها نحو الحداثة الفردانية.

بيد أن هذه القيم الكونية تعرضت لاهتزاز كبير بما جرى في سوريا فقيم التضامن الدولي من أجل تجنب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية أو ما يسمى " Never Again " أو منع تكرار ما جرى في الماضي سقط كليا في سوريا وانهارت معه هذه القيم التي اعتقدنا ليوم من الأيام أنا ستسود وتشكل محور العلاقات الدولية، لكنها للأسف سقطت كليا أمام الدم السوري المراق منذ ثمان سنوات.

===========================


دعوة لحماية أرشيف الثورة في منصات التواصل الاجتماعي

 عماد غليون

جيرون

الثلاثاء 18/6/2019

قامت إدارة (فيسبوك) بحذف كثير من البوستات والفيديوهات والصور المتعلقة بالشهيد عبد الباسط الساروت، بذريعة انتهاك معايير المجتمع وقواعد النشر في (فيسبوك)، كما قامت بإغلاق العديد من الصفحات على خلفية ذلك.

المثير للغرابة في عقوبة (فيسبوك) اتساع نطاقها لتشمل معظم الصفحات التي وردت فيها بوستات عادية في رثاء وتمجيد الشهيد الساروت، من دون أن تكون هناك مضامين تحض على العنف أو الكراهية، ودفع ذلك ناشطين ومنظمات حقوقية إلى إطلاق حملة مضادة، تطالب (فيسبوك) باحترام حرية الرأي والتعبير.

تتأثر قرارات (فيسبوك) عادة بحجم التبليغات ضد موضوع معين، ويمكن أن يكون الجيش الإلكتروني التابع للنظام قد لعب هذا الدور، كما فعل ذلك مرارًا منذ بداية الثورة، لكن حالة من الشك والارتياب تنتاب جمهور الثورة بوجود استهداف متعمد، خاصة مع تراجع واضح في مواقف دول مجموعة أصدقاء سورية باتجاه التراجع عن دعم الثورة، تبعه تغير جذري في خطاب وسائل الإعلام المختلفة، وتحوّل نحو شيطنة الثورة بذريعة الإرهاب والتطرف، بغية تعويم النظام، وما عزز نظرية المؤامرة لديهم قيام إدارة (يويتوب) في خطوة مفاجئة بحذف ملايين الفيديوهات المرفوعة منذ بداية الثورة السورية.

لعبت وسائل التواصل الاجتماعي، ولا سيما (فيسبوك) في الحالة السورية، دورًا مهمًا في إطلاق الثورة، ثم في نقل وبث التظاهرات والدعوة للنشاطات والفعاليات الثورية، وتوثيق اعتداءات قوات النظام وأسماء الشهداء والمعتقلين، ومع مرور الوقت تجمع في (فيسبوك) و(يوتيوب) بشكل أساسي كمّ هائل من الوثائق، بات يشكل أرشيفًا فعليًا للثورة، وتبرز خطورة حذف ذلك الأرشيف الضخم من مواقع التواصل، مع عدم وجود هيئة ثورية أو معارضة مختصة بحفظه والعناية به.

توقفت الأمم المتحدة بشكل مريب عن التوثيق واعتماد أرقام رسمية، مع تجاوز أعداد الشهداء السوريين 250 ألف شهيد، لكن بعض الهيئات الثورية والحقوقية استمرت في التوثيق الميداني، على الرغم من ظهور تفاوت كبير بين مصدر وآخر، بسبب طبيعة وأسلوب التوثيق المعتمد، بينما بقي تقدير أعداد المعتقلين والمختطفين يعتمد اعتمادًا أساسيًا على روايات وأخبار غير موثقة قانونيًا، الأمر الذي أوقع وفد المعارضة في مؤتمر جنيف في ورطة، عندما طالب بإطلاق سراح مئات الآلاف من المعتقلين لدى النظام، من دون امتلاك أو تقديم سجلات تؤكد دعواه.

تظهر أهمية التوثيق من خلال الهزة الضخمة التي أعقبت نشر وثائق (سيزر) لضحايا التعذيب في معتقلات النظام، وكذلك التفاعل الدولي الواسع مع صور ومشاهد ضحايا الهجمات الكيمياوية للنظام.

على الرغم من أهمية الروايات الشفهية والكتابات والمذكرات الشخصية لثوار ومعارضين في توثيق وتأريخ أحداث الثورة، فإنها لا تشكل وحدها أساسًا قانونيًا للمساءلة والمحاسبة، حيث يمكن نقضها بسهولة، وهي تحتاج، قبل اعتمادها والركون إليها، إلى النقد والتمحيص والمطابقة مع وثائق أخرى تعزز مصداقيتها.

سعى النظام لطمس الجرائم والمجازر التي ارتكبها في الثمانينيات عبر إخفاء كافة الأدلة والوثائق حولها، بينما استطاع ناشطون بسهولة تحويل بعض مجرمي النظام إلى المحاكمة، في عدة دول أوروبية، بتقديم أدلة مأخوذة من منصات التواصل الاجتماعي، ما يؤكد الأهمية القانونية لتلك المنصات.

بات التوثيق ضروريًا كذلك لمواجهة التشويه المتعمد للثورة الذي تمارسه ميديا النظام، من خلال إنتاج برامج وأفلام ومسلسلات بشكل منهجي، منها فيلم (مطر حمص) بقصد تشويه حالة حصار وتدمير حمص القديمة، ومسلسل (كونتاك) في تشويه دور رجال الدفاع المدني في إنقاذ ضحايا اعتداءات الكيمياوي، وجاء فيلم (حول الأبناء والبنون) لطلال ديركي المحسوب على الثورة، ليثير إشارات استفهام حول إمكانية تحوير الصور والأحداث لاتجاهات توافق صانعيها.

يُشكّل أرشيف الثورة السورية إرثًا وطنيًا لتوثيق مرحلة مهمة من تاريخ البلاد، إضافة إلى مساهمته في تحقيق العدالة الانتقالية، عبر توثيق الشهداء والمعتقلين والمختطفين وعمليات القصف والتدمير والتهجير والتعذيب والتعفيش.

يجب أن تتضافر جهود كافة الأفراد والهيئات في الثورة والمعارضة الذين بحوزتهم ملفات ووثائق حول الثورة السورية، وأن يجري العمل على تشكيل هيئة خاصة تعنى بتجميع الوثائق والتدقيق فيها والتأكد من صحتها ومصداقيتها، ثم معالجتها وفرزها بحسب مواضيعها، وبعد ذلك يبدأ العمل على تصنيفها وتحليلها ووضعها في إطارها الصحيح ضمن سياق أحداث الثورة السورية.

على خلفية محاولات تشويه صورة البطل ساروت، أطلق ناشطون حملات كثيفة لنشر صور البطل الساروت وكسر الحصار والمنع الذي فرضه (فيسبوك) ويجب أن يكون النجاح في ذلك دافعًا لتضافر الجهود وعدم الاستكانة لتصرفات إدارة منصات التواصل الاجتماعي، سواء في تشويه الثورة أو حذف أرشيفها الرائع من الفضاء العالمي

===========================


سوريا.. حرب القمح

بشير البكر

سوريا تي في

الثلاثاء 18/6/2019

باتت سوريا أرض تجارب ومختبرا مفتوحا لكل شيء، وصارت متخمة بحروب من شتى الأنواع في طليعتها اختبار الأسلحة. واعترف الروس في عام 2016 أنهم جربوا نحو 165 سلاحا، من بينها أسلحة فتاكة من نمط القنابل الارتجاجية التي تزن الواحدة منها قرابة نصف طن (500 كلغ) من الديناميت، وتتمتع بقدرة تدميرية هائلة، وهذا ما تم استخدامه في حلب عام 2016 لفرض الاستسلام على المقاتلين ضد النظام.

ويمكن أن نسجل للنظام السوري براءة أكثر من اختراع، مثل سلاح البراميل للإبادة الشاملة ذات النمط البدائي، واستخدام السلاح الكيماوي وتلبيس التهمة للمعارضة. وكما أن الساحة السورية شهدت استخدام أسلحة محرمة دوليا، فإنها تحولت إلى مسرح لجرائم حرب أخرى وجرائم ضد الإنسانية مثل الإعدام من دون محاكمات والاغتصاب وترحيل البشر من بيوتهم وديارهم ومصادرة ممتلكاتهم. ولم يقف الأمر عند هذا، بل امتد إلى الحرب القذرة

من الواضح أن حرب القمح شملت عدة محافظات، وهناك أكثر من مستفيد منها، وشارك في إشعالها أكثر من طرف، في حين أن الفاعل ما يزال مجهولا

التي تدور منذ عدة أسابيع، وتتمثل في حرق المحاصيل الزراعية في أرياف حماة وإدلب والسويداء وفي منطقة الجزيرة؛ الرقة، ودير الزور، والحسكة التي تضررت أكثر من غيرها.

ومن الواضح أن حرب القمح شملت عدة محافظات، وهناك أكثر من مستفيد منها، وشارك في إشعالها أكثر من طرف، في حين أن الفاعل ما يزال مجهولا، ولم تكلف الأطراف المسؤولة على الأرض نفسها عناء التحقيق وإصدار تقرير يحدد المسؤوليات. واللافت والمثير للاستفزاز أن الأطراف الدولية المعنية مثل الأمم المتحدة لم تتحرك من أجل إجراء تحقيق لتحديد المسؤولية عن الجريمة التي أصابت مئات الآلاف، وتركت جروحا كبيرة في قلوب الناس الذين لم يشهدوا موسما زراعيا ناجحا منذ أن وصلت داعش إلى المنطقة، وفرّخت الإرهاب والقتل والتهجير. ورغم أن داعش لم تعد موجودة على مسرح الأحداث فإنها أبت أن تمر هذه الجريمة من دون أن تكون لها حصة فيها، ولذا اعترفت بأنها أحرقت بعض المحاصيل في جنوب الحسكة.

ما حصل حتى الآن من حرائق في الجزيرة يشكل كارثة لا تقل هولا عما خلفته داعش وحروبها ضد الآخرين والحروب عليها، ومن الصعب تحديد حجم الأضرار التي ترتبت على إحراق مساحات كبيرة مزروعة بالقمح، طالما أنه لم يحصل تحقيق مستقل تشرف عليه جهة دولية محايدة مثل الأمم المتحدة. وما لم تتحرك قوى الأمر الواقع الموجودة على الأرض في الجزيرة، فإن الاتهامات الموجهة ضدها قابلة أن تصبح حقيقية

سواء تم تحديد هوية الفاعل أم لم يتم، وحتى لو كان النظام أو داعش هما من قام بإحراق المحاصيل فإن قوى الأمر الواقع هي المسؤولة، والتي يقع عليها تعويض المتضررين

في ظل مؤشرات إلى أن القمح صار أحد الأسلحة التي يتم استخدامها على الساحة السورية، ومن ذلك المضاربة بالأسعار بين النظام وما يسمى الإدارة الذاتية الكردية في الجزيرة، والتي قررت في الختام منع أصحاب المحاصيل من بيعها بصورة حرة، وهذه خطوة قريبة جداً من المصادرة. وكشف أكثر من مصدر في الإدارة الذاتية عن أنها رصدت مبلغ 200 مليون دولار لشراء محصول القمح في الجزيرة. وهنا تجدر الإشارة إلى أن محصول هذه السنة وفير جدا، وهو يفيض عن حاجة الاستهلاك في المنطقة، الأمر الذي يطرح كثيراً من علامات الاستفهام.

