العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 27-10-2019


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

السياسات الدولية في الصراع السوري بوصفها «ألعاب خفة»

 بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 24/10/2019

قال «الخبير» التركي في شؤون الصراع السوري «آكدوغان أوزكان»، تعليقاً على انسحاب القوات الأمريكية من سوريا: «إنها أكبر هزيمة عسكرية للولايات المتحدة منذ حرب فيتنام»! وذلك في معرض تعليقه على مقاطع فيديو صورت آليات أمريكية منسحبة باتجاه الحدود العراقية وهي تتلقى من غاضبين كرد مقذوفات من البندورة والبطاطا والحجارة.

نعم، يستطيع الإعلام، بمراسليه وخبرائه وصوره ومقالاته، أن يصنع انتصارات وهزائم قد لا تعكس أبداً واقع الحال. فالإعلام هو، في وجه منه، صانع سياسي من خلال تأثيره على الرأي العام، وليس مجرد مرآة تعكس الأحداث السياسية بدرجات متفاوتة من الأمانة. أحداث الأيام الأخيرة، بدءاً من مكالمة ترامب – أردوغان في السادس من الشهر الحالي، وصولاً إلى مذكرة التفاهم الروسية -التركية التي تم توقيعها في سوتشي، 22 منه، هي من النوع الذي يمكن تدريسه – مستقبلاً – في كليات الإعلام والسياسة. فقد صعد عدد من الحواة إلى المسرح ولعبوا أمامنا ألعاب خفة من نوع إخراج وردة من الأذن أو أرنب من القبعة أو قطع جسد امرأة بالمنشار.

6 ساعات من «المباحثات» بين بوتين وأردوغان أنتجت مذكرة تفاهم من عشر نقاط، فخرج منها كلا الطرفين رابحاً يبتسم. وقبلها «تباحث» وفد أمريكي، برئاسة نائب الرئيس بنس، مع الرئيس التركي، فأنتجا تفاهماً على موضوع المنطقة الآمنة التركية. في حين «سهلت» روسيا أمر تفاهم موازٍ بين النظام الكيماوي وقوات «قسد» في قاعدة حميميم. بهذه التفاهمات الثلاثة تم إرساء ستاتيكو جديد «شرقي نهر الفرات» كما يقال، ولهثت وسائل الإعلام لمواكبة هذه التطورات الكبيرة في الصراع السوري. ولكي «يكتمل النقل بالزعرور» على قول المثل السوري السائر، قام بشار الكيماوي بزيارة تحدٍ إلى تجمع لقواته في موقع هبيط في محافظة إدلب التي ما زالت «متنازعاً عليها» بين الروس والنظام وتركيا وهيئة تحرير الشام.

ثمة رواية تتشارك فيها جهات عدة، على رأسها محور الممانعة، تقول إن الولايات المتحدة حاولت إسقاط نظام بشار الكيماوي، من خلال دعم المعارضة، وفشلت في ذلك. تتكرر الآن الرواية نفسها بشأن تركيا التي «أفشلت» الولايات المتحدة في سعيها لإقامة دولة كردية في سوريا، وأرغمت الأمريكيين على سحب قواتهم من سوريا. إذا قرأنا أحداث الشهر الحالي من هذا المنظور فسوف نصل إلى نتيجة مفادها أن واشنطن خسرت، مقابل ربح تركيا وروسيا والنظام الكيماوي. و«يتعمق» خبراء في هذا التحليل فيقولون إن الولايات المتحدة لم تعد تلك القوة العظمى التي كانتها قبل عقدين من الزمان، ولم تعد كلية القدرة في تقرير مصائر العالم. حتى لو سلمنا بصحة هذا التقدير إلى حد ما، فهل روسيا أو تركيا هما من القوة بما يكفي لإفشال الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها؟ هل تعرضت واشنطن في سوريا حقاً «لأكبر هزيمة عسكرية منذ حرب فيتنام» كما زعم الخبير التركي المذكور في مطلع المقالة؟

أحداث الأيام الأخيرة، بدءاً من مكالمة ترامب – أردوغان في السادس من الشهر الحالي، وصولاً إلى مذكرة التفاهم الروسية -التركية التي تم توقيعها في سوتشي، 22 منه، هي من النوع الذي يمكن تدريسه – مستقبلاً – في كليات الإعلام والسياسة

في تشرين الأول (أكتوبر) 2014، اتصل الرئيس الأمريكي باراك أوباما بالرئيس التركي طالباً منه فتح «كوريدور» على الأراضي التركية يسمح بمرور مقاتلين بيشمركة من إقليم كردستان في شمال العراق إلى مدينة كوباني المحاصرة من قبل قوات داعش. واستجاب الرئيس التركي فمرت قافلة لمقاتلي البيشمركة مع أسلحتهم عبر الأراضي التركية لمؤازرة مقاتلي «وحدات حماية الشعب» في كوباني، وذلك بعد أسابيع على إغلاق حدود تركيا المطلة على كوباني وتبشير الرئيس التركي بسقوط المدينة بين ساعة وأخرى.

لقد فعل الاتصال الهاتفي فعله السحري في أنقرة التي فتحت أراضيها أمام مقاتلين «أجانب» (حتى لا نقول «إرهابيين») ليؤازروا وحدات الحماية «الإرهابية» وفقاً للتوصيف التركي، في منطقة ملاصقة للحدود التركية.

الآن، اتصال هاتفي آخر بين الرئيس الأمريكي ترامب والرئيس التركي نفسه، في 6 تشرين الأول (أكتوبر) 2019، «تمكن» فيها أردوغان من انتزاع الضوء الأخضر من الرئيس الأمريكي بغزو مناطق هي تحت الحماية العسكرية الأمريكية. علماً أن فتح الأراضي التركية لمرور البيشمركة إلى كوباني، في 2014، قد تم حين لم يكن هناك جندي أمريكي واحد على الأراضي السورية.

فقد بدأ دخول القوات الأمريكية إلى سوريا، أيضاً في شهر تشرين الأول/أكتوبر، عام 2015، أي بعد التدخل العسكري الروسي بفترة قصيرة جداً. واضح أن الهدف من ذلك كان موازنة القوة الروسية لكي لا تستفرد بمصير سوريا.

والآن ينسحب الأمريكيون بموجب قرار اتخذه الرئيس ترامب، منذ عام تقريباً، بدوافع تخص استراتيجيته الخاصة بسوريا، وليس خوفاً من البعبع التركي أو الروسي. كذلك يتعلق الأمر، في الحالتين، بالحرب على داعش: في 2015 كان الأمريكيون بحاجة إلى حليف ميداني وجدوه في «وحش» (قوات حماية الشعب) وبدأ عدد محدود من الخبراء العسكريين يتوافد إلى الأراضي السورية لمهمات تدريبية واستخبارية، ثم ارتفع عدد القوات، بالتدريج، وفقاً للحاجات، ومن ذلك تأمين مظلة حماية للحليف المحلي الذي بدأت تركيا تهدده. أما وقد تم تحقيق الهدف المتمثل في إزالة دولة البغدادي، على ما يرى ترامب، فقد آن الأوان لسحب تلك القوات من هناك وفاءً بوعده لناخبيه. مقاومة وزارة الدفاع والكونغرس لقرار ترامب لا تعني غير أنهما ينظران إلى الأمر من زاوية مختلفة عن زاوية نظر ترامب. أي الموقفين هو «الصحيح» من وجهة نظر المصالح القومية الأمريكية؟ هذا من شأن الأمريكيين أنفسهم. أما أن يتم تصوير الأمر على أنه هزيمة أمريكية وانتصار روسي أو تركي، فهذا ما يدخل في باب ألعاب الخفة.

دخلت القوات التركية إلى «شرق الفرات» في 9 من الشهر الجاري، والهدف المعلن هو إنشاء منطقة آمنة تمتد على طول الحدود المشتركة (480 كلم) وبعمق 32 كلم، خالية من قوات «وحش» وبناء مساكن لعودة مليوني لاجئ سوري. بعد مذكرتي التفاهم بين أنقرة من جهة، وكل من واشنطن وموسكو من جهة أخرى، تم اختصار المساحة المذكورة إلى 120 كلم طولاً، بين تل أبيض ورأس العين، و32 كلم عمقاً، وصولاً إلى الطريق الدولي (M4).

