العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 28-08-2016


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

روسيا وإيران: خداع متبادل .. حسان حيدر

الحياة

الخميس 25/8/2016

قرار طهران بوقف استخدام إحدى قواعدها الجوية لتزويد القاذفات الروسية بالوقود في غاراتها على المعارضة السورية، بعد استيائها من «قلة كياسة» موسكو، ليس مجرد تشتيت لإحراجات إيرانية داخلية فحسب، بل يعكس أيضاً مزاجية العلاقة بين الدولتين وهشاشتها، وما تنطوي عليه من خداع متبادل، على رغم تشديد الطرفين على بعدها الاستراتيجي والمصالح الطويلة الأمد التي تخدمها، والتي تبقى محل تقييم.

انتظرت إيران أياماً قبل أن تستفيق على «وقاحة» الروس وانفرادهم بالإعلان المتلفز عن نشر طائراتهم، في استهانة واضحة بها. والسبب الذي قدمته لامتعاضها أن الروس نقضوا اتفاقاً بالحفاظ على السرية التي تنتهجها هي استراتيجية دائمة منذ وصول رجال الدين إلى السلطة قبل نحو أربعة عقود. فالعمل في الخفاء تقليد معتمد لدى طهران التي رفعت طويلاً، على سبيل المثال لا الحصر، شعارات العداء للولايات المتحدة فيما كانت تفاوضها في السرّ.

أدركت طهران أن إعلان موسكو الصاخب كان استدراج عروض للأميركيين يستهدف إقناعهم بالدخول معها في اتفاق شامل حول سورية، بدلاً من الاعتراف المتدرج البطيء بدورها ونفوذها. فبوتين قد يكون مستعجلاً للحصول من باراك أوباما على أقصى ما يمكنه، قبل وصول رئيس جديد إلى البيت الأبيض، ربما بات مقتنعاً أنه لن يكون «صديقه» دونالد ترامب.

لكن سكوت طهران عن الإعلان الروسي أسبوعاً، كان أيضاً يستهدف الضغط على الأميركيين قبل الانتخابات لتسريع إلغاء العقوبات الذي لا يزال يطبق بالقطارة، والاعتراف الواضح بنفوذها الإقليمي، وخصوصاً في العراق حيث تتشدد واشنطن في شروط ما بعد استعادة الموصل من «داعش» وفي دور الميليشيات الموالية لإيران في المعركة المنتظرة وفي مستقبل بلاد الرافدين، بما فيها إقليم كردستان الإشكالي.

وقد يكون حديث وزارة الدفاع الروسية عن احتمال توقيع اتفاق مع إيران مماثل لذلك الموقّع مع سورية، أثار حفيظة طهران المعتدّة بنفسها، والتي تعرف تماماً أن الاتفاق الذي سمح لروسيا بتوسيع انتشارها العسكري والتحكم بغرفة العمليات المشتركة مع الجيش النظامي السوري، تضمن انتهاكاً فاضحاً للسيادة الوطنية، وجاء مذلاً للحكم في دمشق، وأظهره مجرد تابع ينفذ الأوامر، إلى حد استدعاء بشار الأسد إلى القاعدة الروسية لتلقي تعليمات وزير دفاع موسكو. أما إيران فتعتبر نفسها لاعباً مهماً في المنطقة على قدم المساواة مع روسيا، إن لم تكن أهم منها، بسبب القرب الجغرافي والتاريخ المشترك.

وبالتأكيد فإن أحد الأسباب التي دفعت طهران إلى التراجع عن الاتفاق، هو أن القصف الروسي لم يغير عملياً الكثير على الأرض، لا سيما في منطقة حلب، حيث لم يتمكن الجيش النظامي والميليشيات الإيرانية من توظيف تكثيف الغارات في تغيير الواقع الميداني. بل أن الخطوة الروسية قد تكون السبب في اتخاذ الأميركيين إجراء مقابلاً يتناقض مع سياستهم بعدم التدخل المباشر، عندما أرسلوا طائراتهم لحماية مستشاريهم العسكريين العاملين مع «قوات سورية الديموقراطية»، في تلويح باحتمال إقامة منطقة حظر جوي تطالب بها المعارضة السورية منذ سنوات، وقد تشمل الطيران الروسي. فإذا قاست إيران مدى نجاح الخطوة بنتائجها تبين لها أن النتائج جاءت عكس ما ترغب، لأن توسيع التدخل الدولي في سورية أياً كان حجمه يأكل من دورها ونفوذها.

وفي حين تتصرف روسيا باعتبارها دولة كبرى تأخذ في حسابها تجاذباتها في شكل خاص مع الأميركيين والأوروبيين، في مناطق أخرى مثل أوكرانيا، ولا تجد حرجاً في التلميح إلى أن مصلحتها في استمرار منفذها على البحر المتوسط عبر سورية أهم من مصير الأسد على المدى الطويل، أو من تحويل سورية إلى كيان فيديرالي، تعتبر إيران أن تغيير النظام السوري أمر غير خاضع للنقاش، وأنها تخوض في سورية معركة «حياة أو موت» وتدافع عن نظام «الجمهورية الإسلامية» نفسه.

وثمة في طهران من يرى أن الإيرانيين يقدمون «التضحيات» في سورية من مالهم وجنودهم وميليشياتهم، فيما يقطف الروس وحدهم «الانتصارات» السياسية والخبطات الإعلامية.

========================

السباق نحو جرابلس .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 25/8/2016

إذا صح ما نقله الصحافي في جريدة «هرييت» عبد القادر سلفي المقرب من دوائر القرار في أنقرة، تكون الحملة التركية على جرابلس قد بدأت بعد تأخير قسري. يقول سلفي إن تفاصيل الخطة العسكرية وضعت أمام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في قمة العشرين التي انعقدت في أنطاليا في 15 تشرين الثاني 2015. ونالت الخطة موافقة بوتين الذي قال، وفقاً للرواية ذاتها، إن روسيا ستعترض لفظياً، بشيء من الصخب، على دخول قوات تركية داخل الأراضي السورية، لكنها لن تفعل شيئاً ضد التدخل التركي.

ثم جاء حادث إسقاط طائرة السوخوي، فانتهى كل شيء.

يتضح الآن أن الرئيس التركي قد حصل، أثناء زيارته لبطرسبورغ في التاسع من الشهر الجاري، على الموافقة الروسية، مجدداً، على دخول جرابلس. وكأن العملية الإرهابية التي ضربت عرساً كردياً في غازي عنتاب، قبل أيام، وذهب ضحيتها 54 من القتلى، قد قامت بوظيفتها في تسويغ العملية التركية بصورة مباشرة. كما تزامن بدء العملية مع زيارة نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى أنقرة، مع العلم أن طيران التحالف الدولي (الأمريكي) يشارك في ضرب جرابلس مع الطيران والمدفعية التركيين.

الواقع أن الرائز التركي وراء عملية جرابلس إنما هو الخط الأحمر التركي المعروف بصدد منع وصل الكانتونات الكردية في شمال سوريا للحيلولة دون إقامة كيان كردي متصل جغرافياً، أكثر من كونه محاربة داعش. وهي سياسة تركية معلنة، على أي حال، وأحد أركان التقارب التركي ـ الروسي الجديد بشأن سوريا، كما أعلنه رئيس الوزراء بن علي يلدرم. «الحفاظ على وحدة الكيان السوري» هو الترجمة الراهنة للسياسة الخارجية التركية الأكثر تقليدية، ويراهن الأتراك على أن يشكل هذا الشعار مفتاحاً لنوع من تطبيع العلاقة مع النظام الكيماوي، لا نعرف مداه بعد. فرئيس الوزراء يلدرم يهيئ الرأي العام، عبر تصريحاته، بصورة متدرجة، نحو إنهاء خصومة تركيا مع النظام. وآخرها الحديث عن أن الأخير هو لاعب لا يمكن تجاهله في المشكلة السورية، والقبول ببقائه في المرحلة الانتقالية التي لا يعرف مداها.

وربما يمكن قراءة الصراع المسلح بين قوات النظام وقوات حماية الشعب والأساييش في الحسكة في إطار ملاقاة النظام لليد التركية الممدودة. فعلى رغم أنها ليست المرة الأولى في سياق الاحتكاكات العنيفة بين الحليفين، لكنها المرة الأولى التي يستخدم فيها النظام سلاح الطيران في ضرب القوات الكردية. وقد اختبر النظام، بهذا القصف الجوي، حدود الرد الأمريكي في منطقة هي جزء من ميدان عمليات التحالف الدولي لمحاربة داعش. وكان هذا الرد باهتاً، مما قد يعني موازنة أمريكية بين متطلبات تحالفها مع القوات الكردية والامتعاض التركي من هذا التحالف.