وتبقى المسألة التي لا تسقط بأي حال من الأحوال هي التعويض على المتضررين، ومن سيتولى ذلك؟ وهذا يتطلب فتح تحقيق لتحديد حجم الأضرار. وسواء تم تحديد هوية الفاعل أم لم يتم، وحتى لو كان النظام أو داعش هما من قام بإحراق المحاصيل فإن قوى الأمر الواقع هي المسؤولة، والتي يقع عليها تعويض المتضررين، وهذا يلزم الإدارة الذاتية والقوات الأميركية أن تتعاملا مع القضية بلا مماطلة وتهرب وتقليل من حجم الكارثة.

===========================

لا يا لبنان.. ما هكذا الأخوّة!

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 17/6/2019

قبل مئة عام، شرق المتوسط، كنّا جميعاً من أهل الشام. الآن هناك الأردني والفلسطيني والسوري واللبناني. استطاع "سايكس بيكو وبلفور" أن يكونوا أقوى من أي رابط بيننا؛ لا الدين استطاع إعادة لحمة "خير أمة أخرجت للناس" ولا المد اليساري أو القومي استطاع أن يحمينا ويطورنا؛ ولا التاريخ أو اللغة أو الآمال أو الآلام استطاعت أن تحمينا منهم أو واحدنا من الآخر. الاستعمار والفقر والعسكر والحماقات والتعامل والرخص وجشع العدو كله ساهم ببعثرتنا. بعد سايكس بيكو، تحولت سوريا الشام إلى جسد بلا أطراف. بقي القلب نابضاً، ولكن هناك من خنقه لخمسين عاما، بعد أن كان ساهم بخنق فلسطين وخنق لبنان لعقد ونصف.

نحن واللبنانيون افتراضياً واحد؛ معظم العائلات جذرها واحد؛ سلطة الاستبداد كَوَتْ لبنان كما لا يكوي عدو عدوه. اليوم، وكأن اللبنانيين يثأرون لما فعله بهم نظام الاستبداد الأسدي من سوريين عزل استجاروا بهم هرباً ممن كان جلادهم بالأمس. جبران باسيل ترك وزارة خارجية لبنان، وتفرغ للنازحين السوريين ضحايا منظومة الاستبداد وشريك عمه حزب الله. لا يتوقف السيد ميشيل عون وصهره عن الحديث حول الأذى الذي يتسبب به النازحون السوريون للبنان اقتصادياً ومالياً وديموغرافياً وحتى ثقافياً وحضارياً؛ وإن سوريا آمنة والأوضاع طبيعية؛ ولابد أن يعودوا إلى بلادهم. إذا كان هناك من يعرف بأن سوريا غير آمنة، وأن النظام لا يُؤتَمَن جانبه، فيكون ميشيل عون ذاته؛ فهو- بكل قوته وشهرته- وبعد سنوات في فرنسا- لم يعد إلى لبنان إلا بضمانات دولية، بسبب النظام تحديداً؛ فكيف به يدفع هؤلاء السوريين إلى التهلكة، وهو يعرف مصيرهم سلفاً؟! أي عقل، وأي أخلاق تلك التي تحكم هكذا موقف؟!

أما بخصوص القلق الاقتصادي والمالي والديموغرافي للسيد جبران باسيل، صهر الحكم، فهناك حقائق رقمية تدحض كل تخرصاته

أما بخصوص القلق الاقتصادي والمالي والديموغرافي للسيد جبران باسيل، صهر الحكم، فهناك حقائق رقمية تدحض كل تخرصاته. بداية، هذه الشكوى من العوز الذي يسببه وجود النازحين السوريين في لبنان ليس إلا أكذوبة يراد منها إما سحق هؤلاء خدمة للنظام أو مزيدا من الابتزاز للأمم المتحدة والدول المانحة، فخلال ستة أعوام تم ضُخَّ عشرة مليارات دولار في الاقتصاد اللبناني على شكل مساعدات دولية من أجل اللاجئين السوريين؛ وهذا الرقم هو حصيلة مساعدات صافية دخلت الخزينة اللبنانية مقدارها 5.8 مليار دولار، مضافاً إليها ما يقارب الأربعة مليارات نتجت عن قيمة عمل هؤلاء اللاجئين وعن فرص العمل والاستثمارات التي وفرها وجودهم للبنان.. وعلى سبيل المثال، أحد مراكز البحوث يقدم توثيقياً إحصاءات وأرقام ونسب تدحض التزوير الذي يطرحه الوزير باسيل وجوقته:

- يقولون إن لبنان في خطر ديموغرافي، حيث تجاوز عدد النازحين السوريين 40% من عدد سكان لبنان؛ والإحصاء الحقيقي حسب عدد المسجلين وغير المسجلين أقل من 25%

- تقول الجوقة إن الولادات السورية أكثر من الولادات اللبنانية؛ والصحيح أنه خلال سنوات النزوح تم تسجيل 25000 ولادة؛ بينما تقول إحصاءات وزارة الصحة اللبنانية أن عدد الولادات اللبنانية هو 90 ألف سنوياً.

- يدعون بأن السوريين يحرمون اللبنانيين من فرص العمل؛ والحقيقة أن وجود السوريين وفر عشرات آلاف فرص العمل للبنانيين أنفسهم؛ هذا إضافة إلى أن هؤلاء النازحين يقومون بأعمال لا يقوم بها اللبنانيون: كالبناء والزراعة والتنظيف

- يدعون أن السوريين يرتكبون الجرائم؛ وإحصاءات الدراسات التي أجراها مركز البحوث تقول إن نسبة الفعل الشائن أو الجريمة من قبل السوريين لم تتجاوز الخمسة بالألف من الجرائم التي تُرتكب في لبنان؛ أما الجرائم بحق السوريين فتشكل أكثر من ثمانين في المئة حيث يكون الضحية سوريّا أو سورية. مركز البحوث إياه يقدّم مزيداً من الإحصائيات، فيقول إن استخدام الهاتف النقال ارتفع في لبنان من مليونين إلى ما يقارب الأربعة وهذا وحده يدر مئات ملايين الدولارات. من جانب آخر، يدفع اللاجئون السوريون ما يقارب نصف مليار دولار أجرة سكنهم كل عام للبنان؛ والأهم يراه الاقتصاديون بأنه بسبب السوريين فقد زادت الإيرادات الحكومية بحكم دفع هؤلاء النازحين لضرائب تجاوزت المليار دولار؛ إضافة إلى أن وجودهم خلق عشرة آلاف فرصة عمل سنوية للبنانيين معظمها دوام كامل.

يدفع اللاجئون السوريون ما يقارب نصف مليار دولار أجرة سكنهم كل عام للبنان؛ والأهم يراه الاقتصاديون بأنه بسبب السوريين فقد زادت الإيرادات الحكومية بحكم دفع هؤلاء النازحين لضرائب تجاوزت المليار دولار

والآن ما المخرج؟! ماذا يريد حزب الله وأدواته أن يفعل بأناس فتحوا له بيوتهم عندما كان لبنان ممتحناً إسرائيلياً؟ وهل هذا هو الوفا؟! وبحكم جوار إسرائيل ألا يُتوقَّع للبنان أن يقع في المحنة ذاتها؟! وهل له من طريق ومكان نجاة وأمان إلا سوريا؟ ماذا لو انقلب حزب الله الإيراني على حلفائه، وهو المعروف بأن لا عهد له؟! فمن يقتل أولئك الذين آووه في بيوتهم من السوريين لن يتردد بأن ينقلب على أي كان. وهل يعتقد حزب حسن الإيراني أن منظومة الاستبداد باقية للأبد؟ وهل يعتقد حلفاؤه الشيء ذاته؟ منظومة الاستبداد بحكم المنتهية؛ إنها اللعبة الدولية التي نشهدها على الأرض السورية الآن.

أما السوريون وسوريا فهم باقون؛ وسيأتي الغد؛ ولا أدري كيف سيضع مَن ظلم سورياً عينه بعين أي سوري! جرب اللبنانيون الوجع والمرار على يد نظام استبدادي تحكم بحياتهم وقدرهم لربع قرن تقريباً؛ وفِي هذا الموقف الذي يتخذونه تجاه السوريين كأنهم اشتاقوا للعودة لمرار من نوع آخر؛ وبسبب النظام إياه؛ ولكن في هذه المرة لن يكون الباب السوري الحقيقي مفتوحاً؛ ستُغلَق الأبواب، لأن هناك من تسبب بإغلاق الأرواح. لا يا لبنان؛ ما هكذا الأخوّة.

===========================

اللاجئون السوريون في بازار السياسة اللبنانية

بسام يوسف

سوريا تي في

الاثنين 17/6/2019

تتفاقم مشكلة اللاجئين السوريين في لبنان يوماً بعد يوم، وتتخذ أشكالاً متعددة، وترتدي في أغلب تجلياتها وجهاً عنصرياً بالغ البشاعة، ينتهك أبسط حقوق الإنسان، أو حقوق اللاجئين التي أقرها ميثاق الأمم المتحدة.

لا يكاد يمر يوم دون خبر عن ممارسة عنصرية بشعة، يمارسها لبنانيون (أفراد، أو أحزاب، أو حتى مؤسسات الدولة) بحق سوريين: مضايقات، وإهانات عند المعابر الحدودية وفي المطار، وحرق خيامهم، وهدم بيوتهم الصفيح، ومن تهجير قسري إلى اعتقال تعسفي لا يراعي قانوناً ولا حقوقاً، ومن منع للتجوال إلى منع للعمل مروراً بمنع الدخول إلى بعض المحال التجارية... إنها الممارسات التي نسيتها البشرية، أو كادت أن تنساها في قرنها الواحد والعشرين. لكن بعض الأشقاء اللبنانيين يستعيدونها، ويرون فيها وجها للبطولة؛ فيبالغون.

وفي مفارقة غريبة، يتجاهل بعض اللبنانيين، أن أقل من ثلثهم فقط يعيش في لبنان، (30% من اللبنانيين يعيشون في لبنان) والثلثان الباقيان يعيشان خارج لبنان؛ فهناك ما يزيد عن أربعة عشر مليون لبناني لا يعيشون في لبنان، فهم ينتشرون في أنحاء المعمورة. وهم يتجاهلون أن هذه الهجرة قد بدأت منذ أكثر من قرن، ويتجاهلون أن عمل اللبنانيين في مغترباتهم وتحويلاتهم المالية يشكل مصدراً بالغ الأهمية للاقتصاد اللبناني. ومع هذا، فإن هذه الحقيقة البسيطة لم تدفع بعض اللبنانيين إلى احترام الحقوق الدنيا لحقوق اللاجئين، وعدم زج قضية العمل، والعمالة الأجنبية في حقل السياسة والمتاجرة بها!

تتباين الأرقام عن عدد اللاجئين السوريين في لبنان، الذين هربوا من حرب متوحشة، هدمت بيوتهم، وقتّلت ما يقارب المليون منهم، وما زالت تهدد حياتهم؛ إذ تشير أقل الأرقام إلى "850" ألف لاجئ، بينما يتحدث أعلاها عن أكثر من مليون لاجئ، وعلى افتراض أن العدد هو مليون لاجئ، فإن من المهم الإشارة إلى حقائق أساسية حولهم، هي التي يتم تجاهلها، أو تنحيتها جانباً، عند تناول قضيتهم.