لفت الصحافي التركي فهمي كورو النظر إلى خريطة للمنطقة الآمنة التركية المفترضة، مطابقة تماماً لما سيتم التوصل إليه من تفاهمات بين أنقرة وواشنطن وموسكو، نشرها موقع «دبكا فايلز» الإسرائيلي المقرب من الموساد، في 9 تشرين الأول (أكتوبر)، أي في يوم بدء العملية العسكرية التركية!

كاتب سوري

===========================

سوريا ما بعد قوات حماية الشعب..

رضوان زيادة

سوريا تي في

الاربعاء 23/11/2019

قررت تركيا القيام بعمليتها العسكرية الثالثة داخل الأراضي السورية، لكن هذه المرة ترافقت مع توتر أميركي – تركي غير مسبوق وصل إلى حد فرض الولايات المتحدة عقوبات على ثلاثة من الوزراء الأتراك من بينهم وزير الدفاع، فضلا عن أن الكونغرس الآن يناقش فرض عقوبات على تركيا بشكل أوسع قد تشمل عقوبات اقتصادية ستؤذي الاقتصاد التركي المنهك بكل تأكيد.

سبقت عملية "نبع السلام" كما سمتها السلطات التركية عمليتا "درع الفرات" و"غصن الزيتون" وإن كانت الأولى موجهة بشكل رئيسي ضد داعش فإن المعركة الثانية والتي أطلقت عليها تركيا اسم (غصن الزيتون) كانت تستهدف بشكل رئيسي قوات حماية الشعب

اليوم تستهدف العملية العسكرية التركية الثالثة الشريط الحدودي السوري – التركي بأكمله مع تركيز أكبر على مدينتي رأس العين وتل أبيض

في مدينة عفرين السورية ذات الغالبية الكردية، حيث تمكنت القوات التركية مدعومة من فصائل المعارضة السورية بالسيطرة على المدينة بشكل كامل.

اليوم تستهدف العملية العسكرية التركية الثالثة الشريط الحدودي السوري – التركي بأكمله مع تركيز أكبر على مدينتي رأس العين وتل أبيض اللتين كان يقطنهما سكان عرب بالكامل قبل سيطرة قوات الحماية عليهما والعبث بالديمغرافيا الخاصة بالمدينة بما يمكنها من وصل الكانتونات الثلاثة التي أعلنتها قوات الحماية بوصفها جزءاً مما تدعوه "روجافا".

تبدو الكلفة العسكرية والسياسية بالنسبة لتركيا مرتفعة، فعملية "نبع السلام" تبدو عسكرياً أصعب من العمليات العسكرية السابقة التي قامت بها تركيا داخل الأراضي السورية مثل معركة السيطرة على جرابلس أو عملية درع الفرات التي سيطرت من خلالها على مدينة الباب والتي اعتمدت فيهما القوات التركية على مساندة التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة جواً وعلى قوات الجيش السوري الحر براً لطرد تنظيم "الدولة" من تلك المناطق.

لكن عملية نبع السلام هنا مختلفة إذ تقف الولايات المتحدة موقف المعارض للعملية وسبقها سحب للقوات الأميركية من هذه المدن، ووجه الرئيس ترمب انتقاداً عنيفاً وتهديداً بفرض عقوبات اقتصادية على تركيا، لكن الموقف الأكثر شدة أتى من الكونغرس بجناحيه الديمقراطي والجمهوري وربما يتصاعد هذا الضغط في ظل انتقاد قادة الحزب الجمهوري قرار الرئيس ترمب سحب القوات ألأميركية من سوريا.

تعكس عملية "نبع السلام" عملياً اتخاذ قرار نهائي وحاسم على مستوى الحكومة التركية بإنهاء وجود قوات حماية الشعب على الحدود التركية الجنوبية مع سوريا والقيام بذلك عسكرياً ومهما كلف الأمر سياسياً، فتركيا لم تعد تثق بالوعود الأميركية وأصبح لديها شكوك كبيرة في صدقية الإدارة الأميركية وحقيقة ما ترغب القيام به في سوريا، وبالتالي تكون تركيا قد حسمت ترددها على مدى الأعوام الخمسة الماضية مستندة إلى وعود أميركية بسحب السلاح من هذه الميليشيات بمجرد انتهاء العمليات ضد داعش أو تزويد الحكومة التركية بمعلومات تفصيلية عن شحنات الأسلحة أو القيام بدوريات مراقبة مشتركة وغير ذلك مما كان قادراً على تخدير الحكومة التركية على مدى السنوات الماضية، لكن يبدو أن أزمة الثقة بين الطرفين انتهت وأن العلاقات التركية – الأميركية مرشحة للتوتر بشكل أكبر مع التهديد بفرض عقوبات اقتصادية قاسية من قبل الكونغرس.

تجد تركيا نفسها مجدداً في موقف صعب للغاية، فترددها على مدى السنوات السبع الماضية قلب المعادلات والحقائق على الأرض لغير صالحها تماماً، فقوات وحدات الحماية التي تعتبرها تركيا منظمة إرهابية أصبحت شريكاً رئيسياً وحصرياً للولايات المتحدة

تركيا تدرك بنفس الوقت أن معركتها ضد قوات حماية الشعب لن تكون سهلة لأنها تصطدم سياسياً مع الولايات المتحدة

في حربها ضد داعش ورفضت أميركا كل الدعوات التركية لوقف تسليح هذه المنظمة كما رفضت الولايات المتحدة دعوات أكثر سخاء بكثير بتدخل الجيش التركي من أجل محاربة داعش في سوريا، فقد أصرت الولايات المتحدة سواء تحت إدارة الرئيس الأسبق أوباما أو الرئيس الحالي ترمب – الذي تفاءلت تركيا به خيراً – على الاعتماد على قوات حماية الشعب بدل اللجوء إلى حليفها في الناتو مما خلق توتراً كبيراً في العلاقات التركية الأميركية على مدى السنوات الخمس الماضية.

ولذلك أدركت تركيا أن أي تردد هذه المرة سوف يقلب الأمور رأساً على عقب في حدودها الجنوبية مع سوريا، ولذلك قررت وحشدت قواتها بسرعة من أجل البدء بعملية عسكرية حدودية داخل الأراضي السورية كما فعلت سابقا.

لكن، تركيا تدرك بنفس الوقت أن معركتها ضد قوات حماية الشعب لن تكون سهلة لأنها تصطدم سياسيا مع الولايات المتحدة وليس فقط مع الإدارة الأميركية وإنما الكونغرس وأن هناك تحالفاً كبيراً من قبل الحزبين في دعم قوات الحماية، وربما تتطلب الكثير من الموارد العسكرية واللوجستية لا سيما أنها من غير المتوقع أن تحصل على تغطية جوية من أي طرف كما حصل سابقا عندما حصل على الدعم الجوي من قبل أميركا أو روسيا.

إن المشهد السوري يزداد تعقيداً بسبب حسابات الأطراف المتصارعة مما يمكن أن تجنيه من "تركة داعش" اليوم، ولذلك بدأت تتسابق وتزيد من وجودها العسكري بهدف قضم أكبر حجم من الأراضي التي تنتزعها من داعش اليوم، فقد تضاءل حجم الأراضي التي تسيطر عليها داعش في سوريا من 55% إلى الصفر، وازداد حجم الأراضي التي تسيطر عليها قوات حماية الشعب التي خلفت داعش لكنها الآن في طريقها للاختفاء بسبب انسحاب القوات الأميركية فهل تتمكن القوات التركية من ملء الفراغ الذي سيخلفه هذا الانسحاب أم يتمكن نظام الأسد مع روسيا من السيطرة على بعض هذه المناطق مثل منبج والطبقة وغيرها؟ وعليه يبدو الخاسر الأكبر هنا المعارضة السورية المسلحة ومن خلفها تركيا والدول الإقليمية العربية التي دعمت الثورة السورية من عامها الأول.

