العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 27-09-2020


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

ترامب واغتيال الأسد.. مثال سليماني الحاضر دوماً

منير الربيع

سوريا تي في

الخميس 24/9/2020

أن يسكت نظام الأسد عن اتفاقات التطبيع العربية الإسرائيلية، وأن يخرج محسوبون عليه يروجون إلى الاستعداد لعقد اتفاق تطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، يعني أن المسار العام لما سار عليه نظام بشار الأسد يتضح أكثر فأكثر. تعود التطورات إلى قاعدة رسمها رامي مخلوف في العام 2011 مع صحيفة نيويورك تايمز الأميركية، عندما قال إن أمن سوريا من أمن إسرائيل. وهي كلمة السر للعلاقة المتلازمة بين الطرفين منذ العام 1970.

أراد رامي مخلوف حينها الحفاظ عليها وتجديدها، كما يريد بشار الأسد أن يفعل اليوم. هذا هو السرّ الذي حمى بشار الأسد وحافظ على وجوده في السلطة. وجود كان يرتبط بحسابات إسرائيلية وغربية، وهو الذي أدى إلى الدفاع عنه وتوفير الحماية له، ودفع باراك أوباما عن الإحجام لتوجيه ضربة إلى نظامه، ودفع المحيطين بدونالد ترامب لتوجيه النصيحة إليه بعدم اغتيال الأسد.

استبق الكلام موجة تصعيد أميركية جديدة ضد النظام الإيراني، بحيث تضغط واشنطن على الدول الأوروبية لفرض عقوبات على إيران، والمسألة لن تقف عن هذه الحدود

 جاء كلام دونالد ترامب عن نيته اغتيال بشار الأسد، بينما تدخل وزير دفاعه حينذاك جيمس ماتيس وأقنعه بعدم تنفيذ العملية، في لحظة تصعيد دولي ضد إيران، والاستمرار بالقيام بعمليات عسكرية موضعية على مواقع في سوريا وداخل الأراضي الإيرانية لتحجيم النفوذ الإيراني. استبق الكلام موجة تصعيد أميركية جديدة ضد النظام الإيراني، بحيث تضغط واشنطن على الدول الأوروبية لفرض عقوبات على إيران، والمسألة لن تقف عن هذه الحدود، إنما ستكون مرتبطة بسياقات تصعيدية أخرى، في البعد العسكري أو الأمني. يؤدي إلى عزل إيران أكثر وتضييق الخناق عليها، بالتزامن مع تصعيد أميركي، عبر إدخال حاملة طائرات إلى الخليج، سابقاً كان الإيرانيون يهددون بعدم السماح لدخول أي حاملة طائرات، إلى الخليج.

 قد لا يؤدي ذلك إلى اندلاع حرب واسعة، ولكن ستكون المنطقة أمام معارك متنقلة، أو ضربات متنوعة ومتفرقة، على غرار ما يحصل منذ أشهر من خلال استهداف مواقع عسكرية داخل إيران، بالإضافة إلى بقاء سوريا كساحة مفتوحة، يتزامن ذلك مع تهديد إسرائيلي علني بأنه في حال تسبب حزب الله بمقتل أي جندي إسرائيلي، فسيتحمل حزب الله وسكان جنوب لبنان الثمن. هذا أيضاً دخول إسرائيلي على خطّ التصعيد ضد إيران وحزب الله، مع استمرار المحاولات لاستمالة روسيا، خاصة أن اسرائيل تريد استباق أي متغيرات سياسية قد تضعف موقفها الحالي، باستغلال حالة التصعيد ضد إيران، وحالة الفوضى القائمة في كل المنطقة، لتنفيذ ضربة تعيد من خلالها إعادة خلط الاوراق، على غرار ما حصل بعد الضربة الأميركية التي استهدفت قائد فيلق القدس قاسم سليماني.

