العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 29-03-2020


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

 

===========================

الشعب السوري في مواجهة كورونا

إيمان محمد

سوريا تي في

الاربعاء 25/3/2020

ساءني ما قرأت من توصيفات لحال الشعب السوري مع كورونا، ونعته بأسوأ الصفات، من همجية وتخلف وجهل، مقارنة ببقية العالم المتحضرة، والتي اتبعت أفضل سُبل الوقاية وحماية الذات من الفيروس، وكأنه شعب يتمتع بحكومة رشيدة، توفر له كل متطلبات الأمن الصحي والوقائي، وتحرص على أن يكون بخير، وكأنها ليست هي ذاتها الحكومة التي كانت تحارب شعبها بالكيماوي في محاولات غير يائسة لإبادته، وكأنها ليست هي ذاتها التي حرمت المرضى والجرحى في الحصار من الأدوية اللازمة، وحاصرتهم في صحتهم. وكأنها أيضاً ليست هي الحكومة التي فتحت الباب على مصراعيه للميليشيات الإيرانية للتجوال الحر في المدن السورية وبصلاحيات فوق الطبيعية لهؤلاء، فكيف نتوقع وعياً صحيّاً من شعب تكتم حكومته أنفاسه، وتعدّها عليه، وتفرض عليه المحتل بكل ما يحمل من مخاطر وجود على الأرض وإرهاب للبشر، يضاف إليها مخاطر الوباء، كيف له مقاومة ذلك كله؟

وفي نظرة على الإجراءات الوقائية في جميع الدول، والاحترام والتقدير والتكريم للطواقم الطبية، نجد الأمر في سورياً معاكساً للطبيعة، ففي سوريا يُعتقل الأطباء في حال صرّحوا أو اعترضوا على الحالة الكارثية، وفي سوريا التي فقد كثيرون ذاكرتهم حولها، كانت محاربة الأطباء وسجنهم وقتلهم، ووصمت فرق الدفاع المدني التي أنقذت آلاف البشر بالإرهاب، فعن أي أمنٍ صحيٍّ نتحدث؟

وماذا عن جاهزية المشافي، وعدد الأسرّة القابلة لاستقبال مرضى ووضعهم في الحجر الصّحي؟ وجميع من عاش داخل سوريا يعرف كم عاماً يستغرق بناء المشافي وتجهيزها، هذا في حال الاعتراف بضرورة وجود مشافي، أو بالأحرى الاعتراف قبل ذلك بوجود حالات إصابة بالفيروس.

ثم ماذا عن الشمال السوري؟ هذا الشمال الذي يقطنه مئات الآلاف من البشر الذين ذاقوا كل ألوان الرعب والخوف والفزع، وفقدوا كل ما يملكون وعاشوا في الخيام لأنها سبل البقاء الوحيدة، كيف نتوقع أن يتعاملوا مع الفيروس أكثر من قدرتهم على السخرية في وجهه، ومحاولة اتخاذ بعض التدابير الممكنة لتحاشيه، والسير بألطاف الله لعله لا يباغت أحداً، ولا يكسر قلباً.

حقيقة لا يمكن أن أفهم كيف تغدو الصورة بهذا التشويش لدى كثيرين، وكأن الإجراءات التي تحصل في كل الدول إجراءات مصدرها وعي الشعوب لا وعي الحكومات، وكأن اللوم كله حكر على الإنسان الضعيف الذي حوصر في خانة المتلقي، فهو لا يملك أن يغلق مطاراً، ولا معبراً، ولا يملك حتى ثمن معقم أو كمامة في حال تمكن من إيجادها، ثم إنه يحتاج لأن يتجاوز صدمات شتى مرّ بها، ليستجيب لهذا الخطر الجديد، ويدرك كيف يحاربه، ومحاولة إعادته لتلك الحالة تتطلب جهوداً جبارة.

أمامنا نماذج كثيرة ومتفاوتة في نسبة التقدم أو التأخر الحضاري، منها من أفلح في السيطرة على الفيروس ومنها من يعاني من كوارث طبية رهيبة، رغم توصيفه العام سابقاً ضمن الدول التي تتمتع بالاستقرار وترفل بثياب العلم ويشار إليها بالبنان حضارة ونهضة، الأمر الذي يستدعي العمل على أبحاث ترصد تلك الموازين والأدوات وتقيس نسبة الوعي ضمن الاستجابة لحالات الطوارئ، والأمر الذي يجعلنا ننظر نظرة أكثر رحمة وإنصافاً للشعب السوري، الذي لم تكن النظافة والتعقيم إلا من عاداته التي تربى عليها منذ الصّغر.

إننا نحتاج إلى الفاعلية أكثر من اللوم، ومن الوقاية قبل الوقوع في الأزمة، ونحتاج كثيراً لتوعية الناس أن حياتهم مهمة ولازمة وضرورية، كحياة باقي البشر على الأرض حتى لو لم تعترف حكومات البطش والإجرام بذلك، لا بد أن يعي السوري قيمة حياته واستمراريتها، وأن يورثها لجيل يخلفه جيل، يحمل رسالة الثورة، ويقاوم عدوه، ولا يستسلم، بل يفتش عن وسائل دفاعية جديدة تضمن سلامته، لأنه ببساطة يستحق الحياة.

===========================

موقفنا : السوريون وتسع سنوات من الخوف .. لا أكتب شماتة ، ولا نقمة ، وإنما أكتب تذكيرا وعسى أن تنفع الذكرى

زهير سالم

مركز الشرق العربي

28 / 3 / 2020

ومن عرف الله ربه لم يجربه .. " قال لا تجرب الرب إلهك " لأن الذين يقيمون علاقتهم مع الله إنما هم عديمو اليقين . وأختها ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ )

ومن علم معنى " لا إله إلا الله" أدرك سر الوحدانية في الذات والصفات والأفعال على الوجه الذي لا يصح بدونه إيمان ولا توحيد ..

وأنا أعيش في لندن ، عاصمة بريطانيا العظمى ، ,اجلس واجعل مجلسي قبالة النافذة المطلة على الشارع ، وكنا نقول : الشارع يصفر صفيرا ، ولكنه هنا لا يصفر ولا يزفر .. وبين الفينة والفينة حتي يطير طائر ، أو يسير سائر .

الخروج من البيت في بريطانيا غير محظور ، فقط غير منصوح به ، ومع ذلك لا أحد يريد الخروج . أستجمع شجاعتي ، وأفتح باب داري ، وأقف قبالته أستروح بعض نسائم الربيع ، ثم أدخل وكأنني قمت بعمل بطولي ..

هذا الخوف المخيم على البشر جميعا في كل عواصم الأرض ، هو خوف إنساني . وهو خوف حميد . وللحق هو ليس خوفا سلبيا دائما ، فعندما استنفرت الحكومة البريطانية مواطنيها للعمل التطوعي استجاب لها خلال 48 ساعة أكثر من نصف مليون . خبر لا يجوز أن يمر علينا عابرا ، ففي مثله نقتنص تجارب أو قيما كانت عندنا وفقدناها في مجتمعاتنا منذ زمن بعيد ..حقيقة تحتاج إلى الاعتراف والتأمل والاقتباس

تنقلني حالة الخوف العام أو المعمم الذي يلزم الناس في بيوتهم ، من غير سلطة متسلط أو رقابة رقيب ..إلى حالة الخوف الإنساني المعمم الذي كانت تشيعه أسلحة شويغو الذكية وبراميل بشار الأسد الغبية على مدى تسع سنوات في نفوس السوريين ..

أمام هول ما نعيش أستشعر حجم الخوف الذي اختزنه ضمير الطفل السوري الذي طمرته قذائف بوتين تحت الأنقاض وكتبت له النجاة ، أو الذي أحس بسقف بيته يتهاوى ، أو رأى أمه وأباه وأخته وأخاه أمام عينيه يفيضان .. واستشعر حجم الخوف في قلب الطفلة والطفل ، والأم والأب ، يهيمون على وجوههم في ظلمة الليل ، وبرودة الشتاء ، لا يدرون إلى أين ..أستشعر خوف المعتقلات والمعتقلين ، والمشردات والمشردين قد تحول إلى عبوات مختزنة في القلوب والنفوس !!

أتصور عبوات الخوف تلك في قلوب الملايين من البشر تنفجر دفعة واحدة وتفيض فتعم الأرض بالخوف ..وما يزال من عبوات الخوف المزيد ..

السوريون عندما خافوا كانت الحكومة التي يجب أن تكون مبعث أمانهم هي مبعث خوفهم .والمجتمعات اليوم كلها تخاف وحكوماتها تقول لمواطنيها نحن معكم : حاضرون ..ناظرون ..فاطمئنوا

أتذكر كم وقع قاسيا على نفوس الكثيرين عندما وقف بوريس جونسون : يقول للناس في بلده : هناك فئات معينة بين الناس ستترك لمصيرها ، ولن تشملها مظلة العناية لأننا غير قادرين ..!! كان للحياد السلبي الذي أعلنه أثره المزعزع على الكثير من النفوس . ومع ذلك فبوريس جونسون لم يقل مثلا سوف نعلن الحرب على غير المتجانسين ، وإن كانوا مليونا فسنعتبرهم ملايين!!

وأعود إلى ظاهرة الخوف التي تسود العالم اليوم . وأستذكر المسئوليات الإنسانية والأخلاقية والقانونية عن كل هذا الخوف الذي ساد وشاع ، ليس في سورية وحدها ، وإنما في كثير من بلاد الله التي ترعاها الذئاب أو التي أسندت رعايتها إلى الذئاب ..!!

المؤمنون بالفيزياء وحدها ، كفاعل أساسي في حياة البشر لا يزالون يلوون رؤوسهم ، ويصدون وهم مستكبرون ..

والمؤمنون بأن الله جل الله قد خلق هذا الكون بالحق ، وأقامه على العدل ، حتى في فضاء الغابة التي خلقها الله نرى النواميس الدقيقة تنظم ما يظنه البعض الفوضى . فرغم كثرة المفترسات في الغابة ما يزال فيها أجيال من الغزلان والأبقار والأرانب. في الغابة يتسيد ناموس حق البقاء للجميع ، وليس فيه ناموس للاضطهاد والاستئصال . في الغابة الأسد يشبع والنمر يشبع والذئب يشبع ، وكل هؤلاء من بشر هذا العصر لا يشبعون !! كل النواميس الربانية الكلية في الكون ترعى جوانب العدل حتى حين تسلط حيوانا على حيوان ..

ولكن هذا الإنسان حين استُخلف كان منه ما تابعناه في أفغانستان وأركان والإيغور والعراق وسورية وفلسطين واليمن ومصر ...كان هناك الطغيان بلا حدود ، والقتل بلا هدف ...وترتب عليه انفجار الخوف الكبير ..

من كل ما قرأت خلال العشر سنوات رابتني كلمات صدرت عن لبناني كتب مستهزئا بجناب الله العظيم : كل هذه الحروب باسم الله - وكذب فكل الحروب كانت بأسماء الطغاة - كتب : كل هذه الحروب باسم الله ، فأطل علينا أيها الله ، أرنا وجهك ، أسمعنا صوتك !!

وشعرت يومها أن السموات تتفطر وأن الجبال تتشقق للقول الإد الذي قاله رجل يقال إنه من بلد المسيح عليه السلام ..

وأنا أعلم أن وجه الله جميل . وصوته أمل ورحمة ، وانه يتجلى على عباده المؤمنين بالطمأنينة والأمن والرجاء ..

وأنه سبحانه وتعالى عندما يتجلى على مثل هؤلاء الجاحدين المنكرين ..يتجلى عليهم بكل الذي نعيش ..

ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا ..

ربنا تجل علينا بأسماء رحموتك ولطفك ..

