العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 29-12-2019


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

تدمير ما لم يدمر بعد.. قتل من لم يقتل بعد

 بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 26/12/2019

هذا ما يبدو أنه البرنامج الوحيد الذي يعمل نظام الكيماوي في دمشق على تنفيذه. فلا أحد يعرف ما الذي سيفعله النظام بالمدن والبلدات المدمرة والمفرغة من سكانها، في محافظة إدلب، بعد احتلالها. فإذا استأنسنا بالتجارب السابقة سنرى أن شرقي حلب أو الغوطة الشرقية، على سبيل المثال، لم تشهدا عودة للنازحين عنها إلا بنسب منخفضة جداً، وذلك بفعل التضييق الذي تمارسه أجهزة النظام على عمليات العودة، إضافة إلى عدم رغبة النازحين بالعودة إلى جحيم “الوطن الأسدي”. قد يكون البديل عن السكان الأصليين لتلك المناطق المدمرة سكاناً جدد تنطبق عليهم مواصفات “التجانس” المطلوبة بمعانيها السياسية والأهلية والمذهبية، لكن إمكانية تطبيق ذلك تتوقف على إعادة تأهيل تلك المناطق لتكون صالحة للحياة، وهو ما يتطلب موارد كبيرة تعجز عنها إمكانات النظام المختنق في أزمته، وكذا بالنسبة لإمكانات حليفيه الروسي والايراني. أما استجلاب موارد دولية لإعادة الإعمار فهو يشترط حلاً سياسياً، حتى لو كان بمفهومه الروسي، لا يبدو النظام بالذات مستعداً لتأمين موجباته، على ما رأينا تنصله من اجتماعات اللجنة الدستورية على رغم أن حليفته روسيا هي التي قلبت أولويات الحل السياسي المقترح في قرار مجلس الأمن 2254، واستبعدت كأس السم المتمثل في “الانتقال السياسي”، لتصبح اللجنة الدستورية بديلاً عنها.

حتى قرار مجلس الأمن المذكور الذي لا يحقق تطلعات السوريين في تغيير النظام، تنصل منه وزير خارجية بشار الأسد في موسكو، قبل أيام، بعدما كان النظام قد وافق عليه مرغماً حين صدوره في 2015. الحق أن ما عبر عنه وليد المعلم هو الموقف الحقيقي للنظام، أي رفض أي حل سياسي على الإطلاق، ومواصلة الحرب على سوريا إلى النهاية. ما هي النهاية؟ هي استعادة ما كان قبل 15 آذار 2011. لكنه يعرف قبل غيره أن سوريا لن تعود إلى ذلك التاريخ، بل إن سوريا انتهت منذ سنوات، وتحولت إلى أرض مقسمة إلى مناطق نفوذ، وأن “سيادته” على مناطق سيطرة بقايا قواته بالذات باتت في يد روسيا وإيران، وأن التفاوض على مصير سوريا يجري بعيداً عن مشاركته بين ثلاثي آستانة من جهة، ومجلس الأمن من جهة، والأمم المتحدة من جهة ثالثة. حتى مشاركته في اللجنة الدستورية تبرأ منها حين قال رأس النظام إن الوفد الذي أرسله إلى جنيف لا يمثل الحكومة السورية. ثم لم يطق حتى استمرار اجتماعات اللجنة المذكورة بوفده غير المفوض، فانسحب منها.

حين بدأ النظام يستعيد سيطرته على المناطق التي كانت خارج سيطرته، منذ التدخل الروسي المباشر في الحرب في عام 2015، كانت الخطة هي إفراغ تلك المناطق وترحيل سكانها تباعاً إلى محافظة إدلب. وهكذا ازدحمت تلك المحافظة بالنازحين من مختلف مناطق البلاد الذين أضيفوا إلى سكانها الأصليين. ثم جاء الدور على “منطقة خفض التصعيد” هذه المعززة بنقاط مراقبة تركية منعاً للتصعيد بين قوات النظام والفصائل المتمردة المسيطرة عليها. استطاعت تركيا فقط تأجيل الكارثة أكثر من مرة، لكنها وصلت إلى نهاية الطريق في علاقتها المربكة مع موسكو. “منطقة خفض التصعيد مقابل منطقة “نبع السلام” التركية بين تل أبيض ورأس العين” هذا ما يتداوله النشطاء السوريون المعارضون بحق. فهذه المقايضة بين أنقرة وموسكو لها سابقتان تعززان القناعة بحصولها للمرة الثالثة: “شرقي حلب مقابل درع الفرات، والغوطة الشرقية مقابل عفرين”. هكذا تجري الأمور بين الدول! لا أحد يهتم بمصير مئات الآلاف من السكان الذين شاء حظهم السيء أن يكونوا في تلك المناطق موضوع المقايضات الدولية.

في ظاهر حملة النظام وروسيا على منطقة “خفض التصعيد” الأخيرة في محافظة إدلب أن الاتفاق التركي – الروسي في أيلول 2018 الذي أدى إلى وقف هجوم النظام حينذاك، قضى بفتح الطريقين الدوليين بين حلب وحماة، وحلب واللاذقية، لكن الطرف التركي “فشل” في تنفيذ تعهداته، فلجأ الروس مجدداً إلى الحل العسكري، أي تحقيق فتح الطريقين المذكورين بالقوة. أضف إلى ذلك أنه بدلاً من تفكيك “هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقاً) الموجودة على قوائم المنظمات الإرهابية، كما تعهدت أنقرة، بسطت “الهيئة” سيطرتها على كامل المحافظة. ولكن بصرف النظر عن هذه الذرائع التي تقدمها موسكو لتبرير حملتها الجديدة، نعود لتلك الحقيقة البسيطة التي مفادها أن استعادة النظام لسيطرته على الطريقين الدوليين أو حتى كامل محافظة إدلب، بعد تدميرها وطرد سكانها “الأشرار” لن تشكل “نهاية الطريق” بالنسبة للنظام الساقط. فما زال أمامه، عسكرياً فقط، مناطق شاسعة خارج سيطرته، بدءاً من ريف حلب الشمالي وصولاً إلى أقصى نقطة عند الحدود السورية – التركية – العراقية. أي أن تسع سنوات من الحرب على سوريا لم تكن كافية لاستعادة السيطرة الميدانية فقط، من غير ذكر لاستعادة أوضاع طبيعية غير موجودة حتى في المناطق التي لم تخرج يوماً عن سيطرة النظام. أضف إلى هذه الحقيقة واقع رفضه لأي حل سياسي، بما في ذلك “الحل” الروسي الذي يهدف إلى استمرار النظام في حكم سوريا، لنصل إلى النتيجة المنطقية الواردة في عنوان هذه المقالة: ليس لدى النظام أي برنامج عمل غير تدمير ما تبقى وقتل من تبقى.

===========================

موقفنا :الجريمة الروسية في أسبوع !!

زهير سالم

مركز الشرق العربي

29 / 12/ 2019

يختلف السوريون المعارضون لزمرة الاستبداد والفساد في تقويم الدور الروسي ، وفي تحديد موقف صارم منه ، وكذا في اعتماد طرق عملية للتصدي له ولمقاومته .

 الاختلاف في تقويم الدور الروسي ، وفي حسم الموقف منه ؛ كانت له خلفياته الإيديولوجية والثقافية والسياسية على مستوى النخب السورية وبعض ارتباطاتها الإقليمية والدولية . بكل الثقة نستطيع أن نؤكد أن تجليات الاختلاف في تقويم الموقف من الدور الروسي لم تبدأ من "أستانا" أو " سوتشي " بل كانت أسبق بكثير . وما تزال حتى الآن تتجلى في أمرين خطرين تجعل بعض السوريين السوريين يضعون على هيئات المعارضة السورية أكثر من علامة استفهام :

 الأول أن موسكو مع أنها تبنت " كُبر الجريمة " في سورية استطاعت أن تفرض على ما يسمى المعارضة السورية منصة خاصة بها " منصة موسكو " حالة قد يستوعبها عقل سياسي مرد على الالتفاف والشقلبة ولكن لن يستوعبها أبدا عقل ثائر بني على أن الثورة أقصر الطرق للخلاص .

والثاني أن الأخبار المصنعة في موسكو " للتضليل " و " وتزييف وعي السوريين " ما تزال تلقى من النخب إياها العناية والتضخيم والتركيز والتبشير . ولا يفتأ الإعلام الروسي من الدرجة الثالثة يلقي للقوم بعض فتات متعدد الأغراض فتكون " الفتة أو المضغة الممضوغة " موضع احتفاء المحتفين ..

حين أتابع معارك أصحاب منصة موسكو وهم أكثر بكثير مما يقدر المقدورون أجد أن ما بذلوه من جهد ضد الثورة ، أهدافها ، شعاراتها، حاملي لوائها أكثر مما دونوه بأطنان الأطنان ضد مشروع الاستبداد والفساد !!

نحن لا نظن أن أصحاب البوصلة الوطنية السورية يترددون في تقويم الموقف الدولي الحقيقي مما يجري في سورية . بل هم الأكثر وعيا دائما أن الاختلاف في ألوان الطيف لا يعني عندما تدور عجلة الفعل بالسرعة المفروضة الكثير . ولكن أصحاب منصة " موسكو " بخلفيتها الأوسع كلهم يعتقدون بل يجمعون على أن السفير والوزير هو الصديق وأن السوري الثائر هو العدو . والتعبير عن العداء جنون وفنون . وأحيانا يكون بعض الصمت من الجنون أو من الفنون

والهدف من هذا المقال ليس الإتيان بالجديد ، ولا توضيح الواضح ، أو تأكيد المؤكد وإنما الهدف منه استفزاز الذين يلعبون بتنبيههم أن أعداءنا الروس لا يلعبون . وأن عليهم إذا أرادوا أن يستمروا أن يمروا ليتركوا لمن وراءهم العبء من الذين يعوون ويستطيعون .

سنحاول في هذا المقال رصد أبرز ملامح الدور الروسي في سورية على مدى عشرة أسبوع . والخلاصة الجديدة التي يمكن أن نصوغها في هذا السياق هي أن جهاز الدولة الروسية بكل مؤسساته ينغمس في مشروع الانقضاض على سورية وكأن قضية سورية هي القضية الأولى على أجندة الدولة الروسية . وكأن الروس على كل المستويات لا قضية لديهم غير ابتلاع سورية والقضاء على السوريين . حتى قضاياهم الكبرى على مستوى العالم جعلوها وراء وراء وهم يكيدون ويمكرون.

على الأرض السورية ما تزال الطائرات الروسية والمرتزقة الروس يتابعون إهلاك الحرث والنسل . فما زال القصف على البلدات والقرى والأحياء السكنية مستمرا آناء الليل وأطراف النهار ولا تجدي شيئا كل التحذيرات وإن كانت من ترامب ، ولا الاتصالات وإن كانت من شريك ضامن مثل الرئيس أردوغان . القصف الروسي الذي لا يعلق عليه الجالسون على المنصات بمسمياتها لا يتورع عن قصف أرتال سيارات اللاجئين المزدحمة بالنساء والأطفال .

والطيران الروسي الذي اعتمد وفق خطة عسكرية مقررة استهداف المستشفيات والمدارس والمخابز والمساجد يقدم في الوقت الذي يسود فيه البرد والخوف والجوع على قصف مخبز النور الآلي الوحيد في قرية معصران .. فعل ذلك فجر السبت 28/ 12 / استكمال لحملة التجويع والتدمير لأناس المنطقة . ويقول لك موسكوي عتيق : صدفة ..