تتضمن الخطة التركية الأصلية للحملة على جرابلس، وفقاً لتسريبات «سلفي» دائماً، إقامة منطقة آمنة بحماية تركية وموافقة أمريكية. فهل سنشهد إقامة المنطقة الآمنة التي طالما طالب بها الأتراك منذ العام 2012، وقوبل طلبهم برفض أمريكي؟ مع العلم أن منع طيران النظام من استهداف قوات «المعارضة المعتدلة» هو جزء من الخطة الأمريكية للتنسيق مع روسيا في ضرب داعش وجبهة النصرة. روسيا لم توافق بعد على الاقتراح الذي قدمه جون كيري قبل أكثر من شهر. فهل فعل التقارب الروسي ـ التركي المستجد ما عجزت تركيا عن إقناع حليفها الأمريكي به طوال سنوات، وما عجز كيري عن إقناع بوتين به إلى الآن؟

صدرت أول ردة فعل من صالح مسلم، رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي، على العملية التركية في جرابلس، عبر حسابه على موقع تويتر، حيث توعد تركيا «الغارقة في المستنقع السوري» بتكبد خسائر كبيرة. من المحتمل أن الأمريكيين سيكون عليهم منع وقوع الصدام بين قوات المعارضة المدعومة من تركيا وقوات سوريا الديمقراطية، في سباقهما على جرابلس ما بعد داعش، بنفس الطريقة التي توسط فيها الروسي بين النظام الكيماوي والقوات الكردية في الحسكة. مع الأخذ بعين الاعتبار أن الروس توسطوا بين حليفين، في حين سيكون على الأمريكيين التوسط بين عدوين. فقوات صالح مسلم التي تكبدت خسائر كبيرة في معركة منبج، كانت تأمل من حليفيها الروسي والأمريكي ترك جرابلس لها. وإذا كان الأمريكيون مرغمين على مراعاة الحساسية التركية بخصوص جرابلس والشريط الحدودي الفاصل بين كوباني وعفرين عموماً، فقد شكل التقارب الروسي ـ التركي ضربة لأحلام صالح مسلم الجامحة بشأن فرض الكيان الفيدرالي على طول الحدود مع تركيا. لكن وعيد مسلم ربما يستبطن شيئاً من هشاشة السياسة الخارجية التركية بعد التغييرات الكبيرة فيها.

ذلك أن الانعطافة التركية التي بدأت، قبل المحاولة الانقلابية الفاشلة، بتطبيع العلاقات مع كل من إسرائيل وروسيا، تسارعت بعدها بشكل مدوِّخ. إلى درجة أن كثيراً من المراقبين أخذ يتحدث عن محور روسي ـ إيراني ـ تركي في المسألة السورية، وإيراني ـ تركي في العراق البعيد عن الاهتمامات الروسية. من المحتمل أن هذه التحليلات مبالغ بها، والأصح الحديث عن توافقات محدودة في الزمان والمفردات بين جميع اللاعبين المؤثرين في المشكلة السورية، وهم على عجلة من أمرهم لتحقيق نقاط ميدانية وسياسية قبل انتقال السلطة في واشنطن مطلع العام القادم.

========================

حزب الله يظلم المظلومين ! .. ميشيل كيلو

البيان

الاربعاء 24/8/2016

في أحاديث الإعلاميين الموالين لحزب الله، يبدو وكأن وضعه كحزب عندهم لم يتغير بعد شنه عام ٢٠١٢ الحرب على الشعب السوري، وتحوله من مقاوم لإسرائيل إلى مقاتل للعرب، فاقتحم أحد بلدانهم بأوامر صدرت إليه من جهة أجنبية، وانتهج منذ ذلك الحين سياسات معادية للسوريين، تناقض ما كان قد أبداه ذات الحزب من تعاطف تجاه ثورتي تونس ومصر، المماثلتين لثورتهم.

كنا نضع أيدينا على قلوبنا قبل سنين خشية أن تذهب خيارات الحزب في اتجاه خاطئ، بما أن النظام الأسدي كان قد أسهم في تأسيسه ثم تسليحه وتدريبه، وفتح أبوابه أمام حسن نصر الله، الذي اعتبر واحداً من الحلقة الضيقة حول الأسد الأب وبعده الابن.

وسبق له أن أشاد بهما في خطابات ألقاها عقب اغتيال الشيخ رفيق الحريري على متظاهرين حشدهم تضامناً مع بشار الأسد، قدم في إحداها بندقية حربية غنمها مقاتلوه من جندي إسرائيلي إلى رستم غزالة، مسؤول المخابرات السورية في لبنان، الذي كان محل كره أعمى لدى اللبنانيين عموماً، بمن فيهم قسم كبير من شيعة الحزب.

لم يطل الأمر بنا، فقد حدث ما توقعه بعضنا، إذ تنكر الحزب لكل ما رفعه من شعارات وأبداه من إيجابية حيال الربيع العربي، وأرسل قواته لإنقاذ النظام الأسدي، بأمر شرعي من إيران، التي اعتبرت التخلي عنه خطراً مباشراً على نظامها، من غير الجائز القبول بحدوثه كرمى لشعارات هدفها الوحيد استغفال العرب وإخضاعهم لهران، وإبقاء الشعب السوري مستكيناً لنظامه ممتنعاً عن الثورة عليه أو إسقاطه.

أعلن حسن نصر الله بحماسة عداءه لثورة الشعب السوري، وأرسل قواته مرة بحجة حماية زينب من السبي مرة أخرى، ومرة لمنع التكفيريين من اجتياح لبنان، وأخيراً، لحماية نظام الأسد الممانع من «مؤامرة أميركية /‏ صهيونية» تستهدف إسقاطه. لم يسأل الرجل عن الجهة التي حمت زينب طيلة نيف وألف وأربعمائة عام لم يكن فيها شيء اسمه حزب الله، ولم يسأل عن الذي قد يحميها بعد سقوط النظام

وحول بكلمتين شعب سوريا إلى متآمر مع أميركا والصهيونية، مع أنه قاتلهما أكثر من أي طرف آخر، وثار على النظام لأسباب بينها إقدام الأسد الأب على تسليم هضبة الجولان إلى إسرائيل خلال مهزلة عام ١٩٦٧؟. ولم يقل كيف تحول شعب بكامله لطالما حظي بمديحه بين يوم وليلة إلى تكفيريين يستحقون القتل: من درعا إلى دير الزور.

والآن، هل تؤهل هذه المسيرة حزب الله للإبقاء على لقبه السابق كـ«حزب مقاومة»، رغم أنه لم يقاوم في الأعوام العشرة الأخيرة غير ملايين السوريين.

ولم يمس قدم جندي إسرائيلي محتل، وشبع نسياناً لتلال كفر شوبا ومزارع شبعا والقرى السبع، ناهيك عن تحرير فلسطين؟ ودخل منذ عشرة أعوام في الزمن الجولاني /‏ الأسدي، زمن الكلمات التي تغني عن الأفعال، والاحتلال الذي يزال يتجاهله ويمنع المواطنين حتى من الحديث عنه؟

هل يستطيع حزب الله مقاومة إسرائيل حقاً، إن كان هدفه الحالي يقتصر على الإمساك بلبنان، وخوض حرب بلا نهاية في سوريا، والعراق، واليمن، ونسف استقرار البحرين والكويت، ومساندة جيش إيران في المواقع التي اخترقتها، أو داخل إيران ذاتها، التي توشك أوضاعها على الانجار كما يتوقع مراقبون كثيرون؟

سأفترض أن الحزب يريد حقاً المقاومة، هل بقيت لديه القدرة على ممارستها، مثلما كان يفعل حين كان يواجه إسرائيل وحدها، أم أن المقاومة مجرد صفة لا علاقة لها بالواقع والإمكانيات والقدرات والمؤهلات، ثم، هل يظل المقاوم مقاوماً، إن كان عاجزاً حتى عن تغطية جبهة واحدة من الجبهات التي قاتل عليها بالقوات الضرورية لخوض حرب ناجحة؟

أخيراً، هناك في الصراع شيء اسمه «حفظ القدرات»، وهو مبدأ يلزم بتحاشي معارك لا تمكنك قدراتك من خوضها أو كسبها، وفي العادة، يحترم المقاومون الحقيقيون هذا المبدأ، ويحرصون على قاعدتهم الاجتماعية الموالية، أما أن يجندوها ويزجوا بها في مقاتل تمليها خيارات خاطئة، فهذا ليس من المقاومة ولا يستحق اسمها.

إنه اليوم جهة تعتدي على السوريين واليمنيين والعراقيين والكويتيين والبحرينيين واللبنانيين، والمعتدي لا يعد أو يسمى مقاوماً، لأن الأصل في المقاومة محاربة الظلم والظالمين، وليس محاربة المظلومين وقتلهم بلا حساب.

أنهى تدخل حزب الله في سوريا وضعه كجهة مقاومة، وهو لن يستعيد هذا الوضع ما لم ينسحب من سوريا، ويرفض أن يبقى أداة بيد طهران تعتدي بواسطتها على العرب، ويحصر دوره بمقاومة الظالمين في تل أبيب وطهران وأية عاصمة للظلم.

