العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 28-04-2019


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

 

بالأرقام.. هذه هي الفاتورة التي يدفعها الأسد لروسيا الآن

أحمد طلب

ساسة بوست

الخميس 25/4/2019

لم يعد سطو الروس على ثروات الشعب السوري أمرًا جديدًا؛ فمنذ بداية الحرب السورية تتمدد السيطرة الروسية عسكريًا بشكل واضح، وهذه السيطرة كان لابد أن تترجم اقتصاديًا في وقت من الأوقات، وهو ما حدث ويحدث الآن على أرض الواقع، لكن السؤال الآن إلى أي مدى وصلت هذه السيطرة؟ وهل هي سيطرة مؤقتة أم أنها قد تستمر لمدة طويلة؟ وهل هي فاتورة يدفعها الأسد لروسيا مقابل بقاء نظامه؟

يمكن القول إن هذه المعركة الاقتصادية لا تقل شراسة عن المعارك العسكرية الطاحنة المستمرة في البلاد منذ عام 2011، لكن الربح هنا يتوقف على الأجل، فكل ما كانت السيطرة ذات آجال طويلة كانت أرباح الروسيين كبيرة، وفي المقابل ستكون خسائر السوريين أكبر في المستقبل؛ فروسيا الآن من خلال العقود التي توقعها مع نظام الأسد ستكون حاجزًا أمام الاقتصاد السوري، وأي حكومة سورية مستقبلية قد ترغب في التخلص من آثار الحرب المدمرة، خاصة في ظل الديون الضخمة المستحقة لروسيا على سوريا.

وخلال السطور القادمة سنحاول الحديث عن بعض الثروات التي وضعت روسيا يدها عليها، وذلك من خلال أربعة عناصر رئيسة، ولكن قبل ذلك يجب أن نشير إلى أن بعض التحليلات تتحدث عن أن تتمدد السيطرة الروسية على أهم ثروات الشعب السوري هي لتحصيل الديون، والقروض، وثمن النفط، والأسلحة التي منحها الروس لنظام الأسد خلال سنوات الحرب، إلا أن مقدار هذه الديون غير معلن ولا توجد تقديرات متماسكة لهذه الديون.

ووفق بحث حديث نشر للباحث السوري سنان حتاحت على موقع «معهد تشاتام هاوس» البريطاني فإن «موسكو تسعى للحصول على تعويض جزئي عن تدخلاتها العسكرية في سوريا، وتتبع أسلوبًا لانتهاز الفرص بالسوق السورية»، وتأتي مساعي روسيا للحصول على تعويض نفقاتها العسكرية من خلال السيطرة على الموانئ، واستخراج النفط والغاز والفوسفات والموارد المعدنية الأخرى كما سنوضح لاحقًا.

1. ميناء طرطوس.. نصف قرن من السيطرة تنتظر الروس

في 20 أبريل (نيسان) الجاري كشف نائب رئيس الوزراء الروسي، يوري بوريسوف بعد لقائه مع رئيس النظام السوري بشار الأسد عن أن الحكومة السورية قد تؤجر خلال الأسبوع القادم «ميناء طرطوس» على ساحل البحر الأبيض المتوسط لروسيا لمدة 49 عامًا، مشيرًا إلى أن الجانبين حققًا «تقدمًا ملحوظًا» في مسألة تأجير روسيا لـ«ميناء طرطوس» من أجل استخدامه من قبل قطاع الأعمال الروسي.

وفي 23 أبريل الجاري أعلن وزير النقل بالنظام السوري علي حمود أن الاتفاق الذي تم يقدر بنحو 500 مليون دولار، كما تم الاتفاق مع الشركة الروسية على عدم الاستغناء عن أي عامل من العاملين في الميناء، وأوضح أن الشركة ستعمل على رفع استيعاب الميناء إلى مليوني حاوية سنويًا، مقارنة بـ15 إلى 20 ألف حاوية حاليًا.

في الواقع تسيطر روسيا على الميناء منذ 2017، وذلك على إثر اتفاقية بشأن نشر مركز للإمداد المادي التقني للبحرية الروسية في «ميناء طرطوس»، بالإضافة إلى أن موسكو قد أنشأت قاعدة عسكرية بحرية في طرطوس تستوعب سفنًا حربية كبيرة. ويعتبر الميناء الأكبر في سوريا، ذا أهمية اقتصادية بالغة إذ يشغل حاليا مساحة 3 مليون متر مربع، منها 1.2 مليون متر مربع مساحة الأحواض المائية، و1.8 مليون متر مربع مساحة الساحات والمستودعات والأرصفة، بما فيها من مخابر لتحليل المواد العابرة، ناهيك عن صوامع الحبوب التي تستوعب 100 ألف طن، وصوامع فوسفات بطاقة استيعابية 88 ألف طن.

ويعود عمر الميناء إلى مايو (أيار) 1960؛ إذ تم تصميمه من قبل شركة «كامب ساكس» الدانماراكيه المتخصصة، وقام ببنائه مجموعة شركات عربية وأجنبية، بينما يتمتع بموقع استراتيجي مهم بالنسبة للمحافظات السورية والدول المجاورة، وهو مربوط بشبكة خطوط حديدية وطرق برية مع كافة المحافظات السورية والدول المجاورة حتى الخليج العربي وإيران؛ ما يعني أن السيطرة على الميناء بمثابة سيطرة على كثير من الاقتصاد محليًا وعلى مستوى التجارة الخارجية.

وفي الوقت الذي ينظر البعض إلى خبر تأجير روسيا للميناء لهذه المدة الطويلة على أنه يهدف إلى تعزيز حضورها الاستراتيجي في سوريا لتأكيد مكانتها لدى الأطراف الإقليمية والدولية في أي شأن يتعلق بمستقبل سوريا، يجب القول إن المكانة الاقتصادية للميناء تجعل من روسيا رقمًا صعبًا في المعادلة السورية، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي، وبمعنى آخر فإن المكانة الاقتصادية للميناء ستعزز من وجود روسيا في أي سيناريو محتمل ينتظر سوريا في المستقبل.

الأمر نفسه أكدته صحيفة «آسيا تايمز» الصينية؛ إذ صورت الصحيفة سيطرة روسيا على طرطوس على أنها نية واضحة من الروس للبقاء في سوريا، باعتبارها القوة العسكرية الوحيدة على طول ساحل البحر المتوسط.

2. الثروة الأهم في سوريا.. أكبر مناجم للفوسفات في قبضة الروس

لا يقتصر التواجد الروسي على الموانئ فقط، ولكن سبق أن سيطرت روسيا على الثروة الأهم في سوريا وهي الفوسفات، إذ إن سوريا كانت تحتل المرتبة الخامسة عالميًا على قائمة الدول المصدِّرة للفوسفات وذلك حتى عام 2011 قبل اندلاع الحرب، ففي 2017 أعلن دميتري روغوزين، نائب رئيس الوزراء الروسي، أن روسيا وسوريا اتفقتا على إنشاء مشغل واحد لاستثمار أكبر مناجم الفوسفات في سوريا وتوريد المنتجات منه.

تشير التقديرات إلى أن الاحتياطي الموثوق به للفوسفات في البلاد يقدر بنحو ملياري طن، لكن واقعيًا لم تتجاوز كميات الإنتاج قبل الحرب مستوى الـ3.5 مليون طن سنويًا، وترجع السيطرة الروسية على الفوسفات الروسي إلى أبريل 2017، عندما وقَّع النظام السوري عقدًا مع شركة روسية، بهدف تنفيذ أعمال الصيانة اللازمة لمناجم «الشرقية» و«خنيفيس» الأكبر في البلاد، وتقديم خدمات الحماية والإنتاج والنقل إلى مرفأ التصدير «سلعاتا» بلبنان، وباشرت الشركة عملها بالفعل في يونيو (حزيران) 2018.

وذلك بعد أن أقر مجلس الشعب السوري العقد الموقع بين المؤسسة العامة للجيولوجيا والثروة المعدنية و«ستروي ترانس غاز»، ومنع العقد الشركة الروسية حق استثمار واستخراج خامات الفوسفات من مناجم الشرقية في تدمر، لمدة 50 عامًا، على أن تكون حصة المؤسسة 30% من كمية الإنتاج، مع دفع قيمة ثمن كميات الفوسفات المنتجة، إضافة إلى سداد قيمة أجور الأرض والتراخيص وأجور ونفقات إشراف المؤسسة والضرائب والرسوم الأخرى والبالغة بحدود 2%.

3. إعادة إعمار سوريا.. هكذا تُجمع الغنائم

ينظر المراقبون إلى إعادة إعمار سوريا على أنه شكل من أشكال توزيع الغنائم بين حلفاء الأسد؛ إذ تحتكر روسيا وإيران معظم عقود إعادة الإعمار، فقد وقعت موسكو في أكتوبر (تشرين الثاني) 2017؛ «بروتوكول الدورة العاشرة للجنة الحكومية السورية الروسية المشتركة للتعاون الاقتصادي والتجاري والعلمي التقني»؛ إذ تم ذلك في منتجع «سوتشي» الروسي على ساحل البحر الأسود، وذلك في أولى الخطوات الروسية مع النظام لضمان حصص أكبر في إعادة الإعمار.

ووفق تقرير لصحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية فإن فاتورة إعادة الإعمار تتراوح بين 250 مليار دولار وفقًا للأمم المتحدة، و400 مليار دولار وفقًا للنظام السوري، إذ إن نسبة السوريين الذين يُعانون الفقر المُدقِع، أي يعيشون على أقل من 1.9 دولار يوميًا، تضاعفت منذ عام 2011 لتصل إلى 69% بحسب دراسةٍ مدعومةٍ من قِبَل الأمم المتحدة.

أما نسبة الأعمال التجارية التي أُغلِقَت أو نُقِلَت إلى خارج سوريا منذ عام 2009، فوصلت إلى قرابة 56% بحسب إحصائية البنك الدولي. بلغت نسبة البطالة 50% بحلول عام 2015، وفقًا لأحدث الإحصائيات، رغم استقرارها تحت نسبة 10% فقط عام 2010.

وكان تقرير لصحيفة «التايمز» قد ذكر أن روسيا وإيران هما أكبر المستفيدين من مشاريع إعادة الإعمار، وتتزعم روسيا دعوات الإسراع في إعمار سوريا، بينما كان ملف الإعمار هو محور حديث الأسد مع نائب رئيس الوزراء الروسي يوري بوريسوف، في 20 أبريل الجاري، فكما كشف بوريسوف فقد ناقش الطرفان مساهمة موسكو في إعادة إعمار سوريا؛ إذ عبر عن أن «الجهود التي نبذلها لإصلاح الدمار الذي أصاب الاقتصاد السوري ستكلل بالنجاح»، على حد تعبيره.

وفي إطار إعادة الإعمار وقع البلدين اتفاقيات في قطاعات الطاقة والصناعة والتبادل التجاري، وهذه الاتفاقات تستمر جميعها لآجال طويلة، وهو ما يعزز استفادة روسيا اقتصاديًا من هذه الاتفاقات، التي يمكن القول إنها بمثابة جمع لغنائم الحرب، ويصب في النهاية في مصلحة مساعي روسيا لتعزيز وجودها بسوريا، والمضي قدمًا في معركة استثمارات إعادة الأعمار، والحصول على أكبر قدر ممكن.

وهذا الأمر ليس محض توقعات، ولكن سبق أن صرح نائب رئيس الوزراء الروسي، دميتري روغوزين، أن دخول بلاده للاقتصاد السوري ليس «بصفة فاعل خير أو دولة مانحة»، وأنهم «لا ينوون التساهل فيما يخص مصالحهم وأرباحهم حتى وإن كان الأمر متعلقًا بسوريا».

4. الروس يحصلون على حق التنقيب عن النفط والغاز لربع قرن!

على الجانب الآخر سبق أن وقعت شركات روسية العديد من العقود مع النظام السوري على مستوى قطاع الطاقة، كان أبرزها عقد «عمريت» الذي يتيح لشركة «سبوز» التنقيب عن النفط والغاز لمدة 25 عامًا جنوب طرطوس، وصولًا إلى مدينة بانياس وبعمق شاطئ يقدر بنحو 70 كم، بمساحة تقدر بنحو 2200 كلم مربع.

بالإضافة إلى عقد آخر مع الشركة ذاتها للتنقيب عن النفط والغاز في حقل قارة بريف حمص، وهو أحد أغنى المناطق بالغاز الطبيعي، وفي نفس الإطار وقعت البلدين خلال اجتماعات اللجنة المشتركة التي عقدت بمدينة سوتشي الروسية خلال أكتوبر 2017 اتفاقات عديدة، وفي مقدمتها مشروعات تأهيل النفط والكهرباء.

