العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 28-02-2021


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

مخرجات سوتشي السورية وطحين الهواء

محمود الوهب

العربي الجديد

الخميس 25/2/2021

لا جديد لدى اجتماع سوتشي السوري، في جولته الخامسة عشرة يومي 16 و17 فبراير/ شباط الحالي في مدينة سوتشي الروسية، غير البيان المشترك الذي لم يطحن سوى الهواء. ذلك ما قالته مفرداته، وعباراته التي توافق عليها المشتركون في نهاية جولتهم، وهم يعالجون معاناة شعبٍ بلغ، منذ زمن، أقصى ألوان مآسيه، إذ لم تتضمن بنود البيان السبعة عشر عبارة واحدة أو جملة مفيدة يمكن البناء عليها. ربما لأنه لم يأت بالملموس على تلبية طموحات الشعب السوري الذي لم يعد قادراً على تحمّل مزيد من المعاناة متعدّدة الأوجه، لا في الداخل ولا في الخارج. ولكن البيان، وللحقيقة، قد دان الإرهاب، إذ قال باستمرار محاربته، ما يعني الابتعاد عن الحل! فهذا هو الغطاء الذي يلتحف به الروسي والإيراني، والنظام أولهما طبعاً، الثالوث غير البريء منه، والأخير يمارس الإرهاب ضد الشعب السوري منذ خمسين عاماً، فالاستبداد الشامل منبع الإرهاب بوجوهه كافة. ولا خلاص منه إلا بإحلال نظام ديمقراطي يمثل أطياف الشعب السوري، ويحقق المواطنة كاملة، ويلغي التمييز على أي أساس كان. ولن يتحقق هذا إلا بتطبيق قرار مجلس الأمن 2254 الذي يعرفه الروس والإيرانيون قبل غيرهما، ويؤكّده المجتمع الدولي باستمرار، لكنَّ الروس تحديداً يخرجون كل فترة بأمر ما يبعدهم عنه. وقد أكد البيان تطبيق القرار، لكنه لم يقل شيئاً عن كيفية ذلك. يعني لم يقل، مثلاً، "إننا أطراف سوتشي المعنيين بإنقاذ سورية مما هي فيه لم ننته بعد من تفاهماتنا حول مصالحنا في سورية التي تخص دولنا، ولم نعثر على حل يوفق بين مصالحنا وإنهاء عذابات الشعب السوري..". هذه هي الحقيقة الوحيدة التي قالها بيان سوتشي، ولا شيء آخر.

لم يكتف الروس بما فعلوه في سورية من قتل وتدمير وتهجير. ولم يكتفوا مما قد حصلوا عليه، ولذلك تراهم يطلبون الاستزادة، وتأمين مصالحهم، وديونهم

كلام كثير كتب تحت عنوان: أكّدنا، وشدّدنا، وكرّرنا، وأعربنا، وعبرنا، وناقشنا، وتناولنا.. إلخ، فكل مفردةٍ تصدّرت بنداً أو أكثر من بنود البيان المشترك الذي لمح، من دون أي شك، إلى كل ما يعانيه السوريون من احتلالات، ومحاولات لتغيير الجغرافيا السورية وديموغرافيتها، فأكثر من الحديث عن وحدة الأراضي السورية، وعن سيادتها، وعن ضرورة عدم تجاوز مبادئ الأمم المتحدة، وميثاقها. ولكن إذا ما حاول القارئ استشفاف شيء يمكن البناء عليه، كأن يقول إن اجتماع سوتشي قرّر كذا، فلا يستطيع. وللمثال فقط، البند المتعلق باللجنة الدستورية المنصوص عنها في القرار الأممي المذكور، الصادر منذ خمس سنوات وعدة أشهر، وقد مضى على تشكيل اللجنة نحو عامين، ومع ذلك لم يستطع وفدا اللجنة، ولا رئيساها، أن يتحدث بعضهما إلى بعض. وما ورد في البند الثامن الذي توسط ثلاثة بنود تخص اللجنة المذكورة ما يلي: "تناولنا بالتفصيل والاستفاضة الاجتماع الخامس للجنة الصياغة التابعة للجنة الدستورية الذي عقد في جنيف خلال الفترة من 25 إلى 29 من يناير 2021، وأعربنا عن عزمنا الأكيد على دعم عمل اللجنة من خلال التفاعل المستمر مع الأطراف السورية"، ومع "المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى سورية غير بيدرسن باعتباره شخصية مساهمة في ضمان عملها المستدام والفعال..".

ويعرف الذين سطروا البيان، وأشاروا إلى كفاءة بيدرسون، أنه هو من صرّح للصحافيين بعد إحاطته مجلس الأمن، في جلسة مغلقة، بما جرى في جولة اللجنة تلك، إذ وصفها بـ"المخيبة للآمال"، وأنها بحاجة إلى "دبلوماسية دولية بناءة". وقد عنى بذلك عدم وجود ضغط على النظام الذي يعرقل كل حلّ سياسيّ، ترعاه الأمم المتحدة، ومن يمكنه أن يضغط غير الروس أصحاب "أستانا" التي لم تأت إلا للهرب من القرار الدولي.

لم يشر بيان اجتماعات سوتشي إلى الكيفية التي تجري من خلالها وحدة الأراضي السورية

ومع كل ذلك الاهتمام الذي أبداه المشاركون في سوتشي، فقد تأجل عمل اللجنة إلى منتصف هذا العام، فكيف إذا لم يكن لديهم ذلك الاهتمام وتلك الرعاية. يريد الروس والإيرانيون أمراً واحداً، إجراء الانتخابات الرئاسية في دمشق بأمن وسلام، وإعطاء مزيد من الشرعية لمن تسبب، ولا يزال، بالمأساة السورية من ألفها إلى يائها.

أكثر البيان من الحديث عن وحدة الأراضي السورية، فلم يكد بند من بنوده يخلو من الإشارة إلى ذلك الأمر، لكن البيان لم يشر إلى الكيفية التي تجري من خلالها وحدة الأراضي، مع وجود الاحتلالات المختلفة والجيوش المتعددة، ناهيكم بالمليشيات التي تعيث فساداً في المحافظات السورية كافة. والحقيقة أن جماعة أستانة غير قادرة أن تتفرد بحلٍّ لا يلبي حقوق السوريين التي أهدرت. ولا يُقنع، في نهاية المطاف، المنظومة الدولية وأممها المتحدة وقرارها 2254 الذي يعد وسطياً أرضى الأطراف المتنازعة، ولا أيا من منظماتها الإنسانية التي وقفت على أوجاع السوريين عن كثب، ولا يمكِّن السوريين من تحقيق سلامهم الداخلي.. ولعل في رفض الولايات المتحدة حضور اجتماع سوتشي دلالة واضحة على أن هذه الخطوات كلها لا تقود إلى سلام عادل، وأنه لا مناص من البدء بتطبيق القرار الأممي المتفق عليه، وما عداه إمعان في المأساة السورية.

لم يكتف الروس بما فعلوه في سورية من قتل وتدمير وتهجير. ولم يكتفوا مما قد حصلوا عليه، ولذلك تراهم يطلبون الاستزادة، وتأمين مصالحهم، وديونهم، ومَنْ غير بشار الأسد يضمن ذلك؟ من هنا تراه يزداد شططاً وتطاولاً على الشعب السوري. أما وجه المشكلة الآخر، فإنه في من يمثل الشعب السوري.. هؤلاء الذين لم يكونوا حقيقة على قدْر المسؤولية، ولم يستطيعوا تجسيد حلم السوريين الذين وضعوا دماءهم على أكفهم، ونزلوا إلى شوارع مدنهم عام 2011.

=========================

وجهة نظر : حول حكم المحكمة الألمانية في محاكمة أنور رسلان

زهير سالم

مركز الشرق العربي

٢٥/ شباط / ٢٠٢١

ثمة بدهيات ومسلمات لا يمكن ان تخضع لمداورات ولا موازنات .. ومنها أنه ليس من حق أي طرف أن ينزل عن الحق الشخصي لمستضعف أو مظلوم. وأنه حتى حكم هذه المحكمة لا يسقط حقوق مظلومين لم تعرض عليها.

ومنها أن الجرائم المرتكبة بذراع السلطة لا يجوز أن تسقط بالتقادم، وتبقى ثابتة بأعناق أصحابها مهما امتد الزمان ..وهي الرسالة الأوضح التي يجب أن تصل إلى جلاوزة بشار ..

ومنها إلى كل دعاة العدل وأنصار القانون في العالم، لا تسمحوا للمحرمين ان يفلتوا من العقاب، ولا تشاركوا في تحويل العالم إلى غابة ..

وهؤلاء المستضعفون اليوم :

إن لم ينالوا بالعدالة حقهـم

ينالوه يوما والصوارم ترعف.

لا نحب رعاف الصوارم.

ثم نجد السوريين يختلفون في قراءة الواقعة فبعضهم يرى أن السنوات الأربع أو الخمس لا تكافؤ حجم الجرائم المرتكبة من قبل الجاني..

ومنهم من يرى في حكم المحكمة الألمانية سابقة جميلة تؤكد لكل المجرمين أن يد العدالة ستنالهم يوما . وأنها تؤصل لمبدأ وقاعدة وتعطي المفجوعين والمفجوعات أملا .

يستدير بعض الناس خلفا ويقولون ولكن أي انعكاس لهذه الواقعة على أي مجرم يفكر بالانشقاق ؟!!

نؤيد حكم المحكمة ونرى فيه أول الغيث وننتظر أن ينهمر

ونتمنى أن تكون الواقعة سابقة مقنعة بأن ردهات المحاكم ليست ساحات لتضييع الحقوق !!

ونقول للمتلفتين يمنة ويسرة وتوبة الإنسان دينونة لربه ، أو انتصارا لإنسانيته، لم تكن لتسقط عنه عقوبة جناية جناها ، ولا إثم ارتكبه ..

____________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

لقاحات روسية لنظام الأسد بتمويل إسرائيلي

بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 25/2/2021

يحار المرء من أين يمسك «بصفقة التبادل» الفضائحية التي أنجزها التاجر الروسي قبل أيام بين الصهيوني الأشد تطرفاً وفساداً نتنياهو والممانع الأكثر دموية بشار الأسد. هل من رفض السوريين دياب قهموز ونهال المقت العودة من «نعيم» السجن والاحتلال الإسرائيليين إلى جحيم «الوطن» الأسدي، أم من «البند السري» المتعلق بتمويل إسرائيل للقاحات روسية بلغت قيمتها أكثر من مليون دولار لإنقاذ الطغمة الأسدية من فيروس كورونا، أم من صمت أبواق الممانعة عن هذه الفضيحة المركبة، أم من الاحتلال الروسي لسوريا الذي بلغ هذا المبلغ من الخسة والوضاعة؟

كان رفض السوريين العودة إلى بلدهما، وتفضيلهما البقاء في السجن والإقامة الجبرية تحت الاحتلال الإسرائيلي مفاجأة طيبة، بقدر ما هي محزنة، كشفت عن مدى عقلانية رفض السوريين لحكم الطغمة الكيماوية حين أطلقوا ثورتهم قبل عشر سنوات، وحين هربوا بالملايين إلى بلدان اللجوء، ويرفضون العودة ما دام هذا النظام قائماً.

يصعب العثور على مثال تاريخي آخر رفض فيه أسرى في دولة أجنبية (بل معادية) العودة إلى بلدهم في عملية تبادل أسرى. أما أن يكون الشخص المعني سجيناً في سجن إسرائيلي محكوماً عليه بستة عشر عاماً، فهذا مما يزيد من المفارقة الكامنة في رفض العودة.

كذلك يوجه موقف السوريين المشار إليهما رسالة فصيحة إلى كل الدول الفاعلة بعبث محاولات حل المشكلة السورية مع بقاء النظام الكيماوي. فإذا كان السجين في سجون الاحتلال الإسرائيلي قد رفض العودة إلى «سوريا الأسد» فلا شيء يدعو لتوقع عودة ملايين الفارين خارج الحدود المقيمين بمنافيهم القريبة والبعيدة منذ سنوات طويلة، آخذاً بعين الاعتبار أن ما قد يهم الدول الأوروبية من المشكلة السورية لا يتعدى الاهتمام بالتخلص من اللاجئين السوريين لديها، ولا يعنيها في شيء مأساة السوريين في ظل نظام الأسد أو تطلعهم إلى التخلص منه.

إذا كان السجين في سجون الاحتلال الإسرائيلي قد رفض العودة إلى «سوريا الأسد» فلا شيء يدعو لتوقع عودة ملايين الفارين خارج الحدود المقيمين بمنافيهم القريبة والبعيدة منذ سنوات طويلة

لكن المفاجأة الأكبر هي البند السري في الصفقة الذي لم يحافظ على سريته طويلاً، واتضح أنه ينص على شراء إسرائيل لنحو ستين ألف لقاح بقيمة مليون ومئتي ألف دولار من روسيا ومنحها لنظام الأسد مقابل إعادة المرأة الإسرائيلية التي دخلت الأراضي السورية بالخطأ وتم احتجازها لدى النظام. وقد برر نتنياهو سرية هذا البند بأن البائع الروسي هو من طلب عدم الإعلان عنه. وهذا مفهوم بالنظر إلى وضاعة الموقف الروسي الذي بخل على تابعه الذليل في دمشق بهذه الكمية المحدودة من اللقاحات، فاضطر هذا إلى الاستعانة بالمال الإسرائيلي لشرائها.

