العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 28-03-2021


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

العدالة في الحرب السورية

رضوان زيادة

سوريا تي في

الاربعاء 24/3/2/2021

ليس لدي شك أبداً في أن العدالة في سوريا ستتحقق لكن ربما سيطول الوقت، هذا الشهر كان حافلا بالعديد من المؤشرات التي تؤكد إصرار المجتمع الدولي على المحاسبة للمتورطين في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بحق الشعب السوري وعلى رأسهم نظام الأسد ورؤساء الأجهزة الأمنية الذين فتكوا بالشعب لسوري قتلا وتعذيبا.

وربما نحتاج إلى سنوات حتى نحصد نتائج المبادرات الدولية التي تم تأسيسها لضمان المحاسبة والعدالة للضحايا في الحرب السورية، وأهمها إنشاء الآلية الدولية المحايدة والمستقلة للمساعدة في التحقيق ومحاكمة الأشخاص المسؤولين عن أخطر الجرائم بموجب القانون الدولي التي ارتكبت في الجمهورية العربية السورية. "حيث اعتمد القرار في 21 ديسمبر 2016. هذه الآلية التي يطلق عليها بالإنكليزية International, Impartial, and Independent Mechanism (IIIM) تهدف لوضع قضية المساءلة عن سنوات الفظائع في سوريا ضد المدنيين أولوية لها.

هذا القرار يعتبر الخطوة الأكثر عملية من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة التي اتخذت منذ بداية الصراع في سوريا في عام 2011. فالحكومة السورية تتحمل المسؤولية النهائية لحماية المدنيين، لكنها فشلت عاما بعد عام وأصبح حجم جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية يفوق الوصف. وبالتالي فهذا القرار يضمن احترام القانون وتوفير العدالة للضحايا، ويتطلب تقديم معلومات موثقة تمهد الطريق لتحقيق العدالة الجنائية وبناء مستقبل مختلف في سوريا.

بنفس الوقت وجدنا في ألمانيا في محكمة كوبلز تفعيل ما يسمى الولاية القضائية العالمية لمحاسبة المسؤولين عن جرائم الحرب في سوريا وهناك قضايا أخرى مرفوعة في ألمانيا وفرنسا وإسبانيا وإن كانت محاكمات فردية وخارج سياق محاسبة الجرائم الأكثر خطورة في الحرب السورية إلا أنها ترسل رسائل حاسمة أن ملف العدالة ربما سيكون مفتوحا في سوريا لعقود طويلة مقبلة فهذا النوع من الجرائم لا يسقط بالتقادم وطالما هناك ضحايا مؤمنون بتفعيل قضيتهم والوصول بها حتى تحقيق العدالة سيظل رفع الدعاوى القانونية في كل فرصة يشكل خطوة للأمام.

تهدف المحاكم المختلطة والمقترحة بشأن سوريا إلى تعزيز ملكية الضحايا السوريين من الأفراد لعملية الإجراءات الجنائية

وبنفس الوقت يجب ألا نحيد عن الهدف بضرورة إنشاء محكمة خاصة مختلطة تتكون من قضاة سوريين مع الاستعانة بقضاة دوليين بإشراف الأمم المتحدة لمحاسبة مرتكبي الجرائم في فترة الثورة، وتكون هذه المحكمة خاصة بتوقيتها وآلياتها وتقوم بتطبيق كل من القانون الدولي والوطني السوري (المحلي). ويمكن الاستعانة بقوانين ونصوص المعاهدات الدولية التي وقعت عليها سوريا من أجل تطوير الإجراءات الخاصة بالمحكمة ونظامها القضائي. تهدف المحاكم المختلطة والمقترحة بشأن سوريا إلى تعزيز ملكية الضحايا السوريين من الأفراد لعملية الإجراءات الجنائية، وفي الوقت ذاته ضمان النزاهة الخاصة بالمحاكم الدولية.

في صلب العدالة الانتقالية تكون المساءلة وتحقيق العدالة والتي تشمل اتخاذ الإجراءات القضائية ضد مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي جرت في سوريا خلال فترة الثورة، ويمكن لهذه المحكمة استهداف المرتكبين لهذه الجرائم أو التركيز على العاملين بالمستويات القيادية العليا في هيكلية نظام الأسد المسؤولين عن إصدار أوامر بتلك الانتهاكات والجرائم أو الذين لديهم صلاحيات إدارة نافذة على مرتكبي تلك الجرائم، ولا يستثنى من ذلك من ارتكب الانتهاكات ضد المدنيين من قبل المعارضة المسلحة، ويتعين إجراء هذه المحاكمات بما يتفق مع معايير المحاكمات العادلة في إجراءاتها وذلك لتجنب أي طعون في مشروعيتها.

يجب أن نبدأ التفكير في آليات دولية أخرى وجديدة لإنهاء دورة العنف وإنهاء ثقافة الإفلات من العقاب التي كانت عقيدة نظام الأسد

علينا أن نفكر كيف يمكن تجاوز هذا الاستعصاء القانوني في عدم محاكمة نظام الأسد على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها بحق الشعب السوري يوميا، ولما كانت محكمة الجنايات الدولية تبدو بعيدة المنال بسبب عدم توقيع سوريا على اتفاق روما الأساسي المنشأ للمحكمة ورفض روسيا واستخدامها حق النقض الفيتو في منع إحالة هذه الجرائم إلى محكمة الجنايات الدولية بقرار من مجلس الأمن، هنا يجب أن نبدأ التفكير في آليات دولية أخرى وجديدة لإنهاء دورة العنف وإنهاء ثقافة الإفلات من العقاب التي كانت عقيدة نظام الأسد خلال حكمه لسوريا على مدى خمسين عاماً.

=========================

تقدير موقف .. سنة عاشرة ثورة : استراتيجيتنا إعادة تثوير المجتمع السوري

زهير سالم

مركز الشرق العربي

25/ 3/ 2022

وأكثر ما يضيق به الصدر أن تسمع دعوات تصدر عن ألم ، أو عن يأس، أو عن انسداد أفق ، أو أن عن سوء تقدير؛ ثم ترى من تظن أنهم سراة قوم ، أو احتلوا موقع سراتهم ، يمارون ويداجون وفي ريبهم يترددون، فهؤلاء الذين أولعوا دوما بركوب الأمواج ، لم يتعلموا يوما كيف يتصدون لعُرامها، فيكونون في حدبهم على الحق أصلب من صخور الشاطئ العظام ...

ونسمع هذه الأيام دعوة إلى قطيعة لا تعجب الرجل الرشيد الحليم ، قطيعة لا يعجب وقعها الأخلاقي، ولا تعجب ارتداداتها السياسة، ولا تعجب مآلاتها الوطنية المستقبلية... ولا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم . وسنظل نجهر أننا كنا وما زلنا وسنبقى في مجتمع غدنا الثوري السوريين المتجانسين، لا نبذ ولا إقصاء ، ولا تمييز ولا استئثار ...

وحين نحتفل هذه الأيام في الذكرى العاشرة للثورة ، وقد بدا لنا الموقف الدولي والإقليمي بلا مئزر ولا ذيل ..فيجب أن نصدع بالحق الذي لا حيدة لنا عنه، ولا مخرج لنا بدونه ..

وحين نهتف " سورية لينا وما هي لبيت الأسد " فإننا نهتف بالحق لسورية الإنسان والأرض والدولة واليوم والغد ، بشار الأسد هو الذي يبحث عن المجتمع المتجانس، ويسعى إليه، ويعمل عليه ...

بشار الأسد يفعل ذلك وليس القائمون على ثورة أرادوها من أول يوم لكل سورية، ولكل السوريين؛ إلا من ظلم منهم فقتل واستباح ، ولا يهلك كل إنسان إلا نفسه، على قاعدة ( وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) و ( كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ )

وعلى هذه القواعد ومن أفق هذه الرؤية ، يجب أن لا نتردد في الجهر برؤيتنا واستراتيجيتنا؛ ونحن على أبواب عامنا الحادي عشر أن بديلنا عن كل من فرطوا وخذلوا هو في استراتيجية إعادة تثوير المجتمع السوري، والأرض السورية، استراتيجية يجب أن نتبناها ونعمل عليها. ونوفر لها أسباب نجاحها ...

استراتيجية أول أسباب نجاحها الوصل لا الفصل ..

والتثوير الذي ينبني على التوطين والتمكين .. وليس كما ظن قادة مرحلة " عليهم عليهم " الإخلاء والتهجير ..

ومظاهرة من عشرين سوري في بزورية دمشق اليوم ، أو في الصالحية أو في حي الميدان أو في القصاع وباب توما تساوي في ميزان نصرنا اليوم الكثير، بل أكثر من الكثير ..

ومظاهرة في ميدان الساعة، أو في ساحة العاصي، أو في ساحة سعد الله الجابري، أو في حوران ودرعا أو في ساحة الشيخ ضاهر، أو في الرقة ودير الزور، أو في طرطوس وفي جبلة والقرداحة، وفي سلمية والسويداء وفي القامشلي ، مظاهرات كلها تنشد للحرية، وتهتف برحيل المستبد ...فلا أجمل ولا أحلى ..

يجب أن تكون

استراتيجيتنا اليوم إعادة تثوير الأرض السورية والمجتمع السوري .. وكل ما يفعله الظالم المستبد اليوم يخدم الثورة ومشروعها ولا نريد أن نكتب يخدمنا، بل يخدم الثورة والثوار والحرية والأحرار واليوم والغد ..

وهؤلاء الذين يعيشون على كل الأرض السورية هم نحن ...

نحن الذين نوالي ونحب الحرية والعدل ونكره الظلم والاستبداد، والثورة تضطرم في قلوب كل واحد منهم بقدرها.. وكم فيهم من حر أبيّ يحق له أن ينشد :

إني أبي أبي ذو محافظة ... وابن أبي .. أبي من أبيين

وأقبح شيء يفعله سوري أن يخطئ في حق أخيه .. أو أن يتعالى عليه ..

أو أن يرى نفسه الأحق بالأمر دونه ..

نعم مشروعنا وقد خذلنا العالم ..

أن نعيد تثوير مجتمعنا، وشعبنا، وأن نتعلم من كل أخطائنا.. وما أكثر على هذا الطريق أخطاءنا !!

وأن نتوقف على التعويل والتأميل والتغرير والاتكاء على الدولي والإقليمي والسياسي والإنساني ... فكم تاجر بنا أقوام مرات ومرات ..

واجبنا أن نوصل رسالتنا لكل سورية وسوري، أينما كانوا وحلوا أن ثورة الحق ولعدل والحرية هي ثورتهم.. والثورة أولى بكل سورية وسوري من أنفسهم، هي ثورتهم ، وثورة غدهم وغد أجيالهم وأحفادهم ..

وأن السوريين على الأرض السورية باقون، وأن زمرة الظلم والعدوان والاستبداد زائلون ..

ولاؤنا الكبيرة.. لبشار الأسد وكل زمرته من الرهط التسعة أو التسعين أو التسعة آلاف هي نعم كبيرة بل وأكبر وأكبر وأكبر لكل السوريين شركاؤنا في كل ما كان وفي كل ما سيكون ..

تثوير المجتمع السوري، بكل مكوناته وطبقاته، هو استراتيجيتنا المرجوة لليوم والغد

ثوار نحن .. ولسنا حاقدين ولا ناقمين ..حقيقة يجب أن ندركها ، وعلى أولي الأحلام منا والنهى البلاغ المبين.

وسورية لكل السورية وما هي لبيت الأسد

____________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

بشار الأسد: سنوات الجمر

رياض معسعس

القدس العربي

الاربعاء 24/3/2/2021

بشار الأسد، النجل الثاني لمؤسس «الجملكية» الأسدية، لم يكن يتوقع أن يتسلم حكم سوريا، لكن مقتل أخيه باسل جعل منه وريث «الجملكية» بعد رحيل أبيه في العام 2000.

هذا الوريث الذي كان طموحه أن يكون طبيب عيون أثبت مع الوقت أن لديه قصر نظر. في شهر تموز/يوليو من ذاك العام تسلم منصب رئاسة دولة المخابرات، التي أصبحت جمهورية وراثية عائلية طائفية غير معلنة تتخفى خلف حزب البعث، وشعاراته الجوفاء التي تناقض الفكر الطائفي بطرحه لافتة «قومجية» كآخر ورقة توت يتستر بها نظام العائلة-الطائفة. أو بمفهوم ابن خلدون: نظام «العصبية».

 

ورثة ثقيلة لسياسة خفيفة

في واقع الأمر ورث الأب حافظ نجله ورثة ثقيلة تتطلب مناكب قوية، وذهنية متقدة بعد أن أدخل سوريا في متاهات، وصراعات إقليمية كانت بغنى عنها، (تحالفه مع إيران ضد العراق، التدخل في الشؤون اللبنانية، ضرب المقاومة الفلسطينية، دعم المعارضة المسلحة الكردية ب. ك. ك ضد تركيا. الاشتراك في الهجوم الأمريكي على العراق..). وهذا ما لا يتحلى به الوريث الذي استدعي على عجل ليتسلم دفة الحكم.

عبد الحليم خدام الرئيس المؤقت (دام حكمه 37 يوما عقب وفاة حافظ الأسد) الذي عندما سئل عن رأيه بتنصيب بشار قال على مضض:»تبارك الله» قبل أن يفر بجلده من سوريا لاجئا إلى فرنسا (حيث شكل جبهة الخلاص الوطني مع الإخوان المسلمين الذين حاربهم مع النظام وقتلهم في حماة في العام 1982، بل واتهم بشار أنه وراء اغتيال رئيس وزراء لبنان رفيق الحريري).

 

مداهمات واعتقالات

متاعب بشار بدأت مع بداية حكمه، إذ اتضح سريعا أن نظام المخابرات الذي ورثه لم يكن يسمح له بالوفاء بوعوده بتحقيق انفتاح سياسي، وضمان الحريات، وإلغاء قانون الطوارئ. فمع أول حراك سياسي قامت به مجموعة من المثقفين والسياسيين السوريين تحت مسمى «بيان الـ 99» ( من المشاركين فيه المفكر صادق جلال العظم، ميشيل كيلو، أنور البني، مي سكاف) أو «ربيع دمشق» بدأت حركة قمعية معاكسة أنهت أول محاولة فتح كوة صغيرة في الجدار الحديدي للنظام يدخل منها أول شعاع حرية.

وتبع هذا البيان بعد فترة وجيزة «بيان الألف» الذي كان أكثر مطالبة ببناء دولة المؤسسات والحريات، والتي لو تمت واستمرت لأنقذت سوريا من الويلات التي نشهدها اليوم. وهذا دليل على قصر النظر، وعمى البصيرة من نظام ينادي بأبدية حكم العائلة الأسدية.

بعد أن شعر النظام ببروز معارضة مدنية «غير إسلامية» تنظم نفسها، قام بحملات الاعتقال، في صفوف المنضوين تحتها، والذين لا يمكن أن يوصمهم بالإرهاب كما فعل، ويفعل مع الإخوان المسلمين ويحكم عليهم بالإعدام.

