العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 28-10-2018


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

قمة اسطنبول: بين شراء الوهم وبيعه

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاربعاء 24/10/2018

ليس وهما أن يتفاخر (شويغو) وزير دفاع بوتين بما فعلت طائراته في الساحة السورية؛ أو عندما يتحدث عما يقارب مئة ألف انسان قُتلوا بتلك الأسلحة، فهؤلاء من دم ولحم وأرواح، وما هم بوهم أو بقصة متخيلة. هؤلاء كانوا في المدارس والمشافي والأسواق والبيوت السورية، ومئتا ضعف هذا العدد – مثلهم – نجوا وفروا وتبعثروا كلاجئين خارج سورية وداخلها.

هذا ليس وهما ولكن الوهم أن يسعى معلم (السيد شويغو) إلى إعادة تلك الملايين إلى سورية تحت يافطة "عودة اللاجئين" كي يقول للعالم إن روسيا أجهزت على الإرهاب في سورية؛ و"الدنيا ربيع"، والأسد في كل المواضيع؛ ولا ينقص سورية إلا عودتهم؛ والبدء بإعادة الإعمار؛ فالأمور تمام التمام. هذا بيع للوهم؛ ويبدو أن ليس هناك من يشتريه.

ما من عاقل أو محترم أو فيه حس إنساني ويرغب أو يوافق على التشرد أو البعد عن تراب فيه رائحة

هذا الثلاثي، بقيادة روسيا، يبيع وهما؛ ولكن أحدا لا يشتريه، فهذا الأحد يعرف بأن مخابرات النظام وميليشيات إيران والعصابات (التي نمت كمكبات النفايات في دولة عون وصهره) تنتظر هذا العائد لتحقق وتعذب وتعتقل وتهين وتبتز

الأحباب أحياءً كانوا أو أمواتا؛ والسوريون يعرفون المثل القائل: (من يخرج من داره يقل مقداره)؛ ولكن السؤال إلى أين يعودون؟ وتحت أية ظروف، وفي أية بيئة سيعيشون؟ عملياً، هم يُجلبون – حسب رغبة السيد بوتين والإيرانيين والنظام – من أجل إقفال الصفحة الأخيرة من كتاب إعادة تأهيل نظام الأسد؛ كما يعتقد هذا الثلاثي.

هذا الثلاثي، بقيادة روسيا، يبيع وهما؛ ولكن أحدا لا يشتريه، فهذا الأحد يعرف بأن مخابرات النظام وميليشيات إيران والعصابات (التي نمت كمكبات النفايات في دولة عون وصهره) تنتظر هذا العائد لتحقق وتعذب وتعتقل وتهين وتبتز. ما ينتظر هذا العائد ليس إلا بيتاً مدمراً، وخدمات أكثر ندرةً من الأمان، وقوانين ومراسيم (10و 16) أصدرتها منظومة الاستبداد الأسدية بتوجيه ورعاية إيرانية تكبّل حاضره ومستقبله. ما ينتظره ليس إلا مجاميع من العصابات التي لا علاقة لها بدولة أو نظام أو أمان أو حقوق أو إنسانية.

في هذا السياق، تشهد اسطنبول قمة رباعية يحضرها السيد "بوتين"، ويريد من خلالها إقناع نظرائه الفرنسي "ماكرون" والألمانية "ميركل" والتركي "أردوغان" بعودة اللاجئين السوريين، وبإعادة الإعمار. بداية شريكه في "أستانا" و "سوتشي" - الرئيس التركي- (بموقفه تجاه اللاجئين السوريين) سيراقب فشله بإقناع الشريكين الجديدين؛ وسيتمكن منه أكثر. وسيقول له الثلاثة بثقة ويقينية إن "طريقك مسدود مسدود" إن لم تتمكن من جلب نظام الأسد إلى عملية سياسية حقيقية تفضي إلى حل سياسي يوفر بيئة آمنة محايدة طبيعية لا يمكن تحققها مع الاستبداد وممارسات عصاباته الإجرامية.

قمة اسطنبول محكومة بالفشل إذا وقف المؤتمرون على حقيقة عدم قدرة أو عدم رغبة السيد بوتين في جلب منظومة الأسد إلى عملية سياسية تفضي إلى حل عادل يؤمّن تلك البيئة الآمنة المحايدة اللازمة لتنفيذ ما يريده. يستلزم نجاحها الرغبة والإرادة البوتينية؛ حيث إن القدرة موجودة؛ فبقاء منظومة الأسد بيد روسيا حصراً، حتى لو عرقلت إيران ذلك. قوة بوتين كانت المساهم الأساس في اقتلاع تلك الملايين السورية التي يريد لها العودة الآن. ومن يجتمع مع السيد بوتين لن يساعده الآن على إعادتها، واحتمال اقتلاعها مرة أخرى على يد مَن شردها في المرة الأولى وما يزال قائماُ.

هناك مهمة أخرى سيجد السيد بوتين نفسه أمامها وجهاً لوجه، وتتمثل بالمساهمة بإخراج إيران

يدخل الرباعي إلى قمة اسطنبول وفي أذهانهم أن أمريكا تعود بثقلها السياسي والدبلوماسي إلى القضية السورية مستندة إلى قوة عسكرية تتحكم بـ "سوريا المفيدة" فعلاً بنفطها وغازها ومائها وزراعتها

وميليشياتها من سورية؛ فإيران – برأي شركاء قمة استنبول يريدون هذا أن يحدث- وحجتهم وحجة غيرهم المحقة تقول إن ترويض منظومة الاستبداد وجلبها روسياً إلى عملية سياسية تتوق روسيا عبرها إلى "منجز سياسي" لن تكون إلا بإخراج إيران وميليشياتها من سورية؛ كي يعود أهلها إليها ولا يكونوا تحت رحمة العبث الإيراني في الديموغرافيا السورية؛ حيث إن هناك تأكيدات بأن إيران هي وراء القانونين 10 و16.

يدخل الرباعي إلى قمة اسطنبول وفي أذهانهم أن أمريكا تعود بثقلها السياسي والدبلوماسي إلى القضية السورية مستندة إلى قوة عسكرية تتحكم بـ "سوريا المفيدة" فعلاً بنفطها وغازها ومائها وزراعتها. يدخلون وفي خلفية أذهانهم أن موسكو حتى اللحظة تتطلع إلى جنى سياسي يتعذر الحصول عليه إلا بالتماهي مع التوجه الدولي بناءً على القرارات الدولية في إيجاد حل سياسي تحول دون تحققه منظومة الاستبداد في دمشق.

هكذا يمكن لروسيا أن تتوقف عن بيع الوهم وامتهان التكتكة، التي كان ثمنها دماً وخراباً وتشرداً سورياً؛ هكذا تعود إلى الاستراتيجية التي تمنحها إنجازاً سياسياً تتوق إليه. ما من عاقل يشتري الوهم والتكتكة الروسية. أمام روسيا فرصة حاسمة كي تحدد خياراتها استراتيجياً هذه المرة. أمامها إما أن تبقى في صف دولة مارقة كإيران زرعت العبث والخراب في محيطها؛ وتتابعان معاً حماية منظومة إجرامية قتلت شعبها وشرّدته؛ أو أن تنتظم في صف عالم يريد لسورية والسوريين أن يعودوا إلى سكة الحياة، ولكن دون سيطرة عصابة ستفعل بهم الشيء ذاته إن أرادوا حياة حرة كريمة.

==========================

موقفنا : حول عدوان التحالف الأمريكي على مساجد بلدة السوسة في دير الزور .. مساجدنا هدف استراتيجي للأسديين ومشغليهم الروس والأمريكيين

زهير سالم

21 / 10 / 2018

مركز الشرق العربي

العامل المشترك الأعظم الذي يجمع كل أعداء الأمة ، وأعداء الشعب السوري بشكل خاص هو عداوة هؤلاء الأخلاط للإسلام والمسلمين . في القرن الحادي والعشرين وفي كل من العراق وسورية واليمن ومصر وليبية تجسدت مقولة : دمروا الإسلام أبيدوا أهله واقعا حيا معاشا تواجهه المجتمعات كما يواجهه الأفراد كالحا قبيحا من غير تزوير ولا تزييف .

وعلى طريق حرب التدمير والإبادة المتوافق عليها بين الشركاء المتشاكسين ظلت المساجد والمدارس والمستشفيات والأسواق الشعبية التي يؤمها الفقراء غير المتجانسين كما سماهم بشار الأسد هي الأهداف الاستراتيجية الأولية لقوى الشر العالمية ، ولآلة القتل والتدمير الأكثر حداثة في آلة الشر التدميرية ..

إن ما أقدم عليه طيران تحالف الشر الأمريكي بالقصف المدمر على مسجد سيدنا عمار بن ياسر في بلدة السوسة بريف دير الزور مساء الخميس 18 / 10 / 2018 ، ثم ما استكمله من قصف على مسجد سيدنا عثمان بن عفان ساعة صلاة الجمعة في البلدة نفسها ؛ هو جزء من حرب التدمير والإبادة التي يعمل عليها كل فرقاء الشر على الأرض السورية ، حرصا منهم على تمكين عميلهم الصغير الذي نبذه الشعب السوري ونبذ كل من يدعمه وسينبذ كل من يتعامل أو يتفاوض معه .

لقد أسفرت الجريمة المنكرة في المسجدين عن مقتل ما يقرب من سبعين شهيدا مع عشرات الجرحى والمصابين ، في وقت ما يزال فيه الكثيرون تحت أنقاض المسجدين المدمرين ..

إن ذريعة التصدي للدواعش لن تكفي لسد الخرق الأمريكي في العدوان على حرمة المسجد وحرمة الإنسان ..

إننا إذ نستنكر الجريمة المكعبة بحق سورية وبحق مساجدها وحق إنسانها ونحمل المعتدي الأول مسئوليتها ، نحمل في الوقت نفسه للشريك الروسي في القتل والتدمير ، كما للعميل الأسدي مسئولية كل ما يجري في سورية وعلى السوريين ..

ندعو الله لشهدائنا الأبرار بالرحمة والقبول ونسأله أن يشفي الجرحى والمصابين ونتقدم لأبناء شعبنا في سورية عامة وفي دير الزور خاصة بأحر مشاعر العزاء ..

أيها السوريون الأحرار الأبطال ..

اليقينَ ..اليقينَ ..الصبرَ ..الصبرَ ...الثباتَ ..الثباتَ .. التعاونَ التعاونَ ، واعلموا أن أعداءكم كلما آنسوا منكم ضعفا سيبالغون في إذلالكم والنيل منكم ، وتدمير ما بقي من دياركم وتقتيل من تبقى من رجالكم ..لا تتوقعوا من أشرار العالم أن يرقبوا في مؤمنكم إلا أو ذمة ..

" إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاء وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ "

نعم ودوا لو تكفرون فهل تعوون ؟!.

ـــــــــــــ

*مدير مركز الشرق العربي

==============================

سوريا أيام زمان

د. أحمد موفق زيدان

العرب

الاربعاء 24/10/2018

والضد يُظهر حسنه الضد.. وبضدها تتميز الأشياء.. هكذا قال شاعرنا المتنبي، فحين نكتب عن سوريا أيام زمان، يستطيع القارئ أن يفهم أي سوريا كان أجدادنا يعيشونها، وأي سوريا وصلنا إليها. لديّ هنا عدة صور سأسردها نقلاً عن أصدقاء عايشوا تلك الفترة، وصور قرأت عنها، وثمة مئات بل وربما آلاف الصور التي لديّ أو لدى غيري ليسردها؛ ولكن فقط، وفقط من أجل قدح شرارة في الذاكرة لندرك الهوة السحيقة التي جرّنا إليها الطائفيون على مدى عقود، وحجم الخسائر المرعبة التي ألحقوها بالشخصية السورية وربما بالشخصية الإنسانية ككل، كون الشخصية السورية ونتاجها ملكاً لتلك الإنسانية ولم تكن يوماً ملكاً للشام فقط.

الصورة الأولى حين خرج الرئيس السوري -آنئذ- شكري القوتلي من فندق بارود بحلب، إثر مناقشاته مع منافسته الكتلة الوطنية لتشكيل حكومة في ذلك الزمان، اقترب منه متظاهر ليمسك بتلابيبه مخاطباً إياه: «السيد الرئيس، نريد حرية» فرد عليه الرئيس بقوله بعد أن زانه من مفرق رأسه إلى أخمص قدميه، وهل هناك حرية أكثر من أن تمسك بتلابيب رئيسك؟!

‏الصورة الثانية ما رواه لي صديق شامي مسنّ، التقى يوماً ما في الستينات الرئيس ناظم القدسي، وكان الصديق الشاب في تلك السنوات معارضاً له، فيروي لي كيف اقترب منه وبدأ يحدجه بنظرات ملؤها الغضب والامتعاض، «وكأنني أريد أن أنقضّ عليه لأفتك به، لكن لم يكن من الرئيس يومها الذي لم يكن يرافقه أحد، لا من فرق براميل متفجرة ولا فرق مناشير، إلاّ أنه نظر بالأرض وتابع طريقه».

الصورة الثالثة ما دوّنها وزير الإعلام السوري الأسبق والطبيب الإنسان الدكتور عبدالسلام العجيلي عن رئيسه ناظم القدسي أيضاً، وهي صورة في غاية بناء الدول ومؤسساتها، يقول العجيلي إنه في أحد الأيام اتصلت به موظفة مقسم الهاتف لتستأذنه بإعطاء رقم هاتف منزله للرئيس القدسي، الذي كان قد اتصل به يطلب وزير إعلامه فاعتذرت له، كون رقم هاتف منزله على قائمة الهواتف المحظور مشاطرة أرقامها، فسمح لها الوزير بأن تمنحه للرئيس، وحين نقرأ عن تصرف عاملة مقسم الهاتف مع الرئيس بهذا الشكل ندرك عمق المؤسسات التي كانت متجذرة في تلك الفترة، بحيث عاملة مقسم وصلت لمرحلة ترفض طلب رئيس الجمهورية!

الصورة الرابعة حين خاض أول مراقب عام للإخوان المسلمين، المرحوم بإذن الله الدكتور مصطفى السباعي، الانتخابات العامة، كانت رئيسة حملته الانتخابية ابنة فارس الخوري، وهو يعكس عمق معاني الحرية التي دعت مسيحية لتكون رئيسة الحملة الانتخابية للإخوان المسلمين، وهي الحرية نفسها التي دفعت الشيخ السلفي المعروف بهجت البيطار أن يضع عمامته على رأس رئيس المجلس النيابي فارس الخوري المسيحي، ليقول له هذه العمامة تليق بهذا الرأس، رحمهم الله جميعاً.

وتبقى شهادة باني دولة ماليزيا مهاتير محمد حين زار دمشق في الخمسينيات؛ حيث كان حلمه بأن تغدو ماليزيا كسوريا، وهو الحلم نفسه الذي كان يراود أهل كوريا في الخمسينيات لتكون مصر ثانية، أجزم أن ثمة آلاف الصور التي يمكن أن نتحدث فيها عن سوريا وعن ذاك الزمن الأغرّ؛ ولكن ضيق المساحة لا يتيح لنا الإسهاب، تلك هي سوريا، فأي سوريا نعيشها اليوم من خراب ودمار واحتلالات، وصدق المتنبي وبضدها تتميز الأشياء...;

==========================


عن الاستخبارات الروسية في سوريا

مهند الحاج علي

المدن

الثلاثاء 23/10/2018

قبل شهرين، نشرت مواقع وصحف غربية تقريراً نقلاً عن موقع روسي، يشير إلى نشاط الاستخبارات العسكرية الروسية المعروفة بإسم "جي أر يو" في افريقيا وسوريا حيث تُشرف على نشاطات المرتزقة الروس الذين جنّدتهم شركة "فاغنر" الخاصة والمتعاقدة مع وزارة الدفاع الروسية. هذه الشركة تُوفّر دعماً على الأرض لقوات النظام في العمليات العسكرية ضد المعارضة.

يكتسي هذا الكشف عن الدور المتنامي للاستخبارات العسكرية الروسية أهمية إضافية في ظل بعض التسريبات عن اهتمام موسكو بعملية إعادة هيكلة المؤسسات الأمنية والعسكرية السورية. ذلك أن هناك القليل القليل عن النفوذ الروسي وسط كومة الكلام الرسمي المنمّق عن دعم الدولة والاستقرار والمصالحة. في المقابل، نسمع ضجيجاً متواصلاً عن النفوذ الإيراني من الإعلانات القديمة عن سيطرة طهران على عواصم عربية، وربطها بين طهران وبيروت على البحر المتوسط بممر بري عبر دمشق.

روسيا كانت تؤدي عملها بصمت مدروس. ذلك أن المصدر الوحيد لأي معلومات عن النفوذ الروسي، كان التسريبات الإعلامية والتصريحات الغربية غير المنسوبة لأصحابها. وحتى هذه التسريبات كانت تتعرض لقمع شديد. في آب (اغسطس) الماضي، قُتل ثلاثة صحافيين روس كانوا يُحققون في نشاط لشركة "فاغنر" في جمهورية افريقيا الوسطى.

واليوم لو قررنا أن نعد ما نعرفه عن التدخل الإيراني عبر وسائل التواصل الإجتماعي، بإمكاننا تقديم احصاء تقريبي للميليشيات الشيعية وأسلحتها وقياداتها وجولات قائد فرقة "القدس" قاسم سليماني. لكن جُلّ ما نعرفه عبر التسريبات وبعض الوقائع الميدانية، أن روسيا تلعب دوراً في اعادة هيكلة الجيش والاستخبارات السورية، وتُشرف على القوة الضاربة للإستخبارات العسكرية السورية.

وأهمية الاستخبارات العسكرية، مقارنة بالأجهزة الأخرى، تكمن في اشرافها على قوات خاصة تتولى تنفيذ مهمات عسكرية أساسية. في روسيا، تُشرف الاستخبارات العسكرية على قوات "سبيتسناز" النخبة، علاوة على قوى غير نظامية مثل "فاغنر". وهذا النموذج بات ينسحب على سوريا حيث تخضع قوات النمر الموالية للروس، إلى اشراف شعبة الاستخبارات العسكرية. مصادر مُطّلعة على الدور الروسي تتحدث أيضاً عن تدريبات لنُخبة أمنية جديدة في الأجهزة الإستخباراتية السورية، وتحديداً العسكرية منها، منذ بدايات التدخل الروسي.

والدور الأمني هذا طبيعي لو أخذنا في الاعتبار دور القوات الروسية الخاصة (الخاضعة للاستخبارات العسكرية) في سوريا. كذلك تُعتبر الاستخبارات العسكرية الجهاز الأمني الأقوى اليوم في روسيا، إذ تملك الترسانة الأكبر من العملاء في الخارج مقارنة بالأجهزة الأخرى. يتولى هؤلاء العملاء تنفيذ أغلب العمليات من الهجمات الإلكترونية على أهداف غربية إلى محاولة اغتيال سيرغي سكريبال في بريطانيا في النصف الأول من العام الجاري. سكريبال نفسه كان عضواً في المخابرات العسكرية حيث جنّدته المخابرات البريطانية لكشف أسماء جواسيس بلاده في بريطانيا.

والتركيز الروسي على شعبة الاستخبارات العسكرية مهم لسببين رئيسيين. أولاً، هذا الجهاز توسّع خلال الحرب، رغم الضربات والوهن اللاحق به بعد الثورة مباشرة، إذ يضم وفق بعض التقارير 50 فرعاً في المحافظات، و28 مركزاً في دمشق وحدها. هو في قلب الدولة الأمنية، وتولى ملفات خارجية حساسة مثل الأمن وأيضاً ادارة النفوذ السياسي في لبنان.

ثانياً، الدولة السورية أمنية، ترتكز على الأجهزة الاستخباراتية الأربعة الأساسية (المخابرات العسكرية والأمن السياسي والمخابرات الجوية والعامة). ورغم الحديث عن فشل النظام عسكرياً وتضعضع الفرق العسكرية الأساسية ما عدا الرابعة بقيادة ماهر الأسد، والحرس الجمهوري أيضاً، أظهرت بيروقراطية الأمن السورية فاعلية قصوى في القتل والتعذيب على مستويات صناعية، وأيضاً في اختراق الخصم والتلاعب به.

لكن هذا كلام في الماضي. تتركز مهمة هذه الأجهزة اليوم على ادارة الميليشيات الخارجة عن سلطة الدولة المركزية (احتواء وليس بالضرورة تصفية). وهذه المهمة، باللغة الاقليمية، لن تعني سوى احتواء الوجود الإيراني، بحيث يصير ورقة يلعب بها الروسي ولا تتحكم به وبمشروعه.

