العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 29-10-2017


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

ترامب يبدأ «جردة حساب» مع «حزب الله» .. حسان حيدر

الحياة

الخميس 26/10/2017

أعادت الولايات المتحدة فتح سجلات أعمال إرهابية لـ «حزب الله» مرّ عليها أكثر من ثلاثة عقود، بعدما ظن هو وإيران أنها طويت الى الأبد، فأمعن طوال هذه الفترة في تكرارها، لاعتقاده أنه خارج المحاسبة وأبعد من أن تطاوله يد الدول المستهدَفة، بل انتقل بارتكاباته الى مستوى إقليمي أوسع.

ومن الواضح أن تذكّر المسؤولين الأميركيين، بعد كل هذا الوقت، عملية تفجير مقر المارينز في بيروت في 1983، والتي سبقها قبل أشهر قليلة تفجير مقر السفارة الأميركية في العاصمة اللبنانية، جزء من تغيير جذري في السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، بعد الانسحاب الطوعي من المنطقة الذي نفذته إدارة باراك أوباما على مراحل، وتلاه خصوصاً زحف إيران لملء الفراغ وفرض قوى الأمر الواقع الموالية لها.

ويبدو أن «فترة السماح» الأميركية لإيران وميليشياتها، ولا سيما «حزب الله»، انقضت، وحان الوقت لإجراء «جردة حساب» لتسديد «دَينها» للمنطقة وللعالم، بعدما عاثت فيهما تخريباً من دون رادع، وتفتيتاً لا يقف عند حدود، ونجحت الى حد كبير في تقسيم العرب والمسلمين، مستغلة تبني الدولة العظمى الوحيدة عقيدة انكفائية، وتسليمها طوعاً بـ «القدر الإيراني» الذي لا يردّ، تاركة حلفاءها يواجهون وحدهم آلة تخريب جهنمية لا تتورع عن أي عمل لبسط نفوذها.

وكانت سياسة المهادنة مع إيران التي اعتمدها أوباما وصلت الى حد توجيه تعليمات صارمة الى القوات الأميركية في المنطقة بتجنب أي مواجهة مع «الحرس الثوري» وأذرعه، على رغم استفزازاتهم المتعمدة والمتكررة لها. أما رسائل التطمين التي بعث بها الى خامنئي مؤكداً أن إدارته لا تسعى الى تغيير نظام طهران، فلم تفعل سوى زيادة عنجهية «المرشد».

اليوم تعود الولايات المتحدة الى رشدها، لأن سياسة دفن الرأس في الرمال ألحقت بمصالحها خسائر فادحة، وقلصت حلقة أصدقائها ودفعتهم الى التشكيك في صدق التزاماتها. لكن هذه العودة لن تكون عملية سهلة، فقد تغلغلت إيران عميقاً في العراق وسورية ولبنان واليمن، وتتطلب رداً بمستوى الخروقات التي أحدثتها، وربما هذا ما جعل إدارة ترامب توسّع مروحة هجومها المضاد ليشمل إيران ذاتها و «حرسها الثوري» و «الحشد الشعبي» في العراق، و «حزب الله» في لبنان وسورية، بالإضافة الى سائر التنويعات الميليشياوية المذهبية المؤتمرة بأوامرها.

وهذه المواجهة تستلزم خطوات مدروسة قابلة للتطبيق، وقد تكون البداية في التصويت المرتقب للكونغرس على معاقبة إيران على مواصلة برنامجها الصاروخي، وعقوبات أخرى على «حزب الله» لدوره في سورية.

لكن، ما الذي يمكن أن يفعله الحزب رداً على السياسة الأميركية الجديدة؟ الكلام يدور عن إعادة تجربة العام 2006 عندما افتعل حرباً مع إسرائيل، هدفها تمكين الجيش السوري من العودة الى لبنان بعد خروجه الذي تلا اغتيال رفيق الحريري.

هذه المرة سيكون هدف الحزب الهروب الى أمام، وإعادة تلميع صورته التي بهتت كثيراً بسبب تورطه في سورية، وليس مهماً ما قد يلحق بلبنان من دمار في حرب جديدة، فالحزب «ينتصر» كلما كان الدمار أوسع والخسائر البشرية أكبر. وهو في ذلك يتفق مع إسرائيل ونظام الأسد على أن لبنان ليس وطناً قائماً بذاته، بل ساحة لتصفية الحسابات بين إيران ومنافسيها.

إدارة ترامب تبدو مقتنعة بأن النظام الإيراني لا يمكن أن يتخلى طوعاً عن طبيعته العدائية، ويتراجع من تلقائه عن سياسته التوسعية التي تمليها تركيبته المذهبية، لكن عليها أن تواجه بجدية تهديدات الإيرانيين للمصالح والقوات الأميركية في المنطقة، لأن أي تراجع ولو بسيط قد يؤدي الى انهيار سياستها الجديدة بأكملها.

========================

الرقة: الأشهر الأربعة التي أطاحت ألفي سنة .. ريم تركماني

الحياة

الخميس 26/10/2017

حتى بداية حزيران (يونيو) الفائت ومنذ أكثر من ألفي سنة كانت مدينة الرقة السورية موجودة. بعد أربعة أشهر ونصف الشهر، وتلقيها ٢٠ ألفاً من ذخائر التحالف ما بين صواريخ وقنابل وقذائف أودت بحياة ١٣٠٠ مدني على الأقل، تحولت المدينة إلى أكوام من الركام لا يصلح أكثر من ٨٠ في المئة من أبنيتها للسكن. كتب الصحافي عبود حمام بعد أن دخل الرقة إثر إعلان خلوّها من داعش أنه شعر بأنه يدخل القنيطرة المدمرة، مع اختلاف المساحة، وخَلُص، بعد أن شهد حجم الدمار المهول، إلى أن المدينة يجب أن تبقى كما هي شاهداً للتاريخ وأن يتم إعمار مدينة إلى جانبها.

كانت ضربات التحالف على الرقة من الكثافة إلى درجة أن عددها في آب (أغسطس) فقط فاق بعشر مرات عدد ضربات القوات الأميركية في كل أفغانستان خلال الشهر نفسه. كل ثماني دقائق، كمعدل وسطي، كان يطلق على المدينة، خلال شهر آب، قنبلة أو صاروخ أو قذيفة.

هذه الأرقام هي نتيجة بحث وتحقق مستمرين لمنظمة airwars.org (حروب السماء) التي تتخصّص برصد وتقييم الإصابات بين المدنيين نتيجة غارات التحالف الدولي ضد داعش في العراق وسورية، إضافة إلى الضربات الجوية الروسية في سورية بهدف الضغط على هذه الجهات والسعي إلى الشفافية والمساءلة، والمناصرة نيابة عن المدنيين المتضررين.

تعمل المنظمة وفق منهجية رصينة جداً تعتمد على التحقّق من كل التقارير حول إصابات المدنيين من مصادر عدة مباشرة وغير مباشرة، وعلى تصنيف أرقام الضحايا ونشرها وفق نظام تصنيف من خمس درجات يتراوح بين المؤكد وغير المؤكد، وقد أهّلتها مهنيتها إلى أن تصبح المصدر الأول غربياً في الأرقام والتقارير الموثوقة حول ضربات التحالف. كما تراقب وتؤرشف كل ما ينشره التحالف وتتراسل معه في شكل مستمر بخصوص استهداف المدنيين.

توصلت منظمة Airwars إلى رقم ١٣٠٠ مدني توفوا نتيجة ضربات التحالف في الرقة كحد أدنى منذ حزيران، بعد أن بحثت في ٣٢٠٠ حالة وفاة أُعلن عنها في الرقة عبر الوسائل المختلفة، أي أن الرقم الحقيقي على الأغلب هو أكبر من ١٣٠٠، كما أن ٧٠٠ من هؤلاء الضحايا موثقون بالاسم. الشبكة السورية لحقوق الإنسان تقدر أن ١٨٠٠ مدني على الأقل فقدوا حياتهم في عملية الرقة، ٣١١ تقع مسؤولية موتهم على داعش و١٩١ على قوات سورية الديموقراطية.

يرتفع الحد الأدنى للوفيات بين المدنيين نتيجة ضربات التحالف على الرقة، وفق تقدير Airwars، إلى ٢٠٠٠، إذا عدنا إلى بداية آذار (مارس). وهذا الرقم أعلى من عدد ضحايا عملية التحالف ضد مدينة الموصل والتي هي أكبر من مدينة الرقة وكانت تؤوي عدداً أكبر من المدنيين.

هذا التصعيد غير المسبوق في الضربات أتى تحديداً بعد أن بدأ التحالف إستراتيجية «الإبادة» للقضاء على داعش، والتي قدّمها وزير الدفاع الأميركي ماتيس في نهاية شباط (فبراير) إلى الرئيس ترامب. بعد تسليم الخطة فوراً ارتفع عدد الوفيات بين المدنيين بمقدار ستة أضعاف في الشهر على رغم أن عدد الأهداف التي ضُربت قد انخفض، ما يؤشر إلى ازدياد حاد في عدد الضحايا من المدنيين نتيجة الضربة الواحدة. كما ارتفعت في شكل ملحوظ نسبة الأطفال من الضحايا.

كل هذه الأمور أثرتها في لقاءاتي في واشنطن، في البيت الأبيض وفي الخارجية خلال زيارة مناصرة الأسبوع الماضي، والردود تراوحت بين الإنكار والتأكيد على أن قواعد الاشتباك خُففت خلال حملة الرقة مقارنة بحملة الموصل بهدف خفض عدد الضحايا من المدنيين، وبين الصمت من جانب من لا يد لهم في اتخاذ القرار بأمور التحالف والاكتفاء بضرورة التواصل مع وزارة الدفاع من أجل هذه الأمور، وبين من يعتقد بأن هذه نتيجة طبيعية لحرب ضمن مدينة وبسبب استخدام داعش للمدنيين كدروع بشرية. عندما سألتهم عن عدد الضحايا من المدنيين الذين أقرّ التحالف بهم منذ حزيران، كان جوابهم أنهم أقرّوا بوفاة عشرة مدنيين. الحقيقة أنهم رسمياً لم يقرّوا حتى الآن إلا بخمس ضحايا فقط.

بل إن القائد العام لعمليات التحالف ستيفن تونسيند كتب مقالاً في منتصف أيلول (سبتمبر) في «فورين بوليسي» يتّهم فيه منظمة Airwars بالمبالغة الشديدة في أرقام الضحايا وادعى أن «ضربات التحالف تستهدف فقط الأهداف العسكرية المؤكّدة... وأتحدّى أيّ شخص بأن يجد حملة عسكرية أكثر دقّة في تاريخ الحروب كلها»، بل اتهم «ادعاءات» منظمة Airwars بأنها «تقوّي من قبضة داعش على المدنيين ما يضعهم تحت خطر كبير»، وأن هؤلاء المدنيين لو لم يُحرَّروا من جانب التحالف فإنهم كانوا «سيموتون إما على يد داعش أو من الجوع»، ويمضي الجنرال رافضاً في شكل مطلق أي هدنة إنسانية لأنها «ستقوّي داعش».

وبالتأكيد فإن التحالف رفض دعوة المستشار الإنساني للأمم المتحدة في سورية، جان إيغلاند، إلى هدنة أو وقفة إنسانية في الرقة، وأكد أنه سيرفض أي مقترح يسمح لداعش بإعادة التجمع في المدينة.

وعندما بادر بعض الوجهاء وشيوخ العشائر بوساطة في تشرين الأول (أكتوبر) عبر مجلس الرقة المدني وقوات سورية الديموقراطية تقضي بالسماح بخروج آلاف من المدنيين المتبقين في الرقة وبضع مئات من مقاتلي داعش إلى ريف دير الزور، رفض التحالف المبادرة وأعلن العقيد ريان ديلون، المتحدّث باسم التحالف، في ١١ تشرين الأول، أن التحالف «لن يدعم أي مفاوضات أو تسوية»، على رغم إشارته إلى أن هذه المفاوضات يمكن أن تؤدّي إلى خروج آلاف من المدنيين من المدينة في شكل آمن. كما وردت تقارير برفض بعض الدول الأوروبية أيضاً مثل هذا الاتفاق بسبب وجود المسؤول عن هجمات باريس في ٢٠١٥ ضمن مجموعة مقاتلي داعش الذين كان من الممكن أن يشملهم الاتفاق.

بعد يومين من هذا الإعلان، وبعد بعض الضغوطات واجتماع بعض الوجهاء مع مسؤولين أميركيين في ١٣ تشرين الأول، قبل المسؤولون الأمركيون بغض النظر عن الاتفاق وأصدروا في اليوم التالي بياناً يشيرون فيه إلى التسوية والادعاء بأنها تستثني «الإرهابيين الأجانب». كذلك أشار البيان إلى أنه «نحن لا نوافق على أيّ تسویة تسمح لإرهابیي داعش بالفرار من الرقة من دون أن یواجهوا العدالة، لیعودوا ویظهروا في مكان آخر. إنّ التحالف لا یزال یشعر بالقلق إزاء آلاف المدنیین في الرقة الذین لا یزالون عرضة لأعمال داعش البربریة».

قد تقضي عمليات مثل عملية تدمير الرقة على الإرهابيين، لكنها لن تقضي على الإرهاب. بل إنها، مثل قصف النظام وروسيا، تزيد من حدّة كل الظروف والمعطيات التي أدت إليه. السيطرة الجغرافية على بقعة بعينها وإعلانها دولة هي مجرد تكتيك في مسيرة تنظيم إرهابي وُجد من قبل من دون أن يسيطر على أي بقعة جغرافية، وهو سيغير تكتيكه في المرحلة المقبلة ويستفيد من كل الضغائن التي تغلي في صدور البعض، خصوصاً ضد أميركا، ممن يشاهد كل هذا الدمار. كما ستساهم الطريقة التي ظهرت فيها مشاركة قوات سورية الديموقراطية في العملية وتسرع بعض قواتها في رفع صورة أوجلان فوق خراب المدينة في زيادة التوتر وقسمة المجتمع إلى رابح وخاسر، وهو بالضبط الانقسام الذي شظّى المجتمع العراقي بعد حرب العراق وساهم في نشوء داعش.

في كل اجتماعاتي مع المسؤولين في واشنطن كنت أؤكد أنه لا يمكن أبداً حل الأزمة السورية عبر مقاربة القضاء على الإرهاب، وأن الأهم هو العمل على حل يؤدي إلى معالجة جذور الصراع في سورية، من فقدان للشرعية السياسية ومن طبقات متراكمة من المظالم التاريخية والحديثة عبر إنهاء استخدام العنف ضد المدنيين وإطلاق حل سياسي عادل يبدأ في جنيف، وكذلك عبر مساعدة المجتمع المدني وبنى الحوكمة المحلية التي تعمل على تأمين الخدمات للمدنيين وزيادة مرونة المجتمع في مواجهة المجموعات المتطرفة، وعلى ضرورة أن تتم حوكمة أي جسم مدني جديد في الرقة ضمن إطار القانون السوري، اتباعاً لنهج المجالس المحلية ما سيسهّل عملية شمل الرقة ضمن إطار حل سياسي مقبل، مع امتصاص المخاوف بأن تُدار الرقة ضمن نظام الكانتونات. أغلب من قابلتهم يومئون برؤوسهم مؤكدين أنهم يوافقون هذا الرأي، لكن الأداء الأميركي لا يبدو أبداً أنه يسير في هذا المنحى.

في نهاية أيار(مايو) صرّح وزير الدفاع الأميركي ماتيس رسمياً بأنهم سيستخدمون «تكتيكات إبادة» في معركتهم ضد داعش، وأضاف: «نعتزم القضاء على المقاتلين الأجانب كي لا يعودوا إلى بلادهم فى شمال أفريقيا وأوروبا وأميركا وآسيا وأفريقيا. لن نسمح لهم بذلك. سنوقفهم هناك وندمّر الخلافة». بريت ماكغورك، المبعوث الأميركي الخاص للتحالف، أكد أيضاً أن مهمتهم كتحالف هي «التأكد من أن كل إرهابي أتى إلى سورية سيموت فيها».

ويبدوا أنه بعد أن تُركت داعش لتشكل بؤرة لتجميع هؤلاء الإرهابيين من أنحاء العالم، فإنه لا يهمّ ما إذا كان سيُدفَع ثمن القضاء عليهم وتحقيق انتصارات يحتاجها البيت الأبيض على شكل المزيد من دماء السوريين ومدنهم، وتاريخهم ومستقبلهم.

* أكاديمية في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية وعضو في مجلس خبراء منظمة Airwars

========================

الشام والعراق على أبواب موجة الثورة الثانية .. د. أحمد موفق زيدان

العرب

الاربعاء 25/10/2017

كل الدلائل والمؤشرات تشير إلى أن الشام والعراق على أبواب ثورة ثانية قد تكون أعنف وأشد صلابة من الثورة الأولى، هكذا علّمنا التاريخ؛ فكل الثورات العالمية تعرضت لثورات مضادة تحالفت معها دول، ولكن سريعاً ما تنفجر ثورات مضادة بوجه هذه الثورات المضادة تطيح بكل المضادّين لموجة التاريخ والإنسان، حدث هذا في الثورة الفرنسية وغير الفرنسية. اليوم يتكرر المشهد، ولكن الغرب والشرق اللذين فشلا وعجزا عن قراءة المشهد العربي قبل ربيعه، فكانت معلوماتهم محصورة بدوائر الاستخبارات المعنية مما جعلهم منقطعين عن الواقع وعن الشعوب ونخبها يوم انتفضت ضد الأنظمة الاستبدادية لتجد بعد ذلك أن ثورتها ليست ضد الاستبداد، وإنما ضد الاحتلال الذي يحمي هذا الاستبداد..