تأتي استعادة ترامب لواقعة نيته اغتيال بشار الأسد، لتتزامن مع كلام إسرائيلي أطلقه قائد المنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي ملمحاً إلى احتمال اغتيال أمين عام حزب الله حسن نصر الله

 أكثر ما يؤثر في القرار الإسرائيلي، هي الحسابات الرئاسية الأميركية، فإذا ما انتخب جو بايدن، لن يكون بإمكان إسرائيل الدخول في أي حرب، ولا يمكن لإسرائيل أن تستقبل بايدن بخوض حرب جديدة، وبالتالي بحال خسر ترامب الانتخابات، لا بد من توقع أشهر ساخنة جداً، من الآن حتى الانتخابات لا بد من توقع المزيد من التوترات. في هذا السياق تأتي استعادة ترامب لواقعة نيته اغتيال بشار الأسد، تتزامن مع كلام إسرائيلي أطلقه قائد المنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي ملمحاً إلى احتمال اغتيال أمين عام حزب الله حسن نصر الله.

 هنا تجدر الإشارة إلى انه لا بد لكلام دونالد ترامب من أن يؤخذ على محمل الجد، خاصة أن بوب وودوورد صاحب كتاب "غضب" المرتكز على عشر مقابلات مع دونالد ترامب، يروي في كتابه إن المحيطين بترامب نصحوه بعدم اغتيال قاسم سليماني، لكنه فعل ذلك، وتلك إشارة لا بد من التوقف عندها، وقد تفرض متغيرات عديدة، إذا ما استعاض الأميركي والإسرائيلي عن الحروب التقليدية، بمعارك من هذا النوع، تفرض متغيرات كبيرة في المجريات السياسية. وإن لم تكن عن طريق عمليات اغتيال، فعن طريق استمرار وتوسيع العمليات الأمنية والعسكرية.

=========================

موقفنا : بديلنا الاستراتيجي : الصبر على الجمر

زهير سالم

مركز الشرق العربي

23/ 9 / 2020

وسأختصر حتى يقرأ المستعجلون .

ويظل المحبطون واليائسون والملهفون ، كلما حذرناهم من مغبة طريق الاستسلام ، والتهاوي عند أقدام الروس والأمريكان بالنزول على كل عروض الإذعان ، يسألوننا : وما هو البديل ..؟؟؟؟؟؟؟

وهم يعلمون قبلنا ، أن الطريق التي قادوا الثورة والمعارضة إليها خلال عشر سنوات ، قد أوقعتها في مربع لا تحسد عليه ، وفي عثرة لا لعاً لعاثرها .

ونختصر الجواب حتى لا نضيع : واستراتيجيتنا البديلة هي المصابرة تحت أشجار الصبار ، الجمر في قبضاتنا وتحت أقداما . ا

خيارنا لصبر ، فالصبر وإن كان سلبيا يقطع على المتآمرين طريق تآمرهم . وعلى المتخاذلين طريق تخاذلهم ...ولا حل يمضي في سورية مادام في سورية رجال يتقنون قول : لا ..وإن كانوا قد جُردوا بفعل أعدائهم من الحول والطول ..ولن يجرد إنسان من إرادة !! فلتكن استراتيجيتنا القادمة في سر اللام ألف ، ونظل نضرب المتآمرين علينا ، والمزخرفين لنا بكلمة : لا ...

لا ..... لن نوقع على حكم إعدامنا ..

لا ..... لن نقبل بترقيعات دستورية ..

لا ... لسنا جزء من معارضة عدمية بلا طعم ولا لون ولا رائحة ..

لا ... والمحتلون في سورية أربعة روسي وصفوي وصهيوني وأمريكي مع من يتحالف معه وفقط ..

لا .... وسنظل صامدين تحت لوائها مهما امتد بنا الزمان ..

لا ... وعشنا تحت لوائها أربعين سنة ، ولتكن أخرى ولا نبالي ،

وكان زياد بن أبيه طاغية ويقول : يعجبني الرجل إذا سيم خطة خسف أن يقول لا بملء فيه ..

