العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 27-12-2020


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

مأساة المعارضة السورية

د. رياض نعسان أغا

الاتحاد

الخميس 24/12/2020

من المؤسف أن تصل المعارضة السياسية السورية إلى حالة مفجعة من الضعف والتشتت والانقسام، وخطر الوقوع في تشابكات العلاقات الدولية، وقد دخلت مسارات العملية السياسية في حالة الجمود التي أوصلتها إلى التعلق بوهم قدرة اللجنة الدستورية على إيجاد حل.

وقد تفاقمت الظروف القاسية التي يعاني منها شعبنا في المنافي وفي بلاد الهجرة، وبات ملايين السوريين النازحين في حالة مريعة من التشرد والضياع والفقر المدقع، وفي غياب كامل لأدنى شروط العيش، كذلك باتت معاناة شعبنا في الداخل السوري المحاصر أكثر صعوبة وقسوةً، بعد الانهيارات المتلاحقة في الاقتصاد السوري، وغياب الأمن وضعف بنية الدولة وظهور طبقات من أثرياء الحرب الذين سيطروا على ما تبقى من ثروات سورية.

ولم تستطع تنظيمات المعارضة الراهنة أن تجد مخرجاً من هذا المستنقع الآسن، بل غرق فيه كثير من قواها، وصارت بعض تشكيلاتها عبئاً على الشعب الذي أعلن رفضه لها، وبات يبحث عن بديل، وعن جسد سليم قوي تتجسد فيه روحه الأصيلة، ويقدر أن يجدد حيويتها، ويستعيد حضورها ويحمل المسؤولية باقتدار.

وهذا الجسد الذي نسعى إلى إيجاده، هو جسد الشباب الذي ينبغي أن يحمل الراية، وأن يباشر بنفسه قيادة مسار المستقبل السوري، ترفده كل القوى الوطنية المخلصة، وتمنحه ثقتها.

إن أي بحث عن الاستقرار في منطقتنا لن يكتمل من دون تضميد جراح سوريا، وما لم تصل سفينتها المتخبطة في عواصف الصراعات الدولية إلى شاطئ أمن واستقرار. وإعادة إنتاج الماضي أو الإصرار على فرضه على الشعب وجعله ذاته مستقبل سوريا، أمر ينذر بانفجار جديد لما يخبئ قاعُه من قهر وظلم وفقر، وأية محاولة لرتق الجرح ستبوء بالفشل. 

إن إصرار الشعب السوري على تنفيذ القرار الدولي 2254 وفق تراتبية محددة تبدأ في وضع دستور جديد، وتدعو إلى انتخابات نزيهة بإشراف الأمم المتحدة.. هو مفتاح الحل الممكن الذي يضمن سلامة المستقبل، لاسيما أنه لا يقصي أحداً، ولا يتجاهل حق أحد من مكونات الشعب السوري.

إننا ندعو شباب سوريا، وكل القوى الوطنية لبناء جسد وطني معافى من أمراض المعارضة التي أوشكت أن تصير أمراضاً مزمنة بعد نحو عشر سنوات من التخبط، وأن يتسامى الجميع فوق المصالح الشخصية والإثنية والعرقية والمذهبية.. لإنقاذ وطن جريح يترنح اليوم، وينتظر أبناءه الشرفاء كي يتداركوه قبل فوات الأوان.

لا نريد إقصاء أحد، ولا نقبل من أحد أن يلغي الآخر، وليكن مبدأ المواطنة أساساً ومرجعية لكل السوريين فوق كل انتماء فرعي أو ولاء مصلحي.

ولا نقبل أن يرتهن موقف المعارضة عند أي قوى إقليمية أو دولية، ونحن نثمن مساعدتها لشعبنا ووقوفها مع قضيتنا، ونحترم سيادتها في توجهاتها وأهدافها، لكنها تعذرنا حين نخلص لقضيتنا ونبعدها عن أية صراعات أو اشتباكات قد تؤثر على سلامة مسار الحل السياسي المنشود، متفائلين بتجدد الدعم الدولي لإنهاء السيطرة العسكرية الدولية على سوريا وجعلها مناطق تقاسم نفوذ أجنبي، ومصممين على استقلال سوريا، وعلى استعادة سيادتها على كامل أرضها، ومحافظين على وحدة شعبها، ومتفائلين بقدرته على النهوض وبناء دولة مدنية ديمقراطية حرة مستقلة.

*وزير الثقافة السوري الأسبق

=========================

موقفنا : في تشكيل جبهة واسعة لأهل الإيمان

زهير سالم

مركز الشرق العربي

٢٦ / ١٢ / ٢٠٢٠

" ثق بالمتدين ولو على غير دينك " عبارة ما وجدتها قط في كتاب ، وما حفظتها إلا من أفواه علماء حلب ، وتحت قباب مساجدها . والأديان لا تأمر بالفحشاء ، ولا ترتضي البغي والعدوان ، هكذا كانوا في مساجدنا يعلمون .

ومصطلح " مؤمن " يدلل في خطابنا الإسلامي الداخلي إلى درجة من درجات اليقين ، إسلام وإيمان وإحسان ، وقد يتداخل في سياقات القرآن العظيم ورود الإسلام والإيمان بمعنى واحد ، وإن كان ورود لفظ الإيمان والنداء بوصفه، أكثر في كتاب الله تعالى.

ولكن - ولا تعجلوا علي- إطلاق لفظ الإيمان والكفر أو الجحود أو النكران قد يختلف في السياقات الكونية والحضارية والإنسانية ..

فنسمي مؤمنا ومؤمنين كل من آمن بإله ورب ودين - مهما يكن إيمانه - ونسمي كافرا أو منكرا أو جاحدا أو ملحدا كل من كفر أو أنكر أو جحد أو ألحد ..

ويجب أن لا تضيق عقولنا بذلك ، فيقول قائل كيف تسمي غير المسلم مؤمنا ؟! وأقول مادمنا نسبق إلى تحديد معنى المصطلحات فلا بأس ولا ضير.

وحكمة ما ندعو  إليه ، والمصلحة منه ، أن يشكل أهل الإيمان ، بكل ما تحمله الأديان عامة من قيم عليا - مهما اختلفت ، جبهة موحدة في وجه دعاة الكفران الذين باتوا جبهة موحدة ، تحارب جميع القيم ، وجميع الأديان ، وهي في الحقيقة تمتلك السلطة والثروة والقرار والإعلام والمدرسة والجامعة . يجب أن يكون في عقولنا متسع لمثل هذا الفرز والتكتيك ليكون لهؤلاء " المؤمنين " بالمعنى الذي ذكرت ، حضورهم وكلمتهم وقرارهم في بناء أوطانهم ، وفِي المؤتمرات الدولية ، وفِي صياغة المواثيق الإنسانية، وفِي صناعة الثقافة والقيم العالمية ، فإن جبهة الكفران تراهن على اختلاف أهل الإيمان، من المؤمنين بالله والأديان ، وتشتتهم وتنابذهم .

وأحفظ عبارة جميلة من كتاب ابن القيم في أحكام الذميين والمستأمنين تنص " إن الله يحب أن يذكر ولو من كافر "

ومن تابع ثقافة النتفلكس وهي ثقافة مبرمجة علم إلى أين يريدون أن يأخذوا الإنسانية والعالم.

ومن قبل قال ديستوفسكي على لسان أحد أبطاله " إذا لم يكن الله موجودا، فكل شيء مباح "

وبات هذا القول بالنسبة لكل من اعتقدوا موت الله منهجا وطريقة وسياسة .

وبناء على هذا الموقف من الله والحياة والإنسان حول بوتين وشركاه سورية إلى مختبر ، وشعبها إلى فئران تجارب ، وجربوا فيه حسب تصريح. شويغو ٦٠٠ سلاح .

______________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

في وداع دبلوماسية ترامب في سوريا

مرح البقاعي

العرب اللندنية

الخميس 24/12/2020

في شهر أغسطس من العام 2016 أطلقت خمسون شخصية أميركية من رجال الدولة والدبلوماسيين المخضرمين رسالة للرأي العام الأميركي، كان أحد الموقّعين عليها السفير الأميركي الأسبق لدى العراق وتركيا جيمس فرانكلين جيفري.

جاءت الرسالة في حينها لتحذّر من انتخاب دونالد ترامب الذي كان مرشحا للرئاسة ومنافسا لهيلاري كلينتون مرشحة الحزب الديمقراطي. جاء في متن الرسالة “نحن الموقعون على الرسالة لدينا قناعة بأنه في حال وصول المرشّح الجمهوري دونالد ترامب إلى المكتب البيضاوي، سيكون الرئيس الأكثر تهورا في التاريخ الأميركي”.

إلا أن جيفري، وبعد عامين من إطلاق الرسالة الآنفة الذكر، قبل تكليف إدارة الرئيس ترامب التي عينته بمنصب الممثل الخاص للولايات المتحدة لشؤون سوريا والمبعوث الخاص للتحالف الدولي لهزيمة داعش.

وفي شهر أغسطس من العام 2018 أعلنت وزارة الخارجية الأميركية رسميا عن تعيين السفير جيفري في منصبه الجديد في الإدارة الجمهورية التي ينتهي عهدها في 20 يناير من العام المقبل، في حين يدخل عهد الديمقراطيين مع الرئيس المنتخب جو بايدن ونائبته كاميلا هاريس.

ويعرف السفير جيفري على أنه دبلوماسي أميركي مخضرم، يتمتع بخبرة في القضايا السياسية والأمنية وشؤون الطاقة في منطقة الشرق الأوسط عامة، وفي تركيا وألمانيا ومنطقة البلقان على وجه الخصوص. ولديه تجربة في الحياة العسكرية تعود إلى سنوات خلت، وذلك من خلال انضوائه في المهمات التي خاضتها الولايات المتحدة في الخارج؛ وقد خدم في الجيش الأميركي بألمانيا وأيضا خلال حرب فيتنام برتبة ضابط مشاة.

وقع اختيار وزارة الخارجية الأميركية على السفير جيفري بالذات لقيادة هذه المهمة الصعبة في ملف هو الأكثر تعقيدا وتشابكا وحساسية في الدبلوماسية المعاصرة، لخبراته التي ذكرناها آنفا ولإلمامه العميق بتفاصيل المنطقة الجيوسياسية، من خلال الدراسات الأكاديمية التي اختصّ بها عن منطقة الشرق الأوسط. فقد كان جيفري باحثا في معهد واشنطن للشرق الأدنى، وهو المعهد المعني بتقديم دراسات معمّقة ورؤية مستقبلية لمفاصل الاستراتيجيات الدبلوماسية والعسكرية للولايات المتحدة.

ينظر إلى جيفري على أنه واحد من الصقور الأشداء في إدارة الرئيس ترامب وصاحب موقف متشدد جدا من إيران وروسيا ومن توغلهما السياسي والعسكري في سوريا. كما يعرف عن جيفري معارضته لقرار ترامب بالانسحاب من سوريا، وذلك يعود إلى قناعات قديمة لديه. فقد كان معارضا قويا لانسحاب القوات الأميركية من العراق عام 2011، وهو قرار منفرد اتخذه باراك أوباما في ذلك الوقت.

رؤية جيفري قامت على قناعة خالصة تكوّنت لديه بأنه من غير تواجد أميركي فاعل ونافذ على الأرض عبر استمرار القوات المتواجدة هناك للقيام بمهماتها في القضاء على الإرهابيين والمسلحين المتطرفين ومقاتلي داعش وتمكين الأمن والاستقرار في المنطقة، فإن كل فراغ ستتركه الولايات المتحدة سيتم ملؤه من قبل الميليشيات الإيرانية العابرة للحدود.

إلا أن السفير جيفري كان يدرك تماما أن نظريته تلك مرتبطة بقدرته على عقد تفاهمات على الأرض لحماية القوات الأميركية من هجمات يمكن أن تتعرض لها من أي جهة تعارض تواجدها في سوريا، وبالأخص الميليشيات الإيرانية التي تعادي أي نفوذ للولايات المتحدة في المنطقة.

ويُحسب لجيفري أنه تمكّن من إقناع إدارة الرئيس ترامب بتجميد تمويل واشنطن لأي عملية إعادة إعمار في سوريا إلى أن يتم تطبيق القرارات الأممية وتحقيق الانتقال السياسي الكامل. وبناء عليه، ألغت وزارة الخارجية الأميركية تحويل مبلغ 230 مليون دولار إلى صندوق تمكين الاستقرار، بعد أن اقتنعت واشنطن بأن المساهمة في الإعمار لا تزال سابقة لأوانها طالما أنها لم تحقق هدفها في دحر الميليشيات الإيرانية، ووضع الشروط القوية والملزمة على الدول التي ستساهم في إعادة الإعمار بألا يكون النظام الحالي شريكا في العملية، وأن لا إعادة إعمار قبل انتقال سياسي عادل حسب القرار 2254.

