العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 29-09-2019


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

مهزلة "اللجنة الدستورية" مجدداً

رضوان زيادة

سوريا تي في

الخميس 25/9/2019

بشرنا الأمين العام للأمم المتحدة في بيان له بأن أعلن "موافقة حكومة الجمهورية العربية السورية وهيئة المفاوضات السورية على إنشاء لجنة دستورية ذات مصداقية ومتوازنة وشاملة تسهلها الأمم المتحدة في جنيف" وأضاف "أعتقد اعتقادا راسخا أن إطلاق اللجنة الدستورية التي يقودها سوريون يمكن ويجب أن تكون بداية المسار السياسي للخروج من المأساة نحو حل يتماشى مع القرار 2254 (2015) الذي يلبي التطلعات المشروعة لجميع السوريين ويستند إلى التزام قوي بسيادة البلد واستقلاله ووحدته وسلامة أراضيه." وفي النهاية شكر الأمين العام الشعب السوري على دعمه لهذه اللجنة.

لا أدري كيف أصبحت الشعبوية والختل جزءا ليس من قادة الدول وإنما جزء من خطابات مسؤولي الأمم المتحدة وعلى رأسهم الأمين العام، فهو يعرف أن لا قيمة لأية لجنة إذا كانت الوقائع على الأرض تخالف تماما البيانات المكتوبة وأن الصراع الذي عمره أكثر من تسع سنوات يقوم بشكل رئيسي على تدمير مصداقية أية عملية سياسية

إن بيان جنيف المؤرخ في 30 من حزيران 2012 ينص صراحة على أن بيان جنيف يجب أن يكون أساس أية عملية انتقال سياسي بقيادة سورية وفي ظل عملية يمتلك السوريون زمامها

من قبل نظام الأسد وأن المراوغة والكذب هي سمات أصيلة في بشار الأسد ونظامه، فكيف يمكن للشعب السوري المشرد واللاجئ أن يرحب بالكذبة المستمرة منذ ثلاث سنوات.

إن بيان جنيف المؤرخ في 30 من حزيران 2012 ينص صراحة على أن بيان جنيف يجب أن يكون أساس أية عملية انتقال سياسي بقيادة سورية وفي ظل عملية يمتلك السوريون زمامها، من أجل إنهاء النزاع وحدد قرار مجلس الأمن المذكور العملية السياسية بوصفها عبارة عن ثلاث مراحل رئيسية يجب أن تتم في فترة مدتها ستة أشهر حددها كالآتي:

حكما ذا مصداقية يشمل الجميع ولا يقوم على الطائفية.

حدد جدولا زمنيا وعملية لصياغة دستور جديد.

انتخابات حرة ونزيهة تجري، عملا بالدستور الجديد، في غضون 18 شهرا تحت إشراف الأمم المتحدة، بما يستجيب لمتطلبات الحوكمة وأعلى المعايير الدولية من حيث الشفافية والمساءلة، وتشمل جميع السوريين الذين تحق لهم المشاركة، بمن فيهم أولئك الذين يعيشون في المهجر، على النحو المنصوص عليه في بيان الفريق الدولي المؤرخ في 14 من تشرين الثاني 2015.

فتشكيل اللجنة الدستورية لا ينسجم مع روح قرار مجلس الأمن ونصه الذي عبر بوضوح أن تشكيل هيئة حكم انتقالية يعتبر نقطة البداية لتشكيل دستور جديد ومن ثم إجراء انتخابات انتقالية، وهو ما يدركه تماما الأمين العام ومبعوثه الأممي بيدرسون لكنهم يريدون التغطية على ذلك ببيانات جوفاء لا قيمة لها ولا تعني شيئا على الأرض.

إن استخدام نظام الأسد للبراميل المتفجرة وحصار المدن لم يتوقف حتى خلال إصدار البيان ولن يتوقف بعده، ولذلك يبدو السؤال مشروعا في معنى إطلاق هذه اللجنة الدستورية التي ليس لها أية مصداقية في عيون السوريين.

إن السوريين ينظرون بعين الريبة لهذه اللجنة ولا يرحبون بتشكيلها، فالسوريون عولوا على الأمم المتحدة لكنهم وجدوا أن مطالبهم تتقلص يوما بعد يوم، فمن بيان جنيف وقرار مجلس الأمن 2254 الذي ربط بين وقف إطلاق النار وانطلاق عملية سياسية موازية، عملا ببيان جنيف لعام 2012، وبضرورة التعجيل بالدفع قدما بكلتا المبادرتين، ومن ثم البدء بالخطوات الأولى

 اختصر قرار مجلس الأمن إلى لجنة دستورية ليست معروفة صلاحياتها وبنيتها والأهم كيف يمكن كتابة دستور لا نعرف شكل النظام السياسي فيه

نحو انتقال سياسي برعاية الأمم المتحدة، استنادا إلى بيان جنيف، على النحو المنصوص عليه في بيان الفريق الدولي المؤرخ في 14 من تشرين الثاني 2015، على أن يتم ذلك على وجه السرعة. هذا قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي عام 2015 وافقت عليه روسيا والصين ودعمتاه، ورغم أنه صادر تحت الفصل السادس وليس السابع فإنه يبقى ملزما لكل الأطراف بتنفيذه وعلى رأسها روسيا.

 اختصر قرار مجلس الأمن إلى لجنة دستورية ليست معروفة صلاحياتها وبنيتها والأهم كيف يمكن كتابة دستور لا نعرف شكل النظام السياسي فيه وبالتالي فاللجنة نفسها ستكون أداة للتلاعب من قبل النظام إلى ما لانهاية حتى يعيد ترتيب أوراقه داخليا والقضاء النهائي على ما بقي من جيوب المعارضة.

يجب التأكيد بصراحة أن نص قرار مجلس الأمن ركز على تشكيل حكم انتقالي قبل تشكيل لجنة دستورية وليس العكس، ولا يمكن بكل الشرائع الدستورية في كل دول العالم صياغة دستور قبل أن يتحدد شكل النظام السياسي الذي سيعبر عنه هذا الدستور.

===========================

موقفنا : ورحل جاك شيراك ..

زهير سالم

مركز الشرق العربي

27/ 9/ 2019

مات منذ يومين في بلده فرنسا رئيس الجمهورية الفرنسية الأسبق .. ومما لا يجوز أن ننساه حتى لا يطمس غبار الدعاية أبصارنا .. أن جاك شيراك في خمسينات القرن الماضي كان مشاركا في حرب فرنسا الاستعمارية ضد الشعب الجزائري الحر الأبي .

وأنه في عام 1988- كان رئيسا لوزراء فرنسا - وبعد حادثة لوكربي ، وكانت مجموعة من الدول الأوربية تلتقي لتدرس الموقف من الجريمة . بعد أن ثبت لهم بالأدلة القاطعة ضلوع حافظ الأسد في الجريمة بشكل يقيني ,,,,

التحق جاك شيراك بالمجتمعين واستمع إليهم ثم قال : بالنسبة لحافظ الأسد لا تنظروا إلى صحفي يقتله هنا وإلى طائرة يفجرها هناك ، ولكن انظروا إلى الخدمة التي يقدمها لنا بقمع الأصولية في الشرق الأوسط . وكان حافظ الأسد قد خرج من مجازر حماة وجسر الشغور وحمص وحلب للتو ....

لي مقال كتبته تعليقا على الخبر منذ 1988 ونشرته في نشرة البيان الصادرة باسم جماعة الإخوان المسلمين في ذلك الحين ..

وجاك شيراك ...

كان هو مهندس السياسة الأسدية في سورية ولبنان على مدى عقدين من الزمان . كان يعتقد أن كل الجرائم التي يرتكبها الأسد في سورية ولبنان من الصغائر واللمم . وأنهما كانا يعملان معا بمنهجية قاصدة على حرب الإسلام والمسلمين ..

وجاك شيراك ..

واستقبل جاك شيراك بشار حافظ الأسد في قصر الإليزية قبل أن يكون رئيسا للجمهورية . بل كان ذلك الاستقبال هو عملية التعميد التي سبقت الرئاسة . ثم قدمه كوريث صالح لكل دول الاتحاد الأوربي . فكان ما فعله جاك شيراك في 2001 أساسيا في تحويل سورية إلى جمهورية وراثية ..كما كان ما فعله ساركوزي أساسيا في حماية المجرم سنة 2006 وبعد اغتيال الحريري . ساركوزي الذي أعاد كفالة بشار الأسد ورعايته ودعاه إلى الإليزية في إطار المتوسطية مستخفا بدم الرئيس رفيق الحريري ..

مات جاك شيراك والديان حي قيوم عدل لا يموت ..

____________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

مزحة سمجة أخرى تحققت: اللجنة الدستورية السورية

 بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 25/9/2019

أمضى النظام الكيماوي في دمشق سنتين من التلاعب والمناورات لتأخير تشكيل اللجنة الدستورية، على رغم أنها مصممة لإدامة الوضع القائم. لا نأتي بجديد إذا قلنا إن مشكلة سوريا ليست في الدستور النافذ، بل في طغمة متسلطة على الدولة تتعامل مع البلد باعتباره ملك يمينها، بما في ذلك حرية التصرف به وتدميره وتهجير سكانه ومنح سيادته لدولتين أجنبيتين هما إيران وروسيا. ليست مشكلة سوريا في نص الدستور النافذ، بل في عدم احترام الطغمة المتسلطة له. ففي سوريا، ظاهرياً، حكومة وبرلمان منتخب وقضاء مستقل وسلطات محلية وجيش وشرطة ومدارس وحياة اقتصادية ومجتمع مدني وقوانين ناظمة للتعاملات بين الأفراد والمؤسسات.. باختصار هناك دولة. لكن جميع السوريين يعرفون أن هذا هو ظاهر الأمور فقط، وأن السلطة الفعلية هي في مكان آخر. فالنظام الجمهوري المعتمد في الدولة هو نظام على الورق، مقابل سلالة وراثية تحكم «إلى الأبد»! والبرلمان موجود ومنتخب من الشعب في انتخابات دورية، لكنه قادر على تمرير توريث منصب الرئاسة بالإجماع، ويصدر القوانين التي يتم تلقينها له من السلطة التنفيذية. والسلطة التنفيذية بدورها تنتظر التعليمات «من فوق» لتقوم بمهماتها. وعلى فرض وجود بعض القضاة المحترمين في «السيستم الأسدي» فهم يتعرضون لضغوط ترغمهم على اتخاذ القرارات المطلوبة منهم. الخوف هو المفتاح السحري الذي يفسر زمن الاستقرار في نظام الأسد، حيث تبدو الدولة الظاهرة وكأنها تعمل بصورة منتظمة و«طبيعية» من غير حاجة إلى ظهور الدولة العميقة إلى العلن بكامل أنيابها. أما وقد هدم السوريون حاجز الخوف، في مارس/ آذار 2011، وبدأوا يتحدثون بلغة بشرية مفهومة، أي يستهدفون سلطات الظل بصورة مباشرة، فقد كشرت هذه عن أنيابها اضطراراً، وعملت على تطبيق شعاري «الأسد أو لا أحد!» و«الأسد أو نحرق البلد!». هذان الشعاران هما الدستور الحقيقي الذي تحكم الطغمة الكيماوية بواسطته، ورأينا نتيجتها المنطقية في بقاء الأسد وإحراق البلد.

كل ما تقدم معروف ومكرر في الأدبيات المعارضة، فلا جديد فيه، لكننا مرغمون على تكراره أمام هول المزحة السمجة التي تحاك لنا باسم «اللجنة الدستورية». القوى الدولية الفاعلة والقادرة تعرف، مثلها مثل السوريين، ما تقدم من وصف العلاقة بين الدولة الظاهرة وتلك الباطنة أو العميقة في سوريا. لكنها تتظاهر بأنها لا تعرف، ومثلها الأمم المتحدة التي «تبذل جهوداً كبيرة» لإيجاد حل سياسي، فيتنقل مندوبها الجديد بين دمشق وعواصم أخرى، بهمة ونشاط، وتثمر جهوده وجهود الدول عن «إنجاز» باهر حقاً هو تشكيل لجنة دستورية ستجتمع في جنيف للخروج بدستور متوافق عليه بين ممثلي النظام الكيماوي وممثلي المعارضة المعتمدة وممثلي المجتمع المدني. لقد تم التشكيل وفق ميزان عادل جداً بحيث يتساوى عدد كل مجموعة من المجموعات الثلاث، بلا زيادة أو محاباة لأي طرف! يا لها من عدالة رائعة!

شعارا «الأسد أو لا أحد!» و«الأسد أو نحرق البلد!». هذان الشعاران هما الدستور الحقيقي الذي تحكم الطغمة الكيماوية بواسطته، ورأينا نتيجتها المنطقية في بقاء الأسد وإحراق البلد

من يمكنه الاعتراض على ذلك؟ بل إن آلية اشتغال هذه البنية هي آلية توافقية، لا يخسر فيها طرف بفارق صوت أو عدة أصوات. وإن لم يحدث توافق فنسبة التصويت المطلوبة لإقرار أي بند هي 75٪، أي ما يقارب الإجماع. يا للروعة! سوف يخرج السوريون من مناقشات اللجنة الدستورية وهم أكثر توافقاً بعد سنوات من الصراع الدامي. كأن إقرار الدستور هو هو الحل السياسي المنشود! أي عبقرية استطاعت أن تكتشف هذه الحقيقة البسيطة؟ فلا داع لمفاوضات سياسية عقيمة بين السلطة والمعارضة اتضح، بالتجربة العملية، أنها لا يمكن أن تؤدي إلى أي حل. فجاء هذا الاكتشاف لحل عقدة رفض النظام لـ«هيئة الحكم الانتقالي» التي وردت في قرار مجلس الأمن، ورفض المعارضة لبقاء رأس النظام في موقعه، باعتبار ذلك الحد الأدنى الذي يمكنها أن تقبل به. وهكذا تم ابتكار تشكيل اللجنة الدستورية لأنها أقل شيء يمكن أن يختلف عليه الطرفان، بل الثلاثة مع إضافة ممثلي المجتمع المدني بعبقرية المندوب الأممي السابق ديمستورا. نعم، قد يطالب ممثلو المعارضة مثلاً بتعديل عدد من البنود في الدستور النافذ، بخاصة تلك المتعلقة بمدة ولاية رئيس الجمهورية أو صلاحياته وعلاقته بالمؤسسات التنفيذية والتشريعية والقضائية. ولكي يحدث التوافق، قد يقدم ممثلو النظام بعض التنازلات، مقابل تنازلات مماثلة، في بنود أخرى، من ممثلي المعارضة. وقد ترجح أصوات كتلة المجتمع المدني مطالب هذا الطرف أو ذاك. لكي نختصر، تجنباً لافتراضات متنوعة، سيتم الضغط، من قبل الأمم المتحدة والدول الضامنة (ثلاثي آستانة ـ سوتشي) ودول أخرى، على اللجنة ككل للخروج بإنجاز ما مهما كان كسيحاً أو قاصراً. من المرجح أن يعمل ممثلو النظام في اللجنة على إضاعة أكبر قدر من الوقت في مناقشات غير مجدية ومناورات وألاعيب لتأخير إصدار الدستور إلى أبعد وقت ممكن، ربما وصولاً إلى موعد الانتخابات الرئاسية القادمة وفقاً للدستور النافذ. لذلك حرص الرئيس الإيراني حسن روحاني على إخبارنا بأن الانتخابات في سوريا يحتمل أن تجري بين 2021 ـ 2022. يراهن النظام، في ذلك، على الانتهاء من بسط سيطرته على كامل الأراضي السورية في غضون ذلك، بما في ذلك انسحاب الأمريكيين من شرق الفرات. وهكذا ستكون سوريا «ناضجة» تماماً لإعادة انتخاب الجزار لولاية ستحسب الأولى بعد إقرار دستور جديد أو تعديل النافذ.

الأمم المتحدة و«المجتمع الدولي» يعرفان أن الدستور، مهما بدا تقدمياً في محتواه، سيبقى مجرد كلام على ورق إذا بقي النظام بأركانه وتعاملاته. وسيجبر قسم كبير من اللاجئين السوريين على العودة إلى الأرض المحروقة المحتلة التي اسمها سوريا، بذريعة أن الحل السياسي تم، وأقر الدستور، وجرت انتخابات «نزيهة وشفافة» تحت إشراف الأمم المتحدة. هذا ما يرتضيه العالم للسوريين: عودوا إلى بلدكم لتقتلوا أو تستعبدوا. هذا ما تستحقونه.

سيقول قائل: وهل لديك بديل؟

يحتاج الجواب على هذا السؤال إلى بذاءة محمد علي ووائل غنيم. ربما لهذا السبب أحببناهما.

كاتب سوري

===========================


المليشيات المحلية والوافدة.. لبنان وسورية مثالاً

عبد الباسط سيدا

العربي الجديد

الثلاثاء 24/9/2019

تعد التجربة اللبنانية خلال الحرب الأهلية (1975-1991) الخاصة بدور المليشيات المسلحة في السيطرة على مناطق النفوذ، وممارسة السلطة فيها بكل جوانبها، الإدارية والأمنية والاقتصادية، وحتى في ما يتصل منها بالشؤون التعليمية والنشاطات الثقافية والفنية، تجربة خاصة، سابقة على التجربة السورية الراهنة.

وما اتسمت به تلك التجربة قياساً إلى ما يقابلها سورياً أنها كانت تعبر عن هواجس ومواقف القوى اللبنانية المتنافسة داخلياً، والمختلفة حول الوجود العسكري والنفوذ السياسي اللذين كانت تحظى بهما منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات في لبنان. هذا الوجود الذي كان قد تكرّس وتعزّز بعد حرب أيلول/ سبتمبر 1970 بين السلطات الأردنية والمنظمة، واستمر حتى 17 تموز/ يوليو 1971. وبعد الاتفاق الذي تم بين الدول العربية، وبتدخل مباشر من الرئيس المصري جمال عبد الناصر في ذلك الحين، كانت عملية نقل مقرّات منظمة التحرير إلى لبنان، حلا مؤقتا لموضوع كان يُنذر بتفجير الخلافات بين الدول العربية نفسها؛ وبين الشعوب العربية المتعاطفة مع قضية الشعب الفلسطيني من جهة وأنظمتها من جهة أخرى؛ وكانت الأخيرة تتهمها الشعوب بالتواطؤ والتبعية.

ولبنان، كما نعلم، كان يعاني دائما من حساسية وضعيته الداخلية، وقابليتها للانفجار في أية لحظة، بفعل تدخل القوى الإقليمية والدولية، وهي القوى التي استخدمته عبر العقود ساحة لتصفية 

"المليشيات على الأرض السورية وافدة، مقحمة، وإن تمكّنت من تجنيد مواطنين سوريين في صفوفها"الحسابات وإرسال الرسائل، بفعل عوامل عدة، منها طبيعة التنوع المجتمعي اللبناني، والموقع الجغرافي، فضلاً عن الدور الحيوي في ميادين الصحافة والنشر والتجارة والنظام المصرفي .. إلخ.

الأهم من هذا كله وذاك، كان خشية الدول المعنية من تحوّل لبنان إلى عامل إلهام لشعوب المنطقة المتعطشة إلى الحرية، ولو في حدودها الدنيا، فالديمقراطية التوافقية التي كان قد اعتمدها لإدارة التنوع اللبناني، وتنظيم الأمور، كانت تترك لمختلف القوى مساحة من الحرية والتحرّك والتعبير عن الرأي الآخر المختلف، الأمر الذي كان يتعارض بالمطلق مع طبيعة الأنظمة الشمولية العسكرية العربية، خصوصا في سورية والعراق ومصر. وهذا ما يفسر التدخلات المستمرة من الأجهزة الأمنية الخاصة بتلك الدول وغيرها، في الشؤون اللبنانية، ومحاولة ترتيب الأوضاع في الداخل اللبناني لصالح توجهات هذه الدول أو تلك.

ومع انتقال منظمة التحرير إلى لبنان، برز عامل آخر مؤثر في الدولة اللبنانية، هو العامل الإسرائيلي، فقد بدأت إسرائيل بمتابعة الأوضاع اللبنانية بمزيدٍ من الاهتمام والمعاينة الدقيقة، تحسباً من خروج الأمور عن السيطرة، وفق حساباتها الأمنية الخاصة بها.

أما في الداخل اللبناني، فقد تباينت المواقف بين قوىً رحبت بانتقال الثقل الفلسطيني السياسي والعسكري إلى لبنان (خصوصا بين المسلمين)، بل استقوت به في مواجهة خصومها السياسيين؛ فيما كانت قوى لبنانية أخرى، خصوصا المسيحية منها، ترى في وجود منظمة التحرير بثقلها على الأرض اللبنانية إخلالاً بمعادلات التوازن الداخلية، الأمر الذي أدى بداية إلى الامتعاض، ثم الانتقاد والخلاف، إلى أن تفجّر صداماً دمويا مفتوحا في ربيع 1975. وهكذا تشكلت المليشيات الحزبية بدعم معلن، وغير معلن، من دول عربية وأجنبية. ومع تصاعد نفوذها، فقدت الحكومة اللبنانية دورها السياسي السيادي، وباتت مجرد جهاز إداري. ويبدو أن التفاهمات الإقليمية والدولية قد توافقت بصورة عامة حول الإبقاء على الدولة اللبنانية موحدة، وعدم بعثرتها بين كانتوناتٍ، أو مقاطعاتٍ شبه مستقلة. واللافت في تلك الوضعية أن المليشيات المعنية كانت لبنانية بقيادة لبنانية، تعمل من أجل الوصول إلى أهداف محددة خاصة بهذه القوى اللبناينة أو تلك، بغض النظر عن مواقفنا من تلك المليشيات، ومن ظاهرة المليشيات بصورة عامة.

الأمر مختلف في الوضعية السورية التي تحدّدت ملامحها تدريجياً مع انطلاقة الثورة السورية في ربيع عام 2011، مقارنة بما كان عليه الحال في لبنان. من جهة أن المليشيات على الأرض السورية وافدة، مقحمة في الساحة السورية؛ وإن تمكّنت من تجنيد مواطنين سوريين في صفوفها، وذلك بناء على الدوافع الأيديولوجية، أو المذهبية، أو القومية، أو الأسباب المادية.

ومن أهم المليشيات التي دخلت الساحة السورية، منذ بدايات الثورة، مليشيات حزب الله، ومليشيات عراقية وأفغانية وغيرها من التي أدخلها النظام الإيراني، ومليشيات حزب الاتحاد الديمقراطي (ب. ي. د.) التابعة لحزب العمال الكردستاني، وكل هذه المليشيات دخلت بالتسنيق والتفاهم مع النظام. كما تمكّنت مليشيات أخرى، منها جبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وجيش الإسلام وأحرار الشام، وجماعات إسلاموية أخرى كثيرة بدعم وتمويل من دول إقليمية في سياق صراعاتها على سورية، وضمن المنطقة. ولم يكن النظام هنا أيضاً بعيداً عن الإسهام في كثير من هذه المليشيات، بل كان ذلك يندرج أصلاً ضمن الاستراتيجية التي تبنّاها لإلصاق تهمة الإرهاب بالثورة، وإعطاء انطباع زائف، فحواه أن ما يجري في سورية إنما هو صراع بين منظمات إسلامية متشدّدة متطرّفة ونظام عصري علماني يمثل ضمانة الأمن والاستقرار في المجتمع السوري.

منذ بداية الثورة، خطط النظام بالتنسيق مع راعيه الإيراني لإدخال المليشيات، وتشكيلها، لمواجهة 

"التفاهمات الإقليمية والدولية قد توافقت بصورة عامة حول الإبقاء على الدولة اللبنانية موحدة"الثورة والسيطرة على مختلف المناطق السورية، أو على الأقل عدم السماح بخروج اوضاعها عن السيطرة، فاتبع فكرة الاعتماد على المليشيات الأجنبية، وما دفعه نحو هذا الخيار تمثّل في عوامل عدة، منها:

أولا، صعوبة سيطرة الجيش والأجهزة الأمنية على الأوضاع، مع انتشار المظاهرات والتحرّكات الشعبية المؤيدة للثورة التي شملت القسم الأعظم من المساحة السورية؛ خصوصا بعد تصاعد وتيرة الانشقاقات التي كانت تترافق مع تحريك القطعات العسكرية، فقد كانت هناك خشية من حدوث انشقاقات جماعية من العناصر وصف الضباط والضباط. وكانت هناك خشية حقيقية من خروج الأوضاع ضمن الجيش عن السيطرة.

ثانيا، مشاركة الجيش بنفسه في عمليات قتل السوريين، وتدمير مدنهم وبلداتهم وقراهم، وإجبار الناس على تراك مدنهم وقراهم، كان من شأنه، في بدايات الثورة، تأليب الرأي العام الدولي على النظام. ولهذا كان التفكير في الاعتماد على المليشيات، وتكليفها بأمر المجازر والمهام القذرة. وكان أصحاب هذه الخطة يرون أن الأمور ستدخل مرحلة الفوضى؛ ولن تبدو الصورة واضحةً أمام الراي العام المحلي والعربي والدولي لما يجري، بل ستكون هناك فوضى عامة منظمة يتحكّم بها النظام، وسيعمل على تسويقها أنها صراع بين القوى الظلامية التكفيرية والنظام العلماني، ضامن حرية الأقليات، وركن استقرار المنطقة.

ثالثا، إمكانية التحكّم بالمليشيات بصورة تامة، عبر التحكّم بالتمويل، والقدرة على التأثير الأيديولوجي فيها، وتكليفها بمهام مختلفة وفق المناطق التي كلفت بالعمل فيها. وعلى الرغم من اختلاف شعارات تلك المليشيات ومشاريعها الفرعية، كانت هناك حالة من التكامل بينها على المستوى السوري العام، وتمثلت بمنع الثورة من التصاعد، ومواجهة القوى المؤيدة لها، وإعطاء انطباع خادع مفادُه بأن النظام هو أفضل الموجود، وهو يمتلك إمكانية البقاء والاستمرار.

وهكذا بدأت المليشيات الأجنبية تدخل سورية تباعاً، لتعمل لصالح النظام، وتحت إمرته 

"كان لبنان يعاني دائما من حساسية وضعيته الداخلية، وقابليتها للانفجار في أية لحظة"وبتوجيهاته، وبالتنسيق مع قواته وأجهزته الأمنية. وتم توزيع المهام والمناطق بين تلك المليشيات، فقد كانت المناطق الكردية، على سبيل المثال، من نصيب مليشيات حزب الاتحاد الديمقراطي، في حين أن مليشيات حزب الله كلفت بمناطق ريف دمشق وجبال قلمون ومنطقة الحدود اللبنانية السورية، إلى جانب مهام قتالية في الشمال والشرق. أما المليشيات المحلية التي شكلها النظام، فكُلفت بمهمة المحافظة على الأوضاع في المنطقة الساحلية، والمشاركة وفق الحاجة في المناطق الآخرى. أما المناطق العربية السنية، فقد كان العمل على تهيئة الظروف فيها لانتشار تنظيم داعش الذي تحول تدريجياً إلى كوكتيل مخابراتي، ساهمت فيه الأجهزة المختلفة.

ولمواجهة هذا الواقع، أُجبر السوريون على اللجوء إلى السلاح دفاعاً عن النفس. وهنا تدخلت القوى الإقليمية التي كانت تقدّم نفسها داعمة للثورة، وبدأت عمليات التسليح العشوائية، والتمويل الاعتباطي لفصائل تشكلت من دون أي قرار أو تأثير من الهيئات السياسية السورية، خصوصا المجلس الوطني السوري الذي كان قد حصل على تأييد السوريين الثائرين، كما حصل على الاعترافات مما يزيد على المائة دولة. ونظراً لالتزامها بأوامر الداعم والممول أولاً، ظلت تلك الفصائل خارج دائرة الإرادة السورية، بل كانت جزءاً من الصراع بين الدول المتورطة في الملف السوري. وما حصل لاحقاً من اتفاقيات، خصوصا التي كانت بناء على توافقات مسار أستانة، يؤكد أن المليشيات المعنية لم تكن بضاعة سورية من الأساس، على الرغم من أنها اعتمدت على الطاقات البشرية السورية، ولكنها كانت، في نهاية المطاف، من أدوات إفشال الثورة السورية، ووسيلةً لحرفها عن خطها المدني الديمقراطي التنويري، وهو الخط الذي كان يهدف إلى ضمان الحرية والكرامة والعدالة لكل السوريين، ومن دون أي استثناء.

===========================

المال والاحتلال والصندوق الأسود

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 23/9/2019

كَثُر الهرج والمرج مؤخرا داخل العائلة الأسدية – المخلوفية؛ على خلفيات مادية واستئثار بالقوة. فقيل إن أمير بيت مال الحكم "محمد مخلوف" – خال الرئيس، وضابط إيقاع العلاقة بين المالك الفعلي للمليارات وأدوات وواجهات التشغيل (حمشو وفوز وموز ...) غائب، لأسباب صحية؛ وإن ابنه بدأ يتهرب من دفع مصاريف الحرب والإتاوات لبوتين وعصابته؛ وقيل أيضا إن امبراطورية أخرى داخل القصر وبدعم بريطاني بدأت بالسعي لوضع اليد على الثروة تحسباً للنهاية المحتمة. وقيل أيضا إن جذر الاهتزاز بوتيني، حيث علم الأخير بذلك الخطر الداهم بتبعثر الثروة، فأراد أن تكون يده هي العليا بالاستئثار بالثورة الطائلة لأسباب اقتصادية روسية داخلية قد تودي بإمبراطوريته المنخورة سلفا.

معروف أنه يندر أن يعرف أحد ما يدور في الصندوق الأسود لآل الحكم الأسدي، ولكن وقائع الأرض والرائحة التي ملأت الأجواء السورية تشي بأن وراء الأكمة ما وراءها. وهنا بدأت التكهنات والتحليلات والتفسيرات. فهناك من لم يعتبرها جدية بحكم التماسك العائلي التاريخي النادر، والمصير الواحد لأهل الحكم، وخاصة في ظروف المحنة الحالية القائمة. وهناك من رآها جادة وحقيقية لاستشعار الجميع بدنو الأجل؛ ولا بد من القفز من المركب قبل غرقه النهائي ولهط أكبر ما يمكن من ثروة وقوة، إما لإعادة ترميم المركب أو للهروب بما تمكن من نهبه. وهناك فريق ثالث يرى أن سلطة الاستبداد تلعب أخبث أدوارها بنسج مسرحية تلتف عبرها على العقوبات الدولية التي تحل بمالها؛ وفي الوقت ذاته تقوم بخنق أو إلغاء بعض الوجوه التي انتفخت ماديا وغير ذلك، وتحميلها كل وسخ الفساد والعبث والتسبب بالحياة الكارثية للناس، الأمر الذي يطهّر رأس السلطة ويعيد إحياء العبارة المشهورة بأن " الرئيس رائع، ولكن من حوله فاسدون".

استنادا إلى أن هذا النظام لم يمر تاريخيا بما مر به وعليه هذه السنوات، ونظرا لأنه لم يعد يمتلك لا حاضره ولا مصيره؛ فمن المستحيل أن تكون هناك سيناروهات أو ألعاب أو ترتيبات مصيرها أن تطفو على السطح، وتسرع جدا بنهايته الحتمية. فلا بد من يد خارجية تتحكم بكل مايجري، ولأسبابها الخاصة. وهذه اليد والأسباب روسية بامتياز. فما أخذ بوتين سورية رهينة إلا لاستشعاره بأنها ستكون الورقة بل درة التاج التي تنقذ إمبراطوريته من انهيار داخلي محتم إن هو لم يسارع إلى تغطية ثغراته الداخلية القاتلة بوضع اليد على الغنيمة المليارية السورية.