بديلنا : الرفض لألاعيبهم ولكم أيها المتلاعبون .. ونعم البديل .

___________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

هل يطبّع نظام دمشق؟ بأي ثمن؟

غازي دحمان

العربي الجديد

الاثنين 21/9/2020

يطرح صمت نظام الأسد عن اتفاقيات التطبيع بين الإمارات والبحرين مع إسرائيل سؤالا عن أسبابه، فيما طالما استغل هذا النظام مثل هذه المناسبات لإبراز مدى محافظته على الحقوق العربية، وتمسّكه بالنضال لتحرير فلسطين والأراضي العربية المحتلة، فأين ذهب صوتُه هذه المرّة، مع أنه ما زال يعيّر العالم بتنفيذ أجندة صهيو- أميركية، لإسقاطه في إطار مؤامرة كونية؟

معاداة إسرائيل مسألة وظيفية لنظام الأسد، لتحقيق جملة من الأغراض، يحتاج الأسدان (الأب والابن) تحقيقهما في الداخل السوري، وفي البيئتين، الإقليمية والدولية، مثل إضفاء الشرعية على نظامٍ لم يمتلك في أي يوم مشروعا واضح المعالم، فقد تأرجح بين عدة مشاريع، لينتهي، لأسبابٍ طائفية، إلى الانخراط ضمن مشروع إيران في المنطقة. وعلى الرغم من ذلك، ظل يناور، ولم يلتزم التزاماً كاملاً بهذا المشروع، إلا بعد أن أصبحت حاجته لإيران وأدواتها ضروريةً لبقائه في السلطة، في مقابل انعدام جميع الخيارات. 

ولكن ليس خافياً أن نظام الأسد لم يطق يوماً برنامج إيران، وتحديداً في شقّه المتعلق بمواجهة إسرائيل، لإدراكه التكاليف العالية التي يرتبها عليه الالتزام بهذا البرنامج، كما أنه يفضّل اتّباع تكتيكات في هذا المجال، تختلف عن أسلوب إيران، فقد اعتاد نظام الأسد على تشغيل وكلاء عنه، للحفاظ على صورته مقاوماً، ولم ينخرط يوماً في مقاومة مباشرة لإسرائيل، بل فضّل أدوارا من نوع ناقل أسلحةٍ إلى حزب الله، أو مستضيفا للمكاتب السياسية لحركات المقاومة الفلسطينية، حماس والجهاد الإسلامي. وفي هذه الحالات، كانت المخاطرة محسوبةً والتكاليف محتملة، وكانت ردّات الفعل الإسرائيلية محصورةً في عمليات اغتيالٍ لأعضاء هذه التنظيمات. وكانت إسرائيل تفضل هذا الدور لنظام الأسد، وشاع بين السياسيين والمثقفين أن حضن نظام الأسد يشكّل مقبرة للثوريين، فكل ناشط سياسي، أو مثقف، أو حركة مقاومة، يصاب بالإخصاء في دمشق، ويفقد فعاليته، وشيئاً فشيئاً يتحوّل إلى سائح في ربوع سورية وينسى قضيته الأساسية. ولذلك رفض مناضلون كثيرون الوقوع في الفخ السوري، على الرغم من قلة الخيارات والبدائل.

 

معاداة إسرائيل مسألة وظيفية لنظام الأسد، لتحقيق جملة من الأغراض، يحتاج الأسدان تحقيقهما في الداخل السوري، وفي البيئتين، الإقليمية والدولية

في مرحلة الثورة، وجد نظام الأسد نفسه في موقعٍ لم يرده. ولم يكن خافياً أن إيران استثمرت ضعفه، وحاجتها له، لتورّطه عنوة في مشروعها. ولكن تغيّرت وضعية نظام الأسد بعد تدخل روسيا، وسيطرتها على مساحة واسعة من سورية، والأهم زوال خطر سقوطه، وهي القضية الأساسية التي تشغله، وتشكّل المحدّد الأساسي لتحالفاته وتوجهاته وسياساته. وقد تراجعت أهمية تحالفه مع إيران إلى الحد الذي يستثمره موازنا للدور الروسي الذي يخاف من بيعه في أي بازارٍ يحقّق قدراً أكبر لمصالح الرئيس بوتين.

