العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 28-06-2020


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

نعم لتعذيب المعتقلين.. لا لمحاسبة القتلة!

عقيل حسين

سوريا تي في

الخميس 25/6/2020

لكن حتى قادة النظام في كل مواقفهم المثيرة للاستهجان هذه لم يبلغوا درجة الوقاحة التي بلغتها سيدة تقدم نفسها كممثلة عن المرأة والمجتمع المدني المستقل في سوريا.

كم كان مثيراً للاشمئزاز الظهور الأخير للسيدة "ميس كريدي" على إحدى محطات النظام الموالية للحديث عن دخول قانون العقوبات الأميركي المشدد، المعروف باسم قانون قيصر "حيز التنفيذ"، حيث تجاوزت مناقشة القانون وحتى انتقاده إلى مهاجمة تسريب الصور الـ ١١ لضحايا المعتقلات، واعتبرته فعلاً منافياً للأمانة والأخلاق!

لا أدري كيف استطاعت هذه (المعارضة السابقة) والتي عادت لحضن النظام عام ٢٠١٥ وبدأت بالتشبيح له منذ ذلك الوقت، أن تنطق هذه الكلمات بهذه السهولة والبساطة، رغم كل قسوتها.

لقد ثار جدل واسع في أوساط المعارضة والثورة حول الموقف من العقوبات الاقتصادية الجديدة ومدى تأثيرها على النظام وإضرارها بالشعب، واتخذ كثير منا موقفاً رافضاً لها لكن من منطلق أخلاقي بحت، يرى أن نظام الأسد لا يمكن أن يرضخ لمثل هذه الإجراءات أو يقدم أي تنازلات تحت ضغطها الذي لن ينال من رجالاته ورموزه منه شيء، بل سيقع كل الأذى والضرر على المواطن البسيط، في مناطق سيطرة النظام وخارجها.

بالمقابل كانت ردة فعل النظام على قانون قيصر غاية في الغطرسة واللامبالاة، فبثينة شعبان تؤكد أنه يجب "الاستمرار في التصدي والصمود" ووليد المعلم يعتبره "دعماً للإرهاب"، بينما بشار الأسد يقيل محافظ حمص ويستبدل رئيس الحكومة ويخاطب كوادر حزب البعث للمشاركة بالاستئناس من أجل اختيار مرشحي مجلس الشعب القادم!

لكن حتى قادة النظام في كل مواقفهم المثيرة للاستهجان هذه لم يبلغوا درجة الوقاحة التي بلغتها سيدة تقدم نفسها كممثلة عن المرأة والمجتمع المدني المستقل في سوريا، والتي لم تعد الجريمة تعنيها الآن (كما قالت حرفياً) ولا صحة الصور من عدمها، بل إن ما يعنيها ويزعجها هو كيف سمح "قيصر" لنفسه أن يسرب هذه الصور التي كان مؤتمناً عليها!!!

وفق هذا المنطق فإن أي موظف في أي شركة يبادر للكشف عن فساد يحدث فيها، ويستخدم وثائق الشركة كأدلة على هذا الفساد، فإنه يسيء الأمانة إذاً؟! طبعاً مع فارق المثال والأثر.

والواقع فإن كل مناقشات شبيحة النظام للعقوبات الجديدة لم تخرج عن إطار هذا المنطق الذي يتجاهل العديد من الحقائق أو يخفيها، فقط من أجل دفع المسؤولية عن النظام رغم أن قانون قيصر حسب تفسيرات الإدارة الأميركية لا يهدف إلى إسقاط النظام!

يقول نص القانون بوضوح إن العقوبات الجديدة سببها جرائم بحق الإنسانية والحرب التي يشنها على الشعب السوري، وإنه بالإمكان رفعها في حال توقف النظام عن قصف المدنيين، وأطلق سراح المعتقلين، ودخل في مفاوضات جدية مع المعارضة على أساس مرجعية جنيف والقرار ٢٢٥٤.

يستطيع هذا النظام الآن ومباشرة إحراج الجميع، بمن فيهم المعارضة، والإعلان عن وقف العمليات العسكرية وإطلاق سراح كل المعتقلين والكشف عن مصير المفقودين والتوجه إلى مفاوضات جدية.

لا يمكن على الإطلاق تصور أن هناك بشراً واحد على وجه الأرض يمتلك حداً أدنى من الإنسانية يمكن أن يعترض على هذه الشروط أو حتى يناقش فيها أصلاً، وإذا كان متوقعاً أن النظام الذي يرتكب هذه الجرائم المروعة سيعترض على هذه الشروط لأنها تطلب منه التوقف عن ممارسة وحشيته وهمجيته، فإن المدهش وجود من يعتبر هذه الشروط غير منطقية؟!

أعرف العديد من ذوي الضحايا الذين ظهرت صورهم ضمن مجموعة "قيصر" لكن رغم عمق الأثر الذي خلفته فيهم هذه الجريمة فإنهم عبروا وبكل حزم عن اعتراضهم على أي إجراء قد يسبب المزيد من التضييق الاقتصادي على المواطن السوري في مناطق سيطرة النظام، رغم وضوح قانون قيصر بهذا الخصوص في أنه لا يشمل أي قطاع مدني، بينما لا يتوانى المؤيدون للنظام عن السعي لإخلاء مسؤوليته عن كل ما لحق بسوريا والسوريين من إيذاء، ليس فقط خلال السنوات التسع الماضية، بل وطيلة خمسين عاماً حكم فيها البلاد!

على أي حال، يستطيع هذا النظام الآن ومباشرة إحراج الجميع، بمن فيهم المعارضة، والإعلان عن وقف العمليات العسكرية وإطلاق سراح كل المعتقلين والكشف عن مصير المفقودين والتوجه إلى مفاوضات جدية تنهي هذه الحرب الدامية، وتفتح الباب لاستعادة سوريا وضعها الطبيعي، لكن هل هناك عاقل يصدق أن النظام يمكن أن يفعل ذلك، سواء بوجود قانون قيصر أو عدمه؟!

===========================

موقفنا : في اليوم العالمي لضحايا التعذيب .. السوريون ... معذبون داخل السجون وخارجها

زهير سالم

مركز الشرق العربي

28/ 6/ 2020

صادف أول أمس الجمعة 26 / 6 / اليوم العالمي لمناهضة التعذيب . وهو اليوم الذي أقرته الأمم المتحدة منذ 1998 ، يوما عالميا لمناهضة التعذيب وللتعاطف مع ضحاياه.

ستبقى عناوين هذه الأيام المعبرة التي تقرها الأمم المتحدة ذات طبيعة رمزية ، مثيرة للإشفاق حينا ، وللسخرية أحيانا ؛ ما دام المجرمون الذين يعتدون على حرمة القيم التي تمثلها هذه الأيام ، يجدون أماكنهم على منابر هذه المؤسسات الدولية فاعلين وخطباء مدعين.

لا يدرك القائمون على المنظمة الدولية حجم الضرر الذي يلحقه بالمنظمة وبفكرة القانون الدولي ، ظهور صورة مجرم ممثل لنظام الجريمة على منابر هذه المنظمة . ومهما قالوا عن المقتضيات الشكلية ؛ تبقى الحقائق الإنسانية غير قابلة للتجزيئ والتشييء .

وبالتالي لتكون المنظمة الدولية في مخيال ملايين المبتلين بمثل هؤلاء المجرمين ، شريكة لكل الأنظمة الموقعة على المواثيق الحقوقية ، وهي التي تتلبس بأفظع الانتهاكات ..

في اليوم العالمي لضحايا التعذيب ..

سورية الأسد وشعار التعذيب للتعذيب

يعلم العالم أجمع أن سورية الوطن الجميل تحولت على مدى نصف قرن إلى " مؤسسة للتعذيب " وأنه في سورية " الأسد " وحدها ظل يرفع شعار " التعذيب للتعذيب" . بمعنى أن التعذيب كان يصاحب المبتلى " السجين " طوال فترة سجنه دون انقطاع . فلم يكن التعذيب فقط للتحقيق " أو لانتزاع المعلومات " كما جرت العادة حتى في سجون النازيين . وإنما كان التعذيب للانتقام ، وإشباع الحقد وإرواء الغليل .. يكفي أن نراجع السرديات الأدبية التي كتبت في هذا السياق تحت شتى العناوين !!

سورية الأسد : مؤسسة للتعذيب بالوكالة ..

سورية الدولة والحكومة كانت أيضا مؤسسة للتعذيب بالوكالة ، أو التعذيب بالأجرة ، أو بالقطعة ، فقد كان يعجب هؤلاء أن يعتمدوا لدى السادة الموكِلين كخبراء ناجحين في انتزاع المعلومات . أكثر من واقعة المواطن الكندي " ماهر عرار " تشهد أن أقبية التعذيب السورية ، هي مؤسسات عاملة ناصبة باسم بعض وكالات الاستخبارات العالمية ، تقدم خدماتها وتقبض على القطعة أحيانا مكنة وأخرى تمكينا . والكلام في مثل هذا يطول ..

سورية الأسد : مؤسسة بإشراف النازيين وبعلم الصهاينة والأمريكيين

ويعلم كل هؤلاء أيضا أن بعض الخبراء النازيين ، كانوا هم أساتذة فنون التعذيب في سورية . حتى كوهين فيما كتب عنه ، حين وضع يده على أحد هؤلاء وقابله وجلس إليه ، وظن أنه قد ظفر ، وكتب تقريرا ظفرويا لحكومته وكأنه المنتصر ، جاءه الأمر الحاسم أن يدير ظهره لمثل هذا ، فهذا ليس من اختصاصه ؛ بل ويقال إن هذا كان سبب فضحه وتسليمه للبعثيين ، بطريقة لا يمكن تداريها . كان بقايا النازيين هؤلاء يقدمون الخدمات للصهيونية بالتدريب على طرائق إبادة السوريين . وجود النازيين في دمشق لم يكن مقلقا للموساد ، ولا للسي آي إيه ، فالأمور كلها كانت تجري بتدبير وتقدير ..

رابعا : التعذيب في سورية الأسد معمم على الجميع ..

السذج فقط هم الذين يظنون أن التعذيب كان وقفا على الذين يقبعون داخل الزنازين ، من معارضين أو مخالفين . ظل السوريون جميعا يغنون بصمت " حياتي عذاب"

وهذا العذاب المعوم والمعمم على كل السوريين ، كان القصد منه إشغال السوريين عن قضاياهم الكبرى في التحرر والتحرير والتنمية ، ومن هنا فقد صرنا إلى هذا الذي نحن فيه اليوم ..

خامسا القتل بالتجويع والتعطيش أحدث وسائل التعذيب

لن يسهل على عاد أو واصف أن يعدد أو يصف جل أساليب وأدوات التعذيب في هذا الوطن المنكوب ، بحكم أعدائه الموصوفين ؛ ولكن ربما من أغرب ما كشفته وثائق قيصر أن يبخل مجرم على ضحية بما يسمى ، رصاصة الرحمة . بل أن يصر المجرم بعد أن يمعن في إنهاك جسد الضحية بألوان التعذيب ،أن يعمد إلى تركها تلقى مصيرها المحتوم بعد رحلة لا إنسانية تحت سياط التجويع والتعطيش ..!!

الجديد في المشهد الأسدي اليوم أن هذه الطريقة اللا إنسانية على قسوتها ، قد كسرت حاجز الزنازين والسجون ..فالأطفال الذين لم تقتلهم في سورية الصواريخ والبراميل ونداء الكراهية بالثأر لحسين الروافض المزعوم ..سيقتلهم اليوم في بيوت الوبر والمدر : العطش ..والجوع ...!!

ويرجع القول إلى المنظمة الدولية والقائمين عليها : بقليل من المصداقية ربما تفلحوا ..نقولها لكل رعاة التعذيب في سورية وحول العالم .

في اليوم العالمي لمناهضة التعذيب نهدي الإنسانية الظمأى للمسة رحمة وحنان قول رسول الرحمة :

" دخلت امرأة النار في هرة حبستها ، لا هي أطعمتها ، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض ، حتى ماتت ."

وقوله صلى الله وسلم عليه " بينما كلب يطوف بركية قد كاد يقتله العطش إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل فنزعت موقها فاستقت له به فسقته ...فغفر الله لها ...