التهجير والتجويع استراتيجية

وكانت الحكومة الروسية قبل ذلك بأيام وعن طريق مندوبها الدائم في مجلس الأمن قد أحبطت بقرار الفيتو الذي اتخذته مع حليفتها الصين في 20/ 12 / قرارا أممياً يهدف إلى الاستمرار في سياسة تعدد البوابات لتزويد السوريين الهائمين على وجوههم بالغذاء . وليظل ذلك محصورا بيد بشار ولمن يوالي بشار . قرار محبوك ينجدل تماما مع ما أقدم عليه الطيار الروسي عندما قصف مخبز معصران !!

والروس والدفاع عن الجريمة ..

ولأن الروس لا ييأسون فقد قاموا في الوقت عينه – خلال أسبوع مضى- بتقديم مشروع قرار للجمعية العامة للأمم المتحدة للتعديل في دور الآلية الأممية لجمع الأدلة عن الجرائم الأخطر في سورية . ودعا مشروع القرار الروسي إلى إلغاء كافة الكلمات والعبارات التي تضمن الحياد والاستقلالية في التحقيق ، ليجعلوا من عناصر الآلية الدولية مجرد أجراء عند أجهزة المخابرات .

صحيح أن القرار قد فشل بمعارضة 88 دولة وامتناع 47 دولة عن التصويت . ولكن المعارضين السوريين الذين لا يدرون لم يروا أن من واجبهم أن يتساءلوا عن الدول السبع والأربعين .. الدول الممتنعة عن التصويت ؟! وعن جواب منصة القاهرة عن سر امتناع القاهرة عن التصويت ..

وفي الأثناء وفي 25/ 12 / - ليس موعد عيد الميلاد عند الأرثوذكس – كانت اللجنة الحكومية ( الروسية – السورية ) مجتمعة في موسكو الأولى برئاسة نائب رئيس الوزراء الروسي والثانية برئاسة نائب رئيس الوزراء السوري وليد المعلم ، لوضع برتوكول مشترك يمكن الحكومة الروسية من وضع اليد على منجم الجمارك السورية الذي هو أخطر من بئر نفط عميق . ويتم كل ذلك بالطبع حسب برتوكول متفق عليه بين دولتين ذواتي سيادة ..

ربما بقي للواشي أن ينبه أصحاب البرتوكولات الروسية عن بئر جوازات السفر وما يدره ضرعها من حليب لينظم احتواؤها ببرتوكول عتيد ...

_____________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

تحدّيات 2020

مروان قبلان

العربي الجديد

الاربعاء 25/12/2019

يطوي العام 2019 أيامه الأخيرة، والمشهد الإقليمي والدولي أكثر تعقيدا مما بدأه. دوليا، انشغل العالم بمشاهد الصراع الذي اشتدّت ضراوته بين الرئيس دونالد ترامب والمؤسسة الأميركية الحاكمة، وسط استقطابٍ سياسي واجتماعي غير مسبوق داخل الولايات المتحدة. أما الحرب التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم، الصين وأميركا، فقد اتسع تأثيرها حتى باتت تهدّد الاقتصاد العالمي، على الرغم من الهدنة التي توصلا إليها أخيرا. مسألة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أيضا تحوّلت إلى كابوس سياسي طويل، انتهى أخيرا بفوز المحافظين في الانتخابات العامة، وإنْ ظلت التخوفات قائمة بشأن تأثيراتها على الاقتصاد البريطاني في مرحلة ما بعد الخروج، وعلى أوروبا أيضًا التي فقدت ثاني أكبر اقتصاداتها حجماً وأقواها عسكرياً. صعود اليمين المتطرّف، وانتشار مشاعر الكراهية والإسلاموفوبيا، وتنامي التيارات الشعبوية من اليمين واليسار، عبر العالم من الفيليبين إلى أميركا، مرورا بالهند والشرق الأوسط وأوروبا، أخذت أيضا تمثل تهديدا فعليا للسلم والاستقرار العالمي، سواء داخل الدول والمجتمعات، أو فيما بينها.

عربياً، بدأ العام 2019 باندلاع احتجاجاتٍ واسعةٍ في القسم الأفريقي من الوطن العربي (السودان والجزائر) وانتهى باحتجاجات أوسع في الجزء الآسيوي (العراق ولبنان). في الجزائر، نجح الحراك الشعبي في اسقاط الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، والعصابة التي حكمت باسمه، في انتفاضةٍ سلميةٍ لم يسقط فيها قتيل. وسقط في السودان نظام الرئيس عمر البشير، بعد أن حكم نحو ثلاثين عاما. وفي الحالتين، لعب الجيش دورًا حاسما. ويحدو البلدين أمل في تجاوز المرحلة الانتقالية بسلام، على الرغم من أن أحدا ليس لديه أوهام بخصوص التحدّيات الجسيمة التي تواجهها.

وفي المشرق العربي، كانت الأمور، كما دائما، أعقد وأكثر دموية، ففي العراق الاحتجاجات مستمرة على الرغم من العنف المريع الذي أودى حياة مئات القتلى وآلاف الجرحى من المتظاهرين الشباب، وما زال هدفهم في إسقاط نظام المحاصصة الفاسد الذي حكم البلد منذ الغزو الأميركي عام 2003 تحول دونه المقاومة الشديدة التي تبديها مافيات الفساد التي تمكّنت من جسَد الدولة. بالمثل، لم تتمكّن الانتفاضة التي اندلعت في لبنان، بالتزامن، من الذهاب أبعد من إسقاط حكومة سعد الحريري، حيث تجري عملية محاصرتها وترهيبها من السلطة الفعلية التي تحكم البلد (حزب الله وحلفائه). إيران هي الأخرى شهدت أواخر العام احتجاجاتها الأكثر دمويةً منذ عام 1979، حيث سقط، وفق مصادر إيرانية، أكثر من 1500 قتيل في أربعة أيام من الاحتجاجات الشعبية ضد الغلاء والفساد.

مع ذلك، وعلى الرغم من المقاومة الشديدة التي تبديها قوى السلطة، وشبكات المصالح المرتبطة بها، لمحاولات التغيير، يتوقع أن يشهد العام 2020 الاحتجاجات الأوسع على مستوى المنطقة، منذ أحداث الربيع العربي، قد تمتد إلى مناطق عديدة في سياق عالمي واسع، عنوانه العريض فشل الحكومات والنظم السياسية، بأنواعها، في مواجهة تحدّيات التنمية، وإدارة الموارد وتوزيعها، ومعالجة بواعث الخوف والغضب وعدم اليقين إزاء المستقبل، التي تعتري سكان العالم على اختلافاتهم، بسبب التكنولوجيا، والثورة الرقمية، والتغيرات في سوق العمل، وتزايد عدد السكان، وندرة الموارد، والهجرة، والتغيرات المناخية، وغياب سياساتٍ عامةٍ رشيدة، تلبي تطلعات الشعوب في العدالة والحرية والعيش الكريم.

يتوقع أيضا أن يزداد تأثير الأوضاع الداخلية في بلدان المنطقة على سياساتها الخارجية. وأن يُترجم ذلك مزيدا من الصراعات الجيوسياسية التي تتصاعد أصلا في منطقتي الخليج وشرق المتوسط. ففي الخليج، يتوقع أن يشهد العام 2020 مزيدا من التوتر، إذا لم يجد الطرفان، الإيراني والأميركي، مدخلا لبدء مفاوضات جديدة للوصول إلى صيغة تساكن. وقد بدأت إيران ترسل، في الأسابيع الأخيرة، إشارات إلى استعدادها للتفاوض، استباقا لوضعٍ أصعب في حال فاز ترامب في انتخابات نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل.

وفي شرق المتوسط يُتوقع أن يزداد التنافس على الموارد الطبيعية، في ظل تسابق دول المنطقة الى تأمين احتياجاتها من الطاقة. ونشهد في هذا السياق بروز تكتلاتٍ ومحاور إقليميةٍ منخرطةٍ في حروب وكالةٍ قد تتطوّر، خصوصا مع دخول أطرافٍ دوليةٍ من خارج الإقليم على الخط (روسيا، أوروبا، والولايات المتحدة).

باختصار، تحديات العام 2020 كبرى، وأكثر ما يخيف فيها هو نوعية النخب والقيادات التي تتعامل معها.

===========================

سورية.. قانون قيصر جوزة فارغة

علي العبدالله

العربي الجديد

الاربعاء 25/12/2019

استُقبل إقرار قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين في مجلسي الكونغرس، النواب والشيوخ، وتوقيع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، عليه، بابتهاج كبير في أوساط المعارضات السورية، ابتهاج ممزوج بإحساس باقتراب الولوج في مسار تحقيق أهداف الثورة السورية بإحداث التغيير والتقدّم نحو فضاء الحرية والكرامة.

حدّد "القانون" الأشخاص والقوى والدول التي ستتعرّض للعقوبات، والأسباب التي ستجعل شخصا أو شركة أو دولة ما تتعرّض لهذه العقوبات، فالمروحة واسعة، والعقوبات المتوقّعة قاسية وهدفها، وفق الكونغرس الأميركي، "إجبار النظام السوري، باستخدام وسائل إكراه، على وقف إجرامه بحق المدنيين، ودعم انتقال للحكم في سورية إلى حكمٍ يحترم حقوق الإنسان وحسن الجوار". كما حدّد شروط رفع هذه العقوبات: وقف القتل، إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين، رفع الحصار والعزل عن المناطق السورية، عودة آمنة وكريمة للسوريين إلى منازلهم، تقديم مرتكبي جرائم الحرب إلى العدالة الدولية.. إلخ. ووضع لها مدة خمس سنوات قابلة للتجديد في حال لم تنفذ الشروط السابقة. وهذا جعل لـ"القانون" نتيجتين قاسيتين: عقوبات على الجناة وردع للداعمين الجدد، ما يعني عزل النظام السوري ومحاصرته.

انطوى "القانون" على خطواتٍ وإجراءاتٍ حازمةٍ إنْ لجهة معاقبة النظام السوري على استخدامه القوة ضد المدنيين بالقتل والتدمير والتشريد بشكلٍ واسعٍ وممنهج، أو لجهة معاقبة الدول والمنظمات التي تساعده، أو ستساعده مستقبلا، في حربه، أو تقدّم له الدعم العسكري، أو الاقتصادي أو المالي أو النفطي، أو تنفتح عليه سياسيا ودبلوماسيا. عقوبات وصفت بالقاسية 

حدّد "القانون" الجهات التي ستتعرّض للعقوبات، والأسباب التي ستجعل شخصاً أو شركة أو دولة ما تتعرّض للعقوباتوالمؤثرة ستجعل الوضع في مناطق سيطرة النظام أكثر سوءاً وعرضةً لهزّات وعدم استقرار، وفق مسؤولين غربيين، وتضع، إنْ نفّذت، النظام وداعميه أمام خيارين لا ثالث لهما: تحمّل العقوبات وتبعاتها القاسية أو الانخراط في مفاوضات سياسية جادّة، والقبول بإصلاحاتٍ سياسيةٍ تلبّي تطلعات السوريين.