==========================


حماية المدنيين بين اليمن وسورية

د.رضوان زيادة

سوريا تي في

الثلاثاء 23/10/2018

اندلعت في الحادي عشر من شباط/ فبراير 2011، ثورة شعبية ضد حكم الرئيس اليمني علي عبد الله صالح الذي دام لثلاثة وثلاثين عاماً تحت تأثير ثورات الربيع العربي التي بدأت من تونس في كانون الأول/ديسمبر 2010، لقد كانت الثورة اليمنية ملهماً رائعاً ليس فقط لليمنيين فحسب وإنما لكل العرب وخاصة السوريين، فبالرغم من حضور العامل القبلي بقوة في السياسة اليمنية إلا أنه تحول إلى عامل ثانوي أمام قوة وحضور مظاهرات الشباب السلمية لتحقيق التغيير السياسي المنشود، والعامل الآخر هو انتشار السلاح بقوة في المجتمع اليمني لم يعق تطور الثورة اليمنية بوصفها ثورة سلمية تهدف لتحقيق إصلاحات جذرية داخل النظام السياسي بحيث يعيد لليمنيين حقهم في اختيار رئيسهم وشكل نظامهم السياسي الذي يرغبون.

ففي 23 تشرين الثاني/ نوفمبر2011 نجحت الضغوط الدولية وخاصة منها الخليجية ممثلة في مجلس التعاون الخليجي حيث كان ما يزال يمتلك الكثير من التأثير على الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح وقد نجحت هذه الضغوط بالتوقيع على مبادرة مجلس التعاون لدول الخليج العربي وآليتها التنفيذية، وبموجب هذا الاتفاق مُنح الرئيس اليمني الأسبق صالح الحصانة ونُقلت السلطة إلى نائب الرئيس: عبد ربه منصور هادي الذي اعتبر حينها رئيساً مؤقتاً وأشرف بشكل مباشر على إدارة ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني.

واقترنت عملية الحوار الوطني مع عملية وضع الدستور فيما اعتبر حينه أوسع عملية حوار وطني شامل جرت في الوطن العربي

واقترنت عملية الحوار الوطني مع عملية وضع الدستور فيما اعتبر حينه أوسع عملية حوار وطني شامل جرت في الوطن العربي وتهدف وفق نظريات التحول الديمقراطية إلى تحقيق هدف الثورة اليمينة في الاتفاق على شكل النظام السياسي القادم وفق أسس ديمقراطية حقيقية.

لقد عقد مؤتمر الحوار الوطني الشامل بمشاركة مختلف الأطراف. وذلك في 18 آذار/ مارس 2013، وساده الكثير من النقاش والشد والجذب بين القوى السياسية المشاركة المختلفة في التوجهات السياسية والأيديولوجية لكنه نجح في النهاية بالوصول إلى ما سمي حينها "وثيقة الحوار الوطني الشامل" في 26 كانون الثاني/ يناير 2014، في حالة نادرة لمشاركة كل القوى السياسية والشعبية والحزبية منها كما قلنا (كما شاركت قوى اجتماعية وسياسية جديدة لم يسبق انخراطها في الحوارات الوطنية السابقة كالشباب، والنساء، وجماعة أنصار الله "الحوثيون"، والسلفيون، والحراك الجنوبي) وبعدها أثيرت التساؤلات حول مدى إمكانية تطبيق هذه المخرجات والتوصيات النهائية بما فيها تلك المتعلقة بالعدالة الانتقالية في اليمن حيث أوصى المؤتمر بإصدار قانون العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، وإنشاء هيئة للعدالة الانتقالية، وإجراء إصلاح مؤسسي بما يحول دون انتهاكات حقوق الإنسان، والكشف عن المختفين قسرياً، وإعادة النظر في قانون شغل الوظائف العليا بما يكفل خضوعهم للمساءلة.

لكن في عام 2014، تصاعد النزاع بين القوات الحكومية بقيادة الرئيس هادي والحوثيين وجماعات مسلحة أخرى بسبب ترتيبات تقاسم السلطة ومشروع الدستور. وفي أيلول/سبتمبر 2014، قام الحوثيون والقوات المسلحة المنحازة للرئيس السابق صالح بالاستيلاء على العاصمة صنعاء وأجزاء أخرى من البلد وإحكام السيطرة عليها.

وفي آذار/مارس 2015، شكلت المملكة العربية السعودية تحالفاً مع الأردن والإمارات العربية المتحدة والبحرين والسنغال والسودان والكويت ومصر والمغرب لبدء عمل عسكري بناء على طلب الرئيس هادي، وقدمت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، من بين دول أخرى، المشورة والدعم للتحالف. وشنت قوات التحالف حملة جوية أدت إلى وقوع خسائر جسيمة في صفوف المدنيين.

وتبخرت حينها كل توصيات مؤتمر الحوار الوطني وشهدنا فترة جديدة من انتهاكات قوات التحالف العربي بقيادة السعودية بحق المدنيين في اليمن ففي 8 تشرين الأول/أكتوبر 2016، حيث استهدف التحالف الصالة الكبرى في صنعاء خلال مجلس عزاء، مما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 137 مدنياً من الذكور وإصابة 695 آخرين، من بينهم 24 صبياً.

وبالإضافة إلى الضربات الجوية، فرضت القوات البحرية التابعة للتحالف قيوداً صارمة، وأنفذت في أواخر عام 2017، حصاراً بحكم الواقع على الموانئ اليمنية، مما أعاق الواردات من الإمدادات الضرورية للبلد. وفي آب/أغسطس 2016، أغلق التحالف فعلياً مطار صنعاء الدولي. ولا يزال المطار مغلقاً أمام الطيران التجاري حتى تاريخه.

مع بدء العمليات العسكرية لقوات التحالف العربي بقيادة السعودية دخل اليمن في حالة نزاع مسلح غير دولي

وعقب استمرار التوترات بين الحوثيين وحلفاء صالح، اصطدمت قواتهما في صنعاء في كانون الأول/ديسمبر 2017. وقُتل الرئيس السابق صالح على يد الحوثيين. وفي كانون الثاني/يناير 2018، أعلن المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي أُنشئ في أيار/مايو عام 2017، حالة الطوارئ في عدن، واشتبك مؤيدوه بشدة مع القوات الحكومية. ثم عادت حالة من الهدوء الحذر عقب تدخل التحالف. ولا تزال قوات المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعومة بقوة من الإمارات العربية المتحدة، تسيطر على المدن الرئيسة في جنوب اليمن.

ومنذ آذار/مارس 2017، اعتبر مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية أن اليمن يمثل أكبر أزمة إنسانية في العالم. وفي نيسان/أبريل 2018، ومن بين السكان البالغ عددهم 29.3 مليون نسمة، كان هناك 22.2 مليون شخص بحاجة إلى المساعدة الإنسانية، من بينهم 11.3 مليون شخص في حاجة ماسة إليها. وتمتد الاحتياجات عبر كل القطاعات، بما في ذلك الصحة، والغذاء، وخدمات الصرف الصحي والمياه، والإسكان، والحماية.

مع سيطرة الحوثيين الكاملة على صنعاء ومع بدء العمليات العسكرية لقوات التحالف العربي بقيادة السعودية دخل اليمن في حالة نزاع مسلح غير دولي.

وفي هذا السياق، انتقلت اليمن إلى مرحلة جديدة من الصراع المسلح شبيه بالذي يحدث في سورية، إن حماية المدنيين يجب أن يكون في مركز اهتماماتنا وبنفس الوقت الذي ندافع فيه عن حق المدنيين السوريين بسبب البراميل المتفجرة التي يسقطها نظام الأسد ضد السوريين، يجب أن يكون موقفنا حازماً من أجل حفظ المدنيين في اليمن وضمان أرواحهم بغض النظر عن طبيعة الأطراف الإقليمية والدولية التي تدخل في الحرب اليوم، ولذلك أعتقد أنه لابد من وقف هذه الحرب العبثية والعودة إلى مخرجات الحوار الوطني والعودة إلى تطبيق توصياته بتأسيس هيئة للعدالة الانتقالية مع التركيز على عنصر المحاسبة على الجرائم المرتكبة بحق المدنيين اليمنيين منذ عام 2011.

==========================


ملكة جمال البعث التقدّمي

خطيب بدلة

العربي الجديد

الاحد 21/10/2018

حدثت هذه الحكاية في سنة 1990. بطلُها رجلٌ يحمل الإجازة في الفلسفة من جامعة دمشق، ويعيش مع أسرته الصغيرة في مدينة إدلب. في تلك السنة، أجرى نظامُ حافظ الأسد تعديلاً طفيفاً على تعاطيه مع العملية الانتخابية الخاصة بمجلس الشعب. فقَبْلَ ذلك كانت الانتخابات تديرها القيادة القطرية لحزب البعث، والشُّعَب المخابراتية، وبعض الشخصيات المقرّبة من الجماعة الحاكمة، إضافة إلى السماسرة الذين يجيدون اللعب على الحبال. وهؤلاء يتفقون على أسماء محدّدة من المرشحين، ويسجلونها ضمن قائمة شهيرة عرفت باسم "قائمة الجبهة الوطنية التقدمية"، وفيها أكثرية من حزب البعث، والباقي توزّع على مرشحي أحزاب الجبهة، وهي أحزاب شيوعية وقومية "ناصرية" متنوعة، قَبلت بلعب دور "الوصيف" عند النظام البعثي، بعد أن أقنعت نفسها وقواعدها بأنه نظام "وطني" على الرغم من كل هذا الاستبداد. وكان الناس يعرفون أن قائمة الجبهة ناجحة، بالقوة، وبالتزوير. ولذلك لا يجرؤ أحد على الترشّح في مواجهتها غير المهابيل والمهووسين الذين يسقطون في المحصلة، من دون أن يكترث بهم أحد.

في دورة 1990، ضَخَّت الفروعُ المخابراتية في المحافظات بين الناس خبراً شبيهاً بالإشاعة، يقول إن نظام حافظ الأسد سيصبح ديمقراطياً، هكذا، فجأة، ومن دون مقدّمات، وأن قائمة الجبهة الوطنية التقدمية ستكون ناقصة، بقصد منحِ فرصةٍ لأناسٍ من مختلف فئات الشعب الأخرى بأن يرشّحوا أنفسهم وينجحوا، وهذا ما كان، إذ راح يتنافس على المقاعد الأخرى (غير الجَبْهَوِيّة) بعضُ أصحاب المهن الحرّة، والمزارعين، وحاملي شهادات جامعية، وسياسيين غير معارضين، وتجار عاديين، وتجار سلاح ومخدرات. صدّق بعضُ هؤلاء الإشاعة، وبعضهم الآخر يعرف أنها لعبة، ويريد الاستفادة منها، لذلك نزلوا إلى الساحات، مالئين الجدران بصورهم وبياناتهم، وفتحوا المضافات، ورشرشوا الأموال على الناخبين، فيما راحت الأجهزة المخابراتية تلعب لعبتها في إنجاح مَنْ تريد منهم، ولا سيما عندما تتأكّد من ولائه للطغمة الفاشستية الحاكمة، ومَنع بعضهم الآخر من النجاح، إذا اكتشفوا لديه بذرة معارضة، أو قلة ولاء للطغمة الفاشستية إياها.