هل يعلم ترامب وبوتين وأضرابهم والأمين العام للأمم المتحدة ...ماذا يجري على المعتقلين في سورية .. اليوم اليوم .. والساعة الساعة .. واللحظة اللحظة !!

___________

*مدير مركز الشرق العربي

==================================

"قانون قيصر" أو الفصل الأخير من وظيفة الأسد

منير الربيع

سوريا تي في

الخميس 25/6/2020

ثمة أمل ينمو في قلوب السوريين. التصوّر الحالم بالاستفاقة فجراً على خبر "بشار الأسد غادر سوريا" أو بشار الأسد وافق على حلّ سياسي يتضمن مرحلة انتقالية كاملة الصلاحيات لصالح مجلس انتقالي، ووافق على دستور جديد يبقيه صورياً إلى مرحلة يتبلور فيها بديل عنه أصبح قابلاً للتحقق.

عملياً سيكون الأسد بين هذين الخيارين، إما ان يوافق طواعية بعد كل الضغوط عن التنازل عن صلاحياته بموجب الحل السياسي، وإما سيجبر على مغادرة سوريا. سيناور إلى النهاية، سيستثمر في الوقت مراهناً على تغيّر موازين القوى، وعلى توقيع اتفاقيات وعقود تُخرج بعض داعميه كالإيرانيين مثلاً، أو تحجّم نفوذهم مقابل أن يتمكن من البقاء. لكنه لن يتمكن. وحتى لو تمكن من إطالة أجل بقائه سيرحل فيما بعد، وهناك تجارب كثيرة مشهودة.

كان بشار حاجة روسية، وحاجة انتفاء وجود البديل. هو حاجة إيرانية مستمرة، وحاجة إسرائيلية أيضاً، لا يمكن مقايضتها إلا بما تراه إسرائيل مناسباً. كل المؤشرات تفيد بأن بنية النظام الأساسية أصبحت في حالة تخلخل. في مقابل مضيّ الولايات المتحدة الأميركية بتنفيذ سياستها الضاغطة التي ستزيد من الترهل وستدفع الكثيرين إلى الانفضاض من حوله.

أوجدت الولايات المتحدة الأميركية سلاحاً أمضى وأفعل من حشد الأساطيل وحاملات الطائرات لفرض معادلات سياسية جديدة في الشرق الأوسط. يفعل سلاح العقوبات الاقتصادية والمالية فعله في كل دول محور الممانعة أو المحور الإيراني. أصبحت الدول التي تباهى الإيرانيون بأنهم يبسطون سيطرتهم عليها وأنهم يسيطرون على أربع عواصم عربية كلها في عداد الدول المنهارة، بشعوبها ومجتمعاتها واقتصادها وعملاتها. حال هذه الانهيارات من حال انهيار الاقتصاد الإيراني وعملته. كل النظريات الإيرانية التي تحدثت سابقاً عن الانكفاء الأميركي من الشرق الأوسط قد سقطت. وخصوصاً في سوريا التي لن يكون فيها أي حل سياسي لا يوافق عليه الأميركيون. قانون قيصر القابل للاستمرار لأشهر وسنوات، هو الورقة الأميركية الأقوى للتحكم بمفاصل التسوية السورية والحل للأزمة.

ثلاث نقاط مهمة يمكن تسجيلها بعد دخول قانون قيصر حيّز التنفيذ، والذي ستبدأ آثاره بالظهور بعد أسابيع أو خلال ثلاثة أشهر، أولها وأهمها على الإطلاق أن الولايات المتحدة الأميركية دخلت بثقلها إلى القضية السورية، وهي تمسك بكل الأوراق على الساحة السورية، التي ستستخدمها الولايات المتحدة ضد النظام وضد إيران وتستثمر فيه بالتفاوض مع روسيا. ثانيها، أن قانون قيصر هو قانون سياسي يفرض عقوبات اقتصادية، وليس قانون عقوبات، وهو نتيجة عدم التزام نظام الأسد بالقرار ٢٢٥٤، فعندما أقر القانون منح النظام فرصة ٦ أشهر لتطبيق القرار ٢٢٥٤، وبالتالي الضغط في سبيل وقف إطلاق النار كجزء من عملية السلام ومفاوضات بين النظام والمعارضة، لتحقيق الانتقال السياسي، ووضع دستور جديد، وانتخابات. سيهدف القانون لدفع النظام إلى تنفيذ مدرجات هذا القرار، لتجنّب العقوبات، مع الإشارة إلى أن هناك مساعدات غذائية وصحّية تدخل إلى سوريا.

ثالثاً، هو قانون سياسي يستخدم وسائل اقتصادية بدلا من استخدام وسائل عسكرية، للوصول إلى تطبيق القرار الدولي، سيحاول النظام استخدام لعبته الدائمة في تحميل المسؤولية للأميركيين بتجويع السوريين، ولكن لا يمكن لبشار الأسد أن يبقى في سوريا، حتى روسيا عندما دخلت إلى سوريا أعلنت أنها تريد الحفاظ على مؤسسات وليس على أشخاص والمؤسسات دُمرت من قبل بشار. وهو لا يمثل وجود دولة لتحافظ عليها روسيا، التي ستجده عبئاً ثقيلاً عليها.

في حال توصل الروسي والأميركي إلى تفاهم على حلّ سياسي عندها لن تتمكن إيران من البقاء في سوريا

الولايات المتحدة الأميركية منحت روسيا حق البقاء في سوريا مقابل انسحاب كل القوات الأجنبية الأخرى، وبالتالي لم يعد من حاجة لبشار الأسد الذي لم يعد لديه أي وظيفة. المشكلة الأصعب تبقى في الوجود الإيراني، الذي يتم تحجيمه في سوريا. بحال توصل الروسي والأميركي إلى تفاهم على حلّ سياسي، عندها لن تتمكن إيران من البقاء في سوريا.

بدأت المشكلات داخل بنية النظام الأساسية، في القوى الأمنية والعسكرية، والاعتقالات التي تحصل والتخلي عن كثير من الحاشية، يدل ذلك على الدخول في مرحلة جديدة من الصراع يتوّجها التصنيف الأميركي للفرقة الرابعة على لائحة العقوبات ما سينعكس حتماً على كثير من آليات الصراع والسيطرة العسكرية والجغرافية، خصوصاً في ظل السعي الروسي إلى التخلص من تلك الفرقة، بينما القوى التي كانت داعمة للنظام أصبحت تتلهى بما يمكنها تحصيله من حقوق وعقود، وهذا لن يمنح أي حماية لـ بشار الأسد بعد اليوم، يعمل الأميركي على قانون يصنف بشار الأسد وأركان نظامه كمجرمي حرب. هذا المسار سيستكمل، لن يقف عند حدود زمنية وطبعاً سيكون طول مدتها قاسياً على السوريين الذين يدفعون ثمن لعبة الأمم، لكنه حتماً سيتوج فيما بعد بخروج الأسد من الحكم، وخروج الإيرانيين ولو بعد سنوات طويلة لأن وجودهم ضد الطبيعة.

===========================

سوريا وليبيا دموية المشهد وتكرار اللاعبين.. فهل تتشابه المآلات؟

محمد ياسين نجار

سوريا تي في

الخميس 25/6/2020

انطلق قطار الربيع العربي من دول عانت من الاستبداد والديكتاتورية، اتّسمت تلك التجارب بتعقيدات واجهت الشعوب في عملية التحول نحو الديمقراطية ودولة المواطنة.

انفردت تونس بتجاوز مرحلة الديكتاتورية بسبب تعاون الجيش ومؤسسات الدولة مع النقابات والأحزاب المعارضة ووجود شخصيات كاريزمية مؤثرة، أما اليمن وليبيا وسوريا فإنهم دخلوا في أتون الصراعات الدولية لأسباب مختلفة.

قضية تشابه المشهد في سوريا وليبيا ليست بجديدة، فالنظامان تشابها في قضايا عديدة منذ نصف قرن مضى، طريقة الوصول للحكم وأسلوب الحكم داخليًا وخارجيًا

وقاما بالتدخل العسكري في دول الجوار في تشاد ولبنان وحاولا استئصال الإسلاميين لتخوفهما من قدرتهم على تهديد سلطتهم؛ فزجوهم في غياهب السجون واشتهرا بمجازر شهيرة مثل مجزرة سجن أبو سليم في ليبيا 29 حزيران – يونيو 1996 ومجزرة سجن تدمر27 حزيران – يونيو 1980 في سوريا. تخلصا من معارضيهم بالقتل كوزير الخارجية منصور كيخيا في القاهرة كانون الأول - ديسمبر 1993 ورئيس الوزراء البعثي صلاح الدين بيطار في باريس 21 تموز- يوليو 1980، تخلص القذافي من الإمام موسى الصدر في 31 اب - اغسطس 1978 والأسد الابن من الرئيس رفيق الحريري بتفجير سيارته في 14 شباط - فبراير 2005، دعم القذافي الأسد بمبلغ 200 مليون دولار كي يرضي بها شقيقه رفعت بعد إبعاده عن سوريا ضمن التسوية التي تمت بينهما، على صعيد الفساد كلاهما أخفيا ملف عائدات النفط عن الرقابة مما جعلهما على قمة الأثرياء العرب وربما العالم، حاول القذافي توريث الحكم لابنه سيف الإسلام مستلهما تجربة الأسد الأب عندما ورث الحكم لابنه عام 2000.

أما إذا انتقلنا لتقييم الطرفين المنحازين للثورة فيلاحظ المتابعون تفوقًا لصالح حكومة الوفاق الحائزة على الشرعية الدولية مما يجعلها أكثر توازنًا ومقدرة في التعامل مع الأطراف الدولية بالإضافة إلى امتلاكها التمويل المقبول من عائدات النفط لتسيير أمورها، بينما خسرت المعارضة السورية فرصة تحرير إدلب حتى تُحَول الاعتراف السياسي الحاصلة عليه في مراكش 12 كانون الأول – ديسمبر 2012 إلى اعتراف قانوني، فهي تعاني من تنازع الأطراف الداعمة لها مع عدم امتلاكها لقيادة كاريزمية مجمع عليها وطنيًا وانعدام التمويل، بينما إذا انتقلنا إلى المعسكر المعادي للثورة فيلاحظ تقاربًا ملحوظًا بين حفتر ونظام الأسد والذي توج أخيرًا بزيارة وفد من حكومة حفتر الغير شرعية إلى دمشق والتي أعلن بموجبها افتتاح سفارة في دمشق، بينما يُلاحظ أن غالبية قوى الثورة داعمة لحكومة الوفاق لكنها لم تستثمر ذلك سياسيا حتى الآن.

على صعيد اللاعبين الدوليين المؤثرين؛ ففي المشهد السوري يلاحظ المتابع انحسار نفوذ المؤثرين لصالح دول محدودة؛ تركيا في الشمال أميركا في الشرق وروسيا في الغرب وإيران في الوسط والجنوب، أما المشهد في ليبيا فإن تركيا أصبحت داعمًا رئيسًا لمنطقة الغرب بعد الضوء الأخضر الأميركي وتأييد إيطاليا لها، أما منطقة الشرق فتدعمها روسيا والإمارات ومصر وفرنسا.

لقد أصبح الدور التركي والروسي متناميًا خلال الفترة الماضية، ففي ليبيا اتبعت تركيا أسلوب التدرج بالتدخل لتهيئة المسرح الدولي فقاما بترسيم الحدود البحرية ومن ثم طلبت حكومة الوفاق تدخل تركيا عسكريًا لحماية طرابلس من السقوط بيد الجنرال المتقاعد حفتر.

لقد كان تدخل القوات التركية حاسما مع استخدام طائرات الدرونز والتي كشفت عن ضعف قوات حفتر وأن المرتزقة الذين تم استجلابهم سواء فاغنر الروسية أو ميليشيات الأسد ليسوا قادرين على صد الهجوم الذي استطاع الوصول إلى محيط سرت.

إن عملية الوجود التركي في سوريا تطلبت أربع مراحل بسبب تعقيدات الملف وخشيتها في البداية من استدراجها إلى أتون حرب غير مستعدة لها، وإن الدور التركي الحالي لم يعد مجرد تأثير سياسي في الملف؛ فلقد أصبحت تركيا تمتلك نفوذًا لا يمكن لأحدٍ أن ينكره، فقواتها تضم عدة آلاف من قوات النخبة وتمتلك قواعد عسكرية محصنة في مناطق استراتيجية وطائرات الدرونز منعت سيطرة نظام الأسد على إدلب وكبدته خسائر فادحة في هجومه الأخير مما أدى إلى توقف قسري للطيران الذي استهدف المدنيين وقام بتهجيرهم.