لا شك أن الأسد وبطانته المقربة يستطيعون تأمين هذا المبلغ التافه لشراء اللقاحات الروسية، حتى لو لم يرغب النظام بدفع المبلغ من خزينته، كان بوسعه جمعه من تجار دمشق على شكل «تبرعات» هي في حقيقتها خوات اعتادوا على دفعها طوال حكم الأسدين. ولكن ربما تعشم النظام أن يحصل على اللقاحات على شكل هبة من سيده الروسي يعتبر نفسه قد استحقها بعد الخدمات الكبيرة التي قدمها له طوال سنوات الحرب. وإذ بالروسي أحط منه وأحقر، فهو الذي طرح البند السري في الصفقة وفرضه على نتنياهو، ثم طلب منه الحفاظ على سريته! الدليل على تفوق بوتين على كل من نتنياهو والأسد في الوضاعة هو تحرج الأخيرين من الكشف عن هذا البند بأكثر من تحرج روسيا. فنتنياهو محرج تجاه الرأي العام الإسرائيلي الذي يرفض أن تمول إسرائيل شيئاً سيستفيد منه نظام الأسد، وهذا الأخير محرج تجاه «جمهور الممانعة» الذي سيجد صعوبة في ابتلاع هذا الأمر، لكنه سيتقبل الأمر في نهاية المطاف على أي حال ما دام الأمر يتعلق بالنظام الذي يتمسك ببقائه.

إذا حسبنا أن كل شخص يحتاج جرعتين من اللقاح، فصفقة اللقاح الروسي الممولة إسرائيلياً ستكفي لثلاثين ألف شخص فقط، وهو ما يشير إلى محدودية حجم «الفرقة الناجية الأسدية» من الوباء القاتل، مقابل ملايين الموالين للنظام وملايين أخرى خاضعة لسيطرته، وعشرات الآلاف من قواته المسلحة، ممن سيتركون لمصيرهم بلا لقاح. سوريو المناطق الخارجة عن سيطرته هم خارج الحساب سلفا بطبيعة الحال.

=========================

من صيد الوثائق إلى محاكمة النظام السوري

فايز سارة

الشرق الاوسط

الخميس 25/2/2021

كشفت لجنة العدل والمساءلة الدولية عن مجمل نشاطها في كشف الوثائق السرية، التي جرت من خلالها حرب نظام الأسد ضد السوريين في السنوات العشر الماضية، وتضمنت المحصلة أكثر من تسعمائة ألف وثيقة سرية، شملت قرارات وتعليمات وتوجيهات للأجهزة العسكرية والأمنية والمدنية التابعة للنظام، عما ينبغي القيام به، وأين ومتى وكيف في إطار حرب التقتيل والتدمير والتشريد. ومما زاد في أهمية الكشف، قيام محطة «سي بي إس نيوز»، وهي إحدى أهم قنوات الإعلام الأميركي بالحديث عنه عبر برنامج «60 دقيقة» الموصوف بأنه واحد من أهم برامج المحطة، وجرى إبراز ثلاث نقاط أساسية، الأولى تتصل بعدد الوثائق ونوعها، وقيل إنها تزيد على 900 ألف وثيقة، تشمل كل مجالات إجرام النظام، والثانية تأكيد أنها ترتبط بالأسد شخصياً وكبار معاونيه؛ إذ هي صادرة من الأعلى إلى الأسفل في سلم إدارة النظام، متضمنة توجيهات الأسد وعليها توقيعه، والنقطة الثالثة هي أن الوثائق تكشف عن أدلة تورط النظام ورئيسه بجرائم أكثر وأهم من تلك التي استخدمت لإثبات جرائم النازيين، التي جرى ارتكابها في الحرب العالمية الثانية.

ما وصلت إليه لجنة العدالة والمساءلة الدولية من نتائج، جزء من محصلة جهود سورية ودولية، تشارك فيها أفراد ومؤسسات ودول، بذلوا جهوداً كثيرة وبعضها خارق للوصول إلى وثائق تثبت حيثيات الجرائم، وتكشف عن بعض تفاصيل، يصر البعض، وخاصة في المحاكم على وجودها باعتبارها أدلة لمحاكمة النظام ورموزه؛ مما جعل جهود لجنة العدالة والمساءلة هي الأبرز والأهم بما توفر لها من بيئة نجاح؛ إذ ضمت في صفوفها محققين ومحللين، ومحامين من بلدان مختلفة، عملوا في تجارب مشهودة، وتوفرت لديهم إرادة وجدية كافيتين للعمل، كما توفرت لها ميزانية، تساعد في تنفيذ أعمالها ونشاطاتها، والتي كان في مقدمتها اختيار وتدريب عشرات من كوادر سورية لمتابعة الوثائق وتدقيقها؛ مما عزز عمليات اللجنة، وأعطاها مستوى عالياً من المصداقية على ما ظهر في محتويات تقاريرها من نتائج.

لم يكن عمل اللجنة (ولا عمل غيرها) سهلاً في سوريا، حيث الصمت والكتمان سمة أساسية في نظام الأسد المغلق والدموي منذ أن أقامه الأسد الأب عام 1970، وتابعه الوريث في عام 2000، وذهب به إلى الأسوأ، حسب ما بينت الوقائع والوثائق، ولعل الأشهر والأبرز فيها عمليات القتل تحت التعذيب على نحو ما بينت عشرات آلاف الصور التي قام بتهريبها قيصر ورفيقه سامي، ومثلها الكشف عن مسار عمليات الإعدام اليومية لعشرات المعتقلين في سجن صيدنايا العسكري حسب ما قاله شهود، واستيراد وتشغيل أجهزة حرق جثث المعتقلين ممن يتم إعدامهم أو قتلهم تحت التعذيب لإخفاء تلك الجرائم، إضافة إلى استخدام الأسلحة الكيماوية في مجازر ضد المدنيين في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام.

إن القاسم المشترك في الجرائم السابقة، أنها جرت بواسطة الأجهزة العسكرية والأمنية مباشرة، لكن ثمة جرائم أخرى، ارتكبها نظام الأسد بواسطة مؤسسات وأجهزة النظام المدنية، كما تبين أمثلة، كشفت عنها وثائق وشهادات، منها استخدام المشافي العامة في عمليات تعذيب وقتل معتقلين جرحى، كما حدث في مشفى دمشق الوطني، واستخدام محاكم وزارة العدل وخاصة محاكم الجنايات في تجريم متهمين بتهم خارج القانون، وقيام شركات المياه والكهرباء والهاتف، التي تسيطر عليها الحكومة بقطع إمداداتها عن المناطق المحاصرة في إجراءات، في حين تولت البلديات مصادرة عقارات وأراض في مناطق ثارت على النظام في إطار جرائم تختلط فيها جرائم العقوبات الجماعية مع جرائم التغيير الديموغرافي، وهذا ما قامت به محافظة مدينة دمشق، ولم يكن لهذه المؤسسات أن ترتكب مثل هذه الجرائم إلا بتدخل مباشر من جانب رأس النظام وقادة الأجهزة الأمنية، حسبما تتضمن وثائق سرية تم الوصول إليها.

إن الوصول إلى وثائق النظام السرية، لا يكشف عن جرائم نظام الأسد فقط، إنما يبين سعي النظام وأجهزته لإخضاع السوريين وإعادتهم إلى بيت الطاعة عبر مختلف الوسائل، بما فيها القوة الوحشية مجسدة بعمليات القتل والاعتقال والتعذيب والتهجير والتدمير، والنهب والتعفيش والابتزاز، وكلها أسس تربت عليها أجهزة النظام، وأكدتها مرات كما في أحداث ثمانينات القرن الماضي، ومنها أحداث مدينة حماة، وكررتها حيث تطلبت الحاجة كما في تعاملها مع الفلسطينيين واللبنانيين في عقود التدخل السوري في لبنان.

غير أن الأهم في كشف الوثائق، تعميم محتوياتها لدى الرأي العام وتحشيده ضد النظام، وتقديمها إلى جهات معنية بالحصول عليها، مثل المحاكم ومنظمات حقوق الإنسان والدول، لاتخاذ ما يمكن من خطوات، يمكن حالياً ملاحظة ثلاثة تعبيرات منها؛ أولها قيام الولايات المتحدة بإصدار قانون قيصر الذي يشمل بعقوباته النظام وشخصيات فيه، وأطرافاً خارجية لها دور في جرائم نظام الأسد. والتعبير الثاني سلسلة من العقوبات الأورو - أميركية ضد كيانات وشخصيات سورية نتيجة دورها في الجرائم ضد السوريين ودعم سياسات الأسد. والتعبير الثالث استخدام الوثائق في محاكمات عناصر النظام، كما ظهر الأمر في محاكمة أنور رسلان وإياد الغريب الجارية في ألمانيا، والتي بات من المؤكد تكرارها في بلدان أخرى.

لقد فتحت الوثائق المسربة الباب ليحمل أصحاب الجرائم والذين يصدرون أوامر القيام بها مسؤولية أعمالهم، وعلى نحو ما حصل في المحاكمة الجارية في المانيا، فإن قادة النظام وأجهزته سيلاقون المصير ذاته بسوقهم إلى محاكم، سواء كانت على غرار المحكمة الألمانية أو محكمة الجنايات الدولية، أو محكمة خاصة سيتم تشكيلها لمحاكمة مسؤولي نظام الأسد على غرار محكمة نورمبيرغ التي حاكمت عام 1945 مجرمي حرب القيادة النازية بعد سقوط الرايخ الثالث، وفي الفترة الثانية، حاكمت الأطباء الذين أجروا التجارب الطبية على البشر.

=========================

سورية .. ما العمل؟

مروان قبلان

العربي الجديد

الاربعاء 24/2/2021

بعد عشر سنوات على اندلاع الثورة السورية، وتحولها إلى حرب وكالة إقليمية ودولية، بسبب سوء إدارة النظام وتمرّسه في العنف، وسوء تقدير المعارضة وأخطائها وقلة خبرتها، وفشل المجتمع الدولي في منع انزلاق السوريين إلى كارثة، واستغلال دول عربية وإقليمية الأزمة لتحقيق مكاسب أو تصفية حسابات مع خصومها، لا يبدو في الأفق ما يشير إلى أن "الساغا" (الملحمة) السورية اقتربت من نهايتها. على العكس، تذهب كل الدلائل إلى أن الوضع السوري سوف يستمر في التحلل والتعفن، وصولاً إلى النقطة التي قد نشهد معها انهيار الدولة السورية، بعد أن تصدّعت أركانها بشدة خلال السنوات الماضية.

في مناطق النظام، يسيطر الجوع والفقر والمرض، ويتفسخ الوضع الاجتماعي والقيمي، وتتحكّم مليشيات بالوضع على الأرض، وتتصرّف خارج أي إطار قانوني خلاف ما تسمح به تبعيتها للراعي الإيراني أو الروسي. وفي مناطق المعارضة، يسيطر الدمار وتنتشر مخيمات اللجوء التي تفتقد إلى أبسط مقومات الحياة، وتتحكّم فصائل مسلحة على الأرض، لا يبدو أنها هي الأخرى تملك قرارها. وفي كلا المعسكرين، يعيش ملايين الأطفال خارج إطار التعليم، أو يتلقون القليل منه، وتزداد بينهم مشاعر الحقد والكراهية والرغبة في الانتقام، وسط غياب أي مظهر من مظاهر التعاطف مع معاناة "الآخر"، ما ينذر بظهور جيل جديد من "دواعش" الطرفين. مع ذلك، يستمر النظام في التظاهر بأن الوضع عاد إلى "حالة الطبيعة"، بعد أن انتصر على "المؤامرة الكونية" التي استهدفت إزاحته، وهو يعدّ العدّة لإجراء انتخابات رئاسية، يعد فيها مؤيديه بالنصر ويطالبهم بالصبر. في المقابل، تستمر المعارضة في التظاهر بأنها لم تُهزم، وأن قرارها ما زال بيدها، وتبث، فوق ذلك، الوهم أن إسقاط النظام ما زال ممكناً عن طريق المفاوضات واللجنة الدستورية، وأن الانتقال السياسي صار في الأفق وهي تستعد له.

في الأثناء، يستمرّ العالم المشغول بمشاغله الصحية والاقتصادية، التي فرضها تفشّي وباء كورونا، بالتظاهر أنه مهتم بحل الأزمة السورية. وفيما يصرّ شركاء أستانة على أن مسارهم قد يفضي إلى شيء، تصرّ واشنطن، وحلفاؤها الأوروبيون، على ترداد مطالبتهم بتنفيذ قرار مجلس الأمن 2254، الذي أصبح يعني للسوريين ما يعنيه القرار 242 للفلسطينيين، ويراهنون على أن العقوبات ستدفع النظام في نهاية المطاف (الذي لا يبدو واضحا أين ومتى وكيف سينتهي) إلى الرضوخ لشروط الحل السياسي. والنتيجة، بحسب الأمم المتحدة، أن 80% من السوريين المقيمين في سورية (في مناطق النظام والمعارضة) يعيشون تحت خط الفقر، و60% منهم (12,4 مليوناً) يعانون من الجوع، علماً أن العدد، بحسب برنامج الغذاء العالمي، ازداد بمقدار 4,5 ملايين شخص خلال عام واحد. وكأن هذا كله لا يكفي لجعل الوضع سيئاً، إذ فيما يستمر معسكرا النظام والمعارضة في الانتحار والتفسّخ، توضع سورية من جديد على طاولة المفاوضات الأميركية - الإيرانية، ولا يغيب عنها بقية الخمسة الحاضرين بجيوشهم على أرضها (روسيا وتركيا وإسرائيل)، وكل منهم يسعى إلى تأمين حصته فيها.