ولكن قراءة متأنية ومدققة في طبيعة "القانون" وتفاصيل المشهد السياسي الإقليمي والدولي، ومصالح الدول والقوى السياسية المنخرطة في الصراع على سورية، وتعارض مواقفها وتناقض أهدافها، ستقود إلى استنتاجٍ أوّلي مفاده بأن التفاؤل بتحقيق نتائج كبيرة ليس منطقيا ولا موضوعيا، لاعتبارات أميركية ودولية، فالإدارة الأميركية عالقة في ملفات داخلية ساخنة من إجراءات عزل الرئيس إلى الجدل الحاد حول احترام المؤسسات وتقديراتها السياسية والاقتصادية والأمنية والعمل وفق محدداتها، مرورا بالخلاف حول ملفات التجارة الدولية والمناخ والعلاقة مع الحلفاء على الجانب الآخر من الأطلسي. كل هذا والبلاد على أبواب انتخابات رئاسية، ما أضفى على الوضع الداخلي حالةً من الارتباك والتوتر، وجعل فرص التفرغ لملفات خارجية محدودةً، ما لم يكن صالحا لخدمة مواقف داخلية حلا أو تمويها أو مشاغلة. يضاف إلى ذلك عاملٌ شديد الأهمية والخطورة، وهو التناقض الفجّ الذي يعتور السياسة الخارجية الأميركية بين حاجتها للحلفاء وللقوانين الناظمة للنظام الدولي السائد، وهو نظام أميركي بشكل رئيس، والتي تعزّز التحالفات والتنسيق والتعاون، وبين سياسة الإدارة الحالية ودورها في تقويضه وتدمير مرتكزاته بتجاهل محدّداته والعمل على الضد منها؛ وتجاهل توجهاته وقراراته، والعمل على تجويف أجهزته 

انطوى "القانون" على خطواتٍ وإجراءاتٍ حازمةٍ لجهة معاقبة النظام السوري على استخدامه القوة ضد المدنيينوهياكله عبر تبنّي مواقف واتخاذ قرارات تعارض قراراته أو تجاهلها وعدم السعي إلى تطبيقها، ومد ولاية القانون الأميركي خارج الحدود الأميركية، فالكونغرس الأميركي يتصرف باعتباره حكومة العالم، وفق الكاتب اللبناني، حسن منيمنة، وإعطاء أولوية مطلقة لتحقيق المصالح الأميركية، تنفيذا لشعار "أميركا أولا"، واتخاذ مواقف وقرارات ضد الحلفاء والخصوم على حد سواء، من دون اعتبار أو التفات لمستدعيات التحالف أو لضرورات توازن المصالح الدولية في ضوء الاعتماد المتبادل وتبادل المنافع الذي فرضته التحولات في مجالات العلم والاختراع والإنتاج.

في الوقت الذي يستدعي فيه تنفيذ "قانون قيصر" تعزيز التحالفات وتمتين الصداقات؛ من أجل توفير مناخٍ يساعد على مواجهة طيفٍ واسع من الدول والقوى والتنظيمات السياسية والمسلحة المنخرط في الصراع على سورية إلى جانب النظام السوري؛ تقوم الإدارة الأميركية بتفكيك عرى التحالفات وتمزيق الروابط التاريخية مع الحلفاء بفرض عقوبات اقتصادية عليهم، بذريعة عدم توازن العلاقات التجارية معهم، وبوضع قيود وشروط مالية على مساعداتها لهم ضد الأخطار التي تهدد أمنهم الوطني، حيث لا يمكن تنفيذ عقوبات حازمة وقوية ومؤثرة ضد النظام السوري وداعميه، من دون توفير مناخ إقليمي ودولي مواتٍ يلعب فيه الحلفاء والأصدقاء دورا مساعدا، أو عدم خرقهم هذه العقوبات على أقل تقدير، ما يستدعي تعاونهم ومشاركتهم؛ وهذا يستدعي أخذ مواقفهم ومصالحهم في الاعتبار، وقد زاد الطين بلّة صدور "القانون" ضمن قانون ميزانية وزارة الدفاع (البنتاغون) المعروف باسم "قانون إقرار الدفاع الوطني" الذي تضمن عقوباتٍ على الشركات التي تشارك في بناء خط أنابيب الغاز الطبيعي الروسي "نورد ستريم 2" الذي يصل إلى ألمانيا عبر بحر البلطيق، مسّت شركات ومصالح دول حليفة، ما وتّر الأجواء وعكّر العلاقات، وأثار حفيظة دول أوروبية حليفة (رفضت الحكومة الألمانية العقوبات الأميركية التي وصفتها بأنها "عقوبات عابرة للحدود"، كما حذّرت واشنطن من التدخل في شؤونها)، بالإضافة إلى التناقض الفاضح بين سياسة الإدارة المعلنة بالانسحاب من المناطق الساخنة والحروب المجنونة والإبقاء على قوات لحراسة النفط السوري وحمايته واستثماره في تغطية تكلفة انتشار هذه القوات وتمويل الحلفاء في "قوات سورية الديمقراطية".

لقد قاد ربط "القانون" بميزانية الدفاع ومواجهة خصوم الولايات المتحدة إلى تحويله إلى بندٍ في الصراع مع القوى الأخرى المنخرطة في الصراع السوري، والمناوئة للسياسات الأميركية 

"القانون" جوزة فارغة لن تفيد السوريين، ما لم يوضع في سياق سياسةٍ هدفها الأول خدمتهم وتحقيق تطلعاتهم في الحرية والكرامةوالمنافسة لها في السياسة والاقتصاد والتسليح والتجارة؛ ما سيحدّ من فرص استثماره في صالح السوريين ويطيل معاناتهم، حيث ستفرض المنازلة الواسعة مع هذه القوى والمصالح الكبيرة التي تغطّي معظم الكرة الأرضية سلم أولوياتها وجدول أعمالها، وتفرض الربط بين الملفات والقضايا والمصالح وتصعيد المواجهة على الساحة السورية، للتأثير على ملفات وقضايا خارجها أو للتعبير عن موقفٍ ما، وتبليغ رسالةٍ إلى الخصوم، ما يمنح الأفضلية للملفات الأهم والمصالح الأكبر على حساب مصالح السوريين وقضيتهم، وما إفشال اجتماع اللجنة الدستورية والهجوم العنيف والمدمر على إدلب، والفيتو الروسي الصيني في مجلس الأمن ضد تمديد قرار إيصال الإغاثة إلى المحتاجين من السوريين، أربعة ملايين منهم في مناطق خارجة عن سيطرة النظام، من منافذ حدودية لفرض تسليم المساعدات الدولية إلى الحكومة، وهي تتولى عملية توزيعها على المناطق، إلا مقدّمات أولية على طريق المواجهة المنتظرة. كما حدّت شمولية العقوبات وتشعباتها من جدوى استثناء المنظمات غير الحكومية التي تقدّم المساعدات في سورية، الطبية والإغاثية والخدمية، من العقوبات، فالعقوبات على البنك المركزي السوري والتحويلات المالية إلى سورية، ومنع استخدام الدولار في تمويل المشتريات سيشلّ قدرة هذه المنظمات على توفير احتياجاتها من المواد الطبية والأغذية والألبسة، فسِعة قوس العقوبات وقوة الردع الذي يسبّبه أي قرار من وزارة الخزانة الأميركية ستعيقان حركة المعاملات، سبق لقرار منع تحويل الأموال إلى سورية الإضرار بالمواطنين العاديين، حيث تعرّض آلاف السوريين لإغلاق حساباتهم المصرفية، أو رفض تحويل الأموال إليهم، وتجميد بعض الأرصدة بسبب جنسيتهم أو جهة حوالاتهم، ما دفعهم إلى تحويل الأموال عبر "نظام الحوالة" غير الرسمي (مكاتب وشركات بين سورية وتركيا مثلاً)، ما وضعهم تحت رحمة هذه المكاتب من ناحية أجور التحويل أو إجبار المتلقي على القبض بالليرة السورية، حسب السعر الرسمي للصرف، وإغلاق المكاتب المستقبلة على الأرض السورية الأخرى من أجهزة المخابرات. ناهيك عن الأذى الذي سيلحق بالمواطنين، نتيجة الضغط لمنع توريد النفط والغاز، لجهة حرمانهم من توفير وقود الطهي والتدفئة وخضوعهم لابتزاز تجّار الحروب برفع أسعار هذه السلع الضرورية ومعاناتهم الكبيرة نتيجة التقنين الحاد للكهرباء.

وضع "القانون" سلاحا اقتصاديا قويا في يد الرئيس الأميركي، وهو المغرم بعقد الصفقات والجري وراء المنافع المالية، ومنحه حقّ استخدامه ضد من يعتقد أنه يخرقه؛ وتفعيل "قانون مكافحة أعداء أميركا من خلال العقوبات" للي ذراع موسكو وبكين وطهران، وترويض أنقرة وبيونغ يانغ وكاراكاس، وتعزيز المصالح الأميركية في سورية بإضعاف خصومها فيها، فـ"القانون" جوزة فارغة لن تفيد السوريين، ما لم يوضع في سياق سياسةٍ هدفها الأول خدمتهم وتحقيق تطلعاتهم في الحرية والكرامة.

===========================

مع قانون قيصر: السوريون دروع بشرية دائماً

 موفق نيربية

القدس العربي

الاربعاء 25/12/2019

مع إقرار ما سمي بقانون قيصر في مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ في الولايات المتحدة، تصاعدت من جديد أصوات تعبر عن الخشية من انعكاس موجة العقوبات الجديدة على حياة ومعيشة الشعب السوري، الموجود في مناطق سيطرة النظام، والفئات الأكثر ضعفاً منه على وجه الخصوص. ذلك الأمر له وجهان بشكل طبيعي: أحدهما يحمل قلقاً موضوعياً بالفعل، ويهدف إلى نقل هذا القلق إلى الآخرين. وثانيهما يريد تخفيف الضغط عن النظام، لأنه لا يعاديه عملياً، أو لا يعاديه بالقدر الذي يعادي فيه المعارضة أو أعداء النظام الخارجيين.

إثر حرب السادس من أكتوبر/ تشرين الأول 1973، تم تشغيل منظومة دعم مالي كبرى من دول الخليج العربية، لكل من مصر وسوريا، في توزيع محقٍ لنسبة مما جاءت به الحرب من تأثيرات على زيادة أسعار النفط العالمية، ومن ثم على حجم عائداته على الدول المنتجة له. من دون أي إنكار لإمكانية أن يكون ذلك الدعم احتراماً أيضاً للقوى الأمامية في وجه إسرائيل. والمهم هنا هو أن تلك المساعدات قد أطلقت موجة إعمار وبناء وتحديث كبرى في سوريا، حملت في طياتها أيضاً مكافأة للمخلصين في بناء الدولة الإدارية – الأمنية – العسكرية ما بين تاريخ سيطرة حافظ الأسد على السلطة في خريف 1970، إلى خريف 1973 المذكور. تلك المكافأة المذكورة كانت إحدى نتائجها الطبيعية، وربما المخططة افتتاح طريق للفساد لم تكن قد عرفته البلاد بعد في تاريخها الحديث، إضافةً بالطبع لتأسيس دولة تقوم بشكل عضويٍ على الزبائنية، وعلى ثنائية الخوف والمكسب.