أما الدور الروسي في سوريا فكان أكثر فاعلية وتأثيرًا بعد تدخلهم في سبتمبر 2015 وإنشاء قاعدة حميميم بالإضافة إلى قاعدة طرطوس وقصفت طائراتها المناطق المحررة بدون أية محاسبة مع غطاء جوي هام لميليشيات الأسد وحلفائه، بينما كان دور روسيا العسكري في ليبيا يتخفى وراء ميليشيات فاغنر.

إن أساس الموقف الروسي في كلا البلدين هو الاستفادة من الفراغ الاستراتيجي الحاصل في منطقة الشرق الأوسط والرغبة بالتحكم في خطوط إمداد النفط الواصلة إلى أوروبا وتجذير وجودها في البحار الدافئة وإحاطة قوات الناتو من الجنوب والتغلغل إلى أفريقيا وإضعاف الدور التركي من خلال إدخاله بالمزيد من الخلافات مع الأطراف الإقليمية ودول أوروبا.

إنَّ المباحثات الروسية التركية لم تعد تنحصر في الملف السوري بل أضيف إليه ملف ليبيا الأكثر سخونة خلال هذه الفترة، إلا أن الترتيبات لاجتماع عال فيما بينهما تعيقه بعض الأمور والتفاهمات على الملفين، علمًا بأنَّ داعمي حفتر يخشون من استمرار انهياراته لذا سارعوا للحديث عن حل سياسي والجلوس على طاولة المفاوضات طالما رفضوها ضمن شروطهم، أسوة بمواقف نظام الأسد منذ لقاءات جنيف واللجنة الدستورية، وهي استراتيجية تعتمد على كسب الوقت لتهيئة ظروف أفضل، إلا أن حكومة الوفاق أيضا تستخدم تكتيكًا ضاغطا عبر طلبها التحقيق الدولي بخصوص المقابر الجماعية والأسلحة الكيميائية المكتشفة في ترهونة ولقاءات دولية على مستوى عال، مما استدعى تدخلًا مصريًا متصاعدًا توجَّه الرئيس السيسي باعتبار سرت والجفرة خطًا أحمرًا وطلبها اجتماعًا عاجلًا للجامعة العربية.

ان سردية تشابه بدايات نظام الأسد ونظام القذافي ودموية كلا النظامين وحتى أسلوبهما في الحكم ومعاناة شعبيهما لا يمكن أن تتجاهلها العين المجردة، لكن يتساءل المحللون السياسيون الذين يراقبون المشهد، هل تفرض أوجه التشابه بين واقع البلدين تشابها بالمآلات من خلال حلول سياسية تقدمها الأطراف المؤثرة عبر سلة واحدة تنهي عذابات الشعبين؟

أم تستمران بؤرتين ملتهبتين بما يشبه الواقع الأفغاني الذي كانت روسيا السوفيتية المسبب الرئيسي لعذابات الأفغانيين طيلة الفترة الماضية !؟.

===========================

الحبل السرّي بين طهران ودمشق

مرح البقاعي

العرب اللندنية

الاربعاء 24/6/2020

اجتمعت الإدارتان الأميركيتان، الحالية برئاسة دونالد ترامب، وسالفتها برئاسة باراك أوباما، على موقف موحّد من العقوبات الاقتصادية على سوريا، والتي تفاوتت في درجة حدّتها وتأثيرها، إلى أن وصلنا في يونيو من العام 2020 إلى قانون قيصر الشديد اللهجة والفعل.

كما أن الإدارتين قد تدخلتا عسكريا في سوريا ليس بهدف إسقاط مباشر للنظام كما حدث في العراق وليبيا، لكن من أجل محاربة المجموعات الإرهابية العابرة للحدود، من جبهة النصرة والدولة الإسلامية وغيرهما من القوى الظلامية، وقد كانت هدفا مباشرا للقوات الأميركية وحلفائها على الأرض السورية.

لكن، بينما كان اقتصاد نظام، بشار الأسد، يخضع لأقصى أنواع الحصار، بسبب أدائه الخارج عن القانون الإنساني والدولي المتعارف عليه، كان الجيب الإيراني متاحا للأسد ليمدّ يده إليه لترميم الانكسارات والأزمات التي يمرّ بها اقتصاد البلد ومصادر دخله القومي، ولاسيما منذ العام 2011، حيث دفع النظام تكلفة هائلة في حملته العسكرية على الشعب السوري، التي دامت لتسع سنوات، ولم تضع أوزارها حتى تاريخ كتابة هذه السطور.

لكن، وبينما توافقَ الحزبان الأميركيان، الجمهوري والديمقراطي، لجهة العقوبات على سوريا وضرورة استمراريتها وتشديدها بشكل متصاعد، إلا أنهما افترقا في ما يختصّ بالعقوبات الاقتصادية على إيران.

وبينما كان بشار الأسد يستطيع الاعتماد بشكل قوي على دعم الحلفاء في طهران لتعزيز موارده، طوال الفترة الممتدة لعهدي أوباما خلال ثماني سنوات، إلا أن الوضع لم يعد بهذه السهولة في عهد الرئيس ترامب، الذي شدّد قبضته إلى أقصاها في حصار إيران، وصولا إلى تصفير صادرات نفطه، وهو الثروة القومية التي تعتمد عليها بشكل أساس، ما كان له أثر كبير على الاقتصاد السوري وإمكانية استمرار طهران بدعم حكومة دمشق كما كانت تفعل في السابق.

ففي العام 2018 فرض الرئيس ترامب حزمة عقوبات اقتصادية مضنية على إيران، أدّت باقتصادها إلى الترنّح تحت وطأة تلك الضربات الشديدة، واضطرتها إلى الخضوع للشروط الجديدة، التي فرضت عليها إعادة توجيه مواردها، المحدودة للغاية، لجهة تأمين احتياجات الداخل الإيراني المعيشية اليومية، وهكذا تركت الأسد وحكومته وراءها يواجهان العقوبات الدولية دونما معين. وفي العام 2020 وصلت جائحة كوفيد – 19 لتعصف بما تبقّى من حركة تجارية، ولتجفف السيولة المالية التي انتهت إلى انخفاض الناتج المحلي الإيراني بمعدّل 15 في المئة، فكان وقع ذلك على النظام السوري أكبر وأشدّ بأسا.

أما في سوريا، فقد عزا البنك الدولي في تقريره الصادر في شهر أغسطس للعام 2011 تدهور الاقتصاد السوري إلى الانهيارات في البنية التحتية، والمنشآت الخدمية، نتيجة الحرب الدائرة في السنوات التسع الأخيرة، هذا إلى جانب العقوبات الصارمة على حكومة دمشق، وانكفاء إيران عن الدعم المباشر الذي كان يتفوّق على دعم روسيا للأسد. وأفاد تقرير البنك الدولي أن العائد الإجمالي لسوريا قد انخفض إلى ما يقرب من ثلث مستوى ما كان عليه قبل الحرب، وأن السبب الرئيس للنمو السلبي هو التدمير الكبير الذي لحق بقاعدة رأس المال السوري.

مع انكشاف نظام بشار الأسد تماما، ماليا بسبب انهيار سعر صرف العملة السورية مقابل الدولار، وانسحاب الدعم الإيراني والروسي اللذين شكلا ضامنا لا يستهان به لاستمراره، وعسكريا بسبب القوات المتعددة الجنسيات الموجودة على الأرض، والتي تتقاسم النفوذ في مناطق تواجدها، بصورة تكاد تكون أبشع وأشد بأسا من التقسيم الفعلي (على مرارته).

وأخلاقيا مع بدء نفاذ قانون قيصر، وانتشار صور عشرات الآلاف من المعتقلين الذين قضوا في معتقلات الأسد تحت التعذيب، لمجرّد أنهم حملوا رأيا سياسيا مخالفا وآمنوا بالحريات والعدالة الاجتماعية وحكم الشعب؛ مع هذا الانكشاف غير المسبوق منذ وصل الأسد الأب إلى السلطة في العام 1971، سيكون مصير الأسد ونظامه معلّقا بنتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية، في شهر نوفمبر القادم، وسيرتبط بالعقيدة السياسية للمرشّح الفائز.

في حال فاز بالرئاسة الأميركية الديمقراطي جو بايدن، فإن نظام الأسد سيشهد انفراجا كبيرا، مرافقا بانفراجات ستحدث في العلاقات الأميركية مع طهران، وهو من كان نائبا للرئيس باراك أوباما على امتداد ثماني سنوات. فإدارة أوباما هي من تفاوضت مع طهران لإبرام الاتفاق النووي في فيينا في العام 2015، ما رفع الضغوط بشكل كبير على حكومة طهران، وأمّن لها موارد مالية من أصولها التي كانت مجمّدة وغير قابلة للتداول، الأمر الذي ساهم في بروز حالة من الانتعاش المالي والاستقرار السياسي في الداخل الإيراني، غابت تماما مع وصول الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض.

وقد كان لانسحاب ترامب من اتفاق فيينا النووي، وإعادة فرض العقوبات على إيران، أثر رجعي على مكاسب إيران في ما قبل هذا الانسحاب، وكذلك على قدرتها في دعم الحليف الأهم في دمشق. وحدث أن عُلّق خط الائتمان المالي الذي كان مفتوحا بين دمشق وطهران، ما أدّى إلى انهيار حقيقي في إمداد النفط الذي كانت حكومة دمشق تعتمد على إيران في تغذيته.

أما روسيا، وقد أتمّت صفقتها الاستراتيجية على حساب الأرض السورية والسيادة الوطنية، باستئجارها لقاعدة عسكرية على امتداد المياه الدافئة في المتوسط، في ميناءي طرطوس واللاذقية من الساحل السوري، ولمدة 49 عاما قابلة للتجديد، في حين يرتبط الرئيس الروسي بوتين بعلاقات جيدة مع إدارة الرئيس ترامب، فسيجد نفسه في حال فوز الأخير بفترة رئاسية لأربع سنوات قادمة، بحلّ غير مشروط من دعمه لبشار الأسد الذي سيتحوّل إلى عبء باهظ عليه، ويتحوّل إلى مادة منتهية الصلاحية.

فصل المقال يكمن في أن مصير الأسد بالحيثيات والفعل، وليس بالمجاز السياسي والتكهنات، مرتبط بشكل غير مسبوق بساكن البيت الأبيض القادم في العام 2021 وهي سنة انتخابية أيضا للرئاسة في سوريا، حيث من المنتظر أن يقول ما يقارب 7 ملايين لاجئ ومهجّر سوري قولتهم في نظام الأسد.

===========================


الأهم في قانون قيصر

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاربعاء 24/6/2020

تمتد قائمة الإجراءات العقابية في قانون قيصر الأميركي الخاص بسوريا، لتشمل أشخاصاً ومؤسسات ودولاً. أولى حلقاتها تتعلق بنظام الأسد؛ حيث تشمل العقوبات في خطين متوازيين الأشخاص والمؤسسات، ويبدأ خط شخصيات النظام من رأس النظام بشار الأسد، شاملاً عائلته، والأبرز فيها زوجته أسماء الأخرس، وأخوه ماهر، وبقية الفاعلين من العائلة وأقاربها، ويلي هؤلاء قائمة أسماء كبار المسؤولين في حكومة النظام، والأجهزة السياسية - الإدارية، وكبار ضباط المؤسستين العسكرية والأمنية، وتأتي بعدهم المجموعة الثالثة من «رجال الأعمال»، وأغلبهم مجرد ممثلين أو مندوبين غير معلنين لأصحاب القرار، يديرون عمليات نهب وسرقة المال العام والاتجار باحتياجات الشعب الأساسية من غذاء ودواء لصالح رأس النظام والمقربين منه. وستصيب الإجراءات العقابية كل الذين شاركوا في عمليات القمع الوحشي، وارتكاب الجرائم ضد السوريين، أو قدموا دعماً ومساندة لهذه العمليات، أو للأدوات التي قامت بها من وحدات عسكرية وأمنية أو ميليشيات مسلحة بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

ويتضمن خط المؤسسات السورية، التي يفترض أن تشملها عقوبات قيصر، وزارات في الحكومة، وخاصة وزارتي الدفاع والداخلية، إضافة إلى وحدات الجيش وأجهزة المخابرات، التي تقوم بالدور الأكبر في ارتكاب الجرائم، كما تشمل وزارات تدعم مؤسساتها وهياكلها الإدارية، وتساعد في تنفيذ الجرائم، وتبريرها، على نحو ما تفعل وزارتا الخارجية والإعلام، من دون أن تغفل الأعين عن بقية الوزارات، التي تحوّل بعض هياكلها ومؤسساتها للمساعدة في العمليات الإجرامية، ومنها وزارة الكهرباء، التي تقوم بقطع الكهرباء عن المناطق الخارجة عن سيطرة النظام.