نسبة كبيرة من هؤلاء يعيشون من أموالهم الخاصة، وهم يستأجرون أماكن سكنهم، وبالتالي فهم ليسوا عبئاً اقتصادياً على لبنان

أولى هذه الحقائق، هي: أن نسبة كبيرة من هؤلاء يعيشون من أموالهم الخاصة، وهم يستأجرون أماكن سكنهم، وبالتالي فهم ليسوا عبئاً اقتصادياً على لبنان، لا بل ربما يساهمون في زيادة دوران عجلة هذا الاقتصاد.

ثاني هذه الحقائق، هي: أن الحكومة اللبنانية لا تقدم أي خدمات لأي لاجئ، فهي ليست ملزمة بشيء اتجاه اللاجئين. فلماذا إذاً يتم تصوير موضوع اللاجئين السوريين على أنه سبب المشكلة الاقتصادية في لبنان؟!

ثالث هذه الحقائق، هي: أن الحكومة اللبنانية قد تلقت منذ عام 2013 وحتى عام 2018 ما يزيد عن خمسة عشر مليار دولار مساعدات دولية لهؤلاء اللاجئين.

2013     2,2 مليار دولار

2014     2,3 مليار دولار

2015    2,7 مليار دولار

2016    3 مليار دولار

2017    2,6 مليار دولار

2018    2,4 مليار دولار

المجموع    15,2 مليار دولار

رابع هذه الحقائق، هي: أن النسبة الساحقة من اللاجئين السوريين في لبنان هي من المناطق السورية القريبة من لبنان. هذه المناطق التي دُمرت، وهُجر سكانها جراء عمليات حزب الله الحربية: حزب الله الذي يقود لبنان سياسياً واقتصادياً، وهو من يسيّر الحكومة اللبنانية عملياً، وبالتالي فإن من المنطقي أن يتحمل حزب الله مسؤولية هذا الفعل، وما يترتب عنه، أمام المجتمع اللبناني والدولي.

خامس هذه الحقائق، هي: أن لبنان يغرق في أزمة اقتصادية -وسياسية- عميقة وقديمة. ويكفي أن نعلم أن ميزانيةً لم تقر في لبنان طوال اثني عشر عاماً (20052017)، وأن في عام 2006 -أي قبل سبع سنوات من وصول اللاجئين السوريين إلى لبنان- قد بلغ معدل الدين العام 178% من الناتج المحلي اللبناني، وأن لبنان -باعتراف معظم شخصياته السياسية والاقتصادية- يعاني من فساد قد تفاقم حتى وصل إلى بنية الدولة اللبنانية العميقة، وهو ينخرها بلا هوادة.

بالتأكيد، إن أي تغيير ديموغرافي كبير في مجتمع ما، لابد أن يؤثر في هذا المجتمع، ولابد أن يتسبب بمشكلات لهذا المجتمع، ولكن هذا غير ذاك. إن (نسبة اللاجئين السوريين إلى عدد من يعيشون في لبنان، هي: 16% فقط، وليست 40% كما يدعي السيد جبران باسيل وزير الخارجية اللبنانية).

لكن، كيف تتعامل الطبقة السياسية في لبنان مع المشكلات التي يتسبب بها اللجوء السوري في لبنان، وكيف يتعامل المجتمع اللبناني معها أيضاً؟

من يتمعن في تحولات ومتغيرات قضية اللاجئين السوريين في لبنان، سيدرك بسهولة أن العامل الأهم والأساس في طريقة التعامل هذه، هو: العامل السياسي. وعليه، يمكن التمييز بين تيارين أساسيين: أحدهما يندفع بقوة إلى رفض هذا الوجود، والعمل بكل الوسائل القانونية وغير القانونية لإنهائه بما يخدم النظام السوري، ومن المعلوم أن التيار الوطني الحر هو من يتصدر هذا التيار في هذا، تساعده في ذلك الأحزاب المؤيدة للنظام السوري في لبنان، تحت إشراف حزب الله. بينما تقف الأحزاب والجهات السياسية ذات العلاقة السيئة مع النظام السوري على الضفة الأخرى.

أما فيما يتعلق بالمجتمع اللبناني، فقد بدا واضحاً انعكاس الانقسام السياسي على البيئات المنتمية سياسياً، بينما بنى الآخرون موقفهم معتمدين على الوجه الاقتصادي والمصالح الخاصة من هذا الوجود.

ما يصدم في قضية اللاجئين السوريين في لبنان، هو تراجع الوجه الإنساني والحقوقي لقضيتهم، وعدم فصل هذا اللجوء عن الاستثمار السياسي أو الاقتصادي

ما يصدم في قضية اللاجئين السوريين في لبنان، هو تراجع الوجه الإنساني والحقوقي لقضيتهم، وعدم فصل هذا اللجوء عن الاستثمار السياسي أو الاقتصادي، وكأن هؤلاء اللاجئين ليسوا بشراً، قد فروا من جحيم حرب، وكأنهم لا يتعرضون لظروف بالغة القسوة، وكأن القانون الدولي لم يقر حمايتهم.

وما يصدم أكثر هو، أن اللاجئين السوريين، وفي سابقة خطيرة لم تعرفها البشرية سابقاً على هذا النحو من الوقاحة والصفاقة، وهي أن تكون حكومة بلدهم التي يفترض بها الدفاع عنهم، هي رأس الحربة في المتاجرة بهم وفي تعقيد شروط حياتهم. ولن أتطرق هنا إلى الدور الفضيحة الذي تلعبه مؤسسات المعارضة السورية في هذه المأساة التي تتفاقم يوماً بعد يوم.

بتكثيف شديد: إن استعمال ملف اللاجئين السوريين في البازار السياسي اللبناني، هو عار على الطبقة السياسية اللبنانية، وإن تحميل اللاجئين السوريين وزر الفساد وهيمنة الولاءات السياسية ولعبة التحالفات السياسية المفضوحة في المنطقة، هو أوقح عهر سياسي يمكن أن تعيشه دولة بشكل علني. إن مشكلة هذا اللعب الرخيص، هي: أن اللاجئين السوريين هم من يدفع ثمنه -كل يوم- دماً وذلاً واضطهاداً.

إن وجود اللاجئين السوريين في لبنان، هو: وجود إنساني وحقوقي أولاً، ووجود سياسي ثانياً. أما تجريده من وجهه الإنساني والحقوقي وحصره في بازار سياسة الرخيصين؛ فهو أمر معيب، يوجب على المجتمع الدولي ومنظماته المعنية، وعلى المثقفين والحقوقيين والسياسيين، التصدي لهذا الاتجار الرخيص بحياة ومصائر مليون سوري يتعرضون لظروف قاسية في لبنان.

===========================


هل تستطيع إدلب تغيير المعادلة الروسية؟

غازي دحمان

العربي الجديد

الاثنين 17/6/2019

يفتح الإخفاق الروسي في تحقيق نتائج في معارك أرياف حماة وإدلب الباب أمام التساؤل عمّا إذا كانت ستشكّل إدلب وجوارها منعطفاً في الصراع السوري الذي باتت تسيطر روسيا على مجرياته بدرجة كبيرة.

قد يكون الكلام عن هزيمة روسية في الشمال السوري نوعاً من رفع سقف الآمال بدرجة كبيرة، في حدث ما زال من المبكر إصدار حكم بخصوصه، وتعيين المنتصر من المهزوم. ولكن لا يبدو أن وصف الإخفاق للفعل الروسي، أقله حتى اللحظة، يدخل في سياق المبالغة في وصف مجريات المعارك في الشمال السوري، بقدر ما هو واقع حاصل على الأرض، تؤكّده؛ ليس فقط الخسائر الكبيرة في العتاد والجنود على طرف روسيا ومليشياتها، وإنما أيضاً مناورات روسيا لإقامة هدنة، وإطلاق ورشة مباحثات روسية – تركية، لإيجاد مخرج من هذا الإستعصاء الميداني.

فهل يمكن البناء على هذا الإخفاق لكسر الإستراتيجية الروسية المتدحرجة في قضم المناطق السورية، وإنهاك الخصوم وإخراجهم من دائرة الفعل، وإخضاعهم لنظام الأسد، كما حصل في حلب والغوطة الشرقية وجنوب سورية؟ ثمّة عاملان لطالما ساعدا روسيا على تحقيق ما سمته انتصاراً في سورية، شبكة التفاهمات التي أجرتها مع اللاعبين الإقليمين الذين لديهم مونة على المعارضة، وقد أسهم ذلك في تفكيك قوّة تلك الفصائل، وإغلاق طرق إمدادها، وإضعاف خياراتها إلى حدود صفرية، والخلافات الهائلة التي نشبت بين الفصائل، قتالها مع بعضها وخسارتها العناصر والعتاد، وإنخفاض رغبة عناصرها في قتال قوات العدو.

بالإضافة إلى هذين العاملين، شكّل وجود ملجأ لهذه الفصائل وعناصرها، إدلب وريف حلب، محفّزاً لها لترك القتال، ما دامت تلك المناطق ستصبح بدائل، ليس لممارسة النضال ضد الأسد، وإنما لتشكيل هياكل سلطوية ثورية، وهو حلمٌ عتيد لدى الفصائل. على ذلك، يأتي تأثير سلاح 

"شكّل وجود ملجأ للفصائل في إدلب وريف حلب محفّزاً لها لترك القتال وتشكيل هياكل سلطوية ثورية" الفضاء الجوي الروسي في ذيل القائمة، هذا ليس كلاماً إنشائياً، بل أثبتته معارك إدلب أخيراً، فحين ذهبت الفصائل إلى ترميم وصيانة قوتها الذاتية، وتوفر طريق إمداد جيد، وكذلك القتال، لأنه لا توجد بدائل أخرى، أو لأن البدائل كلها سيئة، فإنها استطاعت الصمود، والتقدّم احياناً، على الرغم من وجود الشروط نفسها التي قاتلت بها تلك الفصائل في مناطق أخرى، وانسحبت لصالح الروس، وتم تفسير هذه التراجعات بالتدخل الجوي الروسي الحاسم.

يفيد تاريخ الحروب المماثلة التي خاضتها قوى عظمى ضد أطرافٍ أقل قوّة منها، حربا أميركا في فيتنام وروسيا في أفغانستان، أن هذه القوى استخدمت كثافة نيرانية هائلة في هذه الحروب، وخصوصاً بأسلحة الجو، وكذلك حصلت على مساندة كبيرة من قوى محلية، لكنها لم تحقّق نتائج حاسمة، والسبب أن القوّة المقابلة لها أحسنت إستخدام المزايا التي تملكها بوصفها جيوشا غير نظامية، لديها مرونة أكبر في العمل والتحرّك، فضلاً عن معرفتها بالأرض التي تحارب عليها، واستثمارها كل العوامل المتوفرة، بما فيها ظروف الطقس، فضلاً عن متابعتها التطورات السياسية، سواء داخل بيئات الخصوم؛ أو في البيئات الإقليمية والدولية عموماً.