هذا الوضع العام جعل بطل قصتنا الأستاذ عبد الله ينأى بنفسه عن العملية الانتخابية، وعندما نصحه بعضُ رفاقه بترشيح نفسه، قال لهم إنه يشعر بأن عقله ما زال في رأسه، وحينما يُجَنُّ فمؤكّد أنه سيرشح نفسه مع المرشحين المجانين.. وأضاف أنه لن يذهب، كذلك، إلى المركز الانتخابي للإدلاء بصوته، وسوف ينصح أفراد أسرته بألا يذهبوا، لأن الناجحين معروفون سلفاً، واللعبة مكشوفة، فإذا كانت الفروع الأمنية تريد أن تضحك على الناس فلتضحك على غيره، فهو ليس مضحكة.

الأستاذ عبد الله، هذا الرجل الذي يزعم أن عقله في قمة الرجحان والقوة والثبات، تَعَرَّضَ، في تلك السنة، لمشكلةٍ عائلية، واكتشف أن زوجته السيدة أميرة، وكان يصفها بأنها متوسطة الذكاء، أذكى منه بكثير.. ففي ذات ليلة، دخلت عليه المكتب، وكان هو يبحث عن مادة تاريخية لتكون شاهداً في أحد أبحاثه الفلسفية، وأعلمته بأن ابنتهما هيفاء تريد أن تسافر إلى دمشق للمشاركة في مسابقة ملكات جمال القطر العربي السوري. وسألته: ما رأيك؟

قال بحماس: طبعاً موافق. والله إن هذا خبر سار.

وراح يشرح لها أنه حينما تكون السياسة في بلدٍ من البلدان فاشلة، وممنوعة، وهناك استبدادٌ لفئة من الناس على باقي فئات الشعب، يكون الحل الوحيد أمام الإنسان الذكي، العاقل، أن ينأى بنفسه عن العمل السياسي، والانخراط في نشاطات أدبية وثقافية واجتماعية، ومن ضمن هذا، مثلاً، اشتراك ابنتهما هيفاء بمسابقة ملكات الجمال، وأن على الأسرة كلها أن تتضامن معها وتؤازرها.

فاجأته زوجته: برأيي أن عقلك أصغر من عقل ابنتك بكثير.

قال مندهشاً: ليش؟

قالت: لأن النتيجة معروفة من الآن، ستنجح ملكة الجمال المرشّحة من الجبهة الوطنية التقدّمية!

==========================

بشّار الجعفري وقضية خاشقجي

فاطمة ياسين

العربي الجديد

الاحد 21/10/2018

وجدت قضية الصحافي السعودي المغدور، جمال خاشقجي، مكاناً لها في مداولات مجلس الأمن التي قدم فيها مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى سورية، ستيفان دي ميستورا، إحاطته الأخيرة عن سورية، فقد خرج مندوب النظام السوري، بشّار الجعفري، عن السياق، وساق اتهامات "إيديولوجية"، باللهجة البيروقراطية نفسها التي يتقنها، للسعودية بإخفاء الصحافي. ورد عليه المندوب السعودي كما يليق بدبلوماسي ينتمي إلى شكل محدّد من أنظمة الحكم، باتهام آخر، من دون أن ينفي عن نفسه التهمة التي ساقها المندوب السوري. حصل ذلك كله في جلسة مخصصة لشأن آخر، استغرق ثماني سنوات، واستهلك بلداً كان عدد سكانه 22 مليونا، وهو سورية.

حدثت المواجهة الدبلوماسية في حاضرة الدبلوماسية العالمية، مجلس الأمن، ودار نقاش إعلامي أفصح عن شكل المنافحة التي ترغب الأنظمة بتبنّيها، وهي تلمّع صورتها وتنفي التهم عن نفسها، وذلك بمجرد اتهام الآخرين، وهي الطريقة التي اتبعها الجعفري، فكانت النتيجة اتهاما واتهاما عكسيا، ولو طالت أنفاس رئيس المجلس البوليفي لأكمل الطرفان اتهاماتهما إلى ما لا نهاية.

اختفى خاشقجي أمام أنظار العالم داخل مبنى قنصلية بلاده في إسطنبول المحصّن بحماية دبلوماسية، حيث لا يستطيع أي كائن الدخول إلا بإذن الدولة صاحبة المقر. وسجّلت الكاميرات الخارجية دخوله بمحض إرادته، لكنه لم يخرج حتى اللحظة. أصيبت وسائل الإعلام السعودية بارتباك شديد أمام قصص الإعلام التي تسرّبت عن مصيرٍ مرعب واجهه الصحافي الشهير داخل القنصلية. وتحولت استراتيجية الرد الرسمي السعودي إلى وجود مؤامرة. اختفى اسم خاشقجي من الردود الرسمية، وتركز كل شيء عن إرادات خارجية تحيك مؤامرة خبيثة، تستهدف رؤى السعودية المستقبلية، وتراقصت كل الردود التي تلقتها وسائل الإعلام من الجهات الرسمية وغير الرسمية السعودية حول هذا الرد، من دون إعطاء أي تفسير بوليسي أو منطقي لدخول خاشقجي إلى القنصلية، وعدم خروجه منها. وزاد في ارتباك وسائل الإعلام الموقف الأميركي وحديث دونالد ترامب عن عقوبات وتهاوي سوق البورصة السعودية بفقدانها نسبة مئوية مؤثرة من قيمتها، بعد يوم واحد من التصريحات.

لا تبدو الهوامش المعطاة لوسائل الإعلام ومجموعات العمل الرسمي السعودية كبيرة، حيث انحصر الجميع ضمن نطاق ضيق للهروب أو المواربة، من خلال الحديث عن مؤامرة، وهي الحجة نفسها التي ساقتها عدة أنظمة عربية لتبرير مؤشرات التنمية السالبة، والتخلف السياسي والعلمي والاجتماعي، ولتبرير الثورات أيضاً، وما عكس التمسّك العصابي في الحالة السعودية الراهنة بتلك الحجة انعدام الاتصال بين وسائل الإعلام وصانعي القرار، فلجأ الجميع للمتوفر بين أيديهم، وأصرّوا عليه في ظل قلة الحيلة وضعف الوسيلة، على الرغم من ظهور تطورات حاولت التغطية على التورّط السعودي في القضية بالزيارة التي قام بها وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، إلى الرياض.

لا تستطيع حجج الجعفري، ولا الممثل السعودي في مجلس الأمن، أن تمحو الآثار السلبية الموجودة على الأرض. ولا مقارنة هنا بين اختفاء آلاف من السوريين واختفاء خاشقجي، ولكن من الناحية الأخلاقية المنطلق واحد، ويوضح أسلوب العمل الإجرامي الذي قد يلجأ إليه رجل السياسة عند أي تهديد، فلا الجعفري ولا الممثل السعودي يمتلكان من المعلومات أو الاطلاع ما يمكّنهم من المرافعة والدفاع، والأسهل هو التمترس خلف اتهام الطرف الآخر، أو اللجوء إلى نظرية المؤامرة التي أثبتت عبر السنوات الأخيرة نجاحاً. وهنا قد تبدو الحاجة إلى مجموعةٍ من رجال السياسة والإعلام ممن تحضر البديهة عندهم في التو واللحظة، لابتكار الردود المناسبة في ظل شحّ المعلومات المدقع. وعند غياب هؤلاء، وهي الحالة السائدة، تخلو الساحة للأبواق التي تعتمد الخطابة والصوت العالي، ومحاولة إسكات الطرف المقابل بكيل الاتهامات له، ولكن ذلك كله لا يخفي الحقيقة التي توازي دخول صحافي معارض إلى قنصلية بلاده منذ أكثر من أسبوعين، وعدم خروجه منها حتى اللحظة.

==========================


هل بدأت أمريكا تتخلى عن الشرق الأوسط لصالح الروس؟

د. فيصل القاسم

الشرق القطرية

الاحد 21/10/2018

لا يمكن أن نصدق أبداً أن أمريكا سيدة العالم التي فعلت المستحيل، وصارعت قوى كثيرة، كان آخرها الاتحاد السوفياتي، كي تتولى قيادة المعمورة، يمكن أن تتخلى عن نفوذها وهيلمانها، وتعطيه لقوى آخرى بهذه الخفة والبساطة. ولا يمكن لو حصل ذلك أن يكون نتيجة سياسات الإدارة الأمريكية الحالية بقيادة دونالد ترمب التي تتصف بالرعونة. نحن نعرف أن السياسات الأمريكية لا يضعها الرئيس ولا أي مؤسسة حكومية أمريكية لوحدها، بل تضعها مؤسسات كثيرة بإشراف الدولة العميقة وأذرعها في المجلات الصناعية والتكنولوجية والدوائية والدينية والعسكرية وغيرها، وبالتالي، فإذا كان هناك فعلاً تحول أمريكي حقيقي، فلا بد أن مراكز البحوث والخبرة الأمريكية قد وضعته قبل سنوات وسنوات، خاصة وأن الأمريكيين يخططون لعقود قادمة وليس شهراً بشهر أو حتى سنة بسنة. لكن أياً كان الأمر، لا بد للمراقب أن يلحظ أن هناك فعلاً توجهات أمريكية إما للتخلي عن بعض مناطق النفوذ في العالم، أو نقل مصالح أمريكا إلى مناطق أكثر حيوية، وأكثر أهمية استراتيجية.

لنركز على منطقة الشرق الأوسط ذات الأهمية الاستراتيجية والحيوية العظيمة بالنسبة للأمريكيين. والجميع يعرف أن أهم ثابتين في سياسة أمريكا في هذه المنطقة هما الحفاظ على إسرائيل وعلى النفط، وما عدا ذلك مجرد تفاصيل. لننظر أولاً إلى سوريا جارة الولاية الأمريكية الأولى (إسرائيل). صحيح أن كل ما حصل في سوريا منذ بداية الثورة كلن تحت الأنظار الأمريكية، لا بل كانت أمريكا تقود كل شيء من المقعد الخلفي تاركة المقعد الأول لحلفائها وتوابعها في المنطقة، لكن لاحظنا منذ أواخر عام 2015 أن أمريكا بدأت تتخلى عن الساحة السورية لروسيا. وقد بدأ الدخول الروسي إلى سوريا بعد اجتماع هام بين الرئيس الروسي بوتين والأمريكي آنذاك باراك أوباما على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. في اليوم التالي للاجتماع أعلنت روسيا عن التدخل رسمياً في سوريا، ولا شك أن ذلك كان بمباركة أمريكية. ومنذ ذلك الحين تتولى روسيا الساحة السورية كلها عسكرياً وسياسياً، بينما ينحصر الاهتمام الأمريكي في الشرق السوري مع الأكراد وبعض النقاط في الشمال.