لا يمكن لأحد أن يرسم صورة واقعية أكثر قتامةً حول مستقبل بلدٍ تميز تاريخياً بأنه صانع حضارة، وانتهى به الأمر هكذا. كل هذا الكلام ينشد الوصول إلى الخلاصة التالية: بات الوضع يتطلّب من كل السوريين المؤمنين باستعادة وطنهم، على اختلاف مواقفهم السياسية ومذاهبهم الفكرية، الارتقاء الى مستوى الكارثة التي حلت بوطنهم، والتخلص من وهم أن معسكراً منهم قادر على فرض إرادته على المعسكر الآخر، والالتفات، بدلاً من ذلك، إلى تسخير كل الإمكانات للإجابة عن السؤال المصيري الذي يصفع الوجوه في هذه المرحلة: ما العمل؟ كيف السبيل إلى الخروج من هذه الكارثة، والانعتاق من لعبة الأمم وحرب المحاور الدائرة على أراضينا وبدمائنا؟ على المعارضة أن تعترف بوجود عقلاء في معسكر النظام يدركون حجم الكارثة ويريدون حلاً. وهناك في المقابل عقلاء في صفوف المعارضة يدركون الأمر عينه ويريدون حلاً. يجب إيجاد طرق للتواصل بين الطرفين، للتوصل إلى صيغة مشتركة للإنقاذ. وإذا لم يجد السوريون هذه الصيغة، فإن أحداً آخر لن يفعل. فالحل، بعد عشر سنوات من الكارثة، لن يأتي من موسكو أو من واشنطن، فنحن بالنسبة للأولى ساحة اختبار لسلاحها، وللثانية ورقة تفاوض وساحة لمقارعة التطرّف بعيداً عن أراضيها. الحل يأتي فقط من رحم المعاناة، وينشده أصحابها، ويصنعه العقلاء بينهم، بشرط أن يكونوا طبعاً سادة قرارهم.

=========================

معركة حلب.. تفاصيل الانتقال من السلمية إلى الكفاح المسلح

العقيد عبد الجبار عكيدي

سوريا تي في

الاربعاء 24/2/2021

استكمالا للمقال السابق، وقبل الحديث عن معركة تحرير مدينة حلب، لا بد من وضع الأحداث في سياقها الزمني والتسلسلي في المدينة، والأسباب التي أدت لحمل السلاح وتشكيل المجموعات المسلحة والتنسيق مع فصائل الريف، لحين الالتقاء في معركة تحرير المدينة.

مع بدايات الربيع العربي وهروب زين العابدين بن علي وسقوط مبارك، استيقظ الحلم الذي لم يمت لدى السوريين، وبدأ الهمس بين التواقين للحرية لاستعادة سوريا المغتصبة من قبل عصابة طائفية حكمت بالحديد والنار، قتلت، اعتقلت، سرقت ونهبت وشردت حتى أضحت سوريا مزرعة لهذه العصابة. 

النظام استشعر أن رياح التغيير آتية، وتوجس خيفة من هبوب رياح شمالية باردة تزلزل عرشه وتخلخل بنيانه منشؤها حلب وإدلب وحماة، لدرايته ومعرفته بما فعله بتلك المحافظات، وحجم الجرائم التي ارتكبها بحق أهلها، فبدأ التحضير والاستعداد لمواجهة أي حراك قد يحصل فيها، فحشد شبيحته وعملاءه واستنفر فروعه الأمنية للتصدي لها واحتوائها.

لكن شاءت الأقدار أن يوقد أطفال درعا الشعلة، وتهب رياح جنوبية ساخنة طالما انتظرها السوريون، سرعان ما انتقلت إلى حمص وبانياس واللاذقية وجبلة ليسمع صداها في داريا ودوما ودير الزور وحماة وإدلب، وعين الجميع ترقب حلب، العاصمة الاقتصادية والتجارية، وثاني أكبر المحافظات بعدد السكان، فهي بيضة القبان التي بخروجها على النظام ستقلب الموازين. 

المظاهرات المطالبة بالتغيير بدأت تكبر وتتوسع على مساحة الجغرافيا السورية والسكون والهدوء يخيم على مدينة حلب، وسط حالة من الدهشة والذهول لدى عموم السوريين الذين يدور في خلدهم كثير من الأسئلة عن أسباب تأخر المدينة عن اللحاق بركب أخواتها من المدن الثائرة.

إبعاد الشخصيات الوطنية الوازنة من أبناء العائلات الحلبية العريقة وتقريب رويبضة القوم الذين تسيدوا المشهد

لكن الحقيقة التي لا يعرفها كثيرون هي أن النظام، واستمراراً لنهج وسياسة حافظ الأسد، وضع كل ثقله على هذه المدينة، مدركاً أنها سوف تكون مكمن الخطر الحقيقي عليه، فعمل منذ ثمانينات القرن الماضي على تجهيل أبنائها وإفقار أهلها ومحاولة تحييدها عن كل حراك ونشاط سياسي، وإشغالها بتوافه الأمور من خلال خطوات ممنهجة ومدروسة تمثلت بـ:

- إبعاد الشخصيات الوطنية الوازنة من أبناء العائلات الحلبية العريقة وتقريب رويبضة القوم الذين تسيدوا المشهد.

- نسج تحالفات وتوازنات مع الطبقة البرجوازية المؤثرة وكبار التجار والصناعيين حديثي النعمة، الذين بنوا إمبراطورياتهم المالية بالشراكة المشبوهة مع ضباط القصر الجمهوري والمخابرات وكبار المسؤولين في الدولة.

- محاربة العلم والتعليم والأدب، بالإضافة للفن والثقافة التي كانت حلب عاصمتها الحقيقية، لتتراجع وتصبح في ذيل القائمة وتحصل في عهد الأسد الابن على جائزة المدينة الأعلى بنسبة الأمية في سوريا.

- أما عن علماء الدين أصحاب التأثير الأكبر في المجتمع الحلبي المتدين، فقد غيبهم النظام، واعتلى المنابر أصحاب عمائم تم تصنيعهم في الفرق والشعب الحزبية وفروع المخابرات، من أمثال أحمد حسون، ومحمود عكام، ونديم الشهابي، وغول آغاسي، وكثير من أمثالهم.  

كان لابد من هذا السرد لواقع الحياة في حلب للوقوف على الأسباب الحقيقية في تأخر وضعف الحراك الثوري فيها، واستثمار النظام لذلك ليشيع أن حلب، كما هي العاصمة دمشق مؤيدة له وتحبه.

لن أدخل كثيرا في تفاصيل الحراك السلمي في حلب الذي حاصره النظام وضيق عليه وقمع ناشطيه واعتقل كثيرا منهم، ما دفع بعضهم للتفكير مبكراً بحمل السلاح للدفاع عن أنفسهم وعن المتظاهرين، بسبب قناعتهم أن كلفة التغيير السلمي ستكون عالية جداً بالنظر إلى التجربة الدموية في الثمانينات، ولما شاهدوه من توحش الشبيحة وعناصر الأمن في التعامل مع المتظاهرين السلميين.

وهنا انقسم الشارع الثوري حول تسليح الثورة، حيث يرى القسم الأكبر أن قوة الثورة في سلميتها لمعرفتهم بنوايا هذا النظام الذي يدفع منذ البداية لتسليحها من أجل وصمها بالتطرف والعنف ومواجهتها، ووأدها بكل أنواع الأسلحة.  

ومع اقتراب العام 2012 واتساع رقعة المظاهرات المطالبة في معظم أحياء المدينة المحكومة بقبضة أمنية شديدة وقطعان من الشبيحة، وازدياد حملات الاعتقال التعسفي بحق المتظاهرين والناشطين وارتقاء الشهداء في كل المظاهرات فرادى وجماعات، قام بعض الشباب المتحمس، وخاصةً ممن عانوا قسوة الاعتقال وذاقوا شتى أنواع التعذيب والإهانة والقهر، بتشكل مجموعات صغيرة بأسلحة بسيطة لا تتعدى المسدس وبنادق الصيد والسلاح الأبيض، كان أبرزها سرايا (أبو عمارة - سيوف الله –التوحيد والجهاد- رجال الله الأحرار).

مع تزايد الانشقاقات عن جيش النظام وبتنسيق مع الضباط المنشقين ومجموعات الريف، بدأ نشاط تلك المجموعات في تصاعد وازدياد، وأصبحت مدن عندان وتل رفعت والأتارب مركزاً لتدريبها وتنظيمها وإمدادها ببعض الأسلحة وقواعد انطلاق لتنفيذ العمليات النوعية الموجعة ضد عناصر الأمن والشبيحة التي كان لها صدى كبير.

أصبح اسم الجيش الحر يتردد على كل لسان مشكلاً رعبا حقيقياً لضباط النظام وشبيحته، ومصدرا للشعور بالأمان والاعتزاز والفخر لدى جمهور الثورة الذي علا صوته في المظاهرات لمطالبته بتحرير المدينة وتخليصهم من شبح الاعتقال والموت، وتطهير الشهباء من دنس هؤلاء المجرمين الغرباء عن قيم وحضارة أعرق وأقدم مدن التاريخ.

معرفة الجميع بإجرام هذا النظام ونواياه المبيتة لحلب جعل الرأي السائد عدم المواجهة المسلحة، والاكتفاء بعمليات نوعية وخاطفة والعودة إلى القواعد في الريف، إلى أن جاءت مظاهرة صلاح الدين يوم الجمعة 22 من حزيران 2012 وكان يوماً فارقاً في تاريخ الثورة بحلب، فعلا الصوت المطالب بدخول الجيش الحر إلى المدينة.

في الأسبوع الذي تلاه، وفي يوم الجمعة 30 حزيران 2012 وبعد يوم واحد من تشكيل المجلس العسكري وانضمام معظم مجموعات المدينة التي أصبح عددها 33 مجموعة، كان أول ظهور مسلح للمجموعات لحماية المظاهرات في حي صلاح الدين، وحصل الاشتباك بالقرب من حديقة سيف الدولة، وتم قتل مجموعة من عناصر الأمن.

تكرر ذلك في الجمعة التي بعدها وازداد الانتشار المسلح للمجموعات ونشر الألغام على مداخل الحي تحسبا لاقتحام الأمن وشبيحته، وبتاريخ 9 من حزيران تم إدخال كميات صغيرة من بنادق الكلاشنكوف والقناصات وبعض الذخيرة القليلة جداً إلى مدينة حلب من قبل المجلس العسكري، وتوزيعها على المجموعات (الخلايا النائمة). تلتها جمعة خرجت بها مظاهرات كبيرة بحماية الجيش الحر ولم يتجرأ عناصر النظام على الاقتراب منها. 

قبل الحديث عن اليوم الذي أعلنت فيه الفصائل حي صلاح الدين محرراً من النظام ومن باب الأمانة التاريخية، لابد من العودة إلى الوراء قليلاً وتوضيح بعض الأمور الملتبسة على كثير من الناس في موضوع دخول مدينة حلب. 

كان رأي الضباط التمهل، لحين استكمال تحرير الثكنات العسكرية حول المدينة ووضع خطة محكمة للسيطرة على كامل حلب

الجميع يعتقد أن أول من دخل مدينة حلب هم مجموعات الريف التي توحدت في تشكيل عسكري كبير تحت مسمى لواء التوحيد في 18 من تموز 2012، ولكن الحقيقة أن هناك محادثات ومشاورات كثيرة بين ضباط المجلس العسكري ومجموعات المدينة التي كانت تطالب فصائل الريف بالدخول إلى مدينة حلب وتحريرها من عصابات الأسد.

كان رأي الضباط التمهل، لحين استكمال تحرير الثكنات العسكرية حول المدينة ووضع خطة محكمة للسيطرة على كامل حلب، لكن صبيحة يوم الجمعة 20 من تموز 2012 أعلنت مجموعات المدينة حي صلاح الدين محرراً، بالتزامن مع دخول قادة المجموعات مع عناصرهم تاركين مقراتهم في الريف ودخولهم من الأحياء الغربية أمام أعين قوات النظام، وفي تحد كبير له.

لاحقا قطعت الطرق المؤدية إلى الحي ونصبت الحواجز وخرجت المظاهرة حاملة عناصر الجيش الحر على الأكتاف مطالبة جميع الفصائل بدخول المدينة، وتحت هذا الضغط وخشية محاصرة النظام لهذه المجموعات التي لا تملك من مقومات الصمود سوى الإرادة والشجاعة، وتجنباً لتكرار تجربة حي بابا عمرو في حمص ومع بزوغ فجر يوم الأحد 22 من تموز 2012 أعلن المجلس العسكري النفير العام وبدء معركة تحرير حلب.

 بعدها بساعات أعلن لواء التوحيد عن بدء معركة الفرقان لتحرير حلب، حاشداً مقاتليه، الذين لم يكد ينتهوا من معركة تحرير مدينة اعزاز حتى توجهوا لتحرير حاجز بيانون ومخفر حريتان وحاجز آسيا وجميعها على الأوتوستراد الدولي (حلب - غازي عنتاب).

وقبل حتى أخذ قسط من الراحة، كان صوت صاحب النخوة والفزعة (أبو محمود حجي مارع) ينادي للاجتماع في مدينة تل رفعت، تلبية لنداء إخوانهم في مدينة حلب ملبين كعادتهم غير مترددين، منطلقين بصيحات الله أكبر في طرق فرعية عبر القرى وصولاً إلى أرض الحمرا ومساكن هنانو شمال شرقي المدينة.

وكان قد سبقهم الشيخ توفيق شهاب الدين قائد كتائب نور الدين الزنكي مع مجموعاته من أبناء الريف الغربي، الذين دخلوا كالأسود لا يهابون الموت، ومجموعة من أبطال لواء شهداء الأتارب بقيادة الملازم مرشد الخالد، سالكين طريق خان العسل -الراموسة -صلاح الدين، ملتحقين بإخوانهم من مجموعات المدينة مسطرين معا أروع ملاحم البطولة والشرف.