لكن، علينا أن نوقن أن هذه السناريوهات لن تكون سوى مؤقتة، فالحرب السورية علمتنا أن لا شيء ثابت وما دام ليس هناك حل سياسي يرضي الأطراف وخاصة الشعب السوري من خلال انتخابات حرة ونزيهة فإن المعادلات على الأرض ستتغير بسرعة كبيرة، فعلى سبيل المثال لن تسمح القبائل والعشائر السورية المحلية بسيطرة قوات كردية على أراضيها في الرقة وبالتالي علينا مراقبة هذا النزاع المحلي المحتمل بعد انسحاب القوات الأميركية من الرقة، وبنفس الوقت كان للمعارضة السورية المسلحة قوة وتأثير كبيرين في دير الزور منذ عام 2012 وبالتالي لا شيء يمنع من إعادة تجميع نفسها بمساعدة تركية ربما وبدأها لعملية عسكرية لطرد قوات النظام من دير الزور بعد طرد داعش منها.

وبالتالي يمكن القول إن سياسة الرمال المتحركة ما زالت تحكم الأزمة السورية، إذ لا شيء ثابت طالما أن لا شيء متفق عليه، وهو ما يدفعنا إلى القول أن خريطة سوريا بعد قوات حماية الشعب اليوم وداعش قبلها ربما تكون أكثر تعقيداً بعد زوال اللون الأسود من خريطتها بعد أربع أعوام من ظهوره فيها والآن زوال اللون الأصفر من الخريطة قريبا.

===========================


تفاهمات شرق الفرات

مروان قبلان

العربي الجديد

الاربعاء 23/11/2019

انتهت مساء أمس الثلاثاء مهلة الأيام الخمسة التي تضمنها الاتفاق الأميركي - التركي الذي جرى التوصل إليه في 17 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، في أنقرة، وتضمّن وقفا مؤقتًا لإطلاق النار، يتحول إلى دائم في حال نفذت قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، انسحابها من المنطقة الواقعة بين رأس العين وتل أبيض (بطول 120 كلم وعمق 32 حتى الطريق الدولي القامشلي - حلب). وبهذا تكون المرحلة الأولى من العملية التركية، والأسهل ربما، قد انتهت. ولأن تركيا تطمح إلى إنشاء "منطقة آمنة" على امتداد الحدود السورية شرق الفرت، بطول 440 كلم، فسوف ينصرف اهتمامها خلال المرحلة المقبلة إلى بقية المناطق الممتدة من رأس العين إلى المالكية شرقا، ومن تل أبيض إلى جرابلس غربا.

تمّت المرحلة الأولى باتفاق وتفاهم مع الأميركيين، وساعد في إنجازها وجود رئيس أميركي غارق في معاركه الداخلية، ولا يولي اهتماما بقضايا السياسة الخارجية إلا في إطار تطويعها لمواجهة خصومه في الداخل. سوف تكون المراحل التالية أعقد، لأنها تتطلب من تركيا عقد تفاهماتٍ مع روسيا التي دخلت بقوة على الخط، منذ قرّرت "قسد" عقد اتفاق معها، سمح بعودةٍ، وإنْ رمزية، للنظام إلى مناطق تسعى تركيا إلى ضمها للمنطقة الآمنة، مثل عين العرب ومنبج. لهذا السبب، زار الرئيس أردوغان سوتشي أمس الثلاثاء تزامنا مع انتهاء مهلة الأيام الخمسة لوقف إطلاق النار.

سوف يطمح الرئيس التركي إلى تكرار تجربتي درع الفرات وعفرين، اللتين جرتا بتفاهم كامل مع روسيا، في مناطق شرق الفرات، ولكن الرئيس الروسي، بوتين، الذي لديه وضع داخلي مختلف تماما عن الرئيس ترامب، سوف يحاول فرض شروطه على الأرجح، وفي مقدمتها إحياء اتفاق أضنة الذي جرى توقيعه عام 1998 بين دمشق وأنقرة، مع بعض التعديلات، واستئناف التنسيق الأمني بين الطرفين.

لقد وافق الرئيس بوتين على المرحلة الأولى من العملية التركية شرق الفرات، بمعنى أنه لم يحاول إفشالها بفتح جبهة في إدلب، لأنه كان بحاجةٍ لمساعدة تركيا في إخراج الولايات المتحدة من سورية. وقد كان هذا وما زال همه الرئيس، منذ تدخله في سورية عام 2015، فهذه وحدها (أي الولايات المتحدة) التي لا يستطيع بوتين اختبارها، وقد حاول عام 2017 عبور خط الفرات، وجاءه الرد قاسيا.

أكثر من عام، عارضت روسيا أي عمليةٍ عسكريةٍ تركيةٍ في مناطق شرق الفرات، وقد لوحظ أن القصف الروسي على إدلب كان يشتد كلما اقتربت تركيا من التوصل إلى اتفاق مع واشنطن لإنشاء منطقةٍ آمنةٍ شرق الفرات. ولكن الوضع تغير كليا في القمة الخامسة لشركاء أستانة في أنقرة في 17 سبتمبر/ أيلول الماضي، حيث تم الإعلان عن إنشاء اللجنة الدستورية المنوط بها تعديل الدستور أو إعادة كتابته، باعتباره مدخلا للحل في سورية. وكان لافتا أيضا خلال القمة، اتفاق الرئيسين، الروسي بوتين، والإيراني روحاني، مع نظيرهما التركي، أردوغان، على ضرورة استهداف التنظيمات "الإرهابية"، كما قالا، "في إدلب ومناطق أخرى من سورية"، في إشارةٍ كان واضحا أن المقصود بها "قسد"، ما عدّه أردوغان نصرا له، إذ حصل على دعم شريكيه، لاستهداف الوحدات الكردية، حليفة واشنطن، والتي تم استخدامها في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية.

يفهم الأتراك أن روسيا وإيران تتفقان معها، في هذه المرحلة، في سعيهما إلى إخراج الأميركيين، والأوروبيين، خصوصا الفرنسيين الذين يحتفظون بنحو أربعمائة عنصر من قواتهم الخاصة في شمال شرق سورية، وكذلك السعودية والإمارات اللتين تحتفظان بعلاقات قوية مع "قسد"، وفي ضرب طموحات الكرد الانفصالية، في المنطقة، وإثبات عدم جدوى التحالف مع واشنطن، وهم يحتاجون إلى مساعدة تركيا في تحقيق ذلك كله. خروج الأميركيين سوف يفتح الباب على ديناميات جديدة في العلاقة بين شركاء أستانة. ولكن حتى الآن لم تخرج واشنطن كليا في سورية، وقد قرّرت الاحتفاظ بحقول النفط التي قال ترامب إنه يريد استغلالها، وتحويل عوائدها للأكراد! ما يعني أن أمامنا جولة جديدة من الصراع، ومساحة أخرى من التفاهمات، تقرّر فيها روسيا وتركيا مستقبل منطقة شرق الفرات، ومن خلالها نتيجة الحرب في سورية، في ظل تغييبٍ كامل للسوريين، وهو ما لا ينبغي قبوله، أو على الأقل تغطيته سوريًا.

===========================


هل تُستأنف العملية التركية في شرقي الفرات؟

عبد الباسط سيدا

العربي الجديد

الثلاثاء 22/10/2019

هل نستطيع القول إن الأمور قد حُسمت في نهاية المطاف لصالح استقرار نسبي في العلاقات بين الولايات المتحدة الأميركية وتركيا، بعد تغريدات متعارضة إلى حد التناقض من الرئيس الأميركي ترامب، وبعد الكشف عن رسالة، غير معهودة في الأعراف الدبلوماسية، كان قد أرسلها الأخير إلى الرئيس التركي، أردوغان، قبل الهجوم على المنطقة بين تل أبيض ورأس العين في شمال سورية، والتهديد باستمرارية الهجوم حتى الحدود العراقية؛ وبعمق يتجاوز حدود 30 كيلومتراً؟ ويفيد كل ذلك بأن الهدف المعلن كان السيطرة على جميع المدن والبلدات والقرى الكردية، الخاضعة حالياً لسلطة "الإدارة الذاتية" التي يتحكّم بها حزب الاتحاد الديمقراطي، الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، والقوات العسكرية التابعة له، وتلك المتحالفة معه ضمن إطار ما تعرف باسمها قوات سورية الديمقراطية (قسد)، فالضغوط الجديدة التي تعرض لها الرئيس الأميركي بخصوص العملية التركية، والتي تجسّدت في الانتقادات الحادة جداً التي تعرّض لها من الكونغرس؛ وفي داخل الحزب الجمهوري نفسه؛ وضمن أركان الإدارة؛ ومن الأوروبيين حلفاء الولايات المتحدة؛ جاءت لتضاف إلى تلك القديمة المستمرة، منها الخاصة بالتدخل الروسي في الانتخابات الأميركية؛ وقضية الاتصال بالرئيس الأوكراني، زيلينسكي، في سعي إلى إلحاق الضرر بشعبية مرشح الحزب الديمقراطي المحتمل أن يكون منافس ترامب في الانتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة في 2020، وذلك في

"الهدف المعلن للعملية كان السيطرة على جميع المدن والبلدات والقرى الكردية، الخاضعة حالياً لسلطة "الإدارة الذاتية""محاولة لتجاوز آثار الحملة التي تهدف إلى عزل الرئيس، الأمر الذي يلحق أفدح الخسائر بشعبيته، على الرغم من العناد الذي يظهره، ومحاولاته إظهار العكس.

