العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 28-01-2018


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

الميليشيات الكردية.. حلم مسروق وبندقية للإيجار .. د. أحمد موفق زيدان

العرب

الخميس 25/1/2018

قبل اندلاع الثورة السورية نجحت تركيا -إلى حد كبير- في تحييد التمرد الكردي على أرضها، عبر محادثات مكثفة جرت مع زعيم حزب العمال الكردستاني المعتقل لديها عبد الله أوجلان منذ عام 1998، بعد أن تخلى عنه حافظ الأسد، تحت تهديد تركي باجتياح سوريا إن لم يسلمه، وأسفرت المفاوضات عن سماح تركيا لحزب كردي بالمشاركة في الانتخابات، ووصل الأمر إلى أن يذهب رئيس الوزراء التركي يومها رجب طيب أردوغان، بصحبة مسعود البارزاني إلى معقل الأكراد في ديار بكر للمشاركة في احتفالات شعبية، وهو ما فُسر على أنه تدشين لصفحة جديدة بين الطرفين، خصوصاً أن العلاقات التركية مع مسعود البارزاني في شمال العراق كانت على أحسن ما يرام، إلى أن تدهورت بسبب الاستفتاء الأخير على الاستقلال.

حزب العمال الكردستاني هو الحزب الكردي الوحيد الذي دعا إلى توحيد كردستان الأربعة في تركيا وسوريا والعراق وإيران، وهو الحزب الوحيد الذي اعتمد الماركسية اللينينية، ولكن بحس حافظ الأسد أدرك أن العمال الكردستاني اللينيني هو الأقدر على قتال تركيا وإشغالها، وهو ما حصل له، فكان أن نجح في زرع الشخصيات العلوية مبكراً بالحزب أمثال جميل باييق، ومصطفى قره صو، ورضا ألطون، وبسه ارزجان، وكلها من القيادات العلوية التي تشكل مطبخ القرار للحزب، والذي لا يزيد عن ستة أشخاص، لكن يتمتعون بمراكز مهمة، المالية والخارجية والإعلام.

ومع اندلاع الثورة السورية، برز من جديد حزب العمال الكردستاني، بعد أن فشل حزب الاتحاد الديمقراطي، بزعامة صالح مسلم الذي لم يضف لاسمه أي صفة كردية، في الحلول محلّه، نظراً لخبراته العملية القتالية المتراكمة، بالإضافة إلى علاقاته الإقليمية، فكان رأس الحربة في القتال، ومعه تصاعد الحس الطائفي لدى القيادات العلوية الكردية على حساب الحس الوطني، ليظهر وبقوة على الساحة بعد السيطرة على الرقة، ورفع صور زعيمه عبد الله أوجلان، وإن كان رفع لكسب التعاطف الكردي، بينما هم تخلوا عنه منذ اليوم الأول لاعتقاله، بحسب شهادة شقيقه عثمان الذي انشق عنهم.

نجحت القيادة المشتركة لحزب العمال الكردستاني هذه بتعزيز علاقاتها مع دمشق وطهران على تحييد كل القيادات التاريخية قتلاً وتصفية وإبعاداً، وهو ما يؤكده عثمان أوجلان المقيم في أربيل، والذي يرى أن الحزب تم خطفه، وينفذ حالياً أجندات سورية وإيرانية، أبعد ما تكون عن المصالح الكردية، بل ويضيف أن النفس الطائفي على قيادات الحزب هي المتحكمة بقراراته.

اللافت أن معتقلي الحزب لدى النظام السوري كشفوا -بعد الإفراج عنهم- أن مسؤولي المخابرات السورية كانوا يحرضونهم على اتباع جميل باييق النصيري، والابتعاد عن عبد الله أوجلان وشقيقه.

العجيب والمثير للتساؤل هو كيف يقبل حزب ماركسي لينيني بالعلاقة مع ملالي طهران، تتناقض وإياه أيديولوجياً وفكرياً، بل وكيف تقبل قيادة الحزب الجديدة أن تتعامل مع النظام السوري الذي سلّم زعيمها عبد الله أوجلان إلى تركيا، ويقبع في السجن منذ 1998 وحتى الآن، إلا إذا تم تفسير الأمر على أنها قيادات خذلت زعيمها وتخلّت عنه، وتسير بأجندة مختلفة، عما تأسس عليه الحزب.

كل هذه التساؤلات قد يفسّرها اليوم ما يحصل في عملية غصن الزيتون المشتركة بين الجيش التركي والجيش السوري الحر، والتي أتت رداً على ذلك التحالف بين الحزب في عفرين والعصابة في دمشق، ومن ورائهما روسيا، التي كان لها خبراؤها في داخل عفرين، لكن سحبتهم قبل بدء المعركة، وما يفسرها أكثر فتح العصابة في دمشق خط إمداد للميليشيات الكردية في عفرين من طرف حلب، وذلك لرفد الميليشيات الكردية التي تواجه الهجوم المشترك.

يوم انتفض الشعب السوري كان الأكراد على رأس الثورة، ومعهم مشعل تمو، الذي قتل في ظروف غامضة، ليسرق الحلم عصابات تتعاون مع عصابة في دمشق، حرمتهم من أبسط حقوقهم وهي الجنسية ولا تزال، ومع هذا لا يزالون يتعاونون ضد ثورة أرادت تحقيق العدالة لهم، كما أرادتها لغيرهم، لكن مرة أخرى ترضى هذه الميليشيات في تأجير بندقيتها ونقلها من كتف إلى آخر، خدمة لكل غاز ومتآمر، لكن ليس لشعبها والوطن الذي استقبلها قبل عقود يوم رحلوا من تركيا.;

========================

موقفنا : أسئلة خطيرة لم تطرحها قناة الجزيرة في قضية اغتيال فتحي الشقاقي ، لماذا يرحب نظام الأسد بفصائل المقاومة !؟ .. زهير سالم

22 / 1 / 2018

مركز الشرق العربي

كان جميلا ومفيدا ما طرحته قناة الجزيرة – مشكورة - عشية 22/ 1 / 2018 ، عن استشهاد المقاوم الفلسطيني ، مؤسس حركة الجهاد الإسلامي الشهيد فتحي الشقاقي الذي قضى رحمه الله تعالى ، اغتيالا على يد الموساد الإسرائيلي في جزيرة مالطة ..ومع وضوح الحقائق وجلائها ، فقد ظل في سياق الأحداث بقع مظلمة كانت تستحق من مقدم البرنامج إضاءتها ، وكشف اللثام عنها .

من المفيد قبل أن نلقي بعض الأسئلة على البقع المظلمة في برنامج قناة الجزيرة لإنارتها ؛ أن نطرح سؤالا يخصنا نحن السوريين :

 لماذا لم تكتشف أجهزة المخابرات الأسدية أي اختراق صهيوني بحجم اختراق كوهين بعد كوهين ؟! أجهزة الأمن الأسدية التسعة عشر المتفرغة بإحصاء أنفاس السوريين والفلسطينيين واللبنانيين ، هل كان لديها أي برنامج لمتابعة الخروقات الأمنية الصهيونية ، فإن كان ، فأي طائل عملي كان من وراء هذه الجهود ..؟!

من حق أن نؤمن نحن السوريين ، أن جهاز الموساد الصهيوني ، لم يعد بحاجة إلى شخصية ضخمة على مستوى شخصية  (كوهين ) التاريخية، بعد أن نجح في إجلاس (كوهين ) جديد ، باسم جديد على كرسي الرئاسة في دمشق . في المرة الأولى اخترق الموساد الصهيوني حزب البعث بكوهين الأول . ومن ثم اخترق الموساد الصهيوني الدولة السورية ، بل والنظام العربي بحافظ الأسد وابنه بشار . لنؤكد أن هذه هي الحقيقة الوحيدة المتيقنة في إدراكنا لحرب الجاسوسية على مستوى العالم ، على ضوء ما جرى ويجري على الشعب السوري .

 وليبقى كل ما يحدث ويروى ويقال بعد ذلك مجرد تفاصيل . ولتبقى كل الشعارات التي رفعها حافظ الأسد عن تحرير فلسطين ثم تحرير الجولان ثم الصمود والتصدي ثم الأرض مقابل السلام وليبقى كل ما طرحه وريثه بشار عن المقاومة والممانعة مجرد صياغات تمويهية (كوهينية) لضرورة تغطية الموقف .

 على ضوء هذه المقدمة المهمة سوف نطرح بعض الأسئلة التي استوجبتها تحقيقات قناة الجزيرة عن مقتل الشهيد فتحي الشقاقي رحمه الله تعالى ، والتي تغافلت القناة عنها ، ولا يجوز لعاقل أن يتجاهلها..

السؤال الأول والأخطر والأهم ..

لماذا كان حافظ وبشار الأسد يحبون استقبال فصائل المقاومة بأنواعها ، وبإيديولوجياتها وتناقضاتها ..؟

إن قيل حبا بفلسطين وبالتحرير وبالصمود والتصدي والمقاومة والممانعة رد على القائل سؤال : فلماذا نصب حافظ أسد العداء لحركة فتح كبرى الحركات المقاومة الفلسطينية ، ولزعيمها ياسر عرفات ، حتى شق الحركة ، ومزقها وأخرجها من خط دفاعها الأول ، وشردها إلى تونس وغير تونس...

وإن قيل يريدها ورقة بيده في مساوماته وممارساته قلنا ، ولكن لماذا لم يُسمح لغيره من قادة المنطقة ، أن يلعبوا هذا الدور ويراهنوا على هذا الشرف ؟

إن ما شهد به برنامج قناة الجزيرة أن هذه الفصائل بمقامها في دمشق ، كانت من حيث لا تشعر ، في حضن صهيوني دافئ وناعم ، يتمتع الأسد بشرف ضيافتها وحمايتها ، مقابل مراقبتها وتقييدها ، وكشف وتسليم كل صغيرة وكبيرة من أمرها ، ضمن سلسلة من المرواغات والمساومات. التي يصعب الإحاطة بها أو تصورها.

 إن ما شهدناه على شاشة الجزيرة كان هو الجزء الظاهر من السفينة ، أما الجزء الغاطس فهو حجم المعلومات التي كانت تقدمها أجهزة المخابرات الأسدية بدأ من رأس الهرم وانتهاء بأصغر بواب على باب جهاز أمني في دمشق . الأسد يستقبل الفصيل الفلسطيني ، ويسمح له بفتح مكتب في مخيم اليرموك أو في غيره ، ثم يكتنفه المخبرون من بين يديه ومن خلفه ، وعن يمينه وعن شماله ، ومن تحت رجليه وفوق رأسه. والأجهزة الأسدية تشارك مرة وتتفرج أخرى.

المنظمات الغريرة الطيبة التي لا تفتأ تذكر دفء الحضن الأسدي لن تستطع أن تعيد جردة حساباتها بمراجعة موضوعية لما ربحت وما خسرت ، وللاختراقات التي عاشتها حيث نزل بها البلاء من حيث لم تحتسب.

وخرج الشهيد المبحوح من دمشق إلى دبي ، باسم وجواز سفر معروفين في دمشق ، ليجد الموساد بانتظاره !! يحلو للكثيرين أن يتهموا دولة الإمارات ، وضاحي خلفان ، ولكن أليس نظام  ( الأسد ) وأجهزة الأسد هي الأولى بالريبة والاتهام ؟! ومع أن وصول المبحوح إلى دبي كان سرا على دولة الإمارات وعلى دبي  وعلى الخلفان . فاسم الشهيد الحقيقي لا يعرفه إلا من منحه الجواز ، وودعه وهو يخرج من المطار . من حيث خرج كان الرجل معروفا بشخصه واسمه الحقيقي ، لا حيث وصل باسم ورسم لا يعرفه فيه أحد !! في مثل هذا تقول العرب : من مأمنه يؤتى الحذر ، وتقول حبك للشيء يعمي ويصم ..

والسؤال الثاني الذي تجاوزه برنامج قناة الجزيرة أو رواغ فيه هو في الحقيقة من شقين الأول : كيف تمكن الموساد الصهيوني من فتحي الشقاقي في دمشق ؟ والشق الثاني : لماذا لم يقتله فيها ؟

في دمشق وفي عهد الأسدين ، يعاني السوريون فيها من عسر تنفس للقبضة الأمنية الخانقة المفروضة عليهم . وكل الناس يشهدون أن الذباب الأزرق لا يطير في دمشق للعين الحمراء المفتوحة على الناس وعلى المآذن والمنابر ومعاهد التعليم  وعلى الهمس واللمس والنبز ..ثم استمع مشاهدو قناة الجزيرة  جميعا إلى شهادة الشاهد الصهيوني وهو يتحدث عن دمشق وكأنها بالنسبة للموساد الصهيوني ( حديقة الهايد بارك ) . رجال الموساد فيها كما أفاد شاهد قناة الجزيرة أحرار طلقاء ولاجون خراجون يتواصلون ويتصرفون في ( عرينهم ) أو (عرين الأسد ) ، إذ لا فرق ، وهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. سؤال ما زال يحيرني : لماذا لم يطرح برنامج قناة الجزيرة هذا السؤال ، ولماذا لم يسعفنا بالمزيد من الأدلة والشواهد عن الحرية التي كان يتمتع بها رجال الموساد ، في دمشق .

أما الشطر الثاني من السؤال لماذا رفضت قيادة الموساد قتل الشهيد فتحي الشقاقي في دمشق مع سهولة وصولها إليه ، وقدرتها عليه ؟! والجواب عمليا ليس ما حاولت قناة الجزيرة أن تصرف الأنظار إليه فتحدث شاهدها الصهيوني عن الخوف من انهيار عملية السلام ، الجواب الحقيقي يكمن في حرص المستخدم الصهيوني ، على الحفاظ على هيبة عميله ، وعدم إحراجه ، لتوفير نوع من ( البرستيج ) الملائم لمضامين الصمود والتصدي ، ولشعار ( لا صوت يعلو على صوت المعركة ) .

لا بد أن نؤكد أن هذا الكلام المباشر والمرسل على صدقيته تحكمه الكثير من القواعد والتوافقات الصارمة ، استدامة لدفء المسرح ، وحرصا على الوضع النفسي للممثلين ..

لم يقتل الموساد فتحي الشقاقي في دمشق احتراما للقواعد التعامل مع العميل الأسد . ولكن بشار الأسد يقول إن الموساد كسر قواعد اللعبة وقتل عماد مغنية في دمشق بعد ثلاثة عشر عاما تقريبا .

 زوجة عماد مغنية تكذب بشار الأسد وتقول إن آصف شوكت هو من قتل زوجها ، وليس الموساد الصهيوني . وفي رواية أن القواعد قد كسرت بين عهد حافظ ، وعهد بشار الذي اخترق الطيران الإسرائيلي جدار الصوت فوق رأسه ، وقتل الموساد الصهيوني  مرة أخرى مستشاره  الخاص محمد سلمان في منتجعه الساحلي ..

والسؤال الثالث والأهم : أين كانت المخابرات الأسدية في هذا المشهد وهي الأضخم والأكثر إثارة للخوف والفزع على مستوى المنطقة ؟!

لا أسأل لماذا لم تفتح قناة الجزيرة ملف اغتيال الشهيد الشقاقي في أدراج المخابرات الأسدية ، بعد أكثر من عشرين عاما على اغتياله ..

ولكن لماذا خرج المشاهد لبرنامج قناة الجزيرة بانطباع أن الموساد الصهيوني في دمشق وبيروت وطرابلس الغرب ومالطة كان يعمل في فراغ ..

كيف يستقبل حافظ الأسد مجاهدا أو مناضلا فلسطينيا مطلوبا من الموساد الصهيوني ، ثم يتركه مكشوفا ، لا يتابع ما يخطط ويدبر له ، ولا يحميه ولا يحذره وهو نفس ما فعله مع المبحوح من بعد .

أسئلة حقيقية وكثيرة  تضع أبناء أمتنا وشعبنا أمام حقائق كبرى لا يستهين بها إلا من غلبته شقوته أو غلبه ما أشيع من هواه ...

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

============================

ترامب وحسن نصر الله .. دلال البزري

العربي الجديد

الخميس 25/1/2018

الفيلم الجديد لستيفن سبيلبرغ عن أميركا أوائل السبعينات، برئاسة ريتشارد نيكسون، وعنوانه "البوست"، يحكي عن مغامرة صحيفة وشنطن بوست في الكشف عن تقارير تثبت كذب "الانتصارات" التي يحرزها الأميركيون في حربهم ضد الشعب الفيتنامي، والضغوط التي تتعرّض لها الصحيفة لعدم نشرها. وقال سبيلبرغ، في مقابلة معه، إن الفيلم هو لإعادة الاعتبار إلى الصحافة الرصينة، في هذا العهد بالذات، حيث تتعرَّض لهجمة سافرة ومنظّمة على يد رئيس أميركا الجديد، دونالد ترامب. يعود سبيلبرغ إلى زمن نيكسون، ليقارن، فيقدّم شريطه بصفته مناهضة صريحة لرئيس سابق، وأخرى شبه مباشرة لرئيس حالي، في كذبهما ومعاداتهما حرية النشر. ولازمته، من خلال بطله: "أفضل طريقة لمحاربة الصمت هي النشر". 

حنين غدار، باحثة وصحافية لبنانية، أدارت بجدارة عالية موقعاً إخبارياً له وجهة نظر نقدية لسياسة حزب الله. ثم انتقلت إلى العمل في مؤسسة بحثية أميركية. قبل أربع سنوات، كان لحنين غدار محاضرة، مسجّلة، تقول فيها ما يقوله نصف اللبنانيين، همساً أو علناً، إنه لا فرق بين إرهاب أصولية سنية وإرهاب أصولية شيعية، وإن الجيش اللبناني يميّز بين الإثنين لصالح الثاني، وتقصد به حزب الله.

الآن، الإثنان، سبيلبرغ وغدار، اجتمعا عند حزب الله. الأول، سبيلبرغ، وقد أطلق حسن نصر

"ترامب يهدي حزب الله، وغيره من حلفائه وخصومه، الهواء الأسود" الله حوله تحريماً، إن فيلمه لن يمرّ في الصالات اللبنانية لأنه يهودي يحب إسرائيل، تحمّس لها في حرب 2006، ودفع لها مليون دولار. أما حنين غدار، فكان نصيبها أقلّ صراحة، ولكنه مدفوع بالتمييز نفسه الذي وصفته في محاضرتها، فقد أصدرت المحكمة العسكرية اللبنانية بحقها حكماً غيابياً بالسجن ستة أشهر، على قولها هذا، عن انحياز الجيش لصالح حزب الله؛ فأثبتت المحكمة بذلك صدق وصف غدار لموقع الحزب في المؤسسة القضائية، بعد العسكرية.

السؤال هنا بخصوص التوقيت: ما الذي ذكّر حزب الله  وممثليه في أجهزة القضاء اللبناني بالخطيئة الكبرى التي ارتكبتها حنين غدار، ومرت عليها أربع سنوات؟ ليس السؤال هنا عن ضرورة الحوار السياسي، ولا عن الحقوق المحفوظة في الدستور اللبناني لحرية القول... فيبقى: لماذا الآن، بعد أربع سنوات؟ ألا يمكن أن تكون حنين غدار غيرت رأيها مثلا؟ أو بالعكس، ذهبت إلى أبعد منه؟

السؤال نفسه يُطرح بخصوص سبيلبرغ وفيلمه؛ مع أنه، في هذا الفيلم بالذات، يبدو مناهضاً لسياسة بلاده الخارجية، ليلتقي هنا مع موقف حزب الله المعروف من هذه السياسة.. بل أكثر من ذلك: بعد حرب 2006، التي يتحجّج بها حسن نصر الله، أخرج سبيلبرغ عشرة أفلام. من بينها فيلم "لينكولن" (2012) عن الرئيس الأميركي السادس عشر، الذي أنهى الحرب الأهلية الأميركية، ووحّد أميركا وألغى العبودية. هذا مثل من بين الأمثلة عن التزام سبيلبرغ بالقضايا التي تهمّنا نحن في هذا الشرق التعيس. عشرة أفلام لسبيلبرغ استقبلتها صالات بيروت منذ حرب 2006. ما الذي ذكّر فجأة جماعة الممانعة بأن المطلوب مقاطعته، ومنع فيلمه؟ لن نتكلم هنا عن المفاعيل العكسية لهذا المنع، وقد حصلت مع فيلم زياد الدويري الجديد "قضية رقم 23"، الذي تعرّض للحملة نفسها، فكانت النتيجة أن فيلمه بقي يُعرض في الصالات اللبنانية خمسة أشهر، تخطى خلالها أرقاماً قريبة إلى القياسية، وكان، في هذه الأثناء، ينال شهرة عالمية. ولن نتكلم أيضاً عن ضرورة معرفتنا ثقافة "أعدائنا"، وعن أضرار الانغلاق الثقافي التي تنتجه مفاعيل المقاطعة.. إلخ. فالمشكلة هنا في المعايير. كيف يقاطَع من دفع مليون دولار لإسرائيل، ويبقى أكبر مموِّل إسرائيل حراَ طليقاً؟ لما لا نقاطع أميركا كلها؟ ومعها أفلامها وطائراتها وعوالمها الافتراضية.. "فيسبوك" مثلاً؟

أيضاَ: لماذا الآن حنين غدار وستيفن سبيلبرغ؟ لماذا يطفح فجأة الوسْواس التطبيعي؟ ماذا كانت تفعل مكاتب المقاطعة طوال هذه السنوات؟ ومراكز أبحاث حزب الله التي يعمل فيها المهرة من المتوترين الدائمين من أية همسة إسرائيلية، من أية نظرة؟ هل هي قلّة منهجية في القمع والضبط؟ أم مزاج؟ أم طبيعة تكوينية؟ أم ثغرات في العقيدة؟

"صار مطلوباً مقاومة المدّ العالمي للقمع. بالصغيرة منها نبدأ: بقراءة حنين غدار ومشاهدة فيلم ستيفن سبيلبرغ"

بعض من الجواب: للقصة علاقة بالمناخ ربما. في أميركا ترامب أولاً، حيث الحريات الصحافية مهدَّدة، بأفعال رئيسها الجديد وأقواله. فترامب، على الرغم من فوضويته الإدارية، جهله وانعدام كفاءته، وربما بسبب هذه "الصفات"، ينتظم في حملته على الصحافة، كانت أخيرا جائزة "الأخبار الكاذبة"، وهدفها النيل من أكثر الصحف الرصينة. ربما هو أوضح من يكون في كراهيته هذه حرية الكلمة. ترامب وحزب الله يلتقيان هنا. ترامب يهدي حزب الله، وغيره من حلفائه وخصومه، الهواء الأسود، صانع المناخ الجديد المحقِّر للكلمة الحرة والخبر الصحيح. هذا المناخ ينتقل بسرعة إلى لبنان، قبل حنين غدار وقبل ستيفن سبيلبرغ. البلاغات والتوقيفات وحملة تحسّس الرؤوس تعود بقوة وتخوض أسخف المعارك؛ بعدما أصبحت الصحافة اللبنانية أشلاء.. الحليفان، الجهل والقمع يسيران مسيرة العودة إلى كمّ الأفواه. يختلف ترامب مع حسن نصر الله حول محبة إسرائيل من كراهيتها، ولكنهما يلتقيان، في لبنان، على كراهية الهواء الطلق. وترامب بهذا المعنى، من هذه الزاوية بالذات، هو حليف حسن نصر الله.

وبهذا لا يختلف لبنان عن غيره من الدول. ترامب ألهمَ جميع الطغاة الأرض، ورفدهم بجرعة من الاعتباط: انظر إلى الدول التي تراجعت عن القليل من الحريات التي كانت تمنحها للصحافة، أو التي عزّزت تسلّطها، بعدما رأت رأس الهرم الأميركي الديمقراطي الأعظم يعود إلى الوراء. إليكَ طُرفة، صحيحة أو متخيَّلة، لكنها محتملة، رواها صحافي رافق الرئيس اللبناني، ميشال عون، في زيارته أخيرا إلى باريس. إذ نقل عن "مصدر" أن أحدهم استغرب أن الوفد اللبناني الرسمي الذي الذي رافق الرئيس في هذه الزيارة كان جلّه مؤلفاً من أفراد عائلته وأهله. فسأل أحدهم عن سرّ هذه "العائلية" الفائضة. وكان جواب الأخير: "ماذا تريد؟ أن يختلف ميشال عون عن دونالد ترامب، رئيس أقوى ديمقراطية في العالم؟".

والنتيجة، أنه صار مطلوباً مقاومة هذا المدّ العالمي للقمع. بالصغيرة منها نبدأ: بقراءة حنين غدار ومشاهدة فيلم ستيفن سبيلبرغ.

========================

عفرين وحرب "غصن الزيتون" .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 25/1/2018

صحيح أن جميع المبادرين إلى الحروب يغطون دوافعهم العدوانية بمبررات مصطنعة غالباً، وشعارات مفارقة لاستهلاك الرأي العام، ولكن يبدو أن تركيا تتفوق في هذا الميدان على الجميع. فمن كان يخطر بباله تحويل الرمز الأشهر للسلام والوصول إلى بر الأمان بعد الطوفان، على ما تخبرنا قصة سفينة نوح، إلى اسم لحرب عدوانية خارج الحدود، غير تركيا صاحبة السابقة القبرصية، حين اجتاح الجيش التركي الجزيرة الصغيرة بعملية عسكرية أطلق عليها اسم "عملية السلام لقبرص" التي ما زالت تذكر في جميع المصادر التركية، إلى اليوم، بهذا الاسم؟

لا شك أن شجر الزيتون الذي تشتهر به منطقة عفرين أوحى لمتخذي القرار بهذه التسمية الآيرونية، في حين رأت مجلة دير شبيغل الألمانية فيها غصن زيتون تمده أنقرة إلى النظام الكيماوي القابع في دمشق، بعد سبع سنوات من العداء المعلن. ألم يعلن رأس النظام، قبل حين، القوات الكردية المتحالفة مع الأمريكيين بوصفهم عملاء، وعن نيته في استعادة السيطرة على كامل الأراضي السورية؟ وبالنظر إلى عجز النظام عن تنفيذ تهديداته الخلبية بشأن الشمال، هو العاجز عن السيطرة على جوار عاصمته نفسها (معركة إدارة المركبات مثلاً)، فها هي تركيا تقوم بالمهمة بدلاً منه. دون أن ننسى المسار الطويل والمتعرج لعودة العلاقات بين الطرفين، بإشراف روسي، منذ اعتذار أنقرة من موسكو، تموز/يوليو 2016، على إسقاط طائرة السوخوي الروسية.

غير أن هذه القراءة لرمزية غصن الزيتون، من دير شبيغل، لا تفي العملية العسكرية التركية حقها من التحليل. فأن يحصل أردوغان على ضوء أخضر من واشنطن وموسكو معاً، ومن قسم كاسح من الرأي العام المحلي، بعد فترة طويلة من التوتر مع واشنطن، ومن الاستتباع لموسكو، ومن شبه عزلة داخلية باستثناء قاعدته الثابتة من الموالاة، فهذا ما يحتاج إلى تفسير، علماً بأن الجهة الوحيدة التي أبدت اعتراضها على عملية عفرين هي إيران وتابعها السوري.

بالنسبة لهذا الأخير، قيل إن موسكو طلبت من حزب الاتحاد الديمقراطي تسليم المنطقة للنظام لتجنب الاجتياح التركي، فرفض الحزب الأوجالاني هذا العرض. لكن الأمر ربما يتجاوز موضوع عفرين إلى محافظة إدلب المجاورة التي تسيطر عليها فصائل إسلامية محسوبة على أنقرة، أبرزها جبهة تحرير الشام (النصرة سابقاً). وبالقياس إلى واقعة تسليم شرقي حلب إلى النظام، مقابل التوغل التركي وصولاً إلى مدينة الباب، أواخر 2016، يمكن الافتراض أن روسيا وافقت على فتح المجال الجوي أمام الطيران التركي لضرب عفرين، وسحبت قواتها المتمركزة في بلدة كفرجنة، مقابل سحب أنقرة لفيلق الشام وفصائل أخرى من جبهة جنوب إدلب إلى جبهة عفرين. هذا ما يفسر انقلاب موازين الصراع في الجبهة الأولى لمصلحة النظام، بعدما تكبدت قواته المهاجمة خسائر كبيرة على أيدي "الفيلق" وحلفائه من الفصائل، بصورة متزامنة مع بدء عملية غصن الزيتون الدامي.

المفاجئ أكثر كان الموقف الأمريكي. فقد تخلت واشنطن عن حليفها الكردي بصورة صادمة لهذا الأخير، حين أعلنت صراحةً عن أن منطقة عفرين هي خارج منطقة عمليات التحالف. صحيح أن التصريح لم يأت بجديد، بالنظر إلى أن الأمريكيين سبق وحددوا منطقة نفوذهم بشرقي نهر الفرات، لكن القوات الكردية المسيطرة على عفرين هي امتداد لتلك التي قاتلت داعش من أجل الأمريكيين طوال السنوات الثلاث الماضية.

يمكن تفسير الموقف الأمريكي على أنه محاولة لرأب الصدع مع أنقرة وإبعادها عن موسكو. فتركيا، بموقعها الاستراتيجي ووزنها العسكري وانتمائها إلى العالم الإسلامي، تبقى محافظة على أهميتها بالنسبة لواشنطن، على رغم كل الفتور والتوتر السابقين بين البلدين. وبما أن "دولة داعش الإسلامية" تم القضاء عليها، إلى حد كبير، في كل من العراق وسوريا، يمكن القول إن أهمية الحليف الكردي بالنسبة لواشنطن قد تراجعت عما كانت عليه قبل ذلك. من غير أن يعني هذا استغناء أمريكياً كاملاً عنه. فالاستراتيجية الأمريكية الجديدة في سوريا لا تكتفي بالقضاء على داعش، بل تسعى إلى بقاء عسكري مديد شرق نهر الفرات، ومناطق أخرى، بما يوازن الوجود العسكري الروسي، وصولاً إلى "انتقال سياسي" في سوريا، يتضمن إبعاد النفوذ الإيراني.

كان لافتاً أن لوم الناطقين باسم حزب الاتحاد الديمقراطي وإعلامه قد انصب على موسكو أكثر مما على واشنطن، مما يشير إلى أن الخيارات الضيقة التي تركت له (بين موسكو وواشنطن) ربما تدفعه إلى القطيعة مع الروس واستمرار التحالف مع الأمريكيين، بصرف النظر عن مصير عفرين غير القابل للتكهن الآن.

ذلك أن من سيرسم هذا المصير ليس تركيا ولا حزب الاتحاد الديمقراطي. فالعمليات العسكرية ستتوقف، بعد فترة لن تطول، بتسوية ما بين الروس والأمريكيين. واضح أن الأمريكيين لن يمدوا منطقة نفوذهم غرباً من أجل منطقة صغيرة معزولة، فهذا أمر مكلف سياسياً. لكنهم يستطيعون كف يد أنقرة عن عفرين بتسليمها لنظام دمشق الكيماوي، الأمر الذي يناسب روسيا أيضاً، وكذلك تركيا. ولكن ليس بلا مقابل طبعاً. والمقابل الظاهر منذ الآن هو العودة إلى مسار جنيف، والتخلي عن مشروع سوتشي للحل الروسي. ولعل في انعقاد الاجتماع القادم في فيينا، بدلاً من جنيف، رسالة تعني العودة إلى تفاهمات فيينا الدولية بشأن سوريا، قبل 3 سنوات، التي ولد منها قرار مجلس الأمن 2254 الصادر في 18/12/2015.

داخلياً، ذهبت الحكومة التركية بعيداً جداً في استخدام عملية عفرين في الصراع السياسي الداخلي. فقد هدد أردوغان علناً أي محاولة للنزول إلى الشارع تنديداً بالحرب على عفرين. وبالفعل تم قمع عدة محاولات للتجمع في إسطنبول وأنقرة من قبل ناشطين من البيئة الكردية. وتجاوز عدد حالات التوقيف بسبب مشاركات على وسائل التواصل الاجتماعي التسعين حالة، بينها الصحافية نورجان بايصال التي حطمت الشرطة بابها واعتقلتها، إضافة إلى عدد من نواب حزب الشعوب الديمقراطي في البرلمان. وبلغت حالة الهياج ذروتها حين دعا مقدم برامج إذاعية إلى قتل كل من يرفض العملية العسكرية، سواء كانوا صحافيين أو نواباً في البرلمان. ومن طرائف تصريحات أركان الحكم بشأن العملية، قول الناطق باسم حزب العدالة والتنمية إن عناصر داعش قد حلقوا لحاهم، في عفرين، وتنكروا في هيئات مقاتلي وحدات حماية الشعب!

٭ كاتب سوري

========================

موقف فرنسي مريب من عملية تحرير عفرين .. د. عوض السليمان

العرب

الاربعاء 24/1/2018

لا يندهش المتابع من موقف الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا من نقل مسألة تحرير عفرين من إرهابيي وحدات حماية الشعب الكردي إلى مجلس الأمن.

فباريس وواشنطن تطمعان في تقسيم سورية إلى دويلات عدة، ولطالما شعرنا برغبة الدولتين بإنشاء كيان كردي في العراق وسوريا، يهدف إلى زعزعة استقرار المنطقة ودعم الكيان الصهيوني، بالإضافة لاستخدام ذلك الكيان كمدية غربية، يستطيعون من خلالها طعن تركيا واستقلال قرارها، خاصة مع التقدم الذي يحققه أردوغان على الصعد كلها.

إنما يندهش المتابع من صفاقة التصريحات التي أدلى بها مسؤولون فرنسيون في مسألة نقل عملية "غصن الزيتون" إلى مجلس الأمن.

إذ عبّر السيد لودريان عن أهمية نقل الملف إلى مجلس الأمن، نظراً للضرورات الإنسانية التي يعانيها الشعب السوري في ظل هجوم النظام وحلفائه على المدنيين في البلاد. لعل السيد وزير الخارجية الفرنسي لم تصله أخبار مليون شهيد في سورية وتهجير عشرة أضعاف هذا الرقم. ولربما أن علينا أن نشرح له أن بشار الأسد قد قصف الشعب الأعزل في بلاده بالأسلحة الكيميائية التي يحرّمها العالم أجمع بما فيها باريس. ولعله من المناسب أن نرسل رسالة للسيد الوزير نقول له فيها إن روسيا وإيران وحزب الله قد جعلوا من حلب أثراً بعد عين، فلم يتركوا بيتاً إلا ودمروه، ولا مخلوقاً إلا وقتلوه. الغوطة محاصرة منذ بداية الثورة السورية، واشتد عليها الحصار منذ خمس سنوات، وأصبح جحيماً منذ أربع سنوات، حتى أكل الناس ورق الشجر ومات الأطفال وهم يتضورون جوعاً، فأين كانت الخارجية الفرنسية كل ذلك الوقت عن الوضع الإنساني في سوريا؟!

لماذا تنزعج فرنسا "بمقاييسها" من التدخل التركي، ولا تنقل ملف التدخل الروسي إلى مجلس الأمن، أو ملف التدخل الإيراني على سبيل المثال، أم أن وراء الأكمة ما وراءها؟!

الأسوأ من ذلك أن السيدة وزيرة الدفاع الفرنسية فرانس بارلي انتقدت محاولة تركيا تحرير عفرين من أيدي الإرهابيين، مدعية أن هذه العملية تضر بالمجهود الدولي في مكافحة تنظيم الدولة الإسلامية، وهو موقف تبنته الإدارة الأميركية، إذ تريد هي أيضاً أن تستمر الحرب ضد التنظيم.

وهذا يعني على الأقل مسألتين صادمتين، أولاهما أن فرنسا وأميركا غير مهتمتين بإرهاب بشار الأسد، ولا بالإرهاب الإيراني والروسي، وغير معنيتين باستشهاد مئات الآلاف من الشعب السوري على يد إرهاب الدول ونظام بشار الأسد، وإنما هدفهما إرهاب تنظيم الدولة فقط، فربما لإرهاب الأسد طعم مقبول ورائحة زكية! وثانيهما هذه الصفاقة بالتعامل مع عقولنا، ألم تعلن واشنطن عن تدمير تنظيم الدولة وانهزامه وتشتت مقاتليه؟ فأي جهود تلك التي يريد البلدان استمرارها؟!

المسألة كلها أن هناك دولاً تعمل على منح وحدات الحماية الكردية -بالذات- دولة في الشمال السوري، تستطيع من خلالها ممارسة إرهابها، واستمرارها في الخيانة والعمالة للغرب والكيان الصهيوني، ضد السوريين وضد تركيا أيضاً.

نؤيد عملية "غصن الزيتون"، ونندد بالموقف الفرنسي والأميركي بوضوح لا لبس فيه.;

========================

خلط جديد من عفرين .. مروان قبلان

العربي الجديد

الاربعاء 24/1/2018

بعد شهور من الاستعدادات والمقايضات والمفاوضات، أطلقت تركيا عمليتها العسكرية في كانتون عفرين، الذي شكل، منذ سقوطه بيد وحدات حماية الشعب الكردية صيف عام 2012، شوكة في خاصرتها الجنوبية. العملية العسكرية التركية "غصن الزيتون"، كما عملية "درع الفرات" من قبل، ما كانت لتتم لولا ضوء أخضر روسي. وجاءت الموافقة الروسية واضحةً مع سحب موسكو مراقبيها المنتشرين في عفرين إلى منطقة تل رفعت الاستراتيجية، بموجب اتفاق وُضعت لمساته الأخيرة في زيارة رئيس الأركان التركي، خلوصي آكار، موسكو الأسبوع الماضي، صحبة مدير المخابرات التركية، حاقان فيدان.

بالنسبة إلى روسيا التي يعدها بعض الأكراد حليفاً تاريخياً، أخذاً بالاعتبار العلاقات القوية التي كانت تربط عموم القوى السياسية الكردية، وخصوصاً حزب العمال الكردستاني، ذا التوجه الماركسي، في موسكو، يعد تعاون تركيا جوهرياً في تحويل "نصرها" العسكري إلى اتفاق سياسي يؤمن لها وجوداً غير مكلف في سورية، ويحقق مصالحها فيها. وقد ازدادت أهمية تركيا بالنسبة الى روسيا أكثر، واتسعت رقعة المصالح المشتركة معها، بعد إعلان وزير خارجية الولايات المتحدة، ريكس تيلرسون، الأسبوع الماضي عن استراتيجية أميركية "جديدة" في سورية، عمادها الاحتفاظ بوجود عسكري في مناطق شرق الفرات، بعد القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية، وتشكيل قوة محلية (كردية) وتجهيزها لحماية الحدود، قوامها 30 ألف مقاتل، في مسعى إلى تحويل سورية إلى مسرح رئيس لمواجهة النفوذ الإيراني، عوضاً عن تسليمها لإيران، بحسب تيلرسون، كما حصل في العراق بعد الانسحاب غير المدروس عام 2011، ولضمان تحقيق انتقال سياسي في سورية، يمثل خطوة أخرى على طريق إضعاف إيران.

وتعتمد الولايات المتحدة في مسعاها للاضطلاع بدور رئيس في تقرير شكل الحل، ومنع روسيا من الانفراد في فرض رؤيتها، على سيطرتها على نحو ثلث مساحة سورية البالغة 185 ألف كم مربع تقريباً، في منطقة تضم أكثر ثرواتها من النفط والغاز والمياه والسدود ومحطات توليد الطاقة الكهربائية والمحاصيل الزراعية الاستراتيجية، إلى درجة أن واشنطن لم تترك تحت سيطرة روسيا في سورية إلا فوسفات حمص، وبعض حقول الغاز الواقعة إلى الشرق منها. وتدرك موسكو أن أي نظام في دمشق لن يكون في مقدوره الاستمرار من دون استعادة مناطق شرق البلاد والثروات الكبيرة التي تحويها، وإلا سيغدو حينها مثل الأردن، معتمداً كلياً على المساعدات الخارجية في بقائه وتمويل حكمه، ما يعني أن موسكو التي تعاني نفسها من صعوبات اقتصادية، بسبب العقوبات الغربية عليها وانخفاض أسعار النفط، سوف تتورّط في تمويل نظام كسيح سنوات طويلة، بدل أن تنضح ثروات سورية تعويضاً عن تكاليف عملياتها العسكرية فيها. لم نتحدث بعد عن استخدام واشنطن لتمويل إعادة إعمار المناطق المدمرة، والتي يقع معظمها في نطاق سيطرة النظام، سلاحاً سياسياً للضغط باتجاه الحل الذي يرضيها.

يضع هذا الأمر روسيا في مأزق عويص، ويزيد الحاجة إلى تركيا المتضرّرة أيضًا من السياسة الأميركية في سورية، ومن دعمها الأكراد. بدون تركيا، لن تكون هناك إمكانية لإقناع فصائل المعارضة السياسية والعسكرية السورية، بالتعاون في التوصل الى حل ينقذ روسيا من ورطتها السورية، ويمكن الرئيس، فلاديمير بوتين، من تحويل خطاب "النصر" الذي ألقاه في حميميم في شهر ديسمبر/ كانون الأول الماضي إلى فوز يريده كبيراً في انتخابات مارس/ آذار المقبل.

مع احتدام حدة الصراع في المنطقة، وخفوت الاستقطاب الطائفي والمذهبي، وتنامي التوتر القومي والإثني، ستخلط أوراق التحالفات في سورية والمنطقة من جديد، وسيظهر معسكران إقليميان متقابلان، تجتمع فيهما تركيا وإيران على دعم السوريين العرب، في مقابل مساندة السعودية والإمارات الأكراد في محاولة لاحتواء نفوذ كل من إيران وتركيا في العراق وسورية، أو إضعافه، حتى لو اقتضى الأمر تفتيتهما. ستكون روسيا طبعاً ظهيراً للمعسكر الأول، في حين ستقود الولايات المتحدة الثاني. على أن هذا الخلط لن يكون نهاية المطاف في المخاض العسير الذي تمر به المنطقة، فالصراع السوري لن ينتهي، على ما يبدو، إلا وقد هزَّ أركان المنطقة، وقلب قيمها السياسية التي ألفناها، وطوى قرناً من تاريخ سياساتها وتحالفاتها.

========================

المعارضة السورية بين موسكو وعفرين ومنعطف سوتشي .. سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاربعاء 24/1/2018

يتخفف وفد المعارضة السورية من كل الشروط السابقة لحوارات الكيانات السياسية مع روسيا، الدولة الشريكة في صناعة المقتلة السورية. وعلى الرغم من أهمية ما يمكن أن ينتج عن الحوار المباشر مع دولةٍ شريكة للنظام في الحرب على الشعب السوري، إلا أن هذا الحوار كان يمكن أن ينتج من موقف كل من الجهتين المتحاورتين، أي الوفد باعتباره ممثلا عن المعارضة التي تتلقى حاضنتها الشعبية، بشكل دائم، صواريخ الجانب الروسي وقنابله، المقابل للمعارضة في الحوار في موسكو يومي الثلاثاء والأربعاء، والذي سبقته المعارضة ببيان يمكن أن تسميه روسيا "بيان اعتذار" أكثر منه بيان تصريح عن قبول "الدعوة" الموجهة إلى الوفد من الخارجية الروسية.

من المفيد أن يتابع الوفد نشاطاته بزيارات دولية لكسب التأييد الديبلوماسي للقضية السورية، بيد أن زيارة موسكو لا يمكن أن تقع ضمن سياق هذه الجهود، واعتبار البيان السابق لزيارة روسيا: "طرفاً معنياً بما يجري في سورية، وأحد رعاة العملية السياسية في جنيف، وضامنا أساسيا لمناطق خفض التصعيد"، حسب ماجاء في البيان الصادر عن هيئة التفاوض لقوى الثورة والمعارضة السورية في 21 يناير/ كانون الثاني الجاري، من دون أي إشارة إلى شراكتها ومسؤوليتها عن الحرب الدائرة في سورية منذ تدخلها العسكري المعلن عام 2105، وفي وقت يتزامن فيه إصدار البيان مع قصف وحشي من روسيا على مناطق عديدة في سورية، ما يجعل من البيان ليس إعلانا، وإنما تصريحاً لاعتذار عن موقف المعارضة السابق من توصيف موسكو عدوا للثورة ومناصريها، ورسم صورة جديدة لروسيا في المشهد السوري، بما يتوافق والرغبة الروسية على ظاهر الحال.

إعادة ترتيب المعارضة استراتيجيتها في التعامل مع الأطراف المتصارعة في سورية، وعلى 

"سلوك المعارضة السياسية ما قبل زيارة موسكو لن يكون كما بعدها" سورية، لا يمكن أن يتساوق مع فكرة تجاهل أن روسيا هي من رفعت الفيتو 11 مرة في وجه أي قرار يخدم أي تقدم في وقف المأساة السورية، ورفع الظلم عن السوريين ومحاسبة المسؤولين عن استخدام الأسلحة الكيماوية، ما يعني أن الحوار مع الجانب الروسي، على الرغم من الاستعراض الشعبي الذي يحدث في المؤتمرات الصحافية، يجب أن يكون مفهوما من المعارضة، حتى ضمن محتوى بياناتها، أنه حوار مع خصم، وليس مع "معنيٍّ بما يجري في سورية"، فروسيا ليست فرنسا ولا ألمانيا، بل هي من تحوم طائراتها فوق المدن السورية محملةً بقنابل الموت والدمار. ومن هنا أهمية الحوار معها من أجل الطلب منها وقف عدوانها، والالتزام بالقرارات الدولية ذات الصلة بالصراع في سورية، وحتما ليس من أجل، كما ذكر البيان، "الوقوف على حقيقة الموقف الروسي تجاه العملية السياسية".

وأيضاً لا بد من القول إن المعارضة، بكل واقعية، بعد التخلي الأميركي عنها، لا تملك إلا السبل الدبلوماسية لمواجهة قوة عظمى مثل روسيا، ما يبرّر لوفد الهيئة مسعاها إلى الحصول على فرصة الحوار مع عدو للثورة، وأحد ضامني (مع إيران) تفوّق النظام في حربه الممتدة على مساحة سورية، لكن هذا المسعى لا يشترط تغيير المصطلحات والوظائف التي تتناسب وحقيقة الدور الروسي في المأساة السورية، وهو ما كان يمكن أن يعطي قوةً للوفد، وسبباً لوجوده في روسيا، قبيل تحضيراته لمباحثات فيينا تحت الرعاية الأممية، وقبل أيام من مؤتمر سوتشي الذي دعت إليه موسكو بغرض خلط الأوراق، وتمييع قضايا جوهرية، مثل مناقشة الدستور وقانون الانتخابات، وسط فوضى المدعويين، وبعيداً عن الشرعية الدولية.

تفيد هنا الإشارة إلى أن كل ما يدور اليوم من تعظيم لهالة "سوتشي"، وجعله مفصلياً في حياة المعارضة قد يصب جميعه في المصلحة الروسية التي قسمت الشارع: بين معارضين ومؤيدين من جهة، وبينه وبين القيادات المعارضة، على الرغم من أن تجاوز حضوره عبر الحوار مع روسيا مباشرة، والتعاطي معها وفق رؤيتها للحل في سورية، من خلال منحها متعة الانتصار معنوياً في جرّ المعارضة إلى حديقتها، في توقيتٍ متزامنٍ مع مذبحتها وما فرضته على نحو مائتي ألف سوري من تهجير قسري من إدلب، ومئات الضحايا في ريف دمشق، يوحي بأن المجتمع الدولي قد تخلى عن دعم المعارضة وتركها لمواجهة مصيرها مع روسيا وحلفها الجديد (إيران وتركيا)، على الرغم من إعلان المعارضة نجاحات الزيارات المكوكية لدول عديدة.

يمكن القول إن سلوك المعارضة السياسية ما قبل زيارة موسكو لن يكون كما بعدها، على 

"كل ما يدور اليوم من تعظيم لهالة "سوتشي"، وجعله مفصلياً في حياة المعارضة قد يصب جميعه في المصلحة الروسية" الرغم من ترجيح عدم حضورها مجتمعة، مثل وفد الهيئة، مؤتمر سوتشي، وإبقاء الأمر منوطاً برأي كل مكون من مكونات وفد المعارضة، ما يتيح مرونة في التعبير عن رأي كل مكون بالحلول المقترحة، فبينما منصة موسكو لن تعارض، تكون منصة القاهرة صامتةً عن مشاركة أعضاء لها. ويبقى قرار الائتلاف الوطني في إسطنبول مرهوناً، حتى اللحظة الأخيرة، في ما يتعلق بحضور "سوتشي"، بقرار حليفته المضيفة له، وكذلك قرار الفصائل المسلحة الشريكة في مسار أستانة ومعركة عفرين، حيث يرتبط قرار أنقرة بحضور سوتشي بتفاهماتٍ عديدة، تتقاطع من خلال معركتها الدائرة في عفرين، حيث الموقف الروسي داخل أروقة مجلس الأمن سيكون المنعطف الحاسم في الطريق إلى سوتشي، وفي التوافقات على جدول أعماله، وأسماء المدعوين له.

ليس من باب التقليل من أهمية الاستراتيجية الجديدة للهيئة العليا للتفاوض، ولكن من باب التنبيه إلى أن الاعتراف بأخطاء سياسات الهيئة السابقة، عبر نسف محاذيرها في التعامل مع روسيا، وربما لاحقاً إيران، لا يعني بالضرورة أنه المسار الصحيح. ولكن قد يكون طرق الأبواب التي تعتمدها الهيئة الجديدة مجديا، في حال تسلحت بمشروعٍ وطنيٍّ فعليٍّ، وليس شعاراتيا، وتحدثت عن سورية كما أوردت في بيانها (سابق الذكر): "دولة ديمقراطية ذات نظام سياسي تعددي، دولة المواطنة المتساوية، وسيادة القانون"، من دون أن تنسى أن ضمن هذه الدولة مناطق تحت القصف، منها عفرين ومنبج وإدلب وريف دمشق وحماه.

========================

الاحتدام التركي ـ الكردي في سوريا .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الاربعاء 24/1/2018

مع بداية معركة عفرين بين تركيا وأكراد حزب الاتحاد الديمقراطي في سوريا، يدخل الاحتدام التركي - الكردي مرحلة جديدة، إذ انتقلت المواجهات بين الطرفين إلى حرب مكشوفة وشاملة بعد أن استمرت طويلاً باعتبارها صراعات سياسية ومواجهات جزئية من الصراع المباشر أو الصراع بالوكالة، خصوصاً في السنوات الأخيرة من الحرب في سوريا وحولها، ما يحول الاحتدام بين الطرفين إلى حرب ستكون لها تأثيرات تتعدى سوريا وتركيا إلى مستويات أخرى في العلاقات الإقليمية والدولية.

وكما هو معروف، فإن الأساس في الاحتدام بين الجانبين، إصرار الطرفين في السنوات الماضية على تصعيد سياسي وعسكري غير مسبوق، يتغذى على خلافات تاريخية، تراوح بين مظلومية كردية من الأتراك واتهامات تركية للأخيرين بالانفصالية والإرهاب من جهة، وخلافات سياسية حول مستقبل الأكراد وعلاقاتهم بمحيطهم من جهة أخرى، مضافاً إلى ما سبق انخراط الطرفين في الاصطفافات الإقليمية والدولية الحاصلة في سوريا وحولها.

وأضافت مواقف الطرفين في القضية السورية تأثيراتها إلى عوامل الصراع بينهما. ولأن تركيا اتخذت مواقف أقرب إلى المعارضة السورية وتشكيلاتها المسلحة في مقاومة نظام الأسد وتحالفاته، فإن حزب الاتحاد الديمقراطي، اتخذ مواقف أقرب إلى التفاهم مع النظام، والاختلاف مع المعارضة، وصولاً إلى الصراع معها بما فيه الشق الكردي من المعارضة ممثلاً بالمجلس الوطني الكردي، إضافة إلى الاختلاف والصراع مع تشكيلات المعارضة المسلحة، وكلها عوامل زادت في الاحتدام التركي - الكردي وهيأت لانفجاره.

وبطبيعة الحال، فإن انفجار الاحتدام التركي - الكردي في سوريا، ما كان ليتم لولا تفاهمات إقليمية ودولية، لجمت في السابق مساعي تركيا لضرب حزب الاتحاد الديمقراطي وميليشياته، التي تقود قوات سوريا الديمقراطية، وكان أبرزها تحول الموقف الروسي بالموافقة على العملية التركية في عفرين، وسكوت الولايات المتحدة، وإن كان لا يعني موافقة واشنطن على العملية التركية، فإنه يعني بالضرورة قبول تورط أنقرة في حرب مباشرة مع أكراد تدعهم واشنطن سياسياً وعسكرياً منذ سنوات.

وإذا كانت معركة عفرين بما يحيط بها من عوامل من ظروف سياسية وعسكرية، تؤكد غلبة الأتراك، واحتمال كبير بانتصارهم فيها، فإنها سوف تفتح الباب نحو توسيع دائرة الصراع العسكري، ليشمل مناطق الشمال والشمال الشرقي من سوريا وصولاً إلى الحدود العراقية، كما أكد أكثر من مسؤول تركي عشية معركة عفرين، ما يحول الصراع بينهما إلى ساحة مفتوحة تمتد على مساحة واسعة من الأراضي السورية، يجعل تركيا تتحمل عبئاً سياسياً وعسكرياً كبيراً من جهة، ويعطي "الاتحاد الديمقراطي" فرصة خوض حرب مختلفة مع القوات التركية من جهة أخرى.

ومما لا شك فيه، أن معركة عفرين وما يليها سيترك بصمات ثقيلة في الواقع السوري، ليس فقط باعتبارها تجري في أرض سورية، وعلى رؤوس مواطنين سوريين في منطقة ذات أكثرية كردية، تمتعت بهدوء وأمان نسبيين مقارنة بجوارها، بل لأن سوريين سوف يقاتلون في خندقي المواجهة، حيث تقاتل فصائل معارضة مع الجيش التركي في غرفة عمليات غصن زيتون، وتقاتل مكونات سورية مع حزب الاتحاد الديمقراطي في إطار قوات سوريا الديمقراطية، ومن شأن هذا القتال أن يضعف المنطقة، ويعطي النظام فرصة أكبر لإمكانية السيطرة عليها في وقت لاحق، هذا إذا تم تجاوز تقديرات تقول، إن ميليشيات حزب الاتحاد الديمقراطي، يمكن أن تسلم مواقعها وأماكن سيطرتها لقوات النظام، إذا أيقنت أنها عاجزة عن الاحتفاظ بها، كما حدث مرات على جبهات صراعها مع قوات المعارضة المسلحة.

خلاصة القول في تطورات الاحتدام التركي - الكردي مع بدء معركة عفرين، أنه فتح أبواباً جديدة لتغييرات في الخريطتين السياسية والعسكرية للصراع، حاملاً في الوقت ذاته إمكانية لترديات متزايدة في القضية السورية، نتيجة تطرف وتشدد حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، وتدخلات إقليمية ودولية، لا ترى مشكلة في تواصل مسار القتل والدمار والتهجير في سوريا.