اللهم عفوك وغفرانك

___________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

انتصار الثورة السورية المحطّمة

راتب شعبو

العربي الجديد

الاربعاء 25/3/2020

بعد تسع سنوات، نجد أنفسنا، نحن السوريين، أمام ثورةٍ تحطمت تحت آلة بطش وحشية، كما تحطمت غيرها ثورات كثيرة عبر التاريخ. ولكن ما يثقل على نفوس السوريين الذين خرجوا على نظام الأسد أن ثورتهم تحطمت من داخلها أيضاً، وتاهت عن هويتها السياسية، إلى حد أنها انقلبت إلى هوية مضادّة سياسياً (غلبت عليها سياسات مستبدّة في العلاقة مع الشارع، وأظهرت تبعية وارتهانا متزايدا لمصالح دول تعلو على مصالح الشعب السوري وثورته) وهوية مضادة فكرياً (سيطرة الفكر الإسلامي ــ الجهادي العدمي). لا يغير في الأمر أن تكون الثورة قد تحطّمت من الداخل، تحت تأثير القمع، أو تحت تأثير تناقض القوى المكونة لها، أو للسببين معا، كما نرجح. المهم أن الثورة لم تحافظ على هويتها، وراحت تتخذ طابعاً لا ثورياً أكثر فأكثر، وتستهلك بتسارع كبير القيمة الأخلاقية السامية للثورة.

من الخطأ الاعتقاد أن استمرار المواجهة العسكرية مع نظام الأسد يكافئ استمرار الثورة، ذلك أن الفصائل العسكرية التي أتيحت لها سبل الصمود والاستمرار، وتولت هذه المواجهة، كانت، في الواقع، أقل عداء لنظام الأسد من عدائها لقوى الثورة، القوى ذات المضمون الديمقرطي التي تهدف إلى تغيير فعلي في آلية العلاقة بين الحاكم والمحكوم، فقد تعايشت هذه الفصائل مع نظام الأسد في فترات الحصار عبر عملاء تجاريين ومعابر مأجورة أثرت من خلالها النخبة الفاسدة والمتحكّمة على رأس هذه الفصائل التي "تصالحت" تالياً مع نظام الأسد، فدخل بعضها في عداد قواته، فيما خرج بعضها الآخر، ممن رفض المصالحة، إلى مناطق إدلب مكرهاً، ليجد نفسه محكوماً بالعموم، إما لجبهة النصرة أو للدولة التركية. وفي المقابل، لم تستطع هذه الفصائل التعايش مع العناصر الديمقراطية العلمانية الموجودة في مناطق سيطرتها، فكان مصير هذه العناصر الإذعان أو الاغتيال أو السجن أو الفرار، تماماً كحالها في مناطق سيطرة نظام الأسد. استمرار المواجهة العسكرية، والتقدّم هنا والتراجع هناك، صار تعبيراً عن صراع من نوع آخر، لا علاقة له بالصراع الثوري الأول الذي اندلع لدوافع تحرّرية، مختلفة تماماً عن الدوافع التي راحت تغذّيها الفصائل الإسلامية وداعموها الإقليميون (صراع مصالح بين دول تستثمر في الانقسام الطائفي).

لا يخرج ما سبق من عرض عن السياق العام للثورات التي تدفعها عوامل مختلفة إلى اتخاذ 

"تاريخ الثورة السورية لم يعرض تمايزاً يفرز بين الهويتين، الثورية التي جرى إقصاؤها والإسلامية الجهادية المضادة للثورة"مسارات عدمية، غير أن الفارق السوري يكمن في أن تاريخ الثورة السورية لم يعرض علينا تمايزاً يفرز بين الهويتين، الثورية التي جرى إقصاؤها بتدريج متسارع والإسلامية الجهادية المضادة للثورة التي سيطرت على الضفة المواجهة لنظام الأسد. وكان من شأن غياب هذا التمايز أن جعل "أهل الثورة" يتحمّلون أخلاقياً وزر جرائم "أهل الثورة المضادة"، أو بكلام آخر، سمح لهؤلاء الأخيرين بأن يرتكبوا جرائمهم باسم الثورة. وسوف يثقل هذا التداخل على تأريخ (كتابة تاريخ) الثورة، كما أثقل على تاريخها نفسه.

يمكن رد التداخل، أو عدم وضوح التمايز بين الهويتين، الثورية والمضادة للثورة، إلى عاملين: الأول، الصعوبة النفسية لدى أهل الثورة السورية في رؤية التبدل الجوهري في طبيعة الصراع، وخروجه عن كونه صراعاً ثورياً إلى كونه صراعاً عدمياً، أي لا ينطوي على قيمة ثورية، ولا يفضي إلى تغيير فعلي في العلاقة بين الحاكم والمحكوم. بقول آخر، الرفض النفسي لدى أهل الثورة برؤية احتضار ثورتهم، وتحوّلها إلى صراع مصالح إقليمية ودولية مستقلة أصلاً عن مصلحة الثورة. هذه الصعوبة النفسية جعلت أهل الثورة يقحمون رغباتهم الثورية في المادة الإسلامية غير الثورية المسيطرة على الصراع العسكري ضد نظام الأسد، لا سيما أن كثيرين من عناصر الفصائل الإسلامية الجهادية كانوا هم أنفسهم عناصر فاعلة ونشطة في مرحلة الثورة الأولى. ولتأمين هذه الحاجة النفسية، اجتهد الوعي في حجب الطبيعة المضادة للثورة (جرائم القتل الوحشي والتمثيل بالجثث، والبطش بالعناصر الديمقراطية والعلمانية، سياسات التمييز الطائفي والعشائري وبروز النزعات القومية الشوفينية) بوصفها "نتائج ثانوية" للثورة، وليست متن ثورة مضادّة. كانت غاية الوعي هي الوصول سلفاً إلى النتيجة المرغوبة، أن الثورة مستمرة.

العامل الثاني هو الروح الانتقامية العصبوية والوحشية التي لا حدود لها، والتي تتعامل بها قوات 

"غالبية القوى الديمقراطية السورية المقهورة ساندت القوى العسكرية الإسلامية فقط لأنها تواجه نظام الأسد"نظام الأسد وحلفائه مع المناطق التي يستردّون السيطرة عليها، الأمر الذي يدفع السوريين، بشكل عفوي ومفهوم، إلى مساندة الفصائل التي تواجه قوات النظام، وتمنعه من إعادة السيطرة على مناطقها. تكرست بالتالي حقيقة تقول إن هذه الفصائل هي "الامتداد الطبيعي" للثورة التي خرج إليها السوريون ضد نظام الأسد. هذا المآل الثقيل الذي صار إليه أهل الثورة دفعهم إلى محاججاتٍ دفاعية، مثل أن أصل الشرور هو نظام الأسد، وأنه لا تجوز المساواة بين الضحية والجلاد .. إلخ.

الواقع أن غالبية القوى الديمقراطية السورية المقهورة ساندت القوى العسكرية الإسلامية فقط لأنها تواجه نظام الأسد، على الرغم من أن القوى الإسلامية ساهمت في سحق الديمقراطيين، وجعلت من نفسها "أنظمة" قمع، كل حسب قدرته، ومن مناطق سيطرتها مناطق طاردة لطيف من التنوع السوري، الديني والقومي. النتيجة هي غياب (أو شحوب) التمايز بين معسكرين سياسيين وفكريين سوريين متمايزين في العمق. يترتب على هذه النتيجة أن صورة الثورة الأولى، بما هي مسعى تغيير سياسي عميق ينسجم مع مصالح المحكومين وأدنى إلى قيم الحداثة والأخلاق الإنسانية، تداخلت أو ضاعت في صورة الصراع الطائفي المرتهن للخارج وغير الثوري الذي ابتلع الثورة. وقد حرمت هذه الحقيقة الثورة السورية من بلورة علوها الأخلاقي ورمزيتها الثورية المتمايزة وإبرازهما، الأمر الذي حرمها، بالتالي، من تحقيق انتصار معنوي وأخلاقي صريح، على الرغم من هزيمتها المادية أو العسكرية، الانتصار الذي يشكل سنداً روحيا للثائرين المهزومين، ويشكل خميرة ورصيدا معنويا لثورات قادمة. وهو انتصارٌ لا يمكن لأي قوة، مهما توحشت، أن تمحوه. خسارة أهل الثورة السورية هذا السند المعنوي لا تقل ثقلاً وألماً عن خسارتهم المادية.

===========================

على الرؤوس المفلسة أخلاقياً أن تتواضع أو تزيح... الكورونا

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 23/3/2020

لم يشهد العالم ركوع جبروت القوة أمام جائحة بطلها فيروس لا يُرى، كما يشهده في أيامنا هذه. على رأس الراكعين قادة ترتعد لهم المفاصل، إذا ما نطقوا؛ قادة يمتلكون قوة نارية تدمّر كوكبنا خمسين مرة، وتراهم يلوذون وراء مفردات استسلامية، تاركين أمماً للسماء كي تحدد مصائرها وأقدارها.

كان الملفت احتكار السياسيين وقادة البلاد الحديث عن موضوع "كورونا" تاركين المختصين بهذه العلوم جانباً. لقد قدّم هؤلاء القضية المذكورة بشكل مرعب؛ زرعوا الهلع في كل مكان؛  فتحول كوكبنا إلى ضيعة ساكنها حبيس بيته، محاصراً بالجيش والفيروس.

كَثُرَت النظريات والتحليلات والتخمينات حول الفيروس "كورونا". ذهب البعض إلى نظرية المؤامرة في تحليل ما يحدث. البعض تحدث عن حروب اقتصادية. وبحكم بدء انتشار الفيروس في الصين، تصوّر البعض أن الخشية تكمن في ابتلاع الصين لاقتصاد العالم، وسعيها للتفوق على الاقتصاد الأمريكي؛ فلا بد وأن أمريكا شنت هذه الحرب البيولوجية كضربة قاتلة للصين واقتصادها.

لم تمض أيام إلا وشهدنا التنين الصيني ينتفض، ويتخلّص من جائحة الكورونا؛ التي سمّاها الرئيس الأمريكي لوقت لا بأس به بـ"الفيروس الصيني". وهنا بدأ الارتعاش والعويل في العالم الغربي، بما فيه أمريكا. تتوقف الحياة في الغرب، تهتز الاقتصادات، يلوح ركود اقتصادي قاتل خانق في الأفق، تذهب المليارات في دهاليز التقصير الصحي لدرء بعض عقابيل الكارثة، تنهار مؤسسات عملاقة تستنزف ما تراكم من مال؛ عدّاد الضحايا يتسارع متناسباً طرداً مع توتر السياسيين، الذين يرى البعض أنهم يعرفون ما لا يعرفه العامة، أو يخفون ما هو أكثر كارثية.

منذ أكثر من قرنين، أرعب "مالتوس" العالم بنظريته، التي تتحدث عن عدم توازن بين تزايد عدد سكان كوكبنا، وما يمكن أن تنتجه الأرض لتعيل هذا التزايد. ومن بين مقترحاته -لإحداث التوازن- كانت الحرب، أو الإفقار، أو الأوبئة. فهل زاد سكان كوكبنا كثيراً، وأصبح لا بد من إزاحة حمولته الزائدة عبر وباء لا يبقي ولا يذر؟!

الملفت أن أكثر مجموعة ينال منها الفيروس هي المسنون

الملفت أن أكثر مجموعة ينال منها الفيروس هي المسنون. وهنا تبرّع البعض بالقول إن هذه الفئة أضحت عبئاً على الاقتصاد؛ تستهلك، ولا تنتج؛ متهالكة صحياً؛ تستنزف الميزانيات. وحسب هذه الرؤية، التي تشكل أحد بوابات الدخول إلى "المالتوسية"، يمكن أن نفسر حالة الذعر التي تصيب العالم الغربي، تحديداً أوروبا -التي سمّاها البعض" القارة العجوز"- لقد مات مالتوس وشبع موتاً، ولكن من يقول إن نظريته ماتت، ولم يعد لها أنصار، وما من سياسات دولية تبنى عليها؛ واهمٌ. ربما لم تعد المسألة الكم البشري - كما رأى مالتوس- بل النوع وكمية إنتاجه؟ مقارنة مع استهلاكه، هي التي أضحت المعيار الأساس.