وبالتزامن مع إعلان حي صلاح الدين محرراً يوم الجمعة 20 من تموز 2012، كان في الغربي ليث ترتعد فرائص النظام لسماع اسمه من قادة المجلس العسكري، كان يقتحم أحد معاقل النظام المحصنة هي مدرسة الشرطة بالقرب من خان العسل واستشهد على أبوابها، وسميت بعد تحريرها باسمه، إنه الشهيد البطل الملازم أول أحمد الفج.

وفي الشمالي أسد هصور من ضباط المجلس العسكري أيضاً لا يقل عن أخيه الفج شجاعة وإقداماً، ابن ريف حماة الملازم أول رفعت خليل أبو النصر، القائد العسكري في لواء الفتح الذي بقي في الريف الشمالي يخطط لاقتحام وتحرير كتيبة الصواريخ في حندرات مع مجموعة من الأبطال، حيث أصيب بطلقة في جبينه وهو يتقدم الصفوف، وارتقى بعدها بأيام شهيداً بكت عليه حلب وريفها.

لتبدأ صفحة جديدة مختلفة عن سابقاتها من المعارك ستكون محور المقال القادم.

=========================

الدور والحاجة الروسيان في موضوع التجديد للأسد

عبد الباسط سيدا

العربي الجديد

الثلاثاء 23/2/2021

من بين نتائج يمكن الخروج بها بعد مرور عشرة أعوام على انطلاقة الثورة السورية (مارس/ آذار 2011) أن الروس يخططون للبقاء في سورية؛ في حين أن الأميركان يستخدمون "الساحة السورية" لممارسة الضغط في العراق، على أمل احتواء إيران، وترتيب الأوضاع وفق تفاهمات جديدة مع تركيا، والحفاظ على أمن إسرائيل بطبيعة الحال.

ويبدو أن الدور الروسي في سورية لم يخرج، منذ البداية، عن إطار التفاهم الأولي مع الأميركان، خصوصاً في مرحلة أوباما؛ كما أنه التزم، هو الآخر، بأمن إسرائيل، وأثبت، في مناسبات عدة، حرصه على ذلك الالتزام، واستمراريته في التمسّك به، وما زال مستمراً في هذا الاتجاه، هذا إلى جانب تحالفه الإيراني.

وقد مارس الروس، منذ البداية، سياسة تضليلية، إذ كرّروا في مواقفهم العلنية، وفي تلك التي أفصحوا عنها، خلال لقاءاتهم مع السوريين المناهضين لحكم الأسد، بأنهم ليسوا متمسّكين ببشار الأسد؛ ولكنهم مع إعطاء الحرية للشعب السوري، ليقرّر بنفسه ما يريده. هذا بينما كانوا، في واقع الأمر، يدعمون النظام بكل أنواع الأسلحة، ويقدّمون له المعلومات والخبرات الاستخباراتية والعسكرية؛ كما كانوا يغطّونه دبلوماسياً في مجلس الأمن، عبر الاستخدام المستمر لحق النقض (الفيتو) ضد أي قرار في المجلس، كان من شأنه الضغط على النظام بأي شكل. وعلى الرغم من موافقتهم على بيان جنيف 1 عام 2012، إلا أنهم، منذ البداية، أكّدوا أن تفسيرهم يختلف عن التفسير الأميركي للبيان، من جهة أنه لا يدعو إلى إزاحة بشار الأسد عن الحكم، بل حاولوا باستمرار تفريغ ذاك البيان من محتواه.

الهدف الأساس للسياسة الروسية في سورية يتمثل في شرعنة الوجود الروسي، والتغلغل ضمن المؤسسات الأمنية والعسكرية والاقتصادية

ومع بداية جولات جنيف 2014، حاول الروس، بكل إمكاناتهم، حرف تلك الجولات عن مساراتها، عبر طرح موضوع أولوية محاربة الإرهاب، والدعوة إلى تعاون كل من النظام والثائرين عليه في محاربة الإرهاب. ثم دخلوا على خط "المصالحات" في مناطق مختلفة؛ ودفعوا نحو مسار أستانة 2017، حيث طرحوا دستورهم الجاهز، ثم حولوا هذا المسار إلى محور ثابت نسبياً، يضمهم مع كل من إيران وتركيا؛ وتمكّنوا من سحب المعارضة الرسمية إليه التي شاركت فعلياً، من دون أن تتبنّى ذلك رسمياً، في جميع الجولات، بما فيها الجولة الأخيرة الـ 15 التي كانت في 16 /17 فبراير/ شباط 2021.

ومن الملاحظ أن الهدف الأساس للسياسة الروسية في سورية يتمثل في شرعنة الوجود الروسي، والتغلغل ضمن المؤسسات الأمنية والعسكرية والاقتصادية. ولتحقيق ذلك، يرى القائمون على السياسة المعنية أهمية، بل وضرورة، المحافظة على النظام بقيادته الهشّة التي باتت خاضعة لهم وللإيرانيين في كل شيء، وذلك في مقابل البقاء في واجهة المشهد. ولعل هذا ما يفسّر سعي روسيا المتواصل راهناً، على مختلف المستويات، من أجل ترتيب الأوضاع لتمرير مهزلة إعادة انتخاب بشار الأسد، سواء عبر تعطيل مسار اللجنة الدستورية المضللة أصلاً، هذا المسار الذي لم، ولن يؤدي، إلى نتيجة، وإنما هو مجرّد بدعة روسية تم التفاهم حولها مع الجانب الأميركي، بهدف تكوين انطباع زائف، مفاده بأن هناك جهداً دولياً يُبذل للوصول إلى حل في سورية. وفي الموازاة مع هذا المسار، هناك لقاءات متواصلة في حميميم التي باتت تذكرنا بعنجر اللبنانية التي كان يتقاطر عليها المسؤولون اللبنانيون، لتلقي التعليمات والتوجيهات من المسؤولين الأمنيين السوريين، وتقديم الطاعة لهم. واليوم، يتكرّر المشهد ذاته، ولكن بأشخاص مختلفين، فالشخصيات التي تراجع حميميم سورية، سواء من الموالاة أم من المعارضة المدجنة؛ ومن يستقبلهم هم الأمنيون والعسكريون الروس. أما اللقاءات الأعلى مستوى، فتعقد في موسكو، تماماً كما كان يحصل بالنسبة للقاء مع المسؤولين اللبنانيين الأرفع شأناً الذين كانوا يتوجّهون إلى دمشق.

وما يجري من حديث اليوم عن فكرة تشكيل مجلس عسكري انتقالي، والدعوات إلى تفعيل المسار الدستوري، لا يخرج عن نطاق سياسة كسب الوقت، وتشتيت الانتباه عن الهدف الأساس للروس في المرحلة الراهنة الذي يتمثّل في تمرير عملية إعادة بشار الأسد في الأشهر القليلة المقبلة، وهي الانتخابات التي يبدو أنها باتت محسومة بالنسبة إليهم، وكل ما يسعون إليه، في الوقت الحالي، إنما يندرج في إطار المساعي المبذولة من أجل إضفاء المشروعية الاسمية عليها.

التركيز على الاتصالات والحوارات بين النظام وحزب الاتحاد الديمقراطي يأتي بالتزامن مع تراجع الاهتمام بموضوع الحوار بينه وبين ممثلي الأحزاب المرتبطة به

ولعل إشرافهم على المباحثات التي تجرى، من حين إلى آخر، بين وفود "الإدارة الذاتية" وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) والنظام، وتسهيلهم لها من بين الخطوات التي تسير في هذا الاتجاه. إذ يبدو أن الهدف الأساسي هو تأمين توزيع صناديق الانتخابات/ المبايعة المفروضة في المناطق التي تشرف عليها الإدارة المعنية، وتتحكم فيها "قسد" عسكرياً بدعم أميركي، وتفاهم روسي. وذلك حتى لا تخرج منطقة شرقي الفرات التي تضم ثلاث محافظات؛ الحسكة ودير الزور والرقة، عن نطاق التبعية الرسمية للنظام، ولو شكلياً.

واللافت أن التركيز على الاتصالات والحوارات بين النظام وحزب الاتحاد الديمقراطي (الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني) يأتي بالتزامن مع تراجع الاهتمام بموضوع الحوار بين الحزب المذكور وممثلي الأحزاب المرتبطة به من جهة، والمجلس الوطني الكردي من جهة أخرى؛ وهو الحوار الذي كانت تشرف عليها الولايات المتحدة الأميركية، وهذا ربما يُستشف منه تراجع الاهتمام الأميركي بالموضوع السوري بصورة عامة. وهذا ما يُستنتج من تجاهل الرئيس الأميركي، جو بايدن، لوضع سورية في خطاباته، فأميركا حالياً منشغلة بملفاتٍ أخرى، تمثل أولويات في المرحلة الراهنة، منها الوضع الأميركي الداخلي في ظل حالة الاستقطاب الحاد بين توجهين متباينين: الأول يمثله الحزب الجمهوري بتوجهه الترامبي على وجه التخصيص، وهو الذي يركز على شعار أميركا القوية أولاً؛ في حين أن الثاني يتمثل في الحزب الديمقراطي، والرئيس بايدن بصورة خاصة، ويدعو إلى استعادة علاقات الثقة والتعاون مع الحلفاء، والعمل المشترك معهم في سبيل معالجة مختلف القضايا التي تستوجب تعاوناً دولياً. وهناك موضوع كورونا، والأزمة الاقتصادية التي تلوح بوادرها في الأفق. هذا إلى جانب موضوع مستقبل العلاقات مع الصين، في ضوء التحديات الاقتصادية والتكنولوجية المستقبلية. وكذلك العلاقات مع روسيا، وحرص الأخيرة على استعادة قسط من دورها السالف في عهد الاتحاد السوفييتي.

هل سلّم الأميركان ملف سورية بالكامل إلى الروس، مقابل التزامهم بأمن إسرائيل، وعدم التدخل في أماكن أخرى تخصّ أميركا، العراق وليبيا مثلاً؟

يبدو أن الموضوع السوري الذي لم يكن أصلاً ضمن دائرة أولويات إدارة الرئيس أوباما الديمقراطية، سيما في سياق سعيه إلى توقيع الاتفاق النووي مع إيران، لم يعد من الأولويات الأميركية في ظل الإدارة الجديدة، على الرغم من تصريحات تصدر هنا وهناك، فالنظام حالياً يستفيد من نفط الجزيرة، على الرغم من تطبيق قانون قيصر، والوجود الأميركي هناك. كما أن الصفقة حول القمح بين تركيا والنظام بوساطة روسية، وأعلن عنها أخيراً، تندرج ضمن هذا الاتجاه. والمؤكد هو أن المباحثات الجارية بين "قسد" وممثلي "الإدارة الذاتية" من جهة، وممثلي النظام من جهة ثانية، لا تجرى بعيداً عن أعين المسؤولين الأميركان الموجودين على الأرض هناك ومعرفتهم.

هل سلّم الأميركان ملف سورية بالكامل إلى الروس، مقابل التزامهم بأمن إسرائيل، وعدم التدخل في أماكن أخرى تخصّ أميركا، العراق وليبيا مثلاً؟ موضوع العلاقة بين حزب العمال الكردستاني والنظام قديم جديد؛ ولا تحمل المباحثات القائمة حالياً جديداً سوى أن توقيتها لافت، وطريقة إخراجها. أما البراغماتية التي أظهرها هذا الحزب من خلال التعاون مع الأميركان فلم تكن بعيدة عن التفاهمات الأخرى مع الروس والنظام في الوقت ذاته. ومع ذلك كله، ينتظر الجميع ملامح الاستراتيجية الأميركية الجديدة تجاه المنطقة، سيما بعد التصعيد الإيراني في العراق، وانسداد الآفاق في لبنان، فالسياسة علمتنا أن المتغير في حقلها هو السائد.

لننتظر ونتابع، خصوصاً وأن ما جاء في خطاب الرئيس جو بايدن أمام مؤتمر الأمن "الافتراضي" في ميونيخ (19 فبراير/ شباط الحالي) يتضمن رسائل في مختلف الاتجاهات، وتحتمل أكثر من تفسير.

=========================

بوتين، الأسد، نتنياهو.. الراعيان والحسناء

بشير البكر

سوريا تي في

الاحد 21/2/2021

عشنا في هذا الأسبوع عدة أيام من التشويق ونحن نتابع تسريبات إعلامية غامضة عن حدث مهم يدور سرا بين روسيا وسوريا وإسرائيل. لم يصرح أحد بأي تفصيل طوال ثلاثة أيام، ورأس الخيط الوحيد الذي التقطه الناس ذهب إلى عمليات نبش تقوم بها قوات روسية في مقبرة اليرموك بدمشق. وعلى هذا الأساس كتبت وتحدثت بعض وسائل الإعلام عن عمليات بحث عن رفات جنود إسرائيليين من معارك سابقة، ولأن المعلومات شحيحة جدا والعدد المفقود من الجنود الإسرائيليين قليل جدا، فإن الكثير من الظنون أخذت أصحابها إلى جثة الجاسوس الشهير إيلي كوهين الذي تنكر تحت اسم كامل أمين ثابت وجاء إلى بلادنا في أوائل ستينيات القرن الماضي من الأرجنتين كرجل أعمال سوري ناجح هدفه خدمة وطنه، وانتسب إلى "الحزب القائد للدولة والمجتمع" وصعد في سلمه القيادي بسرعة شديدة حتى أصبح عضوا في القيادة، كما اخترق المؤسسات الأمنية والعسكرية، وتعرَّف إلى الجبهة السورية في الجولان، ولكن أمره انكشف وتم إعدامه في عهد الرئيس أمين الحافظ. وتحدث مقربون من "أبو عبدو" أن كلا من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا والفاتيكان وإسرائيل ساومته على كوهين، وطلبت عدم إعدامه، ولكنه رفض وعلق مشنقته في ساحة المرجة في 18 من أيار 1965، وهذا ما عجّل في رحيل الحافظ عن الحكم. ومنذ ذلك الوقت لم تكف إسرائيل عن المطالبة بالجثة، واشترطت قبل انعقاد مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 الحصول عليها مقابل تسهيل المشاركة في المباحثات. وكان الجواب السوري بالرفض كما في المرات السابقة، وهناك من يفسر سبب عدم تجاوب النظام بأنه يعود إلى عدم معرفة مكان الجثة.