========================

الملك الكامل صاحب ميافارقين .. للذكرى .. زهير سالم

18 / 1 / 2018

مركز الشرق العربي

حاصر هولاكو بغداد فاستسلم الخليفة المستعصم خوفا وجزعا ورغبة وطمعا وفسولة وانكسار نفس في أقل من أربعين يوما . في أقل من أربعين استسلمت أعظم حاضرة من حواضر الإسلام ، دون حرب ولا مقاومة ولا صبر ولا ثبات .

ووصل جيش هولاكو في طريقه إلى ( الشام ) إلى بلدة صغيرة اسمها (ميافارقين )، لعل الكثيرين لم يسمعوا بها ، هي اليوم بلدة صغيرة عامرة في جنوب تركية ، اسمها اليوم سلوان ، في ديار بكر ، واسم ميافارقين اسم آرامي سرياني .

كان حاكم (ميافارقين) ملك مسلم كردي كردي كردي رجل رجل من آل أيوب . فصمد في وجه هولاكو وجيشه ، الذي ترتعد لذكره أطراف الملوك ، عامين ..

كان الملك الكامل رحمه الله يراسل إخوانه الملوك في حلب وحماة ودمشق فيرتعدون خوفا وهلعا ، وكلهم يريد أن يصطنع عند هولاكو يدا ، حال أمتنا وسفهائنا اليوم مع بني صهيون أو مع بني صفيون .

عامان من الحصار على بلدة صغيرة ، ونفذ كل ما في البلدة من المونة والغذاء، وكاد أن يهلك أكثر الناس جوعا ، ففتحت الأبواب ، وخرج الملك (العادل) وكان هذا لقبه ، مقاتلا لا مستسلما حتى وقع أسيرا بيد العدو، بيد هولاكو الوحش الفظيع ..

وكما يفعل بشار الأسد عميل الاستقرار (الروسي - الأمريكي ) مع أسراه ، بدأت حفلة تعذيب الملك الكامل ، الذي تجرأ على الوقوف في وجه جيش التتار.

الحلقة الأخيرة من حفلة التعذيب : صلبوه ، وأخذوا يقطعون بعض لحم جسده ، ويضعون اللحم في مقلاة ثم يجبرونه على الأكل منها ، كما يفعل عميل ترامب وبوتين ونتنياهو وخمنئي بأهل الشام .

وبعدما توفي رحمه الله تعالى تحت التعذيب ، حزوا رأسه ، وحملوه على رمح ، وساروا به بين المدن والبلدات حتى دمشق ، وفي رواية حتى طبرية ..

تكملة العبرة من درس التاريخ ، أنه مع انتهاء العامين ، وصل الخبر إلى هولاكو بوفاة والده جينكيز خان الكبير ، فاضطر إلى مغادرة الشام سعيا إلى نصيبه من الملك . وأوكل أمر الحرب إلى أحد قواده ، فكان ثبات الملك الكامل ، وصبر ميافارقين العتبة الأولى في نصر عين جالوت ..

بعد ميافارقين تهاوت المدن العظيمة حلب وحماة ودمشق كما تهاوت من قبل بغداد ، وإنما عظمة المدن وعظمة الشعوب وعظمة الأحزاب والجماعات بعظمة رجالها وقادتها وأولي الأمر فيها ، تهاوت المدن واحدة بعد الأخرى ، حتى فتح الله بنصر(عين جالوت ) . على السلطان قطز وصحبه من فرسان الإسلام الميامين.

يحكي المؤرخون الأوربيون أن ممالك أوربة كانت تضطرب فزعا من هول السيل المغولي متخوفين ألا يقف في وجهه شيء ..

أحببت أن استجلب دعوة صالحة لروح الملك البطل الشهيد الملك العادل صاحب ميافارقين ،

اللهم ارحم الملك الكامل صاحب ميافارقين ، وأحسن نزله واجزه عن أمته خير الجزاء ..

18 / 1 / 2018

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

========================

جهاد أم ثورة؟ .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 20/1/2018

بعد إسقاط حلب بيد الإيرانيين والروس ومرتزقة الأسد، وسقوط الخيار الجهادي المتأسلم وأوهامه حول فرص إقامة نظام ديني في سورية، بدت الفرصة متاحةً لاستعادة رهان الثورة الأول، الذي جعلت تحقيقه هدفها الرئيس، وهو إسقاط النظام الأسدي، وبناء نظام ديمقراطي هو بديله الحتمي والوحيد.

قبل سقوط حلب، كان واضحا أن الثورة غير الجهاد، وأن مشروعها نقيض مشروعه، وانتصاره لن يحقق أهدافها التي هتف لها ملايين السوريين، عندما طالبوا بالحرية والعدالة والمساواة والكرامة الإنسانية لكل سوري، من دون النظر إلى دينه أو معتقده أو انتمائه أو عرقه أو منبته الاجتماعي... إلخ، بينما أعلن الجهاديون أن مشروعهم هو لأهل السنة والجماعة دون غيرهم، وليس لعموم المسلمين، أو لأتباع الأديان الأخرى، وقالوا إن الحرية كفر والديمقراطية بدعة، في موقفٍ توافق توافقا فاضحا مع مواقف النظام من الثورة وأهدافها.

... واليوم، وبعد ما جرى الأسبوعين الفائتين في ريفي حلب الجنوبي وإدلب، حيث سلم تنظيم القاعدة في بلاد الشام مئات القرى من دون قتال إلى إيران والأسد، وتسبب في هجرة نيف ومائتي ألف مواطن من قرارهم وبلداتهم، يتضح بأدلة لا سبيل إلى دحضها أن الجهاد لم يعد فقط مشروعا مناقضا لمشروع الثورة، بل صار مقتلها، وأن قادته، من أمثال الجولاني، يتحدثون بظاهر لسانهم عن إسقاط الأسد وإقامة حكم الله، بينما يوقفون أفعالهم على استكمال معركة القضاء التام والناجز على ما تبقى من الثورة والسوريين.

وكانت جبهة النصرة قد أظهرت بطولات نادرة حقا في حربها ضد سبعة عشر فصيلا من الجيش الحر، قضت عليها بالتتابع خلال العامين الماضيين، وقتلت مقاتليها أو سجنتهم، وصادرت سلاحهم، ولاحقت من نجوا منهم، وقضت كذلك خلال يومين على حركة كبيرة هي "أحرار الشام"، واستولت على سلاحها، وقتلت وأسرت مئات من منتسبيها. وحين انفردت، أخيرا، بمنطقتي إدلب وجنوب حلب، عقدت "مؤتمرا وطنيا" في سياق سعيها إلى بناء إمارة إسلامية تشبه دولة البغدادي، ولكن بطرقها الالتفافية/ الاحتيالية التي دفعتها إلى تشكيل "حكومة إنقاذ"، سرعان ما بادرت إلى إنقاذ تلامذة المدارس وطلاب الجامعات من العلم، وأغلقت مدارسهم وجامعاتهم، واعتقلت عددا منهم، قبل أن تلغي المجالس المحلية المنتخبة، وتستولى على مكاتبها، وما في مخازنها من مواد غذائية وأدوية للسكان.

وشنت جبهة النصرة هجمات على ريف حماة الشمالي، قتل خلالها مئات من عناصرها، فيما كان عليها اتخاذ موقف دفاعي، يعد إدلب وجوارها لصد هجوم كبير، حين وقع، بادرت إلى إخلاء مناطق شاسعة من دون قتال، تطبيقا لمقرّرات أستانة التي هاجمها الجولاني، واتهم من توصل إليها بالخيانة، لاعتقاده بسذاجة أن كلماته يمكن أن تغطي انفراده بتنفيذ ما تقرّر في أستانة بشأن منطقة خفض التصعيد الرابعة (إدلب وجوارها). والآن، إذا ما تذكرنا أن مساحة المنطقة التي سلمها تربو على أربعمائة كيلومتر مربع، أدركنا المدى الذي بلغه التناقض بين جهاده والثورة. ولماذا استمات الأسد والإيرانيون والروس لفبركة تنظيمات جهادية، منها تنظيمه الذي ما أن أخذ موطئ قدم في سورية حتى شرع يحارب الثوار، وصولا إلى انفراده شبه التام، بما بقي من مناطق محرّرة شمال سورية، حيث تأكد لمن كان لا يصدق أن هدف الجهاد هو خنق الثورة وقتلها، ومنع انتصارها. ولو كان من الثورة لما تخلى عما حرّرته من أراض وبنته من مؤسسات، وأن على السوريين أن يختاروا من الآن بين جهاده والثورة، بعد أن انتفت الشكوك بشأن توافقهما، وتأكد لكل من يريد أن يفتح عينيه أنهما نقيضان، ولا يمكن لأحدهما أن يتعايش بعد إدلب مع الآخر.

واليوم، صار من الضروي أن يتخلى السوريون عن تنظيماته التي أوقفت "جهادها" على ذبح الثوريين، وأن يرتبط مصير سورية بالانحياز إلى الثورة ضد مشبوهين، لا يعرف أحد هويتهم الحقيقية، تكشف أخيرا أن عددا من كبار قادتهم عملاء لواشنطن وموسكو وطهران والأسد، وأن من دعمهم أوصلهم إلى مواقعهم المفصلية، ليسهموا في القضاء على الثورة، وينتزعوا منها ما حرّرته من أرض الوطن بأغلى التضحيات، تمهيدا لإعادتها إلى النظام، كما فعل الجولاني، فهل من المقبول أو المعقول أن يدعم أحد بعد اليوم جهادا يعادي الشعب السوري وحريته، لم يتردد يوما في التآمر عليهما مع الأسد وإيران.

أيها السوريون، إناثا وذكورا، أنقذوا ثورتكم.

========================

كما توقعنا: "داعش" مسمار جحا جديد لاستباحة المنطقة؟ .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 20/1/2018

المقال التالي لم أكتبه أمس، بل كتبه في السادس من سبتمبر أيلول عام ألفين وأربعة عشر، أي قبل أكثر من ثلاث سنوات. وتساءلت فيه وقتها: هل داعش حركة جهادية تريد تحرير المنطقة من الغزاة والطغاة، أم هو مجرد مخلب قط بيد قوى كثيرة لاستباحة المنطقة والسيطرة عليها بشكل مباشر بحجة محاربة الإرهاب والتطرف؟ الماء يكذّب الغطّاس يقول المثل الشعبي. وما كنا نخشاه من أن تكون داعش وأخواتها أشبه بحصان طروادة قبل سنوات يتحقق الآن على أرض الواقع بشكل فاقع، خاصة بعد التصريحات الأمريكية المفضوحة بأن أمريكا ستحافظ على قواعد عسكرية دائمة في سوريا بحجة مواجهة الإرهاب والحليلولة دون عودة داعش إلى الساحة بقوتها القديمة.

ذاب الثلج وبان المرج. وقبل الأمريكيين بأسابيع خرج علينا الروس والإيرانيون وتفاخروا بانتصارهم على الدواعش، والهدف طبعاً من مثل هذه التصريحات تبرير بقائهم في سوريا أيضاً بحجة منع ظهور المتطرفين والتكفيريين مجدداً، مع العلم أن الهدف الرئيسي لكل القوى التي تتذرع بمحاربة داعش وأخواتها في سوريا هو تبرير سيطرتها بشكل مباشر على سوريا وغيرها. وبناء على هذه الحقائق الدامغة الآن تعالوا نقرأ ما كتبته قبل أكثر من ثلاثة أعوام حول هذا الموضوع.

كم كان وزير الدفاع الإسرائيلي الشهير موشي ديان على حق عندما قال قولته المشهورة: "العرب أمة لا تقرأ، وإن قرأت لا تفهم، وإن فهمت لا تفعل"! ونحن نقول كم ذاكرتنا العربية والإسلامية قصيرة كذاكرة السمكة، فسرعان ما ننسى لنقع في نفس الأشراك التي لم نكد نخرج منها بعد. لماذا نكرر ببغائياً القول الشريف: "لا يـُلدغ المؤمن من جُحر مرتين"، ثم نسمح لنفس الأفعى أن تلدغنا من نفس الجُحر مرات ومرات؟

لماذا لم يتعلم الإسلاميون من تجربتهم المريرة في أفغانستان؟ ألم تخدعهم أمريكا بالتطوع في معركتها التاريخية للقتال ضد السوفيات ليكونوا وقوداً لها، ثم راحت تجتثهم عن بكرة أبيهم بعدما انتهت مهمتهم وصلاحيتهم، وتلاحقهم في كل ربوع الدنيا، وكأنهم رجس من عمل الشيطان، فاقتلعوه؟

ألم تعدهم أمريكا بالدولة الإسلامية الفاضلة التي ظنوا أنهم يسعون إليها في أفغانستان دون أن يعلموا أنهم كانوا مجرد أدوات لا ناقة لهم فيها ولا جمل؟ بالأمس القريب صفق الكثيرون لتنظيم القاعدة، واعتبروا قائده محرراً للمسلمين من ربقة الطغيان الداخلي والخارجي. وماذا كانت النتيجة؟ لقد تبين أن ذلك التنظيم وغيره، بغض النظر عن تطلعاته وأهدافه وطموحاته وشعاراته، تبين أنه كان مجرد حصان طروادة حقق الذين استغلوه الكثير من أهدافهم من خلاله. وما أن انتهى دوره حتى لاحقوه في كل بقاع الدنيا، لا بل وضعوا من ألقوا القبض عليهم من أفراد التنظيم في أبشع معسكر اعتقال في العالم ألا وهو "غوانتانامو". لماذا يكررون نفس الغلطة الآن، علماً أن الكثير من رفاقهم ما زالوا يقبعون في معتقل غوانتنامو، وينعمون بحسن ضيافة الجلادين الأمريكيين؟

ربما يقول البعض إن وضع "داعش" الآن يختلف عن وضع القاعدة أيام زمان. ولا مجال للمقارنة، فداعش سليلة تنظيم الزرقاوي الذي ترعرع في العراق وأذاق الأمريكيين وأعوانهم الكثير من الويلات، مما حدا بالأمريكيين إلى تصنيع ما يسمى بـ"الصحوات" لمواجهة تنظيم الزرقاوي. وهذا صحيح، لكن العبرة دائماً بالنتائج وبالمستفيد. ماذا استفادت المنطقة، وخاصة العراق من ذلك التنظيم. هل تراجع النفوذ الأمريكي والإيراني في العراق مثلاً؟ بالطبع لا. فما زالت إيران التي يدعي التنظيم أنه يعاديها تتحكم بكل مفاصل العراق وتتمدد في سوريا ولبنان واليمن والخليج. ومازالت أمريكا تحكم قبضتها على بلاد الرافدين.

والسؤال الأهم: هل فعلاً دخل تنظيم الدولة الإسلامية إلى العراق من سوريا واحتل محافظة الموصل ومحافظات عراقية أخرى رغماً عن الأمريكيين، أم بتسهيل وغض الطرف منهم؟ ألم تكتشف الأقمار الصناعية الأمريكية بضع عربات روسية دخلت أوكرانيا بسرعة البرق؟ هل يعقل أن تلك الأقمار لم تستطع اكتشاف جحافل السيارات التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية وهي تدخل الموصل وبقية المناطق العراقية؟ هل يعقل أنها لا ترى جماعات الدولة وهي تتنقل داخل سوريا، وتستولي على مدن ومطارات في أرض مكشوفة؟ صحيح أن الطائرات الأمريكية قصفت بعض مناطق داعش في العراق، لكن ليس كل المناطق، بل فقط المناطق التي تجاوزت فيها داعش الخط الأحمر المرسوم لها أمريكياً، وخاصة عندما توغلت باتجاه كردستان العراق حيث المصالح الأمريكية والاسرائيلية ولا ننسى أن وكالة الاستخبارات الأمريكية تؤكد أن الروس كانوا يقصفون كل الفصائل في سوريا باستثناء داعش، إلا من رحم ربي.

هل سيسمح العالم، وخاصة الغرب بقيام دولة داعشية بين العراق وسوريا بالطريقة التي تحلم بها داعش؟ ألا يُخشى أن يكون ظهور داعش وتمددها حلقة جديدة في سلسلة المشاريع الجهنمية الغربية المرسومة لمنطقتنا؟ أليس من حق البعض أن يعتبرها مسمار جحا جديداً في المنطقة تستخدمها القوى الدولية كحجة، كما استخدم جحا مسماره الشهير، لإعادة رسم الخرائط وتقسيم المقسم وتجزئة المجزأ؟

أليس كل الجماعات التي يصفها العالم بـ"الإرهابية" استغلتها القوى الكبرى أفضل استغلال لتنفيذ مشاريعها في أكثر من مكان؟ فعندما أرادت أمريكا تأمين منطقة بحر قزوين الغنية بالنفط، فكان لا بد لها من احتلال أفغانستان. وماذا كانت الحجة؟ ملاحقة تنظيم القاعدة في أفغانستان. ذهبوا إلى هناك منذ أكثر من عشر سنوات ومازالوا هناك. ألم تكن القاعدة هي الشماعة لاحتلال أفغانستان؟ حتى في غزو العراق استخدمت أمريكا حجة وجود القاعدة هناك بالإضافة إلى أسلحة الدمار الشامل. ألم تصبح الجماعات المتطرفة شماعة لكل من يريد أن ينفذ مآربه هنا وهناك؟

ألم يوظفوا تلك الحركات جيداً لتحقيق غاياتهم الاستراتيجية؟ فبحجة الجماعات الإرهابية أصبحت كل منطقتنا مستباحة أمام القاصي والداني كي ينفذ كل ما يريد بحجة مكافحة الإرهاب؟ اليوم بإمكان الأنظمة الدولية القيام بكل الجرائم و الموبقات والخطط في المنطقة بحجة محاربة داعش، وبذلك تلقى دعماً كاملاً من شعوبها خوفاً من داعش، ولن يعارض أحد، لأن كل من يعترض يشتبه بصلته بداعش وبالإرهاب. وحتى لو بقيت الدولة الإسلامية، وتمددت كما يتوعد مؤيدوها، هل سيكون ذلك مجاناً، أم على حساب جغرافية المنطقة وخريطتها؟

ما هي الصفقات الدولية والعربية والإقليمية التي تتم من وراء الستار تحت شعار مكافحة إرهاب داعش؟ ألا يخشى أنه كلما ازداد تضخيم داعش إعلامياً كانت المنطقة على موعد مع خازوق تاريخي من العيار الثقيل؟ ألم يتم من قبل تضخيم خطر القاعدة، ثم انتهى قائدها مرمياً في البحر للأسماك؟ أليس من حق الكثيرين أن يخشوا الآن من تكرار السيناريو المعهود في سوريا ودول أخرى مجاورة تحت حجة مكافحة الإرهاب الداعشي؟ ألم يؤد ظهور داعش وأخواتها في عموم المنطقة إلى وأد الثورات العربية وأحلام الشعوب بالتحرر من الطغاة وكفلائهم في الخارج؟ ألا يؤدي إلى إنهاك المنطقة وشعوبها واستنزافها؟ هل تعلم تلك الجماعات أنها مجرد مسمار؟ هل التاريخ يعيد نفسه بطريقة فاقعة، ونحن نصفق كالبلهاء؟

وأخيراً أسألكم بعد قراءة هذا المقال المكتوب قبل أكثر من ثلاث سنوات: ألم يحدث كل ما توقعناه وكنا نخشاه؟

========================

المعارضة السورية بين مطرقة أردوغان و سندان ترامب .. سميرة المسالمة

الحياة

السبت 20/1/2018

تضع جملة المتغيرات الأخيرة في مشهد الصراع على سورية المعارضة السورية بشقيها السياسي والعسكري بين خيارين، أحدهما يتجاهل تفاهماتها المديدة والعميقة مع الدولة التركية لنحو سبع سنين، والآخر يورطها في مواجهة الرغبة الأميركية المتصاعدة في الحضور العسكري المعلن على الحدود الشمالية والشرقية، وبقوة قوامها الأساسي "قوات سورية الديمقراطية"، أعداء الخيار الأول سواء لتركيا، أو للفصائل المعارضة السورية التي تعمل في ظلها على اختلاف تسمياتها، من إسلامية أو جيش حر أو حتى الموسومة بالمتشددة، ما يعني أن الخيار المتاح للسوريين بات التموضع في جبهة قد تكون في مواجهة مسلحة مع الأخرى، وتحت شعارات معارك خارج الصراع السوري- السوري الذي أنتجته تطورات الثورة منذ اندلاعها (في آذار- مارس 2011)، ولكنه بأدوات جميع ضحاياها سورية.

ويبدو الإعلان الأميركي عن جيش سوري قد أخذ هذه المرة على محمل الجد من تركيا، بعد التأكيد أنه سينتشر على الحدود الشمالية والشرقية، وتعداده 30 ألف جندي، ستكون غالبيتهم من الأكراد، الذين يعملون منذ عامين كقوة سورية منظمة تحت الراية الأميركية في عملياتها ضد تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، بعد رفض فصائل الجيش الحر الانضمام إلى التحالف الدولي، بسبب شرطه توجيه السلاح باتجاه واحد لخدمة الحرب الأميركية وتحالفها ضد التنظيم فقط، من دون السماح بفتح معارك على التوازي مع قوات النظام السوري، وهو الشرط الذي اتخذته القيادات في المعارضة كمبرر لرفض العرض الأميركي عام 2015 وتشكيل جيش موحد، بينما تلقفته القوات الكردية لتنتج من خلاله وجوداً مشرعناً ومحمياً من واشنطن على كامل المساحة الشمالية والشرقية التي تحررت من "داعش".

وعلى ذلك فإن قرار فصائل سورية معارضة الوقوف في جبهة تركيا، في حربها على قوات سورية الديموقراطية، في وقت تستعد فصائل من غير المحسوبة على الكرد أو من غير العاملة معهم، للانخراط في المشروع الأميركي الداعم للمعارضة المسلحة والتي أعلنت عنه الإدارة الأميركية بتكلفة 500 مليون دولار، أي بمعنى أنها لن تكون في ذات الجبهة التركية، ما يمكن أن يؤدي إلى احتمالات عدة منها:

ارتفاع وتيرة الصراع العسكري في سورية وفق جبهات جديدة، تضاف إلى الجبهات المفتوحة اليوم، بين النظام وحلفائه من جهة، وبين التنظيمات المسلحة المعارضة من جهة مقابلة، وإلى جانب ذلك الحرب على "القاعدة" و "داعش" من جبهة النظام "كما يدعي"، ومن الحرب الممتدة بين المعارضة و "النصرة" من جهة، والمعارضة و "داعش" من جهة أخرى، لتفتح الأبواب أمام صراعات جديدة بين فصائل كانت تعمل جنباً إلى جنب، وأصبحت اليوم في خندقين متواجهين من الداعمين أنقرة مقابل واشنطن.

تغيير خريطة الصراع بين النظام وحلفائه، وبين المعارضة وأصدقائها، لتصبح تركيا والفصائل الداعمة لها تعمل على نفس الأهداف المشتركة مع النظام في تخليه عن الكرد، ومناصبة العداء لمشروعهم شمال سورية، الذي تدعم جزءاً منه الإدارة الأميركية، أي ما يتعلق بتشكيل قوته العسكرية والأمنية، بينما تصرح عن رفضها الجزء السياسي المتعلق بإقامة كيان كردي مستقل على الحدود الشمالية والشرقية، وتكتفي بطلب إشراك الكرد في المفاوضات السياسية، كطرف سوري معارض ضمن وفد المعارضة، وإتاحة الفرصة لفتح الخيارات عن شكل سورية السياسي، بما يتوافق مع تحقيق حفظ حق كل المكونات السورية، ومنها الأكراد في سورية المقبلة.

إعادة إحياء تقاسم النفوذ على سورية، وفق تفاهمات جديدة من شأنها أن تجعل تركيا "ربما" في صف آخر، غير صف المعارضة، إذا وقفت فصائل سورية غير كردية بوجه معركتها التي تعتبرها وجودية، وتدخل ضمن ما يسمى حزام الأمن القومي التركي، وهذا يعطي فرصة للنظام في سورية في استعادة الحليف الأمثل له "تركيا"، ومحاصرة المعارضة عسكرياً وسياسياً، ما يعني إسقاط كل التفاهمات من جنيف إلى آستانة إلى سوتشي، وإعادة بناء توازنات جديدة، تقع في مواجهة الرغبة الأميركية وتوسيع نفوذها في المنطقة على حساب كل الأطراف المتصارعة.

وضمن ذلك يمكن القول أن ليس من قبيل المصادفة أن تأتي المعارك الأخيرة في ريف حلب وإدلب على مقاس النظام، وضمن انسحابات مشبوهة لـ "جبهة النصرة" من مناطقها لمصلحته، وهو الأمر المتفق عليه في تفاهمات آستانة لخفض التصعيد، والتي تبرر التحرك الروسي والإيراني مع النظام في كل سورية، لفتح معارك تحت مظلة الحرب على الإرهاب، الذي تمثله "هيئة تحرير الشام" (النصرة سابقاً)، لتدفع تركيا باتجاه حربها في "عفرين" التي أعلنت عنها منذ ما يقرب من عام كخيار أخير لها لتحقيق ما تراه أنه مصالحها الأمنية، بعد أن تم توزيع الحصص بين القوى المتصارعة جنوباً وشمالاً وشرقاً لأميركا وحلفائها، بينما تركت سورية المفيدة وحتى الساحل مساحة حرة للوجود الإيراني والروسي عسكرياً واقتصادياً.

وفي هذا السياق، بدأت ملامح الخلاف بين أجندات الفصائل المسلحة تظهر إلى العلن، وذلك من خلال رأيها من "مؤتمر سوتشي"، ما يطرح التساؤل عن خلفيات هذه المواقف والاصطفافات، فبينما المعارضة بشقيها العسكري والسياسي القريبة من تركيا وروسيا تراوغ في إبداء موقفها من المشاركة في "مؤتمر سوتشي"، تارة تحت حجة أنها لم تتسلم دعوة للمؤتمر لتعلن موقفها منه، وتارة أخرى تربط هذه المشاركة (من دون رفضها) بجملة متغيرات في الساحة الميدانية، وما يتعلق بإجراءات الدعوة ونوعية المدعوين وانتماءاتهم، في الوقت الذي تعلن الفصائل المسلحة التي فتحت أميركا أبوابها لها أخيراً في شكل بيّن، رافضة حضور "سوتشي"، ومعتبرة أنه يمرر الأجندة الروسية والإيرانية في صياغة الحل في سورية، متجاهلة الموقف التركي، الذي أعلن أكثر من مرة عن توافقاته مع روسيا حول المؤتمر، على رغم تغيرات تصريحاته بما يخص بقاء رأس النظام المعلن عنه مسبقاً كمنتج لـ "سوتشي". ليست المعارضة وحدها لا تستطيع حسم أمرها في ظل المشهد المربك للصراع في سورية، وإلى أي من التوافقات الإقليمية والدولية المتغيرة يجب أن تميل، بل لعلها في واقع مماثل من موقع تركيا الأضعف دولياً بين دول الصراع على سورية، والمتورطة في الحرب داخل أراضيها، حيث تركيا أمام تحديات عدة، فمن جهة خسرت معركتها الديبلوماسية من أجل الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فذهبت باتجاه السودان والصومال، وكانت خسرت أيضاً أي دور لها في جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق الناطقة بالتركية، ومن جهة ثانية، خسرت توافقات "آستانة"، ومنها خفض التصعيد في إدلب، وطال انتظارها من غير حصاد، لموقف روسي- أميركي مساند لمعركتها في عفرين، فذهبت وحيدة للإعلان عن حرب غير معلومة النتائج والاستطالات، في ما إذا وقفت واشنطن إلى جانب حلفائها من الكرد، أو تملصت روسيا وإيران من مواقفهما من الكيان الكردي في شمال سورية، ليبقى النظام السوري "المعادي لها" هو المساند الوحيد لمعركتها ضد الكرد لتقاطع المصالح معها، وليضرب التحالف الكردي- الأميركي من خلال مواجهته مع تركيا.

بواقعية، المعارضة اليوم بين مطرقة تركيا من جهة، وسندان الولايات المتحدة الأميركية من جهة أخرى، لا تملك في المعارك الدائرة إلا الضحايا، فإذا توافقت مع تركيا خسرت المكون السوري الكردي جميعه، حتى ذلك المصطف سياسياً حالياً مع هيئات المعارضة الموالية للموقف التركي، وإذا وقفت ضد حرب تراها تركيا وجودية فإنها تنزع صمام الأمان لقنبلة موقوتة لا أحد يعرف متى تنفجر، ولا يصبح بالإمكان لملمة جراح السوريين بعد أن تتشظى بين معارك بينية مع النظام، ومعارك داخلية بين الفصائل لا تخدم إلا النظام، وهي بالمحصلة أيضاً تقف مع الولايات المتحدة في فوضى ترامب التي لا يمكن الوثوق بها.

========================

بوش وبوتين.. ما أشبه أمس باليوم .. يحيى العريضي

العربي الجديد

السبت 20/1/2018

ما أشبه اليوم بالأمس! جورج دبليو بوش الذي وصفه بعضهم أغبى رئيس أميركي أعلن انتصاره في العراق، لكن العراق استمرت علله، واستمر معه الاستنزاف الأميركي والنفع الإيراني. واليوم يعلن الرئيس الروسي، الذي يصفه بعضهم أذكى رئيس روسي، "انتصاره" في سورية.

ونتيجة إعلانه قد تكون أكثر هولاً وكارثية في كل الاتجاهات، وفي مقدمتها موسكو، وخصوصا على "المنتصر"، وعينه الداخلية على "الرئاسة" الرابعة، والخارجية على إزاحة نفسه من ملفاتٍ مضنيةٍ، يحملها على كاهله الشخصي، تحدد وجوده ومكانة روسيا في الساحة الدولية. وإذا ما عرفنا أن أيّا من هذه الطموحات والهموم لم تكن هواجس لجورج دبليو بوش، لاستخلصنا أنه حتى ذلك الغبي تفوق على هذا الذي يصفونه ذكيا، وهذه مفارقة تثبت حجم التباين بين من رافعته مؤسسة ديمقراطية ومن رافعته عصابة دكتاتورية تلعب بمصائر الشعوب وتتلاعب بها.

عندما استشعر بوتين موافقة أميركية نصف معلنة على أن يده هي العليا في القضية السورية، وقع في شرك جمع المتناقضات في توليفية جهنمية شبه مستحيلة:

إيران بمشروع إقليمي لم يكتمل؛ عماده بقاء نظام الأسد قتل شعبه، يحتاجها قوة ميدانية ليترجم على الأرض ما يفعله من إجرام في السماء السورية، وتحتاجه للوقوف في وجه أميركا 

"يوماً بعد يوم تتكشف ضحالة القدرات الروسية السياسية في سورية" وأوروبا، وفي الجو لتقتل وتدمر ما لا تقدر عليه. تركيا مهدّدة بأمنها القومي، تتراقص على صفيح ساخن بين تحالف "ثانوي" تاريخي وإغراء بوتيني مستجد؛ يحتاجها استراتيجياً...، وتحتاجه أمام إدارة ظهر غربية مهينة وضامنة لمن يعكّر جنوبها. إسرائيل التي تتمتع بخراب محيطها، وتستشعر الأمان الذي لم تعشه تاريخياً؛ يحتاجها ربيبة محظية لدى أميركا، وتحتاجه لمزيد من الخراب في محيطها. والرابعة التي جعلت بوتين يُحشر بتوهمه، أميركا؛ وخصوصا تذبذبها بين النأي بالنفس عن الملف السوري وثماني قواعد في سورية وتحالفات تقض مضاجع أحد المتحالفين مع روسيا (تركيا تحديداً) وصولاً إلى إيصاله إلى حالة التوتر، عندما يطالب علناً بخروج أميركا من سورية بقوله إن وجودها غير شرعي، لأنها لم تأخذ موافقة الحكومة السورية " الشرعية" كما فعل هو. لتزيده تصريحات أميركا توتراً عندما تجيبه بأنها باقية، طالما لم يحدث انتقال سياسي في سورية، الأمر الذي ينسف كل ما يريده بوتين، أو يتمناه، فتراه يسارع إلى سلق "حل سياسي" سعى على الدوام إلى توقيه، إلا بالطريقة "البوتينية"، أي إنجاز السياسات بالطريقة العسكرية. وهنا يجعل بوتين نفسه يتراقص بين إرضاء الحلفاء الأعداء ومصالحهم المتناقضة المريضة وطموحاته المشابهة؛ لكن الغبيّة.

وهكذا؛ ويوماً بعد يوم، تتكشف ضحالة القدرات الروسية السياسية، فأميركا لم تمانع إجهاض بيان جنيف 1 واستيلاد قرار مجلس الأمن الملغّم 2254، ولا هي مانعت القفزة الروسية البهلوانية إلى "أستانة"، تاركة إياها تلعب في عالم التكتيك، بإعطاء وعود التهدئة، وإنجاز المواد الإنسانية في القرار 2254 لتنكثها بيدها ويد من تحميهم من حلفائها. وأخيرا، تتركها تقفز من أستانة إلى سوتشي "عارفة بأنها بيدها أيضاً ستقتل مشروعها الجديد، عندما لا يكون أمامها إلا إطلاق تصريحات تجهض "سوتشي" سلفاً بوضع شروط منسجمة مع تكتيكاتها، فتراها تحدّد قوائم مدعوي مؤتمرها إلى " حوار وطني"، وتطلب من شركائها في "ضمانات" أستانة، ليحدّدوا قوائمهم. وهنا تجد أميركا تنتظر حدوث التناقضات والتباينات والرفض، وتنتظر الأمم المتحدة أن ترفع أي غطاء محتمل لذلك المؤتمر، جاعلة ما يدعو إليه بوتين مؤتمراً روسياً خاصاً لشرعنة الاحتلال والاستبداد.

هذا ما يحدث تجاه إعلان "الذكي" بوتين "نصره" في سورية، كثيرون يحولون دون إعلانه تتويج نصره في سوتشي، فليست أميركا الوحيدة التي تنغص عليه إعلان ذلك الانتصار 

"من حق موسكو أن تشعر بالتوتر، هي من وضعت نفسها في هذا الموقع" المزعوم. إنها الأوراق التي طالما راهن بوتين على أنها أوراق قوة وابتزاز بيده، إلا أنها تتحول إلى أعباء ومعرقلات أساسية في إعلانه إياه، فالورقة الإيرانية التي أراد بوتين ابتزاز العالم بها لم تتحول فقط إلى عبء عليه، بحكم العين الحمراء العالمية تجاه إيران ومشاريعها الإقليمية التخريبية، بل أصبحت تلك الورقة بالذات معرقلاً لمشروعه ذاته. فمهما كانت موسكو قادرةً على ابتلاع الوهم والتدليس، وتبليعهما، إلا أنها لا بد تستشعر أن إصبعاً واحدة من يدها تمسك بالساحة السورية، والأربع الباقية تكبلها إيران وتركيا ونظام الأسد وأميركا وإسرائيل وأوروبا، فلا هي قادرة على فك مخالب أولئك من الجسد السوري، ولا هي تستطيع إدارة الظهر لها. والمفارقة العجيبة، على سبيل المثال، تلك الورقة الأسدية؛ التي طالما حلمت موسكو بالمصادقة عليها، وبسعر مرتفع؛ تراها بلا سوق ولا قيمة، إضافة إلى أنها مرتهنة إلى كذا جهة؛ وشريكها (أي شريك موسكو) أردوغان يعود إلى أسطوانة المطالبة بركلها جانباً، عندما يصف الأسد بالإرهابي والقاتل شعبه.

من حق موسكو أن تشعر بالتوتر، هي من وضعت نفسها في هذا الموقع. تجيد القتل والتدمير؛ لكن الاستعراض والتدليس و"الذكاء" يبقيها في عالم التكتيك الذي يجيد استخدام آلة القتل، لا آلة السياسية لإنجاز الأهداف الكبيرة.

هناك من يقول لموسكو وبوتينها " كل مغامرة وأنت قوة إقليمية كبيرة". قالها أوباما يوماً إن روسيا قوة إقليمية كبيرة؛ لكن هذه القوة تصغر بسبب ذكائها.

========================

إيران والعرب ... الحرب ليست قدراً .. برهان غليون

العربي الجديد

الخميس 18/1/2018

كان من الممكن لإيران أن تكون أهم دولة في الإقليم المشرقي، وأكثرها حظاً في تزعم المنطقة. وكانت مؤهلةً، بما تملكه من تاريخ وحضارة وموارد طبيعية وقدرات بشرية، لأن تلعب دورا رائدا في عملية تحديث دول المشرق وتنميتها، لو أنها اختارت طريقا آخر غير الذي هدرت فيه بلدان المشرق الكبرى مواردها، منذ تجربة محمد علي في مصر، في القرن التاسع عشر، إلى صدام حسين في أواخر القرن العشرين، وتكبّدت جميعها بسببها هزائم قاسية، لم تتحرّر من أعبائها النفسية والمادية عقودا طويلة تالية، وأقصد بها سياسة القوة، والسعي المحموم إلى السيطرة الإقليمية، بصرف النظر عن تكاليفها. وما فاقم من مخاطر هذه السياسة وعواقبها في إيران ما أضافته إليها الخامنئية، من عناصر تفجيرية، مثل تسييس الخلافات المذهبية والدينية، والجري وراء وهم استعادة عظمة الإمبرطورية التاريخية التي أطاحتها الفتوح العربية الإسلامية، وروح الانتقام التاريخي لها، أو لأهل البيت، وتعميم نظام ولاية الفقيه التيوقراطي المناقض لثقافة العصر، والحلم بإقامة ما يشبه البابوية الإسلامية في زمن تحول التسامح والتعايش الديني فيه إلى الدين الوحيد القادر على البقاء، ومقاومة الفوضى والنزاعات في عالمٍ أصبح في العولمة قرية واحدة مفتوحة.

 

(1)

لا أعتقد أن مثل هذا التوجه كان حتمياً ومكتوبا في أي لوح. ففي بداية ثورتها "الإسلامية"، استقطبت إيران تعاطفا واسعا في كل البلاد العربية. ولم تبق حركة سياسية، أو مثقف، لم يحي هذه الثورة، باعتبارها ثورة تحرير الشعب الإيراني من الديكتاتورية الشاهنشاهية، ونقلا لوزن إيران من كفة التحالف الغربي الإسرائيلي إلى كفة المقاومة العربية والفلسطينية. وفتحت الشعوب العربية أبوابها وقلوبها لإيران الجديدة التحرّرية، حتى لم تبق حركة سياسية لم تطرق أبواب طهران، وتعقد تفاهمات معها، إسلامية كانت أم علمانية. لقد حققت إيران الثورية، في نهاية القرن الماضي، نفوذا وإشعاعا سياسيا لم يحصل لأي نظام آخر في المنطقة، باستثناء مصر الناصرية في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي.

لكن الحصار الذي فرضه الغرب على إيران الجديدة، وتراجع آمال التقدم والتنمية الاجتماعية 

"حققت إيران الثورية، في نهاية القرن الماضي، نفوذاً وإشعاعا سياسيا لم يحصل لأي نظام آخر في المنطقة، باستثناء مصر الناصرية" والاقتصادية، وتنامي روح التحدّي والصراع التي غذتها استفزازات الغرب، وحصار الولايات المتحدةـ وعداءها أي نزعة استقلالية في المنطقة، دفع شيئا فشيئا نظام طهران الجديد إلى تبني خيارات تدخلية وتوسعية، قائمة على حشد القوى، وتنظيم الأنصار، واستتباع الجماعات الضعيفة، في البلاد العربية، لاستعراض قوتها وتهديد المصالح الأميركية والإسرائيلية. وكان من الطبيعي أن يترافق هذا الصراع العنيد مع صعود القوى الإيرانية الدينية والقومية المتطرّفة في هرم السلطة، وأن تؤجّج سياسات النظام الإيراني التدخلية، باسم الإسلام أو مقاومة النفوذ الغربي والغطرسة الإسرائيلية، مخاوف الدول العربية والخليجية التي تفتقر لمقومات القوة. وجاءت شعارات تصدير الثورة، والعمل على تعميم تجربة حزب الله في دول عربية عديدة، لتجعل من إيران مصدر الخطر الأول على الأمن الداخلي للنظم التي تعاني من الهرم والتقادم، وليس لديها الحد الأدنى من المرونة السياسية، أو من هامش المناورة لاحتواء الضغوط الفكرية والسياسية والمذهبية الإيرانية واستيعابها، وهي التي بنت استقرارها على تهميش المجتمعات وعزلها، أقليات وأكثريات، لا فرق.

في محاولةٍ استباقية لوقف مخاطر انتقال العدوى، أو تصدير الثورة، بدأ الخليج سلسلة الحروب العربية الإيرانية، بهجوم عراقي مدعوم من الغرب، ومن بلدان الخليج العربية. وكان الهدف الواضح من هذه الحرب دفع إيران إلى الانكفاء على نفسها، ووضع حد لسياسة تصدير الثورة، وإجهاض محاولات إيران لتعبئة السكان الشيعة المتعاطفين معها، والذين يشكلون أغلبية سكان العراق. لكن الرد الإيراني على هذه الحرب لم يتأخر كثيرا. وجاء متعلقا بأذيال التدخل الأميركي واسع النطاق في العراق، في بداية القرن الحالي، وقضائه على نظام صدام حسين، وتسليم السلطة للمليشيات الشيعية التي عاشت وتلقت تدريباتها وتوجيهاتها العقائدية والسياسية في إيران، وكانت حصان طروادتها لقلب الطاولة على الأميركيين، وتكريس سيطرتها شبه المطلقة على بلاد الرافدين.

وجاءت ثورات الربيع العربي، في بداية العقد الثاني من القرن الحالي، لتفتح شهية طهران 

"يعتقد قادة إيران أنها الأحق، لما تملكه من موارد بشرية وعلمية وتقنية وثروات باطنية، بالتحكم بسياسة الشرق العربي" لتحقيق مزيد من المكاسب الجيوسياسية، بداية في البحرين ثم في تونس ومصر وليبيا واليمن. لكن قوى الثورة المضادة العربية سبقتها إلى إجهاض هذه الثورات، ومنعها من ركوبها لمد نفوذها بشكل أكبر في الإقليم. أما الحرب الثانية الكبيرة التي راهنت عليها طهران لاستكمال انتصارها في العراق، ومد نفوذها إلى المشرق، فقد كانت مشاركة إيران الحاسمة في الحرب، لسحق الثورة الشعبية في سورية، حيث لعبت الدور نفسه التي لعبته قوى الثورة المضادة في البلدان الأخرى، وفي البحرين بشكل خاص، لمنع حصول تغيير في النظام الذي كان على وشك السقوط في دمشق. ومنذ سبع سنوات، تخوض إيران حربا دموية ضد قوى الثورة السورية وبالوكالة ضد بلدان الخليج، ولا تخفي أطماعها في السيطرة على سورية، وضمها إلى دائرة نفوذها وسيطرتها الإقليمية، مستغلة انهيار النظام وتفككه. وفي ما وراء ذلك، توسيع ساحة الحرب في المشرق، والسعي إلى تطويق شبه الجزيرة العربية ودولها الهشة، بإقامة ما تسميه الهلال الشيعي، أو محور المقاومة الذي يضم حتى الآن، إلى جانب طهران، بغداد ودمشق وبيروت، ويشكل مع اليمن والبحرين طوقا يحيط ببلدان الخليج، ويعزّز قوة الاختراق الإيراني للأمن العربي في المشرق.

 

(2)

يعتقد قادة إيران أن طهران هي الأحق، بسبب ما تملكه من موارد بشرية وعلمية وتقنية وثروات باطنية، بالتحكم بسياسة الشرق العربي، والأقدر على ربح معركة السيطرة عليه، في مواجهة الدول الغربية التي تتحكم، منذ عقود طويلة، بسياساته، وتهيمن على المنطقة. وترى في الحرب التي تشنها لتقويض دول المنقطة، وزعزعة بنيانها، كما هو حاصل في عديد منها اليوم، حربا على الولايات المتحدة والغرب، حتى لو كان ضحاياها الشعوب العربية التي لا ترى فيها سوى بيادق أو محميات غربية. هكذا تحول صراع طهران المشروع والعادل ضد حصار الغرب لها إلى حربٍ إيرانية عربية شاملة، تستخدم فيها جميع الأسلحة المحرمة وغير المحرمة، الدينية والسياسية والإعلامية والعسكرية. ومع ما راكمته البلدان العربية ونخبها من تخلفٍ عن ركب التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، تأتي الضغوط الإيرانية العسكرية والمذهبية، لتزرع الموت والفوضى، وتقضي على آخر ما تبقى من تماسكٍ في جسد مجتمعاتٍ دمرها ثلاثي الفقر والفساد والاستبداد.

كما يعتقد قادة طهران أن الحرب التي يخوضونها في البلاد العربية حربٌ مشروعة. وهي 

"لا تعمل طهران على تقويض شرعية مشروعها التوسعي فحسب، لكنها تحفر قبرها بيديها" حربٌ دفاعية تهدف إلى منع الغرب من تحقيق أهدافه في إيران وفي المنطقة على حد سواء. وفي هذا الخطاب كثير من الصحة، إذ على الرغم من سياسة الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، التي كانت ممالئة للنظام الايراني، لأسبابٍ متعددة، أهمها الملف النووي، لكن أيضا الخوف من كلفة الصدام معها في المنطقة والعالم، ليس هناك أي شك في أن الغرب لا يضمر أي عاطفةٍ إيجابية تجاه النظام الإيراني. لكن خطأ إيران أنها تتعامل مع الدول والشعوب العربية المجاورة كما لو كانت امتدادا للغرب، بل أذنابا له، لا فرق بين نظم وشعوب ومجتمعات. ولا ترى ما تحدثه سياستها من تدمير لشروط حياتها ودولها ومجتمعاتها اعتداء عليها، وإنما وسيلة لزجّها في الحرب التاريخية ضد الغرب، الذي لا تريد طهران، في النهاية، سوى انتزاع اعترافه بها قوة إقليمية. والمحصلة، تخوض إيران حربها ضد الغرب، لكن على الأرض العربية، وعلى حساب العرب، وبأياد عربية، فتحول الحرب من حرب إيرانية أميركية إلى حرب أهلية طائفية عربية، تهدّد بالقضاء على الدولة، ونشر الخراب والفوضى في المشرق بأكمله. وبدل أن تعيد توحيد شعوب المنطقة من حولها، لتزيد قوتها في مواجهة الغرب، تقدم للغرب وإسرائيل أعظم هديةٍ مجانية، وتوفر عليها أكثر من حرب للقضاء على الدول العربية المحيطة بها، وهي تدفع، منذ الآن، النظم التي تخشى سقوطها إلى إعادة تعريف استراتيجيتها الأمنية، والتقرب شبه العلني من إسرائيل. بهذه السياسة، لا تعمل طهران على تقويض شرعية مشروعها التوسعي نفسه، لكنها تحفر قبرها بيديها، فالمشرق العربي هو حاضنتها الإقليمية الطبيعية، ومجال استثماراتها وتوسعها ونفوذها، وبالتالي استقرارها وازدهارها. وبمقدار ما تدمره، وتجعله بيئة غير صالحة للحياة، كما هو حاصل اليوم، تحرم نفسها من إمكانية تحويله إلى حليف لها، وتضع نفسها على فوهة بركان من الأحقاد المتراكمة والكراهية والانتقام. وبمعنى آخر، في تقويضها حياة المشرق، واستقراره وازدهاره، تحكم طهران على نفسها بخسارة أكبر رهاناتها، وهو كسب شعوب المشرق إلى جانبها.

لن يربح أحد هذه الحرب. ولا تستطيع إيران أن تبسط سيطرتها على المشرق، مهما عبأت من قوى، وحشدت من مليشيات لبنانية وعراقية ويمنية وأفغانية وباكستانية وغيرها. ولم يساعدها الرمي بكل ثقلها لإنقاذ نظام حرق شعبه وبلده بالأسلحة الكيميائية والفوسفورية، وبالبراميل المتفجرة والصواريخ الباليستية، ومشاركتها في قتل مئات ألوف السوريين وتشريدهم، في تعزيز موقعها داخل البلاد العربية، أو حتى في الخارج. وكل ما قادها إليه مشروعها القائم على الرهان على القوة، وخوض الحرب الخاطئة ضد الشعوب العربية لكسب المعركة السياسية ضد الغرب، واستثمار موارد إيران كلها في شراء الأسلحة وتصديرها إلى مليشياتها الموزعة على أكثر من خمس دول عربية، والتوسع على حساب الآخرين، وتفكيك دولهم وتخريبها، هو خسارتها ذاتها ومستقبلها، أي لتأييد الشعب الإيراني الذي وجد نفسه الخاسر الأول في السباق على هيمنةٍ إقليميةٍ، لا قيمة لها لإيران، وليست قادرةً على المحافظة عليها في وجه القوى الكبرى والروس والأميركيين فيها. والسبب تناقض قاتل في جوهر الاستراتيجية الإيرانية، فبعكس ما يفكر القادة الإيرانيون، لن يهرع الغرب، وإسرائيل على رأسه، للتفاوض مع طهران، لإنقاذ المشرق الرهينة من الخراب والتهديد، لكنه سوف يعمل كل ما في وسعه لتشجيعها على قتل الرهينة والقضاء عليها. فهو يحقق بذلك، من دون أن يقوم بأي جهد، عدة أهداف بوقت واحد: تدمير الدول العربية وفرط عقدها، ودفع المنطقة إلى حربٍ إقليمية، تحيدها وتقضي على أي أمل لها بالنهوض، والتحول إلى قوة مؤثرة عقودا طويلة مقبلة.

لا ينبغي أن نخلط سياسة حكومة طهران التوسعية والمهووسة بمظاهر القوة، وتحقيق التقدم والنفوذ خارج حدودها، وتهديد ما تعتقد أنه مصالح غربية أساسية في المشرق وبلدان الخليج، بأي ثمن، مع الشعب الإيراني ومصالحه، ومع الثقافة والحضارة الإيرانيتين الراقيتين. بالعكس، هذه السياسة هي المسؤول الأول عن التفريط بمصالح شعب إيران وموارده وموقعه الإقليمي في المشرق، وفي حضارته متعددة الموارد والأقطاب، وكذلك عن تهديد إيران بحرب داخلية، ستعيدها عقودا عديدة إلى الوراء، بعد خسارة العقود الأربعة الماضية.

لو استثمرت إيران في شعبها، بدل أن تضع رهانها كله على تطوير صناعة الأسلحة النووية 

"لا تستطيع إيران أن تبسط سيطرتها على المشرق، مهما عبأت من قوى" وغير النووية، وحشد المليشيات لزعزعة استقرار الدول المحيطة بها، اعتقادا بأن في وسعها أن تفرض نفسها لاعبا أول في الإقليم، وتصبح ندا لأميركا وروسيا، والمحاور الرئيس لهما عن الشرق الأوسط، لكانت اليوم أهم قوة صناعية وعلمية وبشرية في المنطقة، وتحولت إلى قلعةٍ للاستقرار، وجمعت من حولها أكثر دول المنطقة الغارقة جميعا في أزماتها المستعصية، وحققت بثمن أقل، بل بمكاسب إضافية لا تقدر، رهانها لتكون القوة الأولى، ولساعدت الشعوب المجاورة على عبور مرحلة الانتقال الصعبة نحو الاستقرار السياسي وحكم القانون، بدل إجبارهم على العيش المقيت تحت رحمة زعماء المليشيات وأمرائها. إيران خامنئي هي الآن في طريقها إلى أن تخسر كليا الرهان الذي صرفت جهدها ومواردها من أجله، بعد أن خربت المنطقة التي كان من المفروض أن تشكل حاضنتها الطبيعية، ومجال توسعها الاقتصادي واستثماراتها الرابحة. كانت الحريق الذي قضى على اقتصادها، وأضنى شعبها والشعوب المحيطة بها، وقوّض مستقبل المنطقة بأكملها. والآن، نجد جميعا في المشرق معلقين في الفراغ، ننتظر حكم الدول الكبرى التي لم تول أي أهميةٍ لوقف نزاعاتنا ولا تعبأ بخرابنا.

 

(3)

في مواجهة ثقافة التخويف التي اتبعها بعض القوميين العرب، والتي كانت تصور كلا من تركيا وإيران أعداء حتميين للعرب، كتبت أكثر من بحث ومقالة، في السنين الثلاثين الماضية، لأعبر عن أملي بأن يخرج المشرق، والعالم العربي معه، من هوسه القومي والديني غير المنتج وغير المجدي، والانكباب على التفكير في تطوير تعاون إقليمي فعال، من أجل الإسراع بوتائر التنمية واستدراك ما فات مجتمعاتنا من عوامل (وأطوار) التقدم والبناء الحضاري، المدني والاقتصادي والسياسي والعلمي والتقني. وكتبت أننا إذا لم نتقدّم نحو تشكيل منظمة للأمن والتعاون والتنمية الاقتصادية، قائمة على اتفاقات واضحة والتزامات جماعية من كل الأطراف، لن يضمر لنا المستقبل سوى مزيد من النزاع والحرب والخراب، فدولنا حديثة النشأة، التي تعيش تحت ضغوط داخلية وخارجية هائلة، اقتصادية وعسكرية وثقافية ونفسية معا، لن تجد سبيلا لتأكيد سيادتها المنقوصة، وتجاوز تناقضاتها الداخلية، وعجز حكوماتها الحتمي عن الوفاء بالتزاماتها تجاه شعوبها، في ظروف توزيع الموارد القائمة، سوى بالهرب إلى الأمام، وتفجير حروب ونزاعات مع جيرانها، بأي ذريعة، للتغطية على فشلها المحتم وشرعنة استمرارها، وأننا سوف نكرّر، إذا لم ننجح في هذا المشروع، بالضرورة، تاريخ الدول الأوروبية التي مرت بعشرات الحروب الوحشية والقاتلة، ومثالها الحربان العالميتان في القرن العشرين، قبل أن نكتشف، بتكاليف هائلة، أهمية العمل على بناء أطر التعاون الإقليمي، وتنظيم العلاقات بين الدول، بالطريقة الوحيدة التي تساعد على معالجة مسألة السيادة، أي بالتفاوض على التنازل عن جزء منها لصالح سلطة إقليمية أعلى، تعمل لفائدة الجميع، بدل تأكيده في كل مرة بحربٍ جديدة.

يتشابه وضع إيران الخامنئية في المشرق مع وضع ألمانيا تحت السلطة النازية في أوروبا.

"يتشابه وضع إيران الخامنئية في المشرق مع وضع ألمانيا تحت السلطة النازية في أوروبا"  فكما أنجبت الهزيمة الألمانية في الحرب العالمية الأولى والمعاملة المهينة التي تعرّضت لها على يد الدول المنتصرة الوحش النازي الذي أرعب أوروبا قبل أن يقودها إلى الحرب العالمية الثانية، الأكثر فتكا وتدميرا، ولد الحصار الذي فرضه الغرب على الشعب الإيراني، بسبب ثورته على الحكم الملكي الحليف للغرب، والمعاملة المهينة لها، وسد جميع السبل أمام تحقيقها ذاتها وتنمية قدراتها، وحش الخامنئية التي هي مزيج من العدوانية الارتداداية وجنون العظمة والطائفية المقيتة، التي احتلت روح الثورة الشعبية من الداخل، وقضت عليها وساقتها في مسالك رهيبة. وتكاد طهران تعيد المسار نفسه الذي قاد ألمانيا إلى هدر جهود شعبها، والتضحية بخيرة شبابه في الجري وراء حلم السيطرة العسكرية على قارة بأكملها، وفرض إرادتها عليها، انتقاما لنفسها من استهانة أوروبا بها، واستردادا لكرامتها، وردا على الهزيمة المهينة التي كبدتها لها الدول الأوروبية. وقد نجحت بالفعل في تدمير أوروبا وتركيعها أكثر من عقدين، لكنها دمرت، في النهاية، نفسها، وسارت نحو انتحارها.