وبعد حرب الأسد في لبنان، ثم حربه على شعبه في مطلع الثمانينيات، قفزت تلك الظواهر بطفرة جديدة، جعلت من محمد مخلوف – شقيق زوجة الأسد ومستشاره القوي – سيداً للاقتصاد والفساد المنظم. ثم حقق الأسد الابن قفزة مختلفة نوعياً، تخلق موارد جديدة من شحم البلاد ودمها، مع طبقة يقودها رامي مخلوف، ونظام متوحش في ليبراليته الاقتصادية الفاسدة. وبنيته التي تفسخت أيضاً بشكل نهائي في حربه الحالية الكبرى على شعبه، والتي ما زالت بدورها مستمرة حتى الآن.

لا يوجد من يماري حقاً في أن النظام قد اكتمل تحوله إلى ما يشبه العصابة، التي ما زال لها بعض ملامح الحكومة، وبعض أقلّ من ملامح الدولة. لا يعترض على ذلك أهل النظام ونواته، خصوصاً الذين يسمّون أنفسهم «الدولة»، في حين يعترض آخرون. ولم يبق من عوامل شرعية ذلك النظام، إلا ما يدفعه من رواتب للعاملين في الدولة، يقضم منها يوماً بعد يوم ما يحتاجه، أو ما يستسهل النيل منه. وقد وصلت تلك الرواتب في قدرتها إلى الحضيض، مع الحضيض الذي يذهب إليه سعر العملة الرسمية.

 

الكثير من الدراسات الأممية شبه الرسمية تؤكد على أن العقوبات الاقتصادية تفشل في 6595% من الحالات في تحقيق أهدافها المطلوبة

 

لقانون قيصر بؤرتان في أهدافه المحتملة: أولاهما في العقوبات على الأفراد، وثانيتهما في عقوبات على المصرف المركزي، بعد تحقيق وتقرير خلال 180 يوماً للتأكد من الزعم بأنه أداة لغسيل الأموال، ثم 90 يوماً آخر لتطبيقه، من خلال المادة 5318A من القانون 31 المتعلقة بإجراءات التقاضي والمؤسسات المالية ونماذج الحسابات المالية في اعتبارات غسيل الأموال الابتدائية.. وفي الحقيقة، كان الكثير من الدراسات الأممية شبه الرسمية تؤكد على أن العقوبات الاقتصادية تفشل في 6595% من الحالات في تحقيق أهدافها المطلوبة. كما أنها كثيراً ما لا تؤدي إلى تقدم ملموس في حقوق الإنسان والديمقراطية وحرية الصحافة. وتقترح تلك الدراسات سببين عامين لذلك الفشل: أولهما لأن تلك العقوبات عاجزة عن تخفيف قدرة النظام، لأن النخب المستهدفة سوف تقوم بتحويل وجهة الموارد العامة إلى المعدات الأمنية والعسكرية، أو إلى الحقول التي تخدم مؤيديه وحراسه، أو بتحول المشمولين بالعقوبات إلى ميادين التهريب والجريمة المنظمة والاقتصاد الخفي، أو الريعي البدائي على الأقل. وثانيهما، لأن الحكومة المعنية تقوم بتصوير العقوبات على أنها انتقاص من السيادة الوطنية، أو من شرعية النظام بكونه هو الدولة. كما أن النظام المعني يستند إلى الظروف الطارئة للقيام بتحويل الضغط الخارجي عليه إلى ضغط على معارضيه ومواطنيه، لإظهار تصميمه على مقاومة مطالب الإصلاح وتغيير السياسات.

ينفع هذا الضغط في عصر المواطنين أكثر، بكل المعاني. فما دام هنالك منطق يقول إن مصدر صعوبات المواطنين هو في العقوبات الخارجية، فهنالك منطق، مهما كان أعوج، في تعريض السكان لأسوأ الظروف، من حيث حرياتهم ومعيشتهم. يعطي هذا الحال ظرفاً مناسباً أيضاً لطبقة أثرياء الحرب وأمرائها للمضي في سياساتهم وبرامجهم، لو استعرنا تعبيرات عالم العاقلين لوصف عالم آخر. في ذلك ربما كان هنالك اهتمام ناقص بمفهوم ينبغي تجريده وتعميمه، هو مفهوم «الدروع البشرية»، الآتي من التكتيك الحربي المعروف، الذي استعمله النظام مراتٍ عديدة، واستعملته كذلك قوى إسلامية متطرفة تُحسب على المعارضة، ولا تزال تستخدمها في مناطق مثل إدلب. يمكن نقل هذا المفهوم وتطويره ليكون صالحاً في مسألة العقوبات وآثارها، حيث أن هنالك ضحايا مدنيين من الممكن استثمار مصائبهم بشكل قد يكون ناجحاً، أو سلاحاً في الجدالات اللاحقة على الأقل، ذلك الأثر أكثر اتساعاً، ليشمل كل السكان في المناطق تحت سيطرة النظام، في حالة النظر في آثار العقوبات الاقتصادية. وذلك أكثر تعقيداً في اتساق منطقه أيضاً. وذلك متفق عليه منذ عقود في بحث المجتمع الدولي عن عقوبات ذكية لا مبالغة في آثارها على السكان الخاضعين للسلطة موضوع العقوبات. وكان العراق أكبر ميدان للبحث في مثل هذا النوع من العقوبات، التي لم تنجح هنالك، رغم كل الادعاءات بغير ذلك.

في قانون قيصر، لا يتعلق الأمر في الحقيقة إلا بتلك العقوبات على المصرف المركزي، إذا حدثت. فمن خلالها يمكن أن تتأثر التجارة الخارجية واستيراد الوقود والغذاء بشكل من الأشكال، وكذلك استمرار ازدياد الصعوبات الناتجة عن تراجع العملة، وإشكالات الإنفاق العام اللاحقة. هنا مشكلة حقيقية، لا يمكن تبرئة الفاعل الجرمي الرئيس فيها، ذلك المتمثل في تلك «العصابة» التي حولت البلاد، والمصرف المركزي ذاته مع غيره من أدوات وآليات الدولة، إلى مجرد وسيلة لتبييض الأموال وتحقيق الثروات وتركيز الهيمنة في يد القلة. لقد اعتدى النظام بما جناه ليس على شعبه وحده، بل على النظام الدولي، باقتصاده وسياسته. في قانون قيصر أيضاً، هنالك فقرة كبيرة تتعلق بتسهيل عملية توريد الحاجات الأساسية إلى المناطق المحاصرة، التي قد ينطبق مفهومها على كل الجغرافيا السورية الخارجة عن سلطة النظام. في حين لا تتوفر آليات لتخفيف معاناة المواطنين في المناطق الأخرى، الذين يستخدمهم النظام دروعاً بشرية، ويستمر في خنق أنفاسهم وعزلهم عما يجري حولهم.

سيكون تطبيق قانون قيصر مرحلةً جديدة في نزع ما تبقى من شرعية لنظام الأسد، وفي إجباره وداعميه على تدقيق مسار العملية السياسية، ولكن ذلك سيكون بالنسبة للسوريين، كلما طال أكثر، باباً يفتح على أعماق جديدة من الجحيم.. وقبل كلّ شيء، وحتى لا يسيء أحد فهمنا، فإن المهمة مهمة السوريين أولاً وثانياً.

===========================

قيصر الحق السوري، وقيصر المافيا الروسي

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 23/12/2019

"لو أرادت أميركا إنهاء نظام الأسد، لما احتاج ذلك إلى أكثر من اتصال هاتفي". عبارة تكررت على لسان كثيرين، مستشهدين بما حدث عام 2005، عندما تم إخراج "القوات السورية" من لبنان؛ إلا أن ما حدث في سوريا عام 2011 له طبيعة مختلفة؛ فإضافة إلى كون المسألة سورية داخلية، سرعان ما شهد السوريون وقوف المافيا الروسية جدارَ صدٍ لحماية إجرام نظام الاستبداد، للحَؤول دون أية مساءلة أو حساب.

زاد في الحصانة أن الدماغ السياسي الأمريكي وقتها، كان مغلقاً ومبرمجاً تحت تأثير ما حدث في العراق؛ فتغيير النظام في دولة أخرى خطيئة قاتلة في السياسة الخارجية الدولية، والأمريكية ضمناً. زد على تلك الحسابات الداخلية، الخدمات الوظيفية الجليلة التي كانت منظومة الأسد السياسية والأمنية قد قدّمتها- ليس فقط لأمريكا- بل لدول كثيرة. وفي الحسابات الباردة، لا بد من القول إن إشاحة أمريكا طرفها عن التدخل الميليشياوي والعسكري الإيراني والروسي، قد أطالا بعمر النظام، وعمر الوجع السوري.

استمرت أمريكا بالاستتار بالفيتو الروسي الذي حمى النظام؛ ولكنه في عهد الرئيس "أوباما" وصلت آلاف من الصور لمعتقلين سوريين قضوا تحت التعذيب في معتقلات النظام. وفي عهده، وبعد عرض الصور في الكونغرس الأمريكي بمجلسيه، تمت صياغة ما سُمِّي قانونَ قيصر. عمل أوباما شخصياً مع بعض أعضاء الكونغرس على دفن ذلك القانون. وفي عهده أيضاً، وبعد خطّه الأحمر الشهير، استخدم نظام الأسد السلاح الكيماوي ضد شعب سوريا. واستمر استخدام الروس للفيتو في مجلس الأمن، كي يحولوا دون أي عقوبة على منظومة الاستبداد والإجرام.

صحيح أن النهج التقليدي في السياسة الخارجية الأمريكية مسألة ثابتة بغض النظر عن الأشخاص القائمين عليها؛ أكانوا رؤساء أم وزراء؛ إلا أن بنية وطموحات ومصالح بعض الإدارات تتميّز بنهجها سياسة معينة تعكس ذاتية الشخوص القائمين عليها. فأبو حسين أوباما تمكن من أن يلبي كل ما تمناه ملالي طهران. وكانت حجته الاتفاق النووي مع إيران.  كاد بموقفه ذاك أن ينسف حتى العلاقة مع إسرائيل الرافضة لأي قدرة نووية إيرانية. ولو كان نتنياهو يتمتع بالثقة والشعبية إسرائيلياً، لكان موقف إسرائيل ككل تجاه تصرف أوباما مغايراً لما رأيناه. ومعروف أن من بين الأثمان التي دفعها أوباما لإيران- إضافة إلى الإفراج عن المئة مليار دولار- كان بيعها سوريا، وإيقاف قانون قيصر؛ كما شاءت إيران.

والآن وبعد رحيل أوباما، وبعد جهود جبّارة قام بها شباب ثوري سوري على الساحة الأمريكية السياسية، وجهود جالية سورية ونافذين في الكونغرس الأمريكي؛ إضافة إلى أشخاص يؤمنون بعقوبة الظالم المستبد ومرتكب الجرائم؛ وعبر ذكاء بعض القائمين على إنجاح القانون من خلال ربطه بقرار الميزانية الأمريكية لعام 2020,، نجحت الجهود، ومرّ القرار ممهوراً بتوقيع الرئيس الأمريكي العارف تماماً أي شخص كان أوباما.