استقال جيفري من مهمته في سوريا إثر خسارة ترامب للانتخابات الرئاسية، وقرر العودة إلى العمل الأكاديمي الذي كان يمارسه من خلال مراكز البحوث الأميركية التي عمل فيها باحثا وخبيرا دبلوماسيا.

يشهد التاريخ للدور اللافت الذي لعبه جيفري لجهة دحر المنظمات الإرهابية، وأكثرها غلوا داعش، والقضاء على رأس المنظمة أبوبكر البغدادي في غارة أميركية نوعية على مقرّه في ضواحي إدلب. كما أن جيفري كان راديكاليا في ضرورة إخضاع النظام السوري، ودونما شروط مسبقة، للقرارات الأممية. وكان داعما قويا لهيئات المعارضة ومؤسساتها وقيادييها لتمكينهم من الدخول في عملية الانتقال السياسي بقوة وقدرة كاملة على حفظ حقوق الشعب السوري دون إنقاص.

ولعلنا سنحفظ في ذاكرتنا لفترة ليست بالقصيرة زيارة جيفري مع سفيرة واشنطن في الأمم المتحدة كيلي كرافت إلى الحدود السورية المتاخمة للأراضي التركية ودخولهما المعبر الحدودي السوري، في رسالة قوية لنظام الأسد وحلفائه، حيث تابعا ميدانيا سير عمليات توزيع المساعدات الإنسانية للنازحين السوريين وتفقدا المركز اللوجيستي التابع للأمم المتحدة، واطلعا على سير عمليات الإغاثة من قبل مارك لوكوك، نائب الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية.

الزيارة كانت تحدّيا كبيرا للنظام السوري ولروسيا وإيران، ورسالة لهم مفادها أن الولايات المتحدة قادرة على إبقاء الحدود السورية مفتوحة وآمنة من أجل تقديم المساعدات الإنسانية للمدنيين من ضحايا الأسد وحلفائه.

=========================

شرارة الربيع العربي

 بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 24/12/2020

على رغم كثرة المواد الصحافية التي تناولت الموضوع، يبقى مفيداً قراءة حصيلة عشر سنوات من ثورات الشعوب من زوايا نظر مختلفة، فحدث بهذا الحجم يحتمل الكثير من القراءات الإضافية. ولا ينقص من أهمية ذلك انشغال العالم بجائحة فيروس كورونا وبدء استخدام اللقاحات المضادة مع بداية موجة ثانية من الجائحة، أو انتظاره لانتقال السلطة في واشنطن بعد أربع سنوات من «حال الطوارئ» الترامبية العالمية، أو فوضى النظام الدولي الذي يؤمل تخطيه نحو عالم أقل مخاطر.

إذا نظرنا اليوم إلى حال البلدان العربية التي شهدت ثورات شعبية، سنرى أنها ـ باستثناء تونس ـ في وضع مرعب، بمئات آلاف القتلى ودمار البنية العمرانية والاقتصادية، وانهيار الدولة وتفكك المجتمع وملايين المهجرين واللاجئين، وحروب لم تنطفئ، واحتلالات أجنبية، إضافة إلى فيضان جزئي لهذا الخراب باتجاه دول مجاورة وأخرى معنية بالصراعات المستمرة في «بلدان الربيع».

القوى الرجعية التي ارتعبت من يقظة الشعوب خشية انتقال شرارة الثورة إلى بلدانها دأبت على استخدام هذا الخراب كأمثولة للردع بدعوى أن ثورات الشعوب هي التي أدت إليه، في حين أن القوى الثورية حملت مسؤولية الحصائل المأساوية لأنظمة متوحشة مستعدة لتدمير البلدان التي تحكمها كي لا تتخلى عن السلطة، وللمجتمع الدولي الذي لم يتدخل، أو تدخل بما يعاكس تطلعاتها.

لا يتساوى الطرفان كما لو كانا مجرد تعبيرين عن رؤيتين مختلفتين، فالأوضاع العامة للمجتمعات المحكومة من قبل طغم سلطوية فاسدة وفاشلة وقاتلة، لم تكن بخير، وقد قدمت التقارير الدورية لمؤشرات التنمية البشرية في البلدان العربية، منذ أكثر من عقد قبل اندلاع الثورات، صورة قاتمة لمستقبل تلك البلدان، تجاهلتها الطغم الحاكمة بدلاً من التعامل معها كإنذار يستوجب منها البدء بإصلاحات عميقة وشاملة إذا أرادت الاستمرار في الحكم.

وقدم الروائي المصري الراحل صورة فانتازية مرعبة لأوضاع مصر في رواية «يوتوبيا» التي صدرت في العام 2008. صورت الرواية انقسام المجتمع المصري بصورة حادة بين الحكام والمحكومين، في مجاز حوّله إلى انفصال تام في المكان بين مدينة الحكام الغارقة في الترف والفجور، المحتمية بجيش من المرتزقة الأجانب، ومدينة للمحكومين الذين يعيشون حياة لا تليق حتى بالحيوانات. وإذ يعاني سكان المدينة الأولى من الضجر ينظمون رحلات صيد إلى المدينة الثانية يختطفون فيها أحد سكانها من تعيسي الحظ، ويقتادونه إلى مدينتهم للتنكيل به كنوع من أنواع اللهو الذي يكسر رتابة أيامهم المكرورة المملة.

 

القوى المتحكمة بالنظام الدولي لا يمكنها أن تبقى متفرجة على هذه الفوضى العارمة في إقليمنا، وفي العلاقات الدولية عموماً. سيكون هناك يالطا ما لتوزيع حصص النفوذ والسيطرة بين الأقوياء

 

لم يكن واقع البلدان العربية «السعيدة» باستقرارها الزائف بعيداً عن هذه الفانتازيا الأدبية، بل كان تكراراً لها بأشكال مختلفة باختلاف البلدان. وبغياب مخارج عقلانية تبادر إليها السلطات الحاكمة الممسكة بكل مفاصل الحياة، لم يبق غير التمرد الشعبي أو الحرب الأهلية بين عالمي الحكام والمحكومين، وهو ما حدث بعد سنتين فقط من نشر رواية توفيق، حين أحرق التونسي محمد بوعزيزي نفسه على الملأ احتجاجاً على انتهاك كرامته.

لم يتسن لبوعزيزي أن يرى أن ما قام به كان الشرارة التي أشعلت ناراً كبيرة في العفن المتراكم منذ عقود. عفوية عمل بوعزيزي ستطبع ثورات الشعوب التي ملأت الساحات والشوارع في المدن العربية، فتتحول سريعاً إلى حروب أهلية مدمرة بلا أفق. فلا سكان اليوتوبيا يتخلون عن الحكم لمصلحة البلد، ولا سكان الديستوبيا يقبلون بالعودة إلى بيت الطاعة بعدما تذوقوا طعم الحرية وشعروا بقوتهم.

لم تكن الحرب صافية، بالطبع، بين الحكام والمحكومين، بل تدخلت كل القوى الرجعية لوأد الثورات، ونجحت في ذلك إلى حد ما. فقد نجحت في تعميم الدمار أكثر مما نجحت في وأد الثورات. ذلك لأن الموجة الثانية من ثورات الشعوب لم تتأخر في الاندلاع في الجزائر ولبنان والعراق والسودان، وهو ما يعني فشل القوى الرجعية في وأد الثورات الشعبية. صحيح أنه لا ثورات الموجة الأولى، ولا الثانية، قد حققت أهدافها، لكن طريق الثورة على حكام استعماريين قد انفتح ولا يمكن إغلاقه إلا بتغيير عميق يلبي تطلعات الشعوب الثائرة. في حين أن الحكام الاستعماريين لم يفعلوا شيئاً، طوال السنوات العشر المنصرمة، بخصوص تغيير الأوضاع العامة التي أدت إلى الانفجار الاجتماعي الكبير.

وسيبقى احتمال اندلاع ثورات جديدة قائماً ما لم يتم التغيير المنشود. غير أن تغييرات كبيرة حدثت بالمقابل في التوازنات الإقليمية التي كانت قائمة قبل عشر سنوات، أبرزها تطبيع علاقات عدد من الدول العربية مع إسرائيل على طريق التحالف معها ضد الخطرين الإيراني والإسلامي، أو الإسلاموية الشيعية والسنية، بعد انسحاب الولايات المتحدة التدريجي من مشكلات المنطقة. وهذا ليس بالأمر المفاجئ، فالحكام الاستعماريون جاهزون دائماً لتقديم تنازلات لدول أقوى منها مقابل مبدئية صارمة في عدم تقديم أي تنازل لـ«السكان الأصليين».

القوى المتحكمة بالنظام الدولي لا يمكنها أن تبقى متفرجة على هذه الفوضى العارمة في إقليمنا، وفي العلاقات الدولية عموماً. سيكون هناك يالطا ما لتوزيع حصص النفوذ والسيطرة بين الأقوياء. وهو ما لا يمكن إرساؤه بالطريقة التي تفعل فيها روسيا في سوريا. سيحتاج الاستقرار العزيز على قلوب القوى الدولية المسيطرة إلى تغييرات داخلية في بلدان الإقليم لا يمكن التكهن بتفاصيلها، وربما لا نعرف تلك القوى نفسها كيف سيكون شكل الحكم في دول اقليمنا. فهذا مرتبط بنوع ومحتوى الصفقات متعددة الأطراف والموضوعات التي ستعيد تشكيل الإقليم.

 

كاتب سوري

=========================

عدالة تصالحية أم انتقالية أم تعويضية؟

رياض معسعس

القدس العربي

الاربعاء 23/12/2020

جدل واسع شهدته أروقة المعارضة السورية بعد آخر اجتماع للجنة الدستورية (وهي لجنة منبثقة عن الهيئة العليا للتفاوض تنحصر مهمتها في تعديل الدستور تحت رعاية الأمم المتحدة وتتشكل من ثلاثة أطراف ثلث للنظام، وثلث للمعارضة، وثلث للمجتمع المدني) احتجاجا على غير بيدرسون مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا الذي وفي تقرير الاحاطة للأمم المتحدة في السادس عشر من الشهر الحالي والمتعلق بالدورة الرابعة للجنة الدستورية، ضمن مصطلحا جديدا على المعارضة في تقريره: «العدالة التصالحية» والذي يعني باختصار المصالحة مع نظام الأسد وكأن المأساة السورية التي راح ضحيتها مئات الآلاف، وجرائم النظام باستخدامه كل أنواع الأسلحة بما فيها الكيميائية ضد الشعب السوري، وتهجير نصف السوريين من ديارهم، واعتقال مئات الآلاف، وقتلهم تحت التعذيب هي مجرد صراع بين طرفين متعادلين متشاركين في الجريمة، ويحل قانونيا كما تحل الجرائم في المحاكم المدنية.

جوهر القرار الأممي

وهذا المصطلح من شأنه أن يحل محل مصطلح: «العدالة الانتقالية» (العدالة الانتقالية كما ينص عليها قرار الأمم المتحدة، 2225 متعلقة بانتقال سياسي، وإصلاح المؤسسات، ومحاسبة من أجرم بحق الشعب السوري).

رئيس الائتلاف الوطني نصر الحريري أشار إلى «أن العملية السياسية الخاصة في سوريا تمضي في طريق «منحرف» معتبراً أنه لا يوجد حل سياسي في المدى القريب، لأن روسيا ما تزال متعنتة بدعمها لنظام الأسد، ولا تريد الجلوس إلى طاولة المفاوضات».

وهنا يحمل المسؤولية كاملة لروسيا في عدم رغبتها في التوصل إلى حل سياسي ينصف الشعب السوري في تطلعاته للحرية والكرامة والحقوق.

وهذا يعني من ناحية أخرى أن لا حل سياسيا إلا بموافقة موسكو.

من ناحيته، أشار أنس العبدة رئيس هيئة التفاوض ألى أن «سلة الحكم، وهيئة الحكم الانتقالي هي جوهر القرار الأممي (2254) ومهمة تيسير تنفيذه منوطة بالمبعوث الأممي إلى سوريا حسب التفويض الممنوح له من قبل مجلس الأمن..فلا معنى للدستور دون مرحلة حكم انتقالي.

نؤكد أنّ سلة الحكم الانتقالي هي عصب القرار، وطريق رئيسي في تنفيذ القرار الأممي. وإنه لأمر مقلق للغاية غياب الحديث عن هذه السلة في إحاطة بيدرسون».

مسار تعديل الدستور

هادي البحرة مسؤول اللجنة الدستورية أكد من طرفه أنه «بخصوص ما أثارته إحاطة المبعوث الخاص الأخيرة من مخاوف والتي تم توضيحها وتصويبها من مكتبه»: أؤكد رسميًا أنه لم يذكر أو يبحث مصطلح «العدالة التصالحية» في اجتماعات اللجنة الدستورية منذ تأسيسها والى الآن.