تأخذ جائحة اليوم العشرات وربما المئات يومياً؛ والنسبة لا تكاد تُذكر؛ حيث يرى البعض أن الانفلونزا العادية كانت تحصد حيوات عشرة أضعاف ما يحصده كورونا. ويذهب آخرون أبعد إلى القول إن من يقضي، تحت هذا الاسم فيه من العلل التي تحتم رحيله بدون الفيروس، ولكنه يُحسب من ضحاياه. وهنا تأتي الشكوك بأن وراء الأكمة ما وراءها. وهذا الهلع لم نشهده عندما كانت هناك أفعال إجرامية تتعمد قتل وتدمير حياة الآلاف في الحروب.

لقد قتل نظام الأسد بمعاونة إيرانية - روسية ما يقارب المليون سوري، وشردوا نصف سكان سوريا، واعتقلوا نصف مليون، واستخدموا الأسلحة المحرمة دوليًا؛ ولم نشهد هذا الهلع الدولي. حتى في عهد الكورونا، تبقى مخيمات السوريين بآلافها وآلامها المؤلفة دون التفاتة ممن يعقمون حتى الابتسامة. لقد سمعوا وزير صحة نظام الأسد بأن جيشهم تخلص من كل الفيروسات؛ وهم لا يحتاجون إلى مَن يقول لهم إن زنازين الأسد تتراكم فيها جثث المعتقلين دون التفاتة. فأي عالم منافق هذا الذي يستنفر ويركع دون الالتفات إلى الجانب الآخر من القارب؟!

إحساس عالمي جميل النظر إلى كوكبنا كجسد واحد؛ شكوى عضو منه تصل حتماً لباقي الأجزاء؛ ولكن -حتى الآن- يشوب هذا الإحساس الكثير من النفاق والدعاية الكاذبة الرخيصة.

بعد كورونا -إذا كان هناك ما بعدها- لن يكون كما قبلها. ستعرف القوة حدوداً جميلة من التواضع؛ وتلك الرؤوس الكبيرة، وخاصة المتغطرسة والدكتاتورية منها، ستتوازن وتنحني لقوة تتجاوز جبروتها، وتدفعها باتجاه التركيز على الجوهري، على آلة العلم الذي ينفع البشرية، لا على آلة قتلها وتدمير أرواحها وحياتها. على هذه الرؤوس اليابسة المفلسة أخلاقياً أن تتواضع قليلاً؛ وربما أفضل أن تزيح جانباً؛ فهذا الكوكب وُجد ليعمر، لا أن يُدَمَّر بضحالة أخلاقهم.

===========================

جيش الأسد و"ديتول الكيماوي"

سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاثنين 23/3/2020

وسط انشغال العالم بوباءٍ يهدد الإنسانية، بشقيها البيولوجي والأخلاقي، وتوقف أنشطة الأمم المتحدة وفعالياتها، يعيد الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، خلال حديثه مع رئيس النظام السوري، بشار الأسد، الأسبوع الماضي، توجيه الأنظار إلى العملية السياسية في سورية في إطار اللجنة الدستورية، متجاهلاً أسباب إعاقة عملها منذ لحظة تشكيلها في 23 سبتمبر/ أيلول 2019 إلى يوم إعلان المبعوث الأممي، غير بيدرسون، في إحاطته أمام مجلس الأمن في 20 ديسمبر/ كانون الأول 2019: "في ظل الوضع الراهن وعدم التوافق على جدول أعمال، لا أرى سبباً للدعوة إلى دورة جديدة للهيئة المصغرة للجنة الدستورية"، أي أنه يجد في معركته المشتركة مع "نظيره" السوري أخيرا على إدلب، والتي هجرت نحو مليون سوري، وقتلت عشرات منهم، ما يعيد الحل السياسي إلى الواجهة، وما يؤسّس لجلسة مشتركة مع وفد المعارضة في اللجنة الدستورية، لإعادة صياغة دستور يختصر الحل، ويؤسس لدولة ما بعد الثورة، وقبل النصر لأي من الطرفين السوريين.

ويأتي تجاهل الحديث بين الشريكين الرئيسين (النظام وروسيا) عن انتشار وباء كورونا، ولو بجملةٍ تطمينيةٍ بروتوكولية، بحكم إعلان روسيا عن إصابات لديها. ويمكن النظر إلى هذا التجاهل المقصود في إذاعة الخبر المعلن باعتباره رسالة داخلية لمجتمعاتهم التي يحكمونها 

"نفي انتشار وباء كورونا المستجد في سورية أمنية حقيقية مشتركة لدى كل من مؤيدي النظام ومعارضيه"بالنار والدستور المرن واللين حسب الحاجة، "صحة الانسان ليست من ضمن أولويات هذه الأنظمة الحاكمة". ورسالة إلى المجتمع الدولي الذي يحتل هذا الوباء أولويةً على قائمة العمل العالمي، بكل مستوياته الرئاسية والعلمية والاجتماعية، وحتى في تغيير المنظومات القانونية والمالية، وانعكاسات ذلك على الحياة البشرية، أن روسيا ماضيةٌ في خطة ترويض الحلول السياسية لمصلحة "البندقية أو البوط العسكري"، في ظل انشغال العالم وجيوشه بتحقيق الأمان لشعوبهم، وانشغال المنظمة الأممية في تعقب الفيروس وطرق علاجه.

أن تصدق تصريحات النظام السوري في نفي انتشار وباء كورونا المستجد (كوفيد 19) في سورية أمر من شأنه أن يكون الأمنية الحقيقية المشتركة لدى كل من مؤيدي النظام ومعارضيه، حيث لا يعود للكفاح السياسي معنى، في ظل توقع انعدام الحياة بمجملها، في واقع مأساوي خلفته حرب طويلة، اعتمدها النظام وسيلة دفاع عن كرسي الحكم، موقعاً ما يفوق كل ضحايا هذا الفيروس المتوقعين إلى يوم اكتشاف علاجه، ومن ثم لقاحه الوقائي، فكيف إذا رافق ذلك وباءٌ يلتهم أجساد أحبابنا وأهالينا، وصولاً إلينا جميعاً، فحيث الاعتراف يوجب على النظام أداء واجبات الدولة لمواطنيها، في حين يكون النفي وسيلةً أسهل للهروب من استحقاقات المسؤولية القانونية والأخلاقية للنظام تجاه مواطنين جرّدهم من بنيتهم التحتية التي تحتمي بها المجتمعات في وقت الأزمات الوبائية.

قرار اتخاذ الإجراءات الوقائية في ظل انعدام وجود الوباء يؤدي وظيفة مضاعفة، وهي تهرّب 

"الحجر الأمني هو الحجر الوحيد الذي يتقنه النظام الأمني الذي اعتقل مئات الآلاف، وجعل كثيرين مجرّد أرقام على جثثٍ"الدولة من مسؤولياتها تجاه المصابين المغيبين من واقع الأرقام، كما يجنّبها، من جهة ثانية، مسؤولية تأمين مستلزمات الحجر الصحي لسوريين اعتادوا على الحجر الأمني خلال سنوات تسع من عمر ثورة الكرامة، وهو الحجر الوحيد الذي يتقنه النظام الأمني الذي اعتقل مئات آلاف السوريين، وجعل كثيرين منهم مجرّد أرقام على جثثٍ تصرّح بأنواع التعذيب.

ليس من قبيل المصادفة أن تتجاهل موسكو الحديث عن الوباء، ومخاوف انتشاره وآليات حماية السوريين منه، وهي المتهمة بتدمير المشافي السورية بشكل ممنهج، منذ دخولها العسكري المباشر إلى سورية في معظم المناطق (ريف دمشق وحماة واللاذقية وإدلب وحلب)، فحسب "ويكيبيديا"، منذ عام 2015 حتى يناير/ كانون الثاني 2016، هوجمت المرافق الطبية مائتي مرة من القوات الروسية والنظام. وصبّ الطيران الروسي نيرانه على المشافي في حلب عام 2016، لينهي عمل ستة مشاف وتدميرها كليا، كما قام بتدمير الجمعية الطبية الأميركية في سرمين، ومشفى الأطفال في أعزاز، ومشافي معرّة النعمان والأتارب وداريا. وتابعت هذه القوات عملها الممنهج حتى مارس/آذار 2020، لتدمر معظم مشافي كفر نبل وكامل ريف إدلب. واستمر هذا خلال معارك إدلب أخيرا، ما يعني أن الحديث عن أعمال وقائية أو علاجية يصبح كحديث لص عن الأمانة.

في ظل كل ما حدث، خرج علينا حديث وزير الصحة السوري، نزار يازجي، عن جيشه الذي طهّر سورية من الجراثيم حقيقة، وهو إذ ربط بين انتشار عدوى الوباء الفيروسي كورونا و"عدوى" الحرية الذي انتشرت بأسرع مما تخيله النظام، وعمل على تطويقه خمسين سنة.

حديث كشف عن مستوىً مهم في الحكومة التكنوقراط للنظام، فحيث لا يفرّق وزير الصحة بين استخدام الجيش السلاح الكيماوي الذي أذاب حياة ضحاياه في أكثر من مكان في سورية واستخدام الجيش "الديتول" لتعقيم الساحات والمنشآت العامة كما تفعل اليوم جيوش الأوطان في كل مكان. يمكن القول إن الوزير قال الحقائق التي يعرفها، أو التي يجب أن يسوقها عن جيش التطهير، وهو يعرف أنه تطهير بهدف تحقيق المجتمع المتجانس، ما يعني أنه استخدم المعقّم الذي يمكّنه من قتل كل من هو غير ذلك، فهل ينفع الكيماوي في محاربة كورونا؟

يبقى السؤال في عهدة السيد الوزير وجيش "ديتول الكيماوي".

===========================

سوريا من «كوليرا» الطفولة إلى «كورونا» الشيخوخة

خالد خليفة

الشرق الاوسط

الاثنين 23/3/2020

كنت طفلاً في التاسعة من عمري حين عدت إلى المنزل، وأخبرت أمي بـأن الكوليرا تسير في الشوارع وأن «مشفى الحميات» في عين التل القريب من منزلنا في حي الهلك في حلب، يغص بالجثث التي ستحرقها البلدية. كأني كنت أخبرها عن فوز فريق «الأهلي»، قبل أن يغيروا اسمه إلى «الاتحاد»، على «العربي» الذي أصبح اسمه «الحرية».

أمسكت بي وحققت معي عن مصدر معلوماتي. أشرت إليها ساخراً: «تستطيعين الذهاب إلى مشفى الحميات، وسترين هناك بأم عينيك الكوليرا وهي تتجول في ممرات مشفى العتيق»، المنفي إلى خارج المدينة قريباً من محالج القطن وأحياء الفلاحين القادمين الجدد إلى المدينة. كانت عائلتي قد سبقتهم بسنوات قليلة، مما منحها ميزة تقديم الاستشارة لمن يرغب من الأقرباء الجدد بالانتقال والاستقرار في حلب المدينة.

قبل أيام قليلة منذاك، بدأت جائحة الكوليرا السنوية، وكان «مشفى الحميات» قريباً من مدرستنا «المنصور»، التي تقع على الخط الفاصل بين منطقتي «الميدان» التي تقطنها الطبقة الوسطى من الأرمن و«الهلك التحتاني» و«الهلك الفوقاني»، الحي الشعبي العريق الذي كان مهد اليسار السوري في أواخر الستينيات وبداية السبعينيات. ساعده، خليط سكانه المؤلف من فلاحين مهاجرين إلى المدينة، وأرمن فقراء، وتركمان تحولوا جميعهم إلى صانعي أحذية، وأكراد، إضافة إلى التصاقه بمنطقة «عين التل» التي تضم أغلب محالج القطن التي احتضنت الأفكار اليسارية والمنتمين إلى فصائل المقاومة الفلسطينية، خاصة «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين».