في العراق، بعد أن شهد ثورة شعبية عارمة ضد حكم نوري المالكي، قفز الدواعش وأحبطوها بمكرهم وتآمرهم وخبثهم وربما سذاجتهم؛ لكن اليوم مع تراجع الحلم الكردي في الاستقلال والاستفتاء وما حل لكركوك مع تقدم الحشد الشعبي والقوات العراقية والإذلال الذي تعرّض له الكرد بشكل عام، رأينا كيف حصل الانقسام الخطير في الصف الكردي نفسه، رافقه صحوة كردية حقيقية تتمثل في الشعور بخطر حقيقي وجدّي وملموس للميليشيات الطائفية وتحديداً الحشد الشعبي، ومعه أيضاً صحوة كردية بالشعور بأن الأميركيين يستغلونهم ويستخدمونهم من أجل مقاتلة تنظيم الدولة فقط كحصان طروادة، والدليل التخلي عنهم لصالح الحكومة العراقية في بغداد ضد قرارهم التاريخي بالانفصال والاستقلال. ومثل هذا الحديث يتصاعد اليوم في المناطق الكردية بسوريا، ويعبّر الكثيرون عن مخاوفهم أن يتكرر سيناريو كركوك نفسه..

في الرقة، خرج ناشطون يرفعون راية كبيرة تقول إن الرقة تتعرض للاحتلال ثانية، ويُقصد به احتلال الميليشيات الكردية بعد احتلال الدواعش. ومن له علاقة بمخيمات الموت التي نزح إليها أهلنا في الحسكة تحت حكم ميليشيات قوات سوريا الديمقراطية يعرف حجم الغضب المختزن هناك في نفوس قبائل وعشائر عربية عريقة أُذلّت على أيدي التحالف الدولي والدواعش، تماماً كما أُذلت على أيدي ميليشيات قوات سوريا الديمقراطية. وهذه المخيمات قنبلة موقوتة حقيقية وبرميل بارود جدّي يهدّد الجميع، وستصبح هذه المخيمات خزاناً خطيراً للتجنيد المقبل، لا سيما إذا رجعنا إلى التاريخ القريب ورأينا كيف ظهرت حركة طالبان من رحم المجاهدين الأفغان، وكيف ظهرت القاعدة من رحم طالبان، وظهر تنظيم الدولة من رحم القاعدة.. ونحن الآن بانتظار ظهور ما بعد تنظيم الدولة؛ ما دامت الظروف أسوأ مما كانت عليه يوم ظهور هذه التنظيمات والفصائل.

الواضح أن حالة الإحباط التي تسود العرب السنّة وصلت إلى مراحل متقدمة جداً، وأن منسوب الغضب والإحباط كبير جداً، وأن «تسونامي» حقيقي ينتظر المنطقة والعالم إن لم تتم معالجة جذور المشكلة، فليس هناك سُنّي عاقل في سوريا والعراق يقبل بالأمر الواقع وبحكم هذه العصابات المدعومة من قِبل احتلالات مزدوجة ومتعددة للمنطقة، تستهدف أول وآخر ما تستهدف الغالبية السنية في المنطقة بما تمثله من ثقل حضاري ومدني، ليس في المنطقة وحدها وإنما بمنطقة كانت لقرون مركز العالم كله وحضارته؛ مشفوعاً بظلم وقتل وتدمير وتهجير وخراب لو وُزّع على العالم كله لوسعه إجراماً وخراباً وفاض عليه.. فهل يدرك العالم ذلك قبل حلول البركان الذي ستطول حممه الأبعد قبل الأقرب؟!;

========================

هل جاء دور إيران؟ .. مروان قبلان

العربي الجديد

الاربعاء 25/10/2017

أما وقد شارفت الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية على نهايتها، أخذ تركيز الإدارة الأميركية يتجه الآن نحو التحدّي الآخر الذي يواجهها في الشرق الأوسط، وهو إيران. وقد بدأت مظاهر هذا التركيز تتبلور بوضوح الأسبوع الماضي، مع كشف الرئيس، دونالد ترامب، عن استراتيجيته نحو إيران، والتي تزامنت مع انتهاء معركة الرّقة، وأعلن فيها رفضه إعادة التصديق على الاتفاق النووي، وعزمه استهداف برنامج إيران الصاروخي، وحرسها الثوري. ولتنفيذ هذه الاستراتيجية، أوفد ترامب وزير خارجيته، ريكس تيلرسون، إلى المنطقة، للعمل على تنفيذ المرحلة الأولى منها، أي حشد الحلفاء لتصعيد محتمل مع إيران.

حاول تيلرسون، خلال الزيارة، ضرب عصفورين بحجر واحد، فقاد من جهةٍ مسعىً بدا محل تشكك لكثيرين، لإخراج بغداد من تحت المظلة الإيرانية، ووضعها تحت المظلة السعودية، فجرى الاتفاق على إنشاء مجلس أعلى للتنسيق بين البلدين، الفكرة الأساسية من ورائه أن تموّل الرياض عملية إعادة بناء المدن المدمرة في الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية، خصوصا الموصل، في محاولةٍ لتعزيز مواقع رئيس الوزراء، حيدر العبادي، في مواجهة المعسكر الموالي لإيران، بقيادة رئيس الوزراء السابق، نوري المالكي، والذي سقطت الموصل في عهده. من جهةٍ ثانية، قام تيلرسون بمحاولة جديدة لرأب الصدع في الصف الخليجي، بعد أزمة حصار قطر. المفارقة أن حظه من النجاح في جمع السعودية والعراق كان أكبر من حظه في جمع السعودية وقطر.

وكان لافتا خلال ذلك كله مطالبة تيلرسون المليشيات الموالية لإيران بالاندماج في الجيش العراقي، أو حل نفسها، أو الرحيل عن العراق. كما طالب الوزير الأميركي حلفاء بلاده الأوروبيين بوقف كل أشكال التعاملات التجارية مع طهران، والانضمام للولايات المتحدة في فرض عقوباتٍ على نشاطات الحرس الثوري.

في الأثناء، بدأت إدارة ترامب تعود إلى التركيز على الوضع السوري، لمنع إيران من الحصول على "الكوريدور" اللازم، لتحقيق التواصل الجغرافي بين مناطق نفوذها في العراق وسورية، ومنها إلى لبنان، بعد أن بدا وكأنها تراخت عن ذلك، في ذروة الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية، خشية فقدان دعم المليشيات الموالية لإيران في العراق. وكان لافتا إعلان إدارة ترامب أخيرا أن سياستها السورية تقوم على "منع طهران من بسط نفوذها في المناطق التي كان يسيطر عليها داعش، والتي تشمل دير الزور وجنوبها". وقد جاء هذا الكلام على لسان مستشار الرئيس ترامب لشؤون الأمن القومي، الجنرال هربرت مكماستر، والمولج بمهمة تنسيق استراتيجية مواجهة إيران، في محاضرته يوم 25 سبتمبر/ أيلول الماضي، في معهد دراسات الحرب في واشنطن. وقد بدأت ترجمة هذا التوجه بتوفير دعم أميركي أكبر لوحدات حماية الشعب الكردية، للسيطرة على الجزء الأكبر من محافظة دير الزور، وكان آخرها الاستيلاء على حقل العمر، أكبر حقول سورية النفطية.

شعور موسكو بوجود تحرك أميركي-إسرائيلي مدعوم من دول خليجية لمحاصرة النفوذ الإيراني في سورية هو ما دفع، على الأرجح، وزير الدفاع الروسي، سيرغي شويغو، إلى زيارة إسرائيل منتصف الشهر الجاري، في محاولةٍ، على ما يبدو، للتوصل إلى اتفاق حول طبيعة (وحدود) الدور الإيراني الذي يمكن أن تقبل به إسرائيل في سورية، للحيلولة دون توجيه ضربةٍ لمليشياتها هناك، توقع موسكو في حرج كبير. في هذا السياق أيضا، يمكن فهم تصريحات وزير الخارجية الفرنسية، جان إيف لودريان، الرافضة تسليم مدينة الرقة إلى قوات النظام السوري.

مع ذلك كله، لا تبدو فرص نجاح الجهود التي يبذلها مساعدو الرئيس ترامب لتنفيذ استراتيجية احتواء إيران كبيرة، فقد فشلت واشنطن في حمل السعودية على الاستجابة لدعوات الحوار لحل خلافاتها مع قطر، لسد الطريق على إمكانية استفادة إيران من الأزمة. كما أن دعم واشنطن الأكراد يهدد بتحويل الصراع في سورية من مواجهة قدّمها الإعلام الغربي للعالم باعتبارها "حرباً طائفية"، إلى حرب عربية - كردية، يجد فيها العرب في سورية والعراق أنفسهم أقرب إلى الموقف الإيراني، في مواجهة الأكراد المدعومين أميركياً. فوق ذلك، تغدو محاولات جمع عرب "الاعتدال" وإسرائيل في معسكر واحد، بذريعة مواجهة إيران بمثابة صاعق يهدّد "بخربطة" كل الاصطفافات الإقليمية، وإحداث نتائج عكسية، تفضي إلى تعزيز مواقع إيران، بدل عزلها.

========================

السوريون في خيارات ما بعد التسويات .. سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاربعاء 25/10/2017

يترك المجتمع الدولي السوريين بلا خيارات حقيقية، عندما يعلق مصير سورية بمفاوضات ما بعد التسويات التحاصصية، الدولية منها (روسيا -إيران- تركيا- والولايات المتحدة الأميركية)، والمحلية (النظام والمليشيات التي تقاتل معه من جهة، والفصائل المسلحة التي تسيطر على مناطق المعارضة من جهة أخرى)، متجاهلاً -هذا المجتمع- أن الثورة السورية لم تقم بغرض السيطرة العسكرية على مناطق هنا وهناك، وأن هذه الفصائل المسلحة كانت نتيجة مباشرة لفتح النظام البلاد على مصراعيها أمام كل القوى، سواء المساندة له أو المواجهة لقواته، بهدف تحويل الصراع في سورية من صراع سياسي، هدفه إقامة نظام ديمقراطي يحفظ حقوق المواطنين السوريين في حياة حرة كريمة، إلى صراع على السلطة تحت مظلة العسكر والمسلحين، لينتهي الأمر بعقد تسوياتٍ بين قوى مسلحة، ليس ضمن أولوياتها أو أجنداتها تغيير نظام الحكم القائم، وإنما تقاسم السلطة والصلاحيات والنفوذ، وطبعاً التبعيات لما يُسمَّى الدول الضامنة.

وعلى ذلك، تقف المعارضة السياسية المشتتة، على أبواب الاستحقاقات المصيرية، منزوعة الأظافر، حيث اقتطع منها ما استندت عليه وهماً (الفصائل المسلحة) على أنها قوة بيد الهيئة العليا للتفاوض، صاحبة قرار الحرب والسلام، فيما أثبتت روسيا من خلال مسار أستانة حجم الوهم الذي عوّلت عليه الكيانات السياسية في شراكتها هذه الفصائل على طاولة مفاوضات جنيف، حيث لبت الفصائل نداء روسيا، في عقد اتفاقيات متعددة ومتنوعة تربط مصير السلاح المعارض بمسار واتجاه واحد، يخالف في مضمونه ما عوّلت عليه تصريحات المسؤولين عن التفاوض، فالسلاح الذي حرّر نحو نصف مساحة سورية هو الذي أرغم النظام عام 2014 على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، مقابلاً للمعارضة التي يعتبرها إرهابية، هو السلاح نفسه الذي غيّر المعادلة، ومنح النظام مساحة للتنفس، واستعادة السيطرة على ما كان خسره قبل عام 2014، حيث أسهمت اتفاقات التسويات والهدن المحلية بذلك، وتبعها اليوم ما سُميت اتفاقيات خفض التصعيد التي بقيت حتى اليوم من دون مساندة أو عداء واضح من الهيئة العليا للتفاوض.

ولعل هذه المقدمات هي ذاتها التي تربك اليوم الهيئة العليا للتفاوض في اتخاذ قرارها الواضح 

"خيارات المعارضة بعد جملة التسويات التي أدارتها موسكو، شبه معدومة تقريباً" تجاه ما يعدّ لها دولياً، حيث يوضح بيان الاجتماع الختامي لها الذي عقد في الرياض الأسبوع الماضي حجم الإرباك والتخبط والخوف في آن معاً، من الرغبة الدولية في خلط أوراق المعارضات السياسية المشتتة والمتباينة في الرأي والرؤية، والمختلفة في قياس "مرونتها" التي يتم الحديث عنها في الأروقة الدولية والاجتماعات التي تخص سورية في غياب السوريين أنفسهم، نظاماً ومعارضة، فالبيان الذي هو ثمرة اجتماعات ونقاشات، وبتكلفة مالية تزيد من أعباء الاتكال على الآخرين، والارتباط بهم ممولين للمعارضة، اكتفى بعبارات عائمة وخيارات مفتوحة، إما توسعة الهيئة لإنتاج قيادة معارضاتية جديدة، أو إعادة تشكيل وفد التفاوض بما يلائم التوجه الدولي في تمثيل منصتي القاهرة وموسكو.

ربما يجدر القول إن الخيارين المقدّمين من خلال البيان ينطلقان من منطق المعارضة الذي استمر في ارتكاب أخطائه الواحد تلو الآخر، بحيث تبقى الشخوص في مكانها، مع استدارة صغيرة تحقق "شراكة من دون مشاركة"، وبالتالي نبقى ندور في دائرة التعطيل نفسها، وفي التبرير وثبات الأقدار للمعارضة، في ظل تغير الأحوال للمواطنين السوريين من سيئ إلى أسوأ، ومن هدنة إلى ما دون التسوية في مراحل لاحقة. فليس من شأن توسيع الهيئة بمبدأ اللصق والرقع أن يغير في واقع معارضةٍ نسجت تفاصيل خيباتها المتلاحقة خلال سنوات من الضياع حول الهدف مرة، وعن الطريق إليه مرات أخرى، ولا إعادة تشكيل وفد التفاوض يشكل حلاً في ظل تعدد الرؤى، واختلاف درجات "المرونة" بين المنصات مع بعضها بعضاً، وبين المتناصين في المنصة ذاتها، ما يقودنا إلى السؤال عن المرونة نفسها التي يتحدث عنها المجتمع الدولي وبعض المعارضين، من دون تحديد ما تعنيه هذه المرونة؟ هل هي امتلاك حق التنازل عن الحق، أم هي كسر لإرادة السوريين الذين قدموا التضحيات، من أجل بناء دولة تحفظ حقوقهم مواطنين وقوميات، أم هي النزول من على شجرة اللاءات على سلم المناصب الموعودة، أم أنها تعني الامتثال لواقع جديد، فرضته الدول الحليفة للمعارضة، قبل أن تفرضه الدول المناصرة للنظام، أم أنه لا هذا وذاك، بل يعني وضع تصور لسورية جديدة بدستور جديد، نستطيع من خلاله وقف المجازر وتجارة الحرب، ومحاكمة كل المجرمين على جانبي الضفتين، من نظام ومليشياته، أو ما سمي زوراً فصائل معارضة يحكم أجندتها مطامع الدول الراعية لها؟

خيارات المعارضة بعد جملة التسويات التي أدارتها موسكو، شبه معدومة تقريباً، ما يفرض عليها اليوم ضرورة الفهم العميق للمصطلحات التي تتداولها، وتداولتها على مر السنوات الماضية، ووقفة نقدية شجاعة تعترف فيها بخطأ خياراتها، بدءاً من الانجرار وراء أجندات

"تقف المعارضة السورية السياسية المشتتة، على أبواب الاستحقاقات المصيرية، منزوعة الأظافر" دولية وإقليمية، مروراً بتقييم العمل المسلح، من دون تجاوز حقائق من يتبع من، في عمل معارضاتي فيه السياسي والمسلح، وتمت فيه إزاحة العمل السياسي لمصلحة العمل المسلح، وتغييب الخطاب الإعلامي المتوازن لمصلحة خطاباتٍ طائفية ووظيفية، تخدم استمرار الصراع وتأجيجه، وصولاً إلى الانغلاق التام في شلل وكيانات تنطق بهوى من يمولها ويستضيفها، متنازلة عن حق السوريين في أن يكون لهم كيان سياسي يمثلهم، ولا يمثل عليهم.

ربما من شأن إدراك حجم المقدمات الخاطئة والمختطفة أن يجعل هذه المعارضات تقرّ بضرورة بناء نفسها من جديد، مرتكزة على رؤية وطنية تصنعها من خلال هدف الثورة الأساسي الذي انطلقت منه "الحرية" الذي يعني إنهاء الاستبداد، قبل أن تتطور هذه الثورة وتنزاح، وتعلن من خلال الاتفاقيات في أستانة، وما يسير في ركابها، هزيمة الكفاح السياسي أمام تفاهمات المسلحين من أجلهم وعلينا.

========================

ثروة الشمس في لبنان والعالم العربي .. رندة تقي الدين

الحياة

الاربعاء 25/10/2017

خبر لافت ومشجع أتى من قرى لبنانية في منطقة زغرتا حيث افتتحت مؤسسة الرئيس الراحل رينيه معوض بدعم من الاتحاد الأوروبي مشاريع لتوليد الكهرباء بالطاقة الشمسية. فقد أنجز المشروع إنارة طرقات وساحات عامة من عدد من هذه القرى في شمال لبنان عبر الطاقة الشمسية وأتاح المشروع إضافة إلى بعد بيئي لبنان في حاجة ماسة إليه أن يوفر بين ٣٥ إلف دولار إلى ٤٠ ألفاً سنوياً من فاتورة الكهرباء ومكّن ٣٠٠ وحدة سكنية الحصول على المياه الساخنة بواسطة الطاقة الشمسية، كما ستوفر فاتورة الكهرباء على كل بيت٤٠ دولاراً شهرياً. ولا شك في أن الاستثمار في الطاقة الشمسية ما زالت كلفته مرتفعة ولكن مردوده على الفترة الزمنية جيد لدول مثل لبنان والأردن والمغرب، وهي الدول التي تعاني من نقص في الكهرباء وليست دولاً نفطية. ولكن حتى الدول النفطية الكبرى مثل السعودية بدأت تستثمر في مشاريع مهمة في الطاقة الشمسية تمكنها من اقتصاد النفط لتصديره وتطوير طاقة نظيفة مستدامة والشمس ثروة أخرى في هذه الدول. كما أن الإمارات كانت البلد النفطي العربي الرائد في تطوير الطاقة الشمسية. إن تطور مشاريع الطاقة المستدامة ساهم في خلق فرص عمل وفي النمو الاقتصادي في البلد. والطاقة الشمسية تتطور بشكل كبير في دول الشرق الأوسط. والدول غير النفطية مثل الأردن والمغرب أحسنت في تطويرها من فترة مبكرة. ولبنان حيث هناك نقص كبير في التيار الكهربائي وانتقادات للمسؤولين عن هذا النقص مع اتهامات بالهدر والسرقات ينبغي أن يدخل سريعاً في تطوير هذه الطاقة الشمسية.