في كل مداخلات اللجنة منذ بداية عملها وإلى يومنا هذا ممثلو هيئة التفاوض لقوى الثورة والمعارضة يستخدمون مصطلح واحد وهو «العدالة الإن`تقالية»غير بيدرسون قال:» إن وفد المجتمع المدني هو من قدم مجموعة من النقاط حول العودة الآمنة والطوعية للاجئين السوريين وتحقيق العدالة التصالحية.

وهذا ما نفاه ممثلو المجتمع المدني، وقالوا إنه ربما خطأ في الترجمة حيث أنهم تحدثوا عن « العدالة التعويضية».

وهكذا برز ثلاثة مصطلحات: « العدالة الانتقالية، العدالة التصالحية، العدالة التعويضية» واختلفت آراء المعارضة بشأنها في حين نجح وفد النظام في حرف المفاوضات عن مسارها، ويخرج في كل مرة يفرك كفا بكف فرحا لعدم تمكن وفد المعارضة من أي تقدم على مسار تعديل الدستور، ففي مدار الجولات الأربع والتي امتدت لأكثر من عام لم يتم التطرق مطلقا للدستور، بل عمل وفد النظام على إضاعة الوقت في مسائل جانبية تدخل الجميع في جدل عقيم كجدل جنس الملائكة، وتعاد سيرة المبعوث الأممي السابق ديمستورا الذي كان يعمل جاهداً لإفشال مساعي المعارضة وتفتيتها وتحجيم الحل السياسي والمماطلة لأطول مدة ممكنة بتوافق مع الجانب الروسي في سوتشي عبر فكرة السلال الأربع، والإطاحة بالجدول الزمني والتسلسل المتضمن في القرار 2254، ثم إدخال المنصات الموالية من موسكو والقريبة من نظام الأسد، لإعطاء الفرصة للجيش الروسي وجيش النظام للقضاء على المعارضة المسلحة واستعادة الأراضي المحررة، وبالتالي لم تعد للمعارضة أي ورقة ضغط ويعلن الأسد انتصاره النهائي ولن يتزحزح عن كرسيه ولا أحد سيمكنه محاسبته على جرائمه، وهذا ما قدمه وزير خارجية النظام فيصل المقداد في زيارته لموسكو للروس من مطالب: تحرير إدلب، وحصانة رأس النظام واستمراريته، مع القبول ببعض التحسينات «البديعية» الطفيفة التي لا تمس من وجود النظام وطبيعته.

لقد رحل ديمستورا ولا أحد يذكره بخير سوى النظام، وجاء خلفه بيدرسون ليبدو أنه يسلك طريقا مماثلا بالتلاعب في المصطلحات، وإغراق مؤسسات المعارضة (التي يتم فيها تسلم المناصب بالمقايضة على الطريقة الروسية) في التفاصيل والمسائل الجانبية كي تدور في حلقة مفرغة، فهي أدخلت في دوامة أستانة ثم في متاهة ستوتشي، ومنها إلى جنيف واللجنة الدستورية، ولم تحقق إلى الآن إي إنجاز يعطي بصيص أمل لتسوية سياسية مع النظام تطبق فيها مبادئ قرار جنيف 2254 الذي يعتبر الأساس في العدالة الانتقالية التي تنصف الشعب السوري، وتحاسب النظام على كل جرائمه.

=========================

بين بيدرسون و«العدالة التصالحية» وبشار الأسد

موفق نيربية

القدس العربي

الاربعاء 23/12/2020

خلال اجتماع لمجلس الأمن عبر الفيديو في 16 ديسمبر، استمع مندوبوه فيه أيضاً إلى تقارير عن الوضع الإنساني المرعب في سوريا، قال غير بيدرسون المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى سوريا: «عندما ننظر وراءنا إلى عام 2020، نجد عنصرين للبناء عليهما – هدوءا نسبيا بدون تغيير في خطوط الجبهات منذ مارس 2020، ولجنة دستورية».

وبينما نتطلع إلى عام 2021، نجد أنفسنا في حاجةٍ إلى عملية أعمق وأوسع: وقف إطلاق النار على الصعيد الوطني، وصياغة دستورية جوهرية، وجهود أوسع لمعالجة عدد من القضايا، من بينها إجراءات لبناء الثقة، والحركة خطوة بخطوة». وقال إن الحل السياسي وحده هو الذي يمكنه إنهاء المعاناة، ومنع تجدد الصراع وجلب الاستقرار، وحماية المدنيين والمنطقة كلّها من المزيد من الأخطار الجسيمة. كما دعا إلى شكل جديد من التعاون الدولي بشأن سوريا، بمشاركة الأطراف الرئيسية والقضايا الرئيسية أمامنا.. ولبّ القول ما قالت حذامِ، كما قيل في الأثر العربي.

كان يقدّم إحاطة إلى مجلس الأمن، بعد أن نجح في جمع اللجنة الدستورية المصغرة في جنيف، التي انعقدت في الفترة من 30 نوفمبر إلى 4 ديسمبر. وخلال تلك الجلسة، واصل أعضاء اللجنة حوارهم الأصمّ حول «الأسس والمبادئ الوطنية». تقدّم الوفد الحكومي بثمانية «أسس ومبادئ وطنية» حسب اعتقاده، تدور في معظمها حول توصيات بدعم حكومة الأسد، في حربها على الإرهاب، ودعم «الجيش العربي السوري» وتعزيز «الهوية الوطنية» بمحدّداتها من حيث العلم والنشيد الوطنيين، ومطالبة المجتمع الدولي بدعم تلك الحكومة في سياستها التي تخص اللاجئين وعودتهم، مع مطلب إضافي يعلق برفع «الأذى عن الشعب» في إشارة إلى العقوبات الخارجية. في حين تقدّم وفد هيئة التفاوض المعارضة بورقة تحتوي على 23 نقطة حول مجموعة من المبادئ، بما في ذلك سيادة البلاد وسلامة أراضيها، والعلاقات الدولية، والالتزام بالقانون الدولي، والهوية الوطنية والتنوع الثقافي، والديمقراطية والتعددية السياسية وسيادة القانون، وحول فصل السلطات، الفساد والإرهاب والمواطنة وعودة اللاجئين والحقوق والحريات والمبادئ الاجتماعية والاقتصادية. وقد أشار بيدرسون إلى أن تلك النقاط قد تمّ بناؤها على أساس «المبادئ الأساسية الـ 12 الحية» التي كانت من مخرجات مؤتمر سوتشي.. وتم تقديم تلك النقاط الموسّعة كتطوير لسابقتها المتفق عليها، لتشكل جزءًا من المبادئ الأساسية لدستور جديد.. ولم تقم جماعة المعارضة بإطلاعنا – بشفافيتهم المعهودة- بعد على ما تقدّموا به في جلسات جنيف تلك، مع أن نصر الحريري كاد يشرحها في آخر كلمة له، ثم لم يفعل. وتابع بيدرسون بعد ذلك، فأشار إلى أن بعض أعضاء المجتمع المدني في الوفد الثالث الحيادي رسمياً، تقدّم بنقاطً حول شروط العودة الآمنة والطوعية والكريمة للاجئين، وأشار أيضًا إلى القضايا ذات الصلة مثل، إعادة المساكن والأراضي والممتلكات، والعدالة الإصلاحية، والآليات الدستورية المستقلة والمحايدة ذات الصلة.

 

بمتابعة السوريين للمسألة الإنسانية، يمكنهم أن يغلقوا طريق بشار الأسد ورجاله إلى المستقبل، بتحويلهم إلى مجرمين مطلوبين للعدالة

 

وثار كثير من السوريين حين سماعهم لمفهوم جديد على قاموسهم في بيان جنيف وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وهو «العدالة التصالحية». وحتى الائتلاف الوطني، الذي يعاني من ردود الفعل على قراره المسحوب من التداول لاحقاً، بإنشاء هيئة عليا للتفاوض؛ وجد فرصة لإثبات راديكاليته بالهجوم الكاسح على استخدام المفهوم الطارئ للعدالة، بدلاً من مفهوم» العدالة الانتقالية» الوارد في الأدبيات الأممية سابقاً. اعتبر البعض – كثيرون- أن محاولة تمرير ذلك المفهوم مدخل للمصالحة و»تبويس الشوارب» مع بشار الأسد، تحضيراً لانتخابه من جديد في الوقت المخطّط في العام المقبل.. وأن روسياً معيناً هو الذي مرّر تلك «التعليمة» إلى بيدرسون.

كان تعليق بيدرسون، في ختام عرضه لنقاط وفد النظام، إنها لا تتعلّق بشكل صريح بالنصّ الدستوري المنشود، وهي إشارة واضحة إلى تضييع النظام للوقت، والتفافه على المطلوب، كما اعتاد دائماً. وأشار بشكل إيجابي غير مباشر إلى ورقة وفد المعارضة، في حين تعثّر بتلخيصه لورقة «بعض» وفد المجتمع المدني.

وكان ذلك البعض من وفد المجتمع المدني أكثر شفافية من وفد المعارضة نفسه، بعد أن اعتذر بيدرسون عن «الخطأ غير المقصود في أثناء الترجمة» وأن «العدالة التعويضية» المختصة بالمساكن والعقارات هي التعبير المعني، فقام ذلك «البعض» المشار إليه بنشر ورقته على الفور، بشفافية أفضل من تلك التي لدى وفد المعارضة.. وهي بريئة بالفعل، إذا تغاضينا قليلاً عن نقص الخبرة في التعامل مع المفاهيم في لعبة التفاوض، ومع نظام من هذا النوع العجيب الغريب.

فلماذا يمكن لهذه المظاهرة المرتجلة الكبيرة أن تعزف على الوتر الحساس لدى السوريين، معظمهم؟ في الأساس، يثير حنق كثير من السوريين، ذلك التركيز على «اللجنة الدستورية» ويرون فيه إهمالاً لجوهر نصوص بيان جنيف وقرارات مجلس الأمن، خصوصاً رقم 2118 و2254، حيث أن ذلك الجوهر هو العملية السياسية، والحلّ السياسي، من خلال تشكيل «هيئة حكم انتقالي» تتابع مسائل الدستور والانتخابات، والعدالة الانتقالية.. وفي الحقيقة يشعر هؤلاء السوريون بأن مفهوم العدالة الانتقالية هو ورقتهم الأكثر صلابة في مسارهم السياسي، الذي يتحكم به الروس وحلفاؤهم وشركاؤهم منذ أواخر عام 2015. وبؤرة تركيزهم مع النظام، هي في محاولة إعادة تأهيل بشار الأسد، ونظامه البائس المنتهي الصلاحية.

بمتابعة السوريين للمسألة الإنسانية، من خلال مواضيع استخدام السلاح الكيماوي ضد المدنيين، وتعذيب وقتل الألوف المؤلفة من أهل ذلك البلد، ومن ثم متابعتهم لملاحقة الأسد ورجال أجهزته الأمنية ولصوصه، أمام كلّ أنواع المحاكم وفي كلّ العالم، وفي غياب قدرة المجتمع الدولي ومجلس الأمن على اتّخاذ القرار، قد يمكنهم أن يغلقوا طريق بشار الأسد ورجاله إلى المستقبل، بتحويلهم إلى مجرمين مطلوبين للعدالة، هنالك في حق كلٍّ منهم عدة مذكرّات اعتقال، وملفات اتهام تفوح منها رائحة الدم والدمار، لو توفّرت لهم المساعدة الكافية.

في زيارة إلى بيروت بعد الانتخابات المزعومة في عام 2014، قال وزير الخارجية الأمريكية السابق عنها إنها «صفر كبير.. لا معنى لها، لأنه لا يمكنك إجراء انتخابات، حيث لا يستطيع الملايين من الناس ممارسة عملية التصويت». وكذلك أدان الاتّحاد الأوروبي العملية يومذاك، ووصفها بأنها غير شرعية.

ذلك كان منذ سبع سنوات، فلعلّ الإعادة وتكرار الأمر فضيحة غير مسبوقة، سوف يتحملّ الأسد وجماعته مسؤوليتها التاريخية، ولكن المسؤولية الأكثر أهمية هي مسؤولية روسيا وحكومة بوتين، التي تشعر حتى الآن بأن هنالك فراغاً دولياً يسمح لها بالمبالغة في مثل تلك السياسات. ورغم بعض التفاؤل بنوع من التوازن يمكن أن تأتي به إدارة بايدن إلى العلاقات الدولية، ابتداءً من الربيع المقبل، بعيداً عن خفة وارتجال ومقاولات ترامب وإدارته؛ إلّا أننا لن نتلقّى مردوداً سورياً من تلك السياسات، ما لم تتغيّر عوامل أخرى في المعادلة التي أصبح تحديدها صعباً، وحلّها معقداً. وبانتظار أن يحدث شيء من هذا لو كان مقدّراً له أن يحدث، فإن تكثيف الجهود في الساحة القانونية والإنسانية يبقى أساساً.. وكذلك العمل على تفريغ مناورة إعادة انتخاب الأسد؛ التي تتضمّن إعادة تأهيله – المستحيلة- من أي مضمون على صلة بأي شكل من أشكال الشرعية.