القانون لا يعبّر عن غرام الإدارة الأمريكية بالسوريين وثورتهم؛ وما هو مصمم كي يسقط النظام، ولو كانت أمريكا مصممة على إسقاط النظام، لما احتاجت أو انتظرت قانون قيصر أو غيره كما يُعتَقَد تقليدياً؛ ولكن هذه الطروحات تنسجم مع ما يُسمى "نظرية المؤامرة" ذائعة السيط؛ إلا أنه حتى الإجرام لا بد من توفر الأدوات القانونية لمحاكمته، مهما كنت كبيراً أو قويًا.

ومن هنا تجد أي إدارة أمريكية /قانون قيصر/ جزءاً من منظومتها القانونية رغبت في ذلك أم لم ترغب؛ وبذا ستكون مساهمة هذا القانون هي الأكبر بالردع وبالمحاكمة. من جانب آخر، لا يمكن أن يكون الهدف من ذلك القانون أذى الشعب السوري. لقد لحق الأذى بهذا الشعب بغير وارد القانون. وبوجوده حتماً سينتهي الأذى بوقت أقصر من عدم صدوره، لأن المآل الأخير له يرسم نهاية المنظومة الاستبدادية القائمة عبر الردع والمحاسبة لها ولمن يمدها بالعون على الظلم والاستبداد والجريمة. هذا النظام لا يستطيع أن يعيش أو يتعايش مع ما يطلبه أو يتطلبه تنفيذ هذا القانون. ومن باب التبسيط؛ إذا كان النظام يعيش على النار؛ فالقانون يطلب منه إطفاء هذه النار.؛ بناءً على ما تقدم، سنجد أن روسيا بوتين، بعقليتها المافياوية، التي تعيش على البيع والشراء والابتزاز، ستتيقن أخيراً أن كلفة حماية هذا النظام أكثر من الجني منه؛ وسننتظر منها الإسراع بالتصديق عليه؛ ولكنها لن تستطيع بيعه حتى بأبخس الأثمان. ولن تتمكن من حمايته من السحب إلى محكمة الجنايات، لأنها قد تكون برفقته؛ ولن يفيدها الفيتو. ومن هنا ستكون أول من يسعى للتخلص منه، وبأي ثمن. 

أخيراً- ولو من باب التفاؤل- قيصر الحق السوري، وبعد صبر وجهد ومعاناة وجولات، سيوقف باطل قيصر المافيا؛ فالحق في النهاية يعلو ولا يُعلى عليه؛ والشر مهزوم مهما طال الزمن.

===========================

قانون قيصر صفعة للصوص الإقليم

غازي دحمان

العربي الجديد

الاثنين 23/12/2019

منذ أكثر من سنتين، ودمشق محج لوفود إقليمية كثيرة، بعض الزيارات كانت معلنة، وكثير منها تم في الخفاء، والغرض التجهيز لقطف ثمار مرحلة الإعمار، والتي كانت، حسب تقديرات هؤلاء، ستمثل مشروع القرن الاقتصادي. وليس سراً أن نظام الأسد بنى، في ظل حربه على السوريين، شبكة علاقات معقدة مع أصحاب أموالٍ كثيرين في المنطقة، في إطار تحالف سياسي اقتصادي، غرضه تحقيق أكبر الفوائد لأعضائه: الأسد يستطيع تجاوز الحصار المفروض عليه، وتأمين بعض المستلزمات التي تضمن استمرار حربه ضد المعارضة، والشركاء الإقليميون يحققون فوائد اقتصادية، مع وعد مستقبلي بأن تكون لهم حصة كبيرة في سورية بعد الحرب.

من هم هؤلاء، المغامرون، الذين يتورّطون في علاقات تجارية مع نظام واقع تحت مجهر العقوبات الدولي؟ تدفع الإجابة إلى معرفة تركيبة هؤلاء "الشركاء"، ودوافعهم وطريقة تفكيرهم وأساليب عملهم. والملاحظة الأولى أن هؤلاء ينقسمون فريقين: الأول خليط من تجار الحروب والأزمات، وتجار مواد ممنوعة، كالمخدرات، بالإضافة إلى مهرّبين، وبعضهم يعمل واجهاتٍ للنخب الفاسدة في الإقليم، وهؤلاء جميعهم يسعون إلى تعظيم ربحهم باعتبار أنهم أمام فرصة 

"العقوبات الأميركية والأوروبية المفروضة على نظام الأسد، منذ 2012 وما تبعها، سيكون مصيرها التفكّك والزوال"من الصعب تكرارها، وكذلك إلى تبييض أموالهم. وكانت مرحلة الإعمار في سورية فرصة لتحقيق الهدفين، في ظل وجود مئات الشركات والبنوك التي ستغطّي على نشاطاتهم وأسمائهم، وربما يدخلون السوق السورية تحت جناح إحدى الشركات المعروفة، أو ضمن أسماء شركات جديدة، وقد شهدت دمشق في الفترة الماضية تأسيس شركات مهمتها التجهيز للمرحلة المقبلة. الفريق الثاني رجال أعمال مدفوعون بأسباب سياسية، يمثلون التيارات الحاكمة في المنطقة التي كانت فعلياً مؤيدة لنظام الأسد في قمعه الثورة السورية. وقد وجد هؤلاء في المتغيرات الجديدة، ما قبل صدور قانون قيصر، فرصةً للإعلان عن أنفسهم ونشاطاتهم المستقبلية في سورية.

لم يخطر ببال هؤلاء جميعاً أن الرياح ستسير بما لا تشتهي سفنهم. وبالنسبة لهم، فإن العقوبات الأميركية والأوروبية المفروضة على نظام الأسد، منذ 2012 وما تبعها، سيكون مصيرها التفكّك والزوال، ذلك أن الأسد الذي يسير خلف رئيس روسيا، فلاديمير بوتين، سيطيح العقوبات كما أطاح الثورة. وكما استهزأ بوتين بالقرارات الغربية بشأن سورية، ومناشدات منظمات حقوق الإنسان، واستمر في حربه الإجرامية ضد السوريين، وحوّل هذا الأمر إلى واقعٍ قبلته كل الدنيا، سيحوّل مرحلة الإعمار إلى واقع، ويجبر الغرب وشركاته على دفع استحقاقات البناء. وسر قوّة بوتين أنه واقعي وليس حالما، وهو يملك أوراق قوّة كثيرة، ستدفع الغرب إلى فك حصاره عن نظام الأسد. ولعل أهم ورقة بيده هي تجويع السوريين، وتحميل الغرب مسؤولية ذلك، بدليل استخدام حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن، لمنع وصول 

"سر قوّة بوتين أنه واقعي، يملك أوراق قوّة كثيرة، ستدفع الغرب إلى فك حصاره عن نظام الأسد"المساعدات الإنسانية إلى السوريين من معابر محدّدة.

ولكن يبدو أن رهانات هؤلاء قد خابت، ولم ينتبهوا إلى حقيقة أن الأميركيين عندما يلعبون السياسة يتعاطون معها بالتقسيط، فلكل ورقة ثمنها، ولكل سوقٍ زمان، ولا يرمون أوراقهم كلها دفعة واحدة، فهم قد يقبلون بتحطيم روسيا الثورة السورية، وليست لديهم مشكلة في العدد الذي تقتله طائرات بوتين، مثل هذه القضايا لا تستدعي استجابات عاطفية، بل حساباتٍ سياسيةً بحتة، وبالتالي هم يرون أن لديهم فرصة لتحقيق مكاسب عالية، في مقابل أثمان بسيطة يدفعونها، وهذه تحوّلات مهمة في السياسات الأميركية أنتجتها سيادة نمط التفكير بأسلوب الصفقة التي زرعها الرئيس ترامب في سياق التعامل الأميركي مع القضايا الخارجية وبؤر الصراع، وهو أسلوب يبدو أن الروس لم يستبطنوه حتى اللحظة، ولم يطوّروا أدواتهم التفسيرية التي ما زالت ترتكز على التفسير المؤامراتي الموروث من زمن الاتحاد السوفييتي.

يضع ترامب، وقانون قيصر، حلفاء الأسد، أو شركاءه التجاريين في مأزق لم يخطر ببالهم، وخارج سياق توقعاتهم وتصرّفاتهم، فهم منهمكون، في هذه الأثناء، في التأسيس لمرحلة الإعمار المقبلة، وحسابات الأرباح التي سيجنونها من مشروعٍ، تقدّره الدراسات الاقتصادية بأنه سيكون موازيا للمشروع الصيني، الحزام والطريق، فمشروع البناء السوري كان مقدّراً له مبلغاً لا يقل عن ستمائة مليار دولار، وهذا رقم أولي، يشمل البنى التحتية وهياكل المدن المدمّرة، 

قبل قانون قيصر، استنفر كل لصوص الإقليم لتبييض أموالهم، وربما صفحاتهم، في مشروع القرن السوري"ستتبعه أرقام جديدة، خاصة بالاستثمارات الترفيهية والسياحية وإنشاء البنوك الجديدة والمطارات الحديثة وسواها من لزوميات تحويل سورية إلى ما يشبه لاس فيغاس الشرق.

في ظل هذه التطورات التي يصعب على الأسد وشركائه تغييرها، أو تعديل استراتيجياتهم لمواجهتها، هم أمام أحد خيارين: الانفضاض عن الأسد، والاقتناع بأنه فرصة ميتة لم يعد لها مستقبل ولا تستحقّ المغامرة والفضيحة، وعلى الأرجح أن الشركاء المدفوعين بأسبابٍ سياسيةٍ سيسيرون في هذا الاتجاه، أو الاستمرار في التعامل السابق، عبر عمليات التهريب وتجارة الحروب. وسيقبل الفريق الأول، تجار الأزمات، هذه الصيغة باعتبار أنه لا يملك بدائل وهوامش مهمة.

قبل قانون قيصر، استنفر كل لصوص الإقليم لتبييض أموالهم، وربما صفحاتهم، في مشروع القرن السوري، واليوم يمكن وصفهم "أيتام" قيصر.

===========================

قانون قيصر صفعة جديدة لمن توّهم أنه انتصر في الحرب السورية

وائل السوّاح

سوريا تي في

الاحد 22/12/2019

وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يوم الجمعة على قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا، في صفعة جديدة لرئيس النظام بشار الأسد وجميع من ينتظر دوره لنهب المبالغ التي كان يحلم بأن تمطر على سوريا من أجل إعادة الإعمار.  طابور طويل من المتسكعين الذين كانوا ينتظرون هذه الأموال يتقدمهم الأخوان أسد ورامي مخلوف وفلاديمير بوتين فقد أمله الأخير في إعادة الإعمار.

بعد مصادقة مجلسي النواب والشيوخ ثمّ توقيع الرئيس ترمب، ستتمّ معاقبة أي شركة أو مؤسسة أو حكومة تقوم بالتعامل التجاري مع نظام بشار الأسد أو تقدّم الدعم للجهود العسكرية لنظام الأسد في حربه ضدّ السوريين.

هذه العقوبات المشدّدة المفروضة بموجب القانون ستطال جماعات عسكرية ومتعاقدين مرتزقة من الإيرانيين والروس والأفغان وبلطجية حزب الله في لبنان. ولكنها سوف تركّز أيضا على شركات الطاقة الدولية الساعية للاستثمار في قطاع النفط السوري، وأي شركة توفر قطع غيار للطيارات بما فيها الهليكوبتر. ويستهدف القانون أيضا الشركات التي تقدم قروضا مالية للنظام السوري.