إن مؤسسات النظام ليست الوحيدة التي ستدرج في قوائم عقوبات قيصر، إنما ستكون إلى جانبها مؤسسات وشركات خاصة، تعمل في مجالات متعددة، يملكها أشخاص أو شركاء من أركان النظام أو مقربون ووكلاء لهم، كما في مثال الشركات التي يملكها رامي مخلوف أو سامر الفوز، وقد ساهمت تلك المؤسسات في جرائم النظام، ومثالها الفج جمعية البستان التي أعلنها رامي مخلوف عام 2011. وقد موّلت ميليشيات، قاتلت مع قوات الأسد، وقدمت مساعدات مالية وعينية للنظام في عملياته الإجرامية، وهذا حال كثير من الشركات.

وتتقارب العقوبات التي ستصيب النظام بشخصياته ومؤسساته، مع عقوبات ستصيب دولاً ومؤسسات وشركات وأفراداً في أنحاء مختلفة من العالم، نتيجة تعاونهم ودعمهم سياسات وإجرام النظام، وتقديم التسهيلات التي أدت إلى ارتكاب تلك الجرائم واستمرارها، ولعل الأهم في قائمة هذه الدول إيران، التي لم تترك حيزاً لدعم ومساندة النظام وجرائمه إلا استغلته، فدعمت بالمال والسلاح والقدرات البشرية النظام وعملياته، بل إنها دفعت قوى مسلحة وميليشيات للمساهمة بشكل رئيس في ارتكاب مجازر وعمليات تهجير وتغيير ديمغرافي على امتداد خط الوسط السوري، من دمشق إلى حلب من جهة، ومن الوسط إلى خط الحدود العراقية شرق دير الزور. وقامت روسيا بدور يقارب أو يزيد قليلاً عن دور إيران، فقد لعبت بشكل رئيس إلى جانب الصين دور المدافع عن سياسات الأسد وجرائمه، بما فيها مجازر حربه الكيميائية، ومنعت مجلس الأمن الدولي من اتخاذ قرارات بمعاقبته، إضافة إلى ما قدمته من أسلحة وذخائر ومساعدات، فقد انخرطت قواتها، ولا سيما قواتها الجوية والصاروخية، في الحرب على السوريين منذ عام 2015، فارتكبت مجازر كثيرة وعمليات تهجير ضد المدنيين، وخاصة في الشمال السوري، وما تزال، ما يجعلها في قائمة عقوبات قيصر.

ومما لا شك فيه أن دولاً أخرى ستكون على قائمة العقوبات، بسبب دعمها ومساندتها نظام الأسد، بينها دول عربية، مثل لبنان والعراق، إذ سمحت سلطات البلدين بذهاب ميليشيات منها إلى سوريا للقتال إلى جانب نظام الأسد، خاصة «حزب الله» اللبناني، وبعض فصائل «الحشد الشعبي» العراقي، وتسهيل مرور متطرفي «داعش» وأسلحة وأموال إلى سوريا، والتساهل في هروب مئات المتطرفين من السجون، وتوجههم إلى الشمال والشرق السوري، وقد ارتكب «داعش» جرائم ومجازر ضد السوريين، تقارب ما ارتكبته الميليشيات العراقية واللبنانية، التي يفترض أن تشملها عقوبات قيصر.

ومن البديهي أن مؤسسات وشركات وشخصيات عربية وأجنبية، ستشملها العقوبات بفعل علاقاتها مع نظام الأسد، وما قدّمته من خدمات، وما لعبته من دور في مسار العنف والمجازر في السنوات الماضية، وبينها هجمات النظام الكيميائية على تجمعات مدنية، وقد تجاوز عددها 25 موقعاً، بينها مدن وقرى غوطة دمشق، ومدينة خان شيخون في محافظة إدلب، وخان طومان جنوب حلب، وقد أوردت تقارير صحافية أسماء مؤسسات مصرية وألمانية وكورية، قدمت ذخائر كيميائية لجيش الأسد، استخدمها في تلك الهجمات، وبيّنت التقارير الصحافية أسماء شركات أوروبية، منها شركات بريطانية، ومؤسسات تركية، قدّمت خدمات لوجستية ساعدت النظام على المضي في جرائمه وارتكاب مزيد منها.

إن التدقيق في أثر الأطراف الداخلية والخارجية على مسار العنف والجرائم التي عاشتها سوريا، وما تزال، يكرس 3 حقائق، تستحق الوقوف عندها. أولى هذه الحقائق أن نظام الأسد، وبطبيعته العسكرية - الأمنية، بدأ مسار العنف ضد السوريين، فمارس كل أشكاله، من الاعتقال إلى القتل والجرح والملاحقة، ثم توّجها بالمجازر، التي كان من أبرزها مجزرة الجامع العمري وأهل القرى بدرعا في مارس (آذار) 2011، ومجزرة الساعة بحمص في أبريل (نيسان) 2011، ومجزرة حماة في يوليو (تموز) 2011، لكن في ظل تطورات الصراع الداخلي عقب انشقاقات في الجيش والأجهزة الأمنية، وامتداد الثورة في أغلب المناطق السورية، والاستنكار العربي والدولي، صار عاجزاً عن الاستمرار في حلّه العسكري - الأمني، دون تدخل خارجي مباشر.

والحقيقة الثانية أن التطورات الداخلية توافقت مع رغبات خارجية للتدخل إلى جانب النظام، وكانت إيران و«حزب الله» اللبناني في مقدمة الأطراف الخارجية، بحكم علاقاتهم العميقة، وهذا ما أكدته نصيحة قدّمها زعيم «حزب الله» للأسد، طالبه فيها باستمرار الحل العسكري - الأمني وتصعيده، قبل أن يدفع ميليشياته، ويبدأ أولى مشاركاته العلنية بالقتال، إلى جانب قوات النظام بريف القصير في فبراير (شباط) 2012. وتدخل الإيرانيون على نطاق واسع اعتباراً من فبراير 2012 فدفعوا ميليشيات من العراق وأفغانستان وباكستان مرتبطة بهم، ووحدات إيرانية للمشاركة في الحرب للقتال في محيط دمشق، وقدّموا أسلحة وذخائر، إضافة إلى 8 مليارات دولار للنظام لمواجهة تصاعد الصراع السوري، وطوّر الروس تأييدهم للنظام، وتقديم السلاح والذخائر له، قبل أن يُتوجوا موقفهم بالتدخل العسكري المباشر في سبتمبر (أيلول) 2015.

ويقودنا ما سبق إلى الحقيقة الثالثة والأخيرة، وهي أن دور النظام في الصراع صار هامشياً، وأن المقرر والفاعل الرئيس في سوريا هم الأطراف الخارجية، ممثلين بالروس والإيرانيين وميليشياتهم، ما يعني أن أي تغيير في السياسات وفي الميدان ينبغي أن يبدأ من الأطراف الخارجية المتدخلة، أو أن يتم التركيز عليها أساساً، من دون إهمال النظام الذي يعطي مشروعية لهذه التدخلات، وما تقوم به من جرائم وحدها، أو بالتشارك معه، إضافة إلى دورها في مساندة النظام ودعمه للاستمرار بسياساته وممارساته.

إن التغيير يبدأ من القوى الأساسية والفاعلة، وهذا كان في صلب نصّ ومعنى قانون قيصر الذي لم يهمل أو يتجاوز تأثير القوى الخارجية في الواقع السوري، وفي تغييره أيضاً.

===========================

قانون قيصر وبندقية بشار والشعب الرهينة

برهان غليون

العربي الجديد

الثلاثاء 23/6/2020

(1)

أول اختلاف شقّ صفوف الثورة السورية لم يكن لا طائفيا ولا سياسيا ولا أيديولوجيا، ولكنه كان حول الدعوة إلى التدخل الأجنبي بين من لم يعد يفكر بشيء آخر غيره، وعطل كل مساهمته ومبادرته في الدعوة إليه، ومن يرفضه بالمطلق ويرفض أن يناقش مبدأه. وقد فشل الرهان الذي وضعته أنا نفسي، كمسؤول في المجلس الوطني، على ما اعتقدت أنه يمكن أن يكون حلا وسطا، وهو رفض الدعوة إلى التدخل العسكري، ورفض التسليم بالأمر الواقع، وتكتيف اليدين أمام المقتلة الجماعية التي أعدها النظام لنشطاء الثورة وجمهورها، انتهاكا لجميع الالتزامات والمسؤوليات التي تقع على عاتق النظام في حماية شعبه لقاء احتكاره القوة وأدوات العنف، وتمتعه بالسيادة في إطار المنظومة الدولية. وهكذا وجدت الحل في التركيز على طلب الحماية الدولية للمدنيين، كما تنص عليه مواثيق االثورة السورية، ليس لإسقاط النظام كما حصل من قبل في ليبيا، ولكن لمنع النظام من استخدام القوة المفرطة وغير المشروعة لسحق ثورةٍ مدينةٍ وسلميةٍ تطالب بالإصلاح والتغيير. كنت أقول وأعتقد بالفعل أن الشعب السوري كان كفيلا وقادرا على تحقيق أهدافه في دفع النظام إلى الإصلاح أو في إسقاطه، وقد أظهر ذلك في وحدته وتضامنه وإصراره وتحمله التضحيات الجسام، لولا تغول هذا الأخير عليه، وزجه الدولة والجيش وقوات الأمن ضده في حربٍ مجنونة، سرعان ما تحولت إلى حرب إبادة، عزّزها تدخل المليشيات الطائفية الإيرانية واللبنانية والعراقية والأفغانية وغيرها، قبل أن يهرع الروس لنجدتها بعد أن عجزت عن إخماد جذوة البطولة السورية.

ولكن شعار حماية المدنيين لم يصمد طويلا أمام هجوم أصحاب التدخل العسكري الذين نظروا إليه أنه ذريعة للهرب من طلب التدخل العسكري الدولي، والأطلسي إذا أمكن، ولا أمام هجوم أصحاب الحل السوري السوري ورفض اللجوء إلى أي دعم أممي، حتى لو كان من طبيعة إنسانية، كأصحاب هيئة التنسيق، وذهب مع الريح من دون أن يثير اهتمام أحد. وهكذا تفاقم الانقسام داخل صفوف جمهور الثورة، وتدهورت مصداقية المجلس الوطني إطارا جامعا لقوى الثورة والمعارضة، وترسخت القطيعة نهائيا بين طرفي المعارضة، الممثلين في المجلس من جهة، وفي هيئة التنسيق، وفقدنا أي أمل في بناء جبهة ثورية متماسكة، كنا أحوج ما نكون لها، لتصعيد الضغط على المجتمع الدولي، ودفعه إلى الانخراط بشكل أكبر إلى جانب الشعب المنكوب، وتفاقمت عوامل الفشل والإحباط والانقسام بين صفوفنا، ومن ثم انعدام التنسيق 

"نغشّ أنفسنا إذا قلنا إن القانون لن يكون له تأثير على عامة الشعب. لكن تأثيره سيكون أخطر على المسؤولين وأصحاب المزرعة"والتعاون والعمل المشترك.