ليس هناك حل للصراعات المتفاقمة، والانسدادات التي تعيشها شعوب المنطقة على كل الأصعدة، إلا في الارتفاع فوق الرؤية الوطنية الضيقة، واكتشاف طريق التعاون والأمن الجماعيين. وإذا لم ننجح في ذلك، سوف تتحول الدولة الحديثة التي لم يعد لها من الوطنية إلا الاسم، إلى أكبر فخ منصوب لشعوبها، بمقدار ما سوف تدفع بها إلى الحروب المتكرّرة، والقطيعة، حتى مع أقرب جيرانها. وهذا ما نعيشه منذ نصف قرن.

هذا هو الحل الوحيد لمعالجة نزوع إيران الراهن إلى السيطرة وتجاوز حدودها وعدوانيتها الفائضة وتهديدها جيرانها، تماما كما كانت الوحدة الأوروبية، الفكرة العبقرية التي نجح من خلالها الأوروبيون في احتواء ألمانيا وعدوانيتها ونزوعاتها التوسعية، وفي تحويلها، أكثر من ذلك، إلى رافعةٍ قويةٍ وسندٍ لتقدم أوروبا وازدهارها. لكن شرط ذلك كان أيضا سقوط النازية، ونضج القادة الأوروبيين الذين عرفوا كيف يميزون بين ألمانيا الشعب والحضارة والنظام الفاشي الطارئ عليها. فما ضمن نجاح الوحدة الأوروبية أنها لم تحصل في مواجهة ألمانيا، ولا بهدف الانتقام منها، حتى لو أنها جاءت لاحتواء عدوانيتها، وإنما لإعطائها الفرصة لإظهار قدراتها وتفوقها في مجالٍ مفيد للجميع، وإشراكها في مشروع بناء أوروبا، وإرساء أسس السلام والأمن الدائمين فيها. هذا ما يحتاجه الشرق النازف والمنذور لدمار عميم.

لكن، لا يمكن الشروع في مثل هذا الحل وإنجاحه من دون احترام الدول حدود بعضها بعضا وسيادتها، والتخلي عن سياسة الفتح والغزو والإكراه، واعتماد لغة المفاوضات الجماعية والاتفاقيات القانونية الموقعة والالتزمات المختارة. البديل عن ذلك هو تعميم علاقات النزاع والحرب، وخسارة أهم الشروط لتقدّم الأمم والشعوب والمجتمعات وازدهارها، وهو إرساء أسس السلام والاستقرار الدائمين.

كان من حظ أوروبا أنها حظيت، بعد خروجها من الحرب الثانية، برجال مخلصين لشعوبهم، وأصحاب رأي ورؤية ثاقبة، عرفوا كيف ينتزعون قارتهم من منطق حروب الثأر والانتقام المدمرة بعد إسقاط النازية. لكن، للأسف الشديد، ربما لن يجد المشرق المدمر، في أعقاب سقوط امبرطورية الولي الفقيه الحتمي، ما يكفي من القادة المتبصّرين، القادرين على التفكير في المستقبل، وتحويل هزيمة الخامنئية إلى مناسبةٍ لتحقيق مصالحة إيران الحقيقية مع محيطها، وفتح صفحةٍ جديدةٍ في تاريخ المنطقة، قائمة على التعاون والعمل المشترك، لفائدة عموم شعوب المشرق. كما أنني لست على ثقة من أن الولايات المتحدة التي لم تتخلّ عن سيطرتها على المنطقة سوف تكون حريصة، كما كانت مع أوروبا، على بسط الأمن والسلام والاستقرار في المشرق، والحماس لإعادة إعماره ومساعدة شعوبه، وتشجيعها على عقد الصلح وتحقيق السلام. لكن لا ينبغي لذلك أن يحبطنا. ليس لنا بديل عن هذا الخيار.

========================

امرأتان من سورية .. دلال البزري

العربي الجديد

الخميس 18/1/2018

امرأتان من سورية. رزان زيتونة ورقيّة حسن المعروفة بنيسان إبراهيم. أشياء كثيرة تفرّقهما. رزان دمشقية نشأت في بيئة متحرّرة من الطبقة الوسطى. رقيّة كردية شبّت في إحدى ضواحي الرّقة الشعبية المحافظة. الأولى سافرة والثانية محجبة، وبعد ذلك منقَّبة. الأولى درست المحاماة، والثانية درست الفلسفة وأصبحت أستاذة تعليم ثانوي. الأولى توثّق باحتراف كل تجاوزات النظام وجرائمه، على الورق، ترسله إلى المحافل، تكتب المقالات بتوقيعها الواضح، رزان زيتونة؛ والثانية ترصد كل ما يحصل حولها في الرّقة، ولا تتجاوز جغرافيته، تنشره على "فيسبوك" باسمها المستعار، ما يمنحها حرية كبيرة في وصف ما تعيشه، هي وأقرانها، فيما الأولى تكتب "على ورقة أضيق من خرم الابرة" (بحسب عبارتها). فالأولى تتحرّك تجول تظهر وتختبئ، من شقةٍ إلى أخرى، من العاصمة إلى ريفها في دوما؛ فيما الثانية متسمِّرة في بيتها في الرّقة، تتجول في أحيائها متخفية وراء النقاب. ظروفها، نشأتها، سياق حياتها، لا يسمحون لها بالانتقال إلى أبعد من ذلك. بلى، هناك إمكانية للهروب إلى المناطق الكردية، لكنها تأبى، تتشبثّ بالبقاء في الرقة.

ومجال الأولى هو كل سورية، خصوصاً دمشق؛ تتنقل بين أهالي السجناء والمحاكم والتظاهرات الخطرة. تجبر خواطر القلوب المنكسرة وتشعل في روحهم الأمل. فيما مجال الثانية أضيق، ما تعيشه مباشرةً وما يعيشه أهلها وأهل المدينة؛ لكل غيرية سياقها وأدواتها. فالتجربة السياسية للأولى طويلة، عمرها عشر سنوات، أسست في أوائلها المنظمة السورية لحقوق الإنسان. فيما لا تملك الثانية أية تجربة، غير قراءة الكتب الفلسفية وتعليم المراهقين. لذلك، الأولى محاطة بالأصدقاء الناشطين، من أجيال مختلفة، والثانية وحيدة؛ في الأيام القليلة المعفاة من بطش النظام، تذهب إلى المدرسة، حيث تتسلّط عليها المديرة البعثية. ثم مع قدوم "داعش"، يفرض عليها الحكام الداعشيون مناهجهم "الشرعية" (لكنهم يتركون المشروع برمته بعد أن يشتدّ عليهم القصف).

الأولى، رزان، لم يحمها اسمها وإنجازاتها، ولا الثانية كذلك، لم ينفع تخفّيها وراء اسم مستعار ونقاب ثقيل فرضه "داعش" على نساء الرّقة، عندما تسلم السلطة بعد ضربه المجموعات

"في حكاية الشابتين، رزان زيتونة ورقيّة حسن، قدرٌ لا بأس به من تنوّع سورية، ومن تاريخها الآن" الإسلامية المنافسة. والإثنتان اختفتا عن النظر. الثانية اعتقلها "داعش"، وقتلها صراحة، بعدما كثر وصفها لجرائمه وتجاوزاته. قال رجاله لأهلها، بعد أسبوع من خطفها، إن تنظيمهم أعدمها بتهمة "التجسّس لحساب العدو". والثانية اختطفها، مع رفاقها الثلاثة، "جيش الإسلام"، لكنه لم يعترف. فأصبحت بذلك لا ميتةً ولا حيةً؛ مفقودة، سوف ينتظرها أهلها ومحبوها طوال العمر، مثل رفاقها الثلاثة: سميرة الخليل ووائل حمادة وناظم حمادي. رزان زيتونة، تلك المرأة التي حرصت على أقصى درجات الدقة في توثيقها مآل السجناء السياسيين وتعذيبهم، تغيب، تختفي، خلف جبل من الغموض.

تلك هي الفروق بين شخصيتين نسائيتين سوريتين. أما الذي يجمعهما، فيكاد لا ينتهي: فكلتاهما في الثلاثينات من العمر، وذات شجاعة نادرة، جسدية ومعنوية. الإثنتان كانتا تكشفان جرائم النظام، ثم انتقلتا إلى الكشف عن جرائم أعدائه المفتَرضين. هما من الجيل الذي يسهر خلف شاشة اللاب توب. هو أداتهن أو سلاحهن. عبر شبكاته يناضلن، يتواصلن، يتفاعلن، يطلقن الكلام الثمين الذي لا يبوح به غيرهن. هن من الجيل الذي لم تسيطر على مساره أحزابٌ عقائدية، لا عرفنه، ولا انشققن عنه. كلتاهما من النجوم، أنتي نجوم، في آن. رزان تختبئ دائماً، تتجنّب التصدّر؛ من الإعلام، من الصورة، تعتقد عن حق أن النجومية تضرّ بسعيها القانوني لحقوق السجناء. ورقيّة لا تتجاوب مع إلحاح مريديها على "فيسبوك" لتكشف عن وجهها فتصبح مشهورة. والاثنتان خفق قلبهما بقوة في اللحظات الأولى للثورة السورية، عهدها الذهبي القصير (دائماً خاطفة، تلك العهود)، والفرحة التي جعلت قلبيهما يطيران على انطلاقة السوريين بلسانهم وغنائهم ورقصهم وتظاهراتهم المنتشية، غير مصدِّقين أن هذا هو صوتهم، المرتفع في الفضاء الرحب.. قبل أن ينقضّ عليهم النظام بأسلحته الثقيلة، ويفسح الطريق لاستبداله بحركاتٍ سلفية، ثم "جهادية".

كان مسار المرأتين يتوازى مع أحداث بلادهما. كانتا في البداية ترفعان صوتيهما ضد جرائم النظام، ثم بقيتا على الصوت نفسه، عندما تحرّرت مناطقهما، ووقعت في أسر مجموعاتٍ دينيةٍ متطرفة: "جيش الاسلام" في حالة رزان، بعدما خاض معركةً مع مجموعات سلفية أخرى، إثر تحريرها. و"داعش" في حالة رقية، بعد معارك مماثلة؛ فالحليفَان الموضوعيان، وربما غير الموضوعيين، أي النظام و"الجهاديين"، من بين النقاط التي التقوا عليها أنهم لا يطيقون نساءً من هذا العيار. نساءً يعشقن سورية، ومعها الحرية، نساء يقصدن تماماً ما يكتبنَ، يصدِّقنه؛ بنوع من الكرم الحاتمي يشعلن الكلمات، بعقلهن، بروحهن؛ فتكون الكلمات وهجاً حاراً. لا شيء يخيفهن، لا يوقفهن حرمان أو احتمال موت؛ شجاعة العارفات أن موتهن سوف يحيي كلماتهن. شهيدات الكلمة الحرة حقاً.

رزان ترفض عروضا كثيرة بالخروج من دوما، من سورية كلها. من دوما خصوصاً التي

"كان مسار المرأتين

يتوازى

مع أحداث بلادهما" اعتقدت أنها تحميها من ملاحقة النظام لها، بعدما تلقت رسالة تهديدٍ واضحةٍ بسبب كشفها جرائم "جيش الإسلام" وتجاوزاته. ورقية كذلك، وقد أصبحت تعاني من "كرديتها"، والتعصب "العروبي" لمن حولها. الإثنتان تستخدمان الكلمات ذاتها تقريباً: "إذا كان لا بد من الموت، فلنمت واقفين، مثل الشجرة". هي كلمات لرقية. ورزان أيضاً صرخت بما يشبهها، بوجه من كان يعرض عليها مساعدته على الهروب "كلا لن أترك بلدي.. أبداً أبداً". لن يرحلن، لن يخرجن.. تكثر الغيوم السوداء، وكل واحدة تأخذ على عاتقها إعادة توليد أمل جديد، ولو ضئيلا، ولو منتزعا من الركام. أملٌ يتسلل من فراغات الأسطر وهوامش الكلمات؛ يتصدّى للشك والأنانية واللامبالاة. وفي النهاية، قاومتا واستشهدتا. ولا فرق جوهريا هنا بين الشهيدة الحقّة والشهيدة الحيّة.

في حكاية الشابتين، رزان زيتونة ورقيّة حسن، قدرٌ لا بأس به من تنوّع سورية، ومن تاريخها الآن، أي منذ انفجار أملها، وحشية الأسد، وحشية بدلائه من الإسلاميين، ممارسات الإثنتين، بالتواريخ والأمكنة. ثم النهاية. وكل النهايات هي خاتمة معاني الحياة.

مناسبة كل هذا الكلام؟ كتابان بالفرنسية صدرا مؤخراً: الأول عن رزان زيتونة، عنوانه "عن التوهج. حكاية رزان زيتونة محامية سورية". للكاتبة الفرنسية جوستين أوجيي. والثاني عنوانه "وحيدة في الرقة" للصحافية السورية - الفرنسية هالة قضماني.

========================

عفرين على صفيح ساخن .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 18/1/2018

ارتفعت نبرة المسؤولين الأتراك، في الأيام الأخيرة، في تهديداتهم بعملية عسكرية تستهدف عفرين (ومنبج)، وهما جيبان تسيطر عليهما "قوات سوريا الديمقراطية" و"وحدات الحماية الشعبية" التي تشكل العمود الفقري لـ"القوات". وبلغ الأمر بالرئيس التركي أردوغان أن حدد موعداً تقريبياً لـ"توسيع عملية درع الفرات" باتجاه منبج وعفرين "في غضون أيام قليلة".

هذا تطور جديد عما ألفناه من تهديدات سابقة بشأن عفرين، بالأخص، ما كان ينظر إليها بجدية، بسبب صعوبة حصول تركيا على الضوء الأخضر من الروس والأمريكيين، كما بسبب صعوبة اجتياح عفرين وما يمكن أن يتكبده الجيش التركي من خسائر باهظة ستكون لها أثمان سياسية كبيرة أيضاً.

فما الجديد الذي شجع أردوغان على هذا الاندفاع في تصريحاته؟

يمكن الحديث، في تفسير ذلك، عن عوامل عدة، داخلية وخارجية. ففي المشهد السياسي التركي نرى أن أبرز ما يشغل الحياة السياسية التركية اليوم هو الاستعداد للانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقررة مبدئياً في خريف العام 2019. هو موعد بعيد نظرياً، وقد تتغير جميع المعطيات القائمة اليوم إلى ذلك الحين. ولكن في حسابات أردوغان والحزب الحاكم، يكاد الوقت المتبقي حتى موعد الانتخابات لا يكفي لترتيب المشهد بحيث يخرج الحزب والرئيس منتصرين منها، تحول دون هذا الهدف تحديات خطيرة، من اتساع رقعة المتضررين من الحكم، إلى التململ المتنامي داخل قاعدته الاجتماعية، إلى التحديات الخارجية الكبيرة. وتدور تكهنات كثيرة حول احتمال تقديم موعد الانتخابات إلى صيف العام الحالي (15 تموز/يوليو، ذكرى الانقلاب العسكري الفاشل في 2016) إذا رأى أردوغان ـ البارع في الحسابات المتعلقة بأصوات الناخبين ـ أن هذا التقديم يمكن أن يخدم تطلعه إلى الفوز فيها.

وقد اتضحت معالم التحالفات السياسية، بإعلان رئيس حزب الحركة القومية دولت بهجلي عن دعمه لترشيح أردوغان لمنصب الرئاسة. وعلى رغم ضعف نفوذ الحزب القومي المتشدد، ثمة بيئة واسعة في الرأي العام التركي للتشدد القومي إزاء "الخطر الكردي" المفترض، من شأن التحالف بين أردوغان وبهجلي أن يلبي تطلعاتها. في هذا الإطار الداخلي القائم على حسابات صندوق الاقتراع، يمكن قراءة التهديدات اليومية باجتياح منطقة عفرين "للقضاء على وحدات حماية الشعب" الموصوفة إرهابية لدى الحكومة التركية والمعارضتين القومية والعلمانية على السواء.

ولكن ما هو حظ تلك التهديدات بالتحول إلى عمل عسكري حقيقي؟

هنا يجب البحث عن الجواب في عوامل خارجية، أبرزها إعلان وزارة الدفاع الأمريكية عن نيتها إنشاء قوة عسكرية مدربة من 30 ألف مقاتل، نواتها "قوات سوريا الديمقراطية" لـ…. حماية الحدود مع تركيا والعراق وخط نهر الفرات الذي تسيطر على غربه وجنوبه ميليشيات أسدية ـ إيرانية! كلام يعني عملياً إقامة كيان للنفوذ الأمريكي، في شمال شرق سوريا، له حدود بحاجة إلى حماية.

وإذا كان هذا الإعلان موجهاً، بصورة رئيسية، إلى روسيا التي أعلن رئيسها بوتين النصر في سوريا قبل شهرين، فهو موجه أيضاً إلى تركيا التي رأت في ذلك تهديداً مباشراً لأمنها القومي، فردت بالتهديد باجتياح منبج وعفرين.

لكن الاستراتيجية الأمريكية إزاء سوريا التي يقال إنها تبلورت أخيراً، وسيتم الإعلان عنها قريباً بصورة رسمية، لا تقتصر على إقامة كيان شرق نهر الفرات تحت حمايتها. هذا ما يمكن استنتاجه من تصريحات المعارضتين السوريتين السياسية والعسكرية اللتين زارت وفود منهما العاصمة واشنطن، قبل أيام، وجاءت بأخبار جديدة. فتحدث مصطفى السيجري، قائد لواء المعتصم، الذي رأس وفد "الجيش الحر" في زيارة واشنطن، عن "استئناف الدعم الأمريكي لفصائل المعارضة المسلحة، ومواجهة النفوذ الإيراني في سوريا، ومحاربة الإرهاب" بوصفها مهمات "الجيش الحر" في المرحلة الحالية. "أكدنا استعدادنا كفصائل" يتابع السيجري قائلاً "للعمل ضمن برنامج جديد يهدف لمواجهة إيران والتنظيمات الإرهابية في سوريا".

معروف أن لواء المعتصم الذي يقوده السيجري هو أحد فصائل درع الفرات المدعومة من الحكومة التركية. إنها سابقة في السياسة الأمريكية تجاه سوريا، قبل كل شيء، مجرد استقبال وفد من المعارضة المسلحة. وتزداد أهمية هذا التواصل بالنظر إلى علاقة هذه الفصائل بتركيا، بعد سنوات من التوتر الأمريكي ـ التركي بسبب تحالف الأمريكيين مع قوات حماية الشعب الكردية. من المحتمل إذن أن الأمريكيين يسعون إلى نوع من التوازن في علاقاتهم بكرد سوريا وبتركيا، على أمل إبعاد تركيا عن روسيا وإخراجها من إطار "ثلاثي سوتشي". فهل يكون ثمن تطبيع العلاقات الأمريكية ـ التركية تخلي الأمريكيين عن حليفهم الكردي في عفرين بموازاة استمرار التحالف شرقي نهر الفرات؟ هذا ما يمكن أن يكون قد شجع أردوغان على رفع حدة تهديداته باجتياح عفرين. ربما في هذا الإطار جاء تصريح الناطق باسم التحالف الغربي لمحاربة داعش الذي قال إن عفرين ليست داخل مناطق عملياتنا. فهذا التصريح يمكن قراءته كضوء أخضر أمريكي لتركيا.

أما من ناحية الروس، فمن المحتمل أنهم وافقوا على اجتياح تركي لعفرين مقابل موافقة أردوغان على تمثيل حزب الاتحاد الديمقراطي، بصورة غير مباشرة، في اجتماع "الشعوب السورية في سوتشي" بصفة مستقلين. لكن واقعة استدعاء السفيرين الروسي والإيراني في أنقرة إلى وزارة الخارجية التركية، تشير إلى أن التفاهمات الروسية ـ التركية بشأن إدلب واجتماع سوتشي أصبحت تواجه خطر التلاشي، ربما بسبب الإشارات الإيجابية، المذكورة أعلاه، القادمة من واشنطن إلى أنقرة.

إذن هل تتحول التهديدات التركية إلى عمل عسكري في عفرين فعلاً، أم هي رسائل ابتزاز لواشنطن وموسكو، وإرضاء للحليف القومي المتشدد في المشهد السياسي الداخلي في تركيا؟

يبقى العامل الميداني الذي لم نتطرق إليه إلى الآن. فمنطقة عفرين جبلية وعرة، تنتشر فيها قوات وحدات حماية الشعب المسلحة جيداً من قبل الأمريكيين. كما أنها المنطقة التي قدمت لحزب العمال الكردستاني أكبر عدد من المقاتلين، منذ الثمانينيات، لمحاربة الجيش التركي. وعموماً لا تتمتع تركيا، في الرأي العام الكردي في عفرين، بأي مشاعر مودة. مجموع هذه العوامل يجعل من أي اجتياح محتمل مغامرة مكلفة جداً. لذلك تحدث أردوغان في أحدث تصريحا ته عن أن العملية المحتملة ضد عفرين ستتم بقوات من الجيش السوري الحر.

 

٭ كاتب سوري

========================

عن حرب مؤلمة ومكلفة في برّ إدلب .. أكرم البني

الحياة

الاربعاء 17/1/2018

... والمشهد: أربعة أطراف تتنازع السيطرة على مدينة إدلب وأريافها، اختلفت مصالحها وحساباتها وأهدافها، لكن تجمعها حقيقة واحدة، هي الاستهتار بالوطن السوري وبحيوات البشر وحقوقهم.

أولاً، ترزح غالبية محافظة إدلب تحت سيطرة "هيئة تحرير الشام"، أو الفرع السوري لتنظيم القاعدة، والذي لن يتوانى أو يتردد عن فعل أي شيء للحفاظ على وجوده وسلطته، حتى لو أفضى ذلك لاستباحة المدينة عنفاً وتنكيلاً بصفتها موطن الإرهاب الجهادي، ولا يغير هذه الحقيقة المريرة وجود جيوب لفصائل عسكرية تنتمي للجيش الحر، ولا محاولات "الهيئة" إظهار بعض الاعتدال والاستعداد لتقديم الخدمات وتوزيع المعونات بالتنسيق مع مؤسسات الإغاثة الدولية، أو سعيها إلى فتح قنوات تواصل مع حكومة أنقرة ومع الائتلاف المعارض والمجلس الإسلامي السوري، بل يؤكدها إصرار "الهيئة" على التفرد في الهيمنة وسحق الجماعات المسلحة المنافسة لها، كـ "حركة أحرار الشام" وغيرها، وأيضاً سلوكها المفضوح لإغلاق مكاتب المعارضة السياسية ولإخراس الناشطين الإعلاميين وقمع تظاهرات شعبية مناهضة لها شهدتها بلدات عدة، كمعرّة النعمان وخان شيخون وسراقب، والأسوأ إجهاضها دور المؤسسات المنتخبة من مجالس مدنية وإدارات محلية، لفرض ما صنعته وسمته "حكومة إنقاذ" لتسيير شؤون الناس.

ثانياً، لا تزال قوات النظام والميليشيات الحليفة له تسعر معارك الفتك والتنكيل في الريف الجنوبي الشرقي لمحافظة إدلب، مدعومة بقصف جوي روسي كثيف، خارقة بذلك خطوط وقف إطلاق النار التي حددتها تفاهمات آستانة، ومثيرة الأسئلة عن دوافع موسكو وطهران، كطرفين ضامنين لتلك التفاهمات، في تغطية ودعم هذا الخرق؟ هل الأمر يتعلق بحاجة مستجدة لإجراء تعديل حاسم في توازنات القوى قبل مؤتمر سوتشي وما يمكن أن يفرضه من خرائط ثابتة على الأرض؟ أم هو إغراء الخيار العسكري في نشوة ما اعتبر انتصاراً على داعش في دير الزور والبوكمال؟ أم الغرض الإمعان في إضعاف المعارضة السورية وقطع الطريق على التسوية الأممية التوافقية، من بيان جنيف الى مفاوضاتها الماراتونية، تمهيداً لفرض المشروع الروسي؟ أم يرتبط الدافع بالحاجة للجم طموح حكومة أنقرة وتجميد فعالية وجودها العسكري في بقعتين جغرافيتين ضيقتين، شمال حلب وشرق محافظة إدلب، ما يفضي إلى تحجيم دورها السياسي وحصتها في المستقبل السوري؟ أم لعل الأمر يتعلق برد استباقي على ما يثار عن خطة يبيتها التحالف الأميركي و"قوات سورية الديموقراطية" للتقدم نحو إدلب؟!.

ثالثاً، بالتعاون مع تركيا وبالتنسيق مع فصائل معارضة موجودة في إدلب، تتحين جماعات من "الجيش الحر"، المنضوية تحت قوات "درع الفرات" الفرصة للتقدم من الشمال باتجاه المدينة، وأهدافها تتعلق أساساً بما ترمي إليه حكومة أنقرة، بدءاً بإقامة منطقة نفوذ واسعة في الشمال السوري تقوي أوراق تركيا على طاولة المفاوضات، مروراً بإعاقة النظام وحلفائه من السيطرة على محافظة إدلب كاملة وإجهاض فرصة تفردهم في تقرير مصير البلاد، ومروراً بتفويت الفرصة على أي محاولة أميركية رامية إلى دعم "قوات سورية الديموقراطية" للتقدم نحو إدلب بغرض تعزيز النفوذ وتسهيل اصطياد بعض قادة "هيئة تحرير الشام"، وانتهاءً بخشيتها من أن تفضي المعارك المحتدمة هناك، إن لم يتوسع شريط سيطرتها بما يحاكي المنطقة الآمنة، إلى مأساة إنسانية جديدة على حدودها الجنوبية، حين يندفع عشرات آلاف السوريين للجوء إليها.

ومع أن حكومة أنقرة تدرك صعوبة التقدم العسكري وأيضاً تكلفته الباهظة، لكن يرجح أن لا تقف متفرّجة كما كان حالها في معارك الرقة، ليس فقط لأن مناطق إدلب تحاذي مباشرة حدودها، بل لأن تلك المناطق محط اهتمام حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي للتمدد وتوسيع الكانتون الذي يتطلع لتكريسه وإدارته.

ثالثاً، وعلى رغم تردد السياسة الأميركية حيال الصراع السوري، فإن ثمة إشارات لافتة ترجح احتمال أن يشجع التحالف الغربي بقيادة واشنطن، "قوات سورية الديموقراطية" لتنازع الآخرين السيطرة على محافظة إدلب، متوسلاً لهفة الأكراد ربط المناطق التي يسيطرون عليها شرق نهر الفرات بتلك التي في غربه، وراجياً أهدافاً متضافرة، منها المحاصصة على النفوذ وعدم ترك موسكو تحدد منفردة المصير السوري، ثم توظيف توسيع النفوذ الميداني الجديد كعائق في مواجهة الهلال الشيعي، وأيضاً للضغط على حكومة أنقرة وتخفيف اندفاعها صوب روسيا وإيران، بما في ذلك استخدامه كورقة قوة في التعاون والتعاضد مع البلدان العربية والغربية للتشارك في تقرير شؤون المنطقة.

والمشهد: إدلب مدينة مستباحة تضم أكثر من مليوني نسمة، لجأ إليها كل من هجّر قسرياً من جماعات المعارضة المسلحة وحواضنها من أرياف دمشق وحمص... مدينة يحكمها إرهاب آلاف المقاتلين المنتمين إلى "هيئة تحرير الشام"، وهم مستعدون عسكرياً للمواجهة والدفاع عن معقلهم الأخير مهما كانت التكلفة والأثمان، ما ينذر بحرب دموية طويلة ومدمرة... مدينة تتعرض لقصف وحشي عنيف ولهجمات سلطوية منفلتة لا غاية لها سوى الكسب وتحسين الموقع، ولعل هروب وتشرد أكثر من مئة ألف سوري، خلال أيام القصف الأولى، دليل على حجم الخزان البشري وما يمكن أن يحل به، وتالياً على عمق الكارثة الإنسانية التي سيتعرض لها المدنيون من أهلها وسكانها ونازحوها.

والحال، هل هو كثير على السوريين أن يطالبوا الرأي العام والمجتمع الدولي، بمساعدة هذه المدينة المنكوبة وإنقاذها من مأساة مروعة تنتظرها؟ هل هو كثير عليهم أن يتمنوا مبادرة أممية تلزم الجميع، وقبل فوات الأوان، وقف هذه الحرب العبثية والمكلفة، يحدوها نزع السلاح وتسليم المدينة لهيئات محلية منتخبة تتولى، بإشراف دولي، إدارة شؤون البشر وحاجاتهم اليومية والإنسانية؟ أم هو قدرهم، كسوريين، أن يقفوا من جديد عند مأساة إدلب، بعد حمص وحلب والرقة ودير الزور، وقلوبهم تعتصر حزناً وألماً على ما قد يحل بمدنيين عزل، لا ذنب لهم، سوى أنهم ولدوا على هذه الأرض.

========================

تغريباتنا من فلسطين إلى إدلب .. سميرة المسالمة

العربي الجديد

الثلاثاء 16/1/2018

ضمن رؤيته للواقع العربي المتردّي والمهزوم أمام أنظمته الاستبدادية، وقيمه الوطنية الجمعية، وأمام الضغوط والتدخلات الخارجية، كان من السهل على الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وفريق إدارته، تمرير قراره الكارثي بخصوص القدس التي تعتبر من أكثر القضايا حساسية في العالم الإسلامي.

وعلى الرغم من الضجّة الشعبية التي واجهت قرار ترامب، نقل السفارة الأميركية إلى القدس، وما رافق ذلك من استياءات دولية، شملت دولاً غربية، تدرك حجم الآثار الخطيرة المحيطة بقرار محوري، من شأنه تقويض العملية السياسية الخاصة بالقضية الفلسطينية، ومعها الانتصار المعنوي ـ الدبلوماسي في الجمعية العامة للأمم المتحدة في الجلسة الاستثنائية التي عقدت في 21 يناير/ كانون أول 2017، وقبلها في مجلس الأمن الدولي (على الرغم من الفيتو الأميركي)، على الرغم من ذلك كله، كان ترامب يراهن، في قراره، على عودة الصمت إلى الشارع العربي، المهموم بتردّي أوضاعه الذاتية، وبأنظمته السياسية، وبحالة التصدّع المجتمعي السائدة، إذا كانت هذه المؤثرات محسوبةً لدى صانع القرار الأميركي، سواء بشأن القدس، أو غيره؛ بما يتعلق بالمنطقة العربية، ومنها واقع الصراع في سورية.

على ذلك، ليس مستغرباً أن تجرّنا الأحداث الجارية في فلسطين المحتلة أو في سورية، إلى إحداث مقارناتٍ بين مسعيي حكومتي دمشق وتل أبيب إلى ضرب مصداقية (وجدّية) الوساطات الدولية التي تدعمانهما أساساً، على اختلاف من يمثلها، سواء الجانب الأميركي في التسوية بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، أو الجانب الروسي الذي يطرح نفسه وسيطاً في تسويةٍ مشبوهةٍ بين النظام السوري والمعارضة. هكذا فإن قرار ترامب أبعد أي توهماتٍ يعيشها الجانب الفلسطيني في إمكانية الوصول إلى اتفاق سلامٍ يحقق للفلسطينيين دولتهم، وللاجئين عودتهم، وللعرب قدسهم الشرقية على أقل تقدير، مقابل السلام في المنطقة، ومن بينها إسرائيل دولة الاحتلال. وأيضاً في الجانب الآخر، حيث تشن روسيا حرباً شرسة في سورية إلى جانب النظام، بينما تقدّم نفسها للسوريين، موالاة ومعارضة، راعية للتسوية، بينما توزّع نيرانها الموت في أكثر من مكان في إدلب وريف دمشق وحماة.

"التهجير القسري في مقدمة المشكلات الناجمة عن ممارسة أقصى أنواع القوة في وجه الرافضين للاحتلال من جانب، والهيمنة الأمنية والسياسية من جانب آخر"

وإذا كان مؤسفاً المقارنة، اليوم، وفق الأحداث الجارية بين شدة العنف ونتائجه في مكانين، أحدهما تحت حكم الاحتلال، والآخر تحت حكم سلطة "وطنية"، وكلاهما أنتج واقعاً مأساوياً لشعبي البلدين، فإن مسألة التهجير القسري في مقدمة تلك المشكلات الناجمة عن ممارسة أقصى أنواع القوة في وجه الرافضين للاحتلال من جانب، والهيمنة الأمنية والسياسية من جانب آخر. إذ تفيد إحصائيات أسبوع من القصف الوحشي لروسيا المساندة للنظام وإيران في حربهما على إدلب فقط، إلى تهجير ونزوح نحو مائة وخمسين ألفاً من السوريين نساء ورجالاً وأطفالاً، أي نحو ست وعشرين ألف عائلة، في وقت يمكن الحديث فيه عمّا يزيد عن عشرة ملايين سوري نزحوا أو هجروا منذ اندلاع صيحات الحرية في سورية بوجه النظام في العام 2011، نتيجة العنف وتدمير المدن والمناطق وتوسيع دائرة الاعتقالات بين السوريين، وهو ما يوازي ضعف ما قامت إسرائيل (الدولة المحتلة) من تهجير الفلسطينيين، بالنظر إلى النسبة والتناسب، وهذا من دون أن يفهم من ذلك وجود جريمةٍ تغطي على أخرى، أو تقلل من آلامها، فالجريمة مهما كان حجمها تعتبر جريمة.

على ذلك، جاء القرار الأميركي ضمن سياقات طبيعية لرئيسٍ لم يخف جدول أعماله خلال حملته الانتخابية، ومنه موضوع القدس، أي أن لا أحد من المسؤولين العرب، المعنيين بالقضية الفلسطينية، يستطيع ادعاء مفاجأته بقرار ترامب الذي صرّح إنه أجرى اتصالات بشأن ذلك قبيل الإعلان، ناهيك عن أن القرار ليس بدعةً منه، وإنما هو موجود ضمن أدراج الرئاسات الأميركية منذ عام 1993، لكن اللافت، أن هذا الرئيس ذاته، المعادي للعرب والمسلمين واللاجئين عموماً، لم يؤخذ بجريرة تصريحاته على مستوى علاقاته العربية، ما يسهّل له الطريق للمضي في تنفيذ ما تبقى من وعود انتخابية، ليست أصعب من قراره الكارثي بشأن القدس.

ولعل ذلك يستدعي السؤال عن موقف ترامب من قضية الصراع في سورية، وعن تصريحاته في حملاته الانتخابية، وتحديداً ما يتعلق بقضية اللاجئين السوريين، ومنعهم من دخول الولايات المتحدة، ما يستدعي على دولة عظمى، كأميركا، أن تمنح لهؤلاء البديل عن اللجوء، بإنهاء المسببات له في بلادهم، على غرار وعوده التي مضى في تنفيذها للكرد، عندما أعلن أنه من أنصارهم، وأنه سيمضي في شراكته معهم في الحرب على "داعش"، وهي الوعود التي ينظر من خلالها كرد سورية إلى أنها ستفضي إلى جلوسهم إلى طاولة المفاوضات في أي عملية سياسية جادة.

هنا يأتي السؤال لقيادات المعارضة، إذا كانت فهمت الدرس من مضي ترامب بتنفيذ قراراته بما يتعلق بأكثر القضايا حساسية لكل العرب والمسلمين، وهو بهذا القرار يقف في مواجهتهم جميعاً، فما هي فرص أن يتجاوز وعوده، على الرغم من رعونتها في أحيان كثيرة، في ما يتعلق بلا مبالاته بتقسيم سورية إذا كان ذلك مطلباً لشعوبها. وهنا، هل يقصد ترامب كل الشعوب، أم يخص من يشاركهم فقط؟

في المقابل، يأتي السؤال عن الجهة التي تحمي سورية والسوريين من رعونة القرارات، أو حتى من صمت ترامب وإدارته على قرارات موسكو المحابية للنظام؟ وما هي انعكاسات تجاهل المعارضة البحث الجاد والاستباقي بشأن الوصول إلى تفاهماتٍ مع كرد سورية بعيداً عن الأجندات الإقليمية، منعاً لرعونة مفاجآت تم الإعلان عنها سابقاً، كموضوع قرار إعلان

"لعل رهان ترامب على الصمت والعجز العربي، سواء في موضوع القدس، أو في توزيع الأدوار في الصراع على سورية" القدس عاصمة لإسرائيل، ليس فقط أميركياً، وإنما روسياً أيضاً؟

لعل التشابه، اليوم، يكمن أيضاً في فقدان مصداقية من قبلت بهم الأطراف المتضرّرة كرعاة لمسار السلام، أي الولايات المتحدة الأميركية وروسيا، في كل من فلسطين وسورية، أي السلطة الفلسطينية والمعارضة السورية، ما يضع هذين الطرفين أمام مسؤولياتهما عن قبولهم بمسارات جانبية، وبرعاة غير حياديين، هدفهم النيْل من القرارات الأممية، واستبدالها بتسوياتٍ غير عادلة، لحساب كل من إسرائيل والنظام، وفق خياراتهما المعلنة والمتراكمة، والتي لا يكمن ادعاء حياديتها، بل وعداوتها سواء لحقوق الفلسطينيين، أو لحق السوريين في إقامة دولتهم المتأسسة على المواطنة والديمقراطية.

لعل رهان ترامب على الصمت والعجز العربي، سواء في موضوع القدس، أو في توزيع الأدوار في الصراع على سورية، هو ما يفقد الأمل بحلول قريبة، ما لم تلجأ الجهات المتضرّرة إلى البحث بجرأة وموضوعية عن حلولٍ لا تكرّر خيباتهم السابقة، ولا تجعل من قضايانا معبراً لمصالح المستفيدين وتجار الدم والمستهترين، فهذا الصمت العربي الذي أنتج التغريبة الفلسطينية في آلامها وتحدياتها هو نفسه الصمت الذي يُجهز على ما تبقى من القضية برمتها، لو لم يكن للشعب الفلسطيني انتفاضته بطرقها العديدة، ومنها عهد التميمي، وهو الصمت نفسه الذي يلوح بفقداننا بوصلة أهداف الثورة في إنهاء نظام استبدادي وإقامة البديل الديمقراطي الذي يهدد الأنظمة الشمولية، على اختلاف مواقع حكمها الجغرافي.

========================

الارتباك المشترك في ألمانيا .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الاثنين 15/1/2018

تتناقض الأرقام والإحصائيات حول عدد السوريين في ألمانيا، والسبب الأساسي في التناقض هو فارق بين اللاجئين الجدد واللاجئين القدامى. وإذا كان المقصود باللاجئين الجدد الذين وصلوا إلى ألمانيا في السنوات الخمس الأخيرة، فإن أعدادهم تزيد قليلاً على 650 ألف نسمة، حسب المصادر الألمانية.

ويتوزع اللاجئون السوريون على مختلف المدن والقرى الألمانية، وإن يكن بنسب مختلفة، وهو توزع متعمد من جانب الحكومة الألمانية، هدفه كما يقول مسؤول ألماني تسريع عملية اندماج السوريين، ومنع قيام كانتونات لهم، تؤخر اندماجهم السريع عبر تعلم اللغة الألمانية وإجادتها، مما يساعدهم في الحصول على عمل، يعطيهم فرصاً أفضل للانخراط في البنية العامة للمجتمع الألماني.

ويتقاطع الهدف الألماني المعلن مع رغبات أغلبية اللاجئين في بدء حياة مستقرة، تعزز مشاركتهم في الحياة العامة، وتوفر لهم ولأولادهم مستقبلا أفضل بعد كل ما أصابهم من كوارث في السنوات الماضية على أيدي نظام الأسد وحلفائه من روس وإيرانيين، أدت بالنتيجة إلى تهجيرهم ولجوئهم إلى ألمانيا.

ورغم المشترك في هدفي الألمان واللاجئين السوريين، فإن مشكلات كثيرة تحيط بالطرفين، وتخلق صعوبات وعقبات في طريق الوصول إلى تحقيق المشترك في أهدافهما.

ولعل الأبرز في الصعوبات والعقبات على الجانب الألماني، الارتباك الواضح في السياسة الألمانية في موضوع اللاجئين السوريين خاصة، الذي يجد تعبيراته المباشرة في أمرين: الأول، التغييرات المتواصلة في القوانين الألمانية المتعلقة باللجوء والهجرة، التي تغيرت وتبدلت مراراً في السنوات الثلاث الأخيرة، والأمر الثاني الخلافات بين الجماعات السياسية وداخلها حول قضايا اللاجئين ومستقبلهم في ألمانيا، وهي خلافات أثرت على نتائج الانتخابات العامة الأخيرة، وعلى تركيب وعلاقات التحالف الحاكم، وجعلت الأطراف الأكثر تفهماً وتأييداً لسياسة إيجابية، أضعف مما كانت عليه، وإن لم تقصها عن السلطة، كما أدت تلك الصعوبات والعقبات إلى خلق تناقضات واقعية في حياة اللاجئين ومحتويات ومستويات التعامل معهم ومع مشكلاتهم في ألمانيا.

أما الأبرز في الصعوبات والعقبات لدى السوريين، فكانت أكثر لأنهم الطرف الأضعف في الثنائية الألمانية - السورية، وتظهر الصعوبات والعقبات في معطيات كثيرة لعل الأهم فيها حاجز الاندماج، وما يتصل بموضوع تعلم اللغة الألمانية، وهي لغة غير مألوفة من جانب السوريين على نحو ما هو حال الإنجليزية والفرنسية، الأمر الذي يشكل عقبة أمام متوسطي الأعمار وكبار السن، تمنع انخراطهم في سوق العمل، سواء بخبراتهم السابقة أو في موضوع اكتسابهم خبرات جديدة، لا يمكن الحصول عليها إلا عبر إجادة الألمانية حتى بالنسبة للأعمال البسيطة والهامشية.

وبين المعطيات الخاصة بالعقبات والصعوبات، ما يخص الإقامة وتأخير إجراءات الحصول عليها وعمليات لم الشمل العائلية، وقد خلق الارتباك الألماني في منح الإقامات مشكلات معقدة، خاصة إذا تم منح الإقامة لمدة عام، التي لا يجوز للحاصل عليها القيام بلم شمل أفراد أسرته، التي يكفل القانون الألماني حقهم في لم الشمل، كما أن في منح إقامات الأسر مشكلات بينها، أفراد منها يمنحون إقامات لثلاث سنوات، وآخرون لا يمنحون إلا عاماً واحداً، والبعض لا يعطى إقامة أساساً، مما يخلق أجواء من عدم الاستقرار، ويجعل من الصعوبة بمكان السير في عملية الاندماج، كما ينبغي أن تسير. كما أن شكوكاً أخذت تتنامى في صفوف السوريين ممن حصلوا على إقامة إنسانية حول مستقبل البقاء في ألمانيا في حال تحسن الأحوال الأمنية في سوريا.

وكما هو واضح في الارتباكات المشتركة، فإن نتائجها تترك آثاراً سلبية على الطرفين الألماني والسوري، حيث بدأ الأول في سنوات 2015 - 2016 شديد الحماس لاستقبال اللاجئين السوريين واستيعابهم، مضحياً بدفع أكثر من ستة عشر مليار يورو على اللاجئين (وأكثرهم من السوريين) فيما كان السورين يفضلون اللجوء في ألمانيا على غيرها من البلدان الأوروبية، قبل أن تتبدل نظرة كثيرين منهم، بل وميل بعضهم إلى مغادرة ألمانيا إلى بلد آخر.

الأهم مما سبق، أن عملية الارتباك القائمة لدى الألمان والسوريين مستمرة، بل إنها مرشحة للتصاعد مع صعود الاستياء من وجود اللاجئين، بدل أن تسير نحو معالجة جذرية، تؤدي إلى تحسين أوضاع اللاجئين وتسهيل عملية اندماجهم، وخلق ظروف أفضل لمستقبلهم في ألمانيا.

========================

مناوشات إدلب: هل تفتح معركة الساحل الكبرى؟ .. صبحي حديدي

القدس العربي

الاحد 14/1/2018

منذ أواخر تشرين الأول /أكتوبر الماضي يشنّ تحالف روسيا وإيران والنظام السوري سلسلة هجمات تستهدف استعادة السيطرة على مطار أبو الظهور العسكري، شرق محافظة إدلب، من جهة أولى؛ كما تسعى إلى دفع "هيئة تحرير الشام"، "هتش"، إلى الانسحاب نحو أطراف مدينة إدلب، وإخلاء عشرات القرى التي تحتلها "الهيئة" جنوب المحافظة. في مدى أبعد، قد يلوح منطقياً أنّ هدف التحالف اللاحق هو إطباق الحصار على المدينة ذاتها، التي تكدس فيها أصلاً آلاف المقاتلين والجهاديين الإسلامين ممّن انسحبوا من مناطق مختلفة في الداخل السوري، أو تمّ إخلاؤهم بموجب اتفاقيات مع النظام وحلفائه.

لكنّ هذا المخطط لم يصمد تماماً على الأرض، بل أظهر عدداً من العيوب والثغرات الكفيلة بعرقلة تنفيذه، أو حتى بانقلابه إلى هزيمة مريرة للمهاجمين. هنالك ثلاثة اعتبارات رئيسية، بين أخرى ليست محدودة الأثر أيضاً، تحول دون المضيّ أبعد في تنفيذ المخطط على النحو الذي يقتضيه المنطق، في حسابات التحالف الثلاثي على الأقلّ.

الاعتبار الأوّل هو إعادة انبثاق "الجيش السوري الحرّ" كقوّة ذات أثر حاسم، وفعالية ميدانية عالية، كفيلة بتغيير المعادلات على الأرض؛ وذلك إذا نجحت بعض كتائب هذا الجيش في تشكيل غرفة عمليات مشتركة مع بعض الفصائل الإسلامية خارج نطاق "هتش"، "أحرار الشام" على سبيل المثال الأبرز، في جبهة محافظة حماه والمناطق المتاخمة لمحافظة إدلب. ولقد حدث هذا بالفعل خلال الأيام الأخيرة، وسارعت الغرفة الموحدة إلى شنّ هجوم مضاد أعطى نتائج مذهلة، فانسحب التحالف الثلاثي من قرى أساسية كان قد طرد "هتش" منها، وتكبد خسائر فادحة في الأرواح، ووقع عدد من عناصره أسرى، وتمّ اغتنام أسلحة مختلفة.

 

الاعتبار الثاني يخصّ تركيا في هذه المعادلة، وما إذا كانت أنقرة ستقف مكتوفة الأيدي أمام تعرّض نفوذها في محافظة إدلب إلى الانحسار أو التآكل التدريجي بسبب نجاحات التحالف الثلاثي. المؤشرات حتى الساعة تفيد بتحرّك تركي مزدوج: على الصعيد الدبلوماسي، من خلال إبلاغ روسيا وإيران رفض تركيا لعمليات التوغل والقصف في المحافظة، وخرق اتفاق خفض التصعيد فيها؛ وعسكرياً، من خلال تنشيط عملية "درع الفرات"، وتوسيع انتشار وحداتها، والتضييق على مجموعات "الحماية الشعبية" الكردية، فضلاً عن تقارير تتحدث عن تزويد بعض فصائل المعارضة المسلحة بأسلحة نوعية.

الاعتبار الثالث هو حقيقة أنّ التحالف الثلاثي لا يريد لمناوشات إدلب أن تنقلب إلى معركة شاملة، أو ليس في المدى القريب والمنظور؛ لأنّ تطوراً كهذا قد يطلق معركة الساحل الكبرى التي تتخوّف جميع الأطراف، المحلية والإقليمية والدولية، من اندلاعها في الشروط الراهنة. ذلك لأنّ عشرات الآلاف من مقاتلي "هتش" سوف يضطرون إلى ـ أو يصبح من مصلحتهم، أو لن يتبقى أمامهم سوى خيار ـ الاستدارة نحو عمق الساحل، وخوض قتال ميداني مصغّر على مستوى القرية أو البلدة، واستخدام سلاح المدفعية وصواريخ الـ"غراد"، فضلاً عن عمليات التوغل والاستهداف الخاصة.

وضمن هذا الاعتبار، لا تصحّ الاستهانة بالهجمات التي تعرضت لها القاعدة الجوية الروسية في حميميم مؤخراً؛ سواء تلك التي نُفّذت بمدفعية الهاون، عن طريق التوغّل إلى مسافات قريبة من القاعدة بما يكفي لتحقيق الإصابات؛ أو عن طريق طائرات مسيرة، بدا أنها حملت موادّ متفجرة لا يستهان بها، واعتمدت تكنولوجيا توجيه ليست بدائية تماماً. ولهذا فإنّ وزارة الدفاع الروسية تنظر بجدّية إلى هذه الواقعة، خاصة وأنّ الطائرات انطلقت من مناطق سورية تسيطر عليها فصائل مقرّبة من أنقرة.

وهكذا فإنّ جبهة إدلب قد تبقى في إطار الكرّ والفرّ، حتى تتضح التفاهمات التركية ـ الروسية ـ الإيرانية، ثمّ الأمريكية في الخلفية أيضاً؛ حول ما إذا كانت شواظ معركة الساحل ستندلع… في أيّ وقت قريب.

========================

تغريدات حول الشبهات التي اطلقتها قناة اورينت عن جماعة الإخوان المسلمين .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

13/1/2018

*نحن الإخوان المسلمين ، لسنا في قفص الاتهام ..من أحب أن يدخل القفص باسم ( أناه ) فهذا شأنه . وهو لا يمثلنا ..

*لماذا ضربوا القفص الزجاجي على قادة جماعة الإخوان في مصر ؟! لماذا ضربوه على فضيلة المرشد ، وعلى الرئيس الشرعي الأسير ..لأن هؤلاء حيث هم يحاكمون القاضي ولا يُحاكمون ..يخافون أن يصل صوتهم للعالمين ..

*استراتيجيتنا في الحوار : الإضراب عن الصغائر والهنات ، وقلب البهتان على أصحابه حتى يبهت الذي كفر ..

*من حقنا كجماعة إسلامية سورية وطنية مسئولة نمثل شريحة كبيرة من أبناء شعبنا أن تكون لنا تقديراتنا الدقيقة للموقف . وتحديد مواقفنا بما يخدم مصالح شعبنا الاستراتيجية الرئيسية . اجتهادنا بشري ، ولا نميل مع الريح حيث تميل ، ودائما نحب أن نتحرك ضمن دوائر التوافق الوطني ..

*من حقنا كجماعة إسلامية سورية وطنية ممتدة ..أن تكون لنا أنشطتنا المتعددة على كل محاور الأنشطة الإنسانية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية ..هذا فخر لنا وليس عيبا يعيرنا به العاجزون ..

*توافقنا - نحن أبناء جماعة الإخوان المسلمين - مع القوى والشخصيات الوطنية على الخطوط الوطنية العريضة دليل على أننا لا ننطلق من أنا شخصية ، ولا من أنا حزبية بل من المصلحة الوطنية العليا. ومن المعيب أن تتهم شخصيات وطنية جديرة بالاحترام أنها ورقة أنها دمى بأيدينا

*في فقهنا نحن أبناء جماعة الإخوان المسلمين أن الحدث السياسي يقوّم خلال معطياته الظرفية . لا أحد يزاود على جماعتنا في معارضة نظام الاستبداد والفساد منذ الثامن من آذار 1963 . لا أحد يزاود على تضحياتنا وما قدمته هذه الجماعة المباركة . لا ندعي العصمة ، ولكننا لا نخاف من الفزاعات ..قواعدنا التي نأوي إليها أكثر إدراكا ووعيا ..

*كتبت المنشورات السبعة السابقة ونسيت أن أخبركم: أنني لا أمثل جماعة الإخوان المسلمين . أنا فرد صغير فيها . ومن فقهنا ويجير على المسلمين أدناهم ..

_____________

*مدير مركز الشرق العربي

========================

ماذا عن سوتشي؟ .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 13/1/2018

بدأ الروس يتحسبون لفشل مؤتمرهم السوري في سوتشي. قال نائب وزير خارجيتهم، لافرنتييف، إن اللقاء سيعقد تحت إشراف الأمم المتحدة، وروسيا ستساعدها. وأضاف مبعوث الرئيس بوتين  الخاص، نائب الوزير بوغدانوف، إن روسيا لم تحدّد بعد موعد اللقاء. بما أن الأمم المتحدة لم تعلن رغبتها في الدعوة إلى "سوتشي"، وفي الإشراف عليه، فإن لافرنتييف كذب عندما ربط مصير اللقاء بها. أما بوغدانوف فقد فاقه في الكذب، بإعلانه أن موعد اللقاء لم يحدد بعد، على الرغم من أنه حدد رسميا في يومي 29 و30 من شهر يناير/ كانون الثاني، وقيل إنه سيحضره ما بين 1500 و1700 سورية وسوري، وسيناقش الدستور والانتخابات.

يذكّر كذب الروس الحالي بكذبهم السابق، حين دعا رئيسهم بوتين، باستحفاف مهين، إلى عقد "مؤتمر للشعوب السورية" في قاعدة حميميم الروسية، وأجبرته ردود أفعال السوريين الغاضبة والمواقف الدولية على نقله إلى مطار بشار الأسد في دمشق، ثم إلى سوتشي إياها، قبل إعلان بوغدانوف فشله بطريقةٍ تشبه الطريقة الحالية في التعامل مع "سوتشي"، وملخصها يومذاك أن موعده لم يحدّد رسميا، وكذلك من سيدعون إليه.

إذا كان "سوتشي" لم يفشل بعد، فإنه فقد بالتأكيد بعض راهنيته وأهميته، وتحول إلى مشروع يرجّح أن لا يحضره العدد المطلوب للتغطية على مقاطعته سورياً، أو أن يبت في المسائل المطروحة، عبر قرارات ممكنة التنفيذ. وبما أن فشل "سوتشي" لن يكون أمرا مقبولا من رئيسٍ يريد تجديد ولايته بعد شهرين ونيف، ادّعى طوال عامين إنه حسم الأمور في سورية، فكسب الحرب ضد الإرهاب، وجاء بالفصائل إلى طاولة المفاوضات بشروطه، وأخرج واشنطن من التسوية وانفرد بها، وأخذ موطئ قدم في هيئة المفاوضات العليا، عبر إدخال منصة تابعة لمخابراته إليها، وفرض، نظريا، مناطق خفض تصعيد، وأعاد جزءا كبيرا من عتاده إلى روسيا، وأقام قاعدتين عسكريتين في سورية، فإنه لن يتخلى ببساطة عن جني الثمار السياسية لجهوده العسكرية والديبلوماسية، وسيصر على جلب السوريين إلى حلٍّ ينفرد به، يحشرهم في "شراكةٍ" مع الأسد، تعطيهم مناصب وزارية في حكومةٍ هو مرجعيتها، وبعد أن يكمل فترة رئاسته الحالية في السلطة عام 2021، يرشح نفسه لولايتين رئاسيتين جديدتين لا شك في فوزه بهما، بقرار روسي تدعمه قوة سلاح بوتين الفتاك.