(طالب إعلان دمشق للتغيير الوطني المعارض في بيان له السلطات السورية بإلغاء القانون 49 القاضي بعقوبة الإعدام بحق منتسبي جماعة الإخوان المسلمين المحظورة في سوريا، وتجمع إعلان دمشق يضم حوالي 20 حزبا من كافة الاتجاهات. اللجنة السورية لحقوق الإنسان من جانبها طالبت مجلس الشعب السوري بإلغاء هذا القانون).

إزاء هذه التطورات في الحراك المدني، والسياسي، سلط النظام الضوء على شخصية الرئيس «المحبوب» شعبيا فقام بحملة: «منحبك» بنشر صور كبيرة لبشار الأسد طبع فوقها كلمة «منحبك» أي: نحبك. وقد اختير كلمة «منحبك» وهي عامية دمشقية للتأكيد على أن العاصمة تؤيد الرئيس، وهذه الحملة عمت أرجاء سوريا.

 

القمع المزمن

حملة «منحبك» هي المحاولة الفاشلة لتغطية الكراهية التي عمت مجمل طبقات المجتمع جراء القمع المزمن، وتدني مستوى المعيشة، وانعدام الحريات، وللجمر المتقد تحت الرماد. والدليل على فشل كل محاولات إظهار النظام بوجه «علماني، ديمقراطي، ممانع» هو المظاهرات السلمية التي عمت المدن السورية عندما وصلت أول شرارة للربيع العربي لتضاف إلى ربيع دمشق الذي كان كامنا وانطلق في شهر آذار – مارس (ولسخرية القدر أن الثورة السورية انطلقت في شهر آذار، بداية فصل الربيع، وبفارق ايام قليلة مما سمي «بثورة البعث» للانقلاب البعثي على السلطة المدنية المنتخبة ديمقراطيا في الثامن من آذار-مارس 1963 والذي مهد لانقلاب حافظ الأسد وتأسيس الجملكية الأسدية). هذه المظاهرات التي لم يكن النظام المخابراتي يتوقع اندفاعها بهذا الزخم واجهها فورا بالرصاص والقتل في أول مظاهرة انطلقت من المسجد العمري في درعا.

رصاص النظام لم يثن الملايين من الخروج إلى الشوارع والمطالبة بالحرية. إلى جانب القمع الوحشي، حاول النظام تهدئة الوضع بوعود إصلاحية، لكنها كانت مجرد كلام، ووعود خلبية، ولو أن الأسد صدق وعده وحقق بعض مطالب الشعب لربما تحاشى حربا مدمرة لنظامه ولسوريا، وهنا مرة أخرى فقد فرصة أخرى لقصر نظر، وعمى سياسي فاضح. وبقي مصرا على شعار:» الأسد أو نحرق البلد «. فأحرق البلد، وقتل الناس، وهجر الملايين، ودمر الاقتصاد، وفتت قيمة العملة السورية، وجلب شذاذ الآفاق لاحتلال البلد وتجزيئه.

وباتت سوريا كيانا بلا سيادة تستبيحه إسرائيل متى شاءت، واليوم يتهيأ طبيب العيون (قصير النظر) لخوض انتخابات يكون فيها الزعيم الأوحد لسبع سنوات أخرى، وكأنه قدم إنجازات جعلت من سوريا دولة من الدول المتقدمة المزدهرة، لكن «الجملكية» الأسدية لن تكون إلى الأبد.

=========================

كيف ينعكس التوتر بين موسكو وواشنطن سورياً؟

مروان قبلان

العربي الجديد

الاربعاء 24/3/2/2021

في سابقةٍ غير مألوفة في تاريخ العلاقات الروسية - الأميركية، حتى في عز أيام الحرب الباردة، وصف الرئيس الأميركي، جو بايدن، في مقابلة تلفزيونية، نظيره الروسي، فلاديمير بوتين، بأنه "قاتل". وقد ترك هذا التصعيد الأميركي ضد بوتين ارتياحا في أوساط عديدة، خصوصا أن الرئيس بايدن لم يزد عن قول الحق، ذلك أن بوتين قاتل بالفعل، لكن ليس لأنه، كما أشار بايدن، يقوم بتسميم معارضيه، ومنهم ألكسي نافالني، بل الأهم، وهو ما تجاهله بايدن عمدًا، لأنه تسبب، منذ تدخله في سورية عام 2015، في قتل آلاف من النساء والأطفال والشيوخ، كما فعل في الشيشان قبل ذلك بعقدين، وتفاخره بأنه جعل من سورية ميدان رماية جرّب فيه كل أنواع الأسلحة التي طورها المجمع الصناعي العسكري الروسي خلال العقدين الأخيرين، ما زاد من حجم مبيعاته.

يعطي كلام بايدن شحنة عاطفية قصيرة الأمد، لكن عواقبه على القضية السورية، على المدى الأبعد، قد تكون بالغة السوء. إضافة طبعا إلى أن سجل بايدن ليس أفضل كثيرا، فقد قتلت إدارة أوباما (2009 - 2017) حيث شغل بايدن منصب نائب الرئيس، آلاف المدنيين من الأفغان والعراقيين والسوريين واليمنيين وغيرهم في حروب الدرونز ضد تنظيم القاعدة، ثم خلال حربها مع تنظيم الدولة الإسلامية في سورية والعراق (2014 - 2017). المفاضلة هنا إذا ليست بين من يحتل منطقة أخلاقية أعلى، أو يملك قيما إنسانية أكثر، وهو أمر لا تعنينا مناقشته هنا أصلا، ما يعنينا هنا هو هل سيكون للتصعيد الكبير بين موسكو وواشنطن تأثيرات إيجابية أم سلبية على الوضع في سورية؟

يعتقد بعضهم أن اتخاذ بايدن موقفا متشدّدا من بوتين سوف يسهم في تحجيم الدور الروسي الذي "انفلش" في سورية وعموم المنطقة، بسبب غضّ الطرف الأميركي في عهد إدارة ترامب. ولكن هؤلاء ينسون حقيقة أن الدور الروسي في المنطقة تعاظم، بما في ذلك التدخل في سورية، في عهد أوباما - بايدن، وأن روسيا أحرقت، تحت ناظريهما، مدنا سورية بأكملها (تذكرون مثلا شرق حلب بين يوليو/ تموز وديسمبر/ كانون الأول 2016؟) الأهم الذي يجب ألا يفوتنا أن سورية دفعت الثمن الأكبر للصراع الروسي - الأميركي في أوكرانيا عام 2014.

في ذلك الوقت، قرّرت إدارة أوباما توجيه ضربة قاصمة لمشروع الاتحاد الأوراسي الذي كان يمثل ذروة الطموح الاقتصادي والاستراتيجي الروسي. كان الرئيس بوتين يخطط لإنشاء اتحاد اقتصادي - سياسي، على شاكلة الاتحاد الأوروبي، يضم إليه بيلاروسيا وكازاخستان وأوكرانيا التي كانت تمثل جوهرة التاج في مشروعه هذا، بدونها لا يعود الاتحاد الأوراسي، أوراسيا، وكان بوتين استعادها من الغرب، بإيصال حلفائه إلى السلطة في انتخابات عام 2010، بعد أن كان قد خسرها في الثورة البرتقالية عام 2004. في أواخر عام 2013 موّلت واشنطن ودعمت احتجاجات أدّت إلى سقوط حليف موسكو، الرئيس فيكتور يانكوفيتش. ردّ بوتين بغزو شرق أوكرانيا، وضم شبه جزيرة القرم، ردّت واشنطن بفرض عقوبات على روسيا، لم يحتمل بوتين تعامل واشنطن معه كدولة عالمثالثية، بفرض عقوبات عليه، فقرّر أن يردّ في سورية. وعليه، قام بوتين بتعطيل مفاوضات جنيف 2 التي جرى الاتفاق على إطلاقها بموجب قرار مجلس الأمن 2118، والذي صادق على اتفاق تسليم أسلحة النظام السوري الكيميائية، وتم التوصل إليه بين بوتين وأوباما في سبتمبر/ أيلول 2013 في أثناء قمة سانت بطرسبورغ للاقتصادات العشرين الكبرى. فوق ذلك، قرّر بوتين التخلي عن معارضته إجراء انتخابات رئاسية في سورية، قبل التوصل إلى اتفاق سياسي، ودعم انتخابات 2014. ومع بلوغ العلاقات الروسية الأميركية الحضيض، قرّر بوتين توجيه صفعة كبرى لأوباما بالتدخل عسكريا في سورية.

خلاصة القول، تدل التجارب على أن تدهور العلاقات الأميركية الروسية قد لا يفيد، بالضرورة، في التوصل إلى حل سياسي للقضية السورية. بالعكس، قد يؤدّي ذلك إلى تدهور الأوضاع على الأرض، كما حصل قبل يومين في القصف الروسي على الأتارب، ويعتقد أنه مرتبط بالتوتر المستجد في العلاقة بين بوتين وبايدن. ولما بات دورنا، نحن السوريين، يقتصر على العمل مراقبين ومحللين سياسيين للتحولات المحتملة في علاقات الدول الفاعلة بقضيتنا، فليس أقل، إلى أن يرزقنا الله إرادة الفعل، من أن نحلّل بشكل صحيح ماذا هم فاعلون بنا.

=========================

السرديات المتنافرة واستمرار الاستعصاء

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 22/3/2021

درج قول إنكليزي بين الحربين العالميتين مفاده أن "ما هو طيّب الطعم لألماني، سُمٌّ زعاف لروسي”:

What’s good food for a German is poisonous for a Russian

وأساس القول: "ما هو غذاء لإنسان، سمٌّ زعاف لآخر“

One man’s meat is another man’s poiso

هكذا تماما تقع بعض المفاهيم على عقول ونفوس السوريين تجاه قضيتهم؛ فتتحوّل إلى اصطفافات وتناقضات، وسرديات متنافرة، وصولاً إلى انقسامات مجتمعية مدمرة.

حتى في المفهوم الأقدس للإنسانية، الحرية، ترى كلاً منهم في واد. ومعروف أنه كي يكون الإنسان إنساناً بالمعنى الكامل للكلمة، لا بد أن يكون حراً، لأن الحرية من أسمى المبادئ في الحياة، وأساسٌ في التطور والبناء والإبداع. هذه العبارة وهذا المفهوم تحوّل في سوريا خلال السنوات العشرة الماضية إلى مصدر للتهديد وحتى السخرية عند منظومة الاستبداد ومحيطها.

"حماة الديار"، عبارة أُطلقَت على الجيش العربي السوري الذي كان السوريون يعتزون به، ويفخرون بأن بلدهم سيدٌ مصانٌ ومنيع؛ ولكنهم تحوّلوا إلى حماة للاستبداد وأداة للقتل والعيش بخنوع وإذلال أمام المحتل الإيراني والروسي.

بالنسبة للنظام والمدافعين عنه، مَن يعارض غير وطني؛ ويُوصف بالخائن، والمتآمر مع قوى خارجية؛ والمتسبب بجلب الإرهاب وبدمار سوريا وبالنزوح؛ ولا يرون أن هناك ثورة أو معارضة في سوريا، بل مجموعات من الإرهابيين المتطرفين أو الطامعين بالمناصب أوهنوا عزيمة الأمة، وخرجوا على "المقاومة والممانعة". وبدون هؤلاء يمكن خلق "مجتمع متجانس". وبالمقابل، ترى المعارضة والثورة أنها تقف في وجه منظومة استبدادية مجبولة على اللاوطنية تصرفت بلامسؤولية، دمرت، وهجّرت، وأفقرت، وأذلت مواطنيها؛ جلبت الإرهاب والاحتلال؛ منفصمة عن الواقع؛ تكذب كما تتنفس.

الروسي والإيراني، بالنسبة للنظام ومَن معه، صديق وحليف ومحارب للإرهاب، ومانع لسقوط سوريا؛ ولكنه لكثير من السوريين، عدو ومحتل وأساس للإرهاب بميليشياته وصواريخه

وصلت الأمور بالبعض ليرى في إسرائيل- محتلة الأرض ومغتصبة الحقوق- مخلصاً؛ وآخرون يرون فيها السبب الأساس في امتداد مأساتهم؛ ومنظومة الاستبداد تغازلها للإنقاذ، عبر اتفاق نظراً لوصولها لحالة الاختناق.

الروسي والإيراني، بالنسبة للنظام ومَن معه، صديق وحليف ومحارب للإرهاب، ومانع لسقوط سوريا؛ ولكنه لكثير من السوريين، عدو ومحتل وأساس للإرهاب بميليشياته وصواريخه.

اشترك السوريون تاريخياً بمعاناتهم من "الفيتو" الأميركي الذي حال دون حصول الفلسطينيين على بعض حقوقهم في فلسطين؛ وإذ بهم يختلفون على تقييم الفيتو الروسي؛ فمجموعة النظام رأت فيه حماية لرأس نظامهم، ومعظم السوريين رأوا فيه ما يحول دون حصولهم على حقوقهم، وحامٍ لقاتلهم.

لا وصف لدى النظام ومحيطه لتركيا إلا "المحتل التركي"؛ والثورة السورية ومعارضتها بالنسبة لهؤلاء رهينة لتركيا؛ أما بالنسبة "للرهائن" السوريين، فهم يرون تركيا ملجأً من البراميل الأسدية وميليشيات إيران وسوخوي بوتين.

بالنسبة لمنظومة الاستبداد وحاضنتها، أميركا رأس المؤامرة على سوريا، وصاحبة قانون قيصر؛ ولكن هؤلاء- برأي بقية السوريين- ينسون "خطها الأحمر" على الرمال، وسياقتها من الخلف وسماحها لروسيا وإيران في التدخل لحماية منظومة الاستبداد.

داعش اسمٌ أذى ثورة السوريين في الصميم؛ فمن هو مع منظومة الاستبداد يرى الداعشية ركناً أساسياً في انتفاضة السوريين؛ وثورة السوريين تراها اختراعاً أمنياً أسدياً أكثر أمرائها خريجو معتقل صيدنايا ومن زملائهم الذين دفعت بهم إيران وإسرائيل ودول أخرى لتشويه ثورة السوريين.

معظم السوريين يرون في "مؤتمر سوتشي للشعوب السورية"- حسب تسمية بوتين- ومسار "أستانا" إهانة للشعب السوري، وخطفاً للقرارات الدولية التي تحفظ حقوقهم؛ والتفافاً على مسار "جنيف"؛ ويراهما النظام ومن معه مخرجاً لسوريا؛ ببساطة لأن النظام لا يريد العملية السياسية، وترعبه عبارة: "انتقال سياسي".

يرى نظام الاستبداد ومؤيدوه بأنهم انتصروا لمجرد بقاء النظام كل هذا الوقت في مواجهة "المؤامرة الكونية"؛ وشعب سوريا أيضاً يرى بأن ثورته انتصرت، وللسبب ذاته. وحقيقة الأمر أن كل سوريا والسوريين خسروا؛ ولا بد أن يعترفوا بذلك، ويبدؤوا بمراجعة شاملة لكل ما حدث، وبصدق وصراحة وعقل وإرادة.