وأمام الاتهامات الكثيرة التي وُجهت إليه، بخصوص إعطاء الضوء الأخضر للرئيس التركي، أردوغان، ببدء العمليات العسكرية، وقرار سحب القوات الأميركية من منطقة شرقي الفرات؛ لم يجد ترامب أمامه من سبيل سوى الدفاع عن نفسه، والتنصّل مما نُسب إليه، وبدأ يعتمد لغة متشددة تجاه تركيا، ويهدّد بعقوبات اقتصادية قاسية جداً. وجاءت العقوبات التي أقرّها الكونغرس ضد تركيا، لتمنح ترامب، على الرغم من الأزمة العاصفة بينهما، فرصةً للتلويح بمزيد من الضغط على الرئيس التركي أردوغان الذي يعاني، هو الآخر، من ضغوط داخلية شديدة، نتيجة الأوضاع الاقتصادية الصعبة، وتراجع قيمة صرف الليرة التركية؛ هذا بالإضافة إلى الخلافات داخل حزب العدالة والتنمية نفسه، وتصاعد وتيرة الانتقاد ممن كانوا من أقرب المقرّبين إليه قبل الانشقاقات أخيرا داخل صفوف الحزب. كما أن الخلافات مع الحزب الجمهوري، على الرغم من الموقف الموحد المرحلي من موضوع التدخل في سورية تحت شعار الدفاع عن الأمن القومي التركي المهدّد، تعتبر من الهواجس المقلقة الضاغطة بالنسبة لحزب العدالة والتنمية؛ فعلى المدى البعيد، خصوصا إذا نفذت الولايات المتحدة الأميركية تهديداتها بتطبيق مزيد من العقوبات الاقتصادية، فإن الخلافات ستشتد، ولن تنجح جهود أردوغان التي تقوم على المزج بين الأيديولوجيتين، الإسلاموية والقوموية، بغية شرعنة تدخله الراهن في منطقة شرقي الفرات؛ فمثل هذا الأمر ربما يساعده بعض الوقت، ولكن على المدى الأبعد سيعود كل طرف إلى حساباته واعتباراته، وستكون المؤشرات والموازين الانتخابية في مقدمة تلك الحسابات.

يبلغ التأزم ذروته داخل الإدارة الأميركية، وبينها وبين معارضيها الشرسين من الديمقراطيين، وتتصاعد وتيرة الهجوم التركي، الأمر الذي كان يهدّد بكارثة إنسانية كبرى يتعرّض لها السكان في مناطق العمليات، وغالبيتهم من الكرد بطبيعة الحال، وقد تعرّضوا أصلاً لعقود من الاضطهاد والإهمال والاستنزاف، نتيجة السياسة المستمرة التي اعتمدها النظام ضدهم، وهذا ما يضعف كثيراً قدرتهم على تحمّل أعباء الظروف الجديدة الناجمة عن تحول مناطقهم إلى ساحة للمعارك التي لا رأي لهم ولا مصلحة فيها. في ظل كل تلك التعقيدات، زار وفد أميركي لافت، برئاسة نائب الرئيس مايك بنس، أنقرة، والتقى مطولاً الرئيس التركي، الأمر الذي أعطى 

"البنود الـ13 في الاتفاق تراوحت بين تأكيد أهمية التحالف بين أميركا وتركيا؛ وتفهّم مخاوف تركيا"انطباعاً حول وجود عرض أميركي، غايته إيجاد مخرج ما بغية تجاوز تعقيدات الموقف، وكان التوافق على وقف إطلاق النار في شمال شرقي سورية مدة 120 ساعة.

أما البنود الـ13 التي تضمنها الاتفاق الذي توصل إليه بنس في أنقرة، فقد تراوحت بين تأكيد أهمية التحالف بين الولايات المتحدة وتركيا؛ وتفهّم مخاوف تركيا؛ وضرورة العمل المشترك، والتزام كل من البلدين بحماية مناطق دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) وسكانها من جميع التهديدات. وأكد البلدان التزامهما بدعم الحياة الإنسانية وحق الإنسان وحماية الجماعات الدينية والعرقية، هذا إلى جانب التزام الجانب التركي بضمان سلامة الناس ورفاهيتهم في جميع المراكز السكانية في المنطقة الآمنة. هذا إلى جانب الالتزام بوحدة سورية السياسة، ووحدة أراضيها؛ والالتزام بالعملية السياسة التي تقودها الأمم المتحدة التي تهدف إلى إنهاء النزاع السوري وفقاً لقرار مجلس الأمن 2254. وينص أحد البنود على ضرورة انسحاب قوات حماية الشعب من المنطقة، الأمر الذي يقابله إنهاء عملية "نبع السلام"؛ وسيكون مقابل ذلك كله عدم تنفيذ الولايات المتحدة العقوبات الجديدة التي فرضت بموجب الأمر التنفيذي الصادر في أكتوبر/ تشرين الأول 2019؛ وبمجرد انتهاء العملية العسكرية التركية تُرفع العقوبات الأميركية الحالية.

واضح أن هذا الاتفاق جاء محاولة إنقاذية سريعة للوضع، ولقطع الطريق أمام الجهود الروسية التي أُعلن عنها في تصريحات مسؤولين روس عديدين تحدثوا عن استعداد روسيا للتوسط بين النظام و"قسد" من جهة، ومن ثم العمل على تحقيق نوع من التفاهم الأمني، وربما السياسي بين تركيا والنظام السوري، الأمر الذي كان من شأنه تفرّد روسيا بصورة شبه كاملة بالملف السوري، وهو الأمر الذي يوحي حتى الآن بأن المؤسسات الأميركية صاحبة الشأن غير متوافقة عليه، على الرغم من تغريدات ترامب الإشكالية. والسؤال هنا: هل سيؤدي هذا الاتفاق – البيان إلى عودة الثقة بين الحليفين المتخاصمين، الولايات المتحدة الأميركية وتركيا؟ 

"الاتفاق جاء لقطع الطريق أمام الجهود الروسية للتوسط بين النظام و"قسد""وبالتالي، هل سيتم التعامل مع القضايا الاستراتيجية ذات الصلة بالتوجهات الأساسية المستقبلية في المنطقة، ومعادلاتها التوازنية بعقلية استراتيجية، تتجاوز حدود ردود الأفعال، والحلول الجزئية الترقيعية؟ أم أن ما أُعلن عنه لم يكن سوى مجرد جهد إنقاذي إسعافي، علّق خطر الانفجار، من دون أن يلغيه، وأن الأمر برمته لم يتجاوز تخوم "صحوة ضمير" أميركية مؤقتة، لن تغير في ملامح المشهد كثيراً، وهي ملامحُ يُستشف منها تعاظم الدور الروسي في عملية تحديد مستقبل الحل السياسي في سورية؟

سؤال تتوقف طبيعة الإجابة عنه على تنفيذ الخطوات الخاصة بالاتفاق، وهي الخطوات المفروض أن يتم الانتهاء منها في الساعات القليلة الباقية التي تفصلنا عن نهاية المهلة المحددة. وتبقى خطوات أخرى هامة لم يتناولها نص الاتفاق، ولكنها ضرورية، ولا بد أن تكون محوراً للمناقشات والتفاهمات الأميركية - التركية؛ منها التي تتناول كيفية إدارة المنطقة، وهوية الجهة أو الجهات التي ستديرها، خصوصاً بعد أن أعلن الأميركيون عدم استعدادهم للمشاركة. وبأي شكل ستتم عملية ضبط الأمن في المنطقة المقترحة، ومدى صلة ذلك كله بالموضوع السوري العام الذي يظل الإطار السليم الطبيعي لمعالجة كل القضايا الجزئية؛ بموجب مشروع وطني سوري يكون بالجميع وللجميع، على قاعدة احترام الخصوصيات والحقوق، وإتاحة المجال على قدم المساواة بين الجميع للمشاركة في إدارة البلد، والاستفادة من موارده.