بما أن فشل "سوتشي" سيكون أمرا جللا بالنسبة لروسيا، فإن الكرملين لن يتخلى عنه، أو عن تقديم بدائل له، منها انعقاده في ظل تعديلاتٍ تقلص الآمال المعلقة عليه. لكن هذا سيبقى في جميع الأحوال فشلا، ولن تفلت الديبلوماسية الروسية منه، في حال استمر تماسك الموقف الشعبي والوطني السوري تجاه سياسات بوتين و"سوتشي"، ولم تنجح موسكو في اختراقه أو الالتفاف عليه بمعونة تركيا، عبر تعديل هذه النقطة أو تلك من القرارات الدولية، أو تقديم تنازلات لأنقرة في موضوع مسلحي قوات الاتحاد الديمقراطي (الكردي) أو إطباق إيران ومرتزقتها على ما بقي من مناطق خارج سيطرة السلطة الأسدية، أو إطلاقها موجة تشدد تسحب خلالها "منصة موسكو" من هيئة التفاوض العليا، واعترافها بالهيئة لإسقاط جنيف بصورة نهائية، وتصعيد جهدها العسكري إلى مستوياتٍ غير مسبوقة من حيث مدته وشدته... إلخ، أو هذه الخطوات مجتمعة.

في المقابل، بما أن انعقاد "سوتشي" سيكون إخفاقا جديا للثورة السورية، وضربة يرجّح أن تدفع بها إلى أكثر أحوالها سوءا، فإنه لن يكون هناك ما هو أكثر أهمية من المحافظة على أجواء التعبئة الوطنية ضد مشروع روسيا، ومن استخدام هذه الأجواء، من جهة أخرى، لإصلاح عيوب مؤسسات العمل الوطني ونواقصها، ورفع روح السوريين المعنوية وتوطيد تلاحمهم الوطني، وزيادة جاهزية الفصائل القتالية. من غير المعقول أن ينجح السوريون في مواجهة سياسات دولة عظمى، ثم يفشلون في إصلاح أوضاع جهات هي جزء منهم، وتنتمي سياسيا وعسكريا إليهم. ولا بد من زيادة الجهود التي يجب أن تكرس للمهمة الثانية، من أجل تجاوز "سوتشي" بنجاح، والاستعداد لمنع أعدائنا من حسم المسألة السورية لصالحهم، مع اقترابها المتزايد من مراحلها النهائية. وعلى الجملة: علينا إيلاء قدر كاف من الاهتمام لسوتشي، من دون تجاهل ما يجري ميدانيا وسياسيا من جهود لحسم الصراع لصالح أعدائنا: روسا كانوا، أو إيرانيين، أو أسديين، أو مرتزقة نصر الله.

هذا عام حسم، وحّد السوريون أنفسهم شعبيا لملاقاته عبر رفض "سوتشي"، ولا مفر من أن يوحدوا أنفسهم سياسيا وعسكريا بروح الوطنية الجامعة التي أبدوها، كي لا يربحوا معركة ويخسروا الحرب.

========================

حرب السنوات السبع .. د.خالص جلبي

الاتحاد

السبت 13/1/2018

مع مطلع عام 2018 تكون الحرب السورية دخلت عامها السابع. وفي هذا كتبت "سوزانه كليبل" في مجلة "درشبيجل" الألمانية عن "نصر بشار الأسد" (العدد 52/ 2017 صفحة 77)، وخلصت إلى أن الطريق نحو السلام مازال طويلا في سوريا.

ومن يراجع التاريخ يتعظ، ومن يغفل عن سنن الله فإن سنن الله لا تغفل عنه. حرب السنوات السبع هذه ليست جديدة في التاريخ، فعلى الساحة الأوربية اندلعت حرب مخيفة بين عامي (1756 و1763) اشتركت فيها معظم الدول الأوربية بين بروسيا بقيادة الملك فردريك، ومعه بريطانيا ودولة هانوفر، في موجهة فرنسا والنمسا وروسيا والسويد، ودخلت إسبانيا والبرتغال الحرب لاحقاً. كانت ألمانيا يومها غير موحدة، وتركت الحرب أكثر من مليون قتيل على الساحة الأوربية، وخسرت فرنسا الأرض الأميركية.

وحين تعد الحروب بالسنوات، فالكارثة السورية في سبع سنوات تجعلنا نتذكر أكثر الحروب دموية في التاريخ، مثل حرب الثماني سنوات بين العراق وإيران، والحرب العالمية الثانية التي راح ضحيتها نحو 50 مليون قتيل، وقبلها الحرب العالمية الأولى التي كلفت نحو 20 مليون قتيل، وحرب السنوات الست في أوروبا التي خلفت خمسين مليون قتيل، نصفهم من الروسي وجيرانهم.

كما نتذكر حرب فرانكو مع الجمهوريين في إسبانيا بكلفة بلغت من الرعب أن من نجا منها اختفى في البراري والقفار أربعين عاما إلى حين وفاة الطاغية عام 1975.

بقي أن نذكر حرب ال14 عاما في الهند الصينية (1964 -1978) التي قتل فيها 1,2 مليون فيتنامي مقابل 58 ألف أميركي. ولا ننس حرب المائة عام في أوروبا والتي علق فيها الخصمان اللدودان الدولة الصفوية والسلطنة العثمانية.

وحسب تقديرات "ماكنمارا" وزير خارجية أميركا السابق، فإن "الخطة التشغيلية المتكاملة الأولى" (SIOP) التي أعدتها القيادة الاستراتيجية للقوات الجوية الأميركية، كانت تقضي بقتل ما بين 360 و525 مليونا خلال أسبوع واحد بالسلاح النووي، ومسح أكثر من 200 مدينة سوفييتية، وهو ذات الكلام الذي كرره الاستراتيجي النووي "لي بتلر" في مقابلة مع مجلة "درشبيجل" لاحقاً.

وكما يشير ريشارد نيد ليبوف في كتابه "لماذا تتقاتل الأمم؟"، أن عدد القتلى في النزاعات المسلحة في القرن العشرين كلفت 160 مليونا من الأنام! وأنه في ذروة المواجهة الباردة السوفييتة الأميركية بلغ عدد الرؤوس النووية 70 ألف رأس جاهز للانقضاض!

ويذكر ليبوف أن أميركا أنفقت على التسلح في عام 2008 مبلغ 417 مليار دولار، وأن نسبة العاملين في القطاع العسكري مثلت 10٪ من اليد العاملة في أميركا، والتي يعتبرها الكاتب الخطر الأعظم في العالم.

نجح الأسد في النجاة من المشنقة إلى الآن، كما انتهى لها صدام والقذافي، لكن صدام حسين رش الإيرانيين بالسلاح الكيماوي في الفاو، بمساعدة من دونالد رمسلفيلد، ثم جاءت نهايته على أيدي الغزو الأميركي اللاحق حين كان البنتاغون تحت قيادة رامسفيلد نفسه.

وبالنسبة للأسد الذي سلم سوريا للإيرانيين والروس برسم الاحتلال، فالقصة لم تنته بعد، وعلينا متابعة فصول جديدة من المأساة، فهذه هي حكمة التاريخ، أي أن أي طرف يمكنه إطلاق الحرب في أي وقت، لكنه لن يستطيع التحكم في مخارجها ونهاياتها كما يتوقع.

كل القصص المذكورة تصب في خانة الحكمة الأعظم، وهي أن الحرب جريمة وجنون وإفلاس أخلاقي، كائنا مَن دشنها وسعى لها، وهو ظالم لنفسه مبين.

ويبقى السؤال كما طرحه "نيبوف": لماذا تتقاتل الأمم؟

أذكر أن الفرنسي "غاستون بوتول" أنشأ معهداً لدراسة ظاهرة الحرب، وقال إنها (أي الحرب) أزهقت من الأرواح ما تعجز عنه أعتى الأوبئة والجوائح.

========================

هل إدلب محاكاة لحلب في الخسائر والمسارات؟ .. سميرة المسالمة

الحياة

السبت 13/1/2018

في ظروف مشابهة لما حصل في حلب، تحيك روسيا تفاصيل معركتها في إدلب وريف دمشق، حيث الترويج لحرب ضد إرهاب النصرة من قبل النظام وحلفائه، وسط صمت من "أصدقاء الشعب السوري" وفي مقدمهم تركيا والولايات المتحدة الأميركية، وفي استعادة لكامل مشهد الحرب في حلب (2016) تعيد المعارضة السورية أخطاءها، بالمقدار ذاته الذي يخدم التهويل الإعلامي الروسي، بل ويساند نظريته في أن جملة من تقاتلهم وتلقي بحممها عليهم، هم من تنظيم النصرة، التي أعلنت عن تغيير اسمها سابقاً إلى هيئة تحرير الشام، وكانت المعارضة رحبت بهذا الإعلان، واعتبرته خطوة في الاتجاه الصحيح، بينما رفضه المجتمع الدولي واعتبره نوعاً من المخاتلة السياسية ليس أكثر.

وبينما تحصد نيران الدول الضامنة لاتفاقيات خفض التصعيد (إيران وروسيا) أرواح عائلات سورية كاملة، تمكث الدولة الضامنة الثالثة (تركيا) في حال ترقب، ويترك العنان لبعض المعارضة التي تسير ضمن سياق سياستها لخلط الأوراق من جديد بين فصائل المعارضة و "هيئة تحرير الشام"، في تكرار واضح لموقفها من الحرب في حلب وعدم رغبتها في التمييز بين فصائل معارضة سورية، وبين أجندة "هيئة تحرير الشام" التي تمارس الدور ذاته، في تسليم المدن والقرى للنظام وروسيا عبر معارك غير متكافئة، ولا تقتل إلا المدنيين السوريين تحت أسقف بيوتهم وملاجئهم وفي شوارع أسواقهم.

وضمن حملة دفاعية موجهة من المعارضة وسواء هي عن قصد، أو غير قصد، تمكن ملاحظة تماهي الخطاب الإعلامي مع خطاب النصرة في هذه المعركة كحال ما حصل سابقاً في حلب، والتي تبدو نتائجها شبه محسومة لتكون نسخة طبق الأصل عن نتائج المعركة التي خاضتها النصرة في حلب، وتم في نهايتها تسليم المدينة للنظام، وتكبد مئات الضحايا، وخروج عشرات الآلاف من المواطنين السوريين كلاجئين ونازحين، ما يجعل القول إنه ليس مبرراً اليوم اعتبار أن "هيئة تحرير الشام" هي جزء من حراك مسلح ضد النظام، على رغم وجود معارك بينية بينهما، إذ إن هذا الأمر يفيد في توثيق ما يرغبه النظام من وسم فصائل المعارضة جميعها بالإرهاب.

ولعل أوضح نتائج معركة حلب الموجعة التي خسرت فيها المعارضة أحد أهم مواقعها، ليس فقط الميدانية، وإنما السياسية على طاولة التفاوض في جنيف، حيث استجرت المعارضة رغماً عنها، إلى مسار تفاوضي جديد، شكلت ملامحه روسيا المنتصرة على شعب أعزل في حلب، بعد أن مارست "النصرة" دورها الموكل لها في تحريك المعركة، ثم أخذت دور المتفرج على حرب ضروس طاولت البشر والحجر في حلب، وعقدت روسيا من خلال جولات ثمانٍ حتى الآن في آستانة العاصمة الكازاخستانية عدداً من اتفاقيات خفض التصعيد، بضمانة مشتركة بين روسيا وإيران وتركيا، وكان منها اتفاقية خفض التصعيد في إدلب التي تشتعل اليوم بنيران الطيران الروسي وقذائف النظام وإيران، وبينما تلجأ تركيا إلى الصمت الذي يرقى إلى مستوى الموافقة على مجمل العملية التي قد تكون تهيئ لتنفيذ اتفاقية خفض التصعيد، ولكن على الطريقة الروسية بعد عجز تركيا اقناع "النصرة" بتدوير قواتها واندماجها مع الفصائل الإسلامية العاملة في إدلب.

ووفقاً لما تم تمكن ملاحظة: أولاً، أن النظام خلال معركته الآن في إدلب تجاوز الحدود المرسومة له وفق اتفاقية خفض التصعيد التي تمنح تركيا كامل المساحة شرق سكة القطار، ما يعني توقف النظام عند غرب السكة، وهو ما تجاوزته قوات النظام بعبورها السكة ومتابعة تقدمها خلافاً للاتفاقية، وتنفيذاً لسياسته المعتادة في كسب ما يستطيعه في اللحظة المتاحة، ما يضع تركيا أمام معركة سياسية جديدة مع روسيا هدفها إعادة تموضع النظام إلى حدود اتفاق آستانة السابق، وهذا يعطي روسيا ورقة ضغط اضافية للتمهيد لعقد اتفاق جديد مع تركيا وفق الواقع الراهن الذي يقتضيه "النصر الروسي المفترض" في إدلب، والذي يوازي النصر السابق لها في حلب.

ثانياً، وصول النظام إلى مطار أبو ظهور (يبعد نحو 12 كيلومتراً)، وإقامة قاعدة جوية له من جديد، لن يتم إلا بتسهيل من جبهة النصرة، لاستعادة كامل منطقة إدلب لاحقاً، وهو ما عبّر عنه النظام بأن اتفاقيات خفض التصعيد مرحلة موقتة، سيعمل بعدها على استعادتها كاملة عسكرياً وسياسياً، وهذا فعلياً مخطط النظام الذي يتمدد في مناطق خفض التصعيد تباعاً، ويحاول الاستيلاء على المناطق تارة باتفاقيات مقابل الغذاء، وأخرى بالقصف الشديد الذي تقف المعارضة عاجزة عن رده في أكثر من مكان، بسبب تنفيذها الحرفي لاتفاقياتها مع الجانب الروسي، أو بسبب عجزها عن مواجهة طيران النظام وحلفائه.

ثالثاً، خيارات الجانب التركي تبدو شبه معدومة في حال استمر النظام بتقدمه شرق سكة القطار، ما يعني أنها ستناور فقط بما يتعلق بحربها ضد الأكراد المتهمين بالارتباط بحزب العمال الكردستاني المحظور تركياً، لمنع توحيد مناطقها عبر الجيب التركي، الذي يمتد بين عفرين ومنبج، وهو ما يعكر صفو إقامة أي كيان كردي وامتداده في الشمال وصولاً إلى الساحل، وهذا أيضاً يمنح روسيا القدرة على المناورة مع تركيا، في شأن قبولها المشاركة في مؤتمر سوتشي المزمع عقده نهاية هذا الشهر، تحت مسمى الحوار الوطني بين المكونات السورية وفق إعلان النظام، و "الشعوب السورية" وفق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي يضع المعارضة السورية بين خيارين: المشاركة الطوعية استمراراً "لإنجازه" في آستانة، أو المشاركة تحت ضغط "الخسارة" في إدلب، والقصف الوحشي في ريف دمشق، وما بينهما المصالح التركية التي ستكون عامل ضغط أكبر على المعارضة التي لا تزال تتحدث بلغة غير واضحة عن موقفها من المشاركة في مؤتمر سوتشي.

إلا أن السر في هذه المعادلات التي قد تبدو غير قابلة للحل، ما لم يتوافر العامل الأهم فيها، هو الموقف الأميركي الذي يتراوح بين الصمت الرافض للتسويات الروسية الساعية لإعادة تسويق النظام، وفق مشهدية دستورية وانتخابية تحقق معطيات نجاحها من خلال مؤتمر سوتشي، وبين الفعل الأميركي المتردد في دعم المعارضة بشقيها السياسي والعسكري، بشكل يجعلها قادرة على امتلاك ما يقوي موقفها من أدوات تفاوضية، وفي هذا السياق لا يمكن اغفال ما جرى في قاعدة حميميم وطرطوس من قصف عبر طيران مسير وفق الإعلان الروسي، والذي يشكل رسالة بأن المعركة النهائية لاتزال بعيدة، وأن قلب موازين القوى يحتاج إلى أمرين: دعم المعارضة بالسلاح، وهو ما أعلنت عنه الإدارة الأميركية (رصد 500 مليون دولار للمساعدات العسكرية)، وغض النظر عن تحركات الفصائل المسلحة، وكلاهما لايزال قيد الرغبة الأميركية التي لا ترى ضرورة لانقاذ المتصارعين الثلاثة وضمنهم الأطراف السورية على جانبي الجبهتين من مستنقع الحرب السورية.

وبالمحصلة فإن مقدمات معركة حلب وأيضاً ريف دمشق تنبئ أن مسارات روسيا التفاوضية في آستانة وسوتشي تطبخ على نيران معاركها، وجثامين ضحاياها، وأن المشاركة فيها ليست قراراً سورياً تتخذه المعارضة، أو النظام، بعيداً من أجندات ومصالح الدول الضامنة لهما، ولكن كل ذلك مرهون بما قالته أميركا لوفد المعارضة خلال زيارته الأخيرة، ولما ستقرره موسكو حول استمرار النظام في تحديه لتركيا، الشريك اللازم والضروري لروسيا في إنجاح مساره السياسي الجديد في سوتشي.

 

========================

حميميم مختبراً للجنرالات .. مرح البقاعي

الحياة

السبت 13/1/2018

اعترفت قيادة الأركان الروسية أخيراً بإحباطها هجوماً على قاعدتها العسكرية في حميميم السورية بواسطة طائرات درون من دون طيار، وكانت قبل أيام قد أعلنت مقتل اثنين من جنودها وقد قُتلا إثر هجوم بالقذائف شنّته المعارضة السورية المسلّحة على القاعدة نفسها في مدينة اللاذقية. وعلى رغم أن صحيفة "كومرسنت" الروسية تحدّثت عن سبع طائرات حربية روسية تحطّمت خلال هذا الهجوم الذي وقع في ليلة رأس السنة ومقتل عشرة جنود روس على الأقل، فالقيادة العسكرية الروسية نفت نبأ تحطّم طائراتها جملة وتفصيلاً.

روسيا التي لم ترسل جنودها خارج حدودها إلا عام 1962 إلى كوبا، اعترفت على لسان الجنرال فاليري غيراسيموف رئيس الأركان العامة أنها "أرسلت 48 ألفاً من الجنود والضباط إلى سورية، حيث شكّلت فترة خدمتهم هناك حلقة تدريبية مهمة انخرطت فيها هذه القوات في عمليات حربية كما في التدريب والمراقبة"، كما جاء على لسان الجنرال لصحيفة "البرافدا" الروسية.

ولا يُخفي القادة الروس أن الحرب على سورية كانت فرصة استثنائية لاختبار السلاح الروسي المطوَّر الذي انتشل جيــش بشار الأسد من هزيمة محققة بتدخــل عسكري مباشر من موسكو في 2015، حيث كان الأسد في حينها قد فقد السيطرة على 90 في المئة من الأراضي الســورية. أما اليوم، وبسبب الفاعلية التدمـــيرية للسلاح الروسي الذي لم يفرّق فــــي غاراته الوحشية بين مدني وعسكري، فاستعـــاد الأسد السيطرة على ما يزيد على نصـــف مساحة البلاد. وقد قامت موسكو باختبار 200 نوع من الأسلحة التي لم تعتمد بعضها إلا إثر ثبات فعّاليتها في المعـــارك الدائرة في سورية، هذا ناهيك عن الخبرات القتالية التي اكتسبها العسكريون الروس، ولا سيما الطيارين منهم، الذين وجدوا أنفسهم غير مرة في تماس مباشر مع الطيران الأميركي من دون الاشتباك معه. وقد قال أحد الطيارين الأميركييـــن أنه استطاع أن يضع عينه في عيــن طيار روسي عندما كانت المقاتلتان تحلقان جنباً إلى جنب فوق دير الزور من دون أن تشتبكا أو حتى تصطدما. وتكاد التمارين الحربية في مواجهة الآلة العسكرية الأميركية المتقدمة تكون من أهم مكتسبات الجيش الروسي في المختبر السوري، وهي فرصة نادرة الحدوث ستشكّل خبرة مضافة للروس ترفع من معنوياتهم وثقتهم بأهليتهم القتالية أمام "العدو" الأميركي المستتر الذي ما زال يتربّص للدب الروسي في أوكرانيا.

من نافلة القول إن عمليات روسيا العسكرية على الأراضي السورية، كما حال قواعدها في حميميم وطرطوس التي تمّ تمديد عمرها لنصف قرن قابلة للزيادة وصدر قرار حكومي روسي بتوسعتها وتأهيلها بأسلحة نووية، إنما ترمي أبعد بكثير مما يلوح خلال دخان المعارك والغارات المتواصلة التي يشنّها الطيران الروسي على المدن السورية. فقد غدا جلياً أن تلك العمليات إنما تخفي إشارات لحرب مستترة بين موسكو وواشنطن ما زال جمرها مغموراً تحت رماد الحروب الإقليمية التي يديرها بوتين بقسوة ومقدرة في آن. وليس ما يحدث في سورية ببعيد سياسياً عما حدث في أوكرانيا، ففي كلا الحالتين عزّزت موسكو عودتها إلى ميدان القوى الكبرى كندّ عتيد للولايات المتحدة الأميركية من باب مدّ بساط نفوذها السياسي وتوسيع رقعة احتلالاتها العسكرية المباشرة.

ويعتبـــر اتفاق الرئيسين ترامب وبوتيــن على خطة محددة لمستقبل سورية أمراً نادراً حكمته تقاطعات استراتيجية بيـــن مصالح واشنطن وموسكو، فكلاهما يرفض تواجد ميليشيات إيرانية أو قـــوات حكومية سوريّة إلى جانب الحدود الأردنية والإسرائيلية في الجنوب الغربي السوري، وأصبح هذا الأمر نافذاً اليوم بعد أشهر قليلة من اجتماعهما في فيتنام. أما تقاسم النفوذ والعلاقة مع الحلفاء شرق نهر الفرات وغربه فقد شكّلت العمود الفقري لتوافقات فيتنام، حيث حدّدت مذكرة التفاهم بين الرئيسين مستقبل القواعد العسكرية الأميركية على الأراضي السورية، وهي قواعد قابلة للتوسّع والتكاثر وتنويع المهمات. وليس إعـــلان وزير الدفاع الأميركي جيم ماتيس أخيراً عـــن خطة إرسال ديبلوماسيين أميركيين إلى منطقة شرق الفرات الحيوية لها ولحلفائها من وحدات حماية الشعب الكردية إلا منعكساً لبنود مذكرة فيتنام، في حين تتابع روسيا نشر نفوذها إلى جانب دعمها غير المشروط لحليفها الأسد في مناطق غرب الفرات، وقد تم تحديد النهر كخط أحمر فاصل لا يمكن تجاوزه من أي من العملاقين المتناطحين.

وبينما اتفقت الولايات المتحدة وروسيا في حربهما على تصفية داعش، فإنهما افترقتا في مسعى آخر وهو إسقاط النظام السوري. فواشنطن التي ترغب بعملية سياسية انتقالية من دون الأسد بعد أن أعلنت قضاءها بمفردها على داعش، تقف في موقع النقيض من المنافس الروسي الذي أراد حماية حليفه الأسد حتى النهاية وزعم أن تصريحات واشنطن لا مكان لها من الصحة وأن موسكو وجيشها هما من هزم داعش في سورية. أما الهدف البعيد لموسكو ولزخمها العسكري فقد رسمه بدقة العدد الهائل من العسكريين والضباط والخبراء الذين شاركوا في هذه الحرب الكبرى بآلاف مؤلَفة ضمن خطة تناوب مدة كل واحدة منها ثلاثة أشهر بحيث يخضع أكبر عدد ممكن من جنودها وضباطها لظروف الحرب السورية. وإذا علمنا أن قيادة الأركان المركزية قد بدّلت قيادة العمليات في سورية بحيث تناوب خمسة جنرالات على رأس هرم القيادة في حميميم فسنعرف أن مخبر حرب العالم على أرض سورية قد أنتج جيلاً جديداً من السلاح ومن صنّاع الموت وهواة الإرهاب ما لم يُحسب له حساب، وسيبقى الجميع يحصد شوكه لعقود تأتي.

كاتبة سورية

========================

لغز حميميم .. مروان قبلان

العربي الجديد

الاربعاء 10/1/2018

تثير الهجمات التي تعرضت لها، أخيرا، قاعدة حميميم الجوية الروسية في سورية (نحو 3 كيلومترات من مدينة جبلة الساحلية)، تساؤلات كثيرة، لجهة مصدر الهجمات، وطريقة القيام بها، والطرف (أو الأطراف) المسؤولة عنها، والمعاني أو الرسائل التي تحملها، سواء لجهة علاقتها بالتصعيد الذي تقوده روسيا على الأرض، أو جهودها لعقد مؤتمر سوتشي، أواخر يناير/كانون الثاني الجاري، وارتباط ذلك كله بأجندة الرئيس فلاديمير بوتين الانتخابية.

ملخص القصة أن صحيفة كومرسانت الروسية كشفت عن تعرّض قاعدة حميميم، ليلة رأس السنة، إلى هجوم بقذائف هاون أدى إلى تدمير ما لا يقل عن سبع طائرات جاثمة على الأرض، أكثرها من طراز سوخوي 34 التي تعدّ مفخرة سلاح الجو الروسي. وسارعت وزارة الدفاع الروسية إلى نفي الخبر، لكن إصرار الصحفي الذي كتب القصة على معلوماته، ونشره صورا للطائرات المدمرة، ومقارنة أرقامها بأرقام طائرات ظهرت في صور نشرتها وزارة الدفاع خلال زيارة بوتين القاعدة، في 11 الشهر الماضي، دفع الوزارة إلى الاعتراف بالهجوم، مؤكدة مقتل اثنين من جنودها فيه. في اليوم التالي، اعترفت روسيا بفقدان طائرة مروحية، قالت إنها سقطت نتيجة عطل فني، أدى إلى مقتل طاقمها. وعلى الرغم من اللغط الذي ثار بشأن كيفية حصول هجوم رأس السنة، وفيما إذا تم استهداف القاعدة بقذائف هاون أم بصواريخ غراد، أخذاً في الاعتبار مدى هذه الصواريخ، والمسافة التي تفصل القاعدة عن مناطق المعارضة السورية، مع ذلك، بدا الحدث مفهوما في إطار كونه هجوما تقليديا، تم باستخدام أسلحة بسيطة تتوفر بكثرة لدى فصائل المعارضة، لا بل يتم تصنيع بعضها محلياً. لكن الملفت كان إعلان قيادة قاعدة حميميم قبل يومين عن تعرّضها لهجوم جديد تم، هذه المرة، بواسطة طائرات مسيّرة عن بُعد (درونز). وقد تمكّنت هذه الطائرات من اختراق الدفاعات الجوية الروسية، نظراً لأنها مصنّعة من مواد لا تستطيع الرادارات رصدها، علمًا أن روسيا نصبت عام 2016 منظومة صواريخ من طراز إس 400 في محيط القاعدة، وتعد هذه المنظومة الدفاعية الأحدث في العالم، وتتسابق دول كثيرة لاقتنائها، كان جديدها تركيا. وقد دفع ذلك إلى تنامي الشكوك، الروسية خصوصا، بشأن أن مثل هذه الهجمات ما كانت لتتم، لولا وجود مساعدة أجنبية، أميركية خصوصا.

لقد اعتمد نجاح مغامرة بوتين السورية حتى الآن على وجود حالةٍ من عدم المبالاة، إذا لم نشأ القول عدم الممانعة الأميركية، اتجاهها واتجاه أهدافها. ففي عهد الرئيس باراك أوباما، ذهبت توقعاتٌ إلى أن واشنطن قد تسعى إلى تحويل سورية إلى أفغانستان روسية جديدة، رداً على ضم القرم. هذا لم يحصل، لأن أولويات أوباما كانت، على الترتيب، الحفاظ على الاتفاق النووي مع إيران، ومواجهة تنظيم الدولة الإسلامية الذي كان بسط نفوذه على مساحات واسعة من سورية والعراق. في العام الأول من رئاسة ترامب، ظل القضاء على التنظيم أولوية، لكن احتواء إيران، وليس التغاضي عنها، أصبح هدفًا للإدارة الجديدة. راهن ترامب وفريقه على تعاون روسيا لاحتواء إيران، لكن هذا لم يحصل، لأسباب داخلية أميركية واعتبارات استراتيجية روسية.

وبدل أن تتحسّن العلاقات الأميركية - الروسية في عهد ترامب، بلغت أخيرا أسوأ حالاتها منذ نهاية الحرب الباردة، إذ صنفت استراتيجية الأمن القومي الأميركي الجديدة، روسيا، إلى جانب الصين، خصما يسعى إلى تقويض المصالح الأميركية في العالم. فيما أثارت تصريحات وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، التي اعتبر فيها الوجود الإيراني في سورية "شرعيًا"، نوبة غضب في واشنطن. وقبل أيام قليلة، سربت جهات استخباراتية أميركية خبرا مقتضبا عن استضافة وزارة الدفاع (البنتاغون) بعض قادة فصائل المعارضة السورية، وركّزت المداولات على استئناف برنامج المساعدات العسكرية لها لمواجهة المليشيات المدعومة إيرانياً على الأرض. إذا صحّ ذلك، فهذا يعني انقلاباً في السياسة الأميركية في سورية، وهو أمرٌ يجب أن يقلق الرئيس بوتين الذي يبدو أنه يرتّب المسرح السوري سياسيا وميدانيا لترجمته انتصارا كبيرا في عملية إعادة انتخابه في شهر مارس/ آذار المقبل، فهل يكون هذا الرد الأميركي على التدخل الروسي في انتخابات الرئاسة الأميركية؟

========================

ما أشبه اليوم بالبارحة .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاربعاء 10/1/2018

بداية، من الضروري والعاجل تشكيل "غرفة تشاور وتبادل خبرات" سورية/ إيرانية مشتركة، لتمد الشارع الإيراني بمعلومات تفصيلية بشأن ما واجهه الشعب السوري من خطط معادية، منذ بداية ثورته، لأهمية ذلك في مساعدة مواطني إيران على تحاشي ما واجهناه نحن من تهديدات، واقترفناه من أخطاء، وفي الحؤول دون تحويل صمودهم ومقاومتهم السلمية/ المدنية إلى حرب مديدة، وفوضى عامة، يخطط لها الملالي، ستكلف الشعب المنتفض الكثير من الدماء والدموع. كما فعل بشار البارحة في سورية، يوجه المرشد خامنئي والرئيس روحاني اليوم تهما ثقيلة إلى متظاهرين جياع وعاطلين عن العمل، معدمين ويائسين، من المحال أن يكون لهم علاقة بها، قلبها المرشد في خطاب ألقاه يوم 2 يناير/ كانون الثاني الجاري، بطريقته الارتجالية/ العشوائية، ومن دون أي دليل إلى "مؤامرة"، على الضد مما يقوله المنطق والواقع، وهو أن الأفراد والجماعات والأحزاب المنظمة قد يتآمرون، ولكن لا يتآمر شعب تعداده عشرات الملايين، لا يعرف أفراده بعضهم، ولا يعيشون معا، وليس بينهم علاقات يومية أو تواصل منظم، سلوكهم عفوي ووعيهم السياسي يومي عابر، أو محدود وضامر. ناهيك عن أنهم يفتقرون إلى تنظيم وقيادة.

وكيف يمكن لشعبٍ وضع خطة سرية بصورة منهجية وتنفيذها، تحقيقا لهدفٍ يقاربونه تدرجيا وبصورة منظمة، مرحلة بعد أخرى وخطوة بعد خطوة، وصولا إلى هدفٍ سياسيٍّ تجمع مكوناته المبعثرة عليه وتريد تحقيقه؟ كيف يمكن لشعب سورية أو إيران أن يكونا متآمرين، ومع من وضد من، وبأية وسائل وخطط ومقاصد ومراحل؟ وهل يمكن لشعبٍ مجوّع، خرج

"يجوّع روحاني الإيرانيين

حتى اليأس باسم الإصلاح"  على الناس شاهرا شكواه، مخالفا قول سيدنا علي، رضي الله عنه، الذي طالب الفقير بالخروج على الناس، شاهراً سيفه، أن يكون متآمرا، إذا كان من أوصله إلى قاع الجوع نظام يدّعي كذبا اقتداءه بالإمام، لكنه يطلق النار على أبنائه وبناته، ويقتلهم، لأنهم يطالبون بحقهم في الخبز والعدالة؟ ألا يخجل خامنئي من اتهام مواطنين فقراء يفتقرون إلى أبسط مقومات العيش بالتآمر على نظامه الذي بدّد أموالهم، وهو يتآمر على شعوب المنطقة، ويدفع بها إلى حروبٍ طائفية ومذهبية، مثلما فعل في سورية والعراق واليمن ولبنان والبحرين، وطرح دوما على إيران معادلةً يستحيل أن تنجح في تحقيقها هي: إما إخضاع شعوب المنطقة وإركاعها أو تدميرها وإبادتها، باسم دين بريء من المرشد وروحاني ونظامهما: مدعي الجهاد ضد الاستكبار والصهاينة، لكنه يدمر العالم الإسلامي، ويقضي على حاضنة أمن وتعايش وإخاء أقامها الإسلام بين مكوناته قرونا، جعلت الاقتتال بين المسلمين حراما، لكن الملالي ما إن استولوا على السلطة في إيران، حتى طووا زمن الأمن والإخاء، وافتتحوا زمن التقتيل والتذبيح في طول المنطقة العربية/ الإسلامية وعرضها.

هل يكون شعب إيران متآمرا إن ذكّر حكامه بحقه في ماله الذي يبدّدونه على مليشيات حسن نصر الله وبشار والحوثي ونوري المالكي، بينما يستمرون في تجاهل بؤسه، حتى بعد بلوغ أحواله أدنى درك يمكن أن تصل إليه أحوال بشر، حيث يعانون من الإفقار والتجويع، ويعيش أولادهم في بطالةٍ تحرمهم أبسط حقوقهم باعتبارهم بشرا، وفي مقدمتها حقهم في العمل والأمل؟

يجوّع روحاني الإيرانيين حتى اليأس باسم الإصلاح، ويقتلهم خامنئي باسم إحباط "مؤامرتهم" على إيران. تُرى، متى سيستجيب نظام الملالي لهم، إن كان يجوعهم حتى الموت، إن هم 

"تكون البداية خروج الشعب على الطغاة، والنهاية خروج الطغاة من الوجود" خضعوا، ويقتلهم إن هم احتجوا على تجويعهم؟ وأي نظام هو هذا الذي تتكامل لديه أسباب قتل شعبه، سكت أو نطق؟ ومن هو المتآمر في هذه الحال: الضحية أم من يجوعه ثم يقتله؟ وما علاقة الاستكبار والصهيونية بسرقة أموال الناس من المصارف، وبإغلاق المصانع، وأخذ أثمان منازل لا تبنى، ورفع أسعار المواد الغذائية، وتزايد التضخم، وانخفاض قيمة التومان، وتدهور شروط الحياة، والبطالة وخراب الزراعة وكساد التجارة... إلخ؟ هل يحكم الاستكبار والصهاينة إيران أم يحكمها أعداؤهم المزعومون الذين يجلسون في كراسي السلطة هناك؟ وإذا كانت سياسة الحكومة تفضي إلى نتائج مطابقة للتي كان سينتجها الاستكبار والصهاينة، لو حكما طهران، أي فارق يوجد عندئذ بين حكومة خامنئي/ روحاني وبينهما؟ ومن هو المتآمر في هذه الحال: الشعب الذي يطالب بحقوقه، أم حكامه الذين يديرون أموره كما لو كان خاضعا بالفعل للاستكبار والصهيونية؟

اتهم بشار السوريين الذين طالبوه بالحرية والعدالة والمساواة بالتآمر مع الصهاينة، وتناسى أن أباه سلمهم الجولان في الإذاعة، من دون طلقة واحدة، وحكم مثله تحت ظلهم غير الشريف شعب سورية المسالم نصف قرن بالنار والحديد والتجويع، السلاح الذي استخدمه، ثم أضاف بشار إليه سلاح ازدراء الشعب واحتقاره والاستهانة بكرامته، ولسان حال هذين المجرمين يقول: "جوّع شعبك يتبعك"، أسوة بـ "جوع كلبك يتبعك"؟

قال قائد الحرس الثوري الإيراني: "الفتنة انتهت". هذه أول "خلصت" ينطق بها النظام، أسوة بالنظام الأسدي الذي كلف بثينة شعبان أن تقول "خلصت"، بعد شهر ونصف من انتفاضة الشعب السوري على الظلم والفساد. وها نحن اليوم في مطلع عامنا الثامن، من دون أن تتمكّن روسيا وإيران والأسدية من ليّ ذراعنا، أو يصدق أحد النظام عندما يقول "خلصت". حين تتملك الشعب روح الحرية، ويثور على الطغاة والفاسدين، سواء كانوا بعمائم أم حليقي الذقون، فإنها لا تخلص إلا بالخلاص منهم. هذه خبرة سورية، وهي ستكون خبرة إيران التي لن يمر وقت طويل، قبل أن تقنع جعفري وزمرته أن روح الحرية لن تتلاشى، ما دام هناك طاغية أو فاسد أو منافق في السلطة، عسكريا كان أو مدنيا.

في الثورات: تكون البداية خروج الشعب على الطغاة، والنهاية خروج الطغاة من الوجود.. سيد جعفري: هذه هي البداية، الثورة مستمرة بظلمكم.

========================

المشهد السوري و"طرائف" التفسير والتقدير .. علي العبدالله

العربي الجديد

الاربعاء 10/1/2018

غدا المشهد الميداني والسياسي السوري شديد التداخل والتشابك والتعقيد، ما أثار مشكلة للمحللين والمعلقين السياسيين، إن لجهة قراءة المشهد، وتفسير تحولاته وتطوراته، أو لجهة تقدير مآلاته، والنتائج المتوقعة أو المنتظرة. من تلك التقديرات دراسة "القضية السورية حصاد عام 2017"، أعدّها مركز جسور للدراسات، نشرها يوم 3/1/2018، ناقش فيها ما اعتبرها "تغيرات دراماتيكية في المشهد السوري عام 2017"، وفيها: "أبرز ما شهده العام تصدّر الفاعلين الإقليميين الثلاثة: روسيا وتركيا وإيران، مقابل انسحاب أميركي متزايد من المشهد"، وهو قول فيه كثير من سوء التقدير، ما الذي يشير إلى انسحاب الولايات المتحدة، وقد سيطرت على شمال شرق سورية، 27% من مساحة سورية، وفيها الجزء الأكبر من ثروتها الطبيعية (النفط والغاز) والزراعية والحيوانية بالإضافة إلى المياه والسدود (ثلاثة سدود على نهر الفرات، وسد على نهر الخابور) والطاقة الكهربائية، نشرت فيها قوات كبيرة، وأقامت سبع قواعد عسكرية ومطارين، ومنبج، وقاعدة التنف (55 كيلومترا مربعا، فيها راجمات حديثة مداها 350 كلم). لم يقف سوء التقدير عند هذا الاستنتاج الساذج والسطحي، بل ذهب بعيدا، عندما قال، "وقد أدّى تراجع الموقف الأميركي في هذا العام، ومعه الموقف الأوروبي، إلى توسّع في النفوذ الروسي، إلى جانب النفوذين التركي والإيراني"، مع أن عام 2017 شهد إطلاق "عاصفة الفرات"، خاضتها قوات سورية الديمقراطية بتخطيط وتسليح ودعم جوي أميركي، والتي طردت "داعش" من مساحاتٍ واسعةٍ في محافظتي الرّقة ودير الزور.

اعتبرت الدراسة أن مسار أستانة "يغيّر الوضع"، وأنه "تمكّن من تحقيق وقف للتصعيد"،

"المشهد السورري مشكلة للمحللين والمعلقين السياسيين في قراءته وتفسير تحولاته وتطوراته وتقدير مآلاته" "وأنه يمتلك شقاً عسكرياً فاعلاً"، و"على المدى المنظور، يتوقع لمسار الأستانة الاستمرار، كما يتوقع له أن يواصل تحقيق نتائج ملموسة في جلب الاستقرار ووقف إطلاق النار في المناطق التي يتعامل معها". من دون اعتبار لفشل اتفاقات "خفض التصعيد" في تحقيق محتواها: وقف إطلاق القتال، حيث قضم قوات النظام وحلفائه الأراضي التي في حوزة قوى المعارضة متواصل. ورفع الحصار، لم يرفع الحصار عن أي من هذه المناطق، وإدخال المساعدات إلى المناطق، حيث ما تزال صور المرضى وأثر سوء التغذية المرعبة تتوالى، وبقاؤها "حبرا على ورق"، حسب أحد قادة الجيش السوري الحر. صحيح أن الدراسة أشارت إلى تعرضها إلى "خروق واسعة"، لكنها لم تعتبر هذه "الخروق" ذات تأثير يمسّ جوهر الاتفاقات.

وقد بلغت الدراسة حد إعطاء انطباع عن انحيازها السياسي، حين زعمت "وجاءت الدعوة إلى ملتقى سوتشي في الجولة الأخيرة من الأستانة، لتكون بمثابة إعلان عن انطلاق مسار سياسي آخر، بما يُشكّل تهديداً مباشراً لمسار جنيف، خاصة وأن رعاة هذا الملتقى هم من يملكون حالياً قدرة فرض الحلول العسكرية منها والسياسية". لم تلمس الدراسة مدى الارتباك الذي أصاب روسيا بعد صدور تصريحات أميركية (وزير الدفاع، والناطق باسم قوات التحالف ضد الإرهاب العقيد جون دوريان، والمبعوث الرئاسي الخاص للتحالف الدولي لمكافحة "داعش" بريت ماكغورك) بشأن بقاء القوات الأميركية في سورية، حتى تحقيق الاستقرار والانتقال السياسي.

مقالة الصحافي الإيراني، أمير طاهري، "تحالف سوتشي... ثلاثي الأوهام المتعارضة"، في صحيفة الشرق الأوسط (31/12/2017) عينة أخرى من الخلل في قراءة أحد تحولات المشهد السوري، سمّاه "تحالف سوتشي"، حيث راح الكاتب يثبت استحالة قيام تحالف استراتيجي بين الدول الثلاث، بالاستناد إلى العداوة التاريخية بينها بين القرنين الثامن عشر والعشرين، والتطلعات المستقبلية لكل منها، حيث "تورطت روسيا وإيران فيما لا يقل عن ست حروب كبرى. كما غزت قوات روسية إيران واحتلت أجزاء منها خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية. وفي أواخر أربعينات القرن الماضي، حاولت روسيا استقطاع أقاليم كبرى من إيران وتحويلها إلى جمهوريات صغيرة تدور في فلك نفوذها". و"خاضت روسيا وتركيا ثماني حروب كبرى بين القرنين الثامن عشر والعشرين، وكانا في معسكرين متقابلين خلال الحرب العالمية الأولى. وعلى امتداد عقود الإمبراطورية القيصرية، ضمت روسيا مساحات كبيرة من الأراضي الإيرانية والتركية إليها، منها القرم التي انتزعتها من يد الإمبراطورية العثمانية، وجنوب القوقاز التي انتزعتها من فارس القاجارية". والتعارضات في رؤاها المستقبلية كما تطرحها مشاريعها الكبرى: "يورآسيا" الروسي، يضم مساحات واسعة من وسط أوروبا وشرقها، وصولاً إلى جبال الأورال، بجانب مناطق آسيا الوسطى وسيبيريا المجاورة مباشرة للمحيط الهادئ. وتتضمن الأجزاء الجنوبية من "يورآسيا"، جنوب القوقاز وإيران وصولاً إلى المحيط الهندي، بجانب بلاد الشام. "العثمانية الجديدة" التركي، ويضم شمال أفريقيا والمشرق العربي والبلقان، والكثير من أرجاء القوقاز والمناطق المحيطة ببحر قزوين والدول الألطية في آسيا الوسطى. "الإسلام النقي" الإيراني القائم على مبدأ "ولاية الفقيه"، ويضم العالم بكليته.

موقف الكاتب من عدم إمكانية قيام تحالف استراتيجي بين "تحالف سوتشي" صحيح لكن ليس للأسباب التاريخية والتطلعات المستقبلية التي ذكرها، والتي تتمتع بأهمية تاريخية كبيرة، لكنها أهمية في إدارة الصراعات محدودة في ضوء حقيقة ثابتة، هي ارتباط التحالفات والعداوات بالمصالح أولا وأخير، وأن ليس للتاريخ ذلك الدور الحاسم في صياغتهما أو تبريرهما (التحالف المتين بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة رغم الماضي الذي شهد حربا ضروسا بينهما، وتحالف الولايات المتحدة والمملكة المتحدة مع الاتحاد السوفياتي، رغم العداء العقائدي، في الحرب ضد ألمانيا النازية)، وإن "توازن القوى" عامل مقرّر في صياغة التحالفات، حيث تلجأ الدولة إلى البحث عن خصوم خصمها، أو المتخوفين من تنامي قوته، وتتحالف معهم من أجل تحقيق "توازن قوى" معه أو التفوق عليه وردعه. يقول ستيفن والت في مقالته "من يخافُ توازنَ القوى؟"، "حينما تحتاجُ حقيقةً إلى حلفاء، فمن غير الممكن أن تكون صاحب خيار"، و"الافتراض القائل إنّ مكوّن الدولة الداخلي يُحدّد تمييزها للأصدقاء والأعداء، أمرٌ بإمكانه أن يضللنا في نواحٍ عدّة". فقيام التحالف واستمراره مرتبط بالحاجة إليه، وبنجاحه في تحقيق الهدف من قيامه.

في مقالة السفير الأميركي السابق في سورية، روبرت فورد، "عزيزي بوتين... الدولة الأمنية

"مقالة للصحافي الإيراني، أمير طاهري، عينة أخرى من الخلل في قراءة أحد تحولات المشهد السوري"  ستخرق أي دستور"، في صحيفة الشرق الأوسط (23/12/2017) استخفاف فاضح بعقل القارئ، باستخفافه بالإنجاز العسكري الذي رعته الولايات المتحدة بطرد "داعش" من مساحاتٍ شاسعة من محافظتي الرقة ودير الزور، شمال وشرق نهر الفرات، حيث قال: "وكانت من أكبر الإنجازات العسكرية الأميركية هناك. غير أنه انتصار عسكري من دون قيمة سياسية فاعلة، رغم كل شيء". كيف لا تكون السيطرة على ثلث أراضي سورية، الأراضي الأغنى، كما ذكر أعلاه، ولا تكون ذات قيمة سياسية فاعلة، وورقة مساومة على شكل الحل ومستقبل البلاد؟ لا يكتفي الكاتب، وهو خبير سياسي ودبلوماسي مطلع، بالتقليل من قيمة الإنجاز العسكري الأميركي في سورية، بل يثير المخاوف على مستقبل الدور الأميركي فيها يقول: "والأسوأ لم يأت بعد؛ إذ أعلنت واشنطن اعتزامها الحفاظ على وجودها العسكري في شرق سورية حتى إبرام اتفاقية السلام المعنية بإنهاء الحرب الأهلية السورية، لكنها لا تملك النفوذ الكافي لتسهيل عملية السلام هناك". وكأن الحديث ليس عن القوة العظمى الوحيدة في العالم، بل عن جمهورية من جمهوريات الموز. من حق الكاتب رفض سياسة الإدارة الأميركية في سورية، لكن ليس من حقه تلبيس النتائج، وتدليس الأسباب، حيث للولايات المتحدة أسبابها وأهدافها التي تدفعها إلى غض النظر عما يحدث، أو تعليق الموقف، حتى تبلغ التطورات المدى المطلوب، تحقيقا لأهداف معينةٍ، أو مراعاة لأولويات محدّدة، أو دفع الخصوم للإنهاك، ومفاوضتهم بظروف وشروط مواتية. فالتصريحات الروسية ردا على الإعلان الأميركي بالبقاء في سورية حتى تحقيق الاستقرار والانتقال السياسي، وما فيها من عصبية وتشنّج وارتباك كافية لتفنيد ما كتبه الكاتب عن عدم امتلاك أميركا نفوذا في سورية.

========================

بوتين وفقاعة "النصر" .. علي العبدالله

الحياة

الثلاثاء 9/1/2018

لم تكن دعوة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى عقد "مؤتمر الشعوب السورية"، وتسابق وزارتي الدفاع والخارجية لتنفيذ الدعــــوة، تعبيراً عن إمساك روسيا بالملف الســوري وتطوراته بمقدار ما كانت محاولة لاحــــتواء فشل مسلسل آستانة والتغطية عــــلى عجز روسيا فرض تصوراتها الميدانية والسياسية على حلفائها قبل خصومها.

أراد بوتين من دعوته إلى عقد "مؤتمر الشعوب السورية"، استبدلت التسمية بـ "مؤتمر الحوار السوري"، الحفاظ على التحرك السياسي والديبلوماسي الروسي، وعدم التوقف عند عدم تحقيق تقدم فعلي في وقف إطلاق النار في المناطق التي اتفق على "خفض التصعيد" فيها (علق فلاديمير فرولوف، الخبير الروسي في العلاقات الدولية، على نتائج اجتماعات آستانة التي استهلكت عام 2017 بكامله قائلاً: "تبين أن إطار آستانة لا يعمل إلا على شاشة التلفزيون الروسي، إذ نسفت دمشق وحلفاؤها الإيرانيون كل قراراته تقريباً")، كي يتحاشى الإقرار بفشل مسار آستانة ما يضطره إلى التسليم بالمسار الشرعي الوحيد، مسار جنيف، الذي يحظى برعاية الأمم المتحدة وتتبناه كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول عربية، فالعودة إلى جنيف تعني القبول بمرجعيات التفاوض الدولية، والتي تنطوي، بطريقة أو أخرى، على تغيير سياسي جوهري، ما يعني انهيار ادعاءاته بتحقيق "النصر" وفرض الشروط الروسية في الصراع على سورية، وضياع حلمه بتحقيق "نصر" جيوسياسي كاسح يقود إلى تحقيق هدفه الإستراتيجي: تسليم الولايات المتحدة لروسيا بموقع الند في النظام الدولي والتفاهم معها على معالجة الملفات الدولية والإقليمية.

لكن حسابات البيدر لم تتطابق مع حسابات الحقل حيث واجهت حسابات بوتين عقبات كأداء أولاها حجم ووزن الحضور الأميركي على الأرض السورية (السيطرة على الثلث الأغنى من الأرض السورية، إقامة 8 قواعد عسكرية في نقاط إستراتيجية، نشر آلاف عدة من القوات، كثافة في حركة الطيران، وضع خطوط حمر لحماية حلفائها، رصد مبلغ 500 مليون دولار لدعم القوى الحليفة في سورية في 2018). لم تكتف واشنطن بالحضور العسكري بل تحدث وزير دفاعها جيمس ماتيس عن حضور مدني وديبلوماسي لمتابعة ما سماه "عملية إحلال الاستقرار" وبدء "التركيز على إعادة الإعمار"، ورفض واشنطن تسهيل التحرك الروسي بأشكال عدة، بالتجاهل تارة والرفض تارة، والتحرك الميداني المضاد أخرى، ما سيجعل قرارات موسكو ومخرجات مؤتمراتها بلا قيمة فعلية لأنها غير قادرة على إلزام الولايات المتحدة، التي أعلنت تمسكها بمسار جنيف، بها، وغير قادرة على تنفيذها بحضورها ودورها في سورية (قال فلاديمير فرولوف، الخبير الروسي في العلاقات الدولية: "إن التحدي الأكبر أمام موسكو في 2018 هو خطر انهيار التسوية السياسية الذي سيقلل من قيمة النصر العسكري").

أما ثانيتها فتعارضات داخل التوافق الروسي التركي الإيراني الهش، فإيران، وعلى رغم إعلانها الموافقة على قرارات آستانة، تتابع خرق اتفاقات "خفض التصعيد" (دفعت النظام والميليشيات الشيعية للهجوم في مثلث شرق سكة حديد الحجاز، والذي يشمل أرياف حلب الجنوبي، وإدلب الجنوبي الشرقي، وحماة الشمالي الشرقي، وفي الغوطة الغربية والحشد في محافظتي درعا والقنيطرة) على خلفية تحقيق مكاسب ميدانية تضمن مصالحها وحصتها من الكعكة السورية في ضوء إدراكها الهدف الرئيس للقيادة الروسية وتوجسها من صفقة أميركية روسية تأتي على حسابها. تركيا هي الأخرى تسعى وراء هدفها الخاص: احتواء المشروع الكردي وضرب مرتكزاته من خلال محاصرة عفرين وتحريك فعاليات عربية لهذا الغرض (مؤتمران للعشائر العربية وتشكيل الجيش الوطني السوري). لم تكتف بتجاهل فحوى اتفاقها مع روسيا وإيران على "خفض التصعيد" في محافظة إدلب: نشر قوات مراقبة في اثنتي عشرة نقطة، بل ركزت على نشر قواتها في محيط عفرين (ثلاث نقاط)، ونسقت عملية انتشارها مع "هيئة تحرير الشام"، المصنفة دولياً منظمة إرهابية، وجددت المطالبة برحيل رأس النظام السوري، للضغط على روسيا من أجل دفعها للموافقة على اجتياح عفرين.

وثالثة العقبات اضطرار روسيا للإبقاء على قوات كبيرة على الأرض السورية، لمعادلة الحضور الأميركي، والموافقة على الإبقاء على قوات إيرانية وميليشياوية تابعة لإيران، للحفاظ على المكاسب الميدانية حتى إنجاز العملية السياسية، وهذا سيحد من فرص التفاهم مع الولايات المتحدة ودول الخليج العربي وإسرائيل على الحل النهائي، ناهيك بتحفظ تركيا على النفوذ الإيراني في سورية، والكلفة البشرية والمادية لذلك، بخاصة إذا تحملت العبء منفردة في ضوء الاحتجاجات الشعبية في إيران ضد السياسة الخارجية واحتمال تقليص تدخل النظام الإيراني أو دعمه المالي أو تراجع دوره الإقليمي، وانعكاسه (العبء المالي) في الداخل الروسي الذي أظهر تململه وتذمره من المغامرات الخارجية، التي جاءت على حساب اقتصاد البلاد وقوت الشعب، بخاصة وبوتين يريد خوض الانتخابات الرئاسية في آذار (مارس) المقبل وهو مكلل بغار "النصر" في سورية. ورابعة العقبات رفض المعارضة السورية وحواضنها الشعبية مؤتمر سوتشي (رفض 44 فصيلاً مسلحاً و 133 منظمة مجتمع مدني والائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة المشاركة في المؤتمر، كما تم تداول بيان للتوقيع عليه يدعو إلى رفض المشاركة ويدين من سيشارك)، والحد من فرص مشاركة قوى معارضة حقيقية في ضوء المحددات التي أطلقتها موسكو: لا مكان في المؤتمر لمن يطالب بتنحي رئيس النظام أو يطالب بانتقال سياسي. ما سيدفع موسكو إلى العمل على إجبار المعارضة على حضور المؤتمر عبر تصعيد العمليات العسكرية ضدها، وهذا سيثير نقطة خلاف إضافية مع تركيا التي تسعى إلى استيعاب المعارضة وإدماجها في الحل لا سحقها وتحطيمها. الخامسة والأخيرة الكلفة الباهظة لإعادة الإعمار (تراوحت التقديرات بين 200 و 350 بليون دولار أميركي) والتي تتطلب رضا الدول القادرة مالياً على طبيعة الحل النهائي كي توافق على المساهمة المالية في العملية.