ما الذي فعله الأمريكان؟ هل اكتفوا فعلاً بمناطق معينة وتركوا سوريا للروس؟ هل يعقل أن تترك واشنطن أهم منطقة مجاورة لإسرائيل في الأيدي الروسية إذا كانت تعتبر روسيا منافسها الصاعد في العالم الذي تحاصره في أوكرانيا وأوروبا الشرقية سابقاً؟ ماذا بقي للأمريكيين في سوريا غير الاعتراضات السخيفة على إعادة إعمار سوريا بوجود النظام، وبعض المشاكسات حول الدستور؟ ما عدا ذلك صار كله في الأيدي الروسية. حتى أن المتحمسين للوجود الروسي في سوريا يعتقدون أن أمريكا وحتى إسرائيل فقدتا زمام المبادرة في سوريا، وباتت إسرائيل تحديداً تتوسل إلى الروس كي يراعوا مصالحها وأمنها. لكن ذلك لا يبدو مقنعاً مطلقاً، إذا ما علمنا أن موسكو تحافظ على مصالح إسرائيل في العالم أكثر من أمريكا، خاصة وأن روسيا تاريخياً كانت أول دولة اعترفت بإسرائيل قبل أمريكا. لكن بكل الأحوال صارت روسيا الآمر الناهي الآن في الشام. ولا يتردد الرئيس الأمريكي بين الحين والآخر في التعبير عن رغبة إدارته بالانسحاب كلياً من سوريا.

ولو انتقلنا الآن إلى الثابت الثاني في السياسة الأمريكية الشرق أوسطية، ألا وهو النفط، فسنرى أن حليفة أمريكا الأولى في المنطقة نفطياً، السعودية، باتت في مرمى النيران الأمريكية على ضوء الابتزازات الأمريكية المتواصلة للممكلة عبر قانون جاستا وبعده عبر قضية اختفاء جمال خاشقجي. لم تعد السعودية على ضوء التصرفات الأمريكية تحظى بدور الحليف الاستراتيجي لواشنطن. لقد تحولت المملكة في عهد ترمب إلى ملطشة أمريكية تهينها واشنطن وتحط من قدرها ليل نهار، لا بل تستخف بقيادتها بطريقة استفزازية للغاية. وقد شاهدنا ترمب على مدى الأسابيع الماضية وهو يبتز القيادة السعودية، ويقول لها لولانا لما بقيتم في الحكم لأسبوعبن، ولما استطاعت أن تطير طائرة الملك لولا الحماية الأمريكية. هذه التصريحات ليست عابرة، بل تعبر عن تحول استراتيجي في النظرة الأمريكية إلى ثاب النفط. وقد اتضح الموقف الأمريكي المتحول من السعودية بعد قضية خاشقجي حيث استخدمت واشنطن القضية كأداة ابتزاز وضغط على السعودية لإهانتها وإذلالها، لا بل إن السيناتور الأمريكي الشهير ليندسي غريام وصف ولي العهد السعودي الحاكم الحقيقي للملكة بالصبي المجنون الذي لا نفتخر بصداقته. وهناك الآن تهديدات بفرض عقوبات أمريكية على السعودية كما لو أنها أصبحت في منزلة إيران أو كوريا الشمالية بالنسبة لأمريكا.

وكما أن الانسحاب الأمريكي التدريجي من سوريا أغرى الروس بالهيمنة على الساحة، ها هم السعوديون أنفسهم يهددون أمريكا بمنح قواعد عسكرية للروس في تبوك. وقد جاء التهديد على لسان مدير قناة العربية المقرب من القيادة السعودية، رغم أنه تراجع عن تصريحاته واعتبرها شخصية، مع العلم أنها لم تكن شخصية مطلقاً، بل تعبر عن روح القيادة السعودية التي باتت تتخوف من الحليف الأمريكي.

هل يعقل يا ترى أن أمريكا بدأت تتخلى عن ثوابتها التاريخية في الشرق الأوسط، وخاصة إسرائيل والنفط؟ ألا تتقدم روسيا في المنطقة بينما تتراجع أمريكا؟ أليس الفراغ الذي تتركه أمريكا سيملأه الروس حسب قوانين الطبيعة؟ ألا ترى أمريكا أن الروس بدأوا فعلاً يستفيدون من علاقاتها المتدهورة مع حلفائها الشرق أوسطيين وخاصة السعوديين والخليجيين عموماً؟ هل هو انسحاب أمريكي مدروس؟ هل بدأت أمريكا تنقل اهتمامها باتجاه الصين حيث الخطر الأكبر؟ هل بدأت أمريكا تتخلى عن القيادة السعودية الحالية فقط مع إبقاء اهتمامها بالسعودية كمركز استرايجي كبير؟ هل هو مجرد تقاسم نفوذ مع الروس، بحيث تبقى حصة أمريكا في الشرق الأوسط محفوظة؟ الجواب في التطورات المتلاحقة.

==========================


حصاد ستيفان دي ميستورا: الفشل الأممي في الملف السوري

د. خطار أبودياب

العرب اللندنية

السبت 20/10/2018

لم يُصلح موفد منظمة الأمم المتحدة إلى سوريا ستيفان دي ميستورا ما أفسدته “اللعبة الكبرى” وتبعاتها، وقرر أخيرا، بعد مراوحة في المكان لمدة أربع سنوات، طيّ الصفحة والتخلي عن أداء مهمته. ولم ينجح رهانه على التحدي وتركيب التسويات في هذا الملف المعقد، حيث فشل من قبلُ مبعوثان رفيعان من طراز كوفي عنان والأخضر الإبراهيمي.

يتعدى التقييم الأشخاص وكفاءاتهم وقدراتهم لأنه من دون حد أدنى من الوفاق الدولي والإقليمي لا يمكن إنجاح الجهود لإنهاء الصراعات المسلحة والتوصل إلى تسوية واقعية وعادلة تستعيد وحدة سوريا وتحفظ كيانها ودولتها. ولا يمكن اختصار الفشل بعجز الأمم المتحدة لأن الفشل الأممي ما هو إلا ترجمة لمواقف الكبار وطموحات القوى الإقليمية ولموازين قوى مختلة، ولأن الوظيفة الجيوسياسية للحروب السورية لن تُستنفد قبل إعادة تركيب الإقليم ورسم صورته المستقبلية.

يغادر دي ميستورا منصبه أواخر شهر نوفمبر القادم، ويبدو حصاد عمله هزيلا ومحدودا ودليلا إضافيا على مآزق العمل الدبلوماسي المتعدد الأطراف وعدم احترام المبادئ النظرية لميثاق الأمم المتحدة حول حفظ السلام والحماية الإنسانية، خاصة وأن المرحلة الانتقالية من التخبط والفوضى في النظام الدولي تترك بصماتها على أبرز مسارح النزاع في الشرق الأوسط وسوريا في القلب منها.

بدأت الحكاية الأممية مع ملف الحرب في سوريا، في 23 فبراير 2012، مع تعيين الأمين العام السابق للأمم المتّحدة الراحل كوفي عنان “مبعوثا مشتركا للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية للأزمة في سوريا”، لكنه استقال في الثاني من أغسطس من نفس العام بعد بضعة أشهر فقط، وبعد إفشال إعلان المبادئ الذي وضعه ووثيقة جنيف (نهاية يونيو 2012) وحينها كاشف العالم بخلاصته التي لا تزال صالحة حتى يومنا هذا “لقد بذلت قصارى جهدي”، لكن “العسكرة المتزايدة على الأرض والافتقار الواضح للوحدة داخل مجلس الأمن غيّرا بشكل جذري ظروف ممارسة مهامي بشكل فعال”. وأضاف “لم أتلقَّ كل الدعم الذي تستحقه القضية، هناك انقسامات داخل المجتمع الدولي”، مشيرا، ضمنا، إلى ثلاثة قرارات بشأن سوريا منذ بداية الأزمة استخدمت فيها موسكو وبكين حق النقض لوأدها. ومن دون شك لم يكن “الغموض البناء” خير مساعد في الدفع نحو الحل، إذ أن التحدث عن ضرورة الإجماع للتوصل إلى تفاهم على الحكم الانتقالي يعد غموضا غير بنّاء جعل الدبلوماسية هدامة أي غير بناءة وخلاقة في إيجاد المخارج.

بيد أن ترابط تحولات ما بعد 2011 من ليبيا إلى المشرق والاندفاع الغربي أنتجا تشددا من الطرف الآخر حيث استخدمت موسكو 12 مرة حق النقض في الأمم المتحدة لحماية حليفها السوري، وكان ذلك أحد أسباب عدم إيجاد حل أممي.

ولم يكن حظ وزير الخارجية الجزائري الأسبق، الأخضر الإبراهيمي، أفضل من سلفه كوفي عنان، وقد صمد في مهمته من سبتمبر 2012 إلى مايو 2014. وتمكن في بداية 2014 من تنظيم أول مفاوضات مباشرة بين الحكومة والمعارضة في جنيف برعاية الولايات المتحدة وروسيا، لكن المفاوضات تعثرت بسبب رفض دمشق المطلق البحث في مصير بشار الأسد، ونتيجة الانقسام الدولي الحاد. وفضل الإبراهيمي الانسحاب بعد أقل من عامين على الجهود غير المثمرة، واصفا الوضع في سوريا بأنه “صعب جدا، ولكن ليس ميؤوسا منه”، وكانت استقالته بعد إدراكه أن إجراء انتخابات الرئاسة في يونيو 2014 في سوريا، وإعادة الانتخاب المتوقعة لبشار الأسد، يعنيان نهاية جهوده.

في سياق السيطرة الروسية على الملف السوري من خلال لعبة الثنائي جون كيري- سيرجي لافروف، جرى تعيين السويدي- الإيطالي ستيفان دي ميستورا ليواصل عمل المنظمة الدولية في هذا الملف. وكان همه الأكبر استمرار مهمته وتدوير الزوايا. وهذا الارستقراطي المثير للجدل كان يشكو بأنه لم يحظ يوما بدعم دولي حقيقي خلال السنوات الأربع الماضية، ولذا ربما حاول التأقلم مع مواقف الطرف الأقوى في الصراع السوري، خصوصا مواقف روسيا، التي باتت اللاعب الأول في الساحة السورية منذ تدخلها العسكري الواسع في سبتمبر 2015، وحدا ذلك بالكثير من المراقبين واللاعبين لاتهامه باستسهال المساومات والتخلي عن المرجعيات الدولية المنظمة للحل السياسي في سوريا كلما تعرّض لضغوط من الدول الكبرى، خلافا للمبعوثين السابقين.