بعد عدة أيام من التشويق تمخض الجبل الروسي عن عملية تبادل بين النظام وإسرائيل غريبة في الشكل والمضمون

بعد عدة أيام من التشويق تمخض الجبل الروسي عن عملية تبادل بين النظام وإسرائيل غريبة في الشكل والمضمون. وجرى الإعلان عن صفقة يتم بموجبها الإفراج عن المعتقل الجولاني ذياب قهموز ونهال المقت التي تخضع للإقامة الإجبارية في الجولان، وذلك مقابل استعادة فتاة إسرائيلية عبرت إلى سوريا من معبر القنيطرة، ولكن هذه الصفقة تعثرت بسبب رفض كل من قهموز والمقت الترحيل إلى دمشق، الذي يعني إبعادا نهائيا عن الجولان بكل ما يترتب على ذلك. والغريب هنا أن النظام وافق على إبعاد مواطن ومواطنة من الجولان مقابل الإفراج عن فتاة إسرائيلية بقي أمر عبورها إلى سوريا لغزا، فهي من مستوطنة (موديعين عيليت) للمتدينين اليهود تتقن العربية وعلى علاقة افتراضية في سوريا. وتبدو هذه الرواية غير متماسكة لعدة أسباب أبرزها عملية تسلل الفتاة إلى سوريا من حدود تعتبر محروسة جيدا من خلال نظام أمني من بين الأكثر تطورا في العالم. ورجحت بعض المصادر أن الفتاة ربما تكون قد دخلت سوريا عبر بلد ثالث مثل الأردن أو لبنان. وسبق للفتاة أن حاولت دخول قطاع غزة لتقوم بـ"دور وسيط" بين إسرائيل و"حركة حماس"، للوصول إلى "اتفاق سلام" بينهما.

وتستدعي الصفقة عدة ملاحظات منها أن هناك هدية مجانية صريحة من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى صديقه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وهذه ليست المرة الأولى، حيث سبق أن قدَّم له عدة هدايا في مناسبات انتخابية منها جثة الجندي باومل زخريا التي سلمتها روسيا لإسرائيل قبل انتخابات نيسان 2019. ولكن صفقة الحسناء والراعيين مثل سابقاتها تفضح النظام أكثر مما تفيده، واللافت هنا أن النظام تنصل عن تسليم جثة زخريا التي تمت عبر موسكو، ونسبها إلى "مجموعات إرهابية".! وفي عملية التبادل هذه بدلا من إلغاء الصفقة بسبب رفض قهموز والمقت الإبعاد إلى دمشق، فإن إسرائيل قررت الاستعاضة عنهما براعيين سوريين تم اختطافهما من الحدود لأمر من هذا القبيل، ووافق النظام على ذلك بسبب الإصرار الروسي على إنجاز الصفقة، حرصا على إيصال الرسائل السياسية المرجوة، ومنها بالخصوص دعم رئيس الوزراء الاسرائيلي قبل عشرة أيام من انتخابات الكنيست.

=========================

عن حقيقة ما يحدث في سوريا

أكرم البني

الشرق الاوسط

السبت 20/2/2021

والبداية من اعتقالات طالت عدداً من الناشطين الموالين بشدة للنظام، وغالبيتهم من مدينتي طرطوس واللاذقية، والسبب استخدامهم وسائل التواصل الاجتماعي، لانتقاد تدهور الأوضاع المعيشية والاقتصادية، وتفشي ظواهر الفساد والابتزاز، أما التهمة فهي التعامل مع صفحات مشبوهة تضعف الشعور القومي وتنال من مكانة الدولة، وقد جرت الاعتقالات التي يرجح أنها لا تزال سارية وتطال آخرين، بعد يوم واحد فقط من إنذار لوزارة الداخلية يقضي بتفعيل أحد أسوأ قوانين الوصاية السلطوية ومحاربة الرأي الآخر ويهدد «بالعقاب والاعتقال المؤقت، كل من يساهم في إضعاف الشعور القومي ونقل أنباء يعرف أنها كاذبة، أو مبالغ فيها، من شأنها أن توهن نفسية الأمة»!

تلا ذلك قرار صادر عن رئيس فرع البدل والإعفاء في الجيش السوري، يقضي بالحجز التنفيذي ومصادرة ممتلكات وأموال كل مواطن داخل البلاد أو خارجها، لم يؤد الخدمة العسكرية أو يدفع بدل فواتها، والأنكى أن الحجز يتم بموجب حكم تصدره مديرية التجنيد وليس القضاء، ويشمل ممتلكات أهله وذويه أو أي أحد يخصه! وإذ يقدر عدد الفارين من الخدمة الإجبارية العسكرية بعشرات الآلاف، وإذ يتزامن القرار مع حملات واسعة تقوم بها أجهزة أمن النظام وشرطته العسكرية لملاحقة الشبان واعتقالهم وسوقهم إلى الخدمة الإلزامية أو الاحتياطية، يمكن أن نفهم مدى حاجة السلطة لتعويض ما فقدته من عناصر جيشها كي تتابع حملاتها العسكرية، وكيف تحاول رفد خزينتها بالأموال والعملات الأجنبية، حين تشدد الضغط على أرزاق المتخلفين وذويهم لإجبارهم على تسديد بدل الخدمة، ويصل إلى ثمانية آلاف دولار، بالتزامن مع شن حملات قمع واعتقال وترهيب في أسواق العاصمة والمدن السورية لمنع التداول بالعملة الصعبة.

ومنذ أيام، نجح النظام، وبوساطة روسية، وتحت وطأة القصف المتواتر والتهديد بالاجتياح الشامل، في تعديل شروط التسوية مع اللجان المحلية المعارضة في مدينة طفس الحدودية ومناطق غرب مدينة درعا، وتمكن بعد سنوات من دخولها وتفعيل مؤسسات الدولة فيها، لكنه أكره على التراجع، مرة جديدة، عن اندفاعاته العدوانية في مدينة السويداء، التي يرفض شبابها الالتحاق بالخدمة العسكرية، وآثر سياسة الاسترضاء والاحتواء، بعد مظاهرات غاضبة لأبنائها وصلت لتمزيق صور الرئيس السوري، تعبيراً عن رفضهم لاعتقال شاب على حاجز أمني وإساءة رئيس أحد فروع الأمن لشيخ عقل الطائفة حين طالب بإطلاق سراحه!

وإلى الآن، لا يزال التوتر سيد الموقف في شمال شرقي البلاد، بين قوات سوريا الديمقراطية وقوات النظام، بعد حملة تحريض أطلقتها الأجهزة الأمنية لتشجيع الأهالي والموالين لها في مدينتي القامشلي والحسكة على الخروج في مظاهرات ضد سلطة الإدارة الذاتية الكردية، ربطاً بتشديد الضغط على قرى وأحياء محسوبة على قوات سوريا الديمقراطية في ريف حلب، كالشهباء والأشرفية والشيخ مقصود، فمنعت عنها الطحين والمحروقات والدواء، كما فرضت إتاوات مالية كبيرة على سيارات الفواكه والخضراوات، وقد ردت قوى الأمن الكردية بقمع عنيف للمظاهرات التي خرجت، وتشديد الحصار على قوات النظام وأعوانه في مدينة الحسكة ضمن بقعة صغيرة تسمى «المربع الأمني»، كما تضييق الخناق على الأحياء الموالية للنظام في مدينة القامشلي، بحيث منعت الدخول إليها والخروج منها وكذلك البضائع والمواد الاستهلاكية، مما ينذر، في أي وقت، بانفجار الأوضاع هناك، وذلك رغم الدور النشيط التي تلعبه روسيا للتوفيق بين الطرفين ورعاية اجتماعات بينهما لتخفيف حدة الخلافات، لكن وساطتها لا تزال تراوح في المكان، في ظل إصرار النظام على إعادة القوات الكردية إلى بيت الطاعة، وتعويل الأخيرة على استمرار الدعم الأميركي لها لفرض شروطها، خاصة وقد تراجعت ثقتها بالنظام الذي تعتقد أنه طعنها في ظهرها غير مرة، عبر تغاضيه، منذ اجتياح عفرين، عن دور تركيا في محاربتها ومحاصرتها.

وبالنتيجة، ثمة أحداث متضافرة تتواتر في سوريا منذ أسابيع، وتتخذ أشكالاً متنوعة، لكن يمكن إدراجها جميعها تحت عنوان واحد هو اندفاع النظام القائم، وبتسارع لافت، نحو سياسة تصعيدية في محاولة لتوسيع قبضته القمعية وتشديدها على البلاد.

لا يخطئ من يذهب إلى ربط تلك الأحداث بقرب موعد الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في أبريل (نيسان) المقبل، بغرض توسيع قاعدة المشاركين فيها وترهيب أو تطويع الرافضين لها، وتمريرها بأقل منغصات وردود فعل، وفي الطريق تعويم رأس النظام ورفع المسؤولية عنه فيما يجري، ومنحه دوراً حاسماً في تهدئة التوترات (اعتذاره لمدينة السويداء) أو في مراضاة المتضررين بزيادة صورية للأجور والرواتب، وإطلاق سراح بعض المعتقلين وتخفيف ملاحقة الفارين.

كما لا يخطئ من يقرنها بنتائج الانتخابات الأميركية ويعتبرها عملاً سلطوياً مبرمجاً لتمكين السيطرة قبل استجلاء جديد سياسة واشنطن تجاه سوريا، وبخاصة محاولات النظام الحثيثة لخلق البلبلة في مناطق حكم الإدارة الكردية المدعومة أميركياً، بأمل إنهاء دوافع الاعتماد الغربي عليها، والظهور بمظهر الممسك بكل الأمور لتسويق نفسه كبديل وبأنه لا خيار سوى التعاطي المباشر معه، ربطاً بإرسال إشارات تودد للقيادة الأميركية الجديدة، لتغذية تلميحات عند بعض رموز الأخيرة بضرورة التعاطي مع الدولة السورية في مواجهة الإرهاب الإسلاموي.

لكن الصائب هو تفسير ما يجري على أنه أمر مألوف في سوريا، واستمرار طبيعي لنهج سلطوي معجون بمنطق القوة والغلبة، ويفتنه الهروب من معالجة الأسباب الحقيقة للأزمات المتفاقمة، نحو توظيف مختلف أدوات القهر والفتك والتنكيل، وحتى آخر الشوط، للحفاظ على سلطته وامتيازاته، ممعناً مع حلفائه، في رفض مختلف الحلول والمبادرات الأممية وعرقلتها، بدليل ما حل باللجنة الدستورية، وفشل مجلس الأمن مؤخراً في اتخاذ قرار يحرك العجلة السياسية في سوريا.

والحال، لن ينجح النظام في تسويق نفسه وتفادي تداعيات أزمة اقتصادية خانقة، مع حليفين يعانيان مثله، ولا يمكنهما أن يقدما له سوى المسكنات، كما لن ينجح في وقف العقوبات وفتح باب إعادة الإعمار، أمام تضافر مصالح عالمية وإقليمية تتمسك بأولوية الحل السياسي، لكنه، بلا شك، سوف ينجح في التوغل أكثر فأكثر، في تعنته وارتكاباته للحفاظ على كرسي الحكم، ولإجهاض أي معالجة سياسية لما تعانيه البلاد، حتى لو كان الثمن مزيداً من العزلة والحصار، ومزيداً من العنف والتفكك والجوع والخراب.

=========================

محنة السياسات الأميركية والمحنة بها!

رضوان السيد

الشرق الاوسط

السبت 20/2/2021

يريد روبرت فورد سفير الولايات المتحدة السابق لدى سوريا، وهو ديمقراطي متحمس، أن يُطمئن أصدقاء الولايات المتحدة إلى أنّ إدارة بايدن لن تخيّب الآمال والانتظارات، وبخاصة ما وعد به بايدن وأنصاره الناخبين في معاركهم الأخيرة. والصبر المتعب الذي يكون على أنصار الرئيس خصوصاً في الخارج الاعتصام به، له سببان: حاجة الرئيس إلى استكمال التعيينات في إدارته، وهو يحتاج في ذلك إلى موافقة الجمهوريين، فليس من المصلحة تعميق الخلاف معهم فيعرقلون التعيينات. والأمر الآخر الحاجة إلى «تشاور بارد» مع كل الأطراف الخارجية، وبخاصة الحلفاء، سعياً للجدوى والتماسك وإحداث توازن حقيقي في المجالات التي ضغط فيها الرئيس ترمب، وما أمكن التقدم فيها. ونموذج المسائل التي لا يستطيع بايدن، في نظر روبرت فورد، التقدم فيها بسرعة هي قضايا مثل الملف النووي الإيراني وحقوق الإنسان وحرب اليمن والحرب التجارية مع الصين والنووي الكوري الشمالي، والمزيد من تحسين العلاقات مع كوبا! وهو يذهب إلى أن أُناساً مثل فريد زكريا وهاري كازيانس يستبطئون كثيراً خطوات بايدن الوئيدة في هذه الملفات!