========================

أيها العلويون، ارفضوا موتكم .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاحد 21/8/2016

في ظل عجز النظام الأسدي عن تحقيق انتصار عسكري، ورفضه الحل السياسي، ماذا يبقى من خيارٍ غير أن يرفض العلويون مواصلة السير وراءه، أو الغرق اليومي في موتٍ مجانيٍّ يواجههم في كل وطنهم، ليس له اليوم، ولن يكون له غداً، أي عائد شخصي أو وطني لهم، إلا إذا كانوا يستمرئون الموت، من أجل أحمقٍ تضعهم حساباته الإجرامية خارج مجتمعهم، وتسلبهم الحق في العيش والأمان، وتحملهم السلاح الذي يقتلون به أنفسهم ومواطنيهم، فلا هو يحميهم أو يحول دون تعرّضهم لموتٍ شامل، طاول خصوصاً الفئة المنتجة للحياة منهم، أعمارها بين الخامسة عشرة والأربعين، والتي يعني استمرار انصياعها للأسدية هلاك من بقي منها في اقتتال أخوي، لا يفيد أحدٌ منه غير أسرةٍ من القتلة والفاسدين، تتربع على أهرام من جماجم السوريين، بمن فيهم العلويون الذين كان الأسد الأب قد زجّ عشرات الآلاف منهم في السجون والمعتقلات، وسلخ جلودهم، كما سلخ جلود غيرهم من الشعب، قبل أن يورّث سلطته المطلقة والاستبدادية إلى غرٍّ ليس أهلا للحكم، أوهمه جهله أن السلطة تعني العنف، وأن من هم ضدها يستحقّون القتل، ومن معها خليقون بالاستعباد، وأنه لا يجوز أن تترك للسوريات والسوريين غير خيار من اثنين: الرضوخ الذليل أو الإبادة والحرق. ولأن الشعب رفض الرضوخ وثار، ردّ الأسد عليه بالإبادة والحرق، بأيدي العلويين أيضاً، بعد أن أوهمهم أن الثورة تستهدفهم أكثر مما تستهدفه، وتطلب حياتهم أكثر من حياته، وإنه إنما يضحي من أجلهم ببقائه في السلطة، وقيادتهم في معركةٍ، يزعم أنها للدفاع عنهم، مع أنها أدّت إلى قتل خيرة أبنائهم وبناتهم.

بعد مرور خمسة أعوام مرعبة، يتبين أن عائد "قيادته" كان إبادة أجيال من العلويين، واستحالة انتصاره على شعبٍ ليس لهم مصلحة في هزيمته، لأنهم منه، ولأن حريته ستكون لهم أيضاً. وأخيراً، لأن ثورته تعني أن لا حياة مع العبودية، ولا بديل للحرية.

لنفترض، الآن، أن السوريين، جميعهم، تسلحوا بأفتك الأسلحة، وشنوا هجوماً كاسحاً على مناطقكم وأماكن عيشكم. ولنفترض أنكم كنتم عزّلاً، ولا يدافع عنكم أحد، هل كان عدد قتلاكم سيزيد على عدد من فقدتموهم في حرب الأسد ضد شعبكم، تقول إحصاءات مؤكّدة إن عددهم يقارب المائة ألف، أم أن مهاجميكم كانوا سيجدون أنفسهم، خلال أيام، عرضةً لموجات إدانة ومقاومة داخلية ودولية، ستجبرهم على الرجوع عن غيّهم ووقف إجرامهم؟ أخبرني أصدقاء علويون، يصوّرون أوراق النعي التي تغطي أرياف الساحل ومدنه ومنطقة حمص، إنهم صوّروا، إلى ما قبل عام ونصف العام، نيفاً وثمانين ألف ورقة، مع أنهم لم يبدأوا عملهم إلا بعد أشهر من الثورة. سؤالي إلى العقلاء وأصحاب الرأي والنفوذ منكم: هل كان عدد قتلاكم سيصل إلى مائة ألف، لو أنكم رفضتم السير وراء الأحمق الذي قتلكم في حربه ضد مواطنيكم، لتوهّمه أن السلطة حق حصري وشخصي له ولعائلته، وأنه يستطيع الاحتفاظ بها إلى الأبد، فلا ضير عليه إن هو قتلكم وقتل إخوتكم السوريين، كي يحافظ عليها؟

بعجزه عن الحسم العسكري، ورفضه الحل السياسي، حكم الأسد عليكم بالإبادة التي تعرفون، أكثر من أي أحدٍ آخر، الشوط المخيف الذي قطعته، وتعلمون أن وقفها رهنٌ بصحوةٍ وطنيةٍ تعمّكم كسوريين، تحول بين المجرم والتضحية بمن بقي حياً من أولادكم، وتمنعه من وضعكم أمام أحد خيارين: أن تظلوا عبيداً له، ينتظرون مصيرهم المحتوم دفاعاً عن باطله، أو تخرجوا من معادلةٍ كارثيةٍ حشركم فيها، حدّاها إرسالكم إلى القبور، وبقاؤه المستحيل في السلطة.

ثمّة إشاراتٌ تؤكد تخلّق بيئة علوية ترفض المعادلة الكارثية، وترى أن الأسد صار يُعرف بالقتل وحده، وأن الولاء له يُفقد العلويين الحق في الدفاع عما بقي لهم ومنهم كسوريين. لذلك، لا يجوز أن يواصلوا الموت من أجله، بعد أن أقنعتهم هزيمة حلب بعبثية الحل العسكري، وبحتمية تعاونهم لإنجاز حل سياسي وطني متوازن، ركيزته حق السوريين، وحقهم هم كسوريين، في المواطنة المتساوية والحياة، بعد أعوامٍ خمسة أثبتت استحالة أي خيار سواه، واستحالته هو من دون جهد وطني شامل، يتحد في إطاره جميع السوريين.

أيها العلويون، ألم يحن الوقت لتخليكم عن مجرمٍ ضحّى بكم وبشعبكم، ليبقى في كرسيٍّ لا يستحقه، ولن ينجح في الاحتفاظ به. شعبكم ينتظر دوركم في معركة الحرية والسلام، فلا تفوّتوا فرصة النجاة عليكم وعليه.

========================

المقاومة والممانعة صارت بقيادة بوتين ولافروف وسيدهما نتياهو!!!! .. د. رياض نعسان أغا

كلنا شركاء

الاحد 21/8/2016

أذكر ( بأسف ) كم كنت أدافع عن حسن نصر الله وحزبه ، وبخاصة عام 2006 .. لم أهتم لحظة بكونه شيعياً ، فقد كنت أراه رمزاً لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي ولاشأن لي بمذهبه الديني ، كتبت سيلاً من المقالات وظهرت على القنوات الفضائية ، وخاصمت من كان يشكك به ..

ويوم اندلعت الثورة السورية ، ترقبت أن يكون له دور إصلاحي ، وأن يكون وسيطاً بين الشعب الذي أحبه وناصره وعلق صوره على جدران بيوته ، وبين السلطة التي كان يمنحها سمة الممانعة ، بكونه يختص وحده بالمقاومة .

لم أكن مخدوعاً ، وإنما كنت مأخوذاً بالهم الوطني ، الذي دفع شعبنا كله لرؤية نصر الله مقاوماً شريفاً ، وغض الطرف عن الجملة الأخيرة التي كان يختم بها كل خطاب يلقيه ( الثأر الثأر للحسين ) ..

ذات يوم ( وكنت وزيراً يومذاك ) استقبلت وفدا رفيعاً من جماعة حزب الله ، ودعوتهم إلى غداء في مطعم النبلاء ، وطلبت من كبيرهم أن ينقل أسمى تحياتي لسماحة السيد ، وقلت مداعباً ممازحاً :

( أنا محب لحسن نصر الله بدافع وطني ، وأراه رمزاً للمقاومة الشريفة ، وحين يلقي خطاباً أصغي إليه بجوارحي ، حتى إذا ختم خطابه بتأكيد الثأر للحسين ، يأخذني الوجوم ، وأدرك أن العرب جميعاً لايهتمون بوعيد الثأر ، لأن الحسين قضى بعيداً عنهم ، فأهل مصر والسودان والمغرب العربي والسعودية والخليج العرب وتركيا وما ليزيا وأندونيسيا كلهم أبرياء من دم الحسين ، ولا أحد تنخزه شوكة الثأر غير أهل الشام ، مع أنه لم يبق أحد من قوم يزيد حياً ، وليس لحسن نصر الله نصير غير أهل الشام ، فهل يهدد حسن نصر الله أنصاره الذين يحبونه اكثر مما يحبه أهل الضاحية ؟؟ ) .

قال كبير الضيوف ( هذا كلام يقوله سماحة السيد من أجل العامة ، فهو لايقصد أبعد من المظلومية التي حملناها من التاريخ ) .