ومعروف تاريخيا أن روسيا لا تسقط إلا من الداخل، أكان ذلك بالعهد الإمبراطوري أو العهد السوفييتي. فتلك الجغرافيا الواسعة المترامية، والظروف المناخية القاسية، وضعف سيطرة المركز على الأطراف البعيدة المتباعدة، والانهيار الاجتماعي والاقتصادي كفيلة بإسقاط روسيا دون حرب. من هنا يدرك بوتين أن ما يسد كل تلك الثغرات يكمن في العامل الاقتصادي والمالي تحديدا؛ فعندما كانت روسيا عفيّة اقتصاديا، هزمت نابليون؛ وعندما كانت العكس، هزمتها بولونيا، وهزمتها الحرب الباردة عندما موتتها اقتصاديا.

وبالعودة إلى همروجة الاهتزاز في الصندوق الأسود الحاكم في سوريا، فإن ما تقدّم يشير إلى أن المسألة ليست ملياري دولار يطلبها بوتين؛ فهذه لا تغني ولا تسمن بالنسبة لبوتين، لأن عينه على مليارات راكمها الصندوق الأسود على مدار خمسة عقود، ومليارات قادمة تحملها عودة اللاجئين السوريين وإعادة إعمار ما دمرته طائراته التي لا بد أنه كان يحسب أجرها بالدولار. ولا بد يشغله أيضا استعادة ما وضعت إيران يدها عليه. وكل هذا من أجل سد الثغرة الاقتصادية الهائلة التي تولّد له تهتكاً اجتماعياً سيأتي على إمبراطورية سقطت تاريخيا، لهذا السبب بالذات.

بوتين لن يتمكن من تحمل إيران شريكا في هذه الغنيمة؛ ولا يرى في رامي مخلوف أو حتى في بشار الأسد إلا أدوات تيسر له امتلاك الغنيمة. إن منافسه الأساس هو أمريكا؛ وشريكه المحتمل ليساعده، حتى على مواجهة أمريكا، ليس إلا إسرائيل. ومن هنا نرى حماسه لإسرائيل يتجاوز إلى حد ما الحماس الأمريكي تجاه ربيبتها التاريخية.

الضحية الأساس في كل تلك المعادلة ليس إلا الشعب السوري الذي يرزح الآن تحت نير احتلال جديد، ومن نوع آخر. إنه احتلال مافيوي؛ احتلال لا يعيش إلا بموته. ملعون ذلك الصندوق الأسود الذي قد يجعل السوريين يترحمون حتى عليه؛ فهو على الأقل ترك بقايا من سوريا التي يعرفون.

والآن لم يبق أمامهم إلا مقاومة الاحتلال أو التهيئة لخلاص الأجيال القادمة منه. ولكن يبق الأمل الوحيد للسوريين، في خضم كل ذلك، أن بوتين الذي حمى منظومة الاستبداد عبر الفيتو كي يستخدمها أداة لتحقيق أهدافه أن يفشل ليس فقط بأن يحمي تلك الطغمة من ملفات إجرامية تراكمت، وبدأت تتحرك؛ بل أن لا يتمكن حتى من حماية نفسه من جرائم ارتكبها في سوريا وغيرها. إنه التسابق مع الزمن: أن ينجح بسد ثغراته بسرعة، أو يهوي. والأرجح أن يكون المصير الهاوية؛ ففي هذه الدنيا ميزان.

===========================

مشروع الشرق الأوسط الكبير في نسخته الروسية

بكر صدقي

سوريا تي في

الاثنين 23/9/2019

نشرت صحيفة "آيدنلك" التركية تقريراً وافياً عما سمته "مشروع أوراسيا للشرق الأوسط وشمال إفريقيا" واصفةً إياه بالبديل الروسي لمشروع "الشرق الأوسط الكبير" الأميركي الذي كانت وزيرة الخارجية الأسبق كوندوليزا رايس قد أعلنت عنه في أعقاب هجمات الحادي عشر من أيلول 2011.

تقرير "آيدنلك" المعروفة بأنها الناطق باسم "حزب الوطن" بقيادة دوغو بيرينجك، هو بقلم محمد بيرينجك – ابن دوغو – الحاصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من إحدى الجامعات الروسية. وكان بيرينجك الأب، إلى ما قبل سنوات قليلة، ماركسياً ماوياً وكان حزب الوطن الذي يقوده اليوم يحمل اسم "حزب العمال التركي". أما اليوم فهو قومي متشدد، مدافع عن "الدولة" التركية، مال إلى تأييد الرئيس أردوغان وحكم حزب العدالة والتنمية، بعدما كان من أشد منتقديهما، بصورة متزامنة مع تحالف حزب الحركة القومية بقيادة دولت بهجلي مع الرئيس وحزبه.

إلى ذلك، بيرنجك – الأب – معروف في الرأي العام التركي بوصفه أبرز ممثلي ما يعرف بـ "التيار الأوراسي" في تركيا الذي يعمل على إبعاد تركيا عن حلف شمال الأطلسي وتقريبها من التحالف مع روسيا وما تمثله من قوى دولية مناهضة للهيمنة الأحادية الأميركية، وتربطه صداقة شخصية بالمفكر الروسي القومي المتطرف ألكسندر دوغين الذي يتمتع بنفوذ كبير على الرئيس بوتين. ويقال إن هناك ضباطاً كباراً في قيادة المؤسسة العسكرية التركية يميلون إلى هذا التيار "الأوراسي". وانتشرت تحليلات في الصحف التركية عن "تهميش" أولئك الضباط في قرارات الأول من آب الماضي، وهو الموعد السنوي للترقيات. وفي الإطار نفسه فسرت استقالات خمسة ضباط بصورة مفاجئة، أواسط آب الماضي، كانوا مكلفين بمهمات ميدانية لها علاقة بمنطقة خفض التصعيد في محافظة إدلب وجوارها التي تتعرض إلى هجوم روسي – أسدي منذ أواخر نيسان الماضي.

فيما خص سوريا والصراع السوري، يقف بيرينجك وحزبه بثبات مع نظام الأسد وضد الثورة، متبنياً وجهة نظر النظام بصورة تامة. وقام بعض أركان حزبه – وهم من الضباط الكبار المتقاعدين – بزيارات عدة إلى دمشق، التقوا فيها برأس النظام الكيماوي، في سعيهم المعلن إلى إعادة العلاقات الطبيعية بين دمشق وأنقرة. من هذا المنظور يمكن اعتبار بيرينجك وحزبه "لوبي أسدي – روسي" في تركيا. وعلى رغم عدم تغيير الحكومة التركية لموقفها المعلن من النظام الكيماوي إلى الآن، فتعاونها مع روسيا في إطار مسار أستانة – سوتشي، واقتصار سياستها في سوريا، في السنوات الأخيرة، على مواجهة حزب الاتحاد الديموقراطي، وتخليها، عملياً، عن هدف إسقاط النظام، إضافة إلى سياستها القمعية ضد كرد تركيا، هي أسباب كافية لمواصلة حزب الوطن تأييده للحكومة التركية بقيادة الرئيس أردوغان، حتى لو قام هذا بتهميش الضباط "الأوراسيين" إذا صحت التكهنات بشأنهم.

بعد هذه المقدمة التعريفية بحزب الوطن وصحيفته "آيدنلك"، يمكننا الانتقال إلى تلخيص ما ورد في تقرير برينجك الابن حول

يقول بيرنجك الابن عن المشروع الروسي إنه "لم يكتمل بعد" وإن كان العمل عليه يتم بإشراف مباشر من دوائر الحكم العليا في روسيا

المشروع الروسي للهيمنة على الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الذي ينطلق من واقع الفراغ السياسي الناجم عن "فشل" المشروع الأميركي المعروف باسم "الشرق الأوسط الكبير" أو "الموسع" الذي شكل، طوال السنوات السابقة، مورداً خصباً لنظريات المؤامرة الإمبريالية، في الرأي العام عندنا وفي تركيا أيضاً.

يقول بيرنجك الابن عن المشروع الروسي إنه "لم يكتمل بعد" وإن كان العمل عليه يتم بإشراف مباشر من دوائر الحكم العليا في روسيا. صحيح أنه صيغ في وثيقة سرية لكنه ما زال منفتحاً على إدخال التعديلات والإضافات عليه، بالارتباط مع التطورات السياسية العاصفة التي تشهدها المنطقة المستهدفة.

الهدف من المشروع هو ملء الفراغ الناجم عن فشل المشروع الأميركي وميل الولايات المتحدة إلى الانسحاب من المنطقة تحت وطأة هذا الفشل، وذلك على طريق التخلص من الهيمنة الأميركية الأحادية وإقامة نظام دولي متعدد الأقطاب وأكثر عدلاً. وعلى مستوى الإقليم، يهدف المشروع إلى "تحرر شعوبه التام من الاستعمار" ووضع حد للتأثير الأميركي الهدام، وتحقيق توازن في المصالح الجيو – سياسية، وإقامة تحالفات إقليمية على قاعدة التعايش بين الصيغ التقليدية للإسلام.

ويقترح المشروع الروسي أن يشكل ثلاثي أستانة (روسيا وتركيا وإيران) نواة الإطار الأوراسي الاستراتيجي، مع انفتاحه على جميع الدول الأخرى الرافضة للعقيدة النيوليبرالية، الراغبة في إقامة نظام دولي متعدد الأقطاب، ولها مصلحة في الحفاظ على هوياتها الثقافية. دول "ثلاثي أستانة" تمثل الإرث السياسي لثلاث امبراطوريات، وتمثل ثلاث عقائد دينية تقليدية هي الأرثوذكسية الروسية والتصوف الإسلامي والمذهب الشيعي. وهي، بهذه الإمكانيات، يمكنها تحمل مسؤوليات جيوسياسية وروحية، اليوم وفي المستقبل، في المنطقة الممتدة من الشرق الأوسط إلى المغرب العربي. تشكل روسيا، بين دول النواة، قلب الإطار الأوراسي وقوتها الضاربة في مواجهة العولمة والتحالف الأطلسي، إضافة إلى أنها تملك البديل الروحي في العالم المسيحي للغرب الذي تعرض عالمه الروحي للانحطاط التام.

وتصف الوثيقة الروسية إيران الشيعية بأنها نموذج فريد "للثورة الروحانية المعاصرة" والتعبئة المجتمعية النضالية التي لا تهاب الموت في سبيل المثل العليا الوطنية – الدينية.

أما تركيا فيمكنها أن تلعب، بما تملكه من تراث صوفي غني، دوراً مهماً في إعادة الإسلام السني إلى جذوره التقليدية، بعدما تم إفساده بمفهوم الجهادية الدموية، على طريق استئصال التكفيريين الراديكاليين الذين دعمتهم الولايات المتحدة وأتباعها في الشرق الأوسط.

مع تطبيق المشروع الأوراسي، سيجد حلفاء الولايات المتحدة التقليديين في المنطقة (وبخاصة إسرائيل والسعودية وقطر) نفسها أمام خيارين: إما الاستمرار في التحالف القائم، أو اتخاذ خط استقلالي بجانب الكتلة الأوراسية. يتوقف مصير تلك البلدان على القرار الذي ستتخذه بهذا الصدد.

ويزعم معدو الوثيقة الروسية، وفقاً لبرينجك، أن بمقدور "التحالف الأوراسي" أن يطور حلولاً لمشكلات دول المنطقة نتجت عن التدخلات الأميركية التخريبية، بما في ذلك حل المشكلتين الكردية والفلسطينية. ويمكن لروسيا أن تضمن أمن شعب إسرائيل، ووضع إطار للحل السلمي يتضمن تدويل الأماكن المقدسة في القدس.

وترى الوثيقة الروسية أن التحالف الأوراسي سيمنح كلاً من إيران وتركيا دورين قياديين في العالم الإسلامي بشيعته وسنته.

نكتفي بهذا القدر من تلخيص ما ورد في تقرير صحيفة "آيدنلك" لنتساءل ترى ما الذي يجعل من "الشرق الأوسط الكبير الروسي" مشروعاً أفضل

ما الذي يعدنا به المشروع الروسي غير الحفاظ على الأنظمة المتوحشة مهما كان الثمن باهظاً، ومحاربة الإرهاب السني ورأينا طريقتها الروسية المتمثلة في قصف المستشفيات والمدارس وقوافل الإغاثة الأممية.

من سميه الأميركي، أو أقل امبريالية؟ كان مشروع المحافظين الجدد، على الأقل ينطوي على وعود إيجابية (بصرف النظر عن صدقها أو نزاهتها أو فشلها) تمثلت في إنهاء الأنظمة الدكتاتورية وإقامة بدائل ديموقراطية تحترم حقوق الإنسان وتركز على تنمية بلدانها. فما الذي يعدنا به المشروع الروسي غير الحفاظ على الأنظمة المتوحشة مهما كان الثمن باهظاً، ومحاربة الإرهاب السني ورأينا طريقتها الروسية المتمثلة في قصف المستشفيات والمدارس وقوافل الإغاثة الأممية.

لكن اللافت في المشروع الروسي أمران: أولاً، التحالف مع إيران استراتيجي، بما في ذلك الاعتراف بنفوذها الإقليمي. وهذا مما يتعارض مع كثير من التحليلات التي تتحدث عن رغبة روسية في إخراج إيران من سوريا بالذات. أضف إلى ذلك أن المشروع لا يقترح أي تعديلات على الإسلام الشيعي، على غرار ما اقترحته على السني، بل تنظر إليه بوصفه إيديولوجية نضالية إيجابية.

ثانياً، تنصيب تركيا قائداً لعالم الإسلام السني، بعد فرمتة هذا الإسلام بصيغته الصوفية، أي بنزع السياسة عنه. وهذا ما يذكرنا بمشروع المحافظين الجدد الأميركيين الذين أرادوا أيضاً "تحديث" الإسلام السلفي الوهابي في السعودية بصورة خاصة. يلتقي المشروعان الأميركي والروسي، إذن، في اعتبار الإسلام السني مشكلة، وفي اعتبار العالم العربي "ساحة للعمل" أو موضوعاً، مقابل أدوار قيادية ثانوية لكل من إيران وتركيا.

ملاحظة ختامية موجهة لتيارات "يسارية" ما زالت تنظر إلى روسيا وكأنها روسيا الشيوعية: الوثيقة الروسية تعتبر المذهب الأرثوذكسي هو العقيدة المعلنة للدولة الروسية، وليس الماركسية أو غيرها من العقائد الاشتراكية. روسيا دولة امبريالية طامحة، إذا كان لها أن تذكرنا فهي تذكرنا بألمانيا النازية التي نهضت رأسماليتها متأخرة عن الإمبرياليات الأخرى، فشنت حرب فتوحات على الجوار للحصول على حصتها من الغنائم.

===========================


كي تكون اللجنة دستورية

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 21/9/2019

في لقاء أنقرة الذي جمعه، يوم 16 سبتمبر/ أيلول، مع الرئيسين الإيراني روحاني والروسي بوتين، أعلن الرئيس التركي أردوغان أنه تم الانتهاء من تشكيل اللجنة الدستورية (السورية)، وصار باستطاعتها مباشرة عملها.

بعد نحو عامين من مماطلة روسية/ أسدية، تم أخيرا بلوغ هذه النتيجة التي يشك سوريون كثيرون في أهليتها لبدء العمل، لأسبابٍ تتصل بالتطورات الميدانية التي تواكبها، واحتمال حسم الأوضاع في إدلب ومحيطها، بالافادة من موقف جبهة النصرة بمسمّياتها المختلفة، وما تبنّته من سياساتٍ أسدية عبرت عن نفسها بشعار "النصرة إلى آخر سوري"، وبتمسّكها بتنظيمها وسيطرته على إدلب، على الرغم من عجزها الفاضح عن حمايتها، وتخليها، من دون قتال، عن بعض مناطقها، ووجود قرار دولي بالتخلص منها بوصفها تنظيما إرهابيا، أصر بوتين، في لقاء أنقرة، على تنفيذه، وأعلن أن وجود جبهة النصرة يعتبر مصدر قلق لروسيا، بينما أعلن أردوغان الاتفاق على تشكيل اللجنة الدستورية التي ستبدأ عملها في أجواء التعهد الروسي بشن حرب يستعيد فيها الأسد إدلب أو مناطق واسعة حولها. لذلك يمكن القول إن هيئة التفاوض ستذهب إليه، وهي في حال غير مسبوقة من الضعف، فكأن التلازم بين المعركتين، العسكرية والدستورية، مقصودٌ ومبيّت، بما أن نجاح التفاوض يتوقف على قوة الأطراف المنخرطة فيه، والهيئة لن تجد ما تستند إليه من قوة، في حال شنت روسيا هجومها الجديد، أو واصلت جهودها لمنع تطبيق القرارات الدولية، وخصوصا منها الداعمة مطالب السوريين في التغيير الديمقراطي، علما أنها ستحاول ترجمة النتائج العسكرية، المترتبة على ما أحرزه جيشها من غلبة ميدانية، إلى حل دستوري يثبت رئاسة ربيبها بشار الأسد، ويحافظ على نظامه في أقرب الصور إلى وضعه الحالي.

سيجعل الوضع القائم مهمة الهيئة صعبة، فبينما تقول القرارات الدولية بالانتقال الديمقراطي مرجعية للحل السياسي، يقاتل الروس والإيرانيون لمنع اعتماده تفاوضيا، لأن ذلك سيطيح الأسدية ونظامها، ويرجح أن ينجح سعيهم، لافتقار الهيئة إلى قوة الضغط الضرورية لإقرار الانتقال الديمقراطي في الدستور، وانتقال مركز ثقل الصراع على المنطقة إلى الخليج، حيث يُرجح أن لا تسمح واشنطن بتهديد مصالحها، بينما تتأزم العلاقات التركية الأميركية بسبب منطقة شرق الفرات التي أعلن أردوغان أن أميركا إما أن توافق، خلال خمسة عشر يوما، على انفراد جيشه بالإشراف عليها، أو تعاون مع روسيا وإيران.

ستضعف هاتان الأزمتان الاهتمامين، الأميركي والتركي، باللجنة الدستورية، والدعم المفترض لهيئة التفاوض. وفي المقابل، يرجح أن تضغط روسيا لإنهاء عملها في أقرب وقت، بقبول الحل الذي تريده، لوضع واشنطن أمام أمر واقع، وتحويل الحل إلى أداة ضغط على وجودها العسكري في منطقة شرق الفرات، بالتعاون مع تركيا.

بتلازم هذه التطورات مع الإعلان عن إقرار اللجنة الدستورية، سيغدو الانتقال الديمقراطي كمرجعية للحل السياسي محل صراع تفاوضي بالغ الصعوبة، وستواجه هيئة التفاوض ضغوطا ستكون بدائلها أشد سوءا منها، وستفرض نتائج الحرب نتائج التفاوض، ما لم يقدّم السوريون، حيثما وجدوا، دعما ملموسا، شعبيا وسلميا، لها، ويعزّزوه بمذكراتٍ رسمية، ترسلها الدول المناصرة لحقوقهم، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، إلى مبعوث الأمم المتحدة، بيدرسون، وأمين عام الأمم المتحدة، مساندة لتنفيذ القرارات الدولية المؤيدة لحقهم في بناء نظام ديمقراطي/ تعدّدي.

سيحدّد الدستور نمط الحل السياسي في سورية، وهوية الدولة القادمة ونظامها، وبالتالي هوية المنتصر والمهزوم، ونمط التسويات المحتملة بينهما، إن كان هناك تسويات. لذلك، يجب مواكبة مفاوضات "اللجنة" بأعلى قدر من التصميم والوحدة، لمنع الالتفاف على القرارات الدولية، وضمان مشاركة فاعلة للأمم المتحدة في إقرار دستور ديمقراطي، ثم انتخاب رئيس، اختياره آخر خطوة في إجرائيات الحل التي إما أن يفيها السوريون حقها من الاهتمام، أو أن تكون تتويجا نهائيا لهزيمتهم.

===========================

عن خلافات أهل الحكم في سوريا

أكرم البني

الشرق الاوسط

السبت 21/9/2019

من النادر أن تظهر للعلن الخلافات بين أهل الحكم في سوريا، وربما الاستثناء ما جرى عام 1984 حين أظهر رفعت الأسد، قائد «سرايا الدفاع» وقتئذٍ، رغبته في الحلول مكان أخيه، حافظ الأسد، بعد أن اشتد مرض الأخير وغاب عن الوعي بضعة أيام، فتصدت له قوات من الجيش النظامي وأجهزة الأمن وحاصرت محاولات سيطرته عسكرياً على مفاصل السلطة؛ الأمر الذي وضع البلاد على حافة حرب مدمرة ما كان يمكن تداركها لولا تعافي الرئيس السوري.

أما الجديد فهو ما يثار هذه الأيام عن وجود خلاف كبير بين مؤسسة الرئاسة وبين سندها الاقتصادي؛ رامي مخلوف، وصل إلى درجة مداهمة وتوقيف بعض رؤساء شركاته ومصادرة أموالهم وممتلكاتهم، بما في ذلك ما يشاع عن وضع الأخير تحت الإقامة الجبرية.

من البديهي أن تتباين تفسيرات السوريين لهذه الأخبار وتتفاوت شكوكهم في مدى صحتها، فثمة من يدعو لعدم أخذها بجدية واهتمام، مستنداً إلى أن أطراف الحكم في سوريا، وتحديداً من الدائرة الضيقة، مشهود لهم بتماسكهم الطائفي والعائلي، وسرعتهم في تجاوز خلافاتهم لحماية سلطتهم ومصالحهم المشتركة، خصوصاً في ظل الظروف الانتقالية العصيبة التي تعيشها البلاد اقتصادياً وأمنياً، وأدلتهم على ذلك كثيرة؛ تبدأ بالتسامح مع رفعت الأسد وإرضائه مالياً؛ واللذين قابلهما بإنهاء طموحاته السياسية ومعارضته، ولا تنتهي بما جرى مع عاطف نجيب، ابن خالة الرئيس السوري، الذي لم يتعرض لأي مساءلة أو محاسبة بعد قصة سجنه وتعذيبه أطفال درعا، بل نقل من موقع مسؤولية إلى آخر لم يكن أقل قيمة أو مرتبة.

بينما هناك من يعتقدون أن تلك الخلافات جدية، ومنهم من يعدّها شكلاً من أشكال التنازع على الحصص والمغانم، بعد أن استغل رامي مخلوف ظروف الحرب لتعزيز قدراته المالية والاقتصادية، وتوسيع استثماراته داخل البلاد وخارجها. ومنهم من يجدها محاولة من قبل الرئيس السوري لتخفيف نفوذ بعض الشخصيات التي كَبُر وزنها وبدأت تَظهر موضوعياً على أنها منافس، بما يعيد توزيع مجالات النفوذ بصورة آمنة داخل محيطه، ويلغي أي احتمال لتنامي بديل له في البلاد، والقصد هو محاولة محاصرة النفوذ الشعبي الذي بدأ يحظى به رامي مخلوف في أوساط السوريين، خصوصاً لدى الأقليات الدينية وأبناء الطائفة العلوية، لقاء الخدمات التي يقدمها للمحتاجين والمتضررين في ظل ضعف الدولة وعجزها عن أداء مهامها، وهنا، يلغي أصحاب هذا الرأي من حساباتهم ما يثار عن أن أساس الخلاف هو المسألة المالية، مذكرين الجميع بأن القصر الجمهوري يمتلك من الأموال التي تراكمت في حسابه طيلة عقود، ما يفيض بكثير عن مبلغ مليارين أو ثلاثة مليارات دولار، يقال إن موسكو طلبتها من دمشق وتمنع رامي مخلوف من تلبية قرار الرئيس بتسديدها!

في حين يندفع آخرون إلى اعتبار ما يجري فصلاً جديداً من فصول التنازع بين روسيا وإيران على النفوذ ومفاصل الاقتصاد في سوريا، ولكن المفارقة المؤلمة والمضحكة عند هؤلاء، أن بعضهم يعتقد أن رامي مخلوف وأعوانه هم أقرب إلى طهران من موسكو بدلالة أن المبلغ المالي المفترض تسديده هو للجانب الروسي، وأن خطة الكرملين لإعادة تأهيل الوضع السوري، تتضمن الحد من تنامي التجنيد خارج الجيش النظامي، والذي تقوم به «جمعية البستان» التابعة لرامي مخلوف مقابل رواتب مغرية وتغطية تخلّف منتسبيها عن الخدمتين الإلزامية والاحتياطية. بينما يعتقد البعض الآخر، على العكس، أنه الأقرب إلى روسيا، بدلالة تعدد استثماراته هناك وتكرار لجوء بعض أهله إلى موسكو وقت الأزمات، والأهم لأن طهران هي التي استفادت مما يحدث بإعلانها عن ملكية وبدء تشغيل شبكة لاتصالات الهاتف الجوال، بالتعارض مع الشبكتين اللتين يمتلكهما تاريخياً رامي مخلوف.

وفي المقابل؛ هناك أعداد غير قليلة من السوريين تذهب إلى تفسير الخلاف من زاوية تآمرية، معتقدين أن ما يجري هو أشبه بمسرحية موزعة الأدوار جيداً، وغايتها ضرب أكثر من عصفور بحجر واحد...

أولاً، الالتفاف على العقوبات الأميركية والأوروبية بنقل بعض شركات رامي مخلوف الخاضعة للرقابة الدولية إلى أيادٍ ومؤسسات جديدة لا تطالها العقوبات الاقتصادية، لا سيما أن معظم الأشخاص الذين أشيع أنهم رهن الاعتقال أو الإقامة الجبرية يندرجون ضمن قوائم من فرضت عليهم الدول الغربية مجموعة من العقوبات، وهم رجال أعمال عرفوا خلال الأعوام الماضية بدعمهم غير المحدود للنظام السوري.

ثانياً، توظيف هذه الهجمة لتغطية وتسويغ خطة سلطوية مبيّتة غرضها محاصرة، وربما تصفية، شخصيات أفرزتها فوضى الحرب وصار نفوذها خطراً، خارج القانون وسيطرة الدولة... فأنى لقائد ميليشيا أو زعيم للشبيحة أن يرفض قرار تطويق دوره وتخليص ما جناه في الحرب، حين يرى أن رأس النظام يبادر لمواجهة أهله وأقاربه للحد من نفوذهم وفسادهم؟!

ثالثاً، إحياء النغمة القديمة عن قائد مُنَزّه وشريف وعن أتباع جشعين وفاسدين، في محاولة لتجميل صورة الرئيس ودوره، خصوصاً أن البلاد تقف على عتبة مرحلة سياسية واقتصادية جديدة تحتاج إلى رضا المجتمع الدولي، ولعل ما يضفي على هذا الهدف بعض الجدية، أن زوجة الرئيس السوري هي رئيسة «لجنة مكافحة الفساد وغسل الأموال»، التي طالت رجال أعمال مقربين، من بينهم دريد الأسد، وأيضاً طالت محمد حمشو وأيمن جابر المحسوبين على ماهر الأسد.

رابعاً، امتصاص نقمة وحنق الشارع، وتحديداً أبناء الطائفة العلوية، ليس فقط جراء تردي الوضعين الاقتصادي والمعيشي، وإنما أيضاً بسبب ظواهر بذخ وترف رجالات النظام وأبنائهم. ويمكنكم تقدير مشاعر من قدموا عشرات الألوف من أبنائهم فداء للسلطة، عندما يرون أكبر أولاد رامي مخلوف وهو يستعرض سياراته الفارهة والفيلا الفخمة التي يملكها في دبي!

واستدراكاً؛ من العبث الرهان على خلافات ذات مغزى بين أهل الحكم في سوريا، أو على نتائج مفاجئة أو ذات أهمية نوعية من حال تغيير وجوه وشخصيات في السلطة السورية ومجيء وجوه أخرى، ما دام ثمة استمرار للبنية التكوينية القائمة على القهر والتمييز وعلى تمركز الثروة بيد قلة تعضدهم روابط عصبوية متخلفة وعلاقات الفساد والمحسوبية، وتوحدهم ارتكاباتهم وفظائعهم بحق الشعب السوري المنكوب.

===========================

قمة أنقرة الثلاثية: قراءة مغرضة

 بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 19/9/2019

استقبل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان نظيره الروسي فلاديمير بوتين بعبارة: «nice to meet you, how are you». لا نعرف ما إذا كان أردوغان تعمد أن يتظاهر بأنه يلتقي بضيفه الروسي للمرة الأولى، أم أن إنكليزيته لم تسعفه في التعبير.

أما بوتين فقد حرص، في المؤتمر الصحافي الذي عقده الرؤساء الثلاثة في ختام مباحثاتهم، على الوشاية بأردوغان باعتباره كان هو المعرقل للانتهاء من تشكيل اللجنة الدستورية، من خلال إفصاحه عن أن الرئيس التركي قد أفرج عن الاسم الأخير في قائمة أعضاء اللجنة الدستورية، فاكتملت القائمة بهذا الاسم، وأصبح بإمكانها البدء بعملها في أسرع وقت في مدينة جنيف.

واتفق الرؤساء الثلاثة (الخميس 19/9/2019 واحد) على رفض أي حالة تنتقص من سيادة سوريا ووحدة أراضيها في شرقي الفرات، وتشكل تهديداً للأمن القومي لدول الجوار، في إشارة إلى «قوات سوريا الديمقراطية» بما في ذلك الإدارة الذاتية. أما الرابع المقصود بعبارة 3الخميس 19/9/20191 فهو النظام السوري الذي أهدى القمة، بصورة متزامنة مع انعقادها، رسالة وجهها مندوبه في الأمم المتحدة بشار الجعفري إلى المنظمة الدولية اعتبر فيها «قسد» وحزب العمال الكردستاني ومتفرعاته منظمات إرهابية، مع وجوب التنويه إلى أن هذه الهدية موجهة إلى تركيا أساساً، وهي الدولة الوحيدة في العالم التي تعتبر «قسد» ومكوناتها السياسية والعسكرية منظمات إرهابية. مع رسالة الجعفري أصبحتا دولتين تتفقان على هذا التصنيف.

أما الرئيس الإيراني حسن روحاني الذي جاء إلى أنقرة وفي جيبه ضربة عسكرية مؤلمة لمنشآت نفطية مهمة في السعودية، فقد أعرب عن سعادته بإنجاز قائمة اللجنة الدستورية ووضع موعداً أولياً للانتخابات في سوريا بين العامين 2021 ـ 2022.

أردوغان الذي يهتم، قبل كل شيء، بإنشاء المنطقة الآمنة الموعود بها من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، استفاض في الحديث عن مشروعه: نوّه أولاً بأنه ضرب صفحاً عن طول المنطقة الآمنة التي كان يجب أن تمتد على طول الحدود بين تركيا وسوريا (911 كلم)، ليكتفي فقط بطول 450 كلم وعمق 32 كلم (2 ميل) حسبما وعده ترامب في المكالمة الهاتفية الشهيرة بينهما، أواخر العام 2018، تلك المكالمة التي قرر ترامب، بعدها مباشرةً، أن يسحب القوات الأمريكية من سوريا.

في تلك المنطقة الآمنة، بضمانة أمنية أمريكية، ستقيم شركات البناء التركية منازل من طابقين تحيط بها حدائق لزراعة الخضار، على مساحة إجمالية 500 متر مربع، نصفها للمبنى ونصفها للحديقة المحيطة به. بإقامة هذا المشروع يمكن إسكان مليونين من اللاجئين السوريين في تركيا بعد عودتهم الآمنة إلى بلدهم. (في تصريح سابق تحدث أردوغان عن مليون واحد).