والآن دخل عدد كبير من شركات السيارات عصر تطوير السيارات الكهربائية، فرئيس شركة «رينو نيسان» كارلوس غصن كشف عن خوض شركته مجال صناعة السيارات الكهربائية. وذكرت وكالة الطاقة الدولية أن سنة ٢٠١٦ شهدت بيع ٧٥٠ ألف سيارة كهربائية وان ذلك سيقلص استخدام الطلب على النفط بحوالى ٠٫٠٢ في المئة . فتطوير السيارات الكهربائية وتطوير الطاقة الشمسية لا يعنيان على المدى الطويل الاستغناء عن استهلاك النفط، فتقرير وكالة الطاقة الدولية يظهر أن نمو حصة الطاقة البديلة في النقل سيبقى محدوداً من ٤ في المئة في ٢٠١٦ إلى ٥ في المئة في ٢٠٢٢. ونمو الطاقة الشمسية لن يكون منافساً للنفط والغاز إذ إن الطلب عليهما سيبقى وينمو لعقود مقبلة. ولكن تطوير الطاقة الشمسية في دول تنعم بكثرة الشمس أمر مشجع لدول نامية لا تملك النفط والغاز لكهربائها، فالمهم حالياً أن تطور تقنيات الطاقة الشمسية التي هي زالت مكلفة والتي تنحصر صناعتها في الصين وفي أميركا. ألمانيا قامت بصناعة محدودة في مجال هذه الطاقة.

ولكن صناعة الصين للصحون التي تسمى photovoltaique مكنت تقليص كلفة مشاريع الطاقة الشمسية، في حين أن المشاريع الأميركية ما زالت أكثر كلفة ولكنها بحسب الخبراء أفضل نوعية من التقنيات الصينية. ولكن تطور الطاقة الشمسية وانتشارها من شأنه أن يخفض كلفة استثمارها كما يحدث مثلاً من انخفاض لتكلفة استثمارات إنتاج النفط والغاز الصخري التي انخفضت بشكل كبير في أميركا. فلم تكن في السابق اقتصادية، إذ كان سعر النفط ٤٠ دولاراً في حين أن سعرها انخفض الآن بسرعة. وقد يحصل ذلك بالنسبة للطاقة الشمسية. وقد قررت السعودية القيام بمشاريع طاقة شمسية ضخمة وهذا أمر جيد يوفر لها الكثير من الاستهلاك المحلي على المدى الطويل وهي تنعم بشمس ساطعة باستمرار. أما دولة مثل لبنان فعلى غرار ما قامت به مؤسسة رينيه معوض ينبغي أن يكون ذلك نموذجاً لتطوير الطاقة الشمسية بشكل سريع والطلب من الاتحاد الأوروبي أو الدول الأخرى المساعدة على هذا الصعيد بدل جلب بواخر كهرباء نسمع عنها منذ أكثر من خمس سنوات على رغم أن لبنان لا يزال يعاني من نقص كبير للكهرباء، حتى أن المواطن اللبناني يرى أن الوعد بتوفير الكهرباء ٢٤ ساعة يكاد يبقى مجرد حلم. فينبغي تشجيع مبادرات مثل ما قامت به مؤسسة رينيه معوض مع الاتحاد الأوروبي والتمني أن يدخل لبنان في عصر الطاقة الشمسية بسرعة.

========================

سورية.. تسويات منتظرة .. فاطمة ياسين

العربي الجديد

الثلاثاء 24/10/2017

تأخذ الحرب السورية مظهراً مختلفاً مع دخول قوات سورية الديمقراطية إلى كل أرجاء الرقة، وإعلان المدينة خالية من تنظيم الدولة الإسلامية، الأمر الذي يعني أن الحكم المحلي في "روج آفا" (منطقة الإدارة الذاتية التي شكلها الكرد في شمال سورية) قد توسّع بصورة درامية، ليشمل مناطق واسعة من الشرق السوري، ولو أنه ما زال يحترم الفاصل الطبيعي الذي تشكله مياه الفرات.

تَرَافَقَ الإعلان مع نشاطاتٍ قوميةٍ، لا تعكس الاسم الرسمي لقوات سورية الديمقراطية، فهي تجتاح المناطق، ولا ترفع رايةً ترمز بوضوح إلى سورية متصلة كما تركها الفرنسيون عام 1945، ويبدو وجود العنصر العربي ضمن هذه القوات خجولاً، وكأنه ضيف شرف غير قادر على الإفصاح عن وجوده براية، أو حتى بأغنية قصيرة. أتم هذا الفصيل عمليات إخراج تنظيم الدولة الإسلامية من الرقة بنجاح، وأذاع على الإعلام صور جنوده تجوس بفرح بين خرائبها دلالةً على النصر. لم تُخْف هذه القوات مرجعيتها الإثنية، وإن تحدثت بالعربية أحياناً في مؤتمراتها الصحفية، ومن غير الواضح ما هي خططها لحكم الأراضي التي في يدها، لكن المؤكّد أنها تسيطر على معظم الشرق السوري، وفي حوزتها مفتاح أساسي من مفاتيح الحل.

المشهد المتغير الآخر من الحرب غير بعيد عن الرقة، وهو دخول قوات النظام إلى الميادين، آخر المعاقل الكبيرة لتنظيم الدولة الإسلامية، وتواتر تقدّم هذه القوات السريع وحرصها على التمدّد في أوسع مساحة ممكنة، وهدفها المقروء هو الوصول إلى الحدود العراقية وملاقاة الحشد الشعبي، الذي يتقدم، هو الآخر، بسرعته القصوى.

الحملة على الرقة التي قادتها قوات سورية الديمقراطية بدعم كبير من الولايات المتحدة والتحالف الدولي، والحملة على دير الزور التي قامت بها قوات النظام ومليشيات متحالفة معه، بدأتا منفصلتين، وتحركتا على محاور متباعدة، قارب بينهما الانهيار السريع لتنظيم الدولة الإسلامية، فأصبحتا الآن على مشارف الالتقاء، وقد حصلت بوادر من هذا الالتقاء في دير الزور، عندما عبرت قوات النظام إلى الضفة الشرقية على هيئة تحدٍ واضح، لم يتم الرد عليه، في ظل تحفظ قوات سورية الديمقراطية التي تتحرّك نحو مواقع اقتصادية، كحقول البترول والغاز القريبة ومراكز التحكّم بها.

يتصدّر المشهد في شرق سورية وجزيرتها العليا عناوين التحرير، وتبدو صور المدن المدمرة خلفيةً حزينة لهذه الانتصارات، فالإحصائيات تتحدث عن نسب مهولة تفوق 70% لدمار مدينة الرقة، ولا تتوفر إحصائياتٌ عن دمار دير الزور والميادين، ولكن سمعة جيش النظام وشراسة تنظيم الدولة الإسلامية تجعلنا قادرين على تقدير النسبة المشابهة تقريباً للنسب المعلنة في الرقة.

يمكن أن يحترم الطرفان اللذان يتسيدان مشهد سورية الشرقية الآن خطوط تماسهما، في انتظار الدعوات إلى مؤتمر حميميم الذي يكثر الحديث عنه، حتى يكاد يصبح واقعاً مقبولاً، في ظل التقارب السعودي الروسي، لكن الدعم الأميركي للكرد لن يكون بلا حدود، فهو محكومٌ بالحرب على الإرهاب ووجود "داعش"، وبالعلاقة المتأزمة مع تركيا التي يحاول الجانب الأميركي إيجاد مخرج لها. ويبدو للطموح الكردي محدّدات أميركية، فقد شاهدنا كيف وقفت البعثات العسكرية الأميركية تتفرج على اجتياح الجيش العراقي لكركوك، مع المطالبات فقط بضبط النفس. هذا لم يمنع الرئيس دونالد ترامب من الإشادة بالانتصارات في الرقة عبر بيان للبيت الأبيض، ولكنه، في الوقت نفسه، أعلن عن مرحلة جديدة في سورية، أكد فيها على دور الشركاء والحلفاء، من دون أن يسمي أحداً منهم.

على هذه الخلفيات التي أريد فيها لبعض الأطراف أن تظهر منتصرة، وإنْ على جثث المدن المدمرة، تدق طبول التسويات، وفي أذهان الجميع رواسب إعلامية وسياسية عن سورية المفيدة وسورية الأكثر إفادة وسورية الفدراليات والحكومات المحلية، بعد أن تبعثرت سورية "سايكس بيكو" بالفعل إلى نثار طائفي وقومي وتقاطعات مصالح، تشكل تعقيداً سيكون حاضراً في أي حوار، عقد في أستانة أو جنيف أو حتى في حميميم.

========================

روسيا والوجه الآخر لأستانة .. حسين عبد العزيز

العربي الجديد

الثلاثاء 24/10/2017

بدا واضحا منذ أشهر قليلة، أن روسيا تستعد لما بعد مسار أستانة بشأن سورية، والذي أنجز مهمته الاستراتيجية، وما بعد أستانة يعني اجتراح مسار سياسي يكمل المسار العسكري، بحيث يكونان وجها لعملة واحدة، عنوانها روسيا. ويبدو من المعطيات المتوفرة أن المسار السياسي للحل المقترح روسياً سيعتمد الطريقة نفسها التي استخدمت في المسار العسكري عبر بوابة أستانة، أي الانطلاق من الأسفل إلى الأعلى، وهي الصيغة التي اقترحتها موسكو قبل أكثر من عام، بشكل مضمر، وتلقفها آنذاك المبعوث الأممي، ستيفان دي ميستورا، عندما تحدث عن حل سياسي يبدأ من الأسفل وينتهي إلى الأعلى.

وإذا كانت الاتفاقات العسكرية في أستانة قد أطلقت يد النظام، وكبلت فصائل المعارضة من خلال حصارها في غيتوات جغرافية منعزلة، فإن المسار السياسي الروسي قيد الإنجاز سينتهي إلى محاصرة "الهيئة العليا للمفاوضات"، ومن ورائها الائتلاف الوطني لصالح قوى سياسية محلية قائمة على الأرض.

هذا ما تعمل عليه موسكو بهدوء وروية، وقد دعت إلى مؤتمر للقوى السورية المتنوعة، يعقد في قاعدة حميميم، تمهيدا لعقد مؤتمر شامل في دمشق، ومن ثم فإن ما سمي مؤتمر "شعوب سورية" هو تتويج لهذا المسار. وتشمل هذه القوى ممثلين عن المدن التي دخلت في مصالحات مع النظام، والمجالس المحلية للمدن والبلدات التي قبلت باتفاق خفض التصعيد، فضلا عن الإدارة الذاتية الكردية، وفعاليات المجتمع المدني، وبعض المكونات الطائفية، مثل المسيحيين، إضافة إلى شخصيات سياسية معارضة في الخارج ممن يقفون على أرضية سياسية متباعدة عن الائتلاف الوطني و"الهيئة العليا للمفاوضات". وبطبيعة الحال، سيؤدي تغيير القوى المفاوضة إلى تغيير في المرجعية السياسية، فتكون دمشق بديلا عن جنيف، وتكون الحلول المقترحة بديلا عن قرارات مجلس الأمن، وخصوصا القرار 2254 الذي أصبح غير صالح للحل في سورية، بعدما تجاوزته الأحداث العسكرية والسياسية.

كشفت مفاوضات جنيف أمرين في غاية الأهمية، أن الولايات المتحدة غير مهتمة بالعملية السياسية، بقدر اهتمامها بمحاربة "تنظيم الدولة الإسلامية"، الأمر الذي يمنح الروس مساحة واسعة من التحرك. وأن المعارضة والنظام غير مستعدين لتقديم تنازلات سياسية، وإبقاء حالة الستاتيكو السياسي ستضر بالسياسة الروسية في مجمل الملف السوري. وعليه، سيثمر المسار التصاعدي من الأسفل إلى الأعلى نتائج سياسية، كما أثمر عن نتائج عسكرية. ومن هنا اهتمام الروس بفكرة المجالس المحلية، لأنها تحدث وقائع على الأرض، يصعب تجاهلها، وهي موجهة إلى النظام أكثر مما هي موجهة إلى المعارضة، فمن جهةٍ سيؤدي تعزيز عمل المجالس المحلية إلى تخفيف القبضة الحديدية للنظام، وإن كانت هذه المجالس ستعمل مستقبلا تحت شرعة النظام. ومن جهة أخرى، سيسهل على الروس، وإلى حد ما الأتراك والإيرانيين، التحكم بها، لأن المجالس المحلية تتطلب قيام وحدات جغرافية لا مركزية، مرتبطة بالخارج، بسبب افتقار هذه الوحدات مقومات إنفاذ سياساتها وحدها.

ويجد الروس في تجربة "الإدارة الذاتية" للأكراد ضالتهم على الأرض السورية، فهي ستكون المقدمة لتعميم هذه التجربة في عموم البلاد، والتغير الحاصل في موقف النظام حيال المشروع الكردي من التشدّد إلى التراخي، جاء بفعل الضغوط الروسية، وهذا التراخي تكتيك، ففكرة اللامركزية ما تزال خارج المُفكر فيه لدى النظام الذي ما زال سلوكه مبنيا على فكرة الهيمنة المطلقة.

تقوم المقاربة الروسية على مبدأ أن استمرار الواقع العسكري الحالي، أي مناطق خفض التوتر الأربع، قد تؤدي إلى تقسيم البلاد، ما لم تستتبع بخطوات سياسية على الأرض، وهو ما عبر عنه صراحة الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، حين قال إن "هناك مخاطر من أن تؤدي مناطق خفض التصعيد إلى تقسيم البلاد". لكن مشكلة الطرح الروسي أنه لا يقارب الأزمة السورية في بنيتها وجوهرها، القائمة على أساس فكرة إنهاء الاستبداد، وإنما على مقاربة الأزمة من زاوية خلافاتٍ بين المكونات السورية ليس إلا. ومن هنا يمكن فهم فكرة مؤتمر "شعوب سورية"، حيث تعتبر موسكو أن ثمّة شعوبا في سورية، وليس شعبا واحدا، وهو ما يفسر أسباب عقد مؤتمر حميميم الذي سيضم ممثلي الطوائف والأقليات العرقية والأكثرية السنية بتنوعاتها المناطقية والعشائرية.

وبناء على هذا الفهم، قد يقوم الروس بخطوة إلى الأمام، لترتيب المشهد السياسي الداخلي، بعيدا عن المسارات الأممية، عبر إجراء انتخابات محلية، ومن ثم تشريعية تنتهي بتشكيل حكومة وحدة وطنية، كما جاء في مقرّرات اجتماع فيينا الأول في 30 أكتوبر/ تشرين الأول من عام 2015.

========================

مصير سورية في أيدي أبنائها .. برهان غليون

العربي الجديد

الاثنين 23/10/2017

يذكّر الوضع الذي تعيشه سورية الخارجة من الحروب الاستعمارية الجديدة اليوم، في الكثير من أوجهه، بوضعها عشية خروجها من الحرب العالمية الأولى، بعد انهيار السلطنة العثمانية وخيانة الدول الغربية وعودها التي اعطتها للشريف حسين، وللعرب أيضا. وكما تحطم في ذلك المنعطف التاريخي الحلم العربي بتشكيل مملكة عربية واحدة، تضم سورية والمناطق الناطقة بالعربية في المشرق الآسيوي، وتحفظ وحدتها وسيادتها، تحطم اليوم حلم السوريين الذين رموا بأنفسهم، كما لم يفعل أي شعب من قبل في أتون الثورة ومحرقتها، لنيل حريتهم واستقلالهم عن سلطة الاحتلال الداخلي. وكما قسمت سورية الطبيعية ما بعد العثمانية، بعد فصلها عن الجزيرة والعراق، إلى مجموعة من الدول، فلسطين التي لم تحسم حربها بعد والأردن ولبنان، وجزئت سورية "الفرنسية" هي نفسها إلى خمس دول: في الساحل والجزيرة السورية ودمشق وحلب وجبل الدروز، لا يكف الروس، ومن ورائهم بقية الدول الغربية، عن المطالبة بتحويل سورية إلى فدرالية، لإرضاء تطلعات رجالات الأقاليم أو الجماعات الاتنية والقومية المختلفة. فلا تعني الفدرالية هنا توحيد دول قائمة، كما هو معنى الفدرالية الأصلي، لتوسيع موارد الدولة وتعظيم وظائفها، ولكن إعطاء غطاء شرعي لتقسيم الدولة الواحدة وكسر نواتها المركزية، كما حصل من قبل في العراق الذي لم يخرج من محنة هذا الكسر بعد.