بالمقابل، يمنح قانون قيصر سلطات واسعة لوزارة الخارجية من أجل دعم المؤسسات التي تقوم بجمع الأدلة وتتابع الملاحقات القضائية ضد من ارتكبوا جرائم حرب في سوريا".

لقد مرّ حين من الدهر شعر فيه بشار الأسد وحليفه الروسي بأنهما قد حقّقا انتصارهما الأخير، بعد تدمير المدن السورية وقصف البيوت والمستشفيات والمدارس والأفران والأسواق. وأن الوقت قد حان لقطف ثمار الاستثمار الذي زرعوه في سوريا.

الدكتاتور السوري بشار الأسد تمسّك بكرسيه بأسنانه وأظفاره، ما تسبّب بمقتل أكثر من مليون سوري، بينهم نسبة كبيرة من القاعدة الاجتماعية ذاتها التي تؤيده. وخسر الأسد نتيجة لذلك جزءا من ثروته وكامل احترام العالم له وصدقاته معه. وبعد أن كان قبيل الثورة الولد المدلّل لفرنسا والولايات المتحدّة ودول الخليج، بات السبّة التي يبتعد عنها الجميع ويتبرّأ منها كلّ من كان يداهنه سابقا. الآن، وبعد ما توهّم

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وضع كلّ أوراقه في السلّة السورية، مضحيا أيضا بسمعته كقائد دولي، ومتقبّلا لصورة البلطجي الدولي الذي يقدّم الحماية للمجرمين والمارقين

الأسد أنه قد أنجز انتصاره الكبير لأنه دمّر أكثر ما يمكن وشرّد نصف شعبه خارج حدود بلادهم أو بلداتهم، كان يجلس في قصر الشعب ينتظر عقود إعادة الإعمار ليرمّم صورته ويعيد مراكمة ثرواته ومعه آله وأقاربه وصنائعه.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وضع كلّ أوراقه في السلّة السورية، مضحيا أيضا بسمعته كقائد دولي، ومتقبّلا لصورة البلطجي الدولي الذي يقدّم الحماية للمجرمين والمارقين، كلّ ذلك في سبيل نفوذ سياسي واقتصادي وممرّ على المياه الدافئة. هو أيضا اعتقد أنه حقّق انتصاره الأخير، وبات في موقع يسمح له أن يجني الآن أرباح استثماره في سوريا.

وإلى الرجلين، ثمّة عدد كبير من الشركات الأوروبية والأمريكية والصينية الإيرانية التي كانت تضع أعينها على ملفّ إعادة الإعمار في سوريا، الذي سيكون بالنسبة لها الإوزة الذهبية.

ثمّ جاء قانون قيصر ليصفع أطماع الجميع. وأهم ما في تمرير قانون قيصر أنه نال ما يشبه الإجماع من نوّاب الحزبين الديمقراطي والجمهوري، فحصل على ستة وثمانين صوتا في مجلس الشيوخ مقابل ثمانية أصوات فقط عارضته، ما جعل احتمال ألا يوافق عليه الرئيس ترمب، كرمى لصديقه بوتين، معدومة.

لقد أسهمت الجالية الأمريكية-السورية بجهد كبير في صياغة القانون والدعوة لإقراره، من خلال جهود المناصرة التي قامت بها منظّمات أمريكية سورية والدعم المالي الذي قدّمته الجالية بسخاء.

سيُعرِّضُ القانون الشركات التي كانت تنوي الاستثمار في السوق السورية في مرحلة ما بعد الحرب وإعادة الإعمار، ولن ينجو آثاره أي طرف كان يؤمّل النفس ويسيل لعابه للثروة المنتظرة. من هذه الشركات التي سوف تخضع للمساءلة في حال خرقها للقانون شركة هواوي الصينية وسيمنز وإريكسون، وكذلك شركات النفط والغاز وشركات التأمين والمقاولات والبناء وفي جميع المجالات والممولين وشركات الاستثمار ومقدمي الخدمات ورجال الأعمال. جميعها سوف تمتنع عن الدخول للسوق السورية لأنها لن تغامر بتعريض مصالحها لعقوبات وزارة الخزانة الأميركية.

نأمل أن يوجّه هذا القانون رسالة واضحة إلى دكتاتور سوريا بشار الأسد وحماته الروس والإيرانيين، في أن حلمهم في مراكمة ثروات جديدة من خلال إعادة الإعمار في سوريا ستذهب أدراج الرياح.

إن إقرار هذا القانون يؤكّد جملة من القضايا التي طالما اعتبرها السوريون مبادئ رئيسية موجهة لهم. أولى هذه القضايا أن الجرائم ضدّ الإنسانية لا تخضع لمبدأ التقادم، ولذلك، فمهما مرّت السنون والأيام، سيأتي يوم يجد المجرمون فيه أنفسهم يحصدون ما كانوا زرعوا.

القضية الثانية، أنه لا عدالة بدون محاسبة، وأن الظالمين مهما تمادوا

النصر والهزيمة في المحطّات التاريخية الكبرى كالثورات والمنعطفات الكبيرة ليست عسكرية ولا تقاس بحجم الانتصارات الحربية التي يحقّقها هذا الطرف أم ذاك

في غيهم وجبروتهم سوف يخضعون يوما ما للمساءلة عما اقترفت أيديهم من جرائم ضدّ السوريين. السوريون جميعا يريدون حلّا سياسيا وسلاما دائما، ولكنهم يعرفون أن السلام لا يمكن أن يتحقّق ما لم يتأسّس على أساس صلب هو المساءلة.

القضية الثالثة هي أن النصر والهزيمة في المحطّات التاريخية الكبرى كالثورات والمنعطفات الكبيرة ليست عسكرية ولا تقاس بحجم الانتصارات الحربية التي يحقّقها هذا الطرف أم ذاك. فمهما يحقّق الطرف الذي يقف في مواجهة التاريخ من انتصارات على الأرض فيحرق ويدمّر ويستولي على بيوت الآخرين وممتلكاتهم، فإنه في النهاية ليس انتصارا. الانتصار الحقيقي يقاس بمدى التغيير الذي يحقّقه هذا الحراك التاريخي أو ذاك.

ولذلك، فإن إقرار هذا القانون برهان إضافي على أن الانتصارات في سوريا لا تكون انتصارات على الأرض ضدّ المدنيين السوريين، بل انتصارات إنسانية أملاها صمود السوريين وعدالة قضيتهم.

===========================

ما قبل إعادة إعمار سوريا

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 22/12/2019

ما زالت تتردد بين وقت وآخر الأحاديث عن إعادة الإعمار في سوريا، رغم كل النقاشات التي تناولت الموضوع، في الأعوام الثلاثة الماضية، والتي جعلت المواقف الدولية مانعاً لها بالقول إن طرح الفكرة، وليس المضي في تطبيقاتها، أمر سابق لأوانه. ذلك أن الذين سيتحملون عبء إعادة الإعمار عبر تقديم المنح والإعانات لتغطية التكاليف، ربطوا موافقتهم بالذهاب إلى حل سياسي للقضية السورية، وهو أمر ما زال نظام الأسد يرفضه، ويراوغ مناصروه الروس والإيرانيون للالتفاف عليه عبر سياسات تسكين، لا حل، وفق ما تجسده جهودهم في آستانة وسوتشي، لتكون بديلاً عن «مسار جنيف» الذي يمثل مسار الحل الدولي المتوافق عليه.

وتُستمد وجاهة وأهمية الربط بين إعادة الإعمار والحل السياسي للقضية السورية من أمرين؛ أولهما خوف المانحين من قيام النظام وحلفائه بالاستيلاء على تقدمات المانحين، وإدخالها في سياق سياسته الخاصة، كما حصل ويحصل بمساعدات الدول والمنظمات الدولية للشعب السوري، حيث يوزع النظام ما يتسلَّمه على شبيحته وبطانته، ولا يذهب منها إلا القليل إلى غيرهم، وهم الأكثر تضرراً وحاجة من إجمالي السوريين، والأمر الثاني أن يتفرد النظام، ومعه الروس والإيرانيون، بتوجيه أموال ومشروعات إعادة الإعمار بما يتفق مع مصالحهم، ويخدم مشروعهم في سوريا، مع أقل قدر من المراعاة للاحتياجات الأساسية للسوريين من جهة، ومصالح الأطراف المشاركة في إعادة الإعمار، وثمة كثير من التأكيدات أصدرها النظام وحلفاؤه تعبيراً عن هذا التوجه.

ورغم أهمية رأي المانحين والخلفية التي ينطلق منها موقفهم، وما يحيط بالعملية من مخاوف تتصل بسياسات النظام وحلفائه الروس والإيرانيين، فثمة اعتقاد بأنه لا بد من التدقيق في نقاط ووقائع أنتجتها سنوات الحرب تتصل بموضوع إعادة الإعمار، ولها تأثير كبير على فكرته ومساره ونتائجه المحتملة، والأبرز فيها:

إن إعادة الإعمار ستجري في بلد تحكمه سلطة مسؤولة بصورة مباشرة عما آلت إليه حالة سوريا والسوريين، ليس فقط لجهة مسؤوليتها عن تدمير القدرات المادية والبشرية، بل لجهة التفريط في السيادة الوطنية، ووضع سوريا تحت احتلالات أجنبية، وجعل القرار السوري مرهوناً لإرادة الروس والإيرانيين الذين سيكون لهم التأثير الأساسي في قرارات إعادة الإعمار.

وأحدثت السنوات الماضية تغييرات عميقة في واقع السوريين، كان بينها تشريد وتدمير غالبية قواهم البشرية قتلاً وجرحاً وتهجيراً، وحتى مَن بقي منها خارج تلك المصائر، فإن أكثرهم غادر مسارات حياته السابقة وأنماط عيشه، وتخلّف عن خبراته، وربما غادر قناعاته ودوره الاجتماعي.

إن البنى التحتية للدولة والمجتمع تم تدميرها جزئياً أو كلياً. فمؤسسات الدولة لم تعد مؤسسات للسوريين، إنما هي مؤسسات للنظام والموالين له، وهذا الأمر لا ينطبق على المؤسستين الأمنية والعسكرية فقط، وإنما على كل المؤسسات، ومنها مؤسسات الخدمات التي تخص البيئات التابعة للنظام بأفضل ما لديها، وتعطي ما تبقى للبقية من السوريين، كما في مثال توزيع الكهرباء أو الغاز أو المحروقات، وفي تقديم خدمات مثل التعليم والصحة، التي صار السوريون من غير بيئة النظام لا يحصلون عليها إلا بشكل محدود.

وتركت الحرب بصماتها على قطاعات الاقتصاد السوري؛ فعطلت قطاعات الإنتاج من زراعة وصناعة وحرف بمستويات متعددة، كما ألحقت أضراراً كبيرة بقطاعات الخدمات، مثل السياحة والنقل والمصارف، وحدثت تغييرات في مكانة بعض أنشطة الاقتصاد الوطني، كما في تراجع دور القطاعات الإنتاجية مقابل نمو أكبر في قطاع الخدمات والأنشطة الهامشية.