والمشكلة في نظر نظام الأسد أن الاعتماد على الحليف الروسي وحده غير كافٍ لدوام استمراره، خصوصا بعد نزع بوتين جميع أوراق القوّة من يد الأسد، عبر السيطرة على الاقتصاد السوري، واختراقه الأجهزة الأمنية والعسكرية، وتشكيل بدائل سياسية يمكن لروسيا، إذا ما أرادت تفعيلها، أن تصبح واجهات سياسية تحل مكان الأسد. بالإضافة إلى أن تأهيل الأسد عبر القنوات العادية بات مستحيلا، في ظل "قانون قيصر" والمحاكمات ضده في ألمانيا وفرنسا وهولندا، وأصبح في حاجةٍ إلى حدثٍ فوق عادي، ينقذه من هذا الوضع.

هنا ترتسم إسرائيل في الأفق مخلصاً محتملاً، إذ تستطيع، إذا ما حرّكت أدواتها المؤثرة في دوائر القرار في الولايات المتحدة وأوروبا، شطب أو تجميد فعالية كل هذه القوانين والقرارات والمحاكمات. وسبق أن فعلت ذلك، فبعد احتلال العراق، زار وزير الخارجية في إدارة بوش دمشق، وقدم للأسد شروطا عشرة لبقائه في الحكم. ولكن، وباعترافات من أجهزة المخابرات الإسرائيلية، ذهبت الوفود العسكرية والأمنية إلى واشنطن، وقالوا لهم بالحرف: أنتم سترحلون، لكننا باقون في الشرق الأوسط، وإزاحة نظام الأسد عن حكم سورية يعني أنكم تضعون صبرنا في خطر، فالبدائل غير مضمونة أبداً، ولن يستطيع نظام جديد في دمشق الحفاظ على أمن إسرائيل.

المسألة عند النظام ليست سوى نحت شعارات وتعميمها، مثل "سلام الشجعان" و"من أجل مستقبل الأجيال"، و"حاربنا بصلابة وندخل السلام بقناعة"

يعرف نظام الأسد هذه الحقائق، ويعرف أن المرحلة المقبلة مصيرية بالنسبة له، وهو في حاجةٍ لوسائد أمان لن تؤمنها له سوى إسرائيل، والتطبيع معها. في هذه الحالة، لن يكون من الصعب على نظام الأسد الانتقال إلى شعارات جديدة. المسألة ليست سوى نحت شعارات وتعميمها، مثل "سلام الشجعان" و"من أجل مستقبل الأجيال" و"حاربنا بصلابة وندخل السلام بقناعة"، وهكذا.

يعرف نظام الأسد أن الساحة الداخلية باردة، فلن يجد حزباً أو مراكز قوى تعارضه، فهذه وتلك كلها من صنع يديه. أما روسيا فسيسعدها هذا، لأنها ستضيف إلى أدوارها دورا جديدا في المنطقة، المساهمة في صناعة السلام، بعد أن ساهمت في "الحرب على الإرهاب". الإشكالية الوحيدة ربما إيران. ولكن علينا التنبه إلى أن الأسد يراقب ما يحصل في العراق جيداً، وبالتحديد إمكانية نجاح رئيس الحكومة، مصطفى الكاظمي، في إضعاف نفوذ إيران، وتجريد مليشياتها من السلاح. وفور نجاح هذا الأمر، لن يتردّد الأسد في الذهاب إلى السلام والتطبيع مع إسرائيل. وحتى لو لم ينجح الكاظمي، فإن الأسد سيفاضل مستقبله ومستقبل عائلته في الحكم على العلاقة مع إيران. ولكن هل تقبل إسرائيل منحه الجولان هدية له على مبادرته؟ الأرجح أن موضوع الجولان أصبح من الماضي، وإسرائيل لن تقبل سوى بمبدأ "السلام من أجل تأهيل نظام الأسد".