وكما فرض الفرنسيون انتدابهم بالقوة العسكرية، بعد هزيمة قوات وزير دفاع المملكة السورية الفيصلية، يوسف العظمة، في ميسلون 20 يوليو/ تموز 1920، نجح الروس اليوم في فرض الانتداب بالتفاهم مع الدول المتنازعة على سورية الأسدية، بعد كسرهم ذراع الثورة السورية المسلح وإخضاع فصائلها المقاتلة باستخدام عصا الهجمات الجوية، وجزرة المصالحات واتفاقات خفض التصعيد. ودخلت سورية اليوم، كما حصل لها منذ قرن ونيف، في دائرة الخراب والدمار والفوضى، فقدت فيها كل مقوماتها كدولة، وانهارت جميع مؤسساتها وأطرها الدستورية، وأضاعت سيادتها وفقد فيها الشعب وحدته، وتم تمزيقه إلى طوائف وأقليات

"يحلم الروس، بعد مئة عام، على تقسيم الشرق الأدنى بتعويض ما حرموا منه في "سايكس بيكو"، من خلال بسط سلطتهم ونفوذهم في سورية. ويحلم الإيرانيون بمنفذ على البحر المتوسط منذ أكثر من ألفي عام" واتنيات، وأفرغ من محتوى هويته الوطنية، وحرم من حقه في تقرير مصيره، فيما تتنامى في شمالها حركة الانفصال التي يقودها حزب الاتحاد الديمقراطي بدعم الأميركي، لكن بغطاء الشرعية التي تحظى بها القضية القومية الكردية المستعصية على الحل منذ قرن.

 (1)

ليس المقصود من هذا التذكير المماثلة بين الوضعين، أو القول إن التاريخ يعيد نفسه، فروسيا اليوم غير فرنسا الإمبرطورية القديمة والولايات المتحدة الأميركية ليست بريطانيا العظمى التي كانت تتصدّى لقيادة النظام الاستعماري المشرف على الانحلال. كما أن الشرق الأوسط الراهن قد تغير كثيرا عما كان عليه منذ قرن. فإلى جانب القوى الدولية التي تزجّ قواتها ونفسها في الصراع على سورية، هناك اليوم قوى إقليمية كبيرة صاعدة تزاحم الدولتين الكبيرتين على التوسع وتقاسم مناطق النفوذ، ويعتقد قادتها أن لديهم حقا أقوى في السيطرة على إرث سورية الأسد المنحلة من الدول الكبرى الخارجية. وهي لم تعد دولا مكتفية بذاتها، ولكن أصبح لها حسابات جيوستراتيجية، لم يكن لها ما يماثلها في عشرينيات القرن الماضي. وجه الشبه الرئيسي ين الوضعين، الماضي والحاضر، هو أن سورية الدولة انحلت لصالح قوى أجنبية، وأن شعبها تمزق أشلاء، ولم يعد يعرف في أي اتجاه يمكن له أن يتوجه إلى إنقاذ وجوده، والهرب بنفسه. وبينما أجبر إرهاب الدولة نصفه إلى الهرب بنفسه خارج البلاد، تحول نصفه الآخر إلى لاجئ على أرضه، وفقد السيطرة على جميع موارده، ولم يعد يملك أي قدرةٍ أو وسيلة لتأكيد حقه في تقرير مصيره بنفسه، أو قول كلمته. وبعبارة أخرى، لم يكن هناك وضع أسوأ مما يشهده الشعب السوري اليوم، بعد فشل ثورته المسلحة سوى ما شهده بعد انهيار "الثورة العربية الكبرى" عام 1916، وتغول الدول الأجنبية، وتنازعها على تمزيقه وتحطيم هويته وإخراجه من المواجهة وفرض الأمر الواقع عليه.

ومع ذلك، صمدت سورية الوليدة والخارجة من العدم في بدايات القرن العشرين أمام نوائب التاريخ، واستعادت بسرعة وحدتها، قبل أن ينجح شعبها في توحيد نفسه من وراء جيل جديد من النخب الوطنية التي قادت السوريين نحو الاستقلال، ونجحت في إرساء أسس دولة جمهورية حديثة ديمقراطية، بعد أن كانت مفتقرةً لأي موطئ قدم، سياسيا كان أو عسكريا أو اجتماعيا، لممارسة أدنى قسط من حق تقرير مصيره.

ما من شك في أن الوضع السوري الراهن أكثر تعقيدا. لكنه ليس مغلقا ولا يائسا، بالعكس. فلدى سورية والسوريين اليوم موارد بشرية وفكرية واجتماعية، ورصيد من العلاقات الدولية أفضل بكثير مما كانت تملكه عندما خرجت كسيرةً وكسيحةً من خراب الحرب العالمية الأولى. وأصبح وراء السوريين، منذ ذلك الوقت، قرن كامل من خبرة الدولة والصراع الدولي والسياسي والقتالي أيضا. وقد أظهر السوريون، خلال ثورة 2011، من الشجاعة أضعاف ما أظهروه خلال ثورة 1925، وهم يثبتون في منافيهم وشروط معيشتهم الجائرة كل يوم، بعد ترحيلهم القسري، من الشهامة والمجالدة والصبر، ويبرزون من المرونة والذكاء والمهارة ما أثار إعجاب مضيفهم في جميع البلاد التي لجأوا مضطرين إليها. ولن يطول الوقت، بعد وقف إطلاق النار، قبل أن تتفجر طاقات ملايين السوريين الذين كانت الديكتاتورية الدموية قد شلت قواهم، وعطلت مواهبهم، وتبرز قدراتهم ودينامية شبابهم التي لا تضاهى، في سبيل استعادة المبادرة، في جميع الميادين، العلمية والسياسية والاقتصادية، وإعادة توحيد صفوفهم في وجه الانتداب الجديد الذي أكرهوا على القبول به أمرا واقعا، واحتلال بالقوة، كما أكره جيل آبائهم من قبل على قبول الانتداب الفرنسي، أي ليس لشرعنته، ولكن لمحاربته والتخلص منه.

يساعدهم في ذلك أمران: إرادة التحرّر العميقة التي ألهبت مشاعرهم منذ سنوات، والتي ستبقى أعظم تجربة عاشتها أجيالهم الجديدة، وأغناها بالمعاني والعبر والتطلعات والأحلام أيضا، وبسبب الطريق المسدود الذي وصلت إليه جميع القوى التي وقفت في وجه إرادتهم، وحاولت أن تحرمهم من حقهم في الحرية والسيادة والاستقلال والحياة. لم يربح السوريون رهانهم في إرساء نظام الحرية الذي تطلعوا إليه، وضحوا من أجله بكل ما يملكون، لكنهم حطموا نظام الطغيان، وأجبروا، بمقاومتهم وصمودهم الطويل، وتضحياتهم التي لا مثيل لها، كل فرصة على خصومهم، لتحقيق رهاناتهم. وجميع هؤلاء يقفون اليوم عارين أمام جريمتهم وتعاونهم على اغتيال حلم شعب كامل بالتحرر والانعتاق.

 (2)

لم يحقق النظام رهانه في تركيع الشعب السوري، وإرغامه على الخضوع والاستسلام، ولكنه (النظام) أضاع البلد الذي توج ملكا عليه، ودمر أسس بقائه واستقراره، وضحّى من دون نتيجة تذكر، سوى التمديد لنفسه بعض السنوات في حكم بلدٍ مدمر، بالشباب السوري الذي زجّه في معاركه الظالمة واللاأخلاقية، وخسر سيادة قراره وأصبح حلقةً في نظام الهيمنة والانتداب الروسي. وبدل أن يخلد سلطته التي كانت شاملة ومطلقة، كما كان يأمل من خلال تدمير إرادة الشعب وسحق ثورته، أصبحت مشاركته في الحكم في المرحلة الانتقالية إحدى مسائل الخلاف وتعطيل الحل والتسوية السياسية. وحتى لو تمكن من البقاء في الحكم بعض الوقت، بضغط من الانتداب الروسي، فلن يبقى رئيسا للسوريين، ولكن أداة من أدوات السيطرة الروسية. وبالمثل، لن يكون نظامه الذي يريد الروس إنقاذه نظاما سورية، وإنما منصة روسية لتوزيع الحصص والمكاسب والمغانم على الدول المتنازعة على حساب السوريين وضدهم. ولن تستطيع

"بدأت الآن مشكلات النظام الحقيقية، وليس في أثناء الحرب التي خاضها في النهاية بأرواح الجنود الأبرياء والمرتزقة والمتطوعين الأجانب" مؤسسات النظام القديم التي أخفقت في معالجة المشكلات التي أنتجتها إدارته وخياراته الفاسدة عندما كانت سورية في كامل صحتها وكامل مواردها وأمنها، أن تحل المشكلات المضاعفة التي ستخلفها الحرب، مهما سعت إيران وروسيا للتغطية عليها. ولن يمكن لأي نظام أن ينجح في حلها، من دون تعاون جميع أبناء الشعب السوري، وتفاهمهم ومشاركتهم في حكم يمثلهم، ويعبر عن اختيارهم ويجسد استقلال إرادتهم ومصالح وطنهم.

لذلك، بعكس ما يعتقد بعض السوريين من المعارضة والموالاة، بدأت الآن مشكلات النظام الحقيقية، وليس في أثناء الحرب التي خاضها في النهاية بأرواح الجنود الأبرياء والمرتزقة والمتطوعين الأجانب، ولم يخسر فيها، هو وحاشيته المقرّبة، شيئا. بل كانت مصدر إثراء إضافي له ولأنصاره. وسوف يجد نفسه، هو وحلفاؤه، أمام أنواع من التحديات التي ليس لديه أي إمكانية لمواجهتها، ولا يملك هو أصلا الأطر الفكرية والبشرية التي تمكّنه من استيعابها والتعامل معها، بعد أن جرد نفسه من أي خياراتٍ سياسية سوى القتل والتهجير والتجويع، وطرد غالبية أطر البلاد وخبرائها وتقنييها. وسوف يجد قادته أنفسهم أمام شعبٍ متطلبٍ ومتحفزٍ ومتحرّر من القهر الذي سقطت مقوماته، ونظام متقزم يقوده منطق التشبيح والتعفيش والنهب والسلب والابتزاز والاغتصاب. استمرار الحرب كان الخيار الوحيد الذي يقيه من المواجهة الحتمية العنيفة القادمة مع الشعب بكل فئاته، تلك التي كانت مواليةً للثورة، وأحبطت تطلعاتها من دون حق، وتلك التي وقفت مع النظام، ودفعت الثمن الغالي لإنقاذه، وتنتظر المكافأة من نظام أصبح مورده الرئيسي النهب والسلب.

وعلى الرغم من توسعهم خارج حدودهم، وسيطرتهم على مواقع أساسية في سورية، لم يحقق الإيرانيون رهانهم من الحرب، ولكنهم خسروا. وبدل أن يعزّزوا تماسك هلالهم الأخضر، أو الشيعي كما يسمونه، وتكبيد الشعب السوري هزيمةً تخرجه من معادلة القوة والسياسة، ليحلوا بأزلامهم وحشودهم محله، عمقوا قطيعتهم ونزاعاتهم مع العرب. وأثاروا فزع العالم، وسوف يواجهون رد فعل إقليمي ودولي قويا، يهدف إلى تحجيمهم، وتقييد حركتهم ومحاصرة الحرس الثوري ومليشياته التي تشكل سلاح توسعهم ونفوذهم في المنطقة والعالم. لقد أحرق الإيرانيون أصابعهم لالتقاط حبة الكستناء السورية من النار، ليجدوا أنفسهم مجبرين على تقديمها ناضحةً للدولة الروسية. فباؤوا بالخسارة والخيبة، وسوف يدفعون ثمن تهورهم وشرههم للتوسع والنفوذ في إيران التي تنتظر ثورتها الشعبية ضد السلطة الكهنوتية الفاسدة والفاشلة معا.

وبالمثل، يحلم الروس بأن ربحهم المعركة العسكرية في سورية ضد فصائل المقاومة الشعبية، الضعيفة وغير المنظمة، سوف يفتح لهم باب الدخول بقوة في نظام القطبية المتعدّدة، ويفرضون أنفسهم أخيرا، والغرب خصوصا، شريكا رئيسا في تحديد أجندة السياسة الدولية، وطرف لا يمكن تجاهله في تقرير الشؤون العالمية. ومنذ الآن، وقعوا مع الأسد اتفاقاتٍ تضمن لهم الاحتفاظ في سورية بقواعد عسكرية بشروط سيادية لنصف قرن، تسمح لهم بالتوطّن نهائيا في الشرق الأوسط، وربما حلم بعضهم بطرد الغربيين منه، والتعويض عن إخراجهم صفر اليدين في اتفاقات سايكس بيكو التي تقاسمت بموجبها بريطانيا وفرنسا، قبل قرن، إرث الإمبرطورية العثمانية. مشكلتهم الوحيدة، لكن العويصة، أنهم يأتون متأخرين بقرن عن شركائهم القدامى، وفي عصرٍ لم يعد فيه من الممكن إخضاع أي شعب بالقوة، وليس أمام أي مشروع للسيطرة بالقوة والإكراه، حتى على جماعات أقلية صغيرة، سوى بتبني خيار الحرب العدمية ومشاريع الإبادة الجماعية. وهذا ما دشّنه تحت رعاية الروس، وبإشرافهم، نظام الأسد، وعبر عنه استخدامه السلاح الكيميائي وأسلحة الدمار الشامل والعشوائي الأخرى، من دون محاسبة ولا عقاب حتى الآن.

 (3)

ليس لدى الروس مشروع واضح لسورية سوى تقسيمها مناطق نفوذ، وتوزيع الحصص والمواقع على من يدّعي حقوقا له فيها، من الدول الأجنبية والوجاهات، أو النخب المحلية المتعاملة مع موسكو، والمستعدة للعمل معها، وذلك كله من أجل ضمان سيطرة موسكو على سورية، وتعزيز نفوذها وتوسيع دائرة القبول الدولي بها. كان الوطنيون السوريون يفاوضون السلطات الفرنسية حول إلغاء الانتداب انطلاقا من مرجعية قيم الجمهورية والاستقلال والحريات الديمقراطية والتعدّدية، وحق تقرير المصير للشعوب والحكومة التمثيلية. وتظهر تجربة السنوات القليلة الماضية صعوبة تحديد المرجعية التي يمكن التفاوض على أساسها مع الروس لإلغاء الانتداب الروسي، بينما يصرّون اليوم على تأكيد شرعية نظام دموي وراثي، ويرفضون جميع القيم والمبادئ التحرّرية الحديثة، ويمارسون سياسة فرض الأمر الواقع والحكم بالإكراه وتبرير الاستخدام المفرط للعنف وإسكات الأصوات المغايرة والنقدية، وربما اغتيالها، واحتقار مفهوم المعارضة ووجودها. وهم يراهنون في فرض عقيدتهم هذه على عصا الأجهزة الأمنية الغليظة وسياسة الترغيب والترهيب والسجن والملاحقة، وإخفاء الحقائق والدعاية الكاذبة واختلاق الإشاعات والأخبار الكاذبة.

في ظل هذه العقيدة، ومع افتقار الانتداب الروسي في سورية لشرعنة دولية، بعكس ما كان عليه الحال بالنسبة للانتداب الفرنسي في القرن الماضي، هناك خطر كبير في أن تتصرّف روسيا في سورية كما فعلت في أفغانستان، وتبرّر سياسة الأرض المحروقة التي اتبعتها هناك، ومن قبلها في شيشان روسيا نفسها. وهذا ما تؤكده بسلوكها عندما تصرّ على فرض إرادتها وتصوراتها على شعبٍ ضحّى بمليون شهيد من أجل التحرر من العبودية، والانعتاق من نيرها، وتراهن على إعادة تأهيل نظام كان ولا يزال المسؤول الأول عن تدمير سورية، وتشريد شعبها، وقتل مئات الآلاف من أبنائها للاحتفاظ بسلطة جائرة ولا مشروعة. ولن يتأخر الوقت قبل أن تدفع مثل هذه السياسة الشعب السوري إلى الثورة على الاحتلال الجديد، وأعوانه المحليين، بكل طوائفه وطبقاته ونخبه، لانتزاع حريته واستقلال بلاده.

يحلم الروس، بعد مئة عام، على تقسيم الشرق الأدنى بتعويض ما حرموا منه في "سايكس بيكو"، من خلال بسط سلطتهم ونفوذهم في سورية. ويحلم الإيرانيون بمنفذ على البحر المتوسط منذ أكثر من ألفي عام، وسيفعلون المستحيل من أجل تحقيقه، ويحلم النظام بأن تزداد حاجة الروس له واجهة للاحتلال، مع تنامي الاعتراض السوري عليه، أما الولايات المتحدة فهي تخطط لتوسيع قواعد سيطرتها العسكرية، في انتظار أن تستنزف قوى خصومها في المنطقة. ما يعني أن الصراع لايزال مفتوحا على تقرير مصير سورية. وبعكس ما تقوله

"لن يمكن لأحد أن يحتل سورية إذا أراد شعبها تحريرها، ولن يتمكن من تقسيمها إذا أراد السوريون وحدتها" المظاهر اليوم، لن يمكن لأي طرفٍ أن يحسم الصراع، ويخرج البلاد من الأزمة الراهنة سوى الشعب السوري نفسه، فهو الأصل وهو القضية وصاحب المصلحة في إعادة بناء سورية، وإرساء قواعد أمنها وسلامها وازدهارها. لكن حتى ينجح في لعب دوره الحاسم المنتظر، ينبغي على السوريين:

أولا ألا يشكّوا لحظة في أن ثورتهم كانت على حق، وأنهم قاتلوا دفاعا عن حياتهم وحقوقهم وحرياتهم وكرامتهم، وهم الذين تم الاعتداء عليهم، ولم يعتدوا على أحد.

وثانيا ألا يسلموا بحكم القوة والاحتلال، ولن يسلموا، لأن ذلك يعني نهايتهم شعبا، ونهاية سورية بلدا، ونهاية أي أمل حتى في إصلاح الأحوال وتحويل سورية إلى وطن وملجأ آمن لأهلها. ليس أمامهم إلا أن يتمسكوا بحقوقهم، ويستمروا في المقاومة بكل الوسائل، بأفعالهم وأقوالهم وجوارحهم وأنفسهم، أينما كانوا، لأن هذه المقاومة هي التي تعطي لحياتهم السياسية معنى، وتجعل منهم رجالا أحرارا، وتحفظ لهم ما انتزعوه من شروط الحرية بأغلى الأثمان، كما تحفظ كرامة شهدائهم، وقيمة تضحياتهم الأسطورية.