قلت : أما آن الأوان لآسقاط هذه المظلومية فقد بتم السادة الذين يهتف لكم أهل السنة وأهل الشام جميعاً ؟ إن كان سماحة السيد يعرف من قتل الحسين بيننا ، فليعلن اسمه وبوسع أجهزة الأمن في سورية أن تلقي القبض عليه فوراً وننهي قضية الثأر المؤرقة هذه ) ..

ضحك الرجل ، وكتمت ضيقي بهذا الإصرار على الثأر ، وهو يحقن أجيالاً بمشاعر الكراهية ويحثهم على العنف ، فيما نحن أهل السنة غير مسؤولين أصلاً عن دم الحسين ، ولا عن سبي زينب ، وكنت دائماً أردد ( تلك أمة قد خلت ) ..

ولقد فوجئت حين دخل حسن نصر الله إلى القصير يقتل ويذبح ، ويضع لافتة الثأر للحسين على مئذنة مسجد ، ويجعل رايات الثأر شعاراً لميليشياته ،مدعياً على نحو (المضحك المبكي ) أنه لن يسمح بأن تسبى زينب مرتين ، قلت ( إذن فقد جن الرجل وظهرت حقيقة لم نكن ندركها في حديثه عن الثأر ، ومحال أن يكون قد فهم أن شباب دمشق ودرعا وحمص وإدلب وحماه ومحافظات سورية كلها خرجوا في المظاهرات كي يسبوا زينب ) لكن نتاج ما فعله حسن نصر الله أنه دمر حزب الله ، وخرج من التاريخ خائناً لدينه وعروبته وستلعنه الأجيال إلى يوم الدين ، ومجرماً كبيراً وخطيراً ستلاحقه دماء الأطفال السوريين ، وقد ضل الطريق إلى القدس فظنها تمر بحلب ، والأدهى أن يصر على أضحوكة المقاومة والممانعة وقد صارت بقيادة بوتين ولافروف ، وسيدهما نتياهو !!!!!

========================

مجزرة الكيماوي 2013.. تذكير بفشل المجتمع الدولي في حماية المدنيين .. أنس العبدة

الشرق الاوسط

الاحد 21/8/2016

في مثل هذا اليوم، وقبل ثلاث سنوات شن نظام الأسد هجومًا بالصواريخ المحملة بغاز الأعصاب «السارين» الخانق القاتل، مستهدفًا مناطق سكنية مكتظة بالمدنيين في الغوطة بدمشق. وكما انتشرت صورة الفتى عمران، الذي تعرض منزله في حلب لقصف روسي همجي، خلال الأيام الماضية، وكما انتشرت من قبله أيضًا صور الفتى إيلان الذي حملته الأمواج وأسجته على شاطئ البحر، سرعان ما انتشرت صور الأجساد التي غادرتها أرواحها على مضض، صور لا تنتهي لأطفال ونساء ورجال وشيوخ ممددين إلى جوار بعضهم البعض، في مشهد لا يكاد العقل قادرًا على إدراكه، تحسبهم رقودًا وهم أموات، وفي غياب الجراح وألوان الموت الدامية التي تطغى على سائر صور الموت، يرجو المشاهد أن يلمح حركة هنا أو هناك لكن عبثًا، فهو الهجوم الكيماوي الأشد شناعة وبشاعة في القرن الحالي، ورغم ذلك فلا يزال المجرم طليقًا، ولا تزال هذه الجريمة تتكرر بأشكال مختلفة على يد المجرم ذاته.

تمثل مجزرة السارين عام 2013، والجديرة بأن يطلق عليها اسم مجزرة القرن، واحدًا من الأمثلة الكثيرة لمجازر وقعت في سوريا خلال السنوات الخمس المنصرمة، لتذكر كل واحدة منها بفشل المجتمع الدولي المشين في ممارسة واجباته في حفظ الأمن والسلم الدوليين وحماية المدنيين. إن الفشل في محاسبة المجرم في جريمة غاز السارين بالذات، يقدم إشارة ذات دلالة بليغة مفادها «أن استخدام الأسلحة الكيميائية خيار قابل للتطبيق ويمكن أن يمر دون عقاب»، اللهم إلا إن اعتبرنا أن تسليم سلاح الجريمة أو الوعد بتسليمه يعتبر عقابًا.

بعد قيام نظام الأسد بارتكاب جريمة العصر باستخدام سلاح السارين الكيماوي، وبعد فشل المجتمع الدولي في فرض «خط حمر» فعلي وجدي، تحول الخط الأحمر إلى ضوء أخضر للنظام من أجل الاستمرار في استخدام الأسلحة الكيماوية، كما أن المحاولات الدولية لنزع ترسانة نظام الأسد من الأسلحة الكيماوية لم تكن شاملة وكافية حتى الآن. ففي مختلف أنحاء سوريا، يستمر النظام في إلقاء البراميل المحملة بغاز الكلور السام. وابتداء من عام 2013 شن النظام أكثر من مائة هجمة بالأسلحة الكيميائية، بما فيها هجمات أفادت تقارير بأنها نفذت باستخدام غاز السارين الخانق نفسه. ولا حاجة للبحث كثيرًا، فقد عمدت قوات النظام الأسبوع الماضي بالذات، إلى إلقاء براميل متفجرة مملوءة بغاز الكلور السام على مدينة حلب مخلفة عشرات من المصابين.

يعمد نظام الأسد إلى استخدام القصف الجوي والمدفعي والبراميل المتفجرة والسيارات المفخخة، لكنه لم يتوقف عن استخدام الأسلحة الكيماوية بقصد قتل المدنيين وإرهابهم. لقد وثّقت لجنة التحقيق الأممية ومنظمة حظر الأسلحة الكيماوية، عشرات التقارير حول استخدام الأسلحة الكيماوية في مناطق مدنية، وكانت أدلة غير قابلة للدحض تؤكد مسؤولية نظام الأسد عنها. لقد طالبنا في الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية البعثة المشتركة بين الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية بإجراء تحقيق عاجل بالهجمات الأخيرة في إدلب وحلب، تلك التي وقعت في الأول والحادي عشر من شهر أغسطس (آب) الحالي على التوالي. في الإطار ذاته، فإن المجتمع الدولي وخاصة الدول المساندة للشعب السوري مطالبة بممارسة دور فعال في ضمان محاسبة المجرمين وملاحقتهم كأفراد وجماعات تجاه مسؤوليتهم عن استخدام الأسلحة الكيماوية، وضمان ذلك من خلال تأسيس محكمة خاصة بجرائم الحرب المرتكبة في سوريا.

إن توثيق الجرائم التي ارتكبت على مدى 6 سنوات تقريبًا، بما فيها استخدام نظام الأسد لسلاح الجو وتنفيذه لآلاف الغارات بالصواريخ والأسلحة المحرمة دوليًا، مستهدفًا الشعب السوري، ومستفيدًا من دعم إيراني وروسي. إن توثيق تلك الجرائم يمثل خطوة لا بديل عنها من أجل عملية المحاسبة المنتظرة والقادمة دون شك. ولا فرق، بالنسبة للمدنيين السوريين، إن استهدفهم نظام الأسد بشكل عشوائي أو منظم، وسواء استهدفت غاراته المدارس أو المشافي أو البيوت أو المساجد، وسواء استخدمت البراميل المتفجرة المحشوة بالـTNT أو بغاز السارين الخانق أو بغاز الكلور السام، فالأمر سيان. إنه الموت نفسه وهو المجرم نفسه.

لا بديل اليوم أمام المجتمع الدولي عن تبني استراتيجية متكاملة لحماية المدنيين من جميع وسائل القتل التي يمارسها نظام الأسد بحقهم، استراتيجية تبدأ بفرض حظر يمنع القصف في كامل أنحاء سوريا، ويتم ضبطه باستخدام القوة في إطار قرار من الأمم المتحدة يجيز إسقاط أي طائرة يتم التحقق من أنها تستهدف المدنيين أو تحمل على متنها أسلحة كيماوية لقتلهم. ويتوفر حاليًا قرار من مجلس الأمن بخصوص حماية المدنيين من القصف بأسلحة كيماوية، ومن واجب أعضاء المجلس الآن أن يتحركوا لتحمل مسؤولياتهم بهذا الصدد.

لن يقتصر دور مثل هذا الحظر على إنقاذ حياة المدنيين، بل سيساهم أيضًا في توجيه رسالة واضحة يفهمها نظام الأسد، مفادها أن استهداف المدنيين واستخدام الأسلحة الكيماوية ضدهم، سيواجه ابتداء من اليوم بمواقف تتعدى بيانات وتصريحات الشجب والاستنكار، وهي خطوة جوهرية على طريق إحياء العملية السياسية التي لم يتعامل معها نظام الأسد وداعموه بأي قدر من الالتزام والجدية، مما يفرض على أطراف المجتمع الدولي مسؤولية مواجهة إصرار النظام على نهجه المستمر في البحث عن حل عسكري في سوريا.