أهم ذلك هو غياب نصف أو معظم السوريين – بعد تكريس تجريم الأسد – فلا رئيس من دون شعب.. كما في مسرحية الأخوين رحباني الرائعة «ناطورة المفاتيح» حين هجر» الشعب» البلاد، وتركها للملك بيوتاً فارغة من أهلها..

ولعلّ هذا الحديث نافلٌ، إذ ربّما كنّا نحن السوريين بحاجة إلى اجتراح عملية سياسية جديدة، من أجل نظام آخر.. ومن أجل ذلك لا بدّ أيضاً من معارضة جديدة!

=========================

سوريا: آخر 2020

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاربعاء 23/12/2020

تبدو صورة سوريا اليوم في حالة لم تكن عليها في يوم سابق من تاريخها، وصورة اليوم ليست نتيجة لمجريات وتطورات ما حدث في نحو عشر سنوات مضت فقط، بل أيضاً بسبب استمرار السياسات التي أدت إلى ثورة السوريين على نظام الأسد حينذاك.

وهذا على الأقل ما تؤكده الأزمة الاقتصادية التي انفجرت نتيجة سياسات النهب والفساد والرشوات الكامنة في طبيعة النظام الحاكم، وقد تسببت في انهيار قيمة الليرة السورية، وعجزها عن تلبية طلبات الحد الأدنى من احتياجات السوريين اليومية، فصار الفقر والجوع أبرز مظاهر الحياة اليومية في مناطق سيطرة النظام، التي لم يعد من الممكن معها استمرار إنكار واقع انتشار فيروس «كورونا» فيها بصورة وبائية، وسط معلومات تتسرب من مصياف وسلمية ودمشق واللاذقية والسويداء، وتقول إن الإصابات اليومية بالمئات يقابلها النظام بدفن رأسه بالتراب مثل نعامة تُنكر واقع الحال، مجسداً فيها فكرة عدم قدرته على مواجهة جائحات الفقر والجوع والمرض، التي تهدد سكان مناطق سيطرته بمن فيهم أنصار النظام ومحبوه.

والمشهد السياسي لا يقل تردياً عمّا هو حاضر في مجريات الحياة اليومية، حيث نظام الأسد تتقاذفه رياح اختلافات حلفائه الإيرانيين والروس، وقد بات كل منهما راغباً في الحصول على عائدات استثماراته، التي لا تعطلها استمرارية الصراع من دون نهاية تظهر في آخر النفق فقط، بل يعطلها اختلاف استراتيجية الطرفين من جهة، وتنافسهما على القليل من جهة أخرى خصوصاً في ضوء فشل دعوات إعادة إعمار سوريا، والفشل الذريع الذي أصاب مؤتمر عودة اللاجئين السوريين بدمشق مؤخراً.

وحيث إنه لا أفُق سياسياً أمام حلف النظام والروس والإيرانيين، فإن وضعهم يتفاقم، لأنه ليس أمامهم أي إمكانية لإحداث تغييرات ميدانية سواء في منطقة شرق الفرات المحكومة بقوة تحالف أكراد «PYD» وحلفائهم في مجلس سوريا الديمقراطية مع الأميركيين من جهة، أو في منطقة إدلب ومحيطها الخاضعة كلياً للسيطرة التركية بالرضا الأميركي المعلن وبالموافقة الروسية المضمرة. وعليه فليس أمام الأسد وحلفائه إلا الاستمرار في سياسات معادة ومستهلكة تستنزف طاقاتهم المحدودة، ومنها صراع الأسد مع ابن خاله رامي مخلوف، خصوصاً بعد إعلان الأخير برنامجاً يضعه في نطاق «معارضة» بشار، والصراع معه على زعامة الطائفة والحكم، ومنها فشل صيغة التسويات الروسية في الجنوب السوري، واستمرار إيران في تلقي الضربات الإسرائيلية دون أي ردة فعل تُذكر.

ولا يقتصر انغلاق الأفق السياسي في الواقع السوري على النظام وحلفائه، بل يشمل الأطراف الأخرى. وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي «PYD» الذي يقود مجلس سوريا الديمقراطية، يعاني من رداءة وتردي الموقف الأميركي وانتظاريته وصولاً إلى موعد انتقال السلطة في البيت الأبيض من الرئيس ترمب إلى خليفته بايدن، ويخوض الحزب بصعوبة مفاوضات الوصول إلى اتفاق مع المجلس الوطني الكردي، الطرف الآخر في خريطة كرد سوريا، من أجل صياغة موقف كردي واحد كما تسعى واشنطن، وفوق ما سبق كله، فإن خلافات تعصف بحزب الاتحاد بين كتلتي العسكر والساسة، أو بلغة أوضح بين الجنرال عبدي القائد العسكري وقادة الحزب في قنديل الذين لطالما تحكموا دون منافس بسياسات الحزب.

ويكتمل مأزق كرد سوريا في واقع حيرة المجلس الوطني الكردي الذي تتصف سياسته بـ«الوسطية» لقربه من البارزاني، زعيم إقليم كردستان العراق، إذ إنه موزّع التوجهات بين الاتفاق مع حزب الاتحاد الديمقراطي «PYD» الذي تعاديه تركيا، وتصفه بـ«جماعة إرهابية»، وخياره الأصعب في ترتيب أموره مع الائتلاف الوطني السوري، حليف تركيا الرئيس في المعارضة السورية.

وبطبيعة الحال، فإنَّ ما هو قائم في شرق الفرات من ترديات، حاضر في غربه عبر مناطق تحيط بمدينة إدلب وتلامس مناطق تتبع محافظات الجوار، وكلها موصوفة بأنها منطقة سيطرة تركية، رغم الحضور العلني لجماعات التطرف المسلحة من هيئة تحرير الشام (النُّصرة) وأنصار «داعش» مثل جماعة «أنصار الدين»، وقد منعت السيطرة التركية، ولا تزال، النظام من استعادة سيطرته على المنطقة، فتكشف في وقت واحد عجز النظام عن إخراج الأتراك منها، وتؤكد حضورهم في أي حل يتعلق بالقضية السورية، ولأن الوضع في إدلب على هذا القدر من الأهمية للأتراك، فإنهم يبذلون جهوداً استثنائية، تشمل قوى دولية وإقليمية وصولاً إلى قوى وأطراف محلية، مستخدمين السياسة والقوة والضغوط وعمليات الابتزاز والسكوت، وكلها تمارَس مع الجميع بشكل أو بآخر.

الجزء الأخير من صورة سوريا آخر 2020 يتصل بالمعارضة، والأمر في هذا يبدأ بالهيئة العليا للمفاوضات، التي تجمع جماعات رئيسية، حيث تضم الائتلاف الوطني وهيئة التنسيق، إلى جانب منصتي القاهرة وموسكو، إضافة إلى ممثلي المستقلين. والهيئة كما تبدو ضعيفة ومضعفة. ضعيفة، لأنها مكونة من جماعات ضعيفة القسم الرئيسي منها مرتبطٌ بطرفين بينهما تحالف آستانة المتخصص في القضية السورية، ويجمع تركيا وروسيا وإيران، وفي الوقت الذي تمثل منصة موسكو الموقف الروسي، فإن الائتلاف الوطني الذي يرأس الهيئة ويدير نشاطاتها، هو أكثر تنظيمات المعارضة السورية في التعبير عن الموقف التركي. والهيئة مضعفة، لأنها مأخوذة إلى غير مهمتها في التفاوض الذي يُفترض خوضه على أساس بيان جنيف 2012، مستنداً إلى القرار الدولي 2254، وكلاهما يجعل من الانتقال السياسي وتشكيل هيئة حكم انتقالي هدفاً لمفاوضات الهيئة مع نظام الأسد، وهو هدف تم التخلي عنه لجولات مفاوضات فاشلة ولا معنى لها في إطار ما تسمى «اللجنة الدستورية» التي لن تصل إلى نتيجة لو استمرت المفاوضات فيها عشر سنوات، والتي يدير وفد المعارضة فيها المفاوضات بوصفها عملية تقنية وغاية في حد ذاتها لا وسيلة نحو حل سوري.

خلاصة القول، في الوضع السوري مع نهاية عام 2020، أنه في أسوأ حالة مر بها، والحالة في ذلك تنطبق على أوضاع السوريين في كل الأراضي السورية، وأكثرها تدهوراً حالة السوريين في مناطق سيطرة النظام وحلفائه بفعل استمرار سياسات القمع والإرهاب بالتزامن مع سياسات النهب والفساد والرشى، وهو ما يترافق مع إغلاق سياسي وميداني عام، تبدو القوى المحلية عاجزة عن تحقيق خرق أو انفراج فيه، بل إن القوى لإقليمية والدولية الحاضرة بقوة في القضية السورية، وأعني بها تركيا وإيران وروسيا والولايات المتحدة، تُبدي حذراً شديداً في الإعلان عن خطوات قوية وفاعلة، يمكن أن تحدد مسارات جديدة تخرج بالموضوع من انغلاقاته، وتفتح الأبواب نحو المضيّ إلى حسمٍ ما في القضية السورية.

=========================

سورية .. طريق الحل المسدود

مروان قبلان

العربي الجديد

الاربعاء 23/12/2020

مع انتهاء المواجهات العسكرية الكبرى في سورية، واستقرار خطوط التماس (على الرغم من احتمال حصول معركة في إدلب)، تجد أطراف الأزمة في سورية نفسها بعد عقد من الصراع أمام طريق مسدود. النظام الذي يشعر بأنه انتصر، بمعيار النصر الوحيد لديه، وهو استمراره وبقاؤه، يجد نفسه من جهة، وهو يحكم على خراب، معزولا، ومحاصرا بعقوباتٍ دوليةٍ قاسيةٍ، تجعله عاجزا عن تأمين أبسط احتياجات السكان الذين يحكمهم، من غذاء ودواء ووقود وكهرباء وغيرها من مقومات الحياة الأساسية. ومن جهة أخرى، تبقى مساحات واسعة من البلاد خارجة عن سيطرته في الشمال والجنوب، وفي الشرق خصوصا، حيث حقول الغاز والنفط والقمح، وهو يعرف أنه لا يستطيع الصمود طويلا بدونها، كما لا يستطيع استعادتها، في وجود قوات أميركية وتركية تسيطر عليها.

من جانب آخر، دخلت المعارضة مرحلة انعدام الوزن، مع خسارتها أكثر أوراق القوة التي كانت يوما تمتلكها، وفقدانها كليا تقريبا هامش الاستقلال المحدود الذي كانت تتمتع به أمام الدول والجهات التي تموّلها، فأخذت انقساماتها تتزايد، على وقع الهزيمة والفشل وتبادل الاتهامات بالمسؤولية، وتحوّل جزء كبير من نشاطها السياسي إلى نقاشات سفسطائية لا تنتهي على وسائط التواصل الاجتماعي، ازدادت حدّتها، أخيرا، نظرا إلى سهولة الاتصال وعقد الاجتماعات الافتراضية التي وفرتها تقنيات وبرامج ازدهرت في ظل وباء كورونا. وقد أخذت المعارضة، كما النظام، تفقد مصادر شرعيتها المحلية، تستند بدلا من ذلك، في بقائها واستمرارها، إلى إرادة دولية وتحالفاتها الخارجية، ما عمّق افتراقها عن الشارع الذي تدّعي تمثيله. هذا الشارع الذي يشعر بالخيانة والخذلان، بعد كل التضحيات التي قدّمها، باتت معركته، هو الآخر، أصعب من أي وقت مضى، اذ أصبح جزءٌ منه ينادي بإسقاط النظام والمعارضة معا، بعد أن كانت معركته محصورة بالنظام، وهو لا يملك أي وسيلة لتحقيق ذلك. ودوليا، تبدو سورية آخر قضية يمكن أن يفكر بها العالم، المنكوب اليوم بأزمة كورونا وتداعياتها التي طاولت كل شيء تقريبا.

إلى أين تتجه الأمور أمام هذا الواقع الذي لا تنفع أي محاولة لتجميله؟ تبدو استراتيجية النظام واضحة، وهو لا يبذل جهدا في إخفائها، ففيما هو يلهي المعارضة بلعبة اللجنة الدستورية، ويُغرقها في متاهة التفاصيل التي يتقنها، يحضّر بهدوء لانتخاباتٍ رئاسيةٍ يحين أجلها خلال ستة أشهر، تماما كما فعل في الانتخابات البرلمانية الصيف الماضي، وهو يلقى في ذلك دعم حلفائه. وإذا كان الموقف الإيراني غير مهم هنا، باعتباره أكثر تطرّفا من موقف النظام نفسه، خصوصا في سلوك مليشياته على الأرض، ورفضها إعادة بعض المهجّرين إلى قراهم وبلداتهم، فإن الموقف الروسي الذي طرأ عليه تغير عميق يعدّ مركزيا، وخصوصا أنه صاحب فكرة مؤتمر سوتشي واللجنة الدستورية. ففي زيارته إلى دمشق في سبتمبر/ أيلول الماضي، فجر وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، قنبلة في وجه الجميع، عندما قال إن عمل اللجنة الدستورية غير مرتبط بإجراء الانتخابات الرئاسية، وإنه ليس هناك حد زمني لإنهاء أعمالها. ويراهن النظام على تغير الرياح لمصلحته مع إدارة الرئيس الأميركي الجديد بايدن، حيث يتوقع أن يصبح، كما في عهد إدارة أوباما، المستفيد الأكبر في حال حصول تقاربٍ بين واشنطن وطهران.