=========================

إحاطات "بيدرسن" بالميزان السوري

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 21/9/2020

مشهود للسيد "بيدرسن" بخبرته الدبلوماسية الرفيعة المعمَّقة؛ والتي مارسها بإتقان سابقا، ولاحقاً منذ تعيينه مبعوثاً دولياً للقضية السورية. في إحاطته لمجلس الأمن، منذ يومين، كان منسوب الدبلوماسية مرتفعاً بشكل ملحوظ.

حقيقة، نتفهم أسباب استخدام السيد "بيدرسن" للغة دبلوماسية طريّة تجلَّت باللجوء إلى صيغة المبني للمجهول، لإشاحة الطرف عن الفاعل، مركزاً على نتائج الفعل وأوصافه. فيقول/ في سوريا موت-ودمار-ونزوح-واعتقال-وتعذيب-وإهانة-وفقر..../ أما مَن قَتَلَ ودمَّر واقتلع وهجَّر وعذّب وأفقر، فلا ذكر له.

نقدّر للمبعوث الدولي مجرد ذكره للمعاناة السورية، واهتمامه بإبقاء القضية حيّة في ردهات المحفل الأممي؛ وخاصة استمرار ذكره للمعتقلين، وضرورة الإفراج عنهم؛ وهذه مسألة يُشكَر عليها.

ندرك في الوقت نفسه أنه ومَن يسمعه يعرفون الفاعل، ومَن تسبب بكل هذه المآسي. ونستوعب حرص الرجل على عدم تسمية الأمور أحياناً بمسمياتها، بغية جذب هذا الفاعل إلى العملية السياسية، وعدم توفير أية ذريعة له، كي يتملّص من العملية بحجة "افتراء" المبعوث الدولي عليها؛ فالقضية "سورية-سورية"!

يعرف السيد المبعوث أن المجلس الذي يخاطبه قد تمَّ أخذه رهينة، وأُوصِدَت أبوابه من قبل أحد الأعضاء تجاه أي قرار أو إجراء يدين الفاعل ويحق الحق لأناس يتحدث السيد بيدرسن عن معاناتهم، ويصفها بالرهيبة. وفي الوقت ذاته يلاطف حامل مفتاح المجلس بالتودد "لتعاونه" أبان زيارته الأخيرة إلى موسكو.

حتى لو التمسنا عذراً للمبعوث الدولي في عدم تسميته الأمور بمسمياتها، لسنا مضطرين أن نكون دبلوماسيين معه، بحيث لا نسمي الأمور بمسمياتها؛ فنحن فعلا حريصون على نجاحه. وهذا يدفعنا للقول إن مجرد انعقاد اللجنة بعد تسعة أشهر من الانقطاع ليس إنجازاً ليذكره في إحاطته؛ ولا المناقشات الإنشائية والمزايدات- حتى ولو كانت

كيف يريد السيد بيدرسن جولة رابعة وخامسة وسادسة، كما جاء في إحاطته، وهناك مَن لم يمنحه أو يوافق له حتى على انعقاد جلسة قادمة؟!

طرية وهادئة-يمكن تسميتها بالإنجاز؛ فهو ذاته يقول إن تلك النقاشات كانت موضوعية من حيث الشكل، ولكنها "من حيث المضمون كان هناك خلافات". فهل كان سيؤذي مهمته إيضاح سبب هذه الخلافات؟! وهل هو إخلال بالدبلوماسية، لو قال بأن هناك طرفاً لا يريد العملية السياسية، ولا يريد الانخراط بها، وليس حضوره إلا لتمرير الوقت وتضييعه؟!