من واقع العقبات الكثيرة والكبيرة، وإصرار بوتين غير الواقعي على تحقيق هدفه الإستراتيجي انطلاقاً من تحقيق "نصر" سياسي في الملف السوري، راجت تقديرات متشائمة تتوقع استمرار الصراع على سورية وتحوله إلى صراع مباشر بين القوى الدولية والإقليمية المنخرطة فيه.

========================

نظام الملالي... مصلحة روسية ـ أميركية! .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الثلاثاء 9/1/2018

بعد أسبوع من انطلاق انتفاضة الإيرانيين ضد نظام الملالي، كان من الطبيعي أن ترتسم ملامح الموقف الإقليمي - الدولي من ثورة الإيرانيين. والآن بدا الموقف على المستوى الشعبي العام، مؤيداً للثورة في شعاراتها وأهدافها، في مواجهة نظام كرّس في مسيرة أربعين عاماً حكماً دينياً استبدادياً توسعياً، وأغلق على الإيرانيين أفق تطورهم الطبيعي، وانتهك حقوقهم أفراداً وجماعات، وحوّلهم إلى فقراء وعاطلين عن العمل ومغمورين بالأمراض الاجتماعية التي يصعب حصرها وتعدادها.

أما على المستوى الرسمي؛ فقد اتخذ الموقف شكلاً معقداً، ورغم عمومية الموقف الذي أيدّ مطالب الإيرانيين، وعارض رد فعل النظام وسلوكه القمعي في مواجهتهم، فإن الغلبة في خلفية الموقف إنما استندت إلى أمور أساسية؛ منها الخلاف السياسي مع نظام الملالي، لا سيما في نقطتين؛ أولاهما تمدده الدموي المسلح، خصوصاً في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وهو ما كانت عليه غالبية الموقف العربي، وثانيهما انتهاكاته لحقوق الإنسان والحريات، وكلتاهما بين الرايات الأهم التي يرفعها العالم المعاصر، وإن كانت دوله وحكوماته تسجل خروقات فاضحة بصددهما؛ بما فيها كثير من الدول المعترضة على سلوكيات نظام الملالي.

وسط تلك اللوحة في الموقف من ثورة الإيرانيين، يمكن التوقف عند الموقفين الروسي والأميركي، اللذين رغم ما يبدو من تناقضهما الظاهر، فإن فيهما اتفاقاً ضمنياً يدعم نظام الملالي في مواجهة ثورة الإيرانيين لأسباب مختلفة ومتعددة.

ففي الظاهر العلني؛ عدّت روسيا أن ما يجري في إيران أحداث داخلية ناجمة عن ظروف ليست الأسوأ في بلدان المنطقة، ودعت نظام الملالي للتعامل بحذر مع الأحداث. ورغم أن ذلك يؤشر على دعم روسي للنظام في مواجهة الانتفاضة، فإنه لا يعكس حقيقة العلاقات الروسية - الإيرانية الاستراتيجية، التي تكرست عبر مجموعة من العلاقات السياسية والاقتصادية والعسكرية - الأمنية، التي جرى نسجها في العقود الأربعة الماضية، خصوصاً في السنوات الأخيرة، والتي جعلت من الطرفين حليفين مباشرين في سوريا، وحليفين أيضاً على المستويين الإقليمي والدولي، رغم العلاقات الخاصة للنظام الإيراني مع جماعات وتنظيمات مصنفة دولياً بوصفها "جماعات إرهابية" مثل "حزب الله" اللبناني، ورغم وجود إيران في القائمة العالمية بوصفها دولة ترعى الإرهاب.

إن الجذر المشترك لعلاقة إيران وروسيا لا يشمل فقط طموحات التمدد الاستراتيجي في الشرق الأوسط، وإنما أيضاً مواجهة التيارات المتطرفة في القوقاز وفي إيران وجوارها، والنزعات الانفصالية لمكونات بلدين كبيرين محكومين بنظامين أمنيين عميقين وديكتاتوريين، يوفر لهما تحالفهما مصالح مباشرة اقتصادية وعسكرية - أمنية، تعزز تحالفهما وتقويه.

وبخلاف المشهد العام للعلاقات الإيرانية - الروسية، فإن العلاقات الإيرانية - الأميركية، لها مشهد مختلف، يتخذ طابع التوافق والتوافق الضمني، والاختلاف والصراع في ظاهره، ولعل الأبرز في تعبيراته الحالية التصريحات الأميركية التي تدعم ثورة الإيرانيين، وتدين ممارسات نظام الملالي، إضافة إلى خط موازٍ يتضمن الإعلان عن عقوبات جديدة على إيران.

إن جوهر الموقف الأميركي من نظام الملالي يؤكد أن ثمة دعماً وتأييداً عميقين لسياسات إيران في الشرق الأوسط. فقد كانت الولايات المتحدة الراعي الأكبر لاتفاق "5الثلاثاء 9/1/20181" حول المشروع النووي الإيراني الذي تم التوصل إليه أواسط عام 2015؛ الأمر الذي ساهم في رفع العقوبات عن إيران رغم خروقات الأخيرة محتويات الاتفاق. وقبل ذلك بسنوات طويلة، كانت واشنطن سلمت العراق للسيطرة الإيرانية، وسكتت عن سياسة تابعيها في قيادة السلطة العراقية، وصمتت، بما يشبه التأييد، عن التمدد الإيراني في المنطقة؛ بما فيه التمدد الدموي في سوريا والعراق واليمن سواء عبر قواتها وأجهزتها الأمنية، أو بواسطة ميليشيات شيعية ترعاها وتديرها إيران، كما في الحالة السورية، التي تصمت فيها واشنطن عن تحالف إيران ونظام الأسد وجرائمهم.

والخلاصة في موقف الروس والأميركيين من نظام الملالي وثورة الإيرانيين، أن موسكو تقف من منطق التحالف والمصالح المشتركة إلى جانب نظام الملالي، وضد ثورة الإيرانيين، ولن يتأخر الروس في تطوير موقفهم العملي على نحو ما فعلوا في سوريا، إذا تطلب الأمر تدخلهم في وقت لاحق، خصوصاً أن تدخلهم العسكري في سوريا أواخر عام 2015 لم يكن فقط لإنقاذ نظام الأسد؛ إنما كان في جانب منه لدعم الوجود الإيراني في سوريا.

ورغم أن الموقف الأميركي يبدو في موقع آخر من الموقف الروسي من حيث الظاهر، فإنه في الواقع يدعم بقاء النظام ولو بتعديلات معينة؛ كما صرحت مصادر أميركية مؤخراً، ويستند هذا الدعم إلى خلفيات أخرى أساسها طبيعة نظام الملالي من جهة؛ وإلى وظيفته في المنطقة من جهة أخرى.

وبالنتيجة، فإن ثمة توافقاً روسياً - أميركياً في الموقف من نظام الملالي، بما يمثله من مصلحة لكل منهما، وإن اختلفت التفاصيل.

========================

سبع سنوات سورية .. يمان دابقي

العربي الجديد

الاثنين 8/1/2018

يُقال إن الوجه الآخر لمفهوم الانتظار يضعك في مكان معلق كجسر بين السماء والأرض، يتأرجح بك يميناً وشمالاً إلى درجةِ تشعر أن سقوطك الحتمي قاب قوسين، وأن عزيمة الصمود والاستقرار التي وهبتك طاقة التحمل قد تخونك في لحظة ما، إلا إذا حدث أمرٌ مفاجئ، وأنت في قمة اليأس أكسبك طاقة أخرى. حينها، أنت نفسك تكاد لا تُصدق تلك الطاقات الكامنة داخلك، كيف خرجت بلحظة ما لتصنع منك رجل اللحظة والمرحلة الحرجة. عند هذا المطاف، من الممكن أن يتغلب المرء على واقعه ويصنع تاريخه بنفسه.

بهذا المشهد تماماً مرًّ على السوريين "سبع عجاف"، لم يذق فيها الشعب المكلوم نشوة الفرح أو الانتصارات، ولم تلتئم جراحات الثكالى.

مؤكد أن كلماتنا تختنق وتُحتضر بآن واحد معاً، كما وأنه من المخجل جداً اختزال مشهدية "سبع عجاف" ببضع كلمات، ولو استحضرنا لغات العالم لن تفي حق السوريين وإنصافهم عمّا مرّوا به، وهم اليوم ينتظرون بارقة أملِ جديد يصنعونه بسواعد الأبطال.

نعم، تخطينا سبع سنوات وأقدسها حقيقة لم تنتهي مطالب السوريين وحريتهم في أعظم ثورة عرفها التاريخ، هذه الثورة لم تنته، ولم تستطع دول العالم أن تقتل روحها، على الرغم من كل الألم والمعاناة. وكما تعودنا على النزوح من منفى إلى منفى، تأقلمنا، في الوقت نفسه، على توديع عام واستقبال آخر، لتبقى صور من رحلوا خالدة في ذاكرتنا، تلك الصور ذاتها تكسبنا تجديد العهد والمضي في طريق الثورة، إكراماً لدماء من رحلوا، وهم شهداء حاضرون على إصرار من بقوا، وحملوا لواء ثورته من جيل إلى جيل، بغية أن تحقق الثورة أهدافها.

كان عام 2017 عام انتكاسات وأشدها قسوة ومرارة على السوريين، وهو ما جاء متمّماً لسلسلة طعنات في 2016 الذي تُوج بخسارة مدينة حلب، بسبب دولة مارقة ما همها سورية ولا شعبها، بل جعلت منهما أدوات لمزاحمة الدول الكبرى من البنادق، ومهادنة قادة الفصائل لأجندات الدول الأربع المصادرة لأي قرار سوري، بما فيهما النظام والمعارضة، فعّم الطغيان في سورية. و كان مسارا جنيف وآستانة هما السم المدسوس بالعسل، وما بينهما أشد وطأة من خمود فوهات روسيا بحلاوة الانتصار، وظنت أنها أوصلت السوريين إلى طريق مسدود، من شأنه اقتيادهم إلى مكان ملغوم في سوتشي، لتوقع صك الاستسلام وإعادة تدوير بشار الأسد ومنظومته الدكتاتورية، وتجديد عهد العبودية في مزرعة بشار وخامنئي وبوتين.

ضاقت الأرض بنا بعد ظهور نية روسيا عن بقائها في سورية إلى الأبد، فسعت إلى رسم نهاية سورية على الطريقة الروسية، بمعنى أدق روسيا بعد استخدامها كامل قوتها العسكرية في سورية، وقتلها آلاف السوريين، أرادت الاستفراد في سورية وتفصيل تسوية تسمح لها انتزاع شرعية دولية في احتلال سورية.

وعلى الرغم من تنامي شعور العجز واليأس عند شرائح كبيرة من السوريين، ممن أنهكتهم آلة الحرب والدمار، إلا أنّ هذا لم يُضعف تجديد الآمال. وكما كل عام، جدّد السوريون مطالب ثورتهم برحيل النظام، وما أن أشرف العام الأخير على الرحيل حتى عادت إرادة السوريين تتصدر الواجهة السورية، ليستقبلوا فيها عامهم الجديد مع انتصارات جمة، بعثرت الأوراق من جديد، وانكسر النظام على مشارف الغوطة، وتكبد خسائر فادحة في بوابتي حماه وإدلب.

الحدث الأبرز الذي أعاد زخم ثورة السوريين في نشوة الانتصارات، انتقال عدوى الثورة إلى داخل إيران، فبين ليلة وضحاها انتفض الشعب الإيراني بكامل الجغرافيا الإيرانية، هذا الحدث العظيم لا شك فيه روح ربانية نفخها الله وأحق كلمته بوقت قد ظنت فيه الأنظمة المستبدة أنها نالت من شعوبها.

عند هذا المطاف، تحول شعور اليأس إلى مشاعر فرح، ودقت أجراس الانتصارات ومؤشرات تلوح في الأفق بعد سبع سنوات تنتظر السوريين في 2018، فإيران التي فتكت سبع سنوات بالسوريين باتت اليوم في مأزق حرج.

========================

كأن بوتين يقول: ليت سوتشي لم يكن .. يحيى العريضي

العربي الجديد

الاثنين 8/1/2018

سوتشي، في الاسم، تَدرُجٌ من مؤتمر الشعوب السورية إلى مؤتمر حميميم، وأخيراً الرسو على تسمية "مؤتمر سوتشي للحوار الوطني". ارتباك وسوء تقدير وصلف في مقاربة كارثةٍ قارب امتدادها سبعة أعوام.

في الدعوة والمدعوين إلى "سوتشي"، رفضُ مَن يريد مناقشة رأس المنظومة التي تسببت بالكارثة، والقبول بعضوية ألف وسبعمائة من كل مكونات وأطياف "الشعوب" السورية الحكومية و "المعارضة".

في الهدف من سوتشي "حل سياسي" مبني على تشكيل لجان لمناقشة الدستور، وأخرى لمناقشة الانتخابات؛ وتغييب أي نقاش لعملية أو محور أو "سلّة" الانتقال السياسي التي نصّت عليها القرارات الدولية.

في الجهة المنظِّمة، وزارة الدفاع الروسية، لا الرئاسة، ولا وزارة الخارجية الروسية، ربما للاعتقاد أن وزارة الدفاع التي"أنجزت" عسكرياً يمكنها إكمال المشوار الروسي في سورية و"جلب السلام" بأدوات الحرب، كما جلبت "النصر" للرئيس بوتين على "الإرهاب السوري". وبذا يمكن إعطاء بوتين حقنة قوة جديدة في عيون الروس وعيون العالم "مخلّصا لسورية من الإرهاب، وحلّالا لمشكلات العالم، ومحققا للمصالح الروسية في الساحات العالمية".

حتى ولو تم إقرار اسم "مؤتمر الحوار الوطني" لما يُزمع عقده في سوتشي، إلا أن الاسم الأول الذي أطلقه بوتين يعكس موقفه وسياسته ورؤيته لسورية وللسوريين. هم بالنسبة له ليسوا إلا كتلاً بشرية تشبه "شعوب الاتحاد السوفييتي" مستلب الإرادة والمستباح، والذي كان يدور في فلك الإمبراطوية السوفييتية. من هنا، علينا تصوّر أي فعل أو قرار أو إرادة لهؤلاء الذين سيوجدون إحضارياً في سوتشي؛ وهل سيكون بإمكانهم طرح أي مسألة مخالفة لما يريده مالك أمرهم. ومن هنا أتت صراحة لافرنتييف، المبعوث الخاص للسيد بوتين؛ عندما قال "من يريد مناقشة مصير الأسد أو عملية انتقال سياسي في سورية، ليس مرحباً به في سوتشي". المفارقة في هذه المسألة تتمثل بالاستكانة لإرادة الاحتلال والانسحاق أمامها؛ فهناك مَن يتوسط ويقبّل الأيادي ليكون له حضور في مؤتمر سوتشي؛ وهناك مَن تشكّله

"موسكو، بغفلةٍ أو تغافلٍ، تتجاهل المد الشعبي السوري الرافض لمشروعها في سوتشي، والذي لا يمكن لهيئة التفاوض أن تقفز عنه"  مخابرات النظام الأسدي ليكون حاضراً، وهناك تجار سياسة ودم وأزمات يستقتلون ليكونوا موجودين. والكل يعلم، أو لا يعلم، أن للوجود هناك غاية واحدة، تتمثل بشرعنة الاحتلال والاستبداد، بتفلّتٍ مطلق من أي قرار أو شرعية دولية. والأدهى أكثر ذلك الحديث الروسي عن "الاستفادة من مخرجات سوتشي في خدمة مسار جنيف"، تماماً كما حدث في "أستانة"، ومسرحيات خفض التصعيد الروسية؛ والتي أعطت خلالها روسيا مئات الوعود بالشؤون الإنسانية: المعتقلين، رفع الحصار، إيصال الإغاثة؛ ولم يُنفّذَ منها شيء.

حتى تكتمل المسرحية الدموية السوتشية، لا يتردد ممثلو بوتين في بث الأكاذيب من أن الأمم المتحدة تبارك الخطوة الروسية في سوتشي؛ فهذا لافرانتييبف، مبعوث بوتين، يطلق تصريحاً في آخر يومي "أستانة 8" إن المبعوث الدولي الخاص إلى سورية، ستيفان دي ميستورا، سيحضر سوتشي؛ وليسارع أحد معاونيه لإبلاغ كاتب هذه السطور بأن المبعوث الدولي لم يعبّر عن استعداده للحضور أو غير ذلك، كما روى لافرانتييف.

إضافة إلى كل ما سبق، تبقى إحدى أهم عُقَدِ عَقْد مؤتمر سوتشي في الذين اعتبرتهم موسكو ضامنين في "أستانة"، حيث كان الإعلان الرسمي عن "سوتشي"، مراهنة على أن الضامن التركي سيؤمن لها حضور الفصائل التي ضمنتها؛ لكنها لم تعبأ بالشروط التي يمكن أن تضعها تركيا مقابل تيسير المطلب الروسي؛ وتحديداً "الفيتو" الذي تضعه تركيا على إشراك حزب الاتحاد الوطني (الكردي) في سوتشي. وهنا لم يفد إغراء الشركاء الضامنين إعطاؤهم أفضلية تقديم قوائم حضور لمؤتمرها، فبدأت عمليات الابتزاز المتبادل، والذي وجد ترجمته في عرقلة اتفاقية خفض التصعيد في إدلب، والدور الإيراني المشبوه الذي لعبته إيران في نسف الاتفاق؛ ليتبيّن أن المراهنة الروسية في أستانة تكاد تكون تلغيماً لمؤتمر سوتشي ذاته.

رافق القلق والتوتر الروسي تجاه مؤتمرها إرباك عكسته التصريحات الروسية تجاه الموقف الأميركي منه؛ حيث إن روسيا تعرف تماماً أن أي ملمح إيجابي أميركي تجاه سوتشي، ينجحه؛ إلا أن موسكو كانت تستشعر السلبية الأميركية تجاه خطوتها؛ فاستبقتها بتحديد "دور مراقب" لأميركا من باب "التكبُّر على المتكبِّر"، حيث إنه لا يُتَوقَّع من أميركا أن تكون مغرمةً بتحقيق روسيا أي نجاح، ولو خلّبيا؛ إلا اذا كان يخدم أغراضها؛ وهو ليس كذلك.

"حتى تكتمل المسرحية الدموية السوتشية، لا يتردد ممثلو بوتين في بث الأكاذيب من أن الأمم المتحدة تبارك الخطوة الروسية في سوتشي"

أوروبا المتمسكة بالقرارات الدولية بخصوص سورية، والداعمة جهود المبعوث الدولي في جنيف، لن تكون مسرورة، وهي ترى روسيا تدعس على القرارات الدولية؛ وتقفز فوقها أوتلتف عليها.

أخيرا، تبقى عقدة العقد أمام المشروع الروسي موقف ما تسمى المعارضة الرسمية بعد مؤتمر الرياض 2، وبعد وفد واحد في جنيف 8، وبعد أداء مميّز في تلك الجولة؛ أداء شاهده العالم، ولم يتمكن المبعوث الدولي إلا أن يشيد به أمام مجلس الأمن والعالم. شكلت هذه المعارضة عقدة لموسكو التي تفننت بمحاولات نسف مصداقيتها، ولا تنفكّ عن القيام بذلك، عبر وصفها أخيرا بالتعنت والراديكالية، وتتحدث عن ضرورة غربلة بعض الأشخاص منها آملةً ببعثرتها. ولكن موسكو، بغفلةٍ أو تغافلٍ، تتجاهل المد الشعبي السوري الرافض لمشروعها في سوتشي، والذي لا يمكن لهيئة التفاوض أن تقفز عنه؛ فهو وحركتها الدبلوماسية الدولية ما يمدّها بالموقف القوي الذي لا تستطيع موسكو نسفه، حتى ولو عادت إلى عنفٍ غير مسبوق في الغوطة والشمال السوري.

في صيغته الحالية، سوتشي تجمّعُ "مصالحةٍ" مكبّر مهين للسوريين وحقوقهم؛ يحاول القفز على القرارات الدولية؛ تحول دون نجاحه جملةٌ من التعقيدات، تتقدمها منهجية روسيا العسكرية في مقاربة القضية السورية في إيجاد حل سلمي لسورية، يمكّن بوتين من القول إنه أنجز سياسياً، وهذا غير ممكن. مصير الخطوة الروسية إما التأجيل والتفكير بكل ما سبق، وجعله فعلاً مساهماً بحل سياسي، لا يشترط عدم مناقشة مصير الأسد، والانتقال السياسي، وتشكيل لجان فاعلة لإنجاز ذلك، أو الانعقاد كذراع واهية، تدور في فراغٍ بلا قيمة أو تأثير قد تساهم بتعقيد الأمور أمام روسيا أكثر، وتحرمها من فرصة أي جنى سياسي؛ فلا يمكن لروسيا ادّعاء نيل الجنى العسكري، وشرف الإنجاز السياسي بالأدوات ذاتها.

========================

كيف ظلم السوريون قضاياهم؟ .. هنادي الخطيب

الحياة

الاثنين 8/1/2018

برع السوريون في المجزرة القائمة منذ سبع سنوات في أمرين اثنين، الأول تصدير المعارضة الفاشلة الفاقدة لكل أدوات التفاوض وعمل السياسة، والأمر الثاني تفريغ قضايانا من محتواها، وتحويلها سلعة تباع وتشترى وتفقد كل معنى وأثر.

وأما عن المعارضة "النصف كم"، فبتنا نرى كسوريين أن لا فائدة من انتقاد أشخاصها، لأنها انتقادات تذهب أدراج الرياح، لا يهتم بها أصحاب العلاقة ولا يحاولون التفكير بفحوى وأهمية الانتقادات. فطالما بقي واحدهم في الكرسي والمنصب وامام الفضائيات، فكل نقد له هو حسد أو عمالة، وبأحسن الأحوال حماقة أو جهالة. وتبقى هذه حالهم إلى أن يقرر أحد متعهدي المعارضة بأن يخرج الواحد منهم من المؤسسة، فيتحول بقدرة قادر إلى ناشط فيسبوكي، وينهال على السوريين ببوستات وآراء شديدة اللهجة والقوة، لم يجرؤ قبلاً أن يتبناها، ويطرب لبعض التصفيق الفايسبوكي، ويحضر نفسه لرأي أشد وقعاً من سابقه. لكن وللصدق الأدبي فإن بعضهم لا يستسلم لزهو عواطف نجم الفيسبوك، فطريق العودة لم يُقطع، وشعرات معاوية يجب أن تبقى. على كل حال هو أمر اعتدناه ولم نعد نلتفت له.

الأمر الأخطر، هو المهارة والحرفية بتفريغ القضية تلو الأخرى من محتواها، بدءاً بتحويل الكثير من النشطاء والصحافيين منذ السنة الأولى للثورة من مصدر خبر وشاهد عيان إلى منظّر فيسبوكي في أوقات الفراغ، ومصدر خبر أمني في أوقات العمل الفعلية. هكذا تم إبعادهم من الأرض، وتقريبهم من الأجهزة الكثيرة، وترافق ذلك مع رفدهم بالأموال والأجهزة الإلكترونية اللازمة.

وإن نظرنا إلى التاريخ القريب (بما لا يتجاوز العام) سنجد أن الدور جاء على جريمة الاعتقال والتعذيب والاغتصاب مما يُمارس في معتقلات الأسد، فقد انتشرت بلا رقيب ولا حسيب شهادات لمعتقلات على صفحات الانترنت، وبدأت مجموعات عشوائية من النشطاء بإنشاء الصفحة تلو الأخرى للتحدث باسم المعتقلين والمعتقلات، ولنشر حكايا الاغتصاب تحديداً في معتقلات الأسد، والهدف وفق الناشرين فضح الأسد. لكنْ هل فُضح الأسد بهذه العشوائية التي هي بلا أدوات ولا خطة حقيقية، أم أن هذه الطريقة لا تغير من واقع المعتقلين والمعتقلات شيئاً سوى تحويلهم إلى مجرد أرقام وحكايا لا تحمل صدقية.

متفقون على أن نظام الأسد هو الأكثر إجراماً وتنكيلاً في القرن الحالي والمسمى زمناً حديثاً، ومتفقون على أن العالم الذي يُسمى متحضراً يتجاهل تلك الجرائم، وأن مجرد الاعتقال انتهاك لحقوق الإنسان، وجريمة ضد الإنسانية، ولكن ما نحن غير متفقين عليه تحويل قضية الاغتصاب إلى حكاية نتسلى بها قبل النوم، أو مناسبة لجمع بعض اللايكات التي تفيدنا في إيجاد فرص عمل تحت مسمى "ناشط فيسبوكي مهم".

من المذنب في ذلك؟ بالطبع ما يُسمى مؤسسات المعارضة، التي لم تعمل لتحوز ثقة الناس، والتي كان منوطاً بها هي أن تؤسس مؤسسات لها احترامها ومهمتها الوحيدة فقط توثيق الانتهاكات كلها بما فيها الاغتصابات الجنسية. إن عشرة أشخاص من دون تنظيم وقوانين عمل لن يستطيعوا فعل شيء، فكيف بملايين من الناس لا منظمة ولا مؤسسة تحاول على الأقل توثيق الانتهاكات ضدهم؟

إن أي فعل قانوني في المستقبل يحتاج لتوثيق، وليس لصراخ وبكاء على الفضائيات، ولا ينزعجن أحد، فحتى عند نظام الأسد هناك من يبكي وينوح ويصرخ. إن شهادات المعتقلات والمعتقلين يجب أن يتم توثيقها بطرق احترافية وقانونية في المنظمات الحقوقية الدولية، وهي الشهادات الوحيدة التي يمكن استخدامها في المحاكم الدولية، لكن على مدى حوالى العام، تحولنا جميعنا إلى خبراء قانونيين ونشطاء حقوقيين وصحافيين.

لقد كان كل العالم وكل قادة أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأميركية متأكدين من أن قادة عسكريين صرباً ارتكبوا مجازر ضد الإنسانية في البوسنة والهرسك، لكن يوم قامت المحكمة الدولية، لم يكن لتأكيد كل هذه القادة والسياسيين وملايين الناس قيمة قانونية، وأن القيمة هي للتوثيقات والأدلة والشهود والحفريات، وقد استمرت المحاكمات سنين طويلة ولم تنته بعد. ولربما كان السبب أن الأوروبيين يهمهم في تلك الحالة معاقبة الجناة، فالجريمة وقعت في قلب أوروبا. هكذا ساعدوا الناشطين أن يفرزوا ويصنفوا ويجدولوا ويوثقوا. ولربما كانت خطة عمل الغرب معنا هي فقط حماية الفوضى، وترك الباقي لفوضويات المراهقين والمراهقات فكرياً ووطنياً.

 

*كاتبة سورية

========================

الأسد احتفظ لإدلب بحق الرد .. خطيب بدلة

العربي الجديد

الاحد 7/1/2018

وضع انقلابُ الحركة التصحيحية العسكري، الذي نفذه حافظُ الأسد، في أواخر سنة 1970، حداً فاصلاً بين مفهوم "البطولة" السائد في المجتمع السوري الذي يُلخصه المثل الشعبي القائل "الكف لِمَنْ سطره"، والواقع البطولي الجديد الذي يتلخص بعبارة: الاحتفاظ بحق الرد في الزمان والمكان المناسبين.

كنا، نحن السوريين العاديين، (الغشيمين في السياسة)، نظن أن هذا المبدأ عسكريٌّ صرف، ويعني أنْ تتلقى قيادتُنا الحكيمة نبأ أيِّ عدوان تقوم به الطائرات الصهيونية المتغطرسة على أحد مواقعنا العسكرية بغضب يليق بقيادة تاريخية استثنائية، وتمتصّ الصدمة الأولى بشجاعة عَزَّ نظيرُها، وتصبر، وتصابر، وتنام على السالفة ردحاً من الزمان، ثم، فجأة، لا يعرف العدوُّ الصهيوني الغاشمُ، والذين خَلَّفُوه، مِنْ أين يأتيهم الضربُ والركلُ والدعسُ والفعسُ، ليندموا عما اقترفت أيديهم القذرة بحق شعبنا الذي يقوده هذا الأسدُ الهصور.. ومتى يندمون؟ بعد أن يفوت أوانُ الندم.

في أثناء الإقامة البطولية لقطعات جيشنا العربي السوري الباسل في البقاع اللبناني، كان الطيران الإسرائيلي (الغاشم) يتسلى بقصفها، على نحو يومي، وما إن يتوقف القصف الغاشمُ، في كل مرة، حتى تأتي سياراتُ التاترا والزيل 57 العسكرية روسية الصنع، وتجمع جثامين الشهداء، وتشحنهم إلى برادات مشفى تشرين العسكري. ومن هناك يجري توزيعهم بسيارات الإسعاف على ذويهم في المدن والبلدات والقرى، ويُسَلَّمُ جثمانُ كل منهم لذويه ملفوفاً بالعَلَم، مع تحيات الأب القائد، وتهانيه لهم بنيله شرف الشهادة، وألف ليرة سورية حلال زلال (ما يعادل 40 دولاراً) تُسَلَّمُ لأحد أبويه، وتوضيح صغير بأن الأب القائد قد افتتح مدارس لأبناء الشهداء وبناتهم، فإذا كان شهيدُكم متزوجاً ولديه أولاد، فابعثوا لنا أولاده لنعلمهم كيف تكون الشهادة في سبيل القائد على أصولها في المستقبل. بمعنى آخر: يعني: لا تفكّروا أن القائد ضحّى بأولادكم وذهبَ في حال سبيله، بالعكس، إنه يضمن لكم (حق الرد) على قاتليه في الزمان والمكان المناسبين.

ولكن حافظ الأسد، وهذا ما اكتشفناه في ما بعد، لم يكن ليقتصر، في مجال الاحتفاظ بحق الرد، على المسائل العسكرية. فالرفاق البعثيون الشباطيون فصلوه من الحزب لأسباب عديدة، منها امتناعُه، بوصفه وزيراً للدفاع وقائداً للقوى الجوية، عن نصرة الأشقاء الفلسطينيين المحاصرين في الأردن. وحينما آلت الأمور إليه، قَتَلَ بعضَهم، وألقى بعضهم الآخر في السجون إلى أجل مسمى واحد هو الوفاة.. وجعل أبناءهم مضروبين بالتقارير الأمنية مدى الحياة، فلا يحقّ لأحد منهم الحصول على وظيفة أو مغنم أو سفر.. والذين شكلوا الأحزاب السياسية خارج نطاق "الجبهة التقدمية" صبر عليهم فترة قصيرة، ثم رماهم في سجونٍ لا يستطيع الذباب الأزرق زيارتَها، لجهله عنوانَها، ولم يخرج منهم، بعد عشر وخمس عشرة وعشرين سنة غير طويل العمر، ومحدودب الظهر، واللي (عايف حاله) من القهر.

في الأيام الأولى لنجاح الانقلاب، شرع حافظ الأسد يسافر إلى المحافظات، ليشرح لـ "الشعب" سياستَه وأهدافه، ويؤكد على إخلاصه للوطن والعروبة والحزب القائد. في مدينة إدلب، وبينما كان واقفاً مع أركان انقلابه في ساحة هنانو فوق مبنى المركز الثقافي القديم، إذ صعدت نحوه فردة حذاء بلاستيكية عتيقة، فامتصّ (سيادته) الإهانة، وحَيَّا الجماهير الكادحة المحتشدة، وندّد بالمندسين بيننا من قِبَل الإمبريالية والصهيونية والرجعية، وتابع خطابه وكأن شيئاً لم يكن.. ومنذ ذلك التاريخ، والقائد التاريخي حافظ الأسد يحتفظ لمحافظة إدلب بحق الرد، وكأن المحافظة كلها ضربته بالحذاء، فلم تكن إدلب، طوال عهده، تحصل على الحد الأدنى من الشواغر الوظيفية والمشاريع الاستثمارية والخدمية. ومثلما أورث حكم سورية لولده القاصر، أورثه كراهية إدلب، فحافظ الوريث على الكراهية حتى قيام الثورة، حيث خصّ إدلب بأكبر كمية ممكنة من البراميل، والصواريخ، والقذائف، وزاد طينها بلة عندما راح يشحن عناصر تنظيم القاعدة و(يكبّهم) فيها.

========================

إيران ودروس الربيع العربي .. سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاحد 7/1/2018

يتجسّد الوعي الشعبي الإيراني الغاضب على نظامه في أمرين: أولهما، أنه لم يستثن استطالات أو تدخلات إيران الخارجية من نطاق شعارات احتجاجاته، وأنه جعل النظام يقف في مواجهة مطالب شعبية، تعتبر الأولوية في برنامج أي نظام حاكم تجاه مواطنيه، من موضوع الفقر إلى البطالة والتنمية الاقتصادية، معتبراً تلك الاستطالات فساداً في إدارة موارده وقيمه، كشعب صاحب حضارة، وكشعب له أولوياته الداخلية. وثانيهما أنه ساوى بين الطبقة الدينية الحاكمة والجهاز الحكومي التنفيذي في تحميل مسؤولية ما آلت إليه بلادهم، حيث ظهر المشهد السياسي الإيراني ضمن منظور المنصّة الواحدة التي لا تستثني أحداً من غضب الشارع عليه، ولا تحتمي بجهةٍ ما من أخرى.

ما تقدّم يعني أن الإيرانيين المتظاهرين بدأوا من حيث وصلت إليه تجارب الآخرين، الذين سبقوهم إلى صياغة حراكهم، محاولين تجاوز الأخطاء، ومتوقعين سلفاً الثمن المطلوب لاستمرار دائرة غضبهم وتوسّعها. وهم بذلك يبدون على درجةٍ من وعي أفضل لطبيعة نظامهم الديكتاتوري وأدواته القمعية، بكل الخبرات المكتسبة لهذا النظام، لا سيما في شراكته بالمسؤولية الكاملة عن جرائم الحرب وقتل المتظاهرين، وتدمير المدن السورية فوق رؤوس ساكنيها.

ربما تمنح هذه الوضعية الإيرانيين المتظاهرين ميزة لم يملكها السوريون مع بدء ثورتهم، حيث كانت معايرتهم للأمور تقتصر على تجربة الأسد  الأب في تعامله مع أحداث حماة في ثمانينيات القرن الماضي. فعلى الرغم من بشاعة ما حدث ومأساويته، خلال تصدّي الأجهزة العسكرية والأمنية لحركة الإخوان المسلمين، 27 يوماً (فبراير/شباط عام 1982) في مدينة حماة، 

"أي رهانٍ على فشل إرادة المتظاهرين الإيرانيين هو ضد طبيعة التطور" ووقوع عشرات آلاف الضحايا، إلا أن من قاموا بثورة 18 مارس/آذار 2011 ليسوا ممن يحملون تلك الذكريات، بحكم أعمارهم الشابة التي تتعامل مع التغيير باعتباره جزءا من صيرورة التاريخ الممتد، وتسعى إلى نيل حرية التعبير التي أطلق عنانها مسار العولمة وتكنولوجيا الاتصالات والتواصل الاجتماعي، كما راودهم تغلب أمنياتهم، أو أوهامهم، بأن الأسد الابن، صاحب التجربة في الحياة، لن يكون قادراً على ممارسة القمع الذي سبقه إليه والده، تحت عين الكاميرا وبثها المباشر. بيد أن ما جرى خلال السنوات السبع الماضية في سورية، وبدعم من نظام الملالي الإيراني، بمناصفة المسؤولية عن كل الجرائم المرتكبة، كان بحكم المفاجأة للسوريين، بشدّته واتساع رقعة ضحاياه من مدينة انطلاقة الثورة (درعا) إلى باقي مدن سورية ومناطقها، وقدرة آلة الحرب على التنقل بينها، وإيقاع مئات آلاف الضحايا بين قتل واعتقال وموت تحت التعذيب وتشريد وتدمير للممتلكات الخاصة والعامة.

وإذا كان مبكرا فعلياً تصوّر مآلات ما يحدث من احتجاجات في مدن عديدة في إيران، وتاليا مدى قدرة هذه الأحداث على لملمة التمدّد الإيراني من محيطه الجغرافي خارج حدوده وانكفائه إلى داخل دولته، إلا أن هذه الاحتجاجات، في شكلها الممتد على مساحة واسعة، يمكنها أن تكون علامة جديدة في تاريخه، ينتقم فيها أبناء الذين شاركوا في الثورة ضد الشاه وأحفادهم، في نهاية السبعينيات من القرن الماضي، من أولئك الذين خطفوا الثورة، لتأخذ منحاها الإسلامي الطائفي في أبشع صوره، بعد أن كانت ثورة العلمانيين والليبراليين والإسلاميين معاً.

هكذا، فإن استمرار المظاهرات وتوسّعها وامتدادها هو الخيار الأكثر احتمالاً، على الرغم من أن النظام الإيراني سيستخدم كل خبراته القمعية التي لم يكن يمتلك كل أشكالها الإجرامية في انتفاضة 2009، التي حدثت تحت سقف النظام، وبرعاية بعض رموزه، وفقاً لمفهوم الديمقراطية المبتورة في أنظمة الحكم الديكتاتورية التي تسمح باتهام كل الأدوات وانتقادها، منزّهة المرجعية الدينية عن الخطيئة، ومحمّلة المسؤولية للحكومة التنفيذية الفاسدة في طريقة وآليات عملها. ومعلوم أن الاحتجاجات الإيرانية آنذاك قامت بسبب تزوير الانتخابات الرئاسية لمصلحة محمود أحمدي نجاد الذي استمر لولاية ثانية، ضد مير حسين موسوي الذي طلب السماح من النظام الحاكم لمسيرة احتجاجية على نتائج الانتخابات التي اعتبرها مزوّرة. وفي حينه، كان سقف الحراك معروفا، وكانت المظاهرة معروفة المسار والموقع، ما يعني أنه أرادها "صورة ديمقراطية" في بلدٍ تحكمه نخبة دينية تسلطية وقمعية، إلا أن الأمور شعبيا لم تكن على مقاس التنظير السلطوي، بحيث أن التمرّد الشعبي بدأ يختمر منذ ذلك الوقت، على الرغم من إخماده أمنياً وعسكرياً آنذاك.

على ذلك، فإن أي رهانٍ على فشل إرادة المتظاهرين الإيرانيين هو ضد طبيعة التطور، أو

"الثورات لا تسير باتجاه واحد نحو النصر المباشر" رهان معقود على تخيّل إرادوي لواقعٍ يفترض أنه ينضج بطريقة تدرجية. ولعل إيران تعطينا اليوم الدرس الذي يجب أن يعيه المتحمسون للربيع العربي، ومفاده بأن الثورات لا تسير باتجاه واحد نحو النصر المباشر. وحتماً، حيث إنها يمكن أن تتعثر حيناً، وأن تهمد أحياناً، وأن تتحوّل بفعل الظروف إلى مشهدٍ يخالف انطلاقتها الأساسية، كما حدث لثورة السوريين، التي تلونت من ثورةٍ شعبيةٍ، بالطرق السلمية، إلى ثورة مسلحة باستبعاد البعد الشعبي، ومن ثورةٍ تهدف إلى التغيير السياسي والحرية والديمقراطية إلى ثورةٍ يغلب عليها الخطاب الطائفي، ومن صراع بين شعب ونظام إلى صراع داخلي وخارجي، أي أن الحراكات الشعبية في إيران قد تتطوّر، ولكن وفقا لدينامياتها هي، ووفقا لكيفية رد النظام عليها، من دون وضع مراهناتٍ مبكرة أو في غير محلها.

هذا يعني أنه لا يمكن التعاطي مع المظاهرات في إيران على أنها ماضية حتى تحقيق هدفها بإسقاط حكم ولاية الفقيه، بحدّيه الديني والتنفيذي، إذ أنه من دون ذلك مواجهة عنف النظام في أقسى صوره التي قد تؤدي إلى انعطافاتٍ بمساراتها، وربما انكفاءاتٍ باتجاه مطالب حياتية معيشية، يقدّم النظام الوعود لحلها مرحلياً. مع ذلك، لا يعني هذا الوضع إخماد المطالب السياسية التي تؤسس لمرحلة حكم جديدة، يتطلع فيها الإيرانيون إلى استثمار ثرواتهم بتحسين واقعهم داخل حدودهم، سواء الاقتصادي أو الاجتماعي أو السياسي. ومنه طبعاً واقع الحريات الدينية، وتعزيز مكانة المرأة التي بقيت حتى اليوم (منذ 1979) تمثل انفكاك شراكة كل شرائح المجتمع الإيراني عن ثورته، بعد انتصار الشعب على شاهه. ذلك كله لن يحدث، على الأرجح، في ظل بقاء نظام إيراني يصرف ويبدد خارج حدوده مداخيل (وموارد) شعبه، ويتطلع إلى حكم أربع عواصم بالنار والحديد والأحزاب الموالية له، بينما هو يمارس العنف في بسط سيطرته على عاصمته طهران، لغياب مصداقيته وعدالته وبرنامجه الإصلاحي.

========================

حقائق وتساؤلات حول الأحداث في إيران .. أكرم البني

الحياة

الاحد 7/1/2018

يتباهى أصحاب العقل التآمري بالقول إن الاحتجاجات الشعبية في إيران لم تفاجئهم، بل كانوا يتوقعون حدوثها، مرة أولى، استناداً لما يعتبرونه مخططاً خارجياً تنفذه أيادٍ ترتبط بالصهيونية والشيطان الأميركي الأكبر للنيل من الجمهورية الإسلامية وما حققته من "انتصارات" على صعيد نفوذها الإقليمي، ومرة ثانية، خضوعاً لأوهام وتقديرات سطحية عن سلطة دينية مطلقة القوة والجبروت، يبدو الخروج عنها برأيهم، أشبه بمسرحية مرسومة الأدوار، إن في سياق تنافس مؤسساتها على النفوذ والهيمنة، وإن لامتصاص الاحتقانات الداخلية المتصاعدة وتفكيك ما يخطط له الناشطون المعارضون، ودليلهم أن تجمع مدينة مشهد الذي شكل شرارة الانطلاق للاحتجاج على الفساد والغلاء كان مقرراً مسبقاً من قبل جماعات محسوبة على النظام، في إطار حملة يقودها التيار الشعبوي المتشدد لإضعاف موقع الرئيس روحاني!

صحيح أن إيران راكمت الكثير من العداوات وباتت أشبه بدولة منبوذة ومرفوضة جراء تجاوزاتها وسياستها التدخلية النشطة في المنطقة وتطاولها على مصالح الآخرين وحقوقهم، وصحيح أن ثمة صراعاً، غرضه تمكين السيطرة بين مراكز قوى النظام الإيراني، يغدو أحياناً جدياً ودموياً كما حصل إبان الثورة الخضراء عام 2009، لكن الصحيح أيضاً أن ثمة دوافع وأسبابا داخلية عميقة ما فتئت تحض الناس على التحرك والتظاهر والتمرد، بدءاً بالتردي غير المسبوق للأوضاع الإنسانية والمعيشية وارتفاع نسب التضخم والبطالة وأعداد الإيرانيين الذين باتوا يعيشون تحت خط الفقر، مروراً باتساع ظواهر الظلم السياسي والقهر الثقافي، وأيضاً فشل الحكومات المتعاقبة في محاصرة فساد مستشرٍ وفي تقديم إجابات شافية عن أسئلة تثار اليوم حول الفئات المستفيدة من الأموال المحررة بعد توقيع الاتفاق النووي، ولماذا لم ينعكس تخفيف العقوبات الاقتصادية على الحياة اليومية للبشر! وانتهاءً بتنامي امتعاض الإيرانيين وقلقهم من تواتر وصول جثامين أبنائهم الذين قضوا في حروب سورية والعراق واليمن، ما يفسر الحضور القوي لشعاري، "إيران أولاً"، ثم "لا غزة ولا سورية ولا لبنان، روحي فداء لإيران"، إلى جانب الشعارات المطلبية المتعلقة بمحاربة الفساد وتحسين الأوضاع المعيشية.

والأهم، ألا يصح ربط تلك التطورات بمتلازمة عانت منها العديد من الأنظمة ذات النزعات التوسعية أو الإمبراطورية، وهي متلازمة الاستهتار بالبنية الداخلية ومشكلاتها لقاء تعزيز النفوذ الخارجي؟ ألم يعان الاتحاد السوفياتي منها وقد امتص عافيته وطاقته سباق التسلح والصراع على مناطق النفوذ في العالم ما أفضى إلى انهياره السريع؟ أولا يصح النظر من القناة ذاتها إلى الأزمة التي لا تزال تعتمل داخل الولايات المتحدة الأميركية، نتيجة حروبها الاستباقية في العراق وأفغانستان؟ وأيضاً، ألا يصح القول إن حكومة طهران تسير على المنوال ذاته، نتيجة توظيف قدراتها التنموية في معارك التنافس على الهيمنة الإقليمية تاركة شعبها يئن تحت وطأة العوز والحاجة، فكيف الحال وهي الأفقر اقتصادياً والأقل قدرة على التجدد سياسياً؟ ثم إلى متى قد يصمت الإيرانيون عن سياسة "تصدير الثورة" وهي تمتص عافيتهم وكفاءاتهم وتفاقم مشكلاتهم ومعاناتهم؟ وهل ثمة أوضح من تحذير نواب في البرلمان الإيراني من أن الدولة والمجتمع لا يستطيعان تحمل تكاليف مغامرات التدخل الخارجي، وأن الشعب الإيراني لن يقبل أن يعود أبناؤه في أكفان قتلى دفاعاً عن أنظمة أخرى، حتى لو تم تبرير ذلك بأنه دفاع عن أمن الجمهورية الإسلامية؟!

المشكلة أن النظام في إيران لا يزال يعيش على الفهم التقليدي للقوة ببعدها العسكري والأمني، وليس بصفتها تضافر جملة من العوامل والارتباطات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والعسكرية، الأمر الذي أفقده القدرة على صياغة خطة موضوعية متكاملة للنهوض بمجتمعه وللتعاطي الإيجابي والمثمر مع بلدان المنطقة والعالم، وزاد الطين بلة إصرار النخبة الحاكمة، كلما احتدمت أزمتها، على الهروب إلى الأمام والسعي، بدلاً من البحث الجدي عن مخارج حقيقية لما هي فيه، نحو استجرار مغامرة تلو المغامرة متوهمة القدرة على معالجة أزمتها بمزيد من توسيع السيطرة الخارجية عسكرياً، تحدوها تعبئة مذهبية بغيضة وتطلع لاستعادة أمجاد الإمبراطورية الفارسية، ربما لأنها لا تعرف السباحة خارج هذه المياه أو لأن ما تقوم به لم يعد خياراً بل نهجاً إجبارياً لقاء استمرارها في السلطة وحماية امتيازاتها.

لكن، إن عاشت الإمبراطوريات في الماضي عشرات وأحياناً مئات السنين، فإن عمرها اليوم بات قصيراً وربما قصيراً جداً في ظل المتغيرات النوعية التي حدثت عالمياً وتنامي وعي الشعوب لحقوقها وتقدم حدة المنافسة على الهيمنة مع تطور مذهل للتكنولوجيا العسكري ولثورة الاتصالات، والأهم في ظل الأثمان الباهظة بشرياً ومادياً، لتكلفة تحقيق النفوذ والانتصار، فكيف بتكلفة البقاء والحفاظ على الوضع الجديد، ناهيكم عن تكلفة فقدانه.

والحال، ربما لن تتمكن التحركات الشعبية في إيران من إحداث فارقاً نوعياً يبشر بتغيير الوضع القائم أو على الأقل يشغل السلطة ويحد من تدخلاتها الخارجي، وربما يتمكن نظام الاستبداد بوسائله القمعية المجربة وعنفه العاري من محاصرتها وإجهاض فرص تطورها، لكنه لن يستطيع إزالة ما تخلفه من آثار، بداية بهتك وهز صورة سلطة تدعي الانتصار والجبروت، ثم بتعميق التحولات والانقسامات في المجتمع الإيراني وتشجيع تبلور كتلة اجتماعية وتيار ثقافي وسياسي، تجمعهما مواجهة مستمرة ضد الاستبداد والفساد والحرمان والتهميش والتمييز؟.

واستدراكاً، ألا تصح قراءة الاحتجاجات الشعبية في إيران من زاوية مفاقمة أزمة الإسلام السياسي، ما يؤكد، من جديد، عجزه عن حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، وتالياً حقيقة إخفاق أنظمة الحكم الشمولي وفشلها في قيادة المجتمع وإنجاز برامجه التنموية؟ والأهم من زاوية تغذية الأمل لدى مجتمعاتنا العربية باقتراب موعد الخلاص من الفوضى والعنف والشحن المذهبي ربطاً بالتدخل العضوي متعدد الوجوه لحكومة طهران وأدواتها في شؤوننا، ودورها في ما وصلنا إليه؟!

========================

الانتفاضة السورية والاحتجاجات الإيرانية: أي قواسم مشتركة؟ .. صبحي حديدي

القدس العربي

الجمعة 5/1/2018

كانت صفات مثل "الزعران" و"الشوارعية" و"الحفيرية"، ثمّ في خيار ثالث أكثر تفذلكاً: "الدهماء"، هي بعض التسميات التي استقر عليها عدد من المثقفين السوريين في توصيف المشاركين في أولى أنشطة الانتفاضة الشعبية السورية؛ ابتداءً من تظاهرة حي الحريقة الدمشقي العريق في 17/2/2011، مروراً بالتظاهرات التي خرجت من المسجد الأموي عصر 15/3، ثم شرارة درعا في "جمعة الكرامة" التي أشعلت الاحتجاجات ونقلتها إلى سائر أرجاء البلد، وليس انتهاءً بتظاهرات ريف دمشق واللاذقية وحمص وحماة ودير الزور والقامشلي. كانت التسميات تلك تلجأ إلى التوصيف السلوكي أو الأخلاقي الغائم والتعميمي، لكي تخفي المحتوى الطبقي تارة (فقراء الهوامش، والشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى)، أو تطمس السمة الأجيالية (غالبية ساحقة من الشباب)، أو تتعامى عن غياب النخب (بعض "مشاهير" أولئك المثقفين أنفسهم، من مبتكري التسميات، وبينهم عدد من معارضي النظام المخضرمين أو المتقاعدين).

حال شبيهة، بعض عيناتها تلوح متطابقة تماماً وعلى نحو مذهل، نشهدها اليوم في توصيف احتجاجات الشارع الشعبي الإيراني الراهنة؛ من زاوية أولى مشتركة، هي أنّ غالبية المتظاهرين تنتمي إما إلى الشرائح السفلى من الطبقة الوسطى (بالنظر إلى أنّ الشرائح العليا بقيت، إجمالاً، بعيدة عن المشاركة)، وإما إلى هوامش المدن ومراكز العمران، فضلاً عن هيمنة "أقليات" مثل الأحواز والبلوش والآذريين والبختياريين والقشقائيين والتركمان. وكما كانت التوصيفات السورية تتوخى القدح، وتسفيه الانحدار إلى هذا المستوى "الهابط" من معارضة النظام؛ فإنّ التوصيفات الإيرانية تستهدف الغرض ذاته تقريباً، أي نزع الصفة الطبقية والاجتماعية عن الاحتجاجات، وإلصاقها بنزوعات تمرّد "شارعية" وأعمال شغب وتخريب ونهب ممتلكات. هذا إذا وضع المرء جانباً حقيقة اتفاق المثقف، السوري والإيراني، معارضاً كان أم موالياً، مع السردية الأبكر التي أشاعتها السلطة؛ في أنّ جهات خارجية هي التي تغذي الاحتجاجات.

في المقابل، وكما تمتّع النظام السوري بـ"رصيد" جماهيري لدى فئات اجتماعية وطبقية ليست محدودة، لا تؤيد النظام بالضرورة، لكنها في الآن ذاته ليست متضررة من سياساته، وليست ضحية استبداده أو فساده؛ كذلك فإنّ النظام الإيراني، وهذا يشمل سياسات حكومة هذا الرئيس الإيراني أو ذاك، تمتع بأرصدة جماهيرية مماثلة، لا تمسها مباشرة آلام الغلاء والبطالة والفقر، ولا تؤذي محافظها المالية مغامرات تصدير الثورة والتورّط السياسي والعسكري والمذهبي في لبنان والعراق وسوريا واليمن. لكنها جماهير، على نقيض جماهير النظام السوري هذه المرة، استجابت للحراك الشعبي الهائل في سنة 2009، احتجاجاً على ملابسات انتخاب محمود أحمدي نجاد، وانخراطاً تحت قيادة شخصيات "إصلاحية" من طراز مهدي كروبي ومير حسين موسوي. وهي جماهير قابلة، في كلّ حين أغلب الظن، للمشاركة في تحرّك تقوده تلك الشخصيات، وقد تنضم إليه شخصيات لا تقلّ شعبية مثل الرئيس الأسبق محمد خاتمي، يستهدف إصلاح مبدأ الولي الفقيه، على نحو يحدّ، ضمناً ولكن أساساً، من السلطات القصوى التي يتمتع بها المرشد الأعلى.

لا تسعى هذه المقارنات إلى المساجلة بأنّ حراك الاحتجاجات الراهن في إيران قد انقلب لتوّه، أو يمكن أن يتطور، إلى انتفاضة شعبية على غرار ما شهدته سوريا في ربيع 2011؛ فالمعطيات مختلفة تماماً، وكذلك المشهد الاجتماعي والسياسي والديمغرافي، فضلاً عن طبيعة النظام السياسي. لكن هذه السطور تسعى، في المقابل، إلى تلمّس بعض أواليات تغييب الأبعاد الاجتماعية والطبقية، أو ترحيلها إلى عناصر تعميم إطلاقية عن سابق عمد تارة، أو عن تجاهل وتغافل تارة أخرى. من الصالح، مثلاً، أن يرى المرء بُعد الاستبداد، في معظم تجلياته، خلف الشعارات المطالبة بإسقاط "الدكتاتور" مثلاً، خلال الانتفاضة الشعبية السورية والحراك الشعبي الإيراني الراهن. المستبد الإيراني، شخص علي خامنئي هنا، ليس سليل نظام وراثي عائلي قوامه الاستبداد والفساد والنهب وشبكات الولاء وهيمنة الأجهزة والتمييز والتعبئة الطائفية، على غرار ما انتفض الشعب السوري ضده. لكنه نظام يمنح الولي الفقيه صلاحيات خرافية ترقى إلى مصافّ الاستبداد، وتُفرغ الكثير من مؤسسات الدولة وأحكام الدستور والحقوق العامة من مضامينها.