ما هي استراتيجية المعارضة في المقابل؟ لا يجافي المرء الحقيقة إذا قال إنه لا توجد لديها أي استراتيجية، خلا استمرار الرهان على وهم أن تنتج اللجنة الدستورية توافقا حول دستور يسمح لها بالقول إن انتقالا سياسيا يحصل من خلاله ويتجسّد بمشاركتها في السلطة التي ستنتج عنه، علما أن الرهان هنا يرتبط كليا بقدرة العقوبات الأميركية على إحداث تغييرٍ في سلوك النظام على هذا الصعيد.

بالنتيجة، النظام ذاهب نحو انتخابات شبيهة بانتخابات 2014 يدّعي من خلالها شرعية الاستمرار في حكم أنقاض دولةٍ ومجتمع. المعارضة مستمرة في لعبة اللجنة الدستورية، وتأمل من خلالها في تغيير النظام. العالم مستمر في تجاهل الموضوع السوري، والاعتياد على العيش مع دولة فاشلة أخرى في المنطقة. أما سورية فسوف تستمر في التحلل، حتى تظهر نخبة سورية مسؤولة في المعسكرين قادرة على التعاون لاجتراح خطةٍ لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

=========================

اعتذار ضحية سورية

سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاثنين 21/12/2020

إعادة النظر في أدوار الأمم المتحدة في القضية السورية، ومراحل تطورها منذ بداية الثورة عام 2011 وحتى البيان التوضيحي الأخير 18/ 12/ 2020  الصادر من المبعوث الأممي غير بيدرسون، بشأن الخطأ التقني الذي وقع في إحاطته إلى مجلس الأمن، ومدى ملاءمته مع مهمته الأساسية في تيسير الجلسات التفاوضية لإيجاد حل سياسي عادل وفقاً للقرار 2254 وبيان جنيف 1، إعادة النظر هذه يمكن أن تفسر ما آلت إليه حال اللجنة الدستورية، وكيف تحوّلت الوساطة الأممية في القضية السورية من دورها الأساس، وأصبحت كأنها طرف إضافي إلى جانب أطراف النزاع السوري تتغول على حقوق السوريين، وتغير في أولوياتهم الحقوقية والسياسية والمجتمعية.

ويبدو أن المبعوث الأممي يدير مباحثات السوريين على خلفية علاقات الدول وتحرك أدوارها في الساحة الدولية، فحيث يكون الجانب الأميركي نشيطاً ومهتماً بالموضوع السوري، يستند بيدرسون في تسيير أعمال اللجنة وإسنادها إلى القرارات الدولية، بينما تغيب تلك القرارات ومفاعيلها في منتجات اللجنة الدستورية، عندما يكبر حجم الدور الروسي، وينسحب الحضور الأميركي من الفعالية السورية، ويصبح الاعتماد على مؤتمر سوتشي ومخرجاته أساسا للعملية التفاوضية الجارية في جنيف، وهو الأمر عينه الذي تفعله كيانات المعارضة السورية الحاضرة في اللجنة الدستورية.

وبقدر ما كان السوريون يعوّلون على المنظمة الدولية لإنجاز حل سياسي ينهي المأساة السورية، ويتوّج تضحياتهم الكبيرة بالالتزام بإقامة الدولة الديمقراطية التي تحفظ حقوقهم مواطنين أحراراً متساوين في الحقوق والواجبات، ويحرّر الحل المنشود (الدولة السورية) من قيد التوارث الأسري المفروض عليها من نظام الأسد، فإن السوريين ذاتهم اليوم يرون في "الوساطة" التي يمثلها المبعوث غير بيدرسون خطراً على مسار الحل السياسي، وربما تنسفه لتحل مكانه ما يمكن تسميتها العملية التصالحية التي تستوجب اعتذار الضحية، وتقديم براهين لعدم تكرار موتها، والتسبب بإدانة قاتلها تحت طائلة المسؤولية.

يبدو أن المبعوث الأممي يدير مباحثات السوريين على خلفية علاقات الدول وتحرك أدوارها في الساحة الدولية

تعاظمت الخشية في نفوس السوريين، والتي زرعها المبعوث الأممي السابق، ستيفان دي ميستورا، بعد اختراعه السلال الأربع (الحكم الانتقالي، صياغة الدستور، الانتخابات، مكافحة الإرهاب)، لقطع الطريق على المطالبة بتنفيذ القرار 2254 المستند إلى بيان جنيف1، ونجح فعلياً في تغيير الأولويات، وبدأ التلاعب أولا في تحديد تراتبية السلال، لينتهي إلى اختصارها إلى سلة واحدة، وهي سلة صياغة الدستور المحجمة باللجنة الدستورية، ومن ثم السعي إلى صياغة حلول صغيرة سيتم تفكيكها لاحقا لإنجاز حلٍّ "لين"، قابل لتغيير شكله حسب مقتضيات مصالح الدول التي ترعاه.

وأصبحت المخاوف في أعلى درجاتها مع بدء انكشاف بعض الأوراق الموقعة سراً، أو المقدمة من كيانات المعارضة السورية إلى الأمم المتحدة، عن طبيعة الحل الذي تقبل به، ومع قرار رئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية بإنشاء الهيئة العليا للانتخابات، وفقط تراجعه "الإعلامي" عنه، ثم الوثيقة المقدّمة من اللجنة الدستورية للأمم المتحدة ببنودها الـ12، والتي تتجنب فيه الاتكاء على القرارات الأممية في بيان رؤيتها للحل الذي تسعى إليه، ما يعني أننا أمام معارضة تختلف في هدفها وعملها عن نظامها الداخلي الذي ينظم عملها ممثلة للمعارضة السورية، وتعمل على تنفيذ القرارات الدولية وليس تقويضها.

غياب مصطلح العدالة الانتقالية عن مطالعة أممية ليحل مكانه عدالة تصالحية تعبير عن مرحلة جديدة من مراحل التعاطي الدولي مع القضية السورية

تلك كانت مقدّمات تضع اللجنة الدستورية بمرجعياتها، أي المنصات الأربع، طرفا تفاوضيا خارجا عن وظيفته الأساسية كمعارضة، ليصبح أيضاً في حالة نزاع مع عموم السوريين الموالين للثورة الذين يمثلهم، ما استدعى إعادة كثير من الشخصيات السورية والتنظيمات السياسية الاعتبار إلى ما سميت ضرورة تشكيل كيان سياسي جديد، قد يكون سببا في إسقاط الأدوار المنوطة بالكيانات المتصدرة للعمل مع الجهات الدولية، وهو الأمر الذي يراهن على فشله مسبقا الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، وهو المطمئن لضرورات وجوده للدول التي ترعى المفاوضات، العسكرية منها أو السياسية، وأنه الذراع الضاربة لشريكة ثلاثية أستانة (تركيا وروسيا وإيران).

ربما جاءت مطالعة بيدرسون، في 16 ديسمبر/ كانون الأول الجاري، لتعزّز المخاوف السورية من دور الأمم المتحدة في العملية السياسية، ومدى قناعتها بوصفها منظمة دولية (قبل قدرتها) بالقرارات التي اتخذتها الدول الأعضاء فيها، ولتكون القشة التي كسرت ظهر البعير، على الرغم من بيانه التوضيحي أنه "خطأ تقني"، هذا الخطأ الذي وقع فيه مسؤول تقني أممي، متجاوزاً به ضرورات العدالة الانتقالية في بلد فيه مليون ضحية ونصف مواطنيه بين لاجئ ونازح، ويسكن مئات آلاف منهم خيما قماشية لا تقي برد الشتاء أو قيظ الصيف، أي أن الأطراف التي يُفترض أن تجلس في مواجهة بعضها بعضا صارت تجلس جمعاً في مواجهة مطالب السوريين بحل سياسي عادل وفق القرارات الدولية وبيان جنيف1.

معارضة تختلف في هدفها وعملها عن نظامها الداخلي الذي ينظم عملها ممثلة للمعارضة السورية، وتعمل على تنفيذ القرارات الدولية وليس تقويضها

غياب مصطلح العدالة الانتقالية عن مطالعة أممية ليحل مكانه عدالة تصالحية، نتيجة خطأ تقني أو مطبعي، أو سواء كان بمبادرة من أعضاء في وفد المجتمع المدني، هو تعبير عن مرحلة جديدة من مراحل التعاطي الدولي مع القضية السورية وتوظيفاتها الإقليمية، وهو صورة الحل الذي تسعى إليه حالياً الأمم المتحدة، في ظل رغبة دولية بتجاوز القرارات الأممية، منذ قبلت بتفتيت القرار 2254 وإلى أن تعاطت مع مخرجات مؤتمر سوتشي 2018، وحيث تمكّن العدالة الانتقالية الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع من الوصول إلى العدالة في أعقاب الانتهاكات التي لا تعد ولا تحصى في سورية (الأسد)، وفي مناطق خارجة عن سيطرته أيضاً، فإن غيابها يعني الطلب من الضحايا حمل أكفانهم على أيديهم، وتقديم فروض الطاعة للجاني، بل، الجناة من كل الأطراف، وليس النظام فقط، وبعض هذه الأطراف أيضاً على طاولة التفاوض ذاتها في جنيف غير بيدرسون بنسخته التصالحية.

=========================

روبرت فورد والبحث عن إكمال المهمة

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 21/12/2020

لم ألتق روبرت فورد، لكنني أعتقد أنه مِن بين أكثر الأشخاص الذين ألحقوا الأذى بالثورة السورية؛ وخاصة تلك الزيارة التي قام بها باكراً إلى مظاهرة حماة الشهيرة متعمداً وبخبث، وربما بتيسير وقصدية من منظومة الاستبداد، كي يتم وصم انتفاضة سوريا بالارتباط بأميركا العدو التقليدي لسوريا؛ حيث كان نظام الاستبداد يترك له الحبل على الغارب، ليشرّق ويغرب ويغرد في سوريا، ليثبت مقولة "المؤامرة الكونية"، وعلى رأسها أميركا. ولا بد أن تقاريره من سوريا ساهمت بتشكيل سياسة إدارة "أوباما" تجاه القضية السورية.

صعب على السوريين أن ينسوا عبارة أطلقها روبرت فورد بعد شهرين من انطلاقة الانتفاضة السورية زارعاً بذور إعطاء الصراع صفة الطائفية أو "الحرب الأهلية"، وهي: "لن نسمح بإبادة العلويين" في سوريا. ولم يعر اهتماماً بتوصيف بلده بالمخادع، إمعاناً بزرع الإحباط والهزيمة في نفوس السوريين المنتفضين على الاستبداد والفساد، عندما كتب يوماً: "أميركا والغرب أوهموا المعارضة بإسقاط النظام خلال أيام". وحقنا أن نسأل هاهنا: إذا كان فورد يعلم ذلك، لماذا شارك بهذا الإيهام؟

إذا كانت ادارة "ترامب" قد فشلت؛ فبالتأكيد مَن أسس لهذا الفشل هو إدارة رئيسه "أوباما"، ومساهمة نصائحه واقتراحاته

بعد خروجه من وظيفته تحول "فورد" إلى بوق من السموم الإحباطية والتشويهية لقضية السوريين. فكل أسبوع يطالعنا بمقال له في صحيفة "الشرق الأوسط"، يمزج فيه السم بالدسم. آخر مساهماته كان مقالاً بعنوان: "هل اقتربت أميركا من الانتصار في سوريا؟" حيث يفنّد بمرافعة عصماء إحاطةً حول سوريا قدمها "جويل ريبيرن" أمام لجنة في الكونغرس الأميركي، تركّزت حول دحر داعش، واقتلاع إيران من سوريا، وتأثير "قانون قصر"؛ والتي أضحى جناها وتأثيرها، كما قال "ريبيرن"، في "متناول الأيدي". وفي كل هذه القضايا، يرى فورد في مقاله أن إدارة ترامب فشلت.