يمكن القول إن عمل دي ميستورا لم يكن ضحية تضارب المسارات، مع فرض الروس لمسار أستانة منذ 2016، بل بسبب منهجية خاطئة في التعامل مع التفاوض كما يقول أحد الذين تعاملوا معه عن قرب في العامين 2016 و2017: “أخطر ما فعله دي ميستورا منذ بداية عمله أنه جعل مسائل مبدئية لا تستدعي التفاوض (البنود 12/ 13 / 14 في القرار 2254) موضع تفاوض وحيد، وكأنه في إطالة ما سماه مرحلة بناء الثقة التي تسبق التفاوض، يعمل بتوجيه أميركي وروسي لمنح النظام فرصة التفوق العسكري من مطلع 2016 حتى الوصول لمعركة حلب”. ويشهد مفاوض آخر “كانت العلاقة مع الموفد الأممي صراعا مستمرا بسبب تحيزه للنظام وقبوله بأطروحاته”. لكن الأدهى أتى مع تسليمه بالضغط الروسي وشق مسار جديد مع الروس، بذريعة فصل قضية الملف الإنساني عن الملف السياسي، وشكل غطاء لمسار أستانة الذي سهل عمليا الحسم العسكري التدريجي لصالح النظام.

ومن “مآثر” دي ميستورا اختراع أو قبول فكرة منصات المعارضة لتشتيت التمثيل وممارسة الإلهاء المنظم عبر قبول التفسير الروسي للقرار 2254 بوجود منصتي موسكو والقاهرة وغيرهما لاحقا، مما كرس حجم التلاعب الإقليمي والدولي والوصاية الممارسة على كل قرار فيه قدر من الاستقلالية ولو بقدر يسير. وتوصل كل المتابعين للرقصة الدائرة بين جنيف وأستانة وسوتشي وبالطبع لجحيم الحرب من حلب إلى الغوطة والجنوب وإدلب، إلى أن دي ميستورا كان رمز الفشل الأممي والتواطؤ الدولي.

قام دي ميتسورا حسب شهادة أخرى بـ”تمييع القضية عبر توسيع دوائرها وبعثرة شعابها، بذريعة التمثيل ولم يكن جادا أبدا في الوصول إلى حل، واخترع قضية السلال الأربع، وأمضى الفترة كلها يتهرب من مناقشة الموضوع الأساسي (هيئة الحكم الانتقالي) وكان يميل بذلك إلى وجهة نظر النظام من دون مواربة”. بيد أن أسلوب الدبلوماسي المخضرم وتقنياته وقدراته في “الحرب النفسية” لم تكن معينا له ولم ينجح في الأداء بالقياس لشخصية من طراز سيرجي لافروف التي هيمنت على مجريات الملف.

يطوي المبعوث الأممي ستافان دي ميستورا صفحته بزيارة قريبة إلى دمشق لبحث تشكيل لجنة دستورية مكلفة بصياغة الدستور، غدت الخلاصة اليتيمة لسنواته الأربع والنافذة الوحيدة الممكنة اليوم للتقدم في العملية السياسية، وهي، في الأساس، لا تعني الكثير لأن المشكلة ليست في النص الدستوري، بل هي كامنة في بنية النظام الأمني القائم، الذي يطغى على القوانين والدساتير.

==========================

في البحث عن أكباش فداء

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 20/10/2018

في نظام الأضاحي القديم، كان يُضحّى بفرد من أجل خلاص الجماعة التي ينتمي إليها. وفي نظام الأضاحي الأسدي، يُضحّى بالجماعة لإنقاذ فرد هو رئيس النظام. أما في نظام الأضاحي الذي يخال بعض البلهاء أنه الثورة، فلا بأس من التضحية بالجميع، جماعات وأفرادا، من أجل إنقاذ مجموعة من المارقين الممسكين برقاب الأحياء من السوريين الذين ضحّوا بالملايين من أحبائهم.

ماذا يفعل الذين خانوا الثورة غير البحث عن أكباش فداء، لإقناع أتباعهم البلهاء بأن هؤلاء هم الذين يتحملون المسؤولية عن فشلهم، ناهيك بهزائمهم، وأنه تكفي التضحية بهم لإعادة الثورة إلى مسارها الصحيح الذي حرفوها عنه.

من يراقب الواقع في ما بقي من مناطق خرج النظام الأسدي أو أخرج منها سيضع يده على ظاهرة تستشري يوميا أكثر فأكثر، هي البحث عن أكباش فداء يلصقون بهم الجرائم التي ارتكبوها ضد الشعب في كل مكان، لإحساسهم بأن وقت الحساب يقترب، وأنهم سيسألون عما اقترفت أيديهم ضد ثورةٍ انفردوا بتقرير شؤونها منذ أواسط عام 2012، بالعائد الكارثي الذي نراه حيثما نظرنا، ونلمسه في جميع المسائل المتصلة بالفرق بين فرص الانتصار الذي ضيّعوه، بملاقاتهم الأسدية في منتصف طرق المذهبية والعسكرة وواقع التهاوي الذي نعيشه ونلمسه في كل أمر وشأن.

كرر عشرات ومئات آلاف السوريين القول إن من يتحمّلون المسؤولية عما آلت الثورة إليه هم الذين رفضوا بناء وحدة سياسية عسكرية، تستند إلى برامج وخطط تنبع من استراتيجية ثورية تعبر عن مصالح الشعب، ولم تكن لهم مصلحة في إطاعة قيادة موحّدة، خبيرة ومجرّبة، ولقراراتها صفة مرجعية. وعطلوا بناء جيش وطني، وارتبطوا بأطرافٍ ليس من مصلحتها وقوع ثورة في سورية وانتصارها، وسلموا قرار السوريين إلى من موّلوهم ليتلاعبوا بقضيتهم، ويمارسوا سياساتٍ تُملى عليهم، تفتقر إلى المبادرة، بقيت طوال أعوام لحاقية ومتقطعة، واستهلكت نفسها في ردود أفعالٍ قتلت الروح الاستباقية التي لا تكون سياسةٌ وثورةٌ بدونها، وتبنوا أولويات خاطئة، فرضوها على مسارات النضال الثوري، لم تنطلق من الشعب رافعة وحيدة للانتصار، وعجزوا عن تحويل تمرّد مجتمعي هائل إلى ثورة بكل معنى الكلمة، وتركوه ينحدر إلى مزق محلية، لا رابط تنظيميا أو سياسيا أو عسكريا، ولا تعاون، بينها. وأخيرا، الذين لم يهتموا بشؤون ملايين المهجرين والمرحّلين بالقوة إلى خارج وطنهم، ووقفوا مكتوفي الأيدي حيال الإرهاب والأسلمة والمذهبة، السموم القاتلة التي شاركوا في حقن جسد ثورة الحرية بها، بعد أن تعهدت، في بداياتها، أن تكون لعموم السوريين من دون تمييز أو تفرقة، ورفعت راية المواطنة والعدالة والمساواة والكرامة الإنسانية، قبل أن تُبتلى بمن اعتبر الحرية كفرا والشعب مذاهب وطوائف محتربة، شأنه في ذلك شأن النظام، والثورة اقتتالا بين أهل السنّة والأقليات الممسكة بالنظام.

هذه هي الأسباب التي قادت إلى المأزق الراهن لثورة تستحيل إعادتها إلى مسارها من دون التخلص منها، وممن تسبّبوا بها، بالبحث عن أكباش فداء بدلاء لهم تجار حرب وإرهابيين ومذهبيين، وساسة أيضا فشلوا في القيام بواجباتهم. لا أحد يدعو إلى محاسبة هؤلاء، لأن من يقاضون أكباش الفداء لا يجرؤون على الاقتراب منهم، ويثيرون، عوض ذلك، الضجيج ضد جهات مقصّرة أو فاشلة، لكنها ليست من أول الثورة إلى ما هي فيه، وها هم بعض السذّج يقاضونها لينال المجرمون الحقيقيون صك براءة عن جرائمهم.

توقفوا عن العبث، أيها الناس، فأنتم تزهقون ما بقي من روح الثورة.

==========================


سورية.. الصراع على اللجنة الدستورية

حسين عبد العزيز

العربي الجديد

السبت 20/10/2018

قبلت الأمم المتحدة حضور "مؤتمر الحوار الوطني السوري" في سوتشي مطلع العام الجاري، في مقابل موافقة روسيا على ثلاثة شروط: أن يعقد المؤتمر لمرة واحدة، وأن يتضمن البيان الختامي الموافقة على البنود الاثني عشر للمبعوث الأممي إلى سورية، ستيفان دي ميستورا، وثالثا أن تكون صلاحيات اختيار أعضاء اللجنة الدستورية ومعاييرها عبر العملية التي تقودها الأمم المتحدة في جنيف.

بطبيعة الحال، لم تكن موسكو آنذاك في وارد رفض هذه المطالب، لأن رفضها سيؤدي إلى انهيار المؤتمر، وبالتالي انهيار جهودها السياسية وضعضعة مكانتها فاعلا رئيسا في الملف السوري.

قبلت روسيا هذه المطالب على أمل أن تقوم لاحقا بتفريغها من محتواها، بحيث تكون اللجنة الدستورية أداة بين النظام السوري، لإجراء التعديلات الشكلية على دستور 2012. ولهذا السبب، لا تبدو موسكو مستعجلة على إعادة إطلاق مسار جنيف، وتفعيل عمل اللجنة الدستورية قبيل إكمال ترتيباتها الميدانية، خصوصا في إدلب، ذلك أن إزاحة ملف إدلب من الصراع، سواء بعملية عسكرية أو بترك المنطقة للنفوذ التركي، ستحقق لموسكو مكاسب سياسية، ستستثمرها في اللجنة الدستورية. ومن هنا، يمكن فهم التباطؤ الروسي الذي عبر عنه وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، "لا نرى أي سبب لاستعجال هذه العملية، وطرح مواعيد مصطنعة لبدء العمل.. المهم هنا هو الجودة".

إنها رسالة واضحة إلى المجموعة المصغرة التي طلبت من دي ميستورا في نيويورك التسريع بتشكيل اللجنة الدستورية حتى نهاية الشهر الحالي. وليس معروفا إلى الآن كيف ستحسم الأمور في ضوء التناقض الروسي - الأميركي من جهة وغموض الموقف التركي وموقف دي 

"من وجهة نظر المعارضة إن الانتقال السياسي يضمن التطبيق الحقيقي للدستور" ميستورا، (استقال من مهمته ويغادرها في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل) من جهة ثانية.