أمي، لا تملك كما كل الأمهات، طريقة للحماية من الوباء الذي يتبختر في الشوارع، سوى نقعنا في المياه الساخنة، وفرك جلودنا بالصابون لطرد الوباء من جلودنا، بالإضافة إلى التعاويذ التي لا تتوقف أمي عن ترديدها بشكل دائم.

أثناء التحقيق، ما زلت أذكر الذعر في عيني أمي، حين أخبرتها ببساطة بأني ورفاقي تسلقنا سياج المشفى، ورأينا بأم أعيننا الكوليرا وهي تدخل أجسام المرضى وتقتلهم، ثم تأتي البلدية وتحرق الجثامين.

- 2 -

كانت الكوليرا زائراً سنوياً، يحصد عشرات آلاف الأرواح، ويمضي كقاتل محترف لا يمكن إيقافه. لم أعد أذكر متى توقف هذا الشبح عن التجول في الشوارع. أعتقد في نهايات السبعينيات. ذكرياته المرعبة ما زالت تقض مضاجعنا، وتعود من جديد مع أي وباء جديد، لكن في الأيام الماضية شعرت بأن الوباء الجديد سيقودنا حتماً إلى نهاية العالم، لم أكن أتجرأ على التفكير أو التخيل بأنه من الممكن للعالم كله أن يغلق أبوابه وتعود الأنهار تجري بجنونها المعتاد كما يريد لها الزمن والرياح، وتبني العصافير أعشاشها في أي مكان تختاره.

فكرت بإمكانية عودة الأنواع المنقرضة من الحيوانات إلى الظهور، تخيلت كيف ستتجول في شارع أكسفورد اللندني، الزرافة البيضاء التي قتل صياد محترف آخر فردين من سلالتها قبل أيام قليلة في بلد أفريقي على ما أذكر. أتخيل بأن تلك الأنواع المنقرضة قد بعثت من جديد وأصبحت تقاسمنا الطرقات والمنازل الضيقة والبارات. تعجبني صورة أن أتناول كأس كونياك مع فيل صغير مكوم على كرسي في بار يذرف دمعاً كما نفعل نحن العشاق الخاسرون.

لكن ماذا لو لم تقبل هذه الحيوانات مقاسمتنا الحياة وقررت الانتقام منا على ما فعلناه في أمها الأرض، وقررت طردنا بشكل نهائي وإعادة إنتاج سلالات جديدة من بشر مختلفين أقل قسوة مع الأرض وأكثر رحمة فيما بينهم.

رغم أنني لم أكن يوماً من هواة الحفاظ على البيئة، فإنني أشعر بنفسي مشدوداً إليهم لأبعد الخوف عن حياتي التي أشعر بأنها مهددة فعلاً خاصة أن الفيروس العظيم المبجل «كورونا»، لم يحسم خياره معنا نحن الذين غادرنا الشباب ولم نصل بعد إلى الشيخوخة أو أرذل العمر.

- 3 -

أثناء كتابتي لروايتي الأخيرة «لم يصل عليهم أحد»، قرأت في سنوات البحث وكتابتها الأحد عشرة سنة أغلب كتب تاريخ حلب، وكانت النتيجة بأنه لم يمر على حلب عقد كامل دون وباء قاتل. أخطر هذه الأوبئة كان «الطاعون» الذي أهلك البلاد والعباد، وكما يقول الحلبيون «فوق الموتة عصة القبر»، أي إضافة إلى الظروف السيئة التي تصاحب معيشة الناس، تأتي الأوبئة. لكن في حلب كان ذلك المثل يطبق في أوقات مختلفة، في زلزال 1822 الشهير، انتشر «الطاعون» بشكل رهيب في المدينة. كان ضربة قاصمة لظهر المدينة التي لم تستطع النهوض ومحو آثار هذه الكارثة قبل خمسين سنة. دمر ثلثي المدينة ومات أكثر من خمس وعشرين ألف شخص، أي ربع أو ثلث سكان المدينة تقريباً. وأي قراءة لتاريخ حلب، قد تعني بشكل أو بآخر قراءة لتاريخ الأوبئة. يتحدث التاجر الحلبي يوسف جرجس الخوري في يومياته عن حلب في كتاب «حوادث حلب اليومية 1771 - 1805»، الذي طبع منذ سنوات قليلة كاشفاً اللثام عن تاريخ مخفي لمدينته العريقة، عن «الطاعون» الذي ضرب المدينة عام 1787، ويصف المشاهد المروعة ويعدد أسماء بعض الضحايا.

لم أجد في روايتي صورة عن قسوة الأوبئة أفضل من صورة المدينة الفارغة حين يصلها حنا ورفيقه زكريا. إنها الصورة التي شكلت لي فتنة قاتلة، ولم تزل في طفولتي حين كنا محبوسين بأمر أمي، نرى العالم من وراء شقوق الباب، والكوليرا تتجول في الشوارع وتحصد ضحاياها، بينما رائحة الجثث المحترقة تفوح في فضاء المدينة والمآذن التي تبتهل برد البلاء، تعلن عجزها بدموع حارقة.

- 4 -

ما زلت أعتقد بأننا كبشر اليوم وفي كل مكان رهائن لدى الشركات الكبرى. رحبنا بنمط حياتنا في غفلة عنا، أو فرض علينا دون إذن منا. لم يسألنا أحد إن كنا نريد أن نتوقف عند «مرحلة الفاكس» أم نعبر إلى «مرحلة النت». نستطيع تعداد كل ما يحيط بنا من إنجازات تفتخر البشرية بها دون أن تسأل نفسها عن الأثمان الواجب دفعها، بالإضافة إلى أن الصورة نفسها ما زالت ثابتة، قدوم الوباء يرتبط بالندم، في وقت لا ينفع فيه الندم. وهم بأن الحياة قبل مائة سنة كانت أكثر رحمة ليس صحيحاً، الحياة دوماً كانت تمرين على القسوة المستمرة. ما نتحدث عنه، بأن الحياة المعاصرة هي نهش للذات، وابتعادنا عن السعادة باقترابنا من نمط الحياة المعاصرة القائمة على تملك الأشياء أيضاً وهم. لم تتوقف الحياة عن كونها امتحاناً مؤقتاً لا يجوز محاكمتها بمعزل عن إخفاء الحقائق عن العامة من قبل السياسيين ومجموعات البحث العلمي التي أعتقد وصلت إلى أعلى مراحل التطور. ولدي يقين كامل، بأنها قادرة على إعادة إنتاج الحياة أو إيقاف الموت. لكنها في هذه اللحظة الرهيبة تقف عاجزة أمام هذا الفيروس الذي أغلق العالم، حقيقة وليس مجازاً. نفس السياسة في إخفاء الأسرار، ما زالت سائدة ولن نجد جواباً قريباً عن سؤال: من أين أتى هذا الفيروس، كما لم نجد حتى الآن جواباً لسؤال: من أين أتى «داعش»؟ ولماذا؟ ومن سيدفع التعويض لعشرات الآلاف من ضحاياها.

مع كل وباء يصبح البشر جيفة يجب الابتعاد حتى عن جثامينها، وصور الجنازات في العالم تخبرنا ببساطة بأن الموت قد يكون فعلاً عملاً شاقاً، والعالم يقتسم مع سوريا هذه المشقة رغم اختلاف الزوايا.

- 5 -

هنا والآن. السوريون مرة أخرى ينتظرون الموت العشوائي في حلته الجديدة، وأنا واحد منهم. لقد اختبرنا كشعب كل أنواع الموت. تحت التعذيب مات عشرات الآلاف من خيرة شباب سوريا. تحت القصف، دمرت مدن سوريا. في الحرب، التي لم تنته، مات أكثر من نصف مليون سوري، عدا عن التهجير وملايين النازحين.

اليوم، يتبختر وباء «كورونا» بنسخته الجديدة، وجميعنا في سوريا ننتظره دون حول أو قوة، أو يقين، بأننا نستطيع مجابهته. في أعماقنا جميعاً، نعرف بأننا شعب فائض عن حاجة النظام الذي يستطيع العيش والاستمرار بربع عدد السكان فيما لو مات ثلاثة أرباع السكان. لن يسأل أحد لماذا لا توجد «منافس» للأكسجين كافية في مشافي سوريا، لماذا المنظومة الطبية شبه غائبة. وفي حالة فريدة، لا يوجد أحد يتلقى السؤال ويتحمل المسؤولية، لأنه في أعماق السوريين ينمو يقين غريب بأن من عبر الحرب هو ناجٍ من كل بد، ومن غرق في البحر لن يغص بالساقية. لكن من يدري، قد تتحول الساقية إلى طوفان رهيب يجرفنا جميعاً إلى الهاوية والمحرقة التي تجعل منا رماداً.

*روائي سوري

===========================

لقاح كورونا: “الجيش العربي السوري”!

 صبحي حديدي

القدس العربي

الاحد 22/3/2020

الأرجح أنّ من المحال العثور، حتى إذا بحث المرء في أربع رياح الأرض، على وزير صحة من طراز شاغل الحقيبة الحالي في حكومة النظام السوري، لا يعتبر فيروس كورونا جرثوماً، فحسب؛ بل يبشّر السوريين بأنّ جيش النظام “طهر الكثير من الجراثيم الموجودة على أرض سوريا”، ولهذا لا إصابات بفيروس كورونا في سائر أنحاء البلد.

القاصي والداني يعرف، في المقابل، أنّ البلد على حدود مشتركة مع ثلاثة بلدان لا تخفي وجود إصابات على أرضها، العراق ولبنان والأردن؛ وأنّ إيران، البلد الأوّل في المنطقة والثالث عالمياً من حيث أعداد الإصابات والوفيات، تجمعه علاقات سياحة دينية كثيفة مع مواقع مختلفة في سوريا، وله قوّات عسكرية مرابطة في البلد تقاتل إلى جانب النظام. ولا فائدة تُرجى من مساجلة الوزير الهمام حول الفارق بين الفيروس والجرثوم، أو التشكيك في معلوماته عن هذا اللقاح الإعجازي الجديد الذي يُدعى “الجيش العربي السوري”؛ فالنظام الذي يكذب حتى في نشرة الأحوال الجوية، كما ذكّرنا ذات يوم الشاعر السوري الراحل ممدوح عدوان، كيف له أن يصدق كورونياً!

فات الوزير، مع ذلك، أن يكافئ تضامن “الحرس الثوري” الإيراني مع النظام باقتراحٍ علاجي لا نظير له ولا سابق، مثل إرسال عيّنات من اللقاح العبقري ذاته إلى حكومة آيات الله في طهران، على سبيل وقاية آلاف المواطنين الإيرانيين الذين تفتك بهم الكورونا المستجدة، قبل تطهير الأراضي الإيرانية من الفيروسات كافة. وإذا جاز واجب التضامن المطلق مع الفاجعة الرهيبة التي يعيشها الشعب الإيراني اليوم، فإنّ شرّ البلية لا يجبّ حقّ تفضيح هذا النظام السوري الذي يفرّخ هذا الوزير؛ فالسخرية هنا أقرب إلى أضعف الإيمان في مواجهة مقدار فظيع من الابتذال العلمي والطبي الذي ينطوي، أيضاً، على استهتار طائش بمخاطر هائلة تمسّ ملايين السوريين.