وفي المقابل، لم تظهر المجموعة الدولية التي أبدت بعض الاهتمام بمصير الثورة السورية أي حماسة من أي نوع للتدخل، سواء كان لحماية المدنيين أو حتى للمساعدة الإنسانية، وساد التسليم بالأمر الواقع والانتظار، لعل الروس يكتفون بفيتو أو اثنين أو ثلاثة، ويقبلون دفع النظام إلى قبول الحوار. ولم يقوموا بأي محاولة لنزع الشرعية عن النظام، وتعليق عضويته في الأمم المتحدة، فلم يكن أحد يريد التورّط في حرب جديدة فاشلة، أو في مواجهة دولية وإقليمية مع إيران وروسيا التي وقفت بالمرصاد لأي موقف سلبي أممي من النظام. وقد أعاد هذا الفشل المزدوج للمجتمع الدولي وللمعارضة الثقة إلى النظام وحلفائه بإمكانية تحقيق النصر العسكري وتصعيد الحرب، وتحويلها بشكل سافر إلى حرب إبادة وتطهير ديمغرافي، وحرق للأرض والمدن والقرى، لوضع العالم بأكمله، ووضعنا نحن أيضا أمام أمر واقع جديد، هو الفراغ السياسي والدمار الاقتصادي، وتشتيت صفوف المعارضة، ومنعها من القيام بأي تظاهرة أو ردة فعل ذات مغزى، داخل البلاد وخارجها، حتى يعترف له بالحق في البقاء.

ومن الواضح أننا، أعني ما تبقى من قوى الثورة والمعارضة، المثخنة بالجراح والمحطمة سياسيا ومعنويا، لم ننجح بعد في الخروج من آثار صدمة حرب الإبادة هذه، وإعادة ترميم صفوفنا وعقولنا، واستعادة قدراتنا لملء هذا الفراغ، ورفع الأنقاض التي أهيلت علينا، والتي لا تزال تمنعنا من التفكير والتنفس وسماع أصواتنا بعضنا بعضا.

(2)

على ضوء الوثائق المفحمة والمفجعة التي خرج بها الضابط المنشق قيصر، وبجهود استثنائية لنشطاء سوريين مقيمين في الولايات المتحدة، قبلت واشنطن أن تتخذ إجراءً يصب في حماية المدنيين، أو على الأقل يعترف بالظلم الذي وقع على السوريين، وبالجرائم التي ارتكبها الأسد ونظامه وحلفاؤه، بعد تسع سنوات من التجاهل وإشاحة النظر عن المأساة السورية. ويدعو في الوقت نفسه المسؤولين عن المأساة بالشروع في تطبيق قرار مجلس الأمن، لوضع حد للحرب وإخراج البلاد من حال الدمار والشلل والانقسام، وفتح أفق العودة بسورية وشعبها إلى ما يمكن أن يكون شبه حالة طبيعية.

يقول أنصار النظام إن القانون سوف يؤثر سلبا على اقتصاد البلاد، ويعزون له الانهيار الاقتصادي الذي لم يعد من الممكن إخفاؤه عن أحد. وليس هناك شكٌّ في أنه ستكون لقانون قيصر انعكاسات اقتصادية على السوريين، حتى لو أن هدفه الأول معاقبة الحاكمين، وبشكل أكبر تحفيز حلفائهم على العمل للإسراع في إيجاد حل للمأساة، قبل أن يتحول رهانهم على استغلال أموال إعادة الإعمار إلى سحابة صيف. لكن بصرف النظر عن صحة هذا الاستنتاج، لماذا لا يقرّر الأسد وحلفاؤه، إذا كانوا بالفعل حريصين على حياة السوريين، البدء بتغيير سياستهم والدخول في مفاوضات سورية سورية لحرمان الكونغرس الأميركي من تحقيق أهدافه، وليوفر على سورية والسوريين مزيدا من الخراب والجوع؟ هل هو خوفه من خسارة معركة تحرير القدس وفلسطين مثلا، أم سقوط سورية في يد الإرهاب كما كان يدّعي دائما، أم الحرص على الدفاع عما أصبح ينظر إليه حقا عائليا في ملك سورية، بأرضها وشعبها ومواردها؟ ولكن، من جهة ثانية، كما يقول فيصل القاسم في معاكساته، لماذا نريد أن يوفر الأسد الجوع والموت على السوريين، وهو الذي لم يبخل بسلاح ولا حصار تجويع وتركيع ولا سلاح دمار شامل، كيميائي أو عادي، لقتل أكثر ما يمكن منهم وتشريدهم، وعمل المستحيل ليصل بهم إلى ما هم عليه اليوم من بؤس، لا يكاد يزاحمهم على أسبقيتهم فيه اليوم أي شعب على وجه الأرض؟

لو كان الأسد فعلا يعتقد أن قانون قيصر موجه ضد السوريين، ومن أجل الإمعان في إيذائهم،

"لماذا لا يقرّر الأسد وحلفاؤه الدخول في مفاوضات سورية سورية لحرمان الكونغرس الأميركي من تحقيق أهدافه؟" لا ضده وضد حلفائه في سبيل إجبارهم على التفاوض، ولا أقول التنازل، لكان أول المصفقين له والمطالبين بالتشدد في تطبيقه، فما الذي فعله خلال السنوات التسع الماضية، في جميع ميادين النشاط الاقتصادي والعسكري والإعلامي، ولم يكن الغرض منه إنهاك السوريين وتهديدهم وترويعهم وتجويعهم وتشريدهم؟

نغشّ أنفسنا إذا قلنا إن القانون لن يكون له تأثير على عامة الشعب. لكن تأثيره سيكون أخطر على المسؤولين وأصحاب المزرعة، وعلى سلوكهم واختياراتهم، وعلى حلفائهم بشكل خاص، وإلا لما وقفوا ضده وهاجموه. والوضع يشبه، في الواقع، محاولة إنقاذ رهائن من خاطفيهم، مع فارق أن المخطوف هنا هو شعب كامل، وأن الخاطفين تحالف دولي واسع. وليس هناك أي سبب في ألا يعمد الخاطفون إلى التهديد بقتل الرهائن أو قتل واحد بعد الآخر، لإظهار إصرارهم على رفض الاستسلام. في هذه الحالة، لن يكون التحدّي هو ضبط الآثار الاقتصادية السلبية لقانون قيصر، وإنما حماية أرواح الرهائن من انتقام الخاطفين. الرهان يبقى على الروس في عقلنة مستخدميهم السوريين.

ولكن يكذب من يقول إن هذا القانون هو السبب أو أحد الأسباب في تدهور الأوضاع المعيشية، فالسبب الحقيقي والرئيس للخراب والانهيار الاقتصادي هو الحرب التي شنها النظام على الشعب والدمار والقتل الذي رافقها، والذي حول نصف شعبها إلى مهجّرين، والنصف الآخر إلى عاطلين، وجعل نسبة الذين يعيشون تحت حد الفقر، على الرغم من المساعدات الإنسانية الدولية، قريبا من 90%. وسجل هذا الانهيار مرسوم في وقائع الفساد الكبير، وفي الخيارات الاقتصادية المافيوية، ورأسمالية المحاسيب والمحسوبيات، وسرقة المال العام، وتحويل البلاد إلى مزرعة شخصية، منذورة لتحقيق مصالح أصحابها، ومحرّمة على غيرهم جميعا، مستثمرين محليين وخارجيين. وهي الخيارات التي حرمت البلاد من أي تنمية اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية. وهو مكتوب في التجاهل الكلي لمطالب الناس وتطلعاتهم ومصالحهم، لحساب فئة من المحاسيب الكبار والصغار والشبيحة والجانحين، وضعت موارد الدولة والبلاد في يد مجموعةٍ من اللصوص الذين يقتتلون اليوم فيما بينهم على تقاسم كنز علي بابا وتوزيعه. وفي بنية السلطة المغتصبة، ضد إرادة الناس ومصالحهم، واستفراد مراهقٍ مفتونٍ بقرار شعب كامل ومصير أمة، من دون رقيب ولا حسيب، ولا مساءلة ولا مراجعة ولا محاسبة. وفي سياسة الاعتقال والحجْر على الكلمة، وخنق الأنفاس، وتزوير الوقائع والحقائق، والتغطية على التحدّيات والمشكلات، والقتل على الهوية الفكرية أو العقدية.

وهو مكتوب في القطيعة بين النخبة الاجتماعية والطبقة العليا من رجال المال والأعمال والمصالح الكبرى والشعب البسيط الذي فرض عليه الحصار والتهميش وانعدام الوزن باسم التقدّم والحداثة والأهلية. وفي سياسات انتقاء الأسوأ لمناصب المسؤولية، واستبعاد كل من يظهر أدنى حرص على حقوق الشعب وكرامته ومصالحه. وفي استزلام الأغلبية من رجال الدين أو إجبارهم على الاستزلام لسلطة الأمر الواقع، لقاء الأمن والسلامة والحق في معاش بالكاد يكفي لسد عوزهم وفقرهم. وفي ثقافة التشبيح وتكريس الطائفية وتغذية الأحقاد والعصبيات وروح الكراهية العنصرية. وفي أخلاق العبودية وعبادة الشخصية وتأليه السلطة والقوة وتقديس العنف والحقد والانتقام. وفي التواطؤ الجماعي ضد الدولة والقانون والعدالة من نخبة وطبقة أو شبه طبقة سائدة ونافذة، واعتقادها أن سبيل الأمن والسلام الوحيد هو الاستسلام للقوة، ومسايرة الظلمة ومشاركتهم غنائمهم ومباذلهم وترك المسؤولية على من لا حول لهم ولا قوة من الشعب المفجوع لمواجهة الضباع الضارية.

(3)

بالتأكيد، لا يضمن قانون قيصر تغيير النظام أو ربما حتى دفعه إلى تغيير سلوكه، لكنه لن يعمل لصالح تمديد أجله، بل بالعكس سوف يقود إلى حرمانه من مصادر الدعم الخارجي الذي كان السبب الرئيسي في تمديد أجل الصراع واستنزاف البلاد وقتل وتشريد ملايين السوريين. والأهم أنه سوف يشجع السوريين على الخروج من جديد للمطالبة بحقوقهم، كما حصل 

"النظام لم يبق للشعب حياة، قبل ظهور قيصر بسنوات، ولا يزال مستمرا في نهب موارده القليلة"ويحصل الآن في محافظات عديدة، وهم وحدهم الذين سيغيرونه، هذه المرة، بعد أن حصلوا على ما كنا نسعى إليه منذ تسع سنوات، أي كف يد التدخلات الأجنبية لصالح النظام. وهذا ما كنا نصبو إليه منذ السنة الأولى للثورة باسم حماية المدنيين. كما سيدفع هذا القانون الروس الذين دافعوا عن نظام القتل سنوات طويلة، إلى التفكير في مراجعة سياستهم، إذا كانوا يراهنون على الفوز قبل غيرهم بجائزة إعادة الإعمار.

يقول بعضهم عن حق: هل يمكن الثقة بالإدارة الأميركية التي خذلتنا سنوات وسنوات؟ وما الضمانة كي لا يُساء تطبيق القانون، واستخدامه لغير صالح السوريين؟ الجواب أن التصويت على قانون قيصر يعكس انخراطا أكبر لواشنطن في القضية السورية، وفي الدفع نحو مفاوضات تفتح الطريق نحو حل سياسي. لكن ليس هناك أي ضمانة كي يتم تطبيقه، وكي لا يستغل لغير صالح السوريين، إلا عمل السوريين ومتابعتهم تطبيقه بأنفسهم، والانخراط في تنفيذه. وهذا تابع لنا ولقدرتنا على التعاون والمتابعة وتقديم الملاحظات وتصويب الأخطاء عندما تقع. إذا سلمنا أمرنا للأجهزة التنفيذية أو للكونغرس ولحسن نوايا موسكو أو دميتها السورية كما حصل حتى الآن ستكون النتيجة سلبية، وربما لن نحصد من العملية غير التعب والجهد من دون طائل، كما حصل لجهودنا الكبيرة الماضية.

من هنا، بدل أن نتنازع على الموقف من القانون، ونضيع جهدنا في خوض المعارك الماضية أو التي فاتها الزمن (كما فعلنا وكنا نفعل للأسف منذ تسع سنوات، حين أضعنا وقتنا في صراعات جانبية، وانقسمنا إلى شيع وفصائل حول الموقف من خطوات الآخرين وسياساتهم وخياراتهم الدولية أو الأممية أو العربية أو الإقليمية وقراراتهم)، يجدر بنا التعاون على بناء موقف قوي، أي مستقل وموحد للانخراط إلى جانب مشرّعي القانون في توجيه تطبيقه في الاتجاه الذي يخدم مصالحنا وتحويله إلى فرصة لاستعادة نفوذنا ومبادرتنا. وهذا يتطلب أيضا أن نعرف نحن جميعا، أو أن نتعرف ونتوافق على مضمون هذه المصالح الوطنية السورية وحدودها. وهي بالتأكيد لا يمكن بأي شكل أن تتقاطع من قريب أو بعيد مع مصالح بقاء النظام.