إنّ المشكلة في السياسات وفي التوقعات هذا الافتقار إلى العزيمة والتماسك في السياسات الخارجية لدى الإدارات الديمقراطية بالذات، بينما تشكو الإدارات الجمهورية من الاندفاعات الراديكالية التي تعود في كثيرٍ من الأحيان بالضرر على موقع الولايات المتحدة في العالم. فالحرب على العراق عام 2003 ما كانت ضرورية ولا مبرَّرة على الإطلاق، ولا كانت الاندفاعات تجاه بنيامين نتنياهو في قضية فلسطين أيام دونالد ترمب مفهومة أو مبرَّرة بأي هدف سياسي واستراتيجي بنّاء.

لكن من ناحية أخرى، ومن دون تشاورٍ مع الحلفاء والأصدقاء، عمد بايدن إلى إلغاء أمر ترمب اعتبار الحوثيين جماعة إرهابية، ووقف الدعم العسكري بحجة تسهيل المساعدات الإنسانية، وفتح الطريق نحو السلام. وقد قال كثيرون وقتها إنّ لدى الإدارة التي لم تتشاور مع الخليجيين معلومات ووجوه تواصل ولا شكّ ولو من طريق المبعوث الأممي إلى اليمن مارتن غريفيث والموظفين الدوليين (وكلا الطرفين كان ضد الإعلان عن إرهابية الحوثيين). ثم تبين أنه ما حصل لا هذا ولا ذاك، حين مضى غريفيث المتحمس لمسالمة الحوثيين، إلى طهران وعاد بخُفّي حنين. وتوالى التصعيد الإيراني ضد الولايات المتحدة وحلفائها وأصدقائها بمن في ذلك الأوروبيون من عشرات الصواريخ والمسيّرات ضد المملكة، وهجمات صاعقة ضد مأرب والحديدة، والآن الهجمة على القاعدة الأميركية على مقربة من مطار أربيل. وبماذا تجيب الولايات المتحدة؟ باستنكار الهجمات، وتأييد المملكة في حماية أرضها وأجوائها، والحديث مع الحوثيين باستثناء قادتهم الباقين تحت العقوبات!

هناك بالفعل أجنحة يسارية وثأرية في الحزب الديمقراطي، دخلت في إدارة بايدن، وهي تؤثّر في سياساته، بما لا يخدم الاستقرار في محيطنا وفي محيط الولايات المتحدة. منذ جون ديوي ووصولاً إلى جون راولز والمحافظين وجماعات اليمين هناك التأكيد على قواعد المبادئ والسياسات البراغماتية، والتي تعني تعظيم المنافع وتخفيف الأضرار أو التقليل منها. وقد تكرر هذا التأكيد عشرات المرات في فترتي أوباما، وما كانت هناك منافع بل أضرار كبرى على أميركا وعلى الاستقرار في العالم وبخاصة في منطقتنا. ما دخل الديمقراطيون العراق لكنهم أصرّوا على الخروج منه، ورغم استغاثة الأكراد والسنة وأطراف أُخرى عديدة حتى تركيا؛ فإنّ أوباما خرج مسلِّماً الأمر إلى إيران، لكي يضطر للعودة عام 2014 - 2015 وليس على وقع صعود «داعش» كما يحسب المراقبون؛ بل أيضاً لدخول روسيا القوي إلى سوريا. وتتابعت تخفيضات ترمب في سوريا والعراق، ليعود الحديث الآن عن زيادة عدد القوات في العراق وفي سوريا! وما يقال عن العراق وسوريا يقال عن أفغانستان وأذربيجان وأوكرانيا ومواطن أخرى في أميركا اللاتينية على رأسها فنزويلا. تأتي إدارة جمهورية فتستخدم أقصى الضغط الاقتصادي والأمني وربما العسكري، ثم تأتي الإدارة الديمقراطية فتتراخى فتندفع القوى الإقليمية وروسيا والصين للحلول محلَّها. فحتى الاتحاد الأوروبي عقد اتفاقية للتبادل التجاري مع الصين، وبمقتضاها صارت الصين شريكاً أول في عام 2020 وسط جفاءٍ مع إدارة ترمب نصفه مصنوع من جانبه!

إنّ كلَّ الشواهد تشير حتى الآن إلى أنّ الديمقراطيين كانوا في السنوات الماضية يعدّون جدول أعمال في حالة نجاحهم لمواجهة مقاربات ترمب في كل إجراءاته وقراراته المبرَّرة وغير المبرَّرة. وبدلاً من التقييم الهادئ أو المراجعة، أقبلوا على بدء الإنفاذ في شتى المسائل، وإذا صحَّ ما افترضه مراقبون عديدون فسيمضي بايدن في المستقبل القريب باتجاه كوبا وفنزويلا، وقد يُنهي الحرب التجارية مع الصين، ليس لأن ذلك هو الأكثر فائدة، بل لأن ترمب هو الذي شنَّها!

إنّ الذين يثيرون الاضطراب، ويعتدون على الآخرين، يكون عليك أنت صاحب القوة العظمى أن تقمعهم ثم تستوعبهم. والذي جرى حتى الآن حتى أيام ترمب هو الضغط من أجل الاستيعاب. لكنّ إدارة بايدن لا تبدأ بالضغط أو لا تتابعه، بل تريد التوصل للاستيعاب من طريق الجوائز والترضيات كما فعل أوباما. وهذا هو رأي الاتحاد الأوروبي فيما يتصل بالنووي الإيراني. لكنّ جوائز أوباما كانت مرتفعة الثمن إلى حدّ أنها أدت إلى عدة حروب، وتسببت في تخريب عدة بلدان، بينما من المفروض أن يكون الأميركيون هم الأكثر معرفة بالنظام الإيراني بالنظر إلى تجاذباتهم معه منذ أربعين عاماً!

على سياسة التهدئة بعد عواصف ترمب، تلقت إدارة بايدن حتى الآن ثلاث صدمات: هجمات اليمن، وهجمات أربيل، وانقلاب ميانمار. أما ارتكابات اليمن وأربيل فتحتضنها إيران بالكامل؛ في حين تشارك الصين في انقلاب ميانمار.

وهكذا فإذا كانت السياسات ناجمة عن ذهنية؛ فإنه لا أمل في تغييرها، بغضّ النظر عن التجارب. وقد كان الأمر على ذلك أيام أوباما إلاّ مع نتنياهو. إذ لم ينجح في أن يستخدم معه تذاكيه، الذي استخدمه مع سائر الأطراف وحتى مع حلفائه الأوروبيين. أما إذا كانت هناك عودة إلى استخدام البراغماتية في تطبيق المبادئ؛ فستكون هناك – حسب روبرت فورد – عودة إلى حسابات الاستقرار في المدى الطويل، وهو الأمر الذي يرجوه البابا فرانسيس أيضاً من الرئيس الجديد. البابا يأمل أن تقترن سياسات الاستقرار بالرحمة والعدالة معاً، أو يَحول الاستضعاف وانتهاز الفرص والتغالب دون تحقيق أي هدفٍ باتجاه إنسانية الإنسان وحياته الكريمة.

=========================

ما بين فشل جنيف وأستانا

رضوان زيادة

سوريا تي في

السبت 20/2/2021

لم يعد السوريون يكترثون كثيرا بالمؤتمرات التي تعقد من أجل قضيتهم، ربما لأنهم أدركوا نفاقها وكذبها، أو ربما لأنهم يعرفون أنها لم تعقد من أجلهم وأنها لن تغير من طبيعة حياتهم شيئا، فهي لن تؤمن سقفا للملايين الذين هجرهم الأسد من بيوتهم ولن تؤمن طعاما للملايين الذين يرفض الأسد الاعتراف بوجودهم.

أشار تقرير برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة في تقريره الأخير أن 12 مليونا و400 ألف شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي

يشعر السوريون أنهم في قاع حضيض لا أحد يكترث لألمهم ولا بواكي لموتاهم، يشعرون أنهم يعيشون خارج هذا العالم الذي من حولهم، ومنذ اعتراف العالم بالدولة كوحدة سياسية وحيدة فإن دولتهم كما الشعب الفلسطيني تماما لا وجود لها أو بالأحرى هم يخافون من الذهاب إليها أو الانتساب لهاـ لأنها تسبب لهم كثيرا من الوجع والألم.

أشار تقرير برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة في تقريره الأخير أن 12 مليونا و400 ألف شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي، هذا يمثل زيادة عن تقرير الصادر في أيار الماضي الذي قدر العدد بـ 9 ملايين و300 ألف وهو ما يعني زيادة 3 ملايين شخص في أقل من عام، وهو ما يضع السوريين على حافة مجاعة حقيقة إذا ما استمرت الحرب واستمر عناد بشار الأسد في رفضه لأي انتقال سياسي يسمح للسوريين بتقرير مصيرهم، يمكن القول إن السوريين اليوم يشتركون في انعدام الأمن الغذائي والفقر والفاقة بغض النظر عن وجودهم في المناطق الثلاث التي تشكل انقسام سوريا اليوم بشكل واقعي.

المناطق التي ما زال يسيطر عليها النظام ويقطن فيها ما يفوق عن 12 مليون سوري تقريبا وتشكل طوابير الخبز والغاز وانعدام خدمات الدولة الأساسية من كهرباء ومياه صالحة للشرب حقيقة يعيش عليها السوريون في تلك المناطق، ومع انهيار سعر الليرة السورية حيث تجاوز الدولار الثلاثة آلاف ليرة سورية وهو ما يعنيه من انهيار للقدرة الشرائية وارتفاع التضخم بشكل جنوني مما زاد من الفقر وحول السوريين إلى مدمنين للمساعدات الغذائية التي تقدمها الأمم المتحدة.

أما المناطق التي تسيطر عليها قسد التي تدعمها الولايات المتحدة وتتركز هذه المناطق في شمال شرقي سوريا والحسكة ومناطق ريف دير الزور فإنها ليست بأحسن حال، وإن كان التبادل التجاري المحدود للبضائع يجعل الأسعار فضلا عن الخدمات الأساسية أكثر توفراً.

تبقى مناطق الشمال السوري حيث يعيش أكثر من 3 ملايين سوري في مخيمات للنازحين عبارة عن خيم مؤقتة فإنهم يعيشون أسوأ ظروف يمكن أن يتخيلها إنسان خاصة مع فصل الشتاء حيث عصفت العواصف المطرية والثلجية بكثير من الخيم وحولت المخيمات إلى بحيرات من الطين لا إمكانية للحياة فيها.

يعشش اليأس داخل السوريين وهم محقون في ذلك فما عاشوه ويعيشونه كل يوم لم يمر به أي من المجتمعات المعاصرة

لكن تبقى الحقيقة الأسوأ هو انعدام الأمل بالنسبة للسوريين من إمكانية التوصل إلى حل ينهي هذه المأساة المستمرة على مدى السنوات العشر الماضية. وهو ما يشكل الحقيقة المؤلمة اليوم أن الانهيار الاقتصادي والاجتماعي لسوريا غير قابل للعودة، وإذا ما خسرت سوريا عقودا من التنمية بسبب سنوات الحرب فإن استمرار الاستعصاء السياسي في رفض الوصول إلى حل ينهي المعاناة الدائمة للسوريين يجعل من المستحيل توقع مستقبل أفضل في السنوات القليلة القادمة.

يعشش اليأس داخل السوريين وهم محقون في ذلك فما عاشوه ويعيشونه كل يوم لم يمر به أي من المجتمعات المعاصرة، إنها قصص تروى بعد الحرب العالمية الأولى أو الثانية لكنها تجري اليوم في القرن الحادي والعشرين وأمام أعيننا التي نحاول إغلاقها كي لا نشعر بالألم أو الحرج أو حتى وخزة الضمير، فمعاناة الشتاء القارس في الخيم مع الوحل والثلج ربما تشعرنا أن كل مسارات جنيف وأستانا وغيرها تنتهي كلها من حيث بدأت، وأن الجميع يتفرج علينا للاستمتاع بدل أن ينهي معاناة استمرت أكثر من عشر سنوات ولا يوجد ضوء في نهاية النفق يبشر بنهايتها.

=========================

هذا العبث الإيراني في المنطقة

بشير البكر

العربي الجديد

السبت 20/2/2021

تصرّ إيران على فصل الملف النووي عن بقية ملفات المنطقة، وهذا هو أصل المشكلة مع إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، والذي قرّر في عام 2018 الانسحاب من الاتفاق الذي وقعه سلفه بارك أوباما مع طهران في عام 2015. وطرح ترامب صيغة من أجل اتفاق جديد، يقوم على وقف نشاطات إيران المزعزعة للاستقرار في المنطقة، وهو ما رفضته طهران، وتواصل اليوم سياسة رفض التفاوض على اتفاق جديد، طرحت إدارة الرئيس الحالي جو بايدن إطاره الذي لا يبتعد كثيرا عن شروط ترامب، ويؤكّد على نقطتي وقف النشاطات المزعزعة للاستقرار، وإشراك أطراف إقليمية في الاتفاق، ومنها السعودية وإسرائيل. وهو ما ردّت عليه طهران بالرفض، وقالت صراحة إنها لن تجلس على طاولة المفاوضات مع الرياض من أجل التفاوض على اتفاق نووي.