على سبيل الأمثلة، الأبرز في الواقع لأنها كثيرة ومتشعبة، للولي الفقيه أن يسمّي أعضاء مجلس المرشدين، ومجلس القضاء الأعلى، ورئاسة القيادة العليا للقوات المسلحة (بما في ذلك تعيين أو عزل رئيس الأركان، وقائد "الحرس الثوري"، وأعضاء مجلس الدفاع الأعلى، وقادة صنوف الأسلحة)، وإعلان الحرب والسلام والتعبئة. وله أن يقرّ أسماء المرشحين للانتخابات الرئاسية، وتوقيع مرسوم تسمية رئيس الجمهورية بعد الانتخابات، وإدانة الرئيس وعزله بموجب أسباب تتعلق بالمصلحة الوطنية، وإصدار مختلف أنواع العفو. وقد شهدت إيران اجتهادات عجيبة في تأويل مبدأ ولاية الفقيه، كتلك التي أصدرها أحمد أزاري ـ قمّي، واعتبر بموجبها أنّ للوليّ الفقيه سلطة إصدار "منع مؤقت" من أداء فرائض دينية مثل الحجّ، أو الأمر بهدم بيت مواطن متهم بـ"الشرك"، وإلزامه بتطليق زوجته!

ولقد قيل الكثير عن الوضع المعيشي للمواطن السوري، في نموذجه القياسي الأعرض وليس الاستثنائي، على امتداد 41 سنة من نظام "الحركة التصحيحية" وليس ساعة انتفاضة 2011 فحسب؛ وكيف انحطت طبقات اجتماعية كبرى، الوسطى منها بصفة خاصة، تحت وطأة تسلّط عائلة السلطة، آل الأسد وآل مخلوف في المقام الأوّل، واستنزافها مقدّرات الاقتصاد والثروات الوطنية والمال العام. لكنّ الانتفاضة انطلقت لاعتبارات أبعد من تلك الاجتماعية ـ الاقتصادية، بل لعلّ السياسيّ فيها لم يكن يقتصر على الحريات العامة وسيادة القانون ومساواة المواطن، بل كان يخصّ الكرامة الإنسانية في جوهر أساسي من الوجدان الجَمْعي الذي حرّك الاحتجاجات. وإذا كان هذا العنصر، الكرامة الإنسانية، ليس غائباً عن مطالب الشارع الشعبي الإيراني، اليوم، بدليل مهاجمة مقارّ الاستخبارات الإيرانية والتعريض بالصفة الدكتاتورية لشخص خامنئي؛ فإنّ المحرّك الأبرز هو الوطأة الاجتماعية لنظام مصدّر كبير للنفط، لكنه يرفع أسعار المحروقات والخبز في الداخل، وينفق المليارات على مغامرات تصدير الثورة المذهبية إلى الخارج.

يُشار، أيضاً، إلى أنّ الموقف من الانتفاضة السورية كان قد تباين لدى الأحزاب التقليدية، أي تلك التي كانت قائمة فعلاً في آذار (مارس) 2011، بين التأييد والانخراط المباشر (جميع الأحزاب المعارضة، غير الداخلة في أي تحالف أو تعاون مع السلطة)؛ والرفض الصريح، واعتناق سردية "المؤامرة الخارجية"، وتأييد النظام (وتلك كانت حال الأحزاب المنخرطة في "الجبهة الوطنية التقدمية" والمستوزرة في الحكومة، أو السائرة في أفلاك النظام على نحو أو آخر). لافت، في المقابل، أنّ التيارات الإيرانية التي تُصنّف عادة في الخانة "الإصلاحية" لم تتحمس لتظاهرات الاحتجاج الراهنة، حتى حين امتدت من الهوامش إلى المراكز؛ ولم تُسجّل أمثلة جلية على مقاربة كبار "الإصلاحيين" للحراك، سواء من حيث الانخراط فيه، أو التعليق عليه، أو حتى نقده.

صحيح، أخيراً، أنّ استبصار مآلات الحراك الشعبي الإيراني الراهن ليس بالصعوبة ذاتها التي اتسمت بها قراءات الانتفاضة الشعبية السورية، ساعة انطلاقها وعلى امتداد سنواتها السبع، واليوم أيضاً. صحيح، استطراداً، أنّ نزول "الحرس الثوري" إلى شوارع إيران يعني أنّ البطش الأقصى سوف يكون سيد اللعبة خلال الأيام أو الأسابيع القليلة المقبلة. الأصحّ، بالطبع، أنّ جذور الاحتجاج الشعبي لن تُقتلع بسهولة، بل الأرجح أنها ستضرب عميقاً في تربة خصبة كفيلة باستنبات كلّ عناصر الثورة ضدّ النظام، لأسباب لن تقتصر هذه المرّة على أسعار الخبز المحروقات، أو ولاية الفقيه.

========================

الإعلان عن النخبة الحاكمة السورية الجديدة .. غازي دحمان

الحياة

الجمعة 5/1/2018

وكأن روسيا وإيران وتركيا قد أنجزت كافة التسويات وانتهت من صناعة السلم في سورية ورتبت جميع الملفات المتعلقة بالصراع في هذا البلد المنكوب، وهي الآن بصدد وضع اللمسات الأخيرة، والتي غالباً ما تتعلق بهيكلية الحكم وتوزيع المناصب وترسيم أدوار الفاعلين.

الهروب من جنيف إلى سوتشي، في حين لم يتم إنجاز تفصيل صغير واضح، ليس هدفه ترشيق المفاوضات على ما يقول الروس وتحريكها عبر ورشة عصف فكري تتكون من 1700 شخص يمكنها إنتاج أفكار خلاقة تنقذ المفاوضات من مأزقها الحالي ووضع الجمود الذي وصلت إليه، وتقديمها لوفدي النظام والمعارضة باعتبارها أفكار من صناعة سورية وتملك قوة معنوية، كون الروس يعتبرونها "سوتشي" ممثلة لجميع السوريين، ما دام أن الألية التي ستنتجها اسمها المؤتمر الوطني، وأن أعضاءه يمثلون كامل الطيف السوري، بطوائفه وقومياته وطبقاته وفئاته وشرائحه.

وليس خافياً أن الهدف من وراء ذلك، هو إيجاد آلية جديدة تحتل مكانة عليا وتصبح جميع الأطر والآليات الأخرى تابعة لها على قاعدة التدرج، فيمكن تحديد مشروعية أي إطار انطلاقا من مدى توافقه مع طروحات الألية الكبرى التي لا يجوز مخالفة ما تقرره، وإن كانت تسمح بالإجتهاد ولكن دائما تحت سقف ما تقرره هي، وضعية تشبه تراتبية الدستور مقارنة بالقوانين المحكومة بالتكيف الدائم معه، وفي حال الاختلاف يتم الرجوع إلى هذا الإطار واستبعاد الأدنى لمصلحة الأسمى، والذي سيكون هنا الأمن والاستقرار والشرعية وفق تعريف الثلاثي المقرر روسيا وإيران وتركيا.

حسناً، ألم يطالب السوريون بتغيير سياسي، هذا تغيير سياسي يكاد يوازي قلب منظومة حكم كاملة وإحلال أخرى بدلاً منها، والأمر لن يقتصر عند المئات التي ستحضر سوتشي بل سيتم ضخ الألاف من الكوادر الجديدة في مؤسسات الدولة، من عناصر ميليشياوية وأعضاء لجان محلية وأشخاص تمت تسوية أوضاعهم عبر ما يسمى بالمصالحات، وهم من أبناء المناطق ويعرفون احتياجاتها ومطالب سكانها، كما تكونت لديهم خبرات إدارية وتفاوضية ويستطيعون القيام بالتوسط بين القاعدة الشعبية والهرم السلطوي.

النخبة التي ستقود هؤلاء جميعاً وستقود سورية في المرحلة المقبلة، هي التي سيتم الإعلان عنها في سوتشي، بعد أن تحدّد قوائمها روسيا وإيران وتركيا !، ويبدو أن العدد المعروض أكبر من قدرة مؤتمر سوتشي على إستيعابه لذلك سيتم غربلته لإختيار المناسب والأفضل.

وتتكون هذه النخبة في الغالب، وكما بات معلوماً لدى السوريين، من أشخاص مفحوصين، تم اختبارهم واختيارهم بعناية، في قاعات قاعدة حميميم ودهاليز المعسكرات الإيرانية ومكاتب المخابرات السورية، والكثير منهم تمت صناعتهم خصيصاً لمثل هذه المهمة، وغالبية هذه النخبة برزت في الحرب وأثبتت فعاليتها في خدمة الروس والإيرانيين ونظام الأسد، وهم تجار حروب وقادة ميليشيات وحزبيين متنقلين. أو من الرماديين والمتشاطرين الذين يسيرون مع الموجة. فضلاً عن أولئك الذين يقدّرون أن الحرب انتهت لصالح نظام الأسد ومشغليه وآن الأوان كي يلحقوا بالركب.

مهمات هذه النخبة ستكون واسعة، فهي بعد تقديم أوراق إعتمادها والإعلان الصريح عنها، ومن ثم إعلان موافقتها على المشروع الروسي للدستور وشكل الانتخابات المقبلة، لن تذهب للعطالة، بل سيكون مطلوب منها التجهّز لمهام تشريعية وتنفيذية أخرى، باعتبار أن هذه النخبة هي البنية التحتية للحكم، وهي من ستتولى إدارة البرلمان والبلديات والمجالس المحلية والنقابات، وستزكّي النخبة التنفيذية الأدنى التي ستتولى تنفيذ المهمات المقبلة في مرحلة الإعمار من إصلاح وتنظيف الشوارع إلى تسيير شؤون قطاعات التعليم والصحة وغيرها.

وبالطبع، بالنسبة للبنية الفوقية للحكم، وهي هنا رأس النظام وقادة الأجهزة الأمنية والعسكرية، فهي بنية مقدسة وخارج أطر النقاشات، إما بذريعة انها شرعية، على ما يؤكد الروس، أو لضرورة الأمن والاستقرار، وكل ما هو ممكن هنا، تغيرات على مستوى الحكومة، والتي هي بالمناسبة بنية غير فاعلة أو مؤثرة في تنظيم الحكم في سورية.

ما قبل سوتشي لن يكون كما بعدها، إذ ستصبح محرمة المطالبة بالانتقال السياسي كما سيصبح جرماً المطالبة برحيل الأسد، وفق المنطق الروسي ستكون الوقائع السياسية قد تجاوزت هذه الأمور، ومن يلجأ لها سيكون إما شخص غير بناء وإما في أهون الأحوال منفصل عن الواقع. فما دام قد جرى النص على تغيير الدستور أو إصلاحه وإجراء إنتخابات بما فيها البرلمانية والرئاسية فإن الميدان السياسي للأزمة السورية يكون قد أغلق الباب على أي مطالب أو إعتراضات جديدة، وحاصة وأنه تم بموافقة الأمة السورية جمعاء عبر ممثليها الذين حضرو مؤتمر الحوار الوطني في سوتشي.

ليس ثمة خيارات ذات قيمة لدى المعارضة لمواجهة هذه الإستراتيجية الماكرة لتصفية القضية السورية، وبخاصة في ظل تراجع دولي أمام الثلاثي الصانع لهذه الإستراتيجية، وتغير مطالب البيئة الدولية، لكن ذلك لا يعني الاستسلام والرضوخ، بل على المعارضة إدراك حقيقة أن قيمتها في التصنيف الشعبي والدولي تضعها في مكان لا تستطيع روسيا تجاوزه، ورفضها لمؤتمر سوتشي وعدم حضوره سيجعلان المؤتمر مجرد فكرة فاشلة بلا أي قيمة، وستكون قيمته الوحيدة كشفه لقوائم العملاء والمرتبطين بالأجهزة الروسية والإيرانية والتركية.

========================

هل يغير أكراد سورية معادلات التسويات في سوتشي؟ .. سميرة المسالمة

الحياة

الجمعة 5/1/2018

ينطلق الموقف التركي في مقاربته للحلول المقترحة للصراع السوري من مسألتين أساسيتين: أولاهما، ما يتعلق بأمنه القومي الذي يهدده، وفق تعبيره، "الحزام الإرهابي" في تسمية صريحة للإدارة الذاتية الكردية. وثانيتهما، ما يتعلق بنصيب تركيا من التحكم بالصراع الدولي على سورية، ورغبتها في ضمانة التهدئة "المزعومة" في إدلب وعفرين وفق اتفاقات "خفض التصعيد"، التي وقّعت في جولات آستانة، باعتبار أنها تتعلق مباشرة بالمسألة الأولى الخاصة بمنع قيام دولة كردية تمتد من شرق سورية إلى البحر المتوسط. ولعل هذا ما يفسّر اليوم خفوت الحديث عن المشاركة في مؤتمر سوتشي التي تدعو روسيا اليه، بهدف تنويع خيارات الحلول الروسية، من العسكرية التي توّجتها بمسار آستانة، ومؤتمر سوتشي الذي يؤسّس لعلاقة جديدة بين المعارضة والنظام السوري على أساس التسويات المباشرة، بعيداً من القرارات الأممية الصادرة بخصوص القضية السورية.

وتتحدد جملة التفاهمات التركية الدولية والإقليمية ومنها (التركية- الروسية، أو التركية- الأميركية) في سياق ضمان "الأمن القومي التركي"، بعيداً من تفاصيل وأسباب الصراع السوري- السوري، وغير متطابقة مع مواقف تركيا وتصريحات قادتها الداعمة لمطالب المعارضة السورية، وكل ما يحقق مصلحة تركيا الأمنية هو المعيار الأساسي لها في التفاهمات مع الدول المتصارعة على سورية، وهو ما أدى إلى إعادة العلاقات مع روسيا، على رغم الخلافات التي وصلت إلى حد القطيعة إثر إسقاط القوات التركية مقاتلة حربية روسية من طراز سوخوي 24 (25 /11/ 2015).

وعلى ذلك كان التقارب مع روسيا نتيجة مباشرة لتوتر العلاقات التركية ـ الأميركية حيث اعتبرت تركيا أن الولايات المتحدة تساند عدوها التاريخي "الأكراد"، الذين تعتبرهم امتداداً لحزب العمال الكردستاني المحظور والمصنف "بالإرهابي"، ما ساهم بتبني حكومة أردوغان مشروع روسيا "الانشقاقي" عن المسار الأممي التفاوضي السوري-السوري في جنيف، والانجرار وراء مسار آستانة الذي يجمع بين المتناقضين والمتواجهين في الصراع على سورية، أي موسكو وطهران من جانب النظام، وتركيا من جانب المعارضة السورية. وأيضاً، مع تقاطع المصالح مع النظام السوري، الذي يتشارك مع تركيا مخاوفها من التحركات الكردية وانتزاع مناطق الشمال لإعلان كيان مستقل عن سورية، الأمر الذي هيأ الظروف لاستمرار مسار آستانة وعقد اتفاقيات خفض التصعيد العسكرية تحت مظلته.

إلا أن التذبذب الروسي الذي يراوغ في موقفه من القضية الكردية في سورية، بين مراعاة رغبة الولايات المتحدة، التي تسيطر على الشمال والشرق من سورية (مناطق السيطرة الكردية)، والتردد في تنفيذ اتفاق "خفض التصعيد" في مدينة إدلب، والتي وضّحها تصريح وزير الخارجية الروسي لافروف، خلافاً للتفاهمات الآستانية مع تركيا، بإعلانه أن "المهمة الرئيسية لقواته هي تدمير جبهة النصرة بعد أن اعتبر أن المعركة ضد داعش في جزئها الرئيسي انتهى". ما وضع اشارات استفهام كبرى من قبل تركيا حول جملة التفاهمات التي انبثقت من آستانة، والتي تعطي تركيا وليس روسيا هذه المهمة في إدلب، ما يعني أن واقع التفاهمات الروسية ـ التركية في مسألة تقاسم النفوذ في سورية قد يشهد تغييراً في ملامح الخريطة النهائية، التي كانت تركيا قد اطمأنت إليها، وبدأت بإعادة انتشار فصائل المعارضة وهيكلتها وفق ما يخدم الوجود التركي، والمعركة التي تستعد لها مع هيئة تحرير الشام "النصرة سابقاً".

أيضاً فإن التصريحات الروسية التي أكدت دعوة ممثلي الادارة الذاتية الكردية إلى مؤتمر سوتشي، خلافاً للوعود التي قدمت لتركيا، ولفصائل المعارضة المشاركة في الجولة الثامنة لمحادثات آستانة (كانون الأول من العام المنصرم)، يضع عملية التقارب مع الجانب الروسي على شفا الانهيار وكذلك تفاهمات سوتشي، في وقت تلوح فيه الإدارة الأميركية بإمكانية فتح صفحة علاقات جديدة مع حكومة أردوغان، على رغم وقوف كلا الطرفين على الضفتين المتواجهتين فعلياً.

بناء على ذلك فإن خيارات تركيا اليوم تتراوح بين التمدد باتجاه الانفتاح على المشروع الأميركي، أو المضي في المسارين الروسيين (آستانة وسوتشي)، ما يضعها أمام خيارين مرّين، أي بين التحالف مع داعم عسكري لقوات سورية الديموقراطية التي تناصبها العداء، أو التماس الطريق الروسي إلى "سوتشي" التي تمنح الإدارة الذاتية الكردية الدعم السياسي، من خلال مشاركتها في حوار اعتبرته روسيا مؤسساً للحل السياسي بين "الشعوب" والمكونات السورية.

وفي كلا الخيارين تتخوف أنقرة من تجرّع هزيمة مطالبها بما يتعلق بتحجيم دور أكراد قوات سورية، وإبعاد شبح إقامة "كانتون كردي" على الحدود الشمالية السورية المقابلة لمناطق تركية ذات الأغلبية الكردية، وهو ما دفع القوات التركية- التي تعثرت حركتها أكثر من مرة- لإعلان بدء معركتها مع القوات الكردية، لتحرير منطقة عفرين بهدف تبديد الحلم الكردي بوصل مناطق نفوذهم، من مدينة المالكية شرقاً حتى جبل الأكراد والتركمان على الساحل السوري غرباً، والوصول إلى البحر المتوسط.

ولعل تعويل تركيا على إنهاء الدعم الأميركي للقوات الكردية، لتحقيق استدارة كاملة من طرفها عن المشروع الروسي لايزال يفتقد "الثقة" بسبب التصريحات المتضاربة للمسؤولين الأميركيين حول دعم الأكراد، إلا أنه ومع تلك التصريحات يمكن ملاحظة أمرين في هذا السياق:

-اعلان قيام جيش كردي مع قوميات عربية وشركسية وسريانية في الشمال السوري (جيش شمال سورية) من جانب الأكراد من دون أي اشارة أميركية لذلك، على رغم الإعلان الأميركي عن مساعدات عسكرية للمعارضة بقيمة 500 مليون دولار، منها 100 مليون للتدريب العسكري، علماً أن الحديث الأميركي لم يخصّص "قوات سورية الديموقراطية" بأي تصريح مباشر حول هذه المساعدات، بينما تحدثت للمعارضة السورية التي قد تكون القوات الكردية منها.

-الدعم الأميركي المعلن من قبل إدارة ترامب، والذي لا يختلف عن الدعم المعلن من قبل ادارة أوباما عام 2015، وقد أدت الظروف المحيطة بعمل فصائل المعارضة العسكرية والسياسية إلى افشال توجيهه إلى فصائل الجيش الحر لتشكيل جيش موحد لقتال "داعش"، حيث رفضته آنذاك قادة الأركان والائتلاف والحكومة الموقتة (سليم إدريس، خالد خوجا، احمد طعمة)، لتتوجه المساعدات الأميركية إلى القوات الكردية التي قدمت نفسها كقوة معتدلة ومنظمة ووافقت على الشروط الأميركية. لذا ربما يمكن القول اليوم إن تركيا التي دفعت ثمناً باهظاً بسبب عدم تفهم دواعي تشكيل الجيش الموحد لقتال "داعش"، قبل ما يزيد عن عامين ونصف العام، يمكن أن تدفع المزيد اليوم لو كررت الفصائل المبررات نفسها "التي يشك في أنها بدفع تركي" لرفض العرض الأميركي.

في هذه الظروف والمداخلات قد تتسبب تركيا بنفسها -مرة أخرى- في حصر المساعدات الأميركية بالقوات الكردية من دون سواها، وتكون سهلت فتح الطريق أمام مواجهة بين فصائل سورية مدعومة تركياً مع أكراد سورية، من دون أي دعم دولي، وبأدوات فصائلية إسلامية غير مرحب بها مجتمعياً ودولياً، في حرب ستكون ظالمة لكلا الطرفين، وضدهما. وفي مثل هذا الوضع ربما يصبح المجال مفتوحاً على مصراعيه أمام قوات سورية الديموقراطية لتكون الطرف الفاعل في تغيير معادلات التسوية التي قامت عليها مبررات انعقاد مؤتمر سوتشي، ما يبقي الصراع السوري في غاية التعقيد، والتداخل، وهذا لا يقتصر على النظام الذي سلم قراره لإيران وروسيا، بل وعلى المعارضة التي لم تتلمس طريقها الصحيح بعد في التعاطي مع القضية الكردية من منظور سوري بحت، وهو حتماً يشمل مختلف الأطراف الدولية والإقليمية المنخرطة أو المتورطة في هذا الصراع.

كاتبة سورية

========================

سورية.. حين نجح النظام في تغيير الشعب .. نجيب جورج عوض

العربي الجديد

السبت 6/1/2018

تقول المعطيات الميدانية، وعوامل القتل والاقتلاع والتهجير والنزوح والتشريد واللجوء، التي تعرّض لها الشعب السوري إن نسبة التعداد السكاني في داخل سورية تناقصت بشكل كبير، وإن الشعب الذي بلغ تعداده قبل المأساة بين 22 و23 مليون نسمة قد بقي منه من الذين كانوا "مواطنين" سوريين رسميين ما بين 8 و9 ملايين مواطن فقط يعيشون داخل سورية. وتناقصت كل نسب المجتمعات السكانية السورية المختلفة نتيجة ذلك، إذ لم يعد السنة يشكلون النسبة الأعلى في البلد (أقل من 60%) وما عاد هناك مسيحيون أكثر من 2-3% (بعد أن كانوا 8-10% قبل المأساة) وتناقصت نسبة المجتمع العلوي ما بين 1-2% عن نسبتها السابقة، في حين ازدادت فقط نسبة الوجود الكردي، نتيجة انزياحات ديمغرافية عسكرية الطبيعة، نتجت عن دخول قوات كردية من كردستان العراق وتركيا إلى شمال شرق سورية. كما أن نسبة الوجود الشيعي (كان ضئيلاً جداً قبل المأساة) ارتفعت أخيرا في البلد. لا توجد معطيات علمية تجيز القول إن التعداد السكاني في سورية اليوم ازداد بمقدار ستة ملايين على الأقل عمّا كان عليه قبل المأساة. هكذا خرج علينا النظام، أخيرا، ليقول أن التعداد السكاني لسورية حالياً هو 28 مليون نسمة، 21 منهم داخل البلاد. ما الذي جعل النظام فجأة يهتم بالجهد العلمي، ويقوم بإحصاء سكاني، وهو الذي لم يكن يُعنى لا بالعلم ولا بالواقع الحقيقي لسكان سورية يوماً؟ والأهم: ما الذي دفع النظام للخروج بإحصاءٍ كهذا، في هذا التوقيت، وفي قلب ظروف أبعد ما تكون عن الملاءمة لإجرائه؟ يمكن لسببين استراتيجيين:

أولا، يتحدّث الكل اليوم في دوائر صنع القرار عن انتخابات رئاسية مقبلة في سورية، سيُسمَح 

"نجح النظام في سورية، بقرار دولي وإقليمي، في أن يحقق مشروع "النظام يريد تغيير الشعب" للأسد بالمشاركة بها، لا بل وستعمل روسيا، ومن يدعم النظام، على جعله يفوز فيها. وتقول الأرقام الواقعية إن من سيتمكن من الاقتراع داخل سورية سيكونون البالغين من بين الـ 8 و9 ملايين مواطن الذين مازالوا موجودين في الداخل. ولكن، ومع رفع عداد السكان إلى 28 مليونا، سيضخّم النظام أعداد الشطب الانتخابية ولوائحها، بشكل يخرج به الأسد فائزاً في الانتخابات رئيسا بنسبة اقتراع عالية، من مقترعين، قسم كبير منهم تعداد وهمي متضخم، سيتم دعمه بأرقام الإحصاء الجديد، خصوصا وأن هذا الإحصاء ادّعى أن عدد الموجودين في سورية 21 مليونا. وفي إطار تفعيل عملية التغيير الديمغرافي التي بدأها النظام في قلب سنوات المأساة، يصبح الإحصاء ليس ورقة انتخابية فقط، بل وورقة أساسية مرتبطة أيضاً برفض النظام الإقدام على أي محادثاتٍ رسميةٍ مع أي دولة تستضيف نازحين ومشردين سوريين في دول الجوار، بغية إيجاد آليةٍ لإعادة تلك الملايين من السوريين إلى أراضيهم وبيوتهم التي عاشوا فيها وامتلكوها قبل الحرب. يتعمّد النظام تجنُّب هذا، وربما يشرع به بعد الانتخابات الرئاسية، لأنه يعلم أن القسم الأكبر، إن لم يكن الكلي من هؤلاء السوريين لن يقترع له أبداً رئيسا، لهذا يحتاج أن لا يوجدوا على لوائح الاقتراع في الانتخابات العتيدة.

ثانيا، فرق الستة ملايين مواطن مزعوم سوري التي يقترحها رقم 28 مليونا يعبر عن عدد المنازل الخالية التي تركها سوريون مواطنون حقيقيون خلفهم، حين غادروا سورية نازحين أو مشرّدين أو مقتلعين أو لاجئين. هو عدد المنازل التي دمرتها الحرب أو أفرغتها من سكانها. إلا أن النظام قدّم مؤشراتٍ عديدة في السنوات المنصرمة إلى أنه عازم على إعادة إيجاد البنية السكانية في سورية من الصفر، وتغييرها بنيوياً في محاولته توطين أعداد كبيرة من المقاتلين الشيعة، وتجنيسهم وإسكانهم، جاءوا من كل حدب وصوب من العالم الشيعي، لمناصرته والدفاع عنه (مع غضه الطرف عن ازدياد أعداد الأكراد في مناطق تحرسها القوات الأميركية

"النظام قدّم مؤشراتٍ عديدة في السنوات المنصرمة إلى أنه عازم على إعادة إيجاد البنية السكانية في سورية من الصفر" لمصلحته في ذلك)، مع عائلاتهم وأقربائهم، وكل من يرغب بالانتقال معهم للعيش في سورية، كي يكونوا مجتمعاً سوريا جديداً (مجتمعه المتجانس) يعيد بناء الشعب السوري، ويغير نِسبَهُ الديمغرافية جذرياً. تلك الستة ملايين منزل أصبحت "منازل بلا سكان"، وسيجعلها النظام أماكن إقامة وعيش "لسكان بلا منازل"، عملاً بالمبدأ الصهيوني الذي تم تطبيقه على فلسطين "أرض بلا شعب لشعبٍ بلا أرض". ولأن النظام لا يضمن قدرته على منع السوريين الأصليين من العودة إلى أرضهم بقرار دولي صارم، لا يقوى على الوقوف في وجهه (حين يصدر)، من الضروري منذ الآن تضخيم التعداد السكاني، كي يشمل في سجل السكان تلك الملايين التي يطمح النظام بتغيير بنية الشارع السوري بها في السنوات القليلة المقبلة.

خرج الشعب السوري إلى شوراع وساحات مدنه، منذ سبع سنوات، يصرخ "الشعب يريد تغيير النظام". واليوم، وبعد سنوات المأساة السورية الفظيعة، نجح النظام، بقرار دولي وإقليمي، في أن يحقق مشروع "النظام يريد تغيير الشعب". يعلم كل السوريين اليوم أن سورية التي نعرفها وننتمي لها ونتنفس هواءها لم تعد موجودة. الجديد الذي يهيئنا النظام (وأسياده) لترقبه ومواجهته في القادم من السنين أن الشعب السوري الذي كنّاه ونعرفه، وننتمي إليه، هو أيضاً لم يعد موجوداً كما كان... ما الذي بقي للسوريين؟ ربما بصيص أمل بأن يفشل مشروع تغيير الشعب السوري (بعد أن نجح مشروع تغيير البلد) في ضوء انتفاضة الشعب الإيراني، وفي ضوء بوادر تحاصصات وتقاسمات جديدة تريح الروسي من التزامه بإرضاء الإيراني، قد تـنقذ سوريتنا التي كنّاها يوماً.

========================

موقفنا : رد التحية إلى المنتفضين من شعوب إيران .. لا لعدمية الولي الفقيه ..نعم لحرية وكرامة الإنسان .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

2 / 1 / 2018

تتلخص الرسالة التي ترسلها الشعوب الإيرانية إلى نظام الملالي المتمترس وراء تراكمات الحقد والجهل ، والمستثمر في التعصب المذهبي والطائفي ، والمستجيب للروح الهتلرية النازية في السعي إلى تحطيم كل حسن جميل ، وتدنيس كل مقدس ، والادعاء على كل الناس هي : أن الكرامة الفردية والجماعية للبشر فوق كل مشروعات النفوذ والهيمنة ، مع ما تجره مشروعات الهيمنة والنفوذ من حروب ، وتستدعيه من ارتكاب للجرائم والانتهاكات والحماقات ..

من حق المحتجين على سياسات نظام الملالي في إيران أن يتلقوا الدعم والتأييد من كل دعاة الخير في العالم . ومن حقهم أن يسمعوا أن وراءهم في العالم الفسيح ، وفي دول الجوار القريب طلابَ عدل يتفهمون مطالبهم ، ويؤيدونهم في مسعاهم ، ويقفون إلى جانبهم في مشروع إعادة روح السلام والوئام في كتلة حضارية عملت دولة (الولي الفقيه) ، على مدى أربعة عقود ، على تفتيتها ، وضرب أبنائها بعضهم ببعض .

ومن حق المحتجين على سياسات (الولي الفقيه) في إيران ، وهم قد جعلوا في رأس شعاراتهم رفض حرب  الاستكبار والهيمنة والنفوذ (في سورية) ، أن يسمعوا من  أحرار الشعب السوري بشكل خاص ، أنهم معهم في مطالبتهم بحقوقهم الأساسية في الكرامة الإنسانية ، والكرامة الوطنية ، وعن حقهم ، على اختلاف انتماءاتهم ، في سهم كل مواطن منهم في ثروة وطنه وفي سلطته ..

ومن أولى من الشعب السوري الحر الكريم الأبي أن يدرك معنى الحرمان من هذه الحقوق الأولية ، وسط عالم من الهرج والضجيج والادعاء ..؟!

لم تكن حروب الهيمنة والنفوذ والتدمير من خيارات الشعوب قط ؛ وقد آن الأوان للشعب الإيراني بكل مكوناته أن يأخذ على أيدي المفسدين المبيرين . الذين أدخلوا الشعب الإيراني ، بغرورهم بما يدعونه انتصارات  ، في أضيق المسالك التي سلكها هذا الشعب الكريم  عبر التاريخ .

تشكل انتفاضة الشعب الإيراني اليوم محطة ذهبية لقوى الثورة والتحرر العربي لتمد يدا واعية وفية لقوى الثورة والتحرر الإيرانية . لطي صفحة أربعة عقود من السخيمة والنفث والنفش ؛ فتحها الغالي بغلوه والجاهل بجهله ، والمتعصب الأعمى بتعصبه .

وإنها لفرصة تاريخية للشعوب والدولة الإيرانية أن تنفض عن نفسها عبء الإرث التاريخي المثخن الذي حمّلها إياه الولي الفقيه وقاسم سليماني في إيران وفي العراق وفي لبنان وفي اليمن ..

وإن الفرصة لمواتية أكثر اليوم لمخاطبة ضحايا هذا المشروع من أتباع المذهب الحقيقيين في العراق وفي لبنان وفي اليمن وفي البحرين ..أن أفيقوا قبل أن تندموا ولات حين مندم ..

إننا وإزاء كل التطورات على الأرض الإيرانية وتداعياتها لنعلن بكل وضوح  أننا ..

* ندين منهج الولي الفقيه المنغلق والمتعصب . وندين التشويه المتعمد الذي طال عناوين مثل (الثورة الإسلامية )، و (الجمهورية الإسلامية ). و ( الحكومة الإسلامية ) و( المشروع الإسلامي) ، حيث لم يمثل كل ذلك في إيران غير ثورة تاريخانية مذهبية متعصبة ، تنضح بالحقد والكراهية والبغضاء، وتتشح بالعدمية والغطرسة والغرور ، وحب السيطرة والنفوذ .

* إن ما سمي ( التجربة الإسلامية ) في إيران ، والتي اقترنت عبر تاريخها القصير ( أربعة عقود ) بالكثير من المعارك الساخنة والباردة ضد الدول العربية ، والهوية الإسلامية . لقد قتل قادة هذا المشروع المشبوه في العراق وسورية واليمن عشرات الآلاف من النفوس المعصومة ، كان في مقدمتهم العلماء والخبراء وأصحاب الطاقات . وكل ذلك يجعلنا نقرر ، بما لا يدع مجالا للشك أن تجربة ملالي طهران في تشويه المشروع الإسلامي ؛ لم تكن إلا النسخة الأولى لما أحدثه وتجرأ عليه ، بعد ، وجههم الآخر من الغلاة ز

* ندين سياسات الولي الفقيه ومدرسته  التي فتقت في عالمنا الإسلامي جروحا ، وخدت؛  أخاديد ظنّ كثير من العقلاء ، لحين من الدهر،  أن أمتنا قد تجاوزتها ، أو أنها قادرة على تجاوزها  بريادة العقلاء والمثقفين ، وبقدرة القادة الحقيقيين ، القادرين على استشراف حجم التحديات الحضارية الأكبر والأضخم من الانشغال بضريح هنا ، والتشاغل بذكرى أربعينية لميت منذ قرون هناك..

* وندين رابعا سياسات ( التقيّة ) في نفاق الظاهر والباطن . في الشعارات المريبة المستعلنة بحق قوى الاستكبار العالمي والمشروع الصهيوني مع التنسيق المسبق للنوم في مخدع الاستكبار والصهيونية معا ، ثم السير في ركابهما ، وتنفيذ مخططاتهما ، في فتح معارك في جنب الأمة تشغل عن هؤلاء وأولئك ..

* نؤيد  الحراك الشعبي الإيراني الرافض لمنهجية الولي الفقيه ، ولسياسات الولي الفقيه ، ولممارسات أتباع الولي الفقيه المفسدين في إيران وفي أفغانستان وفي العراق وفي سورية وفي لبنان ..

* ونشد على أيدي رجال الحراك المجتمعي ونسائه داخل إيران وخارجها . ونسأل الله أن يلهمهم رشدهم ، وأن يسدد على طريق الهدى والحق والخير والحب والألفة خطاهم ..

* نقول للولي الفقيه ولقاسم سليماني ولحسن نصر الله الذين استطالوا في عدوانهم على الشعب العراقي والشعب السوري والشعب اليمني، معتمدين على كل أشرار العالم : (( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ )) .

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

========================

عن عودة الإرادة السورية .. عبدالباسط سيدا

الحياة

الثلاثاء 2/1/2018

القراءة الصحيحة للوضع الداخلي، والمعادلات الإقليمية والدولية المتشابكة معه، المؤثرة فيه، تمكّن السياسي من اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب، تماماً مثلما يكون الحال مع التشخيص السليم بالنسبة إلى الطبيب. أما إذا كانت القراءة خاطئة، فستكون النتائج المترتبة إليها هي الأخرى خاطئة، أو غير منتجة. وهذا ما حصل مع القيادة السياسية التي تصدّرت المشهد في بدايات ثورة الشعب السوري على نظام الاستبداد والإفساد.

فقد تصورت القيادة المعنية أن التغيير آتٍ إلى سورية، وأن العالم قد تغيّر، وبات مصير الديكتاتوريات في منطقتنا محسوماً لمصلحة شعوبها، لتتمكّن هذه الأخيرة من إعادة بناء مجتمعاتها من أجل مستقبل أفضل لأجيالها المقبلة، يضمن الفرص العادلة في ميادين التعليم والعمل والإبداع. وكان التصور هو أن كل ذلك سيكون في مصلحة الأمن والاستقرار والازدهار على المستويين الإقليمي والدولي.

ولكن ما تبين لاحقاً أن هذه القراءة كانت متفائلة أكثر من اللازم، لأنها لم تأخذ في الاعتبار موقع ودور سورية وأهميتها على صعيد ضبط المعادلات بين القوى الإقليمية والدولية، هذه القوى المتصارعة على المزيد من التحكّم بتوجهات المنطقة ومقدراتها.

ومن بين ما أدّت إليه القراءة الخاطئة تلك أن القيادة السياسية للثورة غضت النظر عن الأخطاء والممارسات غير السوية التي كانت تتمّ سواء ضمن المؤسسات السياسية، أم على المستوى الميداني العسكري الذي كان في واقع الحال خارج نطاق نفوذ السياسيين، وذلك لأسباب كثيرة لسنا بصدد تناولها الآن.

ومع الوقت تراكمت الأخطاء المعنية، وأصبحت ظاهرة لتؤدي بدورها إلى تحوّلات نوعية تراجعية، مهدت الطريق أمام تدخلات إقليمية ودولية استهدفت هندسة كيان جديد تحت اسم الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، ليكون البديل عن المجلس الوطني السوري الذي كان يعبر عن أهداف الثورة السورية. فأصبح الكيان الجديد يجمع بين قوى الثورة والمعارضة من دون أن ينتبه أحدنا إلى أن الخطوة المعنية كانت مقدمة لإنهاء قوى الثورة، والإبقاء على قوى المعارضة بأطيافها المختلفة، لتختزل المسألة إلى مجرد خلاف بين نظام ومعارضة حول تقاسم السلطة. هذا في حين أن الثورة السورية جسّدت تبايناً وجودياً بين مشروعين: مشروع النظام المستبد الفاسد المفسد. ومشروع الشعب الثائر المتحور حول قيم الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

ومع الوقت، غاب مصطلح قوى الثورة نهائياً عن المشهد، ليصبح مصطلح قوى المعارضة السياسية والعسكرية أو الميدانية هو المهيمن.

ومع تبدّل أولويات القوى الإقليمية، وتحكّم روسي شبه كامل بالملف السوري، بدأنا نرى معالم خطة مبرمجة، استهدفت إجراء تغييرات بنيوية ضمن هيكلية المعارضة السورية، وكان الهدف هو تغيير وظيفتها ودورها. فقد بات المطلوب منها التعايش مع النظام، إن لم نقل الاندماج فيه بهذه الصيغة أو تلك، وذلك بموجب رتوش دستورية، ستكون غالباً مجرد حبر على ورق، في ظل وجود نظام أمني قمعي مهيمن، متحكّم بمفاصل الدولة والمجتمع. على أن تكون التغييرات المعنية مقدمة لانتخابات عامة تحت إشراف دولي، يتم التسويق له منذ الآن. واللافت في الأمر أن القائمين على هذا التسويق يتجاهلون عن سابق قصد وتصميم عجز المجتمع الدولي، إن لم نقل تخاذله، عن إدانة جرائم هذا النظام الصارخة مثل الكيماوي والتصفية المبرمجة للمعتقلين، واستخدام سلاح الاغتصاب، وقصف المدن والبلدات السورية بنحو 70 ألف برميل على مدى سنوات وغير ذلك من الجرائم التي يبدو أنها قد باتت جزءاً من المألوف اليومي لعالم المصالح والحسابات.

ومن الواضح أن جرعات التخفيف، بالمعنى الكيماوي، التي تعرضت لها المعارضة السورية قد ساهمت في تضييق نطاق المناورة لديها، وأضعفت من قدرتها على رفض ما يعرض عليها من أشباه حلول، تتقاطع كلها حول شرعنة النظام القائم، مقابل فتات سلطوي لن يستفيد منه السوريون شيئاً.

اللحظة التي تواجه السوريين المعارضين، الذين يرفضون علناً، على الأقل، القبول بفكرة استمرارية نظام بشار، حاسمة ومفصلية. فهم إما سيسيرون مع قافلة المهللين لـ "الحل" الروسي، أو أنهم سيتخذون الموقف المناسب المنسجم مع تضحيات وتطلعات الشعب السوري، وسيرفضون الخنوع لما يُفرض عليهم، وهم يدركون قبل غيرهم طبيعته ومآلاته.

سوتشي على الأبواب. ومن المفروض أن يعقد بإشراف وتحكّم مباشرين من الجانب الروسي، وبالتفاهم مع النظام، وبمشاورة مع القوى الإقليمية التي أرغمها الغياب الأميركي على التواصل غير التقليدي مع الروس، حتى تكون بمنأى عن الموجات الارتدادية للزلزال الذي تشهده المنطقة بفعل التدخل الإيراني بمختلف الأشكال والأدوات.

هل سنقنع أنفسنا، ونشارك من باب ضرورة التعاطي الإيجابي مع المبادرات السلمية، ونلوذ بذريعة أخطار الكرسي الفارغ. وهذا فحواه ليس الإقرار بالهزيمة وحدها، بل الاعتراف بأحقية النظام، والتسليم بشرعيته، وتحميل من ثار عليه من السويين مسؤولية ما حدث.

علينا أن نميز في هذا السياق بين الموقف الشجاع الذي يعترف بعدم الانتصار، وبين الموقف الإنهزامي الاستسلامي الذي يروّج له بعضهم بهدف، شرعنة النظام، وإعادة تجديده.

ففي الحالة الأولى، لا بد أن نبحث في الأسباب والمقدمات التي كانت وراء الإخفاق من أجل تلافي السلبيات التي كانت، بصغيرها وكبيرها، ونؤسس لحركة وطنية شاملة، تمثل إطاراً يستوعب طاقات شبابنا الهائلة في الداخل والخارج، طاقات النخب السورية الثقافية والفنية والإعلامية والاقتصادية والمجتمعية، لتكون جميعها متفاعلة، مشاركة في حركة عامة، تلتزم المشروع الوطني المدني الديموقراطي الذي يكون بكل السوريين ولكل السوريين.

ومن نافل القول هنا أن نؤكد أن مشروعاً كهذا سيستغرق الكثير من الوقت والجهد، ويستوجب الكثير من التحمّل والتضحيات، ولهذا لن يكون جذاباً بالنسبة إلى المستعجلين اللاهثين بعقلية سحرية خلف ما يشبع عقدهم، ويستجيب نزواتهم ونزعاتهم.

لقد قدم السوريون تضحيات تعجز الأرقام والعبارات عن تحديدها وتوصيفها. ولكنهم مع ذلك لم ينتصروا، وليس في ذلك أي عيب أو نقيصة. لأن قوى الشر جميعها تكالبت عليهم. أما القوى الأخرى التي أعلنت صداقتها للشعب السوري، فقد لاذت بالصمت المريب.

لقاء سوتشي المقترح، المرتقب، لن يربك السوريين الرافضين لأي دور للنظام القائم، فهؤلاء قد اتخذوا قرارهم برفض المشاركة، وهذا القرار سيعيد اللحمة في ما بينهم، وتسترجع قضيتهم ألقها الأصيل؛ بعد تحررها من كل الشوائب والقيود المؤلمة.

الأمور كلها في منطقتنا في حالة غليان وتفاعل، ومن يدري، فقد يكون التحرك الشعبي الإيراني مقدمة للتحوّل الأكبر المنتظر.

========================

نهاية الحرب السورية .. حسام ميرو

الخليج

الاثنين 1/1/2018

منذ أن حسم الروس معركة حلب في ديسمبر 2016، أصبح واضحاً أن الحرب السورية تمضي نحو نهاياتها، وقد أتت ترتيبات موسكو في الشأن الميداني، عبر اتفاقية "خفض التصعيد"، لتعكس ميزان القوى الجديد، وتحدّد إلى حدّ بعيد مسار التسوية المقبلة، وهو ما عنى بالنسبة إلى مختلف الأطراف الفاعلة مباشرة على الأرض السورية أن مرحلة الصراع العسكري قد انتهت إلى غير رجعة، وأن ما هو مهم هو تظهير نتائج الوضع الميداني سياسياً، فقد استثمرت تلك الأطراف في الحرب السورية على ضفتي الصراع، وهي ترى أن من حقها ضمان مصالحها الاستراتيجية، وتحقيق أكبر قدر من المكاسب.

المعضلة في المسار السياسي هي اشتماله على ملفات لا تقل إشكالية عن الوضع العسكري الذي ساد لسنوات، ولا يمكن حل تلك الملفات، أو الوصول إلى تسويات أولية بشأنها، من دون وجود السوريين، فأي صيغة سياسية مستقبلية تحتاج إلى روافع قوامها قوى سياسية سورية، وهذه النقطة أيضاً هي بحد ذاتها مشكلة جوهرية، فقد منعت الحرب بلورة قوى سياسية فاعلة وذات مصداقية شعبية، فمعظم القوى الراهنة هي مجرد عناوين سياسية، لا تستند إلى قواعد حزبية وازنة، أو امتداد شعبي، خصوصاً أن الصراع العسكري كان قد استدعى بروز الهويات الثانوية (الدينية، والمذهبية، والمناطقية، والإثنية)، وهي هويات مضادة للسياسة بمعناها الوطني العام.

تنطلق موسكو في رؤيتها للحل السياسي من حيث انتهى الصراع العسكري، فترى بأن المعارضة السورية يجب أن تقبل وتقرّ بهزيمتها العسكرية، وبالتالي فإن طرح المعارضة السابق حول المرحلة الانتقالية قد سقط، وعليها أن تقبل المشاركة في الحل السياسي بتوقعات موضوعية، وهو ما يعني فعلياً القبول بما تبقى من النظام القديم، لكن هذه الرؤية الروسية، بما فيها من مشكلات بنيوية بالنسبة للمعارضة، لا تلقى قبولاً إيرانياً، فطهران ما زالت ترى بأن أي مسار لمشاركة المعارضة في مستقبل سوريا سينطوي على مخاطر كبيرة على مصالحها، كما ترى بأن الحل الروسي، وما يحتاجه من توافقات مع واشنطن سيكون على حسابها، وبالتالي فإنها ستعمل على عرقلة هذا الحل، على الرغم من عدم رفضها الصريح له.

إن مختلف الأطراف الإقليمية التي انخرطت في الصراع السوري أصابتها حالة من الإنهاك، خصوصاً مع الارتدادات الكثيرة للحرب السورية عليها، وهو ما يمكن تلمّسه في الأشهر الأخيرة من التصريحات الرسمية، أو الحراك الدبلوماسي، لكن ثمة مسافة كبيرة بين رغبة تلك الدول بوجود حل سياسي وبين شكل الحل السياسي الذي يمكن أن تقبل به، وستعمل كل دولة من الدول في المرحلة الراهنة على رفع سقف مطالبها وحصتها في الحل، وهو ما بدأنا نجد صداه في بيانات بعض القوى السياسية المعارضة، والتي لا تعكس فقط مواقفها، وإنما أيضاً مواقف الدول التي تقف وراءها.

إن العنوان الرئيسي لهذه المرحلة من الحل السياسي هو "البازار"، فكل فريق داخلي أو خارجي يريد ثمناً أكبر مما لديه من أوراق، وهو أمر مفهوم بالمعنى الاستراتيجي، لكن تشابك المصالح الخارجية وتناقضاتها في آن سيكون عائقاً في وجه الوصول إلى تسويات سريعة، بالإضافة إلى عدم طرح خريطة طريق واضحة أمام القوى السياسية السورية، فهي على الرغم من ضعفها ودرجة الإنهاك التي وصلت إليها لا تستطيع رمي كل أوراقها من دون أن تعرف الطريق الذي ستسلكه.

من الواضح أن موسكو وكل القوى الإقليمية ما زالت تتهرّب من طرح الملفات الكبرى التي تحدد مسار الحل السياسي، ويمكن أن تضمن قبوله من قبل السوريين، وأن تمنحه حالة من الاستدامة، إذ لا يمكن لأي حل سياسي أن ينجح من دون وجود خريطة طريق لحل تلك الملفات، وفي مقدمتها ملفات الأجهزة الأمنية والجيش واللاجئين والمعتقلين وإعادة الإعمار، وهي ملفات تحتاج إلى تغييرات جوهرية في بنية الدولة السورية، وإلى جهد متعدد المستويات، وإلى توافق إقليمي ودولي على دعم الحل السوري بالأموال اللازمة لإعادة تأهيل البنى التحتية المدمرة، وضمان أوضاع معيشية ضمن الحدود المقبولة إنسانياً.

إن بدء مرحلة الحل السياسي لا تعني، ولا يمكن أن تعني في الحالة السورية، أنه سيكون بالإمكان رؤية حل سياسي وشيك، فثمة أسئلة كبيرة يطرحها هذا المسار على المستويات كافة، وتنطوي على مخاطر كبرى، وفي مقدمتها الموقف العربي والأمريكي والأوروبي من إيران، وهناك المشكلة الكردية في شمال سوريا، وبالتالي فإن نهاية الحرب السورية بعنوانها الكبير لا تعني أن حروباً بعناوين أخرى قد تبرز في أي لحظة، وتحرف مسار الحل السياسي إلى متاهات جديدة.

========================

2018  .. تسع أطروحات بشأن وضع المشرق الراهن .. برهان غليون

العربي الجديد

الاثنين 1/1/2018

أولا، أعتقد أن أصل الأزمة الكبرى المتفجرة في الشرق الأوسط بأكمله هو الوضع المهترئ للنظم والدول العربية معا، والنخر الذي أصاب جميع بنياتها العسكرية والسياسية والثقافية، خلال نصف قرن من النزاعات الداخلية وانعدام الإنجاز. وفي النهاية، القطع مع دورات التطور التنموية والعلمية والاجتماعية والسياسية العالمية. نحن خضنا كثيرا من نزاعاتٍ فكرية وسياسية وحروب مفروضة علينا، وتلك التي بادرنا إليها، وجميعها باءت بالفشل، وخسرنا نصف قرن من الصراع من أجل الاستقلال والسيادة والتنمية والحرية. ونحن نعاني اليوم من بنياتٍ متهالكةٍ، لا تستطيع أن تقاوم أي هزة، داخلية كانت أو خارجية.

ثانياً، الفاعل الذي استفاد بشكل أكبر من هذا الاهتلاك لبنية الجسم العربي، دوله ومجتمعاته المدنية، هو إيران الخامنئية التي اجتمعت لديها عوامل أساسية، لتدفعها نحو تجاوز حدودها، وتأكيد سيطرتها وسلطتها من خلال تحقيق مكاسب خارج أراضيها. الأول أنها بقيت منذ "الثورة الخمينية" لعام 1979، محاصرة من الدول الغربية، وتحت الضغط. ولديها مصلحة قوية في كسر الحصار، ولو من خلال تدمير الدول المحيطة بها التي كانت شريكةً في هذا الحصار، بشكل واع أو غير واع، وتدمير أكثر للدول التي أرادت الاستقلال بنفسها عنها، مثل سورية.

والعامل الثاني، حصولها على نافذة فرص استثنائية بسقوط العراق البعثي أمام تحالف الدول العربية والغرب، وتحطيم الدولة العراقية التي كانت تشكل صمام أمانٍ أمام توسع طهران، في أكثر المناطق حساسية استراتيجية، في نظر الغرب والعالم المهتم بالطاقة النفطية والغاز. والثالث استمرار التعبئة القومية الدينية الأيديولوجية التي ارتبطت بالديناميكية الثورية الشعبية التي أطلقتها ثورة 1979، والتي جعلت نظام طهران مشابها، في عقيدته السياسية، العقيدة السياسية الإسرائيلية، حيث يؤدي ارتباط القومية بالدين إلى توليد طبقةٍ سياسيةٍ، ونخبة اجتماعية أكثر تماسكا واستعدادا للمقاومة والاستمرار في نزاعات طويلة.

"أصل الأزمة الكبرى المتفجرة في الشرق الأوسط بأكمله هو الوضع المهترئ للنظم والدول العربية معا"

والعامل الرابع، انحسار هيمنة الغرب العالمية النسبية، وانسحابه من المواجهة العسكرية الواسعة بعد هزائمه في أفغانستان والعراق وليبيا وغيرها. والخامس، وهو الأهم، وجود جثة متفسخة على حدود إيران من النخب والنظم الحاكمة العربية، وتفكك الدول وتجويفها وتفريغها من أي محتوياتٍ وطنية أو حقوقية أو سياسية أو أخلاقية وفكرية، ما حول الدول إلى أجهزة ضبط ومراقبة وعقاب للشعوب، وحكم قهري لها من خارجها وضدها، وتسلط على جسم المجتمع الضعيف والمريض، ونهش مستمر له من دون روادع ولا حدود.

ثالثاً، تقاطع المصالح الإيرانية الإسرائيلية الموضوعي في إضعاف الجسم العربي وتمزيقه. الأولى لمد نفوذها وتوسيع حدودها، وفرض نفسها قوة إقليمية، لا يمكن لواشنطن، ولا لغيرها من الدول الكبرى، تجاوزها، أو تحقيق مصالحها في المنطقة، من دون التعاون معها. والثانية بهدف إنهاء ما تبقى من المقاومة العربية الطويلة للاعتراف بإسرائيل وضم الأراضي العربية المحتلة في الجولان، والانتهاء من قضية فلسطين وتصفيتها، من دون أي تنازلاتٍ مقابلة، بل تقويض شرعية الحكم الذاتي المحدود في الضفة الغربية وقطاع غزة. أي تكريس الاحتلالات الإسرائيلية المتتالية، وفتح صفحة جديدة من الهيمنة الإسرائيلية في المنطقة، تسمح لها بالمشاركة في اقتسام الموارد العربية. وفي المحصلة، شرعنة وجودها في المشرق، وتحولها إلى شريك رئيسي في صوغ أجندة سياسته الإقليمية.

فنجاح التوسع الإيراني في البلدان العربية يتقاطع، بشكل كبير، مع طموح إسرائيل لتركيع الشعوب العربية، بمقدار ما يتوقف تحقيق هدف الطرفين على إضعاف الدول العربية، والالتفاف عليها. وإذا أمكن احتواء أنظمتها وتسييرها من الخارج، وإن لم يتحقق ذلك بالطرق الناعمة، فبتدمير دولها، وتحطيم شعوبها ومجتمعاتها. لا يعني هذا أن مصالح الطرفين متطابقة على المديين، المتوسط والطويل، ولا يحتاج إلى أن تكون هناك اتفاقات مسبقة حول الخطط والمشاريع. بالعكس، لا يمكن لذلك أن يحصل إلا في إطار الصراع الفعلي بين الدولتين على فرض أجندة كل منهما على المنطقة. وبالضرورة في مناخ تسعير شعارات العداء لإسرائيل في طهران، وتعبئة العالم ضد الخطر الإيراني الوجودي في إسرائيل. ما يحكم العلاقات بينهما هو تنازع الضواري على فريسةٍ واحدة قبل اقتسامها.