وأدَّت سنوات الحرب إلى تبدل هيكلي في واقع النخبة السورية، وهو أمر لا يقتصر على نخبة المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، بل يشمل نخبة المناطق الأخرى. وفي كل الحالات، فقد تنامى حضور وتأثير الشخصيات الأمنية والعسكرية لدى الجانبين، وصعد دور المنظّرين من المتدينين والإعلاميين في إطار حملات الترويج الديماغوجي لسياسات أطراف الصراع، وصعد دور تجار الحرب الذين شكلوا وسطاء لتبادل المصالح العاجلة مع قادة الحرب وتنظيماتهم، وكله شكّل انقلاباً في واقع النخبة السورية ودورها.

وطبقاً للتقديرات، فإن الخسائر المادية للحرب تجاوزت ستمائة مليار دولار، وهو مبلغ كبير بالنسبة للاقتصاد السوري الذي راكم طرفا الصراع فيه ثروات كبيرة، وطبقاً للتقديرات، فإن ثروة آل الأسد تزيد على ثلاثمائة مليار دولار، إلى جانب ثروات بطانتهم، ولا سيما تجار الحرب، التي تقول التقديرات إن حجمها قريب من هذا الرقم، بينما أشارت تقارير إعلامية إلى أن ثروات النافذين على الطرف الآخر من الصراع بلغت مئات ملايين الدولارات. وفي الحالتين، ليس من المتوقع استخدام هذه الأموال في إعادة الإعمار إلا بصورة جزئية، لأسباب عدة، أبرزها أن أصحابها قيد المراقبة والتتبع من مختلف الأطراف.

واستبعاد ثروات النافذين من المشاركة في إعادة الإعمار يمثل خطّاً موازياً لاستبعاد القدرات التقليدية القوية في الاقتصاد السوري، والإشارة في هذا الجانب تتعلق بالثروات الاستخراجية، ومنها الغاز والنفط، والمحاصيل الزراعية الاستراتيجية، وأبرزها القطن والحبوب، والأخيرة صارت في أدنى مستويات إنتاجها، أما الأولى فقد أصبحت تحت السيطرة الأجنبية، كما في حالة السيطرة الأميركية على حقول الشمال الشرقي، وسيطرة إيران وروسيا في مناطق دير الزور، وامتدادها غرباً في عمق البادية السورية، أو بفعل اتفاقات عقدها النظام مع حليفيه الروسي والإيراني، وإعطائهما امتيازات العمل في قطاع النفط والغاز، بالعمل بين حدي الاستكشاف والاستهلاك، وشملت الامتيازات مناطق في الداخل والمياه الإقليمية.

وقد يكون من المهم الإشارة إلى تفريط النظام في بوابات الخروج والدخول إلى سوريا، حيث أعطيت روسيا حق السيطرة والإدارة على ميناء طرطوس، وحصلت إيران بصورة مماثلة على ميناء اللاذقية، ولا يحتاج إلى تأكيد أن السيطرة الروسية - الإيرانية على المطارات المدنية والعسكرية، أمر واقع، إضافة إلى سيطرة الإيرانيين وميليشياتهم على بعض المنافذ البرية، ومنها المنفذ الرئيسي مع العراق، معبر القائم - البوكمال، الذي تتحكم فيه إيران، بينما يتحكم «حزب الله» اللبناني التابع لها بأغلب المعابر السورية مع لبنان، خصوصاً معبر جديدة - المصنع، ولا يحتاج إلى التأكيد على أن عدم سيطرة أي نظام على معابره التي تربطه بالعالم، يجعله غير قادر على التحكم في ما يمر من حدوده دخولاً وخروجاً، وهو الحال الذي صار عليه نظام الأسد في سوريا، والوضع إلى تفاقم متزايد.

إن التوقف عند هذه النقاط يمثّل ضرورة تسبق عملية الإعمار، بل يمثل الأساس في إعادة بناء قواعد البيانات والإحصائيات السورية، التي ستتم عملية إعادة البناء على أساسها سواء من حيث القدرات، أو من حيث الطموحات والأهداف المرجوة.

===========================

موقفنا: إنما هذا الأمر دين فانظروا عمن تأخذون دينكم وعلوم الدين ليست كعلوم الطب والصيدلة ولا الفيزياء ولا الهندسة

زهير سالم

مركز الشرق العربي

25/ 12 / 2019

وتفاوضنا في شبابنا ، في حضرة أحد شيوخنا ، بصفة المجتهد المطلق ، وحاجة أمة الإسلام في هذا العصر إليه ، كمّل بعضنا بعضا مرة في استيفاء الشروط ، ورد بعضنا على بعض أخرى ، وظللنا نعدد أبوابا من العلوم والفنون يحتاجها العالم المجتهد ، الذي يحتاجه المسلمون في هذا العصر برأينا، وما يزالون ..

تركنا الشيخ نسترسل ونطيل ، ثم قطع علينا حوارنا أو جدلنا فقال : ولعلكم نسيتم أهم ما يجب أن تذكروا في صفات هذا المجتهد الذي تنتظرون ..

وترك لنا مرة أخرى التذكر والمراجعة وتعداد العلوم والفنون القديم منها والحديث، التي أضافها بعضنا كنوع من استكمال الإحاطة ولكن الشيخ ظل مصرا على أننا ما زلنا نغفل من صفات هذا المجتهد ما يعتبره الأصل المقدم على كل العلوم والفنون مما ذكرنا واستقصينا ، فلما ألقينا منديل العجز بين يديه تبسم لنا بسمة المحب وقال : وأول ما يلزم المجتهد في دين الله : تقوى الله ..

وقال إن تقوى الله هي الواصف الجامع لكل قيم الدين والخير الإيجابية والنابذة لكل ما يقابلها من معاني النقص السلبية . في معنى التقوى نقول : ويجب أن يكون .. ولا يجوز أن يكون ، فليحوز إنسان وصف المتقي يجب أن تتوافر فيه صفات ويجب أن يتنزه عن أخرى في وقت واحد .

ثم أفاض رحمه الله تعالى في الشرح والتفصيل والتنبيه والتحذير وأن دين الله أعلى وأسمى من أن يكون ميدانا لعبث العابثين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الغالين . وأن نصوص الشريعة المقدسة فوق أن تكون لعبة بزل يشكل من نصوصها من شاء من الصور ما يشاء .

ذكرنا الشيخ رحمه الله تعالى يومها بحديث " أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم الناس " وبحديث " ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم قلوب الذئاب "

وكان مما قال علم الشريعة ليس كعلم الطب والصيدلة تتداوى عند الطبيب الذي تريد ، وتصرف الدواء من الصيدلية التي تشاء .

 ذكرني ما نعيشه منذ أيام بجلسة علم مضى عليها قرابة نصف قرن . ولعل أحدنا حين يكون الأمر واضحا في عقله وقلبه يظنه كذلك في عقول وقلوب كل الناس ، حتى إذا اصطدم بغير ذلك أفاق .

إن للعب على النص الشرعي أو بالنص الشرعي لعبة قديمة خاض غمارها الزنادقة في كل زمان . وهل قامت دعوات أهل الأهواء والبدع إلا على حقيقة ( فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ (.

وحكوا أنه ألف فلان للخليفة العباسي المستعين كتابا ما ترك فيه " حراما إلا أحله .." وقرأ الخليفة الكتاب فهاله ما فيه . وعرضه على أحد علمائه الثقات . واطلع العالم الثبت على الكتاب ، ثم رده على الخليفة وقال له : يا أمير المؤمنين نشدتك الله إلا ما غسلته " بمعنى محوته " .. فسأله الخليفة : أكَذَبَ فيه فنحاسبه ؟! فقال الرجل الذي يخاف الله : يا أمير المؤمنين إن هذا الرجل جمع سقطات العلماء وأخطاءهم ثم جعل منها دينا فما ترك من الدين شيئا .

القول في الإسلام والقول في الحديث والقول في العقيدة والقول في الشريعة والقول في الحلال والحرام كل ذلك دين . وإنما يلتمس العطر عند العطار والجوهر عند الجواهري .

وقال رجل لخلف الأحمر إذا رأيت بيت الشعر فأعجبني لا أبالي ما قلت فيه أنت وأصحابك . فأجابه لو وجدت الدينار براقا فأعجبك ، ثم ذهبت إلى الصراف فقال لك : إنه بهرج زائف هل ينفعك أن بريقه أعجبك..؟!!!

يقول أحدهم لشباب الإسلام : اقرؤوا وزنوا بعقولكم واقبلوا أو ردوا حسب معاييركم !!!

وهذا هو فعل من دلّى أبوينا بغرور ( فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ ) وهذا هو الغرور الذي يستثمر فيه أعداء الإنسان هذه الأيام . يقولون لإنسان العصر أنت حر ، أنت قادر ، أنت عالم .. لا تطع والديك .. ولا تسمع قول ناصح فأنت ..أنت ..كلمة عريقة في الكفر والضلال .

وهذا أحدنا قد بلغ السبعين ويمسك الباب من أبواب العلم يجد نفسه يتهجاه فلا يحصل منه إلا القليل ويتمنى أن يجد فيه على العلم مساعدا ومعينا !!

وبعض الناس ما زال باسم العلم يبغي ويجعل معياره شهادة المعهد أو الجامعة . وشهادة الجامعة إن وجدت بغير حق لا تنفع ، وإن غابت مع الجد والتشمير لا تضر . وقد قرأ أحد من تخرج من كليتنا ( لم يترك "القطاطيبُ " المنام )، وأعيته المعاجم في البحث عن القطاطيب حتى اتهمها بالقصور والتقصير . وصحّف من جلس على العرندس الكيّس الفطن بكيس القطن وأبدع في شرح التشبيه !!

وإنما يُرد القول في تفصيله من حيث هو لا من حيث قائله . والعلم بالعلم، والبيان بالبيان ، والحجة بالحجة ..ولكل علم مبادئ وقواعد وأصول ومناهج ينضبط بها القول ، وتقوم على أساسها الحجة على منكرها.

وإنما يرد على أهل الشبهات من هم في طبقتهم من أهل البينات، والحجج الدامغات ، والبراهين الساطعات ..ولا يترك ذلك لعامة الناس ، ولا يزجوا فيه من حيث لا يعلمون . ومن زجهم فيه فإنما أراد فتنتهم ,..وإنما الحق في هؤلاء أن يحذروا من أهل الضلالة وأصحاب البدع والفتنة على الجملة . فيقال للواحد منهم : ولا تصاحب أخا الجهل ..وإياك وإياه

فكم من جاهل أردى ..كريما حين وازاه

وكان من المواطن الستة التي أباح فيها العلماء الغيبة قولهم " وإذا رأيت عاميا يتردد على مبتدع " فالواجب حينها أن يبين حال هذا الضال المبتدع ، ويحذر الناس من أمره بقدر ما ينسد به باب الفتنة وينحسم الشر.

وإن هذا الباب من التحذير من أهل البدع أعم من الحديث عن الجرح والتعديل . فالجرح والتعديل علم خاصة تدور تفاصيله بين الخاصة . والتحذير من الأدعياء الكذبة من أبناء الأفاعي الذين يأكلون الدنيا بالدين هو أمر يجب أن يباشر بقدر الحاجة إليه وبالقدر الذي تنحسم الفتنة فيه . وهذا باب تندرج تحت رايته في هذا العصر أحاديث الدين والسياسة والاجتماع ..

هل من الدين في شيء أن تصبح ثقافة أبنائنا وبناتنا عمن يسمون " نجوم المجتمع " و" نجوم النوادي " أكثر من ثقافتهم عن كل ما هو الحق ؟!!