هل اتفق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الإيراني حسن روحاني على قرارات معينة؟ لا أحد يعرف شيئاً عنها باستثناء ذلك «الاسم الأخير» الذي اكتملت به اللجنة الدستورية

أما بالنسبة لتمويل هذا المشروع فيكون، بحسب أردوغان، بتضافر جهود عدد من البلدان المقتدرة. وذكر أنه تحدث، بشأن هذا التمويل، مع الرئيس الفرنسي ماكرون والمستشارة الألمانية ميركل، واحذروا مع من أيضاً؟ مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان! (هل تم طي صفحة التوتر بين قيادتي الدولتين، يتساءل مراقبون)

ووضع الرئيس التركي ضيفيه الروسي والإيراني في صورة خلافاته مع واشنطن بشأن المنطقة الآمنة، فأخبرهما أن تركيا ستنتظر، إلى نهاية شهر أيلول/سبتمبر الجاري، من الأمريكيين تنفيذ التزاماتهم وفقاً لما اتفق عليه، مؤخراً، بشأن المنطقة الآمنة، وإلا فستضطر لوضع خطتها العسكرية المنفردة بشأنها موضع التطبيق.

أما الرئيس الروسي فانتهز فرصة الحديث عن الاعتداء الذي تعرضت له المنشآت السعودية، ليعرض عليها شراء صواريخ دفاع جوي روسية قادرة على حماية كل منشآتها الحيوية، فكما اشترت منها إيران صواريخ إس 300، وتركيا صواريخ إس 400، يمكن للسعوديين أيضاً أن يقتدوا بهاتين الدولتين! وهذه رسالة بوتينية مؤلمة لواشنطن فحواها أن الدولة العظمى الوحيدة فشلت في حماية حليفتها السعودية.

من عجائب حوار الطرشان الذي سمعناه في المؤتمر الصحافي للقادة الثلاثة تأكيد أردوغان على وحدة الأراضي السورية وسيادتها (وهو ما اتفق عليه في صيغة البيان الختامي أيضاً) في وقت يطالب فيه بإقامة منطقة آمنة شرقي نهر الفرات مع سيطرة القوات التركية هناك، إضافة إلى الوجود العسكري التركي في كل من مثلث «درع الفرات» ومنطقة عفرين.

أما روحاني فكان له رأي آخر في ذلك لم يتمالك نفسه من الإفصاح عنه، على رغم جو التوافق والوئام الذي رأينا انعكاسه في البيان الختامي، بل على رغم حلاوة التين التركي الذي استمتع بأكله: فقد تحدث عن وجوب خروج جميع القوات الأجنبية من سوريا، باستثناء تلك التي جاءت بناء على طلب الحكومة السورية! (نحن نعرف أن القوات التركية لم تدخل الأراضي السورية بناء على طلب نظام دمشق الكيماوي).

وقال روحاني إن الولايات المتحدة تسعى إلى تقسيم سوريا. وتتضح نواياها السيئة من واقع تبرعها بأرض الجولان لدولة الاحتلال الإسرائيلي. كما أشار الرئيس الإيراني إلى الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية التي دمرت البنية التحتية لهذا البلد. وهذا ما يتعارض مع مبدأ السيادة السورية، قال. وعبر عن التزام القادة الثلاثة بمواصلة مكافحة المنظمات الإرهابية في سوريا التي يعاني الشعب السوري من أذاها. ونحن نعرف، قال، من يدعم تلك المنظمات. علينا أن نساعد الدولة السورية في جهودها لمكافحة الإرهاب.

وقال بوتين إن أعضاء اللجنة الدستورية يجب ألا يتعرضوا لأي ضغوط خارجية، مع العلم أن ثلاثي آستانة المجتمع في أنقرة هو الذي شكل اللجنة الدستورية وحدد لها مهمتها، وهي إدخال إصلاحات على الدستور النافذ.

هذه بعض شذرات من كلام القادة الثلاثة في المؤتمر الصحافي، في طريقة مختلفة لقراءة نتائج القمة الثلاثية. هل اتفقوا على قرارات معينة؟ لا أحد يعرف شيئاً عنها باستثناء ذلك «الاسم الأخير» الذي اكتملت به اللجنة الدستورية.

===========================

موقفنا : في نتائج القمة الثلاثية الخامسة .. أيها السوريون : جادلوا عن أنفسكم واعتبروها دورة تدريب

زهير سالم

مركز الشرق العربي

17/ 9/ 2019

لا شيء في القمة الجديدة نخاف منه ، ولا شيء فيها نأمله . ولو قمنا بحذف كل الكلام المكرور في القمم الأربع السابقة عن وحدة الأراضي السورية ، ورفض الحل العسكري ، وضرورة الوصول إلى حل سياسي ، والتوافق على حرب الإرهاب ، وضرورة الاشتغال على عودة اللاجئين ، وإعادة الإعمار ..لبقيت صفحة البيان الختامي ناصعة بيضاء ولا شية فيها ..

 لا نعتقد أن الرؤساء ، في كل القمم ، يجتمعون ليتفقوا على ما يقولونه في البيانات الختامية فقط . البيانات الختامية هي الصيغ الأدبية أو الإنشائية الضبابية ذات الطبيعة الجماهيرية التي تغلف الحقائق كما صاروا يغلفون مادة الكينا شديدة المرار . ويبقى دائما في هذه البيانات أحرف صغيرة ، أو فراغات صغيرة تعبر عن المومى إليه على طريقة المدرسية الرمزية أو الاختلاط السريالي .

في الأخبار الجانبية - خارج إطار القمة - عن الكاهن الأرثوذكسي بوتين الذي استمد البركة في عزمه على تقتيل السوريين وتهجيرهم من مطران كنيسته الأكبر، أنه أصبح واعظا باسم الإسلام ، فهو في خبر جانبي كما نقلت مصادر الأخبار ، قد علق على العدوان على السعودية بقول الله تعالى : ( وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) ثم نظر تلقاء اليمن فخاطب السعوديين واليمنيين بقول الله تعالى : ( وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ) ...

ربما استفاد بوتين من جلوسه بين أردوغان وروحاني هذا الزمن الطويل ، واستشهاده بهاتين الآيتين يعني أنه يدرك حقيقة اللعب على التناقضات . وعلى عينك يا تاجر كما يقولون .

بوتين هذا في كل مرة دخل القمة الثلاثية خرج منها الأكثر حصادا على حساب الذي يليه ثم الذي يليه . والكلام مفهوم ليس بحاجة إلى ترجمان.

وأخطر ما كان في هذه القمم أن كل كلمة تؤشر إلى مصلحة من مصالح الشعب السوري تكون مفلطحة ملساء انسيابية قابلة للتأويل والتسييخ والتسنير والمط وإعادة التدوير ، ولذا تبقى مثل هذه الكلمات الرطبة أو اللزجة أحيانا على طاولة المكتب الذي قيلت عليه ، حتى تجف وتقد ، ويبقى الأمر الواقع هو الواقع الذي نتشكى منه ،فنستعد لقمة سادسة وسابعة من جديد . وجرذ الأرض يقضم من بُرها وبَرها وبحرها ما يشاء ..

لكي نتعلم يجب أن نتعلم أولا أن شكر المنعم أو المحسن أو المساند أو المسعف ولو بقدره واجب ...

ويجب أن نتعلم أن نشكر كل عون حتى الكلمة الطيبة واليد الحانية والإنجاز المحدود ولكن شكر إنجاز المساند على طريقة تبادل الأمنية المشتركة في الثقافتين التركية - السورية " بركات ورث " لا يغني أن لا يكون لنا إنجاز ننجزه لأنفسنا .. وعلى هذه الحقيقة مدار الحديث !!

منذ القديم هجت العرب بالقول :

مغيبون ويقضي الناس أمرهم ..

 والعائد في " أمرهم يمكن أن يعود على الناس ، ويمكن أن يعود على هؤلاء القصّر المغيبين وسيكون المعنى أثقل ..

صمت السياسيين من ممثلي المعارضة ، وكثرة النغر من بعضهم على طريقة " يا بو بدي .."

تجاوزت كل حد ، بل هي في طريقها إلى وأد الثورة ، وإضعاف مواقف المساندين جميعا ..

أخبرنا ربنا تبارك وتعالى عن يوم القيامة : ( يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا).

أيها السوريون : جادلوا عن أنفسكم ، واعتبروها دورة تدريب ...

____________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

بثينة شعبان ولافروف ونهاية الثورة السورية

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الاربعاء 18/9/2019

بين تصريحات بثينة شعبان مستشارة رئيس النظام السوري، وتصريحات وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف التي تحدثت بأن الثورة السورية قد انتهت، ثماني سنوات تقريباً، فهل ينسى أحدٌ ما قالته شعبان بالأشهر الأولى للثورة السورية أنها انتهت، أو خلصت، كما يحلو أن تقولها في اللهجة العامية، مبشّرة يومها الشعب السوري بأنه سيعود إلى سابق عهده من الإذلال والعبودية لعصابة حكمته بتدمر وبالأحكام العرفية لنصف قرن، اليوم يكرر وزير خارجية روسيا لافروف المعزوفة نفسها ليزيد عليها كلمة (فعلياً)، أي أن الحرب انتهت فعلياً كما قال، ولم يبق سوى بؤر خارجة عن سيطرة الحكومة، ممثلة بأرياف إدلب وحلب والساحل، مع شرق الفرات وغربه؟!

هل لمسؤول أن يعلن نهاية الحرب، ولا تزال ثلث البلاد خارجة عن سيطرة الحكومة التي يدعمها وغدت بيدقاً على رقعة شطرنجه؟!، هل لمسؤول أن يقول هذا وهو قد وقّع اتفاقاً لخفض التصعيد مع ضامن للثورة وهي تركيا، ليقول لها تعالي اليوم للجنة دستورية، بعيداً عن الواقع العسكري، بعد أن أصبح في عهدة الحكومة العميلة، التي لولاها لكانت في خبر صار وكان ونحوهما؟! هل لمسؤول أن يستبق أحداث السيطرة على ثلث البلاد ليعلن نهاية الثورة، ونحن رأينا كيف وقع من قبله كالرئيس الأميركي في خطأين مماثلين يوم أعلن عن نهاية الحرب في أفغانستان والعراق، ليخرج له طائر الفينيق فيقض مضاجعه على مدى سنوات، فيرغمه اليوم على التفاوض، ثم الانسحاب.

الحرب لم تبدأ بعدُ، كونها غير مرتبطة بدول كبرى أو إقليمية، فالحرب مرتبطة بأولياء الدم، وأولياء الدم أكثر من مليون شهيد، ومثلهم من الجرحى والمعتقلين، وأضعاف مضاعفة من المشردين والمهجرين وممن دمرت بيوتهم وتقطعت بهم السبل، الحرب لم تبدأ بعدُ، فالشعب السوري لن ينسى أن بلاده محتلة، وصبره اليوم إنما هو صبر انتظار للقوى الدولية التي تقوم فعلياً بطبخة حصى، لتقرر هي مستقبله وترسم له مسارات تحركاته، لكن أولياء الدم هؤلاء سيواصلون مسيرهم، فدماء أبنائهم وأقاربهم ليست ماءً، ولن تباع في أسواق نخاسة دولية.

الحرب الحقيقية هي حرب العصابات، والتي ستنطلق بعد أن تنكشف الأقنعة تماماً، وتنفض القوى الدولية والإقليمية يديها من الحل السياسي الذي يرغم النظام على التنحي، ثم تعاون الثوار مع بعضهم البعض، فروسيا التي عجزت عن إخضاع أفغانستان المجاورة لها جغرافياً كيف لها أن تنجح في إخضاع الشعب السوري المنتفض مجتمعياً أضعافاً مضاعفة عن مثيله الأفغاني في الثمانينيات. هل يمكن لاحتلال أن يقرر مصير الشام وهو على بعد آلاف الأميال عنها، فمن السهل على الاحتلال أن يقتل الملايين ليحكم مقابر، وهو ما أشار إليه الرئيس الأميركي ترمب، أخيراً، حين قال أستطيع أن انتصر بعد أن أقتل الملايين في أفغانستان، وهو تماماً ما يفعله روسيا اليوم، لكن الواقع يقول إن النظام السوري فقد وجوهه الأمنية والعسكرية التي كانت نخبه الوحيدة القادرة على البطش والحكم الحقيقي بسياسة الحديد والنار التي أدمنها لعقود. فمن يبحث في جغرافية المحافل الأمنية والعسكرية يعدمه إيجاد شخصية أمنية وعسكرية باطشة كما كان في السابق، وهو ما يعني أن الشخصيات التي يمكن أن تشكل قدرة على البطش بالشعب السوري غير موجودة، فضلاً عن أن تكون شخصية جامعة مانعة وسط الموالين للنظام، بينما نجد –ربما- عشرات الشخصيات الثورية التي لا تزال تتمتع بمصداقية قتالية وسياسية واجتماعية، وقادرة على التفاف الشعب حولها.

===========================


الأمم المتحدة إذ تنعى نفسها

برهان غليون

العربي الجديد

الاربعاء 18/9/2019

لا تكفّ الثورة السورية عن توليد مزيدٍ من الوقائع المدهشة في غرابتها وشذوذها. وجديد هذه الوقائع قرار الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، بتشكيل لجنة للتحقيق "حول سلسلة حوادث وقعت في شمال غرب سورية"، منذ أعلنت روسيا وتركيا إقامة منطقة لخفض التوتر في إدلب في 17 سبتمبر/ أيلول 2018. وجاء القرار بعد أن قدّمت عشر دول في مجلس الأمن، وهي بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة وألمانيا وبلجيكا وبيرو وبولندا والكويت وجمهورية الدومينيكان وإندونيسيا، التماسا رسميا للأمين العام في 30 يوليو/ تموز لإجراء تحقيق في الهجمات التي تتعرّض لها المرافق التي تدعمها الأمم المتحدة، والتي أصابت ما لا يقل عن أربع عشرة منشأة طبية بأضرار كبيرة، أو دمرتها تماما.

وكانت منظمات إنسانية قد اتهمت الأمم المتحدة بالتورّط في هذه الجرائم، بسبب تقديمها إحداثياتها للسلطات الروسية لتجنيب المشافي القصف، ولكنها (الأمم المتحدة) بدل أن تعتذر للسوريين، وتدين الجانب الروسي الذي استغل سذاجة مسؤوليها، واستخدم المعلومات التي قدّمت له للتصويب بدقة على هذه المرافق الصحية، قرّرت طمس مسؤولياتها ومسؤولية الروس معا من خلال تشكيل لجنة "خلبية"، وصفها المتحدث باسم الأمين العام بأنها "لجنة تحقيق داخلية" لن يعلم بفحوى تقريرها سوى الأمين العام وحده، وتقتصر مهمتها على "تحديد الوقائع للأمين العام"، ولن تكون لا تحقيقا سياسيا ولا جنائيا، ولن يترتّب على استنتاجات محقّقيها أيضا أي محاسبة أو مساءلة سياسية أو قضائية. ومع ذلك، لم يتردد الأمين العام، بحسب بيان الناطق باسمه، في "حض جميع الاطراف المعنيين على التعاون بشكل كامل مع اللجنة" التي ستباشر عملها في 30 سبتمبر/ أيلول الجاري.

من الصعب أن يتصوّر المرء ردا للأمم المتحدة على خرق المواثيق الدولية، والاستهانة بحياة المدنيين السوريين وبمصير الجرحى والمصابين، أكثر هزالا مما تفتقت عنه عبقرية خبرائها القانونيين. ومن الغريب أن يقبل أعضاء اللجنة، من رئيسها الجنرال النيجيري، شيكاديبيا 

"لا يمكن لعاقل ألا يشعر بالأسى والحزن على تضييع المنظمة الدولية الكبرى هيبتها ورصيدها"أوبياكور، وعضويها جانيت ليم من سنغافورة ومرايا سانتوس بايس من البرتغال، وخبيريها الجنرال البيروفي فرناندو اوردونيز، والمسؤول السابق في الصليب الاحمر الدولي السويسري بيار ريتر، المشاركة في مهمّةٍ هدفها الرئيس التغطية على الحقيقة، وإخفاؤها عن الرأي العام والتستر عليها، والسماح لروسيا بالاستمرار في انتهاك حق الشعب السوري في السلام والأمن، وحق المدنيين السوريين في حمايةٍ دوليةٍ فشل المجتمع الدولي في تقديمها لهم منذ سنوات.

لم تبد الأمم المتحدة خائرة القوى، وفاقدة للتأثير، كما بدت، عبر تشكيل هذه اللجنة الفارغة من المعنى. وليس من المبالغة القول إن هذا القرار، على ضآلة أهميته، بل بسبب ذلك، قد كشف عن عورات المنظومة الدولية السياسية، كما لم يفعل أي فشل لها في تدخلاتها الكثيرة السابقة، فكيف لمنظمةٍ دوليةٍ معترف بها وصية على السلام والأمن الدوليين، واحترام الحقوق الوطنية والإنسانية أن تقبل بأن تكون أداة للتغطية على جرائم ضد الإنسانية واضحة كالشمس، وما الذي يجعلها تجبن أمام تأدية واجباتها، وتضحي بهيبتها ورصيدها المعنوي والأخلاقي، مراعاة لسلطة احتلالٍ لم يظهر مرة واحدة عطفا على ضحاياه، أو اهتماما بمصير من يدّعي مساعدتهم على الخروج من الحرب وتحقيق السلام؟ وما الفائدة من الاستمرار في المراهنة على مثل هذه المنظمة لتمثل سلطة تطبيق القانون الدولي، وحل النزاعات بالطرق السلمية، ولماذا تستمر الشعوب في الإنفاق على مؤسسةٍ يغري ضعفها المتزايد أصحاب القوة بالعبث بكل الأعراف والمواثيق والتوازنات الدولية والإقليمية، ويفتح الباب واسعا أمام تعميم النزاعات والممارسات العنصرية واللاإنسانية.

لا يوجد أدنى شك في أن الأمم المتحدة لا تزال تقوم، عبر منظماتها المتخصصة المتعددة بدور إيجابي كبير على صعيد التعاون الدولي في ميادين العمل والتربية والتعليم والصحة والقانون والتصحر والتنمية الزراعية والصناعية والتقنية. ولكنها تبدو ضعيفة، بل خائرة القوى وفاقدة للصدقية، في ميدان الالتزامات السياسية المتعلقة بالحفاظ على الأمن والسلام واحترام سيادة الدول وحق الشعوب في تقرير مصيرها، بل حتى في ما كان يبدو سهل المنال في ماضٍ قريب، وهو تذكير الدول المستمر بواجباتها في ميدان احترام حقوق الإنسان، ومنع التمييز القومي والديني وتجريم الاعتقال التعسفي والتعذيب والقتل المبرمج في سجون الاحتلال الأجنبي أو الداخلي. وهذه كانت أهم رسالةٍ قدمتها المنظمة الدولية للعالم، وضمنت لها الشرعية والصدقية والإشعاع، حتى صارت الشعوب والجماعات المضطهدة، قومية كانت أم دينية أم سياسية، تتوجه إليها، وتبني على تدخلاتها الآمال الكبيرة في سعيها إلى تغيير أوضاعها، والاندماج في مسار التقدّم الأخلاقي والمدني الإنساني. وهنا يكمن كعب أخيل هذه المنظمة المهمة التي تكاد تخسر رصيدها بأكمله، نتيجة عجزها أو شلل إرادتها السياسية، أو بسبب نجاح دول صغيرة وكبيرة عديدة في تحدي قراراتها، ووضعها موضع السخرية أمام شعوب العالم المضطهدة.

لا يمكن لعاقل ألا يشعر بالأسى والحزن على تضييع هذه المنظمة الدولية الكبرى هيبتها ورصيدها. ولن يكون لهذه الخسارة سوى نتائج كارثية على الحياة الدولية، وبشكل خاص على الشعوب والجماعات الضعيفة التي تتعرّض لأشكال مختلفة من القهر والاستبداد والعنف، فبغياب المرجعية السياسية والقانونية الجامعة، والباعثة للأمل، لن يبقى سوى طريق التطرّف والعنف والانتقام. ولن يكون قتل الأمم المتحدة، كما تفعل روسيا وايران وغيرهما اليوم، وكما يدل على 

"لم تبد الأمم المتحدة خائرة القوى، وفاقدة للتأثير، كما بدت، عبر تشكيل هذه اللجنة الفارغة من المعنى"ذلك التعطيل المنهجي لمجلس الأمن وحيرة أمينها العام الذي لم يعد يملك سوى التعبير عن قلقه هنا وهناك، في صالح أي دولةٍ أو منطقة أو نظام. بل سيكون إعلانا عن تفكّك المنظومة الدولية والعودة إلى عصر الحروب المتعددة والمتقاطعة، ونهاية عهد السلام العالمي النسبي الذي أتاح للبشرية، في عقود معدودة بعد وضع الحرب العالمية الثانية أوزارها، تحقيق إنجازات مذهلة ليس في ميدان التقدم العلمي والتقني والحضاري عموما، وإنما أيضا في ميدان التحرّر الوطني لأكثر شعوب العالم والتحرّر السياسي من سلطة الوصاية متعددة الأشكال، الاستعمارية والسياسية والدينية والجنسانية معا. وما يحصل في المشرق، وفي سورية بشكل خاص، حيث أصبح العنف اللغة الرئيسية للتواصل بين الأفراد والجماعات، والخراب والدمار والقتل المنظم للإنسان العاقبة الحتمية لتفكك الدول والتحالفات، يقدم لنا نموذجا حيا لعالمٍ انهارت توازناته مع غياب أي مرجعية دولية مشتركة تحظى بالصدقية ومؤهلة للتدخل بطرق مختلفة لمعالجة التوترات وإيجاد التسويات الضرورية لدرء الحروب والنزاعات أو التخفيف من عنفوانها.

لا يمكن لهذه الاستهانة بحياة الشعوب والأفراد وحقوقهم أن تستمر، ولا أن تتواصل حروب الإبادة الجماعية والاعتداء على المدنيين ومرافق حياتهم الحيوية، وأن تبقى منظمة الأمم المتحدة صامتة، أو أن تغطي على جرائم ضد الإنسانية، بسبب افتقارها القوة التي تسمح لها بتطبيق قراراتٍ لم تكن هي نفسها سوى التعبير عن إرادة أعضائها، من دون أن تدمر الأساس السياسي والأخلاقي الذي قامت عليه، عندما جعلت رسالتها تحقيق السلام والعدالة الدولية. ولو كنتُ في مكان الأمين العام للامم المتحدة، لما ترددت في وضع استقالتي على الطاولة، احتجاجا على إمعان الدول في إجهاض المنظمة الدولية، وانتهاك الحقوق الإنسانية الفردية والجماعية، وخيانة عديد من أعضاء مجلس الأمن تعهداتهم والتزاماتهم. ولدعوتُ، في الوقت نفسه، إلى عقد مؤتمر للدول الأعضاء لإصلاح عمل المنظمة، درءا لخطر انهيارها مع استمرار استهتار الأعضاء بمواثيقها وقراراتها، ومن أجل إعادة بناء آليات عملها بما يتفق مع الأهداف والغايات التي كانت وراء تأسيسها. بل هذا واجب على الأمين العام، حتى لا تنتهي منظمة الأمم المتحدة كما انتهت سابقتها عصبة الأمم، ويخسر العالم أهم منظمة تعاونٍ وتفاهم دوليين، ولدت من أهوال حربين عالميتين مدمرتين، وأرادت أن تحول دون عودة العنف الذي ميّزهما.

===========================

تركيا.. المنطقة الأمنية ليست حلاً

علي العبدالله

العربي الجديد

الاربعاء 18/9/2019

على الرغم من اتفاق الولايات المتحدة وتركيا يوم 7 الشهر الماضي (أغسطس/ آب) على خطوات ميدانية، آلية أمنية، وفق الوصف الأميركي، فإن الاتفاق النهائي حول شرق الفرات ما زال بعيدا في ضوء التباين في منطلقات الطرفين، فالولايات المتحدة تقارب الموضوع من زاوية معالجة الهواجس والمخاوف الأمنية التركية، في حين تريد تركيا إقامة منطقة سيطرة ونفوذ خاصة بها على طول الحدود التركية السورية من نهر الفرات إلى فيش خابور على الحدود التركية العراقية السورية المشتركة بطول 450 كيلومتراً وعرض 32 كيلومتراً. الأولى تريد إخلاء "المنطقة" من "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، من دون إعطاء دور لتركيا في إدارتها، في حين تريد الثانية منطقة تحت إدارتها هي فقط كي تنفذ فيها تصورها القائم على إجهاض مشروع الإدارة الذاتية؛ وقطع الطريق على ما تقول إنه مشروع أميركي لإقامة إقليم كردي شرق الفرات. وهذا فتح الباب لتقديرات متباينة بشأن فرص النجاح في الاتفاق على صيغة نهائية ترضي جميع الأطراف؛ وأثار المخاوف من تعثر العملية والعودة إلى الاشتباك السياسي والتوتر الميداني.

لم تعكس تعليقات الطرفين وتلميحاتهما بعد الإعلان عن الاتفاق الأولي، منطقة آمنة؛ هي شريط منزوع السلاح طوله 140 كيلومتراً وعمقه 5 كيلومترات؛ تعزّزها منطقة إضافية خالية من الأسلحة الثقيلة عمقها 9 كيلومترات، مدى الاختلاف في وجهات النظر فقط بل وعكست توجها أميركيا لاحتواء الموقف، عبر تهدئة التوتر التركي المتصاعد، واستدراج تركيا إلى صيغة ترد على مخاوفها الأمنية، وفق منظور أميركي، وتقيّد، في الوقت نفسه، حركتها، حماية لـ"قسد"، عن طريق إقامة قواعد عسكرية أميركية قربها، وتزويد "قسد" بالأسلحة والذخائر، تكثّفت 

"تجاهلت القيادة التركية أن من أولويات نجاح الدور الخارجي، بناء قاعدة داخلية مستقرة قوية ومتماسكة"العملية بعد الاتفاق الأولي على خلفية تطمين "قسد" ودفعها إلى الالتزام ببنود الاتفاق، ونشر قوات حليفة، فرنسية وبريطانية، في "المنطقة" وجوارها. ما يجعل تنفيذ عملية عسكرية تركية مكلفا من الناحيتين، السياسية والعسكرية. وهذا أثار حفيظة تركيا فعادت إلى التهديد بشن عملية عسكرية وإقامة منطقة أمنية بمفردها، ما لم تلب مطالبها، حدّد الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، موعداً لإقامة المنطقة الآمنة نهاية شهر سبتمبر/ أيلول الحالي، قال "لن يكون لدينا خيار سوى تنفيذ خططنا الخاصة"، في إشارة إلى عملية عسكرية من جانب واحد، من جهة، والعمل، من جهة ثانية، على استمالة روسيا وكسب دعمها بالإعلان عن رغبتها بإعادة مليون لاجئ إلى "المنطقة"، استجابة لموقفها الداعي لإعادة اللاجئين وإطلاق عملية إعادة الإعمار. حقيقة الأمر أنها تسعى إلى توظيف هؤلاء اللاجئين في عملية تغيير سكاني، ينهي الأكثريات الكردية في مدن وبلدات سورية حدودية، بحيث تقضي على مبرّر المطالبة الكردية بكيان خاص هناك، وهو ما رفضته الولايات المتحدة التي باركت عودة أبناء "المنطقة" فقط.

تكمن مشكلة تركيا في طموح قيادتها الكبير، وضعف إمكانات الدولة وقدراتها على تحقيق هذا الطموح. طموح واسع يبدأ من العمل على تحقيق مستوى متقدّم من الاستقلال عن التبعية للغرب عامة، والولايات المتحدة خاصة، جاءت صفقة إس -400 مع روسيا، اعتبرتها الولايات المتحدة تمرّدا يستدعي العقاب، والعمل على الحصول على تقنيةٍ عسكريةٍ متطوّرة، وامتلاك قدرات صناعية عسكرية، بما في ذلك أسلحة نووية، في هذا السياق. لعب دور قوة إقليمية عظمى بالسعي إلى كسب نفوذ إقليمي ودولي، وأقامت قاعدتين عسكريتين في الخارج، واحدة في قطر وأخرى في الصومال، كانت في طريقها إلى إقامة قاعدة ثالثة في جزيرة سواكن السودانية على البحر الأحمر، لولا سقوط نظام جبهة الإنقاذ ورئيسه عمر البشير، ونشرت قوات في العراق، معسكر بعشيقة، وسورية، في الشمال والشمال الغربي، وانخرطت في الصراع الليبي من خلال دعم فصائل مسلحة إسلامية، إخوان مسلمين. السعي إلى قيادة دول الإسلام السنّي، فاستثمرت علاقاتها مع جماعة الإخوان المسلمين وتبنّيها لها لتحقيق هذا الهدف، ودول العرق التركي الممتد من حدودها الشرقية إلى الإيغور في الصين. السعي إلى التوسع في الشراكات التجارية، وتحقيق فائض تجاري يعزّز قدراتها على تمويل خياراتها السياسية في دول الجوارين، القريب والبعيد.

لقد تجلى تواضع الإمكانت التركية في عدة ميادين وعدة حالات، بدءا من انكشاف ضعفها خلال أزمة إسقاط القاذفة الروسية سوخوي 24 يوم 24‏/11‏/2015، واضطرارها للاعتذار لروسيا والتسليم بشروطها لطي القضية، وعانت خلال فترة القطيعة من انعكاسات اقتصادية كبيرة، إن عبر توقف تصدير الخضار والفواكه إلى روسيا أو توقف أعمال مائتي شركة تركية تعمل في روسيا، وتوقف حركة السياحة الروسية إليها، أربعة ملايين سائح في العام، بلغت خسائرها عشرة مليارات دولار خلال فترة القطيعة التي دامت سبعة شهور، وفي أزمة القس الأميركي أندرو برونسون حيث انهارت عملتها أمام الدولار الأميركي، من 2.5 ليرة للدولار الواحد إلى ست ليرات للدولار الواحد، بعد فرض عقوبات اقتصادية أميركية عليها. اضطرارها للتنازل لروسيا في حلب والغوطة الشرقية، وبيع المعارضة السورية في الحالتين من أجل الحصول على ضوء أخضر روسي للهجوم على منطقتي جرابلس وعفرين. رد فعلها الفاتر على قمع شعب الإيغور التركي من النظام الصيني، اعتقالات وبطش واسعين وحجز مليون إيغوري في معسكرات إعادة برمجة، حفاظا على حصتها من مشروع الحزام والطريق. وقوعها بين حجري رحى أميركي روسي، كلما اختلفت مع أميركا، ابتزتها روسيا، وكلما 

"تكمن مشكلة تركيا في طموح قيادتها الكبير، وضعف إمكانات الدولة وقدراتها على تحقيق هذا الطموح"اختلفت مع روسيا ابتزتها أميركا. عجزها، على الرغم من التنافس الأميركي الروسي على استمالتها، عن استثمار الخلاف بينهما، ما أفقد تهديداتها بعمل عسكري شرق الفرات كل تأثير، فتحولت إلى لغو إعلامي، وجعلها عرضةً لنيران عديدة في الوقت نفسه. فشلها في ترشيد حكم الإخوان المسلمين في مصر، فشلها في إدراك ضعف نظام جبهة الإنقاذ في السودان وعقد صفقات معه، ما أفقدها فرصة التأثير في الوضع الجديد هناك. حتى الورقة التي كانت نقطة القوة الرئيسة لنظام حزب العدالة والتنمية: الاقتصاد، تآكلت وغدت قريبة من التحول إلى كعب آخيل في ضوء المعطيات الجديدة: تراجع الناتج المحلي من 851 مليار دولار عام 2017 إلى 784.67 مليار دولار عام 2018، فظهرت بوادر انهيار الاقتصاد التركي نهاية 2018 بانكماش الناتج المحلي الإجمالي 3% أكثر من المتوقع، معدل النمو 7.4% في الربع الأول من 2018، تراجع إلى 5.3% في الربع الثاني من العام ذاته، وإلى 1.8% في الربع الثالث، لم تظهر حتى الآن معدلات الربع الأخير، وحسب البيانات الرسمية للبنك المركزي التركي، إجمالي الديون الخارجية صعد إلى مستوى 453.42 مليار دولار خلال الثلاثة أشهر الأولى من العام الجاري مقابل 444.81 مليار دولار في الربع السابق، بحسب بيانات منشورة على موقع وزارة الخزانة والمالية التركية.