===========================

حصيلة أولية للعملية العسكرية التركية في سوريا

بكر صدقي

سوريا تي في

الاثنين 21/10/2019

مع تعليق العمليات العسكرية لخمسة أيام، وفقاً للتوافق الأميركي – التركي، يمكن تقييم ما حدث إلى حينه لجهة الرابحين والخاسرين وما ربحوه وخسروه. لكنه يبقى تقييماً أولياً لعملية سياسية لم تنته إلى إرساء توازنات جديدة بعد. ربما تشكل القمة المرتقبة في سوتشي، يوم الغد، بين بوتين وأردوغان نقطة مفصلية في تحديد التوازنات الجديدة، كما في تحديد وجهة التفاعلات المقبلة في سوريا، وشمالها بصورة خاصة. ذلك أن نهاية الأيام الخمسة من الهدنة المؤقتة ستتزامن أيضاً مع القمة المذكورة، وما يعنيه ذلك من احتمالات الوصول إلى وقف إطلاق نار نهائي أو استئناف القتال بين القوات التركية والفصائل التابعة لها من جهة، وقوات قسد من جهة ثانية.

وتعود أهمية القمة، قبل الاعتبار المذكور، إلى أن الكلمة الفصل في تحديد مصير "المنطقة الآمنة" أو "ممر السلام" كما تسميها أنقرة، باتت في يد موسكو التي تفردت بالتحكم في الشؤون السورية بعد القرار الأميركي بالانسحاب منها. موسكو التي حافظت على

"التركة الأميركية" بالمعنى الجغرافي قد تم تقاسمها بين النظام الكيماوي وتركيا، بعد اتفاق حميميم بين الأول وقسد

صمتها إزاء الموضوع، كررت موقفها المتواتر في تصريحات الناطقين باسمها بشأن وجوب انسحاب "جميع القوات الأجنبية من سوريا". سنرى ما هو موقفها المخصوص بشأن العملية التركية والتصور التركي حول "ممر السلام" الذي يدور حول تفرد القوات التركية بتأمين المنطقة وإقامة مساكن لإيواء اللاجئين السوريين في تركيا.

مهما كانت الزاوية التي ننظر منها، سنرى أن "التركة الأميركية" بالمعنى الجغرافي قد تم تقاسمها بين النظام الكيماوي وتركيا، بعد اتفاق حميميم بين الأول وقسد. صحيح أن النظام لا يملك ترف الزج بقواته المحدودة في تلك المنطقة، لكن "شرعيته" المستمدة من مبدأ "السيادة" هي ما تمنحه القوة إزاء أنقرة، مهما كانت مفاهيم الشرعية والسيادة أقرب، في حالة النظام، إلى كاريكاتير مثير للازدراء. كما أن تلك "الشرعية" المزعومة تملك قوتها المادية من الحليف الروسي الذي يدافع عنها وينطق باسمها. وعملياً روسيا هي التي ورثت، مع تركيا، التركة الأميركية أو فراغ القوة الأميركي.

ما هي حصة تركيا؟ وهل يمكن اعتبارها رابحة؟ نعم، هي ربحت ميدانياً بالتأكيد بضم بقعة جغرافية كبيرة نسبياً إلى مجال نفوذها الإقليمي داخل الأراضي السورية، وإن كانت أقل بكثير من المساحة التي أعلن أردوغان أنه يستهدفها، وذلك بصرف النظر عن المصير المستقبلي لهذا الربح. لكنها، بالمقابل، خسرت الكثير على المسرح الدبلوماسي، فعجزت عن إقناع أحد بمسوغات عمليتها العسكرية، بل لاقت رفضاً دولياً واسعاً لتلك العملية، كان من ثمراتها رضوخها للطلب الأميركي بتعليق العمليات العسكرية. ذلك أن أركان الحكومة التركية، وعلى رأسهم أردوغان، أعلنوا مراراً أن العملية لن تتوقف حتى تدمير "المنظمة الإرهابية"، في حين أن الاتفاق الذي جرى مع الوفد الأميركي برئاسة نائب الرئيس مايك بنس في أنقرة، يقضي بانسحاب "وحدات الحماية الشعبية" إلى خارج المنطقة الآمنة التركية الممتدة من تل أبيض إلى حدود مدينة رأس العين فقط.

ولا بد من الإشارة إلى نقطتين يمكن اعتبارهما رمزيتين، بخصوص الاتفاق المذكور: فمن جهة أولى اجتمع أردوغان مع الوفد الأميركي، بعد إعلانه أنه لن يستقبل بنس في رد متأخر على إهانة ترمب له في الرسالة الفضائحية الشهيرة. ما كان ممكناً، على أي حال، توقع رفض اجتماع أردوغان ببنس، لكن تورطه في التصريح بعدم استقباله هو الذي أضعف موقفه وسجل نقطة سلبية لم يكن بحاجة إليها.

والملاحظة الثانية هي تصريح أردوغان وأركان حكمه بأنهم "لن يتفاوضوا مع منظمة إرهابية". فاتفاق أنقرة هو، في حقيقته، اتفاق بين تركيا وقسد على وقف إطلاق نار مؤقت ومحدد. فقد كان الوفد الأميركي على تواصل مع قيادة قسد أثناء مفاوضاته مع أنقرة. كان الأتراك بغنى عن التصريحات المذكورة، إذا تذكرنا أن الحكومة التركية سبق وتفاوضت مرات، في السنوات السابقة، مع قادة حزب العمال الكردستاني المصنف إرهابياً ليس لدى تركيا فقط، بل كذلك لدى الولايات المتحدة والدول الأوروبية أيضاً. وبالأحرى حين يتعلق الأمر بقسد أو "وحش" (وحدات حماية الشعب) اللتين تتفرد تركيا باعتبارهما منظمتين إرهابيتين، مقابل تعاطف دولي معهما بسبب دورهما في الحرب على داعش.

ليس هذا وحسب، بل أشار عدد من المحللين الأتراك إلى نقطة مهمة فحواها أن المسألة الكردية في تركيا تدوّلت بقوة بمناسبة العملية العسكرية التركية، أي تحولت من موضوع إقليمي إلى موضوع دولي، من المحتمل أن تكون له نتائج سياسية، على المديين

خسرت قوات سوريا الديموقراطية مشروع الإدارة الذاتية بعد اتفاق حميميم مع النظام. وسيكون مصيرها السياسي، من الآن وصاعداً، بيد روسيا

المتوسط والطويل، تتعارض مع الأهداف التي وضعتها القيادة التركية لعمليتها العسكرية. فبدلاً من القضاء على المنظمة "الإرهابية" ارتفع منسوب التعاطف الدولي معها، وبخاصة بعدما تخلى عنها الرئيس الأميركي على الضد من الميل العام لدى وزارة الدفاع والكونغرس بحزبيه الجمهوري والديموقراطي.

بالمقابل خسرت قوات سوريا الديموقراطية مشروع الإدارة الذاتية بعد اتفاق حميميم مع النظام. وسيكون مصيرها السياسي، من الآن وصاعداً، بيد روسيا التي من المحتمل أنها لن تسلم رقبتهم للنظام بصورة تامة، لكنها ستضع حدوداً متواضعة لطموحاتهم السياسية، مع التركيز على فرض سيطرة النظام على كامل الأراضي حتى لو كان ذلك بواسطة قوات قسد بعد تغيير بزاتها العسكرية لتكون جزءاً من قوات النظام.