وردود أهل العلم على أصحاب البدع يجب أن تكون بروية وعلم وتقوى.

وأعود إلى المأثور المحفوظ " إنما هذا الأمر دين فانظروا عمن تأخذون دينكم ".

_____________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

بين الحل والحلول في سوريا

رياض نعسان أغا

الاتحاد

السبت 21/12/2019

الفارق كبير بين أن تجد حلاً لمشكلة، وبين أن تحل محل المشكلة، وأحسب أن أخطر ما حدث في سوريا، هو أن الحلول العسكرية والسياسية التي شهدتها القضية السورية، تحولت إلى ما يشبه مبادئ الحلول الفيزيائية أو الحقوقية أو الصوفية، وهكذا أصبحت الحلول هي المشكلة وهي القضية الكبرى التي يعاني منها السوريون اليوم.

وعلى الصعيد العسكري تدخل «حزب الله» وإيران وروسيا لإيجاد حل عسكري يحسم الصراع لصالح النظام، لكن هذا الحل تحول إلى حلول دائم، وباتت السيادة السورية مهددة بتصاعد نفوذ هذا الحلول، وأكاد أجزم أن النظام يعاني من سطوة هذا الحلول أكثر مما يعاني الشعب، لأنه أدخل الدب إلى كرْمه، ولم يعد من السهل إخراجه، وكان الأمر كذلك في تداعيات اقتراح عسكرة التظاهرات، فقد أعطت النظام ذريعة التوجه إلى الحل الأمني لتُظهر الثائرين متمردين يحملون السلاح ضد النظام الشرعي، وكذلك تم إطلاق سراح المتطرفين المعتقلين ليقوموا بتصدر مشهد الثورة، وليخطفوا شعارات الديمقراطية والحرية ويحولوها إلى شعارات دينية من ذات الطينة، التي صنع منها «حزب الله» شعاراته، لكن الحل العسكري (على مبدأ الحلول)، صار هو المشكلة الكبرى، لقد انفرط العقد الاجتماعي بين السوريين جميعاً، رغم نجاح فكرة حلول الإرهاب محل الثورة، إلا أن الإرهاب بات قضية جادة تهدد الجميع، كما أن التطرف الفكري والمذهبي الذي لقي دعماً بهدف حرف الأنظار عن أفكار الحرية وبناء الدولة الديمقراطية بات أكثر خطراً على النظام من إعلان القبول بالديموقراطية، ولو أنه أعلن القبول لوقف الشعب كله ضد التنظيمات المتطرفة فكرياً.

كذلك تحول الحل السياسي إلى مشكلة حين حلّ الحديث عنه محل إنجازه، وبات ملهاة لتضييع الوقت، ولو أن النظام قبل به، وكان دعاته جادين لانتهت القضية مع انعقاد جنيف1 في عام 2012، ولتم اختصار سلسلة من الفواجع الكبرى التي حلت بالسوريين على مختلف شرائحهم.

لقد أصبح المطلب الشعبي اليوم هو إنهاء سلسلة الاحتلالات التي تعرضت لها سوريا، وأحسب أن المعارضين والمؤيدين عامة يتفقون على ثوابت لاخلاف حولها، وهي تحرير سوريا من كل أنواع الاحتلال، وإجلاء كل القوى الأجنبية عن سوريا، واستعادة السيادة الوطنية على كامل التراب الوطني، وبناء دولة حديثة غير طائفية تقوم على العدالة والحرية والحفاظ على كرامة المواطن، وهذه الثوابت التي أفترض أن الجميع يؤيدونها قادرة على أن تكون نواة الحل السهل حين تتوفر إرادة الوصول إليه بدل وهم الوصول إلى نصر مرحلي زائف.

لقد تم القفز عن أهم بند في قرارات مجلس الأمن، وهو تشكيل هيئة حكم تقوم بتشكيل حكومة وطنية عبر التشاركية التي حددها القرار الدولي، وهي المعنية بوضع دستور وإجراء انتخابات، وصمت مجلس الأمن عن هذا القفز إلى تشكيل لجنة دستورية، لكن الاجتماعات الأولى لهذه اللجنة أوضحت استحالة الوصول عبرها إلى حل، وصارت اللجنة تحتاج إلى حل، والحل هو تنفيذ القرار 2254 بتراتبيته، ودون ذلك لن يعود أحد من النازحين أو اللاجئين، ولن تبدأ مرحلة إعادة الإعمار، ولن يعود الأمن والاستقرار، وبالمناسبة يكثر الحديث اليوم عن خطر قانون (سيزر- قيصر) وعن تداعياته الاقتصادية على السوريين، وعن احتمال تصاعد العزلة الدولية للنظام، ويبدو احتمال تسارع انهيار الليرة السورية منذراً بكوارث اجتماعية تجعل الفقر أشد وطأة من القصف الذي لم يتوقف لحظة واحدة، مع أن النظام يستطيع ببساطة أن يتجنب كل هذه الأخطار بمجرد إعلانه القبول بتنفيذ قرار مجلس الأمن والبدء بتشكيل هيئة حكم، وعلى الفور سترتفع قيمة الليرة السورية، وسينزع الصاعق من قنبلة «سيزر».

===========================

رهانات الثورة المضادّة

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 21/12/2019

هناك نقاط مشتركة بين مواقف أصحاب القرار في الجزائر ولبنان والعراق، تتلخص في احتجاز الحراك والحؤول دون انتقاله من طور المطالب إلى طور البرامج، وجعله يدور في فراغٍ ليسهل اتهامه بإثارة الفوضى، من خلال احتلاله الشوارع وامتناعه عن التواصل مع السلطات لتقديم ما لديه، إنْ كان لديه حقا ما يقدّمه، أو راغبا في بلوغ أهدافه عبر إصلاحٍ شاملٍ عليه مساندته، عوض تعطيل البلاد وزجّها في مآزق يمنع السلطات من معالجتها، لأنه حراكٌ يرفض الحوار وليس له قيادة.

هذا النهج الرسمي المشترك، الذي يفيد من سلبية الثورة ونقاط ضعفها، أخذ في سورية صورة سحقٍ عنيفٍ للشعب وسيلتها الحرب لا السياسة، بينما يأخذ شكل احتواءٍ في لبنان والعراق والجزائر، يستند إلى توحيد مواقف أهل الحكم وضبطها، والتعايش مع الحراك، ورفض الاستجابة لمطالبه، إلى أن يستهلك نفسه ذاتيا، ويعجز عن تخطّي المماطلة الرسمية التي تدّعي الرغبة في حوار وطني يفتقر إلى الطرف الآخر، فتنفضّ بمرور الوقت جماهيره عنه، لافتقاره إلى برامج تنقله من تكرار مطالبه التي لا يستجيب إليها النظام إلى المبادرة التي تضعه في مواقف دفاعية.

هذا الرهان السلطوي الذي يهدف إلى المحافظة على الأمر القائم، كما في العراق، حيث لم يعد هناك من يصلح مرشّحا لتشكيل الوزارة غير عادل عبد المهدي الذي أرغمه الحراك على الاستقالة، أو من تقترحه أحزاب إيران التي ثار الشعب عليها، لاحتواء مطالبة الحراك ببديلٍ لا ينتمي إليها، بينما مكّن جيش الجزائر واحدا ممن ينسبهم الشعب إلى النظام من بلوغ سدة الرئاسة في انتخاباتٍ رفض 60% من الشعب المشاركة فيها، ليقود عملية الإصلاح بأصوات قرابة 20% من الجزائريين، وحال دون التوافق على برنامج إصلاح دستوري وانتخابي يتم اختيار أحد الذين يلتزمون بتنفيذه من خارج الطبقة السياسية الفاسدة، لرئاسة الجمهورية الديمقراطية الجديدة. بالتوازي مع ذلك، يتجاهل الجنرال ميشال عون في لبنان، منذ قرابة شهرين، مطالب المتظاهرين، ويعمل لامتصاص زخم حراكهم من خلال تصريحاتٍ تشيد بهم، من دون أن يتفاعل إيجابيا مع مطالبتهم بتغيير الفاسدين من أهل النظام، وخصوصا منهم صهره جبران باسيل.

يراهن أعداء الثورة على الوقت، وتعفين الحراك، وإغراقه بالعجز، لتفكيك حاضنته الشعبية، وتيئيس من يشاركون فيه من قطاعاتٍ شعبيةٍ تنتمي إلى جميع المنابت والأعمار. ويراهن الثائرون على عدالة مطالبهم وشعبيتها، ولكن السياسة ليست فقط هذا الرهان، بل هي التوسطات الضرورية لنقله من حيز الفكرة إلى رحابة الواقع، تلبيةً لحقوق المنخرطين فيه التي يجب أن يبرز طابعها المشترك في ما يقدّم لها من قراءاتٍ ومطالب إجرائية، ليعبّر عما في الحراك من ألوانٍ تمسّ الحاجة اليوم إلى تعريفها، بواسطة جهةٍ مؤهلةٍ لذلك من الحراكيين، بعد أن تجاوزوا المرحلة الأولى من نشاطهم الجماهيري الكثيف، وصار من الضروري فتح باب الحوار بشأن ما يجب أن يتوافق عليه المتظاهرون من طرح سياسي، يدفع القضية إلى طور وطني عام، لا بد أن يتضمّن تصنيفا للقوى السياسية العاملة في الساحة، وأن يحشد وراءه من يتبنّون برنامجه منها، لينقل التفكيك إلى الصف الرسمي، بدل أن يفكّكه الرسميون، وليبقي صفوفه موحدة، ومواقفه متصاعدة، وعصية على التعفين والنكوص.

الثورة صراعٌ يكسبه من يديره أفضل من خصمه، لأن عدالة أي قضيةٍ لا تكفي لانتصارها، ولو كانت كافيةً لانتصر السوريون بعد أيام من ثورتهم. ومن يراقب ما يحدث في لبنان والعراق، يرى الطبقة السياسية وقد حافظت على تماسكها في وجه حراكٍ يتحول إلى حدث يومي، يطالب بما لا يستطيع تحقيقه، وتتلاشى قدرته على كسب رهان الثورة، كما حدث في الجزائر، وقد يحدث في لبنان، حيث تمسّ الحاجة إلى ديناميةٍ سياسيةٍ هدفها كسب الصراع بدعم شارع نشط، يقبل خصومه الإصلاح، أو يغادرون السلطة!

===========================

إلى المؤتمرين والمتآمرين !؟ كيف ننسى !؟

يحيى حاج يحيى

كيف ننسى ؟

والدمُ السوريُّ مسفوحٌ

وتبكيه المآذن

كيف ننسى !؟ وبقايا الأهل في التهجير والتدميرِ

قد تَرَكُوا قراهم والمدائن !؟

كيف ننسى ، وكلابُ السلطة اللقطاءُ

ماتركوا رغيفاً ، أو دواءً لمريض ، وعجوزٍ غير آمن ْ ؟!

فاجمعِ الصفّ لتشتدّ العزائم

إنها أمُّ الملاحم !!

واحذرِ الإرجافٓ ، قد نصبوا لثورتك الكمائن !

واستعِنْ بالله ! إنّ النصرٓ قادم !

قدّر اللهُ .. وماقد قدّر الرحمنُ كائن !!

 

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com