أما دعاية أبواق النظام، وسعيهم إلى تحميل القانون، الذي بالكاد قد وضع قيد التنفيذ، المسؤولية عن مأساة الشعب السوري، وبؤس شروط حياته الاقتصادية، فلا يمكن إلا أن تثير السخرية والاستهزاء، فالنظام لم يبق للشعب حياة، قبل ظهور قيصر بسنوات، ولا يزال مستمرا في نهب موارده القليلة، والتنازع فيما بين عصاباته، حتى بعد صدوره، على تحويلها إلى ثروات تتجمّع في البنوك الأجنبية. أما السوريون فلم يعد لديهم ما يخسرونه سوى عبوديتهم وشقائهم وجوعهم وذلهم. ولا يوجد بعد ما يمكن أن يخيفهم سوى استمرار الواقع القائم.

===========================

هل تصمد سورية إلى حين سقوط الأسد؟

غازي دحمان

العربي الجديد

الاحد 21/6/2020

فاجأنا قانون قيصر بوجود ثلاث سوريات أو أربع، دول متكاملة، بخرائطها وسلطاتها وجيوشها ورموزها وأعلامها ومؤسساتها وأناشيدها الوطنية، وأخيراً، بعملاتها المختلفة، فيما لا يزال حالمون، ولا سيما سوريو الشتات، لم يحدّثوا بياناتهم بعد، مع الوقائع التي يعيشها سكان "الدول" السورية، وينتظرون خبر سقوط طاغية دمشق.

لطالما استقرّ في وعي السوريين أن هذه الأوضاع، التي جاءت بها ظروفٌ استثنائية وطارئة، ستذهب مع نهاية هذه الظروف، أما النهاية التي حدّدوها في إدراكهم، فتتمثل بسقوط نظام الأسد ورحيله عن سورية إلى الأبد. وفي سبيل هذا الطموح، غدا كل شيء هيناً، من الموت إلى الاعتقال إلى التشرد، ولكن أيضاً، في الطريق إلى تحقيق هذا الطموح، كان الواقع يصنع سياقاتٍ أخرى، خارج قدرة السوريين عن وقفها أو السيطرة عليها.

عشر سنوات عاندت فيها الظروف طموحات السوريين بالخلاص من أوجاعهم، لكنها كانت كفيلةً بالحفر عميقاً في واقع السوريين، مثلما حفرت ذكرياتها السيئة على أجسادهم وأرواحهم وفي وعيهم، وآلاف أطنان الأسلحة التي استخدمت كانت كافية لصنع أنفاق وخرائط جديدة على طول الجغرافيا السورية وعرضها، من دون أن ننسى صراع المشاريع الجيوسياسية التي كان السوريون، بوعي أو بدونه، أدواتها ورصاصاتها وضحاياها. فقد أتقنوا الألعاب الجيوسياسية، إلى درجة أنهم أصبحوا مطلوبين للعمل، مثل العمال الموسميين، لدى المشاريع التي تقع خارج ساحاتهم.

ولكن، هل يحق لمتابع مجريات الأحداث السورية، طوال سنوات الكارثة، أن يُفاجأ اليوم بهذه 

"ستكون سورية مضطرّة إلى الخضوع للواقع الذي يأخذها في اتجاهاتٍ ليست مرغوبة ولا مقصودة"الخريطة السورية، والدويلات التي قامت على أنقاض سورية الأسد؟ منذ اليوم الأول في الحرب، وعندما لجأت زمرة الأسد إلى القوة، فإنها كانت تطيح وحدة سورية. وإجراءاتها اللاحقة، استقدام المليشيات الأجنبية وإيران، ثم روسيا، وبعد ذلك منح الأصول السورية آجالاً طويلة لروسيا وإيران، لم يكن لها سوى معنى واحد، دفع سورية إلى التقسيم والتفتّت. وفي التاريخ، القديم والمعاصر، كان استخدام القوّة المفرطة لحل مشكلة سياسية الوصفة الناجحة لتفتيت الدول، ويوغوسلافيا مثال قريب جداً.

ومعلوم أن نظام الأسد عندما لجأ إلى القوّة المفرطة، فعل ذلك للتمهيد لخيار اللجوء إلى إقامة دولة خاصة به في الساحل السوري. هذا ليس افتراضاً، بل واقع مؤكد. أما لماذا حارب على جبهات عديدة، ولم يلجأ على الفور إلى خياره هذا، تقليلاً لحجم الخسائر التي تكبّدها، فذلك مردّه إلى حسابات النظام التي قامت على أساس تدمير المدن السورية، وجعل السوريين يغرقون في جراحهم سنوات وعقوداً طويلة، وإن كل حجر يدمره، وكل فرد يقتله في تلك المناطق، سيسهمان في تعزيز أمن دولة النظام القادمة واستقرارها.

على ذلك، جميع الكيانات التي نشأت خلال هذا المسار التدميري إنما نشأت بحكم الاضطرار. في البداية، كان هدف الجماعات التي أنشأتها، الأهلية والحزبية، حماية وجودها من حرب الفناء التي فرضتها قوّة الأسد الغاشمة وحلفاؤه، ثم لاحقاً، اضطرت هذه الكيانات إلى تنظيم شؤونها، واحتاج هذا سلطة وهياكل لإدارة شؤون هذه التجمعات، وخصوصاً على صعد ضبط الصراعات في داخلها وتوفير الخدمات، والمهمة الأساسية المتمثلة بالحماية من الآخر، نظام الأسد، خلف حدود جغرافية هذه الكيانات، فنشأ عن ذلك داخل وخارج وحدود وشؤون لأشباه دول، راحت تترسخ في الواقع السوري.

لم يتوقف الأمر عند هذه الحدود، خصوصاً أن نظام الأسد تحوّل إلى قوّة احتلال في المناطق التي استعاد السيطرة عليها، وبقي طرفاً خارجياً وممثلاً لدولة افتراضية، هي دولة الساحل التي، وإنْ 

"نظام الأسد تحوّل إلى قوّة احتلال في المناطق التي استعاد السيطرة عليها"لم توجد جغرافياً، إلا أنها ترسمت في الواقع الفكري، لدى المحتل، نظام الأسد، والمحتلين، المجتمعات الأهلية التي استعاد النظام السيطرة عليها. وعلى الرغم من أن نظام الأسد قاتل بضراوة بغرض استعادة بقية المناطق لسلطته، إلا أن ذلك لم يعكس رغبته في توحيد سورية، بقدر ما كان الأمر انخراطاً في المشاريع الجيوسياسية لإيران وروسيا، اللتين رغبتا في تقوية أوراقهما الإقليمية والدولية، من خلال السيطرة على مناطق استراتيجية على الحدود مع الجولان والأردن وتركيا والعراق، أو بسبب أهميتها الاقتصادية، مثل مناطق شرق الفرات التي تطمح روسيا إلى السيطرة على ثرواتها النفطية والزراعية، وتشكل بالنسبة إلى إيران جزءاً أساسياً من طريقها إلى المتوسط.

هل انتهى الأمر عند حدود الترسيمة الحالية؟ يصعب الجزم بتوقف صيرورة التفتيت السورية واكتفائها عند هذا الحد، ذلك أن المقسَّم مرشَّح لتقسيماتٍ أخرى نتيجة الصراعات الدائرة في جميع "الدويلات" السورية، وفي مقدمتها دويلة النظام نفسه، التي سيعمّق قانون قيصر أوجاعها بدرجة كبيرة، وسيدفعها إلى البحث عن خيارات أخرى، للخروج من المأزق الذي وضعها فيه حكم الأسد وقانون العقوبات الأميركي، إذ ما زال في الأدراج مشاريع "الأردن الكبير" و"لبنان الكبير"، وربما العراق، وقد تأخذ هذه المشاريع السياق نفسه الذي تشكّلت فيه الكيانات الموجودة الآن، في البداية ضرورة، ثم تتحوّل إلى واقع يصعب تغييره.

الغريب في ذلك كله، أنه لا أفق لسقوط الأسد لوقف عجلة الانهيار السورية، فالبلاد، على الرغم من أنها استنزفت قدرتها في انتظار هذا اليوم الموعود، ستكون مضطرّة إلى الخضوع للواقع الذي يأخذها في اتجاهاتٍ ليست مرغوبة ولا مقصودة.

===========================

مسؤولية النخب أمام جهود تعطيب التواصل بين السوريين

 عبد الباسط سيدا

القدس العربي

الاحد 21/6/2020

محاولات تفجير العلاقة العربية الكردية في سوريا عبر إثارة الهواجس والممارسات الشاذة، وتشويه وتحوير وقائع التاريخ والجغرافيا قديمة، تبلورت بصورة أساسية في مرحلة حكم البعث الذي اعتمد سياسة تمييزية عنصرية فاقعة نحو الكرد، وذلك بالتوافق مع عقيدته السياسية التي تقوم على ضرورة تحرير وتوحيد الوطن العربي بكامله، وطرد كل من يصر على انتمائه غير العربي من ذلك الوطن.

وفي مرحلة حكم حافظ الأسد تغيّرت السياسة الرسمية المتبعة نحو الكرد على صعيد الشكل فقط، ولكنها ظلت سياسة البعث نفسها، وذلك انسجاماً مع حرص حافظ الأسد على إيجاد صيغة من التكامل بين أدوات سلطته، وهي الجيش والأجهزة الأمنية وحزب البعث كواجهة سياسية. فحزب البعث كتنظيم استخدمه حافظ الأسد ليتمكن من خلاله التحكم بمفاصل الدولة والمجتمع في جميع المناطق السورية. في هذه المرحلة خففت إجراءات القمع والإذلال التي كانت تمارس بحق الكرد بهدف منعهم من التعبير عن مشاعرهم القومية، أو ردعهم عن أية مطالبة بحقوقهم القومية. ولكن السياسات والمشاريع التمييزية الأساسية ظلت، بل اعتمد المزيد منها، ويُشار هنا إلى مشروع الحزام. كما أن التهم التخوينية الجاهزة استمرت سيفاً مسلطاً على رؤوس الناشطين الكرد أمام محاكم أمن الدولة في ظل حكم حافظ الأسد القمعي. هذا مع العلم أن ما كانوا يطالبون به لم يكن يتجاوز حدود المطالب التي باتت في عالم اليوم من البدهيات. فقد كانوا يطالبون برفع الظلم والاضطهاد، ويدعون إلى الاعتراف بالحقوق القومية العادلة ضمن إطار وحدة الوطن والشعب السوريين.

وفي بداية الثمانينات، وبعد أن تمكن حافظ الأسد من تثبيت أركان حكمه في الداخل السوري، عمل من أجل تحصيل دور إقليمي في مواجهة خصمه اللدود صدام حسين الذي كان ينافسه على قيادة العمل العربي، وذلك بعد إخراج مصر من جامعة الدولة العربية في عهد أنور السادات، وتراجع دورها حتى بعد عودتها في عهد حسني مبارك. فقد أراد الأسد السيطرة على الورقة الفلسطينية، وكذلك ورقة المعارضة العراقية، والورقة اللبنانية؛ كما عمل على استغلال الورقة الكردية في المنطقة ليستخدمها ضمن أدواته الإقليمية. ومن هنا كان تفاهمه مع حزب العمال الكردستاني الذي سمح له بتشكيل تنظيماته السياسية والعسكرية، وفتح له المعسكرات سواء في البقاع اللبناني أم في محيط دمشق. كما سمح له بالتحرك بحرية في مختلف المناطق الكردية السورية، خاصة في عفرين، رغم مطالبة الحزب المعني في ذلك التاريخ بتحرير كردستان الكبرى، بينما كان نظام حافظ الأسد نفسه يقمع الناشطين الكرد الذين كانوا يطالبون بإعادة الجنسية السورية إلى المواطنين الكرد السوريين وهي التي كانوا قد حرموا منها بموجب الإحصاء الاستثنائي الذي أجري حصراً في محافظة الحسكة عام 1962، وتبنّى نظام البعث نتائجه في عام 1965.