سوريا لن تعود لما كانت عليه من قهر وذل واستبداد. فالحرية لا تنازل عنها، ولا بد من حماة ديار حقيقيين

هذه بعض نماذج التناقض والتنافر في الرؤى والسرديات؛ ويمكن إضافة مئات حالات التناقض والتنافر؛ وكلها تدل على افتراق وفجوات وتشظٍ حقيقي لا يمكن أن يعيد سوريا إلى سكة الحياة؛ ولو طالت الحالة لسنوات وسنوات.

لا مخرج إلا باقتراب المفاهيم كي تكون النجاة.

ليس ظاهراً بل في القلوب والعقول ننجو، وتعود سوريا الوطن. سوريا لن تعود لما كانت عليه من قهر وذل واستبداد. فالحرية لا تنازل عنها، ولا بد من حماة ديار حقيقيين، وليكن في سوريا سلطة ومعارضة تحكمهما مبادئ الديموقراطية والقانون في مجتمع متجانس ووطن سيد مستقل لكل أهله، ولا مكان فيه لإسرائيل أو داعش أو إيران أو أميركا أو روسيا أو تركيا. إنه القطع مع هذا الماضي والبناء على حلم الثورة وما أنجزته بأغلى الأثمان. حقيقة الحياة وحكمتها تقول: "تنتهي حبة القمح، كي تتحوّل إلى سنبلة".

=========================

اي النظامين سيسقط أولا: اللبناني ام السوري؟

ساطع نور الدين

المدن

الاثنين 22/3/2021

قد لا يكون التزامن بين تداعي النظامين اللبناني والسوري وبلوغهما نهاية الطريق، مجرد صدفة، وإن كانت معالم تلك الخاتمة متشابهة، وتختصر بحقيقة واحدة هي أن النظامين يدفعان اليوم الثمن المتأخر لحربين مدمرتين، مديدتين، لم يتمكن أي منهما من إحتوائها والخروج منها بأقل قدر من الخسائر والاضرار.

النظام اللبناني يتهاوى، ويكتشف اللبنانيون اليوم انهم لم يخرجوا من الحرب الاهلية، التي صاغ العرب والاميركيون هدنتها السياسية في اتفاق الطائف، الذي لم ينفذ حتى اليوم، وإشترى رفيق الحريري بدائلها الاقتصادية بالمال. وها هو النظام اليوم يواجه لحظة النهاية، حيث الافق مسدود أمام أي تغيير او تطوير سلمي، ولا توجد طائفة او قوة سياسية واحدة قادرة على الدفاع عنه وحمايته من السقوط.

لم يذكر الامين العام لحزب الله حسن نصر الله، ذلك النظام بالاسم، ولم يؤشر الى اتفاق الطائف بالتحديد، عندما كشف في كلمته التلفزيونية الاخيرة، ان ثمة أفكاراً تدرس حول تعديل الدستور(من دون أن يستخدم الكلمة بالذات) لتحديد مهل التكليف والتأليف -المفتوحة- لرئيس الحكومة..من دون أن يدرك على الارجح ان تلك المهل هي واحدة من أهم اسباب الحرب الاهلية، وومن دون أن يلاحظ ربما أن أي مس بها يخفض رتبة الشاغل السنّي لمنصب رئاسة الحكومة الى مستوى الموظف عند رئيس الجمهورية الماروني، كما كان الحال قبل الطائف.

لم يستنفر السنّة لهذا "التعدي" الصريح على صلاحيات رئيس الحكومة، لسببين متعارضين، أولهما ان الطائفة رأت في ذلك الاقتراح ترجمة عملية لنوايا مبيتة عند حزب الله وحليفه التيار العوني، لتكريس الهيمنة والغلبة الطائفية، ولنسف اتفاق الطائف، وثانيهما أن الطائفة السنّية تدرك في قرارة نفسها ان ذلك الاتفاق يحتاج بالفعل الى تحديث، وتفكير هادىء وبحث عميق مع قوى سياسية عاقلة ورصينة، لا ترث أحقاد الحرب الاهلية وتتناقلها، في كيفية إجراء هذا التحديث، وفي اعادة بعض صلاحيات رئاسة الجمهورية المسلوبة، الى رئيس مقبل، لم يترشح بعد.

فتح نصرالله البحث، فكان الرد الفوري، ان الوقت لم يحن بعد. لم يبادر أحد الى التحذير من مغبة ذلك المس بواحد من أخطر المحرمات السياسية في مرحلة ما بعد الحرب الاهلية. للمرة الاولى منذ الطائف، بدا النظام اللبناني يتيماً، مأزوماً أكثر من أي وقت. ولم يكن أحد يحتاج الى أدلة على تلك الازمة، التي تحظى بالاجماع، وتهدد الدولة ومؤسساتها كافة.. وتعيد السلطة تدريجيا الى الشارع.

مثل هذا البحث لم يفتح بعد في سوريا، لكن الازمة تكاد تكون واحدة. بدأ نظام آل الاسد مسار الانهيار الحتمي، بعدما بلغ الدعم الروسي والايراني حده الاقصى. وفاقت أكلاف العشرية الاولى من الحرب قدرة النظام وجميع حلفائه على الاحتمال. ولم يعد العثور على مخرج سياسي "دستوري" من الازمة ممكناً. الخيار الوحيد المتبقي لسوريا، وربما للبنان أيضاً، إذا ما ظلت الطبقة السياسية على عنادها وتهورها، هو في المؤسسة العسكرية التي يمكن أن تتقاسم المسؤولية مع صندوق النقد الدولي عن إدارة البلدين، ومنعهما من السقوط تحت وطأة المجاعة والفوضى. وهو بالمناسبة خيار يتهدد معظم الدول العربية التي تواجه منذ مطلع هذا القرن مظاهر غير مألوفة من الفقر والاضطراب الداخلي.

قد يكون الرهان السوري على الخارج، للاسراع في صياغة هذا المخرج، رابحاً أكثر من الرهان اللبناني، فقط لأن دموية الصراع في سوريا وكلفته البشرية والاقتصادية ومخاطره التي تتخطى الحدود السورية، أكبر بكثير من طبيعة وكلفة الصراع في لبنان، الذي يمكن إختزاله بسؤ الطبقة السياسية وفسادها وعدائها المستحكم لغالبية اللبنانيين.

أي النظامين سيسقط أولاً. لا فرق، المهم أنهما باتا على شفير الهاوية، وما من قوة على الارض تستطيع إنقاذ أي منهما. وقد يكون السقوط المتزامن آخر الصدف التي جمعت بينهما يوماً في سبعينات القرن الماضي.

=========================

معضلة الحل السياسي في سورية

نجيب الغضبان

العربي الجديد

السبت 20/3/2021

مع تزايد الحديث عن انسداد الأفق السياسي للتوصل إلى حل للصراع المزمن في سورية، مقابل الخطوات الإيجابية التي تم إحرازها في ليبيا، واهتمام الإدارة الأميركية الحالية بإنهاء الحرب في اليمن، ومرور عقد على انطلاق الثورة/ المأساة السورية، يكتسب نقاش هذا الموضوع أهمية فائقة. ستركز هذه المقالة على المعضلة الأساسية التي غالباً ما يتم القفز فوقها، أو تحويرها، أو تأجيلها باسم البراغماتية السياسية، ألا وهي التوصل إلى تسويةٍ حول مصير رأس النظام بشار الأسد. إن تجاهل هذه المعضلة على مدى السنوات الماضية، وفي أغلب الجهود الدبلوماسية الدولية، هو السبب الرئيس لفشل تلك الجهود.

في تجارب أغلب الدول التي انتقلت من الحكم السلطوي، فإن البداية الحقيقية لعملية التحوّل تكمن في لحظة رحيل الحاكم الدكتاتور. ومع تسليمنا بأن رحيل رأس النظام السلطوي لا يعني، بالضرورة، التحول إلى نظام ديمقراطي، فمن الدول العربية التي رحل رأس النظام فيها عن الحكم، لم تبلغ إلا واحدة منها، وهي تونس، مرحلة التحول إلى الحكم الديمقراطي، على الرغم من التحدّيات الكبيرة التي تواجهها. الدولة الوحيدة التي لم تبلغ غاية رحيل رأس نظامها هي سورية. ولعل هذا ما يفسّر، جزئياً، أن هذه الدولة شهدت أقسى حالات الصراع، ودفع أهلها أثماناً إنسانية ومادية باهظة، وطالت فيها الحرب إلى ما يزيد عن السنوات العشر. فكما هو معلوم، للثورة السورية أسبابها الموضوعية المتجذّرة في استبداد نظام الأقلية القمعي وفساده. ومع أن إرهاصات الثورة السورية بدأت بمطالب إصلاحية محدودة، إلا أنها لم تلبث أن تحوّلت إلى ثورةٍ بالمعنى الشامل، تبنت الشعار الشائع "الشعب يريد إسقاط النظام". وللإنصاف، كانت قطاعات واسعة من المهتمين بالشأن العام قد ناشدت بشار الأسد أن يقود عملية إصلاحية يكون جزءاً منها، وهكذا فعلت حكومات منها قطر والسعودية وتركيا. التحوّل إلى المطالبة بتغيير النظام، المتضمنة رحيل بشار الأسد، بدأ بشكل مبكر في عمر الثورة السورية، بسبب رد الفعل العنيف الذي أظهرته الأجهزة القمعية في تصدّيها للتظاهر السلمي. ويعتبر الخطاب الأول الذي ألقاه الأسد في مجلس الشعب، في نهاية شهر مارس/ آذار 2011، نقطة تحول بالنسبة لسوريين كثيرين كانوا ينتظرون من الأسد خطواتٍ إصلاحيةً لاحتواء الغضب الناجم عن قمع قواته للتظاهرات السلمية. كما كان للنجاحات الأولى التي حققتها حركات الاحتجاج في باقي دول الربيع العربي دور في إقناع أغلبية الشعب السوري بضرورة رحيل النظام ورأسه. واحتل شعار "إرحل إرحل يا بشار" مكانته المحورية بين الشعارات الثورية الأخرى، باعتبار هذا المطلب هو البداية المنطقية للتغيير المنشود.

احتل شعار "إرحل إرحل يا بشار" مكانته المحورية بين الشعارات الثورية الأخرى، باعتبار هذا المطلب هو البداية المنطقية للتغيير المنشود

بالنسبة إلى الغالبية من الشعب السوري القابع تحت ثنائية القمع والفساد، فإن رحيل بشار الأسد أمر منطقي، فقد أتم "الولد" ما يزيد عن عقد، لم يحقق فيه وعوده المتواضعة بالإصلاح والتطوير. ومع انحيازه لخيار القمع والقتل بحق المتظاهرين السلميين فقد بدّد كل ادّعاء بالشرعية. لكن وللحقيقة، ارتأى مؤيدو النظام أن بقاء بشار الأسد في السلطة يتجاوز رمزية الإقرار بأن لدى الحركة المناهضة للنظام مطالب مشروعة إلى أن استئثاره بالحكم هو الضمانة في وجه التهديد الوجودي، خصوصا بالنسبة للطائفة العلوية. أما المستفيدون من النظام من باقي مكونات الشعب السوري، فإن رحيل الأسد يعني فقدان الامتيازات الاستثنائية التي يتمتعون بها بغير وجه حق. ولذا استثمر النظام في سردية مفادها بأنه الحصن العلماني المدافع عن الأقليات في وجه التطرّف الإسلامي القادم. وطرح هذا المعسكر، خصوصا في جناحه المتطرّف "الشبيحة"، شعاراً مقابلاً للشعار المطالب برحيل بشار، وهو: "الأسد أو نحرق البلد".

وعلى صعيد الجهود الدبلوماسية، طُرح موضوع ضرورة تنحّي الأسد مدخلا لأي حل سياسي، في مطالبات قادة غربيين بذلك. وكان أهم تلك المناشدات ما صرح به الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، في أغسطس/ آب من عام 2011، إن على الأسد تقديم إصلاحات حقيقية أو التنحّي. وتضمنت المبادرة الثانية لجامعة الدول العربية في أوائل عام 2012 خطواتٍ تقود إلى رحيل الأسد، فكانت الصيغة التي طرحتها الجامعة مماثلة للمبادرة الخليجية بشأن اليمن، بحيث يتنازل الرئيس عن صلاحياته لنائبه الذي يقود مرحلة انتقالية، تنتهي بإصلاحات حقيقية. وبالطبع، كان رفض النظام قاطعاً لهذه المبادرة، واختفى من وقتها النائب الأول لرئيس الجمهورية، فاروق الشرع، من المشهد السياسي.

ومع أن مبادرة مبعوث الأمم المتحدة إلى سورية كوفي عنان لم تشر صراحة إلى رحيل الأسد، فإنها شملت نقطة التوصل إلى حل سياسي يلبي طموحات الشعب السوري، وهي ترجمة لتغيير جذري في طبيعة النظام، لا يتسق معها استمرار الأسد في السلطة. ثم جاءت وثيقة جنيف الشهيرة التي أصبحت مرجعية الحل السياسي في سورية، وتبنّتها قراراتٌ دوليةٌ، أهمها قرار مجلس الأمن رقم 2254. ومع أن الوثيقة لم تنص بشكل صريح على ضرورة رحيل الأسد، لكنها قدّمت تسوية مقبولة للدول التي وافقت على الوثيقة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وروسيا. تحدّثت الوثيقة عن ضرورة تشكيل "هيئة حكم انتقالي"، من النظام والمعارضة وأطراف ثالثة، كالمجتمع المدني، بصلاحيات تنفيذية كاملة، تقود مرحلةً انتقاليةً تنتهي بحكم ديمقراطي. كما نصّت الوثيقة على أن يكون تشكيل هيئة الحكم الانتقالي بالتوافق، وهو ما اعتبر نوعا من الغموض "الإيجابي". وكانت نقطة التوافق هذه تعني إعطاء نوع من "الفيتو" لكل من المعارضة والنظام، برفض أي شخصٍ غير مقبول منهما. وبحلول صيف عام 2012، وقت إقرار الوثيقة، كان هناك إجماع بين القوى الثورية والمعارضة على ضرورة رحيل الأسد مدخلا لأي حل سياسي، باعتباره مسؤولاً مباشراً عن كل أشكال القتل والقمع والدمار التي حلّت بالبلاد. وتتفق أغلب الجهات الدولية على أن تشكيل الهيئة بالتوافق يعني استثناء الشخصيات المرفوضة من كلا الطرفين. ولم تشذ عن هذا التفسير إلا روسيا التي تمسّكت بحق الأسد في أن يكون جزءاً من المرحلة الانتقالية، كما أن لديه الحق في الترشح للرئاسة مستقبلاً.

لم تتخذ الأطراف الدولية الداعمة للمعارضة موقفاً تجاه الانحراف الروسي عن اتفاق جنيف، بل نصح بعضها المعارضة بأن تشارك في هذه المسارات

كانت الجهود الدبلوماسية التي جرت على أساس الوثيقة تتأثر بالوقائع على الأرض، وقناعة كثيرين من السوريين والمجتمع الدولي بأن نظام الأسد ساقط لا محالة. من هنا، اتخذت المعارضة موقفاً مفاده أن رحيل الأسد شرط للدخول في المرحلة الانتقالية. لكن ومع تأخر هذا التوقع، بفعل القمع الوحشي للنظام، وتدخل حليفه الإيراني الحاسم بأذرعه المختلفة، مقابل تقاعس داعمي المعارضة عن مجاراة حلفاء النظام، بدأت قوى غربية ووسطاء أمميين تنصح المعارضة بضرورة إبداء بعض المرونة تجاه هذا المطلب. وبالفعل، استجابت المعارضة على أن يكون أمر رحيل الأسد نتيجة العملية الانتقالية، وضمن جدول زمني واضح. وتمسّكت المعارضة السياسية بهذا الموقف في أثناء الجولات الأولى من مفاوضات جنيف، بينما كانت استراتيجية النظام الدخول في نقاشاتٍ عبثيةٍ لكسب الوقت، أملاً في تغيير الحقائق على الأرض لصالحه.