وبدأت شركات روسية صيانة وتحديث المحطات الكهروحرارية، وسبق لشركة «ستروي ترانس غاز» أن بنت محطة لمعالجة الغاز الطبيعي في سوريا، مع بدء تشييد محطة ثانية بقدرة 1.3 مليار متر مكعب سنويًا، ووفق تقديرات أمريكية فإن الساحل الشرقي للمتوسط يحتوي على مخزون من الغاز يقدر بـ700 مليار متر مكعب، وهو ما يفسر اهتمام الروس بهذه المنطقة بشكل خاص.

على الجانب الآخر تشير مصادر إعلامية محسوبة على نظام الأسد إلى أن وزارة الصناعة تعاقدت مع شركة «ستروي ترانس غاز» الروسية لاستثمار معمل الأسمدة الوحيد الذي تملكه سوريا ومقره مدينة حمص؛ إذ تقضي شروط العقد بأن تقوم الشركة الروسية بإعادة تأهيل المعمل واستثماره لمدة تتراوح بين 25 إلى 40 سنة، قابلة للتجديد حسب رغبة الطرفين، وبحصة 35% للجانب السوري و 65% للشركة الروسية.

وتشير تقديرات إلى أن سوريا سوف تخسر أكثر من مليار دولار سنويًا، كانت تحققها من تصدير الفوسفات، وإنتاج الأسمدة، وبيعها في السوق الداخلية، بالإضافة إلى تصديرها، بينما المردود المتوقع بعد تسليم المعمل إلى روسيا فإنه لن يتجاوز 50 مليون دولار سنويًا.

===========================

موقفنا : إذا كان بشار الأسد قد انتصر ..فما هو حاله لو انكسر !!؟ .. لا بشار ولا الولي الفقيه ولا بوتين انتصر .. ولا الشعب السوري انكسر .. والله أكبر .. ولله العزة والكبرياء والحمد

زهير سالم

مركز الشرق العربي

27/ 4 / 2019

ينبي التصريح المنكر للرئيس الروسي بوتين عن أن بشار الأسد قد انتصر عن حقيقة أن الطغيان يُعمي ويُصم ويَصم .. !!

كما ينبي تصريح بوتين المنفصل عن الواقع الاستراتيجي والجغرافي والديموغرافي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي للدولة السورية ، عن حقيقة أن زعيم دولة في حجم الاتحاد الروسي أصبح مثل الشعراء الجوالين يجدفون بحقائق السياسة وأعينهم على البقرات السمان ..

إذ كيف يمكن لمسئول واقعي عاقل أن يصرح بانتصار " رئيس " وثلث بلده محتل من قبل عدو أمريكي لا طاقة بمواجهته حتى لبوتين نفسه ؟!

كيف يكون منتصرا من لا يزال طيران العدو الصهيوني يصبحه ويمسيه وهو وهن على وهن لا يملك أن يذب عن وجهه بعض الذباب ؟!

كيف يكون منتصرا من سلب المتغطرس الأمريكي منه الجولان ، إقليما من أرض " وطن " يزعم أنه حامية والمتسيد عليه ، وهو كأنه دمية لا حول ولا طول؟!

كيف يعد منتصرا من كان نصف أبناء المجتمع الذي يزعم أنه يحكمه مشردين في الآفاق ؟!

كيف يعد منتصرا من لا يجد الناس الذين يزعم أنه انتصر عنهم خبزا ولا دواء ولا كتابا ولا مدرسة ولا وقودا ولا صباحا ولا مساء ..

كيف يكون منتصرا من أجر ميناء طرطوس للروس ؟ وميناء اللاذقية للإيرانيين ، وأسلم آبار البترول للأمريكيين ، وسهول الخصب لعملائهم الآخرين ..؟

والسؤال للطاغية بوتين مع الاحترام إذا كان بشار الأسد فعلا قد انتصر فما هو حاله لو انكسر إذن ..؟!

والحديث دائما مع الطاغية مجرم الحرب بوتين وعملائه والمتواطئين معه صناع الشر أجمعين : قد تفرض المعارك على الشعوب بإرادة الطغاة ولكنها لا تنتهي أبدا بإرادة هؤلاء الطغاة ، وكما يريدون أو عندما يريدون .

إن معركة الشعب السوري المتطلع إلى الحرية والعدل والكرامة ، لم تنته ولن تنتهي إلا بالانتصار الذي يريده هذا الشعب الحر الأبي ، الانتصار الذي يحرر الإرادة والأرض ويطرد المحتلين ويغلق القواعد ويسترد الموانئ ..ويرد حجر الطغيان والمستعمرين من حيث جاء .

وها هو محور الشر العالمي الرهيب يؤذن بالتفكك . وهاهم مديرو لعبة الإرهاب حول العلم ، يكسرون عصيهم وأدواتهم . ستدور الأيام وتدول الدول ويعلم الذين تأمروا وطغوا وبغوا أن منقلب ينقلبون.

يؤكد السوريون لإيفان الرهيب أنهم غير معنيين به ولا بدستوره ولا بإعادة إعماره ولا بحلوله العسكرية التي يحلو له مع شركائه أن يتخابثوا فيسميها حلولا سياسية ..

لقد ذاب ثلج الإرهاب والإرهابيين ، وانفضحت لعبة الكبار منهم التي أداروها على صغارهم كما على أعناق المدنيين والأبرياء والمستضعفين ..

وسيعلم بوتين أن في سورية رجالا لم يرهم بعد .. لا في أستانا ولا في سوتشي ولا في جنيف ؛ سيستأنفون الطريق إلى النصر المبين ..

سيستأنفون الطريق إلى سورية العزيزة الكريمة الموحدة مجتمعا وأرضا .. ويومها سوف يتحدث العالم أجمع عن نصر السوريين الأحرار الأباة المبين ..

نقول لبوتين بالفم الملآن : إن العملاء والأجراء أبدا لا ينتصرون .. وإن الطغاة والجبارين ومجرمي الحرب قد ينتصرون ولكن حتى حين

وحين ينادي بوتين اليوم : أعل هبل ..

فإننا قادرون بإذن ربنا أن نرد قوله بقولنا : الله أعلى وأجل ..

وإننا بإذن الله لمنتصرون .. ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ..

الله أكبر .. الله أكبر ... الله أكبر ولله العزة والكبرياء والحمد

ــــــــــ

*مدير مركز الشرق العربي

===============================

ور نام نهادن”.. زهور على جسد الثورة السورية

عماد غليون

جيرون

الاربعاء 24/4/2019

يستحضر سلافوي جيجك في كتابه (سنة الأحلام الخطيرة) تعبيرًا رائعًا بالفارسية هو: “ور نام نهادن”، ويعني “أن تقتل شخصًا وتدفن جثته، ثم تُنمّي زهورًا حول جثته لتخفيها”.

يرى سلافوي ذلك معبرًا عن مهمة الأيديولوجيا المهيمنة، في تحييد البعد الحقيقي لثورات الربيع العربي، حيث لعب الإعلام المسيطر دور “ور نام نهادن”، من خلال قتل التحرر الجذري الكامن في الحراك، ثم تنمية الزهور فوق الجثة المدفونة.

رافق “ور نام نهادن” مراحل إجهاض الثورة السورية، في سلسلة منهجية من قتل الشعب وتهجيره، وتدمير البلاد والتفريط بالسيادة والاستقلال وسرقة الثروات الوطنية وإهدارها، وبات ممكنًا ضياع الخارطة السورية بكاملها كما كانت قبل 18 آذار/ مارس.

يبدو أن الإيرانيين كشفوا للأسد أسرارًا جديدة من “ور نام نهادن”، تجلى ذلك في طقوس غرائبية من الرقص والدبكة، ترافق كل انتهاك تتعرض له جثة الوطن السوري المتفسخة، ويعجز الطب النفسي عن فهم وتفسير مظاهر الفرح الاستفزازية المبالغ بها لدرجة تتجاوز حدود الوقاحة، ضمن طوابير الانتظار المذل أمام محطات الوقود، يتخطى ذلك وصف متلازمة ستوكهولم، وكما يبدو فإن سوريي الداخل باتوا متعايشين مع متلازمة خطيرة هي عبثية مفرطة تلعب دورًا إيجابيًا في استمرارهم على قيد الحياة، والتغطية على عجزهم في العثور على تفسيرات حتى ما ورائية لمصابهم الجلل، ويشوب ذلك حالة من العدمية، من جراء ممارسات أو ردات أفعال خلال سنوات، تعرضوا فيها لأخطار القتل والخطف والاعتقال والتهجير، وتهديدات مستمرة باحتمال التعرض لخسارة مقومات الحياة في أي لحظة ومن دون مقدمات.

في مواجهة حالات متوقعة من الشماتة، ظهرت لدى بعض سوريي الخارج من جمهور الثورة دعواتٌ لإبداء التعاطف مع أهل الداخل، ودعمهم في أزمات متنقلة متكررة يعانونها، ويدافعون عن وجهة نظرهم تلك من منظور وطني، إضافة إلى البعد الإنساني، ويدعون لتجاوز ردات أفعال سابقة من مؤيدي النظام، عند حصار مناطق الثورة والمعارضة بشكل جائر وقصفها بشكل همجي، ومظاهر الفرح والابتهاج التي أبداها كثيرون منهم، وفي الحد الأدنى عدم الاكتراث بما يحصل، على أمل أن ينسج ذلك خيوطًا جديدة من التواصل والتقارب بين السوريين.

تبدو أزمة المحروقات خانقة وغير مسبوقة، وينبغي عدم الوقوع في شراك التفاؤل المخادع، والاعتقاد بأنها تندرج ضمن خطة خارجية مبرمجة لإسقاط النظام الذي بات طفيليًا بالمطلق، وتستغل الأنظمة الدكتاتورية عادة الأزمات الناتجة عن الحصار المفروض عليها، حيث تعتاش عليها الطغمة الحاكمة والطبقة المحيطة بها.

تبدو دوافع حلفاء نظام الأسد واضحة في تكريس الأزمة، بدلًا من تقديم حلول فورية ناجعة لها، وهي تعمل على استغلالها، قبل بروز تموضعات جديدة في صراع المصالح الإقليمية والدولية على مائدة الملف السوري. وتريد إيران (التي تواجه هي الأخرى عقوبات أميركية شديدة) استعادة جزء من الفاتورة الضخمة التي دفعتها في سورية، بينما حصد الروس بالفعل مكاسب ضخمة، كان آخرها مرفأ طرطوس، بعد اللاذقية وقاعدة حميميم وامتيازات التنقيب الهائلة عن النفط والغاز قبالة الساحل السوري.

على خلفية الأزمة، ظهرت صراعات مصالح داخلية تجلت في اقتتال مباشر بين ميليشيات تابعة لروسيا وأخرى لإيران، كما تجري تصفيات بين رجالات المافيا الجديدة وتجار الحرب مثل قاطرجي وفوز، ضد حيتان الاقتصاد السوري التقليدية من آل الأسد ومخلوف وشاليش، وهو ما قد يفتت أو يضعف تماسك البنية الاقتصادية الداخلية الداعمة للنظام.

لم تنجح الثورة والمعارضة في إسقاط النظام عسكريًا أو سياسيًا، وربما كان خيار الحصار الاقتصادي مؤثرًا وفاعلًا، عندما عاشت الثورة زخمها الأقصى، لكن المعارضة لم تتبنَ ذلك الخيار بشكل واضح، لاعتقادها أن الفقراء وحدهم يدفعون فاتورة الحصار، كما أن دول الجوار العربي -الأردن ولبنان والعراق- خرقت الحصار منذ بدايته، وساهمت دولة الإمارات بشكل رئيسي في احتضان رجال أعمال ورؤوس أموال النظام المهربة وتبييض عملياته غير المشروعة، وتلقّى اقتصاد النظام دعمًا قويًا من التحويلات المالية بالعملة الصعبة، مقابل رسوم الجوازات وبدلات الخدمة العسكرية والمساعدات الأممية الضخمة.

“ور نام نهادن”… ويستمر الرقص فوق الجسد السوري المثخن بالجراح بانتظار سقوط النظام.

===========================


عودة إلى طائفية الصراع السوري

رضوان زيادة

سوريا تي في

الاربعاء 24/4/2019

يحق للسوريين اليوم وبعد ما حدث في الجزائر والسودان أن يتساءلوا مجدداً لماذا لم يتصرف الجيش السوري بنفس الطريقة التي تصرف بها الجيشان الجزائري والسوداني في الرد على المظاهرات والاحتجاجات السلمية التي ملأت شوارع العاصمة، وغيرها من المدن في كل من البلدين العربيين، في الحقيقة كانت إجابة السوريين سريعة بشكل أتوماتيكي بسبب "الجيش السوري طائفي".