إذا كانت ادارة "ترامب" قد فشلت؛ فبالتأكيد مَن أسس لهذا الفشل هو إدارة رئيسه "أوباما"، ومساهمة نصائحه واقتراحاته. ليس هذا هو المهم في فشل أو نجاح أميركا بمقاربتها للقضية السورية؛ بل الرؤية التي يقدمها فورد تجاه هذه المسائل الثلاث، والتفسيرات للإجراءات التي اتخذتها إدارة ترامب بخصوصها، ومقترحاته حول مرتكزات هذه السياسة.

بالنسبة لداعش يرى "فورد" بأنها ضعيفة شرق الفرات بحكم الوجود الأميركي؛ وأقوى غرب الفرات؛ ولكن الوجود الأميركي شرقاً ليس بسببها، بل لحماية آبار النفط. وتصل به الأمور للقول إنه بإمكان أميركا أن تدعم نظام الأسد عسكريا حيث يحارب داعش غرب الفرات. عملياً الذريعة التي دخل تحتها التحالف الدولي، وعلى رأسه أميركا، كان لمحاربة داعش؛ وكذلك كان التدخل الروسي. وبطرحه هذا؛ وكأننا نسمع بوقاً روسياً أو أسدياً.

لو كان فورد صادقاً فعلاً، لقال إن حجة النظام والروس وأميركا بداعش لم تعد قابلة للبيع. يعزز فورد تأثير داعش في الصراع في سوريا، ويكاد يحصر خطرها على نظام الأسد تحديداً؛ وأن من يقاومها فقط هو نظام الأسد؛ ومن هنا يقترح دعماً في مقاومتها غرب الفرات. المهم أن يقول إنها لاتزال خطراً، وعلى النظام حصراً. وأميركا لا تقول الحقيقة بهذا الشأن. وكأننا أمام ناطق باسم منظومة الأسد.

بخصوص إيران، يريد فورد أن يزيد من إحباط السوريين تجاه بقاء إيران متغلغلة ببلادهم، لأن كل محاولات إخراجها المتناقضة مع دفع سوريا "فرق عملة" في الاتفاق النووي الأوبامي-الإيراني (والذي ساهم بإخراجه) تبوء بالفشل. ففصل نظام الأسد عن نظام الملالي كفصل توءم سيامي. وما التبجح الأميركي بالضغط لإخراج إيران إلا حالة عبثية تلعبها وتدّعيها أميركا. بالمختصر، يريد أن يقول إن سياسة إدارة ترامب بهذا الصدد كانت فاشلة. ولا يضيره بهذا الصدد رشق بعض الأوصاف للنظامين الأسدي والإيراني بأنهما متشابهان بدكتاتوراتهما وقمعيتهما لذر الرماد في العيون. الشيء الوحيد الذي لم يقله فورد بصراحة فجّة، ولكن أراد إيصاله مواربة لإدارة "بايدن" القادمة- التي يتطلع أن يكون له مكان فيها- هو ضرورة خروج أميركا من الشمال الشرقي السوري، وتمكين الثلاثي الإيراني الأسدي من غزو غرب الفرات وإدلب تحت يافطة إغراقهم أكثر بالمستنقع السوري؛ الأمر الذي يفيد أميركا في المحصلة النهائية حسب التفكير السائد.

العجب العجاب نقرأه بمرافعة فورد حول "العقوبات الأميركية"، واعتراضه عليها؛ والتي تشبه تماماً اعتراضات موسكو. فهي برأيه لا تجدي. يقول بسخرية إن إدارة ترامب تعتبر الطوابير في سوريا إنجازًا سياسيا لها، معتقدة بأن ذلك الضغط سيجبر الأسد على الانخراط بالعملية السياسية؛ وهذا برأيه وهم. نعم قد يكون وهماً، فالطوابير والحاجة قبل القانون. الأمر الذي لم يقله، هو أن روسيا هي التي لا تسمح بفتح معابر لوصول المساعدات الإنسانية. حتى منظومة الكذب الاستبدادية ترفّعت عن ذكر تأثير عقوبات قانون قيصر على الوضع الاقتصادي لسوريا من باب التحدي والمكابرة، إلا أن روبرت فورد كان أكثر صراحة بهذه المسألة، وهدفه تبرير تنويم قانون قيصر في أدراج الإدارة التي خدم فيها؛ وكأننا بروسي أو إيراني يرافع عن النظام ومنظومات الاحتلال. فبرأيه، تلك العقوبات تعرقل الاستثمار في سوريا وتمنع ورود الأموال؛ ثم يسعى لذر الرماد في العيون ثانية بوصف النظام الأسدي بأوصاف قبيحة كي يظهر "حياديته"، ويثبّت أن النظام لا يستجيب بالقوة بل من خلال السماح بتدفق المساعدات، متغافلاً عن أن منظومة الأسد تضع يدها على المساعدات وتحرم مستحقيها منها، وتحولها إلى أداة لقتلهم أو إذلالهم.

كم هي كبيرة ومجزية تلك الخدمات الاستخبارية التي قدمتها منظومة الاستبداد لكثير من الدول وعلى رأسها أميركا، كي يتجنّد ممثل لدولة عظمى في خدمة هذه المنظومة الاستبدادية

أخيراً، كم هي كبيرة ومجزية تلك الخدمات الاستخبارية التي قدمتها منظومة الاستبداد لكثير من الدول وعلى رأسها أميركا، كي يتجنّد ممثل لدولة عظمى في خدمة هذه المنظومة الاستبدادية، التي تصافق على بلدها وشعبها، وتستمر بادعاء السيادة والمقاومة والممانعة! وكم هو رخيص ذاك الذي يبحث عن موقع له في الإدارة الأميركية القادمة، لإكمال مهمته في حماية المستبد؛ حتى ولو استلزم ذلك سحق حقوق الإنسان التي يتشدق بها.

=========================

الأسد اللاشرعي

بشير البكر

سوريا تي في

الاحد 20/12/2020

عملية ترشيح بشار الأسد لولاية رئاسية في منتصف العام المقبل باتت مفتوحة في صورة رسمية، ودخلت مرحلة تبادل الضغوط بين الأطراف الدولية المعارضة، وبين روسيا وإيران كطرفين راعيين للقضية. وكانت أول مهمة قام بها وزير خارجية النظام الجديد فيصل المقداد هي الحج إلى طهران، لطلب موافقة المرشد علي خامنئي على الأمر. وطرح المقداد خلال اللقاء أن نظام الأسد سيجري انتخابات الرئاسة العام المقبل، معرباً عن أمله في "أن يواصل أصدقاء سوريا وقوفهم إلى جانبنا بقوة". ولم يعد المقداد خالي الوفاض، وصدرت الموافقة خلال وجوده هناك على لسان الرئيس الإيراني حسن روحاني الذي أعرب عن أمله في إجراء "انتخابات عامة في سوريا خلال العام المقبل، ليبدي فيها الشعب وجميع القوى السياسية رأيهم". وحمل المقداد الإجابة الإيرانية وطار بها إلى موسكو في السابع عشر من الشهر الحالي كي يحصل على تصديق الوصي الروسي، ذلك أن المباركة الإيرانية لا تكفي وحدها. وبالفعل لم يتأخر الرد الروسي الذي يتبنى الترشيح بوصف الأسد خيار موسكو الذي لا بديل عنه حتى الآن. لأنه من جهة الضامن لمصالح روسيا في سوريا، وورقة المساومة الروسية مع أميركا من جهة أخرى.

واشنطن ستواصل فرض العقوبات على نظام الأسد والدول الداعمة له لإعاقتهم التقدم في العملية السياسية والتطلعات الشرعية للشعب السوري

الولايات المتحدة لا تفوت فرصة خاصة بسوريا منذ عدة أشهر، من دون أن تثير مسألة ترشح الأسد، وتبدي اعتراضها عليها، وفي كل مرة تؤكد أن الأمر مرفوض، بل أن الانتخابات المزمع تنظيمها في منتصف العام المقبل غير شرعية، وصدرت مواقف بهذا الخصوص من السفير جيمس جيفري مبعوث الولايات المتحدة السابق للشأن السوري ونائبه جويل رايبورن ومن كيلي كرافت السفيرة الأميركية في مجلس الأمن، والتي شددت في آخر جلسة عقدها المجلس حول سوريا الأربعاء الماضي على أن الانتخابات التي يزمع نظام الأسد تنظيمها العام المقبل، هي غير شرعية في عرف الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، متوعدة بفرض مزيد من العقوبات على النظام وداعميه. وقالت إن "واشنطن ستواصل فرض العقوبات على نظام الأسد والدول الداعمة له لإعاقتهم التقدم في العملية السياسية والتطلعات الشرعية للشعب السوري"، مشددة أن ذلك "سيتم بالتوافق مع الحفاظ على المساعدات الإنسانية للمحتاجين." وكانت المواقف ذاتها صدرت منذ حوالي شهرين عن سفراء كل من الولايات المتحدة، ألمانيا، فرنسا، وبريطانيا. وأكد هؤلاء أن بلدانهم لن تعترف بالانتخابات الرئاسية في سوريا، وستتعامل مع نتائجها على أنها غير شرعية. وذلك في الوقت الذي تشدد فيه واشنطن العقوبات على الأسد وداعميه حسب قانون قيصر.

معركة الانتخابات الرئاسية وترشح الأسد لولاية رئاسية جديدة، سوف تتحدد ملامحها النهائية حين تستقر الإدارة الأميركية الجديدة وتباشر العمل. ومن المتوقع أن تقف إدارة الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن بصرامة أكثر ضد إعادة تعويم الأسد من خلال انتخابات رئاسية جديدة. وصدرت تقديرات من أوساط على معرفة بتوجهات فريق الخارجية الأميركية في الإدارة المقبلة تفيد، بأن هناك توجها لإصلاح الأخطاء التي ارتكبتها إدارة الرئيس السابق باراك أوبوما في سوريا، والتي ترتب عليها إطالة أمد معاناة السوريين، والسماح للأسد وروسيا وإيران بمواصلة ارتكاب المجازر وتهجير الشعب السوري وتدمير مرافقه الحيوية بلا محاسبة.

الواضح من سلوك روسيا والنظام أنهم يريدون المماطلة في كتابة أو تعديل الدستور إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية

ومن المرتقب أن يشهد اجتماع اللجنة الدستورية في دورتها الخامسة، والمقرر أن ينعقد في الخامس والعشرين من الشهر المقبل لمناقشة "المبادئ الأساسية للدستور"، مواجهة حول جملة من القضايا تدور حول الانتخابات الرئاسية. والواضح من سلوك روسيا والنظام أنهم يريدون المماطلة في كتابة أو تعديل الدستور إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية، وهو الأمر الذي لا يلقى موافقة من المعارضة والولايات المتحدة والدول الأوروبية الرئيسية. ويصر هؤلاء على عدم شرعية ترشح الأسد سواء تم إنجاز الدستور قبل موعد الرئاسية أو بعده، ويسود الاعتقاد أن تتقدم هذه الدول بصيغة إلى الأمم المتحدة من أجل انتخابات رئاسية لا يكون الأسد من بين المرشحين لها، وهذا مرهون بتبني إدارة بايدن للمسألة بقوة.

=========================

المعارضة السورية في طور الهبوط

راتب شعبو

العربي الجديد

السبت 19/12/2020

من الصعب أن تجد اليوم بين السوريين من يثق بمؤسسات المعارضة التي تكاثرت واستقلت بعضها عن بعض، وباتت هياكل فارغة إلا من سند دولٍ تسندها، ولم يعد أمامها سوى التنازل وراء التنازل. ليس هذا وليد سنواتٍ من فساد مسؤولي هذه المؤسسات واستزلامهم واستئثارهم وتأدلجهم، بل أيضاً وليد شروط خارجة عن إرادتهم. ومشاريع المؤسسات البديلة التي يكثر الكلام عنها اليوم لن تكون أفضل. الفرق أن هذه، إذا تشكلت، ستنشأ على قبول ما يصعب على القديمة قبوله بسبب السقف العالي الذي سبق أن كسبت شعبيةً به، استجابة لنزوع "المزايدة" إرضاء الجمهور. المشهد اليوم هو سباق في التنازل. مشاريع مؤسّسات جديدة ستقوم على أرضٍ منخفضة، ومؤسسات قديمة تسعى إلى الهبوط إلى هذه الأرض المنخفضة. لوضع هذه الحال في شروط أشمل، لا بد من العودة إلى سياق الثورة السورية نفسه.

في غياب مرجعيةٍ تحظى بقدر كافٍ من الإجماع الثوري، ظهر داخل جسد الثورة السورية، منذ وقت مبكر، صراعٌ على حيازتها أو أبوّتها. ومعروفٌ أن هذا النوع من الصراع، أو التنافس الداخلي، يُعلي من منسوب التطرّف والمزايدة في الثورة، بوصفه سبيلاً إلى وضع اليد عليها، بالآلية نفسها التي يستخدمها المتطرّف الإسلامي، وينجح في إظهار أنه أكثر إسلامية من سواه، وفي وضع يده على الإسلام. 