ثمّة معطياتٌ كثيرةٌ تغيرت قد تساعد في إضعاف المشروع الروسي، أو على الأقل التصوّر الروسي لإدارة سورية بعد الحرب، وإن تم التنبه لها من القيادات السياسية والعسكرية للمعارضة السورية، سيكون لها نتائج مهمة في سياق الصراع المستقبلي. أول تلك المتغيرات، التناقض الجلي بين إيران وروسيا، فمن الصعب عودة إيران لمساعدة روسيا، وخصوصا في مناطق الشمال، كما أن لإيران مصلحة في إضعاف الروس، والتقليل من هيبتهم، فإيران صارت على قناعةٍ تامة بأن الروس يريدون إضعاف وجودها في سورية، بل وإخراجها نهائيا إن استطاعوا، بدليل موافقتهم على حضور مؤتمر" القدس الثلاثي"، المخصّص أصلاً لبحث 

"الكثافة النيرانية في الحروب، خصوصاً بأسلحة الجو، لم تحقّق نتائج حاسمة" إخراج سورية من إيران.

لن تخوض إيران أي معركة في سورية تحت جناح روسيا، بشكل جدّي، ما لم تقبض نتائجها الإستراتيجية بشكل مسبق، وستحاول الإحتفاظ بقوتها لخطر قادم، ليس الروس خارجه، وخصوصا بعد تكرار الصدامات بين الطرفين، كان أخرها في دير الزور والبوكمال، فضلاً عن أن مليشيات إيران ضعفت، وجرى تفكيك بعضها، وإنسحاب جزء منها، كما أن حزب الله يواجه إحتمالات حرب إسرائيلية، وحتى إيران نفسها أصبحت داخل دائرة خطر الحرب، بعد التطورات الأخيرة في الخليج.

وثمّة متغيرات حصلت في ذهنية القيادة الروسية، فلم تعد مندفعة للحرب من دون شرط أو قيد، سوى ظروف الميدان، إذ يبدو أن روسيا بدأت بفتح خطوط تفاوض حول مستقبل وجودها في سورية، مع قوى دولية وإقليمية. وبالتالي هي مضطرّة لمراعاة هذه التطورات، وقطف ثمار وجودها، وهذا لا شك سيخفّض حافزية الهجوم لديها، لصالح تثمير خطوط التفاوض والمساومات مع الأطراف المؤثرة، أو التي سيكون لها أدوار مهمة في الحساب الروسي، وخصوصا على صعيد عملية إعادة الإعمار، وإستقرار الوجود الروسي في شرق المتوسط.

للفصائل المقاتلة الدور الأبرز في كل هذه التطورات، فصمودها سيضعف خيارات روسيا، ويربكها بدرجة كبيرة، كما أن للتكتيكات الجديدة التي تتبعها في المعارك، بالإضافة إلى بلورة قواها والاستفادة من المزايا التي تملكها على الأرض، وحماس واندفاع كوادرها في صد الهجوم الروسي، كل تلك ستكون عوامل مساعدة على كسر الإستراتيجية التي اتبعتها روسيا في السنوات الثلاث الأخيرة.

ليس مطلوباً من فصائل المعارضة سحق الوجود الروسي في سورية، فلا إمكاناتهم ولا الواقع الدولي يسمحان بهذا، لكن صمودهم سيجبر روسيا على تغيير المعادلة التي تبنتها حتى اللحظة، والتي تميل إلى جعل الأسد المنتصر الوحيد على حساب ملايين السوريين، فهل من الممكن رؤية هذا التغيير؟

===========================


لبنان وتفاقم النزعة العنصرية

أحمد عثمان

العربي الجديد

الاحد 16/6/2019

تشهد الساحة اللبنانية تصاعداً للخطاب العنصري بحق اللاجئين السوريين والفلسطينيين، أفضى إلى ممارسات عنصرية فجّة أخيراً، تمثل بعضها بمنع تجوال السوريين في بعض المدن والقرى ليلاً، وفي منعهم من عبور بعض الطرق ليل - نهار، وفي إجبارهم على ترك بيوتهم المستأجرة بشكل قانوني في أحد أحياء بيروت بدون أي إنذار مسبق وفوراً، بناءً على تبليغ شفوي لا غير.

واقتلع مخيم كامل للنازحين في محافظة بعلبك الهرمل، بعد إشكالٍ بين بعض مقيميه وعنصر من الدفاع المدني اللبناني، على خلفية حريق في أحد الأحراج المجاورة للمخيم. والغريب أن الرواية الوحيدة التي استمع إليها بما يتعلق بهذه الحادثة هي رواية عنصر الدفاع المدني الذي كان يقود سيارة إطفاء، أما رواية اللاجئين في المخيم فلم يأخذ بها أحد. وعمد الجيش اللبناني إلى اعتقال أكثر من ثلاثين شاباً من المقيمين في هذا المخيم، على خلفية الحادث الذي أصيب خلاله عنصر الدفاع المدني، نتيجة رشقه بالحجارة التي حطمت زجاج السيارة. وفي حين يدّعي السائق أنه تعرّض للهجوم في أثناء تحريك سيارته لإطفاء الحريق، ما أثار الغبار في الخيم، يقول سكان المخيم أن سيارته دهست خيمتين فيهما أطفالٌ رضّع، ما أثار غضب الشبان، فرشقوه بالحجارة بعدما لم يتوقف.

والمؤسف أكثر التنافس الكبير بين أتباع القوى السياسية المختلفة، في شنّ هجوماتهم العنصرية على اللاجئين السوريين، عقب هذه الحادثة، في خطابٍ شديد الإسفاف، يخشى أن يقابل بخطاب مماثلٍ من ناشطين سوريين، فيزيد الأمر خطورة، ما يجعلنا نؤكّد أن العنصرية لا تواجه بالعنصرية، فحذار أن تذكي العنصرية عنصرية أدهى مقابلة لها، فالكل في ذلك خاسر خسراناً مبيناً.

والبشر ليسوا عنصريين بطبيعتهم. وقد أثبتت تجارب كثيرة أن الأطفال من أصول عرقية -

"الأكثر أسدية بين اللبنانيين، سياسياً وإعلامياً وعسكرياً، هم الأكثر عنصرية" إثنية، أو دينية - ثقافية مختلفة، وفي حال توفر الحرية التامة من أي مؤثرات خارجية سلبية، يتعايشون بشكل طبيعي، ويتشاركون ألعابهم، ويتبادلون ما لديهم من مشاعر وأفكار بدون أي شكلٍ من أشكال الحذر أو الخوف أو العدائية، حتى وإن اختلفت لغاتهم.

العنصرية يُدفع إليها الناس دفعاً. وإذاً، وراء كل ظاهرة عنصرية جهة مستفيدة. ولا ينحصر شكل الاستفادة من التمييز العنصري على الاستفادة المادّية المباشرة، وإنما قد يتعدّاها إلى أشكال متعدّدة، وصولاً إلى السياسة منها في بناء الحكم والسيطرة والنفوذ، وفي تمتينها وإدامتها.

تقوم العنصرية على فرضية الانسجام العرقي، أو الديني أو الثقافي، للجماعة، وعلى ادعاء التفوق، وبناء منظومة الاستعلاء على الآخر المختلف، والحطّ من قدره، ووصمه بالتخلف والبربرية، وبكل أنواع الخبائث. ومن ثم تعميم الخوف منه، واعتباره تهديداً وجودياً لكيان تلك الجماعة المتفوّقة يجب السيطرة عليه، أو حتى التخلص منه نهائياً

وفي لبنان، حيث يتصاعد اليوم الخطاب العنصري، ومن ثم الممارسات العنصرية، ضد اللاجئين السوريين، وبدرجة أقل ضد اللاجئين الفلسطينيين، ويتوسّع بشكل مخيف الخطاب العنصري الذي طالما عانى منه العاملون والعاملات العرب والأجانب في لبنان، لا يمكن الفصل بين هذا الخطاب وطبيعة النظام السياسي الطائفي والزبائني الذي تفرضه القوى السياسية المسيطرة، فالخطاب العنصري هو امتداد وتأصيل للخطاب الطائفي الذي يتحصّن به نظام ائتلاف المافيات المسيطرة في لبنان، القائم أساساً على تخويف الناس من الآخر المختلف دينياً ومذهبياً، واعتباره منافساً في اغتنام مغانم السلطة وامتيازاتها، ومقومات العيش من عمل وخدمات وموارد. وهذا ما وثّقت تلك القوى ربطه بنظام زبائني تحاصصي في الوظيفة والعمل والخدمات الأساسية، من طرق ومواصلات وبنى تحتية مختلفة.

لقد برع التيار الوطني الحر (العونيون، نسبة للرئيس ميشال عون مؤسس التيار)، في استغلال ما كان يعرف بـ"الإحباط المسيحي"، ورفعوه إلى رتبة "المظلومية" المسيحية، باعتبار أن المسيحيين في لبنان قد حرموا في ظل الوصاية السورية من إيصال نواب يمثلونهم، إذ اقتصر التمثيل المسيحي في البرلمان على نوابٍ مسيحيين أعضاء في التكتلات البرلمانية لأحزاب وتيارات وتحالفات تعتبر ممثلةً للطوائف الأخرى، ونواب ملحقين بالوصاية السورية مباشرة، وأسسوا على ذلك مهمتهم التاريخية في استعادة حقوق المسيحيين! التيار الوطني الحر الذي فرضه تحالفه مع حزب الله وقوى الممانعة في السلطة، الذي لم ينل ما ناله منها لولا هذا التحالف، فامتد وتغلغل في مؤسساتها جميعاً، مستفيداً من النظام الزبائني التحاصصي والطائفي، ومعزّزاً له، فقام بتغذية الخطاب العنصري وتعميمه بين أنصاره، ليصبح، مع كل ما فيه من وضاعة وإسفاف، الممر الإجباري الذي من خلاله تتعزّز مصالح أزلام هذا التيار ومناصريه، فكلما ارتفعت وتيرة هذا الخطاب انفتحت أمام أصحابه أبواب النفوذ والسيطرة في التيار، وفي المؤسسات التي تغلغل فيها.

المختلف السوري والمختلف الفلسطيني يصبحان فريسة سهلة للخطاب والممارسات العنصرية 

"المختلف السوري والمختلف الفلسطيني يصبحان فريسة سهلة للخطاب والممارسات العنصرية المقيتة" المقيتة، وباعتبار انتمائهما الطائفي والمذهبي، يتعرّضان لتمييز مضاعف من عتاة الطائفية والعنصرية في التيار الوطني الحر، الذي يسوّق لخطابه في مختلف وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، باعتباره خطاباً تحريضياً مسيحياً وممانعاً و"لبنانياً".

وإذا كان التيار الوطني الحر قد استفاد في السلطة والنفوذ من خطابه الطائفي والعنصري إلى هذا الحدّ، فإن القوى "المسيحية" الأخرى التي تضرّرت من صعود هذا التيار وجدت نفسها مضطرة للمزاودة عليه في هذا السياق، وأكثر، في الخطاب العنصري "اللبناني" في مواجهة اللاجئين.

ويصبح المختلف السوري أشد تعرّضاً للخطاب وللممارسة العنصرية اليومية، ما دام معارضاً لنظام عصابة الأسد. أما أتباع نظام الأسد ومناصروه من السوريين المقيمين في لبنان، فيمارسون لا فقط سيطرتهم على أصحاب ذلك الخطاب وتلك الممارسات، بل يوجّهونهم ويشجعونهم ويذلونهم أيضاً.

ولا يُنسى أنّ تفاقم الهجمة على اللاجئين يرخي بظلاله على الواقع اللبناني المتدهور، ويغطي على النقمة المتزايدة وتصاعد الاحتجاجات القطاعية والشعبية، على سياسات قوى السلطة الاقتصادية والمالية والاجتماعية والبيئية والتربوية، التي تفاقم الضغوط على الطبقات الاجتماعية والقطاعات المختلفة. ومن ثم، تستفيد القوى المسيطرة، ولو بشكل غير مباشر، من هذه الهجمة ومن تفاقمها.