النشطات الإيرانية المزعزعة للاستقرار تجري كلها في المنطقة العربية، وتشمل سورية، لبنان، العراق، اليمن، والسعودية، التي تتلقى الضربات بالطائرات المسيرة بصورة شبه يومية، ويتم تسجيل ذلك على أنه رد حوثي على حرب السعودية والإمارات على اليمن. ولكن لا يخفى على أحد أن الأسلحة المستعملة والتصويب يحتاجان درجة عالية من الحرفية، ولا شك أن من يقوم بهذه المهمة هي طهران التي تزوّد الحوثيين بأسلحة متطورة، وبخبراء يقومون بتشغيل هذه الأسلحة. وكلما تقدّم الوقت أصبحت نشاطات طهران أكثر من مزعزعة في المنطقة العربية، وأقل ما توصف بها أنها تخريب ممنهج قائم على أسس طائفية. وهذا هو الخطر الكبير الذي لا يريد أحد أن يراه ويعترف به ويقر بآثاره الراهنة والمستقبلية. وبعد أن ركزت إيران مشروعها الطائفي في لبنان وسورية، تمدّدت إلى العراق في ظل الاحتلال الأميركي، وها هي اليوم بعد 15 عاما تتحكّم بكل تفاصيل الوضع العراقي، كما أنها باتت لاعبا أساسيا في اليمن. والمحطة المقبلة هي تهديد بلدان الخليج العربي. ولا تقتصر النشاطات المزعزعة على التدخل في الشؤون الداخلية لهذه البلدان على المستوى السياسي، وإنما تعمل على تغيير هويتها الثقافية كاملةً من خلال بناء هوية طائفية جديدة، كما هو حاصل حاليا في شمال شرقي سورية في محافظتي دير الزور والحسكة، حيث يجري نشر التشيع في دير الزور بقوة، وبنت إيران مراكز ثقافية وأقامت حسينيات دينية وشكلت فرق كشافة، بالإضافة إلى إنشائها تشكيلات عسكرية تحت مسمّيات طائفية، مثل الباقر من قبيلة البقارة، وهاشميون من قبيلة الشعيطات، ويترافق هذا مع بث أساطير وخرافات عن شيعية المنطقة.

امتلاك إيران القنبلة النووية سوف يقود حتما إلى سباق نووي في المنطقة، ويؤدّي، بكل تأكيد، إلى أن تمتلك السعودية هي الأخرى السلاح النووي، وستجد من يبيعها هذه التكنولوجيا من دون أي اعتراض من الأمم المتحدة أو الدول الكبرى الأعضاء في النادي النووي. وفي الوقت نفسه، لن يؤدّي امتلاك إيران السلاح النووي إلى تغوّلها أكثر مما هي عليه اليوم، بل سوف يأتي اليوم الذي تصبح فيه قوتها العسكرية من دون مفعول، كما حصل قبل ذلك مع إمبراطوريات استعمارية، مثل فرنسا في الجزائر وبريطانيا في الهند. ومهما حاولت إيران أن تخلق واقعا جديدا في المنطقة، فإنها تزرع في بيئة غير بيئتها. وفي النتيجة، ستعود الخسارة عليها وعلى أهل المنطقة. ولذلك على قادة إيران مراجعة النفس، ووقف ما تقوم به بلادهم من تغيير للواقع القائم، لأنها بذلك تزرع الأحقاد والعداوات بين أبناء البلد الواحد الذين تعايشوا عدة قرون، ولم تمنعهم التباينات الطائفية من الحياة معا على أرضٍ واحدة، ومن أجل أهداف مشتركة.

=========================

ماذا سيفعل بايدن؟

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 20/2/2021

أعترف أنه لا معلومات لدي عمّا سيفعله الرئيس بايدن بشأن سورية، وأن الجهل بنواياه وخططه يشمل اليوم معظم من يدّعون المعرفة به وبما سيفعله، من الذين يتحدّثون وكأنهم أعضاء في إدارته، يشاركون في اجتماعاتها ويعرفون أسرارها، مع أنهم ليسوا غالبا من أصدقائنا الأميركيين/ السوريين، الأقدر على تخمين وتوقع ما قد يفعله، أو يدور في خلد مساعديه. لكنني أعرف أن بايدن ليس في عجلة من أمره، لثقته بنفوذ واشنطن وحضورها في سورية وحولها، وبأن جيش بلاده يستطيع تنفيذ ما يصدر إليه من أوامر، انطلاقا من قواعده السورية، وتلك المتناثرة بكثافة في العالم، والتي يمنحه دورها ما يريد من وقت للتفكير بما عليه اتخاذه من خطوات، ولا سيما أن مصالحه السورية مضمونة تماما، وليس هناك من يمكنه تحدّيها أو تقليصها، فهي حصة نهائية، فلماذا يتعجّل ويجعل للمسألة السورية أولوية على القضايا الأخرى التي لا يسعه تجميدها كالقضية السورية، بما أنها تستدعي تدخلا عاجلا منه.

تُمسك واشنطن بأوراق الحل السوري الذي أعتقد أنها قرّرت تجميده إلى زمان يعرفه دهاقنتها المتحكّمون، بهذه الدرجة أو تلك، بمواقف من ترابط جيوشهم في بلادنا، وخصوصا منهم إيران، الجهة التي يكيل لها محتل الأرض السورية الآخر، إسرائيل، ضرباتٍ متتابعةً قد يكون بين أهدافها منع إيران من ممارسة دور متفوق على دور روسيا السوري، والإعداد للضربة الأكبر، في حال قرّرت واشنطن إخراجها من مستعمرتها الأسدية بالقوة، بموافقة موسكو، الحائرة بسبب قلة خبرتها في المجال الدولي، وفشل استئثارها بسورية، والذي تحدّى قدراتها، فأخفقت في بلوغ الهدف الذي حدّده الرئيس بوتين لغزوها، ويتلخص في الانفراد بموقعها الاستراتيجي، وتحويله إلى منطقة عبور تستعيد، انطلاقا منها، ما كان للسوفييت من حضور ونفوذ في الوطن العربي، وها هي تجد نفسها عالقةً بين خطوط واشنطن وطهران وإسطنبول وتل أبيب والأسد الحمراء، وعازفة، أو عاجزة، عن تصحيح غلطةٍ خطيرةٍ جسّدها دفاعها عن عصابة أسدية حاكمة، يرفضها شعبها، وشنّها حربا ظالمة عليه، مع أنه لم يكن يوما عدوا لها، أو يستخف بعلاقاته معها، كما فعل النظام الأسدي في مناسبات عديدة، منها غزوه لبنان بطلب من واشنطن وتل أبيب، والقتال إلى جانب الجيش الأميركي الذي دمر العراق وأسقط نظامه، وتقاسمه مع إيران!

جمدت واشنطن الوضع السوري، واستخفت بـ"انتصار" موسكو التي رفضت القرارات الدولية بشأن الحل السياسي في سورية، لاعتقادها أن فوزها بالغنيمة السورية يتطلّب رفضه تطبيقها، وها هي تجد نفسها عاجزةً عن إكمال الحسم العسكري، وأعجز من عاجزة عن الانفراد بحل سياسي، كثيرا ما حلم الرئيس بوتين به، بينما يُمسك صاحب البيت الأبيض أوراق الحل، وينظر بارتياح إلى الغارق في ما سماه جيمس جيفري، ممثل مكتب الأمن القومي الأميركي السابق في سورية، "المستنقع السوري"، ويتابع بارتياح فشل غريمه الروسي في القضاء على السلاح الذي يقاتل غاصب السلطة في دمشق، كما كان قد وعد مرارا وتكرارا، وتقليص حضور إيران في سورية، بينما خرج صفر اليدين سياسيا من تفاهمه العسكري مع واشنطن، وأخفق، أخيرا، في تدبير رؤوس أموال تمكّنه من إعادة إعمار سورية وابتلاعها وثرواتها، أو إيقاف عميله بشار ولو على ركبتيه، ومنعه من اللعب بورقة طهران، ضده. ليس بايدن مستعجلا على إخراج بوتين من المستنقع، أو على حل مشكلاته مع تركيا وإيران. ولذلك، ليس مستعجلا على حل.

هل هذا ما يفكر ساكن البيت الأبيض الجديد به؟ أعتقد أن هذا ما يجب أن يستنتجه كل من يتأمل كيف تحاصص الغزاة سورية، قبل الحل، وكيف أجلوه بدورهم، لأنه يرجّح أن يكون موضوع نزاع بينهم. ترى، لماذا يجعل بايدن الحل من أولوياته، في ظروف مريحة له كهذه؟

=========================

وجهة نظر : على جدول أعمالنا جميعا .. كيف نعيد فرض قضيتنا على سلم الأولويات

زهير سالم

مركز الشرق العربي

24/ 2/ 2021

كيف نعيد فرض قضيتنا على سلم الأولويات الدولية .. والإقليمية .. والوطنية؟؟؟ وعلى سلم الأولويات الإنسانية والسياسية والقومية ؟؟؟

ومما ورد في أخبار الأمس، على لسان ممثلة المفوضية الأوربية الألمانية" أورسولا فون دير لاين" أن القضية السورية لم تعد على سلم الأولويات ..

انتهى الاعتراف الخطير أو الأخطر ، وقد سبقه قول الأمريكيين إن سورية ليست على جدول أولويات بايدن ..وقومنا يسمعون !!!

والمفوضية الأوربية - للتعريف فقط - هي الهيئة التنفيذية للاتحاد الأوربي، والمسئولة عن اقتراح التشريعات، وتنفيذ القرارات، وتأييد المعاهدات ،وإدارة أعمال الاتحاد الأوربي اليومية. ولو تصورنا الاتحاد الأوربي في شكل دولة ،  لرأيناها على رأس مثلث متساوي الساقين ، البرلمان الأوربي يمثل ساقا، والمفوضية الأوربية تمثل آخر ..نذكر هذا فقط للتنبيه على أهمية التصريح وخطورته وتداعياته ..!!

القضية السورية بكل مشروعيتها وزمانتها ودماء السوريين وآلامهم ومعاناتهم لم تعد أولوية لا عند " بايدن " ولا عند " الاتحاد الأوربي " ولو أردنا أن نسترسل في التقصي ، لقلنا ولا عند دولنا الإقليمية ما عدا ، إيران وإسرائيل "

وإذا تأملنا هذا الحال وتساءلنا ، من المستفيد الأول في تنحي القضية السورية عن سلم الأولويات الدولية سنجد أن المستفيد الأول هو بشار الأسد وداعموه بلا شك .

ولو تساءلنا من المتضرر الأول من هذا التنحي المريب، حتى أنك لتسمع لنشرة أخبار عربية من محطات عربية متهمة تزييفا بدعمها للثورة ، فترى وتسمع ، أن الشأن السوري آخر ما يخطر على بال معد نشرة الأخبار ..!!

تقول الشجرة السورية " ما كتر صحابي لما كان كرمي دبس وما أقلهم لما صار كرمي يبس" فإننا نعلم أن أول المتضررين هم وقود الثورة وحطامها من المعتقلين واللاجئين والأرامل والأيتام ..

وتنحية الثورة السورية عن سلم الأولويات الدولية هو استراتيجية أشد خبثا ، مما يظن البعض. إنه استراتيجية دع الجراح تتعفن ، واترك أصحابها يتساقطون ..بين مقراض الزمن ومقراض الوهن من حيث لا تشعرون !!

يطرح هذا المقال سؤالا عمليا قصيرا : كيف نعيد الثورة السورية والقضية السورية إلى مكانٍ على سلم الأولويات ...ولاحظوا أنني أقول مكان على سلم الأولويات ولا أقول سلم الأولوية ..!! أنا على يقين أن الثورة السورية لم تحتل في أي مرحلة مكانة الأولوية ...وعلى يقين اليوم أنها لا تكاد تكون ذات أولوية عند أحد ..هي سلة عملات احتياطية ، الكل يبادل فيها ، ويقامر بها وعليها ...

كيف نعيد أو نفرض قضيتنا السورية ...أو ثورتنا السورية على الأجندة العالمية والإقليمية والعربية والوطنية حتى ..أكثر السوريين على صفحاتهم مشغولون عن معاناة ذويهم بمعضلات البيضة والدجاجة ..

هو سؤال قصير بسيط ، ولكنه يحتاج للإجابة عليه إلى الكثير من الفسفور العقلي والعلمي والوطني ليرسم بجد خطة استراتيجية متكاملة محيطة   للإجابة عليه...

في فورة انفجار براكين الزوم بأنواع من السوالف والحكايا تتقدم هذه القضية لتكون موضع إثارة وحرث ...

يكذب من يقول للناس إن الجواب على السؤال في جيبي، أو أنه مسطور في وصفة يكتبها طبيب ويصرفها صيدلي ..!! والجواب اليوم أشد تعقيدا

وتنحي القضية السورية عن سلم الأولويات الدولية الرسمية أمر خطير ، وتنحيها عن سلم الأولويات الإقليمية أمر أخطر ، وتنحيها عن سلم الأولويات الشعبية أمر أشد خطورة .. وتنحيها عن سلم أولويات السوريين هو المرض العضال، بل الموت والزؤام ، وأنتم لا تشعرون ..

وكل هؤلاء الذين يشغلون الرأي العام السوري بسفاسف الأمور ، ومستحاثات الثقافة، وموميات الفكر، والذين يترصدون ويتربصون ويدّعون، كل أولئك مسئولون بطريقة أو بأخرى عن تنحي القضية السورية عن سلم أولويات الآخرين كل الآخرين ، البعيد ببعده والقريب بقربه .. ربما سيعيدنا إلى الجادة قليلا أن نعيش ساعة على سبيل التوهم مع المعتقل في زنزانته، ومع المهجر في خيمته ، ومع الطفل الجائع يضاجع جوعه، ومع الثائر في خندقه لا يدري ماذا عن أمر يومه وغده . وويل للشجي من الخلي قالتها العرب في الجاهلية ورددتها في الإسلام ..

كيف نجيب عن هذا السؤال ..

التزامنا بالحديث عن أهدافنا الاستراتيجية الراهنة ...

تمسكنا بالجوامع الموانع ..

اعترافنا بأنفسنا كما نحن من غير ادعاء ولا إقصاء

التمسك بثمرات العقول وكبح جماح العواطف ولاسيما التي تصدر عن غضب أو نقمة ..

الكف عن ممارسة سياسات التضليل والتمويه  ..

عيش الحاضر والتطلع إلى المستقبل والتوقف عن النواح على الماضي ..

فهم أفضل للسياسات الدولية، وحسن التعامل معها . وفقه إن الله يأمركم أن تؤتوا البيوت من أبوابها ..