ثالثا أن يراجعوا أخطاءهم، وينبذوا كل أشكال الطائفية والعنصرية القومية والتمييز الاجتماعي والطبقي، ويعترفوا لكل فرد منهم بهويته وأصالته واستقلاله وكرامته وحرية ضميره كإنسان، بصرف النظر عن أصله وفصله ودينه ووضعه الاجتماعي، وأن يتضامنوا أو يتعاضدوا على الدفاع عن حقوقهم المتساوية التي يشكل احترامها لكل فرد شرطا لحرية الأمة، واستقلالها ووحدتها وتمدّنها.

لن يمكن لأحد أن يحتل سورية إذا أراد شعبها تحريرها، ولن يتمكن من تقسيمها إذا أراد السوريون وحدتها. ولا يمكن توحيدها من دون الاعتراف المتبادل فيها من كل طرف بحقوق الأطراف الأخرى، وكل فرد بحقوق الفرد الآخر. ولن يكون في سورية حرية ولا كرامة لأحد ما لم تعم الحرية والكرامة الجميع. ولن يتمتع فيها أحد بالسلام، ما لم يتحقق الأمن والسلام لكل السوريين. ومن أحل ذلك، ينبغي تشجيع الحوارات الوطنية، وتوسيع دائرتها في كل الميادين والمناسبات. وعلى المثقفين والقادة السياسيين الانخراط بقوة وعمق في هذا الحوار، لمساعدة عموم السوريين على فهم الرهانات المطروحة، والمسائل الخلافية، والشروط الضرورية لبناء صرح الهوية الوطنية من جديد، بعد أن هدمتها الحرب الوحشية ضد السوريين، ومن أجل تقسيمهم وبث الفرقة بينهم، وإخضاعهم لإرادة القوى الأجنبية الطامحة إلى التوسع والسيطرة.

في هذه المسيرة التحرّرية المستمرة والمعقدة، أكثر ما يحتاجه السوريون هو العودة إلى روح ثورة آذار المغدورة، السلمية والمدنية، وإعادة تنظيم صفوفهم، في ما وراء الموالاة والمعارضة، وتوحيد كلمتهم حول انتقال سياسي، وعهد وطني يحفظ للجميع حقوقهم ومصالحهم، وينهي عهد الانقسام والفرقة التي اشتغل عليها النظام، وراهن عليها ونجح، إلى حد كبير، بفضل تقويضه المسبق، وخلال عقود، ثقافة السوريين الوطنية، وقيمهم المدنية، وروح التضامن والتكافل التي لا يقوم من دونها أي بناء وطني أو نسيج اجتماعي.

وتبقى ثورة العشرين من القرن الماضي، بمقاوماتها وكتلتها الوطنية، وتفاهم نخبها الاجتماعية، وخطها الديمقراطي التعددي، نموذجا ملهما لانبعاث سورية من موتها، وتعلم الأجيال السورية الجديدة أبجدية الحرية والاستقلال الوطنيين.

========================

ما بعد داعش: نهاية النظام في سورية .. عمار ديوب

العربي الجديد

الاثنين 23/10/2017

جادلت المعارضة والفصائل العسكرية السورية طويلاً: إنّ النظام وإيران هما من أنتج تنظيم داعش وجبهة النصرة والجهاديات، وهناك من يقول إن هذه التشكيلات "شركاتٌ أمنية" لأكثر من دولةٍ، للإجهاز على الثورة السورية. وطبعاً هناك من رحّب من السوريين بجبهة انصرة والجهاديات باستثناء "داعش"، إيماناً ساذجاً منهم بأن الأخيرات سيقاتلن النظام، وأن المهمة الراهنة دحره.

انتهى الجدل ذاك برفضٍ كامل من الدول "أصدقاء الشعب السوري" وأميركا وروسيا، وبأن المهمة الآن محاربة الإرهاب، ومن ثم الحوار مع النظام، وأن النقاش يجب أن يتركز على كيفية إجراء هذا الحوار فقط. حُوصرت المعارضة من الدول العالمية والإقليمية، وقِيل لها إن أمامها خيارا وحيدا، وهو التحالف مع بقية المنصات "موسكو، القاهرة، حميميم، والإذعان للرؤية الروسية، وتشكيل حكومة "وطنية" بقيادة الرئيس الأسد.

في هذه الأثناء، عزّزت روسيا من علاقتها بتركيا، وأجبرت الفصائل على الخروج من حلب، والدخول في مسار أستانة، والمخصّص للحوار بين الفصائل والنظام، وبإشراف روسي، وبالتعاون مع تركيا وإيران. أصبح مسار أستانة هذا بديلاً حقيقياً عن مسار جنيف، وعن المعارضة نفسها، ويعدّ الحديث عن علاقة الفصائل بالهيئة العليا للمفاوضات المشكلة في

"ليس الخلاص من "داعش" خبراً سعيداً للنظام، فبنهاية هذا التنظيم الإرهابي ينتهي هو بالضرورة" الرياض، وأنّها المرجعية، متهافتاً؛ فالفصائل مع الدول "الضامنة" هي من وافق على مناطق خفض التوتر، والتي تتحكّم بها تلك الفصائل نفسها، وتُنصب مجالسها المحلية. وبعد تطبيق مذكرات التخفيض، بدأ الروس يتكلمون عن اجتماعٍ يضم ممثلين عن المجالس المحلية ومناطق المصالحات، بل وحتى "الإداراة الذاتية" لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، في حميميم أو مطار دمشق الدولي، وبالتالي هناك مسار خاص يترافق مع الحديث عن التطورات السورية الأخيرة، واسمه العلاقة الروسية المباشرة مع الأطراف السورية "المعارضة". ونتائجها ستُفرَض على النظام، وسيفضي إلى اجتماع مباشر مع النظام، وبإشرافٍ روسيٍّ، وفي إطار خطة لإدارة كل مدن سورية ومناطقها، بما فيها الواقعة تحت سيطرة الاحتلالين، الأميركي والتركي، ومناطق النظام.

اللوحة الجديدة الآن هي دخول تركيا إلى إدلب، وفق مسار أستانة، وبالتالي بداية نهاية جبهة النصرة، و"تحرير" القوات المتحالفة مع الأميركان مدينة الرقة، وكذلك القوات الروسية وحلفاؤها في دير الزور. بتحقق ذلك، وهو يتحقق تباعاً، سيكون المسار الروسي على طاولة الحل، وستكون نتائج خفض التوتر و"التحرير للشرق السوري" أمام العالم، للبحث في الخطوة المقبلة، أي ما بعد "داعش" وجبهة النصرة؛ وتنطلق هذه الخطوة من مذكرات التخفيض، وكذلك من إجبار النظام على التفاوض مباشرةً على مستقبله ومستقبل الدولة السورية.

رفضَ الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في استراتيجيته الجديدة مسألة الوجود الإيراني في الدول العربية، واعتبر إيران دولة إرهابية، كما حرسها الثوري وحزب الله، وهناك حديث مستجد عن حربٍ قد تشنها إسرائيل على حزب الله في لبنان. وبالتالي، على روسيا أن تلتقط ما تريده أميركا في سورية، وتدعم ذلك إسرائيل والسعودية، ويفيد الأمر تركيا بالضرورة، ولا يتناقض مع مصلحة الشعب السوري "معارضين وموالين" في إخراج إيران من سورية. وترافقت التطورات الدوليّة والإقليميّة هذه مع تصريحات أميركية واضحة ضد الطموح الكردي، فليس مسموحاً لرئيس إقليم كردستان العراق، زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، مسعود البارزاني، أو زعيم حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، في سورية، صالح مسلم، تغيير حدود الدول الحالية، أو التفكير بدولةٍ مستقلة، وأن دور المتعاونين مع الأميركان يكمن فقط في محاربة الإرهاب، والحصول على مقدار جيد من الحقوق القومية "حكم ذاتي في العراق، وحقوق مواطنة في سورية"، وليس أكثر من ذلك؛ هذا يتوافق مع السياسة الروسية في عدم تغيير "سيادة" الدول، وإضعافها في آن واحد.

المحاولة الإيرانية في تقديم خدماتٍ لمصلحة أميركا في العراق، ومساعدة رئيس الحكومة العراقية، حيدر العبادي، في استعادة كركوك وبقية المناطق المتنازع عليها، لا تساهم في تغيير الاستراتيجية الأميركية، وبالتالي دعم إيران، فالقراءة الأميركية للسياسة الإيرانية تقول إنّها تحاول الهيمنة الكاملة على العراق، ما يتناقض مع سياسة ترامب في العودة إلى العراق، وتحجيم إيران، وإجبارها على العودة إلى حدودها السيادية، ودعم العبادي، والتخلص من إرث باراك أوباما.

تفيد الملاحظة الأخيرة بأنّه لن يُسمح لروسيا باستمرار تحالفها مع إيران في أي حل سياسي في سورية، وإذا كانت روسيا تفهم ذلك، وتُبقي سلاح الفصائل في مناطق خفض التوتر، وتعقد المصالحات معهم لاستخدامها عصاً للتخويف، وربما في معارك مستقبلية ضد الوجود الإيراني في سورية، فإن "تحرير" الرقة ودير الزور والسيطرة على إدلب يُحاصر روسيا، ويُجبرها على التسريع في فك العلاقة مع إيران، وطرح مبادرات سياسية قوية تُبقيها مُشرفةً على الحل في سورية، وتعزّز من التوافقات مع أميركا بخصوص دول أخرى، كالعراق مثلاً.

روسيا وأميركا تعملان على تصنيع معارضة تتوافق مع مصالحهما في سورية، وفي الوقت عينه، سيتم تحديد موعد لإخراج إيران من سورية. هذا الوضع الجديد، أي انتهاء المعارك في

"خسر السوريون ثورةً شعبيّة من أجل نظامٍ أفضل، وخسر النظام دولةً كاملة، وتحوَل إلى أداةٍ لخدمة الاحتلالات" سورية والضغط على المعارضة، سيفرضان بالتأكيد خطوة جديدة، وهي مصير النظام السوري، فالمعارضة يُحدّد مصيرها، وكذلك الفصائل، فما هو مستقبل النظام، وكيف سيتم إعمار سورية، أي نهبها عبر شركاتٍ خارجية؛ هذا هو السؤال ما بعد "داعش"؟

هناك إجابات متكرّرة هنا وهناك، وتقول ليس من سوريٍّ منتصرٍ في معركةٍ إقليمية ودولية تُفرض على الأرض السوريّة، إذاً لا بد من تحجيم مؤسسات النظام، وتحديداً العسكرية والأمنية؛ يتم ذلك حالياً عبر تدخلٍ روسيٍّ واسع فيهما، لكن ذلك غير كاف في المنظار الأميركي، أو لإحداث نقلة في الشأن السوري. أقصد أن الموافقة على إبقاء الرئيس الحالي، ولمدةٍ زمنية محدّدة لا تعني إبقاء المؤسسات الأمنية والعسكرية على حالها، بل سيطاولها التغيير لا محالة.

خسر السوريون ثورةً شعبيّة من أجل نظامٍ أفضل، وخسر النظام دولةً كاملة، وتحوَل إلى أداةٍ لخدمة الاحتلالات، ولا سيما الروسي؛ ليس النظام فقط، بل وكذلك فصائل عسكرية مناهضة له. لن تبدأ إعادة الإعمار كنتيجة للحل السياسي، قبل إجراء تغييرات كبيرة في النظام، هذه مسألة أكيدة. إذاً نهاية النظام أصبحت مسألةً مطروحة على طاولة المفاوضات. وبالتالي، ليس الخلاص من "داعش" خبراً سعيداً للنظام، فبنهاية هذا التنظيم الإرهابي ينتهي هو بالضرورة.

==========================

الأكراد بين العراق وسوريا .. د. رضوان السيد

الاتحاد

الاحد 22/10/2017

عندما عادت الأمور أو آلت إلى الجد، اجتمعت كل القوى على الأكراد، فما استطاعت كوردستان الحصول على الاستقلال بعد الاستفتاء. وكان واضحاً لمسعود البارزاني منذ البداية أنّ الحكومة العراقية لن توافق، وكذلك الأتراك والإيرانيون. لكنه كان يراهن على الدعم الأميركي. فالأميركيون حاضرون بالعراق الآن، وقد جاؤوا ثانيةً باسم مقاتلة «داعش»، وأول دوافعهم الدفاع عن الأكراد في العراق وسوريا. لذلك حسب البارزاني أنها فرصةٌ لا تُعوَّض. لكنْ لماذا كان البارزاني مضطراً للاستفتاء؟ كان مضطراً لذلك لأنّ وضعه القانوني غير سليم، وكان ينبغي أن يغادر منصبه قبل سنوات. وقد ازدادت الانقسامات بينه وبين «حركة التغيير» الكردية وحزب طالباني الأقرب لإيران. وقد ظن أنه في موقع قوة الآن؛ فالبشمركة في قوة الجيش العراقي، وقد استولت على كل المناطق المتنازع عليها مع الحكومة، وبخاصة كركوك وآبار النفط فيها. فلو أنه بالاستفتاء سار نحو الاستقلال، لكان بطل الأكراد وزعيمهم القومي الأبدي، خاصة أنه يذهب إلى الاستقلال مع كركوك وما حولها وأجزاء من نينوى وديالى، وكلها مناطق لا يشكل الأكراد أكثرية فيها، لكنهم - وبخاصة كركوك - يعتبرونها من مناطقهم التاريخية!

على كل حال غامر الرجل، وفي ذهنه دعم الأميركان، وأنّ الجيش العراقي لن يقاتل الأكراد كما كانت جيوش صدام تفعل. وقد حصل الأمران اللذان لم يتوقعهما: وقف الأميركان على الحياد وأعلنوا ذلك، ودخل الجيش العراقي (ومعه مليشيا «الحشد الشعبي») إلى كل المناطق المتنازع عليها، والتي كان الأكراد يحتلونها. وخسرت القضية الكردية ثلاث مرات: مرةً لأنها ما حققت أملها في ضم كركوك، ومرة لأنّ الانقسام بالداخل الكردي صار أكثر عمقاً؛ فقوات طالباني وحزبه انسحبا باتفاق مع العراقيين وسليماني. ومرة ثالثة لأنّ التفاوض مع الحكومة العراقية صار أصعب، لأنّ الشيعة العراقيين أدركوا أن الأكراد أضعف عسكرياً وسياسياً مما كانوا يظنون. وقد ظل البارزاني منذ عام 2003 هو سيد الساحة العراقية، والحكم الأكبر في كل القضايا؛ فالكرد في العراق أقوى منهم خارجه، ولو صاروا دولةً مستقلة. لكنّ «غلطة الشاطر بألف غلطة»!

إن وضع الأكراد في سوريا مختلف. فهم في الأصل ليسوا أصحاب مشروع استقلالي. والأميركان والروس معهم حتى الآن في مسائل الفيدرالية. ثم إنّ النظام السوري لا يكف عن مجاملتهم والتنسيق معهم ما أمكن. لكنّ تركيا ضد المشروعين: الاستقلالي والفيدرالي، إذ طالما كانت حتى مناطق صديقهم البارزاني ملاذات لـ«حزب العمال» الكردستاني، وهو ما يخشون أن تصبح عليه المناطق الكردية السورية. بل ويزعم الأتراك أن الجذر العسكري القتالي لقوات «سورية الديمقراطية» هو «حزب العمال» وقواته. ولا يمكن إرغام تركيا على الانسحاب، وبخاصة أنه صارت لها وظيفة في إدلب. فالأمر رهنٌ بالحل السياسي أو الانتقال السياسي بمقتضى القرار 2254. وهذا بعيدٌ بعض الشيء لأن الأميركان والروس متنافرون، إذ أن أنصارهم يتنازعون على المناطق ويتسابقون للحصول عليها. وقد حصل شركاء الأميركيين على الرقة، ويريدون الحصول على شرق دير الزور، وهذا دخولٌ في المحظور الروسي والإيراني، مع أن النظام والروس والإيرانيين سيطروا على أحياء من الدير غرب الفرات، وسيطروا على مدينة الميادين، وهي نقطة داعشية استراتيجية. ودير الزور مهمة للإيرانيين وللنظام، لأنها بلد النفط، وأقرب للحدود العراقية، والإيرانيون يريدون كوريدور بين طهران ولبنان («حزب الله») عبر العراق وسوريا!

في الحسابات الاستراتيجية، لا تُهم أعداد الميليشيات ولا قوتها، بل المهم هو على أي أرض تسيطر، وإلى أي دولة تستند؟ «حزب الله» وميليشيا «الحشد الشعبي» ينتميان إلى إيران، ولأن إيران قوية بشراكاتها مع الروس والأتراك، تبدو ميليشياتها قوية وتتقدم. أما البشمركة التي وصلت أعدادها إلى 150 ألفاً، فإنها بدت ضعيفة تماماً؛ لأنه لا سند لها في التسليح والإمداد والحماية، ما دامت القوة الأعظم ليست معها، ودول المحيط جميعاً ضدها!

لذلك، ورغم أن ظروف أكراد سوريا ما تزال أفضل (حتى الآن على الأقل)، فإن قوّتهم وقدرتهم منوطة بمدى وقوف أميركا وروسيا مع طموحاتهم من جهة، ومدى التفاهم بين النظام السوري والأتراك في المستقبل على حلٍ مع قوات «سوريا الديمقراطية»، أو مكافحتها. ويا للكرد!