في الحقيقة في هذه الإجابة كثير من الصحة بالنظر إلى الأحداث التي شهدتها سوريا خلال السنوات الثمانية الماضية، لكنها لا تفسر كل الإجابة، بمعنى أن الطائفية

كانت الجرائم المؤسسة على أساس طائفي وإثني هي الأكثر انتشاراً في الحرب السورية، كما أنها أحدثت الهدف السياسي المنشود منه تماماً وهو التطهير

وحدها لا تبرر الجرائم الفظيعة التي ارتكبها الجيش والقوات الأمنية السورية بحق المدنيين العزل، بل إن هناك أسبابا أكثر تعدداً وتعقيداً لابد من محاولة البحث عنها في محاولة لتفسير كيف آلت إليه الأوضاع في سوريا.

لقد كانت الجرائم المؤسسة على أساس طائفي وإثني هي الأكثر انتشاراً في الحرب السورية، كما أنها أحدثت الهدف السياسي المنشود منه تماماً وهو التطهير أو "التجانس" حسب التعبير الذي استخدمه الأسد مراراً، وكما نقل على لسان رئيس الاستخبارات العسكرية جميل حسن حين قال "إن العدد الهائل للمطلوبين لن يشكل صعوبة على إتمام الخطة (خطة تهدف إلى اعتقال أكثر من 3 ملايين سوري مطلوبين داخليا وخارجيا للمخابرات الجوية)؛ فسوريا بـ 10 ملايين صادق مطيع للقيادة أفضل من سوريا بـ 30 مليون مخرب".

كان النظام يصر على إذكائها بدل معالجتها بوصفها الطريقة الوحيدة لدعم صلابة قاعدته المتمثلة في "الطائفة العلوية" كما جرى تكرار رواية أن المتظاهرين استخدموا أو رفعوا شعاراً من مثل "العلوي إلى التابوت والمسيحي إلى بيروت" في الأيام الأولى للثورة في درعا، وبعد بحث كبير فمن المستحيل العثور على فيديو واحد لكل المظاهرات السلمية رفعت هذا الشعار لكن هذه الرواية جرى تردديها

يتبنى فردريك ستوليز هذه الرواية دون أدنى شك لتثبيت روايته أن الطائفية بدأت مع اليوم الأول للثورة السورية مثل رفع شعار "العلوي إلى التابوت والمسيحي إلى بيروت"

بشكل أعمى من قبل كل مؤيدي النظام السوري من محليين ومعلقين على الفضائيات العربية، بهدف نشرها وتحويلها للرواية الرسمية وللأسف كل الباحثين الذي أرخوا لظهور الطائفية في الثورة السورية رددوا هذه الرواية دون حتى محاولة التحقق من تاريخ رفع هذا الشعار أو مكان ظهوره، وحتى مدى هيمنته على خطاب المظاهرات السلمية في المرحلة الأولى للثورة السورية، انظر كيف يتبنى فردريك ستوليز هذه الرواية دون أدنى شك لتثبيت روايته أن الطائفية بدأت مع اليوم الأول للثورة السورية مثل رفع شعار "العلوي إلى التابوت والمسيحي إلى بيروت". كما ينقل جمال باروت أن هذا الشعار ورد في منشورات وزعت في حي باب توما المسيحي في دمشق، وهو ما يثير التساؤل مجدداً أن هذا الشعار لم يتم تردديه أبداً في مظاهرات المعارضة، كما أن توزيعه عبر منشورات في محافظتين كدمشق وحمص في الأحياء المسيحية والعلوية منها يظهر أنها كانت مجرد رواية حكومية رسمية بهدف الكسب من التجييش الطائفي للأقليات العلوية والمسيحية.

أو عبر تكرار رواية "مقتل العميد عبدو التلاوي بالإضافة إلى ابنيه وابن أخيه في حي الزهراء بحمص، وعرض جثثهم المشوهة عبر الإعلام" كدليل على البعد الطائفي المبكر في المرحلة الأولى من الثورة السورية، لقد نشر الخبر للمرة الأولى في صحيفة الوطن المقربة من النظام، انظر: الوطن (دمشق) 19/4/2011 وقد سمعت الرواية ذاتها تتكرر على لسان كل الأصدقاء الذين ينتمون للطائفة العلوية، وكان لديهم تحفظات على الثورة السورية منذ بدايتها، مما يعكس كيف هيمنة هذه الرواية على المخيال "العلوي" بشكل مبكر ودون تدقيق، لكن الطريف في الأمر أن أحداً لم يتوقف أنه كيف سمح النظام السوري في نيسان 2011 حيث سطوته الأمنية والعسكرية على كل أحياء حمص من القوة والسيطرة والرقابة الكلية بتمثيل بالجثث و"عرضها"، ورواية أخرى تردد أنه جرى "سحلها في شوارع حمص"، كما أنه إذا كان هدف النظام وأد الثورة الطائفية كما هو هدف أي نظام سياسي شرعي يرعى إلى حقن الدماء بين المواطنين بهدف ضمان الأمن والاستقرار، كيف لم يُقدم إلى اليوم أياً من مرتكبي هذا الفعل الشنيع إلى العدالة وفق محكمة علنية بهدف تحويل النظر من البعد الطائفي الجمعوي إلى المسؤولية الفردية، كما هي حال كل الجرائم الجنائية في العالم، لقد كان واضحاً أن النظام – سواء أكان مسؤولاً عن هذه الحادثة أم لا – كان يهدف بشكل رئيسي وخاصة الأجهزة الأمنية والمخابرات كما يذكر خضر خضور هو "ضمان الولاء الكامل لعلويي حمص، والذين ينظر لهم بوصفهم مؤسسة يتم التحكم فيها ويهيمن عليها العلويون من الساحل، على الرغم من حقيقة أن العلويين من حمص هم من المدنيين، ومعظمهم من أفراد العائلة أو الجيران الذين يعملون للجيش أو في أجهزة المخابرات، وهو ما ساهم بشكل مبكر في "عسكرة" المجتمع العلوي مبكراً"، وهو ما يفسر الارتفاع الكبير في نسبة المتطوعين المبكرة لعلويي حمص، وخاصة من منطقة الزهراء في ميليشيات ما يسمى "الشبيحة" التي أطلق عليها النظام "الدفاع الوطني".

وبالتالي استفاد النظام مبكرا من "علونة" وتطييف الثورة عبر تجييش قاعدته التي بقيت مخلصة له، حتى ولو كان ذلك على حساب الوطن الأكبر سوريا، واليوم ينظر السوريون إلى الجزائر والسودان ويشعرون كم من الصعب تذكر هذا "الوطن" الذي أصبح طائفيا محضاً.

===========================


النظام الطائفي والموت ذلاً وحصاراً

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الاربعاء 24/4/2019

كشفت الأيام الأخيرة عن حجم المآزق التي يعيشها النظام الطائفي في دمشق، وكشفت معها عن حجم الضغوط والابتزازات التي تمارسها قوى الاحتلال في دمشق، والذي لا يقوى على مقاومة تلك الضغوط، فضلاً عن معالجته أسبابها ومسبباتها، رافق ذلك تململٌ شعبي ضده نتيجة الافتقار إلى المواد الأساسية وتدهور قيمة العملة الوطنية السورية، وهو ما أدى إلى هزّات اقتصادية واجتماعية خطيرة على مستقبل العصابة، ولم تنس روسيا في هذه الظروف العصيبة أن تسرّب صورة جديدة تزيد من إذلال بشار حين نشرت صورة للرئيس الروسي بوتين وهو محاط بقادته وجنرالاته وفي أقصى اليمين صورة لبشار الأسد وكأنه ضابط أو جندي يرافق الرئيس الروسي بوتين.

يتذكر السوريون بشكل عام، والسوريون الذين حوصروا بالأمس في ريف دمشق، حالتهم الرهيبة التي ستكون نقطاً سوداء في جبين البشرية والإنسانية، يتذكرون حالهم، ويستذكرون معها اليوم حجم الآلام التي عانوها، بينما كان الطائفيون يرقصون فرحاً على أنغام بكاء الأطفال وعويل الأرامل والمعذبين في ريف دمشق.

اليوم نرى طوابير من المقيمين في مناطق العصابة الطائفية المحتلة وهي تقف لساعات طويلة أملاً في الحصول على بضع ليترات من البنزين قد لا تكفيهم للوصول إلى البيت الذي غادروه من أجل الوقوف في هذه الطوابير الطويلة، بينما كان البعض منهم يتظاهر سلبياً في هذه الطوابير ضد النظام الطائفي وسدنته، حين كانوا يلعبون الورق أو يحتسون الشاي منتظرين دورهم، في حين آثر البعض امتطاء الأحصنة والتوجه إلى الشوارع الرئيسية والساحات العامة.

ما يحصل أعاد إلى الذاكرة بالمقابل للحاضنة الاجتماعية فارق الحياة الذي تعيشه المناطق المحررة من توافر لكل المواد الأساسية وغير الأساسية وبأسعار منافسة ، وبالتالي بدأت شرائح كبيرة من تلك الحاضنة تعي وتدرك هوية سورية الحرة التي أراد شهداء الثورة ومعتقلوها وأحرارها أن يشدوا الجميع إليها؛ من حرية أولاً وأخيراً إلى وضع اقتصادي واجتماعي يليقان بالشام وأهلها.

ونحن هنا لم نتحدث حتى الآن عن الانهيار الأخلاقي والتعليمي والاجتماعي الذي تعيشه مناطق العصابة الطائفية، ومعه تسرّب أسئلة الامتحانات وغيرها من الرشى للأساتذة والجامعيين، وهو ما سيؤثّر ليس فقط على قطاع التعليم في المناطق المحتلة، وإنما قد يلقي بتأثيراته وتداعياته على هوية المجتمع السوري على المدى المتوسط والبعيد، وصورته أمام العالم كله.

هذا النظام الذي قرر تدمير المجتمع السوري بعد أن فتك بالدولة السورية قتلاً وتشريداً واعتقالاً، وتدميراً لمؤسساتها، ومعها تدمير للحجر بعد أن فتك بالبشر، تدمير سيكلف مادياً فقط مئات المليارات من الدولارات، فضلاً عن رهن الدولة السورية ربما لسنوات وعقود مقبلة؛ ولكن السؤال الذي قد يتبادر إلى الذهن: لماذا يقف الاحتلال المزدوج صامتاً تماماً تجاه هذه الكوارث وهو يرى مناطق احتلاله تعاني وتعاني، لا يقدم لها مساعدات، ولا يحل لها مشاكلها الاقتصادية التي ترزح تحتها؟! اللهم إلا إذا كان الاحتلال يودّ المزيد من الإذلال للنظام ويطالبها بمزيد من التخلي عن أصول الدولة السورية، ويتنافس فيما بينه على سوريا بعد أن حوّلها الجميع إلى صندوق بريد يرسل من خلالها رسائله إلى خصومه وأعدائه... هكذا أراد النظام سوريا، صندوق بريد، وأرض صراع لضباع وذئاب تنهش منها ما تريده وما ترغبه، أرضاً للآخرين ليست أرضاً لشعبها ثواراً كانوا أم أعداء للثورة...

===========================


نهاية عهد لا يعرف كيف ينتهي

برهان غليون

العربي الجديد

الثلاثاء 23/4/2019

يتمتع بشار الأسد بموهبة فريدة، هي القدرة على اكتشاف الأسوأ من بين جميع الخيارات المطروحة، والأخذ به دائما ومن دون تردّد. وهو، لذلك، لا يُخرج نفسَه من ورطةٍ حتى يدخلها في ورطة أكبر. وهو يشبه في ذلك من يتخبّط في رمال متحرّكة. كلما "بلعط" أكثر زاد غرقه. هكذا بدأ مسيرته، أو سيرته "الظافرة" بزج مئات من المثقفين والنشطاء السلميين لربيع دمشق في سجونه سنوات طويلة، بدل أن يسمع منهم، ويتمعّن قليلا في كلماتهم ومطالبهم، ويطمئنهم ولو بوعودٍ كاذبة. ثم قرر اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق، رفيق الحريري، لخوفه من انقلابه عليه في لبنان، وهو الذي كان قد وضع نفسه في خدمة الدبلوماسية السورية، حتى اتهم بأنه كان يعمل بمثابة وزير الخارجية الفعلي للنظام الأسدي، بمقدار ما كان يدافع عن تثبيت حكم الأسد الصغير لدى الأوساط السياسية الدولية، الأميركية والأوروبية.

ودمر كل الجسور التي كانت تربط سورية بجيرانها، أو أشقائها العرب الذين وصفهم بأنصاف الرجال، معتدّا بقوته الجديدة التي استعارها من إطراء الإيرانيين ودعمهم حكمه، في الوقت الذي لم تكن طهران تخفي، بأي شكل، طمعها بضم سورية إلى الهلال الشيعي الذي كانت تعدّ له، وتتحدث عنه في صحافتها علناً، والتي تحاول اليوم تجسيده على الأرض السورية مادياً، وتنافس عليه حلفاءها من أطراف النظام نفسه، ومن خارجه، بعد أن تمكّنت من السيطرة على 

"يشبه من يتخبّط في رمال متحرّكة. كلما "بلعط" أكثر زاد غرقه" جزء كبير من القرار السياسي، ومواقع القوة والنفوذ السورية.