يستمر فشل المجتمع الدولي في حماية المدنيين بتوفير مزيد من الحصانة وفتح مزيد من الأبواب أمام نظام الأسد للإفلات من العقوبة، وتوجيه الصراع على الأرض السورية نحو مزيد من الاحتمالات المجهولة. ورغم صمود السوريين الأسطوري فإنهم بحاجة أيضًا لبصيص من الأمل يبعث في نفوسهم الطمأنينة بأن المجرمين الذين قتلوا مئات الآلاف من إخوتهم وارتكبوا أفظع جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، ودمروا حاضر سوريا وماضيها، سيحاسبون على ما اقترفته أيديهم.

البداية يجب أن تكون من خلال حماية المدنيين من القصف والبراميل المتفجرة والأسلحة الكيماوية، وما لم يتم ذلك، فإن احتمالات الوصول إلى حل سياسي يضمن قيام نظام مدني ديمقراطي عادل في سوريا ستتضاءل أكثر. البداية اليوم متأخرة جدًا بالنسبة لـ1466 شهيدًا قضوا في مجزرة العصر فجر يوم 21 أغسطس 2013، لكنها ستكون بمثابة طوق النجاة بالنسبة للآلاف وربما للملايين من السوريين الذين ينتظرون مصيرًا مشابهًا ما لم يتحمل المجتمع الدولي مسؤولياته من أجل حمايتهم.

* رئيس الائتلاف الوطني السوري

========================

النظام الدولي والسوريون: أبعد من التفسير التآمري .. وائل مرزا

الحياة

السبت 20/8/2016

ما من وصفٍ في اللغة يمكنه تفسير موقف ذلك الشيء الهلامي المُسمى «نظاماً دولياً» مما يجري في سورية منذ أكثر من خمس سنوات. ثمة جنونٌ يتجاوز كل منطق حين ينظر المرء إلى المشهد من أي زاوية. لكن الأمر يتجاوز الجنون نفسَه حين نتذكر وجود اتفاق في ذلك النظام اسمه «مسؤولية الحماية»، وأن عمره يكاد لا يتجاوز العشر سنوات.

«إذا كان التدخل العسكري لحماية حقوق الإنسان تعدياً على السيادة الوطنية للدولة ذات العلاقة، كيف يمكن لنا أن نتعامل مع إمكانات وجود راوندا جديدة أو سريبربنتسا أخرى، حيث يجري انتهاك منظّم ومنهحي لحقوق الإنسان في شكلٍ يتناقض مع كل مبدأ من مبادىء بشريتنا المشتركة؟». كان هذا هو السؤال الذي طرحه كوفي عنان عام 2001 عندما كان أميناً عاماً للأمم المتحدة على أطراف النظام الدولي، وتشكلت للإجابة عنه لجنة خاصة باسم اللجنة العالمية للتدخل العسكري والسيادة الوطنية.

بناءً على نتائج عمل اللجنة، أعلنت الأمم المتحدة عام 2005 مبادرة أسمتها «مسؤولية الحماية»، تتألف من مجموعة مبادىء بُنيت على قاعدة أن السيادة الوطنية ليست حقاً، وإنما هي مسؤولية بالدرجة الأولى. وقد ركّزت المبادرة على محاولة منع حصول أربع جرائم أو وقفها في حال حدوثها، وهي: الإبادة الجماعية، جرائم الحرب، الجرائم ضد الإنسانية، والتطهير العرقي.

أما المرتكزات الثلاثة الرئيسة لمبدأ الحق في الحماية فوُضعت كالتالي: أولاً، إن كل دولة مسؤولة عن حماية مواطنيها وسكانها من أي مذبحة جماعية. ثانياً، يتحمل المجتمع الدولي عبء مساعدة أي دولة للوفاء بتلك المسؤولية الأساسية. ثالثاً، إذا أخفقت الدولة في حماية مواطنيها من المذابح الجماعية وأخفقت المساعي السلمية، فإن المسؤولية تقع على المجتمع الدولي للتدخل بأساليب قاهرة كالعقوبات الاقتصادية، ويُعتبر التدخل العسكري الملاذ الأخير للتعامل مع الموضوع.

وقد تضمن النص الذي وافقت عليه الدول الـ 191 الأعضاء آنذاك، في القمة العالمية في 2005، أن المسؤولية المذكورة الملقاة على الدول في حماية رعاياها تشمل القيام بكل الإجراءات لمنع حصول الجرائم المذكورة، بما في ذلك التحريض عليها، مع تأكيد الدول على «أننا نقبل تلك المسؤولية وسنعمل بمقتضاها»، إضافةً إلى الإشارة إلى ضرورة إنشاء الأمم المتحدة أدوات إنذار مبكر لمنع حصول مثل تلك الجرائم.

تضمّنَ النص أيضاً استعداد أعضاء الأمم المتحدة «لاتخاذ إجراءات جماعية، بأسرع وقت وفي شكلٍ فعّال، من خلال مجلس الأمن، بما ينسجم مع ميثاق الأمم المتحدة، وفي شكلٍ يتضمن الفصل السابع... إذا أخفقت الأساليب السلمية وأظهرت السلطات الوطنية فشلها في حماية رعاياها من حصول الإبادة الجماعية أو جرائم الحرب أو التطهير العرقي أو الجرائم ضد الإنسانية».

وفي 9 آب (أغسطس) 2010، أي قبل انطلاق الثورة السورية بأشهر، قدم الأمين العام الحالي للأمم المتحدة بان كي مون، تقريراً للجمعية العامة بعنوان «الإنذار المبكر: التقويم ومسؤولية الحماية» كجزء من متابعة الجمعية لتطبيق هذا المفهوم. في هذا التقرير، سلّط الأمين العام الضوء على آليات التقويم والإنذار المبكر الموجودة في نظام الأمم المتحدة بهذا الخصوص، وتحدث عن بعض النواقص، ثم تقدم بمقترحات لتحسين قدرة الهيئة الدولية لاستعمال معلومات الإنذار المبكر في شكلٍ فعال، بما يتضمن تقارير من ضباط المواقع الميدانيين، وصولاً إلى تطوير آليات استجابة مبكرة ومرنة ومتوازنة في أي حالة يبدو فيها خطر حصول واحدةٍ من الجرائم المذكورة.

بعد مضي أكثر من خمسة أعوام على انطلاق الثورة السورية، وعلى رغم كل ما شهده ويشهده العالم من ممارساتٍ للنظام السوري يمكن تصنيفها ضمن أنواع الجرائم المذكورة في مبادرة «مسؤولية الحماية»، لا تبدو أجهزة ووسائل الإنذار المبكر الأممية، حتى الآن، في وارد القدرة على التقاط الإشارات المطلوبة التي يجب أن «تُشغّل» نظام الردّ والاستجابة! أما «المساعي السلمية» فالواضح أنها لم تُستنفد، وبالتالي، يبدو جلياً أن «الملاذ الأخير» بعيد المنال.

نعم. سقط النظام السوري عملياً بالنسبة إلى الجميع. لكنّ ثمة اتفاقاً ضمنياً على إطالة فترة الانهيار لحين الوصول إلى تصورٍ يحقق مصالح جميع أطراف ذلك النظام. وبما أن حصول هذا أقرب للمستحيل في واقع السياسة ومنطقها، فإن التفكير بتلك الطريقة يعني أن يمتدّ الانتظار طويلاً، وربما طويلاً جداً، إذا تُرك الأمر لتلك الأطراف.

من هنا، يصبح مفهوماً لديها تمرير ظاهرةٍ غير مسبوقة في حياة البشرية، تتمثل في كل الممارسات الوحشية التي تمارسها قوات النظام السوري، مع سلاح الجو الروسي والميليشيات الإيرانية واللبنانية والعراقية، تجاه الشعب السوري على مرأى ومسمع من العالم.

فلأن المصالح العالمية لم تصل إلى اتفاق، يصبح التغاضي عما يجري في سورية ممكناً في عصر «مسؤولية الحماية» الأممية. سيكون وصف ما يجري بـ «النفاق» تقزيماً للحقيقة في هذا المقام. فما يجري حقاً نوع من تلك الدروس الوحشية الباردة الوقحة التي يحاول النظام الدولي الحالي تلقينها للشعوب الأقل قوةً في هذا العالم.

لا صوت يعلو فوق صوت المصلحة بالنسبة إلى النظام الدولي السائد. وما على الشعوب التي تريد أن تصنع شيئاً من حاضرها ومستقبلها، كما هو الحال مع الشعب السوري، إلا أن تكون جاهزةً للتعامل مع هذه الحقيقة القاسية. لا مجال هنا للأمنيات والأوهام، ولا يملك السوريون رفاهية البناء على الشعارات التي يبيعها النظام العالمي بأبخس الأثمان في سوق نخاسة العلاقات الدولية.