ولكن في ما بعد أضطر حافظ الأسد إلى إخراج عبدالله أوجلان من سوريا في اواخر عام 1998 نتيجة الضغط التركي، وربما الأمريكي أيضاً؛ ولكن النظام الأسدي، خاصة في مرحلة بشار، ظل محتفظاً بعلاقاته الأمنية مع التنظيم، بصورة مباشرة غير معلنة عبر واجهته حزب الاتحاد الديمقراطي، وهو من بين الأحزاب التي شكلها حزب العمال الكردستاني في كل من سوريا والعراق وإيران، في سياق ما طرا على سياساته بعد اعتقال أوجلان من متغيرات جذرية، خاصة بعد افادات اوجلان أمام المحكمة التركية.

كما احتفظ النظام المعني بعلاقة غير مباشرة مع قيادة حزب العمال في قنديل عبر النظام الإيراني، وربما عبر غيره، وذلك على خلاف ما كان قد التزم به بموجب اتفاقية أضنة الأمنية مع تركيا عام 1998.

ومع بداية الثورة السورية، وربما قبل انطلاقتها، عاد الأسد الابن إلى دفاتر نظامه القديمة، وفعّل علاقاته مع حزب العمال الكردستاني من جديد، وأدخله عبر واجهة حزب الاتحاد الديمقراطي إلى المناطق الكردية، بقصد ضبطها، ومنعها من التفاعل بصورة كاملة مع الثورة السورية؛ وذلك بعد المظاهرات الكبيرة التي عمّت مختلف المدن والبلدات ذات الغالبية الكردية؛ وكانت المشاركة الكردية فيها هي الطاغية من جهة النسبة، مقابل مشاركة رمزية محدودة العدد من جانب المكونات الأخرى. ومنذ ذلك الحين لاحظنا بوضوح وجود خطة لإثارة خلاف كردي – عربي عبر افتعال الحوادث في مناطق مختلفة منها تل حميس وتل براك، وسري كانيي/ رأس العين، والحسكة، والهجوم الداعشي على كوباني، وعرض الجثث بصورة فظيعة مقيتة في عفرين.

ولكن العلاقات الكردية العربية على المستوى المجتمعي لم تتأثر سلبا رغم كل الجهود التي كانت من جانب المتطرفين والمتشددين العرب والكرد، ومن جانب أولئك الذين كانوا يفتعلون الأحداث تلبية لأمور كانوا قد كلفوا بها. ومن الملاحظ أن المتطرفين العرب كانوا غالباً من البعثيين ومن المرتبطين بالأجهزة الأمنية، أما المتطرفون والمتشددون الكرد، فقد كانوا من المتأثرين بالاتحاد الديمقراطي، وماكينته الإعلامية، وحتى من جانب المرتبطين بأجهزة النظام الأمنية التي تعمل بين الكرد، خاصة ضمن الأحزاب.

ولكن الأمر الذي كان وما زال يستوقف هو تمكن هؤلاء المتطرفين المتشددين من استمالة بعض النخب السورية الثقافية والسياسية المعروفة، من الذين يعبرون أحياناً عن مواقف لا تستقيم مع تاريخهم، ونظرتهم إلى الواقع السوري وسبل معالجة قضاياه ومشكلاته.

ويشار هنا إلى البيان الذي صدر مؤخراً تحت عنوان: “بيان إلى الرأي العام من شخصيات وتشكيلات سورية في المنطقة الشرقية بخصوص تفاهمات الأحزاب الكردية على مستقبل الجزيرة السورية”. وقد وقع عليه عدد لافت من الأشخاص معظمهم من خارج المنطقة الشرقية.

وهو بيان محوره تخمينات واستباق لتوافقات لم تتم حتى الآن، وعلى الأغلب لن تتم رغم الاعلان مؤخراً عن توافق مبدئي بين تشكيل مبهم ظهر فجأة تحت اسم “أحزاب الوحدة الوطنية الكردية” محركه الفعلي حزب الاتحاد الديمقراطي، والمجلس الوطني الكردي، وذلك لتعارض المواقف والحسابات بين الطرفين المعنيين. فالأول ينفذ أجندات تخص تحالفاته الإقليمية واستخداماته الدولية. في حين أن الثاني، على الرغم من كل الملاحظات حوله مستوى أدائه، له مشروع خاص بالكرد السوريين عموماً، وهو مشارك في مؤسسات المعارضة الرسمية سواء الائتلاف أم الهيئة العليا للتفاوض.

والأمر الذي يستوقف في هذا المجال، هو أن العديد من الموقعين على البيان كانوا على صلة جيدة مع هيئة التنسيق، وربما ما زالوا؛ وهم على معرفة تامة بأن حزب الاتحاد الديمقراطي كان عضواً فاعلاً في هيئة التنسيق، وذلك في الوقت الذي كان يعتدي على المتظاهرين الكرد السوريين المتفاعلين مع الثورة، ومثال عامودا صارخ في هذا المجال.

بل أن بعضهم كان يمني النفس بإمكانية اداء دور محوري من خلال قسد، وهناك من تفاخر يوماً بأن قسد تسيطر على نسبة المساحة الأكبر من الأرض السورية خارج حدود سيطرة النظام، وبالتالي يحق أن يكون له الرأي الأكثر وزناً في كل شيء.

ومما يستوقف في بيان “شخصيات المنطقة الشرقية” أنه في الوقت الذي يهاجم “الإدارة الذاتية” التي أعلنها حزب الاتحاد الديمقراطي- الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني من طرف واحد، وبقوة الأمر الواقع؛ ويعبر عن رفضه للمفاوضات الجارية بإشراف أمريكي مباشر؛ يعلن عن استعداد الموقعين عليه للتعاون “مع الحكومات الأمريكية والفرنسية وباقي الدول الصديقة” للإسهام في عملية تأمين عودة اللاجئين والمهجرين الآمنة والطوعية إلى المناطق التي هجروا منها؛ ولكن من دون أن يتحدث البيان عن الآليات والضمانات، والقدرات التي من شأنها تنفيذ هذه المبادرة على الأرض.

والطريف الذي لابد أن يُذكر في هذا المجال هو أن العديد من الموقعين على هذا البيان لم يدينوا دولة داعش، رغم المطالبات الكثيرة التي كانت في بدايات الإعلان عنها. الأمر الآخر الذي يثير التساؤل، ويطرح الكثير من الهواجس، هو أن البيان يُظهر أهمية اختيار “الشركاء الجيدين” في سياق تناوله لموضوع أهمية التعاون بين كافة المكونات السورية، وهذا مصطلح  يحتمل تفسيرات عدة متناقضة، كان من الضروري بمن روج للبيان من المثقفين والأكاديميين أن يتنبهوا له.

بقي أن نقول: إن منطقة الجزيرة هي في نهاية المطاف منطقة سورية، تتميز بتنوعها القومي والديني والمذهبي. ولن تحل مشكلاتها، ولا مشكلات سوريا بعقلية المحامين التي تتمثل في إصرار كل فريق على اختيار دلائله وحججه التي تثبت أحقيته وأسبقيته؛ وذلك بطريقة انتقائية. فهناك مشكلات واقعية قائمة لا بد من معالجتها بمشروع وطني يحترم الخصوصيات، ويعترف بالحقوق، ويطمئن كل السوريين من دون أي تمييز أو استثناء على قاعدة ضمان المشاركة العادلة في الإدارة والموارد؛ وهذا لن يتم ما لم تقطع نخبنا مع المنظومة المفهومية البعثية القوموية التي رسختها سلطة الاستبداد على مدى عقود، حتى باتت في منظور بعضهم صيغة من صيغ المسلّمات التي لا تقبل أي جدل أو تشكيك.

===========================

عن قانون قيصر

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 20/6/2020

تتضارب آراء من تابعوا قانون قيصر واجتهاداتهم، فمن قائل إن الهدف الوحيد للقانون معاقبة الشعب السوري، إلى قائل إنه (القانون) لن يترك أي أثر على السوريين. وفي الحالتين، تتم مناقشته من خارج رهانه الرئيسي الذي ليس اقتصاديا، بل هو محض سياسي، وإن استخدم وسائل وأدوات اقتصادية، لاعتقاد من أصدروه أنها كافية لتحقيق هدفهم السياسي: تطبيق القرار 2254 في الحل السياسي الذي وافق مجلس الأمن الدولي عليه بالإجماع، وأعلن الأسد قبوله، لكنه رفض تنفيذه والالتزام بجداوله الزمنية، ولو قبل بتنفيذه، لتحقق السلام منذ ثلاثة أعوام، ولما خسر السوريون مئات آلاف الأرواح، وعانت ملايينهم التهجير والتجويع، ويتحمل بشار الأسد وحده المسؤولية عن قتلهم وموت أطفالهم جوعا ومرضا. وكان حله الحربي قد غدا وهميا، والقرار الأممي كان يلزمه بوقف إطلاق نار مدته ستة أشهر، توصف بأنها جزء من عملية السلام يمنع انتهاكه لأي سبب، لكن الأسد انتهكه، واعتبره منعدم الصدور، لأن بنوده تخدم جميعها الشعب السوري، على العكس مما يدّعيه مناهضوه الذين يزعمون أنه يستهدف الشعب، كأن إطلاق سراح المعتقلين ضد مصلحة الشعب السوري، ومثله إيصال المساعدات الإنسانية إلى من يحتاجونها من دون قيود، بغض النظر عن أماكنهم ومواقفهم، أو رفع الحصار عن مناطق يعيش فيها ملايين السوريين، وكتب جيش الأسد على أسوارها: الجوع أو الركوع، أو وقف قصف المناطق المدنية بجميع أنواع الأسلحة، وخصوصا الكيميائية منها، أو تفتيش السجون بحثا عن مئات آلاف المفقودين أو إحالة القتلة إلى محاكم دولية ... إلخ.

يتجاهل الذين يدّعون أن الشعب هو المستهدف بقانون قيصر هذه الحقائق التي لو طبقت لكان الأسد خارج السلطة اليوم. ويتجاهلون أيضا أن آلام الشعب لن تبدأ مع القانون الذي يستثني المواد الغذائية والطبية من عقوباته، ومناطق تضم سبعة ملايين سوري لا يخضعون للأسد، ويتجاهلون أخيرا ما تعرّض له الشعب الذي يدّعون الدفاع عنه من قصفٍ وتدميرٍ وتهجير واعتقال وتعفيش خلال الأعوام العشرة الماضية، في ظل "قانون بشار" الذي دمّر دولة سورية ومجتمعها، وكان من جديد مآثره إحراق مساحات شاسعة من حقول القمح في السويداء، ردا على مظاهراتها ضده، ومثلها في دير الزور، ونشر آلاف الحواجز المخابراتية والعسكرية في كل مكان من سورية، لنهب السوريين على الطالعة والنازلة، إلى جانب تحكيم الفاسدين والتافهين فيهم، بشهادة أبناء الساحل الذين اتهموهم في لقاء مع قناة الجزيرة بوضع سورية في جيوبهم بالفساد، ومصّ دمها. ومن يتأمل أسماء الأثرياء الجدد الذين اغتنوا، بعد تجويع ملايين المواطنين وتهجيرهم، يصاب بالذهول لكثرة عددهم، ولما يمتلكونه من ثرواتٍ بالشراكة مع أسرة الفساد الحاكمة، التي تعتبر الدولة مزرعة لها، والسوريين عبيدا يحق لها انتزاع لقمة الخبز من أفواه أطفالهم.

يتحمل الأسد وحده المسؤولية عن السنوات الخمس من الجوع والموت، والتي رفض خلالها تنفيذ قرار دولي أعلن قبوله ببيان رسمي. وسيتحمّل من الآن نتائج قانون قيصر الذي منحه مهلة ستة أشهر ينفذ خلالها قرار مجلس الأمن 2254، فلا يطبق القانون عليه، لكنه أهدرها لاعتقاده أنه سيتمكّن من احتواء آثاره، برميها اقتصاديا ومعيشيا على الشعب، وبجني عائدٍ سياسيٍّ منها عبر تقديم نفسه للسوريين مظلوما مثلهم، يستهدفه مدبّرو "المؤامرة الكونية" التي لا تستهدفه وحده، وتعرّضهم لعقوبات ظالمة لا يستحقونها. وبينما يتحامى به، يسير على نهج أبيه الذي أورثه سياسةً كان قد عبر عنها خلال سجال طالبه بإرخاء قبضته عن عنق الشعب، بقوله: إن نالوا الحرية ثاروا.. وأضاف: جوّع شعبك يتبعك، مستبدلا كلمة "كلبك" بكلمة "شعبك".