ومع تدخلها العسكري الحاسم في سبتمبر/ أيلول 2015، أعقب ظهور ما سميت الدولة الإسلامية (داعش)، انتهجت القيادة الروسية منحىً جديداً في تحوير العملية السياسية، ومحاولة تغيير مرجعيتها من وثيقة جنيف إلى ما سمي مسار أستانة وسوتشي لاحقاً. وترافق مع هذه التطورات تزايد الخلافات بين داعمي المعارضة، بينما استطاع الروس استعادة المبادرة على الأرض، والنجاح باستمالة تركيا إلى مسار أستانة. ونجحت روسيا بتقزيم العملية السياسية، وذلك بتقسيمها إلى جزئين: أولهما، التركيز على ما سميت عملية تثبيت وقف إطلاق النار المحلية التي عنت تدمير مناطق المعارضة وترحيل مقاتليها إلى الشمال الغربي. وتمثل القسم الثاني في إعطاء الأولوية لتشكيل لجنة دستورية، تنظر في تعديل دستور الأسد لعام 2012، أو صياغة دستور جديد. وقد جاء هذا التحوير للعملية السياسية مناقضاً للقرار الأممي 2254 الذي نص صراحة على تسلسل منطقي، يبدأ بتشكيل "حكم انتقالي"، تتبعه عملية دستورية، ومن ثم انتخابات برلمانية ورئاسية. ولم تتخذ الأطراف الدولية الداعمة للمعارضة موقفاً تجاه هذا الانحراف، بل نصح بعضها المعارضة بأن تشارك في هذه المسارات، باعتبارها الجهود الوحيدة المتاحة.

لم يكن بشار الأسد رئيساً لكل السوريين في أي وقت، وأصبح عدواً للملايين المشرّدة وغريماً لأهالي الضحايا الذين تجاوزا المليون بين قتيل وجريح ومعتقل

ومع النجاحات العسكرية للنظام، بفعل الدور المحوري الروسي - الإيراني وتراجع الدول الداعمة للمعارضة، تراجع موضوع رحيل الأسد من أولويات الجهود الدبلوماسية. وغدا السقف السياسي للروس (أهل الحل والعقد في سورية) هو إقناع بعض الشخصيات "المعارضة" بالدخول في حكومة برئاسة الأسد إلى حين الانتخابات التي تعطي الأسد الحق في الترشح والنجاح سبع سنوات أخرى، استناداً إلى دستوره الذي أقرّه عام 2012. لكن لحظة إعلان انتصار النظام على شعبه لم تكن لتدوم طويلاً، لأنه أصبح مسؤولاً عن المناطق التي أعاد السيطرة عليها، وعن إعادة إعمارها، وهو أمر أكبر من قدرته، ومن إمكانات داعميه الروس والإيرانيين.

وأخيراً، حمل عام 2020 تطورين هامين في غير صالح النظام: الدور التركي العسكري في إيقاف تقدم النظام باتجاه إدلب؛ الموقف التركي الحاسم كان مدفوعاً بفعل التخوّف من احتمال نزوح ملايين السوريين المقيمين في تلك المناطق تجاه أراضيه، وإقرار الولايات المتحدة قانون قيصر، ودخوله حيز التنفيذ. وقد حرم تطبيق العقوبات المتضمنة في قانون قيصر على النظام السوري وداعميه نظام الأسد من تحويل "نصره" العسكري إلى نصر سياسي، وعقّد إمكانية إعادة تأهيله إقليمياً ودولياً عندما ربط عملية إعادة الإعمار بالحل السياسي. ومع أن النظام حاول تحميل فشله في إدارة الأزمة الاقتصادية القاتلة التي تعصف بالبلاد (بينما تعاني أغلب الدول بما فيها داعمو النظام من أزمة كورونا)، فإن الأكيد أن النظام قد وصل إلى طريق مسدود في كسب معركة السلام.

مع النجاحات العسكرية للنظام، تراجع موضوع رحيل الأسد من أولويات الجهود الدبلوماسية

لم يكن بشار الأسد رئيساً لكل السوريين في أي وقت، وأصبح عدواً للملايين المشرّدة وغريماً لأهالي الضحايا الذين تجاوزا المليون بين قتيل وجريح ومعتقل، وأثبت فشله الذريع في تقديم أي من عوائد الانتصار لسورية "المتجانسة". الخلاصة المهمة لأنصار النظام أن معاناتهم مرتبطة ببقاء الأسد في الحكم، كما أن الإصرار على بقائه لن يزيدهم إلا خيبة وأسىً. المخرج الوحيد من هذه الأزمة المزمنة يكمن في قبول تسويةٍ على أساس مرجعية وثيقة جنيف، تضع المؤيديين والمعارضين والرماديين في صفوف متكافئة لإعادة إنتاج عقد سياسي جديد، أساسه المواطنة المتساوية تحت سقف دولة القانون. الشرط الأساسي لنجاح مثل هذه الصيغة رحيل الأسد.

هنا تقع المسؤولية على الأطراف الدولية الأساسية، وخصوصا الولايات المتحدة وحلفائها، وروسيا الداعم الرئيسي للأسد. وتستوجب هذه المسؤولية تدخلاً عاجلاً وحاسماً لوقف التدهور واحتمالات الانفجار في النصف الثاني من سورية، وذلك بإعادة العملية السياسية إلى مرجعيتها المنطقية، من خلال وثيقة جنيف، والبدء بالمفاوضة حول شروط رحيل الأسد. قد يطول الوقت اللازم لحل هذه المعادلة الصعبة أو يقصر، لكنه يضع الشعب السوري المنهك من هذا الصراع أمام تحدّي البحث عن حلول خلاقة لبناء إطار سياسي يتسع لكل أبنائه، متجاوزاً تجربة مأساة حكم الأسد.

=========================

ثورة ليست كغيرها

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 20/3/2021

في كل الأعمال الخارجة عن أي مألوف، وحيث الواقع أكبر من احتمالاته، كما قال الفيلسوف هيغل، يصعب على المتابع، حتى إن كان من النوع الذي سماه هيغل نفسه "مؤرّخ كل يوم"، أن يقرأ ثورة السوريين، فهي من أبرز الأعمال الخارجة عن المألوف، وتتحدى قدرتنا على إيجاد لغة تليق بها، وتعبر عن مضامينها التي تجل عن الوصف، وتتخطّى كل ما سبق أن عرفته بلادنا ومنطقتنا خلال تاريخها الطويل، وما عاشته من أمجاد ومآس.

تتحدّانا الثورة التي خال أعداؤها أنها مستحيلة، وها هي تجعل كل ما عداها باطلا وقبض ريح. وبعد أن كانت حلما تُقاس به الأماني، صارت واقعا لا حلم سواه ولا أمنية عداها، يعيشه السوريون منذ الخامس عشر من مارس/ آذار عام 2011. ونحن في يوم الذكرى العاشرة لانفجارها الذي زلزل الدنيا بمعنى الكلمة الحرفي، ولم يستطع أعداؤها حجب ارتداداتها عليهم، وعلى أولئك الذين هرعوا إلى الحرب عليه، وفي ظنهم أنه يكفي أن يهشّوا لها من بعيد، حتى تنهار، ويفرّ أحرارها مذعورين لا يلوون على شيء.

قبل الثورة بأيام، قال بشار الأسد إن سورية لن تشهد ثورة، بسبب التطابق بين معتقداته وما يعتقد به الشعب. بعد أيام، واجه الثورة بردّ فعلٍ أحمق قدر ما هو إجرامي، لأنه استهان بالربيع العربي، وأفهمه جلاوزته أن مجال السلطة العام لا يتّسع للسوريين، فإن دخلوه تم اصطيادهم واحدا بعد آخر، وجماعة بعد جماعة. لم يدخل الشعب مجال الأسدية العام أفرادا أو جماعات، بل اقتحمه كشعب ينتمي إلى مجاله الخاص، القائم على الحرية، والمتنافي مع كل ما يمتّ إلى الأسدية بصلة، والمفعم بالحرية الكرامة والتصميم على كسر قيود الطغيان. وما أن واجهته آلة القمع بعنفها، حتى أخذت تتصدّع بعجزها عن كسر إرادته أولا، ثم بإصراره على تخطّي حواجز النار والدم، الذي بلغ عامه العاشر. ولو أنك سألت متحمسّا للثورة عن الفترة التي يمكن أن يستمر الصراع فيها بين الاستبداد المنظم في مستوى السلطة والحرية التي وحّدت إرادتها وسط الأهازيج، لأخبرك أن الاستبداد أعد نفسه لمثل هذه الساعات، والشعب مشتّت مبعثر، ومن الصعب أن تستمر الثورة. لكن الواقع كان بعيدا عن هذه المخاوف، فالسوريون راهنوا على أنفسهم برهانهم على حريتهم، وأسّسوا إرادتهم العامة في الشارع، وخذلوا من خال، كالأسد، أنه لن تقوم لها قائمة، ما دام نظامه قائما، غير أن هذه الإرادة التي عبرت عن نفسها ناضجة فاعلة خلال الثورة، وجدت قبلها. ولو لم توجد، لما كان هناك غير مزق متناثرة من مواطنين تائهين، ولما شهد العالم جموعا هائلة توحّدها الحرية، وهي تحتفي بها في الشارع، والرصاص ينهمر عليها كالمطر، فكأنها تحتفل بأحد طقوس التضحية التي كانت ضرورية في الزمن الغابر لإنقاذ الجماعة، وغدت بعد الثورة رهان الخلاص، ومعيار التفوّق الأخلاقي والوطني على من كان الرصاص لغتهم التي فشلت في إسكات من يحتفون بأنفسهم وهم يردّدون: سورية بدها حرية، والشعب السوري واحد.

واليوم، وبعد أن بدأ الشعب تاريخا جديدا، وبلغ العاشرة من عمر حريته الذي انتزعه بدمه ودموعه من عمر الأسدية، واجتاز المطهر السياسي والروحي الذي فرض عليه، لم يعد هناك أي شكٍّ في أن النظام الأسدي المقيت صار وراءه، لأنه عجز عن ليّ ذراعه، أو كسر عزيمته، أو إجباره على التخلّي عن إيمانهم بالحرية وبوحدة الشعب، وربط وجودهم به، ما دامت الحرية هي النقطة التي فصلوا أنفسهم بواسطتها عن إجرام الأسدية وبؤسها، وشتلة المستقبل اليانعة التي تتنامى كل يوم وفي كل خطوة يخطونها، حيثما كانوا، على درب الألم الراهن، والحلم الآتي.

=========================

الثورات ونقاشٌ في العلاقة بين الوطنية والقومية

عمار ديوب

العربي الجديد

السبت 20/3/2021

تنتمي سورية، بأغلبيتها، إلى الأمة العربية، وتقطنها قوميات أخرى. الانتماء العربي حَمَلتهُ الحركات القومية قبل ظهور حزب البعث، ولم يتفرّد به، وما زال موضوعاً يتجادل فيه السوريون؛ فكان انتماءً مناهضاً للعثمانية أولاً، وثانياً للفرنسيين، وثالثاً للصهيونية. هناك جدل سيئ للغاية، لا يناقِش المسألة وفقاً للأصل التاريخي، وتطوراتها في الدولة العربية الإسلامية، وما تلا ذلك، وكهوية لأغلبية السوريين والعرب. وبغض النظر عن جعل النظام للقومية أيديولوجيا له، يُناقشها، الجدل، وفقاً للاعتبار الأخير، وهذا يدفع إلى رفض القضية من أصلها، فهي هو وهو هي، وهنا يقع الخطأ.

"البعث" والدولة القومية

صادر النظام السياسي في سورية المستند إلى "البعث" القومية، والقضية الفلسطينية، وباسمها عَزَّزَ تسلطيته، وأغلق بوابات الحياة السياسية بإحكام. هذا ما حدث منذ السبعينيات، ولكن للمسألة بعدا آخر، يتجاوز تبجيل الأنظمة المسألة القومية. يتعلق هذا البعد بإشكالية عدم تشكيل العرب دولتهم القومية كأمة، وضرورة ذلك. ارتبط عدم التشكيل باتفاقية سايكس بيكو التي قسَّمت بلاد الشام التي كانت بمثابة وحدة جغرافية وسياسية. وطبعاً هناك ارتباط تاريخي بين الشام ومصر، وبالتأكيد الخليج العربي والمغرب. الاستعمار الحديث في الشرق العربي والمغرب اصطنع للعرب حدودهم ودولهم "القُطرية"، وترسّخت بفعله وبتأثير مصالح فئات سياسية سيطرت بزمنه وفي الفترات اللاحقة على الاستقلال، وما تزال مصالح الطبقات الحاكمة الأكثر رفضاً لفكرة الوحدة. الطبقات هذه، وعلى اختلاف أنظمتها السياسية، ترفض فكرة الوحدة، ولكنها تتدخل في الدول الأخرى كلما أصبحت ضعيفة وفي وضعٍ متأزّم. في عشرية الثورات العربية، تأثرت الدول العربية بعضها ببعض، حيث كانت دول الخليج الأكثر تدخلية، وقبلها النظام السوري في لبنان، وغزو الجيش العراقي الكويت عام 1990. وهناك أشكال لا حصر لها من التدخل، وتتم باسم إرثٍ تاريخيٍّ، أو لغايات استراتيجية. وبسبب قوة الدول المتدخلة؛ للمسألة الوطنية بعد عربي، وهذا ما لا يمكن تهميشه، بل ومن الخطأ ذلك، سيما هو إحدى ضرورات التاريخ لنهوض العرب.