كيف يريد السيد بيدرسن جولة رابعة وخامسة وسادسة، كما جاء في إحاطته، وهناك مَن لم يمنحه أو يوافق له حتى على انعقاد جلسة قادمة؟! كيف يكون دعم موسكو للعملية السياسية، عندما نسمع "لافروف" في دمشق يقول خلال زيارته لها إنه ليس هناك حد أو إطار زمني لانتهاء اللجنة من عملها؟ فهل لهذا استحقت روسيا الإشادة بجهودها في الاهتمام "بإنجاح" عمل اللجنة!!

لم يتحدث الرجل في إحاطته فقط عن عدم الاتفاق على جدول أعمال للجولة القادمة، ولا عن إمكانية حتى الاستمرار بمناقشة جدول الأعمال الهلامي ذاته، والذي تم "تلبيصه" في الجولة السابقة؛ بل وجد نفسه مضطراً للتذكير بالقواعد الإجرائية، والمعايير المرجعية لعمل اللجنة، لأنه حتى ذلك لا تتم مجرد مراعاته أو الالتزام به؛ وتحديداً من قبل وفد النظام الذي لا يزال يصر على تسمية نفسه "بالوفد الوطني".

اللافت في مداخلة المبعوث الدولي، كما في السابقات، تواصلاته بدول كثيرة شاكراً مقاماتهم العالية وأدوارهم المهمة، مناشدا إياهم الوقوف إلى جانب جهوده: الأميركيون، الروس، دول أستانا، دول المجموعة المصغرة. يظهر ذلك فعلياً درجة تعقيد مهمة الرجل؛ ولكن لا ندري إن كان الأمر يستلزم رضى كل هؤلاء وتنفيذ مصالحهم، أم قيامه بمهمته المحددة والمتمثلة بإنقاذ بلد وشعبه من الظلم والدمار والتشريد والمرض والعوز والذل، الذي تحدث عنه في إحاطته!!

لقد كان ربع تلك الإحاطة عن فيروس كورونا، وضرورة دعم السوريين لمواجهة هذه الجائحة الرهيبة. لعلم السيد بيدرسن -الذي يحرص أن يكون دبلوماسياً جداً عند مجرد ذكر نظام الأسد- أن هذا النظام يستغل هذه المصيبة في ممارسة المزيد من الاستبداد والاضطهاد والإذلال عبر استغلال السوريين وسرقتهم وحتى الخلاص منهم. لا ندري إذا كان قد وقع على مسامع السيد بيدرسن أن النظام يبتز السوري بمئة دولار لفحص كورونا، وكي يتمكن من دخول بلده.

في إحاطته الأخيرة- وكما في السابقات- يشير المبعوث الدولي إلى فشل الحل العسكري، ويؤكد أن الحل السياسي هو الوحيد الذي يعيد وحدة سوريا وسلامتها وسيادتها أرضاً وشعباً واقتصاداً وعودةً للحياة؛ ولكن في الوقت نفسه يرى ضرورة وجود عملية سياسية "أكثر جدوى" مذكراً بضرورة التطبيق الكامل للقرار الدولي 2254. وهنا حقيقة نريد تفسيراً لعملية سياسية "أكثر جدوى".

إذا كان نظام الاستبداد- الذي يعامله السيد بيدرسن بكثير من الدبلوماسية- يفعل كل ما يفعل تجاه العملية السياسية، بنية إيصاله إلى حالة إحباط تنهي العملية، ويرتاح؛ على المبعوث أن يسمي الأمور بمسمياتها، ويضع المجلس أمام مسؤولياته؛ فقرارات هذا المجلس ومصداقيته أضحتا على المحك.