========================

الصراع على الشرق السوري .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 22/10/2017

بعد نحو 7 سنوات من الصراع في سوريا، تحول الشرق السوري إلى محور صراع قوى إقليمية ودولية، تفاوتت أدوارها، وتعددت تدخلاتها في القضية السورية، وقد استجمعت قواها لتخوض معركة تبدو كأنها الأخيرة في الشرق من أجل مصالحها الأساسية؛ سواء عبر وجودها المباشر، أو عبر حلفاء أو أدوات محلية تمت مقاطعة أهدافها مع أهداف القوى الإقليمية والدولية.

تمتد منطقة الشرق السوري من محاذاة خط المدن الوسطى في حمص وحماة وإدلب وحلب، وتتجه شرقاً لتضم في حدودها منطقة البادية السورية، وصولاً إلى الحدود العراقية، وتتواصل المنطقة من خط التيفور – تدمر، إلى الميادين - البوكمال على الحدود مع العراق شرقاً، ثم تصعد شمالاً باتجاه الحدود السورية - التركية مروراً بمنطقة الجزيرة، وتضم هذه المنطقة مدناً أبرزها تدمر والرقة ودير الزور والحسكة، إلى جانب مئات من القرى والبلدات.

وتحوي المنطقة أهم الثروات الباطنية في سوريا؛ من مناجم الفوسفات، إلى الملح الصخري، إضافة إلى حقول النفط والغاز، التي تشكل الثروة النفطية لسوريا، وفيها خزان الإنتاج الرئيسي للحاصلات الزراعية؛ إذ هي المورد الرئيسي للقمح، والمركز الرئيسي لإنتاج الأقطان، إضافة إلى أنها المجال الرئيسي للثروة الحيوانية، لا سيما الأغنام، وفيها أهم المجاري المائية في البلاد، وعلى نهر الفرات الذي يقطعها من الشمال إلى الوسط قبل أن يتجه شرقاً إلى العراق، يقوم سدا «تشرين» و«الفرات»، ويولد الأخير منهما القسم الرئيسي من الكهرباء في سوريا.

وتتواصل أهمية الشرق السوري في تركيبته الديموغرافية. ورغم وجود أغلبية عربية من السكان هناك، فإن فيه أكبر تجمعات للسوريين الكرد، خصوصاً في محافظتي الحسكة والرقة، كما أن بين سكانه نسبة من المسيحيين السوريين من الآشوريين - السريان والأرمن، إضافة إلى جماعات عرقية أخرى بينهم التركمان، وقد نشطت فيه منذ النصف الثاني من القرن العشرين الأحزاب السياسية العربية والكردية والآشورية - السريانية، وشكلت غنى سياسياً فاق أغلب المناطق السورية الأخرى.

وبين المزايا الأهم للشرق السوري، أنه كان منطقة شبه مهملة، ومضطهدة، من جانب الحكومات السورية المتعاقبة، لا سيما في ظل سلطة حزب البعث وفي العهد الأسدي الذي امتد لنحو 50 عاماً مضت، وغابت عنه التنمية، وتحكمت به الأجهزة الأمنية، فاضطهدت سكانه الأكراد وهمّشتهم تحت شعارات قومية عربية كاذبة، واتهمت سكانه العرب بأنهم عملاء لنظام البعث العراقي، فعاشوا عقوداً من الملاحقة السياسية والأمنية والاضطهاد.

لقد جعلت الوقائع المحيطة بالشرق السوري المنطقة بؤرة للثورة على نظام الأسد، ولم يكن مصادفة انضمام المنطقة لثورة السوريين على النظام، ودخول عربها وأكرادها ميدان الثورة، التي شكلت دير الزور والقامشلي أكبر ساحات التظاهر السلمي فيها، قبل أن يدفع النظام السوريين إلى العسكرة والتسليح، مما فتح الأبواب على نمو وانتشار ظاهرة التطرف والإرهاب، فتمدد في المنطقة تنظيم داعش ليسيطر على منطقة واسعة، ليجعل من الرقة عاصمة له، ومن دير الزور معقلاً أساسياً، بالتوازي مع نمو وتمدد حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي الذي يقود «قوات سوريا الديمقراطية»، والذي يسيطر على غالبية المنطقة الموازية للحدود التركية من الحسكة شرقاً إلى شرق حلب.

وبطبيعة الحال، فقد جاء تمدد جماعات التطرف في المنطقة على حساب انتشار قوات النظام وتشكيلات الجيش الحر في المنطقة، اللذين انحسر وجودهما في المنطقة إلى جزر محدودة، وسعت القوى الإقليمية والدولية للتشبيك معهما تحت شعار «الحرب على (داعش)»، فأقامت الولايات المتحدة تحالفاً مع «قوات سوريا الديمقراطية» للتمدد، وعززت تركيا وجودها هناك عبر تحالف «درع الفرات» لانتزاع موطئ قدم لها، وكثفت روسيا، بالتحالف مع نظام الأسد وإيران، عملياتها لتعزيز سيطرتها في المنطقة.

ونتيجة الجهود المتوافقة والمتناقضة في أغلب الأحيان للأطراف الدولية والإقليمية، تمت إعادة تشكيل خريطة السيطرة السياسية - العسكرية والاقتصادية على المنطقة، فانحسر فيها نفوذ «داعش»، لا سيما في الرقة، التي سيطرت عليها «قوات سوريا الديمقراطية»، وفي دير الزور التي استعاد النظام فيها القسم الذي كان يسيطر عليه «داعش»، فيما حافظت تركيا على وجودها الجزئي في غرب الفرات.

إن الأهم في النتائج السياسية للصراع في الشرق السوري، تكريس وجود الولايات المتحدة هناك من خلال حلفائها من «قوات سوريا الديمقراطية»، ويضمن لها هذا الوجود تحكماً سياسياً واقتصادياً بمنطقة الجزيرة السورية؛ بما فيها من مشاريع سياسية؛ أبرزها مشروع «قوات سوريا الديمقراطية» المعروف بـ«الإدارة الذاتية»، ومن قدرات اقتصادية تبدأ بمناطق إنتاج النفط في رميلان وكراتشوك، إلى مناطق إنتاج القمح والقطن. وحقق الروس نتائج لا تقل أهمية عما حصلت عليه الولايات المتحدة، وكان الأهم في ذلك سيطرتهم على منطقة تضم حقول إنتاج نفط وغاز وفوسفات، وانتشارهم في منطقة لم يكونوا موجودين فيها أصلاً، وهي حال الإيرانيين الذين كانوا طوال سنوات الصراع يعملون على الوصول من مركز وجودهم في دمشق إلى الحدود العراقية، وهي المنطقة التي كانت تقطع خط الوصل الإيراني من إيران عبر العراق إلى شاطئ المتوسط في لبنان، وقد تعززت سيطرة نظام الأسد على جزء من المنطقة بدعم حلفائه الروس والإيرانيين.

ورغم أهمية ما حصل من تغييرات في خريطة الشرق السوري من استجابة لمصالح الأطراف الإقليمية والدولية، فإنه لا يمكن الركون لهذه التغييرات واعتبارها الشكل النهائي، لما سيكون عليه المستقبل فيها، ويكمن ذلك في عاملين أساسيين؛ أولهما أن مسار الصراع في القضية السورية وفي الشرق السوري ما زال قابلاً للتغير والتبدل بفعل استمرار الصراع الذي لا تظهر له نهاية قريبة، وثانيهما أن مستقبل الشرق السوري محكوم بالتسوية النهائية التي ستؤول إليها القضية السورية، والتي سترسم مكانة وحجم كل الأطراف الحاضرة في الصراع على سوريا، وما يمكن أن تحقق وتضمن من مصالح، تضع مصلحة السوريين الحقيقية في آخر القائمة.

========================

موسكو – طهران... اقتراب ساعة التغيير .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 21/10/2017

تشغل العلاقة بين موسكو وطهران حيزا كبيرا من اهتمام السوريين بشأنهم الوطني والثوري. في الوعي السوري العام، يعتبر وجود طهران العسكري في سورية ضروريا لموسكو التي تمتلك قوة جوية وبحرية فاعلة، لكنها تفتقر إلى قوات برية ضاربة، تمكّنها من تحقيق الانتصار بقدارتها الذاتية، من دون شراكة مع أو مساندة من أحد.

تحتاج موسكو إلى عون إيران، ما دامت نار الحرب تلتهم سورية، وموسكو عازفة عن إرسال جيشها البري إليها، تحسبا لفخٍّ قد تقع فيه، بعد فخ أفغانستان الذي لعب دورا كبيرا في إنزال هزيمة مهينة بها، أسهمت في إسقاط النظام السوفييتي. ومع أن موسكو أرسلت بعض عسكرها، ومرتزقة ينتمون إلى وحداتٍ تشبه مرتزقة "بلاك ووتر" في العراق، فإنها تتخوف من توسيع انخراطها البري في القتال، وما سيعقبه من سقوط قتلى من جندها الذين فقدت بالفعل أعدادا مقلقة منهم خلال العام الماضي. في بحثها عن بديل، وجدت موسكو من مصلحتها التعاون مع إيران، ضمن حساباتٍ تمكّنها من التحكّم برهانات الملالي، المغايرة لأهدافها، وبرزت خلافاتها معها في مواضع كثيرة، مثلما حدث حين نفذ الحرس الثوري، ومرتزقته اللبنانيون والعراقيون والأفغان، هجوما عارضته روسيا في سوق وادي بردى، خاضه حزب الله وشبيحة الأسد، بحجة الحرب ضد جبهة النصرة، واستمروا فيه إلى أن احتلوا منابعه التي تزود دمشق بمياه الشرب، على الرغم من بيان عسكري روسي نفى وجود "النصرة" في منطقته، وطالب بوقف الهجوم عليه.

تحتاج روسيا إلى قوات إيران البرية لكسب الحرب، فهل ستحتاج إليها بالقدر نفسه، لإنجاح حل دولي يعيد السلام إلى الربوع السورية؟ من المعروف أن مواقف الدولتين السورية تتباين في ما يتعلق بأغراضهما، وبالمآلات التي يراد للوضع السوري أن يبلغها، بما في ذلك مصير الأسد ونظامه ووظيفتهما المستقبلية. ترفض إيران حل الصراع سياسيا، بينما تتولى روسيا الإشراف عليه، وتبذل جهودا مضنية لتمريره. وتعمل طهران لحل محض عسكري، يدمر أية مقاومة يواجهها نظام الأسد الذي تعتبره جزءا من كيانها السيادي. وعلى الرغم من أنها حضرت لقائي فيينا الدوليين حول السلام، فإنها تمسكت برفض وثيقة جنيف 1 وقرار مجلس الأمن 2118، وخريطة طريق الحل السياسي الدولي التي رسماها من أجل وضع حد للحرب، وإقامة نظام تسويات دولية وإقليمية لا يمكن طهران من الانفراد بسورية من جهة، ويلبي بالأحرى مصالح القوتين العظميين وأهدافهما في سورية والإقليم من جهة أخرى. تعارض إيران الحل السياسي، لأنها ستكون بعده مجرد طرفٍ فقد تحكّمه بالصراع، وغدا جهةً يحدد الجباران علاقتها بسورية، حسب تفاهماتهما، وبما يتفق مع خططهما التي تقول إشاراتها أن واشنطن قد تستهدف إيران، حتى قبل تسوية الموضوع السوري.

ليس السلام والحل الدولي مصلحة إيرانية، ويرجح أن يفرض عليها مواجهة مع الدولتين الكبيرتين تتحدى قدراتها، وأن يرغمها على قبول الدور الذي سيقرّرانه لها، ليخدم مصالحهما، من دون أن يستجيب، في الوقت نفسه، لما أرادت بلوغه عبر انخراطها في الصراع السوري. بكلام آخر: مع السلام، لن تبقى روسيا بحاجة إلى دعم قوات طهران البرية، ولن تسمح لها بالتالي بمواصلة دورها السوري الراهن الذي يتعارض مع خطتها لإقامة نظام أمن إقليمي، انطلاقا من موقع سوري لا يشاركها فيه أحد، تستعيد بواسطته ما كان للاتحاد السوفييتي من نفوذ وحضور في المنطقة العربية بالأمس، حسب تصريحات الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين.

ستتحرّر روسيا قريبا من حاجتها إلى مرتزقة إيران، فإن سعت إلى السلام بتفويض أميركي، كما هو مقرر دوليا، كان عليها القيام بتدابير جدية لإضعاف الوجود الإيراني في سورية، لكبح منافسته لها على الموقع السوري، مع ما سينتجه ذلك من تناقض وتباعد في مواقف وأهداف بلدين يستخدم الإيراني منهما جيشه ومرتزقته لإثارة مشكلاتٍ من شأنها إحباط أو عرقلة حل سياسي تربط روسيا استراتيجيتها ومصالحها الدولية بنجاحه.

هل يمكن للتبدل المرتقب في علاقات الدولتين أن يكون فرصة نستغلها لتحسين أوضاعنا نحن السوريين، ولتوسيع هوامش مناورتنا تجاه إيران والنظام الأسدي؟ وهل يتيح لنا مداخل إلى تفاهم مع روسيا ضد بقاء الحرس الثوري ومرتزقته في وطننا، يعيد بعض التوازن إلى سياستها في بلادنا، بحيث تأخذ بالاعتبار رفض شعبنا الأسد ونظامه، ولموقفها من حقوقه التي لن يتحقق سلام من دون تلبيتها.

========================

الثورة على مفهوم الانغلاق .. بيار عقيقي

العربي الجديد

السبت 21/10/2017

بات الجميع مقتنعاً بأن موسم "داعش" في سورية والعراق شارف على الانتهاء، وأن المرحلة المقبلة، الضبابية، في حاجةٍ إلى عناوين سياسية واضحة، كي لا تتناسخ الحروب المتفرقة وتتشعّب. أولى تلك الحروب هي الاشتباكات بين البشمركة و"الحشد الشعبي" في العراق. وبغضّ النظر عن الطبيعة السياسية لهذه المعارك، وارتباطها باستفتاء انفصال كردستان في 25 سبتمبر/أيلول الماضي، والإسقاطات الجيوبوليتيكية والتاريخية عليها، إلا أن الواقع واحد: اشتباك سني ـ شيعي. وهذا النوع من الاشتباكات الطوائفية مرشّح للحصول في أماكن أخرى من العراق وسورية، كالجنوب العراقي ووسطه، والرّقة ودير الزور ودرعا والسويداء وغيرها في سورية.

وفي غياب أي ضابط يمنع الاشتباكات "الدينية"، فإن توسّعها وانتشارها، تحديداً في المشرق العربي، مرشّح للتصاعد في المرحلة المقبلة، فالشرق الأوسط قطع مغناطيس تتجاذب بعضها بعضا في غياب التوازن الذي من المفترض أن يعتبر من "الحلول النهائية" فيه. وهذا يعني، على المدى البعيد، أمرا من اثنين: إما انتصار طائفة أو قومية على الجميع، مع ما يحمله ذلك من أحقاد متوارثة ستؤدي إلى انتفاضة "المظلوم" لاحقاً للتحوّل إلى "ظالم" جديد، أو تكريس دويلاتٍ على أسس مذهبية وقومية. وأي من الأمرين لا يُعدّ حلاً مثالياً، بل هو أقرب إلى الاختيار بين السيئ والأسوأ.

هذا الاختيار، المعطوف على فشل معظم الجيوش العربية في أداء دور "حامي الدولة والقانون" لا "حامي السلطة والأنظمة"، أدى إلى تفسّخ فكري واسع النطاق في تبيان (أو استشراف) ملامح المرحلة المقبلة في الشرق الأوسط، خصوصاً على صعيد العلاقات بين جماعاته. والمضحك المبكي هو قدرتنا على "اختيار" طريق من اثنين، طريق "الدويلة" مع كل ما يمكن أن يرافقها من تمييز ديني وقومي وانغلاق فكري، أو طريق "الدولة" بحمى جيشها الذي تمادى في صون السلطة وقمع الشعوب، مع ما يعنيه من قمع عقلي. "حق الاختيار"، ولو كان على شاكلة هذين الطريقين، إلا أنهما يؤديان معاً إلى الهاوية.

كيف يمكن الخروج من تلك الدوّامة، من دون أن يعني ذلك الاضطرار إلى مسايرة خيار مفروض على المجتمع؟ تبدأ الأمور بحدّها الأدنى في الثورة على فكرة الانغلاق بحدّ ذاتها، لا على تكريس الاتهامات المتبادلة، واعتبار "الآخر" العدو الذي يجب التخلّص منه، فقط لأنه من قومية أو طائفة أو عرق مغاير. كما يتوجب ترسيخ الاقتناع بمبدأ أن "لا أحد يملك الحقّ كاملاً"، لا بقوة سلاحه، ولا بقوة عقيدته الدينية والسياسية، بل فقط بقوة العدالة الإنسانية. بهذه الفكرة يمكن الوصول إلى المكان الذي يسمح للجميع قول ما يشاؤون، من دون التعرّض لرصاصةٍ في الرأس، أو لاتهامات بالتخوين، أو النبذ.

وإذا كان مفهوم الثورة على الانغلاق فرديّا أكثر منه جماعيا، فإن قضية انتشار السلاح بين المجموعات الدينية والقومية، بحجة "خوفها"، أمر ملحّ يتوجب الخلاص منه. صحيح أن الخلاص من المليشيات المذهبية والقومية في حاجة إلى سنواتٍ ضوئية، لكنها تستحق المحاولة، قياساً على المسار الدموي للشرق الأوسط، وعدم تخلّصه من أتون الحروب المتناسلة. مع العلم أن التجربة اللبنانية التي تحوّلت إلى نسخة مكرّرة في سورية والعراق واليمن ليست التجربة المشجّعة التي يُمكن أن تؤدي إلى "طائف" جديد يضمن السلم الأهلي، فلا سلم أهلياً تحت عناوين دينية وقومية، كونه الدرب الأسهل للقضاء على تطوّر القوانين المتعلقة بالإنسان وحريّته. وهو أمر نلمسه يومياً في لبنان، من الطبابة إلى التعليم والغذاء والمواصلات وملف النفايات، فقد أدت المحاصصات الطوائفية إلى تمكين السلطة في يد حفنةٍ من رجال الدين ورجال الأعمال وأمراء الحرب، الذين "يثابرون" على سرقة المواطنين، فضلاً عن تجهيل القوانين المدنية، القادرة على كسر القوالب الدينية والمذهبية. "الثورة على الانغلاق" هو كل ما نحتاجه في شرقنا.