الموضوع الثاني الذي يحتمل أن يكون موضع اهتمام قمة بوتين – أردوغان في سوتشي، هو حسم مصير منطقة خفض التصعيد الأخيرة في إدلب وجوارها القريب، بما في ذلك تقرير مصير "هيئة تحرير الشام". فبوتين الذي تلقى هدية كبيرة من ترمب في شرقي نهر الفرات، سيكون مستعجلاً على الانتهاء من موضوع إدلب ببسط سيطرة النظام على المنطقة، ليكون بوسعه إعلان "النصر النهائي على الإرهاب" في سوريا، بالتزامن مع بدء اجتماعات "اللجنة الدستورية" في جنيف في نهاية الشهر الجاري.

لا يعني ذلك أن كل ما يتمناه بوتين سيتحقق بهذه البساطة. من كان يتوقع اندلاع انتفاضتين شعبيتين في كل من العراق ولبنان؟ ففي هذه المنطقة من العالم يجب أن نكون على استعداد دائم لمفاجآت تقلب الطاولة على الأوضاع القائمة.

===========================


من ليس خاسراً في سورية؟

غازي دحمان

العربي الجديد

الاثنين 21/10/2019

في بداية تحويل الثورة إلى حرب، متعدّدة الأطراف، في سورية، ظهرت تقديرات تحذّر من تحوّل سورية إلى ثقب أسود، وما يعنيه ذلك من مخاطر على مستوى المنطقة، وربما أبعد منها. طوت التطورات هذا التحذير، فأطراف اللعبة المختلفون أنجزوا، وبسرعة قياسية، بناء هذا الثقب، باندفاعٍ تحرّكه أحلام القادة وحماسة المقاتلين.

منذ قام بشار الأسد بتعويم سورية، بعد تأكّده من فقدانه السيطرة على ديناميات ثورتها، تحوّلت سورية إلى جنة للحالمين بالأمجاد وصناعة الإمبراطوريات، واستثمار مستقبلي في زحمة التنافس الجيوسياسي العالمي، خصوصا أن هذا التعويم جعل من سورية ملاذاً قانونياً يجري فيه حماية اللاعبين من أي آثار قانونية لسلوكهم، ويمكّنهم، عبر دعاوى أيديولوجية مزيفة، من تبييض كل جرائمهم، السابقة واللاحقة، ولا بأس، والحال هكذا، من تجريب كل أنواع القتل والأسلحة، وتحويل المجرمين الجنائيين إلى أبطال.

لكن، ومنذ تلك اللحظة، يدور الجميع في حلقةٍ مفرغة، فقد ثبت أن من السهل لأي طرفٍ الدخول إلى ساحة الصراع السوري، والجميع دخلوا ولم تكن ثمّة مشكلة لديهم في ذلك. ولكن هل هذا هو النصر؟ هل يكفي البناء على حادثة الدخول السهلة، وإطلاق النار في الإتجاهات الأربعة، لصناعة حكايةٍ من الوهم عن العظمة والقوّة التي لا تقهر؟

الجميع أدمتهم سورية، بطريقةٍ أو أخرى. هذا الفراغ الهائل الذي يغري اللاعبين للخوض فيه دفع الجميع إلى التورط بمشاريع أكبر من مقاساتهم. وجدت روسيا في الحرب السورية فرصة لإصلاح النظام العالمي، وراح إسترتيجيوها يبشّرون بقرب نهاية الغرب، إنطلاقاً من الاختراق المتحقّق على الجبهة السورية، ولم ينتبهوا، وربما عمداً، إلى الأعطاب الكبيرة في ركائز قوّة روسيا، البلد المتخلف تكنولوجيا وتنموياً، ويعجز عن إدارة التوازنات وتسيير يوميات مواطنيه.

وتندفع إيران، من خلف جبال فارس، حيث ترى في الحدث السوري فرصةً لتغيير التركيبة 

"لا تحتاج الحلول في سورية إلى مجاهر لإبصارها. الجميع يعرفها ويراها بعين مجرّدة، لكنهم يبتعدون عنها"الديمغرافية من قم إلى بيروت، عبر شراء ولاءات أناسٍ أرهقت كاهلهم الحرب، وجنود جلبتهم من بؤر آسيا المعدمة، وهكذا فرشت إيران طريقها إلى الشرق بثرواتها، كل متر تتقدّم فيه مرصوفٌ بثرواتٍ مهدورة، في حين أن الشارع الإيراني يبحث عن خبز الغد. وترغب تركيا في بناء جدار ديمغرافي من العرب المؤيدين لها على حدودها، لكنها تبنيه على ارضية متحرّكة، وبدون ركائز حقيقية، طالما أن الأحداث السورية جارية وسائلة.

هل أدركت أطراف اللعبة الحقيقة، واستطعمت الثمار السورية المرّة؟ منذ سنوات وهذه الأطراف تحارب طواحين الهواء، والتوصيف الحقيقي لموقفهم في سورية، أنهم بصدد مشاريع خادعة، توهم بأنها اقتربت من الإنجاز، لكنها في الواقع لا تزال عند خط البداية. يلهث الجميع وراء النصر في سورية، لكنه يستعصي على الجميع، ويبدو أشبه بحلمٍ بعيد المنال، أو سرابٍ كلما ركضوا باتجاهه ابتعد.

يطلق الجميع عملياتهم من واقع الخسارة، في محاولاتٍ لتجنب الغرق في مستنقع الخسارة، حتى لو أوهموا أنفسهم بالوهم والخداع بأنهم ينتصرون، كما تفعل روسيا. صحيحٌ أنها حققت مكاسب ميدانية، لكن تصريفها إلى ثمار سياسيةٍ مستحيل، كذلك إمكانية استفادتها، أو تعويضها لخسائرها من كيس ما استثمرته في سورية لا يبدو وعدا صادقا، ما ستأخذه باليمنى ستصرفه باليسرى في بلاد خربة. وتورطت تركيا بملايين اللاجئين، وبارتباطاتٍ لن تستطيع الفكاك منها بسهولة، ولن تستطيع صناعة منطقة سكنية آمنة ستكلفها مليارات الدورلات. وهي اليوم تحاول الهرب من شبح حرب أهلية موضوعها الأساسي اللاجئون السوريون. وأنفقت إيران مليارات الدولارات، وتورّطت بصناعة مليشيات، وهو بمثابة وعد بإنفاق دائم، في وضعٍ لن يحل لها أزماتها المركبة، الوضع الاقتصادي المتأزم وصراعات الداخل الناهضة بقوّة.

ولا تعدو التفاهمات التي تجري بين اللاعبين سوى نوع من تسكين الجراح، وتمرير الوقت والمداورة على الوقائع، وجميع اللاعبين، وعلى الرغم من العداء الظاهري والمعلن بينهم، يتفقون على تكتيك واحد، يقوم على فتح المساحات أمام الأطراف الأخرى للتورّط في المستنقع السوري.

لا تحتاج الحلول في سورية إلى مجاهر لإبصارها. الجميع يعرفها ويراها بعين مجرّدة، لكنهم يبتعدون عنها، فما زالت قوّتهم تغويهم، وما زالوا يعتقدون أن الانتصار والوصول إلى الأهداف يبقى سهلاً، وبالتالي فإن فرص التجريب واللعب والمناورة ما زالت ممكنة.

بعد كل هذه السنوات، أصبح الجميع على علم بأنه ما لم يتم إقرار حل سياسي في سورية يكون مقبولاً ومعقولاً، فإنه لا نصر لأحد، ولا نهاية لأزمة، وأن الحرتقات التي يقوم بها الرئيس الروسي، بوتين، ليست سوى خرافات، يعتقد أنها استراتيجية حكيمة. واذا لم يتم التوصل إلى هذا الحل ستبقى سورية أرض سراب، وثقبا أسود، يقع فيه كل الباحثين عن أمجاد واهمة، وحلول سهلة لأزمات مركبة.