في المقابل، ترتفع أصوات لبنانية كثيرة، ولكن من جهاتٍ متفرقة، لم تصل إلى حد توحيد خطابها ضد هذا الخطاب وتلك الممارسات، ومن بينها إعلاميون وحقوقيون ومجموعات مدنية وسياسية مختلفة، باتت مسؤولياتها مضاعفة اليوم، لا فقط لمواجهة هذا الخطاب وتلك الممارسات، وإنما أيضاً لفضحها وفضح أسبابها المادّية الحقيقية، ومراميها الخبيثة، ومن ثم المساهمة الفعلية في منع توسعها وتعميمها بين اللبنانيين.

وأختم بما كتبه ياسين الحاج صالح في هذا الموضوع: "كلما صار لبنان أكثر شبهاً بـ"سورية الأسد" صار فيه عنصرية أكثر تجاه السوريين". أصل العنصرية اللبنانية ليست اختلاف لبنان أو وجود عنصر لبناني متميز، بل بالضبط اتجاه الفرق إلى الانعدام. وتسهم العنصرية اللبنانية بمحو الفرق، تجعل لبنان أسدياً أكثر، مع تغذية الوهم بالتميز باعتباره تعويضاً. ولذلك الأكثر أسدية بين اللبنانيين، سياسياً وإعلامياً وعسكرياً، هم الأكثر عنصرية.

===========================


حين يغدر الثوار بالثورة

حسن النيفي

حرية برس

السبت 15/6/2019

أصدرت جامعة حلب الحرة، الكائنة في مدينة اعزاز المتاخمة للحدود التركية، بتاريخ ( 1162019 ) قراراً يقضي بفصل أحد كوادرها التدريسية، وهو الدكتور (محمد صابر العمر) المدرس في كلية التربية، وأرجعت جامعة حلب الحرة قرار الفصل إلى ( معلومات واردة إلى رئاسة الجامعة من بعض الطلاب، بقيام الدكتور محمد صابر العمر ..... بالإساءة إلى رمز من رموز الثورة السورية، عبد الباسط ساروت،تقبله الله). كما تضمن القرار إحالة الدكتور محمد إلى مجلس تأديب في الجامعة.

وعلى إثر صدور القرار المذكور، شاع مقطع صوتي نُسب إلى السيد محمد صابر العمر، وتداولته وسائل التواصل الاجتماعي، ينفي فيه نفياً مطلقاً علْمه بما حدث، كما ينفي صحة ما نُسب إليه من اتهام، ويعزو قرار فصله من الجامعة إلى أسباب كيدية أو خلافات شخصية مع بعض الأفراد.

شاع مقطع صوتي نُسب إلى السيد محمد صابر العمر، وتداولته وسائل التواصل الاجتماعي، ينفي فيه نفياً مطلقاً علْمه بما حدث، كما ينفي صحة ما نُسب إليه من اتهام

قبل الانحياز إلى هذا الموقف أو ذاك، وقبل اللجوء إلى أي استنطاق لمجريات الحادثة وحيثياتها، يمكن التأكيد – ووفقاً لنص قرار الجامعة – أن إدارة الجامعة قد اتخذت قرار الفصل، بناء على ( ورود أنباء من بعض الطلاب)، وليس بناء على كلام مباشر ومسموع من الشخص المتهم، ثم إنها – إدارة الجامعة – قد أصدرت القرار قبل الاستفسار من المتهم ، واستيضاح ما إذا كان كلام ( بعض الطلاب) صحيحاً أم لا، بل صدر القرار بناء على الاستماع إلى طرف واحد، دون سماع الآخر، وهذه أول ثغرة قانونية أساسية، يمكن لها تقويض أركان الحكم الذي أصدرته الجامعة، علماً أن أكثر من عضو في الهيئة التدريسية، ومن زملاء الدكتور ( المُتهم)، قد أكدوا لوسائل الإعلام، أنهم حاولوا التأكد من صحة ما نُسب لزميلهم من خلال الحديث والتحرّي مع بقية الطلاب، فوجدوا أن لا صحة للاتهام ، ما يعني أن قرار الفصل كان جائراً بل باطلاً.

لستُ معنيّاً بالمعاينة القانونية لهذه الحادثة، ولستُ قاضياً ولا محامياً ولا صلة لي بعلم القانون، كما أنني لا أعرف السيد محمد صابر العمر، ولم أره في ما مضى مطلقاً، ولكن – يُخيّل إلي – أننا أمام حادثة تتجاوز في ماهيتها، وفحواها القيمي، التخوم الشخصية لحياة الناس، وتمتد لتطال المفاهيم والنواظم التي يدافع عنها السوريون، بل جميع أحرار العالم ، المدافعين عن كرامة الكائن البشري، وتحريم الظلم والامتهان، ذلك أن التهمة التي وُجهت للأستاذ الجامعي، هي ذات صلة وثيقة بالشأن السوري العام، وتتلخص بالإساءة الكلامية إلى الشهيد عبد الباسط ساروت، والشهيد الساروت إنما استمدّ هذه الحصانة التي يدافع عنها قرار الجامعة، من كونه رمزاً وطنياً للثوار السوريين، وليس من صفته الشخصية كمواطن سوري فقط، وهذا ما يجعلنا نميل إلى القول: إن القيمة الاعتبارية والرمزية للساروت إنما تستمدّ فحواها الجوهري من خلال امتثاله وتجسيده لقيم الثورة وتطلعات السوريين نحو الحرية والعدالة، وأعتقد أن الإجماع الشعبي الدافق نحو شخصية عبد الباسط، ما كان ليكون لولا بقاء الساروت – رحمه الله – مخلصاً لثوابت ثورة السوريين، بل الوجه الأكثر نقاء ونصاعة لانتفاضة الشعب السوري.

الحكم الذي أصدرته جامعة حلب الحرة بحق الدكتور محمد صابر العمر ، وبالإخراج الذي تم تداوله حتى الآن، تتناقض مضامينه وأهدافه تناقضاً مطلقاً مع القيم والثوابت التي نادى بها الساروت، واستشهد من أجلها، إذ إن اتهام المواطنين دون التحقق من الوقائع، وقذفهم بتهم الخيانة دون الاستناد إلى وقائع دامغة، يتطابق إلى حدّ بعيد مع ما كانت تلجأ إليه محاكم الأسد الميدانية والاستثنائية الأمنية حين كانت توجّه لمعارضي النظام الأسدي وخصومه إتهامات عائمة غائمة، ليست الغاية منها سوى النيل من الخصم، من مثل: ( إضعاف الشعور القومي – النيل من هيبة الدولة – إيقاع الوهن في نفسية الأمة إلخ)، بل إن قرار جامعة حلب الحرة يذكرنا بما قامت به الجهات الأمنية لنظام الأسد في أعقاب موت باسل الأسد شتاء 1994 ، حين قامت بحملة اعتقالات، طالت العشرات، وربما المئات من السوريين، وذلك تحت ذرائع مختلفة، فهي تارة بذريعة الشماتة بموت باسل الأسد، وتارة أخرى بذريعة عدم إظهار علائم الحزن، وما إلى ذلك من اتهامات، تفصح جميعها عن استمرار السلطة الأسدية في اختزال الوطنية السورية بأشخاص الحاكمين، وبالتالي تأليه الشخص، ليس بما يحمل من قيم تمثل السوريين، بل بما يحمله في شخصه.

الحكم الذي أصدرته جامعة حلب الحرة بحق الدكتور محمد صابر العمر ، وبالإخراج الذي تم تداوله حتى الآن، تتناقض مضامينه وأهدافه تناقضاً مطلقاً مع القيم والثوابت التي نادى بها الساروت، واستشهد من أجلها

لا شك أن المقارنة بين الحادثتين ليست منطقية، من جهة التناقض التام بين الثائر الشهيد عبد الباسط ساروت، وباسل الأسد الذي لم يكن سوى ( مشروع دكتاتور) آنذاك، إلّا أن المراد هو إبراز وجه التماثل في السلوك بين الجهات الأمنية الأسدية، والإجراء الذي اتخذته إدارة جامعة حلب الحرة.

إن الإخلاص للقيم التي تحملها وتجسّدها الرموز الوطنية، إنما يكون بالإخلاص والامتثال للتجسيدات الفعلية لهذه القيم، وليس للأشخاص بذواتهم، والدفاع الحقيقي عن المرحوم الساروت ينبغي أن يتجسّد بالدفاع عن حقوق الناس والحفاظ على كرامتهم بعيداً عن انتماءاتهم العرقية أو الدينية أو الإثنية، وكذلك بالانصياع للقانون والامتثال لقيم العدالة، وليس بالانقياد للدوافع الشخصية أو النزعات الثأرية، أو الاتهامات التي تفتقر إلى الأدلة والوقائع.

لقد جسّد استشهاد المرحوم عبد الباسط ساروت حالة من الإجماع الشعبي، تُبرِز بوضوح ناصع مدى تجذّر ثوابت وقيم الثورة في نفوس السوريين، بل أضحت هذه الحالة باعثاً على الامل لدى ثوار سورية نحو العودة إلى إحياء روح الثورة كما حملها الساروت وقبله أبو فرات وغياث مطر وعبد القادر صالح ورزان زيتونة ومي سكاف وفدوى سليمان والكثيرين غيرهم ممن لا يتسع المجال لذكر أسمائهم.

إن الدفاع عن هذه الرموز الوطنية والحرص على نصاعتها، إنما يتمثل بالدفاع عن القيم والثوابت التي استشهدوا من أجلها، أمّا التمجيد بهؤلاء الرموز من خلال تجريدهم من إرثهم القيمي الذي ناضلوا من أجله، فما هو إلّا سعي نحو التأليه المجاني الذي لا يتسق مع الحالة الإنسانية السوية للبشر، وبالتالي هو غدرٌ – بوعي أو بدون وعي – لجوهر ما نادت به الثورة السورية.

===========================


بين الخطيب والساروت ثورة شعب

محمد نور حمدان

سوريا تي في

السبت 15/6/2019

بدأت الحكاية من أطفال درعا عندما كتبوا على الجدران مطالبين بإسقاط النظام ثم اشتعلت هذه الثورة عندما تسربت صور لذلك الطفل حمزة الخطيب الذي استشهد على يد جلاديه من النظام وآثار التعذيب الوحشي على كل جزء من أجزاء جسده فأصبح أيقونة للثورة التي امتدت روحها في نفوس الشباب الفطريين الذين اندفعوا رافضين للظلم والاستبداد دون أدلجة أو تحزب في معظم المدن السورية كان جسد حمزة الخطيب ملهما لكثير من الشباب للتحرك ضد الظلم والاستبداد الذي قام به النظام المجرم ولأن النظام لا يعرف إلا لغة الحديد والنار والبطش والاعتقال والتعذيب ولغ أكثر وأكثر في دماء الشباب الطاهرة البريئة التي خرجت سلمية ظناً منه أنه قادر على إخمادها بهذه اللغة ولم يدرك هذا النظام أن العنف لا يولد إلا العنف وأن الفعل لا بد فيه من ردات الفعل ثم تتابعت قوافل الشهداء لشباب وهم في مقتبل العمل يخرجون في المظاهرات السلمية مطالبين بالحرية وبدلا من أن يعودوا إلى منازلهم كانت تختطفهم طلقة قناص أو يد مجرمة أثيمة والأسماء أكثر من أن تعد وتحصى في كل مدينة سورية بل في كل في منطقة سورية تروي لنا حكاية شاب اعتقل أو استشهد أو حرة اغتصبت في المعتقلات وكان ذنبه الوحيد أنه نادى بإسقاط النظام ونادى بالحرية والكرامة .