الإنتاج الثوري افتقد تماماً "المستهلك" السياسي، أي تحويل الطاقة الثورية إلى قوة سياسية تجابه قوة النظام وتخترق تماسكه

أول من "امتلك" الثورة، في الواقع، امتلاكاً معنوياً، الشباب الذين كانوا شعلة الثورة ومحرّكها الأهم، وقد صبغوها، في فترتها الأولى، بألوان أحلامهم كما بألوان دمائهم. حظي الشباب، لمجرّد كونهم كذلك، وحتى لو لم يكونوا من الفاعلين في الثورة، بسلطةٍ في موضوع خطير، كموضوع الثورة والتغيير السياسي في بلدٍ بتعقيد سورية وتراكب مستوياتها. وقد شهدنا نشوء تنظيماتٍ عديدةٍ تحمل اسم الشباب، بغرض الاستثمار في هذا الرأسمال المعنوي، أو نزوعاً إلى الاستغناء عن الكهول (الشباب والكهول بعمومية)، الذين اقتصر دورهم، في الغالب، على الدهشة والمراقبة السعيدة مع بعض القلق من مظاهر خروج الثورة عن "الرسمة" الذهنية لها.

ساهمت نشوة الشباب و"سلطتهم" المعنوية الطارئة، إضافة إلى انبهار الكهول وانكماشهم النفسي أمام إقدام الشباب وبسالتهم، في ترك الثورة تتجه إلى مسار تلقائي، تبيّن لاحقاً إنه مسار منحدر يراكم عناصر تحطّمه. كانت الأطر التنظيمية المنهكة للمعارضة التقليدية أضعف (تقنياً وفكرياً) من أن تحتوي طاقة الثورة التي باتت كجيش عملاق بلا جنرالات ولا هيئة أركان، فقد فاضت في الشوارع والأحياء والقرى، وتعدّدت بؤرها ولم تجد من "يقونن" هذه الطاقة إلى قوة سياسية.

بين الفعل الثوري على الأرض والهدف الذي يبغيه، كانت توجد توسّطات عدة، لا ينتمي أي منها إلى الثورة

كان الفعل الثوري للشباب يتركّز على "إنتاج" الثورة، أي تنظيم المظاهرات وأشكال الاحتجاج الممكنة، و"توزيعها"، أي إيصال الصوت إلى الخارج عبر وسائل الإعلام والإنترنت، ويتضمن ذلك أيضاً كشف جرائم النظام بحق المحتجين وأوساطهم الاجتماعية. وإذا كان ما ينتجه الشباب السوريون قد وجد "المستهلك" الإعلامي، فإن هذا الإنتاج الثوري افتقد تماماً "المستهلك" السياسي، أي تحويل الطاقة الثورية إلى قوة سياسية تجابه قوة النظام وتخترق تماسكه. غني عن القول إن الجهة التي يمكنها أن تحوّل الطاقة الثورية إلى قوة سياسية يجب أن تحوز درجة معقولة من السيطرة على هذه الطاقة، وهو الأمر الذي غاب بشكل شبه تام عن الثورة السورية طوال تاريخها. لم تستطع هيئة التنسيق الوطني (يونيو/ حزيران 2011)، ولا المجلس الوطني (أكتوبر/ تشرين الأول 2011)، ولا الائتلاف الوطني من بعده (أكتوبر 2012)، أن تكون "مستهلكاً" سياسياً للثورة، ذلك أنها جميعاً لم تكن لها سيطرة على "إنتاج" الثورة. 

نرى حدّة هذه المشكلة أكثر، إذا وضعنا في البال الطابع القصووي لمطالب الثورة، أي إسقاط النظام. ومن ذلك أن جمعة "لا للحوار" كانت في 8 يوليو/ تموز 2011، أي قبل نشوء تكوين سياسي يدّعي تمثيل الثورة، ويمكنه الحوار أصلاً. يعكس هذا طفولة سياسية "شبابية" جاراها "الكهول" ولم يستفد منها سوى النظام الذي كان، في حقيقة الأمر وفي عمق المصلحة، الطرف الأكثر رفضاً للحوار، كما تبين لاحقاً. النظام الصلب لا يمتلك القدرة على تقديم تنازل ممكن في الحوار، خشية الانهيار. 

تحوّل شباب الثورة إلى لاجئين أو عسكريين يخدمون سلطاتٍ لا علاقة لها بالثورة

على هذه الحال، رأينا أن بين الفعل الثوري على الأرض والهدف الذي يبغيه، كانت توجد توسّطات عدة، لا ينتمي أي منها إلى الثورة. يمكن رسم دائرة الفعل الثوري المفترضة في سورية على الشكل التالي: نشاط ثوري، توزيع إعلامي (الإعلام خارجي وخاضع لاعتبارات غير سورية وغير ثورية)، ضغط دولي (خاضع لحسابات الدول واعتباراتها السياسية غير الثورية)، يفضي إلى سقوط النظام. العنصر السوري الوحيد في هذا المخطط هو "إنتاج" الثورة. هذا قريبٌ من النموذج الذي تحقق في مصر، وأكّدته مذكرات الرئيس الأميركي السابق، أوباما، التي صدرت أخيرا وبينت أن حسني مبارك استقال تحت ضغط أميركي. وكان للسيناريو المصري حضور في ذهن الثائرين السوريين، قبل أن يحل مكانه بالتدريج السيناريو الليبي الذي قاد إلى زيادة الشرخ بين القوى العسكرية على الأرض (باتت الفاعل الأول في التغيير)، والمؤسسة السياسية التي تنطحت للتعبير عن الثورة.

أفضى تفكّك سلسلة الثورة السورية، أو عدم تكاملها، إلى هدر طاقتها، وإلى تسرّب هذه الطاقة إلى طواحين قوى غير سورية. مع الوقت، وضعف المردود السياسي، تحوّل شباب الثورة إلى لاجئين أو عسكريين يخدمون سلطاتٍ لا علاقة لها بالثورة. أي توقف "إنتاج" الثورة، وسيطر الكهول على مؤسسات المعارضة التي تبنّت خطاباً عالياً تحت تأثير الشباب، وباتت سياساتهم اليوم تقوم على معالجة الهوة الفاصلة بين أرض كلامهم وأرض واقعهم، في حركةٍ معاكسةٍ لتصعيد المطالب الشبابية في مطلع الثورة. وقد واجهت مؤسسات المعارضة القديمة غالباً صعوبة في النزول من على غصنها العالي، لأن قيمتها، حين كان لها شيء من القيمة، جاءت أصلاً بسبب هذا العلو. الواقع الذي يعطي اليوم فرصةً لبروز مؤسّسات معارضة جديدة تستمد قيمتها هذه المرّة من "انخفاض" غصنها.

=========================

عن الأسديتين

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 19/12/2020

ـ لو سألت أي سوري، طردته الأسدية بالقوة من قريته أو بلدته أو مدينته، عن أحواله، لأخبرك بحسرة إنه لم ينل شيئا مما كانت ثورة الحرية قد وعدته به، وقدّم من أجله الغالي والرخيص، ولم تدركه الحرية والعدالة والمساواة، كما لم تحترم كرامته الإنسانية. ولو استعلمتَ عن السبب، لوصف لك معاناته اليومية بلغةٍ تقشعر لها الأبدان، فإن لفت نظره إلى أولي الأمر من قادة الفصائل المسلحة، ووضع المناطق الخاضعة لهم، لأبلغك إن السلاح الذي وعد بتحريره هو الذي يستعبده، ولهزّ رأسه أسفا على ما آل إليه حاله بين أسديةٍ أمامه وأخرى خلفه، فلمن يشكو وكيف ينجو بنفسه وأحبابه.

ـ قبل اغتياله بأيام، نشر الإعلامي حسين خطاب، المعروف بدفاعه عن المواطنين وانتقاده ما يمارس عليهم من تسلط واستبداد بالسلاح، ويعانونه من الفساد والإذلال، بيانا وجهه إلى شرطة بلدة قباسين، قال فيه: بعد مرور أربعة أيام على محاولة قتلي، وتقديمي شكوى ضد من حاولوا قتلي، وعلى رأسهم أحمد المحمود العبدالله، لكن أحدا لم يحرّك ساكنا إلى الآن، والمجرمون ما زالوا ينعمون بالأمن والأمان في منازلهم في منطقة ترحين، بينما اضطررت لمغادرة المنطقة وترك منزلي خوفا على حياتي، وإنني أحمّل الشرطة كامل المسؤولية في حال حدث لي شيء، لأن من يُشهر السلاح لا خوف عنده من الله .. إذا كانت الشرطة لا تستطيع أن تدخل مخيما لإحضار مطلوبين بمحاولة قتل، فما الفائدة من وجودها.. أصبح المجرم ينعم بالأمان، والمعتدى عليه يترك منزله وأولاده، خوفا على حياته وحريته". 

كتب الإعلامي المحبوب شعبيا هذا البوست، لاعتقاده أنه سيلفت الأنظار إليه، ويتكفل بحمايته، لكن القتلة اغتالوه بعد يومين، ثم أتوا إلى منزله، وحملوا جثمانه إلى الحفرة التي دفنوه فيها، والشرطة ترى وتسمع، والذين قدّم حياته دفاعا عنهم مكتوفو الأيدي لا يجدون في أنفسهم الجرأة على التصدّي للقتلة، أو طردهم من الجنازة، كي لا يلاقوا مصير الإعلامي الشهيد. 

هل يليق هذا المصير بالمخلصين للثورة، المدافعين عن الشعب وحقوقه، الذين ضحّوا بكل شيء، ليتخلصوا من الأسد وينعموا بالحرية، فإذا بهم اليوم في قبضة أسديةٍ موازية، عنيفةٍ ومسلحة، بنت في مناطقها نظاما لا يقل فسادا وإجراما عن نظام الأسدية في دمشق، حتى ليعتقد أهل هذه المناطق أن من ينكّلون بهم تدرّبوا على أيدي أجهزتها، فلا عجب في أنهم أسّسوا، بقوة السلاح، أجهزة لا تقل ضراوةً ووحشيةً عن نظيرتها في المناطق غير المحرّرة، وتحمل قدرا من العداء للشعب، لا يقل أو يختلف عمّا تحمله الأجهزة المناظرة لها هناك، في دمشق، علما أنها تمارس دورها العدواني من دون التفاتٍ إلى شرطة حكومة الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية وقضائه، وترتكب جرائمها جهارا نهارا. لذلك صنفت منظمات دولية ما فعله عديدون من قادة الفصائل بمواطني مدينة عفرين من الكرد جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، فكأن هؤلاء ينافسون أسدية دمشق على ترويع الشعب، ويواصلون حربها على السوريين، ويوهمون أنفسهم، في الوقت نفسه، أن العنف والتخويف كفيلان بحجب حقيقتهم، حتى إن كان القمع والإذلال يطاول كل فرد في مناطقهم المحتلة، خصوصا إن كان من النساء.

يتساءل السوريون عن الجريمة التي ارتكبوها، حين طالبوا الأسدية، سلميا ومدنيا، بحرّيتهم، أسوة بسواهم من الشعوب التي نالت حريتها من دون أن تتعرّض مثلهم لعقاب جماعي، برزت فيه المجازر والمذابح، وعمليات مخطّطة استهدفت اقتلاعهم من جذورهم: مجتمعا وأفرادا، وأبادت مئات آلاف منهم بالرصاص أو أبقتهم معلّقين بين الموت والحياة على يد الأسدية بفرعيها، الدمشقي والإدلبي، اللذين أوشكا على إنجاز مهمتهما: جعل دولة سورية ومجتمعها أثرا بعد عين.

=========================

موقفنا : إيال زيسر ومحاضرته عن مشروع استهداف سكان المنطقة من أهل السنة

زهير سالم

مركز الشرق العربي

٢٠ / ١٢ / ٢٠٢٠

ننصح كل من لم يطلع على المحاضرة أن يفعل ..

لا علاقة لي لا بنص المحاضرة ولا بحواشي المحشي وسأناقش في هذا المقام الفحوى العامة من خلال تاريخ المحاضر .

وأول ما سمعت باسم إيال زيسر عام ، ٢٠٠٥ بعد ان صدر كتابه " باسم الأب " الذي حكى فيه قصة وصول بشار الأسد للسلطة وتقلبه فيها خلال السنوات الخمسة الأولى من حكمه . والذي صدر عن دار مدبولي في القاهرة ، بدون اسم مترجم ، وكأن المترجمين الاخفياء أرادوا الترويج للكتاب ولم ينسوا التحذير من نية هذا الإسرائيلي التحريض على دور بشار الأسد الإصلاحي، في سورية ، ولعل هذه العبارة تكون جسرا للفسح للكتاب في سورية . كان الكتاب - حسبما اعتقد -رسالة إيال زيسر لشهادته الأكاديمية .