===========================

لأجل نبعِ سلام كهذا فلنقاتِل

إيمان محمد

سوريا تي في

الاحد 20/10/2019

كأيّ سوريّ أتخبّط بين حالة من اليأس والأمل في آنٍ معاً وأنا أتابع نبع السّلام، هذه الحملة التي يجب أن أعترف بعدم استساغتي لاسمها، كون بركاناً من الحرب ما زال ثائراً إلى الحد الذي لا يمكن لأي نبعٍ أن يخمده فجأة، ويجب أن أعترف لنفسي قبل أي أحد آخر، أن عدم استساغتي هذه لن تقدّم أو تؤخر من كونها باتت واقعاً، وسُجِّلت هدفاً في المرمى التركي برعاية أمريكية منقطعة النظير، أدرك تماماً – كأيّ سوريّ- أن للدول مصالح في وطني، وأيّ تحرّكٍ لتلك الدول مهما غُلِّف بشعارات جميلة، فهو يصبّ في مصلحة تلك الدّول لا أكثر، فلِمَ علينا أن نثبّت ردات فعلنا ما بين تفاؤل أو يأس؟ الجواب بدهي فعلاً؛ لأننا أصحاب هذه الأرض.

لقد أغرق كثير منّا بالتّفاؤل بأهداف نبع السّلام ونتائجها، فاعتبروها تحريراً ونصراً مؤزراً للثّوّار على قسد، وتطلّعت آمالهم إلى شمالٍ سوريّ نظيفٍ من النظام وحلفائه وأتباعه وكلّ عدوّ للثّورة، حلموا – ويحقّ لهم أن يحلموا- بمنطقةٍ آمنةٍ، لا طيران يقصف بيوت المدنيين، ولا قذائف تطول أطفالهم، لا زلازل لا تجارب لأسلحة صُنعت في روسيا وإيران، لا تهديد بعودةٍ لسياط النظام وزنازينه، تفاءلوا بدير الزّور حرّة من المحتل، وبالرّقّة والحسكة دون ظلم وتضييق وقهر، تابعتُ عبر مواقع التواصل أفكارهم التي نشروها حالمين آملين بالخلاص، تماماً كما تابعت مظاهراتهم التي خاطروا بأنفسهم عبرها ليرفضوا النظام وأشباهه في أرضهم، حق لكل سوريّ حرّ أن يأمل، فهو شريكٌ قويّ في المعركة كما صرّح بذلك الرئيس أردوغان بنفسه، وكما شهدنا بأنفسنا زحف الجيش الوطني لتحرير الأرض وتخليص الناس من الاستعباد في كلّ بقعة يعبرونها، وكما تلقينا بغصّة وداع أوائل شهداء الثورة، وداع وفد جديد من ثوار صادقين رحلوا وهم يحملون الأمل بيدٍ، والبندقية في اليد الأخرى، فاستشهدوا وقدموا الدم رخيصاً لعل الحرّيّة لسواهم تكون المكسب الذي يتحقق، ولأجل ذلك كلّه تفاءل أصحاب الأرض، ومنهم من بالغ بتفاؤله ففكر بامتداد جغرافي يجعل الأخضر يمتد في كل سورية، وذاك حلمٌ محق، لكن نبع السّلام لن يسقي كل تلك الأرض، الواقع والحقائق هي التي تقول ذلك.

خَبر السوريون الاتفاقيات الدولية في سورية، ومسائل الهُدن الكاذبة، وكيف تخمد نيران القصف والقتل وتهدأ المجازر قليلاً ثم تعاود الكرّة فجأة

على الجانب المقابل هناك من أغرق بالتشاؤم، واعتبر الحملة وبالاً على السوريين، وهذا حقه أيضاً، فحماية تركيا لحدودها أمر يصب في مصالحها فقط، وأي شريط أخضر هو محض وهم، وبأن الحملة حققت مكاسب للنظام أكثر مما حققته من مكاسب للثوّار، وقد خَبر السوريون الاتفاقيات الدولية في سورية، ومسائل الهُدن الكاذبة، وكيف تخمد نيران القصف والقتل وتهدأ المجازر قليلاً ثم تعاود الكرّة فجأة، ليعود التفاوض على أرضٍ جديدة، ليشعر كل إنسان سوريّ بأنه كُرة في ملعب يتقاذفها الجميع، وقد سُلبت منها الإرادة، وباتت محتلّة الأركان فاقدة معنى الوجود، مسلوبة روح الثّورة.

وإن تساءلنا بموضوعيّة تامّة من نلوم؟ سيكون من العبث أن نلوم دولاً ترعى مصالحها، وترعى حدودها، وتسعى لتدعيمها بكل السّبل الممكنة، وسيكون من الظّلم أن نتابع جلد أنفسنا بعد كل التضحيات والدماء المقدّمة، وسيكون من العقل أن نفكّر بمصالح سورية، وأن نصبّ جهودنا في إيجاد كل المكتسبات الممكنة من التحركات الدولية الحاصلة على أرضنا، علينا أن نثبّت أماكننا، ونلمّ شتاتنا، ونحدد أهدافنا واضحة، وعلى ضوئها تغدو تحركاتنا وتحالفاتنا ومواجهاتنا واضحة المغزى، واضحة المعنى، عبرها تثبت إرادة الشعب، ويكون التفاؤل منطقياً باجتماع بعد شتات، وقوّة بعد ضعف، ويكون التشاؤم حافزاً لتدارك نقاط الضعف، دافعاً للتغيير، بدل من أن نكون أداة على أرضنا نصنع أدواتنا، ونستعيد كياننا المهدد بالتلاشي، الأمر الذي يتطلب جدّيّة وصدقاً وتضحية، ويتطلب منّا  أن نؤمن أكثر بقضيتنا، فلا نتخلى عنها بل نرسّخها أكثر، ونحول إيماننا بها إلى واقع.

السّلام الحقيقي لسوريا لن ينبع إلا من السوريين أنفسهم، والمناطق الآمنة لن تكون آمنةً بالمطلق، ما داموا يفتقرون إلى أدنى مقوّمات خلاصهم، والبؤس لن يُرفع عن شعب، والقهر لن يتلاشى، والكرامة لن تُستردّ إلا بأيديهم وحدهم، ولأجل نبعِ سلام كهذا فلنقاتِل.

===========================

“طعنة” ترامب و”شرعية” أردوغان

 صبحي حديدي

القدس العربي

الاحد 20/10/2019

تستنتج أسبوعية الـ”إيكونوميست” البريطانية، وليس بالأمر العابر استنتاج يصدر عن هذه المطبوعة تحديداً، أنّ تركيا انتصرت حتى قبل أن ينقضي أسبوع واحد على شروعها في عملية “نبع السلام”؛ ليس على أرض المعركة بعد، تتابع الأسبوعية الأرفع تمثيلاً لأقطاب المال والأعمال في العالم، بل على طاولة المفاوضات في أنقرة، وبواسطة مايك بنس، نائب الرئيس الأمريكي الذي أتى متلهفاً على انتزاع اتفاق بأيّ ثمن، يُصدّر دون إبطاء إلى الكونغرس والإعلام الأمريكي أساساً.

مؤشر الوضوح الأبرز على المحتوى الفعلي، والميداني، للاتفاقية التركية ــ الأمريكية لم ينطق به لسان بنس (الذي وضعه رئيسه في فوهة مدفعية دبلوماسية ثقيلة لا قبل له بها ولا خبرة!)؛ ولا وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو (الذي عاقبه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان فاستبعده من طاولة المفاوضات بسبب تصريح له حمّل فيه أردوغان مسؤولية انعدام الاستقرار في المنطقة). على لسان وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو جاء الخبر اليقين: “وافق الجانب الأمريكي على شرعية عمليتنا وأهدافنا (…) وحصلنا على ما نريده”. وما تصبو إليه أنقرة خلاصته هذه، حسب الوزير التركي: “تطهير المنطقة الحدودية بعمق 20 ميلاً (32 كيلومتراً) من الإرهابيين، وسحب الأسلحة الثقيلة من القوات الكردية”.