========================

ما لكم أيها السوريون تتفاخرون بقرعة بوتين وشعر ترامب؟ .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 21/10/2017

صدق مالك بن نبي قبل عقود عندما وصف الكثير من العرب بأنهم قابلون للاستعمار، أو بالأحرى لديهم قابلية لا بل استعداد لتمجيد المستعمر. وكي لا نذهب بعيداً، يكفينا أن ننظر إلى الساحة السورية التي قسمتها الحرب والصراع إلى قسيمن: قسم الموالاة المؤيدين للنظام وقسم المعارضين. لقد بات السوريون يخشون من بعضهم البعض إلى درجة مرضية عز نظيرها. فلو نظرت إلى موقف المؤيدين للنظام لوجدت أنهم باتوا يرون في الغازي الروسي مخلصاً ومنقذاً لا يترددون في السجود له لو طلب.

والغريب في الأمر أنه حتى كبار المثقفين من جماعة النظام يتحدثون عن روسيا وبوتين بكثير من التطبيل والتزمير والإطراء والتبجيل وأحياناً العبادة، مع العلم أن وزارة الدفاع الروسية اعترفت باستخدام أكثر من مئتي سلاح جديد على الأرض السورية، مما جعل سوريا تتحول إلى ساحة كبرى لتجريب الأسلحة الروسية الفتاكة، ومنها سلاح يحتوي على المواد المشعة والكيماوية الخطيرة التي ستترك آثارها على الأرض السورية ربما لعشرات أو مئات السنين. فلا ننسى أن ما يسمى بالعنصر البرتقالي الذي استخدمه الأمريكيون في فيتنام أدى إلى ولادة أجنة غريبة، والأخطر من ذلك أن ذلك العنصر الكيماوي الخطير سيبقى داخل التربة في فيتنام لأكثر من ثلاثمئة عام مما سيلوث الحرث والنسل لردح طويل من الزمن.

فهل انتبه السوريون الذين يطبلون ويزمرون للجيش الروسي على الأرض السورية أن هذا الجيش والطائرت لم تكتف بتدمير مدن سورية يعيش على ترابها أخوة سوريون، بل ستترك آثاراً على البيئة لربما عقود وعقود، وهذا يعني أن الذين يتغنون بأمجاد الروس في سوريا ربما يصابون بآثار الأسلحة الروسية إن لم يكن اليوم فربما بعد سنوات. وإذا لم تظهر آثارها عليهم، فربما تظهر في ذريتهم بعد أجيال.

ولا بد أن تضحك وأنت تستمع إلى أكاديميين وباحثين وإعلاميين تابعين للنظام وهم يدافعون عن روسيا ويتغنون بقوتها وقدرتها على سحق القاصي والداني على الأرض السورية. فلو قلت لأحدهم إن أمريكا وإسرائيل مازالتا تعبثان بالأرض السورية، لقالوا لك فوراً: «إن روسيا لهما بالمرصاد، وكأن الروس جاؤوا إلى سوريا لمواجهة الأمريكيين والإسرائيليين من أجل عيون المؤيدين للنظام السوري.

الكثير من المؤيدين يتحدث عن القوة الروسية كما لو أن روسيا ابنة عمهم اللزم. لقد بات سكان الساحل السوري تحديداً بسبب قربهم من قاعدة حميميم الروسية هناك، باتوا يعتبرون الوجود الروسي نعمة من الله يحتمون بها ويسجدون لها، حتى لو تسبب الطيران الروسي بسحق ملايين السوريين المعارضين ودمر المدن المجاورة للساحل السوري. وقد رأينا كيف كان يخرج سكان الساحل إلى الشوارع ليحتفلوا بقصف الطائرات الروسية لحلب أو حماة أو تدمر، كما لو أن تلك المدن ليست سورية.

وبينما يتباهى مؤيدو النظام السوري بالجبروت الروسي، نرى معارضي النظام يتباهون بالقوة الأمريكية أو أي قوة أخرى تتصدى للنظام، مع العلم أن الثورة السورية لم تر من الأمريكيين وبقية الأصدقاء المزعومين سوى الخذلان والتآمر. ولا بد أن تضحك وأنت تسمع بعض المعارضين السوريين وهم يقولون: «إن روسيا وإيران مجرد أداة في أيدي أمريكا في المنطقة، وأن الروس والإيرانيين ينفذون مشروعاً أمريكياً، وأن أمريكا تستطيع أن تزيحهم عن الواجهة بجرة قلم». طيب لو اتفقنا معكم على هذا التخريص، فماذا تستفيدون من هذا الكلام الكوميدي؟ وهل أمريكا في صفكم أو جيبكم؟

وهل تستخدم الروس والإيرانيين في المنطقة من أجل عيونكم، هذا إذا كانت تستخدمهم فعلاً وليست في وارد استنزافهم وربما مواجهتهم لاحقاً؟ لماذا تضخمون قوة أمريكا كما لو أنها في صفكم أو من ذوي القربى ايها المعارضون للنظام؟ كيف تختلفون عن السوريين المؤيدين الذين يتفاخرون بقوة روسيا في سوريا كما لو أن بوتين من مواليد مصياف أو القرداحة مثلاً؟ أيها السوريون الذين تمجدون القوة الأمريكية: إذا كانت أمريكا تستخدم الروس والإيرانيين كأداة في المنطقة كما تزعمون، فأنتم مجرد مناديل كلينكس تمسح بكم أمريكا ما تشاء، تماماً كما تستخدم روسيا قطعان المؤيدين من ذكور وإناث كخدم وحشم لجنودها في أحسن الأحوال أو كمناديل ورقية في معظم الأحيان.

لا بارك الله بالسوري الذي يستقوي بروسيا على أخيه السوري، ولا بارك بالسوري الذي يستقوي بأمريكا على بقية السوريين. صدقوني المؤيد والمعارض بنظر الروس والأمريكيين مجرد أرقام وحثالات، فالقوى الكبرى ليست جمعيات خيرية، بل تدخل هذا البلد أو ذاك كمستعمرين بالدرجة الأولى من أجل مصالحها الخاصة. لا تصدقوا أن الروس والأمريكيين حلفاء لأحد في سوريا، بل هم حلفاء لمصالحهم فقط، فلماذا تستقوون بهم على بعضكم البعض؟ ألا تعلمون أن كل من يؤيد غازياً ضد أبناء جلدته فهو عميل وخائن حقيقي، ومازالت الشعوب تتذكر أولئك الذين سهلوا مهام الغزاة لبلادهم كما فعل أبو رغال قبل مئات السنين؟

أيها المؤيدون الذين تصفقون للغزاة الروس ويا أيها السوريون الذين تصفقون لأي قوة تواجه الروس في سوريا، فلتعلموا أنكم كالأصلع الذي يتفاخر بشعر جاره.

========================

الإسقاطات الكبرى في زمن التحولات الكبرى! .. رضوان السيد

الشرق الاوسط

السبت 21/10/2017

تكاثرت الإسقاطات والسقوطات في سياسات لبنان الداخلية والخارجية، في زمن التحولات الكبرى في المنطقة. وكان آخِرها قبل أيام مسألة الانتخابات في اليونيسكو. كان لدى لبنان مرشح بل مرشحة، لكنها انسحبت بعد الدورة الثالثة وبقيت ثلاثة خيارات: المرشح القطري، والمرشحة المصرية، والمرشحة الفرنسية. انسحبت الصين بأصواتها الخمسة لصالح مصر وشردت أصوات لبنان الأربعة إلى أن وجدت نفسها في تقديري ومعلوماتي في حضن المرشح القطري في الدورة الرابعة. لكنْ في الدورة الأخيرة ما بقي غير القطري والفرنسية. فلمن صوَّت لبنان؟ الوزير المشنوق لامَ وزير الخارجية اللبناني واعتذر من مصر. وهذا يعني أنه حتى في الدورتين الثالثة والرابعة صوَّت لبنان لقطر. الوزير باسيل هجم على المشنوق وزعم أن قراره (السري) بالتصويت كان بالاتفاق مع رئيس الحكومة، ورئيس الجمهورية. أما أوساط رئيس الحكومة فتمسّكت بسرّية القرار، واعتبرت أنّ المشنوق أخطأ في الكشف والاتهام، وللمجتهد المخطئ أجرٌ واحد!

كل مرة يحصل فيه سقوطٌ متعمد، يجري الاحتيال عليه بالغمغمات، والتسترات اللفظية؛ وإن لم ينفع ذلك يقال لنا إن رئيس الحكومة كان موافقاً!

وباستثناء تذمرات الوزير المشنوق، وأحياناً الرئيس اللبناني السابق ميشال سليمان، في الشهور الأخيرة؛ فإنّ أحداً لا يسأل عن مصلحة لبنان في هذا القرار أو ذاك، أو في هذا الموقف أو ذاك. كان رئيس الحكومة قبل أيام بفرنسا، واتفق مع الفرنسيين على مؤتمرات واجتماعات اقتصادية لصالح دعم لبنان في مسائل اقتصادية، وأُخرى تتعلق باللاجئين. والآن صوَّت لبنان في الدورة الرابعة ضد المرشحة الفرنسية والتي صارت أمينة عامة لليونيسكو؛ فماذا سيقول الفرنسيون، ولماذا سيتحمسون لتنظيم ما لا يُنظَّم من دون استعداداتٍ كثيرة.

عندما كان رفيق الحريري، رحمه الله، يُجري بالاتفاق مع شيراك باريس - 1، 2، 3 كان العالم كلُّه - وفي الطليعة المملكة - مُقْبلاً على مساعدة لبنان، وإعادة إعماره، فأين هم العرب؟ بل وأين هم الفرنسيون في السياق الذي نتحدث عنه؟!

ولندع مسألة اليونيسكو، ولنذهب باتجاه المسائل والإسقاطات الكبرى بالفعل. لنذهب إلى موقف رئيس الجمهورية خلال زيارته لمصر، وهو الموقف الذي تكرر بصيغة أُخرى في كلامه أمام الأمم المتحدة. قال الرئيس إنّ لبنان محتاج إلى الحزب (حزب الله) وقواته في جنوب لبنان، لأنّ الجيش لا يزال ضعيفاً. وهذا مُناقضٌ تماماً لتعهد لبنان بمقتضى القرار الدولي 1701، الذي أنهى الحرب عام 2006 بأن لا تكون هناك قوات في جنوب الليطاني غير الجيش والقوات الدولية. وهي التي حفظت سلام الجنوب منذ العام 2006 وحتى الآن. وقد كان الدوليون يشْكون من اختراقات الطيران الإسرائيلي، فصار عليهم أن يردُّوا على رئيس الجمهورية أيضاً، لأنه خالف القرار الدولي، ولأنه اعترف عملياً بوجود ميليشيا «حزب الله» في الجنوب. وقد بادر الدوليون إلى معاقبة لبنان بسبب عدم حرصه على تنفيذ القرارات الدولية مع أنها مصلحة رئيسية له، فخفّضوا الإنفاق والعديد بمقدار 30 في المائة دون أن يردع ذلك المسؤولين اللبنانيين، الذين يخطبون كل الوقت بشأن الحرص على الإنفاذ، دون أن يذكر أحدٌ بالطبع أنّ الإخلال من الجانب اللبناني بالقرار الدولي لا يقتصر على «حزب الله»، بل ويصل إلى أكبر رجالات الدولة فيه!

أما الفضيحة الأُخرى والأكبر فهي ما جرى فيما صار يُعرف بحرب الجرود. فقد اعتبر «حزب الله» أنه انتصر فيما بين القلمون وحمص، وأنه يريد تتويج أعماله المجيدة (ومن ضمنها احتلال بيروت عام 2008)، بإظهار أنه هو الذي انتصر على الإرهاب، ليس في سوريا فقط؛ بل وفي لبنان أيضاً. وقد أراد من الجيش أن يساعده أو أن تجري العملية من جانب الجيش تحت إشرافه كالعادة، وهو الذي حصل مراراً من قبل، وسواء في الشمال أو في صيدا والجنوب. المهم لم يقبل الجيش بضغط من الأميركيين. وما استمر القتال مع «النصرة» في جبال عرسال غير ساعات، ثم أُعلن عن استسلام «النصرة»، وترحيل المسلَّحين وعائلاتهم إلى إدلب بالباصات المكيَّفة. عندها تقدمت قيادة الجيش، واجتمع مجلس الدفاع الأعلى برئاسة رئيس الجمهورية، وأُعلن أنّ لبنان جزء من التحالف الدولي ضد الإرهاب، وأنّ الجيش سيخوض معركة لإخراج «داعش» الذي قتل جنوداً لبنانيين - من أرض لبنان. إنما بعد قصوفات لبنانية وطيران مقاتل، لكي يتقدم الجيش بعد ذلك، خطب نصر الله وأمر بوقف إطلاق النار، وإجراء اتفاق مع «داعش» والحزب والجيش السوري ولبنان ليجري بمقتضاه سحب المسلحين، وإرشاد الجيش إلى مكان دفن العسكريين الشهداء! وهكذا وبعد ساعات على خطاب حسن نصر الله، أمر رئيس الجمهورية الجيش بوقف النار، وتكليف مدير الأمن العام بالتفاوُض عن لبنان، ولكي يُثبتَ رئيس الحكومة أنه موافق، استدعى مدير الأمن العام، وحياه وكلَّفه تكليفاً متأخراً بالمضي في المهمة الجليلة، والتي اقتصرت في الحقيقة على سحب أشلاء الجنود المقتولين، دون أن يُشاك مسلحو «داعش» بشوكة، ولله الحمد!

وعلى هول ما حدث، هناك أمرٌ هائلٌ يجري منذ شهور. ويتمثل في الحملة الشعواء على اللاجئين السوريين من جانب رئيس الجمهورية وصهره. والمقصود: ضرورة استعادة العلاقات مع النظام السوري بحجة الفوائد الكثيرة وفي مقدمتها التفاوض على اللاجئين! ومنذ أكثر من شهرين يمضي وزراء عونيون وأمليون ونصراويون وقوميون سوريون إلى سوريا للحديث حصراً مع مدير المخابرات السورية، وليس عن اللاجئين، بالتأكيد. وتأخر رد رئيس الحكومة كثيراً إلى أن قال أخيراً إنه لا يريد علاقات مع نظام بشار لا من قريب ولا من بعيد!

وقد كان التدخل المتأخر بعد إخراج «سيئ» لزيارة وزيري «حزب الله» وحركة أمل واعتراض «خجول» على لقاء المعلّم - باسيل في نيويورك.

ولأن فوق كل ذي علم عليماً أبلغتنا مرة أخرى أوساط لرئيس الحكومة أنّ القضاة الأربعة الذين التزموا الحق والشجاعة والعدل في محكمة اغتيال الحريري الوالد قد تمّ استيداعهم في التشكيلات القضائية الأخيرة بحجة أنهم مسيحيون ولا ينتمون إلى تيار المستقبل. وأنا أراهن أن وزير العدل أعفى القضاة الشجعان انتقاماً لوقوفهم مع المحكمة وقد كان الوزير نفسه منهمكاً طوال سنوات في إلغاء المحكمة الدولية، وهو وكيل الدفاع عن المتهمين من الحزب!

لذلك ليس غريباً أن تقتصر فضائل وزير الخارجية اللبناني على دفع اللبنانيين إلى الكراهية والعنف ضد اللاجئين. بل هو سائرٌ منذ سنوات في سياسات فصل المسيحيين اللبنانيين عن المسلمين اللبنانيين من خلال اتهام السنة على وجه الخصوص بالعنف والإرهاب، ثم من خلال تشريع قانون للانتخاب مثاله الأعلى أن لا يصوِّت للمرشح المسيحي غير مسيحيين، ليكون تمثيله حقيقياً! وقد تنبأ قبل أسابيع بنبوءة للمسيحيين المهاجرين بالولايات المتحدة، قال إنه أمَّنَ مستقبلهم حتى العام 2053، نعم: 2053، من خلال قانون الانتخاب الجديد، وهو لا يدري ماذا يحصل بعد ذلك!

يمكن أن يقال الرجل غير سليم العقل، أو إنه ليس سياسياً تصالحياً أو ما شابه. لكننا من سنوات نسمع ونشهد من طيفٍ من السياسيين المسيحيين من حول الجنرال ثم الرئيس عون كلاماً عن تحالف الأقليات، وعن الحماية الإيرانية للمسيحيين من خلال الحزب والأسد (!). وحمايتهم ممن؟ من المسلمين السنة بالطبع!

إنّ الإسقاطات الكبرى في السياسات الكبرى بالداخل وتجاه الخارج، ليست مصادفة. وهي تستهدف بنى الدولة ودستورها وسياساتها تجاه المواطنين، والانتماء العربي للبنان، وتارة باسم الخصوصية المسيحية، وتارة أخرى باسم المقاومة والممانعة! ويا للعرب!