وحدات تفكير وتخطيط - تخطيط لا تحنيط - جادة تنطلق من رؤية كلية ، تضع البرامج ، وترسم الآفاق ..

فريق وطني تنفيذي ، يكون واثقا متعاونا ، على كل المستويات ...

____________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

هل تتصادم السياسات الأميركية والإسرائيلية في عهد بايدن؟

حسن نافعة

العربي الجديد

السبت 20/2/2021

قد يبدو السؤال مستغربا أو حتى مستهجنا، خصوصا لدى القارئ المتابع والمدرك لحقيقة العلاقات الأميركية الإسرائيلية التي كانت وما تزال تشكل استثناء يخرج عن النمط المألوف في تاريخ العلاقات الدولية، فهناك ما يشبه الإجماع على أن للعلاقات الأميركية الإسرائيلية خصوصية تميزها عن كل أنواع العلاقات الدولية الثنائية. بل إن بعضهم يرى أن من الخطأ أصلا اعتبار العلاقة التي تربط الولايات المتحدة بإسرائيل جزءا من علاقاتها الدولية أو سياستها الخارجية، لأن الأصح، من وجهة نظرهم، اعتبارها من قبيل العلاقات الداخلية التي تربط بين الحكومة الفيدرالية في واشنطن وحكومة أية ولاية أميركية أخرى. وقد بات من المسلم به أن الولايات المتحدة الأميركية، أيا كان شكل الإدارة التي تقودها، لا تتعامل مع حكومة إسرائيل باعتبارها حكومة تمثل دولة أجنبية، وإنما باعتبارها جزءا من المجتمع الأميركي نفسه. ومع ذلك، يُظهر الفحص الموضوعي المجرّد للمسار التاريخي للعلاقات الأميركية الإسرائيلية بجلاء أنه لا يخلو من منعطفاتٍ تشهد تباينا شديدا في المصالح بين البلدين، وبالتالي تباينا أيضا في زوايا الرؤية للأمور ذات الاهتمام المشترك، يمكن أن يصل، أحيانا، إلى حد التناقض أو حتى الصدام. وأذكّر القارئ هنا بواقعتين تؤكّدان هذا المعنى:

الأولى: جرت عام 1956، حين تواطأت إسرائيل مع كل من فرنسا وبريطانيا لارتكاب جريمة العدوان الثلاثي على مصر، ولأن هذا التواطؤ تم من وراء ظهر الولايات المتحدة، وفي وقت كانت فيه الأخيرة تخطط لوراثة الاستعمار التقليدي في منطقة الشرق الأوسط، ولتطويق الاتحاد السوفييتي بسلسلة من الأحلاف العسكرية، فقد انتهزت الفرصة للوقوف في وجه العدوان، ولم تتردّد في ممارسة ضغوط مكثفة على إسرائيل، لحملها على الانسحاب من سيناء، وهو ما تم بالفعل، على الرغم من أن إسرائيل كانت قد أعلنت، بالفعل، عن ضم سيناء إليها.

الخلاف بين إسرائيل وإيران لا يعود فقط إلى البرنامج النووي الإيراني، وإنما يعود أساسا إلى رفض النظام الإيراني الحالي كل ما تمثله إسرائيل في المنطقة

الثانية: جرت عام 1991. حين تمنّعت إسرائيل عن قبول دعوة للمشاركة في مؤتمر مدريد للسلام. ولأن الولايات المتحدة بدت، في ذلك الوقت، حريصة على الوفاء بوعد كانت قد قطعته على نفسها بالدعوة إلى مؤتمر دولي يعالج قضايا الصراع العربي الإسرائيلي دفعة واحدة، خصوصا بعد قبول مصر وإسرائيل المشاركة في التحالف الدولي الذي قادته لتحرير الكويت، فإنها لم تتردّد وقتها في ممارسة ضغوط مكثفة على إسرائيل، وصلت إلى حد التهديد بإلغاء ضمانات قروض بمليارات الدولارات، وذلك لحملها على المشاركة في المؤتمر، وهو ما تم بالفعل.

اليوم، وبعد خروج ترامب من البيت الأبيض ودخول جو بايدن، يبدو أن العلاقات الأميركية الإسرائيلية تتجه نحو الدخول في مرحلة جديدة من تناقض المصالح والأهداف. صحيحٌ أن بايدن صديق قديم لإسرائيل ولنتنياهو شخصيا، بل لم يتردد في أن يصف نفسه بـ"الصهيوني"، انطلاقا من قناعته بأنه ليس من الضروري أن يكون الانسان إسرائيليا كي يصبح صهيونيا، غير أن علينا، في الوقت نفسه، ألا نغفل أن نظرته إلى إسرائيل تختلف اختلافا كبيرا عن نظرة ترامب وحاشيته، فمن الواضح أن نظرة الأخير كانت مدفوعةً باعتبارات يغلب عليها الطابع العقائدي أو الديني، بينما يغلب على نظرة بايدن الطابع السياسي البراغماتي. من هنا قناعتي بأن السياسات الأميركية والإسرائيلية في عهد بايدن ستتابين تباينا كبيرا حول عدد من الملفات، أهمها الخاص بالبرنامج النووي الإيراني، والملف الخاص بالصراع العربي الإسرائيلي. ولا أستبعد أن يصل التباين إلى حد التناقض الذي قد يتطوّر إلى صدام، خصوصا إذا تمكّن نتنياهو من الاحتفاظ بمقعده رئيسا للوزراء، عقب الانتخابات التشريعية المقرر أن تجرى خلال الشهر المقبل (مارس/ آذار).

للتباين في الموقفين، الأميركي والإسرائيلي، بشأن كيفية معالجة أزمة البرنامج النووي الإيراني، جذور عميقة، تعود إلى اختلاف رؤيتي واشنطن وتل أبيب إلى كيفية التعامل مع النظام الذي استقر في إيران عقب نجاح ثورتها الإسلامية في نهاية سبعينيات القرن الماضي. صحيحُ أنهما يشتركان معا في كراهيتهما النظام، وينسقان معا لزعزعة استقراره، بل ويسعيان لإطاحته، غير أن الوضع الجيوسياسي يفرض على كليهما التعامل معه من منطلقاتٍ مختلفة، فبينما تتعامل معه الولايات المتحدة بمنطق الدولة العظمى، ذات المصالح الكونية التي ينبغي أن تحرص عليها، تتعامل معه إسرائيل باعتباره تهديدا وجوديا، فهي لم تنس أبدا أنه النظام الذي أزاح الشاه، أهم حليف لها في المنطقة، وطرد السفير الإسرائيلي من طهران، وحوّل مقر إقامته إلى سفارة فلسطينية، بل وجعل من إيران دولة تقود محورا إقليميا لمقاومة المشروع الإسرائيلي في المنطقة. ولأن إسرائيل ترى أن محور المقاومة الذي تقوده إيران يشكل العقبة الرئيسية التي تحول دون تمكينها من فرض شروطها للتسوية وتصفية القضية الفلسطينية نهائيا، فمن الطبيعي أن ترى في النظام الإيراني تهديدا وجوديا غير قابل للتفاهم معه. لذا، يمكن القول إن الخلاف بين إسرائيل وإيران لا يعود فقط إلى البرنامج النووي الإيراني، وإنما يعود أساسا إلى رفض النظام الإيراني الحالي كل ما تمثله إسرائيل في المنطقة.

ليس بايدن في وضع يمكنه من إعادة النظر في قرار نقل السفارة الأميركية إلى القدس

في سياقٍ كهذا، ومع تراكم مظاهر الفشل في إطاحة النظام الإيراني، أو الحدّ من تمدّد نفوذه في المنطقة، من الطبيعي أن تسعى إسرائيل دائما إلى توسيع الفجوة بين النظامين، الإيراني والأميركي. ولأن هذه المساعي وصلت، في عهد الرئيس أوباما، إلى طريقٍ مسدود، خصوصا حين أقدم أوباما مع مجموعة 5السبت 20/2/20211 على إبرام صفقةٍ حول البرنامج النووي الإيراني في إبريل/ نيسان عام 2015، فقد كان من الطبيعي أن تلقي إسرائيل بكل ثقلها لإجهاض هذه الصفقة، وللحيلوله دون إتمامها. بل لقد وصل الأمر إلى حد إقدام نتنياهو على تحدّي الرئيس أوباما في عقر داره، ولم يتردّد في مهاجمته، في خطابٍ ألقاه أمام الكونغرس بمجلسيه، في مارس/ آذار 2015. وحين خسر نتنياهو الجولة، بدأ يراهن على ترامب الذي وعد في حملته الانتخابية بالانسحاب من الاتفاق. لذا حين فاز ترامب، وانسحب فعلا من الاتفاق النووي، وراح يتبنّى سياسة العقوبات القصوى في مواجهة إيران، أحس نتنياهو بالنشوة والنصر، وعادت السياسة الأميركية لتتطابق من جديد مع السياسة الإسرائيلية، غير أن صمود إيران في وجه العقوبات الأميركية، من ناحية، ورحيل ترامب من البيت الأبيض بعد فترة ولاية واحدة، من ناحية ثانية، شكلا انتكاسة جديدة لنتنياهو، وقلبا مفردات المعادلة من جديد. ولأن إدارة جو بايدن تعدّ، بشكل أو بآخر، امتدادا لإدارة أوباما، يتوقع أن تعود العلاقات الأميركية الإسرائيلية إلى النقطة التي كانت عندها قبيل رحيل أوباما من البيت الأبيض، وهي نقطة تقترب تدريجيا من احتمالات الصدام.

يبدو الأمر مختلفا حول ملف الصراع العربي الإسرائيلي، ففي الظاهر تبدو مساحة التباين بين السياسيتين، الأميركية والإسرائيلية، حول طريقة إدارة هذا الملف أقل وضوحا وأضيق نطاقا، غير أن الأمور تبطن بأكثر مما تفصح، فمن المعروف أن نتنياهو صفق طويلا لترامب، حين طرح الأخير "صفقة القرن" التي حصل بموجبها على اعتراف أميركي بسيطرة إسرائيل على القدس موحدة، وتم نقل السفارة الأميركية إليها بالفعل، كما حصل على اعتراف أميركي بسيادة إسرائيل على الجولان السورية، وبحق إسرائيل في ضم الكتل الاستيطانية الكبيرة ومنطقة غور الأردن. ثم عاد نتنياهو، وصفق أكثر لترامب، حين بدأ الأخير يمارس ضغوطا هائلة على السلطة الفلسطينية لتقبل "صفقة القرن"، وحين راح يمارس ضغوطا مماثلة على الدول العربية، لكي تشرع في تطبيع علاقاتها مع إسرائيل، من دون انتظار للانسحاب أو لوفاء إسرائيل بالتزاماتها تجاه الحقوق الفلسطينية. لذا كان من الطبيعي أن يمثّل سقوط ترامب في انتخابات الرئاسة الأميركية صدمة شديدة لنتنياهو، لأن هذا السقوط أحال أغلب المكتسبات الإسرائيلية إلى مجرد حبر على ورق.

إسرائيل ترى أن محور المقاومة الذي تقوده إيران يشكل العقبة الرئيسية التي تحول دون تمكينها من فرض شروطها للتسوية

صحيحٌ أن بايدن ليس في وضع يمكنه من إعادة النظر في قرار نقل السفارة الأميركية إلى القدس، وليس أمامه سوى الترحيب بخطوات التطبيع التي تمت مع بعض الدول العربية، وربما يشجع آخرين على الانضمام إليها، غير أنه لن يستطيع، سياسيا أو أخلاقيا، تقديم شيك على بياض لإسرائيل كما فعل ترامب. لذا، لن يكون بمقدور نتنياهو، حتى لو فاز في الانتخابات المقبلة، ضم المستوطنات أو غور الأردن أو مواصلة عملية الاستيطان بالوتيرة القديمة نفسها. وربما يكون من المفيد هنا أن نذكر بقرار مجلس الأمن رقم 2334 الذي يدين الاستيطان ويحرّمه، وقد اتخذ في شهر ديسمبر/ كانون الأول 2016، أي قبل أيام قليلة من انتهاء فترة الولاية الثانية لأوباما الذي رفض استخدام حق النقض (الفيتو) للحيلولة دون صدوره، وليس من المستبعد أبدا أن يستخدم جو بايدن هذا القرار أداة للضغط على نتنياهو.

مما تقدّم سوف يجد جو بايدن نفسه في موقفٍ لا يحسد عليه، فهو مطالب، من ناحية، بالعودة إلى الاتفاق الخاص بالبرنامج النووي الإيراني، لكن إسرائيل لا تريده أن يفعل، وسوف تقاوم خططه للعودة بكل ضراوة. وهو مطالبٌ، من ناحية ثانية، بالعمل على إحياء المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية على أساس الالتزام بحل الدولتين، بدلا من صفقة القرن، لكن إسرائيل لا تريده أن يفعل، وسوف تقاوم خططه على هذا الصعيد أيضا بكل ضراوة. والخيارات المتاحة أمام بايدن ليست كثيرة. ففي كلتا الحالتين، ولكي يثبت مصداقيته السياسية والأخلاقية وحرصه الحقيقي على أن يستعيد للولايات المتحدة هيبتها المفقودة في كل العالم، عليه أن يكبح جماح إسرائيل. بعبارة أخرى، بات على بايدن أن يدرك أنه لن يكون في مقدوره ممارسة سياسية خارجية أميركية مختلفة عن التي مارسها ترامب. وفي مقدوره إعادة إسرائيل إلى حجمها الحقيقي، وتحويلها دولة عادية راغبة في صنع سلام حقيقي مع جيرانها، فهل يستطيع جو بايدن، بل هل يجرؤ؟

=========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com