المضحك المبكي أن سعادة الأمين العام قدم في 5 أيلول (سبتمبر) 2012، تقريراً من سلسلة تقاريره للجمعية العامة عن الموضوع، وكان هذه المرة بعنوان «مسؤولية الحماية: استجابة سريعة وحاسمة»! تحدّثَ فيها عن أمثلةٍ لأساليب تلك الاستجابة السريعة والحاسمة. تذكرون على ماذا؟ على الجرائم ضد البشرية والتي ترتكبها بعض الأنظمة ضد مواطنيها!

هذا أبعدُ بكثير من أي تفسير للأحداث يلجأ عادةً لمنطق المؤامرة. فهذه الأخيرة تبقى محكومةً بدرجةٍ من العقلانية الضرورية لضمان ألا تفلت الأمور من كل سيطرة.

يبقى، فقط، كتفسير، أن ما يجري جزءٌ من التخبط الحقيقي الذي يتلبس واقع الإنسانية اليوم، وفي القلب منه النــظام الدولي، ويسمح بمشهدٍ عالمي تطغى عليه مهازل تخالف قوانين الاجتماع البشري. وليس مُستبعداً أن تغدو المهازل تلك، مسامير تهزّ أركانه بعد فشله الفاضح في التعامل مع أزمات إنسانية، يغلبُ أنه كان هو نفسه سببها ابتداءً. وإذ يُصبح مواطنوه قبل غيرهم شهوداً على الفشل المذكور ومادةً لنتائجه العملية، فلا مجازفةً في الحديث عن حدثٍ كونيٍ مقبلٍ ممكن، يدخل، مهما كانت ملامحه، في إطار فوضى كبيرة وشاملة منفلتة من كل عِقال.

========================

من يخلف «داعش»؟ .. وليد شقير

الحياة

السبت 20/8/2016

ما أن اتجهت القوى الدولية والإقليمية المؤثرة في سورية إلى اعتماد الجدية في تحقيق هدف التخلص من «داعش» ومواجهته، حتى أخذ الارتباك يصيب الجميع ويفرض على هذه القوى خططاً عسكرية وسياسية وعملانية معقدة، ومناورات تبدو في كثير من الأحيان غير مفهومة.

إلا أن التفسير الأكثر عقلانية لكل هذا الارتباك والتخبط، إن من قبل الغرب أو روسيا وإيران، هو أن اضطرار الولايات المتحدة الأميركية إلى إظهار مقدار مختلف من الجدية في ضرب «داعش» بسبب ضرباته في أوروبا وأميركا وتحولها إلى عنصر خارجي مؤثر في الحملات الانتخابية الرئاسية الأميركية، أخذ يطرح السؤال الكبير: أي من القوى العسكرية على الأرض في سورية والعراق سيتولى السيطرة على الأراضي التي احتلها «داعش» قبل سنتين بعد دحره منها، ولا سيما في بلاد الشام؟

بات الشغل الشاغل هو عما بعد «داعش» في حال جرى تحرير الموصل في العراق، وفي حال جرى استكمال الخلاص من التنظيم المتوحش في الرقة والجيوب الأخرى التي يحتفظ بها في سورية؟ ويثبت السجال الدائر في العراق بين الأطياف العراقية نفسها، وبين بعضها والجانب الأميركي، الشريك في خطط استعادة الموصل، أن الكثير مما يدور هو حول هوية القوى التي تحل مكان «داعش»: الحشد الشعبي الذي تقوده إيران أو الجيش العراقي بالتعاون مع القوى العسكرية العشائرية والتشكيلات السنية، أم قوات البيشمركة التابعة للقيادة الكردية في السليمانية المتعاونة مع الأميركيين، والتي لها طموحات بالسيطرة على مدن وبلدات تتطلع إلى استعادتها إلى الهوية الكردية. ويبدو أن هذا السجال دفع بالجانب الأميركي إلى الحديث عن تأجيل تحرير الموصل.

الأمر نفسه مطروح في سورية بإلحاح أكثر حدة، لأن الإشكال البعيد المدى لهوية القوى التي ستتولى السيطرة على مناطق «داعشية» يساهم في رسم الخريطة المستقبلية. لا تقبل تركيا أن تقبض قوات سورية الديموقراطية على منبج والتوسع منها تمهيداً لوصل المناطق التي استطاعت هذه الميليشيا أن تحررها بأخرى جديدة تكرس قيام الإقليم الكردي، بحيث يصبح الأمر غير قابل للتفاوض عندما يحين أوان الحل. وإذا كانت إيران تشارك تركيا رفضها هذا، فإنها تتعارض معها في خيار إعطاء دور لفصائل المعارضة السورية الأخرى المتعارف على تسميتها «معتدلة»، في تولي مسؤولية هذه المناطق المحررة من التنظيم التكفيري، لأن هذا يعزز موقعها في المعادلة التي سيرسو عليها الحل المفترض للأزمة السورية حين تدق ساعته، فضلاً عن أنه يشكل رافعة لدور الدول العربية الداعمة لهذه الفصائل على الساحة السورية. في المقابل تشارك موسكو طهران خشيتها من أن تتولى الفصائل السورية المعارضة، لأنها تضعف موقع ورقتها في المعادلة، أي بشار الأسد.

لم تنجح الخطط الروسية- الإيرانية في كسب حلب، تمهيداً لتأهيل القوات المدعومة من إيران، تحت لافتة القوات الأسدية، للسيطرة على مناطق «داعشية» لاحقاً. وإذا كان هذا الفشل تحقق بدعم تركي- عربي للفصائل العسكرية «المعتدلة»، فإنه حصل أيضا نتيجة موقف أميركي رافض أي تغيير في الخريطة لمصلحة الأسد، وفق واحدة من الأهداف الثلاثة التي أعلن عنها مستشار البيت الأبيض لشؤون الشرق الأوسط روبرت مالي، وهي: خفض العنف، هزيمة «داعش» و «النصرة»، والدفع من أجل حل سياسي من دون الأسد.

المحاولات الروسية الأميركية للاتفاق على عمليات مشتركة ضد «داعش» و «النصرة» منذ أكثر من شهرين باءت أيضاً بالفشل، لاختلاف الأهداف: فموسكو تحتفظ بحرية مواصلة ضرب الفصائل العسكرية الأخرى، كما تفعل يومياً، فيما تأمل واشنطن بأن تلعب هذه الفصائل دوراً في التخلص من «داعش» وتحل مكانها.

لا تقتصر الإشكالية على ما إذا كان التخلص من «داعش» يلغي دور الغطاء الذي افتعله الجانبان الإيراني والروسي حين كرسا معادلة إما بشار وإما «داعش»، لأن هزيمة الأخير و «القاعدة» والإرهاب، يفقد لافتة الأسد مفعولها وينهي صلاحيتها، بل إن إظهار الجدية في التصدي للتنظيم الإرهابي في الإقليم، كما هو حاصل في ليبيا (سرت) وفي اليمن من قوات التحالف العربي بالتعاون مع الشرعية اليمنية، يأخذ بُعداً إقليمياً لا يقف عند حدود سورية والعراق. وقد يعيد النموذج الذي يكرس الشراكة العربية في مواجهة الإرهاب في غير دولة عربية، تظهير اقتراح السعودية إرسال قوات عربية وإسلامية تتولى محاربة التنظيم المتوحش في سورية والإمساك بالمناطق المحررة من بعده.

ألهذا السبب وجد السيد حسن نصر الله في خطابه الأخير حاجة لدعوة «داعش» و «النصرة»، إلى وقف القتال تمهيدا لمصالحة وتسوية معهما؟

========================

عرض نصرالله: حلب اللبنانية .. حسام عيتاني

الحياة

السبت 20/8/2016

على عكس النقد الذي وُجّه إلى الأمين العام لـ»حزب الله» حسن نصرالله لتجاهله معركة حلب التي وقعت قبل أيام من إلقاء كلمته الأسبوع الماضي حيث حققت المعارضة السورية تقدماً، يجوز القول إن الكلمة كانت التلخيص السياسي لنتائج المعركة كما فهمها الحزب وكما يسعى إلى استثمارها.

ذلك أن العرض الذي قدمه نصرالله بضمان عودة رئيس الوزراء الأسبق سعد الحريري إلى رئاسة الحكومة إذا انتخبت كتلة «المستقبل» النيابية مرشح الحزب ميشال عون لرئاسة الجمهورية، يرمي إلى تكريس ما بدأ يظهر من نتائج للحرب السورية على الواقع السياسي اللبناني.