========================

القضية السورية وضياع الرؤية الدولية .. رياض نعسان أغا

الاتحاد

السبت 21/10/2017

أسهم المجتمع الدولي في تعقيد القضية السورية حتى وصلت إلى مرحلة بات من الصعب عليه تفكيكها، ويبدو أن روسيا نفسها، وهي التي تملك الجزء الأكبر من القرار الدولي بعد أن حصلت على تفويض شامل بالتصرف، باتت لا تعرف مخرجاً مما أوقعت نفسها فيه. لقد كانت تريد إعادة تأهيل النظام، وسحق المعارضة، وترى كل من يعارض النظام إرهابياً، ولكنها اضطرت بعد فشل اتفاقيتها مع الولايات المتحدة حول وقف إطلاق النار، لأن تعقد اتفاقيات خفض التصعيد مع المعارضة، وأن تكف يد النظام عن مشروعه الوحيد المسمى بالحسم العسكري، وقد أثبت فشله. وكذلك لم تعد إيران مطلقة اليد على رغم قوة التحالف الروسي الإيراني، ولم تستطع روسيا أن تقنع أوروبا بقدرتها على إيجاد حل ناجع للقضية السورية رغم حرص الأوروبيين على تجنب الصدام مع روسيا في الملف السوري. وأما موقف الولايات المتحدة فقد بقي غائماً رغم التفويض المعلن لروسيا، ولكن الروس لا يغيب عنهم خطر أن يكون هذا التفويض فخاً لإغراق روسيا في مستنقع دم يصعب أن يخرجوا منه مرتاحين. وقد تفكك الاتحاد السوفييتي كله بعد هزيمته في أفغانستان، ولا سيما أن الولايات المتحدة التي تنسق مع روسيا أو تفوضها في سوريا تعلن تهديدات إعلامية متلاحقة لإيران وتشكك في الاتفاق النووي، وهي تعلم أن إيران هي الحليف الأقرب لروسيا في المنطقة، وهي التي تضمن حماية التدخل الروسي في الأرض السورية مثلما تضمن روسيا حماية التدخل الإيراني في سماء سوريا. ويبدو الموقف أشد تعقيداً في العلاقة مع إسرائيل التي بدأت ترفض حضور إيران وحلفيها «حزب الله» على مقربة منها، وهي تطالب بالابتعاد إلى حد 45 كلم عنها، وكل ما تبديه إيران و«حزب الله» من حسن نوايا نحو إسرائيل في الدبلوماسية السرية لا يقنع إسرائيل التي تريد نفوذاً منفرداً فيما سمته المناطق الأمنية، ورفض إيران يسبب حرجاً لروسيا. وقد تمكنت بدبلوماسية متقنة أن تقنع إيران بقبول رفض الفصائل العسكرية المعارضة لحضورها كدولة ضامنة في منطقة خفض التصعيد في إدلب، وساهم في ذلك تلاقي المصالح بينها وبين تركيا في الموقف من طموحات «قسد»، وكانت مرحلة إعلان الاستفتاء في كردستان مواكبة لانعقاد جولة آستانا السادسة، مما جعل الخطر دافعاً لتجاوز الخلافات الاستراتيجية وبعيدة المدى.

ومع اختلاط الرؤى الغائمة مع المعطيات الثابتة (وأقصد بيان جنيف 1 والقرارات الدولية وبخاصة 2118 و2254 وبيان مؤتمر الرياض)، ظهرت حالة ضياع دولي في الرؤية، فالحديث عن مؤتمر جديد للمعارضة في الرياض، واكبه حديث روسي عن ترتيب مؤتمر مختلف في دمشق وقيل بل في حميميم. والمبادرة الفرنسية التي أطلقها الرئيس الفرنسي لم تلق اهتماماً دولياً ولكن الفرنسيين يتابعون السعي فيها، وهي لم تدرس بشكل رسمي علني بعد، ولم تتضح لنا حدود توافقها مع القرارات الدولية ومع رؤية هيئة التفاوض وحدود اختلافها عنها، إلا أن الفرنسيين يؤكدون دعمهم للهيئة العليا للتفاوض (وهذا ما أكده السفير فرانك جيليه في لقائه مع الهيئة قبل أيام قليلة في الرياض)، وربما تكون رؤية الفرنسيين ذات بعد عملي ينقذ المواقف الدولية التي تدعو إلى القبول ببقاء الأسد، ولكنها تدرك أن تنفيذ ذلك سيعني فرضاً بالقوة والعنف على الشعب الذي قدم أعظم التضحيات للخلاص من استبداد الأسد وزمرته المجرمة ولن يرضخ لهذا الاستبداد ثانية. وما يتحدث عنه الروس من مصالحات جانبية الآن هو خيار الضرورة عند من يخيرون بين موت أطفالهم تحت القصف أو القبول بالتصالح، وهذه حالة يستحيل أن تستمر، ويدرك الروس أن فرض بقاء الأسد سيحفز الشعب السوري على القيام بثورته الثانية، التي ستستفيد من تجاربها السابقة ومن أخطائها لتشكل حالة شعبية سلمية يصعب التعامل معها بالعنف الأشد مرة أخرى، ويخشى الروس برحيل الأسد أن يفقدوا شرعية تدخلهم في الشأن السوري، ويخشى الإيرانيون انتهاء مشروعهم التوسعي، وهذا ما يدعو الطرفين للتمسك بالأسد ضمانة لشرعية وهمية منحها لهم النظام، وأما الأميركان فلا يملكون رؤية واضحة للحل، ومن الواضح أن لديهم فريقين مختلفين، لم ينجح أحدهما بعد في فرض رؤيته.

ويبقى رهان القضية السورية مهما اختلفت الرؤى الدولية، على موقف الشعب الصامد، الذي لن يقبل بديلاً عن حريته وكرامته.

========================

آذار وبحار الدم - (الحلقة 29) .. بداية الصدام بين جماعة الإخوان المسلمين ونظام البعث الحاكم .. انتفاضة حماة الشعبية واعتصام الجامع الأموي بدمشق .. وزير الداخلية (فهمي العاشوري) من إذاعة دمشق: (لو وقفت الكعبة في طريقنا لهدمناها) .. محمد فاروق الإمام

في عام 1954م نشأت في صفوف جماعة الإخوان المسلمين مدرسة جديدة الطرح والتوجه تميزت بالنزق وفورة الشباب، تبنته مجموعة تمردت على الجماعة وشقت طريقاً خاصاً بها، ونمت هذه المدرسة ككرة الثلج وكثر أتباعها، حتى باتت عبئاً يصعب على الجماعة لجمها أو وقف أنشطتها، وبالتالي أخفقت قيادة الجماعة في التحكم بتصرفاتهم أو وقفهم عند حدهم، أو حتى معرفة ما ينون وما يبيتون من عمل، ولم يكن أمامها من حل سوى فصل أعضاء هذه المدرسة الذين تعرفت على بعضهم، وبقيت مجموعة لم تتعرف عليهم بقوا في ضمن صفوف الجماعة. 

وفوجئت الجماعة كما فوجئ الجميع بانتفاضة حماة الشعبية في نيسان عام 1964م والتي استمرت نحو تسعة وعشرين يوماً، وكان يقود هذه الانتفاضة (الشيخ مروان حديد).

بدأت الانتفاضة على شكل إضراب طلابي قاده مروان حديد المسؤول عن التنظيم الطلابي للإخوان في ثانوية عثمان الحوراني إحدى أكبر ثانويات مدينة حماة. وتحول الإضراب إلى عصيان شارك فيه طلاب ناصريون واشتراكيون، وهم من خصوم الإخوان التقليديين.   واستمر – كما قلنا – 29 يوماً. واعتصمت مجموعة مروان حديد بجامع السلطان الكبير واشتبكت مع وحدات من الجيش الذي خف لإنهاء العصيان.

يقول المراقبون المحايدون عن الدوافع التي حدت بمروان حديد ومجموعته من القيام بهذه الانتفاضة أن العوامل الإيديولوجية لعبت دوراً كبيراً في قيادة شباب الإخوان المتطرفين للعصيان، فقد أصيب الشباب بالذعر من جراء طرح يسار البعث في مؤتمريه القومي السادس والقطري الأول عام 1963م لبرنامج اقتصادي واجتماعي وثقافي راديكالي، وتخوفوا بشكل خاص أن يؤدي تطبيق هذا البرنامج إلى إلغاء مادة التربية الإسلامية والأوقاف وقانون الأحوال الشخصية. وساهمت مقالات زكي الأرسوزي التي كان يؤكد فيها مفاهيمه التقليدية التي طرحها منذ الأربعينيات عن أن (الجاهلية هي العصر الذهبي للأمة العربية) في استفزاز الشباب الإخواني.

لقد أبرز هذا العصيان نجاح العناصر الراديكالية في الجماعة في إنضاج مدرستهم، ليطفو على السطح تنظيم جديد حمل اسم (كتائب محمد)، وهو سلف تنظيم (الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين) لاحقاً.

لم تكن قيادة الجماعة – كما قلنا – على علم مسبق بما خطط له مروان حديد، وفوجئت بالعصيان كما فوجئ به الآخرون، ولذلك بقي العصيان محلياً ولم يخرج عن حدود مدينة حماة، بالرغم من استمراره 29 يوماً، فقد تكتمت عليه وسائل الإعلام الرسمية الوحيدة التي يمتلكها النظام، كما منعت أجهزة الأمن الدخول أو الخروج من حماة أثناء العصيان. واتخذت الجماعة قراراً ملزماً بعدم التحرك أو الإقدام على أي عمل طائش لا تحمد عواقبه، مما جعل العصيان يمنى بفشل ذريع، لتؤكد الجماعة مجدداً أنها لا تؤمن بالوصول إلى السلطة بغير الوسائل الديمقراطية والسلمية ولو كلفها ذلك خمسمائة عام من الانتظار. ويؤثر عن الأستاذ عصام العطار قوله: (إن مثقفاً لديه أهم من كتيبة دبابات).

وأخفق عصيان مروان حديد الذي جوبه بالحديد والنار وقصف جامع السلطان الذي اعتصم به وتم اعتقاله وتصفية عدد كبير من أتباعه.

ولم يمر هذا الأمر دون تحرك جماهيري قاده الشيخ حسن حبنكة في حي الميدان الوطني، والشيخ أحمد الإمام (الشيخ المجهول) في جامع بني أمية حيث خطب في المصلين المحتشدين خطبة نارية ضمنها فتواه بهدر دم رأس النظام (أمين الحافظ) الذي تطاول على بيوت الله (كما جاء في فتواه التي أهدرت دمه).

اعتصام المسجد الأموي بدمشق

احتدمت الخلافات داخل حزب البعث بين مؤيد للفريق أمين الحافظ ومؤيد للواء صلاح جديد والذي اعتبر صراعاً ما بين يسار الحزب ويمينه.

ولكن الفريق أمين الحافظ وتسرعه بمبادرة غير محسوبة لدفع عدد من الضباط المحسوبين عليه لاعتقال المقدم مصطفى طلاس قائد اللواء الخامس في حمص، والذي كان الشرارة للاستعجال بالقيام بحركة مضادة في 23 شباط عام 1966م، وقيام مجموعة من الضباط المناوئين لأمين الحافظ بهجوم على القصر الجمهوري واعتقال أمين الحافظ بعد معركة دامية بين المهاجمين وحرس القصر، وأحكم هؤلاء سيطرتهم على دمشق.

تبنى رجال حركة 23 شباط خطاباً يسارياً متطرفاً يمكن أن يوصف بيسار اليسار، وهذا أرعب المجتمع السوري المحافظ، مما أدى إلى شبه اعتصام مدني عفوي في الجامع الأموي بدمشق، قوبل باقتحام المدرعات العسكرية لحرم الجامع والفتك بالمعتصمين المدنيين العزل، في حين أعلن وزير الداخلية (فهمي العاشوري) من إذاعة دمشق أنه (لو وقفت الكعبة في طريقنا لهدمناها).

ولم يكن للجماعة أية علاقة أو معرفة أو علم بهذا الاعتصام، كما كان الحال في اعتصام حماة. فقد تم هذا العصيان بدعوة من الشيخ حسن حبنكة أحد كبار علماء دمشق. ومع هذا فقد قام البعثيون الجدد بحملة اعتقالات واسعة شملت كافة القيادات السياسية المعارضة، وطالت حملتهم (جميع أفراد الصف الأول في جماعة الإخوان المسلمين).. ولم يتم الإفراج عنهم إلا بعد هزيمة الخامس من حزيران عام 1967م.

وما لبثت السلطة أن قامت باعتقال من أفرجت عنهم إثر تشكيل المعارضة الناصرية والقومية (الجبهة الوطنية التقدمية) عام 1968م، مع أن الإخوان لم يكونوا طرفاً فيها رغم دعوتهم للمشاركة.

أصبح صلاح جديد شبحاً مرعباً لجميع أطياف المعارضة يمينها ويسارها ووسطها.. مما جعل هؤلاء يقفون إلى جانب وزير الدفاع اللواء حافظ الأسد في صراعه مع صلاح جديد بما عرف بـ(أزمة الحزب) عام 1969-1970م، دون تخطيط أو اتفاق مسبق.

يتبع

==============================

سورية كلها الغوطة  سيهوي الحصار .. يحيى حاج يحيى

لأنـي  أحـبُّك أُرمـى iiبـنار      ويُـعلي  عدوّي بوجهي iiجدارْ
لأنــي  أحـبـك iiيـاموطني      أحاصرُ  فيك ، ويحلو iiالحصار
***
لأنـي أريـدُك شمس iiالضياءْ      لأنـي أريـدك رمـز iiانتصارْ
لأنــي  أحـبـك iiيـاموطني      يهونُ الحصارُ ، ويحلو iiالمرار
***
لأنــي  أحـبـك لا iiأنـحني      أحـاصر  تُـسلبُ مني iiالحياة
يُـجـوّعُ طـفـلي iiولاأنـثني      وأبقى على العهد ، عهد iiالأباة
***
لأنـي أريـدك حُـرّاً iiتُـصان      ولاأرتـضي  لـك يوماً تُهان iiْ
أنــي أحـبـك يـامـوطني      سيهوي الحصارُ ويلقى الهوانْ

=============================

موقفنا : القضية الفلسطينية أم القضايا العربية والإسلامية .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 26 / 10 / 2017
القضية الفلسطينية أم القضايا العربية والإسلامية ، والأم لا تتخلى عن أبنائها ، ولا تغمض عينا على أوجاعهم وآلامهم وقضاياهم ، وهي تزعم أنها أمهم . مفهوم الأمومة نقيض لمفهوم الأنانية حقيقة من حقائق الحياة والوجود لقوم يتفكرون .. 
القضية الفلسطينية أم والأبناء البررة يظلون ملتزمين بكل ما يرضي أمهم ، يسعون في رضاها وصونها وكرامتها ، وإن عقها من بنيها بعيد وقريب وأقرب ، ولصيق ودعي . وعلى هذا العهد على كل حر بر أبي وفي 
في ستينات القرن الماضي تربعت حركة ( فتح ) وفي رواية ( حتف ) ، على عرش القضية الفلسطينية ، فكانت ملء العقول والقلوب والأبصار والأسماع والحناجر ..ثم تولى بعض بنيها فتولى أكثر أبناء القضية الصادقون من المحيط إلى المحيط عنهم لا عنها ..لقوم يسمعون 
واستبدل الله بهم ، فكان الشيخ الإمام أحمد ياسين ، قائدا ومعلما وبوصلة ولسان ميزان ، ينظر بالحق إلى الحق ، فتنظر بنظرته عيون مئات الملايين وبقوله يقولون. لم يكن الشيخ أحمد ياسين رحمه الله لسان دعوى ولكنه كان حقيقة دعوة ، تمثلت الحق ومثّلته فكان رحمه الله تعالى مثابة للعقول والقلوب . لعلكم تذكرون
و"القضية الفلسطينية" ليست عنوانا يختبئ وراءه المناضلون والداحلون والمبدلون والمتقاعسون، ولا هي وشاحا يتشحه قوم ، وفي كل محفل بلون ، ولا هي سلعة في مزاد ، ولا معبرا لأصحاب المآرب المتآلفين على مآربهم ، طلبا لشهادات حسن سلوك .... لعلكم ترجعون 
وحين تحتدم معركة الحق والباطل من الروهينجا إلى كشمير إلى اليمن إلى العراق إلى سورية فلن تكون معركة فلسطين بعيدا عنها ، وليس من مصلحة قضية فلسطين أن تكون بعيدة عنها . فهل أنتم موقنون
وحين يعلن أهل الحق ثورتهم على قتلة الأطفال ، ومدمري المدن ، ومرتكبي المجازر ، فإنهم يعلنون ثورة على كل قاتل ومغتصب ومحتل ومدمر في وقت معا ..ففي أي فسطاط تكونون ؟!
وحين تعلن أمة الإسلام في موقف مشهود براءتها من (لاعني) أصحاب رسول الله ، وكل السلف الصالحين .. فإن القضية الأم لا يمكن أن تكون يوما في صف من يلعن أصحاب رسول الله ويقذف أمهات المؤمنين ...فمن هم المشاقون
لقد وقفت كل الأمة وما زالت وستظل ضد مرتكبي قبية ودير ياسين .. ولكن هل تصح إدانة قبية ودير ياسين ومرج الزهور وحرب غزة بتأييد مجرمي تل الزعتر والكرنتينا وصبرا وشاتيلا وطرابلس وحماة وحلب ومخيم اليرموك ...؟ّ! لقوم يعقلون.. ..
لا تتشكوا من القتل إذا كنتم تغضون الطرف عنه وتؤيدون القتلة المجرمين ، ولا تستنكروا التهجير إن كان عشاؤكم على مائدة المهجِّرين ، ولا تحتجوا على الحصار إن كنتم تصفقون للمحاصِرين ، ولا تضجوا من الأسر والاعتقال إذا كنتم أرتالا أرتالا على أبواب الجلاوزة والزبانية والمعتقِلين ..
الله واحد ، والدين واحد ، والحق واحد ، والعدل واحد ، وبالمقابل فإن الظلم واحد ، والقتل واحد ، والعدوان واحد .. 
والذين يدّعون التميّز والتمييز فهم ل على عقولهم وقلوبهم وأخلاقهم يشهدون ، فكيف تحكمون ..؟!
كل الأحرار الأبرار مع القضية الأم ، وللقضية الأم قضاياها ، وأكثر ما نخاف على بعض الأبناء إثم العقوق : فالعقوق تالٍ الشرك بالله سابق قول الزور ...
" وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ "
----------------
*مدير مركز الشرق العربي

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com