إلى هذا، فشل الوزير في التعمية على حقيقة إحصائية ساطعة تفيد بأنّ وزارته لم تكن تملك أيّ جهاز لتحليل الإصابة بالفيروس في بدء انتشاره عالمياً، وأنها اليوم أيضاً لا تملك سوى جهاز واحد وحيد مقرّه دمشق؛ الأمر الذي يعني أنّ المعرّض للإصابة في حلب أو حمص أو اللاذقية، فما بالك بأبناء القامشلي ودير الزور والرقة، يتوجب أن يسافر إلى العاصمة لإجراء التحليل؛ على ما يحمله أيّ ترحال بين المحافظات السورية من مشاقّ ملحمية وعوائق عصية، إذا توفّر السفر أصلاً.

مأساوي، كذلك، في ظلّ الدولة الفاشلة التي يديرها النظام السوري منذ عقود، أن تصبح جائحة الكورونا مناسبة لارتفاع جنوني جديد في أسعار المواد الأساسية، والغذائية في المقام الأوّل؛ ليس لأنّ غريزة التخزين الاحتياطي تقترن عادة بشروط استثنائية مثل الأوبئة والحروب، بل لأنّ ضوابط التسعير غائبة أو منعدمة، واستغلال المواطن قائم على قانون شرعة الغاب. الأمثلة مذهلة: الكيلوغرام من الأرز 1800 ليرة سورية، والسكر 600، ولحم الغنم 8500، ولحم العجل 7500، والفروج الحي 1500، والسمن النباتي 1500، ولتر الزيت النباتي 1300

الكورونا مناسبة، أيضاً، لانحدار إعلام النظام إلى حضيض أكثر تدنياً في تجميل صورة السلطة، وتبرير القباحات المختلفة، وإحالة فشل الحكومة إلى العقوبات الاقتصادية، وإشاعة نظريات المؤامرة حول استهداف الحليفين الصيني والإيراني (ولا أحد، بالطبع، يتساءل عن سرّ توفير الحليف الروسي!)؛ بل الشماتة في ما تعانيه دول غربية مثل إيطاليا وفرنسا والولايات المتحدة، عقاباً لها على معاداة النظام. صحيفة “الوطن”، التي يملكها تمساح الفساد وابن خال النظام رامي مخلوف، طالبت العالم بثلاثة إجراءات: رفع العقوبات كاملة، وخروج جميع “القوات الاحتلالية غير الشرعية”، ومنح النظام “تعويضات عاجلة من الدول التي قادت ودعمت الحرب”!.

هنا، أيضاً، فات الجهبذ الذي سطّر تلك الإجراءات أن يضيف إليها شرطاً: إلزام منظمة الصحة العالمية، والبشرية جمعاء، باستيراد اللقاح العبقري الإعجازي، إياه: “الجيش العربي السوري”!.

===========================

إدلب: القضاء على “حراس الدين” في ميزان الحسابات المحلية والتركية

منهل باريش

القدس العربي

الاحد 22/3/2020

اصطدمت القوات التركية في إدلب، بالهجوم على إحدى دورياتها على طريقM4  بالقرب من بلدة محمبل ظهر الخميس، وأسفر الهجوم عن مقتل جنديين تركيين فارق أحدهما الحياة فور استهداف العربة التي تقلهم، فيما قضى الآخر بعد إسعافه، وجرح جندي ثالث معهما.

وأكدت وزارة الدفاع التركية أن الرتل تعرض لهجوم صاروخي من جماعة متطرفة، في منطقة خفض التصعيد في إدلب. مضيفة أنها “ردت بالمثل على الهجوم، وضربت أهدافاً محددة في المنطقة”.

وعقب الهجوم، بدأ الجيش التركي والجبهة الوطنية بنشر نقاط حراسة وتوزيع مخافر حراسة فردية على جانبي الطريق. ويتوقع أن تعهد قيادة العمليات التركية إلى الجبهة الوطنية للتحرير من أجل حمايته ومنع الفصائل المتطرفة من زرع عبوات متفجرة على الطريق. وبعد ساعات على نشر المحارس تعرض بعضها، الجمعة، في عدة نقاط إلى التكسير من قبل عناصر مجهولة.

وفي السياق، أنشأت تركيا نقطة مراقبة كبيرة في منطقة بسنقول الاستراتيجية على طريقM4  بين أريحا ومحمبل والتي تعتبر أعلى المرتفعات في المنطقة وتشرف على أرض واسعة غرب محمبل وريف إدلب الغربي وسهل الروج، بهدف المراقبة والتحكم في أمن الطريق، وإبعاد الفصائل المشاغبة أو المتطرفة التي تسعى إلى إعاقة تنفيذ البرتوكول الإضافي لاتفاق سوتشي، الذي وقع بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب اردوغان  في الخامس من آذار/مارس الجاري.

وسألت “القدس العربي” المصادر الميدانية حول استهداف الرتل التركي، لتقول إنه جرى عبر “تفجير عبوتين ناسفتين مزروعتين على جانب الطريق، وأن الاستهداف لم يكن بواسطة قذيفة صاروخية”. وأشارت المصادر إلى أن هيئة “تحرير الشام” والجبهة “الوطنية للتحرير” استدعت مؤازرات إلى مكان الاستهداف، وطوقت القوات التركية وقوات المعارضة بلدة محمبل، من دون معرفة تفاصيل حول المجموعة المهاجمة. ونفت المصادر المحلية حصول اشتباك وبررت “إطلاق الرتل التركي النار في الهواء من أجل تخويف المهاجمين”.

ونفى مسؤول العلاقات الإعلامية في هيئة “تحرير الشام” تقي الدين عمر في تصريح لـ”القدس العربي” خبر “التعرف على المجموعة التي استهدفت الرتل التركي” أو اعتقالها.

واتهم ناشطون أحد مجموعات   تنظيم “حراس الدين” بشن الهجوم على الدورية التركية، لكن قيادة “الوطنية للتحرير” أحاطت القضية بكتمان ولم ترشح تفاصيل إضافية تتعلق بمصير المجموعة المهاجمة. فيما اتهمت مصادر في “حراس الدين” النظام السوري وخلايا تنظيم “الدولة الإسلامية” وفضلت قيادة “الحراس” تجنب التعليق رسميا عن معرفتها بالحادثة.

وفي وقت سابق، تعرف نشطاء على مقاتلين ملثمين بثوا أشرطة مصورة على طريق M4 يتبعون لفصيلي “حراس الدين” وجماعة “أنصار التوحيد” هددوا فيها الروس وتعهدوا بمنع تسيير الدوريات الروسية التركية المشتركة على الطريق.

وأتى التفجير، عقب إزالة القوات التركية للسواتر الترابية التي تقطع طريق حلب-دمشق M4 الذي يشير إلى عزم تركيا على المضي في فتح وتشغيل طريق الترانزيت، والوفاء بتعهداتها لروسيا، وتجنيب المنطقة مصير ريفي إدلب الجنوبي والشرقي.

فرص تحرير الشام

يبدو أن أنقرة اتخذت قرارا بإبعاد هيئة “تحرير الشام” عن الممر الأمني، حسب اتفاق المعايير الذي أنضج في أنقرة بعد اجتماعات الخمسة أيام. وهو ما يفسر محاولتها إعاقة فتح الطريق على مرحلتين، الأولى بدأت من خلال دعم الحركة المدنية الاحتجاجية والتحريض عليها، وتخصيص آليات لنقل النازحين من مخيمات الشمال لحضور الاعتصامات على الطريق، وحضور عناصر الجهاز الأمني كمحتجين مدنيين وامتطاء موقف النشطاء الذين احتجوا على فتح الطرق، مشترطين فتحها بانسحاب قوات النظام إلى ما بعد حدود نقاط المراقبة التركية، وعودة اللاجئين إلى سراقب ومعرة النعمان ومناطق شرق طريق حلب-دمشق M5 وريف إدلب الجنوبي.

وتتمثل إعاقة هيئة “تحرير الشام” الثانية، باللعب بورقة التنظيمات الأكثر تطرفاً (جبهة أنصار الدين، وجماعة أنصار الإسلام، وحراس الدين، وأنصار التوحيد) والتي ترفض أي اتفاق سياسي وتصنف الجيش التركي بالجيش العلماني الكافر، وتفتي بقتاله، وهي الفصائل التي ولدت بعد موافقة تحرير الشام على السماح لتركيا بنشر نقاط المراقبة الـ12 نهاية أيلول (سبتمبر) 2017 جزء منها غادر البنية القيادية ممثلا بالتيار الأردني الذي يتزعمه الشرعي العام السابق في جبهة النصرة سامي العريدي، وجزء غادر التحالف معها مبكرا بسبب تفرد الجولاني بالقرار ممثلاً بجبهة “أنصار الدين” التي استقال قائدها أبو عبد الله الشامي  من مجلس شورى هيئة “تحرير الشام” مطلع شباط (فبراير) 2018. وتوجهت تلك الفصائل إلى تشكيل غرفة عمليات “وحرض المؤمنين” في 15 تشرين الأول (أكتوبر) 2018 والتي جاءت تعبيرا عن رفض وقف إطلاق النار وإنشاء منطقة منزوعة السلاح الثقيل حسب اتفاق سوتشي.

وسيذهب الاستثمار، بورقة “حراس الدين” الموالي لتنظيم القاعدة وزعيمها، أيمن الظواهري إلى أقصاه بكل تأكيد، فهيئة “تحرير الشام” تريد أن تظهر أنها شرطي السير الأقدر على تأمين طريق M4 وفرض الأمن عليه وخلق البيئة الآمنة لاستعادة حركة الترانزيت عليه، ومع الفوضى العارمة على الطريق، يصر أبي محمد الجولاني على تقديم أوراق اعتماده ليصبح شريكا على الطريق، ويمكنه تجاوز عقبة تصنيفه من خلال نشر عناصر تتبع لوزارة الداخلية في حكومة الانقاذ التي تواليه.

وتشير الرسائل الأخيرة لقائد “الهيئة” في مقابلته مع مجموعة الأزمات الدولية إلى أن التنظيم مستعد إلى قصقصة أظفاره وتقديم التنازلات المطلوبة منه إقليميا ودولياً شريطة رفع تصنيفه منظمة إرهابية.

ولن تمانع فصائل الجبهة “الوطنية” من القضاء على “حراس الدين” في حال اتخذ القرار التركي ببدء المعركة ضدها، وكانت “تحرير الشام” رأس حربة القتال. ومن المرجح أن عدة فصائل داخل ائتلاف “الوطنية” تسعى لسد الفراغ وخطف لقب قيادة الوطنية من التيار الإخواني، المتمثل بـ”فيلق الشام” مستغلاً الغضب التركي على قيادة الوطنية، والذي أفضى إلى إبعاد العقيد فضل الله الحجي، قائد الجبهة الوطنية للتحرير وقائد الجناح العسكري في “فيلق الشام” والذي اعتبر لسنوات طويلة الفتى الممدلل لدى المسؤولين الأتراك عن الملف السوري. وعلى رأس المرشحين الآن “أحرار الشام” و “صقور الشام”. فيما يسعى فيلق “الشام” إلى عرقلة القرار التركي بإعادة العقيد الحجي، ووضع واجهة أخرى وعدم خسارته قيادة الوطنية.

وتفضل تركيا عدم مواجهة أي من الفصائل المتطرفة بشكل مباشر، وتجنب مقتل المزيد من جنودها أو تعريضهم للخطر. وتخشى أن تؤدي المواجهة مع تلك الفصائل إلى حرب طويلة تمنع تطبيق ملحق اتفاق سوتشي الأخير، وهو ما يعطى الروس ذريعة لبدء قضم جديد والسيطرة على طريق M4 من دون اشراك تركيا في الدوريات على غرار ما حصل على طريق M5. ناهيك عن أن الفصائل الجهادية تلك تملك أغلبية كبيرة من المقاتلين الأجانب وعلى رأسها حراس الدين. وتملك عقيدة قتالية كبيرة على غرار مقاتلي تنظيم “الدولة الإسلامية” إضافة إلى اعتبارها امتدادا لتنظيم “القاعدة” الدولي، وهو ما سيضع أبي محمد الجولاني في حرج كبير أمام جنوده من غير السوريين.