من جانبه كان مظلوم عفدي، القائد العام لقيادة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، قد وجد العزاء في القول بأنّ وقف إطلاق النار (إذْ فضّل “الجنرال” هذا التوصيف للاتفاقية التركية ــ الأمريكية) جاء نتيجة لمقاومة مقاتليه؛ الذين قاوموا بالفعل، وقاتلوا، واستبسلوا ربما، لكنّ الواقع الميداني يقول إنهم للأسف لم يكونوا محرّك ساعات التفاوض الخمس بين أردوغان وبنس في أنقرة. كذلك اعتبر عفدي أنّ الاتفاق يشمل المنطقة الممتدة بين سري كاني (رأس العين) وتل أبيض فقط، متناسياً أنّ المساحة الفعلية هي بطول 480 كم وعرض 32 كم = 15,360 كم مربع؛ وأنها، نظرياً، قد تشمل أيضاً ديريك (المالكية)، ورميلان، وتربي سبي (قبور البيض)، والقامشلي، وعامودا، والدرباسية…

والحال أنّ الانسحاب الأمريكي من الملفّ السوري على هذه الشاكلة تحديداً، أي الاعتراف بـ”شرعية” الاجتياح التركي في عمق الأراضي السورية وفي الآن ذاته تسليم موسكو مفاتيح منبج، يضيف الإهانة إلى الطعنة التي تلقتها “قسد” من إدارة ترامب؛ إذْ يُبطل عملياً مفعول الاتفاق الذي عقدته الفصائل الكردية مع النظام السوري، ولكنه في المقابل لا يلغي مضمون المهانة المتمثلة في قبول رفع علم النظام السوري مجدداً، والتسليم برئاسة بشار الأسد، بعد أيام معدودات على لجوء النظام إلى توصيف “قسد” بـ”فصائل مسلحة قامت بخيانة وطنها وارتكاب جرائم ضدّه”.

وإذا صحّ أن طعنة ترامب نالت من “الحلفاء” الكرد أوّلاً، ممّن وقعوا مجدداً في خديعة قوّة عظمى سبق أن خانتهم مراراً وتكراراً، فليس أقلّ صحة القول بأنّ الجرح يخصّ جميع السوريين أياً كانت مناطقهم أو إثنياتهم، ليس لأنّ كرد سوريا أبناء للبلد ومواطنون أصلاء فيه، فحسب؛ بل كذلك لأنّ الستراتيجيات التركية إزاء الأرض السورية تضرب بجذورها عميقاً في التاريخ التركي، أبعد من أردوغان وأية إدارة تركية بصرف النظر عن توجهاتها السياسية والإيديولوجية. الفارق أنّ مفهوم “الطعنة” هنا لا يصحّ أن يشتمل على مفهوم “الغدر” من الجانب الأمريكي، فمَن كان من السوريين يراهن على حسن نوايا واشنطن، وعلى نزاهة سلوكها مع “الحلفاء”، لن يحصد سوى هذا الطراز من الهشيم.

وحتى تنقضي مهلة الـ120 ساعة، وينجلي الغبار عن حقائق انسحابات “قسد” وتجريدها من الأسلحة الثقيلة، ومساحات التوغل التركي الفعلية في الأراضي السورية، وترتيبات “المنطقة الآمنة” بالمعنى البشري والديمغرافي، والأثمان الباهظة التي سوف يدفعها السوريون على الصعيد الإنساني والإغاثي؛ سوف يظلّ الشعب السوري، بمكوناته كافة، ضحية الصفقات والتقاسمات وألعاب الأمم و… الاحتلالات.

===========================

هل تصطاد موسكو أنقرة؟

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 19/10/2019

إلى اتفاق سوتشي عام 2018، كانت روسيا تعتبر تركيا أكثر أهمية بالنسبة لها من إدلب، وقد أحجمت، طوال قرابة عام من عقده، عن التدخل عسكريا في هذه المدينة السورية، خشية أن يهدّد هذا علاقاتها مع دولة الاطلسي الوحيدة التي فتحت لها ثغرة في جداره الكتيم، وساعدتها على الوصول إلى مياه المتوسط الدافئة، وأدخلتها إلى الأسواق التركية، بصفقات ومشاريع ضخمة، وأسهمت في كسر عزلتها التي ورثتها عن انهيار الاتحاد السوفيتي.

قام هذا الطور من علاقات البلدين على أولوية التوافق بين سياسات موسكو وأنقرة، وعلى بقائها مفتوحةً على تطور يخدم دولتين، لا تستطيع أي منهما الاستغناء عن الأخرى، يرتبط به نجاح موسكو في الشرق الأوسط وتركيا في إحراز مزيد من الحرية عن التزاماتها الأطلسية التي لم تعد أولويتها في جميع الأحوال وبالضرورة. بهذه المنافع المتبادلة، أوقفت روسيا جهودها للقضاء على ما بقي من معارضةٍ في معزل إدلب، وغضت الطرف قرابة عام عن عدم التزام تركيا بالتخلص من تنظيم جبهة النصرة الإرهابي.

تبدّل هذا الطور من العلاقات الروسية/ التركية في أثناء العام الماضي، ومرّ تبدّله بسياساتٍ روسيةٍ سعت إلى فصل تركيا عن المعارضة، عبر صيانة مصالح أنقرة العليا، وربطها بعلاقاتٍ خاصة، تلبي متطلبات أنقرة السياسية والاقتصادية والعسكرية، وتحلّ قدر الطلب محل علاقاتها مع دول الأطلسي، في مقابل إطلاق يدها في المعارضة، وتطبيق اتفاق سوتشي عليها، بذريعة التخلص من الإرهاب الذي تأخذه موسكو على عاتقها، بدلا عن تركيا ومن دون المس بمصالحها وبمكانة الرئيس التركي أردوغان التي ستعزّزها، في المقابل، مواقف تحكم ربط المعارضة بها عبر صيغ تفيد من حاجة مؤسساتها السياسية والعسكرية إلى أنقرة جهةً صار دورها حاسم الأهمية بالنسبه لها، إن خسرتها لأي سببٍ خرجت من رهانات الحرب والسلام، ووجدت نفسها وحيدةً في عالم عربي تخلّى عنها، بينما تتجاهلها واشنطن وتتلاعب بها، وتضغط روسيا وإيران عليها، وتتطلع إلى القضاء على معزلها الصغير حول إدلب.

بانسحاب واشنطن من شرق الفرات، وسط خلافٍ مرشّح للتصعيد مع تركيا، انتقلت موسكو إلى رسم خطوط حمراء لتركيا في المنطقة التي دخلها جيشها للتو، بالتعاون مع الجيش الوطني المعارض، وحظرت عليها أخذ منبج وعين العرب (كوباني)، وحدّدت مسافة تبلغ عشرة كيلومترات هي أقصى عمقٍ تستطيع الوصول إليه داخل الأراضي السورية. هذا الخط الأحمر الروسي، الذي لا يقل قسوةً عن خط أحمر كانت واشنطن قد رسمته في منبج وشرق الفرات، مثّل تصعيدا خطيرا، يضع أنقرة أمام خيارات محدودة، أولها: رفض الموقف الروسي الذي أعلنه أردوغان، والتمسّك بتعاونه العسكري مع المعارضة، والدخول في أزمة جدّية مع روسيا وإيران، لا شك في أنها ستكون مكلفة جدا، هذا إذا سمح بها أصلا وضع تركيا الذي سيفقد عندئذ توازنه الدولي والاقليمي. وثانيها: فصل مصالحها كدولة عن الثورة السورية، تحاشيا لصراع دولي/ إقليمي خاسر، ستشجع موسكو على خوضه مشكلات أنقرة المتفاقمة مع واشنطن والدول الأوروبية، وعقوباتهما المتزايدة عليها، التي تدفعها دفعا إلى الالتصاق بروسيا وطهران، وللإفادة من العلاقة مع النظام الأسدي التي تقترحها موسكو، في إطار صفقة تعيد إنتاج مصالحها السورية، من دون أن تخسر بالضرورة علاقاتها مع المعارضة، في حال شاركت موسكو في تحقيق حل توفيقي بين الطرفين، ينضوي في حل روسي لن يكون هناك سواه، بعد الخطوة الأميركية، غير الصراع المفتوح مع شريك روسي لا مصلحة لها في تخلّيه عنها.

ستجد تركيا نفسها، من الآن، أمام وضع يتطلب مراجعة سياساتها، في ظرفٍ عصيبٍ بصورة خاصة، تخسر فيه المعارضة إن استجابت لما تريده روسيا، وتخسر روسيا إن تمسّكت بالمعارضة، بينما تجد نفسها مجبرةً على حفظ مصالحها كدولة.

===========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com