===========================

موقفنا : الذكرى الأربعون لمجزرة سجن تدمر الرهيب .. السابع والعشرون من حزيران / 1980 .. المجزرة المؤسسة لكل ما كان بعد

زهير سالم

مركز الشرق العربي

27/ 6/ 2020

كانت التجربة الأولى ليحصل حافظ الأسد ومن بعده ابنه بشار على تفويض عالمي بقتل السوريين ، وسفك دمائهم بالطريقة التي يريد ..

وكل ما كان بعد إنما تم بموجب ذلك التفويض وذلك الترخيص . من تدمر إلى حماة إلى جسر الشغور إلى حلب إلى حماة مرة أخرى إلى أرخبيل المجازر التي عجز عن تتبعها المتابعون ،، ووصفها الواصفون ، وإحصاء ضحاياها العادون ....

مجزرة بعد مجزرة في مسلسل " ألف مجزرة ومجزرة " وكله يجري بشراكة وبتواطؤ ؛ هذا روسي مقيت ، وذاك شيعي شعوبي حاقد ولئيم ، وثالث ..ورابع وخامس كلهم في دمانا قد ولغوا ، ولقاتلنا قد دعموا وأيدوا ..!!

أربعون سنة على المجزرة الرهيبة ، وعلى الجريمة الربداء ، لم نسمع ممن يحملون لواء القانون الدولي ، والمنظمات المزعومة أو المدعومة ، من يسأل المجرم يوما : فيمَ ؟! ولمَ ؟!

وبعد كل ، الذي كان يدرك السوريون اليوم أنه

لا جدوى من الاحتجاج ، ولا فائدة من التنديد ، وأن لا ينتظروا الرحمة من ظالم ، ولا العدل من عدو .. وأن يسألوا مولاهم : الثبات على الأمر ، والعزيمة على الرشد . والمضي على الصراط المستقيم .

وأشد وقعا على النفوس من كل ذا أن كل الدروس المعادة المكرورة ما تزال تستعجم على بعض الناس !!

بعض الذين لا يميزون بين ضحية وجلاد ..

بعض الذين لا يزالون يلومون الضحايا لأن الدماء التي شخبت من أوردتهم المقطوعة كانت حمراء ..

بعض الذين لا يزالون يحتجون لأن الشهداء استقبلوا سكين الضحية أو حبل المشنقة بكلمة التكبير : الله أكبر .. أو بشهادة أن لا إله إلا الله ..

في زمن العجائب ، زمن الفتن ، الذي تدان فيه الضحايا ، ويصفق فيه للجلاد .

ما زلنا هناك، وراء أسوار تدمر ، صبيحة السابع والعشرين من حزيران / 1980

نستذكر الوجوه ، ونسمع الأصوات ، نحفظ الملامح ونعرف الأصوات والوجوه والبصمات ..

ما زلنا نرى شلال الدم المتصبب علوا حتى يصنع الغد الأجمل لكل لسوريين ..

ونلاقي التكبير بالتكبير .. الله أكبر يا بلادي كبري ..

اللهم ارحم شهداءنا ، وتقبلهم وتقبل منهم ...

واجبر كسر قلوب آلمها قتلهم ..

واخلف الشام في بنيها خيرا .. وعوضها بدماء شهدائها نصرا وعزا وتمكينا

( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا )

__________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

افهم يا غبي: قانون قيصر بمباركة روسية

 د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 20/6/2020

لا أدري لماذا يغيب عن بال المحللين والمتابعين لمسيرة قانون قيصر وتبعاته وآثاره أن القانون في حقيقة الأمر ليس لمعاقبة روسيا ومنعها من مساعدة الأسد.

من المضحك أن تسمع البعض بعد دخول قيصر حيز التنفيذ في السابع عشر من هذا الشهر وهم يشمتون بالرئيس الروسي لأنه سيكون أكبر المتضررين من القانون الأمريكي. يا سادة يا كرام، من قال لكم أصلاً إن أمريكا تريد معاقبة الروس على التدخل في سوريا؟ هل كانت موسكو تحلم أصلاً بالهيمنة على سوريا لولا الضوء الأخضر الأمريكي والإسرائيلي حصراً؟ لقد جاء الغزو الروسي لسوريا في الثلاثين من سبتمبر/ أيلول من عام ألفين وخمسة عشر بعد عشرات اللقاءات بين الإسرائيليين والروس، وبعد أيام قليلة فقط من اللقاء التاريخي بين بوتين والرئيس الأمريكي وقتها باراك أوباما على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، وبعدها مباشرة دخل الروس إلى سوريا بقوة.

ولو لم تكن إسرائيل راضية ومباركة للتدخل الروسي لما استطاعت موسكو إرسال جندي أو طائرة واحدة إلى سوريا. ومن المعروف أن الروس بالإضافة إلى الحصول على ممر تاريخي إلى المياه الدافئة عبر سوريا، فهم جاءوا من أجل المصلحة الإسرائيلية وحماية إسرائيل تحديداً كما أعلنوا هم وليس غيرهم بشكل مباشر. لقد أدركت إسرائيل في لحظة ما أن الوضع في سوريا سيخرج عن السيطرة، ولو سقط النظام لانهارت سوريا تماماً، ولتحولت إلى أخطر من أفغانستان، وهو أمر ليس مسموحاً به على حدود إسرائيل. صحيح أن تل أبيب تريد نظاماً وبلداً مهشماً وضعيفاً على حدودها لعشرات السنين، لكنها تريد في الآن ذاته الحفاظ على الدولة السورية ليس من أجل مصلحة السوريين، بل من أجل أن تضبط الأوضاع في جارتها ومن أجل أن تحمي الحدود الإسرائيلية. باختصار شديد ليس من مصلحة إسرائيل حدوث انهيار شامل في سوريا. وبالتالي فإن الروسي دخل بمباركة إسرائيلية أمريكية. ولهذا لا داعي لمعاقبته بقانون قيصر، فهو متفق مع الأمريكي على كل التفاصيل داخل سوريا. وهل نسيتم اتفاق كيري-لافروف الشهير والاتصالات المكوكية بين وزيري خارجية روسيا وأمريكا لأشهر وأشهر؟ كلها كانت تجهز الوضع في سوريا لما هو عليه الآن.

وهل نسيتم أيضاً أن قانون قيصر بمجمله يرتكز كلياً على تطبيق اتفاق جنيف رقم 2254 الذي رعاه الأمريكيون والروس وهندسه وزيرا خارجية البلدين؟ لا شك أن موسكو استخدمت الفيتو مرات ومرات في مجلس الأمن ضد أي قرار بخصوص سوريا لا يناسب المصلحة الروسية، لكنه بات معلوماً للجميع أن أمريكا كانت سعيدة بكل الاعتراضات والفيتوات الروسية بشأن سوريا، لأن الطرفين متفقان أصلاً طالما أن الروس يزايدون على الأمريكيين في خدمة المصلحة الإسرائيلية في سوريا. أما بالنسبة لاتفاق جنيف لاحظوا أن روسيا كانت أكبر المباركين والراعين له، ولم تستخدم ضده أي اعتراض. والآن يأتي قانون قيصر الأمريكي لفرض تطبيق اتفاق جنيف الروسي ـ الأمريكي في سوريا وإنجاز الحل السياسي الذي ظن النظام أنه أصبح من الماضي بعد أن حماه الروسي من السقوط.

لا شك أن الروس الآن يرحبون بقانون قيصر، فهو بالأصل ليس موجهاً ضدهم، ولا ننسى أنهم أخذوا كل ما يريدون من سوريا، وقبل أسابيع قليلة فقط من تطبيق القانون استولوا على مساحات شاسعة من سوريا تفوق مساحة لبنان بمرتين في الساحل السوري

لا شك أن الروس الآن يرحبون بقانون قيصر، فهو بالأصل ليس موجهاً ضدهم، ولا ننسى أنهم أخذوا كل ما يريدون من سوريا، وقبل أسابيع قليلة فقط من تطبيق القانون استولوا على مساحات شاسعة من سوريا تفوق مساحة لبنان بمرتين في الساحل السوري. وهم لم يأتوا أصلاً للحفاظ على الأسد، بل من أجل مصالحهم ومصالح إسرائيل حصراً. وبالتالي لا يهمهم الآن ماذا سيفعل قيصر بالنظام وبالسوريين، فهم خارج القانون أصلاً، ويريدون كالأمريكيين والإسرائيليين حلاً في سوريا الآن يضمن مصالحهم ومصالح شركائهم بعد أن تحقق المطلوب في سوريا.

هل فهم بشار الأسد اللعبة الروسية الآن؟ لا أعتقد، وحتى لو فهمها فهو لم يتعلم من التاريخ مطلقاً، ومازال يعاند ويكابر كما فعل مرات ومرات من قبل ثم ركع صاغراً بعد فوات الأوان. واليوم يكرر نفس السيناريو. ومعروف عنه أنه دائماً يعاند ويمانع في وجه أمريكا ثم يركع تحت التهديد. أنت يا بشار تكرر الآن تماماً الفعل الغبي الذي قمت به في لبنان بعد اغتيال الحريري. قالوا لك انسحب بكرامتك ووعدك الملك عبد الله بأفضل وداع لجيشك. ولم تستجب. وبالنهاية خرجت بالصرماية. قالوا لك يجب أن نحقق مع الضباط السوريين المتهمين باغتيال الحريري. كابرت واستنكرت وهوبرت. وبالأخير صرت تترجى الملك عبد الله آنذاك كي يذهب الضباط إلى جنيف للتحقيق معهم بضمانة سعودية. والآن يتكرر الشيء نفسه. وبعد عدة أشهر من دخول قيصر حيز التنفيذ، وبعد أن تشعر بالسخن ستبدأ تترجى هذا وذاك كي تنفذ ما طلبوه منك من قبل ورفضته، لكن هذه المرة مع فارق بسيط وهو أن سندك الروسي متفق مع الأمريكي وسندك الإيراني سيذوق الويل مثلك من تبعات قانون قيصر. تعلم أيها الغبي!

ولا تنس أن لعبة الوقت التي أجادها نظامك ومن قبلك أبوك بشكل رائع لم تعد متاحة الآن، فالوقت أصبح فعلاً كالسيف بالنسبة لك، سيقطعك لا محالة، فكل الدول الخليجية الغنية التي كنت تراهن عليها لإنقاذ اقتصادك المتهاوي هي الآن تعاني مالياً بسبب انهيار أسعار النفط، ولا يمكن أن تنقذك، ناهيك عن أن قانون قيصر وجه تهديدات صارخة لأي دولة عربية يمكن أن تساعدك أو تتعامل معك. وإذا كنت تراهن على الانتخابات الرئاسية القادمة في عام 2021 وعلى مخابراتك لتجنيد الشارع زوراً وبهتاناً مرة أخرى كي تعود إلى السلطة، فهذا بعيد عن أسنانك، فقد فعل قانون قيصر فعله باقتصادك خلال أيام، مما جعل مؤيديك قبل معارضيك يشتمونك ليل نهار، فكيف سيكون وضعك بعد عام في ظل قانون قيصر، لا شك أن زوجتك نفسها لن تصوت لك بعد أن يكون الوضع المعيشي صار أكثر من كارثي.

أما مسيرات التأييد التي تفتعلها مخابراتك في ظل هذه الظروف الكارثية التي تعيشها سوريا فهي لا يمكن أن تقنع أحداً، فأكثر الذين يعانون منك ومن العقوبات الآن هي حاضنتك الشعبية في الساحل، ولا يمكن لأحد أن يصدق أن أحداً يريد أن يصفق لك أو يعيدك إلى السلطة مهما كلف الأمر. ولعل أفضل توصيف للمسيرات المؤيدة التي ترتبها مخابراتك القميئة هذه الأيام تذكرنا بالسفينة المهزومة في عُرض البحر حيث تهرب مسرعة، لكنها تطلق النار إلى الخلف وهي هاربة كنوع من المكابرة المضحكة.

دعني أقول لك باختصار: طريقك مسدود مسدود يا ولدي. كش مات.

===========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com