وعلى المنوال ذاته، أطاح الأسد صداقته مع تركيا التي سعت إلى التوسط بينه وأطراف المعارضة، لاحتواء الحركة الاحتجاجية، بداية انتفاضة 2011، بعد أن وهب أنقرة ثمن صداقتها المستحدثة قبل بضع سنوات التوقيع على اتفاقية التجارة الحرة التي قضت عمليا على آخر آمال السوريين في بناء قاعدةٍ صناعيةٍ محلية، وعلى ما تبقى من الصناعة الخفيفة السورية. وتخلى عن سيادته على قراره كاملا، عندما سلم أمره للعسكرية الروسية، وفرّط بجزء مهم من تراب بلده، في الساحل السوري، حتى يضمن الحسم العسكري للصراع السياسي الداخلي، ويعلن نصره الحاسم والنهائي على شعبه، بدل أن يفتح الحوار معه، ويعيد النظر بسياساته الاقتصادية والاجتماعية الكارثية. ولم يتردّد في تدمير بلده، وتشريد الملايين من أبنائه، مستخدماً جميع أسلحة الدمار الشامل وغير الشامل، والوقوف بصلفٍ لا يمكن وصفه في مواجهة المجتمع الدولي، الداعي إلى إيجاد تسوية سلمية للأزمة التي فتحتها الحرب على الانتفاضة، بمشاركته أو مشاركة رجاله، أملاً بأن يحفظ له الحل العسكري سلطاته وصلاحياته شبه الإلهية.

وقبل بأن يستنفد جميع موارد البلاد المادية والمعنوية، ويحطم قاعدة اقتصاده، ويقوّض علاقات سورية العربية والدولية، كي لا يضطر إلى التنازل، ولو ذرة واحدة، عن سيطرته العسكرية والأمنية، أو يتراجع عن حلم التمسّك بسلطةٍ مطلقة، أصبح ينظر إليها باعتبارها حقاً شخصياً مقدساً وخالصاً لا يمكن لأحد، لا من السوريين ولا من العرب ولا من الدول الأجنبية، إبداء

"بعد رفض الروس إنقاذه بسبب تطرّف مواقفه، ها هو يقود سورية نحو الانهيار الاقتصادي والسياسي المحتوم"  رأيه فيها، أو في أسلوب استخدامه لها، ولا في الوسائل الوحشية التي طوّرها لترويع السوريين، وفرض إرادته عليهم، وتأكيد تصميمه على إذلالهم وإخضاعهم وتركيعهم من دون رحمة.

وها هو يجد نفسه اليوم وجهاً لوجه أمام حصيلة أفعاله: لا دولة ولا مجتمع منظم ولا إدارة مدنية ولا اقتصاد ولا موارد وإمكانات، وأهم من ذلك كله، من دون قوة عسكرية وأمنية مستقلة خاصة به "يسحق" بها "أعداءه"، كما كان يحلم ويفكر دائما، حتى يحولهم إلى هباءٍ لا يستحقون اعترافه بوجودهم. ومع عجز حماته الإيرانيين عن إسعافه، بعد العقوبات القاسية التي فُرضت عليهم، وإنزال العقوبات بحرسهم الثوري الذي وضعته واشنطن على رأس قائمة الإرهاب، وبعد رفض الروس إنقاذه بسبب تطرّف مواقفه، ها هو يقود سورية نحو الانهيار الاقتصادي والسياسي المحتوم، ويترك شعبا من ربع مليون نسمة في حالةٍ من التفكك والفوضى والانحلال. هل سيقبل الأسد ما كان قد رفضه منذ ورث الحكم عن والده، وتحوّل إلى أداة في يد الأجهزة الأمنية الحاكمة فعليا، ويتجاوز حقده على السوريين، وإرادة الانتقام منهم حتى النفس الأخير، أم سيتمسك بحصارهم، بمساعدة حلفائه، حتى وهو في حالة حصارٍ لا فكاك منه؟

أمام الأزمة الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة التي تعصف بسورية، بسبب الحصار والعقوبات الدولية، يقبع الأسد في قصره من دون حركة، ويشير على أدواته باستعادة خطاب "المؤامرة الكونية"، وخيانة الحلفاء والأصدقاء، وتنظيم حفلات الرقص والغناء على طوابير وقود السيارات التي أصبحت رمزا لتهاوي نظام سياسي واجتماعي وفكري كامل.

لن يستوعب بشار الأسد ما حصل له بسهولة، فما كادت تمر أسابيع قليلة على احتفائه وأنصاره بالنصر المؤزر، وسحق الأعداء من السوريين والعرب الضالعين في التآمر معهم، حتى هدّدت 

"بشار الأسد وجهاً لوجه أمام حصيلة أفعاله: لا دولة ولا مجتمع منظم ولا إدارة مدنية ولا اقتصاد ولا موارد وإمكانيات" وسائل إعلامه الدول العربية التي أرادت أن تصدّق كذبة الانتصار ذاتها على الإرهاب، وتعيد فتح سفاراتها وتطبيع علاقاتها مع النظام، بأن على قادتها أن يصطفوا في الطابور، لتقديم اعتذارهم لسورية الأسد، وهو وحده الذي يقرّر ما إذا كان سيعفو عنهم، أم يستمر في القطيعة معهم معاقبة لهم. وفي روايةٍ أخرى من روايات النصر، لم يتردد بعض مسؤولي النظام الكبار، وقد أخذتهم الحال بعد إعلان الولايات المتحدة هزيمة "داعش"، والقضاء على "دولة الإرهاب"، في المطالبة بمحاكمة واشنطن والعواصم الأوروبية جميعا بتهمة دعم الإرهاب.

أمام المآزق والورطات والمطبات التي صنعها بنفسه، بسبب خوفه على سلطةٍ يدرك تماما أنه مغتصبها وسارقها، وهي أكبر بكثير من قدرة استيعابه، لم يكن الأسد يعرف وسيلةً أخرى، لمواجهة الاستحقاقات المأساوية لخياراته سوى الهرب، كالفأر الملاحق، من نفقٍ إلى نفقٍ لعله ينجح في تجنب مصيره المحتوم. وليس من المؤكد أن أزمة نظامه الراهنة التي تضعه على حافة الانهيار سوف تدفعه إلى التفكير في مغادرة المسرح الذي غالبا ما لعب عليه كطفلٍ شرّير، يبحث عن تدويخ أقرانه، مما يبحث وزير خارجيته عن "إغراقهم بالتفاصيل"، ولم يستوعب يوما واحدا معنى الحكم السياسي، وحمل المسؤولية وقيادة شعب نحو غايات إنسانية وإيجابية. السؤال: هل يسمح الروس الذين يستخدمونه مطية لتحقيق أهدافهم، وتقع عليهم المسؤولية الأولى في منع كارثة جديدة في سورية، أن يقوّض أحلامهم، ويتسبب في خسارتهم رهانهم السوري والشرق أوسطي؟

في بداية الاحتجاجات الشعبية، لم يكن كبار مسؤولي النظام يتوقفون عن ترديد كلمة "خلصت"، بمعنى انتهت المسألة، أو سوف تنتهي خلال أيام أو أسابيع. وربما جاء اليوم دور المعارضة لتردّد العبارة ذاتها: خلصت مع نظامٍ لم يعد له من مقومات النظم السياسية أثر يُذكر. ولكن بعكس النظم العربية الأخرى التي وجدت داخل مؤسساتها وصفوف مسؤوليها من يمدّ، ولو إصبعا، إلى الجمهور الثائر، لا يوجد في نظام الأسد من يجرؤ على غير تخوين المعارضين واتهام الشعب والتشكيك بوطنيته، بينما يُحيل الجبن وانعدام الإرادة والقرار مصير النظام بأكمله إلى الأقدار.

===========================


لا بد من استئصال هذا الداء

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 22/4/2019

لم يمر شيءٌ في الحياة السورية خلال الثماني سنوات الماضية إلا واستفادت منه سلطة دمشق، واستغلته أبشع استغلال. حتى ضم إسرائيل للجولان السوري، سعت تلك المنظومة الخبيثة أن يكون في صالحها؛ رغم أن ما فعلته في سوريا كان الفرصة الأكثر إغراءً لإسرائيل أن تضرب ضربتها بمباركة أمريكية. فإذا كانت منظومة الاستبداد قد استغلّت وصمة العار هذه ووظفتها في تكريس سرديتها في (استهداف المقاومة والممانعة)، فما بالك بالعدد غير المحدود من المصائب التي لحقت في كل أسرة سورية، أكانت مع النظام محايدةً أو خوفاً أو سفالةً؛ أو كانت على الضفة الأخرى التي تكاد تصل إلى الدمار النهائي؟!

منذ البداية، عرف هذا النظام رعب العالم من الاٍرهاب؛ فقدّم نفسه مقاوماً ومحارباً للإرهاب؛ فعندما لم يجد مبرراً للبطش بحراك سوري سلمي، أطلق صفة الإرهاب على كل مَن خرج متظاهراً؛ وزاد على ذلك إطلاقه لمعتقلين متطرفين تحولوا إلى قيادات لداعش ولأفراد القاعدة؛ وتابعيتهم الأساسية لفروعه الأمنية ولإيران التي هبت لدعمه. وعندما تهيأت له تلك الذريعة، استغلها إلى أقصى درجاتها، فاستخدم كل أنواع الأسلحة التقليدية والمحرّمة على سوريا وأهلها، دون أن ترف عين تردعه. واستدعى الإيرانيين والروس تحت هذا اليافطة، وفِي ظل هذه الذريعة التي صنعها وجذبها.

صوّر أبواق إعلامه أن "الصهيونية والإمبريالية والرجعية العربية ضد هذا النظام المقاوم الممانع". صوروا حزب الله كمجاهدين طردوا الاحتلال الإسرائيلي من لبنان، وها هم يحاربون أدواته في سوريا. صوّروا إيران مجاهدة تريد الخير لسوريا كما حمت العراق من الأمريكيين، واليمنيين من السعوديين. صار كل من يقدم عونا للسوريين الهاربين من ناره ودماره إرهابيين؛ يعمل من يؤويهم على خراب سوريا.

عندما انحسرت حجته الأساس: "الاٍرهاب" وعندما أصبح نصف أهل سوريا في حالة تشرد، انتقل إلى ما تبقى من السوريين ليمعن فيهم إذلالاً وإهانة؛ ففي ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعيشها سوريا الآن، وخاصة في المناطق التي يسيطر عليها/ هو كقفّاز، والقوى الإيرانية والروسية كقوة فعلية؛ تقوم سردية العصابة الآن على أن المؤامرة إياها هي التي تمد أظافرها وتخلق هذه الأزمة. وحجته بذلك "أنها تريد إجباره على حل سياسي".

لا بد من خلق أزمة تشد إليه من بقي في مناطقه خنوعاً وخوفاً أو نذالة وانتهازية تحت يافطة "استمرار المؤامرة الدولية"

الواضح في كل ما يحدث مؤخراً أنه بعد نفاد كل وسيلة تمكنه من الاستمرار في كرسي الدم،  لا بد من خلق أزمة تشد إليه من بقي في مناطقه خنوعاً وخوفاً أو نذالة وانتهازية تحت يافطة "استمرار المؤامرة الدولية". وإذا تمعن المرء بطبيعة مَن تصيبه الأزمة وتمزق ما بقي له من نثرات حياة، فهم الطبقة المسحوقة سلفاً تحت بطشه من ناحية، وتحت جشع أدواته  وأُجرائه تجار الدم والأزمات؛ فبين طوابير السيارات الممتدة لكيلومترات بانتظار حفنة وقود، لن تجد سيارة تابعة لعصاباته. كثر من أولئك السائقين متقدمين بالعمر ومتعيشين، بعد أن تم تغييب الشباب إما خارج البلد أو في مقابره أو معتقلاته.

وكما أذلَّ هؤلاء وغيرهم بالطائرات والصواريخ والبراميل والمعتقلات والاحتلالات، ها هو يذلّهم اليوم بحاجاتهم الحياتية اليومية. من جانب يكرّس سرديته في المؤامرة الكونية، التي تحولت إلى حصار-  فيجذبهم إليه كمنقذ وما لهم غيره وغير الخضوع المطلق له- ومن جانب آخر يقوم بعملية ابتزازية لتتضاعف عمولات تجاره وأدواته ويعود تدفق مال الدم والذل إلى خزائنه.