هذه هي البداية ثم تسلحت الثورة للدفاع عن الأرض والأهل والعرض وبعد أن تحررت معظم أجزاء سورية قام النظام بلعبته الخبيثة واعتقد النظام أنه بتسليح الثورة سيصرف أنظار العالم عنها وسيبعد تعاطفهم معها وصور أن القضية في سوريا هي قضية حرب أهلية بين نظام وعصابات مسلحة خرجت عن الشرعية وقد استطاع النظام خلال السنوات الماضية صرف أنظار العالم عن قضية الشعب الثائر وحاول النظام أن يعيد شرعيته أمام المجتمع الدولي من خلال الترويج بأنه يحارب مجموعات إرهابية في سورية ثم عمل على تدويل القضية من خلال إبعاد الشعب السوري عن التفكير بالقضية وأن الموضوع أصبح دوليا ولا علاقة للشعب به فالشعب أصبح بين مهجر لاجئ يبحث عن حياة آمنة وخائف يترقب الموت في كل لحظة ويتمنى أن تعود سوريا كما كانت قبل عام 2011

وبينما النظام ينفذ هذه اللعبة الخبيثة على حساب الشعب السوري المسكين الذي أصبح شعبا منقسما متفرقا ضائعا في بلاد اللجوء والمهجر والخيام جاء استشهاد الساروت

إن استشهاد الساروت أعاد بنا الذاكرة إلى تلك الأيام التي كانت تخرج فيه الجموع من الشباب تحت علم الثورة السورية هتافها واحد هدفها واحد وهو إسقاط النظام.

الساروت ذلك الشاب الذي رفض قمع النظام وظلمه وإجرامه وخرج مع الجموع الثائرة ليقودها بأغانيه وصوته العذب الذي دخلت بيت كل سوري.

جاء استشهاد الساروت ليذكر المجتمع الدولي أن ثورتنا ثورة خرجت ضد ظالم متجبر خرب البلاد وقتل العباد وليست حربا أهلية كما يصورها النظام.

جاء استشهاد الساروت ليذكر الشباب السوري والأجيال التي نشأت في ظل الثورة ولم تدرك بداياتها ماذا تعني الثورة ولماذا خرجت الشباب عام 2011 وواجهت الرصاص الحي بالهتافات السلمية.

إن أي ثورة في العالم لا تعيش بالشعارات والدعاوى الرنانة وإنما الثورة تحتاج تضحيات جسام وتتطلب بذل الدماء حتى تنتصر وهذه هي الثورة السورية بعد طول الطريق والسنوات التي مرت والتآمر الدولي على هذا الشعب المسكين تعود إلى الواجهة من جديد لتذكر العالم في الرسالة السامية والقيم التي قامت لأجلها الثورة ولتعلن أنها لن تموت حتى تحقق أهدافها في زوال النظام المجرم وأجهزته القمعية ومؤسساته الأمنية

جاء استشهاد الساروت ليذكر المجتمع الدولي أن ثورتنا ثورة خرجت ضد ظالم متجبر خرب البلاد وقتل العباد وليست حربا أهلية كما يصورها النظام

وحتى تعيش الثورة وتستمر فهي بحاجة لأيقونات وقدوات صادقة تكون رمزا للأجيال القادمة وملهمة لها بالتحرك تلك الأجيال التي عاشت في بلاد الاغتراب والمخيمات وولدت في ظل الثورة والخراب الذي نشره النظام المجرم في جميع أجزاء سوريا.

إن الساروت يمثل كل شاب سوري أراد أن يعيش بكرامة وأراد أن يحيا في دولة عادلة بعيدة عن الظلم والطغيان فقدم روحه ودمه رخيصة من أجل بناء دولة العدل والحرية والكرامة كالكثير من الشباب الذين قدموا أرواحهم في بدايات الثورة وما زالوا يقدمونها في معركة الحرية والعدالة والكرامة 

ستبقى ذكرى الساروت خالدة في وجدان وضمير كل شاب سوري عاش من أجل بناء دولة العدل والحرية والقضاء على نظام الطغيان والظلم والفساد

إن قصة الساروت هي قصة كل شاب سوري عاش من أجل أمته واستشهد من أجل أهله وبلده ففي كل بيت سوري عندنا قصة شبيهة بقصة الساروت والخطيب

من خلال الساروت والشباب الذين استشهدوا قي الثورة سنعلم الشباب والأجيال القادمة ماذا تعني الثورة وماذا تعني التضحية وماذا تعني الشهادة في سبيل الله.

===========================

موقفنا : إلى أخت الشهيد نصير السوريين محمد الجرار

زهير سالم

مركز الشرق العربي

17 / 6 / 2019

استمعت أول يومي إلى مقطع لأخت الشهيد العالم المجاهد نصير المستضعفين والسوريين في لبنان محمد الجرار تنادي على سعد الحريري ..

وتقول : سعد الحريري  لم يجرؤ على ذكر اسم الشهيد محمد جرار..

الحقيقة أسوقها للسوريين أن لبنانيينا غير قادرين على الدفاع أنفسهم . الشيخ محمد الجرار الداعية المجاهد لبناني والشيخ الأسير لبناني وكثير من الشباب المظلوم المعتقل في لبنان لبنانيون . وقتلة رفيق الحريري في لبنان يسرحون ويمرحون . وسعد الحريري كزعامة لبنانية يزعمون أنها سنية ، يحتاج إلى رجال ونساء الجماعة الإسلامية ليدافعوا عنه . ولا يتصور أن يُطلب منه أن يدافع عنهم كما فعلت الأخت المكلومة عظم الله أجرها وتقبل أخاها في الشهداء والصديقين والصالحين . وعندما تنقلب المعادلة وتحتاج الجماعة الإسلامية إلى مثل سعد الحريري ليدافع عن أبنائها، فثمة أمر خاطئ أعرفه أنا وتعرفونه أنتم . وما كل ما يعلم يقال ،  كما علمتمونا ..

سنجد في لبنان كثيرون تحت لقب " زعامة سنية " ولكننا لن نجد الحصن والدرع ورأس الرمح ؛  إلا عند الذين يكثرون عند الفزع ويقلون عند الطمع ، إلا حيث ينبت الخَطيُّ ويغرس النخل ، كما وصفهم حكيم العرب زهير بن أبي سلمي من قبل:

على مكثريهم حقُّ من يعتريهم ..وعند المقلين السماحة والبذل

وهل ينبت الخَطِّيِّ إلا وشـيجُه .. وتُغرس إلا في منابتها النخل

وهذا القول يصح على لبنان ولبنانيي لبنان ، وعلى سورية وسوريي سورية ، وعلى العراق وعراقيي العراق ، و على فلسطين وفلسطينيي فلسطين ، وعلى مصر  ومصريي مصر : لا تختلطوا " بشراقي الشوربة " ولكن املؤوا آنيتهم لكي يشرقوا مما تغرفون .

كلام ما زلت أردده من أول أيام الربيع حتى أطل الخريف بصفرة وكدرة ، ولا والله ما كَذبت ولا كُذبت ، ولا نكصت ولا دعوت إلى نكوص ولا رضيت به .. ولكن من يخذله قومُه يُخذل . ويقيم في منعرج اللوى ما أقاموا ..

أخي فامض لا تلتفت للوراء .

...

وأنت يا أخت ..

لا تندهي ما في حدا ..

_____________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

مشاريع موسكو الفاشلة في سورية

برهان غليون

العربي الجديد

السبت 15/6/2019

يتحمّل الروس المسؤولية الكبرى في تعطيل التوصل إلى حل سياسي في سورية، وفي تحويل الصراع السياسي الذي أثارته حركات الاحتجاج التحرّري في أكثر من دولة عربية إلى حرب إبادة جماعية، وتدمير منهجي للدولة في بنياتها الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية في سورية، فقد ترك المجتمع الدولي، والمحور الغربي خصوصا، المبادرة، منذ البداية، في يد الروس. من جهةٍ بسبب تراجع اهتمام الغرب عموما بمصير المشرق، بعد حروب فاشلة في العراق وأفغانستان، ومن جهة ثانيةٍ، بسبب عدم وجود مصالح كبيرة له في سورية، ومن جهة ثالثة تفهما لمصالح إسرائيل، ومجاراة لاستراتيجيتها الهادفة إلى إجهاض أي تحرّك شعبيٍ يُفضي إلى تغيير في طبيعة الأنظمة الأقلوية المعزولة عن شعوبها، ويهدّد بتغيير الحسابات والتوازنات الإقليمية، وإضعاف حزام الأمن الذي تحيط به إسرائيل نفسها، من خلال التفاهم مع النظم الاستبدادية، وتعميق قطيعتها عن شعوبها واعتمادها على الدعم الخارجي.

ولكن المحور الغربي لم يكن الوحيد الذي راهن على موسكو للتخلص من عبء ما سوف يظهر بمثابة "معضلةٍ سورية"، والذي سلم لفلاديمير بوتين وحلفائه الإيرانيين جميع الأوراق في المواجهة السورية، السياسية والعسكرية، وإنما حذا حذوه العرب أيضا. كما أظهرت ذلك المبادرة العربية التي حكمت بمضمونها جميع المبادرات الدولية التالية، والتي نصّت على مخرج سياسي يقوم أساسا على تشكيل حكومة انتقالية مكونةٍ من طرفي النزاع، أي من السلطة والمعارضة، تقوم بالإعداد لانتخاباتٍ تحت إشراف دولي، تفتح صفحة جديدة في تاريخ سورية الحديثة. وقد قبلت المعارضة، الممثلة بالمجلس الوطني آنذاك، وكذلك المعارضات الخارجة عنه، هذه المبادرة العربية في فبراير/ شباط 2011، وسعت إلى تعميق الاتصالات بموسكو من أجل تأكيد قبولها بهذا الحل الذي كان يهدف إلى تطمين قطاع واسع من الرأي العام السوري، الخائف من التغيير أو الموالي للأسد، على أن الانتقال السياسي لا يعني قلب الطاولة على أحد، لا طائفيا ولا سياسيا ولا اجتماعيا، وإنما إعطاء الشعب، بجميع فئاته، الحقّ في اختيار ممثليه، والعودة بسورية من عصر الحكم بالقوة والإكراه والعنف إلى عصر الحكم الطبيعي والسلمي، كما هو قائم في الأغلبية الساحقة من بلدان العالم اليوم. ولم تترك المعارضة، فيما بعد، وسيلةً لم تستخدمها لإغراء موسكو، وتطمينها على أسبقية مصالحها في سورية، فيما لو قبلت بقيادة عملية التحوّل السياسي، وتفكيك القنبلة التي يمثلها نظام الأسد نفسه، قبل أن تنفجر في البلاد وتحرق الزرع والضرع فيها.