وما يصعب القضاء على “حراس الدين” هو توقيعها إتفاق منع اعتداء في غرفة عمليات “وحرض المؤمنين” أي أن المواجهة لن تكون ضد “الحراس” وحدهم وإنما ستتوسع لتصل إلى كل الكتائب الجهادية الصغيرة غير المنضوية في التشكيلات ومنهم “أنصار التوحيد” والأوزبك و”أجناد القوقاز”.

في نهاية الأمر، فإن قيادة تحرير الشام وتيار السياسة الشرعية داخلها، تواجه صعوبة في تبرير عملية القضاء على الفصائل الجهادية الأخرى، وقد تؤدي المواجهة إلى خسارة عدد كبير من المقاتلين المحليين أو المهاجرين العرب والأجانب. فالخوض في تلك الحرب بالنسبة لقيادة “تحرير الشام” يجب أن يكون ثمنه كبيرا للغاية، أقله إزالة تصنيفها كمنظمة إرهابية في تركيا، لكن حتى هذا القرار سيكون صعبا على أنقرة ويتطلب عملية إعادة تدوير نفسها وإطلاق تسمية جديدة وحلاقة لحيتها وإزاحة الجولاني وقادة الصف الأول عن الواجهة، أو حل نفسها وهذا أمر مستحيل. فالفصائل الجهادية لا تحل وإنما يتم القضاء عليها أو تختفي.

===========================

في الذكرى العاشرة للثورة والحنين للأصل

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

السبت 21/3/2020

عادت أجواء ثورة الياسمين السورية في ذكراها العاشرة تماماً كما بدأت، أجواء الاعتصامات والمظاهرات والشعارات ورفع علم الثورة السورية باعتباره علماً وحيداً وحّد الثائرين المنشقين عن الظلم والاستبداد والاستعباد. عادت أجواء التظاهرات السلمية لتؤكد من جديد أن الشعب السوري لم يرد لهذه الثورة منذ البداية أن تكون دموية قاتلة، ولم يرد لها احتلالات أجنبية استدعتها العصابة الطائفية من أجل قتل من يُفترض أن يكون شعبها.

أعلنت منذ البداية الفعاليات المدنية والنخب المجتمعية في الشمال المحرر رفضها وردّها اتفاق موسكو - أنقرة، القاضي بتسيير دوريات مشتركة روسية - تركية على أوستراد حلب - اللاذقية، وهو الأوستراد المحرر البعيد عن سيطرة الاحتلالين الروسي والإيراني والعصابة الطائفية، بينما رفضت موسكو تسيير دوريات تركية - روسية مشتركة على أوستراد «أم 5» التي تسيطر عليه، وهو ما أزعج الأهالي الذين يرون في تسيير دوريات روسية غسلاً لاحتلال روسي هجّرهم وشرّدهم وقتلهم، بالإضافة إلى تنازل عن المناطق التي نصّ اتفاق سوتشي على كونها للثوار، لكن قضمها الاحتلال وصمت عنها الاتفاق الأخير.

كان اعتصام الكرامة في أريحا أعلى سقفاً من الفصائل الثورية كلها التي التزمت الصمت المطبق إزاء الاتفاق، بينما الرفض والغضب هما الغالبان عليها في المجالس الخاصة، لكن نظراً لتلقّي الكثير منها مساعداته من تركيا فهي عاجزة عن الرفض، ربما باستثناء هيئة تحرير الشام التي انتقدت على استحياء الاتفاق الأخير، ولكن ظلت تتعامل مع مخرجاته بطريقة أو بأخرى.

نجح الاعتصام في عرقلة أول دورية روسية - تركية مشتركة، فحمّلت موسكو المسؤولية للأتراك، وكان اللافت هو اختيار روسيا موعد الدوريات المشتركة يوم الخامس عشر من مارس، وهو يوم ذكرى انطلاق الثورة السورية؛ الأمر الذي يهدف إلى نسف هذه الذكرى التي ينظر إليها كل ثائر سوري على أنها تمثّل مليون شهيد وملايين المشردين والمهجرين.

اعتصام الكرامة شدّ عصب الثورة من جديد، وشدّ معه كل من جلس في بيته غضباً من فصيل أو جماعة، أو غضباً لمصادرة قرار الثورة السورية، وعَجَز السياسيون والعسكريون أن يكونوا بطموحات التضحيات التي بُذلت على مدى عشر سنوات. هذا الاعتصام الذي لم يرفع سوى علم الثورة، وحقق في غضون يومين من انطلاقته وقف تسيير الدوريات المشتركة على الطريق الرئيسي، وهو ما عجزت عنه فصائل وجماعات ثورية، يؤكد من جديد أن القرار هو الحاضنة الشعبية والمجتمعية، لا سيّما أن التحرك الثوري بدأ في الجنوب السوري، وبدأت تظهر معه الكتابات الجدراية في ريف دمشق وحمص والرستن، مؤكدة استمرارية الثورة.

الذكرى العاشرة للثورة التي دخلت هذا الشهر ثورة مدنية في جوهرها ولبها وأصلها، وعودة الشعب إلى هذا الخيار مع انفراج زاوية الفصائل أو بعضها عن أهداف وطموحات الثورة يؤكد من جديد أن مغناطيس الحاضنة الشعبية ومغناطيس الشعب أقوى من مغناطيس الفصائل في جذب الجميع نحو هدف واحد، وهو هدف تحرير القرار السيادي الثوري، وإسقاط النظام ومحتليه بكل مرتكزاتهم وأسسهم.

===========================

موقفنا : وقف الأعمال الحربية ضد الشعب السوري والنكث الروسي - الإيراني - الأسدي

زهير سالم

مركز الشرق العربي

24/ 3 / 2020

القيادة السياسة العملية لا تخنق نفسها في الماضي . وكثير من الناس كانوا أغنياء وصاروا فقراء ، فالذين اقتنعوا بواقعهم وبنوا عليه ، وانطلقوا منه عاشوا وكثير منه استمروا وأنجزوا ، والذين ظلوا يعيشون عقدة الباشوية ضاعوا وضيعوا ..

الموقف السياسي يبنى عمليا على معطيات الحاضر ، مع استشراف المستقبل ، بكل إمكاناته ومحفزاته ووعوده .

ولقد كان 30/ 9 / 2015 نقطة تحول رئيسية في مسار الثورة السورية . التاريخ الذي اقترن بدخول الجيش الروسي المحتل والمستعمر إلى سورية ، واصطفافه مباشرة إلى جانب العصابة الأسدية ، والميليشيات الصفوية . فقد أحدث هذا التدخل الروسي ، مع غطرسته وتوحشه وامتلاكه لترسانة أسلحة هي الأولى على مستوى العالم ؛ فرقا استراتيجيا ضخما في موازين الصراع .

وزاد من جسامة هذا الفرق انفلات هذا المتغطرس المتوحش بآلته العسكرية من كل قيمة إنسانية أو أخلاقية أو أي التزام بقانون أو ميثاق دولي ، دون أن يجد رادعا دوليا أو استراتيجيا يردعه عن ارتكاب كل ما يريد ومتى يريد وبالطريقة التي يريد ..

في الحقيقة إن هذا التدخل الروسي ، ولن ينفعنا وصفه بكل ما في معاجم لغات العالم من مفردات الهجاء ؛ كان يقتضي من المعارضة السورية ( السياسية والثورية ) وقفة مفصلية متأنية ، لإعادة دراسة الموقف وتقديره ، وإعادة تبني الاستراتيجيات العملية . ولكن مع كل الأسف استمر مرير الحالة الجماهير العفوية العاطفية ، التي تفقد القدرة ، بسبب عفويتها وانفعاليتها وتشتتها ، عن التوحد والريث وإعادة التفكير والتدبير . وظل السوريون يواجهون كل المتغيرات بالروح العاطفية ، والشعارات الحماسية ، والتلويح القبضات المشدودة ؛ وكان هذا في الحقيقة ما يراهن عليه الروسي والإيراني والأسدي على السواء .

ربما كان أثر الدخول الروسي ميدان المعركة في سورية إلى جانب بشار الأسد موازيا إلى حد كبير ، في قلب موازينها ، بدخول الولايات المتحدة الأمريكية الحرب العالمية الثانية بعد قصف اليابان الميناء الأمريكي في بيرل هاربر..

وبدخول الروسي الميدان نفض أكثر أصدقاء الشعب السوري على مستوى العالم وعلى مستوى الإقليم أيديهم عمليا من نصرة الثورة السورية ، بعضهم تواطئا وبعضهم تخاذلا ..

ولله ثم التاريخ أكتب ..

وبينما أدار العقلاء الذين يجب أن يتحملوا المسئولية التاريخية عن التغير الخطير في موازين الحرب ظهورهم لأي عملية استدراك أو تدارك ، وحافظوا على تماهيم مع الحالة العفوية الجماهيرية ؛ فإن الذي حاول أن يستوعب الموقف ويتكيف معه ، في حدود الممكن ويتحمل مسئولياته هو الشقيق التركي ، ولن أسميه في هذا السياق لا حليفا ولا صديقا .

القد استشعر الشقيق التركي ، مع كل ما فرضته عليه الجيوسياسة ، والمعطى الدولي، المسئولية على خلفيات مناطاتها المتعددة الشرعية منها والثقافية والإنسانية والأخلاقية فتحمل كل ذلك طائعا مختارا وما أكتب دهانا لأحد ، تحمل المسئولية الكاملة عن الإدراك ، والاستيعاب ، وأخذ المبادرة ..

وقد يكون لنا كسوريين ملاحظات كثيرة على هذه المبادرة . ولكن مسئولية كل هذا تقع على عاتقنا وليس على عاتقه . إلا إذا اعتبرنا أنفسنا أيتاما أو قاصرين !!

ومرة أخرى كانت المبادرة مبادرة المضطر في دائرة الممكن ، تحت ضغوط كل المعطيات ..

ومرة أخرى وحسب منطق كل الحقائق الوجودية الإنسانية فإن مركز الموقف التركي كان هو الدفاع عن تركية ومصالحها وحدودها وجوارها ..وكل أولئك يقع في فضاء مصالح الثورة والمجتمع السوري ، ومن ظنّ غير ذلك ، أو ادعى غير ذلك فقد انخدع أو خدع .

وحين وصلنا إلى أخر عام 2016 ، وبعد عام وربع العام ، من اتباع بوتين سياسة الأرض المحروقة على كل الأرض السورية ، وحين وصل المخطط الروسي إلى حلب ، كانت القيادة التركية قد استشرفت كل شيء ، وأدركت كل شيء ، ورأت في أستانة وفي حدود حقيقة " أن السياسة فن الممكن " في الذهاب إلى أستانة بكل ما فيها مخرجا أقل سوء للثورة السورية ، وللسوريين .

وكان " وقف جميع الأعمال الحربية " أو "ماسمي خفض التصعيد" هو جوهر كل ما اتفق عليه هناك . وقف الأعمال الحربية ، والاستمرار في الحل السياسي حسب 2054 حتى يصل السوريون إلى حل . يعني أن يفاوض الثوار السوريون وفي أيدهم القلمون والغوطة وحوران وإدلب وكل مناطق الشمال ..أي ثلاثة أرباع الأرض السورية تقريبا .

وكنا ممن رفض أستانا ورفض سوتشي ..وكان مسوغنا في الرفض أننا لا نثق بالروسي ولا نقبل به ضامنا ، ولا نثق بالإيراني ولا نقبل به ضامنا . ولا نثق بما يحكى عن خفض التصعيد ..

وكان مسوغنا في الرفض أن الممكن بالنسبة إلينا كمعارضة وكثورة سورية أوسع دائرة وأبعد مدى من الممكن بالنسبة لغيرنا ..ولا أحد يملك لنا من الأمر شيئا ، إن تقاعسنا وضيعنا وفرطنا أو تواكلنا ..