ليس تبعات كل ذلك إلا تمزقاً اجتماعياً وأخلاقياً وروحيا. وإن أتت جهة لنجدة هؤلاء، ستجد نظام العصابة يستنفر وينبري للدفاع عن السيادة قائلاً "إن لم يتم ذلك عن طريقي، فهو غير مشروع، ولن نسمح لأي جهة أن تصل لأي جائع في سوريا، إذا لم تكن عن طريقنا"؛ وهذا يذكر بمقولاته حول التدخل الدولي في سوريا؛ فلا نزال نذكر عبارات وليد المعلم، وزير خارجيته، عندما قال: من يريد أن يضرب في سوريا، فلا بد أن يكون ذلك بعلمنا أو موافقتنا أو عن طريقنا. ومن هنا ترى منظومة الاستبداد تصف التدخل الإيراني والروسي بالشرعي لأنه عن طريقة-"الدولة السورية"- كما يحب هؤلاء أن يقولوا؛ وترى التدخلات الأخرى توصَّف بغير الشرعية من قبل "النظام". الأمر الوحيد الذي يغفله هؤلاء، وما هو خافٍ على أحد هو أن ما فعله نظام الاستبداد كان وراء كل تلك التدخلات في الجسد السوري.

يؤلم كل سوري ما يراه في بلده اليوم. أسباب ذلك لم تعد خفية على أحد. الخارج له يد أذت وأوجعت وخربت؛ ومَن سهّل امتداد هذه اليد، كي يبرر إجرامه، أيضاً معروف. جوهر المسألة الخلاص من المتسبب. لا بد من استئصال هذا السرطان. لا أدوية تفيد، ولا عمليات تجميلية تنقذ ما تبقى من سوريا وتعيدها إلى سكة الحياة.

===========================


ذكرى الجلاء واستذكار «القيثارة»

صبحي حديدي

القدس العربي

الاثنين 22/4/2019

رحيل قوات الانتداب الفرنسية عن سوريا، في 17 نيسان (أبريل) 1946، هو التاريخ الرسمي لعيد الاستقلال، أو عيد الجلاء كما نسمّيه نحن السوريين. بعد شهرين فقط، في حزيران (يونيو) صدر في مدينة اللاذقية العدد الأوّل من شهرية «القيثارة» التي تهتم بالشعر بوصفه «أرحب حقل» في الفنون، و«التراث الأوّل ويكاد يكون الوحيد في تاريخ أمتنا الفني»؛ كما قالت «لجنة تحرير» المجلة في الافتتاحية. كان رئيس التحرير هو الشاعر كمال فوزي الشرابي «1923 ـ 2009»، الذي سوف يصدر ثلاث مجموعات هي «قُبل لا تنتهي»، «الحرية والبنادق»، و«قصائد الحب والورد». وفي آب (أغسطس) 1947، وبعد 12 عدداً، توقفت المجلة عن الصدور، بسبب «انتقال رئيس التحرير من وظيفته إلى دمشق، وبسبب عدم وفاء المشتركين تسديد اشتراكاتهم»، كما ذكر الشرابي.

وذلك العدد الأوّل نشر قصائد من أحمد الصافي النجفي، نديم محمد، حامد حسن، محمد مجذوب، عزيزة هارون، محمود حبيب، بديع حقي، أديب مظهر، ابراهيم منصور، حبيب خير بك، كريم سيف الدين، محمد عباس، كمال فوزي، يوسف سمارة، جبران خليل جبران، عبد العزيز أرناؤوط، فاضل كنج، جوهر نعمان، مالك طوق، ميشيل طراد، رشيد نخلة، وأحمد حبيب منصور؛ فضلاً عن ترجمات من ستيفان مالارميه ورونسار، ومقالات عن شعر المنتجب العاني وثانية عن الموسيقى، وثالثة عن الرواية المسرحية. اللافت، بادئ ذي بدء، أنّ قصيدة شرابي نفسه، «ميسلون»، كانت الوحيدة التي حملت صفة الشعر الوطني أو القصيدة السياسية، في مرحلة كانت تشهد خواتيم الثورة السورية وفجر الاستقلال الرسمي والجلاء؛ وأنها، ثانياً، اتخذت شكل قصيدة التفعيلة في تلك الحقبة المبكرة حقاً: «أيا ميلسون ألا زوبعة/ تطهر أرض بلادي/ من الأنفس الطيّعة/ لذلّ الأعادي/ وتصعد حتى السماء/ على أجنح الأقوياء/ فإمّا حياة فخور وإمّا فناء».

وليس كثيراً على القيثارة أن يُحتفى بتجربتها، في مناسبة ذكرى الجلاء تحديداً، على خلفيات شتى؛ ثقافية في البدء لأنها كانت، بالفعل، وريثة مجلة «أبولو» المصرية التي أطلقها أحمد زكي أبو شادي في عام 1932 واستمرت سنتين فقط.

الأعداد اللاحقة سوف تنشــــر قصائد لأمثال سعيد عقل، نزار قباني، بشارة الخوري، عزيز أباظة، أنور الجندي، عمر أبو ريشة، صلاح لبكي، بدوي الجبل، فاتح المدرس (قصيدة نثر بعنوان «الوجــه الشـــمعي»)، إبراهيم ناجي، فوزي المعلوف، يوسف الخال (قصيدة عمودية بعنوان «دوسي على قلبي»!)، علي محمود طه، الياس قنصل، إيليا أبو ماضي؛ وترجمات من فيكتــور هوغو وشارل بودلير وشيللي وعمر الخـــيام ورومـان رولان؛ ودراسات عن المكزون السنجاري والمنتجب العاني، وأخــرى من محمد مندور وسـيد قطــب… كذلك ســوف تنشـر المجلــة قصيدة لفــتى في الرابعــة عشــرة من عمـــره، من قرية قصابين ــ جـــبلة، اسمه علي أحمد سعــيد (أدونيس، كمــا سيصبح اسمه في سنوات لاحقة)، عنوانها «خريــف زنبقــــة»، عموديـــة، من عشرة أبــيات؛ يقول في مطلعها: «إليك… وهل تمحو ‘إليك’ مسالكا/ من البيد أغفى في مساربها الفكر؟/ ذبلت، ولم يغدق على أفقك الضحى/ سناه، ولم يخفق على نهدك العطر/ يضج حداد الليل، والليل هادئ/ ويعبس وجه الفجر، والفجر يفتر».

وفي عدد نيسان (أبريل) 1947 ستخصص المجلة ملفاً للشعر السيريالي السوري، نشر فيه أورخان ميسر وعلي الناصر، رائدا هذا التيار في الشعر السوري خلال النصف الأول من القرن العشرين. وقد جاء في التقديم للشاعرين أنهما يبشران «بمدرسة جديدة من مدارس الرمزية، لم يتعرف الأدب العربي إليها بعد، هي (السيريالية) أو مدرسة ما وراء الواقع. وقد ألقى الأستاذ أورخان ميسر في الشهر الماضي محاضرة عن هذه المدرسة في حلب، ظفر خلالها بإعجاب المستمعين وتقديرهم، وكان بينهم أديب أمريكي طلب من الأستاذ ميسر السماح له بنشرها في مجلة أدبية تصدر في العالم الجديد. والمعلوم أنّ فناني هذه المدرسة وأتباعها ينهلون من نبعة (اللاوعي) أو العقل الباطن في التعبير عن أحاسيسهم الخفية الدقيقة وأفكارهم الغامضة العميقة، ويسبغون على آثارهم خيالات رمزية بالألوان، وأجواء غنية بالتهاويل والظلال والألحان…».

وليس كثيراً على القيثارة أن يُحتفى بتجربتها، في مناسبة ذكرى الجلاء تحديداً، على خلفيات شتى؛ ثقافية في البدء لأنها كانت، بالفعل، وريثة مجلة «أبولو» المصرية التي أطلقها أحمد زكي أبو شادي في عام 1932 واستمرت سنتين فقط؛ وبهذا فإنّ «القيثارة» تلقفت راية تجديد شعري تمكّن من التعايش مع مدارس كلاسيكية، سواء من حيث الشكل أم المضمون. الخلفية السياسية كانت تعكس أنساق وعي الطبقة المتوسطة في مختلف شرائحها، تجاه العلاقة بين الوطنيّ والكونيّ، والسياسيّ والإبداعي؛ خاصة خلال عقود كفاح متعددة المهامّ، امتزج فيها التوق إلى الاستقلال بالتعطش إلى الحداثة. وأمّا الجانب السوسيولوجي، فليس بعيداً عن علم الاجتماع ما شددت عليه لجنة تحرير «القيثارة» في العدد الأوّل، من حاجة إلى «حبّ المرح» بوصفه «نتيجة ملازمة لتذوّق الفنّ»، وبلوغ «هيكل المرح الإنساني الكامل» الذي يتيح الانعتاق من «تبذلات الواقع»، والترفع عن «الانغماس في المادة»، وارتقاء «سلّم المطالب السامية التي تنشدها كلّ نفس بشرية»…

نبرة مثالية؟ ربما، بل هي غير بعيدة عن «مزاج» الطبقة الوسطى في تلك الحقبة؛ لكنها لا تؤكد، ولا تنفي بالضرورة، أنّ الجماهير التي هتفت بحياة الجلاء عن المستعمر الفرنسي كانت، أيضاً، تقرأ مالارميه في «القيثارة»، أو تُعرض عنه.

===========================


دروس من الاستقلال

زكي الدروبي

حرية برس

الاحد 21/4/2019

يعيدني صراع اليوم بين القوى الناهبة الداعمة للقتلة والمستبدين، وبين شعوب هذه المنطقة إلى بدايات القرن الماضي، فالتوتر والحروب والفتن التي استمرت طوال السنوات الماضية، كانت نتيجة طبيعية لمحاولة قوى تسعى للسيطرة والنهب قهر شعوب المنطقة، سواء عبر الاحتلال المباشر، كما حصل مع بلادنا في بدايات القرن الماضي بعيد تفكك الإمبراطورية العثمانية، عبر احتلال مباشر من قوات عسكرية فرنسية، وتأسيس “دولة إسرائيل” على حساب الشعب الفلسطيني، وتنصيب حكام مستبدين قتلة على هذه الشعوب بعد اضطرار تلك القوى للخروج العسكري المباشر من الدول المحتلة بسبب المقاومة المختلفة الأشكال.

الخروج من عباءة الإمبراطوريات والمحاولات الدائمة من قبل الشعب السوري وغيره من الشعوب، الحصول على استقلاله وقراره الداخلي كان يصطدم عبر التاريخ بمطامع القوى الناهبة، فتجربة التدمريين وقائدهم أذينة – الذي أذل الإمبراطورية الفارسية وبنى مملكة مهمة في قلب العالم القديم – في الاستقلال عن روما باءت بالفشل بعد أن وصلت حدود مملكته في عهد زوجته زنوبيا من بعده من البوسفور شمالاً وحتى النيل جنوباً، بسبب غزو خارجي عسكري من قبل الرومان بالتعاون مع عملاء محليين، وتجربة الأنباط في البتراء أيضا تعرضت لغزو عسكري منعها من الاستمرار، ومع بداية القرن الماضي وبعد الخروج من عباءة الإمبراطورية العثمانية تعرضت سوريا لغزو عسكري فرنسي بعد إعلانها مملكة دستورية وتنصيب الملك فيصل بن الحسين ملكاً عليها، وذلك لمنعنا من الحصول على حريتنا.

الاحتلال العسكري الخارجي لسوريا كان يهدف دائماً لكسر إرادة الشعب السوري بالحرية، ومن ثم تنصيب عملاء محليين تابعين لتلك القوى المحتلة، فتدعم تلك القوى العملاء للبقاء في السلطة وسرقة ونهب الشعب مقابل السماح لها بنهب خيرات الشعب، وهذا ما شاهدناه بعد جلاء القوات الفرنسية عن سوريا، فلم تمض عدة سنوات حتى وصل الأسد الأب إلى الحكم على صهوة الدبابة بعد أن غدر برفاق دربه، ومن ثم انفرد بالشعب السوري قتلا واعتقالاً وتهجيراً بدعم مطلق من العالم “الحر”.

قوى الاحتلال كانت دائما قلقة، ولم تستطع الاستقرار طويلاً في بلادنا، بل كانت كل أشكال المقاومة عاملاً رئيسياً في خروج هذه القوى من بلادنا، فكان دخولها على جثث أبناء سورية، وهذا ما أعلنه الشهيد البطل يوسف العظمة وزير الحربية السوري، من خلال مواجهته لقوات الجنرال الفرنسي غورو بالقوة البسيطة الموجودة بين يديه قياساً لواحدة من أقوى القوى العسكرية في ذلك الوقت، وهذا ما تابعه بقية الأبطال من ثوار بلادنا في كل شبر من بلادنا، حين قاوموا الاحتلال الفرنسي المحمي بالدبابات والطيران بالبنادق البسيطة الموجودة بين أيديهم.

تعلمنا دروس جلاء القوات الفرنسية عن بلادنا أن قوى الاحتلال تقاوم ولا تفاوض إلا على الرحيل، وأن وحدة الشعب السوري كمواطنين عابرين للطوائف والقوميات منتمين إلى الدولة السورية هي الكفيلة بإخراج كل قوى الاحتلال مهما كانت شراسة دفاعها عن وجودها ومهما كانت قوتها العسكرية.