أما عن طبيعة الخلافات، فهي أولا خلافات حول الهيمنة على الحصة الثالثة (المجتمع المدني والمستقلين من اللجنة الدستورية)، ففي حين يعطي البيان الختامي المبعوث الأممي أحقية اختيار هذه الفئة، يرفض النظام ومعه روسيا ذلك، ويعملان على إدخال عناصر "مستقلة" من التي شاركت في مؤتمر سوتشي المقربة من دمشق. أما المعارضة، فتطالب بأن يتم اختيار هذه الفئة أو جزء منها بالتفاهم معها، بحيث تكون هذه الفئة ممثلا حقيقيا للمستقلين. وهناك مسألة تمثيل الأكراد، ففي حين تعمل موسكو على تعزيز وجودهم عبر بوابة المستقلين، ترفض أنقرة ذلك جملة وتفصيلا، وتركّز على التمثيل الكردي في قائمة المعارضة.

وثانيا هي خلافات حول حصة المعارضة، إذ تعمل موسكو على التدخل في قائمة المعارضة من خلال منصة موسكو، وإلى حد ما، من خلال منصة القاهرة، وهي خطوة ترفضها تركيا التي تعتبر نفسها الممثل الفعلي للمعارضة، وهي لوحدها لها أحقية اختيار القائمة.

وثالثا، مرجعية اللجنة، ففي حين أكد بيان سوتشي المرجعية الأممية للجنة، تعمل دمشق وموسكو على الالتفاف على هذه النقطة، مثلما فعلتا بشأن قرارات دولية كثيرة، خصوصا القرار 2254 الذي يشكل المرجعية الأممية القانونية للحل في سورية.

ورابعا، هي خلافات حول التصويت، حيث يطالب النظام باعتماد الإجماع آلية للتصويت، في حين تطالب المعارضة التصويت بالغالبية المطلقة.

وخامسا، لا تزال مهام اللجنة مجهولة، وفق تفسيرين مختلفين بين النظام والمعارضة، وداعمي كل طرف، ففي وقتٍ أكد رئيس وفد النظام إلى مفاوضات جنيف، بشار الجعفري، أن اللجنة ستعمل على إجراء إصلاحات على دستور 2012، تؤكد المعارضة أن مهام اللجنة كتابة دستور جديد، أو اعتماد دستور عام 1950 مع تعديله. وفي محاولة لتمييع المسألة، أعلن وزير خارجية النظام أن هدف اللجنة الوصول إلى الدستور المقبل.

وسادسا، شكل الدولة المقبل بين خيار الإدارات المحلية التي تسعى الحكومة إلى اعتمادها وفق المرسوم التشريعي 107 لعام 2011 والقرار 108 لعام 2018، وبين اللامركزية الإدارية الموسعة التي تتبناها المعارضة، وبين الإدارات الذاتية التي يريدها "مجلس سورية الديمقراطي".

وسابعا، خلافات حول اعتماد شكل نظام الحكم (رئاسي أم برلماني): دمشق تؤيد النظام الرئاسي، لأن رئيس الدولة يمارس السلطة التنفيذية، ويسيّر السياسة الخارجية، ويكون القائد العام للجيش والقوات المسلحة.

ترفض المعارضة النظام الرئاسي، لأنه يعطي الرئيس صلاحياتٍ واسعة، ولا يسمح بفصل حيوي للسلطات، وغالبا ما تجنح الأنظمة الرئاسية القائمة، بعد احتراب أهلي إلى إعادة إنتاج الحكم الشمولي، عبر صناديق الاقتراع. وعليه، تدعم المعارضة النظام البرلماني كونه يسمح بتشكيل حكومة توافقية ـ ائتلافية، تضم جميع القوى أو معظمها.

هذه الخلافات حول الدستور واللجنة الدستورية لا يمكن فصلها عن خلافات أعمق، تتعلق

"يخشى أن تؤدي كتابة الدستور والانتقال إلى الانتخابات من دون المرور بمرحلة انتقالية إلى شرعنة النظام" بجوهر الحل السياسي بين رؤيتين متعارضتين لا تلتقيان. وتعمل روسيا ومعها النظام على أن يكون تعديل الدستور بمثابة الحل الأمثل للأزمة، مع ما يعنيه ذلك من استبعاد مسألة الانتقال السياسي التي أكّدتها القرارات الدولية ذات الصلة، في حين تعتبر المعارضة أن هذه الخطوة ستقضي على إمكانية التوصل إلى حل سياسي جدي، يؤسّس لنظام ديمقراطي متعدّد.

من وجهة نظر المعارضة، إن الانتقال السياسي يضمن التطبيق الحقيقي للدستور، فالأمر لا يقتصر على مجرد كتابة الدستور، وإنما تطبيقه على أرض الواقع، فما الذي يضمن التزام النظام بتطبيق القانون، وعدم انتهاك الدستور إذا لم يكن ثمة انتقال سياسي حقيقي؟ ولذلك، تصر المعارضة على إجراء مناقشة الدستور مع السلال الأخرى، لا سيما السلة الأولى المعنية بالحكم.

ويخشى أن تؤدي كتابة الدستور والانتقال إلى الانتخابات من دون المرور بمرحلة انتقالية إلى شرعنة النظام، وهو ما لمّح إليه ميخائيل بوغدانوف، نائب وزير الخارجية الروسي، حين قال إن موسكو تضع نصب أعينها الانتخابات الرئاسية المقبلة استحقاقا تاريخيا يجري على أساس الإصلاح الدستوري المنشود.

أمام هذه المعضلة، قدّمت الأمم المتحدة حلا نظريا عبر اعتماد مفهوم الحوكمة في وثيقة دي ميستورا ذات الـ 12 بنداً، لكن ليس معروفا ما المقصود بهذا المصطلح؛ ففي مرحلةٍ سابقة كانت الحوكمة GOVERNANCE تعني الحكومة GOVERNMENT. وفي المرحلة الحالية يستخدم الغرب هذا المصطلح، للإشارة إلى إنتاج النتائج الجماعية التي لا تقع تحت سيطرة السلطة المركزية، وهذا فهم ينتمي إلى ما بعد الحداثة السياسية، كما هو مطبق في الغرب.

وإذا ما ابتعدنا عن هذه التصنيفات الأكاديمية، واعتمدنا لغة السياسة البسيطة، تعني الحوكمة، الحكم الرشيد الذي يعكس مصالح الجميع، ويحقق الأهداف المتفق عليها من كل الفرقاء السياسيين.

==========================

موقفنا : هل استوفت المتعة الأمريكية – الإيرانية في سورية ؟! .. الولايات المتحدة تريد إخراج إيران من سورية بدون حرب !!

زهير سالم

22/ 10 / 2018

مركز الشرق العربي

يبدو أن أجل المتعة الأمريكية – الإيرانية في العراق ما يزال ممتدا . فمنذ أن حط أول جندي أمريكي على ثرى العراق الطاهر وصدرت أول فتوى عن المرجعيات الإيرانية المتعرقنة بالانخراط في المشروع الأمريكي ؛ ما تزال سياسات التقتيل والتهجير والتفتيت ماضية في طريقها على يد التحالف الأمريكي – الإيراني حتى اليوم .

أما في سورية وبعد سبع سنوات من التدخل الإيراني المباشر عبر الخبراء والميليشيات والأسلحة ، استمتع فيها كلا الشريكين – الأمريكي والصفوي - بعملية قتل السوريين وتهجيرهم وتدمير بلادهم وتحطيم ثورتهم ،وكانت فيها الميليشيات الإيرانية متوحدة الولاء ( للولي الفقيه ) متعددة الجنسيات ، تتحرك على الأرض السورية بقادتها وراياتها وأسلحتها ، تقتل وتدمر وتمارس كل الموبقات ضد القانون الدولي وضد مواثيق حقوق الإنسان؛ وكانت الولايات المتحدة وكل دول العالم ( الحر ) تسمع وترى وتدير ظهرها للمشهد ، فهذه الميليشيات وقادتها هم الأرجل التي تسعى على الأرض لتكمل لعبة ( الفيتو الروسي ) أو الاحتلال الروسي لسورية ، الذي لم يستنكره من دول العالم ولا من دول الإقليم أحد ...

وبعد أن بدا للمستمتع الأمريكي أن متعته مع الصفوي قد حققت في سورية أهدافها وبلغت غايتها – نقول في سورية لئلا يظن أن حبال هذه المتعة قد انقطعت في العراق ولبنان واليمن ومواطن أخرى قد نكتشفها بعد – سارع إلى مطالبة الطرف غير المرغوب فيه إلى مغادرة المخدع على وجه السرعة ، وربما استعدادا لاستقبال قادم جديد ..

منذ أقل من عام ، وبعد أن لعب ملالي طهران دور الأداة القذرة في سورية ، ودفعوا في سبيل ذلك تكلفة بشرية واقتصادية باهظة، يحاصرهم مطلب أمريكي – دولي بضرورة مغادرة سورية وترك كل ما خولهم إياه الأمريكي من قبلُ وراء ظهورهم . ومع ذلك فإن الأمريكي على ما يبدو ما يزال حريصا على عصاه الصفوية متمسكا بها على قذارتها ، فهو لا يريد كسرها ، وإنما يريد تحويلها ربما من أرض إلى أرض ، أو من يد إلى أخرى ..فالأمريكي الذي حارب الشعب السوري بالإيرانيين لا يريد محاربتهم ، ولا يريد أن يسمح بحربهم ، ولا أن يعين عليها !!

يؤكد التقرير الذي نشرته إن–بي–سي نيوز الأمريكية على ألسنة خمسة من المسئولين الأمريكيين أن الولايات المتحدة تريد إخراج إيران من سورية ولكن بدون حرب ..

ويعلل هؤلاء القرار الأمريكي هذا بقرار سابق للكونغرس أن الولايات المتحدة لا تستطيع زيادة عدد قواتها في سورية ، وكأن الولايات المتحدة عندما قررت محاربة الشعب السوري احتاجت إلى أكثر من بعض المواقف والقرارات والتحالفات .

ويذهب المسئولون الأمريكيون المعنيون إلى أن الولايات المتحدة ستخرج إيران من سورية بأن تفرض عليها المزيد من العقوبات ، ولكن الأمريكيين يعلمون جيدا أن العقوبات التي يفكرون بها ربما ستدخل الوجود الإيراني في سورية في متاهات أكثر تعقيدا من الذي يتطلبه الجوار السياسي الملهوف على إعادة ترتيب أوراقه مع الشريك الذي ظل وفيا له حريصا عليه ...