الانطباع العام الذي ما زلت اختزنه عن الكتاب ، انه كان حافلا بالجزئيات، وملاحظا لأدق التغيرات ، مما ينم على اطلاع وتمكن من الوصول للمعلومات ، ورؤية تمكن من البوح ببعض المسارات.

المحاضرة المترجمة والمنشورة اليوم على بعض الصفحات، والذي لا نعلم الكثير عن حقيقتها أو دقة ترجمتها ، إلا ان الفحوى العام لها يتحدث عن مخطط عام بات مكشوفا وواضحا لدى الكثير من المتابعين وأهمه أن صناع القرار الدولي الأمريكيون والروس وبالتبع إيران وإسرائيل يقودون مخططا لبعثرة الديموغرافيا السائدة أو الغالبة في المنطقة والسيطرة أو الهيمنة على الجغرافيا .

وبكل وضوح أقول إسرائيل تطمح إلى الهيمنة ، وإيران تطمح إلى السيطرة . وأظن أن بين المفهومين فرقا لا يخفى، إسرائيل تسعى إلى الهيمنة ؛ بسط النفوذ والإدارة عن بعد ، والتحكم بكل المدخلات عن طريق الأدوات من أمثال حافظ وبشار وكل الأدوات الأخرى في المنطقة التي أصبحت تلعب على المكشوف . وإيران تنافسها ولكنها تسعى إلى السيطرة المباشرة " القلع والزرع " على طريقة ما تفعل في العراق وسورية ولبنان واليمن ..

السؤال المهم : ما وراء أن يكشف باحث إسرائيلي مثل هذا المخطط ؟! ويحاضر فيه في جامعة تل أبيب ، ويترك الكرة تتدحرج ليتلقفها في عالمنا الذين يقرؤون .

وهل لهذا التحليل أو الفهم علاقة بالهرولة نحو التطبيع مع إسرائيل من قبل بعض الدول العربية التي باتت إيران بمشروعها الاحتلالي والإحلال هي العمى .

بالطبع كل عربي حر شريف سيرفض السيطرة ، كما سيرفض الهيمنة ، ولكن ألا ترون معي ان مشروع الهيمنة بالنسبة للحاكم العربي أقل كلفة أو تهديدا من مشروع السيطرة الذي يتضمن " قلعا أو خلعا وزرعا "

محاضرة زيسر في هذه المرحلة تذكرني بالكثير ، وتذكرني شخصياً بمقال لصحفي سوري كتبه ٢٠٠٧ أو ٢٠٠٨ لا أضبط ، ونشره في إحدى الصحف اللبنانية يومها سمى فيه " العرب السنة " في سورية اكبر الأقليات بعد أن منحهم نسبة سكانية ٤٥ بالمئة .

وكأنه كان ينصب الهدف لكل هذا الذي كان أو الذي سيكون ...

=========================

لماذا أعلن بشار البهرزي الحرب على الأقليات في سوريا؟

د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 19/12/2020

يقف الاستحقاق الرئاسي في سوريا، اليوم، في ذروة وأولويات العمل والنشاط السياسي العام لعصابة البهرزي الحاكمة بالبلد المنكوب، وتتركز وتركّز معظم التحركات عليها، والاهتمامات بمعظمها تدور حولها. ومن هنا اعتبر كثير من المراقبين والمحللين أن لقاء بشار البهرزي بممثلي الكتلة الداخلية الإسلامية الرسمية هو انطلاق للحملة الدعائية الرسمية للبهرزي في السباق الرئاسي، وبداية إعلان للبرنامج الرئاسي، عبر التصريح العلني بالتحالف مع «الأغلبية» السنية في مواجهة الأقليات والعلمانيين واليساريين و«الملحدين» الذين اعتبرهم يقفون خلف الأحداث والحرب الأهلية الدامية بسوريا المستمرة لعشر سنوات، في تناقض صارخ مع خطابه وإعلامه الرسمي الذي دأب على تحميل «الإسلاميين» والمتطرفين، و«خريجي» الجوامع التي انطلقت منها شرارة الحرب.

و»بشار البهرزي» هو الاسم الجديد، والحقيقي، الذي انتشر في مواقع التواصل الاجتماعي كانتشار النار في الهشيم في الأيام الماضية بعد أن تأكد السوريون أن العائلة الأسدية التي تحكم سوريا منذ حوالي نصف قرن بشعارات عروبية لا علاقة لها بالعروبة أو بالإسلام، ولا حتى بالعلويين، فهي من بلدة «بهرز» بين العراق وإيران ومن أصل كردي وتؤمن بالديانة الكاكائية حسب اعترافات، لا لبس فيها، للمقبور جميل الأسد الأخ الشقيق لحافظ الأسد أمام الرئيس العراقي السابق جلال طالباني. وهناك الآن حركة قوية داخل معاقل النظام السوري في الساحل بدأت تنبش أصل وفصل هذه العائلة وكبار الضباط «العليات» (مصفوفة كاملة حملت للصدفة اسم علي، وعلى رأسهم الكردي الجلاد علي دوبا مجهول الأصل والحسب والنسب وكنية دوبا ليست عربية) من المحسوبين على العلويين وهم ليسوا من العلويين، وارتكبوا مجازر و«فظـّعوا» حقيقة بحق شباب العلويين ومثقفيهم ونشطائهم وملؤوا المعتقلات التي غصت بهم في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي. ويعكس ذلك حالة التململ الكبير الذي بدأ ينتاب شرائح مختلفة من العلويين في الساحل السوري. وقد أدرك كثيرون متأخرين أن العائلة التي ادعت أنها من أصول علوية لا علاقة لها بالعلويين مطلقاً، بل هي تاجرت بهم واستخدمتهم كوقود في حروبها ومشاريعها التي لا تمت لا للعلويين ولا للسوريين بصلة.

ويبدو أن هذه المعطيات الجديدة، قد ألقت بثقلها الكبير على رأس النظام البهرزي المجرم، وعصاباته التي تنسب نفسها للطائفة وتضرب بسيفها وترتكب الجرائم باسمها، وباتت تحكم وتتحكم -أي المعطيات- بسلوكياتهم، وخطابهم، بعدما بدا أن هناك عملية لفظ وتبرؤ حقيقي من قبل الطائفة العلوية من عصابة خانقين الشريرة إثر انكشاف أمرهم للجميع، وبات أن هناك ثمة اضطرارية وضرورة قصوى لاصطفاف جديد، وربما اكتساب «هوية» جديدة واستخراج بدل «ضائع» أو مفقود والتقدم بها للرأي العام، «هوية» تجد قبولاً لدى الغالبية العظمى من السوريين، مع اقتراب الاستحقاق الرئاسي القادم، بعدما اتضح أن غالبية العلويين لن يصوتوا له بعدما أذاقهم الذل والهوان والجوع والإفقار، وصارت لقمة الخبز بحسرتهم وحلماً بعيد المنال يتدافعون آناء الليل وأطراف النهار للحصول على رغيف منه رغم أنهم قدموا فلذات أكبادهم وزهرات شبابهم على مذبح عصابة خانقين الكاكائية الشريرة. لقد كان لقاء بشار البهرزي بوعاظ السلطان نوعاً من الاعتراف والإقرار بعدم انتسابه وتبعيته للطائفة العلوية، ومحاولة واضحة منه لتقديم نفسه كداعية وشيخ «سني» يعظ بالفقه، ويكفـّر الأقليات، ويعلن براءته منها، وأنه «سني» الهوى والتوجه، وها هو يقدم أوراق اعتماده أمام تلك الثلة من تجار الأديان ومشعوذي البلاط البهرزي.

إن النظام يلعب لعبة أخرى لإعادة تفخيخ المجتمع السوري، وهذه المرة بالاصطفاف مع الإسلاميين ضد الأقليات، وكأن يدق اسفيناً آخر لتمزيق السوريين وتشتيت شملهم خدمة لمشغليه المعروفين

وبعد أن بدأ بشار وعصابته البهرزية يشعر بالقلق من سحب البساط من تحته وتحت عائلته علوياً بعد انفضاح أصوله، أخذ يعزف النغمات القديمة التي أصبحت مثاراً للسخرية والتهكم لدى السوريين والعرب. عاد بشار في لقائه الأخير مع جماعة الأوقاف ليخطب ود الإسلاميين والقوميين بتمجيد العروبة والإسلام على اعتبار أنه وأباه وحزبه القومجي من رعاة هذه النزعة القومجية الممجوجة التي تاجروا وضحكوا بها على السوريين والعرب لحوالي خمسين عاماً. وهذا يذكرنا بما فعله صدام حسين عندما بدأ يفقد قاعدته الشعبية في العراق، فكتب على العلم العراقي عبارة «الله أكبر» مع العلم أنه كان يعتبر دستور الحزب أهم من كل الكتب الدينية. فجأة راح بشار أمام حشد من شيوخ الدين الذين جمعهم له المتعهد الإسلاموي وزير الأوقاف، راح يتغنى بأصول سوريا العربية والإسلامية، مما يوحي قطعاً بأنه بات يخشى من الاسم الجديد الذي بدأ الناس يصفونه به وهو بشار البهرزي. لكن الأهم من ذلك في خطابه العربجي والقومجي والإسلامجي الجديد أنه بدأ يستميل الأكثرية الإسلامية في سوريا التي شرد ثلاثة أرباعها ودمر مدنها وقراها استباقاً للانتخابات المقبلة التي ستكون هذه المرة تحت رعاية دولية ولن يكون بمقدور أجهزة مخابراته ان تفبرك وتزور النتائج قبل إجراء الانتخابات بأشهر كما كانت تفعل منذ خمسة عقود.

لقد تفاجأ كثيرون عندما سمعوا البهرزي وهو يتسول رضا الإسلاميين بعد أن كان يصفهم على مدى عشر سنوات من عمر الانتفاضة السورية بالدواعش والتكفيريين والإرهابيين والعرعوريين. فجأة يعترف بشار بأن الذي بدأ وقاد المظاهرات التي طالبت بإسقاط نظامه لم يكن الإسلاميين، بل العلمانيون واليساريون وجماعة الأقليات غير الإسلامية، مما أثار عاصفة غير مسبوقة في أوساط حلفائه القدامى، وخاصة الأقليات التي كان يدعى على مدى عقود بأنه يحميها من خطر الأكثرية السنية. فجأة صار العلوي والدرزي والإسماعيلي والمسيحي في سوريا متهمين بالثورة على النظام، بينما صار المسلمون حملاناً وديعة ويشكلون ثقافة سوريا وقاعدتها الشعبية حسب بشار البهرزي.

إنه الآن يلعب لعبة أخرى لإعادة تفخيخ المجتمع السوري، وهذه المرة بالاصطفاف مع الإسلاميين ضد الأقليات، وكأن يدق اسفيناً آخر لتمزيق السوريين وتشتيت شملهم خدمة لمشغليه المعروفين. ونحن نقول: مغفل وابن ستين ألف مغفل من يثق بالبهرزي الذي لا يهمه من سوريا سوى ضرب مكوناتها بعضها ببعض كي يعيش فترة أطول على تناقضاتها. أيها الإسلاميون في سوريا: هل ستنسون ما فعل بكم النظام الفاشي منذ أيام الهالك حافظ؟ لا يغيب عن فطنتكم أن بشار البهرزي يحاول أن يدغدغ مشاعركم ويضحك عليكم بعدما فعل بكم الأفاعيل كي تدعموه في الانتخابات القادمة، على اعتبار أن العلويين في جيبه الصغير ولا يحتاجون دغدغة. فهل انطلت عليكم لعبته القذرة المفضوحة والسخيفة؟

لقد قام نظام آل البهرزي على الغدر عندما غدر مؤسسه حافظ البهرزي برفاق دربه الذين استحضروه من القرداحة حيث كان يصلي «الدبق» ليصطاد الطيور البرية ويؤمن لقمة عيشه وتمسكن حتى تمكن وانقض على أولياء نعمته بليل وأودعهم السجون حتى ماتوا قهراً ومرضاً بها وعلى رأسهم صلاح جديد، الذي لم يكن سجنه لمجرد خلاف سياسي قدر ما تقف عوامل شخصية و«أخلاقية» أخرى وراءه. وها هو الوريث لا «يكذب خبراً» ويمضي في مسيرة الغدر فبعدما ضحى بـ 400 ألف شاب من زهرة ونخبة أبناء الطائفة من أجل عرشه الذليل، ها هو يغدر بهم بعدما شعر بالحاجة لأصوات الغالبية السنية في استحقاق الانتخابات الرئاسية القادمة، وأما هؤلاء العلويون المغلوب على أمرهم وبعدما اكتشفوا أنهم قدموا أبناءهم من أجل مهاجر كاكائي بهرزي، فيحنون أيديهم ويلعنون حظوظهم وعوضهم على الله، شربوا المقلب، أكلهم لحماً ورماهم عظماً.

فهل ستنجح لعبة وخديعة ابن البهرزي، مع السوريين، مرة أخرى، ومن جديد؟

كاتب واعلامي سوري

=========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com