لقد قصف الاحتلال الفرنسي الشعب السوري بالطيران والمدفعية، كما تفعل اليوم قوى الاحتلال الروسي الإيراني، واستعانت بالغرباء لقهر إرادة الشعب السوري كما تفعل قوى الاحتلال اليوم، ورغم ذلك كانت وحدة الشعب وإرادته أقوى.

في تاريخ سوريا الحديث والقديم عبرة، فحين تجاوز الشعب طوائفه ومذاهبه وقومياته وانتماءاته ما قبل الوطنية السورية، تحول إلى صخرة صلدة تتكسر عليها قوى العدوان المختلفة أشكاله، فقد اعتلى فارس الخوري منبر المسجد الأموي في دمشق ليخطب بجموع المسلمين موضحاً محاولة الاحتلال الفرنسي تقسيم الشعب السوري ، وأعلن أنه يشهد لا اله إلا الله وأن محمد رسول الله في رد على فرنسا التي ادعت أنها جاءت لتحمي المسيحيين في سوريا.

كما اجتمعت كلمة المقاومين السوريين على إعلان سلطان باشا الأطرش الذي ينتمي لأقلية مذهبية صغيرة في سوريا قائداً عاماً للثورة السورية ضد القوات الفرنسية.

كل هذه الأمثلة وغيرها الكثير تؤكد أن وحدة الشعب السوري، وانتماءه للوطنية السورية، بعيدا عن أي انتماء ما قبل وطني، هو الطريق الرئيسي لطرد قوى الاحتلال الروسي الإيراني التي تقتل وتدمر، وإلى إخراج كل الغرباء من سوريا.

تعلمنا دروس التاريخ أن اجتماع كلمة ممثلي الشعب كفيلة بهزيمة أي قوة، وإن اجتماع قوى الثورة السورية على برنامج وطني كفيل بالإطاحة بقوى الاحتلال المختلفة.

===========================


العطب والذات في الثورة السورية

نجاتي طيارة

سوريا تي في

الاحد 21/4/2019

كتاب برهان غليون الصادر مؤخرا، حمل عنوان (عطب الذات) موجزا بذلك خلاصة ممارسته الشخصية العاصفة في بدايات الثورة السورية، بالتوازي مع اختباره المنهجي لها كباحث وأستاذ جامعي معروف. وهو ما عبّر عن هم الكتاب وموضوعه الرئيس، الذي انصب على دور السوريين كذات وفاعل جمعي ومسؤوليتهم عن مسيرة وقائع الثورة التي لم تكتمل، بحسب عنوان آخر فرعي للكتاب نفسه، والذي ينضم إلى قائمة طويلة من كتب المؤلف بدأت بكتابه الشهير بيان من أجل الديمقراطية الصادر عام 1978!

خلف ذلك الهم الرئيس، كان الكتاب أو المجلد في الواقع بحسب حجمه الكبير، رواية شاملة عن تاريخ علاقة الكاتب، بهموم الداخل السوري، منذ شبابه الأول عبر مرحلة الوحدة وما بعدها، وصولا إلى اختياره الخروج ومتابعة الدراسة الجامعية في فرنسا، ثم بدء تردده إلى سوريا وزياراته المتكررة لها، والتي تخللها تعرضه شخصيا لضغوطات الأمن السوري المعروفة،  فضلا عن متابعته حراك المعارضة السورية دائما، وصولا إلى أحداث الثورة التي انخرط في غمار مسؤولياتها، مغامرا بنفسه وموقعه الأكاديمي، ومتجاوزا الحواجز المصطنعة بين المثقف والسياسي، كي يستجيب لنداء الواجب ولضغوط شباب المعارضة. فقام بمسؤولية الرئاسة الأولى للمجلس الوطني السوري، في مرحلة عاصفة من نشوب الثورة التي أثارت قدرا كبيرا من الآمال والزهو الأخلاقي، وسرعان ما أدى بها العطب الذاتي مع غيره من العوامل السياسية إلى الانحدار والتراجع وخيبة الآمال.

كان الكتاب أو المجلد في الواقع بحسب حجمه الكبير، رواية شاملة عن تاريخ علاقة الكاتب، بهموم الداخل السوري، منذ شبابه الأول عبر مرحلة الوحدة وما بعدها

فقدم بذلك رواية فيها من السرد الذاتي الشفاف و الشهادة الحية المثيرة بقدر ما فيها من التحليل المدعم بكثير من الأحداث والوثائق، أثق بأن الكثيرين ممن عايشوا تلك المرحلة سيشهدون بين تفاصيلها وقائع مشاركتهم المشهودة، وبينهم الكثير من الناشطين المغمورين، الذين كان الكتاب فرصة لتوجيه التحية والتقدير لهم على روح البذل والتضحية والجهد الذي قدموه بلا مقابل سوى إيمانهم بقضية شعبهم. لكن لما كان لابد من وضع تلك الأحداث في سياقها التاريخي، فقد قام الكاتب بتقديم عرض و تحليل مفصل للسياسات الإقليمية والدولية لتلك المرحلة، متوصلا على خلاف ماهو شائع، بأن مشكلة الثورة السورية لم تكن مع تآمر الآخرين عليها ( إقليميا أو دوليا) وهم الذين تضامنوا معها ثم ترددت سياساتهم مع ضعف مسارها بل كانت  مشكلتها في الخيارات السياسية الضعيفة التي اضطرت الثورة إلى اللجوء إليها، تحت ضغط الحرب التي شنها نظام الجريمة وحليفيه الروسي والإيراني، والعنف غير المسبوق اللذي استخدم ضد جماهيرها، ونتيجة لضعف خبرة الناشطين وبنية الوعي السياسي الذي حكم أدوار البارزين في قيادات المعارضة والثورة.

ونظرا لكون الكتاب مخصصا لأحداث السنتين الأوليتين في الثورة ونتائجها، فإن الكاتب بادر مسبقا للرد على التساؤل عن تأخره في الحديث عنها حتى اليوم، بالقول ( خطفتني الثورة السورية كما خطفت معظم السوريين، وبقيت منذ ثماني سنوات حبيس النظر في الرهانات المصيرية التي مثلتها في عيون شعب قضى الجزء الأكبر من تاريخه ينتظر فرصة تحرره من كابوس نظام استثنائي تعسفي ) فكانت الكتابة والبحث العلمي بالنسبة له و(للمنخرطين في الحركة الحية، كالانشغال بتغسيل الموتى عوض العمل على إنقاذ الأحياء) أما اليوم فقد آن الأوان، ( لتبدأ في نظري ثورة ثانية .... فكرية ونظرية وأخلاقية .. ثورة وعي مأمولة.. في محاولة شجاعة لمراجعة ما حصل ) !

و لم ينصرف جهد الكتاب إلى (تفسير أسباب اندلاع الثورة السورية، ولا نفي الأطروحات التي شاعت حولها، ولا إلى تفسير الحرب الوحشية ) التي تكالبت عليها، وإن تعرّض لكل ذلك بإسهاب وتوثيق في فصول مطولة عن خيارات السياسة والحرب بين خرافة التدخل الدولي وأسلمة الثورة، إلى فوضى العالم الذي تراجع فيه الغرب وتقدمت روسيا بوتين، وصارت فيه سوريا مسرحا لحرب إيران الإقليمية ، ثم انقلاب التاريخ الذي تجددت فيه الحرب الباردة والحرب العربية الإيرانية. بل انصرف أساسا إلى تحليل ممارسة الذات الثورية التي تصدت لقيادة الثورة، أشخاصا وأحزابا وتكتلات، أفكارا ونظريات وممارسات ومواقف، وذلك انطلاقا من مسؤولية هذه الذات، البشر وإدراكهم ودروهم، في علاقتها مع الواقع المحلي والبيئة الإقليمية والعالم. ذلك أنه يقرّ بأننا لانعمل في الفراغ، وأننا رهن شروط وجودنا التاريخية، ففيما ( يتعلق بفهم مسار التحولات الاجتماعية لا يمكن الفصل بين العوامل الذاتية والشروط الموضوعية، وأن ضعف الأول يساهم في تعظيم أثر الثاني والعكس”.) لكنه لم يتهرب من مسؤولية البشر في التاريخ، ولم يستسلم إلى عفوية حركته ولا إلى حتمية تاريخية موهومة، لا تجد سبيلا لها سوى الشكوى وتقديم مظلوميات  عاجزة،   فنحن لن نغير تلك الشروط ( ما لم ننجح في تغيير أنفسنا أي منهج تفكيرنا وأساليب عملنا وتنظيمنا وأخلاقياتنا، وهذا هو المهم  والمطلوب والناجع لخلاصنا).

في إطار ذلك، استعرض الكتاب ممارسات النخبة السورية التي لعبت أدوارا بارزة في سياق الثورة، من كتلة إعلان دمشق إلى جماعة الإخوان المسلمين إلى مجموعة العمل الوطني، ومن المجلس الوطني إلى مجموعات الجيش الحر، وهيئة التنسيق الوطنية، إلى التيارات الكردية، والظواهر الفردية كالعرعور وغيره ، إلى باقي كوادر المعارضة السورية، محللا مواقفها وأدوار بعض شخصياتها، مستخلصا إفلاس تلك النخبة وعطبها وخيبة الأمل بالمثقفين عموما، بخلاف الكرم وروح التضحية ونكران الذات والبطولة التي أظهرها الشعب السوري منذ بدء مظاهراته الأولى!.

ولقد تجلى ضعف النخبة الثورية السورية وإفلاسها، أو ما استحق عنوان الكتاب، في عجزها عن تكوين قيادة متفاهمة متكاملة ، واستغراقها بدلا من ذلك بالانقسام والخلافات والنزوع إلى الاستفراد بالعمل وأوهام الاستيلاء على الثورة وقيادتها، استمرارا لنهجها السابق قبل الثورة، في حين كان عامة الشعب السوري يبذلون أغلى التضحيات في صراعهم ضد عنف السلطة وجرائمها.

مضى الكتاب في محاولة  كشف طبيعة ذلك العطب، في كونه نتيجة طبيعية لقواعد ولادة النخبة في ظل نظام الاستبداد السوري، موالية أو معارضة على حد سواء

وفي فصل بالغ العمق والغنى، مضى الكتاب في محاولة  كشف طبيعة ذلك العطب، في كونه نتيجة طبيعية لقواعد ولادة النخبة في ظل نظام الاستبداد السوري، موالية أو معارضة على حد سواء، والتي استجابت واقعيا لتلبية حاجات النظام الاجتماعي، من حيث إنه صناعة سياسية دقيقة، كانت تهدف دوما إلى منع النخب ومن ورائها الشعب من إنشاء مركز سلطة مناوئة، أو مضادة. وسبيل النظام إلى ذلك، كان (تفريغها من المادة أو القوة الأساسية التي تمنحها صدقيتها وقيمتها : السيادة أو وهم السيادة، بمعنى العمل في السياسة بوصفها مشاركة في مصائر الحياة العامة). فعبر التاريخ البعثي السوري الطويل لحظر العمل في السياسة، سادت أخلاق المنفعة والفساد والتهرب من الشأن العام، بل ساد تعهير السياسة والعمل فيها، بينما عاشت المعارضة السورية زمنا طويلا تحت الأرض، وسادتها أخلاق الشك والحذر والانقسام والعجز عن التعاون. وأبرز تعيين لذلك كان الخلاف المستحكم بين جناحيها المتمثلين سابقا في حزب الشعب الديمقراطي والاتحاد الاشتراكي العربي، و الذي استدام لاحقا بعد الثورة، في الصراع بين مجموعة إعلان دمشق ومجموعة هيئة التنسيق! وفي هذا السياق قام الكاتب بتسمية الشخصيات وأدوارها، لكنه لم يفتح بذلك النار على أحد كما سارعت صحافة الإثارة، بل كان ذكره للأسماء بقصد التحقق من الواقعة وتأكيد صدقيتها، و" هدف إلى تلمس الأخطاء عبر الخيارات الضعيفة التي كانت مسؤولة عنها، وكان ممكنا لأي واحد وجد في الظروف ذاتها أن ينزع إلى تبني الخيارات ذاتها" !.

إلى ذلك ، ربما سيعتبر بعضهم هذا الكتاب تصفية حساب شخصية ، ردا على ماعاناه الكاتب من خذلان النخبة السياسية وتصارعها بعيدا عن مصلحة الثورة وأهدافها، وهو تصفية حساب حقا لكن مع مرحلة وخيارت كان نتاجها حتميا و” ما كان من الممكن أن يحصل في سورية غير ما حصل. ...والسبب أنه لم يكن في سوريا شعب بالمعنى السياسي للكلمة. فقد كان همّ النظام القائم وبرنامج عمله، منذ ولادته، تفريغ الشعب من كل صفاته ومضامينه وتحويله إلى جماعات متنافرة ومتناحرة، وتوجيه بعضه ضد البعض الآخر، للاحتفاظ بتفوقه وسيطرته".