تقوم الخطة الأمريكية لإخراج إيران من سورية على قاعدة عزل هذا الوجود والتضييق عليه عبر عقد اتفاقات وشراكات ؛ مع الطرف الروسي الملهوف على الخروج من المأزق السوري بحل يحفظ ماء وجهه ويسمح له أن يستتمع بجنى ثمرات جريمته التي قامت على أنقاض دولة ومجتمع . ثم اتفاق شراكة جادة مع العميل الذي ظل الأمريكيون طوال الثورة يدعمونه ، وإن من وراء جدار ، شراكة مريحة بين الأمريكيين وبشار الأسد ستجعل بشار الأسد يشعر بالتحرر من الحاجة الملجئة للإيرانيين بعبئهم الطائفي والسياسي والاقتصادي ..

أساس الشراكة التي يطرحها الخبراء الأمريكيون على بشار الأسد تتلخص في ثلاثة أسطر : استبعاد السلاح الكيماوي وهذا يعني إعطاء الضوء الأخضر في استعمال الأسلحة الأخرى .

ثم عملية انتقال سلسلة للسلطة في فراغ الدستور الحالم الذي يغادر ديمستورا اليوم دون أن يمتلك القدرة على ملء سلته بله بقية السلال الثلاث الأخرى

وثالثا في سطور الشراكة الأمريكية – الأسدية عملية استبعاد إيران من سورية ، وسيكون الأمريكيون في هذا مرنين فيقبلون ابتداء عملية الحد من الانتشار ثم الحد من النفوذ ثم ..ثم ..

يبدو أن ملامح هذه الشراكة قد نضجت وقد عبر عنها بالأمس الأحد المبعوث الأمريكي إلى سورية جيمس جيفري بكل صراحة أو صفاقة ووضوح : إن الولايات المتحدة تدعم كافة الجهود التي تصب في خدمة السلام والمصالحة ..

أي سلام ..وأي مصالحة ؟!

هذا الأمر لم يعد يهم رافعي شعار الحرية في العالم ، المدافعين عن مواثيق حقوق الإنسان ..

الولايات المتحدة ستدعم كافة الجهود بما فيها جهود الطائرات الروسية وهي تدمر وتبيد ..

ربما أيضا في صفوف المتخاذلين من بات يدعم تلك الجهود ..

ـــــــــــــ

*مدير مركز الشرق العربي

==========================

ما بعد دي ميستورا... مرحلة الأسد

سميرة المسالمة

العربي الجديد

السبت 20/10/2018

يبدأ المبعوث الأممي «الرابع» إلى سورية عنوان مرحلته بإنهاء الصراع العسكري رسمياً بين النظام والمعارضة، بقبول متبادل بين الطرفين، وبدء مرحلة الحل «السياسي» وفق خطة روسيا، التي تستعد لنقل ملفات جنيف إلى سوتشي، كمسار متتابع، تنفذ من خلاله خطة تسليم النظام ما تبقى من المناطق السورية الخارجة عن سلطته الأمنية والعسكرية، تحت مسميات التسويات المناطقية، التي بدأتها موسكو من مسار آستانة 2017، برعاية من طرفي الصراع الأساسيين (محور النظام روسيا وإيران، ومحور الفصائل المسلحة تحت رعاية تركيا) وصولاً إلى سوتشي1 (الحوار السوري- السوري).

وهذا يعني أن المبعوث الأممي ستيفان دي مستورا بإعلانه استقالته نهاية الشهر القادم، ينهي مرحلة التمهيد الأممي لإعلان فشل جهود الأمم المتحدة في إلزام النظام السوري بالخضوع للقرارات الدولية، من بيان جنيف1 عام (2012) إلى القرار 2254 عام(2015)، والانتقال إلى مرحلة إلزام المعارضة بالتسوية الاستسلامية التي يديرها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وتصمت عنها الإدارة الأميركية، وتسوف لها الأمم المتحدة باختصار الحل السياسي بلجنة دستورية مرتهنة لمصلحة الدول المشكلة لها.

سجلت الأمم المتحدة عبر تتالي المبعوثين الأمميين الخاصين إلى سورية (كوفي عنان والأخضر الإبراهيمي وستيفان دي مستورا) مراحل تطور ملف الصراع في اتجاهين: أولهما الصراع في سورية وعليها، وثانيهما الصراع داخل أروقة الأمم المتحدة للهيمنة على قراراتها وتدجينها وتعدد قراءاتها حسب المصالح الدولية ورهاناتها على الملفات البينية بين الدول المتصارعة في الساحة السورية.

فمنذ بداية اندلاع الثورة، ومع كل تسمية جديدة لمبعوث خاص كان يمكن السوريين تلمس موقف الأمم المتحدة، ومدى جديتها في انهاء الصراع «مع أو ضد الثورة»، فحيث أبدت الأمم المتحدة عبر تدخلها الأول ( خطة كوفي عنان) رغبتها في قلب موازين القوى في سورية، والزام النظام بالامتثال إلى عملية سياسية شاملة، وتأطير الحراك على أنه ثورة شعبية، بمطالب سياسية وحقوقية، وفقاً للإرادة الأميركية المساندة آنذاك لفعاليات الثورة، إلا أنها في المرحلة الثانية بدت أكثر ميلاً للحلول «التهادنية» لمصلحة النظام من دون التسليم بانتصاره، لتمر إلى مرحلة التسليم بإرادة روسيا والصمت على عمليات التهجير والتغيير الديمغرافي والمشاركة بها، والخضوع لإرادة الدول باستمرار الصراع حتى تحقيق مصالحها داخل سورية وخارجها.

فحيث رغب عنان ( 23 شباط/ فبراير -2 آب/ أغسطس 2012) في وضع حد للحرب التي أعلنها النظام على السوريين وأدت إلى حمل السلاح على الطرف المواجه له، وذلك من خلال التمسك بالنقاط الست (خطة عنان)، التي ركزت على الالتزام بالعملية السياسية الشاملة بقيادة السوريين، والالتزام بوقف جميع أعمال العنف المسلح، بما في ذلك وقف استخدام الأسلحة الثقيلة وسحب القوات، وإنهاء تحركات الجيش السوري باتجاه المدن، والافراج عن المعتقلين تعسفياً، وضمان حرية حركة الصحفيين، والاتفاق على حرية تكوين المؤسسات وحق التظاهر السلمي، كان خليفته الإبراهيمي (ايلول 2012-ايار 2014) يبشر السوريين أنهم ذاهبون إلى «صوملة سورية»، في حال لم يسيروا باتجاه وقف اطلاق النار (الذي فشل مراراً)، وتشكيل حكومة كاملة الصلاحيات لم يستبعد منها «النظام»، وانتخابات برلمانية أو رئاسية، وهذا ما شجعته روسيا آنذاك، وهي لا تبتعد اليوم في حلولها المقترحة في سوتشي عن ذلك، مع تعديلات بسيطة تتمثل بأن تنهي اطلاق النار باستسلام الفصائل المسلحة، وتسليم سلاحها، وتحولها إلى شرطة روسية، أو انخراطها بجيش الأسد.

ومن جهة أخرى، لم يبتعد دي ميستورا (تموز/ يوليو 2014- تشرين الأول/ أكتوبر 2018) عن طروحات خطة الإبراهيمي، على رغم استصدار القرار 2254 والذي يحدد مراحل الحل السياسي، بدءاً من مرحلة بناء الثقة التي تتضمن عملياً ما جاء في خطة عنان 2012 عن وقف إطلاق النار وسحب الجيش إلى ثكناته وإطلاق سراح المعتقلين، والتي حولها دي ميستورا إلى «سلال تفاوضية» وهي أساساً وفق القرار الأممي فوق تفاوضية، بل تم تحييد الأمم المتحدة نهائياً في الحرب التي شنتها روسيا على حلب لاستعادتها إلى حكم النظام 2016، ولاحقاً قبل بمصادرة روسيا لمناقشة بنود إجراءات الثقة في مسارها «آستانة» المفتعل لتعطيل مسار جنيف، وفرغ جلّ وقته لإعادة هيكلة المعارضة السياسية، في الوقت الذي تعهدت فيه الدول الضامنة لاتفاقات خفض التصعيد بإعادة هيكلة الفصائل المسلحة وتفتيتها أو تجميعها بما يضمن مسار التسويات الدولية لهم.

وعلى ذلك فإن بدء مرحلة أممية جديدة من خلال مبعوث خاص يرضى عنه النظام ولا تضع موسكو أو الولايات المتحدة تحت اسمه ملاحظات تعيق استلامه المنصب يعني أن الأمم المتحدة تسير باتجاه الحل البيني الروسي الأميركي الذي مهدت له خطة «اللاورقة والوثائق الأميركية المسربة، وتصريحات المسؤولين بتأكيد أن الحل يبدأ من خروج إيران من سورية والمشهد السياسي في المنطقة، وهو يعتمد محاباة روسيا في استرجاع الأراضي السورية كاملة تحت سيطرة النظام، كشرط مسبق لتسويات سياسية، تتلخص بصياغة دستور بالتراضي بين أعضاء اللجنة من الطرفين (المعارضة والنظام)، واختصار كامل الصراع الممتد منذ 8 أعوام بتعديلات حكومية، وانتخابات برلمانية، ليس لدى «قيادات المعارضة» خطة واضحة لاكتساب مقاعدها، بعد أن تحولت المظاهرات الشعبية في مناطق خارجة عن سيطرة النظام، من مساندة لها، إلى مطالبة برحيلها قبل النظام.

وضمن هذا السياق فإنه على رغم تحقق رغبة المعارضين للنظام في رحيل المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا عن مهمته في سورية، حيث لم تغب لافتات تتساوق في معناها مع «ارحل يا دي مستورا» عن المظاهرات الشعبية أيضاً، وهي في ذات الوقت كانت مطالبات المتحدثين باسم الكيانات المعارضة، في مراحل متعددة، وتحميله مسؤولية فشل إدارة ملف التفاوض، ليصبح كقميص عثمان حسب تصريحاته، مع، أو ضد، مصالح كيانات المعارضة، وتبرير أخطائها، إلا أنه لا بد من القول إن رحيل المبعوث في هذا التوقيت، ومع تنامي فرص موسكو بوضع يدها على كامل الملف السوري، يبعث على «القلق» الذي فقدناه مع رحيل عنان «رحمه الله» عن مهمته، فحيث التوافق المطلوب على اسم المبعوث الجديد يعني ضمنياً العودة إلى نقطة البداية، ليس في تنفيذ القرارات الدولية وإنما في قولبة المعارضة واستكمال مرحلة «أنسنتها مع النظام وإعلان انتصاره»، بما ينسجم مع مشروع المرحلة المقبلة، واستحقاقات التنازلات فيها لتمرير التسوية البينية الروسية الأميركية.

==========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com