معلوم أن واحداً من العوائق أمام وصول عون إلى المنصب الذي يطمح إليه منذ أكثر من ربع قرن هو الامتناع شبه الكامل لكل نواب «المستقبل» عن مجرد البحث في إمكان انتخابه، ما يحرم عون الأكثرية الساحقة من أصوات السنّة اللبنانيين ويطعن بميثاقية توليه المنصب. والميثاقية تعني هنا توافق التيارات الرئيسة في الطوائف الكبرى – على غرار «المستقبل» في الطائفة السنّية- على الخيارات المحددة لمصير البلاد. وعلى الرغم من حصول عون على تأييد مسيحي كبير بعد تأييد «القوات اللبنانية» لوصوله إلى قصر بعبدا، إلا أن ذلك لا يكفي وفق المعايير اللبنانية ليعتبر الأمر مقضياً.

يريد «حزب الله» إذاً إنهاء الاستعصاء الدستوري والميثاقي القائم منذ عامين ونيف بتظهير تصوره لمستقبل الوضع في سورية وتعميمه على لبنان. الحزب يرى أن المعارضة السورية لبشار الأسد انتهت ولم يبقَ من الفصائل غير تلك المصنفة «إرهابية» وغير المقبولة دولياً. الحل السوري بحسب هذه الرؤية سيكون تسوية بين أصدقاء يكتشفون أهمية التنسيق بين بعضهم. الأصدقاء الجدد هم روسيا وتركيا وإيران، الذين تجمعهم مصالح أمنية واقتصادية ضخمة في منطقة يبتعد عنها العامل الأميركي المنافس. مصير بشار الأسد تفصيل يمكن التوصل إلى تسوية في شأنه عند تبلور الاتفاقات الكبيرة بين هذه القوى.

من جهة ثانية، يعلن استقرار خطوط التماس الجديدة في حلب أن ثمة توازناً لا يجب على أي من الأطراف خرقه. وإذا كان تطويق حلب الشرقية ممنوعاً، فإن إسقاط الجزء الغربي من المدينة في أيدي قوات المعارضة ممنوع أكثر على ما دل فشل محاولتي التقدم صوب معمل الإسمنت وجمعية الزهراء.

على هذه الخلفية جاء عرض نصرالله. فالوضع اللبناني هو نسخة محلية عن ذاك القائم في حلب. لا يستطيع أي من الطرفين المتصارعين حسم الموقف لمصلحته لا بالقوة المسلحة ولا بالاجتياح السياسي. لا بد من أخذ الحيثية التي يمثلها الحريري في الاعتبار ضمن رؤية النصر الاستراتيجي الذي يتحقق في سورية لمصلحة محور «الممانعة»: المعارضة السورية المطالبة بتداول السلطة والحكم الديموقراطي تعرضت إلى تدمير ممنهج وبات الباقون على قيد الحياة من شخصياتها خارج الأرض السورية، والفصائل المسلحة جرى تطويعها ضمن آليات العسكرة المحكومة بالتمويل والتسليح والاتكال على المعابر الآمنة التي تسيطر عليها أطراف خارجية.

في لبنان، لا يشكل سعد الحريري إذا جيء به رئيساً للحكومة بعد الرضّات القاسية التي تعرض لها مالياً وسياسياً، خطراً على إمساك «حزب الله» للمفاصل الحاكمة في لبنان على المستويات الأمنية والسياسية والمالية، كما أن هيمنته على جمهوره وتحكمه بمستقبل لبنان ككل سيتعززان. يريد نصرالله أن ينتخب الحريري مهيض الجناح ميشال عون المكبل بتحالفه مع «حزب الله». هذه باختصار صورة لبنان في ظل التسوية السورية المقبلة ما دامت القوى المقابلة في غفلتها.

========================

لماذا أصبح الأجنبي أقرب إلى السوري من السوري؟ .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 20/8/2016

هل نحن السوريون فعلاً شركاء في الوطن؟ هل نحن أخوة حقا ً؟ أين ذهبت دروس الوطنية والقومية والاشتراكية التي حقننا بها الإعلام البعثي على مدى نصف قرن تقريباً؟ لماذا لم تنجح الدعاية البعثية في رأب الصدع بين السوريين وجعلهم جسداً واحداً، أو بنياناً مرصوصاً؟ لماذا ظل السوريون قبائل ومللاً ونحلاً وطوائف متناحرة منذ وصول النظام إلى السلطة قبل أكثر من أربعة عقود؟ باختصار، لماذا انقضوا على بعضهم البعض كالوحوش الضارية عندما ارتخت القبضة الأمنية قليلاً؟ لماذا راحوا بعد اندلاع الثورة يستعينون على بعضهم البعض بكل حثالات الأرض؟ لماذا آثر النظام التحالف مع الروسي والإيراني والأفغاني والباكستاني والكوري على التحالف مع ابن جلدته السوري؟ ولماذا آثر الكثير من السوريين المعارضين التحالف مع الأجنبي ضد النظام وحلفه؟ لماذا اتخذ الصراع السوري السوري طابعاً طائفياً ومذهبياً ودينياً فاقعاً؟

يقول المثل الشعبي: «الثلم الأعوج من الثور الكبير». ويقول الشاعر: «إذا كان رب البيت للدف ضارباً، فشيمة أهل البيت كلهم الرقص». بعبارة أخرى، قبل أن نلوم السوريين العاديين، مؤيدين كانوا أو معارضين على الانقضاض على بعضهم البعض واستعانة السوري على شقيقه السوري بهذه البساطة، لا بد أن نتساءل: هل كان النظام السوري على مدى نصف قرن تقريباً نظاماً وطنياً حقاً؟ لماذا فشل في بناء مواطن سوري حقيقي يؤمن بسوريا كوطن، بدل أن يؤمن فقط بعشيرته وقبيلته وطائفته ومذهبه ومكونات ما قبل الدولة؟ هل سعى النظام يوماً بشكل صادق وحقيقي لبناء دولة لكل مواطنيها؟ هل كان ينوي فعلاً بناء مواطن حقيقي؟ الجواب بكل بساطة: لا أبداً، لأنه لو فعل ذلك فعلاً، لما استطاع أن يجثم فوق صدور الشعب السوري لعقود. لو كان السوريون فعلاً كالجسد الواحد إذا شكى فيه عضو، تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى، لما تمكن النظام من رقاب السوريين والتحكم بهم.

إن أول من زرع بذور الشقاق والفرقة بين السوريين هو النظام نفسه مستخدماً المبدأ الاستعماري الحقير «فرّق تسد». لقد عمل على تعميق الشروخ الطائفية والمذهبية والاجتماعية بين السوريين عمداً كي يعيش على تناقضاتهم، وكي يستخدم السوريين ضد بعضهم البعض عندما يثور الشعب عليه. وقد نجح في ذلك نجاحاً باهراً بعد اندلاع الثورة، فبدل أن يقف السوريون جميعاً في وجه النظام الذي سامهم سوء العذاب على مدى عقود، وحرمهم من أبسط حقوقهم، راح بعض السوريين، وخاصة الأقليات تقف مع النظام ضد بقية السوريين؟ لماذا؟ لأن النظام نجح على مدى عشرات السنين في تحريض السوريين وتخويفهم من بعضهم البعض كي يستخدمهم ضد بعضهم البعض عندما يتعرض النظام للخطر. باختصار شديد فإن تفتيت السوريين ودق الأسافين فيما بينهم على أسس طائفية ومذهبية واجتماعية ومناطقية كان سياسة بعثية مدروسة وممنهجة. لاحظوا كيف كان النظام البعثي يرفع شعارات قومية وحدوية لتوحيد العرب أجمعين، بينما كان على أرض الواقع يدق الأسافين بين أبناء الطائفة الواحدة في سوريا. ولم تسلم من سياسته تلك حتى الطائفة العلوية نفسها، فالأحقاد والانقسامات والضغائن المزروعة بين العلويين أنفسهم لا تعد ولا تحصى، فداخل الطائفة أفخاذ وعوائل وقبائل وعشائر متناحرة ربما أكثر مما هو موجود داخل بقية الطوائف والمذاهب السورية الأخرى. عندما لعب النظام لعبته، فاعلم أنه كان يحضر لحرب أهلية في يوم الأيام على أساس طائفي تؤدي في النهاية إلى حرق الأخضر واليابس في سوريا. وهذا يعني بالضرورة أن النظام لم يرحم أحداً، بمن فيهم المحسوبون عليه.

من المسؤول عما آلت إليه الأوضاع بين السوريين الآن إذاً؟ لا شك أنه الثور الكبير. لاحظوا كيف يتعامل السوريون مع بعضهم البعض الآن، وكأنهم لا يعرفون بعضهم بعضاً، ولم يعيشوا ذات يوم في بلد كان اسمه سوريا. لاحظوا كيف يستقوون على بعضهم البعض بكل شذاذ الآفاق من مشارق الأرض ومغاربها. لاحظوا كيف يتحالف النظام وجماعته مع الروسي والإيراني والأفغاني ضد السوري الآخر؟ لاحظوا كيف يتحالف السني السوري أيضاً مع الأجنبي ضد النظام وجماعته بعد أن استهدفه النظام كعدو وليس كشريك في الوطن.