من جهة أخرى، إذا كان هناك من سبق لهم أن اتهموا د. غليون بالمسؤولية عن فشل المرحلة القصيرة التي ترأس فيها المجلس، فلهم أن يلاحظوا أن جميع من تولوا الرئاسة بعده، سواء في المجلس الوطني أو في الائتلاف الوطني، لم يكونوا أحسن حظا ّ!. وبذلك يتأكد ، أن العطب لم يكمن في شخصيات وأفراد، على الرغم من الفوارق الكبيرة بينهم، إنما تجلى في مجمل بنية الذات السورية الثورية، وكتاب د. غليون الذي تركز على هذه المسألة، سيكون خير دليل أمام الأجيال القادمة لفهم وعلاج ذلك العطب، عندما ستجدد ثورتها وتكمل طريقها، التي لاشك أنها ستستعيد أهدافها الأولى من أجل سوريا المستقبل، ومن أجل حرية السوريين وكرامتهم !.

===========================


ربيع عربي جديد ولم ينتهِ مخاض سوريا الطويل

هدى أبو نبوت

حرية برس

السبت 20/4/2019

عندما بدأ الربيع العربي في تونس، واستيقظ الشعب العربي أول مرة على أخبار تبدو للوهلة الأولى كالحلم، الرئيس التونسي هرب؟

لم يتابع الجمهور العربي العريض الاحتجاجات من بدايتها بشكل كامل ولذلك نزل عليه خبر هروب الرئيس كالصاعقة، وبدأ الشعب يتساءل هل هناك رئيس في دولنا يهرب حقاً؟ حتى امتلأت ساحة التحرير في مصر وبدأ الشعب العربي هنا يعد الدقائق والأيام وفي اليوم الثامن عشر ،عند تنحي مبارك، استنشق العرب جميعا هواء جديد يدعى (الأمل).

وعندما جاء دور ليبيا واليمن رفعوا مطالبهم من البداية إلى التغيير السياسي الكامل من دون أي تنازل، إلا أن السوريين كان سقف مطالبهم أبسط بكثير من إزاحة الأسد. هل كان يتوقع أحد أن السوريين في بداية حراكهم السلمي كانوا ينادون بهامش أكبر من الحرية كالهامش الذي يعيشه المصريون في عهد مبارك؟ كانوا سيقبلون بتغير بطيء جداً، ولكن مع عتق رقابهم من ضباط المخابرات الذين يلاحقونهم على الحرف والكلمة.

خرجوا يهتفون نصرة لـ ١٥ طفلاً عُذِّبوا واقتُلِعت أظافرهم لأنهم كتبوا عبارات ضد الأسد على جدران مدرستهم، وتلك الجماهير الغفيرة كلها كانت ستعود إلى منازلها لو أشعرهم رأس النظام أنهم مواطنون ولهم كرامة، لو كان أفرج عن الأطفال وجاء لمواساتهم ولو كذباً، لو أصدر مذكرة اعتقال بحق عاطف نجيب ولو كانت حبراً على ورق، لو عزله على مرأى الشعب الغاضب حتى لو كانوا سيقرؤون خبر ترقيته إلى مكان آخر بعد شهر، هل يتخيل أي مواطن عربي أن هذا كان حلم السوري في بداية ثورته؟

هل يظن المصري أو التونسي أو الجزائري أو السوداني أن السوري يمكن أن يعتصم أياماً وليالي طويلة في أكبر وأشهر الساحات في دمشق كما اعتصموا في تونس العاصمة والقاهرة والجزائر العاصمة والخرطوم وطرابلس وعدن؟

هل يتوقع أي مواطن عربي أن السوري يخطر على باله أن يجتمع أمام قيادات الحزب أو المراكز الحيوية في دمشق أو المدن الكبرى، ويرفع صوته بمطالب مثل تلك التي سمعناها في عواصم الدول العربية في الربيع الأول والربيع الثاني؟

وحتى لو تكرر الربيع العربي في الدول العربية جميعها من دون استثناء، لن يستطيع السوري قبل الثورة وفي أثناء الثورة وبعد أن عاد الأسد وسيطر على المدن أغلبها وفي المستقبل، أن يجتمع ويعتصم ويغني ويرقص ويرفع لافتة ويبني خيام اعتصام وتخرج امرأة وسط الحشود لتهتف مثل “الكنداكة” السودانية، وتتحول إلى أيقونة للحرية في وجود الأسد ونظامه وجيشه الطائفي وكل من يواليه.

هل عرفتم الأن لماذا خرج السوريون من الجوامع، ليس كما اتهمنا الشاعر السوري أدونيس الذي يحارب العالم ليحصد جائزة نوبل قائلاً إنه “لايؤيد ثورة خرجت من الجوامع”.

وهل نظامك السفاح الذي لاتعرف البشرية له مثيلاً، سمح لنا بالخروج من أي مكان آخر؟ عندما نستطيع فعل هذا وقتها يحق لك ولغيرك أن تتهموا ثورتنا أنها “دينية، إرهابية، إسلامية، أيّاً كان”.

يتابع السوري مشاهد فرح الجزائريين ورقص السودانيين ابتهاجاً بما حققوه، يراقب بفرح عظيم أن تجربتهم المريرة وتهديد رؤسائهم بتحويل دولهم إلى لنموذج السوري لم ينجح في إيقاف حركة التغيير، لم يزرع الشك في قلوبهم، لم يمنعهم من المطالبة بحقوقهم.

وفي  الوقت ذاته يذرف قلب السوري دماً من الألم، يسأل نفسه لماذا نحن يفرقون مظاهراتنا برصاص القناص وقذائف المدافع؟ حتى عندما كنا نحمل لرجال الأمن باقات الورود تشق عنق حامل الورود في أقبية المخابرات، لماذا حاصرنا جيشنا بأسلحته الثقيلة كلها وأوصد شوارعنا بالدبابات وحول المساجد إلى ثكنات عسكرية، وفصل كل حارة في كل مدينة عن الأخرى كي لايجتمع اكثر من ٥٠ شخص يهتفون “حرية” فحسب؟

لماذا عندما أسقط ثوار درعا أول تمثال لحافظ الأسد في عام ٢٠١١ من أكثر من ١١عاماً، سقط عدد كبير من الشباب بين شهداء وجرحى برصاص القناصة، وهناك من بترت أرجلهم عندما سقط عليهم التمثال ورغم ذلك صرخوا فرحاً “حرية”.

هل يدرك المواطن العربي الذي يتهمنا اتهامات شتى بتخريب دولتنا وأننا المسؤولون عما نعيشه من تشريد ولجوء، أننا دفعنا حوالى مليون شهيد، ومثلهم مبتوري الأعضاء، ومئات آلاف من أفضل شباب سوريا، ماتوا تحت التعذيب بأبشع الطرق؟ وما زالت البقية الباقية تستنجد بالله صباحاً مساء طالبين الموت، حتى ينعتقوا من الوحوش البشرية التي تدير سجون الأسد و معتقلاته؟

هل يعلم السودانيون أننا كنا سنخرج إلى الساحات فرحاً لو جاءنا خبر الإفراج عن المعتقلين السياسيين كلهم في البلاد؟ وتوزع الحلويات ونرقص وندبك ويكون بالنسبة إلينا أكبر عيد وربما في يوم من الأيام نحوله إلى عيد وطني نحتفل به بشكل رسمي أهم من عيد الاستقلال.

هل يدري الجزائريون أننا كنا سنقبل ليس فقط بانقلاب الجيش على الأسد وعزله، بل كنا سنقبل بالضباط كلهم الذين سفكوا دمنا في السابق، بديلاً آنياً حتى نتحرر من هذه العائلة ونفصل سوريا العظيمة عن سوريا الأسد.

نعم لسنا طائفيين، نحن الذين خرجنا من الجوامع في تلك الأشهر الأولى كنا نهتف “واحد واحد واحد الشعب السوري واحد”، كنا صادقين كنا نريد الخلاص لم نكن نعلم بسبب حجم الظلم والديكتاتورية الممارسة على مجتمعنا أكثر من ٥٠ عاماً كيف نرسم مستقبلنا، ولكننا نريد أن نحاول، لم نكن نريد أن نُستغل ونقسّم إلى طوائف وقوميات، لم نكن نتوقع أننا سنعيش سواد داعش والنصرة والفصائل الإسلامية كلها، لم نحلم بالسلاح ولم يكن هدفنا، حتى عندما دعمنا الجيش الحر الذي انشق عن الجيش دعمناه لحمايتنا فحسب، ولم نتوقع أن يكون سبب حقيقي ينتظره الأسد ويخطط له حتى يحول سوريا إلى ركام في معارك جانبية ليست هدفنا ولا مبتغانا، نعم كنا ساذجين وبسطاء تماماً كما كان حلمنا بسيطاً منذ البداية؛ نيل بعض من “الحرية”.

هل عرفتم الأن لماذا السوري يفرح لكم ويبكي على نفسه؟ حتى القمع والديكتاتورية ليست عادلة ولا متساوية في وطننا العربي الغريق، نحن سعداء أنكم تسبحون إلى أهدافكم في الماء، ونحن ما زلنا نتعلم كيف يمكن أن نسبح في بحر الدماء الذي لم يتوقف بعد، فهنيئاً لكم بداية الطريق وقلبنا معكم حتى نهايته بتحقيق كل مطالبكم.

===========================

موقفنا : نرفض حملة " الانتقام للشام " وندين الواقفين وراءها والعاملين عليها

زهير سالم

مركز الشرق العربي

23 / 4 / 2019

لم يكن الشام بحاجة إلى نقمتكم وهو لا يحتاج اليوم إلى انتقامكم . الشام سينتصر بالحكمة وبالبصيرة وبالفكر المستنير .

وعندما أحاط بأتباع البغدادي سوء عملهم ، وتأكدوا أن السذج من الضالين منهم قد استُدرجوا إلى الفخ فدرجوا ، وان كثير من قادتهم لم يكونوا إلا قادة في أجهزة مخابرات عالمية ما أرادت يوما للإسلام والمسلمين خيرا ، أعلن زعيمهم البغدادي حملة سماها حملة " الانتقام للشام " دعا من خلالها أتباعه من المغضوب عليهم والضالين إلى المبادرة إلى ارتكاب جرائم تقتيل وتخريب حول العالم تحت عنوان " الانتقام للشام " الشام الذي كان بلاؤه في هؤلاء المنبتين الضالين جزء من مصيبة الأمة الكبرى منذ عقود .

وفي سياق هذه الدعوة المريبة المشؤومة قامت عناصر من هذا التنظيم المنحرف الضال : الأحد الماضي بهجوم مستنكر ومدان على مركز أمني في العربية السعودية شمال مدينة الرياض في محافظة الزلفي ، أسفر الهجوم عن قتل المهاجمين الآثمين وإصابة عدد من الجنود السعوديين .

وإنه من حق علينا نحن أبناء الشام الذين اكتوينا بإثم هذا تنظيم البغدادي ومخططاته المريبة وفكره العقيم ، وسلوكه البائس ؛ أن نؤكد عند كل مناسبة براءتنا من فقه هذا التنظيم وفكره وطرائقه وأساليبه ووسائله . وأن نبرأ كذلك من كل أصول هذا التنظيم وفروعه ومهما تكن طبيعة التسميات .

كما نؤكد إدانتنا الدائمة والمسبقة لكل الجرائم التي يرتكبها هؤلاء الأدعياء باسم الإسلام أو دولته أو باسم الأمة وشعوبها أو باسم الشعب السوري داخل سورية وخارجها على السواء .

لم يكن مشروع الثورة السورية عندما انطلقت ولن يكون بإذن الله مشروع انتقام ولا مشروع ثأر ، ولا تعبيرا عن حقد أو ضغينة أو إثم . وسنظل نرفض أن تسمى ثورتنا الوطنية بكل القها حربا أهلية . أو حربا دينية أو طائفية أو عرقية . هي ثورة شعب خرج مطالبا بالحرية والكرامة ضد زمرة محدودة من المستبدين والفاسدين ولن ينفعهم طويلا إن تجلببوا جلابيب الطائفية وأن استعانوا بأشرار العالم حتى حين .

 يجب أن تكون رسالتنا - نحن السوريين الأحرار - لكل العالم واضحة جليلة أن هؤلاء الدخلاء على ديننا وعلى مشروعنا الوطني كانوا أدوات أعداء الحرية والعدل في تمزيق وحدتنا وتشويه ثورتنا وإحباط مشروعنا الوطني الذي سنظل نصر على أنه مشروع للعدل والحرية والكرامة الإنسانية على قاعدة السواء الوطني التي لا تقصي ولا تستثني ولا تحكم بحرم ولا جرم إلا في ساحات القضاء ..