صادر النظام السياسي في سورية المستند إلى "البعث" القومية، والقضية الفلسطينية، وباسمها عَزَّزَ تسلطيته

أغلبية التيارات الفكرية والسياسية من قومية وأممية وإسلامية كانت تُغلِب رؤاها الفوق قطرية، وتتجاهل حقوق الأفراد في الدول القُطرية "الوطنية". وهذه الأيديولوجيات، في العموم، تؤمن بالطبقة أو الدين أو القومية. وبالتالي، ليس الفرد منطلقها، ومنظومة الديمقراطية وحقوق الإنسان والمواطنة غائبة عنها. الحاضر الأقوى لديها هو البحث عن طريق الوصول إلى السلطة (أو التحالف معها)، والسيطرة على جمهور تلك الثلاثية، وهذه حالةٌ كانت تتصف بها البلاد الكولونيالية بعامة. كان وجود فئات منادية بالحرّيات وحقوق الإنسان والمواطنة هامشياً بامتياز في فترة ما بعد الاستقلال، وتحديداً بعد أن وصلت بعض الحركات القومية إلى السلطة. وبالتالي، لم تتشكل أمة المواطنين، وكذلك لم تستطع الأمة الإسلامية أو القومية أو الأممية أن تكون بديلاً. دفع ذلك فئاتٍ كثيرة، ومع إخفاقات كبرى للدولة القُطرية بعامةٍ، وتحديداً الدول التي حكمتها الحركات القومية، للعودة بأفكارها نحو الداخل، والبدء بالنضال من أجل المواطنة وحقوق الإنسان والديمقراطية. ولاحقاً بدأ الكلام عن ضرورة بناء الدولة الوطنية، والابتعاد عن أية أيديولوجيات فوق وطنية. النقاش الأخير لم ينته بعد، بل وتضاعف منذ تسعينيات القرن الماضي من الأيديولوجية الليبرالية التي تجد أن كل مشكلات العرب وتأخرهم متعلقٌ بالتمسّك بالمسألة القومية، وتؤكّد ضرورة الانخراط بالنظام العالمي، والالتفات بشكل حاسم نحو قضايا الديمقراطية والمواطنة وحقوق الإنسان والتنوير والعلمنة وسواه.

ليبراليات عربية

شكل سقوط الاتحاد السوفييتي، وإفلاس الأنظمة "القومية"، وتحولها إلى تسلطيّة، وتطورات الواقع الذي تحكمه وطرحه ضرورة الخلاص من الأدلجة والتفكير بالمصالح والانفتاح على الخارج؛ شكل ذلك كله الأرض الخصبة للتيارات الليبرالية، لتطرح نفسها بديلاً، سيما أن العالم يتجه نحو ليبرالية جديدة منتصرة على "الاشتراكية". في هذه اللحظة، تكاثرت التيارات الليبرالية، وحدث نزوحٌ يساريٌّ واسع نحوها، بل تلبرل اليسار العربي بأغلبيته، وبذلك توهم من جديد أن الحل الجذري لكل مشكلات المنطقة يكمن في الليبرالية، وصار لا بد من التخلص من الماركسية والاشتراكية التي كانت الحل الجذري من قبل. طبعاً هناك يسار عربي تلبرل قبل سقوط الاتحاد السوفييتي، وصار يُعرِّف نفسه بدلالة الديمقراطية، والأدقّ بالليبرالية؛ فالديمقراطية بأساسها شكل للحكم، وكل التطورات اللاحقة عليها لا تخرجها عن ذلك التعريف.

أصبح حديث المواطنة وحقوق الإنسان بدءاً من تسعينيات القرن المنصرم حديث الساعة، والدولة الوطنية هي هدف التيارات الليبرالية بعكس الحركات القومية، أن فلسطين أولاً. وبخصوص فلسطين، لا بد من نظرة واقعية بالنسبة لها، تنطلق من التخلص منها، وأن الفلسطينيين هم أهل قضيتهم. وهناك إسرائيل التي أصبحت إحدى دول منطقتنا. أجرى النظام السوري إصلاحاً ليبرالياً في الاقتصاد سماه اقتصاد السوق الاجتماعي، وأصدر مئات المراسيم الرئاسية بقصد تحويل الدولة من التوجهات العامة إلى سيادة القطاع الخاص ولبرلة السوق. وبالتالي، يجب الانشغال بالداخل "ألوطني"، وشطب القومي، و"كبّ" كل النقاش عن إسرائيل. تطور هذا النقاش، وصارت له غلبة مع الإخفاقات أعلاه. وضمن ذلك دخلت القوى اليسارية والقومية بإحباط شديد، لم تخرج منه بعد. وفي هذا المناخ، التقت مصالح الأنظمة والمعارضات الليبرالية في التحوّل الليبرالي، مع مصالح القوى النيو ليبرالية والعولمة، وساد هذا الوضع بعد التسعينات، وإلى ما قبل الثورات العربية الجديدة نهاية 2010 وبعده.

أنتجت أنظمة الحكم السائرة نحو اللبرلة والانفتاح، وتسيّد الليبرالية في الأوساط المعارضة عربياً وسورياً، ليبرالية وطنيّة مشوّهة

أنتجت أنظمة الحكم السائرة نحو اللبرلة والانفتاح، وتسيّد الليبرالية في الأوساط المعارضة عربياً وسورياً، ليبرالية وطنيّة مشوّهة، تجد نفسها جزءا من نظام عالمي، ولا تجد خلاصاً لمجتمعاتنا إلّا عبر الوحدة العالمية الليبرالية، ويتأتى على هذا نسف للأفكار التي تلهج بضرورة تشكل الدولة الأمة، أو تتحدّث عن مشروعٍ قومي يسعى إلى تلك الدولة. هنا إشكالية كبرى، تتعلق بكيفية النهوض بالدول الوطنية "القُطرية"، فهل هذا ممكن في ظل سيادة الليبرالية الجديدة، وهل تسمح الأخيرة بذلك من أصله؟ يؤدي فهم الوضع العالمي إلى فهم حاجات المحلي "الوطني فعلاً"؛ العالمي هذا ينشغل بتوحيد العالم في إطار حاجات السوق، والسيطرة على دول العالم المتخلّف، ولا يعنيه بحالٍ تصنيع الأطراف أو دمجها به ضمن السوق العالمي الذي تشكله بوصفه مناطق جغرافية للاستثمار وللصراع مع الدول العظمى. وبالتالي، هي تبتغي تفكيك الاقتصاديات والبنية الاجتماعية والنظام الديمقراطي، أو منع تشكله. هذا ما فعلته أميركا بالعراق وبأفغانستان، وهو ما فعلته روسيا لاحقاً بالجمهوريات التي تبسط سيطرتها عليها وبسورية راهناً، وهذا حال الصين التي تتجه نحو سيطرةٍ عالميةٍ أكبر. وإذا دققنا بهذا الجانب، تصبح مهمة القيام والنهوض بالبلدان المتخلفة دقيقة، فكيف تتطور في عالمٍ تسيطر عليه الليبرالية الجديدة، وسميت متوحشة، وهذه لا يمكنها دعم الديمقراطيات. تناسبُ معها الأنظمة التسلطية، مع الإمعان في تفكيك المجتمعات، ليسهل بسط السيطرة عليها. أصبحت البلدان العربية بعد الثورات ودفع الأخيرة نحو خيارات خاطئة أكثر تبعية لأميركا وللاتحاد الأوروبي وللصين ولروسيا، وللدول الإقليمية التي تعاني من سياسات الدول الأكثر تقدّماً، أقصد تركيا وإيران.

نقاشٌ في الوطنية

يحاجج بعضهم أن سياسات الوطنية السورية أو المصرية أو الجزائرية وسواها ليست كالسياسات الليبرالية الجديدة؛ فهي في أغلبيتها ليبرالية، ولكنها ليست كالجديدة. طبعاً هذا من الأوهام، ولنفترض أنها ليست كالجديدة، وتُطعِم سياساتها بالحديث عن العدالة الاجتماعية ورفع الضرائب على الشركات الكبرى، إلا أن رؤيتها العامة، من ناحية ثانية، حاسمة لصالح التحوّل الليبرالي وحق الملكية الخاصة وتهميش دور الدولة. تجد القوى الليبرالية أن الطبقة البرجوازية وحدها القادرة على تطوير الاقتصاد وتلبية حاجات كل الطبقات، وأن على الطبقات المفقرة أن تقبل بأنها محض قوة عملٍ .. تُصوّر القوى الليبرالية الاقتصادية نفسها بأنها تتمتع بأخلاقٍ كافية، فهي تبتغي تعزيز حرية السوق، وضمان حقوق الطبقات الفقيرة من ناحية أخرى. هذا عبثٌ كامل؛ فقانون السوق السائد في الدول العظمى كلّيٌّ، فكيف بدولٍ لا توجد فيها موانع أو قوانين كابحة للاستغلال، بل وأصبحت مفكّكة بالمعنى الاجتماعي والسياسي، وأغلبية قواها السياسية ما زالت استبدادية، بما فيها الليبرالية. المقصد هنا، لا يمكن تعزيز البعد الوطني للقوى السياسية على أسسٍ ليبرالية، وكذلك لا يمكن نشوء قوى وطنية في بلادنا من دون الاستناد إلى قيم الفرد والمواطنة وحقوق الإنسان، ونستثني حق الملكية الكبيرة. هذا الإشكال يواجه الليبرالية العربية، ويواجه القوى السياسية على اختلاف أشكالها.

تهميش المسألة القومية فضاءً للدولة الوطنية ليس صحيحاً، وكذلك ليس صحيحاً تغييب البعد الطبقي عن وضع مجتمعاتنا التي ازداد فيها الانقسام الطبقي

التقت توجهات الأنظمة المستبدة في ضرورة اللبرلة مع اللبرلة السياسية. وإذا كانت الأنظمة تؤكّد على الاقتصادية منها، فإن الليبرالية السياسية تحاول الدفاع عن الحريات والديمقراطية والمواطنة، وإن كانت تنطلق من التسليم بقدرة الطبقة البرجوازية على تطوير مجتمعاتنا. الافتراق والالتقاء السابقان يكملان بعضهما، ويُدخلان سورية وسواها في إطار الليبرالية العالمية. ما لم يكن يُحسب له حساب أن تتحرّك الشعوب العربية رافضة الليبرالية الاقتصادية بشكلٍ رئيسيٍ، وراغبة في الليبرالية السياسية، ولكن بإطار يحقّق العدالة الاجتماعية والخبز والعمل. أي لم تجد الثورات أفكاراً سوى التي سادت منذ التسعينيات، وتحرّكت ثوراتها عبرها. وطبعاً، لم تستطع القوى اليسارية أن تقدّم بديلاً، أو رؤية أو أفكارا متماسكة، وكذلك غابت تلك القوى في إطار تفسّح اليسار العالمي، وانحياز بقاياه المتفسّخة إلى الأنظمة وضد الثورات الشعبية.

هناك مشكلة كبرى، وتكمن في فصم كل علاقة بين الوطنية والقومية، وطبعاً فصم كل علاقة بين الوطنية والطبقية، حيث تقدّم الليبرالية السياسية "الوطنية" باعتبارها تمثل الكل الاجتماعي، والقومية محض أيديولوجيا، ولم تعد صالحةً للتقدّم، ومفيدة للأنظمة فقط. وترى القوى الليبرالية الرؤية الطبقية محض أيديولوجيا وثرثرة، ولا تخدم التطوّر. رؤية الليبرالية العربية أقرب إلى الأيديولوجيا والعقيدة الإيمانية، وضمن أوهامها أن الاعتماد عليها سيشكل الدولة والهوية الوطنية، وندخل التاريخ، ونسبق الأمم التي تجاوزتنا منذ قرون.

لا يستقيم الوضع في سورية أو أية دولة عربية خارج ذاتها وخارج العالم العربي وبالطبع ضمن العالم؛ ففي عصر الليبرالية والسوق المفتوح لصالح الدول العظمى، لا يمكن المواجهة اعتماداً على أفكار بسيطة بديلة عن التركيب المُعقد المشار إليه، الطبقي والوطني والقومي، وكذلك العالمي، وأقصد إقامة صلات مع حركات عالمية لها الاهتمامات ذاتها، ترفع من شأن التحرّر والحريات والمساواة بين أمم العالم.

أصبحت مسألة الوطنية كحيزٍ للصراع الوطني قضية مركزية لبناء الدولة الحديثة، ولكن ذلك غير ممكن التحقق خارج إطار الصراع الطبقي المحلي

تهميش المسألة القومية فضاءً للدولة الوطنية ليس صحيحاً، وكذلك ليس صحيحاً تغييب البعد الطبقي عن وضع مجتمعاتنا التي ازداد فيها الانقسام الطبقي، وأصبحت معالم طبقات ثرية واضحة للعيان في هذا الدولة أو تلك، بينما اتسعت الطبقات المهمّشة. أمّا بعض شرائح الطبقات الوسطى فاندثرت، وبعضها الأكثر ثراءً لا يزال يحاول الاستمرار والعمل وإنتاج الأفكار.

الثورات العربية

كانت الثورة السورية، في بعض وجوهها، أثراً للثورات العربية، وتأثرت بالأخيرة كل الدول العربية، وهناك من يؤكّد أن تأثير الثورة المصرية تعدّى عالمنا العربي إلى العالم. الجانب العربي ظاهر فيها إذاً، ظاهرٌ من دون أدلجة، سيما أن العرب كرهوا الأدلجة الرخيصة التي امتازت بها الأنظمة، ولكن تتالي الثورات وترابطها، وتكرار ذلك منذ أواخر العام 2010، يقول بضرورة التفكير الجادّ بها، وأن المسألة الوطنية لا تكفي بذاتها لفهم "عدوى" الثورات، وحاجات الشعوب إلى التطوّر ومواجهة الليبرالية العالمية، والهجوم الشرس للدول الإقليمية أو العالمية. لندقّق في تموضع كل الدول المتقدّمة في الوضع السوري وكذلك الليبي وأيضا اليمني، خصوصا، وهناك التدخل في كل شؤون عالمنا العربي. إذاً هناك علاقة بين الوطني والعالمي، فكيف السبيل إلى علاقةٍ كونيةٍ تعزّز من الوطنية والترابط مع العالم، ورفض السياسات الليبرالية الجديدة، ومنها ليبراليتنا العربية معتنقة السياسات ذاتها.

لم يكن علوَّ المسألة الوطنية واللبرلة في الأوساط الثورية وحده المدخل السليم للأفكار الثورية، حيث فشلت فشلاً ذريعاً، بعدما اعتُمِدت بعد 2011. تقول أحوال الدول العربية، ومنها تونس، إن تلك الأفكار، إضافة إلى مشاريع الإسلام السياسي، لم تُخرج البلدان العربية من أزماتها، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. وبالتالي هناك ضرورة لتفكيك أسباب الفشل الثوري، والإشاحة كليا عن الأفكار "السحرية"، كالقول بالوطنية حلا جذريّا، أو إعادة القول بالقومية أو الإسلام السياسي أو اليسارية كما كانت؛ كل هذه المشاريع قَدمت نفسها بديلا جذريّا، والآن تتقدم الليبرالية بالإطار ذاته، ولهذا فشلت واقعياً بعد ثورات 2011. ولا تُختصر أسباب الفشل بأثر الاستبداد أو العولمة أو إحدى الأيديولوجيات. ونتساءل هنا، وما هو حال تونس؟ ألم تقع فريسة الخلافات "العقائدية" بين تياراتها السياسية، وتَفشل في الخروج من أزمتها الاقتصادية والاجتماعية، والتي كانت جذر ثورتها، والثورات العربية. القضية إذاً تتجاوز الركون لبعض الأفكار الليبرالية وتصوراتها السياسية، والتي لا تتجاوز الوطنية المحلية.