ولكن جميع من راهنوا على موسكو للخروج بحلول سلمية تسووية، تجنب سورية الدمار والقتل الجماعي والتهجير القسري، وفي مقدمتهم المعارضة السورية، وأنا في المقدمة، باء رهانهم 

"الانتقال السياسي لا يعني قلب الطاولة على أحد، لا طائفياً ولا سياسياً ولا اجتماعياً" بالفشل. ولا نزال، لم نخرج جميعا من هذه الحلقة المفرغة التي وضعنا أنفسنا فيها، أو سلمنا بوضع الأمل الوحيد في الخروج من المواجهة، بأقل الخسائر، على إرضاء روسيا أو التعاون معها. وقد تفاقم حجم هذا الرهان بعد سنوات الحرب الثماني الطويلة، عندما قرّر الغرب، ونحن في إزاره، أن روسيا ربما كانت الطرف الوحيد الذي يملك اليوم إمكانية إخراج إيران من سورية، وتفكيك قنبلة أخرى، هي حرب إقليمية طويلة ومدمرة، يمكن أن تندلع بالوكالة على أرضنا بين مليشيات إيران المتعدّدة الجنسيات، والتي لا يهمها مصير الأرض التي تحارب عليها، ولا مصير شعبها، وإسرائيل التي لا تقل استهتارا بالأرواح البشرية، ونزوعا لتحويل البلاد المشرقية إلى صحراء قاحلة، وساحة حرب "دفاعية ووقائية".

شلّ الروس، منذ الأسابيع الأولى لاندلاع الاحتجاجات السلمية، مجلس الأمن، بذريعة الحيلولة دون تدخل غربي يعيد تجربة ما حصل في العراق وليبيا من قبل. وزوّدوا جيش الأسد بالأسلحة والمستشارين العسكريين، ودافعوا عن التدخل العسكري والسياسي الواسع النطاق لإيران في تسيير آلة الحرب والسياسة في دمشق، ودعموا تغلغل مليشياتها الطائفية في الأجهزة والدوائر العسكرية والإدارية. وأجهضت الخارجية الروسية جميع المساعي والمبادرات الدولية لدفع الأمور في اتجاه البحث عن حل سياسي، وفي مقدمها مبادرة جامعة الدول العربية للتسوية السياسية (أواسط شهر نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2011)، ومعها بعثة المراقبين العرب إلى سورية· كما أجهضت موسكو المبادرة العربية الدولية التي أوكل إلى الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة، كوفي أنان، مهمة العمل على تطبيقها (فبراير/ شباط 2012 ) والتي افترضت إيقاف إطلاق النار في 10 إبريل/ نيسان 2012، وكذلك المبادرة التي ناقشتها الصين في نوفمبر/ تشرين الثاني 2012 مع مبعوث الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، الأخضر الإبراهيمي، وكانت تشمل وقف إطلاق النار على مراحل، وتشكيل هيئة حكم انتقالية.

هكذا أفرغت موسكو جميع المساعي الدولية بشأن سورية من مضمونها، وقوّضت جميع المبادرات الأممية للتوصل إلى حل سياسي، بما في ذلك مؤتمرات جنيف جميعا، واختلقت تجمعا باسم تجمع أستانة، ضمت إليه طهران، الشريك الأشرس والأول في الحرب على السوريين، للالتفاف على القرارات الدولية، وتعطيل مفاوضات جنيف، وتحييد تجمع أصدقاء سورية، والانفراد بالحل الذي تبين فيما بعد أنه لا يعدو أن يكون إعادة تأهيل نظام الإبادة والتهجير القسري، وتحويل سورية إلى مزرعة عبودية لآل الأسد وأتباعهم. ولم تترك وسيلة من الحرب، والكذب والخداع، لم تستخدمها، من أجل الإيقاع بقوى الثورة والمعارضة، وقطع الطريق على أي مشاركةٍ لها في اي حل سياسي أو تغيير قادم، فبذلت جهودا مستمرة وهائلة، لتقسيم هذه القوى المقسّمة أصلا وتفتيتها، وإثارة الفتن والخلافات في ما بينها، ومنها دعمها 

"جميع من راهنوا على موسكو للخروج بحلول سلمية تسووية، وأنا في المقدمة، باء رهانهم بالفشل" أكبر عدد ممكن من المنصّات السياسية المصطنعة، ومراكز القوى التابعة لها، حتى لم يعد للمعارضة أي مركز جدّي أو قرار. وضاق صدرها بشكل أكبر بجميع تلك القوى والمؤسسات والشخصيات التي تقدم العون للمدنيين المشرّدين، أو الذين قوضت شروط حياتهم، وجعلت من الهجوم على القبعات البيضاء التي اتهمتها بالإرهاب هدفا حربيا أسمى من بين أهدافها. وغطت على جميع الأعمال والخطط اللاإنسانية التي مارسها النظام، لتحطيم المجتمعات المحلية، وإخلاء المدن والقرى من سكانها، قصفا أعمى وحصارا وتجويعا، من أجل استعادة السيطرة على المناطق المحرّرة. وبرّرت جميع انتهاكات نظام الأسد لحقوق المدنيين واتفاقية جنيف الخاصة بالحرب، قبل أن تتبنّاها هي نفسها، وتجعل من تدمير المدن والقرى سلاحها الأمضى لهزيمة الثورة السورية. فبعد أن ظهر فشل المليشيات الإيرانية وجيش الأسد الطائفي أمام القوى الثورية، لم تتردّد موسكو في التدخل العسكري المباشر بسلاحها الجوي وعدتها الصاروخية، للقضاء على مقاومة الشعب السوري، بذريعة القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الذي لم تواجهه في أي معركة حقيقية.

على الرغم من خيبة أمل الأطراف الدولية والعربية والمعارضة السورية من سلوك موسكو، وافق الجميع على ما سميت خطة روسيا لوقف إطلاق النار، بدءا بتطبيق ما سميت مناطق خفض التصعيد، قبل التوصل إلى وقف نار شامل، ومدخلا للحل السياسي القائم على قرار مجلس الأمن 2254. وقد تبيّن بسرعة بعد ذلك أن هذه الخطة لم تكن سوى غلالة لإخفاء الخطة الحقيقية الهادفة إلى تقويض قاعدة سيطرة المعارضة والانفراد بها، منطقة منطقة، قبل القضاء عليها وفرض الحل الروسي القاضي بالإبقاء على نظام الأسد وتأهيله دوليا. وهكذا لم تتردّد في خيانتها وعودها، والانقلاب على القوى التي محضتها ثقتها من بين فصائل المعارضة، فسلمتها مكتوفة اليدين إلى جلاديها من مليشيات الأسد الذين لم يوفّروا وسيلة أيضا للتنكيل بمعارضيهم السابقين، وزجّهم في الصفوف الأولى في معاركهم المستمرة، وعلى جبهات القتال الذي لم يتوقف يوما منذ ثماني سنوات. واكتشف هؤلاء أن ضمانة موسكو التي ركنوا إليها لم تكن سوى خدعة وقع فيها البسطاء من المقاتلين، وأصبحوا بسببها طعاما سائغا لحروب الانتقام الجديدة.

ليس هناك أي شك في أن هذا التسليم من العرب، ومن المحور الغربي، ومن المعارضة السورية نفسها، بعدم وجود خيار آخر سوى "الحل الروسي" هو الذي طمّع الروس بالجميع، وأطاش صواب قادتهم، ودفعهم إلى رفع ثمن "مساهمتهم" الموعودة في إيجاد حل للنزاع وإطفاء النار السورية، إلى درجةٍ جعلتهم يعتقدون أنه أصبح في إمكانهم أن يطمحوا، في ما وراء سيطرتهم على سورية ذاتها، وانتزاع ما يشبه الوصاية الدولية الشرعية عليها، وجعلها جزءا من أملاكهم ومناطق نفوذهم المباشرة والأساسية في منطقة متوسطية حساسة استراتيجيا، طالما طمحوا إلى احتلال موقع فيها، وطمحوا إلى تنازلات أكبر من الغرب وجوائز ترضية إضافية في الملفات الاستراتيجية والسياسية والعقوبات الاقتصادية المعلقة بين روسيا والغرب منذ عقود.

بالغ الروس في أطماعهم، وناوروا كثيرا في سعيهم إلى تأجيل العمل من أجل حل سياسي، على أمل أن يرضخ الغرب، ويقبل شراكتهم الدولية، لا في سورية وحدها. وخدعت موسكو نفسها بالأمل في أن تنتزع تركيا أيضا من المحور الغربي، لتراكم مكاسب جيوستراتيجية إضافية، وتغير التوازنات الدولية في المنطقة، كما استهانت بأطماع طهران وتمسّكها بحلم الخلافة الشيعية المشرقية، أو بمشروع الإمبرطورية الفارسية المجدّدة، لا فرق، فوجدت نفسها، بعد تعديل السياسة الأميركية، وتناحة القيادة الإيرانية، في وضع أقل ثباتا وتماسكا، وربما مهدّدة بانفلات الأمور التي أمسكت بها بقوة منذ بداية الأزمة السورية، وهي في طريقها إلى فقدان المبادرة الدبلوماسية والعسكرية.

لاستعادة المبادرة، والضغط على جميع الأطراف الأخرى المستعدة لتجاوز "العهدة الروسية"، لم يجد بوتين وسيلة أخرى سوى التي اعتمدها قبل استلامه الحكم في الشيشان، والتي مهّدت لهذا الاستلام أيضا، والتي بوأت روسيا المكان الأول في سورية أيضا، وفرضت أسبقية 

"شلّ الروس مجلس الأمن بذريعة الحيلولة دون تدخل غربي يعيد تجربة ما حصل في العراق وليبيا" مصالحها على مصالح الدول الأخرى كافة، بما فيها السورية، وهي وضع آلة الحرب الكبرى التي يملكها في خدمة أهدافه الجديدة، والبدء بالتدمير المنهجي لمنطقة خفض التصعيد الوحيدة المتبقية في شمال غرب سورية في منطقة غرب الفرات، في إدلب وريف حماة الشمالي.

لن يستطيع الروس أن يربحوا رهاناتهم المهدّدة بالخسران عن طريق تجديد سياسة الأرض المحروقة، والقصف على المدنيين، وتهجيرهم للضغط على الأطراف الأخرى، فقد فشل الروس، في السنوات الثماني الماضية التي انفردوا فيها بما يشبه التفويض السياسي، في الاستجابة الصحيحة للثقة التي وضعها المجتمع الدولي، وسوريون كثيرون، بمن فيهم فئات من موالي نظام الإبادة، بهم. وهم مضطرون، بسبب ذلك منذ الآن، إلى أن يستبدلوا الثلاثية الجديدة التي تجمعهم مع إسرائيل والولايات المتحدة، والمنتظر أن تجتمع قريبا في القدس المحتلة بثلاثية أستانة التي لم يبق من ذاكرتها سوى رائحة الخدعة والخيانة التي تفوح من اتفاقيات خفض التصعيد والمصالحات التي رعتها، والتي راهنت عليها من أجل سحق تطلعات الشعب السوري وآماله.