مشكلة القيادة التركية أنها بالغت في تطلعاتها وطموحاتها، وتجاهلت أن من أولويات نجاح الدور الخارجي، بناء قاعدة داخلية مستقرة قوية ومتماسكة، وأن الانقسام الداخلي العميق على خطوط قومية ومذهبية واجتماعية يستدعي العمل على تعميق الاندماج الوطني، وتكريس توافق سياسي واجتماعي، بإزالة أسبابه قبل التوجه إلى لعب دور خارجي وازن، فالمنطقة الآمنة، حتى لو نفذت بشروط تركية، لا تحل المشكلة الكردية فيها؛ لأنها لا تقدّم للكرد فيها حلا لمعاناتهم القومية والاجتماعية والاقتصادية، بل تزيد من شعورهم بالاضطهاد والقهر وتعمق الهوة بينهم وبين النظام التركي، لأنها ستضيف إلى المظلومية الكردية فصلا جديدا. التخوف من الكرد في سورية والعراق وإيران حله بإنصاف الكرد في تركيا ذاتها.

===========================


مخاوف السوريين في تركيا

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاربعاء 18/9/2019

لأول مرة منذ أن عرفت إسطنبول، وعشت فيها سنوات، تمكنني خليط من الحذر والقلق والخوف بسبب ما صارت إليه أوضاع السوريين هناك، في الأشهر القليلة الماضية، وقد تصدى لها الإعلام العربي والدولي متناولاً عبر أخبار وتقارير وتحليلات عمليات التضييق على السوريين ومتابعتهم، وصولاً إلى ترحيل آلاف منهم إلى الداخل السوري بطرق مهينة ومذلة غالباً، والدفع بعشرات آلاف آخرين للعودة إلى الولايات، التي حصلوا منها على بطاقات الحماية المؤقتة «كمليك»، خوفاً من الوقوع في إجراءات المضايقة والترحيل، وكلاهما ترافق مع كلام تركي أن الحملة مستمرة بما يضمن إعادة ضبط وتنظيم الوجود السوري في تركيا، وفي إسطنبول على وجه الخصوص.

كلام الإعلام العربي والدولي عن التضييق التركي يؤشر إلى مشكلات جدية وعميقة، تحيط بالسوريين هناك، لكن معاينة الواقع تدلل إلى احتمالات أبعد وأشد، تجعل من المشكلات مقدمة لكارثة تحيط بالسوريين ووجودهم في تركيا، ما لم تحصل تطورات سريعة في السياسات والإجراءات، تتشارك فيها أطراف متعددة؛ أولهم الأتراك والسوريون ومعهم جهات إقليمية ودولية.

معاينة واقع السوريين في إسطنبول تبيِّن على نحو ظاهر التردي في أوضاع السوريين هناك. فعلى مستوى الوجود السكاني، انخفضت أعدادهم بصورة خطيرة، خصوصاً في المناطق ذات الوجود الكثيف مثل الفاتح وغازي مختار باشا واسنيورت، التي يقول أحد سكانها إن نصف السوريين هناك غادروها إلى مناطق سبق أن سجلوا إقامتهم فيها، أو تم ترحيلهم إلى سوريا، والباقون ممن لا يملكون بطاقة «كمليك» سيتم تسجيلهم في ولاية أخرى، حسبما ترى إدارة الهجرة التركية.

واقعة التغيير السكاني للسوريين في إسطنبول، كان من نتائجها انخفاض وتدهور مكانتهم في الفعاليات الاقتصادية التي أسسوها وأداروها من شركات متعددة الاختصاصات إلى المطاعم والمقاهي ومحلات البقالة وورش الأعمال المهنية في مجالات البناء والخدمات، إضافة لما شاركوا فيها أقرانهم الأتراك، خصوصاً في ورش صناعة الألبسة ووكالات السياحة والشركات العقارية.

لقد اضطر عشرات آلاف السوريين إلى بيع محلاتهم ومحتويات بيوتهم وسياراتهم، بأرخص الأسعار، وخسر أغلبهم ما جناه في السنوات الصعبة، قبل أن يسافروا إلى مناطق إقامة جديدة لبدء حياة جديدة من الصفر في مناطق لا تتوفر فيها بيئة وفرص عمل على نحو ما هو قائم في إسطنبول، ما يعني وضعهم أمام الخوف من مستقبل مجهول مجدداً، وهو حال الباقين في إسطنبول وكل تركيا، حيث لديهم مخاوف من تغييرات في السياسة التركية نحوهم على نحو ما حدث مؤخراً، خصوصاً أن دوريات البوليس ما زالت تدقق في الهويات والمستندات في المنافذ القريبة من الساحات العامة في إسطنبول وعدد من المدن التركية، وبين مهامها تدقيق أوضاع السوريين، ودفعهم في المسارات المحددة، أو ما يمكن إحداثه بصورة مفاجئة من مسارات جديدة.

خطورة قلق السوريين على مستقبلهم في تركيا، لا تنبع فقط مما سبق. بل أيضاً بما يمكن أن تتطور باتجاهه سياسات الحكومة التركية، التي اتسمت بالتردد والارتجال منذ بدء تدفق السوريين إلى تركيا مع العام الأول للثورة، متنقلة من سياسة الباب المفتوح إلى فكرة المهاجرين والأنصار، قبل أن يقيد دخول السوريين، ويصبح صعباً مع بداية 2016، وتبدأ بعد سياسة التضييق، وصولاً للحملة الحالية، التي لا يمكن التنبؤ بما يليها.

غير أن ما سبق سيكون في كفة، وموجة كراهية السوريين في الكفة الأخرى في مخاوف المستقبل. ولأن بدت الموجة نتيجة موقف بعض أطراف المعارضة، بينها «حزب الشعب الجمهوري» الذي فاز ممثله أكرم إمام أوغلو برئاسة بلدية إسطنبول مؤخراً، فإن أوساطاً في حزب «العدالة والتنمية» الحاكم دخلت على خط مناهضة الوجود السوري، ما أعطى الخطاب بعداً شعبوياً وحوله إلى خطاب كراهية مدعوماً بادعاءات كاذبة، منها أن تركيا تعطي السوريين فيها رواتب شهرية، وأنهم ينالون حظوة حماية الحكومة، وقد أخذوا فرص عمل الأتراك، وأنه يتم إرسال الجنود الأتراك لقتال نظام الأسد في سوريا، فيما يبقى السوريون في الأمان التركي، والأهم مما سبق، القول بمزاعم أن السوريين يناهضون العادات والتقاليد التركية، ولا يحترمون القانون التركي، ويخربون حياة الأتراك، وكلها ادعاءات جرى تعميمها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وفي الصحافة، وأدت إلى تغير ملموس في موقف الغالبية التركية، التي طالما رحبت بالسوريين عبر السنوات الماضية.

وسط المشهد التركي الراهن، يبدو الوجود السوري سائراً نحو كارثة، ما لم تتخذ إجراءات سريعة من الفاعلين الأساسين الأتراك والسوريين، وأن تجد هذه الإجراءات دعماً إقليمياً ودولياً يساعدها في استقرار وضع السوريين في تركيا، ولعل أول وأهم الإجراءات المطلوبة، تشكيل عاجل للجنة تركية - سورية مشتركة، تبحث قضية الوجود السوري في تركيا من جوانبها المتعددة، وأن تضع برنامجاً تنفيذياً يحدد الخطوات المطلوبة من الجانبين التركي والسوري، فيقوم الأتراك بما يخصهم على صعيد الحكومة والأحزاب السياسية والمنظمات المدنية والأهلية، فيما يقوم السوريون بما يمثلهم من قوى سياسية ومنظمات مدنية وأهلية بالدور المنوط بهم.

إن وقف خطاب الكراهية هو مهمة أولى مشتركة للجميع من أتراك وسوريين، والمهمة الثانية، توافق تركي - سوري، بأن الوجود السوري في تركيا قضية أمن قومي لا يجوز اللعب فيها من قبل أي كان، خصوصاً في إطار الحسابات السياسية والمصلحية للأحزاب والجماعات أو للأفراد أياً كانوا، واستناداً إلى هاتين المهمتين يمكن صياغة برامج تنفيذية، لعل الأبرز فيها وضع سياسة تركية واضحة حول أوضاع السوريين في تركيا استناداً إلى القانون الدولي الخاص باللاجئين ومحتويات القانون التركي، ووضع برامج تنفيذية لإقامة أوسع عملية تواصل وتفاعل بين الأتراك والسوريين، والخطوة التنفيذية الثالثة تكمن في مراجعة الإجراءات التي تمت ضد السوريين في الفترة الأخيرة، وتقييمها استناداً إلى المهمات التركية - السورية الهادفة إلى معالجة قضية الوجود السوري في تركيا.

===========================


أحلى بشارة؛ أيها الوغد

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 16/9/2019

في تصريح له في الثاني عشر من أيلول 2019، يبشّرنا وزير خارجية روسيا، السيد لافروف، بأن "الحرب في سوريا انتهت"؛ ولكنه يستدرك بسرعة، ويقول:.... باستثناء بعض "البؤر"؛ حافظاً بذلك طريق الرجعة لاستراتيجية عاشت عليها منظومة الاستبداد الأسدية، وتعيّش الروس على ما ولّدته من دم ودمار وتشريد خلال السنوات الماضية.

للجزء الأول من قول لافروف دلائل مفرحة لأولئك الذين ذبحتهم الحرب، ودمرت الغالي في حياتهم؛ فهم أساساّ ما أرادوها، ولا اختاروها أداة أو منهجاً لتحقيق أهداف انتفاضتهم على الاستبداد. ولآخرين، ذلك الجزء من قول لافروف مبهجٌ، ويحمل في طياته إشارة إلى أنهم "انتصروا" على "الشعب الإرهابي"؛ لكنه في الوقت نفسه يرسل /برقية نعوة/ تنبئ بأن ما عاش عليه النظام لسنوات، قد انتهى. باختصار جوهر هذا الجزء من كلام لافروف أمنية للسوريين الذين عانوا من ويلات الحرب؛ ويثبت في الوقت ذاته أن هاجسهم ورغبتهم بحل سلمي لا مكان فيه للعسكرة الذي نجح أخيراً؛ وأن اختيار النظام للمواجهة العسكرية، واستقدامه قوى بطش ودمار واحتلال، هو الذي أثبت فشله. ولكن العبارة "اللافروفية" هذه تنبئ بالنهاية لمنظومة الاستبداد، التي ما أبقاها في السلطة إلا استنفار الحرب وديمومتها.

يشكل استدراك لافروف السريع، وإضافته عبارة "بؤر" إلى الجزء الأول من تصريحه نسفاً لمقولته الأساسية بانتهاء الحرب؛ فهو بذا يطمئن منظومة

أين سيجرّب معلمه بوتين أسلحته الجديدة إذا انتهت الحرب؟! وكيف سيحضر ابتزازياً على الساحة الدولية من خلاله أخذه سوريا رهينة؟!

الاستبداد بأن الأمل باستمرار الحرب لازال موجوداً (فهذه البؤر الإرهابية لا بد من اجتثاثها). وفِي الوقت ذاته يقول لأهل سوريا بأن عذاباتهم لم تنتهِ بعد. وربما أكثر من أي جهة أخرى يدرك لافروف أن تلك البؤر التي يتحدث عنها كانت وبالاً على أهل سوريا ونعمة على منظومة الاستبداد والروس حيث قدمت لهم الذريعة المطلوبة؛ ولو انتهت لكانوا في ورطة حقيقية.

عبارة لافروف بأن الحرب في سوريا وضعت أوزارها، لا تصيب فقط نظام الاستبداد، والذين يعانون من ويلات حربه عليهم، بل يصيب روسيا الداعم الأساس لبقاء النظام: فأين سيجرّب معلمه بوتين أسلحته الجديدة إذا انتهت الحرب؟! وكيف سيحضر ابتزازياً على الساحة الدولية من خلاله أخذه سوريا رهينة؟! وكيف يحل ملفاته العالقة دولياً، دون استمرار استعراض القوة على الأرض السورية، حيث هو صاحب الكلمة الفصل هناك؟! وكيف يستطيع أن يضع يديه على المليارات السورية التي سرقها وراكمها نظام الاستبداد لعقود؟! وكيف يغطّي على الخراب الاقتصادي والتهتك الاجتماعي، الذي يضرب روسيا في قلبها؟! من هنا أتى الاستدراك السريع للعبارة، بأنه لا يزال هناك "بؤر" لا بد من استئصالها.

حتى يدعّم عبارته الاستدراكية أكثر، وكدبلوماسي "فاخر"، كان لا بد للسيد لافروف من أن يأتي على ذكر ما ينتظره العالم المراقب والسوريون من الروس؛ وتحديداً / العملية السياسية/، حيث فيها أولاً "الجنى" السياسي الذي لا بد أن تنتهي إليه أي مغامرة دموية. ولكنه للأسف أخرجها لغوياً بأدوات لا شبيه لها إلا أدوات الحرب. فاللعبة الوحيدة المتوفرة بالساحة الآن- والتي لم يبقَ من القرارات الدولية، بخصوص سوريا إلا هي بعد إجهاض روسيا لتلك القرارات في أستانا وسوتشي- هي "" اللجنة الدستورية"". ومعروف أن روسيا تفهتها إلى درجة تتطابق وتتماهى مع ما يريده نظام الاستبداد المريض. قال لافروف إنه لابد من إعلان هذه اللجنة التي " تهدف إلى تطوير الإصلاح الدستوري". هكذا بالحرف. إذن اللجنة بالنسبة للسيد لافروف ليست من أجل إنجاز دستور جديد لسوريا، وليست بوابة لتطبيق مواد أخرى في القرار الدولي 2254 (رغم أنه يأتي على ذكر القرار إياه)، بل "لتطوير الإصلاح الدستوري"؛ وكان "الإصلاح الدستوري" على قدم وساق؛ وكأن هناك دستوراً، ويحتاج فقط لبعض الإصلاح؛ ومهمة هذه اللجنة فقط المساهمة بتطوير ذلك الإصلاح. وبالتأكيد لا يفوت السيد لافروف بأن يشيد ب "المعارضة السلمية" التي طالما سعى إلى نسف مصداقيتها، والحط من قيمتها؛ فهو تماما كمنظومة الاستبداد، وكمعلمه؛ لا يرون في أي شخص يعارض منظومة الاستبداد الأسدية إلا عدواً، وإرهابياً أيضاً. لم يكن ذلك الخطاب من لافروف نابعاً عن سخف أو سذاجة، بل عن خبث وحقارة أيضاً.

كم يميل السوريون ويتمنون أن يكون لافروف صادقاً بإعلانه عن نهاية الحرب. نهايتها بداية تريح السوريين

لافروف سياسي محنك بخبرة دبلوماسية عمرها عقود؛ استهلكت بضع عبارات منه ساعة من وقتنا كي نفندها ونوضح مضامينها وخفاياها؛ ولكنه يبقى جزءاً من عصابة مافيوية يقودها معلمه

من براميل النظام وصواريخ روسيا وطائراتها وداعش وماعش والنصرة؛ إنها تريحهم مما لا يقل أهمية عن ذلك والمتمثل بخلاصهم من وصمة الإرهاب التي صبغهم بها نظام الاستبداد ولافروف ذاته بسبب تلك الأدوات الوسخة والمسمومة التي ابتليوا بها، والتي شكلت الذريعة لذبحهم ودمار بلدهم.

لافروف سياسي محنك بخبرة دبلوماسية عمرها عقود؛ استهلكت بضع عبارات منه ساعة من وقتنا كي نفندها ونوضح مضامينها وخفاياها؛ ولكنه يبقى جزءاً من عصابة مافيوية يقودها معلمه. وإذا كان معلمه يقتل ويدمر بطائراته وجشعه، فهو يحاول القتل بخيط الخبث والفهلوية. لقد آن الأوان لهذا العالم أن يتخلص من هذه الظواهر المرضية. إن هؤلاء آفة على شعوبهم قبل أن يكونوا أدوات قتل في سوريا وغيرها. هذه الروسيا التي يحكمون لن يكون مصيرها مختلفاً عن مصير الاتحاد السوفييتي أو ما سبقه من إمبراطوريات اندثرت بفعل العفن الداخلي. أما سوريا فمصيرها النجاة من براثنهم.

===========================


أميركا لن تسمح بتقسيم سوريا

مرح البقاعي

العرب اللندنية

الاحد 15/9/2019

دخلت الولايات المتحدة معترك الأحداث في سوريا على رأس تحالف دولي للقضاء على المجموعات الإرهابية وعلى رأسها داعش والقاعدة بنسختها السورية، وكذلك الفصائل المتطرفة من المقاتلين الغرباء. وانضوى هؤلاء تحت لواء الجماعات التكفيرية التي تكاثرت كالفطور السامة في البلاد مدّعية حماية الإسلام وإقامة دولته على أرض الشام، والدين والشام منهم براء.

إلا أنه، وعلى الرغم أن الهدف المتقدّم لواشنطن في سوريا كان حرب داعش ولاسيما شرق الفرات حيث تحالفت على الأرض مع مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية في هذه المهمّة، فقد كان للإدارة الأميركية هدفين آخرين بحيث يشكّل الأهداف الثلاثة مجتمعة ركيزة الأعمال الميدانية والجهود السياسية للدبلوماسية الأميركية في سوريا. الهدفان الأولان هما تحقيق الانتقال السياسي ضمن مظلة القرارات الأممية 2254 و 2118 وبيان جنيف 1، والهدف الثالث هو طرد القوات الإيرانية ووكلائها من الميليشيات التي ترعاها وتسمّنها طهران من الأراضي السورية كافة.

في شقّ مكافحة الإرهاب كان للتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة وحلفاؤها اليد الطولى والفاعلة في دحر المجموعات الظلامية من آخر معقل لها في بلدة الباغوز شرقي الفرات. وحين احتاجت واشنطن إلى ضرب القاعدة في مناطق أخرى قامت في صباح يوم السبت 30 أغسطس 2019 بقصف اجتماع لإرهابيي القاعدة في إدلب وقتلت أربعين قياديا منهم.

المثير في الأمر أن الهدف الأميركي هذه المرة كان غرب الفرات في المناطق التي أصبحت قوات مشاة النظام السوري والطيران الروسي على حدودها البرية والجوية، بل وقضمت بلدة خان شيخون الاسترتيجية مؤخّرا منها. إلا أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي كان ينوي سحب قواته ومستشاريه من سوريا إثر القضاء شبه الكامل على داعش، كان قد عدل عن قراره وقام بالتمديد لهذه القوات من أجل حماية المنطقة من إمكانية عودة تنظيم داعش بواسطة خلاياه النائمة، وأيضا للهدف الأكثر إلحاحا وهو طرد الميليشيا الإيرانية من قواعدها، والدفع بعملية الانتقال السياسي بغطاء أممي؛ في حين تعهدت الولايات المتحدة بألا تتم المباشرة بإعادة إعمار سوريا حتى تحقيق الهدفين الأخيرين.

أما في موضوع الانتقال السياسي، فالولايات المتحدة كانت قد حدّدت خياراتها في ضرورة تنفيذ القرارات الأممية كاملة، وكذلك ربطت الشروع بإعادة الإعمار بخروج آخر مسلّح من الميليشيات الإيرانية الطائفية، وهو شرط أميركي لا رجعة فيه.

وقد صرّح مستشار الأمن القومي المستقيل، جون بولتون، وهو من أعتى الصقور المناهضين لسياسات إيران ذات الأطماع التوسعية على حساب استقرار منطقة الشرق الأوسط وأمن دولها، قائلا “لن نخرج من سوريا قبل خروج آخر مقاتل إيراني من هناك”.

وفي مصادفة تاريخية، وجدت الولايات المتحدة نفسها تجلس في مثلّث قد يكون الأرض الأكثر إستراتيجية التي تواجدت فيها بمنطقة الشرق الأوسط في العقد الأخير وهي شرق الفرات السوري. فمن خلال وجودها الميداني هناك، إلى جانب موقع التنف على الحدود السورية الأردنية، استطاعت واشنطن أن تدحر أعتى تنظيم إرهابي في المنطقة والعالم كان قد تشكّل بداية في العراق ليمتد إلى سوريا مستغلا حالة الفراغ والفوضى التي أنتجتها سنوات من الحرب بين النظام السوري والمعارضة السورية بجناحها العسكري.

هذا ناهيك أن لواشنطن في شرق الفرات شركاء أكراد قاتلوا معها لتطهير الأرض من جحيم داعش، أما على يمينها فحليف عتيد هو إقليم كردستان العراق. وبينما تطمع إيران بالسيطرة على الطريق الواصل بين إيران وسواحل المتوسط في لبنان مرورا بالعراق وسوريا، ها هي الولايات المتحدة تقف لها بالمرصاد قاطعة عليها الطريق البري الواصل بين العاصمتين الإيرانية واللبنانية، لتشكّل ضمانة راسخة بعدم تنفيذ ذاك الهاجس الإيراني القديم والمتجدّد لربط طهران بشاطئ المتوسط.

هناك ثلاث قوى أخرى لاعبة على الساحة السورية لها طموح في شرق الفرات أيضا وهي تركيا وروسيا والنظام السوري من خلفهما.

تركيا التي تجد في حلفاء الولايات المتحدة من قوات سوريا الديمقراطية الكردية تهديدا وجوديا على حدودها الجنوبية، فقد تبدّدت خططها باجتياح المنطقة من خلال تحجيمها إلى مجرد “ممر للسلام” على الحدود التركية السورية يمتدّ بين مدينتي رأس العين/سري كانيه وتل أبيض/ كوباني بتعاون أميركي ومشاركة في الدوريات التركية، ما أدى إلى تهدئة مخاوف أنقرة من هاجس الجوار الكردي المسلّح.

أما روسيا، ومن خلفها النظام في دمشق، فهي تريد مغادرة سريعة للقوات الأميركية وقواعدها العسكرية التي استقرت في غير منطقة على امتداد مثلث شرق الفرات. فموسكو التي تتنافس مع واشنطن في المنطقة، تجد نفسها المعنية الوحيدة في بسط نفوذها على سوريا إثر تدخلها العسكري والسياسي والدبلوماسي لإنعاش النظام السوري الذي كان آيلا للسقوط، ولتتمكن من جني فوائد الاستثمار السخي، ماليا ولوجستيا.

وأخيرا، للولايات المتحدة حلفاء عرب أقوياء، وقادرين، في العاصمتين الرياض وأبوظبي، سيضعون حجر الزاوية في ورشة إعادة الإعمار التي تكاد تكون الأعظم في العالم بعد الحرب العالمية الثانية موازاة بحجم التدمير،وذلك حال الانتقال إلى دولة سوريا الجديدة التي يسوسها القانون وتحكمها النظم السياسية الديمقراطية في ظل المدنية والتعددية والعدالة الشعبية.

الولايات المتحدة تريد العودة بالسرعة الممكنة إلى طاولة جنيف الأممية بعيدا عن الأحلاف والمؤتمرات التي أسست لها روسيا في محاولة للنأي بالملف السوري عن مكانه المفترض، وعلى رأس تلك المؤتمرات كان مؤتمر آستانا الذي بلغ نسخته الـ 1 مؤخرا، والذي لم تحضر الولايات المتحدة أية جولة منه إلا بصفة مراقب حين تدعو الحاجة.

وليس صحيحا البتة ما يثيره معسكر روسيا وإيران أن واشنطن تريد تقسيم سوريا، ولو كانت تريد السير في مسار التقسيم في المنطقة لكانت بدأت بالعراق – على سبيل المثال – حيث كان موقفها السلبي من الاستفتاء على استقلال إقليم كردستان العراق الدور الأكثر تأثيرا في إحالة انفصال الإقليم إلى مجرّد شوفينيات غير قابلة للتحقّق.

فصل المقال يكمن فيما سمعته من السفير روبرت فورد في 15يوليو 2012 حين التقيته ووفد سوري مصغّر في مكتبه بوزارة الخارجية الأميركية وكان في حينها المبعوث الأميركي للملف السوري، قال لنا في نهاية الاجتماع بتشديد على كلماته “أميركا لا تريد تقسيم سوريا ولن تسمح بذلك”، وأردف”إلا أن الأمر سيطول على السوريين للأسف الشديد”!

===========================

موقفنا : المادة الثانية من مرسوم العفو الرئاسي !!؟ .. عنوان الإنسانية والرحمة

زهير سالم

مركز الشرق العربي

16/ 9/ 2019

مهما كنا موقنين من عبثية المراسيم والقوانين التي تصدر عن زمرة السلطة التي يبتلى بها وطننا وشعبنا ، فإننا لا يجوز أن نتوقف عن فضح الزيف ، وكشف الألاعيب ، وإيصال الحقائق إلى شرائح كبرى من المواطنين ، عارية من كل بهرج وزخرف حتى تتضح الحقائق أمام أعين القريب والبعيد ..

عنوان مثل " عفو عام " جدير بأن يغر ويخدع الكثيرين ..ولذا فلا زال المأمول من رجال القانون في سياق الثورة السورية أن يترجموا للناس مدلولات اللغة القانونية ، ومعانيها ، ليعلم الجميع أنه لم يستفد من هذا المرسوم - ربما - غير الجنائيين من اللصوص والمرتشين وتجار المخدرات والمهربين ..

سنقف في هذه العجالة فقط مع المادة الثانية من المرسوم التشريعي ، المادة التي تمنح العفو في ظاهرها ، للمصابين بمرض عضال لا أمل في الشفاء منه . وأضع القراءة المستوفية أمام أعين جميع المواطنين ، بمن فيهم المدافعين عن سياسات بشار الأسد من الشبيحة ومن المخدوعين .. وأنا لن أمل من خطاب كل السوريين .

نصت المادة الثانية من المرسوم :

المادة الثانية

عن كامل العقوبة المؤقتة أو المؤبدة السالبة للحرية للمحكوم عليه المصاب بمرض عضال غير قابل للشفاء بشرطين ...

الأول : أن يكون الحكم مبرما ..

الثاني :أن يكون المحكوم عليه قد بلغ الخامسة والسبعين من العمر بتاريخ نفوذ هذا المرسوم التشريعي .

انتهى نص المادة ..

نحن هنا أمام حالة إنسانية محضة - مثل حالة ، أسماء الأخرس، مثلا وهي تواجه مرض السرطان - بل أمام حالة مرض السرطان فيها قد تطور أكثر حتى أصبح يوصف حسب تقارير الأطباء - أنه غير قابل للشفاء -

فلننظر كيف تعامل " الرئيس الرحيم ذي القلب الكبير" مع حالة إنسان مريض مرضا عضالا لا أمل في الشفاء منه . ومن باب أولى لا قدرة لإدارات السجون والمعتقلات على متابعة علاجه ..

 المادة الثانية التي نحن بصددها منحت المريض المذكور العفو العام ، وستقول هذا جيد وجميل !! ولكنها واشترطت لكي يستفيد الإنسان من هذا العفو لذلك شرطين صغيرين جدا وهذا ربما لن يتوقف عنده الكثيرون !!

الشرط الأول أن يكون قد صدر بحق المريض بالمرض الذي لا برء منه حكم قطعي مبرم . سيفسر أهل القرار معنى حكم مبرم . إلا أننا سندرك أن هذا القرار لا يستفيد منه من لم يصدر بحقه حكم أصلا ، أو من صدر بحقه حكم غير مبرم ، ومن حقه أن يعترض عليه بأي طرائق الاعتراض .

سنفهم من هذا الشرط الصغير أن جميع المعتقلين - وأكثر من في سجون الأسد هم معتقلون - لن يستفيدوا بأي حال من الأحوال من هذا القانون لأنهم لم يصدر بحقهم حكم أصلا ، ولم يقدموا إلى محاكم أصلا . فهذا العفو الإنساني هو خاص فقط بالذين صدرت بحقهم أحكام بل أحكام مبرمة : استنفدت كل عمليات التقاضي الشكلية من استئناف وتمييز .إذا كان ما يزال في تراتبية القضاء السوري كما درسناها يوما استئناف وتمييز .

ثم ننتقل إلى الشرط الثاني وهو الشرط الأصغر المعبر عن رحمة - السيد رئيس الجمهورية - فهذا الإنسان " السجين " المصاب بمرض عضال ، تشهد التقارير الطبية أنه لا أمل في شفائه ، والذي صدر بحقه حكم مبرم لن يستفيد من العفو إذا كان عمره أقل من خمسة وسبعين عاما ..ولو أربعة وسبعين أو ثلاثة وسبعين ..

نفهم من هذا أن صاحب المرسوم التشريعي أراد أن يسجل فيه مادة لغوية عبثية في مرسوم عفو لا يستفيد منها إلا من يريد صاحب المرسوم أن يتخفف من أعباء دفنه أو تسليم جثته .

تذكرون وأذكر عندما أفرج حافظ الأسد عن رئيس الجمهورية العربية السورية البعثي نور الدين الأتاسي من زنزانته إلى القبر .. خلال بضعة شهور ..

ربما تكون المادة الثانية من هذا المرسوم هي أكثر المواد شفقة ورحمة وإنسانية في قلب " الرئيس الكبير " لعلكم تعلمون ..

____________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

اللاجئون السوريون.. مستقبل مجهول

أحمد سلوم (سورية)

العربي الجديد

السبت 14/9/2019

تمر الأيام يوما بعد يوم، لتجمع بمرورها الشهور والسنين التي تزداد بها مأساة السوريين أمام مرأى العالم أجمع، وذلك من دون أي تحرك ملحوظ أو أي تنفيذ لقوانين إنسانية هم من وضعوها وصاغوها لحماية الإنسان، إلا أن ذلك القانون لا يعتبر "إنسانهم" مثل السوري الذي فقد الغالي والرخيص مقابل حريته التي لم يصل إليها من جرّاء التآمر عليه.

الحرب التي دمرت سورية وقضت على أحلام شبانها لم ترحم اللاجئ في بلدان لجوئه، بل على العكس تماما، الكل استغل قضيته وأزمته لصالحه، ففي أوروبا استغلت الأحزاب اليمينية المتطرّفة أزمة اللاجئين لكسب مزيد من أصوات الناخبين ليصلوا إلى مركز اتخاذ القرار. وفي الدول المجاورة لسورية أيضا، لم ينعم اللاجئ السوري بالأمان، فدائما هو مطالب بالكثير لتحدي العراقيل التي تضعها أمامه حكومات تلك البلدان.