أهم حدث في عالمنا العربي أن شعوبه ثارت، وفشل الثورات في إشادة دول وطنية لا يقلّل مما فعلته

توضيحا أكثر، أصبحت مسألة الوطنية كحيزٍ للصراع الوطني قضية مركزية لبناء الدولة الحديثة، ولكن ذلك غير ممكن التحقق خارج إطار الصراع الطبقي المحلي، والأخير يأخذ أشكالاً لا حصر لها، ومنها الصراع الفكري. يهمّني توسيع دائرة الرؤية الفكرية والسياسية للفاعلين في الوسط السوري والمنشغلين فيه. أكرّر، الوطنية صفة تطلق على كل المنشغلين بالأوضاع العامة، وبعيداً عن التبعية للخارج؛ هي صفة لكل التيارات السياسية ما دامت تعمل في الشأن المحلي، وتبتغي تطويره، وبغض النظر عن الاختلاف مع الآخر السياسي والفكري والثقافي. إذاً، لا أفكار كثيرة ولا مشروع نهوضيا أو جادا حينما نتكلم عن الوطنية بعلاقتها بالليبرالية، وهناك من يُخفي الأخيرة، ويتقدّم بالوطنية وكأنّها البداية والنهاية، وبدونها لا يقوم التطوّر.

العقائدية

مشكلتنا الفكرية الكبرى هي في العقائدية الفكرية أو السياسية، وهناك مشكلة عالمية وتتعلق بالعولمة، الأميركية والصينية خاصة، وهناك التسلطية الروسية، وبالطبع الدول المتقدمة تستفيد من أجواء العولمة لتعزيز مصالحها الداخلية والعالمية. في هذا الوضع العالمي يجب إنتاج الأفكار، والرؤى، والمشاريع، ونقد التيارات الفكرية المغلقة ونقد الثورات والمشاريع السياسية التي تسلطت عليها. وعالمنا العربي، وعلى خلاف إيران وتركيا وإسرائيل، يتطلب مشروعاً ينهض به، ويزاوج بين الوطني والقومي والعالمي، ولا يقيم تعارضاً بينها جميعاً. نهضت أوروبا عبر الطبقة البورجوازية، وتبنّت الليبرالية، ولاحقاً تم تطويرها عبر الديمقراطية، وبسبب نضالات الطبقات العمالية بالتحديد. وحدث تطوّر كبير في دولة الرفاه، بسبب شراكة الطبقات البرجوازية والأحزاب الاشتراكية والنقابات العمالية. هكذا نهضت أوروبا وتطوّرت، وهي ما عليه حالياً. وبغياب الاتحاد السوفييتي وغلبة اللبرلة وصعود الشعبوية، تراجعت دولة الرفاه، وأصبحت تعاني من مشكلاتٍ لها علاقة بضعف الديمقراطية وتراجع الخدمات للطبقات العمالية. وكَشَفَ وباء كورونا عن تلك المشكلات بشكل كبير. ولكن ماذا عنّا؟

أهم حدث في عالمنا العربي أن شعوبه ثارت، وفشل الثورات في إشادة دول وطنية لا يقلّل مما فعلته. لقد هشّمت النظام العربي بشكل كبير، ودفعته إلى مزيدٍ من التبعية، وتَوضح حدود دوره في الإطار الوظيفي لصالح الدول العظمى، وطبيعة مشروعه القائمة على التبعية والفساد والنهب وقمع الشعوب. فشل الثورات في تحقيق أهدافها لا يعني أن إعادة إنتاجٍ الأنظمة ممكناً. هي من دون شك تعيد إنتاج نفسها، ولكن بصورة أضعف من قبل وأكثر تبعيةٍ، وابتعاداً عن الشعوب وحاجاتها. وبالتالي، لا يمكن الصمت من جديد، فالواقع المأزوم يقول بضرورة ذلك. الواقع ثوري بامتياز، ولكن الأفكار شحيحة، وهي مدار نقاشنا، ورفضنا تصنيم الوطنية، وكأنّها بذاتها وليس بالصراعات التي أوضحت بعضها تقوم وتتطور وتصبح واقعة ذات معنى، ومنطلقاً للتطور الوطني أولاً والقومي ثانياً.

المشاريع السياسية

الإكثار من لصق صفة الوطنية على أية قضايا، المجتمع والدولة والسياسة في سورية، لا يشكل هوية ودولة وطنية. الأخيرات هي حصيلة الصراع المجتمعي متعدّد المستويات، وهو واقع الحال، حيث لا واقع فعليا من دون صراعاتٍ مستترة أو علنية أو ملتبسة. فكّك النظام المستبد في سورية البنية الاجتماعية، ورفع من عناصرها الأهلية، فسيّسها، أي جعلها طائفية وعشائرية وقومية ومحلية وأسرية. المعارضة لم تع بدورها خطورة ما فعله النظام منذ السبعينيات. وقبل ذلك أيضاً لم تتشكل دولة مواطنية أو وطنية في تاريخ سورية، وكذلك لم تساهم التيارات السياسية والفكرية بتأصيل الموضوع بشكل كافٍ. يقول مجمل التطور السوري إن سورية تتطلب مشروعات سياسية ديمقراطية، ليبرالية أم يسارية أم إسلامية وسواها كثير. إن توفر مشاريع كهذه يمكن أن يبني دولة مواطنية، ووطنية، ولكن العكس ليس صحيحاً في مجتمعاتنا، حيث الدولة "الكولونيالية" مُشوّهَة، وليست حيادية إزاء الإيديولوجيات أو الأديان أو الأفراد أو الطبقات؛ وبذلك يصير بناء الدولة الحديثة من مهمات المشاريع الآنف ذكرها.

الدولة الوطنية لا تولد من العدم، وتولد وتتطوّر بفعل مشاريع تاريخية واثقة بإمكانية التطور المستقل والمعتمد على الذات

إذاً، الدولة الوطنية لا تولد من العدم، وتولد وتتطوّر بفعل مشاريع تاريخية واثقة بإمكانية التطور المستقل والمعتمد على الذات. عالمنا تحكمه القوى الرأسمالية العولمية. وبالتالي، بناء دولة المواطنين هو المدخل نحو الخارج وليس العكس، وهو المدخل لتأمين حاجات الأفراد والطبقات، وعبره يمكن التنسيق والتشبيك وتوحيد بعض القضايا بين الدول العربية. وتوضح حالة التبعية في الدول العربية، حتى التي لم تشهد ثورات عربية، ضرورة التنسيق أعلاه، فهو وحده ما يكمل النهوض العام وحاجات الشعوب وكذلك حاجات الأنظمة، فتكون مستقلة، ووطنية، وقابلة للتطوّر التاريخي. وهذا يعني أن مسألة الإصلاح العام ضرورة حياتية للأنظمة العربية وللشعوب في آن. وبرفض الأنظمة للإصلاح، يصبح الأخير من مهمّات الشعوب، وحينما ترفض الأنظمة نضالات الشعوب الإصلاحية لا يبقى أمامها إلا الثورات كضرورات حتمية للتطور.

ذكرت الفكرة الأخيرة نظراً إلى التعقيد الواسع في مجتمعاتنا، وللضغوط العالمية. ونظراً إلى تعقّد مستقبل الشعوب العربية، وبالتالي كما نصبو إلى مناقشة بعض الأفكار في نصنا هذا، كذلك نعطي مكاناً للأنظمة العربية، سيما أن تغييرها ليس مسألةً بسيطةً كما ظهر في العشرية الأخيرة. وهذا يعني أن لتغييرها مداخل كثيرة، منها الثورات العربية والإصلاح، وسواهما كثير، حيث أعطتنا تجارب السودان والجزائر والعراق ولبنان في السنوات الأخيرة مداخل جديدة، واستفادت من أخطاء ثورات 2011.

أخفق العرب في بناء دولتهم القومية الجامعة، ويقع على تياراتهم الفاعلة خوض كل الصراعات ضمن الساحات الوطنية، وتطويرها وإنتاج هويات وطنية

عانى السوريون طويلاً من نظامٍ تسلطيٍّ يمثل شرائح من الطبقة الوسطى، أيديولوجيته القومية والاشتراكية. وشكلت الانقسامات المجتمعية قبل الثورة وبعدها دافعاً لمثقفين سوريين كثر للبحث عن مشروعٍ جامعٍ، للخروج من حالة الانقسامات تلك، والتخلص من إرث التسلطيّة. المشكلة هنا بالتحديد؛ فالقضية ليست نظرية فقط، أو وصفةٌ معينة وتلتئم الجراح، ويتآخى السوريون ويسيرون معاً نحو بناء هوية وطنية أو دولة جامعة. هذا تبسيط مخلٌّ للغاية. القضية تكمن في القوى المجتمعية والطبقات التي لها مصلحة في الدولة المواطنية الوطنية. فهل للطبقات الثرية المصلحة ذاتها للأغلبية المفقرة. قيام دولة حديثة يتطلب مشروعاً تاريخياً، ينهض بالاقتصاد والمجتمع والسياسة، وألا يخرج عما جرى في أوروبا، من نهوض صناعي، وتغيير عميق في الثقافة واعتماد الحريات ومساواة الأفراد في الحقوق والواجبات، وبالطبع تحييد الأديان عن السياسة، وأخيراً بناء الدولة القومية، وهذا هو جوهر النقاش في هذا النص. استغلت كل أشكال الحكم في سورية منذ نشوئها بعد "سايكس بيكو" الأديان والمسألة العشائرية والمناطقية وسيّستها، وخرّبت البنى المجتمعية. وبالتالي كيف السبيل إلى بناء تلك الدولة، وأن يكون من مهماتنا التنسيق مع بقية الدولة العربية، للنهوض العربي الكامل؟

ما بعد الثورات

زاد في تعقيد حالة التبعية المتعاظمة للدول العربية التطبيع أخيرا مع إسرائيل، والذي يعاكس تأثيره أيّة مشاريع للنهوض القومي أو الوطني. إذاً، لا يجوز تعظيم الأوهام بشأن سهولة القيام بدولة وطنية مواطنية، ولكن الضرورة التاريخية تفترض قيامها.

اللحظة التاريخية الراهنة هي واقع التبعية، والاحتلالات لأكثر من بلد عربي، وهيمنة تركيا وإيران وإسرائيل على العرب، وهناك روسيا وأميركا، واستعداد الصين للدخول إلى منطقتنا. تركيز التيارات السياسية والفكرية نحو قيام دولة وطنية مسألة ضرورية، وهذا يجب أن يخاض في كل بلد عربي أولاً، ولكن ذلك يفترض التشبيك بين هذه الدولة وتلك، وكذلك هناك ضرورة لقيام علاقات متكافئة مع شعوب المنطقة بأكملها، والإقرار لها بحقوقها السياسية، وبدءاً بالأكراد، والأتراك والإيرانيين.

نعم، أخفق العرب في بناء دولتهم القومية الجامعة، ويقع على تياراتهم الفاعلة خوض كل الصراعات ضمن الساحات الوطنية، وتطويرها وإنتاج هويات وطنية، ستعتمد، لا محالة، على العروبة رابطة ثقافية بين أفرادها، وتتجاوز كل أشكال الانقسام ما قبل الوطني. ولا تنتهي مهمة التيارات هذه هنا، بل تبدأ وتطوّر المحلي الوطني بأفق الوصول إلى الدولة الجامعة، وهذه قضية صراعٍ وطنيٍّ وقوميٍّ في آن واحد، ولكن ما لا يجوز اللعب فيه المفاضلة بين الوطني والقومي؛ فالوطني أولاً، ولا يقوم إلّا بالصراعات المجتمعية والطبقية الساعية إلى النهوض الوطني والعربي.

=========================

نفور اليسار الغربي من الانتفاضة السورية: نموذج شومسكي

صبحي حديدي

القدس العربي

السبت 20/3/2021

على مدار السنوات العشر من عمرها شهدت الانتفاضة الشعبية السورية سلسلة أنماط من المواقف السلبية التي صدرت عن مختلف تيارات اليسار الأوروبي والأمريكي والغربي عموماً، خاصة تلك التي تلتقي غالباً حول شعارات عريضة مثل مناهضة الإمبريالية والتدخل العسكري والعقوبات وما إليها. ورغم أنّ الكثير من القوى الشعبية، خاصة التقدمية واليسارية والديمقراطية، التي انخرطت في الانتفاضة تشترك مع تلك التيارات في الشعارات إياها، فإنّ افتراقاً بيّناً، مذهلاً وعجيباً ومحزناً، دفع باليسار الغربي المشار إليه ليس بعيداً عن مساندة الانتفاضة، فحسب؛ بل قريباً من بعض مواقف النظام وحلفائه الروس والإيرانيين غزاة سوريا، وكذلك ـ وهنا ذروة المفارقة ـ على توافق مع مواقف الإمبريالية ذاتها، ممثلة في الولايات المتحدة تحديداً.

التيارات كثيرة ومتعددة ومتباينة وليس من أغراض هذه السطور أن تأتي على إحصاء الحدّ الأدنى في تنويعاتها؛ خاصة، كما يتوجب القول، أنّ مرور السنوات العشر تكفّل بتعديل بعضها من دون أن يأتي بتحوّل جذري أو مراجعة نقدية. يكفي مثال واحد هو انقلاب كاتب يساري مثل الباكستاني ـ البريطاني طارق علي من اتهام المعارضة السورية المسلحة (وكان يتحدث من شاشة الفضائية الروسية!) بتنفيذ مجزرة الحولة، أيار/ مايو 2012، التي ذهب ضحيتها 108 أشخاص، بينهم 34 امرأة و49 طفلاً؛ إلى الإقرار، ولكن بعد خمسة أشهر، بأنّ النظام هو الذي يقف وراءها، وأنّ سبب تسرّعه في الاتهام الأوّل كان زمن المقابلة القصير الذي لم يتجاوز ستّ دقائق! سيمور هيرش وباتريك كوبرن وروبرت فيسك كانوا في عداد الصحافيين الأكثر تلقفاً لسرديات النظام، والاجتهاد فيها ولصالحها، حتى أنّ الأخير لم يتردد في امتداح سجون النظام ومعتقلاته التي أفسح له ضباط النظام الفرصة لزيارتها ورصدها والتدقيق في أحوالها من دون أيّ تدخل.

هذه السطور تسعى، في المقابل، إلى التركيز على نوام شومسكي الغنيّ عن التعريف بسبب مواقفه المناهضة للإمبريالية الأمريكية ومناصرة قضايا الشعوب بصفة عامة، إلى جانب مكانته العلمية العالية في اللسانيات بالطبع. ولعلّ من الخير البدء من المقدّمة التي وضعها لكتاب الصحافي الأمريكي ريز إرليك المعنون «داخل سوريا: القصة الخلفية لحربهم الأهلية وما يمكن للعالم أن يتوقعه» الذي صدر في نيويورك سنة 2014؛ وهو النصّ الأبكر الذي يكشف عن الخطل الكبير في تفكير شومسكي بصدد الانتفاضة السورية: أنها حرب بين العلويين والشيعة في مواجهة السنّة، وهي استطراداً أقرب إلى حرب أهلية منها إلى انتفاضة شعبية؛ وهذا استقراء (إذا جاز وصفه كذلك) قاد شومسكي إلى استنتاجات أكثر انزلاقاً نحو الخطل في مناسبات لاحقة، ستأتي هذه السطور على ذكرها.