لقد آن الأوان لكل الشرفاء المخلصين من أبناء الشعب السوري وهم السواد العام فيه ، أن يعوا حجم المؤامرة ، وأبعادها وتفاصيلها وتلافيفها وأن يعودوا إلى الاستمساك بميثاق وطني يجمعهم ويوحدهم ويطمئنهم .

مرة أخرى ...

 لا لحملة الانتقام للشام...

لا للواقفين خلفها والعاملين عليها ..

مع الإدانة المسبقة لكل جريمة تقع في سياقها ..

الحب وليس الانتقام هو علاج الجراح في شامنا الحبيب ..

أيها الضالون الكاذبون المكذبون : كفوا عنا أذاكم فقد كفانا ما لقينا منكم .

ـــــــــــ

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

من دمّر سورية؟

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 20/4/2019

لا يبدو الجواب على هذا السؤال واضحا بعد، أو هو محل شك، أقله بالنسبة إلى النظام الأسدي، وبعض من يطوّبونه مقاوما وممانعا، ويوهمون أنفسهم أو يصدقون أنه يتعرّض لمؤامرة دولية عقابا له على مواقفه القومية، واستماتته من أجل تحرير فلسطين قبل الجولان، كما كان الدجال الكبير حافظ الأسد يحرص على القول، ومات وتسليم الجولان لإسرائيل بلا قتال جريمة وطنية من حق شعب سورية تدفيعه ثمنها، هو وابنه ونظامهما. يقول النظام إن الإرهاب هو الذي دمر سورية وقتل شعبها. والإرهاب في عرف الأسدية هو كل ما قاله وفعله شعبها من أجل نيل حريته، بدءا بمطالباته السلمية بها التي استمرت طوال أشهر ثورته الستة الأولى، باعتراف بشار الأسد نفسه الذي ما لبث أن أدرجها في سياق إرهابي ينخرط شعب سورية فيه كلما خرج عن طاعة الأسدية أو ذكّرها بوعد الحرية الذي قطعه حزب البعث على نفسه قبل سبعين عاما، وتعهد بتحقيقه بمجرد أن يستولي على السلطة، ثم، وبعد سبعين عاما من الانتظار والقمع والقتل، طالبه الشعب سلميا بتحقيق وعده، فانقضّ عليه من البر والبحر والجو، على الرغم من أنه طالب بما يستحيل أن يطالب به إرهابي، أو يعتبره من متاع الإيمان: الحرية والعدالة والمساواة والكرامة الإنسانية.

هل كان لدى السوريين ما يدّعي إعلامه أنهم يهيمون حبا به، من الطائرات والدبابات والبراميل المتفجرة والأسلحة الكيميائية والقنابل الفوسفورية والحارقة ما يكفي لقتل مليون مواطنة ومواطن، لا يشارك 95% منهم في القتال، ولتدمير بيوتهم على رؤوس أطفالهم ونسائهم وشيوخهم؟ وهل حدث في أي عمل إرهابي أن استطاعت بندقية كلاشينكوف إسقاط بناء من عشرة طوابق على ساكنيه؟ ومتى درّب الإرهابيون طيارين على طائراتٍ لا يملكونها، ومن أين جلبوا المال الضروري لشراء خمسة آلاف دبابة ومدفع من جيش النظام، باعها لهم كي يقتلوا جنوده وضباطه بقذائفها؟ وهل كان الإرهابيون على هذا القدر من القوة والانتشار، من دون أن يعرف ملايين الحزبيين والمخبرين والموالين للسلطة أي شيء عنهم، قبل انطلاق موجات القتل التي طاولت كل بيت وقرية وبلدة ومدينة؟

وإذا كان هؤلاء بهذه المواصفات، بأي جبابرة وأي قدر من السلاح، تمكن نظام الأسدية الغافل عنهم لأسباب أملتها طيبة قلبه وسلمية علاقاته بالمواطنين من كسر شوكتهم؟ ومن أين حصلوا على مئات طائرات الهيلوكوبتر وعشرات آلاف البراميل المتفجرة التي ألقوها على بيوتهم وأهليهم، وكيف تمكّنوا من استخدامها ثم إعادتها إلى قواعدها العسكرية التي يحرسها جيش الأسدية العقائدي؟ وهل اشتروها مع مطاراتها أم استأجروها منه بالساعة، كما تؤجّر جمارك النظام طرق البلاد بالساعة للراغبين في تهريب أي قدر من المخدرات إلى سورية... المحروسة؟ وإذا كان في سورية مئات آلاف الإرهابيين والنظام منفرد بالسيطرة عليها، كيف يؤتمن من جديد عليها، ولماذا كان يقمع كل من عارضه باسم أمن الشعب، ولم يقمع الإرهاب، إذا كان مستشريا بالصورة التي ظهر عليها بعد الثورة؟

لا تدين مزاعم السلطة الأسدية عن تدمير سورية أحدا غيرها، لأن العالم كله رأى طائراتها ومدافعها وهي تقصف القرى والمدن الآمنة، وتتعمد تدمير بنية سورية التحتية، لترغم موارد عيش شعبها والقسم الأكبر منه على مغادرتها، بعد أن صنفته إرهابيا، وأعلنت تصميمها على التخلص منه، بمساندة إرهابيين استقدمتهم من أكثر مجتمعات العالم تخلفا وعنفا، لمساندتها في حربها عليه.

===========================


سوريا الأسد صارت جحيماً لا يطاق..من سيعود إلى حضن العصابة يا رفيق؟

د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 20/4/2019

حكى لي صديق سوري على الخاص بأنه يملك سيارة ثمنها عشرون مليون ليرة سورية ولكن لا يستطيع استعمالها، بسبب فقدان مادة البنزين، وها هي مركونة كالجيفة النافقة والخردة التالفة أمام المنزل وكل مشاويره يأخذها «كعـّابي» (على كعبيه)، وقال لي شخص آخر بأنه قضى عمره بالغربة، وقد جمع ثروة لا بأس بها، كي ينعم ويتمتع بها في آخر أيامه مع عائلته، لكن جرة الغاز باتت بحسرته رغم الأموال التي يملكها وتلك «المشلوحة»، على حد تعبيره بالبنك والتي لا يستطيع أن يتنعم بها بأي شيء فالبلد شبه منهار، لا مطاعم، ولا حانات، ولا أماكن ترفيه، ولا مجال لاستثمار وتنمية رأس المال بوجود المافيات والحيتان الكبيرة ولصوص المال العام ولوبيات النهب والفساد والتجويع والقهر والأجهزة الأمنية، وما أدراكم ما دهاليز الموافقات الأمنية فإن كان لك قريب من الجد التاسع عشر من المشتبه بولائهم فهذا يعني حكماً عليك بالموت في سوريا الأسد والقصص المأساوية عن هذا الوضع لا تعد ولا تحصى بحيث أنه وكما رأينا بالتسريبات أن هناك 15 مليون سوري مطلوب للأجهزة الأمنية التي تذل المواطن وتطارده بـ»الموافقة الأمنية» حتى لو أراد المواطن شراء فرشاة أسنان، وهذه ليست مبالغة وهناك قصة مثيرة عن الموضوع سأرويها في مقال قادم.

ويبدو، والحال، ومن الواضح تماماً، أن معظم المسؤولين السوريين قد تحولوا إلى كراكوزات ومهرجين حقيقيين من خلال تلك التصريحات التي يطلقونها على الطالعة والنازلة، والتي يبدو أنهم لم يعودوا يمتلكون غيرها اليوم بعدما أفلسوا، تماماً، وأفلسوا ونهبوا البلد معهم، وأفرغوا خزائنه من آخر قرش وباتت-الخزائن- خاوية على عروشها وتصفر فيها الرياح الصفراء وصارت في بنوك سويسرا محجوزا عليها من قبل المحاكم الدولية وتزين أو تتربع على أوراق بنما وفضائح لصوص المال العام الدوليين الكبار، وبعدما أن عزّ وفقد كل شيء في سوريا، وصار سلعة نادرة من الصعب جداً على المواطن العادي، وصارت هذه التصريحات، وبكل صدف لدغدغة الحزانى والأرامل واليتامى والثكالى والمكلومين والمجروحين من سياسات القهر والإفقار لإضحاك الجمهور بعدما مل الناس من مسلسلات «غوار الطوشة» ومسرحياته الهزلية وقفشاته الكاريكاتيرية، وبعدما انحصر تخصصه في «أدب الصرامي» والغرام والهيام بها وصار لقبه فنان «الصرامي»، فتولى المسؤول السوري الخنفشاري الغوغائي «البعصي» المهرج مهمة إضحاك الناس بتصريحاته الفارغة الجوفاء، ولو تتبعنا خط سير تلكم التصريحات المضحكة والمقرفة والمسببة للغثيان، فإننا سنقف عند «أدب» كامل اسمه «فنون الإضحاك في تصريحات أبو حناك»، قد نعود إليه في مقال مستقل في قادم الأيام.

البلد شبه منهار، لا مطاعم، ولا حانات، ولا أماكن ترفيه، ولا مجال لاستثمار وتنمية رأس المال بوجود المافيات والحيتان الكبيرة ولصوص المال العام ولوبيات النهب والفساد والتجويع والقهر والأجهزة الأمنية

ومن أشهر تلك التصريحات اليوم، والتي تؤكد بالمطلق أن المسؤول السوري وناهيك عن كونه مفصوماً بالأصل، فهو مفصول عن الواقع ويعيش في عالم وحدانية وأبراج عاجية لا يرى فيها الناس ولا يـُرى فيها من قبل أي إنسان وبات كالمجنون الذي يتحدث بالمرآة لنفسه ومع نفسه ومن أجل إرضاء نفسه، هي التي أطلقها المهرج علي عبد الكريم سفير نظام المماتعة والمضاجعة في لبنان الذي دعا السوريين للعودة لسوريا لقطف ثمار الانتصار على حد تعبيره في واحد من أغرب التصريحات والقفشات التي يمكن أن تخطر على مخرجي المسرحيات الكوميدية والكاميرا الخفية وكبار الممثلين الكوميديين كلوريل وهاردي وشارلي شابلن أو عادل إمام وسمير غانم وسواهم.

ولا ندري ما الذي سيجعل السوري يترك بلاد الله الواسعة التي منحته الأمن والكرامة والتعويض المحترم والطعام والشراب والأمان والرفاهية والضمان الاجتماعي والتعليم والتأمين له ولأطفاله والسكن ووو وأهمها الحرية والتحرر من القهر والإذلال والمطاردة الأمنية وتغول المافيات ليعود للقفص والسجن الكبير ولجحر المافيات وللسجن الكبير والفقر والجوع والخراب والقلة والبؤس والفوضى وانعدام القانون والدمار والخوف والرعب وانعدام الأمن والأمان ومراجعة الأفرع الأمنية يومياً ولأتفه الأسباب وانعدام أي قسط من الرفاهية والانتظار بالطوابير الطويلة على الخبز والبنزين والمازوت ومواقف الباصات والعيش تحت رحمة عصابات ومافيات لا ترحم ولا تبقي ولا تذر وأتت على الأخضر واليابس في البلد ولم تترك حتى الفتات للناس ليقتاتوا بها في زمن الفقر والمجاعات…

وفي ظل واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية على مر التاريخ، ووجود حوالي الخمسة عشر مليوناً بين مهجـّر ولاجئ ونازح وهارب وفار ومحكوم وسجين ومفقود وطريد، هل لهذا المسؤول، أو ذاك، أن يفيدنا مشكوراً ويجيبنا على أبسط هذه التساؤلات، ومن قلب كليم جريح، لماذا علينا أن نعود لهذه البلاد يا «رفيق»؟

بنو لبوة لكم بالمرصاد: للراغبين بالعودة لحضن العصابة. فقط تابعوا كيف تكافئ العصابة جمهور الشبيحة والمؤيدين الذين وقفوا مع العصابة طيلة الأزمة وقدموا لها الدم وخيرة شباب الطائفة وكيف تنتقم العصابة منهم وتذلهم بطوابير الغاز والمازوت والخبز والبنزين والسيارات التي تمتد لكيلومترات وتنتظر أياما للحصول على ليترات بسيطة من البنزين وتحرم عنهم أبسط مقومات الحياة في مناطق سيطرة عصابة بني لبوة وتطاردهم وتزجهم بالسجون وتستوقفهم بالشوارع وتجرهم للخدمة العسكرية كالأسرى والمعتقلين فيما يعيش أفراد العصابة ورموزها وكلابها ولصوصها ومافياتها حياة السلاطين واللوردات والأمراء وينفقون ملايين الليرات شهريا فيما الشعب البسيط وخاصة في مناطق سيطرة العصابة يعيش بأسوأ الأحوال …

فكروا بهذه الأوضاع المهولة والمرعبة والظروف التي لم يعرف العالم لها مثيلاً ثم بعد ذلك اتخذوا قراراتكم الوطنية الشجاعة والبطولية بالعودة لحضن العصابة الأسدية.

===========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com