والدرس الرئيس الذي علينا أن نأخذه من هذه المراهنة الخائبة على موسكو، نحن السوريين، بعد المراهنة الفاشلة، في بدايات الحرب المفروضة على السوريين، على التدخل الغربي، والذي قسم صفوفنا على لا شيء، هو أن لا ننتظر الخير ممن يسعى لنا بالشر، وأنه لا بديل لأي شعبٍ من أجل تحقيق أهدافه المشروعة سوى الاعتماد على نفسه وتنمية قواه الذاتية. وقد كان مصير الصراع بأكمله سيختلف جذريا، لو أننا نجحنا، منذ بداية الصراع المسلح، وبعد أخذ العبرة من درس بابا عمرو في حمص، وهي أول الأحياء الثائرة التي سقطت تحت وابلٍ من القصف والدمار، في قلب الطاولة، وتحويل المواجهة الساكنة في الأحياء والقرى إلى مقاومة شعبية متحرّكة، طويلة المدى ومتعدّدة الأشكال، تعتمد على ذاتها وتطور قواها تدريجيا، ومن خلال المواجهة ذاتها. وربما لن يبقى لنا خيار آخر اليوم بديل عن هذه المقاومة، إذا ما فشلت الدول المتنازعة على مناطق النفوذ والسيطرة، كما هو جليّ اليوم للجميع، في تخفيض سقف تطلعاتها، لإعطاء جرعة أمل للسوريين، لتحقيق تطلعاتهم التي أصبحت، بعد القتل والتدمير الإجراميين، واجبة، وليس شرعية أو مشروعة فحسب.

===========================

الساروت يمثّلنا حتى النصر

بشير البكر

العربي الجديد

السبت 15/6/2019

حجز عبد الباسط الساروت مكانا رفيعا في الوجدان السوري، في لحظةٍ يفتقد فيها الشعب السوري إلى بطل في هذا الزمن الرديء. وبدا الناس الذين شيعوه إلى مثواه الأخير وكأنهم اهتدوا، في خضم البحث اليائس عن رمز، إلى هذا الشاب، كي يلتفّوا من حوله. وحين رفع بعضهم على وسائل التواصل شعار "الساروت يمثلنا"، لم يكن الأمر من باب البلاغة الإنشائية العابرة، أو تكريم وقتي للرجل، ولا وضعه في مكانٍ لم يطمح إليه أو يستحقه. وأكثر من ذلك كانت مسيرة الساروت، منذ تظاهرات حمص الأولى، مسيرة الشارع السوري العريض الذي وجد نفسه في الثورة، ولم يكن بمقدوره أن يتخلّى عنها أو يتعامل معها كقضية ثانوية. الساروت هو ابن الشارع السوري بامتياز، الفتى المتحدر من أسرةٍ تعيش في ضواحي حمص، والذي لم تسمح له إمكاناته المادية بالحصول على تعليم جيد. وساهم وضع أسرته المادي ببناء شخصيته، وحدّد خياره الأساسي بالثورة على النظام، وذهب نحو هذا الخيار بلا تردّد أو تخطيط. وجد الساروت نفسه في المعمعة، وكأنه كان ينتظرها. وأبان عن مواهب كثيرة، على الرغم من حداثة سنه الذي لم يكن يتجاوز 20 عاما، وهذا ما شدّ نحوه الصغار قبل الكبار.

الساروت ابن بيئة شعبية ذات مصلحة أساسية في الثورة السورية، لأنها من أكثر المتضرّرين من عائلة الأسد، وهي تتوزّع على كامل الجغرافيا السورية، من حوران حتى الجزيرة السورية. وهذه الفئة التي تتمركز في صورة أساسية في الأرياف نزلت، خلال العقد الأخير من حكم الأسد الأب، إلى الدرك الأسفل في السلم الاقتصادي، واضطرت للهجرة إلى المدن الكبرى، وشهدنا هجراتٍ وصلت إلى مئات الآلاف من الذين تركوا أراضيهم في أرياف الحسكة، وذهبوا نحو المدن الكبرى، ليتحوّلوا إلى عمالة فقيرة تعيش في مدن الصفيح. وسبب إفقار هذه الطبقة هو السياسات الاقتصادية التي اتبعها حكم الأسد الأب، والتي نهبت الريف، وأدارت ظهرها له في فترة تراجعت فيها الأمطار. ومن جهة ثانية، كانت سياسات استيلاء مافيات الحكم على الأراضي الخصبة سببا أساسيا في تشريد بعض سكان الريف، وهذا ما حصل في ريف دمشق التي سيطر على بعض مدنها متنفّذون من آل الأسد، مثل ابن عمته ذو الهمة شاليش، الذي استثمر في مشاريع عقارية على حساب الأراضي الزراعية.

لم يكن الساروت حزبيا أو نقابيا، بل واحدا من أبناء الشعب الذين حرّكهم الحس العفوي، والشعور الطويل بالقهر والحرمان، كي يثور. وهو بذلك يشبه كل الناس الذين نزلوا إلى الشوارع، يهتفون من أجل الخلاص من النظام. ولكن هؤلاء الناس لم يكونوا بلا وعي سياسي، وإنما هم على قدرٍ عالٍ من الوعي، وهذا ما عكسته الشعارات التي رفعها الساروت في التظاهرات الأولى، وما حكم حسّه الثوري في أن يقاتل في آخر أيامه إلى جانب "جيش العزة"، آخر فصيلٍ من الجيش الحر الذي يقف ضد الأجندات الطائفية والدينية، ويرفع علم الثورة الأول الذي حمله السوريون وهم ينشدون حرية للأبد.

ولا أظن أن أحدا يريد أن يخلع على الساروت عباءةً لا تليق به، أو من تفصيل نفسه، وهذا أمر لا يستوي في جميع الأحوال، لأن الرجل كان واضحا في كل خطواته، منذ نزل إلى الشارع، وحين اضطرته التطورات لحمل السلاح. وكل من يحاول الفصل بين الساروت والقطاع الواسع من السوريين الذين لا يزالون على خط الثورة إنما يهدف إلى تمييع الحالة، والتفريط بالرصيد الرمزي الذي تركه الساروت، وهو رصيدٌ قائم على إيمان بالثورة التي ضحّى من أجلها مليون سوري.

===========================

من يأخذ بالسيف

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 15/6/2019

في نهاية عام 1979، وبمناسبة إعداد وثائق المؤتمر الخامس للحزب الشيوعي (في سورية)، المكتب السياسي، زرت، بمعية رياض الترك وفايز الفواز، الأستاذ إلياس مرقص في بلدة صلنفه، بعد أيام قليلة من انتصار الثورة الإيرانية الذي نشرت صحيفة الحزب افتتاحية احتفائية حوله بعنوان: رياح الحرية تهب من الشرق. ما أن جلسنا، حتى سأل الراحل الكبير: من منكم كتب هذه الافتتاحية؟ وأضاف من دون أن ينتظر الرد: الله يكسر ديّاته. عم تحكوا عن رياح الحرية، روحو يا حلّو الحزب يا تسلحو. سكت برهة، ثم رفع إصبعه، وقال بالفصحى: بدأ زمن الذبح.

ذهلنا مما قاله الرجل، لكننا صعقنا منذ عام 1980 بسبب حجم الذبح الذي لم يتوقف، أو يوفر شعوب المشرق والجزيرة العربية، بعد عام من انتصار ثورة ايران بقيادة الخميني، الذي بايع نفسه نائبا بصلاحيات كاملة للمهدي المنتظر، وكانت أولى قراراته، بعد إعدام عشرات آلاف الضباط والإداريين واليساريين والشيوعيين، تصدير الثورة إلى الجوار، بدءاً بالعراق، لاعتقاده أن وزن الشيعة فيه يجعل استيلاء طهران عليه مسألة وقت.

بالتزامن مع ذلك، شهد المشرق حدثين: اختراق سورية إيرانيا، انسجاما مع قيام نظامها على سلطة طائفية تحالفت مع طهران، وأسهمت في حربها ضد العراق، فكان ذلك أول تحالف مذهبي يشهده العصر الحديث بين دولة عربية وأخرى أجنبية، وكانت حربه ضد دولة عربية بداية تبدل مفصلي في بنية الوطن العربي وتوازناته، أدخله في حقبة جديدة بمفرداتٍ وممارساتٍ لم يسبق أن اعتمدت منذ استقلت الدول العربية، انخرطت فيها دولة تدّعي أنها عربية وقومية ووحدوية وبعثية!

باختراق سورية إيرانيا، قبل إسقاط العراق أميركيا وتقاسم مناطق النفوذ فيه مع طهران، كان من الطبيعي أن يشرف الأسد على تأسيس حزب الله: القوة التي قوّضت توازنات لبنان وهويته، وربطت مصيره بإيران التي نظمت الحزب، ودربته وسلحته كجهة طائفية مهمتها الاستيلاء على دولة لبنان الشرعية، أسوة باستيلاء طهران على الأسدية ودولة سورية، والقيام بدور فصيل من الحرس الثوري يرابط على الساحل الشرقي للمتوسط، لينفذ ما كان الحرس سيكلف بها، لو كان هو الذي احتل لبنان.

يشي انتقال سورية من التحالف مع إيران زمن الأسد الأب إلى التبعية لها زمن ابنه بهوية الجهات الإيرانية التي قررت إغراق الشعب السوري بدمائه، بعد شعب العراق، ورسمت خطط القتل، وبادرت إلى تنفيذها بأيدي مئات القناصة الذين أرسلتهم إلى مدن سورية، للتصدّي للمتظاهرين، تمهيدا لإشراك حرسها الثوري في حربٍ منظمةٍ على السوريين، في حمأة تصريحاتٍ رسميةٍ تؤكد أن سورية كالعراق، لم تعد عربية، بل غدت محافظةً إيرانية وموقعا أماميا يدافع الحرس فيه عن طهران، إن انهار، سقط الملالي بدورهم.

هل يعرف أحد كم سال من دماء في جوار إيران العربي منذ عام 1980، حيث صرف التحول من النزعتين الوطنية والقومية إلى النزعتين الطائفية والمذهبية عرب المشرق عن أهدافهم التاريخية التي ربطوا بها التحرّر من السيطرة الامبريالية، وزجّتهم في صراعاتٍ هشمت مجتمعاتهم ودولهم، وقوّضت حريتهم وقدرتهم على الخروج من تأخرهم المديد؟

كم إسرائيليا قتلت إيران الإسلامية مقابل كل مائة ألف عربي؟ وهل كان دعمها الحوثيين والأسديين في اليمن وسورية سلميا، أم انه أدخل شعبيهما إلى المسلخ الدموي الذي ذبح شعبي سورية والعراق بالسلاح، ويهدّد لبنان بذبحهم به؟

يقول المسيح: من يأخذ بالسيف، بالسيف يؤخذ. بعد أربعين عاما، أخذت إيران جوارها خلالها بالسيف وحده، ويؤكّد سلوكها أنها لن تخرج منه بقرار دولي، لأنه خاضعٌ في نظرها لسيادتها الدولتية، فلنعد أنفسنا إذن للغرق في بحار جديدة من الدماء، بقرار إيراني، ولنأمل أن يكون آخر قرارات القتل، لأن الملالي لن يكونوا في السلطة ليتخذوا غيره.

===========================

رعايا لا رهائن !؟

يحيى حاج يحيى

عندما كتب خالد محمد خالد -عفا الله عنه - كتابه ( مواطنون لارعايا ) بيّن لحكام وقته أن عليهم أن يعاملواالناس  كمواطنين لارعايا للحاكم ! فأحدث الكتاب  ضجة ، وحرك راكد الفكر !

وأمام مانشاهده اليوم في بلدنا وغيره فقد أصبح من المناسب  أن يطالب الناس أن يكونوا رعايا ، لعل يكون  في ذلك بعض الحماية من البطش والتقتيل ( مجزرة سجن تدمر على يد حافظ ورفعت أسد ووريثهما بشار نموذجاً )  ، وأن ينادوا حكامهم نحن  : { رعايا لا رهائن } !؟

===========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com