ولا ننسى أبدا أن هيئة تحرير الشام وحكومة الإنقاذ موجودتان في محافظة إدلب المحرّرة من طغيان نظام الأسد، لم ينعم قاطنوها بالراحة والاطمئنان، فإلى جانب تعرّضهم للقصف بالصواريخ وأنواع مختلفة من الأسلحة، تفرض عليهم تلك الفصائل قوانين جائرة تمنعهم من حق التعبير عن أنفسهم، وهم الذين بذلوا الغالي والرخيص مقابل حريتهم. فمثلا، إنّ فرع الأمنية المتمثل بالداعيات والدعاة التابعين للهيئة، يتدخلون في كل تفاصيل الحياة، يدخلون حرم الجامعة والمعاهد ليراقبوا لباس الإناث وحركاتهم التي يعتبرونها مخلة بالآداب! بالإضافة إلى ابتزاز الناس أيضا، كالتدخل في الأفراح والمؤتمرات، إذ يجب على كل من يقيم فرحا أو مؤتمرا، أن يأخذ إذنا خطيا من الأمنية، ويدفع مبلغا ماليا يقدر بخمسين ألف ليرة سورية، وحين تظاهر عليهم المدنيون اعتبرتهم الهيئة مرتدين ووصفهم الصحافي، أحمد زيدان، بالضفادع والمتآمرين.

وفي بلاد الأحلام أوروبا أيضا، لم يُنصَف السوري الذي شرّدته قنابل الحرب وأشلاء الجثث لبلادهم، بل بدأت الأحزاب السياسية بالترويج لطرد اللاجئين السوريين ليصلوا إلى البرلمان، وبات السوريون ورقة لعب بأيديهم يرمونها كيفما شاؤوا من خلال قوانين يسنّونها وفق مصلحتهم فقط.

لا ننكر أبدا، أنهم في البداية استقبلوا آلافا من السوريين الذين وصلوا إلى أوروبا ومنحوهم حق الإقامة الدائمة، ومنهم من بدأ بالحصول على الجنسية أيضا كما يحدث في السويد مثلا. ولكن لم يدركوا أن غالبية هؤلاء الذين لجؤوا في البداية هم من السوريين الذين لم يعايشوا الحرب، وإنما قدموا من بلدان الخليج، وآخرين من مؤيدي النظام، والدليل على ذلك أن رحلة اللجوء في البداية كانت مكلفة وباهظة الثمن، ولا يستطيع أي سوري تحمّل أعبائها. أما حينما فتحت الحدود، وأصبحت رحلة الموت (اللجوء) رخيصة الثمن، تمكن الكثير ممن عاشوا الحرب والذين دمرت منازلهم وصودرت ممتلكاتهم، من الفرار إلى أوروبا، إلا أن حظهم كان متعثرا بقوانين جائرة لم ترحمهم ولم تكن مأساتهم عونا لهم، لتستمر حالة الخوف والقلق في قلب كل سوري جاء إلى أوروبا في ظل القوانين المعدلة حالماً بحياة ومستقبل جديد.

ليست ظاهرة اللاجئين التي تعتبرها البلدان أزمة لهم وليدة التاريخ الحديث، وإنما يمكن الحديث عن أول مليون لاجئ في تاريخ البشرية على إثر حروب الدين التي شهدتها أوروبا في القرن السادس عشر، والتي بدأت عملياً مع طرد الملوك الكاثوليك يهود إسبانيا في 1492، وبلغت أوجها مع اضطهادات البروتستانتيين، على إثر إلغاء مرسوم نانت الذي كان يبيح حرية المعتقد الديني.

وفي السنة التاسعة للثورة، لا بد أن ندرك ونعيد إلى أذهاننا أن سورية كانت إلى وقت قريب تعرف بأنها ثاني أكبر مضيف للاجئين بعد باكستان، وأن الشعب السوري احتضن اللاجئين من بلدان مختلفة في المنطقة وغيرها، وفتحوا بيوتهم ومدارسهم ومستشفياتهم للجميع من دون شروط أو قوانين تعرقل حياتهم، أو أن تشعرهم بأنهم غرباء.

===========================

يتظاهرون بمعاداة إيران ثم يدعمون الأسد عميلها العربي الأول

 د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 14/9/2019

عندما تدخّل السعوديون والإماراتيون في اليمن رفعوا شعار التصدي للخطر الإيراني، واتخذوا من الحوثيين هدفاً لحملتهم على اعتبار أنهم أدوات وعملاء إيران في اليمن. وقلما يمر يوم إلاّ ويطل علينا الإعلام السعودي والإماراتي بحملات منظمة ضد إيران وخطرها الداهم في الخليج وعموم الشرق الأوسط. لكن عندما ننظر إلى السياسات والتصرفات السعودية والإماراتية على أرض الواقع نجد أنّ أكثر من يخدم السياسات والمشروع الإيراني في المنطقة هم السعوديون والإماراتيون على وجه الخصوص، ولولا السعودية – تحديداً – لربما فشلت إيران في تحقيق الكثير من أهدافها في العالم العربي.

لقد دفع السعوديون والإماراتيون المليارات وسهّلوا الغزو الأمريكي للعراق ودعموه بالغالي والنفيس ليسقط العراق العربي في نهاية المطاف في الحضن الإيراني كالثمرة الناضجة. وبدل أن يدعموا الجماعات الإسلامية السنية في العراق في السنوات الأخيرة، دعموا الحملات الأمريكية والإيرانية والميليشيات الشيعية ضد الجماعات السنية عسكرياً ومالياً، بحيث بات العراق في الجيب الإيراني، ولم يكتفوا بهذا بل دعموا الحشد الشعبي الطائفي وميليشيات قاسم سليماني في تدمير مدن السنة في العراقي بذريعة حرب الإرهاب، وقد رأينا كيف تقاطر قادة الأحزاب الشيعية على السعودية بعد ذلك، في حين قادة السنة في العراق لا مكان لهم البتة، وحين تسأل كيف هذا التناقض؟ ترد أبواقهم: إنّها سياسة حكيمة بغية سحب قادة الأحزاب الشيعية من الحضن الإيراني! وأبسط مطلع على حقيقة السياسة الإيرانية في العراق، يدرك أن هؤلاء أذرعها الحقيقية في العراق، وهم من تولّوا قتل وتهجير السنة.

وفي لبنان وبعد أن أصبح حزب الله وكيل إيران الأول هناك الحاكم بأمره، لم تتردد السعودية بتقديم معونة مالية للجيش اللبناني بقيمة أربعة مليارات دولار، علماً أن القائد العسكري الحقيقي للبنان هو حسن نصر الله بالدرجة الأولى! من سلّم سوريا للإيرانيين يا ترى؟ أليس النظام السعودي الذي كان يمسك بالملف السوري منذ سنوات؟ من الذي سلم المناطق للروس والإيرانيين وباع فصائل وقوى المعارضة السورية بقشرة بصل؟ أليس الكفيل السعودي الذي استلم الملف السوري لدعم الثورة؟ هل دعمها أم دمّرها وأنقذ النظام وساعد بطريقة أو بأخرى الإيرانيين على ابتلاع سوريا واحتلالها عسكرياً وسياسياً واقتصاديا؟ أليس السعوديون؟ قبل أن تستلم السعودية الملف السوري كان الثوار على مسافة ضربة حجر من القصر الجمهوري، وبعد سنوات استعاد النظام وحلفاؤه الإيرانيون كل المناطق؟ كما سلموا لبنان والعراق لإيران، ها هم وقد سلموا سوريا، ولا ننسى أنهم قد يسلّمون أيضاً اليمن لإيران بعد أن صنعوا من الحوثى أداة إيران قوةً عسكرية جبارة صارت نداً لما يسمونه السعودية العظمى.

لقد دفع السعوديون والإماراتيون المليارات وسهّلوا الغزو الأمريكي للعراق ودعموه بالغالي والنفيس ليسقط العراق العربي في نهاية المطاف في الحضن الإيراني كالثمرة الناضجة

من هو أول من فتح باب عودة السفارات إلى دمشق؟ أليست الإمارات التي ترفع شعار التصدي للنفوذ الإيراني في المنطقة؟ كيف تزعمون معاداة إيران ثم تعملون على إعادة تأهيل عميلها الأول في المنطقة نظام الأسد؟ ألن تكون السفارة الإماراتية في دمشق تحت حماية الميليشيات الإيرانية التي ترعب دمشق وغيرها من المدن السورية؟ من الذي شارك فيما يسمى معرض دمشق الدولي غير النظام الإماراتي، بينما قاطعته معظم دول العالم وهددت أمريكا بمعاقبة أي جهة تشارك في معرض الأسد؟ كيف يستقيم تأهيل النظام السوري سياسياً واقتصادياً بينما هو مخلب قط في أيدي إيران التي تتخوفون من خطرها وابتلاعها للخليج خصوصاً والمنطقة عموماً؟ من الذي تدخّل بضخ ملايين الدولارات قبل أيام في الخزينة السورية لإنقاذ ليرة الأسد المنهارة؟ أليس بعض الدول الخليجية الثرية؟ لماذا تدعمون العقوبات الأمريكية على إيران بينما تقدمون الغالي والنفيس لعميلها في دمشق؟ ما هذه الاستراتيجية العظيمة؟ لا أعتقد أنكم أغبياء مطلقاً بقدر ما أنتم أكبر داعمي التغلغل الإيراني في الشرق الأوسط وتسليم العواصم العربية لها الواحدة تلو الأخرى بقصد أو من دون قصد؟ أليس من المفترض منطقياً محاربة إيران بإضعاف أذرعها في سوريا والعراق واليمن ولبنان؟ فلماذا تفعلون العكس؟ قد يدعي بعض السخفاء أنّ دعم النظام السوري خليجياً يهدف إلى إبعاده عن إيران. عذر أقبح من ذنب. ألا تعلمون أن بشار الأسد ومن قبله أبوه كان مستعداً دائماً أن يبيع كل العرب مقابل تعزيز تحالفه مع طهران؟ ألا تعلمون أم المجاملات السورية لدول الخليج على مدى العقود الماضية كانت تهدف حصراً لشفط مساعدات مالية من الخليجيين لا أكثر ولا أقل، بينما التحالف السوري الحقيقي مع ملالي إيران أعداء العرب والخليجيين؟ لقد سمعناها مرات ومرات من كبار الشخصيات في القيادة السورية وهم يشتمون الخليجيين ويحتقرونهم في جلساتهم الخاصة ويعدّونهم مجرد أبقار حلوبة؟

هل تعتقدون بربكم أنّ النظام السوري يمكن أن يميل إليكم ويترك الإيرانيين الذين حموه من السقوط خلال السنوات الثمان الماضية؟ لاحظوا أنّ ما يسمى البحرين التي صدعت رؤوسنا وهي تشتكي من الخطر الإيراني هي أكبر الداعمين لتابع إيران في الشام؟

هل يمكن أن تفسروها لنا؟ هل هذه سياسة أم تياسة أم نجاسة؟

===========================

إدلب.. بوابة الحل

د. رياض نعسان أغا

الاتحاد

السبت 14/9/2019

يصر النظام السوري على متابعة الحل العسكري لاستعادة إدلب وأرياف حماه وحلب واللاذقية، ويدرك العالم كله أن هذا الحل يعني تعرض نحو أربعة ملايين إنسان للخطر، ما يستدعي حدوث موجات جديدة من اللاجئين، الذين لن يجدوا طريقاً للنجاة غير الزحف على تركيا ومنها إلى أوروبا. وإلى اليوم لم ينجح مشروع تركيا بإقامة منطقة آمنة لاحتواء اللاجئين الذين تصاعد عددهم داخل الأراضي التركية إلى أربعة ملايين، مما جعلها تغلق حدودها أمام القادمين الجدد، وهم من نزحوا من مناطق المعارك الأخيرة في ريف إدلب وحماه، في الشهور الأخيرة، ولجؤوا إلى حقول الزيتون، منتشرين في البراري دون أية مقومات للعيش، وأمامهم شتاء يقترب بأمطاره وعواصفه، حيث سيكون الوحل والبرد والصقيع ملاذهم من القصف والدمار، وليس لديهم منفذ نجاة، فهم محاصرون من كل الجهات. لقد عبروا عن رفضهم للتنظيمات المتطرفة التي تحكم مناطقهم، وهم يدركون أنها هي التي أفشلت ثورتهم حين خرجت عن أهدافها، وجعلت العالم كله يرفض دعواتها لإقامة «إمارات» دينية متشددة لا يقبلها المسلمون أنفسهم. فكيف سيقبلها العالم ونموذجها الأقرب هو تنظيم «داعش» الذي شوّه صورة الإسلام في أعين البشرية وبات صورة للتوحش، وهم يدركون أن هذه التنظيمات وجدت بدعم دولي خفي للتشويش على الثورة السورية وتقديمها حركة إرهابية، وقد قامت هذه التنظيمات بمحاربة «الجيش الحر»، واتهمت المطالبين بالحرية والديموقراطية بالردة، وعلى الجبهة الأخرى تحاصرهم جيوش النظام وروسيا وإيران و«حزب الله» وكل الميليشيات الطائفية.

وملايين السوريين يخشون دخول هذه القوى التي ستقوم بالانتقام ممن خرجوا عليها، وأمامهم تجارب ما حدث في الغوطة، وأخيراً في حوران حيث لم يقم الروس بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه في المصالحات.

والواضح أن الروس يبحثون عمن يلعب دور المصالحات على طريقتهم في حوران، ولكنهم لايجدون من يثق بنوايا النظام، وبالخطط الروسية، ويبدو موقف الأتراك مربكاً، فهم غير قادرين على حماية ملايين السوريين إذا حدث الهجوم، لأن ذلك يعني تحول المعركة إلى حرب عالمية، ومن غير المعقول أن تدخل تركيا حرباً ضد روسيا وإيران، وهما الحليفان لها، وليس أمامها سوى القبول بتدفق ملايين من اللاجئين الجدد بدوافع إنسانية، وأن تسمح لهم بالعبور إلى أوروبا.

والمفارقة الصعبة أن الولايات المتحدة حاضرة غائبة، تعلن في التصريحات أنها تصر على أن يكون الحل في جنيف، وبتنفيذ كامل للقرار الدولي 2254، ولكنها متمسكة كذلك بما اتفق عليه الرئيسان ترامب وبوتين بأن الحل هو تكوين لجنة دستورية ودعوة إلى انتخابات، وقد مر أكثر من عام ونصف، ولم تولد اللجنة الدستورية بعد، والأخطر أن هيئة التفاوض التي شكلت قبل نحو عامين لم تدع إلى جولة مفاوضات جادة، وإنما شغلت بقصة اللجنة الدستورية التي تعثرت بوهم (الأسماء الستة)، التي صارت ملهاة سياسية لإعطاء النظام فرصة الحسم في إدلب، ولا يوجد وضوح في الموقف السياسي الدولي، حيث يفترض أن تكون قضية إدلب بوابة الحل، وأن يحسم الأمر في استئناف التفاوض أو بدئه في جنيف، ويكون القرار بتراتبية مواده موضع تنفيذ فوري تنصاع له بالقوة الدولية كل أطراف الصراع، وهذا ما قد يجعل ملايين اللاجئين يفكرون بالعودة من المخيمات إلى بيوتهم المهدمة ليبدؤوا الترميم أو البناء، وريثما يتم تشكيل هيئة حكم انتقالي على مستوى الوطن كله، يمكن تشكيل إدارة محلية مدنية في مناطق إدلب وأرياف حماه وحلب واللاذقية، وأن تضمن الأمم المتحدة الحالة الأمنية مؤقتاً، ريثما يتم تشكيل مجلس عسكري.

العالم الذي يحذر يومياً من خطر وقوع كارثة إنسانية كبرى في إدلب مطالب بتقديم حلول فورية قبل أن يصل الشتاء القادم، حيث ستضاف إلى مأساة ملايين المشردين مخاطر البرد والأمطار والوحول والعواصف، ودون وجود أي شكل من الإغاثة حالياً.

===========================

الصدام التركي – الأميركي في سوريا

رضوان زيادة

سوريا تي في

الاربعاء 11/9/2019

أكدت باشليه المفوضية السامية لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة أن أكثر من 1000 قد قتلوا في مدينة إدلب من جراء القصف الأخير الذي قام به الطيران الروسي وطيران الأسد، مستغربة تجاهل المجتمع الدولي الكلي لما يجري في سوريا، ومعلنة أن الكثير مما جرى يرقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية تجب المحاسبة عليها.

للأسف، كلمات باشليه هذه لم تجد لها أذنا لا في المجتمع الدولي ولا في مجلس الأمن الذي فشل في إقرار قرار لمجلس الأمن يطالب بوقف إطلاق النار في سوريا، وألا تتخذ مكافحة الإرهاب كذريعة من أجل تشريد الملايين من المدنيين وقتل العشرات منهم، وتدمير مدن بأكملها وتهجير سكانها.

لقد قرر الرئيس الروسي بوتين تكرار ما جرى في حلب وبعدها في الغوطة الشرقية مجدداً في إدلب، مع إدراكه تماما أن لا عواقب أو محاسبة دولية لما جرى هناك، فما الذي يمنعه من تكرار السيناريو ذاته في إدلب اليوم، مع إدراك أن لا شمال سورياً هناك يذهب إليه مئات الألوف من المدنيين، فليس لهم هناك سوى تركيا الذي تتعرض لضغوط شعبية سورية قوية جدا للسماح للنازحين السوريين بالدخول إلى أراضيها لتجنيبهم مصير الموت المحتم بسبب القصف العشوائي بطيران الأسد كما تبرهن العمليات العسكرية الأخيرة في خان شيخون وغيرها.

واضح بعد ساعات مطولة بين الطرفين التركي والأميركي ومحاولة التغطية على اختلاف وجهات النظر بعد الإعلان عن تسيير دورية أميركية – تركية مشتركة على الحدود السورية – التركية في المنطقة التي تقول تركيا إنها "منطقة آمنة"، واضح أنها تبددت كلها مع ظهور الفجوة الواسعة بين الطرفين بعد تصريحات الرئيس التركي أردوغان أن "الولايات المتحدة تريد إنشاء منطقة آمنة للإرهابيين" وهو يقصد بذلك الفهم المختلف للمنطقة الآمنة بين الطرفين، فالولايات المتحدة تطلق عليها "منطقة أمنية" وهي تريد بها بشكل رئيسي حماية المقاتلين الكرد الذي ساعدوا الولايات المتحدة في حربها ضد داعش في سوريا، أما تركيا فإنها تطلق عليها "منطقة آمنة" وهي تهدف

لا أعتقد أن المفاوضات الجارية بين تركيا والولايات المتحدة ستقود إلى حل بين الطرفين لا سيما أن الفجوة بينهما تبدو مستحيلة الردم

لمنع نفس الأكراد الذي تريد الولايات المتحدة حمايتهم من التمركز في هذه المنطقة ومن ثم كمرحلة تالية تحضيرها من أجل ترحيل عدد كبير من اللاجئين السوريين في تركيا، ربما ما يقارب مليون لاجئ إلى هذه المنطقة بهدف تخفيف عبء ضغط اللاجئين السوريين على تركيا خاصة بعد أن أصبح هذا الموضوع مسألة نقاش داخلي تركي حاد وتمكنت المعارضة التركية من خلاله بالفوز بمقعد عمدة مدينة إسطنبول، تلك المدينة التي كانت تاريخيا معقلا لحزب العدالة والتنمية التركي الحاكم.

ولذلك فلا أعتقد أن المفاوضات الجارية بين تركيا والولايات المتحدة ستقود إلى حل بين الطرفين لا سيما أن الفجوة بينهما تبدو مستحيلة الردم، وكل ما تستطيع تركيا فعله في الوقت الحالي هو تجنب الضغوط الأميركية التي يمكن أن تزداد على صعد أخرى من مثل الاقتصاد أو في ملفات أخرى تبدو حساسة لتركيا، فتركيا ربما أدركت أن سياسة ترمب اللاتوقعية لا يمكن الاعتماد عليها في تطوير استراتيجية بعيدة المدى في سوريا، وهو ما دفع تركيا رويدا رويدا للاعتماد على روسيا في تنسيق استراتيجيتها فيما يتعلق بسوريا، لكنها اصطدمت مجدداً بتطابق الموقف الروسي مع نظام الأسد فيما يتعلق بالسيطرة على كل مناطق المعارضة السورية التي تصفها روسيا والنظام السوري دوما بالإرهاب، كما أن روسيا بنفس الوقت لم تعد تحترم الاتفاقيات التي تم التوصل لها في أستانا والتي تنص على تأسيس وحماية مناطق خفض التصعيد، وهو ما وضع تركيا في موقف صعب للغاية حيث أيا من الولايات المتحدة أو روسيا بنى الثقة الضرورية معها لاحترام الحد الأدنى من مصالحها السورية، وهو ما يبشر أن العلاقات التركية - الروسية أو التركية – الأميركية مرشحة أكثر للتباعد والتصعيد وهو ما يعني أن تصاعد ملفات اعتقدنا أنها في طريقها للحل مثل قضية اللاجئين السورية في تركيا وأوروبا التي ربما تشهد تصعيدا كبيرا مع محاولة الآلاف من النازحين السوريين العبور من الأراضي التركية إلى أوروبا مجدداً، ولا يخفى أن الرئيس التركي أردوغان نفسه هدد بفتح المعابر للاجئين إذا لم تلتزم أوروبا بالتزاماتها المالية المنصوص عليها في الاتفاقات سابقا.

===========================


مستقبل سوريا شبابها مثلما هي مستقبلهم

عبدالباسط سيدا

العرب الللندنية

الاربعاء 11/9/2019

“الثورة فكرة، والفكرة لا تموت” شعار أبدعه مهندس إبداعات كفرنبل رائد فارس، يلخّص الواقع السوري، ويُلقي الضوء على ما سيكون في مستقبله.

هذا الشعار رفعه المتظاهرون السوريون في معبر باب الهوى على الحدود السورية-التركية، وذلك في وقفة رمزية أدانت ما تعرّض، ويتعرّض له، السوريون من قتل وتدمير وتشريد، نتيجة تقاطع مصالح الدول، سواء القريبة منها أم البعيدة، ومن دون إعطاء أي اعتبار لتطلّعات السوريين، ورغبتهم في حياة حرة كريمة في ظل حكم وطني مدني تعددي، يطمئن الجميع من دون أي استثناء.

لقد جاءت الوقفة الشبابية السورية في ظروف بالغة التعقيد تعيشها منطقة شمال غربي سوريا، وإدلب تحديدا، حيث تتحكّم جبهة النصرة بأسمائها الحركية المختلفة، وفصائل أخرى متشددة، بمفاصل المنطقة المجتمعية ومواردها الاقتصادية.

وبذريعة محاربة الإرهابيين، تقوم روسيا بالتعاون مع قوات النظام والميليشيات الإيرانية بقصف المنطقة، وتعمل بصورة مستمرة على قضمها تدريجيا. أما الهدف الحقيقي فهو إسكات صوت الثورة هناك، ودمج المنطقة مع غيرها من تلك الخاضعة لسيطرة النظام، أو بتعبير أدق لسيطرة الروس والإيرانيين.

غير أن الوقفة الشبابية المشار إليها، أتت لتؤكد فكرة أن الثورة السورية مستمرة بغض النظر عن الترتيبات التي ستعتمد نهائيا في منطقة إدلب وفق تفاهمات أطراف مسار أستانة، وهي ترتيبات ستراعي بالدرجة الأولى مصالح الدول، وعلى حساب تضحيات السوريين التي تستعصي على أي توصيف.

سيكتشف الشباب السوري الأخطاء والثغرات التي كانت، وسيعمل على تلافيها، ليعود بإصرار أشد، وعزيمة أقوى، ويؤكد أن الثورة هي فكرة، والفكرة لا تموت

أما بالنسبة إلى الفصائل المسلحة المتشددة، أو بتعبير أدق قياداتها، فإنها ستشدّ الرحال على الأغلب إلى مناطق أخرى من العالم، تؤدي أدوارا جديدة بناء على توجيهات وأوامر الأجهزة الدولية المشرفة عليها، أو سينتهي بها المطاف إلى السجن أو القتل، إذا كان دورها قد انتهى، وذلك بعد أن أفرغت الثورة السورية من مضمونها، ومكّنت النظام من تطبيق استراتيجيته، وتسويق ضلالاته ومزاعمه التزييفية.

ولكن الشباب السوري الذي أصبحت الثورة جزءا عضويا من بنيته الكيانية، وباتت مفاهيمها من العناصر الأساسية في منظومته المفهومية، وبعد أن مرّ بتجارب قاسية لا حصر لها، وتعلّم الكثير، واطّلع بما فيه الكفاية على أفاعيل الفاسدين المتسلقين ضمن الثورة ذاتها، وبعد أن تيقّن من إجرامية النظام واكتسب خبرة كبيرة في ميدان العلاقة بين المصالح والمواقف السياسية الدولية، لن ينسى ما ألمّ بشعبه ووطنه ولن يقف عاجزا في مواجهة سلطة تستعد منذ الآن للانتقام من السوريين بعقلية ثأرية حاقدة، عقلية لا تنقذ وطنا ولا تؤسس دولة. والأسوأ من هذا وذاك، أنها لا تبذل أي مجهود من أجل ترميم النسيج المجتمعي الوطني، بل تمارس المزيد من النخر فيه، وتعمل على تفجيره من الداخل، ليتمكّن أصحابها، بمعية الآخرين ودعمهم، من التحكّم برقاب السوريين وأرزاقهم مجددا.

لقد بذل النظام الأسدي منذ استيلائه على الحكم في سوريا عام 1970 كل الجهود من أجل الهيمنة على الشباب السوري، ووضع في سبيل بلوغ أهدافه في هذا المجال خطة صارمة، استهدفت فرض تربية شبه عسكرية على الأجيال السورية الجديدة، لتكون مستقبلا مشلولة من جهة القدرة على التفكير والفعل في مواجهة السلطة، بل لتصبح رديفا لها وأداة من أدوات سيطرتها.

وهكذا تم تعديل البرامج الدراسية لتؤله القائد الملهم، الضرورة والرمز. وبدأ العمل عبر منظمة طلائع البعث ببرامج إخضاع الأطفال للتربية العقائدية الموالية، وأجبر اليافعون على الانتساب إلى منظمة شبيبة الثورة، وأُلزمت أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية رسميا بالابتعاد عن اتحاد الطلبة والجيش. وكانت المراكز الثقافية والبرامج الإعلامية، وسائر النشاطات والفعاليات الرياضية والفنية والثقافية تتمحور حول هدف أساس، ألا وهو إخضاع الشباب السوري لعمليات التدجين والترويض والتضليل، ليصبح مجرد كتلة بشرية، يتم التحكّم بها من قبل الأجهزة الأمنية المرتبطة بصورة مباشرة برأس النظام.

وهكذا اعتقد النظام أنه قد تمكّن من قهر إرادة السوريين وإلى الأبد، ونجح في التحكّم بهم، وتفتيتهم عبر السيطرة الأمنية على مفاصل الدولة والمجتمع. فالأجهزة الأمنية كانت تسيطر على الجيش، وتحكم الدولة والمجتمع عبر واجهة حزب البعث. أما الجبهة الوطنية التقدمية، فهي مجرد إطار لتقييد الأحزاب المنافسة، وعزلها عن وسطها الشعبي، مقابل إقناعها بفتات سلطوي لا يُذكر.

وخارج نطاق هذه الجبهة كانت توجد أحزاب ضعيفة مترهلة، تضم مجموعة من المتقاعدين. أما الأحزاب الكردية، فقد كانت تتمتع مقارنة مع غيرها، بالمزيد من الحيوية والقدرة على استيعاب الشباب، ولكنها بصورة عامة كانت أحزبا مطلبية، فهي لا تعمل من أجل تغيير نظام الحكم، وإنما تسعى من أجل تحقيق مطالب محدودة، وهذا أمر لم تكن السلطة ترى فيه خطرا وجوديا يهددها.

لذلك كانت تغضّ النظر عنها بعض الشيء، وتقوم من حين إلى آخر بعمليات اعتقال لأعضائها، منعا من اتساع دائرة عملها ونفوذها، وتحسبا لأي تفاعل وطني ممنوع قد يحدث بين الأكراد والمكونات السورية الأخرى. إلى جانب ذلك كانت الأجهزة الأمنية على اطلاع بما يجري في داخل معظم قيادات الأحزاب المعنية بفعل وسائل مختلفة.

ولكن مع انطلاقة موجة الربيع العربي، فوجئ النظام بتحرّك غير متوقع للشباب السوري من جميع المكونات السورية، شباب يطالب بالإصلاح والتغيير. فقد تمكن هؤلاء رغم كل الدعاية السلطوية التي خضعوا لها على مدى عقود، وكل التعتيم الإعلامي الذي فرض عليهم، من الوصول إلى خلاصة حاسمة مفادها أن لا مستقبل لهم يرتقي إلى مستوى إمكانياتهم وتطلعاتهم، طالما ظلّ نظام الاستبداد والفساد والإفساد على حاله.

ولم تكن طلباتهم في بداية التحرك السوري الكبير تتجاوز نطاق المطالبة بضرورة التغيير نحو الأحسن، وذلك باعتماد جملة من الإصلاحات، كان أركان الحكم أنفسهم في ذلك الحين يرون ضرورتها. ولكن الذي حصل نعرفه جميعا ونتذكره جيدا. فعوضا عن أن يستمع الحاكم إلى الداخل الوطني، التزم بأوامر الراعي الخارجي، وهدفه من كل ذلك كان هو البقاء في السلطة وبأي ثمن.

والآن بعد مرور حوالي تسعة أعوام على انطلاقة الثورة السورية، يوهم النظام ورعاته وتوابعه أنفسهم بأنهم قد انتصروا على أشلاء السوريين، وأطلال مدنهم وبلداتهم وقراهم. وهم يتجاهلون وجود الملايين من الشباب السوري في الداخل والخارج ممن ألهمتهم الثورة، وزودتهم بمعارف وخبرات ومهارات، كانت ممنوعة عليهم سابقا. فهؤلاء لن يتمكن أحد من إخضاعهم وإرغامهم على العودة ثانية إلى حظيرة العبودية لآل الأسد وشركائهم، والمستفيدين من سلطتهم.

ستتفجر طاقات سورية إبداعية لا حصر لها في الحقول كافة من فكرية ثقافية وفنية واجتماعية وسياسية وتنظيمية. سيكتشف الشباب السوري الأخطاء والثغرات التي كانت، وسيعمل على تلافيها، ليعود بإصرار أشد، وعزيمة أقوى، ويؤكد أن الثورة هي فكرة، والفكرة لا تموت.

===========================


وقائع وأرقام سورية

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاربعاء 11/9/2019

بعيداً عن الموت السوري قتلاً، وخاصة ما يتم منه بهجمات الصواريخ والبراميل المتفجرة التي تنفذها طائرات نظام الأسد وحلفائه، وعمليات الاعتقال التي يتحول أكثرها إلى غياب مجهول التفاصيل، أو تنتهي بالموت تحت التعذيب، وما يرافقها من تواصل لحملات التهجير القسري عبر ما ظهر في مدن وقرى ريفي حماة الشمالي وإدلب الجنوبي، وقد ترافقت بالاستيلاء على ممتلكات السكان بما فيها محاصيلهم الزراعية على سبيل الانتقام والتشفي، وتحقيق مكاسب مادية عبر عمليات التعفيش التي تقوم بها ميليشيات النظام وإيران.