يقول التركي ضمنا : هذا الذي أقدر عليه ..

يتذرع الكثيرون من حملة مسئولية القرار الثوري بوجهيه : بالسلبية العدمية . ويظلون يرددون : مصممون على الذهاب إلى الحرب بمعنى مصممون على الذهاب إلى الانكسار ، وغير مبالين بتداعيات المشهد ، ولا بتدارك مقدمات الانكسار .

من حق رجل مثلي أن يقول : لم نكن مع أستانة ..

وكذا وبكل الوضوح والصراحة لم نكن مع الاستمرار في المعركة الخاسرة ، على استراتيجية ما كان قبل ، لأنه محسوم النتائج عقلا أمام كل بصير .

وكان قلب الطاولة على الاحتلال الروسي ، بتغيير جذري لاستراتيجية من حرب مواجهة إلى حرب مقاومة مسئولية بعض الناس الذين يجب أن يعرفوا أنفسهم جيدا ..

ومنذ سقوط حلب في أواخر 2016 وحلقات السبحة تكر . كل العقلاء يعلمون مسبقا أن المواجهة حسب المعطيات القائمة ، ليست بمصلحة الثورة والثوار ..

كل مناطق خفض التصعيد تم اختراقها وحرقها بذريعة من تعلمون , ولكن بعد أربع سنوات لم يستطع كل العقلاء والراشدين من السوريين الأحرار أن يجدوا مخرجا لهذه الذريعة فيسحبوها من أيدي المتوحشين .

منذ خمس سنوات ووقف الأعمال الحربية على كل الجبهات هو مطلب كل المهتمين.

وكل هذه الأعمال محسومة علميا وعسكريا لمصلحة من تعلمون .

والحرب علم كما تعلمون ..

وأنا رجل شعر وأدب ، وأكثر ما يعجبني من الشعر شعر الغزل . وأحفظ عن ظهر قلب قصيدة عمر بن أبي ربيعة أمن آل نعم ..وقصيدة جميل : وقوله : ألا ليت أيام الشباب جديد ..

ولكن سبق في أيام الصبا والجمال أن قرأت كتابا عنوانه " علم الحرب " كان في الفترة التي قرأته فيها من أجمع ما كتب في الباب ..

كما قرأت بعده كتابا عنوانه " الحرب الثورية " أندرية بوفر ..

كلا الكتابين يقولان إن الذين يديرون معركتنا في سورية يجب أن يتعلموا أولا ألف باء العلوم أو أن يحفظوا جدول الضرب فيها ، لكي لا يكونوا موضوعا للقسمة .

وقف الأعمال الحربية في سورية ومن كل الفرقاء مطلب استراتيجي وسياسي وهو في ظل انتشار فيروس كورونا مطلب وطني وإنساني ..

وفي الخبر اليوم أن عصابات الأسد ما تزال تقصف ..

ويزعم الروس أن طائرة ورقية هاجمت قاعدة حميميم ...

ولعلكم تعلمون لماذا ..

( وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ )

_____________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

تركيا والفصائل المسلحة في سوريا: حليف الأمس عدوّ اليوم

بهاء العوام

العرب اللندنية

السبت 21/3/2020

فشل تطبيق البند الخاص بتسيير الدوريات المشتركة على طريق “أم – 4” الدولية بين اللاذقية وحلب في سوريا، يعني انهيار اتفاق موسكو للهدنة بين الروس والأتراك في محافظة إدلب شمال غرب البلاد. وهذا الانهيار يعيد الأمر إلى مربع المواجهة بين الطرفين، ويضع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في حرج أمام الرأي العام الداخلي من جهة، ويهدد كل مكتسباته التي راكمها في الشمال السوري من جهة أخرى.

الحل الوحيد أمام الأتراك هو تشغيل الطريق الدولية “أم – 4” تحت رعايتهم ورعاية الروس. أما الخيار الآخر واليتيم بالنسبة إلى الروس فهو إعادة إحياء العمليات العسكرية في ريف إدلب الجنوبي حتى تمام السيطرة على جميع المناطق الواقعة على جانبي الطريق، بعمق يزيد بكثير عن الكيلومترات الستة التي أُقرّت كحدود آمنة للطريق وفق اتفاق موسكو الذي أبرم مطلع الشهر الجاري بين أردوغان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين.

لم يفلحْ أردوغان في حشد حلفائه في حلف الناتو ضد الروس قبل اتفاق موسكو، وإن انهار هذا الاتفاق فسيستقبل أكفان جنوده القتلى في سوريا بمفرده مرة أخرى. لم تعد تفيد ورقة المهاجرين واللاجئين للضغط على الأوروبيين من أجل دعم عسكري، ولم يعد يرغب الأميركيون بمزيد من الحوار مع الأتراك حول فرص تراجعهم عن صفقة صواريخ “أس – 400” الروسية، التي تثير قلقهم وتمنعهم من تزويد أنقرة بالمضادات الجوية التي تريدها للحرب في سوريا.

كل هذه المعطيات تقول إن الأتراك عليهم التعامل مع الرفض الشعبي والفصائلي في إدلب لفتح الطريق الدولية “أم – 4”. وهو أيضاً ما قاله الروس للأتراك بعد الدورية الأولى الفاشلة التي حاولوا تسييرها معهم على تلك الطريق منتصف الشهر الجاري تنفيذا لاتفاق موسكو. والسؤال الأساسي الآن هو؛ كيف ستتعامل أنقرة مع الرفض السوري للاتفاق إن جاز التعبير؟ وأين يمكن أن تذهب في سبل إقناع حلفاء الأمس من المسلحين بأن هذا الاتفاق يجب أن ينفّذ مهما كلف الأمر؟

من المعروف أن بعض الفصائل المسلّحة في إدلب لا تدين بالولاء تماماً للأتراك. ويبدو أيضاً أن شقيقات لجبهة النصرة، المصنفة على قوائم الإرهاب الأممية، قد تمردت على الرعاية التركية إلى حدّ مّا ولغاية مّا في نفس يعقوب كما يقال. على الرغم من هذا لا يزال الحوار حتى الآن هو لغة أنقرة في التفاهم مع الرافضين للاتفاق من الفصائل، ومع الذين يدعمون رفضهم من الدول العربية والغربية.

الخيار العسكري في التعامل مع هذا الرفض يبدو وارداً. يمكن لأنقرة ببساطة أن تغضّ الطرف عن عملية عسكرية روسية سورية إيرانية مشتركة تعيد إلى دمشق كل المناطق الواقعة جنوب الطريق الدولية “أم – 4” على الأقل، ثم تتكفل هي بالتقدم بجيشها إلى الجانب الشمالي من الطريق لترسم حدود الاتفاق مع الروس بقوة السلاح، شاء من شاء وأبى من أبى من المعارضة السورية.

ثمة من يقول إن الأتراك يتوقعون مثل هذه الممانعة السورية لاتفاقها مع الروس في الزاوية الشمالية الغربية من البلاد. ونقول الممانعة السورية مجازاً لأنها في شق كبير منها ترتبط بدول عربية وغربية. خاصة وأن الاتفاق الأخير بين الطرفين ينطوي على كثير من النقاط الغامضة التي قيل إنها تشمل الكثير من البنود غير المعلنة، والتي من شأنها أن ترسي تفاهمات روسية تركية كثيرة على امتداد الشمال السوري.

استمرار معارضة الاتفاق يعني أن حلفاء الأمس بالنسبة إلى تركيا يمكن أن ينقلبوا إلى أعداء في المستقبل القريب. وهذا الخيار بحد ذاته مقلق بالنسبة إلى أنقرة إلى حد يستدعي كل هذا الحشد العسكري الذي جاءت به إلى إدلب خلال الشهرين الماضيين. فالانقلاب على الفصائل المسلحة ورعاتهم شمال غرب سوريا لن يمر مرور الكرام هناك. وربما يضطر نظام أردوغان إلى القوة جزئياً أو كليا، وربما يشن حرباً شاملة على المعارضة السورية التي لطالما تغنّى بدعمها.

هناك من يقول إن المعارضة التي شاهدها العالم تقطع الطريق على الدوريات الروسية التركية المشتركة على الطريق الدولية “أم – 4”، كانت مجرّد مسرحية افتعلتها أنقرة لكسب المزيد من الوقت في مفاوضاتها مع الأميركيين والأوروبيين حول الوضع في الشمال السوري. نجحت أنقرة في مسعاها بكسب الوقت، ولكن نتائج حوارها مع الطرفين لم تصل إلى النتائج المرجوّة التي يمكن أن تدفع بأردوغان نحو تمزيق اتفاق موسكو والعودة إلى مربع الصفر في الحديث مع الروس.

منح الروس الأتراك مزيداً من الوقت لتنفيذ اتفاق موسكو بعد دورياتهم المشتركة الفاشلة على الطريق الدولية “أم – 4” قبل أيام. ولكن لن يكون السقف الزمني هذه المرة كما كان في أعقاب اتفاق سوتشي الذي دار حول ذات بنود اتفاق موسكو، ووقع في شهر سبتمبر من العام 2018. بعد اتفاق سوتشي تمهّل الروس وصبروا على مماطلة أنقرة في تنفيذ الاتفاق لأشهر كثيرة، ولكن اليوم تغيرت المعادلة ولا يمتلك الروس أنفسهم رفاهية الوقت ليمنحوه للأتراك مجاناً ودون مقابل.

هو تمهّل وتعقّل خبيث يمارسه الروس في إدلب لوقت محدود ليس كرمى لعيون الأتراك، ولا حسن أخلاق منهم. وإنما يريدون أن يثبتوا لأردوغان وللعالم بأن الإرهابيين الذين يحاربونهم في إدلب لا صديق لهم ولا يمكن التفاوض معهم، ولا ينفع معهم سوى لغة السلاح. المشكلة أن نسبةً يسيرةً من معارضي اتفاق موسكو مدنيون وليس من بينهم من هو مصنّف على قوائم الإرهاب الأممية. ولكن ما إن تدور رحى الحرب حتى يسقط هؤلاء أول ضحاياها وأكثرهم. أما الإرهابيون فدائما يجدون السبيل للبقاء على قيد الحياة.

===========================

أوهام شائعة .. مهمة عاجلة

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 21/3/2020

هناك فكرة رائجة تواجه متابعي الحياة العامة العربية، تقول إن التيارات الديمقراطية فشلت، لأنها نخبوية وبعيدة عن هموم المواطن العادي، بينما نجحت تيارات الإسلام السياسي لأنها أكثر تنظيما وقربا من الناس.

هذه الفكرة تبسيطية وخاطئة، لكونها تدّعي أن تيارات الإسلام السياسي ناجحة، بينما نجدها تتهاوى في كل مكان من عالمنا العربي، وكان آخر مواقعها التي خسرتها بالأمس القريب السودان، حيث خرج حكم عمر البشير من السلطة بعد قرابة ثلاثين عاما من استيلائه عليها. وكان قد سبقه إلى الخروج منها الإخوان المسلمون في مصر، حيث أطاح انقلاب عسكري حكم الرئيس الراحل محمد مرسي، بعد مظاهرات ضمت عشرات ملايين المصريين ضده، استغلها العسكر لإخراجه من الحكم، بحجة تفويض شعبي منحتهم إياه الملايين، ويستخدمونه إلى اليوم، ولكن لقمع الشعب. بينما يتهافت تيار الإسلام السياسي، بمختلف تنويعاته، في العراق، ويقوم الشعب قومة رجل واحد ضده، وتسمع هتافاته الرافضة له في العالم بأسره. وتواجه حركة النهضة مقاومة متزايدة في تونس، على الرغم من جهودها المتقدمة للتكيف مع واقع ما بعد الربيع العربي، هذا الحراك التاريخي الذي جاء من خارج جميع الأحزاب، لكنه حمل مطالب غير إسلامية، هي أقرب إلى المنظومة الفكرية الديمقراطية، وكشف كم هي عميقة أزمات النظم الحزبية القائمة: إسلامية كانت أو ديمقراطية أو قومية أو اشتراكية، وحتى ليبرالية.