رابعا، لا توجد أي إرادة لدى الدول الغربية، لا في واشنطن ولا في أوروبا، ولا لدى حلفائهما الإقليميين في أنقرة وتل أبيب، لمواجهة إيران التي تمثل، أكثر فاكثر، مخلب قط في يد الدول الكبرى المناوئة للهيمنة العالمية للغرب، في الصين والهند وروسيا ودول البريكس، أو للحد من توسع إيران، وانتشار نفوذها في المناطق العربية. ولن تتجاوز ردود فعل الدول الغربية وإسرائيل، إزاء الهجوم الاستراتيجي الإيراني الشامل في المنطقة، حدود محاولات احتواء إيران، وإذا أمكن المساومة معها على حماية مناطق خاصة، كما تفعل إسرائيل، عندما تعلن رفضها أي حضور إيراني على بعد كيلومترات محدودة من حدودها مع سورية.

"نجاح التوسع الإيراني في البلدان العربية يتقاطع، بشكل كبير، مع طموح إسرائيل لتركيع الشعوب العربية"

بالعكس، ما قام به الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، منذ توليه السلطة، وما يقوم به الرئيس الحالي، دونالد ترامب، اليوم من مبادرات لدعم إسرائيل، كالاعتراف بالقدس عاصمة لها، في تحدٍّ للقرارات الدولية، يصب في خانة طهران، ويزيد من جموحها وثقتها بقدرتها على تحطيم المجتمعات العربية، وشرعية اختراقها من الداخل، بوصفها محميات غربية. كما أن ضربات إسرائيل المتفرقة لمواقع إيران وحزب الله في سورية تعزّز وجود الأخيرين بمقدار ما تضعف، بشكل أكبر، من نفوذ الشعب السوري وحضوره، وقواته الخاصة على أرضه، وتهمش كفاحه التحرّري لصالح المعركة الإقليمية، وتكرس واقع الوجود الإيراني في سورية ولبنان والعراق، جزءا من معركة الصراع على السيطرة على الشرق الأوسط، وواقعا سياسيا وجيوسياسيا واستراتيجيا لا بديل عنه، تماما كما حصل في لبنان، حين تحول وجود حزب الله إلى عنصر في تهدئة الحدود اللبنانية "الإسرائيلية" وضمانة لها، وفرض على اللبنانيين القبول به أمرا واقعا، بما في ذلك لدى من كان ولا يزال يرفض سياساته ووجوده. وهذا ما حصل في غزة أيضا، حيث حققت إسرائيل من خلال انفراد حركة حماس، سلاما، باردا من دون شك، لكنه أفضل بكثير من الضغوط الفلسطينية في إطار حركة مقاومة موحدة. وبالمثل، سوف يعزّز تقدم مواقع إيران على خط الجبهة السورية فرص تفاهم إيراني إسرائيلي موضوعي، وحرص متنام على حفظ أمن الحدود أكثر، ما يدفع نحو أي مواجهةٍ، على الرغم من الخطابات العنترية المتبادلة. وهذا ما كان قد حصل من قبل في ظل حكم الأسد الأب والابن.

خامساً، إذا لم تحصل معجزة، والمعجزة الوحيدة الممكنة هنا هي ثورة شعبية في إيران تكنس نظام البابوية القيصرية الإمبرطورية، وهذا ليس مستحيلا، سوف تتحوّل مناطق سورية والعراق، أو ما كنا نسميه الهلال الخصيب، وهو منذ ثلاثة عقود الهلال الكئيب كما كنت قد أسميته، إلى مسرح لحرب طويلة ودامية ومدمرة، للسيطرة على الشرق الأوسط، ومن خلاله، على إعادة بناء نظام الهيمنة العالمية. وفي هذه الحالة، لن تستقر لهذا الهلال أي أمور، ولن يحظى بأي فرصة سلامٍ طويل وشامل، وإنما سوف يظل مسرحا لحروبٍ طويلةٍ، ليس لديه أي سيطرة عليها. وسوف يشهد، على الأغلب، استمرارا لما يحصل اليوم من تفكّك للدول والمناطق، وسيطرة منطق الانكفاء على الحدود القبلية والطائفية والإدارية المتنازعة وغير المستقرة. وبينما سيقتصر السلام والأمن على جزر صغيرة ومتغيرة، حسب ديناميات الحرب وتنقل جبهاتها، ستبقى مساحات شاسعة منذورة للدمار والموت والخراب. وسوف تعيث فيها المليشيات المختلفة الخاصة والمسيرة من الدول فسادا، كما لم يحصل في أي فترة في تاريخ المنطقة منذ نهاية الحقبة العثمانية. بمعنى آخر، ستشتعل كل الجبهات في المنطقة، ما عدا الجبهة الإسرائيلية التي يدّعي الجميع إرادته فتحها.

سادساً، ليس هناك أي أمل في أن تسحب المنطقة نفسها من هذا الاشتباك الإقليمي والدولي، وتغير من وظيفتها مسرحا لحروب السيطرة الإقليمية والدولية، بالمراهنة على أي دولة أو تدخل خارجي. فالدول التي ستتدخل لطرد الإيرانيين، أو غيرهم، سوف تحل محلهم في المكان الذي يخلونه، وفي القرار الذي كانوا يملكونه معا. ولو قبلت إسرائيل أن تواجه إيران بالفعل في سورية، فلن تفعل ذلك لصالح السوريين، وإنما لترث هي ذاتها مواقع إيران، وتحاول أن تفرض رؤيتها وقرارها ومصالحها على أي حكومةٍ سوريةٍ محلية أو وطنية.

سابعاً، لن يستطيع السوريون واللبنانيون والعراقيون استعادة استقلالهم، وسيطرتهم على قرارهم، وتحكّمهم ببلادهم، وإقامة دول حرة وذات سيادة، تعكس حرية مواطنيها وسيادتهم، وتكرسهما وتضمنهما، ما لم يتجاوزوا أمراضهم، ويعالجوا اهتراء نظمهم، وترهّل ثقافة مجتمعاتهم، والنخر الذي قوّض ويقوّض مؤسساتهم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية. ويستدعي هذا إعادة توجيه الجهد الفكري والسياسي والتحضيري للعمل على أنفسهم، وبناء قواهم الذاتية، وعدم إضاعته في تحالفات وهمية، والركض وراء سراب الرهان على القوى الأجنبية الذي من الواضح أنه هو مركز العمل الرسمي اليوم للأنظمة المرعوبة. فلا أميركا ولا إسرائيل ولا تركيا، ولا أي دولة أخرى، قادرة على أن تفك أسر شعوبنا وتخرجها من الفخ الذي نصب لها على أيدي أنظمتها ونخبها البالية ووقعت فيه، ولا هي راغبة في ذلك. ولا ينبغي أن نحلم أن هناك أي قوة في العالم يمكن أن تضحّي من أجلنا، ولا أن تحل طهران التي تقود الحرب ضد "الأمة العربية"، أي ضد قيام دول مستقرة منظمة، ومرتبطة بشعوبها ومشغولة بتحسين أوضاعها، والارتقاء بشروط حياتها، مهما حصل، أي مهما تسببت به من مجازر وكلفت من خراب، عن ظهر الشعوب العربية، وتخفّف من حدّة الضغوط السياسية والدينية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية عن الفريسة الكبرى التي أصبحت بين فكيها.

ثامناً، من هنا، ليس هناك ما يوحي بنهاية سريعة للحرب المتعدّدة الأهداف والأطراف أيضا. ولا أن هناك أملا في تخفيض تكاليفها الباهظة، والتي تهدّد بأن تكون أكبر بكثير مما توقع

"الفريسة التي وضعتها طهران الخامنئية بين فكّيها، على هشاشتها، أكبر من أن تستطيع بلعها دفعة واحدة وتنفرد بها" الجميع. والسبب أن الفريسة التي وضعتها طهران الخامنئية بين فكّيها، على هشاشتها، أكبر من أن تستطيع بلعها دفعة واحدة وتنفرد بها، وأن تنظيم مقاومةً فعالةً، وحرب تحرير مضادة، من شعوب المشرق، سوف يحتاج إلى وقت، بسبب اختلاط فكر النخب المحلية وتشوشه وتعارض توجهاتها وانقساماتها واستلاب معظمها للقوى والمشاريع الخارجية. فما من شك في أن البابوية القيصرية الإيرانية قد أدخلت المشرق في حقبة جديدة من الجاهلية الأولى، حيث تختلط أمور السياسة بالدين، والقومية بالطائفية، وتمّحى الحدود والمعايير والتعريفات، ويشرعن الفتح، ويتحول الغزو إلى بطولة، بينما يتم القضاء كليا على كل قيم ومفاهيم الدولة الحديثة والأمة والمواطنة والسيادة والحرية والحدود الوطنية.

تاسعاً، تهب على الشرق ريح عاتية خارجة من أعماق قرون الظلام، تعصف بكل ما أنجزته شعوبه في القرنين الماضيين من مكاسب حضارية ومدنية، وتحيله إلى قاعٍ صفصف وواحات من الدموع والدماء. يضاعف من تأثيرها فقدان عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية ثقته بنفسه، وترنّح أركان هيمنته، وتفاقم المخاوف المتبادلة، والانسحاب من الالتزامات الإنسانية الماضية، والشك في المستقبل. أمام هذه العاصفة، لا يجدي الاحتماء وراء دفاعاتٍ قديمة بالية، والرهان على ما يبدو لنا متماسكًا من الأشياء والأوضاع. بالعكس، تستدعي مواجهة العاصفة التحرك والتغير وتغيير المواقع واكتساب مهاراتٍ جديدة، والعمل مع الجميع لإقامة السور العظيم الذي يمكن أن يصد موجات الرياح العاتية. وليس هذا السور سوى اكتشاف إنسانيتنا المهدورة واستعادتها، وجوهرها روح التضامن والتكافل والتعاون والاعتراف المتبادل. وهذا هو الأساس المتين الوحيد الذي نستطيع أن نقيم عليه بناء مدنيا ناجعا وقادرا على البقاء، يعيد إلينا الأمل في الخلاص والخروج من الحلقة المفرغة للنزاعين، الداخلي والخارجي، وتوجيه نشاطنا وجهدنا نحو إعادة بناء قوانا الذاتية، وفي مقدمة ذلك بناء فكرنا السياسي والأخلاقي الذي لا وجود وطنيا لنا من دونه، لا ثورة ولا دولة ولا قانون.

========================

رسائل تركية ـ روسية متبادلة .. حسين عبد العزيز

العربي الجديد

الاثنين 1/1/2018

لا يمكن إدراج العلاقات التركية ـ الروسية ضمن إطار التحالف الاستراتيجي، على الرغم من التقارب الكبير الحاصل بين الدولتين، فالخلافات بين الجانبين ما تزال عميقة في سورية، وفي شبه جزيرة القرم، وفي ملفات أخرى.

الجغرافيا السياسية والاقتصادية كانت سببا في التقارب، نظرا لحاجة كل طرف للآخر في ضوء موقف شبه موحد من الغرب. لكن، إذا كانت الأزمة السورية سببا رئيسا في تقارب الدولتين، فإنها يمكن أن تكون سببا في تباعدهما، مع وصول روسيا إلى أقصى قدراتها في سورية، وعجزها عن تقديم المزيد للأتراك. ومع أن تركيا حققت مكاسب مهمة في سورية عبر البوابة الروسية، فإن استكمال هذه المكاسب سيكون من البوابة الأميركية مع الحضور العسكري الأميركي على طول الحدود التركية مع محافظتي الحسكة والرقة، وأجزاء من ريف حلب الشمالي. بعبارة أخرى، سمحت البوابة الروسية لتركيا بوقف التمدّد الجغرافي الكردي في بعض المناطق، لكن حل المسألة الكردية لا يكون إلا عبر بوابة واشنطن.

قرّبت الأزمة السورية بين تركيا وروسيا لينشأ بينهما تحالف الضرورة، وباعدت الأزمة بين تركيا والولايات المتحدة، لتنشأ حالة من تباعد الضرورة، هذه الضرورات هي التي أعطت لتركيا حصة جغرافية في الشمال الغربي من سورية، وهي أيضا التي وضعت حدا للاندفاعة التركية.

التقارب الروسي ـ التركي تتخلله خلافات كبيرة، وإن لم تظهر بعد على السطح، وسيكون مصير إدلب والمناطق المحيطة بها سببا لظهور هذه الخلافات. ولم يكن التصريح الذي أطلقه الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، من تونس تجاه الأسد اعتباطيا، أو محض مصادفة. لقد عودنا أن تصريحاته المفاجئة في سياقها السياسي تدل على أن ثمة مشكلة ما، "بشار الأسد إرهابي قام بممارسة إرهاب الدولة ضدّ شعبه، بالتالي لا يمكن أبداً مواصلة الطريق مع الأسد في سورية، لماذا؟ لأنه لا يمكن المضي مع شخص قتل قرابة مليون مواطن من شعبه". وقد استُبق هذا التصريح بمجموعة من التطورات:

"من شأن حذو تركيا وراء روسيا حذو النعل بالنعل أن يُضعف من قوتها وتأثيرها على المعارضة السورية، بشقيها السياسي والعسكري"

تقدّم قوات النظام السوري في الريف الجنوبي الشرقي لمحافظة إدلب، وهو تقدّم يعكس الخلاف بين أنقرة وموسكو، حيث كان من المفترض، وفق اتفاق خفض التوتر، أن تنتشر قوات روسية شرقي سكة الحجاز، لكن الروس لم ينفذوا ذلك، ما يعني أنهم تركوا هذه المنطقة قصدا لكي تكون هدفا للنظام.

تصريح وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، الذي لمح فيه إلى دعم تركيا جبهة النصرة، حين قال "الآن، بالطبع المهمة الرئيسية لمحاربة الإرهاب هي دحر جبهة النصرة التي تبدي مقاومة بفضل الحصول على دعم من الخارج، حسب معلوماتنا".

التفاف موسكو على الفيتو التركي ضد مشاركة حزب "الاتحاد الديمقراطي" (الكردي) والتابعين له في مؤتمر "الحوار الوطني السوري" المقرّر في سوتشي، فقد أعلن القائد العام لوحدات حماية الشعب( الكردية)، سيبان هيمو، عبر وكالة سبوتنيك الروسية أن موسكو وعدت بمشاركة 155 مسؤولا كرديا في المؤتمر.

وتؤكد كل هذه التطورات وجود خلاف جدي بدأ بالظهور أخيرا، ووصف الخارجية الروسية تصريحات أردوغان عن الأسد بأنه لا أساس قانونيا لها يؤكد هذه الخلافات. وبالنسبة لإدلب، لا تريد تركيا، في هذه المرحلة، إطلاق أي معركة فيها، كي لا تخسر المحافظة لصالح النظام، وكي لا تحدث موجة نزوح كبيرة نحو أراضيها. كما أنها لا تريد خسارة القوى العسكرية الموجودة في المحافظة، في وقت تسعى، شيئا فشيئا، إلى سحب البساط من تحت أقدام جبهة النصرة، ذلك أن إطلاق معركة كبيرة ضد إدلب سيوحّد الفصائل كلها مع "النصرة"، وهذا ما بدا جليا في معارك ريف حماة الشمالي، حيث انضمت فصائل من الجيش الحر وفصائل إسلامية كانت معادية لهيئة تحرير الشام، مثل حركتي أحرار الشام ونور الدين الزنكي، إلى المعركة ضد النظام.

وبالنسبة للمشاركة الكردية في مؤتمر سوتشي، فإن الأتراك يتمسّكون بموقفهم حتى النهاية، وهذا الموقف هو الذي كان سببا في تأجيل المؤتمر، حيث لا تريد موسكو إثارة غضب أنقرة، في وقتٍ هي بحاجة لها، للضغط على المعارضة لحضور المؤتمر.

المشكلة أن الأتراك لا يريدون شرعنة القوى العسكرية الكردية سياسياً، بينما تدرك موسكو أن مؤتمراً بهذا الحجم من دون المشاركة الكردية التي تمتلك قوة على الأرض سيضعفه، كما تعتقد أن مشاركة "الاتحاد الديمقراطي"، أو مقربين منه، سيرضي الولايات المتحدة، وهذا مهم لموسكو.

ثمّة نقطة خلافية أخرى، تتعلق بمصير التسوية السياسية، صحيح أن الأتراك خفّضوا من سقف خطابهم السياسي حيال الأزمة السورية، لكنهم غير راضين تماما عن المسار السياسي الذي يخطوه الروس، فمن شأن حذو تركيا وراء روسيا حذو النعل بالنعل أن يُضعف من قوتها وتأثيرها على المعارضة، بشقيها السياسي والعسكري.

بناء على هذه المعطيات، ستشهد العلاقة بين الدولتين مزيدا من التوتر في المرحلة المقبلة، فروسيا مضطرة إلى التعامل مع القوى الكردية، لترتيب المشهد الداخلي على الأرض.

========================

الركض وراء دستور على مقاس الأسد .. مصطفى علوش

الحياة

الاثنين 1/1/2018

مثلما جرى حرق البشر والشجر والحجر لأجل بقاء الرئيس، كذلك جرى ويجري حرق وتدمير المفاهيم، حيث يصير الاحتلال الروسي في سورية مجرد تدخل عسكري، ثم يتحول المحتل إلى راع لعملية السلام، وبدل جنيف والقرارات الدولية صارت عندنا آستانة وسوتشي المقبلة.

النشرات العسكرية والسياسية التابعة للإدارتين الروسية والإيرانية (وسائل إعلامهم) تكبّر من الصور ما تشاء وتصغّر ما تشاء، بينما تلعب "قناة الجزيرة" لعبتها الدائمة فتقفز على جميع حبال السياسة من دون أن تنسى رعايتها للحالة الإخوانية في سورية.

المحتل الروسي ومعه بقية المحتلين يدعون الحياد والموضوعية إعلامياً وسياسياً بينما يجري بالفعل حرق المفاهيم والبشر وأعمارهم.

مأسوية الواقع السوري وكارثيته تجعلان وسائل التواصل الاجتماعي عند السوريين تتحول إلى ساحة للتنابذ والعداء السياسي.

أصوات فكرية تتعالى من أجل رثاء الربيع العربي وطبعاً ضمنه الربيع السوري، وتتحول كامل الثورة السورية إلى توسلات دولية لإدخال شحنة مساعدات غذائية.

الثورة السورية جرى اختزالها وتصغيرها من خلال التنظيمات المتطرفة التي ظهرت وسيطرت بحكم الدعم الهائل من دول معروفة، ولولا الدعم العسكري والأمني والسياسي لهذه التنظيمات لما كان من السهل القضاء على معظمها بنفس سرعة تشكلها. وهذا بينما جرى تصغير الجيش الحر واحتجاز معظم الضباط السوريين المنشقين في دول الجوار في معسكرات تماثل إلى حد ما الإقامة الجبرية.

ملفات هائلة المعنى، منها ملف القصف بالأسلحة الكيماوية وملف سيزر وملف محرقة سجن صيدنايا، كلها تنهض إعلامياً لفترة معينة، وبعد أيام تعود للانطفاء وكأن آلاف الأرواح السورية عبارة عن ورقة لعب في طاولات القمار الدولية. ملايين الدولارات سُرقت من قبل سوريين "ناشطين" بحجة الإغاثة والدعم الإنساني، يجري الصمت عنها، بينما يتابع السارقون ترويج شعاراتهم.

بلدٌ بكامله يجري تدميره من قبل رئيس رفض التزحزح قيد شعرة عن كرسيه، ويريد المُدمر القاتل نفسه ومعه المُحتل نفسه إعادة إعمار البلد.

لعبٌ وتلاعب إعلامي وسياسي في كل شيء، وهو يشبه التلاعب الذي حدث في صياغة دستور 2012 حيث صيغ كامل الدستور على مقاس بشار الأسد وكان أكثر من سبعين في المئة من مواده هي صلاحيات للرئيس، والآن يريد الروس تسويق الدستور الروسي عبر مؤتمر سوتشي، ليحل محل بلد بلا دستور منذ 1963.

لا توجد مسخرة سياسية تعلو ما يحدث. لقد كتب محمد الماغوط مرة عن الدستور الذي أكله الحمار، وضحك كثيرون. أما الآن فالسوريون بات نصفهم في بلاد اللجوء والنزوح، ولا يزال يطل علينا وجه بوتين البارد كالموت ليقول بأن مؤتمر سوتشي هو من أجل الحوار السوري- السوري.

وسط هذا الهراء السياسي العالمي لا يصح سوى الضحك، الضحك من كل شيء.

========================

مشكلة "سوتشي"! .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الاثنين 1/1/2018

يبدو أن مؤتمر سوتشي الذي تنوي روسيا عقده أواخر يناير (كانون الثاني) الحالي للبحث في القضية السورية، ودفعها على طريق الحل السياسي في مشكلة كبيرة، أحد أبرز مؤشراتها رفض سوري واسع لحضور المؤتمر، أهمه ما صدر عن قوى المعارضة السياسية والعسكرية ومن شخصيات سورية مستقلة. وإذا استمر رفض حضور سوتشي - الذي ينتظر أن يتصاعد - فإن ذلك سيؤدي إلى عدم عقد المؤتمر، وإلى فشله فيما إذا أصر الروس على عقده، وهذا المصير في احتماليه إنما هو تكرار لمبادرات روسية سابقة على نحو ما صار إليه مؤتمر حميميم الذي سبق للروس الدعوة إليه، لكنه لم يعقد، ومثل آستانة الذي عقد عدة دورات دون أن تتمخض عنه نتائج جدية في سير القضية السورية نحو حل مقبول.

أساس الرفض السوري لحضور "سوتشي"، يكمن في إصرار الروس وتأكيدهم على إخراج موضوع وجود الأسد على رأس النظام من جدول أعمال المؤتمر، بمعنى أن الحاضرين فيه يوافقون على استمرار الأسد في السلطة، وهذه تشكل معضلة كبيرة، يصعب على السوريين الذين اكتووا بنيران وجود الأسد في السلطة وما ارتكبه من جرائم ابتلاعها بقبول بقائه في موقعه وعدم محاسبته وفريقه عن وصول سوريا والسوريين إلى الكارثة الراهنة.

وإن كان السبب السابق وحده كافياً لرفض حضور "سوتشي"، فإن ثمة أسباباً أخرى للرفض، بينها أنه لا جدول أعمال للمؤتمر سوى شعار عريض يمكن أن يكون بلا معنى وهو الحوار السوري – السوري، خاصة أن السوريين جربوا على مدار نحو سبع سنوات كل أنواع ومستويات الحوار وأشكاله دون أن يصلوا مع نظام الأسد إلى نتيجة، لا بسبب رفضه للحوار فقط، وإنما بإصراره على الحل الأمني – العسكري باعتباره طريقة وحيدة لإعادة السوريين إلى حظيرة النظام، وهو ما اشتغل عليه حليفا النظام الأساسيان ولا سيما روسيا بوسائل وأشكال، تفوقت على ما قام به النظام.

وثمة سبب آخر في رفض حضور "سوتشي" من جانب المعارضة، يكمن في سياسة الإغراق العددي، حيث من المقدر أن توجه دعوات إلى نحو ألف وسبعمائة شخصية لحضور المؤتمر، ووسط هذا الرقم لن يكون للمعارضة وجود عددي مناسب، يعكس وزنها الحقيقي لا بشرياً ولا سياسياً، إضافة إلى أن من السهل على الروس تمرير أي بيان أو وثيقة باسم المؤتمر وسط هذا العدد وفي فترة يومين هي مدة المؤتمر، لن تكون كافية ليسلم أعضاء المؤتمر على بعضهم بعضاً، ولا أن يناقشوا وضعهم الكارثي وكيفية الخروج منه، لو أرادوا وكانت هناك إمكانية لذلك.

ولعله لا يحتاج إلى تأكيد، أن ثمة سبباً عميقاً للرفض السوري لمؤتمر "سوتشي"، أساسه موقف روسيا وسياساتها وممارساتها في القضية السورية. وربما كان من الممكن أن يتناسى السوريون تأييد موسكو للنظام في بداية الثورة، وأن يتجاهلوا استمرار دعمه بالأسلحة والمعدات والذخائر تحت الذريعة الروسية، بأنها في إطار الالتزامات المسبقة بين الطرفين، لكنه كان وما زال من الصعب تجاهل الموقف الروسي في المستوى الدولي وخاصة في الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، حيث استخدم الروس في الأخير الفيتو إحدى عشرة مرة لمنع إصدار قرارات تدين النظام وتوقف جرائمه، وتسمح بمحاسبته عليها، ثم أضافوا مع أواخر العام 2015 تدخلهم العسكري الكثيف والعنيف الذي لم يوقف عملية إسقاط النظام وقد كانت تمضي حثيثاً، وإنما غيّر خريطة الصراع في سوريا، وأعطى النظام فرصة للتمدد تحت القبة الروسية.

وسط تلك المعطيات، بدا من الطبيعي، أن يصطدم "سوتشي" برفض سوري وخاصة من جانب المعارضة. ولو كان الروس راغبين فعلاً في إنجاح "سوتشي"، كان عليهم أن يجعلوه نقطة تحول في سياساتهم، أو مؤشراً لتعديل ممكن في هذه السياسة في الحد الأدنى في إعلان إلزامهم بشعارات رفعوها وتشدقوا طويلاً بها وأبرزها أن الحل في سوريا ينبغي أن يكون سورياً، لكنهم وبالإصرار على بقاء الأسد غصباً عن أكثرية السوريين، إنما كانوا يضعون "سوتشي" أمام واحد من خيارين؛ عدم الانعقاد، أو الفشل في الوصول إلى نتائج، إذا تم عقده، وهي المشكلة الأساسية في "سوتشي".

========================

قوة عظمى رصيدها دمار سورية .. غازي دحمان

العربي الجديد

الاحد 31/12/2017

كان العالم، قبل 31 سبتمبر/ أيلول 2015، يتعاطى مع روسيا بوصفها قوة إقليمية متنمرة، تسعى للبروز في محيطها والمشاكسة على أدوار اللاعبين الكبار وحضورهم، أميركا واوروبا، قرب حدودها، وقد وصل حال الاستخفاف بها إلى درجة أن الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، لم يجد غضاضةً في توصيف روسيا دولة إقليمية، في إشارة منه إلى رفض محاولاتها، وربما عروضها، للحصول على تعامل ندّي مع القوى الكبرى.

كانت يوميات الحرب السورية، على الرغم من كارثيتها، فرصة لتندّر إعلام الغرب وساسته على أداء روسيا العسكري، وأدواتها الحربية في سورية، فقد امتلأت صفحات الكاريكاتير في الصحف الغربية بصور حاملة الطائرات الروسية ذات الدخان الأسود، كما تهكّمت التقارير على صواريخ روسيا المجنّحة التي سقطت في إيران، فضلاً عن الغمز واللمز من عشوائية السلاح الروسي.

وحدهم السوريون الذين كانوا يعيشون بدمهم ولحمهم تحت حمم الأسلحة الروسية كانوا يدركون مدى سماجة التندّر الغربي، ليس لأن الأسلحة الروسية دقيقةٌ بمقدار أكبر مما تصوّره النكتة الغربية، بل لأنها كثيفة وغزيرة، وإن تخطئ واحدة فالأخرى تصيب الهدف. ولأن التندر الغربي شكّل محرّكاً للروس، كي يثبتوا للغرب أنهم قادرون على التدمير والقتل إلى أقصى درجة، ما دام الغرب قد حصر تحدّيه روسيا بقدرتها على هزيمة السوريين.

في سبيل ذلك، كان على روسيا أن تحضر الجيوش الجرّارة إلى سورية، وقد اعترف وزير دفاعها باشتراك حوالي خمسين ألف جندي روسي في الحرب على السوريين. ويعرف الغرب أن الروس يكذبون حتى بعدد الجنود الذين يشتركون في المناورات، ففي وقتٍ يعلنون فيه عن اشتراك عشرة آلاف جندي، تؤكد مراكز الرصد الغربية أن العدد يصل إلى حدود مائة ألف جندي، هذا على مستوى مناورات، فكيف عندما يتعلق الأمر بالحروب؟ ناهيك عن أكثر من مئتي ألف مقاتل أمنتهم إيران، ومثلهم جنّدهم نظام الأسد.

على المستوى التسليحي، استخدمت روسيا كامل طقم أسلحتها، الإستراتيجية والتقليدية، باستثناء النووي، ربما بأحجامه الكبيرة، ذلك أن الأيام ربما تكشف أن روسيا قد استخدمت نماذج معينة ومخففة من هذا السلاح، إذ في حالات كثيرة، كانت أعداد القتلى نتيجة الغارات الروسية وحجم الدمار يفوق طاقة الأسلحة التقليدية على صناعته، كما حصل في مناطق في إدلب وحلب.

ولم تقصّر روسيا في استخدام طاقتها الدبلوماسية إلى أبعد الحدود، قوّة رديفة لآلتها العسكرية في سورية، سواء عبر "الفيتوهات" التي رفعتها في مجلس الأمن لمواجهة أي محاولةٍ لوقف الحرب، وتعطيل ألة القتل وضبطها، أو من خلال توضيب التسويات والتفاهمات مع الدول

"في حالات كثيرة، كانت أعداد القتلى نتيجة الغارات الروسية وحجم الدمار يفوق طاقة الأسلحة التقليدية على صناعته، كما حصل في إدلب وحلب" الإقليمية، لمحاصرة السوريين الثائرين، وقطع طرق إمدادهم، وكان ذلك كله يجري فيما الغرب كان لا يزال مستلقياً على ظهره من الضحك، على ما سماها المغامرة الروسية في سورية!

لم يطل الوقت حتى بدأت الصور تكشف حجم الدمار الرهيب الذي خلفته آلة الحرب الروسية. أجزاء من مدن مسحت من الخريطة، ومساحات واسعة من الأرياف كانت موجودة يوما، وقد كان مقدّراً أن تشكل هذه الصور والمآسي الإنسانية التي رافقتها صدمة في الغرب الذي يدّعي أنه يقف إلى جانب حق الشعوب في الحرية والحياة، غير أن المفاجأة أن هذه الصور شكلت أوراق اعتماد روسيا للعودة إلى مرتبة القوّة العظمى، وموافقة الغرب على أنها لم تعد قوّة إقليمية غير مسؤولة!.

يذكّرنا هذا المنطق بروايات الحرافيش والفتوات في الأدب العربي، وخصوصا روايات نجيب محفوظ، حيث تستلزم ترقية شخصٍ من الطبقة الدنيا إلى النخبة القريبة من الفتوّة، أو وضعه على السكّة التي توصل إلى منصب الفتوّة، قيامه بعملية قتل أحد الأشخاص اختبارا ودليلا على قوّته وقساوة قلبه وتوحّشه. وغالباً ما تكون الضحية امرأة حرّة لا ترضخ لرغبات الفتوّة، أو رجلا نظيف الكف يعتبره الفتوّة منافساً محتملاً، بمعنى أن الضحايا هم ممثلو الخير والجمال والحق في المجتمع.

وضع الغرب روسيا أمام هذا الاختبار السوري الرهيب، وحفّزها على القيام به، وجعل سورية عنوانا لمساعي روسيا للعودة إلى مرتبة القوى العظمى، وكأنه يقول، دمّروا سورية، وستفتح لكم أبواب نادي القوى العظمى، إذ ليس لدى روسيا من أرصدةٍ تؤهلها لشغل ذلك الموقع. حتى على الصعيد الدبلوماسي، أتيحت لروسيا الفرصة لاستعراض مهارات دبلوماسيين لم يكن يسمع بهم العالم، ولا أحد يعرفهم اليوم خارج حالات التشاطر على مفاوضي المعارضة السورية.

وعكس ما حاول ساسة الغرب إيهام العالم به من أنهم كانوا ينتظرون روسيا على الضفة الأخرى، تتوسلهم لإنقاذها، فقد كانوا يعرفون مدى ثقل يدها العسكرية، ويؤكد على ذلك وصف وزير الخارجية البريطاني، بوريس جونسون، روسيا بأنها "منغلقة وقبيحة وذات نزعة حربية ومناهضة للديمقراطية، مثل إسبرطة".

ثمّة مؤشرات كثيرة على قبول الغرب روسيا في موقع القوة العظمى، بعد إنجاز مهمتها السورية. وحدهم السوريون يعرفون كيف استحقت روسيا هذه الرتبة، والثمن الذي دفعوه لتظهير تلك العظمة.

========================

في الفصل بين آستانة وسوتشي .. عمر قدور

الحياة

الاحد 31/12/2017

تتعامل موسكو، بالتحالف مع أنقرة وطهران، مع المؤتمر المنوي عقده في سوتشي على أنه استكمال لمسار آستانة. هكذا أيضاً يُنظر على نطاق واسع للدعوة إلى سوتشي، أي بصفتها بسطاً للهيمنة الروسية على المسار السياسي بعد تحقيق الانتصار العسكري وحصر الفصائل الباقية في ما يسمى "مناطق خفض التصعيد". المناطق المعنية هي بحكم المحاصرة، وبعضها لم ينل من الهدنة سوى الاسم، ولا تخفي موسكو نيتها السيطرة على جميع المناطق في النهاية، سلماً أو حرباً.

مفاوضات جنيف غير بعيدة أيضاً من تلك التأثيرات، على رغم ما ظهر أخيراً من تجاذب بين جنيف وسوتشي. المبعوث الأممي ديمستورا كان في أكثر من مناسبة قد أبلغ المعارضة أنها خسرت المعركة، وأبلغها أنها باتت بلا سند خارجي، وأنه يتعين عليها تقديم التنازلات المطابقة للواقع الميداني، لا يقلل من وقع هذه الضغوط استخدامه لغة ديبلوماسية عندما يطالب المعارضة باجتراح حلول إبداعية!

موسكو، التي تعمل على سلة متكاملة، كانت في خضم تحضيراتها لمؤتمر سوتشي قد شرّعت اتفاقيتها مع تنظيم الأسد من أجل وجود مستدام في قاعدتي طرطوس وحميميم، إذ تنص الاتفاقية على بقاء القاعدتين تحت السيادة الروسية مدة نصف قرن قابلة للتجديد تلقائياً. وقد يكون أحد أوجه سوتشي إضفاء شرعية على بقاء الأسد من أجل إضفاء شرعية على اتفاقية الاحتلال الروسي، إلا أن الأوجه الأخرى، من كتابة دستور يستلهم الدستور الروسي وتصورات إنهاء الحرب، هي مستوحاة من الحل الشيشاني بحذافيره، من دون أدنى اعتبار لخصوصية الوضع السوري، أو لكلفته المحتملة على موسكو مستقبلاً في حال تغيرت المعطيات الحالية.

السلة الروسية تتضمن إقرار الهزيمة من خلال مسار آستانة، وتوقيع صك الاستسلام النهائي في سـوتشي، ومن ثم وضع الغرب وبعض القوى الإقليمية أمام هذا الواقع الذي يصعب تغييره. القوى التي فوّضت موسكو بالإشراف على الوضع الميداني، أو تلك التي تشاركها السيطرة على أجزاء من سورية، لم يعد في وسعها اعتراض القاطرة الروسية. لا أحد يتوقع تكرار السيناريو الأفغاني في ظل الانكفاء الأميركي، والقواعد العسكرية الروسية كفيلة باتباع سياسة الأرض المحروقة عند الضرورة، بما في ذلك ما يُرى تحطيماً ضرورياً لانتزاع تنازلات إضافية.

المعارضة التي قبلت، ولو كارهة، المضي في مسار آستانة أو الموافقة عليه ترفض اليوم تتويجه بسوتشي. البلطجة الإعلامية الروسية، وقبلها بلطجة رئيس وفد الأسد في جنيف، لا تخفيان الطموح إلى استبعاد المطالبين بانتقال سياسي من المفاوضات كلها، وعلى المسارات كافة. واحد من مآزق المعارضة اليوم أنها تريد من آستانة قطف ثمار تجميد الوضع الميداني، وتريد من جنيف ثمار تفاهمات دولية تجاوزها الواقع أو تخلى عنها أصحابها. ومن مسؤولياتها أيضاً أنها لم تفرّق سابقاً بين الجانبين العسكري والسياسي، وكان كبير مفاوضيها في إحدى جولات جنيف قائداً لفصيل عسكري. بل لقد ارتكبت المعارضة خطأ فادحاً عندما لم يولِ وفدها في جنيف قضية المعتقلين الأهمية المستحقة، وتُركت لمسار آستانة لتبدو كأنها قضية أسرى حرب، مع أن غالبية المعتقلين هم من المدنيين أو الناشطين السلميين وعدد أسرى الحرب بين مختلف الأطراف لا يشكل سوى نسبة ضئيلة منهم.

جدير بالذكر أن هيئات المعارضة التي تصفها موسكو بالراديكالية لم تعترف بحقيقة مسار آستانة بوصفه عملية غايتها تنظيم الخسارة، واكتفت بالنظر إليه كعملية تهدف إلى تخفيض منسوب القتل، متناسية أن في صلب غايات نهج الإبادة الوصول إلى لحظة الاستسلام. ضمن هذه المخاتلة، لم يؤسس خطاب المعارضة لفصل بين مسار عسكري انتهى، أو لا تمكن استعادة فعاليته إلا وفق مصالح خارجية، ومسار ديموقراطي أُنهك أيضاً لكن ليس من طبيعته الاستسلام على منوال المهزومين في المعارك العسكرية. ثمة شجاعة غائبة من أجل نعي الخيار العسكري بعد سنة من الإجهاز عليه رمزياً في مدينة حلب، ومن أجل الاعتراف باستحالة أن يكون ما آل إليه من جيوش شبه نظامية باهظة المتطلبات خياراً يملك هامش حرية كقرار مستقل، وقبل ذلك كله شجاعة القول بأن خسارة هذا النوع من الحرب أهون من استمرار كلفتها الفادحة من الأرواح ومن عيش المدنيين في المناطق المحاصرة.

نظرياً، يصحّ التساؤل عما يبقى للمعارضة إذا نأت بنفسها عن مسار آستانة، لكن هذا التساؤل يهمل الضريبة المطلوبة لترسيم الهزيمة، واستخدام مناطق خفض التصعيد للابتزاز السياسي قبل الإجهاز عليها. ثم إن اختزال حقوق السوريين بتجربة أخفقت واختلطت بصراعات غير وطنية ينذر بالتنكر لها، ولأي استئناف للقضية السورية بنهج مختلف. كذلك هو شأن التعلق بأوهام الخيار العسكري الذي تم اختباره، إذ يصبح عائقاً أمام أنواع أخرى من المقاومة، بما فيها مقاومة عسكرية من نوع آخر قد تنشأ لاحقاً بحكم بقاء الاحتلال الداخلي والخارجي، وهناك الكثير من الأمثلة والتجارب التي تغني عن اختزال آفاق الحالة السورية بما حدث حتى الآن.

بالطبع الفصل بين آستانة وتوقيع صك استسلام في سوتشي لا يُنجز بمجرد رفض التبعات السياسية للواقع الميداني، وسيكون من الصعب على المعارضة بوضعها الحالي الوقوف في العراء لثلاثة أسباب متكاملة، هي الخسارة الميدانية والتخلي عنها من قبل قوى دولية وإقليمية مؤثرة، وأخيراً فقدانها قوتها التمثيلية بسبب طول المراهنة على الوضع الميداني وقوى الخارج الداعمة له.

على نحو خاص، لا تستطيع المعارضة موازنة الخسارة الميدانية والتغطية الخارجية من دون حيازة صفة تمثيلية أوسع مما سبق، وضمن ما تسمح به ظروف الشتات السوري. وإذا كان مطلب توحيد المعارضة في حكم المستحيل فمن غير المفهوم وجود هيئات متعددة ومنفصلة يُفترض أنها أنشئت لخدمة أهداف الثورة، مثل المجلس الوطني وائتلاف قوى الثورة والهيئة العليا للتفاوض، قبل أن تضم الأخيرة أعضاء يجاهرون بالتمسك ببقاء الأسد، وما يستعصي على الإدراك المنطقي عملُ هذه الهيئات كحلقات ضيقة مغلقة تجاه مجتمع الثورة نفسه.

ربما أصبحت معالجة هذا الوضع الشاذ في حد ذاتها ثورة.

========================

أفيون سوتشي .. يمان دابقي

العربي الجديد

الجمعة 29/12/2017

ثمَّة مراوغة مفضوحة، تمضي بها موسكو بلا أدنى اعتبار لإرادة السوريين وعزيمتهم، وهي على عجل تحسب أنها منفردة بالحل أو التسوية السورية، وكأن الأمر استحكم لها بعيداً عن حسابات الدول الإقليمية المنافسة لها وردات فعلها، لا سيما الولايات المتحدة الأميركية.

عقب إفشال موسكو جولة جنيف 8، أعلنت عن موعد مؤتمر سوتشي المتعدد بالتسميات والمختلف بالأهداف، وأرسلت البطاقات لأكثر من 1500 شخصية معظمهم من صلب أجهزة البعث والمخابرات في أكاديمية الأسد. وحسب التسريبات، فإن "سوتشي" سينتج عنه لجنة قوامها 21 شخص سيوقع عليها بشارالأسد، سيعقبها ذهاب اللجنة إلى عقد مؤتمرها الأول في جنيف تحت مظلة الأمم المتحدة، بهدف نزع شرعية أولى، وستختص هذه اللجنة، بموافقة بشار وبوتين بالبحث في تعديلات دستور 2012، تمهيداً لتحديد انتخابات برلمانية ورئاسية، تكفل بقاء الأسد وتكرس المصالحة الوطنية.

سينفذ ذلك بالتوازي مع عقد جولة جنيف 9، وستضغط موسكو على وفد النظام للدخول بمفاوضات مباشرة مع المعارضة، لبحث سلتي الدستور والانتخابات، بغية انتزاع شرعية ثانية، ووصل مخرجات سوتشي بقرار مجلس الأمن 2254.

وعند الحديث عن قرار 2254 فنحن هنا بصدد متاهة في تعدّد التفسيرات الإقليمية له، مع العلم أنّ القرار واضح، ولا لغط فيه، وجوهره تحقيق بنود جنيف1 للانتقال السياسي بدون الأسد وإطلاق سراح المعتقلين وعودة المهجّرين وتعزيز دور المرأة وفك الحصار عن المناطق المحاصرة، يليه دستور سوري جديد، وانتخابات برلمانية ورئاسية بعد انتهاء المرحلة الانتقالية الممتدة من ستة أشهر إلى عام ونصف العام، وهذا بالظاهر يبدو، بحسب الرؤية الروسية، أن ما يكتب على الورق يبقى على الورق.

وبالفعل، أثبتت روسيا أنّ صراحتها التي وصلت إلى حد المجاهرة بالوقاحة هي ميتافيزيقيا العصر الحديث التي لا يمكن للعقلية السورية تفسيرها، على اعتبار أنّ عقولنا حتى اليوم لم تُدرك معنى الواقعية السياسية التي صدّعت رؤوسنا بها، وكأنها تقول لنا: متى تفهمون أنّ روسيا تعمل لنصرتكم ولوحدة أرضكم؟

وإن كنا بالفعل غير مدركين لتأويل الكلام بالعقلية الروسية، فهذا المبعوث الروسي لافرنتييف قدم لنا الوضوح على طبق من ذهب، وقالها علنا إنّ "سوتشي" ليس مكانا لمن يطالب برحيل الأسد، بمعنى أنّ هذا الحوار اللاوطني هو المكان المخصص لكل شخص معارض للأسد بات يقبل بالأسد من باب الواقعية السياسية، وإن كل شخص ما زال متمسكا بالأسد فإن سوتشي ليست المكان المناسب له.

بشكل بديهي، يذكرنا هذا الكلام بالذريعة المشتركة لكل من واشنطن وموسكو بأن الشعب السوري هو من يقرّر مصيره ومصير الأسد.

أمام هذا الوضوح، لم يعد يخفى على أحد أهداف "سوتشي" أكثر مما هي واضحة، من سحب البساط من جنيف ووأد بيان الرياض 2 ونسف كامل للمرحلة الانتقالية ورمي سلل دي ميستورا الأربع بسلة مهملات واحدة، يتفرّع منها شقان، إصلاحات شكلية وهمية لدستور 2012 وإجراء انتخابات برلمانية رئاسية، تمنح بشار الأسد ولاية إضافية من باب الترشح والانتخابات.

حقيقة سوتشي هو دق إسفين أخير لطموح السوريين وأحلامهم، وسط لامبالاة أخلاقية وسياسية كاملة من واشنطن التي لا يعنيها مطلقاً ما يحل بالسوريين من ويلات وكوراث، وهي اليوم لا تركز إلا على سياسة واحدة، مفادها الحفاظ على قواعدها في شمال سورية وشرقها، عبر ذراعها قوات سوريا الديمقراطية، المتأهبة لاستلام دفعة الأسلحة الجديدة مطلع العام 2018 بقيمة 400 مليون دولار من عتاد وأسلحة مطلع العام المقبل، متنصلة بذلك من كل وعودها لتركيا.

أما روسيا، ولأنها متوقعة رفض جماعيا سوريا لمؤتمر سوتشي، فقد أرسلت رسائل تهديدية بارتكاب مجازر في ريفي حماه وإدلب. وكعادتها، هي تريد إخضاع الجميع لأغراضها، وتوقيع صك استسلام أخير في سوتشي على غرار سيناريو غروزني في الشيشان، وهي تظن أنّ سيناريو حلب كان المدخل للتسوية السياسية الروسية ونقطة الارتكاز هي حميميم.

وليس أخيراً، وبعد رفض عارم من غالبية السوريين لسوتشي، وأكثر من 40 فصيل، تبقى الآمال معلقة على شرفاء المعارضة لتحديد موقف نهائي، لكن ليس فقط عبر المقاطعة والتنديد.

وكحال كل السوريين، ننتظر خطوة معاكسة في الميدان، تنسف "سوتشي" ومن عليها، وقد يكون نسف اتفاق خفض التصعيد وخوض حرب عصابات الحل الأخير أمام السوريين، بعد أن حدد بوتين مهمته في 2018 بقتال تحرير الشام في إدلب.

========================

ما العمل لإسقاط "سوتشي"؟ .. عمر كوش

العربي الجديد

الجمعة 29/12/2017

خرج اجتماع أستانة، في نسخته الثامنة، متناغماً مع ما يخطط له ساسة النظام الروسي حيال القضية السورية، حيث حدّد البيان الخامتي للاجتماع يومي 29 و30 يناير/ كانون الثاني موعداً لعقد مؤتمر سوتشي، تحت مسمى "الحوار الوطني السوري"، الذي سيحاول فيه الساسة الروس وضع كل ضغوطهم على المشاركين فيه، من أجل أن تأتي مخرجاته متماهيةً مع رؤيتهم لترسيخ وجودهم الاحتلالي في سورية الذي لا يرون متحققاً مستداماً له إلّا من خلال إعادة إنتاج نظام الأسد المجرم.

ولم يتمادَ الروس في المضي لما يخططونه في سورية إلا بعد تطويع المعارضة، وتمييع مواقفها، حيث جرى تنازل كبير من المعارضة في مؤتمر الرياض 2، عبر ضم ممثلين عن منصتي موسكو والقاهرة، وخصوصاً منصة موسكو التي يعتبر رئيسها أن ليس بين السوريين، بمن فيهم النظام، سوى خصومة سياسية، على الرغم من كل ما ارتكبه النظام من جرائم بشعة بحق غالبية السوريين.

والأهم أن ما جرى في مؤتمر الرياض 2 كان تجاوزاً للهيئة العليا للتفاوض، ولم يشترك أي من السوريين في إعداده أو التحضير له، وعقد تحت ضغوط إقليمية ودولية، وكأن السوريين ليس لهم أطر سياسية ولا مرجعيات. وكان المفترض أن تجتمع الهيئة العليا للتفاوض السابقة، وتقدم جردة حسابٍ لعملها، وتحاسب على تقصيرها إن وجد.

"لدى السوريين إمكانية لتشكيل تيار واسع يبلور مشروعاً سورياً جامعاً ومقاوماً، يمكنه قطع الطريق على سوتشي"

ويكرّر الروس، في أيامنا هذه، الأمر نفسه في التحضير لمؤتمر سوتشي، حيث لم يجر التشاور مع أي طرفٍ سوري، ولم تستشر مؤسسات المعارضة وتشكيلاتها، وغاية مؤتمرهم هي تصوير الصراع في سورية، وكأنه صراع أهلي أو نزاع بين أطراف سورية، بما يعني أن ليس هناك ثورة شعب ضد نظام مستبد. لذلك سمّوه مؤتمر الشعوب السورية في البداية، فالخلاف هو بين شعوب سورية، أي أنه نزاع أهلي، والنظام جزء منه، لذلك يجب جمع كل الأطراف والطوائف والشعوب، من أجل تقديم مسوغات حل روسي، وتظهر روسيا كأنها تريد حل هذا النزاع الأهلي، بإصلاحات أو تعديلات دستورية وانتخابات يفوز بها الأسد. وبالتالي، فإنه مؤتمر سيعقد لتشويه القضية السورية وتصفيتها، بوصفها قضيةً عادلةً لشعب يريد الخلاص من الاستبداد، بالقفز فوق قرارات وبيانات دولية وأممية، وخصوصاً بيان جنيف 1 والقرارين الأممين 2118 و2245، تدعو إلى انتقال سياسي يفكّك النظام القائم، وينقل البلاد إلى ضفة التعدّدية السياسية، وهو ما يحاول النظام وحلفاؤه الروس والإيرانيون إفشاله بكل السبل، بما في ذلك ارتكاب المجازر وعدم إطلاق المعتقلين، واستمرار حصار مئات آلاف المدنيين، خصوصاً في الغوطة الشرقية للعاصمة دمشق، والهجوم على محافظة إدلب، بالتزامن مع هجوم تنظيم داعش عليها.

وسيدعى إلى مؤتمر سوتشي أعضاء من المعارضة ومن النظام وشخصيات صنعتها أجهزة الاستخبارات الروسية وسواها، والغاية الأساسية إيجاد حل روسي، وضرب مسار جنيف التفاوضي، ثم تحويل مخرجات المؤتمر إلى الأمم المتحدة، لتسويغها في مسار جنيف وإعطائها الشرعية. وللأسف هناك شخصيات تدّعي الوقوف في صف المعارضة ستهرول للمشاركة في سوتشي، ولا شك في أن النظام الروسي قادر على جمع متنطعين كثيرين، لأخذ أدوار، والتصدّر الشخصاني.

ويبدو أن مواقف الدول الغربية غير مطمئنة، على الرغم من أن الأطراف التي كانت تدعم المعارضة لا تدعم سوتشي علناً. لكن إذا هرول معارضون سوريون إلى سوتشي، فإنها لن تدافع عن الشعب السوري، على الرغم من أنها ستقول إعلامياً تعارض فيه سوتشي، لكنها في النهاية ستغض النظر عمّا قام به الروس.

ويكشف واقع الحال أن ما وصلنا إليه سببه الأساس أن أطر المعارضة، وتشكيلاتها السياسية، كانت تفتقر إلى العمل السياسي المخطط والمنظم، وكانت تتعامل، خلال الست سنوات السابقة، وفق منطق ردود الأفعال، حيث لم تقم بأي فعل يذكر، ولم تبادر، فلم يكن لديها لا خطط أو استراتيجيات. وبالتالي ليس أمام القوى الحية السورية سوى إمكانية توحيد الجهود لتعزيز العمل على تنظيم مقاومة شعبية طويلة المدى، لها مظلة سياسية، من أجل عدم التفريط بمطالب الشعب السوري وطموحاته، والدفاع عنها، حتى ولو نجح النظام الروسي بتمرير حل صوري لن يدوم طويلاً. وهنا تبرز ضرورة الاتصال بالناس على الأرض، والاتصال بالدول التي يمكن أن تساهم في هذا المجال، من أجل محاولة قلب الطاولة على الساسة الروس، والدعوة التي أطلقها الدكتور برهان غليون إلى عقد مؤتمر حوار وطني سوري بين كل أطياف الشعب السوري، بمساعدة الأمم المتحدة وإشرافها، والتشاور مع الدول غير المطمئنة لما سيفعله النظام الروسي في سوتشي، وخصوصاً الدول الغربية والعربية، التي يمكن أن تلعب دوراً إيجابياً إذا رأت قيام محاولة جديدة وجدّية، للوقوف ضد مخططات الروس. وهذا يعتمد على التنظيم

"هناك شخصيات تدّعي الوقوف في صف المعارضة ستهرول للمشاركة في سوتشي، ولا شك في أن النظام الروسي قادر على جمع متنطعين كثيرين، لأخذ أدوار، والتصدّر الشخصاني" والمبادرة وإيصال الفكرة إلى عموم السوريين، وقطع الطريق على مؤتمر سوتشي، بعقد مؤتمرٍ ينظمه السوريون، وتبيان أن مؤتمر سوتشي ينظمه طرفٌ لا يخفي دعمه لنظام الأسد المجرم، عسكرياً وسياسياً، ولا يتوقف عن ذلك، بهدف تثبيت النظام وتلميعه.

لدى السوريين إمكانية لتشكيل تيار واسع يبلور مشروعاً سورياً جامعاً ومقاوماً، يمكنه قطع الطريق على سوتشي، ولا يكتفي بالقول إننا لن نذهب إلى سوتشي، بل يعمل على إيجاد بديل، عبر التواصل مع السوريين في الداخل وفي المهجر لبلورة الفكرة، والعمل على عقد مؤتمر حوار وطني بأيدي السوريين. وهدف هذه الطريق عدم السماح للساسة الروس كي يملوا ما يريدون على السوريين، من حيث قوائم المدعوين والمخرجات والمقرّرات.

ويمكن إحباط المخطط الروسي، وإعادة بعث المعارضة وإحيائها، عندما يحس السوريون أنه يمكنهم الأخذ بزمام الأمور، لا أن ينتظروا قرارات الأصدقاء والأعداء، وأن لا ينسوا أن الساسة الروس لم يخفوا عداءهم للمعارضة، خصوصاً وأنهم اشترطوا على من يحضر سوتشي التخلي عن مطلب رحيل الأسد، وعدم طرحه بتاتاً في المؤتمر، بل وراحوا يطالبون المعارضة بعدم استخدام مصطلح النظام السوري، بل الحكومة السورية، أي أن النظام ليس طرفاً بالنسبة إليهم بل حكومة مشروعة. وهذا كله من أجل تثبيت الاحتلال الروسي عبر القواعد العسكرية البرية والبحرية التي يرديون إبقاءها على الأرض السورية 49 سنة، قابلة للتمديد بتواطؤ من النظام. وبالتالي كيف يمكن الوثوق بالروس الذين لم يدينوا، ولو مرة، عنف النظام وعمليات القتل والتعذيب الوحشي التي ارتكبها بحق السوريين؟ وكيف يمكن أن يكون هناك اعتقاد لدى من يسمّون أنفسهم المعارضة بأن هدف سوتشي هو إيجاد حل سياسي، وليس إعادة تلميع النظام وتأهيله، وخصوصاً الأسد، بوصفه الضمانة لاستمرار آلة القمع والقتل؟

ويمكن القول إن الكرة اليوم في ملعب السوريين أنفسهم، والأمر يتوقف على مدى قدرتهم على كسر مخططات الروس والإيرانيين، من خلال محورة العمل الوطني في المرحلة الراهنة حول ضرورة إسقاط "سوتشي" أولاً.