لا بد أن تضحك طويلاً وأنت تتابع ردود فعل السوريين المؤيدين والمعارضين عندما يخسرون معركة هنا وأخرى هناك. فعندما تخسر قوات النظام في معركة يقول المؤيدون: «لا تقلقوا: روسيا وإيران لن تسمحا بهزيمتنا». وعندما تخسر قوات المعارضة، يقول المعارضون: «لا تقلقوا، أمريكا وحلفاؤها لن يسمحوا بهزيمة قوات المعارضة». لقد صار السوريون يستقوون بالآخرين على بعضهم البعض دون أن يعلموا أن الآخرين يستخدمون السوريين جميعاً وقوداً لمشاريعهم الخاصة التي لا ناقة للسوريين فيها ولا جمل.

ألم يصدّع السوريون بكل فئاتهم رؤوس العالم بشعاراتهم الوطنية والقومية، فلماذا فشلوا حتى في التعامل فيما بينهم بقليل من الوطنية؟ هل يعلمون أنهم مجرد أدوات في معركة ليست معركتهم؟ ألا يعلمون أن باستطاعتهم أن يغيروا التاريخ، لكنهم لا يستطيعون أن يغيروا الجغرافيا التي يعيشون عليها، وأن الغزاة الذين استعان بهم السوريون على بعضهم البعض سيخرجون عاجلاً أو آجلاً، ولن يفيد السوري سوى السوري؟

٭ كاتب وإعلامي سوري

========================

في ذكرى مجزرة الكيماوي: المجرم حليفاً ضد الإرهاب .. نجاتي طيّارة

العربي الجديد

السبت 20/8/2016

لم تبرز مجزرة ارتكبها النظام الأسدي كما برزت مجزرة الكيماوي، فعلى الرغم من عدد الضحايا الكبير الذي وقع نتيجة مجزرة حماة عام 1982، وتراوحت تقديراته حول 35 ألفا، أو ضحايا مجزرة سجن تدمر الذين قاربوا الألف، أو ضحايا مجزرة مخيم تل الزعتر في لبنان، وذلك كله في عهد الأسد الأب، فإن مجزرة الكيماوي التي وقعت في عهد الابن قبل ثلاث سنوات، مازالت الأكثر بروزا بين مجازر هذا النظام، لا لفاجعيتها الإنسانية أو سلاحها الأكثر فظاعة فقط، بل لما صاحبها وما تكشف بعدها من سياساتٍ دولية أيضاً.

فإذا كانت المجازر القديمة قد ارتكبت في مراحل سابقة من سيطرة دولة الصمت السورية، وعزلتها خلف أسوار نظام الأسد، ولم تنتشر أخبارها إلا بصور محدودة ومتأخرة، فإن مجزرة الكيماوي ارتكبت تحت سمع العالم ونظره كله في مرحلة عولمة وسائل الاتصال وفورية النشر في القرية الكونية. ففي فجر الأربعاء 21 أغسطس/ آب 2013، أفاق أهالي بلدتي زملكا وعين ترما في الغوطة الشرقية على قصف بصواريخ أرض- أرض، محملة بغازات سامة، تأكد لاحقاً أنها غاز السارين المدمر للأعصاب، تلاه قصف عنيف استمر حتى الصباح؛ وتزامناً مع ذلك، شهدت بلدة معضمية الشام في الغوطة الغربية قصفًا مماثلًا. ونتيجة ذلك الاستخدام المكثف للسلاح الكيماوي، وقع خلال ساعات حوالي 1400 ضحية، كان أكثر من ربعهم نساء وأطفالا. وكانوا جميعا نائمين في بيوتهم فماتوا في مضاجعهم. وكان الفارق الزمني بين القصف وبدء الأعراض نحو نصف دقيقة. ولذلك، لم يتمكن المصابون، في حالات عديدة، من التحرّك أو الهرب، وانهاروا فور ظهور مختلف الأعراض الكيماوية المعروفة طبياً من إغماء وغثيان وتشنج واختناق وعماء وشلل، فضلا عن أنه لم يسلم أحد من الكوادر الطبية والإسعافية من بعض درجات الإصابة، بسبب عدم توفر أقنعة أو بزّات واقية في أثناء قيامهم بعمليات الإخلاء والإسعاف. أما أطفال الغوطتين فكانت صور المصابين منهم أشد صدمة، فيما كانت معاناة النساء المصابات مضاعفة، نظراً لضيق الأماكن وعدم وجود ردهات خاصةٍ، تتيح خلع ثياب النساء قبل غسلهن من آثار المواد السامة.

وبسبب نقل الشهداء والمصابين إلى مختلف النقاط الطبية في بلدات الغوطة ومدنها، تعذّر على كثيرين من الأهالي إيجاد أبنائهم وذويهم بالسرعة المطلوبة، لأنه جرى إخراجهم بثياب نومهم من غير هوياتٍ شخصيةٍ، أو أي شيء يدل على شخصيتهم. ومع الحر الشديد لشهر أغسطس/ آب، وعدم وجود كهرباء وثلاجات لحفظ الجثامين، كان هناك اضطرار في حالاتٍ عديدة لدفن الشهداء المجهولين، قبل تعرف ذويهم إليهم ووداعهم.

وعلى الرغم من كل الادعاءات ومحاولات التهرّب، كانت مسؤولية النظام شديدة الوضوح

"صار السكوت عن الجريمة السورية سياسةً رسميةً كرّسها التنسيق الأميركي والروسي" يومها، من جهة امتلاكه مخزونات السلاح الكيماوي المعروفة، والتي طالما اعتبرها سلاح التوازن الاستراتيجي مع إسرائيل، أو من جهة شهادات المراقبين الدوليين والنشر المباشر لصورها ووثائقها. ويومها، ضجّ العالم ببيانات التنديد والاستنكار لتلك الإبادة الجماعية، وتنادى مسؤولون دوليون ورؤساء وقادة دول غربية عديدون إلى التحرك الدولي لعقاب النظام المجرم الذي تجاوز الخط الأحمر، والمتعلق باستخدام الأسلحة الكيماوية، وكان من أبرزهم الرئيس الأميركي، باراك أوباما، والأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون.

لكن تلك البيانات والتحركات كلها، والتي حبس العالم أنفاسه على وقع ضجيجها وتوقع ضرباتها، لم تتجاوز بدورها الإعلانات الصحفية، وانتهت إلى مبادرةٍ تقدّمت بها حكومة روسيا الاتحادية، من أجل تسليم الأسلحة الكيماوية السورية وتدميرها تحت الرقابة الدولية، لتجنيب النظام السوري تلك الضربات، وسارع وزير الخارجية السوري، وليد المعلم، إلى إعلان قبول سورية تلك المبادرة.

وفق ذلك، تم، من جهةٍ أولى، تسلم سلاح الجريمة والسكوت عنها، ومسحت كل الخطوط الحمراء المتعلقة بها، انطلاقا من تنسيق أميركي روسي حولها، وسلم النظام السوري المجرم خزانته من السلاح الكيماوي إلى مندوبي لجنة الأمم المتحدة التي قبلت ذلك دفعات متتالية، على الرغم من الشكوك المرافقة. وامتد السكوت عن الجريمة إلى السكوت عن المجرم وجرائمه اللاحقة، حيث لم يعد يخلو يوم لاحق من أخبار القصف الذي تصبه طائرات النظام وحليفه الروسي على مدن وبلدات سورية، والذي تدمر قذائفه وبراميلة المتفجرة العمران والبيئة، كما تصيب أعداداً متزايدة من السكان والمدنيين الذين صارت الفظائع التي تودي بهم خبراً معتادا في كل يوم.

استمر السكوت عن الجريمة السورية، وصار سياسةً رسميةً دولية، كرّسها التنسيق اللاحق والمستمر بين الراعيين، الأميركي والروسي، للملف السوري، وهما يتوزعان الأدوار في تغطية الجريمة مجدداً، تحت ستار محاربة الإرهاب. حيث يقصف الأميركان عن بعد، وفي الشمال ضد داعش، ودعماً لمشروع كردي، بينما يقصف الروس دعما للنظام، عن قرب ومن قواعد مباشرة لهم في سورية ، ثم في إيران، ولا بأس أن يستمر ذلك بموازاة مفاوضاتٍ لا تكاد تنعقد حتى تنفض بدون طائل.

وبدلا من سوق الرئيس السوري المجرم إلى محكمة الجنايات الدولية، كما أمثاله من مجرمي العصر في البوسنة ورواندا، ها هو السكوت عن جرائمه السابقة والمستمرة يتحول إلى إعادة تأهيل له ولنظامه، فيصبح حليفاً ضرورياً لمحاربة الإرهاب، في ظل ما صار أشبه بحالة طوارئ دولية، تتعطل فيها القيم، وتتوارى الشرعة الدولية وحقوق الإنسان.

========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com