يكتب شومسكي في المقدمة المشار إليها: «في الفصل الخامس يبيّن ريز إرليك أنّ النزاع يبقى بين نظام الأسد وقطاعات رئيسية من الشعب السوري. لكن الحرب أصبحت أكثر تعقيداً بسبب القتال المتزايد بين السنّة، والعلويين، والشيعة، وسواهم، من المجموعات الدينية والإثنية، ودخول مجموعات جهادية ذات أجندات متنوعة على النزاع». وبذلك فإنّ شومسكي لا يختزل تشخيص إرليك فقط (إذْ أنّ الصحافي الأمريكي، في الفصل الخامس المشار إليه، لا يقول البتة إنّ جوهر الصراع يدور حول الأديان والطوائف!)؛ بل ينوس، على غير عادته في التزام الدقّة، بين مصطلحَيْ «النزاع» و«الحرب» متجنباً تماماً أية إشارة توحي بانتفاض الشعب، أو قطاعات واسعة منه، ضدّ نظام استبداد وفساد لا يخفى طابعه على عقل تحليلي بارع مثل شومسكي.

قد يكون شومسكي النموذج الأبرز في صفوف اليسار الغربي النافر من الانتفاضة السورية، لكنه بالطبع قد يفسح المجال قريباً لآخرين أكثر بروزاً؛ ليس على صعيد مكانتهم وتمكّنهم ربما، بل في مستوى التجاسر على الحقّ والحقيقة

لافت، إلى هذا، أنّ الفصل الخامس الذي يشير إليه شومسكي يشرح الكثير من العناصر الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي دفعت السوريين إلى الانتفاض في آذار (مارس) 2011؛ لم يكن في عدادها «قتال» من أيّ نوع بين السنّة والشيعة؛ وأنّ بشار الأسد كان على يقين من أنّ السوريين، على نقيض ما جرى في تونس ومصر واليمن، «لن يثوروا أبداً ضدّ نظام عروبي، معاد لإسرائيل، معاد للإمبريالية». إرليك من جانبه يوضح من دون لبس أنّ «السوريين عاشوا تحت نظام دكتاتوري حيث نقد الحكومة يعني السجن والتعذيب» وأنّ الأسد «لم يسمح بأي أحزاب معارضة فعلية، وأنه عاش في شرنقة سياسية مقتنعاً كلّ الاقتناع بأنه محصّن ضدّ الانتفاضات العربية». في المقابل، يكتفي شومسكي بإطلاق صفة «الوحشي» على النظام، في سنة 2014 للتذكير، أي بعد «حادثة الكيميائي» كما يسميها؛ منتقلاً إلى ما يحلو له انتقاده عادة، أي أكاذيب التدخل الإنساني وسياسات الولايات المتحدة عموماً.

في مناسبة لاحقة، خلال محاضرة هارفارد 2015، طرح طالب سوري السؤال التالي على شومسكي: هل تعتبر التدخل الروسي في سوريا إمبريالياً؟ كان جواب أحد نقاد الإمبريالية الأبرز أنّ ذلك التدخل ليس إمبريالياً، رغم أنه من الخطأ في نظره أن تقف روسيا إلى جانب «نظام وحشي» مثل نظام الأسد؛ وزاد، أو الأحرى القول إنه استزاد: «إذا هاجمت الأسد فإنك بذلك تقوّي النصرة، فهل هذا ما تريده في سوريا؟»× ثمّ: «سواء رغبت في ذلك أم كرهته، فإنّ نظام الأسد يجب أن يكون جزءاً من التسوية السياسية، وإلا فإنه سيقاتل حتى الموت». ولعلّ الأخطر في تلك الآراء التي تناولت الوضع السوري أنّ شومسكي كدّس كامل مجموعات المعارضة السورية للنظام في سلّة واحدة هي «الجهاد» متمثلاً في «النصرة» المتفرعة عن «القاعدة» ومنذراً بأنها تتلقى الدعم الكامل من السعودية على سبيل جرّ المجتمع السورية نحو الوهابية.

هل توفرت في داخل سوريا قوى أخرى غير إسلامية أو غير جهادية، ضعيفة كانت أم متوسطة الحضور مثلاً؟ وهل توفرت، على مظانها الكثيرة وأخطائها الفادحة، مؤسسات تخصّ «المعارضة» الخارجية، مثل «الائتلاف الوطني» وقبله «المجلس الوطني» وبعدهما «لجنة التفاوض» وفي الغضون «الجيش السوري الحر» و«الحكومة المؤقتة»…؟ لا يلوح أنّ شومسكي معنيّ بتوظيف هذه المسميات في سياقات ملائمة تليق بعدّته الأثيرة في التحليل والتركيب والاستنباط؛ وكان تنزيه التدخل العسكري الروسي في سوريا عن أيّ بُعد إمبريالي، مقابل قدح أيّ جهد للتدخل الإنساني في الشأن السوري بوصفه مصطلحاً غير موجود أصلاً؛ بمثابة كاشف صريح تماماً حول الأفق الذي يراه شومسكي مناسباً للحلّ في سوريا: فليدع الشعب انتفاضته جانباً، لأنها تأسلمت وانقضى الأمر، وليدخل في تسوية مع النظام ذاته الذي انتفض عليه، ولكلّ مقام مقال!

وفي مقابلة مع إمانويل ستوكس، على موقع Jacobin، عنوانها «شومسكي ونقّاده» لا يرفض الأخير فكرة «الممرّ الإنساني» أو حتى منطقة حظر الطيران، ولكن هل تنفع في إنهاء النزاع؟ شومسكي يرحّل تساؤله هذا إلى «عارفين» بالشأن السوري (مثل باتريك كوبرن، دون سواه!) مستخلصاً مثلهم أنّ حلولاً مثل هذه يمكن أن تفيد في منطقة واحدة داخل سوريا، هي تلك التي يسيطر عليها الأكراد. وفي بلد تحتلّ أراضيه خمس قوى خارجية (روسيا، إيران، تركيا، الولايات المتحدة، دولة الاحتلال الإسرائيلي) يساجل شومسكي بأنّ خيارات التدخل الخارجي لم تثبت فعالية، ولا توحي بأي معونة في التوصل إلى حلول سلمية. ولكن… كيف يمكن لها أن تفعل أصلاً، حتى إذا شاءت؟

وقد يكون شومسكي النموذج الأبرز في صفوف اليسار الغربي النافر من الانتفاضة السورية، لكنه بالطبع قد يفسح المجال قريباً لآخرين أكثر بروزاً؛ ليس على صعيد مكانتهم وتمكّنهم ربما، بل في مستوى التجاسر على الحقّ والحقيقة، من دون رادع في سجلات الماضي أو الحاضر أو المستقبل.

=========================

بعد عقد على الثورة.. فاتورة التدخل الروسي والإيراني في سوريا

منتصر أبو نبوت - غازي عنتاب

الجزيرة

السبت 20/3/2021

شكّل التدخل الروسي والإيراني في الحرب بسوريا نقطة تحول في مسار الثورة، حتى بات النظام السوري وكأنه عاجز عن إخراجهما من سوريا في حال رغب في ذلك، أو وصل إلى ما يريد في البلاد. فلم تكتفِ روسيا وإيران بدعم النظام عسكريا، بل عملتا على ترسيخ وجودهما اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا، حتى إنهما في بعض مراحل النظام سابقا بين طهران وموسكو؛ كانتا كأنهما تغنمان أو تتلقيان أجريهما لقاء مساندة النظام السوري.

ومع مرور 10 سنوات على انطلاق الثورة السورية، تبدو المناسبة فرصة للكشف عن فاتورة تدخل إيران وروسيا في البلاد، فدخولهما بثقلهما إلى جانب النظام السوري جعلهما تتمكنان من السيطرة على مفاصل الدولة في جميع المجالات، ولعل أبرزها العسكرية والاقتصادية بالنسبة لروسيا، والعسكرية والاجتماعية أو ما يصفها الشعب السوري "بالطائفية" بالنسبة لإيران.

فقد عملت روسيا في أثناء فترة تدخلها على إنشاء فيلق جديد في جيش النظام يتبع شكليا لقيادة جيشه، لكنه فعليا يُدار من قبل ضباط روس، فضلًا عن أن الأسلحة التي تزود بها موسكو النظام تصل إلى الفيلق الخامس الذي يواليها. أما إيران فقد عززت سيطرتها على الفرقة الرابعة التي يقودها ماهر شقيق بشار الأسد، فضلًا عن مليشياتها المنتشرة في كل أرجاء البلاد.

واقتصاديا، مثّل استحواذ روسيا على ميناء طرطوس هدفا إستراتيجيا عسكريا واقتصاديا، فقد ضمنت موسكو مكانها في البحر المتوسط لعشرات السنوات المقبلة، وبدأت بالحصول على موارد المرفأ، إضافة إلى شركات عقارية واتفاقيات مثل اتفاقية الفوسفات السوري الذي سبب صراعا بين إيران وروسيا من أجل الحصول عليه، أما إيران فقد عززت من نشاطاتها التبشيرية في مناطق سورية بعينها، تمهيدا لمحاولات أوسع في جميع المناطق السورية، كما عملت اقتصاديا على إنشاء شركات وشراكات مع النظام السوري ورجال أعماله، أبرزها مشغل اتصالات جديد تعتزم طهران إطلاقه في البلاد.

الفرق بينهما

ويعتقد السوريون المعارضون للنظام أن الأهداف الأساسية والمهمة لروسيا وإيران في سوريا ليست واحدة، فيقول مدير موقع "كلنا شركاء"، السوري أيمن عبد النور، إن الفرق بين التدخلين كبير ويحمل جوانب مختلفة بالنسبة للشعب السوري. فالتدخل الروسي محصور في المجالين العسكري والاقتصادي، أما التدخل الإيراني فيغير ثقافة المجتمع بإرسال أعداد كبيرة من إيران والعراق حتى يحصلوا على الجنسية السورية، إضافة إلى المصالح الاقتصادية بزرع رجال أعمال جدد يعملون لمصلحة طهران.

ويرى عبد النور -في حديثه للجزيرة نت- أن الإيرانيين يسعون إلى زعزعة الدولة كمنظومة بتقوية مليشيات مثل حزب الله وغيره ممن قدموا إلى البلاد، حتى تتحول إلى لبنان ثانية.

ويتفق المحلل السياسي عبد الكريم العمر مع ما ذهب إليه عبد النور، إذ يرى أن التدخل الإيراني أكثر خطورة، خصوصا بعد بدء إيران بنشر المذهب الشيعي في سوريا. ويقول "إن طهران تحاول التوغّل في المجتمع السوري عن طريق نشر الحُسينيات في مناطق نفوذها بسوريا".

نهاية التدخلين

لا يرى المعارضون أن النظام السوري قادر على إيقاف التدخل الإيراني والروسي، إذ تحولت البلاد بنظرهم إلى مناطق نفوذ للدولتين، وهذا ما يؤكده العمر -للجزيرة نت- بقوله "إن تعيين ضباط جيش النظام في مناطق مهمة بسوريا يكون بناء على ولائهم لإحدى الدولتين"، يقصد روسيا وإيران. ويضيف أن وجود إرادة دولية وتطبيق بيان جنيف والقرار 2254 يمكن أن يعيد الأمور في البلاد إلى نصابها كما كانت قبل 2011.

في حين يرى عبد النور أن الظروف الإقليمية والدولية غير متوفرة لتقييد حركة طهران وموسكو، لكنه توقع أن يكون الوجود الروسي في سوريا مقتصرا على قاعدتها العسكرية في البحر المتوسط وبعض النفوذ الاقتصادي، إذا ما توفرت الإرادة الدولية، أما الوجود الإيراني فينظر إليه عبد النور بتعقيد أكثر، لأنه متعدد الجوانب ويعمل على نشر المذهب الشيعي بين السنة وحتى بين العلويين.

ووجود وسيطرة إيران وروسيا في سوريا غيّر ملامح البلاد بشكل كامل، حتى في حال التوصل إلى حل سياسي فالسوريون قلقون مما تسعى إليه الدولتان، خصوصا التحركات الإيرانية التي تفاقمت بعد عقد على انطلاق الثورة، وأصبحت تحتفظ بمناطق نفوذ وقاعدة فكرية جديدة تحديدا في صفوف مؤيدي النظام دون النظر إلى طائفتهم، لكن ما يتفق عليه الجميع أن البلاد لن تعود إلى ما كانت عليه قبل 2011 على جميع الأصعدة؛ اجتماعيا وعسكريا واقتصاديا ودينيا.

المصدر : الجزيرة

=========================

الثورة السورية وسؤال الهزيمة!

أكرم البني

الشرق الاوسط

السبت 20/3/2021

تتباين الآراء في توصيف درجة الإخفاق الذي آلت إليه ثورة السوريين بعد عشر سنوات من انطلاقتها، وتالياً في الإجابة عن سؤال: هل تم الإجهاز على هذه الثورة، وبتنا نعيش مناخ هزيمتها، أم أن ما تعانيه مجرد نكسات عابرة وتشوهات مؤقتة، يمكن تخفيف آثارها وتجاوزها؟

أمر مفسر أن يتهرب البعض من الاعتراف بالهزيمة متذرعاً بأن الخراب طال كل شيء، وبأن ليس ثمة منتصر أو مهزوم في صراع دامٍ مع نظام فقد شرعيته وعموميته وتهتكت مقومات استمراره، وبات يعاني أزمة حكم متعددة الوجوه، أخلاقياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً، كما هو أمر مفهوم أن يرفض زعماء الجماعات الإسلاموية في شمال غربي البلاد وقادة القوات الكردية في شرقها، الإقرار بالهزيمة ما داموا قد حافظوا على رؤوسهم سالمة ويستطيعون الاستمرار في فرض تسلطهم وامتيازاتهم على مناطق سيطرتهم، لكن ما ليس مفسراً أو مفهوماً أن يمتنع معارضون سياسيون عن الإقرار بالهزيمة، منهم مَن لا يزالون يخوضون في مستنقع مفاوضات مذلة، ويستسلمون لتنازلات عن حقوق الشعب السوري، تكر كحبات المسبحة، في ظل توازن قوى بات يميل بشكل صارخ لمصلحة النظام وحلفائه، تحدوها حالة الضعف والتهتك التي تعتريهم وخضوعهم للإملاءات الخارجية، بينما تعجز المفاوضات عن التقدم خطوة واحدة نحو المعالجة السياسية، وحتى نحو تحقيق الحد الأدنى من المطالب الإنسانية المتعلقة بإطلاق سراح المعتقلين وكشف مصير المفقودين والمختفين قسرياً! ومنهم مَن لا يزال محكوماً بحالة من الإدمان على المبالغات والرهانات المضللة، وخَلَقَ آمالاً زائفة، مثلاً، على ما يحصل من خلافات بين أهل الحكم، أو على بعض التحركات الشعبية المعارضة للنظام في مدينتي السويداء ودرعا أو ضد الجماعات الإسلاموية في بلدات إدلب، أو على ثورة للجياع وشيكة في سوريا رداً على التدهور المريع للحياة المعيشية، ولا ضير، بين الفينة والأخرى، من إثارة التعويل على حصول توافق بين واشنطن وموسكو لإزاحة رموز النظام القائم وفرض التغيير السياسي، أو بث الأوهام عن أهمية تشكيل «مجلس عسكري» من ضباط المعارضة والنظام، يمكنه اختراق حالة الاستنقاع وقيادة المرحلة الانتقالية!