لا تؤكد تجربة الأحزاب الإسلامية امتلاكها مهارات تنظيمية خاصة تفوق ما لدى غيرها، بل تثبت العكس، وهو أنها، كأحزابنا الأخرى، تفتقر مثل هذه المهارات، حتى في التنظيمات المسلحة التي أسستها، وربطت، في أحيان كثيرة، مصيرها السياسي بها. كما تفتقر إلى القدرة على إثبات أن كل مسلم هو إسلامي بالضرورة، وينتمي بالتالي إليها، أو يعتبر من أتباعها، ولها حق التحدث باسمه والتصرف نيابة عنه، مهما كان موقفه منها. هذا الافتراض، الخاطئ تماما، تدحضه الأرقام التي تؤكد أن عدد المنظمين في أي حزب إسلامي يبقى صغيرا جدا بالمقارنة مع عدد المسلمين في أي بلد. هذا أولا.

وثانيا، تزعم الأحزاب أن قراءتها تتفق اتفاقا مطلقا مع ترجمة الإسلام في واقع السياسة والبشر، ولذلك يعتبر رفضها رفضا للإسلام، والاعتراض عليها أمرا يتجاوز السياسة إلى الدين، الذي لا بد أن يتجاوز فهمه السياسي جميع أنواع التباينات المحلية والوطنية والقومية، ويعتبر الكلمة الفصل بين الحق والباطل.

ليس هذا شماتة بها، بل محاولة للقول إنها في مأزق، كغيرها من الأحزاب، بعد فشلها في التصدّي لمهام الحكم، وما ارتكبته من أخطاء، كغيرها، في الثورة السورية، ومارسته من سلبية حيال تنظيمات الإرهاب، وتجاهل واجبها في التصدّي لها، دفاعا عن المؤمنين وعن الدين الذي كان عليها حمايته بأي ثمن، لحماية ثورة الحرية وأهدافها وشعبها. ومن يتابع تحولات الرأي العام، يجد أن على الإسلام السياسي، كغيره من تيارات السياسة، العمل لاستعادة ما فقده من ثقة المواطنين، لما لذلك من أهمية بالنسبة لتمثيل الشعب في فترةٍ مفصليةٍ يتراجع خلالها تمثيله، وتخلو الساحة أكثر فأكثر من المطالبين بحقوقه، وإلا خرج صفر اليدين من أي حلٍّ سياسي يتم التوصل إليه، أو نال حصةً لا تتفق وحجم ما قدّمه من تضحيات، وأبداه من صمود أسطوري لم يكن أحد يصدق قبل الثورة أنه مؤهل له.

.. ولأن التيارات غير الإسلامية ليست في وضع أفضل، فإن من الضروري التحضير للقاء حواري بين ممثلين للطيفين، الديمقراطي والإسلامي، بهدف توحيد مواقفهما تجاه مهمةٍ ملحةٍ ومباشرة، تتصل بالاستعداد لخوض معركة حل سياسي ينصف الشعب ويحترم تضحياته. ثم، وبعد ذلك، فليعودا إلى ما عاشا عليه من خلافاتٍ مدمرة، لعبت دورا خطيرا في فشلهما وتسيد الاستبداد، ثم في تلاشي الثورة.

===========================

سوريا والوباء... بين الإنكار ونظرية المؤامرة

أكرم البني

الشرق الاوسط

السبت 21/3/2020

ليس غريباً أن يتعامل النظام السوري مع وباء «كورونا» كما تعامل مع مختلف أزماته، خصوصاً مع ثورة السوريين التي مرّت، منذ أيام، الذكرى التاسعة لانطلاقتها، وذلك بالتأرجح بين حالة إنكار الوقائع الدامغة، وتحميل ما يضطر للاعتراف به من مشكلات، إلى عدو خارجي يتربص به لكسر إرادته وتطويع موقفه الممانع، تحدوه سياسة ثابتة، ديدنها التنصل من المسؤولية ورفض الاعتراف بتفاقم أزمات المجتمع، وتوسل مختلف أساليب القمع والفتك والإرهاب لإبقاء الأمور تحت السيطرة، والناس في بيت الذل والطاعة.

والقصد أنه ليس غريباً على سلطة مستبدة استخفّت بدوافع ثورة السوريين، ودأبت على إنكار ما يعانونه من ظلم وتمييز وحرمان... على سلطة استهزأت بحراك ملايين المتظاهرين سلمياً واعتبرتهم قلّة قليلة لا قيمة لهم ولا وزن، بل مجرد أدوات للأجنبي... سلطة أنكرت وجود معتقلين لديها أو حتى ممارسة التعذيب في سجونها، مدعيةً أن صور آلاف الضحايا من المعتقلين التي سُرّبت باسم «قيصر»، هي صور مفبركة تعود لمخلفات الحرب العالمية الثانية... سلطة لم يرف لها جفن، بداية، بقتل المئات من الشبان والأطفال المسالمين برصاص قواتها، ثم أوغلت في العنف والتنكيل والتدمير، مستهترة بآلام الناس والدم المراق، وبأعداد ما فتئت تزداد من الضحايا والمشوهين والمعتقلين والمشردين، ليس غريباً على سلطة كهذه، أن تشيح بوجهها عن ضحايا يسقطون تباعاً جراء إصابتهم بفيروس «كورونا»، مدعية أن البلاد خالية تماماً من هذا الوباء، ومكرّسة أدواتها القمعية لكمّ الأفواه التي تكشف انتشار الداء أو حتى التلميح بوجوده، كما حصل مع رئيس مشفى «المجتهد» في دمشق، الذي اعتقل وأرهب وأكره على تعديل تصريحه عن وجود إصابة «كورونا» في مشفاه، إلى القول إنها كانت حالة اشتباه فقط!

وكما يحصل مع كل مَن يبادر، عبر وسائط التواصل الاجتماعي، إلى كشف أسماء بعض الضحايا السوريين الذين سقطوا بهذا الوباء، عبر ملاحقته ومعاقبته على أنه يشيع أخباراً كاذبة غرضها النيل من هيبة الدولة!

واستدراكاً، فقد أفضى تكتم النظام عن المصابين بفيروس «كورونا»، إلى زيادة سريعة في أعدادهم، وإلى تأخير إجراءات وقف انتشاره، كضبط العلاقات العامة وإغلاق مراكز الحدود وحركة الطيران، وهي إجراءات لا تزال شكلية، بل ومثيرة للألم والسخرية، ما دامت لا تترافق مع تدابير وقائية وفحوصات طبية تحدّ من انتقال الفيروس بين المدن والمناطق، وما دام ثمة عشرات ألوف المقاتلين من إيران ولبنان وباكستان وأفغانستان، يصولون ويجولون على راحتهم في البلاد، وبينهم عشرات المصابين بداء «كورونا»... فكيف الحال مع ضحالة الإمكانيات الطبية، بعد أن تولى النظام بنفسه تدمير أهم المقومات الصحية التي كانت تمتلكها البلاد، ولنتذكر هنا الأرقام المفزعة لأعداد الأطباء والكفاءات العلمية الذين قضوا أو هُجّروا، وإذا أضفنا تدهور الوضع المعيشي للناس والانحسار الشديد في قدرتهم على توفير أبسط المستلزمات الحياتية، فما بالكم بالصحية؟!

نقف عند أهم الأسباب التي تؤكد مدى بؤس هذا النظام وعجزه عن القيام بأي فعل مجدٍ في مواجهة انتشار «كورونا»، مقارنة مع دول ذات إمكانيات أفضل، ولا تزال تعاني من محاصرة هذا الوباء واحتوائه!

وما يزيد البؤس بؤساً حين يتنطع وزير الصحة، ليس فقط للمفاخرة بأنه لا توجد في سوريا أي إصابة بـ«كورونا»، وإنما أيضاً إلى اعتبار ما اتخذ من إجراءات غرضه وقائي فقط، وذلك لحماية البلاد من وباء عالمي بدأ يتفشى و«يحاول الأعداء والمتآمرون نقله إلينا»! متمثلاً اتهامات حليفته طهران للولايات المتحدة بأنها المسؤولة عن نشر «كورونا»، والأنكى حين يشيد بدور «الجيش السوري» في تطهير البلاد من «كورونا» كما طهرها من مختلف الجراثيم، كذا!

هو نهج أصيل لدى السلطة القائمة؛ أن توظف إعلامها ودعايتها، مع كل أزمة أو مصيبة تحل بنا، لتقرن ما يحصل بمؤامرة مدبَّرة من فعل أطراف معادية تترصد بمجتمعنا، وعليه فما نعانيه من تخلف وفشل لمشروعات التنمية سببه المؤامرة، وهذا الحضور المرهق للفساد والفقر والتخلف سببه المؤامرة، وما شهدته البلاد من مظاهرات شعبية تطالب بالحرية والكرامة كان المؤامرة الكونية، واليوم يغدو انتشار فيروس «كورونا» مؤامرة أيضاً، ولا ضير عند أصحاب السلطة من تسخير بعض الاجتهادات الدينية لمزيد من التحلل من المسؤولية، على أن كل ما يحصل مع «كورونا» هو قضاء وقدر لا رادّ له، بدل التوجه العلمي لمحاصرة أسباب المرض ومعالجة آثاره وتداعياته.

ربما يصح القول إن الجانب المضمر لثورة السوريين، هو تجنيب مجتمعهم المآل المأساوي الذي كانت ولا تزال سياسات النظام تقودهم إليه، في رهان على اعتراف الأخير بالأسباب الحقيقية للمشكلات المزمنة، والعمل على محاصرتها، ومنع الانزلاق نحو الأسوأ، إلا أن الأخير أبدى، كعادته، إصراراً على الإنكار، وعلى رفض الاعتراف بالحقائق المريرة، وأولوية معالجتها، حتى لو أحرقت البلاد وتم الدفع بسوريا والسوريين جميعاً إلى أتون حرب دموية لن تبقي ولن تذر، والنتيجة تهتك الدولة وتفكيك روابط الاجتماع الوطني وتشويهه طائفياً، وفتح الأبواب أمام عصابات التطرف الديني والتدخلات العسكرية الخارجية، واليوم، أمام مختلف الأوبئة والأمراض للعبث بمصيره.

والحال، فإن نظاماً يأبى الاعتراف بأزمات مجتمعه ويتلكأ في معالجتها، هو نظام يتخلى عن المسؤولية الطبيعية الملقاة على عاتقه، في ضمان حيوات الناس وحقوقهم وحاجاتهم، الأمر الذي يتضح في السياسة السلطوية تجاه «كورونا» وما قبلها، بأننا أمام نظام لا يريد الإقرار بفشله وعجزه عن إدارة الدولة وحماية المجتمع، بل يعيد تأكيد نهجه في تصعيد الإرهاب والقهر، متوهماً أن وسائل الفتك والتنكيل التي يمتلكها قادرة على تأبيد سطوته ومعالجة أي مشكلة تعترضه.

في أيام الخطب والكوارث عادة ما يجري البحث عن الأسباب والدوافع لوضع الخطط الكفيلة بالتجاوز، لكن في سوريا، وعلى الرغم من مأساوية ومرارة ما كابده ويكابده المجتمع بعد سنوات من الفتك والتنكيل والتدمير، يبدي أصحاب السلطة إصراراً بغيضاً على مواجهة جائحة «كورونا» بالتجاهل والاستهتار، وتوسّل نظرية المؤامرة في تحميل الآخر مسؤولية ما يحدث، والأنكى التعويل كعادتهم، على قمعهم وعنفهم في معالجة ما لا يمكن للقمع والعنف معالجته!

===========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com