========================

"سوتشي" مقصلة الثورة السورية .. بشير البكر

العربي الجديد

الجمعة 29/12/2017

يتداول السوريون بيانات وعرائض، منذ عدة أيام، لجمع مليون توقيع ضد مؤتمر سوتشي الذي حددته روسيا في نهاية يناير/ كانون الثاني المقبل، ووافقت معها إيران وتركيا بوصفها الدول الضامنة. وتم الاتفاق الثلاثي على موعد المؤتمر، وترتيباته، في ختام اجتماع أستانة 8 أعماله، الأسبوع الماضي، من دون نتائج على صعيد الإفراج عن المعتقلين لدى النظام السوري، وهم الذين يقارب عددهم 200 ألف، بينهم آلاف النساء والأطفال.

وكانت روسيا قد ضربت موعداً للمؤتمر في بداية الشهر الحالي، لكنها غيرت رأيها بعد أن لمست معارضةً من قوى الثورة والمعارضة. وقي ذلك الوقت، أعطت موسكو للملتقى الذي تريده حاشداً، ويحضره قرابة ألفيْ شخص، اسم "مؤتمر شعوب سورية"، الأمر الذي أثار ردود فعل سلبية وانتقاداتٍ في أوساط السوريين حيال تقسيمهم إلى أمم، وهم شعب واحد، على الرغم من تعدّده الإثني والطائفي. وحين أدركت الأجهزة الروسية أن الحكاية أعقد من حساباتها عادت إلى تغيير الاسم، وتأجيل الموعد من أجل ضمان نجاح المؤتمر. ومع أن أخطاء التحضيرات كثيرة لكنها ليست السبب الرئيسي وراء التأني والتأجيل الذي يعود إلى أخذ موسكو في الحسبان موقف المعارضة الرافض للحضور على أساس الأجندة الروسية لإعادة تعويم الأسد.

وعلى الرغم من أن العرس الروسي يبدو على درجة كبيرة من الاحتفالية، فإن المطلوب، من هذا المؤتمر، أمر واحد لا غير، هو رأس الثورة السورية. ويحاول الروس الضغط بشتى الوسائل من أجل أن تحضر الثورة إلى المؤتمر، وتضع رأسها تحت المقصلة الروسية، وأعلنوا أنهم أنجزوا المهام التي كانت تنتظرهم في سورية، ولم يبق لديهم سوى هذا الهدف الذي يعلو على سواه من حيث الأهمية، ويشكل السبب الأساسي لتدخلهم العسكري المباشر، إلى جانب النظام في سبتمبر/ أيلول 2015، والذي بدأوا يكشفون أسراره شيئاً فشيئاً، ومن ذلك أن حجم القوات الروسية التي قاتلت من أجل منع النظام من السقوط كانت 50 ألفاً من شتى صنوف الأسلحة الجوية والبرية وحتى البحرية.

تعبّر العرائض والبيانات التي يتم تداولها عن تحرّك ضروري، من أجل حشد الرأي العام السوري لرفض المشاركة في سوتشي، لكن الأمر لا ينتهي عند عدم المشاركة وبقاء الوضع على ما هو عليه، لأن الروس لن يقفوا مكتوفي الأيدي، وسيكون ردّهم، كالعادة، مزيداً من الغارات والدمار والقتل. وفي هذه الحالة، ليس أمام السوريين سوى طريق واحد، هو أن يستعيدوا الثورة التي فرّطوا بها، وأضاعوها، وانشغلوا عنها بمسائل غير جوهرية، وتشكلت من بين الفصائل إمارات حرب، وأخرى تشتغل لحساب الأطراف الخارجية ومصالحها.

ويجب عدم الاستهانة بالمواقف التي صدرت، حتى الآن، لإسقاط "سوتشي"، أو عقده حسب شروط الثورة والمعارضة لجهة رحيل الأسد، وكلما صلّبت الثورة من موقفها، وشدّت صفوفها كلما تراجع الروس. وكانت المفاجأة، يوم الإثنين الماضي، حين أعلن نائب وزير الخارجية الروسي، ميخائيل بوغدانوف، أن مؤتمر سوتشي سيكون تحت رعاية الأمم المتحدة، وهذا تراجع في التفكير الروسي، لأن مسار سوتشي اخترعه الروس، أصلاً، من أجل إنهاء عملية جنيف باعتبارها مساراً أممياً، ولا تفسير لهذا التحول سوى التحرّك الذي بدأ يوم الأحد، الخامس والعشرين من الشهر الحالي، بإطلاق عرائض وإصدار مواقف تدعو إلى مقاطعة سوتشي.

لا توجد لحظة في حياة السوريين أصعب من لحظة اليوم. ويكاد الموقف يشبه في تعقيده ودقته، إلى حد كبير، البدايات، حين انطلقت الثورة في مارس/ آذار 2011، وكانت شعبيةً، ولم يكن أحد إلى جانبها، وشقّت طريقها بتضحيات الشعب الذي لا يزال واقفاً، ولم ينكسر في كل الأرض السورية من الجنوب إلى الشمال، ومن الغرب إلى الشرق.

========================

المعارضة السورية وخوفها من الحقيقة .. سميرة المسالمة

الحياة

الجمعة 29/12/2017

يقيّم وفد المعارضة السورية أداءه في الجولة الثامنة من مفاوضات جنيف، التي لم تحدث أصلاً، وفقاً لمعايير خاصّة به، إذ يعلن نجاحه، وفق بيان له، في تحليه بالمرونة والانسجام والفاعلية، وفي الترحيب والاهتمام الدوليين به، والذي انعكس بلقاءات واتصالات مع مسؤولين عرب وغربيين، ودعوات لرئيسه إلى زيارة عدد من دول المنطقة والعالم. ورغم أهمية النظرة الإيجابية التي يسبغها الوفد على ذاته، إلا أن الوضع يتطلب طرح بعض الأسئلة المنطقية، على ضوء هذا التقييم. فمثلاً، ما هو فهم المعارضة، التي يمثلها هذا الوفد، للعملية التفاوضية؟ وهل يتمثل النجاح بالذهاب إلى المفاوضات فقط من دون النظر إلى الأهداف المحددة لكل جولة، والتي يفترض على أساسها أن يتم الإعلان عن جولات لاحقة؟ وهل الوفدان المعنيان بالصراع، أي النظام والمعارضة، يملكان مفاتيح الحل حقاً، أو هل المعارضة، على الأقل، تملك من أوراق القوة والضغط ما يمكّنها من فرض الحل الذي تريده ولو بالحدود الدنيا؟ وأخيراً هل العملية التفاوضية هي مجرد إجراء شكلي، أي لتحقيق صورة إعلامية، حتى مع غياب الوفد المقابل؟ أو هل يكفي ذلك لإعلان الوصول إلى نتائج ترفع معنويات من يحضره، وتجعله يعتبر أداءه أفضل من غيره أو أنه أدى مهمته وأن كل شيء على ما يرام؟

وبعيداً من عقلية التشكيك والاتهام وربما التخوين أحياناً، التي باتت تسود الشارع السوري المعارض، بسبب انضمام أطراف متباينة في رؤيتها للحل السوري إلى وفد التفاوض في جنيف، فإننا إزاء أسئلة حول مجمل الجولات وليس آخرها فقط، منها:

لماذا تأخذ الدعوة الأممية للمعارضة شكل الإلزام، بينما هي عملية اختيارية غير ملزمة لوفد النظام، الذي لم يف بأي من بنود قرار مجلس الأمن 2254، بل ولا حتى القرار القاضي بإنهاء ترسانته الكيماوية، بعد أن تبين استخدامه إياها أكثر من مرة بعد صدور القرار 2118 (2013)، وبما يشمل عدم الالتزام بإطلاق سراح المعتقلين وتمكين قوافل المساعدات الإنسانية من الوصول إلى المناطق المحاصرة؟ وهنا لا تكفي الإجابة بأن المعارضة تريد أن تأخذ دور الطرف الحريص على الحل السياسي الذي يجري اقراره في المسار التفاوضي في جنيف، لأن ذلك يتطلب وجود "الشريك" المتفاعل، أو الحريص، في العملية التفاوضية، كما يتطلب أن تكون موازين القوى الدافعة للطرفين متساوية، ولو نسبيا، لتنتج عن ذلك عملية تفاوضية حقيقية تصيغ حلاً عادلاً، وهو غير متوفر.

ما هي أدوات المعارضة أصلاً لفرض عملية تفاوضية داخل أروقة جنيف، دون سواها، في ظل غياب قوة مناسبة تساندها، وتعادل القوة الروسية التي تساند النظام السوري، ومعها إيران وميلشياتها، التي تزداد على حساب تناقص أصدقاء المعارضة، ما يبرر للنظام استمراءه في تعطيل مسار جنيف، منذ الجولة الثانية وحتى الثامنة، وربما يستمر الأمر لاحقاً.

ما هو المقصود ببيان الوفد المعارض، عن نتائج الجولة الثامنة، بأن الأطراف الدولية والوسيط الدولي لم يكونوا مستعدين لتوحيد المعارضة وفدها وتقديمها هذه "المرونة"؟ فهل يحتاج الحديث مع الوسيط الدولي إلى مرونة أكثر من تبني معظم نقاطه الـ 12 في بيان المعارضة؟ وهل الأطراف الدولية التي فرضت على المعارضة توحيد وفدها لا تزال تريد المزيد من المرونة، مقابل عجزها هي عن إلزام النظام بتنفيذ القرارات الأممية ومنها القرار 2254، الذي جاء بناء على رغبة داعمتيه روسيا وإيران أساساً؟

هل حقاً هناك مجال للمقارنة بين السيئ والأسوأ في مسار الجولات الثماني التي حدثت دون الوصول إلى أي عملية تفاوضية يمكن البناء عليها؟

لماذا تستمر المعارضة في القفز فوق الواقع والتملّص من مناقشة القضايا الجوهرية بين بعضها بعضاً، قبل أن تستمر في جولات كمسلسلات مكسيكية تحت مسمى تفاوضية؟

على ذلك من المفيد التذكير أن القضيتين غير المتفق عليهما بين المعارضة داخل الوفد الموحد هما المختلف عليهما مع وفد النظام: قضية مصير الأسد، والقضية الكردية، وكل طرف داخل الوفد يرى أن مناقشة هاتين القضيتين الخلافيتين مبعث تفريق، لذلك يتم تجاوز نقاشهما من مبدأ دفع المشكلة إلى لحظة حسم بعوامل غير ذاتية. فمصير الأسد تراه منصة موسكو شرطاً يفشل التفاوض، وهو وجهة نظر غير ملزمة لأعضاء من الوفد الواحد، بينما يراه النظام شرطاً مرفوضاً من شأنه أن يبقي مسار جنيف في حالة ركود، ومقتصراً على مشاورات ولقاءات بين كل من الوفدين مع الوسيط الدولي الحالي واللاحق أيضاً.

وفي الوقت الذي حسم النظام موقفه من القضية الكردية، بصورة سلبية، سواء في تسمية الجمهورية العربية السورية، أو عدم الاعتراف بالحقوق القومية لأي مكون سوري ومنهم الكرد، استمرت المعارضة بتجاهل نقاش الأمر في شكل جدي، فالمجلس الكردي يطالب بدولة كونفدرالية، وهو ما تضمنته وثيقتهم الموقعة مع الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة عام 2013، وهي الوثيقة التي تؤكد أن الائتلاف سبق الرئيس الروسي بوتين بتقسيم الشعب السوري إلى شعوب ومنها الشعب الكردي، واختار الوفد أيضاً الاستمرار بتجاهل المناقشة الفعالة للوصول إلى تسوية يمكن أن تقنع الكرد بمشروع وطني متكامل، يضمن الحفاظ على حقوقهم، في دولة مواطنين ديموقراطية تعددية، ما يعني استمرار التعاطي بتأجيل الأولويات بدل حلها، قبل أن نصل إلى ما سبق من انقسامات وانسحابات، تؤكد أن وحدة الوفد قابلة للتصدع، وحدث ذلك فعلياً في نهاية الجولة الخامسة التي عقدت في آذار (مارس) 2017.

هكذا تستمر المعارضة في محاولة تقديم نفسها كشريك متناغم في عملية تفاوضية أقرتها الأمم المتحدة، على رغم أن التجربة أثبتت أن هذه المرونة ليست كافية لإقناع النظام بالجلوس إلى طاولة التفاوض المباشر معها، وهي طالما بدأت بالتفاخر بها فالمطلوب منها الاستمرار، حتى إعلان النظام موافقته عليها، وهو لن يفعل ذلك قبل اقتلاع آخر أظافر الرافضين بقاءه في السلطة. وكل ذلك يفيد بأن خيارات المعارضة اليوم تضيق أكثر وأكثر، مع غضب الشارع السوري المعارض حيال هذه "المرونة"، التي قد تؤدي بالوفد أو بعض مكوناته إلى التعاطي مع مؤتمر سوتشي، الذي تدعو إليه موسكو كأحد صور المرونة المطلوبة منه دولياً.

هذا هو المشهد السوري اليوم الذي رسمته روسيا بجهد واضح، خلال السنوات الثلاث الماضية منذ بدء تدخّلها العسكري رسمياً في الصراع السوري، إذ تنتقل الصورة من نظام مسلوب الإرادة السيادية على أرضه، إلى معارضة منقسمة على ذاتها بين مفاوضات جنيف وآستانة وسوتشي القادم، وفاقدة أوراق القوة، ومع وفد موحد لا يحمل أي مشروع موحد وواضح يدافع عنه، مروراً بوفود متغيّرة في مسار آستانة، تحمل أجندة من يصدر قرار تشكيلها، ما يجعل قرار المعارضة المعترف بها أممياً (وفد الهيئة العليا للتفاوض)، بمقدار صعوبته، إلا أن من شأنه أن يضيف إلى المشهد السوري مزيداً من التحديات والتعقيدات. ولعل هذا من شأنه أن يحض المعارضة على مراجعة طريقها، وإعادة تشكيل بناها، واستعادة استقلالية قرارها، عبر مؤتمر وطني غير مرتهن النتائج والمرجعيات، يستند الوفد إليه في قبول أو رفض أي عملية تفاوضية، كما يسترشد بمخرجاته في المفاوضات، سواء في جنيف أو غيرها من المدن.

وللتذكير فإن مشاركة بعض أفراد الوفد في أي مؤتمر تساوي مشاركة الوفد بكامل أعضائه، باعتبار أن النتيجة النهائية ستكون ملزمة بنتائجها للجميع، في أي مسار آخر من آستانة إلى جنيف، لذا فلدى الوفد المعارض فرصة لاختبار وحدته، ليس في الشكل، كما حدث خلال تجربته في الجولة الثامنة، ولكن في المضمون هذه المرة، وعندها يمكن للمعارضة أن تعلن هزيمة خوفها من الحقيقة المؤجلة.

========================

طريق النمور من بكين إلى دمشق .. مرح البقاعي

الحياة

الجمعة 29/12/2017

هل وصلت مجموعات الإيغور الصينية إلى سورية سعياً إلى تحقيق عقيدتها في "عولمة" الجهاد، أم أن قوى سياسية سهّلت مرورها لأهداف جيوسياسية بحتة، والمقصود هنا أنقرة التي ترى في حركة تركمستان الإسلامية- الجوهر القتالي والسياسي لمجموعات الإيغور المتشددة- ظهيراً لمطامعها القومية التاريخية والسياسية الراهنة في الأرض السورية؟ وهل الاضطهاد الذي يتعرّض له إيغور الصين المسلمون من الحكومة المركزية في بكين يشكّل عاملاً رئيساً من عوامل انتقالها إلى سورية بتسهيل من الحكومة التركية عبر الحدود السورية الشمالية؟

إثر إطلاقه سراح المتشدّدين الإسلاميين من سجونه في العام الأول من اندلاع الثورة، نجح النظام السوري في استقطاب متطرّفي الأرض إلى بؤرة الاقتتال الجهنّمي في سورية. وكانت بواكير التشكيلات التي التفّ حولها أولئك المتشدّدون هي جبهة النصرة التي كانت نقطة جذب قوية للجهاديين ممن ارتبطوا بالقاعدة بداية، وتحوّل بعض منهم إلى تنظيم الدولة الإسلامية لاحقاً.

ولا يفترق الإيغور عن المجموعات الشيشانية التي وصلت سورية أيضاً في مهمات جهادية، فكلها عانت من اضطهاد عرقي وديني في بلادها، وكلها حاربت الفكر الشيوعي أيضاً في مسقط الرأس. إلا أن الأسباب التي تجمعها في العداء لحكومتي بكين وموسكو ليست بالضرورة القاسم المشترك لمشاركتهم في القتال وانضمامهم إلى المجموعات الإرهابية في سورية.

فالعقيدة الجهادية التي تصل أصولها الفقهية إلى تنظيم القاعدة هي ما اجتمع عليه الجهاديون كافة باختلاف قومياتهم ومرجعياتهم. لم يقتربوا يوماً من فكر الثورة السورية أو من أهدافها، بل إن مقاتلي الجيش الحر وضباطه كانوا هدفاً مشـــروعاً لهم، هذا ناهيك عن تنكيلهم بأبناء الثورة وحاملي رايتها، فسجنوا وقتلوا أعداداً كبيرة من الفصائل المعتدلة والناشطين الحقوقيين والإعلاميين أيضاً. وقـد اكتسبت تلك المجموعات من خلال انخراطها مع المتطرفين في أعمالهم الحربية خبرات قتالية ومهارات عابرة للحدود، كما نجحت مراراً في الترويج الإعــلامي لعملياتها الإرهابية والتغرير بفئة معينة من الشباب للانضمام إلى صفوفها، وكذا في إدارة شؤون التنظيمات العنفـــية المتطرفة التي انتمت إليها. وهكذا غدا الإيغور والشيشان المقاتلين في سورية والعراق عبئاً ثقيلاً على بلادهم التي جاؤوا منها، ومُنِعوا بطريقة أو بأخرى من العودة إلى الصين أو روسيا، ودُفِعوا للبقاء حتى الموت أو الاستسلام على أرض "الجهاد".

وفي زحمــــة صراع الغرباء على الأرض السورية جاء تصـــريح وزارة الدفاع الصينية عن نيّتها إرســـال وحدتين من القوات الخاصة لقتال أفــراد حركة تـــركمستان الإسلامية من الإيغـــور، حيث رصد النظام السوري تحرّكهم في ريف دمشـــق.

وقد مهّـــد لقـــرار توجيه وحدتَي "نمور سيبيريا" و"نمور الليل" عن طريق ميناء طـرطوس حيــــث القاعـــدة الروسيــة الأعظم على شواطىء الأبيــض المتوسط، اللقاء الذي تـــم أخيراً بين وزير الخـــارجية الصيني وانغ يي ومستشارة رأس النظام السوري بثينة شعبان التي دفعــت مع مسؤولين عسكريين التقتـــهم في بكين، بفكـــرة إرسال القـــوات الخاصـــة الصينيـــة لقتال الإيغور.

الانتشار الصيني سيتم قريباً برضى روسي بالطبع. فموسكو التي ما فتئت تردّد أن الوجود الأميركي العسكري في سوريا غير شرعي، وأن على الولايات الواحدة الانسحاب تماماً إثر اندحار داعش وانتفاء سبب وجودها، إنما ترى في مشاركة القوات الخاصة الصينية فرصة سانحة لتحجز بكين بقعة من النفوذ تنافس عليها خصمها الأميركي اللدود صاحب الجيش الأقوى في العالم. وهكذا تكون موسكو قد اصطادت كل عصافيرها بحجر واحد، فهي بتشجيعها ورضاها عن استقدام نمور سيبيريا ونمور الليل إلى دمشق، إنما تبعث برسالة قوية إلى الولايات المتحدة بأنها هي وحدها شرطي السير الأقوى الذي ينظم مرور العمليات وسيرها في سوريا، ورسالة موازية لأنقرة بأنها قادرة على ضرب مجموعاتها التركمستانية الرديفة بأضدادها من بني جلدتها إذا لم يتعاون أردوغان وينصاع للنهج الروسي ضمن حلف الضامنين الذي تديره موسكو بامتياز، ورسالة أخيرة إلى طهران حيث طقس المصالح متقلّب جداً بين ملاليها وميليشياتها من جهة، والقيصر الجديد من جهة أخرى، ومفادها أن بوتين قادر على سحب البساط في أي لحظة من تحت أقدام حلفاء المصادفة التاريخية في حال هُدّدت مشاريعه السياسية والإعمارية والجيوستراتيجية التي أمّنت له قاعدة كبرى على شواطئ المتوسّط الدافئة، الأمر الذي يَسَّر عودة بلاده إلى خارطة القوى العظمى المؤثرة، بل الراسمة مستقبل العالم الذي يستهلّ عامه الجديد مرعوباً من تدفّق الجهاديين الفارين من سوريا في هجرتهم المعاكسة.

========================

سوريا 2017: الطبل في سوتشي والعرس في حميميم! .. صبحي حديدي

القدس العربي

الجمعة 29/12/2017

في استعراض العام السوري 2017، يقتضي إنصافُ الضحايا الابتداء من المجازر المختلفة، بوصفها أعلى الويلات التي حاقت بالمواطن السوري المدني؛ الذي لا ينتمي إلى أيّ طرف مسلّح، وتُزهق روحه في البيت أو الحقل أو السوق أو المشفى أو المدرسة، ومن هنا سمة جرائم الحرب التي تطبع تلك الأهوال. فإذا وضع المرء جانباً المجازر التي ارتكبتها وحدات النظام السوري، فإنّ القوات الروسية تتحمل مسؤولية لا تقل وحشية، حيث أنّ "الشبكة السورية لحقوق الإنسان" وثّقت، بالأسماء والأمكنة والأزمنة ولغاية تشرين الثاني (نوفمبر) فقط، 325 مجزرة ارتكبها الطيران الحربي الروسي؛ أسفرت عن مقتل 5233 مدنياً، بينهم 1417 طفلاً، و868 سيدة؛ كما سجَّل التقرير ما لا يقلّ عن 707 عمليات استهداف لمراكز حيوية مدنية، منها 109 على مساجد، و143 على مراكز تربوية، و119 على منشآت طبية، أجبرت 2,3 مليون مواطن على النزوح من بيوتهم وقراهم وبلداتهم.

"التحالف الدولي" لم يكن غائباً عن هذا السجلّ الدامي. ففي مساء 16 آذار (مارس) 2017 قصف سرب من المقاتلات الأمريكية مسجد عمر بن الخطاب في قرية الجينة، ريف حلب الغربي، أثناء أداء صلاة العشاء تحديداً، فسقط 46 قتيلاً وعشرات الجرحى من المدنيين. وقد استخدمت الطائرات صواريخ فراغية وقنابل عنقودية محرّمة دولياً، تفسّر هذا العدد من الضحايا، والدمار الهائل الذي لحق بالمسجد. وفي شهر تموز (يوليو) تفوّق "التحالف" على النظام السوري والقوات الروسية في ارتكاب المجازر، إذْ نفّذ 14 مجزرة، في محافظات الرقة ودير الزور والحسكة؛ مقابل 10 مجازر للنظام، و3 لروسيا. وبين أيلول (سبتمبر) 2014، بدء تدخله في سوريا، والشهر ذاته من العام 2017؛ أودت عمليات "التحالف" بحياة 2286 مدنياً، حسب "الشبكة السورية لحقوق الإنسان"، بينهم 674 طفلاً و504 امرأة.

على الصعيد الإنساني أيضاً، كان العام السوري قد افتُتح بتقرير أصدرته منظمة "العفو الدولية"، تحت عنوان "المسلخ البشري: عمليات الشنق الجماعية والإبادة الممنهجة في سجن صيدنايا بسوريا"؛ جاء في مقدمته أنّ "سجن صيدنايا العسكري هو المكان الذي تقوم الدولة السورية فيه بذبح شعبها بهدوء. ويشكل المدنيون، الذين تجرأوا على مجرد التفكير بمعارضة الحكومة، الغالبية الساحقة من الضحايا. وجرى منذ العام 2011 إعدام آلاف الأشخاص خارج نطاق القضاء في عمليات شنق جماعية تُنفذ تحت جنح الظلام، وتُحاط بغلاف من السرية المطلقة". وأضافت المقدمة: "يُدفن قتلى صيدنايا في مقابر جماعية. ولا يمكن لأحد أن يزعم أن مثل هذه الممارسات المنهجية والواسعة النطاق تُرتكب بدون تفويض من الحكومة السورية على أعلى مستوياتها".

لكنّ السنة كانت قد بدأت تشهد المزيد من انحسار اهتمام ما يُسمّى "المجتمع الدولي" بالملفّ السوري، أو بالأحرى تلك الجوانب الإنسانية الكارثية فيه على الأقلّ؛ ولهذا فإنّ تقرير "العفو الدولية"، مرّ مرور الكرام لدى الحكومات التي كانت تحتسب ذاتها في صفّ "أصدقاء الشعب السوري"، فلم تتردد أصداؤه إلا في الأوساط الحقوقية المعتادة، والمعنية بملفات كهذه. كانت عقيدة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما حول سوريا تستأنف معظم خطوطها العريضة عند الرئيس الجديد المنتخب دونالد ترامب، وذلك رغم القصف الصاروخي الأمريكي الذي استهدف مطار الشعيرات، الذي تردد أنّ طائرات النظام انطلقت منه لتنفيذ مجزرة خان شيخون الكيميائية.

ولن يطول الوقت حتى يجتمع وزير خارجية السعودية، عادل الجبير، مع منسّق هيئة التفاوض في المعارضة السورية، رياض حجاب؛ لإبلاغه بأنّ الرياض، اهتداءً بتوجهات "المجتمع الدولي"، لم تعد تتبنى مطلب رحيل بشار الأسد في المرحلة الانتقالية. وبالفعل، ورغم صفة "الحيوان" التي أطلقها ترامب على الأسد، لم تعد واشنطن تشترط تنحيه مسبقاً عن السلطة؛ خاصة بعد أن توافق ترامب مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على تسليم الملفّ السوري إلى الكرملين، بعد تفاهمات صارمة حول "احترام" موسكو لأمن إسرائيل في قلب هذا الملفّ، وحقّ المقاتلات الإسرائيلية في قصف أهداف للنظام داخل العمق السوري متى رأت ذلك ضرورياً، دون أية إعاقة من الرادارات الروسية.

ومن خلال استدعاء الأسد إلى سوتشي، أواخر تشرين الثاني (نوفمبر)، قبيل ساعات من قمّة ثلاثية جمعت بوتين مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس الإيراني حسن روحاني، ضمنت انخراط أنقرة وطهران في جزء من مشروع "التسوية السياسية" الروسي؛ ثمّ مجيء بوتين شخصياً إلى قاعدة حميميم العسكرية، مطالع كانون الأول، في مشهد انطوى عمداً على استعراض القوة الروسية وإذلال رأس النظام شخصياً أمام أنصاره وضباطه؛ استكمل سيد الكرملين الشطر السياسي من مهمة عسكرية اعتبر أنها أُنجزت، أو تكاد. في المقابل، كانت موسكو تترك للمبعوث الأممي ستافان ديمستورا أن يمارس ألعاب الدبلوماسية الكسيحة في جنيف، مقابل طبخ "مؤتمر الشعوب السورية" في سوتشي على نار هادئة لا تستهدف إفراغ جنيف من مضامينها الملموسة، حول المرحلة الانتقالية والدستور، فحسب؛ بل كذلك تفخخ ما تبقى من توافق "المعارضة السورية" الرسمية على ثوابت تلك المضامين، وتطلق "حروب المنصات" بين القاهرة والرياض وموسكو وإسطنبول وحميميم

على الأرض، في جبهات الاشتباك المتعددة، بدا للوهلة الأولى أنّ التفويض الأمريكي لروسيا يشمل العنصر العسكري أيضاً؛ سواء لجهة استهداف "داعش"، وهذا لم يكن أبرز أهداف التدخل العسكري الروسي في سوريا؛ أو إضعاف الفصائل المسلحة المعارضة للنظام السوري ـ وتستوي في هذا فصائل "الجيش السوري الحرّ" أو المجموعات الإسلامية مثل "هيئة تحرير الشام" و"أحرار الشام" ـ وانتشال النظام من السقوط التدريجي، وهذا كان جوهر المشروع الروسي في سوريا. غير أنّ تطورات معارك الرقة وريف دير الزور والحسكة عموماً، وانقلاب مراكز انتشار الوحدات الأمريكية والروسية إلى قواعد عسكرية مرشحة للبقاء إلى آجال غير مسماة؛ أدخل شهية العسكر على خطّ تفاهمات ترامب ـ بوتين، ولم يعد واضحاً أنّ تقاسم "هزيمة داعش" بين واشنطن وموسكو، سواء في الواقع أم في المجاز، يكفي لإدامة الوئام بين أحفاد جنرالات الحرب الباردة!

وأمّا في قلب جبهة النظام الداخلية، أي حلقة السلطة المالية/ العائلية الأضيق، وكذلك رصيدها الشعبي داخل صفوف الطائفة العلوية؛ فالأرجح أنّ السيرورة اتخذت وجهة التطور الثلاثية هذه: 1) أسئلة القلق، التي تولدت خلال الشهور الأولى من الانتفاضة الشعبية، ربيع 2011؛ 2) تحوّلت في معظمها، إلى حسّ التشبث ببقاء مرتبط بمصير النظام، رغم ما تحمله شرائح واسعة من كراهية لرموز آل الأسد وآل مخلوف، الغارقة في الفساد والنهب والتسلط؛ و3) انقلبت الولاءات طبقاً لتغيّر رعاة حفظ البقاء، إذا جاز القول، بين إيران و"حزب الله" وموجات التشيّع التي مع ذلك كانت تأتي على الكثير من تماسك الطائفة العقائدي والشعائري؛ وبوتين وأمثولة حميميم التي حملت طرازاً من الأمن والاطمئنان، لم ينفصل، كذلك، عن صعود ميليشيات مثل "صقور الصحراء" تحذو حذو آل الأسد وآل مخلوف في العربدة والطغيان.

وهكذا، ينطوي العام السوري على معادلات عسكرية متشابكة تتناهبها واشنطن وموسكو وطهران وأنقرة، بإشراك هذا الذراع المحلي أو ذاك؛ ولا تغيب عنها إسرائيل، بالطبع، حتى إذا كان حضور الكيان الصهيوني بالغ الدقة في انتقاء أهدافه دون تورّط. المعادلات السياسية، من جانبها، لا تنطوي على اشتباك مماثل في تعقيداته، بل لعلها باتت تُختصر في ذلك المثل الشعبي السوري، الذي يتحدث عن طبل في دوما (سوتشي)، وعرس في حرستا (حميميم)!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

========================

تجديد الثورة أم هلاكها؟ .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 30/12/2017

لم يجد الروس طريقة يتعاملون من خلالها مع السوريين غير الاستهانة بمشاعرهم الوطنية، والاستهانة بهم "شعوباً"، ما أن تؤمر بالقدوم إلى قاعدة عسكرهم الذي يقتل أبناءها، حتى تهرول صاغرة إليهم، والسعادة تغمر قلوبها، لأنهم منّوا عليها بلقاء تقرّر فيه أفضل شروط الاستسلام للقائد التاريخي العظيم بشار الأسد، والعودة إلى حضنه كوطن، تعمد الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، إهانته وإذلاله كل مرة قابله فيها، لكنه دعاهم إلى قاعدته العسكرية التي تقصفهم ليل نهار، كي يراهم وهم يقبلون حذاء من وصفته صحافته ذات يوم "ذيل الكلب"، وقد تجرّدوا من آخر ما لهم من كرامة: رأس مالهم الشخصي والجماعي الذي قاتلوا دفاعاً عنه سبعة أعوام مهلكة، غرقوا خلالها بدمائهم حتى أنوفهم، بيد أنهم لم يتخلوا عنها كي يستسلموا لبشار.

ارتبطت كرامة السوريين، على مر تاريخهم، بوطنيتهم، بشعورهم بالانتماء إلى شعبٍ متحضّرٍ أقام نموذجاً من التعايش الآمن بين أبنائه، بينما ضجّت منطقته بصراعاتٍ وتمزّقات عنيفة، أنتجها عجزها عن صياغة تفاهماتٍ توافقيةٍ حول مشتركاتٍ تتيح لهم العيش الآمن، بعضهم إلى جانب بعضهم الآخر. خلال الزلازل التي تعرّضت لها بلدان شرق أوسطية وعربية، تلاعبت القوى الخارجية بها، كان الشعب السوري يغادر حالة الملل، ويتقدّم نحو حال وطنية مكّنته من تقصير عمر الانتداب، وبناء مؤسسات دولةٍ وطنيةٍ بفضل نظام تعليمي حديث، وأحزاب سياسية مثلت مختلف شرائح السوريين، ونقابات عمالية ومهنية، ونظام قضائي التزم غالباً بالقانون، وصحافةٍ حرةٍ نسبياً ذات مستوى مهني جيد، وحياةٍ نيابيةٍ لم تخلُ من فساد، لكنها لم تخلُ أيضاً من تمثيل ومعارك التزم من خاضوها بمصالح المجتمع، وحكومات ترأس بعضها قادة العمل الوطني ضد الاستعمار.

لعبت الروح الوطنية دوراً جدّياً في رفض دعوة بوتين إلى لقاء ما أسماها "الشعوب السورية". ومن الضروري أن لا يكتفي السوريون اليوم برفض المشاركة في لقاء سوتشي، ورفض الانصياع لقرار موسكو مصادرة إرادتهم وحقهم في اختيار من يريدونه، الذي أكده وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، كل مرة طالب أحد فيها برحيل الأسد، وواجهه بالقول: للسوريين وحدهم الحق في تقرير مصير الأسد، وها هو نائبه يبلغهم أن على من يقرّر منهم الذهاب إلى سوتشي أن يعلن قبول رئاسته، لأنها ليست موضوع نقاش.

واليوم، وأمام تصاعد المد الوطني، وما تأكد أخيراً، وهو أن روح الوطنيّة ما زالت تخفق في قلوب أبناء شعب سورية المكلوم، وحلم الحرية ما برح يحفز ثورتهم، ولا بد أن يتجسّد، من الآن فصاعداً، في مؤسسةٍ سياسيةٍ تمثيليةٍ ينتخب أعضاؤها مباشرة في أهالي مختلف المناطق، داخل سورية وخارجها، بما في ذلك بعض الخاضعة منها للنظام، فترفد النضال الوطني بدم نقي، آتٍ من شعبٍ تغرّب ممثلوه غير المنتخبين عنه. الآن، حان الوقت لبناء مؤسسةٍ جديدةٍ، تقودهم باقتدار خلال الفترة العصيبة المقبلة، لن يكون في وسع أحد تجاهلها، لأنها منتخبة لتمثل قطاعات الثورة جميعها: من المحامين والقضاة والصحافيين والكتاب والمثقفين والمهندسين والأطباء والمسعفين، والتنسيقيات والمجالس المحلية، ومنظمات المجتمع المدني، والنقابات، والمدرسين والأساتذة الجامعيين، ورجال الدين والأعمال، والتجار، والفصائل المقاتلة، والتنظيمات النسائية والشبابية... إلخ. بعد انتخابهم سيشكل ممثلو الشعب "الهيئة السورية الحرّة" التي ستتولى قيادة العمل الوطني في مختلف مجالاته، على أن يرشح أعضاء "الائتلاف" الحاليون أنفسهم في الدوائر التي يختارونها، وينضوي الناجحون منهم في التشكيل الجديد.

هذه الخطوة المفصلية ستعبر مؤسسياً عن النهوض الوطني الذي بدأنا نعيشه، وسيحدث اتخاذها نقلةً نوعية في العمل الثوري السوري العام، بفضل ممثليه المنتخبين الذين سيتعاملون من موقع قويٍّ مع العالم، كأصحاب شرعية شعبية مماثلة لما تتمتع به حكوماته، وسيصدرون قرارات أكثر استقلالية من كل ما عرفته الثورة، وأكثر قدرة على الإفادة من أنشطة طيف ثوري واسع من المواطنين، سيتخلى عن شكوكه المحقة بشأن تمثيل مؤسسات المعارضة الحالية للثورة التي تدخل مع "سوتشي" في لحظة مفصلية، لن يكون حالها بعدها ما كان عليه قبلها، فإما أن تقودها هيئة منتخبة، تجدّد مؤسساتها وطنياً، أو أن يزداد عجزها عن مواجهة التحدّي الروسي إلى أن تحل الهزيمة بالشعب الذي لن ينقذه من الإبادة على يد الأسدية غير ثورة جديدة، يعرف الله وحده إن كانت ستأتي، ومتى.

========================

سورية للجميع .. رشا عمران

العربي الجديد

السبت 30/12/2017

أحياناً يثير منشور على "فيسبوك"، كتبه أحدهم في لحظة ضجر أو قرف أو غضب، نقاشاً ما، أو تفكيراً عميقاً، بما وصلت إليه حالنا، نحن السوريين الموزّعين في شتى أنحاء الأرض، فقبل أيام كتبت شاعرة سورية مقيمة في سورية منشوراً تقول فيه ما معناه، إن سورية هي للناس الذين ماتوا فيها وظلوا فيها، حتى بعدما تم قصف بيوتهم فوق رؤوسهم. وذكرت أسماء مثقفين ظلوا في سورية. وقالت إن سورية هي هؤلاء، وهي لهم، لا للآخرين الذين خذلوا سورية، وتنكروا لها، "ممن يسمون أنفسهم نخبة سورية". والآخرون الذين تقصدهم الشاعرة هم جميع المثقفين (كتاباً وفنانين) الذين خرجوا من سورية لأسباب متعددة، وأقول (جميع) لأنها لم تخصّص في منشورها أحداً من الخارجين، مع أن الخارجين من هؤلاء (النخبة) خرج كل واحدٍ منهم لسبب مختلف عن سبب الآخر، وإن كانت أسباب بعضهم هي مجرد البحث عن الأمان أو القرف من الحرب، وهذا من أول حقوق البشر، فإن لبعضهم الآخر أسباباً موجبة للخروج، فمنهم من كان ملاحقاً أمنياً فعلاً، ومنهم من وصلت الحرب إلى باب بيته، ومنهم من فقد بيته وعائلته، ومنهم من أراد النجاة بأولاده بعيداً عن الحرب والموت والدمار. لكل منهم أسبابه، وكل سببٍ يستحق أن يفكر صاحبه بالبحث عن حياة جديدة آمنة له، إن كان وحيداً، ولعائلته وأولاده صغاراً وكباراً.

طبعاً، وككل حالة خلافية سورية. لم يمرّ المنشور مرور الكرام، فالمنشور مستفز فعلاً في صياغته وتعميميته، وهو يدل على خلافٍ حقيقيٍّ ستكون له نتائج وخيمة حين تحصل المعجزة، ويتفق المجتمع الدولي على حل نهائي للقضية السورية، فالمشكلة الكبرى في التعميم هي في النظر إلى (الآخرين) بوصفهم كتلة واحدة مصمتة، لا يمكن اختراقها، ولا مجال للتعرّجات والانحناءات فيها. يحدث هذا في الحديث عن الأديان والطوائف والأعراق والشعوب، ويحدث أيضاً بين سوريي الداخل وسوريي الخارج. يصف بعض السوريين (المثقفين) المقيمين في الخارج كل (المثقفين) الذين ظلوا في سورية بأنهم مؤيدون لنظام الأسد، فمجرد بقائهم خارج الاعتقال، أو لمجرّد أن بعضهم يسافر ويعود إلى سورية هو دليل على تعاملهم مع النظام. وفي هذا الوصف إساءة مقصودة، وكأنه مطلوبٌ من الجميع أن يكونوا متشابهين بالمصير والمسار، وكأن المطلوب هو تفريغ سورية من الجميع، بينما يفترض أن يكون أول مطالب المثقفين هو تأمين عودة الجميع إلى سورية بضمانات دولية، والبدء من جديد بمرحلة نضالية جديدة للتخلص من كل آثار الاستبداد، بعد فشل أساليب الثورة الأولى، وتحولها إلى حرب قذرة، دمرت ماضي سورية والسوريين وحاضرهما ومستقبلهما.

في المقابل، يعمّم بعض (المثقفين) المقيمين في سورية نظرتهم إلى كل (المثقفين) الذين اختاروا الخروج من سورية، والعيش في أماكن أخرى، فهم، حسب هؤلاء، منتهزو فرص، وكاذبون ومدّعون، ويقبضون ثمن مواقفهم، وخذلوا سورية، وخذلوا الثورة التي يدّعون أنهم أصحابها، بينما الصادقون هم الباقون في سورية حتى الآن. وهذا أيضاً تعميم مجحف، وفيه استعلائية مقابلة لاستعلائية بعض من في الخارج تجاه الداخل، فكما قلنا سابقاً، لكل سببه الخاص في الخروج من سورية. والبحث عن الأمان الشخصي حق من الحقوق الإنسانية. ليس الجميع أبطالاً، وليس المطلوب من الجميع التضحية، وكل خيار شخصي يجب أن يُعامل بمنتهى الاحترام، ليس من حق أحد إصدار الأحكام على الآخرين بناء على خياراته الشخصية، كما ليس من حق أحدٍ تعميم وجهة نظره على الجميع.

الأمر المحق في نظرة من بقوا في سورية تجاه بعض الخارجين منها هو في مطالبة هؤلاء السوريين في الداخل بالصمود ومواصلة الثورة، وهم يعيشون في أماكن نجاتهم وأمنهم الشخصي، فعلى من يريد مواصلة الثورة أن يكون حيث تكون الثورة، في داخل سورية. النضال الفيسبوكي والبعيد مجرّد ادعاء لا أكثر، ومطالبة السوريين الصمود في ظل أوضاعهم الأمنية والاقتصادية السيئة غير أخلاقية. المطالبة المحقّة هي في وقف نزيف الدم السوري، وفي إيجاد حل سريع يحل أزمة المعتقلين والمختفين، ويضمن عودة آمنة للمهجرين والراغبين بالعودة إلى سورية، كي يبدأ الجميع معاً التفكير بمستقبلٍ آخر لسورية.

========================

قوة عظمى رصيدها دمار سورية .. غازي دحمان

العربي الجديد

السبت 30/12/2017

كان العالم، قبل 31 سبتمبر/ أيلول 2015، يتعاطى مع روسيا بوصفها قوة إقليمية متنمرة، تسعى للبروز في محيطها والمشاكسة على أدوار اللاعبين الكبار وحضورهم، أميركا واوروبا، قرب حدودها، وقد وصل حال الاستخفاف بها إلى درجة أن الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، لم يجد غضاضةً في توصيف روسيا دولة إقليمية، في إشارة منه إلى رفض محاولاتها، وربما عروضها، للحصول على تعامل ندّي مع القوى الكبرى.

كانت يوميات الحرب السورية، على الرغم من كارثيتها، فرصة لتندّر إعلام الغرب وساسته على أداء روسيا العسكري، وأدواتها الحربية في سورية، فقد امتلأت صفحات الكاريكاتير في الصحف الغربية بصور حاملة الطائرات الروسية ذات الدخان الأسود، كما تهكّمت التقارير على صواريخ روسيا المجنّحة التي سقطت في إيران، فضلاً عن الغمز واللمز من عشوائية السلاح الروسي.

وحدهم السوريون الذين كانوا يعيشون بدمهم ولحمهم تحت حمم الأسلحة الروسية كانوا يدركون مدى سماجة التندّر الغربي، ليس لأن الأسلحة الروسية دقيقةٌ بمقدار أكبر مما تصوّره النكتة الغربية، بل لأنها كثيفة وغزيرة، وإن تخطئ واحدة فالأخرى تصيب الهدف. ولأن التندر الغربي شكّل محرّكاً للروس، كي يثبتوا للغرب أنهم قادرون على التدمير والقتل إلى أقصى درجة، ما دام الغرب قد حصر تحدّيه روسيا بقدرتها على هزيمة السوريين.

في سبيل ذلك، كان على روسيا أن تحضر الجيوش الجرّارة إلى سورية، وقد اعترف وزير دفاعها باشتراك حوالي خمسين ألف جندي روسي في الحرب على السوريين. ويعرف الغرب أن الروس يكذبون حتى بعدد الجنود الذين يشتركون في المناورات، ففي وقتٍ يعلنون فيه عن اشتراك عشرة آلاف جندي، تؤكد مراكز الرصد الغربية أن العدد يصل إلى حدود مائة ألف جندي، هذا على مستوى مناورات، فكيف عندما يتعلق الأمر بالحروب؟ ناهيك عن أكثر من مئتي ألف مقاتل أمنتهم إيران، ومثلهم جنّدهم نظام الأسد.

على المستوى التسليحي، استخدمت روسيا كامل طقم أسلحتها، الإستراتيجية والتقليدية، باستثناء النووي، ربما بأحجامه الكبيرة، ذلك أن الأيام ربما تكشف أن روسيا قد استخدمت نماذج معينة ومخففة من هذا السلاح، إذ في حالات كثيرة، كانت أعداد القتلى نتيجة الغارات الروسية وحجم الدمار يفوق طاقة الأسلحة التقليدية على صناعته، كما حصل في مناطق في إدلب وحلب.

ولم تقصّر روسيا في استخدام طاقتها الدبلوماسية إلى أبعد الحدود، قوّة رديفة لآلتها العسكرية في سورية، سواء عبر "الفيتوهات" التي رفعتها في مجلس الأمن لمواجهة أي محاولةٍ لوقف الحرب، وتعطيل ألة القتل وضبطها، أو من خلال توضيب التسويات والتفاهمات مع الدول

"في حالات كثيرة، كانت أعداد القتلى نتيجة الغارات الروسية وحجم الدمار يفوق طاقة الأسلحة التقليدية على صناعته، كما حصل في إدلب وحلب" الإقليمية، لمحاصرة السوريين الثائرين، وقطع طرق إمدادهم، وكان ذلك كله يجري فيما الغرب كان لا يزال مستلقياً على ظهره من الضحك، على ما سماها المغامرة الروسية في سورية!

لم يطل الوقت حتى بدأت الصور تكشف حجم الدمار الرهيب الذي خلفته آلة الحرب الروسية. أجزاء من مدن مسحت من الخريطة، ومساحات واسعة من الأرياف كانت موجودة يوما، وقد كان مقدّراً أن تشكل هذه الصور والمآسي الإنسانية التي رافقتها صدمة في الغرب الذي يدّعي أنه يقف إلى جانب حق الشعوب في الحرية والحياة، غير أن المفاجأة أن هذه الصور شكلت أوراق اعتماد روسيا للعودة إلى مرتبة القوّة العظمى، وموافقة الغرب على أنها لم تعد قوّة إقليمية غير مسؤولة!.

يذكّرنا هذا المنطق بروايات الحرافيش والفتوات في الأدب العربي، وخصوصا روايات نجيب محفوظ، حيث تستلزم ترقية شخصٍ من الطبقة الدنيا إلى النخبة القريبة من الفتوّة، أو وضعه على السكّة التي توصل إلى منصب الفتوّة، قيامه بعملية قتل أحد الأشخاص اختبارا ودليلا على قوّته وقساوة قلبه وتوحّشه. وغالباً ما تكون الضحية امرأة حرّة لا ترضخ لرغبات الفتوّة، أو رجلا نظيف الكف يعتبره الفتوّة منافساً محتملاً، بمعنى أن الضحايا هم ممثلو الخير والجمال والحق في المجتمع.

وضع الغرب روسيا أمام هذا الاختبار السوري الرهيب، وحفّزها على القيام به، وجعل سورية عنوانا لمساعي روسيا للعودة إلى مرتبة القوى العظمى، وكأنه يقول، دمّروا سورية، وستفتح لكم أبواب نادي القوى العظمى، إذ ليس لدى روسيا من أرصدةٍ تؤهلها لشغل ذلك الموقع. حتى على الصعيد الدبلوماسي، أتيحت لروسيا الفرصة لاستعراض مهارات دبلوماسيين لم يكن يسمع بهم العالم، ولا أحد يعرفهم اليوم خارج حالات التشاطر على مفاوضي المعارضة السورية.

وعكس ما حاول ساسة الغرب إيهام العالم به من أنهم كانوا ينتظرون روسيا على الضفة الأخرى، تتوسلهم لإنقاذها، فقد كانوا يعرفون مدى ثقل يدها العسكرية، ويؤكد على ذلك وصف وزير الخارجية البريطاني، بوريس جونسون، روسيا بأنها "منغلقة وقبيحة وذات نزعة حربية ومناهضة للديمقراطية، مثل إسبرطة".

ثمّة مؤشرات كثيرة على قبول الغرب روسيا في موقع القوة العظمى، بعد إنجاز مهمتها السورية. وحدهم السوريون يعرفون كيف استحقت روسيا هذه الرتبة، والثمن الذي دفعوه لتظهير تلك العظمة.

========================

بين سوتشي وجنيف .. رياض نعسان أغا

الاتحاد

الجمعة 29/12/2017

لم يعد خافياً أن روسيا تراجعت عن بيان جنيف 1 الذي صاغته يد روسية أصلاً، كما صاغت القرارات الدولية المتلاحقة التي باتت الملاذ القانوني الوحيد للسوريين الذين باتت مطالبهم تنفيذ قرارات مجلس الأمن راضين بها، رغم أنها تدعوهم إلى شراكة مع النظام الذي طالبوا بإسقاطه، وكان مطلبهم الأهم أن يحاسب المجرمون وأن ينتحى الأسد بوصفه مسؤولاً عن الدمار الشامل الذي حل بسوريا، لكن المجتمع الدولي بدا غير مهتم بتنفيذ قراراته، مكتفياً بتصريحات إدانة فقدت حضورها العملي، بل إن بعض هذه التصريحات تغير بعدها الأخلاقي حين وجد بعض القادة أن عدوهم هو "داعش" فقط، وليس الأسد الذي يقتل شعبه، وفهم السوريون من هذه التصريحات أنها تفويض للأسد بقتل من يريد ما دام المقتول سورياً.

ونفهم أن المجتمع الدولي بعظمة حضوره بات يخاف من المارد الروسي الذي صعد عسكرياً على مبدأ عبر عنه الشاعر الجاهلي ( خلا لك الجو فبيضي واصفري )، فأمام التردد الأميركي تمكنت روسيا من إنشاء سلسلة قواعد عسكرية ضخمة في سوريا، وبات لها موقع متقدم على شاطئ المتوسط، وأمسكت بقبضة فولاذية صلبة على عنق سوريا، ومنحت حضورها شرعية (غير قانونية) عبر موافقة الأسد الذي فقد شرعيته بعد سلسة الجرائم التي ارتكبها، لكنه منح روسيا وإيران امتيازات وصلت إلى حد التخلي الكامل عن السيادة الوطنية، وقد لاحظ العالم كله هذا التخلي في طريقة استقبال بوتين له في قاعدة حميميم التي باتت روسية.

وإزاء تنامي شعور روسيا بنشوة الانتصار على الشعب السوري المنتفض، بدأت تعلن أن بيان جنيف 1 صار قديماً، وهي بذلك تنسف الرؤية الدولية التي استندت إليها قرارات مجلس الأمن الخاصة بالقضية السورية، ولقد مارست روسيا ضغوطاً لتفكيك المعارضة السورية، وأصرت على دخول ممثلين لها سمتهم ( منصة موسكو) لأداء دور في نسف بيان جنيف، وتم ضمهم إلى هيئة التفاوض الجديدة، لكنها فوجئت بأن السوريين يتمسكون بحقوق شعبهم، وأن المملكة العربية السعودية لم تمارس ضغطاً عليهم لإجبارهم على القول ببقاء الأسد رئيساً للمرحة الانتقالية، حيث ظهر بيان الرياض 2 متماهياً مع بيان الرياض 1، وقال أشقاؤنا السعوديون بوضوح ( إنهم يدعمون خيارات الشعب السوري )، ولئن كانت الدول العربية الداعمة لهذا الشعب تريد أن ترى حلاً سريعاً للقضية السورية فإنها لا تقبل أن يظلم هذا الشعب وأن يقهر ويجر مرغماً إلى معتقل كبير سيعيد النظام إنتاجه.

وقد أدركت روسيا أن ما تطلبه من تركيع الشعب السوري هو مطلب عسير، فلم يعد لدى السوريين ما يخسرونه، وقد بات 15 مليوناً منهم مشردين بلا وطن، تكتظ بهم مخيمات اللجوء، أو هم لاجئون في أوروبا وسواها من أصقاع الأرض، أو هم ضيوف مؤقتون في الدول العربية والصديقة، وهم لا يريدون أن يكونوا عبئاً على هذه الدول، لكنهم يدركون أن العودة إلى سوريا عبر تقبيل "البوط" العسكري، كما اشترط النظام، تعني دخولهم في إذلال مريع، وأنهم سيلاقون من العقاب والتعذيب ما لا يطاق، ويدركون كذلك أن أي حل يعيد إنتاج النظام سيعني استمرار الصراع لمئة عام على الأقل، بحيث تبقى سورية ساحة دم ودمار، وستكون بالرغم عنها ساحة إنتاج جديد للإرهاب.

وقد تقصد الروس إفشال مفاوضات جنيف حين لم يضغطوا على النظام للقبول بالقرارات الدولية، وقد اشترط وفد النظام في الجولة الثامنة أن تتراجع المعارضة عن بيان الرياض 2، وعن أي حديث حول رحيل الأسد، مع أن وفد النظام ذاته لم يعلن مثل هذا الموقف في الجولات السابقة رغم كون بيان الرياض1 أعلى سقفاً وأوضح تعبيراً عن موقف المعارضة من مستقبل الأسد، فإن روسيا أرادت أن تنقل مفاوضات جنيف إلى سوتشي، وبدأت تحاول إقناع السوريين بأن سوتشي رديف لجنيف، وأنها تريد مظلة الأمم المتحدة، وكان جواب المعارضة (إذا كانت سوتشي متابعة لمفاوضات جنيف وتحت مظلة الأمم المتحدة فما الداعي إذن لعقد مؤتمر سوتشي؟)، لكن روسيا تريد تهميش وفد المعارضة وهيئة التفاوض عبر تظاهرة سياسية تحشد لها ألفاً وسبعمائة شخص يضيع وفد التفاوض بينهم، وجل المدعوين باسم المعارضة هم ممن تم تصنيعهم في الداخل، وسيكون هدفهم في سوتشي ترسيخ النظام والدفاع عن بقاء الأسد رئيساً، وستكون المفارقة أنهم يحسبون على المعارضة.

ويدرك العالم كله أن سوريا لن تصل إلى الاستقرار ولن يتوقف شلال الدم فيها، مادام نظام الديكتاتورية قائماً فيها، وما دامت إيران تحقق طموحها التوسعي الفارسي القديم، وما دامت روسيا تبحث عن حضور عسكري دولي على حساب حقوق الشعب السوري، ومادام المجتمع الدولي يتخلى عن دفاعه عن حقوق الإنسان وعن الشعوب التي تطمح للحرية والديموقراطية.

 

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com