وفي المقابل تزداد أعداد المعارضين والناشطين السوريين الذين باتوا يقرون بالخسارة والهزيمة، وإذ لا تزال قلة منهم تأنف استخدام تعبير الهزيمة تحسباً من وقعها الثقيل والمحبط أمام التضحيات العظيمة للشعب السوري، فإن غالبيتهم بدأت تعترف بها جهاراً وتخوض غمار نقاشات جدية وجريئة لتحديد أسبابها، إنْ فيما يتعلق بالمسؤولية الرئيسية لنظام لم يكن يهمه سوى الاستمرار في السلطة، رفض كل التسويات السياسية واستجر مختلف أشكال الدعم الخارجي ودأب على تشويه الثورة السياسية وربطها بالإرهاب وجرها نحو حرب أهلية طائفية، متوسلاً أشد أساليب العنف والقهر وأشنع الاستفزازات المذهبية بالتواطؤ مع زعماء السلفية الجهادية الذين أطلقهم من سجونه، وإنْ فيما يتعلق بتخلي الثورة عن النهج السلمي واستسلامها للعسكرة، ما أفقدها تعاطف الرأي العام وقطاعات مهمة من الشعب السوري لها مصلحة بالتغيير الديمقراطي، لكنها ترفضه بلغة القوة والعنف، وإنْ بدور جماعات الإسلام السياسي والتطرف الجهادي التي نجحت في التغلغل بصفوف الثورة والعبث بمكوناتها ومصادرة روحها وقيمها، وإنْ بخذلان المجتمع الدولي لحقوق السوريين، بصمته عن التدخلات العسكرية الخارجية، وعجزه عن وقف العنف وحماية المدنيين، والأهم الواقع البائس للمعارضة السورية، التي فشلت في نيل ثقة الناس وقيادتهم، ولم تتمكن بائتلافها ومجالسها الوطنية من تنسيق نشاطاتها والظهور كقدوة ومثل يحتذى في السلوك الديمقراطي والمثابرة والتضحية، بل ضجت صفوفها بخلافات وتنافس مَرَضي ومؤذٍ على المناصب والامتيازات تحكمه الأساليب المتخلفة والمصالح الحزبية الضيقة وظواهر الأنانية والاستئثار، ما كرّس تشتتها وضعفها، وتالياً هشاشتها وإخفاقها في تحمل مسؤوليتها التاريخية.

إن الجدل حول أسباب الهزيمة قاد إلى جدل حول مشروعية ثورة السوريين، إن كانت خياراً يمكنهم قبوله أو رفضه، أم رداً لازماً، تاريخياً وأخلاقياً، ضد نظام استبداد وفساد أوصل المجتمع إلى حالة لا تطاق من القهر والتمييز والعوز، كما قاد إلى جدل حول احتمالات المستقبل وما هو متاح لإعادة وجه الوطن ولحمة المجتمع وحماية ما راكمته الثورة وتضحيات أبنائها.

وبعيداً عن الدعوة للتمسك بالمسار التفاوضي وبقرارات المجتمع الدولي، والادعاء بأنهما الطريق الوحيدة المتوفرة للبقاء في حلبة الصراع السياسي وانتزاع ما يمكن انتزاعه من النظام وحلفائه، وبالضد من المطالبة بالتوغل أكثر في الخيار الحربي واستجرار المزيد من السلاح لمواجهة نظام لا يفهم سوى لغة العنف، حتى لو تحول حًمًلة السلاح إلى مجرد أدوات طيعة بيد الأطراف الخارجية التي تدعمهم، يصح القول إن ثمة توافقات موضوعية بدأت تترسخ لمواجهة الوضع المزري الذي وصل إليه السوريون وثورتهم، تجمع بين التركيز على الملفات الإنسانية، وبذل أهم الجهود لمتابعة قضية المعتقلين وكشف مصير المفقودين والمغيبين قسرياً، والتشجيع على محاكمة المرتكبين، وبين الالتفات نحو البعد الفكري والثقافي لنصرة مشروعية الثورة وشعاراتها، ولاستخلاص الدروس والعبر بما يعزز وعي المجتمع والذات السياسية ويهيئهما لخوض جولات جديدة نحو التغيير بأقل الخسائر والآلام، والأهم بما يعيد بناء الثقة بالأفق الديمقراطي الذي تلهفت إليه قلوب السوريين في بداية حراكهم، لكنه لم يحظَ بالشروط الكافية التي تمكنه من التطور والتحول إلى خيار خلاصي.

ولعل ما يمنح الجهود الإنسانية والثقافية الجدوى، رغم شدة الخراب، ويخفف حزن السوريين وتحسرهم على ما وصلت إليه ثورتهم، هو حقيقة أن سوريا لن تعود كما كانت، ولن ترجع مرتعاً للقهر الاجتماعي والاستبداد السياسي، إنْ بشعاراته الديماغوجية الوطنية والقومية وإنْ بعباءته الدينية، فباب التغيير قد فتح للقطع مع الماضي، وللتأسيس والبناء على تراكمات الثورة ودروسها.

يخطئ من يعتقد أن الثورة لا يمكن أن تهزم أو تشوه وإنْ هزمت لا تعود ثورة أو لا تستحق هذا الاسم، ففي التاريخ أمثلة كثيرة عن ثورات حقيقية ونبيلة ومشروعة هزمت مؤقتاً، والأسوأ أن تلي الهزيمة مرحلة دموية وسوداء تقاسي فيها الجموع الثائرة الأمرين قبل أن تتمثل الدروس وتنهض من جديد، فتاريخ نضال الشعوب لا يكاد ينتهي في زمن إلا ويبدأ مجدداً في زمن آخر.

=========================

وجهة نظر : "جهارا نهارا وعلى مدى عشر سنوات" .. رحى الموت في أرضنا تدور

زهير سالم

مركز الشرق العربي

22/ 3/ 2021

" جهارا نهارا " تعبير عربي يعني أن أمرا ما، وغالبا هو أمر سوء ، قد تم علانية وفي وضح النهار، وأنه لم يبقَ عذر لمن يدعي الجهل به أو الغفلة عنه أو نقص اطلاعه عليه . وامتداد أمر المقتلة السورية " الملحمة السورية " على مدى عشر سنوات، يؤكد أن كل الذي جرى ويجري، ليس بعلمهم فقط وإنما بمكرهم وتخطيطهم أيضا .. والضمير المتصل في قولي " بعلمهم ومكرهم وتخطيطهم" يعود عليهم " كلهم " ..

والذي يخرج الإنسان من جلده أن الذين تدور الرحى عليهم ما زالوا متصدرين.. ومن قبل تعلمنا أن الرضا عن النفس والإعجاب بها أول طريق الهالكين ..

بين يدي رمضان تدور رحى الموت التي لم تتوفق قط، بسرعة أكبر ، بشر ومستشفيات وبيوت وخيام ..تقصف على مدى ثلاثة أيام في الشمال السوري ، روسي وأسدي وصفوي ..وفي عُمان البعيدة يُستقبل وزير خارجية القاتل ، في صيغة من صيغ المكر ( مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ )

هل هذا القصف وهذا الدم وهذا التدمير هو جواب لافروف على ما سمعه في دول الخليج ...كانت العرب إذا مدحت رجلا قالت : عز جاره . وقالت ..

وما ضرنا أنا قليل وجارنا عزيز وجار الأكثرين ذليل ..

في صغري كان يتاح لي أن أرى " الرشادية " الذهبية الصفراء، مكتوب عليها ما كنت أتهجاه : عزّ نصره .

يا قوم نعلم أن الخروج من تحت الرحى ليس وصفة في جيب أحد . ولكن زعموا أن مجنونا خط لأصحابه في دار المجانين خطا على الأرض، وتحداهم: من يستطيع أن يمر من تحته ، فتراكضوا وتواثبوا حتى دميت منهم رؤوس الكثيرين، نرجوكم فقط ألا تقبلوا هذا التحدي، أو أن لا تسترسلوا فيه بعد إذ قبلتموه ..

نصرنا - بإذن الله قريب - فقط خلوا سبيل المؤمنين ... خلوا سبيل السوريين. واكفونا شر خياراتكم السوء.

_____________

*مدير مركز الشرق العربي

==============================

هل باتت أيام الأسد معدودة؟

غازي دحمان

عربي 21

السبت 20/3/2021

منذ عام 2016 خرج هذا المصطلح من التداول، بعد أن كان العنوان الرئيس لسنوات الثورة الأولى. فقد أدت سياسة الأرض المحروقة التي اتبعتها القوات الروسية، والجرائم المرعبة التي ارتكبتها مليشيات إيران وعصابات الأسد، إلى تفكيك أطواق الحصار التي ضربها الثوار على قصر الأسد، ونجاته تالياً من مصير يشابه مصائر الطغاة في ليبيا واليمن وتونس.

نجا الأسد من السقوط على يد الثوار، ولكن بأثمان باهظة كانت حصيلتها استحالة نهوض سوريا من ركامها ومن تمزق أنسجتها الوطنية، مع بقائه في السلطة، رغم مطالبة روسيا وإيران المجتمع الدولي بالتحلي بالواقعية والنظر للحدث السوري من زاوية انتصار الأسد؛ وطي صفحة الماضي والهروع لمده بالمساعدات الاقتصادية والدعم السياسي.

المفارقة أن دمار سوريا ومواتها، الوسيلة التي تم بها إنقاذ الأسد من السقوط، هي ذاتها التي ستقتلعه من السلطة، وقد تكون السبب في مقتله، في حال لم يجد الروس طريقة مناسبة لإخراجه

لكن من المفارقة أن دمار سوريا ومواتها، الوسيلة التي تم بها إنقاذ الأسد من السقوط، هي ذاتها التي ستقتلعه من السلطة، وقد تكون السبب في مقتله، في حال لم يجد الروس طريقة مناسبة لإخراجه، في محاولتهم للهروب من شبح الغرق في مستنقع سوريا الذي بدأ يلوح في الأفق.

تثبت جولة وزير الخارجية سيرغي لافروف أن روسيا استنفذت كل محاولاتها لتعويم الأسد، وربما وصلت لقناعة باستحالة تحقيق هذا الأمر، لذا بدأت في البحث عن مخارج تجنبها التورط في سوريا، التي يبدو أنها مقبلة على أيام صعبة، ما يؤشر إلى وجود تقديرات روسية باحتمال حصول ثورة جياع في بلد لم يعد قادراً على تأمين وجبات الطعام لأبنائه.

تدرك روسيا أن أي استجابة إقليمية أو دولية لطلباتها بتقديم المساعدة لنظام الأسد، ومهما كانت الأطراف متحمسة لفعل ذلك، إلا أن الأمر لن يحصل إلا بعد وقت طويل، نتيجة تشابكات وتعقيدات الملف السوري، في حين أن الوضع في سوريا بات بحاجة لإسعافات عاجلة جداً، كما تدرك استحالة إمكانية إعادة تأهيل الأسد، الذي بات يواجه آلاف التهم، والدعاوى التي تقوم بها دول ومنظمات دولية وحقوقية تملك مئات الآلاف من الوثائق التي تثبت إجرامه، ما يعني احتراق محاولة روسيا لإعادة تأهيله، وتحوّلها إلى عملية عبثية وغير منطقية.

الوضع في سوريا بات بحاجة لإسعافات عاجلة جداً، كما تدرك استحالة إمكانية إعادة تأهيل الأسد، الذي بات يواجه آلاف التهم، والدعاوى التي تقوم بها دول ومنظمات دولية وحقوقية

وتدرك روسيا أنها تلعب في فضاء سياسي معقّد، تقابلها أطراف لديها استراتيجياتها، وتملك خبرات واسعة في إدارة الألعاب السياسية، وخاصة في إيصال الخصم إلى حائط مسدود واستنزاف قدراته وإضعافه. إذ يكشف لجوء روسيا إلى اتهام الغرب بالتآمر عليها بشكل دائم؛ إحساسا روسيا بالضعف تجاه تفوق الغرب في التخطيط السياسي والاستراتيجي عليها. وتعرف روسيا أكثر من غيرها محدودية إمكانياتها وضعف خياراتها في مواجهة تكتل يضم أمريكا وأوروبا، لذلك تعيش بشكل دائم، على المستويات الدبلوماسية والأمنية، حالة من اليقظة والحذر، وتحديث تقديراتها الخاصة بسياساتها واستراتيجياتها.

المؤكد أن روسيا التي تطرح نفسها لاعباً دولياً مؤثراً؛ يهمها بدرجة كبيرة تسويق هذه الصورة، في مناخ دولي شديد التنافسية والاستقطاب، وتجهيز الأدوات اللازمة لإنجاح ذلك، مع ما يعنيه من إزاحة لكل أسباب الفشل واحتمالاته. وعلى رأس تلك الأسباب بناء السياسة على أسس عاطفية واتخاذ القرارات المصيرية تحت تأثير عاطفي، والركون بدل ذلك إلى مراعاة الأولويات لتحقيق المصالح الاستراتيجية.

لم تكن روسيا، منذ البداية، في وارد المفاضلة بين بقاء الأسد وإنجاز أهدافها الاستراتيجية، بل حاولت دمج هذا البقاء في صلب مصالحها الاستراتيجية باعتباره عاملاً مساعداً على تحقيق هذه الأهداف. وذهبت التقديرات الروسية إلى وجود احتمالية بجعل العالم المتعب من الأزمة في سوريا يقبل ما تطرحه روسيا، كما (وذلك واضح من خلال إسلوب إدارتها للازمة في المرحلة الماضية) أنها تملك هامشا من الوقت يتيح لها فرض رؤاها وتصوراتها للحل السياسي في سوريا.

اليوم تقف سوريا على عتبة انفجار، فمصادر المخاطر على نظام الأسد باتت عديدة، وقد تأخذ شكل أكثر من سيناريو، كثورة جياع مثلاً، أو انقلاب عسكري، او حصول فوضى عارمة وفقدان السيطرة على الأمن. ورغم القبضة الأمنية الحديدية وهندسة الجيش بحيث يستحيل حصول عملية انقلاب، إلا أن الواقع وتسارع الانهيار يدفعان روسيا إلى إعادة حساباتها والبحث عن مخارج من ورطة باتت تقف على أعتابها في سوريا.

مصادر مواكبة لزيارة وفد "حزب الله" إلى موسكو أكدت أن لافروف قال للوفد، الذي ذهب للاطمئنان على مصير الأسد أن ترشح الأسد لولاية جديدة غير مضمون. وقبل أيام نشر رامي الشاعر، الدبلوماسي المقرب من الكرملين، رسائل بين الأسد والقيادة الروسية، وكان فحوى هذه الرسائل أن القيادة الروسية كانت تطلب على الدوام من الأسد أن يكون مرناً ويتعامل بسياسة واقعية مع تطورات الأحداث السورية، في حين أنه كان يصر على اتباع النهج العسكري في التعامل مع الحدث، وكأن روسيا تريد القول للأسد: يداك أوكتا وفوك نفخ، وأنه آن الأوان للتركيز على مصالحنا التي أصبحتَ عبئاً عليها.

=========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com