وتزامناً مع الوقائع السابقة الجاري التركيز عليها، وما يحيط بها من أرقام، والتي تمثل كارثة مستمرة، فإن ثمة وقائع وأرقاماً، لا يتم تناولها إلا بصورة محدودة، رغم أنها لا تقل أهمية وخطورة مما سبق في أثرها على السوريين في الراهن كما في المستقبل، وأكثرها يتصل بواقع حياة السوريين في مناطق سيطرة النظام، وهو ما عبر عنه التصنيف الدولي الأخير باعتبار أن العاصمة السورية دمشق، هي أسوأ مدن العالم بالنسبة للعيش، وهي مكانة توصف بها دمشق للعام الثاني على التوالي، مما يعكس صعوبات الحياة فيها بسبب سوء الظروف الاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي تحيط بحياة السوريين تحت سيطرة النظام.

وإذا كان لنا أن نبدأ في تناول الأرقام والوقائع من الجانب الاقتصادي، فيمكن الإشارة إلى التردي الظاهر في قيمة العملة السورية، التي وصلت قيمتها إلى ما دون عشرة في المائة من قيمتها في تسع سنوات مضت، وما جره ذلك من تضخم وغلاء، وقد أصاب الأخير المواد والخدمات الضرورية، فرفع أسعارها وتكاليفها في اثنين من مؤشرات صعوبات العيش، وكان في عدادها ما أصاب السوريين من فقر وإفقار السوريين بمستويات، وضعتهم تحت الحدود الدولية للفقر المحسوبة على دولارين للفرد.

وأدى تردي الأوضاع الاقتصادية في القطاعات الاقتصادية كافة بالتزامن مع زيادة نسب البطالة إلى تدهور في الأوضاع الاجتماعية، التي لم تنتج فقط عن تقطع الروابط والصلات وتشتت العائلات بسبب الحروب والتهجير، وإنما أيضاً بسبب غياب المداخيل وربما توقفها جزئياً أو كلياً في وقت أثبتت فيه المساعدات الإنسانية عجزها عن تلبية الاحتياجات الأساسية لأكثر من ثمانين في المائة من السوريين، طحنتهم مجريات الحرب من جهة وسوء سياسة نظام الأسد وأجهزته في التعامل مع ما يرد من مساعدات سواء من خلال نهبها أو عبر توجيه القسم الأكبر منها إلى غير المستحقين وخصوصاً مؤيدي النظام، وقد ضبطت بعض هذه المساعدات، وهي بتصرف جيش النظام.

وقد يكون الفقر، هو الأخف أثراً في وقائع الوضع الاجتماعي الراهن، مقارنة بالتفكك الأسري وتشرد الأطفال، وقد بات كلاهما ظاهرة عامة، لا تجد طرفاً يساعد في الحد منها أو مواجهتها ووقف تداعياتها، لا سيما أنها تغذي وتساهم في توسيع ظواهر أخرى منها عمالة الأطفال والدعارة وإدمان المخدرات، التي عملت أجهزة النظام وميليشيات «حزب الله» على تعميمها كما في مثال ريف دمشق الغربي والغوطة الشرقية أيام الحصار الطويل، كما أكدت تقارير ذات مصداقية عالية، وقد كشفت وقائع الأشهر الأخيرة، أن مناطق سيطرة النظام صارت مركزاً مهماً ليس لمرور الحبوب المخدرة والحشيش كما يقول ضباط المخدرات في وزارة الداخلية السورية، بل أصبحت منتجاً رئيسياً خاصة بعد كشف اليونان قبل أشهر عن وصول أكبر شحنة مواد مخدرة في العالم إليها من سوريا، تجاوزت قيمة محتوياتها المليار دولار.

أسوأ الأوضاع التي يعيش السوريون في ظلها هي الأوضاع الأمنية، ليس بسبب فقدان الأمن بمعناه المعروف والشائع، فمثل ذلك قائم ومستمر منذ آذار 2011، إنما في ترافق ما يصفه النظام بـ«الانتصار على الإرهابيين» مع السياسة الأمنية المتشددة من متابعات ومداهمات واعتقالات كيفية وخارج القانون الذي يقول النظام أنه يطبقه، ودون أن يكون للمحامين وللقضاء دور مؤثر، بل دور محدود، إذا تمت إحالة المعتقلين على القضاء.

صعوبة الأوضاع الأمنية التي يعيش السوريون في ظلها بمناطق سيطرة النظام، تكمن في انفلات الأجهزة الأمنية بضباطها وعناصرها في مواجهة الجمهور ليس لإخضاعه فحسب، إنما لاستخدام النفوذ من أجل تحقيق مكاسب شخصية بينها الحصول على رشى، وإجبار أشخاص على تقديم تنازلات خارج القانون لآخرين بما فيها بيع ممتلكات أو التنازل عنها، لقد أصبحت حياة السوريين في مناطق سيطرة النظام بصورة كلية تحت رحمة أجهزة الأمن، التي لم تعد مقتصرة على أجهزة النظام، فقد أضيفت إليها الأجهزة التابعة للإيرانيين وميليشياتهم وللشرطة الروسية، وكلها تقوم بالمداهمات والاعتقالات والتدخل في المنازعات، مما يؤشر إلى تعددية السلطات الأمنية، وهو تطور آخذ بالتزايد في الواقع السوري الراهن.

وقائع وأرقام سورية أخرى، قد لا تضيف شيئاً إلى تفاصيل الكارثة السورية، لكنها تؤشر إلى أخطار مستقبلية تحيط بالسوريين وأطفالهم الذين يعيشون وسط خراب، سيكون له تأثير أبعد بكثير من الجغرافيا السورية، وقائع وأرقام سورية، هي بمثابة إنذار متكرر لضرورة تحرك إقليمي ودولي من أجل معالجة القضية السورية وإخراج سوريا والمنطقة من النفق الأسود.

===========================


مآلات اشتراكية أنظمة عربية.. سورية مثالاً

عبد الباسط سيدا

العربي الجديد

الثلاثاء 10/9/2019

اعتمدت الأنظمة العسكرية التي حكمت مجموعة من الدول العربية (العراق وسورية وليبيا والجزائر والسودان منذ بداية الستينيات، ومصر منذ صيف 1952) تقسيماً شعبوياً وزّعت بموجبه الدول العربية بين "الأنظمة التقدمية" و"الأنظمة الرجعية". والقاسم المشترك بين المجموعة الأولى تبنّيها الأيديولوجية القومية الاشتراكية لشرعنة سلطتها، والزعم بأنها جاءت لإنصاف العمال والفلاحين أو المنتجين، وتحقيق الوحدة العربية الشاملة من المحيط إلى الخليج. وكانت المجموعة الثانية التي غالباً ما كان يعرّفها الباحثون المحايدون المعتدلة تستمد قوّتها وشرعيتها من مجتمعاتها الأهلية، ومن قدرتها على التحكّم في الآليات التي توزّع النفوذ، والقدرة على التوجيه والضبط ضمن المجتمعات المعنية. وكانت هذه المجتمعات هي الأخرى تسترشد بالأيديولوجيا القومية الموشّاة إسلامياً، ولكن من دون أي التزام صارم إلى الحد الذي يجعلها أنظمة عقائدية، تتخذ من الأيديولوجيا المعنية مذهباً دوغمائياً صارماً، تستند إليه في عملية تكريس السلطات، والتخلص من الخصوم الآنيين والمحتملين.

وبالتناغم مع ظروف الحرب الباردة التي سادت العالم ومعادلاتها، وضمناً المنطقة العربية، بعد الحرب العالمية الثانية، اصطفّت "الأنظمة التقدمية" مع المعسكر الاشتراكي، في حين أن "الأنظمة الرجعية"/ المعتدلة، بنت، ووثّقت، علاقاتها مع المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية. ومع مجيء أنور السادات إلى الحكم في مصر عام 1970، بدأ الخط العام للأنظمة العسكرية يتحوّل تدريجياً، ولم تعد العلاقة مع الروس تمثل المحور الناظم لعلاقات تلك الأنظمة الخارجية؛ أو لبعضها على الأقل. وكان توجه السادات نحو أميركا تحت شعار 99.99% من أوراق الحل هي بيد أميركا. وبعد طرد الخبراء الروس في 1972، وزيارته القدس المحتلة في 1977، والتوقيع على اتفاقية السلام مع إسرائيل في كامب ديفيد في 1978؛ أخذت الأمور منحى جديداً بالنسبة لتلك الأنظمة الثوروية التي كانت قد شكّلت جبهة الصمود والتصدي عام 1977 (ضمت ليبيا وسورية والعراق والجزائر ومنظمة التحرير

اصطفّت "الأنظمة التقدمية" مع المعسكر الاشتراكي، أما "الأنظمة الرجعية"، فوثقت علاقاتها مع الغرب بقيادة أميركاالفلسطينية واليمن الديمقراطية الشعبية). ونتيجة الضغوط التي مارستها الجبهة المعنية، اتخذ مجلس جامعة الدول العربية في بغداد ربيع 1979 قرار تعليق عضوية مصر في الجامعة، ونقل المقر مؤقتا إلى تونس.

أما في سورية، فقد أخذت الأمور توجهاً أكثر تعقيداً، بفعل المتغيرات الداخلية في صفوف المجموعة التي كانت تتحكّم في سلطة "البعث" بعد انقلاب 1963، إذ تمت عمليات إبعاد وتغييب وتصفية داخل تلك المجموعة، حتى استقرت الأمور أخيراً لحافظ الأسد الذي قاد انقلابه على رفاق الأمس تحت اسم الحركة التصحيحية عام 1970. فمع وصول حزب البعث إلى حكم سورية، تبنّى الشعارات الاشتراكية. وبناء عليها، طبق الحزب المعني مشروع الإصلاح الزراعي الذي كان قد بوشر العمل به منذ أيام الوحدة مع مصر، ولكن السلطات البعثية الجديدة عمدت إلى تطبيقه بحماس أكبر، وبصورة أكثر جذرية. وقد حققت تلك السلطات بذلك أمرين، على صعيد إضعاف خصومها الفعليين، والمتوقعين، وإبعادهم عن ميدان التهديدات التي يمكن أن تتعرّض لها على المستوى الداخلي، فالإصلاح الزراعي فكّك بنية المجتمع الأهلي في الريف، ولم تعد الزعامات العشائرية والإقطاعية، وحتى الدينية، قادرةً على التأثير في مجتمعاتها المحلية، كما كانت تفعل في السابق، بل بات الفلاحون من خلال الجمعيات التي تشكلت لهم، يمثلون السلطة الجديدة في الريف، بدعم وتوجيه مباشريْن من منظمات حزب البعث، والأجهزة الأمنية التابعة للنظام الجديد.

وفي الوقت ذاته، وضعت إجراءات الإصلاح الزراعي حداً لتمدّد البرجوازية المدينية نحو

"الإصلاح الزراعي فكّك بنية المجتمع الأهلي في الريف" الريف، إذ كانت هناك استثمارات كبيرة في ميدان زراعة القطن، لأهمية هذه المادة للصناعات النسيجية السورية، وهي الصناعات التي امتازت بشهرة واسعة واعدة على المستويين، المحلي والدولي، في ذلك الحين. ومما ترتب على تطبيق الإصلاح الزراعي مصادرة احتمالات التفاعل بين المدن السورية الكبرى، خصوصا حلب ودمشق والريف السوري الزراعي، وهي احتمالات كان من شأنها، في حال تحققها، تشكيل تهديد فعلي لسلطات "البعث" في ذلك الحين. وكانت الشعارات المطالبة بضرورة محاربة الرجعية الداخلية، المتمثلة في الإقطاع، والاستعداد لمواجهة مؤامرات الرجعية العربية المتعاونة مع المشاريع الاستعمارية، هي المادة الإعلامية اليومية الشعبوية التي كانت تُستخدم لتجييش الفلاحين الفقراء، والبسطاء من الناس، ضد المالكين الكبار، والزعامات المجتمعية. والطريف هنا أن سياسة البعث لم تلحق الأذى بالمجتمع الأهلي في الريف أو التجار وأصحاب مصانع النسيج في المدن فحسب، بل حدّت كثيراً من درجة التأييد للحزب الشيوعي السوري نفسه الذي كان له نفوذه الشعبي الكبير في ذلك الحين، فبينما كان يدعو نظرياً إلى سلطة العمال والفلاحين، تمكّن حزب البعث عملياً من توزيع الأراضي على الفلاحين، واستطاع، عبر عمليات التأميم، إقناع العمال، في مختلف المصانع والمؤسسات في المدن، بأنهم أصبحوا المالكين الجدد لها، باعتبارها أصبحت من ملكية الدولة، والدولة تمثل سلطة العمال والفلاحين. وكان النموذج الاشتراكي السوفييتي المثال الذي تم تبنّيه، لتكون التجربة الاشتراكية البعثية في سورية نسخة عنه.

وهكذا حلّت الجمعيات والنقابات التي شكلتها سلطات "البعث" في الريف والمدينة محل المجتمع الأهلي في الريف، والتجار وأصحاب المصانع والمؤسسات التجارية في المدن؛ وباتت الكوادر الأساسية ضمن تلك الجمعيات والنقابات مرتبطةً عضوياً بحزب البعث الذي كان يشرف على انتخاباتها، ويحرص تدريجياً على جعلها منظماتٍ رديفة تابعة لحزب البعث، مع أنها كانت تضم مستقلين عديدين، ومن أعضاء الأحزاب الشيوعية والقومية، العربية والكردية.

ومع سيطرة حافظ الأسد على مقاليد الحكم في سورية عام 1970، انتقلت سورية إلى مرحلة جديدة، فبعد أن تمكّن من إقصاء رفاقه، والتخلّص منهم بمختلف الوسائل، توجّه نحو التأسيس للدولة الأمنية الشمولية، ولم يعد تعبير الحكم البعثي قادراً على توصيف طبيعة الحكم في سورية، بل باتت الطريق سالكةً أمام التمهيد للحكم الأسدي الذي تُوّج في الثمانينيات بشعار: "قائدنا إلى الأبد الأمين حافظ الأسد".

في ظل حكم حافظ الأسد، باتت النقابات واتحادات الطلبة والنساء والفلاحين، ومختلف الروابط، جزءاً عضوياً من النظام الأمني. ولم يعد للأحزاب دور عملي في الحياة السياسية، بعد موافقتها 

"في ظل حكم حافظ الأسد، باتت النقابات واتحادات الطلبة والنساء والفلاحون، ومختلف الروابط، جزءاً عضوياً من النظام الأمني"على مشروع الجبهة الوطنية التقدمية في سورية بقيادة حزب البعث، وبعد إقرار المادة الثامنة من الدستور، وهي التي كانت تنصّ صراحة على أن حزب البعث هو الذي يقود الدولة والمجتمع. ولم يشأ حافظ الأسد أن يترك الأوضاع الداخلية بكل تفصيلاتها للمصادفة، فقد كان يتحسّب دائماً لزعامات المجتمع الأهلي ورجال الدين وتجار المدن. فهم نتيجة عوامل النقمة، ومشاعر الإحباط، كانوا مادة قابلة للاستثمار من خصومه في الدول العربية، خصوصا من العراق في عهد صدام حسين، ودول الخليج وحتى مصر. وهي الدول التي كانت تهدّد، وفق منظوره، مشروعه على المستويين، المحلي السوري والإقليمي، ومن أجل ذلك عمل على استيعابهم، ولكن بمقاييس ومعايير أمنية دقيقة، لا تترك أي مجال للمجازفة. وكان ذلك عبر استمالة رجال الدين، وإتاحة المجال أمام تجار المدن المقرّبين لممارسة نشاطهم بمزيد من الحرية تحت شعار تشجيع القطاع المشترك؛ وعلى قاعدة التشارك بين أهل الحكم وأهل المال. وتمكّن بذلك من جذب زعامات مجتمعية عديدة في الريف عبر إشراكها في المجالس المحلية ومجلس الشعب؛ وإعادة الاعتبار لبعضها بأساليب مختلفة، منها إعادة قسم من الأراضي التي كان قد تم الاستيلاء عليها. وقد أدت جمعية الإمام مرتضى التي أسسها جميل الأسد عام 1981 دوراً كبيراً في هذا المجال، إذ تمكّنت من ربط الزعامات العشائرية والمناطقية في أرياف محافظات الحسكة ودير الزور والرقة وحماة وحمص وغيرها من المناطق، بعجلة المشروع الأسدي في صيغته الطائفية، الأمر الذي فتح المجال الواسع لاحقاً أمام حملات التبشير الإيرانية، في ظل التحالف الوثيق بين نظام حافظ الأسد العلماني في سورية ونظام ولي الفقيه الإسلامي في إيران.

وتجلت النتيجة على المستوى السوري في الضبط الأمني الصارم للمجتمعين، المدني أو المديني والأهلي أو الريفي، واتخاذهما ساحتين رئيستين من ساحات تسويق ديماغوجية "القائد الملهم" - المؤلّه، والذي تمكّن من الوصول إلى مستوى قياسي من التحكّم، استطاع بموجبه فرض بدعة التوريث وإلزام بطانته الفاسدة، المنقسمة على مصالحها، بالرضوخ لمشيئة القائد "الأبدي الاستثنائي" حتى وهو في قبره.

===========================


أميركا.. خروج من أفغانستان وولوج في سوريا

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الاحد 8/9/2019

بينما كانت الوفود الأميركية توقّع وثيقة المصالحة مع حركة طالبان الأفغانية بشأن الانسحاب من هناك، منتزعة ما تراه تنازلاً طالبانياً بتعهد الأخيرة بعدم شن أي هجوم من أراضيها على المصالح الأميركية، كانت طائرات حربية أميركية تشن غارات على معاقل ما توصف بأنصار التوحيد السورية، مخلفة وراءها عشرات القتلى والجرحى، وتدمير لمبنيين كانا يتدربان في داخلهما ثلة من الشباب لا علاقة لهم بتاتاً بما أعلنت عنه أميركا من انتمائهم لتنظيم القاعدة، إذ إن كل من يتابع الشأن السوري يعرف أن الذراع الذي بايع التنظيم هو حراس الدين الذي لا يخفي بالمناسبة انتماءه للتنظيم ومبايعته لرأس التنظيم أيمن الظواهري.

بورصة التحليلات والشكوك بخصوص الخطوة الأميركية ارتفعت مع تنفيذ واشنطن الضربة، التي جاءت بعد جهود من أجل لجم العدوان الروسي على الشمال المحرر، والذي خلف على مدى 125 يوماً مئات الشهداء والجرحى وتدميره لبنى تحتية رهيبة، بالإضافة إلى تهجير أكثر من مليون مدني من بيوتهم، وهدد تركيا بمظاهرات عارمة على الحدود تطالب العالم بوقف العدوان، أو فتح الحدود للمحاصرين في الشمال المحرر للخروج إلى أوروبا طلباً للأمن والأمان.

الخطوة الأميركية لم يكن لها تفسير سوى أن واشنطن هي صاحبة القرار الأول والأخير في سوريا، وأنها المحصنة هناك طوال السنوات الماضية من أي هجوم عليها وعلى قواتها قادرة بالمقابل على تنفيذ أي هجمة أو ضربة تريدها، والحقيقة الواضحة الناصعة أن لا تنظيم في سوريا هدد المصالح الأميركية طوال ثورة الشام، كما أنه لا تنظيم وفصيل في كل دول الربيع العربي هدد أميركا ومصالحها طوال السنوات الماضية، على الرغم من قصفها عشرات المرات لتنظيمات وفصائل في سوريا، لتخلف وراءها مئات وربما آلاف القتلى، ومع هذا لم يتم استهداف أو تهديد المصالح الأميركية، وثمة من يعتقد أن الاستهداف ليعوض النقص الأميركي في أفغانستان، فهي لم تقم بمثل هذا القصف هناك، لأن الساسة الأفغان حتى المتحالفين معها، سيقومون بردات فعل قوية ضدها، كما حصل في السابق، وهو الأمر الذي خلت منه الساحة السورية للأسف.

لم يعد هناك تنظيم للقاعدة، تماماً كما لم يعد هناك أي تهديد للمصالح الأميركية والغربية، فالتنظيم انتهى بمقتل زعيمه أسامة بن لادن في أبوت أباد بباكستان، وكذلك بظهور الربيع العربي، فضلاً عن أن تهديد التنظيم توقف تماماً منذ ضربة الحادي عشر من سبتمبر، حيث لم يسجل منذ ذلك التاريخ أي تهديد جدي للغرب، ولكن يتم استخدام هذه الذريعة حتى اليوم كما تستغل ذريعة المحرقة، بينما رأينا الصمت الأميركي عن كل التنظيمات العراقية واللبنانية التي ضربت مصالحها على مدى عقود، ووصل بعض هذه التنظيمات إلى برلمانات وحكومات، ويقوم ممثلو هذه التنظيمات بزيارات خارجية، ويتم استقبالهم رسمياً، دون أي رفض أميركي، بل وحتى بمباركة.

بالعودة إلى أفغانستان، فأميركا التي أدركت بعد 18 عاماً أنه لا بد لها من التصالح مع حركة آوت بالأمس زعيم تنظيم القاعدة، ورفضت في الوثائق الموقعة معها -بحسب ما تسرب- أن تتحدث أو تتطرق لمسألة إيوائها التنظيم وأفراده من عدمه، ومع هذا تصمت أميركا عن الأمر، في حين تطارد مقاتلين سوريين همهم الأول والأخير مقارعة الظلم الحاصل عليهم منذ عقد، بعد أن منعتهم أميركا على مدى إداراتها السابقة من سلاح نوعي يوقف عدواناً رهيباً على المدنيين ويهدد البلاد وحتى الجيران.

لن يكون بعيداً أن تعترف واشنطن بخطيئتها الرهيبة في الشام، التي لم تهددها يوماً، فضلاً أن تقوم بأعمال عدائية ضدها، على الرغم من قيامها هي بكل الأعمال العدائية المصنفة دولياً كذلك، وستدرك يوماً ما واشنطن أنها كانت في الجانب الخاطئ للتاريخ، حين ضحت بكل القيم والمثل التي رفعتها ولا تزال منذ عقود لحساب عصابة طائفية مغتصبة للسلطة، فذهبت إلى تأييد احتلال متعدد الجنسيات لبلد كل همه كان التخلص من عصابة استبدادية حكمته لنصف قرن.

===========================

موقفنا : إعلان انتصار أو اعتراف مقيت!؟ .."رئيس مجلس الوزراء!!" يعلن الانتصار على منبر "مجلس الشعب!!"

زهير سالم

مركز الشرق العربي

16/ 9/ 2019

افتتح " مجلس الشعب في سورية  " أمس الأحد 15/ 9 / 2019 دورته البرلمانية الثانية ، الدورة الخريفية العادية ..

وبعد الكلمة الترفيهية التي ألقاها " رئيس المجلس " عن ضرورة أن يواكب المجلس في أعماله انتصارات الجيش على الشعب ، جدّ الجد ، وحمي الوطيس ، وتقدم رئيس الوزراء  " عماد خميس "ببيان النصر المقيت ..

بيان الانتصار  الذي سنقف عند بعض معالمه في هذه العجالة ,,وإن كنا نملك كما يملك الكثيرون  من الحقائق والأرقام  أكثر بكثير مما أذاعه رئيس الوزراء المأزوم ..

للتوثيق العلمي سنعتمد الإيجاز الصحفي الذي اختارته قناة روسية اليوم  RT ، نقلا كما أفادت عن صفحة رئاسة مجلس الوزراء .

الحقيقة الأولى من إعلان النصر الناجز  :

"إن المصرف المركزي السوري صرف كل ما لديه من احتياطي نقدي ، خلال السنوات الخمس الأخيرة من الحرب ."

إعلان إفلاس بطريقة ملفوفة وفجة . ومن معانيها أنه لا غطاء بعد اليوم للورق السوري المطبوع باسم الليرة السورية .

الحقيقة الثانية من إعلان النصر الحكومي ..

"دخل الخزينة السورية من الإنتاج النفطي انخفض من قيمة 380 ألف برميل يوميا إلى  الصفر . "

ملحوظة صغيرة ، نحن صححنا عبارة " رئيس الوزراء " التي نصت بالضبط  أن "إنتاج النفط قد توقف ".. فإنتاج النفط لم يتوقف . ولو توقف لبقي احتياطيا في آباره ، ولكنه يستنزف لغير مصلحة " السوريين " !!

حكاية النفط السوري حكاية عجيبة بدأ  موردا خاصا لأرصدة حافظ وبشار الأسد إلى خزينة داعش إلى خزائن البي واي دي ..هذه هي الحقيقة . النفعية التبادلية بين رؤوس مثلث الشر في سورية جيلا بعد جيل.

الحقيقة الثالثة من إعلان النصر الحكومي ..

"إن الأراضي المزروعة تقلصت وباتت محدودة جدا .."

يبادر القمح السورية ، وحقول القطن تحت سيطرة شركاء الأسد من تنظيم البي واي دي . غوطة دمشق وسهول حوران وحلب وزيتون إدلب أحرقه الطيران الروسي - الأسدي .. ثم ما أخرجته الأرض بعد كل ذلك يتم نهبه بالشمال واليمين ..!!

الحقيقة الرابعة  من اعترافات  " رئيس الوزراء "

"تأثرت السياحة سلبا بالحرب الدائرة ، وأصبح مدخولها " صفرا " الرقم من المصدر. وكل السياح من الذين يصلون إلى دمشق ليدبكوا لبشار يقبضون قبل الدبكة وبعدها ولا يشترون من دمشق ولا " سوفنير " للذكرى ..

الحقيقة الخامسة من الإعلان المخيف ..

"تم تدمير نصف محطات الكهرباء بشكل ممنهج ..."

ولا بد تستوقفنا كلمة " ممنهج " فالمنهجة هي خاصة بمن يملكون القدرة على التخطيط والرصد والتنفيذ . المنهجية هي إنجاز روسي أسدي بامتياز في تدمير كل الأهداف الاستراتيجية الإقليمية على الساحة السورية .

الحقيقة السادسة من إعلان النصر الحكومي ..

"ويلحق بمحطات الكهرباء ، كما يعلن رئيس الوزراء ، خطوط المواصلات والنقل وباقي البنى التحتية ..!!"

والحقيقة السابعة من إعلان النصر :

"أن حكومة بشار الأسد تحتاج إلى200 مليون دولار شهريا لتغطية احتياجاتها النفطية."  لإدارة آلة الحرب ربما ..

والحقيقة الثامنة من إعلان النصر المقيت ..

"أن الحكومة تحتاج إلى 400 مليار ليرة سورية  لإعادة قطاع الغاز إلى العمل ..

الحقيقة التاسعة.,.."

ثم يمر رئيس الوزراء سريعا على الحاجة الرقمية للقيام بأعباء التعليم في مراحله الأساسي والعالي .

والحقيقة العاشرة من الاعتراف الخطير ..

حين يعرج عماد الخميس على تدهور سعر الليرة السورية ، فيكشف أن الحكومة قد اتخذت قرارها منذ فترة عدم التدخل في سعر الصرف . بمعنى تعويم الليرة . ورغم اعتماد الدولة على مايسمى الاقتصاد الموجه . إلا أن " رئيس مجلس الوزراء " يخلي مسئولية حكومته عن مصير الليرة السورية .

وبعد كل هذا العرض الرقمي المنقول يبقى لنا كلمتان :

الأولى هي : هذا وما خفي أعظم ..

وما خفي أعظم  مع الاعتراف بحق السبق في العبارة لقناة الجزيرة.

ما خفي عن حال السوريين وأوضاعهم . عن الفقر والبطالة والصحة وتشقق المجتمع وانعدام الأمن وانتشار الخوف أعظم  وأعظم وأعظم !!

ورئيس الوزراء الذي هوّل علينا أرقام التعليم والغاز والوقود لم يحدثنا أبدا عن الميزانية المهدورة على عتبات الأجهزة الأمنية وتبعاتها ....!!

لم يحدثنا عن الموانيء السورية التي تم بيعها وتأجيرها على طريقة البيع ..!!!

لم يحدثنا عن صكوك الديون والسندات التي ستستنزف ثروات الشعب السوري ربما على مدى قرن من الزمان ..!!

لم يحدثنا رئيس الوزراء عن الغرباء من الروس والإيرانيين الذين يعيثون فسادا على الأرض السورية !!

والكلمة الثانية : هل هو بيان مودع ؟!

واضح أن رئيس الحكومة يريد من هذا البيان أن يلقي معاذيره أمام مجلس الشعب . معاذيره ومعاذير حكومته وما يدور حولها ، وما ينتظر منها ..

أو لعله في الحقيقة بيان مودع .. رئيس الوزراء يعلم أن الذين يستخدمونه  لن يعجبهم منه مثل هذا الإقرار !!

وربما يكون وراء الإقرار فرار

____________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

آفاق الوضع السوري في ضوء ما تشهده منطقة إدلب

 عبد الباسط سيدا

القدس العربي

الاحد 8/9/2019

تصدّرت الأوضاع المأساوية في منطقة الشمال الغربي من سوريا (ريف حماة الشمالي وريف إدلب الجنوبي تحديداً) في الآونة الأخيرة تقارير وكالات الأنباء، ونشرات الأخبار الدولية والإقليمية. وتم تسليط الأضواء بصورة نسبية على معاناة المدنيين، لا سيما الأطفال والنساء؛ وذلك من خلال عرض صور القتل والتدمير نتيجة القصف الجوي الوحشي من طرف الروس والنظام، فضلاً عن التدخل البرّي الروسي إلى جانب قوات النظام وميليشيات حزب الله.

ما جرى، ويجري، في هذه المنطقة، خاصة في محيط إدلب، حتى الآن لا يمثّل تطوراً غير متوقع في مسار أحداث الحرب المفتوحة على السوريين الذين ثاروا على سلطة الاستبداد والفساد؛ هؤلاء الذين اعتقدوا أن العالم سيتفهّم مطالبهم العادلة، وسيقف إلى جانبهم، أو على الأقل لن يحاربهم. إلا أنهم فوجئوا بتشكّل حلف دولي -إقليمي، ضمّ روسيا والدول القريبة منها، وإيران والميليشيات التابعة لها في كل من العراق ولبنان وأفغانستان وغيرها من الدول؛ والنظام والميليشيات التابعة له من قبل بعض الفصائل الفلسطينية واللبنانية التي ما زالت تلتحف بعباءة الأيديولوجية القومية واليسارية، للتغطية على تبعيتها العضوية للنظام السوري. حلف مصمم على الاستمرار في دعم نظام بشار، والإبقاء عليه وبأي ثمن، خاصة بعد أن تيقّن من هلامية و”خلبية” موقف المجموعة الدولية الكبيرة التي أعلنت نفسها مجموعة “أصدقاء الشعب السوري”، وهي المجموعة التي اكتفت بتنظيم مؤتمرات عدة، لم تترجم قراراتها إلى أي دعم حقيقي، كان في مقدوره، لو حصل، حسم الأمور في سوريا لصالح شعبها منذ صيف عام 2012. ولم يكن حينها قد ظهر تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) وأخواته، وكانت الثورة في طابعها العام ما زالت سلمية، ولم تكن قد خضعت بعد لهيمنة الفصائل المسلحة المتشددة دينياً.

ولكن يبدو أن المجتمع الدولي كان قد اتخذ قراره منذ البداية بالتعامل مع الوضع السوري بعقلية إدارة الأزمة وليس معالجتها. وهكذا تغيّرت المسارات، وتشابكت المصالح والاهتمامات، وتبدّلت الأولويات، حتى وصلنا إلى يومنا الراهن.

الوضع السوري اليوم هو خارج نطاق إمكانية التأثير من جانب السوريين، كل السوريين، ونعني بذلك النظام والثائرين عليه. هذه حقيقة يعرفها الجميع. فالنظام لا يستطيع أن يطرح، رغم تماسكه الظاهر، مشروع حل وطني سوري معقول مقبول، يكون أساساً لمفاوضات ومناقشات وحوارات قد تؤدي، في حال توفّر الإرادة والرغبة، إلى إرهاصات حل ما. وأسباب عجز النظام عن القيام بأمر كهذا لها علاقة ببنية هذا النظام، ووظيفته، وطبيعة التناحرات الداخلية ضمنه، ومعرفته المسبقة بأن أي مشروع وطني حقيقي سيؤدي في نهاية المطاف إلى تفكيكه، والإطاحة به.

ولكن إلى جانب الأسباب الداخلية هذه، هناك أسباب خارجية، إقليمية – دولية، لها علاقة مباشرة بتحوّل المسألة السورية إلى ورقة أساسية في لعبة الصراع الإقليمي- الدولي الذي يجري اليوم في سوريا وعليها، خاصة بالنسبة إلى روسيا وإيران. هذا الصراع الذي يتجسّد في تحوّل سوريا عملياً إلى مناطق نفوذ، تتقاسمها كل من روسيا وإيران وتركيا والولايات المتحدة الأمريكية. هذا إلى جانب وجود عسكري استخباراتي معلن أو غير معلن من قبل الدول الأوروبية الأخرى، وإسرائيل التي تتصرف بمطلق الصلاحيات، تختار الأهداف التي تشاء لتقصفها متى تشاء، وكيفما تشاء؛ وذلك بالتنسيق مع القوتين الأكبر المتواجدتين بقواتهما البرية والجوية في الداخل السوري، ونعني بهما روسيا والولايات المتحدة الأمريكية.

وفي ما يخص هيئات المعارضة السورية الرسمية بأسمائها المختلفة، فهناك حالة ارتباك وتبعثر، ولا توجد جهة مؤهلة تمتلك الشرعية والمصداقية الكافية التي تمكّنها من تحمّل المسؤولية، واتخاذ القرارات الصعبة. وهذه الوضعية هي الأخرى نتيجة التدخلات الدولية والإقليمية في ملف المعارضة السورية، وعجز وإخفاق السوريين في مواجهة الضغوط التي كانت من مختلف الجهات، وهي الضغوط التي استهدفت إجراء عمليات التهجين والتدجين والتوليف التي خضعت لها مؤسسات قوى الثورة والمعارضة، حتى وصلنا إلى الحالة الراهنة التي لا توحي بأي أمل يمكن أن يُبنى عليه.

مقابل هذا الانسداد المستعصي على المستوى السوري الداخلي، لا توجد أي بوادر توحي بتوافق دولي قريب للوصول إلى حل ما، رغم ما أعلن عنه مؤخرا المبعوث الأممي الخاص بسوريا غير بيدرسن الذي تحدث عن إمكانية الوصول إلى حلول بشأن اللجنة الدستورية. ولكن الجميع يعلم، وفي مقدمتهم بيدرسن نفسه، بأن اللجنة المعنية لا تمثل حلاً للمسألة السورية المعقدة بكل جوانبها.

فالمجتمع الدولي المتنصل أصلاً من مسؤولياته، بل المنخرط في الأزمة نفسها، لن يتمكّن من إقناع السوريين عبر تشكيل لجنة لن تقدم أو تؤخر في ظل وجود نظام أمني قمعي، يتبجح بانتصاره على السوريين، والرقص على جثثهم وأطلال مدنهم وبلداتهم.

فالوضع السوري يستوجب تماسك الموقف الدولي، وتدخله بقوة لفرض حل يتم التوافق عليه، ولكن هذا الأمر بات تقريباً من عالم المستحيلات في وقتنا هذا وفي المدى المنظور، وذلك نتيجة المشكلات والاختلافات التي يعاني منها المجتمع الدولي؛ ونقصد بهذا الأخير في المقام الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، إلى جانب الاتحاد الأوروبي.

فالولايات المتحدة منشغلة بانقساماتها، وحملتها الانتخابية. كما أنها في حرب اقتصادية – تكنولوجية مفتوحة، مجهولة المدة والآفاق مع الصين. وعلاقاتها الأوروبية تعاني من اهتزازات كبرى.

هذا في حين أن روسيا من ناحيتها، تعاني من صعوبات اقتصادية، وتصاعد معارضة بينية. وهي، رغم النجاحات التي حققتها على المستوى الدولي بفعل الورقة السورية، عاجزة حتى الآن عن تسويق نفسها كقوة عظمى لها هيبتها واحترامها على مستوى العالم.

أما الدول الأوروبية، فهي الأخرى تعاني من مشكلاتها الداخلية، خاصة من جهة تصاعد التيارات الشعبوية واليمينية المتطرفة، التي تمثل تهديداً حقيقياً للديمقراطيات الغربية المترهّلة، هذه الديمقراطيات التي تحتاج إلى عمليات شد وترشيق وتجديد.

إننا إذا وضعنا في اعتبارنا صعوبة، إن لم نقل استحالة، حدوث اختراق نوعي على طريق الحل على المستويين السوري الداخلي والإقليمي – الدولي، سنجد أنفسنا في مواجهة احتمالين: الأول، يتمثّل في استمرارية وضعية مناطق النفوذ إلى أمد غير معلوم، ربما ينتهي في نهاية المطاف إلى التقسيم، خاصة إذا طالت المرحلة، وتشابكت المصالح، وظهرت قوى محلية متناغمة مع الراغبين في التقسيم، وتهيأ الناس عاطفياً وعقلياً لذلك، نتيجة فقدان الأمل، وطول مدة الانتظار العقيم.

أما الاحتمال الآخر، فهو يعتمد على إرادة السوريين الذين يؤمنون فعلاً بالمشروع الوطني السوري غير الشعاراتي. هؤلاء الذين يرون أن ما يجمع بين السوريين، كل السوريين من دون أي استثناء، هو أكثر بكثير مما يفرّق بينهم، وأن في مقدورهم التعامل مع كل قضاياهم بعقل وقلب مفتوحين من دون أي سعي من جانب أي طرف للهيمنة. وهذا لن يتحقق من دون الاعتراف الحقيقي، وليس المجاملاتي التضليلي، بالآخر المختلف، والتوافق على ضوابط محددة تقر بالخصوصيات، والحقوق المترتبة عليها، بما في ذلك الأشكال والإجراءات الإدارية التي تراعي واقع التنوع السوري، والآثار السلبية التي نجمت عن الحرب التي أعلنها نظام الاستبداد والفساد على السوريين على مدى سنوات طوال، هذا فضلاً عن عقود من الاستبداد الأمني والقمعي الذي أنهك البلاد والعباد، وسطّح الضمائر والعقول.

هذا الاحتمال هو الأفضل للسوريين جميعاً، ولكنه يستوجب الكثير من العمل والصبر والتحمّل. ومهمة كهذه لا يمكن أن تنجزها مجموعة من الأحزاب الضعيفة التقليدية التي تعاني أصلاً من أزماتها المستعصية، بل هي تنتظر الشباب السوري من مختلف المكونات، من أولئك الذين اكتسبوا تجربة أكيدة، واتقنوا اللغات، واطلعوا على ألاعيب ومفاصل السياسات الإقليمية والدولية، ولم يتلوثوا بعد بالمال السياسي بأشكاله المختلفة.

ومن الطبيعي أن يحتاج عمل من هذا القبيل إلى تنظيم فاعل، يمتلك قاعدة شعبية واسعة في الداخل والخارج؛ تنظيم له رؤية وطنية واضحة جريئة، يطمئن كل السوريين، ويدين بحزم اللغة الطائفية والشوفينية البغيضة، كما يدين خطاب الكراهية والحقد، ولا يجامل أصحاب العقلية الثأرية الانتقامية. تنظيم تكون كوادره وقياداته على أتم الاستعداد للتنقّل بين المدن والبلدات والقرى السورية، مدينة مدينة، بلدة بلدة، قرية قرية، من أجل عقد المصالحات المجتمعية، تمهيدا للمصالحة الوطنية الكبرى، مصالحة تقوم على الاعتراف والاعتذار والتسامح وتجاوز ما كان، شرط حفظ الحقوق واحترام المشاعر عبر محاسبة المسؤولين عن كل الذي حصل.

ومن الواضح البين أن هذا الاحتمال في حاجة إلى الكثير من الوقت والجهد، ولكنه يعبر عن ضرورة قصوى، وذلك من أجل الوصول إلى سوريا القادرة على احتضان ورعاية وطمأنة كل ابنائها وبناتها من دون اي تمييز أو استثناء.

أما المشاريع البهلوانية، سواء الشخصية أم الشللية، فقد أثبتت في أكثر من مناسبة وعلى أكثر من محك، فشلها وإخفاقها، بل أسهمت في إجهاض بوادر المشروع الوطني السوري قبل تبلورها، ونضوجها، وتحولها إلى قوة مادية متجسدة في حامل اجتماعي يشمل كل السوريين.

===========================


من عنجر إلى حميميم: ودارت الأيام وكما تُدين تُدان

 د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 7/9/2019

عنجر قرية لبنانية تقع في قضاء زحلة في محافظة البقاع، تبعد عن العاصمة بيروت 60 كلم وهي في منتصف الطريق تقريباً بين بيروت ودمشق مع قربها من دمشق أكثر. وقد اكتسبت شهرتها ودخلت التاريخ ليس لأنها مدينة سياحية، بل لأنها كانت مقر الحاكم العسكري السوري أيام الاحتلال السوري للبنان. ومن أشهر الضباط السوريين الذين ارتبط اسمهم بعنجر اللواء غازي كنعان رئيس جهاز الأمن والاستطلاع الذي حكم لبنان منذ عام ألف وتسعمائة واثنين وثمانين حتى ألفين وواحد، وكان الحاكم بأمره طبعاً نيابة عن حافظ الأسد في دمشق.

وكانت قرية عنجر محجاً للساسة اللبنانيين الذين كان معظمهم يعمل بوظيفة مخبر لدى البلاط الكنعاني. كانوا يتقاطرون زرافات زرافات إلى عنجر لتقديم فروض الطاعة والولاء، ولطالما كانوا يحملون الهدايا الثمينة للوالي السوري من الذهب وملايين الدولارات من أجل الوصول إلى منصب في بيروت أو لتمرير صفقة تجارية. كيف لا وقد كان غازي كنعان صانع الملوك في لبنان، فهو الذي يختار أعضاء مجلس النواب والوزراء والحكومة بعجرها وبجرها، وزيارة عنجر كانت ممراً إلزاميا للكثيرين لدخول النيابة أو الوزارة أو حتى الرئاسة. وهو الذي كان يُعز من يشاء ويهين من يشاء بوصفه ملك لبنان المتوج بالبسطار العسكري. ومن مآثره الشهيرة الإطاحة بميشيل عون الرئيس اللبناني الحالي الذي كان وقتها قائد الجيش اللبناني رئيس الحكومة العسكرية عام ألف وتسعمائة وتسعين.

لقد كانت عنجر وزوارها حسب كاتب لبناني «صفحات مذلة في تاريخنا السياسي الحديث حيث ضابط مخابرات سوري واحد أحد هو الحاكم والمتحكم بمصير الوطن. بدأ النظام السوري يتدخل في السياسة اللبنانية من أعلى المستويات إلى أصغرها، يتدخلون مع وزير الخارجية وفي نفس الوقت مع عريف في الدرك. أصبح غازي كنعان الحاكم الفعلي للبنان، انتخبوا الياس الهراوي رئيساً للجمهورية ومن ثم إميل لحود، وكان الرجلان مجرد دميتين بيد كنعان».

ثم جاء بعد كنعان ضابط سوري شهير آخر إلى عنجر وهو رستم غزالي الذي سار على خطى سلفه، لا بل زايد عليه أحياناً في اضطهاد اللبنانيين شعباً وقيادة، ومارس أسوأ أنواع الفساد والإفساد. وقد وصل به الأمر إلى التدخل في الجامعات اللبنانية والحصول على شهادات دكتوراه له ولأقاربه، ناهيك عن نهب بعض البنوك اللبنانية. وقد كان أبو عبدو ككنعان صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في لبنان. وقد انتهى الرجلان قتلاً، حيث اغتالهما نظام الأسد لاحقاً لأسباب مختلفة.

كما كان الضباط السوريون يتدخلون في كل شاردة وواردة في لبنان، ها هم الروس وقد أصبحوا يتحكمون في كل تفاصيل الدولة السورية عسكرياً وأمنياً وسياسياً واجتماعياً

وكما لكل شيء نهاية، فلقد كان اغتيال رئيس وزراء لبنان عام 2005 بداية النهاية ونقطة التحول الكبرى في مسيرة انهيار النظام السوري، ففي ذلك العام جاءت الأوامر الدولية بطرد الجيش السوري من لبنان ليبدأ التطور الدارويني المعكوس في مسيرة النظام، فبعد عشر سنوات تقريباً، اضطر النظام الفاشي إلى رهن سوريا لروسيا لحماية العرش الأسدي من السقوط، فتدخـّل الروس في سوريا في الخامس عشر من أيلول/سبتمبر سنة ألفين وخمسة عشر من خلال قاعدتهم العسكرية بالساحل السوري بقرية حميميم، لتتحول هذه القاعدة إلى عنجر روسية في سوريا تتحكم بكل مفاصل الدولة السورية تماماً كما كانت عنجر السورية تتحكم بكل مفاصل الدولة اللبنانية لبنان. سبحان مغير الأحول، ذهب كنعان وغزالي وجامع جامع وجاء سيرجي وميخالوف وقسطنطين، لكن هذه المرة ليفعلوا بسوريا وقيادتها ما فعله كنعان وغزالي وجامع بلبنان ذات يوم. ومنذ دخولهم إلى سوريا ها هم يتعاملون مع القيادة السورية كما تعاملت القيادة السورية مع لبنان. وكلنا شاهد الرئيس السوري مشحوناً بطائرة بضائع إلى موسكو لمقابلة الرئيس الروسي بطريقة سرية، وتابعنا الأسد وهو يجلس كتلميذ نجيب أمام بوتين كما كان يؤتي بالرئيس اللبناني ليجلسوه أمام غازي كنعان ورستم غزالي. وكلنا شاهد كيف يستدعي الروس بشار الأسد إلى قاعدة حميميم لإعطائه التعليمات والإرشادات وتلقي الأوامر والإملاءات من الأسياد. وعندما زار وزير الدفاع الروسي سوريا لم يعلم بشار بالزيارة إلا عندما استدعاه شويغو إلى القاعدة الروسية. وقد شاهدنا جميعاً بشار وهو يقول لوزير الدفاع الروسي: يا لها من مفاجأة كبرى، لم أعلم أنني سأقابلك شخصياً. لاحظوا أن كبار المسؤولين الروس، يأنفون، ولا يتنازلون وكما ولاة بلاط عنجر سابقاً، بزيارة الأسد الصغير في مقره بدمشق بل يستدعونه إلى حميميم. هذا ما فعله بوتين. وقد عمد الإعلام الروسي وقتها إلى إظهار الأسد بمظهر الطرطور، حيث أوقفه جندي روسي عندما حاول السير مع بوتين إلى المنصة التي كان سيلقي بوتين منها خطابه أمام القوات الروسية في القاعدة فالأعراف لا تسمح لتابع أن يمشي بموازاة سيـّده، فما بالكم بقيصر من ناطور لإحدى مزارعه. وفي لقطة أخرى أكثر إذلالاً شاهدنا الوريث الصغير وهو يقف مع ضباط روس صغار وراء الخط الأصفر، بينما كان بوتين يلقي خطابه، وكأن الرئيس السوري وأحد من حاشية الرئيس الروسي ومرافقيه، علماً أن القاعدة الروسية تقع على أرض سورية ذات سيادة.

هل تختلف معاملة غازي كنعان ورستم غزالي للمسؤولين اللبنانيين في عنجر عن معاملة الروس للقيادة السورية في حميميم؟ ربما كان كنعان وغزالة أرأف بالساسة اللبنانيين من المسؤولين الروس في تعاملهم مع النظام السوري. وكما كان الضباط السوريون يتدخلون في كل شاردة وواردة في لبنان، ها هم الروس وقد أصبحوا يتحكمون في كل تفاصيل الدولة السورية عسكرياً وأمنياً وسياسياً واجتماعياً. وإذا أراد مسؤول سوري أن يترقى في وظيفته الآن فلا بد من المرور عبر الروسي والإيراني وليس عبر دوائر النظام. واليوم يتسابق الضباط والمسؤولون السوريون للحصول على رضا الروسي والإيراني تماماً كما كان يفعل المسؤولون اللبنانيون أمام كنعان وغزالة وجامع ذات يوم.

إنها أحكام الحياة ودروسها القاسية وقوانينها الصارمة التي تحكم الكون ولا ترحم أحداً من الأنام، ومنها ما يقول على سبيل المثال، لو دامت لغيرك ما آلت إليك، وكما تدين تدان، وبالكيل الذي تكيل تكال، وطبعاً فهذا الغلام، ليس منها باستثناء، فها هم الروس يكيلون له بذات الكيل و«السطل»، ويسقونه من ذات كأس المر والعلقم والمهانات الذي أذاق به شعب ونُخـَب لبنان.

كاتب واعلامي سوري

===========================

"لهذا أخفينا الموتى".. أو قصة العذاب والموت في المعتقلات السورية

برهان غليون

العربي الجديد

السبت 7/9/2019

ليست السجون السورية أماكن لحجز حرية المعتقلين عقابا لهم على القيام بأعمال مخالفة للقانون، وتنفيذا لحكم قضائي، الهدف منه حماية القانون الذي ينظم العلاقات بين الأفراد في مجتمع متمدّن، ولا تعبر عن استراتيجيات قمعية تسعى من خلالها السلطة السياسية، عن طريق القهر والتعذيب وكسر إرادة المعارضين لها، إلى انتزاع معلومات إضافية، وإكراه المعتقل بالعنف على الاعتراف بسيادتها المطلقة والتسليم لها، ومن ثم ردع النشطاء عن المثابرة، وإخراجهم من حسابات المجتمع وإخراج المجتمع من حساباتهم. إنها تمثل، كما يروي وائل الزهراوي في شهادته/ روايته "لهذا أخفينا الموتى" (دار وائل للنشر والتوزيع، عمّان، 2019). حالة استثنائية، الهدف الأول لها القضاء على أرواح المعتقلين الجاحدين قبل القضاء على أجسادهم. نحن هنا امام حالة استثنائية للقتل المقطّر الذي لا يهدف إلى تغيير اعتقادات الأفراد الضحايا، أو حتى إلى كسر إرادتهم، ولكنه يمارس على ضحايا مكسورين ومستسلمين أصلا حُكم عليهم سلفا بالإعدام. إنه الموت تحت التعذيب الذي يصبح معه الموت نفسه خلاصا لا يمكن نواله، كما في جحيم الأديان السماوية التي لا يكاد فيها جسد المدان يكمل احتراقه، حتى يستعيد حياته ليحترق ثانية إلى ما لا نهاية.

(1)

يروي وائل، في شهادته، بلغة مفجوعة قصصا عن الأهوال التي كان شاهدا عليها وموضوعها معا، والتي تتحدّى الخيال. يكتب مثلا في إحدى شهاداته: "أشار السجان إلى عشرات الجثث الملقاة في الممر، وقال: أريد قبل الصباح أن تكون كل هذه الجثث على يمين المدخل الرئيسي، أرصفوهم أربعة أربعة. ثم مشى خطوات قليلة، وفتح غرفة كادت رائحتها أن تسقطنا جميعا. ابتعد بعدها مغادرا، وهو يقول: وكل الجثث التي في هذه الغرفة أيضا، إن طلعت الشمس ولم تحملوها فستكونون جميعا جثثا جديدة…".. "حين اقتربت خطواتنا منها، أوشكنا أن نختنق من رائحة الجثث...عشرات الجثث المكوّمة فوق بعضها، منها ما هو من دون أطراف، وكثيرون من دون عيون وأفواه ومنها ما هو مبتور الأصابع، وآخرون من دون أظافر وقد تساقطت جلودهم حتى ظننت أننا حين نحملهم سيتفتتون بين أيدينا، والبعض كان ممزق الصدر والأمعاء ومقلوع الأثداء، وثلة منهم كانوا محروقين حروقا بالغة، أنتجت حفرا في أجسادهم، وغيبت ملامحهم تماما. جلست بقرب ودود نبكي وننتحب عليهم، ونحن ننظر إلى هذا الصرح من الشهداء المجهولين". .. "نهضنا نخشى تسارع الوقت، فالصبح قريب، وبدأنا نخرج الجثث ونتقيأ كلما رفعنا واحدة من فوق أخرى، الدود كان يسكن محاجر عيونهم، والعفن غطّى ملامحهم حتى تشابهوا فأمسوا جميعا يحملون وجه الوطن المسجى بينهم... أحصينا عدد الجثث، كانوا سبعة وأربعين شهيدا، نصفهم من دون ملامح تميزهم، والبقية وهبوا وجوههم للهتافات التي كانت ترنو نحو الآتي القريب". ص 42-43.

وعن الموت جوعا: "يسألوننا كل يوم عن عدد الجثث، وبحسب العدد المتبقي يرمون لنا أرغفة الخبز، لكل خمسة معتقلين رغيفا واحدا". .."صباح اليوم التالي، بعد أن أخرجنا جثث رفاقنا

"يسألوننا كل يوم عن عدد الجثث، وبحسب العدد المتبقي يرمون لنا أرغفة الخبز، لكل خمسة معتقلين رغيفاً واحداً" جلسنا نقتسم ثلاثة أرغفة من الخبز ونحن تسعة عشر معتقلا، أربعة منا أصبحوا على شفير الموت، شحبت وجوههم وغارت عيونهم وعزفوا عن الطعام…". هكذا خطرت لأحد المعتقلين ألا يسلم المعتقلين المنذورين للموت البطيء المتعدّد الأشكال والأزمان سوى جثة واحدة كل يوم، حتى يحتفظوا بحصة المتوفين من الخبز. ولكن لم تمر أيام قليلة حتى "لاحظ المساعد أننا حين يفتح الباب نقف جميعا ووجوهنا للحائط كالمعتاد، لكن باتجاه حائط محدد واحد. في ذلك اليوم، فتح المساعد الباب وأمرنا أن نخرج جثث رفاقنا الذين توفوا البارحة". صرخ المساعد "قل لماذا رائحة الجثث مختلفة عن باقي الزنازين، ولماذا تقفون كلكم مقابل هذا الحائط؟". .."مرّت ثوانٍ، وأنا أنتظر الموت كيف سيكون طعمه، هل سيكون مؤلما أكثر من التحقيق؟ ما الذي سيفعله بي، هل سيحرقني ويقتلع عيني. ولاحت أمامي آلاف الأشياء، وكأني لست هناك ولم أعد أرى أي شيء".

لن يتأخر درس الحرق كثيرا، فلم تمض أيامٌ حتى "سمعت المساعد - يروي وائل- يقول: أشعلوا الشمعة، فأصابتني حالة دوار وانهيار تام". كان التعذيب بالشمعة الذي لا أحد يعرف لماذا وقع على عبد الحي، يعني أنه بعد أن يخلعوا ثياب الضحية، يربطونه عاريا على كرسي من الحديد من دون سطح، ويشعلون تحته، في المنطقة بين الجهاز التناسلي والمؤخرة، شمعة وينتظرون. "وتبدأ الشمعة بإحراق تلك المنطقة المليئة بالأعصاب واللحم الطري، ويبدأ الصراخ يشق كل صمت هذا العالم الرخيص، والشمعة رغم كل توسلاتنا لا تتوقف عن أكل اللحم الذي يتقطر كالدهن في حالة الشواء".

"عندما أحرق عبد الحي، في المرة الأولى، أغمي عليه ثلاث مرات. وهذا ما أغضب المساعد، فضربه على راسه بكبل الدبابة، حتى عميت عينه اليمنى". وفي المرة الثالثة التي اقتادوه إلى الحرق، "كان جسده مملوءا بالتقرّحات، وظهره ليس عليه سوى بقايا لحم هنا وهناك. وكان قد فقد كثيرا من وعيه". و"في مساء اليوم التالي، عندما أعادوه إلى زنزانتنا كان في غيبوبة كاملة. رموه على الأرض وذهبوا. بعد برهة صحا. كان الوقت قد تجاوز منتصف الليل. كنت ممدّدا بقربه. أمسكت يديه وكانت الدموع هي حروف الكلمات. همست بأذنه: تماسك أخياه. فأومأ لي برأسه عدة مرات وعيناه نصف مفتوحتين. صار بعد قليل يصرخ وينتحب، همست أني سأرى ما يؤلمه وكانت الفاجعة التي ما زالت تمر أمام عيني حتى اليوم. كان اللحم بين فخذيه مختفيا تماما، وثقب كبير جدا بين مؤخرته وأعضائه التناسلية ينز دما ودهنا وبعض قطرات بيضاء لست أدري ما هي. ويمكن للإنسان أن يدخل يده كلها في ذلك الثقب الذي صنعوه في جسده الضعيف. وفوق ذاك، كان قد قضى حاجته وتبرّز من دون أن يعرف، ومن دون إرادة منه فاختلط كل ذلك داخل الثقب الكبير …" .."اقتربت منه وضممته إلي. كان يهمس لي اقتربت منه أكثر فقال: لا تتركني لا تتركني، أولادي، سلم على أهلي، لا تتركني يارب ساعدني. وراح يكرّرها عشرات المرات. ارتجف صوتي، وأنا أعيد عليه لا تخف لن أتركك أبدا، لن أتركك طالما أنا حي. والحقيقة لم أكن أعرف أني حي أم ميت". .. "كانت عينه اليمنى أيضا تنزف بشدة. ثم تقيأ قطعة من الدم بحجم نصف كف اليد، ثم تقيأ مرة أخرى قطعا من الدم وهو يبكي ويختنق وينزف من كل مكان في جسده. أظافر رجليه كانت قد سقطت منذ زمن، لأنه كان في زنزانة مستنقع "قطاع الإفراديات". "في الليل، كانت تأتيني نوبات حمّى نتيجة التهابات جسدي وجروح رجلي. غفوت ويداي تحيطان يد عبد الحي".

وفي قصة ثانية عن الطفل كنان الذي اقتيد مع والديه إلى التعذيب: قال المساعد لجلاوزته

"لم تعد السجون في سورية أماكن احتجاز بل تحولت إلى ساحة من ساحات الإبادة" "اسمعوا، أريد ان يصل صوته إلى أمه في المبنى القديم. فراحوا يضحكون، وبدت خيالاتهم على الجدران وهم يتنافسون على افتراس بقية أب وطفل يطلّ من شرفات الموت .. تقدّم أحدهم، ووقف فوق رأس الطفل وظهره للحائط، وشد على رأس الطفل، فثبته تماما بين قدميه، وأسقط جمرتين من جمرات النرجيلة المشتعلة على ظهره فجأر الطفل وأطلق صرخة مزّقت صمت الكون .. وأخذ لحم الطفل يحترق، ويصدر ذاك النصيص الذي يعلو حين يشوى اللحم". "تضاحك أحدهم، وقال: سيدي هذا الصغير احترق، فأجابه المسخ اللعين: خذ وأطفئه. وأعطاه إبريق الماء، الذي كان يغلي فوق الموقد، فصبه على ظهر الطفل دفعة واحدة. وعاد الطفل على وقع عذاب الحريق يعيد ترتيب الكون بنحيبه وصراخه.. وأخذ ينتفض ويبكي بظهره المسلوخ وجلده المحترق ثم أغمي عليه". وبعد العودة إلى الزنزانة، في مساء ذلك اليوم "بدأ الطفل يصحو، وفي أول لمحة فتح فيها عينيه وشاهد أباه بكى وشهق وتقيأ،وهو ينزف من رأسه وأنفه وقدمه. نظر إليه والده، وقال: كنان كيف أنت، كنان يا ولدي، يا ضوء عيني، يا حبيبي. والطفل يغلق عينيه ويفتحهما. بعد ساعات رجف عدة مرات ثم ازدادت وتيرة أنفاسه كأنه يختنق. حاولنا فعل أي شيء، لكنه بعد قليل أسلم الروح ومضى".

وفي قصة أخرى، يتحدث مؤلف "لهذا أخفينا الموتى" عن حنّا: "من بين كل أولئك الأبطال الذين رأيتهم هناك، أسر قلبي شاب لم يكمل الثانية والعشرين، وهو يحملني أسبوعا كاملا للمراحيض على ظهره، وينهض كالجبل الأشم. شهور الجوع لم تؤثر فيه كبقية المعتقلين، كان فولاذي الجسد، صنديدا حقيقيا. إنه حنّا، حنّا الذي يقرأ معنا الفاتحة على أرواح الشهداء، ثم يرسم الصليب على صدره. إنه حنا، ذاك الفارس الذي كان يقول للمعتقلين المحتضرين تشاهدوا تشاهدوا وهو يذكر اسم يسوع.. حمل عشرات المعتقلين على ظهره إلى المراحيض، والمساعد المسخ كان يقول له: ستسقط يوما يا حنا. منذ أيام قليلة، خرج حنا يحمل معتقلا كهلا. وفي طريق العودة، انزلقت رجله وسقط بين أقدامهم. كنت على بعد خطوتين منه، تجمّدنا جميعا وحانت ساعة الموت. اجتمع المسعورون حوله، وهم يضحكون ويقولون: وقعت أخيرا، يا حنا. وهوى قضيب الحديد على أذنه، كي لا يحاول النهوض، ثم علا الكفر والصياح وهم يحرقونه بالكبال. شكلوا دائرة حوله. تركوا كل شيء، واتفقوا على قتله في ذاك الصباح. ضربوه عدة ضربات بكبل الطائرات على رأسه، فبدأ يغيب عن الوعي، ثم صاح أحدهم انشروه وسنرى كيف سيكون رجلا". وكانوا يقصدون بالنشر تعليق المعتقل كالثياب على حبال الغسيل.

"كانت هناك أنابيب حديدية تخرج من أحد جدران الممر، لتدخل في الجدار المقابل لها. كنا نحسبها أنابيب للصرف الصحي. رفعوا حنا إليها، ثم فتحوا له يديه، وربطوهما كل واحدة باتجاه على شكل الصليب، ثم شدّوا الجنازير حتى التصقت يداه، والتفتا تماما حول الأنبوب. ثم قفلوا الأصفاد بين يديه وبين الأنبوب مرة أخرى. وبهذا أمسى ملتحما تماما به. ثم فجأة تركوه يلوّح في الفراغ، وراحت الجدران تتشقق من عويل صراخه، فالأنبوب يحتك بقوة هائلة بلحم إبطيه، لأنه أمسى معلقا من مفاصل أكتافه فقط، فينفرم لحم إبطيه، وينكشط جلده تحت ضغط وزن جسده، وهو يتأرجح في الهواء".

"لم يكن ذاك كل شيء. أخذوا يضربونه بالكبلات والقضبان الحديدية على بطنه وفخذيه، ويتعمدون إصابته على أعضائه التناسلية. وبين كل دقيقة وأخرى، يدفعونه كي يلوح أكثر في الهواء، فتتمزنق دفعة جديدة من لحم إبطيه، حتى وصلت إلى مفاصله. سمعنا جميعا صوت 

"صاح أحدهم انشروه وسنرى كيف سيكون رجلا". وكانوا يقصدون بالنشر تعليق المعتقل كالثياب على حبال الغسيل"تكسّر عظامه وانفصلت أكتافه عن جسده وهو يئن، وصدى بكائه يهتك أهلة المآذن ووجوه الصلبان. ضربوه بالقضبان الحديدية على رأسه، حتى أغرق دمه أماكن خطواته، وهو يعدو حاملا أوجاع الآخرين. في صباح اليوم التالي، كان حنا ما يزال معلقا هناك ميتا. حين مررت بقربه، شعرت أن مسيحا جديدا صلب هناك. ليس ليمحو عذابات البشرية، بل لأجل الحرية. استشهد حنا، القديس حنّا، وسيبقى اسمه نصل الإباء الذي يقطر شرفا مادام الوطن هناك".

أما ذاك الشاب الثلاثيني الذي رموه في الزنزانة الجماعية مكمم الفم، فقد قضى بطريقة من الصعب تصور أكثر شناعة منها، مستخدمين الأسلاك الشائكة بعد غرسها بطريقة شيطانية داخل جسم المعتقل، حتى يموت نزفا. "كانوا يُجلسون المعتقل على كرسي خشبي، بعد أن يكونوا قد كبلوا يديه وعصبوا عينيه، ثم يأتون بالأنابيب التي تستعمل في البيوت لتوصيلات المياه، ويدخلونها في فمه، حتى تصل قريبا من معدته، وهو يختنق بصراخه. وحين تبدأ عيونه تنزف، يعرفون أن الانبوب وصل إلى الحد المطلوب، ثم يدخلون داخل ذاك الأنبوب الأسلاك الشائكة التي تكون لها مئات النتوءات القاتلة، ويستمرّون في دفعها، حتى يبدأ المعتقل بلفظ دم معدته، وهو لا يستطيع أن يصرخ، ولا أن يستنجد. ثم يسحبون الأنبوب من معدته، ليبقى السلك الشائك عالقا من معدته حتى فمه. ومع أول حركةٍ يقوم بها المعتقل، بعد أن يتركوه، تنغرس أشواك السلك في داخله، من أعلى حلقه حتى أدنى معدته، وهو يموت ألف مرة بصمتٍ أبدي عميق". وكانوا فوق ذلك "يضربونه وهم يضحكون ويقولون له إهتف الآن، اهتف للحرية الآن، كن رجلا واهتف"

(2)

لم يكن الانفلات في الوحشية والعنف سلوكا عفويا لكلاب حراسةٍ دربوا عليه، لصالح معلمهم، ولا نتيجة أخطاء ارتكبها أفراد تمرّسوا في التعذيب وصار "التجويد" فيه، والمباراة في إنزاله بأقصى الأساليب الوحشية بالمعتقلين الضحايا، معيار تفوق بعضهم على الآخر. إنه لا ينفصل عن الوظيفة الجديدة التي أنيطت بالنظام الاعتقالي، السياسي والمدني، الذي تقوم بخدمته فروع أمنية، وسجون تقليدية، وغرف تعذيب لمليشيات متعدّدة، في سياق الحرب الشاملة التي صمم النظام القائم على خوضها لوضع حد لثورةٍ شعبيةٍ بدت منتصرة بكل الحسابات. هكذا تغيرت وظيفة السجون ومناهج عملها إذا صحّ التعبير، فلم تعد منظومات إعادة تأهيل "للمنحرفين"، وتحولت من أماكن احتجاز مؤقت لموقوفين، معارضين أو جناة مدنيين، إلى ساحةٍ إضافيةٍ لحرب الإبادة التي تجري على الساحات العديدة الأخرى، كل منها بوسائلها ومناهجها الخاصة. ومن الواضح أن المعتقلات هي التي اختصت بنوع القتل الأكثر شناعةً وقسوة، حيث تعيش الضحية موتها كل ساعة وكل ثانية على مدى أشهر، قبل أن يأتي ملاك الموت لتحقيق الخلاص.

لا تختلف مهمة سجون الموت و"رسالتها"، من حيث المبدأ، عن مهام الأساليب الأخرى للقتل، سواء كان بالغازات الكيميائية، أو بالبراميل المتفجّرة التي تستهدف المدنيين ومرافق حياتهم الحيوية، أو بحصارات التجويع والتركيع، أو بالهجمات العسكرية التقليدية ومخلفاتها من 

لا تختلف مهمة سجون الموت و"رسالتها"، من حيث المبدأ، عن مهام الأساليب الأخرى للقتلالمجازر الجماعية. تكمن خصوصيتها فقط في خصوصية ضحاياها من الناشطين الفعليين، أو المحتملين، وفي شخصنة القتل وفردنته، وتحويله إلى عبرة ودرس لا ينسى، ولا يكف عن ملاحقة الذاكرة وجلدها وتغذية مشاعر الحقد والكراهية والانتقام، التي لا بديل لها في إعادة إنتاج وتعميق الدوافع والسلوكات العدوانية لفاعليها. هدفها الرئيسي هو "كسر العظم"، واستبعاد أي تسوية أو مصالحة أو حوار بين الفرقاء وتأكيد مبدأ: قاتلا أو مقتولا، أي الذهاب في العداء والعنف المرافق له إلى حالاته التي لا رجعة بعدها.

هكذا لم يقتصر دور المعتقلات السورية على فتح جبهةٍ حربيةٍ موازيةٍ ومكملة للجبهات الأخرى، تخصّصت بالقضاء، بالدرجة الأولى، على جيل النشطاء الذي فجر الثورة، أو ساهم في استمرارها، من خلال نشاطاته التنظيمية والفكرية والإعلامية، فحسب، ولكنه عمل بشكل أكبر على بناء جدار الحقد والعداء الدائم، وتغذية ضرع الكراهية وروح الانتقام الذي سوف يسمّم حياة السوريين لحقبة طويلة قادمة.

لا أحد يعرف بالضبط عدد الذين قضوا على هذه الجبهة، فقد أحصت الشبكة العربية لحقوق الإنسان أكثر من 98 ألف مغيب، لا يعرف مصيرهم. ولكن هذا الرقم لا يقدر أعداد المفقودين الذين لم تستطع الشبكة معرفة أسمائهم. ولعل الرقم تجاوز، حسب الشهادات المتقاطعة، مئة وخمسين إلى مئتي ألف ضحية، قضوا تحت التعذيب في ما سمّته منظمة العفو الدولية نفسها مسالخ بشرية. وقد قتلوا بطرقٍ وظروف مشابهةٍ للتي رواها وائل الزهراوي، وقبله قيصر وآخرون. لم يعدموا ولكن مثّل بهم حتى لا يبقى لحياة الإنسان قيمة أو معنى. وحتى تصبح حياة الإنسان، كما هي حقيقة في ظل نظام تأبيد السلطة العائلية، كحياة أي حشرة أخرى.

في روايته/ شهادته، المخضّبة بالألم والدم والدموع، لم يكفّ المؤلف عن التساؤل عن معنى هذا التعذيب ومجانيته. لماذا تضرب الضحية حتى الموت، وتقطع أوصالها وتكسرعظامها؟ ولماذا التمثيل بجسد الضحية، وحرمان الضحايا من الطعام أسابيع حتى يموتوا من الجوع، ما داموا قد حُكموا سلفا بالإعدام؟ ولماذا الحرص على إذلالهم وإهانتهم بإجبارهم على أكل برازهم قبل قتلهم وتصفيتهم؟ ماذا يفيد التعذيب؟

الجواب: ما استهدفه نظام التعذيب "المجاني" في الواقع هو أقل عبثيةً مما يبدو في الظاهر. إنه الرغبة في عدم الاكتفاء بإعدام الحاضر، وإنما العمل على تقويض المستقبل، وترك المجتمع السوري الذي لفظ تأبيده حكمه كما أراد، في العراء والفوضى الشاملة. ما لم نحفر عميقا لاقتلاع آثار هذه الريح الهمجية المنبعثة من قبور دارسة، ونعمل على إعادة بناء الجسور ومعالجة الصدمة الإنسانية وفورة المشاعر السلبية ونكشف عن مكامن الجنون والعدمية، لن يكون هناك أي أمل في التعافي من هول الفاجعة، والعودة إلى تطبيع العلاقات الاجتماعية. سوف يسكن هذا الجرح الفاغر فاه طويلا في نفوسنا، ولن يلأمه سوى تطبيق العدالة وتعبيد الطريق نحو حكم القانون والحق والمدنية.

===========================

عن الفراغ القاتل

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 7/9/2019

لفتُّ الأنظار، قبل نيف وعامين، إلى واقعة تفقأ العين، هي أن في سورية كتلتين تضم إحداهما النظام وروسيا وإيران، والأخرى جماعة الاتحاد الوطني (الكردي) وواشنطن، وبينهما فراغ قاتل، فشل الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، ومؤسسات المعارضة الأخرى، في ملئه طوال أعوام الثورة. وبينما تخوض موسكو وطهران الحرب نيابة عن حطام الأسدية الذي أوشك، مرات عديدة، على السقوط، تحتل قوات أميركية وبعض الأوروبية شرق الفرات، بحجة الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وتستخدم وجودها هناك، للضغط في جميع الاتجاهات، وتعطيل أي حل روسي منفرد.

أما المشكلة التي وقفت عندها، في حينه، فهي عدم وجود كيان مقابل بينهما، يمثل الشعب السوري، ويحظى بدعم عربي أو دولي، وبالاعتراف باستقلاليته ممثلا للسوريين. زاد خطر هذا الفراغ، لأسبابٍ منها تعاظم انفكاك العسكر عن "الائتلاف"، وتشكيلهم حقلا سياسيا منفصلا عنه، أكل من رصيده بدل أن يعزّزه، وتلاشي علاقاته العربية والإقليمية والدولية، وانقطاع صلاته مع ما كان كتلةً دوليةً تبنت مواقف قريبة من مواقفه أو متطابقة معها، بعد فترةٍ كان خلالها طرفا رسميا اعترفت معظم دول العالم به، واعتبره قرار أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 15 مايو/أيار عام 2013، برقم 262/ 67 ممثلا شرعيا للشعب السوري. إلا أن "الائتلاف" أحجم عن الإفادة من السانحة، عندما تقرّرت إقامة أربع مناطق خفض تصعيد في الفراغ بين المنطقتين الروسية والأميركية، وأتيحت إمكانية تدخله لاقامة إدارات ديمقراطية منتخبة في كل منطقة منها، تمهيدا لتشكيل إدارة مشتركة تمثلها تجاه ضامني وقف إطلاق نار تقرّر لستة أشهر قابلة للتجديد، ولتنظيم علاقات فصائلها المسلحة أو توحيدها وإخضاعها لقيادة مشتركة تتمثل بدورها في "الائتلاف"، وتتبنى موقفه من الحل السياسي والقرارات الدولية. آنذاك، وضعتُ ورقة بيّنتُ فيها كيفية تحقيق هذه النقلة، على محدوديتها كفرصة، وضرورة العمل لبناء كيان يملأ الفراغ، ولكن "الائتلاف" بقي من دون حراك، كعادته، ثم رفض الفكرة بحجّة أن مناطق خفض التوتر يُراد بها تقسيم سورية، متجاهلا أن واحدة منها كانت في أقصى جنوب سورية، وثانية حول دمشق، وثالثة في ريف حمص الشمالي، ورابعة في إدلب وريف حماة الشمالي وحلب والساحل، وإن بديل مبادرته التي يجب أن تحصنها ضد السقوط هو عودة النظام إليها، بعد انقضاء فترة الأشهر الستة، وهو ما حدث بالفعل.

بعد إفلات الفرصة التي كان احتمال نجاحها خمسين بالمائة، صدر القرار 2254، وشكلت هيئة تفاوض تضم المنصّات و"الائتلاف". كانت تلك خطوة على طريق سحب الاعتراف الدولي بشرعية "الائتلاف" ممثلا للسوريين، لو أريد بها تعزيزه لضمّت المنصات إليه، وانضموا إلى الهيئة أعضاء فيه، هم ومن تم ضمهم أيضا من عسكريين ضمت روسيا بعضهم إلى هيئة تفاوض بديلة، عملت على مسارٍ منفصل عن مسار جنيف، بحجة مناقشة وحلّ مسائل محض عسكرية، لا علاقة لهيئة التفاوض و"الائتلاف" بها.

هذا التطوّر الذي أخضع مصير الثورة لأحد طرفي الامتلاء السياسي، الروسي/ الإيراني/ الأسدي، وأعد الساحة لخطىً لن يكون لـ"الائتلاف" دور مقرّر فيها. لذلك، ما أن تم اتفاق سوتشي عام 2018 بشأن منطقة إدلب، حتى تعلق به كما يتعلق غريقٌ بقشة، وتبنى مواقف تركيا: ضامن منطقة إدلب التي غدت جزءا من أمنها القومي، ستتكفل بحمايته، لما في ضياعه من إضرار بها كدولة اقليمية عظمى.

هل يستند هذا الاعتقاد إلى تحالف يلزم الجانبين بإخضاع مصالح ومصير كل منهما للآخر؟ وهل يقوم على شراكةٍ بين طرفين، يخوض أحدهما معركة ليست سورية غير بند واحد فيها؟ وما دور ممثل السوريين في ما يرسم لهم من سياسات؟ هذه لحظة مفصلية، تطرح السؤال التالي: ماذا يبقى من الثورة إن قبلت تركيا خطة روسيا لفصلها عنها، وأعادت العلاقات بينها وبين الأسدية؟

===========================

موقفنا : رامي سيريتل أو إم .. سي .. آي .. شركة الاتصالات الإيرانية قاعدة التجسس الأولى على السوريين

زهير سالم

مركز الشرق العربي

8/ 9 / 2019

بكل الواقعية والصدق أقول : لا خلفية لديّ أو لدينا عن حقيقة الصراع بين بشار الأسد وبين ابن خاله رامي مخلوف ، أو بين أسماء الأخرس أو بين أحمائها من بيت الأسد أو من بيت مخلوف ..

زمن واقع كون الزمرة الحاكمة ما زالت تمسك بمفاصل الدولة السورية وكل أجهزتها، وتضع يدها على كل إمكاناتها وأرشيفها وذاتية كل فرد فيها ؛ فهي تملك الكثير وتتحكم بالكثير ، وقد استطاعت من هذا المنطلق أن تحدث اختراقات في بنى الثورة والمعارضة إلى حد كبير . ولا عكس وهذا الذي يهمنا في هذا السياق !!

ولا عكس ليس لأن ذلك غير ممكن ، بل لأن المعارضة المعومة أو المنومة بإرادتها لم تفكر عمليا بجهاز يكون عاصما يعصمها ، أو كشافا ينير لها . سوء الخيارات ، وغوغائية الشعارات ، حرمت المعارضة من أن يكون كل سوري في بنية " الدولة " مؤمن آل فرعون . ببلاهة منقطعة النظير جيروا كل شيء لعدوهم ، وحسبوه عليه !!

تتبارى الدول والمؤسسات في السبق إلى المعلومة التي تكون عمدة وأساسا لفهم قرار أو لاتخاذ قرار ، في فضاء المعارضة المعومة أو المنومة تبقى المعلومات " لُقى " مطروحة على الطريق كفقع ألقت به الأرض في بيداء ..ثم يهيم كل في بيدائه يبني من الوهم قصورا على رمل الترهات .

وأعود إلى " ما يحكى عن .." صراع بين بشار الأسد وابن خاله رامي مخلوف ، الخبر الذي استقبله المعارضون ؛ بعضٌ بالترحيب ، وبعضٌ بالتشكيك ، وبعضٌ بالبناء على ..لأقول نحن لا نملك معلومات حقيقة عن الموضوع . وكل نقول الناس عن قيل وقال .

وإذا صح شيء مما يقال فالقضية لا يمكن أن يعبر عنها بكلمة " صراع " بل هي إلى سحب التفويض أو التوكيل أو الشراكة أقرب ..

ورامي مخلوف مدير ثروة وليس صاحب سلطة . وعمته التي كانت في القصر قد ماتت منذ سنين ، وانتهى الصراع على من هي سيدة سورية الأولى حسبما كانوا يزعمون . وفي عالم المال دائما يبقى الشركاء متنافسين أو متشاكسين .

ورامي مخلوف بالنسبة لشركائه الآخرين لم يعد الدجاجة التي تبيض الذهب ، ولم يعد يصلح أن يكون الحلاب الذي يحلب كل أبقار الوطن ، بل هو الدخان الذي ينبي عما خلفه ، ولاسيما بعد وضعه على اللوائح العالمية السوداء ..

مما نعانيه من نقص حاد في المعلومات لا نكاد نعلم شيئا مهما عن فرز الولاءات الجديد في فضاء الزمرة التي فرض عليها الواقع أن تكون " زمرا " ، من مع الروس ؟ من مع الإيرانيين ؟ بل من مع روحاني ؟ ومن مع سليماني ؟ ومن مع الولي الفقيه ؟ ومن مع حسن نصر الله ؟! وحسن نصر الله مع من من كل هؤلاء ؟!

إن كنت سأقارب الموضوع فكل ما سأكتبه هو نوع من التحليل والظن والتخمين ..والخبر يقول إن الشريك الأقوى قد وجد شريكا أدهن أو أضمن ..

فبعد زيارة بشار الأسد للولي الفقيه ، عادت إلى الطاولة بعض الملفات المدرجة - الموضوعة في الأدراج - كان توكيل الإيرانيين بإدارة ميناء اللاذقية تعويضا عن بيع ميناء طرطوس للروس . ولكن منذ عشرة أيام كتبت لكم عن صفقة بيع اثنين ونصف كيلو متر طولا من الشاطئ السوري للإيرانيين جنوب طرطوس ، على الحدود السورية - اللبنانية في منطقة عين الزرقا ليبنى عليها ميناء جديد خاص بالإيرانيين . ميناء تبنيه إيران وتستثمره إيران على مدى أربعة عقود من الزمان . ميناء تصبح فيه إيران ودول حوض المتوسط جيران . كتبت حينها أن تلك الاتفاقية كانت محفوظة بأمر الروس ، ويبدو اليوم أن التوافق الروسي - الإيراني يتقدم خطوات .. وأنها ليست الوحيدة التي يتم الإفراج عنها .

الجديد في الأخبار اليوم هو أن بشار الأسد وزمرته الأضيق ضمن الزمرة الأوسع ، والمتمثلة فيما يعرف " المؤسسة العامة للاتصالات " التي يجب أن توصف بأنها سورية ، يعملون على وضع اللمسات الأخيرة للاتفاق مع شركة " اس ..ام ..سي " الإيرانية ، لتدخل سوق التشغيل في سورية ، منافسة الشركتين السوريتين " ام ..تي ..ان " و" سيريتل " التي يملك الحصة الأكبر فيها " رامي مخلوف " محط التهمة أو محل الحديث ؛ فهل يعني هذا للسوريين ، ولاسيما رجال الاقتصاد والسياسة أي شيء؟!

ما يجب أن يعلمه السوريون هو أن ..

- شركة " ام ..سي ..آي " شركة اتصالات إيرانية تحتكر سوق الاتصالات في إيران منذ 2009

- شركة " ام ..سي ..أي " تخضع للحرس الثوري الإيراني وهي مصدر من مصادر تمويله ..

- الصورة المتسربة عن الاتفاق في ميدان تشغيل " ام ..سي .. أي " في سورية مع المؤسسة العامة : 40% للشركة الأم ، يعني للحرس الثوري 20% للمؤسسة العامة للاتصالات يعني لبشار الأسد ، 40% لمستثمرين سوريين ، يمكن أن يكونوا كل من تتصورون ، من شركاء الظاهر والباطن كما كان رامي مخلوف .. هل تعتقدون أن رامي اعترض ، أو أنه لم يكن له في هذا العرس قرص ؟!

- ذكرنا أن " ام .. سي أي " كانت مصدر من مصادر تمويل الحرس الثوري . ودائما هناك عند الشرفاء الأحرار ما هو أخطر من المال ..

ستكون " ام .. سي .. أي " القاعدة الإيرانية الأولى للتجسس على كل السوريين في وطنهم سورية ، وستدخل مع كل سوري مشترك بها إلى غرفة النوم .. وتعلمون أن قواعد المنافسة التجارية عرض وطلب . وسلعة وثمن ..

واحر قلباه من سوق يباع فيه كل شيء !!

__________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

عين روسيا على إدلب وشرق الفرات

عمار ديوب

العربي الجديد

السبت 7/9/2019

تصدّرت روسيا قيادة المعارك في شمال حماة وريف إدلب الجنوبي في الشهر الأخير، وحققت تقدّماً مهولاً فيهما، وبالتالي أصبحت سيطرتها ليست جوية فحسب. جوياً، أصبحت السماء السورية محتكرةً لصالح روسيا منذ سنوات، فالطيران السوري، مدني وعسكري، يُحلق في أجواء بلده، بإشراف روسي كامل! قبل الشهر أغسطس/آب الماضي، أشرك النظام كل وحداته العسكرية، الأصلية والمليشيات، بتلك المعارك، وجميعها فشلت وقُتلت نخبتها، وبالتالي نجاح روسيا أخيرا واستعادة تلك المناطق، يعطيانها الدور المركزي في تقرير مصير النظام، الآن ولاحقاً.

تسيطر روسيا على النظام، وهناك اتفاقيات متعدّدة تشمل، إضافة إلى الجانب العسكري، الاقتصاد والتعليم والثقافة والسياحة؛ وعدا عن دورها في تمثيل النظام عالمياً، وضد الشعب السوري ومنذ 2011، أعادت تشكيل جيش النظام، وأنشأت قطعاتٍ عسكرية تحت إشرافها، ولكنها تابعة شكلياً للنظام، واستطاعت عبر المصالحات إعادة أجزاء من الفصائل التي تقاتل النظام، ودفعت بها إلى الجبهات الأمامية. يقدّر عدد من تسيطر عليهم روسيا قرابة 12 ألف عسكري سوري؛ وتتضمن التقارير المتتابعة يومياً تدخلات في هيكلية قيادة الجيش والأمن. وتظهر سيطرتها على الجيش من خلال وجودها الميداني في أغلبية المدن السورية، ولو أضفنا إنشاءها مطارات متعدّدة وسيطرتها على مطارات قديمة للنظام، وعلى البحر كذلك، لأصبحت (جدلية) الحرية والتحرّر مترابطتين في سورية؛ فلم يعد السوريون أمام مهمة إنجاز الحرية من أدوات الخارج المحلية، وكائناً من كانوا، موالين أم معارضين، بل أصبحوا أمام مطلب التحرّر أيضاً.

هل يحتمل زمننا هذا كلاماً عن تحرّرٍ وطني من أصله؟ وهل في مقدور السوريين، وقد 

"روسيا قد تشن حرب إبادة على إدلب، كما فعلت في الغوطة ودرعا وشمال حماة"أصبحوا مطاردين في كل دنيا الله، وليس في سورية فقط، هل يمكن أن يفكروا بالتحرّر والحرية مجدّداً؟ تجاوزت تعقيدات الوضع السوري النظام والمعارضة، ومشكلة الطرفين أنهما لا يعترفان بأن الوضع الداخلي وسيطرة الخارج عليهما أصبحا كارثيين؛ فجماعة تركيا وجماعة أميركا وكذلك جماعة إيران وروسيا، ولولا بقايا خجل، لأعلنت جماعة إسرائيل عن نفسها. تخوض الجماعات "الوطنية جداً" هذه حروب الآخرين، وعلى أرض سورية وعبر الشباب السوري. ما لا جدال فيه أن النظام الذي يحوز القوة والقدرة هو المسؤول الأول، ولكن أين هي مشاريع السوريين الآخرين بما يتعلق بروسيا وأميركا وتركيا وإيران؟ إنه الخطاب القديم ذاته؛ النظام هو المسؤول، ونحن بالكاد خرجنا من عباءته، ولم نعط فرصة حقيقية بعد. ستجدون في مقالات قادة المعارضة، ودراساتهم ولقاءاتهم، كلاما كثيرا مستهلكا عن مسؤولية النظام، ونقدا قليلا لدورهم، وحتى النقد هذا يتم تمييعه، كي لا تنتج منه مسؤوليات ومتابعات وإحالات إلى القضاء. إذاً، أصبح حال السوريين مأساة حقيقية، وتستفيد روسيا من رداءة النظام والمعارضة معاً، وكذلك من حصار أميركا إيران وضعف الأخيرة، وكذلك من حاجة الرئيس التركي، أردوغان، إليها، حيث يواجه داخلاً سياسياً صعباً، وهناك أوروبا وأميركا الرافضتان دخول تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، وبالتالي تتحكم روسيا بتلك الدول، وباستثناء أميركا، وليس بالمعارضة والنظام فقط. ضمن هذه المعطيات، أليس من الأجدر بالفعاليات السورية دراسة كيفية التعاطي من روسيا، وقد أصبحت تحتل سورية؟ أي أن تعترف بأن روسيا أصبحت محتلة، وهذا أقل الإيمان.

اجتمع أردوغان وبوتين في 27 الشهر الماضي (أغسطس/ آب)، والمرجح أنهما اتفقا على تراجع النقاط التركية خارج السيطرة الأخيرة لروسيا على الأرض، وسيتضمن التنفيذ الدقيق لاتفاق سوتشي الموقع في سبتمبر/ أيلول 2018، وفتح الطرق الدولية، وأن إدلب أصبحت محكومةً بهيئة تحرير الشام وبقية القوى الجهادية السورية والعالمية، ولا بد من اجتثاثهم بأسرع وقت. ما تقوله روسيا سيلاقي هوىً أميركيا كذلك. والأتراك الذين أظهروا، غير مرة، أنهم معنيون، بشكل رئيسي، بمحاربة أكراد سورية، وإبعادهم عن الحدود التركية، يعلنون بذلك ضعف دولتهم، حيث تكرّرت المجازر في كل سورية وليس في حماة فقط، وعقدوا الصفقات مع روسيا من أجل تسليم المدن المحرّرة، وبالتالي انحازت تركيا لمصالحها في علاقتها بروسيا.

ستنفذ تركيا ما تطلبه روسيا، لا سيما أنها طامحة إلى علاقة تاريخية بها، إذ إن الدولتين تتعرّضان لحصار أميركي واستهتار أوروبي. وتقول المشتركات التركية إن روسيا هي التي ترسم خطوط نفوذ تركيا، وإن الأخيرة سترضى بما يجود عليها الروس. وتوضح تصريحات أردوغان، قبل ذهابه إلى موسكو، أنهم معنيون أساساً بشمال شرقي سورية، وإرساء منطقة آمنة لإبعاد الأكراد عن حدودهم، وبالتالي يمكن لتركيا أن تقايض روسيا، ليس على إدلب فقط، بل وعلى كل المناطق التي تسيطر عليها (غصن الزيتون، ودرع الفرات وسواها). لاحظ صفقات السلاح الجديدة، التشدّد التركي مع اللاجئين السوريين، وإدخال قواتها السورية (الجبهة الوطنية والجيش الوطني) إلى تخوم المناطق التي احتلها النظام، ويوضح هذا كله أن تركيا لم تشأ مواجهة روسيا في معركتها الأخيرة، وأنها أرسلت قواتها لحماية النقاط العسكرية الروسية هناك، ومنع الفصائل الجهادية من أي تحرّكات جنونية، وقد تكون من أجل معركة قادمة في إدلب، لا محالة.

يكذب الجهاديون، وكانت مشاركاتهم هامشية في المعارك التي امتدت، أخيرا، أربعة أشهر، 

"ستجدون في مقالات قادة المعارضة، ودراساتهم ولقاءاتهم، كلاما كثيرا مستهلكا عن مسؤولية النظام، ونقدا قليلا لدورهم"وبالتالي اختزنوا قواهم لمعارك داخل إدلب، ولكن هذه المرّة لن تكون مع "الزنكي، وفصائل صغيرة، وأحرار الشام، وسواها"، بل ستكون معارك بقيادة تركيا، وربما روسيا والنظام، وربما أميركا، في حال استعصت على تركيا؛ إذاً هناك حمام دم جديد في إدلب. ستستقر الأوضاع ريثما تزرع مراكز المراقبة بشكل نهائي، وتفتح الطرقات الرئيسية، وتسير دوريات روسية وتركية مشتركة، وأن يكون هناك تنسيق أكبر بين روسيا وتركيا، وبما يتعلق بداخل إدلب ومنطقة شرقي الفرات.

تكرّر روسيا أنها ستعيد كل المدن إلى سيطرة الدولة السورية، ولن تترك فصيلاً مسلحاً معارضاً خارج تلك السيطرة. إنها تخطط لاحتلالٍ من دون مشكلات مستقبلية؛ دور أميركا وإيران وتركيا وإسرائيل، ومهما ناقشنا تطوراته ومنذ سنوات، فهو لا يعارض الاحتلال الروسي، ويقدّم له المدن بالتتالي. حدوث معارك خفيفة هنا وهناك لا يعمينا عن رؤية تلك الاحتلالات التي كانت واضحةً في رفضها أي معارضة وطنية، أو مقاومة قوية ومستقلة، وجعلت منها تابعة وهامشية بامتياز، وصمتت عن إمدادات روسيا وإيران للنظام وبكل أنواع السلاح والمليشيات. إذاً، من أكبر الأوهام الاعتقاد أن تلك الدول ستعارض روسيا جديّاً، حينما تستقر الجبهات وتُرسَم مناطق النفوذ؛ الأصح أن روسيا قد تشن حرب إبادة على إدلب، كما فعلت في الغوطة ودرعا وشمال حماة، وتركيا لن تعارضها، وكذلك ستطالب بدورٍ في شمال شرقي سورية. أميركا ستجري صفقة معها بالتأكيد، فلنتذكّر مصير درعا مثلاً، وقواعدها العسكرية يمكن تفكيكها بسهولة، وبالتالي تكتمل مراحل احتلال روسيا تباعاً.

روسيا هي التي تحكم سورية، وبعد ذلك كله، ومجدّداً، ماذا سيفعل السوريون، عرباً وكرداً وسواهم، إزاء هذه الكارثة التي حلّت بهم؟

===========================

الصادم بين الصورة والواقع !؟

يحبى حاج يحيى

ينشر بعض الأفاضل صوراً محزنة مؤسية عن مجازر سلطة الاحتلال الداخلي في سورية لأطفال ونساء تم قصفهم وتمزيق أجسامهم وتهشيم رؤوسهم بطيرانه وراجماته التي عجزت أن تتوجه إلى الجولان المباع والمسلم للأعداء؟

  ويكتب معتذراً بأنها صور صادمة محذراً من مشاهدتها ، وهو يدرك أنها تتكرر في كل يوم ، وكل بقعة من بلدنا الحزين والمصابر!؟

بينما الصادم في هذا الوقت بالذات هو صور الذين يتحولون من ثوار إلى شبيحة وسماسرة ، ومن مقاتلين إلى ضفادع وأجراء ، ومن معارضة وطنية إلى مقايضة مصلحية    ومن  ... إلى ...، ومن .....إلى ....!!!؟؟؟

{ومن ينقلبْ على عقبيه فلن يضر اللهٓ شيئاً وسيجزي الله الشاكرين }

===========================

الليرة السورية تندب حظها وهي تهوي !؟

يحيى حاج يحيى

أشـكو إلـى الله ماألقـاه في بلدي      من الكسـاد ومن شـبيحة الولدِ

قد كنتُ نـداً لغيـري قبل بعثِهُـمُ      أزهو وأرفلُ في النعماء والرغدِ

واليوم أبحثُ في الأسواق عن سندٍ      وعن مغيث فلا ألوي على أحـد

قد زوّروني  فصرتُ اليوم كاسـدةً      آسـيرةً لبني المخلوف والأسـد

للقعر أهـوي وأهوي كلما هتفـوا      بشارُ باقٍ، وحزبُ البعث للأبـد

===========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com