من جانبهم، السوريون، الذين يريدون استعادة بلدهم، يقولون للعالم وللمجلس الذي يخاطبه السيد المبعوث-وبدون دبلوماسية- إن هذه القرارات من صناعتهم، وتحمل توقيعهم، وتعكس مصداقيتهم أو ضياعها؛ فإما أن يأخذ السوريون حقوقهم في الحرية والديمقراطية والخلاص من الاستبداد، أو أن يعلنوا بأنهم يريدون تصفية حساباتهم، ويحققون مصالحهم دون اكتراث بالمأساة التي يتحدثون عنها، وبذا يتصرفون كعصابات لا كقادة للعالم. وعندها عليهم تحمل تبعات عالم مليء بالفوضى، يحكمه قانون القوة لا قوة القانون تاركين للعصابات الحاكمة المارقة أن تفعل بشعوبها ما تشاء.

أخيراً، لا بد من أن نستذكر ونتذكّر السيد "ديمستورا" المبعوث السابق لسوريا، والذي خرج من المهمة ذاتها، وهو يعرف بداخله الفاعل المجرم؛ ولكنه لم يمتلك الجرأة الأخلاقية ليبوح بذلك، حاملاً بعنقه جزءاً من المأساة السورية. ببساطة، لا نريد لذلك أن يتكرر؛ لقد هرمنا وتعبنا جداً.

=========================

ماذا تحمل مرحلة حرق الجسور الجغرافية – السياسية؟

راغدة درغام

النهار العربي

الاحد 20/9/2020

تعتقد القيادات الإيرانية أن إحراج الرئيس الأميركي دونالد ترامب عبر سلسلة انتقامات أو استفزازات سيكون في غير صالح إعادة انتخابه، وأنه سيضطر الى طأطأة الرأس خضوعاً لأنه لا يريد المجازفة قبل 3 تشرين الثاني (نوفمبر)، موعد الانتخابات. الحسابات الإيرانية خاطئة وكذلك قراءة "الحرس الثوري" للمواقف الأميركية - والأوروبية أيضاً - في حال أطلق العمليات التي يتدارسها أما ليعبِّر عن الغضب العارم من اتفاقية السلام بين دولة الإمارات والبحرين وإسرائيل التي رعاها الرئيس الأميركي، أو ليثبّت قبضته القاضية على لبنان.

 القمة الأوروبية المقبلة في 24 و25 الشهر الجاري قد تشهد بعض المدّ والجزر في شأن الاتفاقية النووية مع إيران، لكن القيادات الأوروبية ليست جاهزة لتبنّي التهوّر الإيراني أو لتدمِّر العلاقات مع الولايات المتحدة إكراماً لعيون "الحرس الثوري". فالأولويات الأوروبية تصبُّ في التحديات الكبيرة التي تواجه علاقاتها مع روسيا والصين وتركيا. صحيح ان هناك مخاوف من انتقامات إيرانية، لكن هناك أيضاً إدراكاً لجدوى سلاح العقوبات الذي بدأت الدول الأوروبية باعتماده كجزء من استراتيجيّاتها بالذات نحو روسيا والصين كما استخدمته إدارة ترامب وتنوي مضاعفته في وجه إيران والدول التي تنوي بيعها السلاح بتاريخ 18 تشرين الأول (أكتوبر) بعدما تُعطّل روسيا والصين في مجلس الأمن الدولي الجهود الأميركية لمنع تسليح إيران.

فالمحور الصيني - الروسي - الإيراني سيتلقّى عقوبات أميركية ثلاثية ضخمة. روسيا خائفة من عقوبات أوروبية ضدها تتصدّرها ألمانيا الشريك التقليدي الأهم لموسكو - وذلك بسبب استنتاج ألمانيا أن المعارض الكسي نافالني تم تسميمه عمداً. الصين قلقة من تداعيات رزمة العقوبات الأميركية على اقتصادها وشركاتها وتخشى مواقف أوروبية مماثلة آتية. وفي خضمّ كل هذا، تفيد المعلومات بأن هناك خطّة لشن حرب الكترونية عبر قراصنة Hackers من الصين وإيران بدعم من خبراء قرصنة من كوريا الشمالية وذلك في شهر تشرين الأول (أكتوبر) المقبل قبيل الانتخابات الرئاسية الأميركية بهدف ثلاثي هو: الحاق الهزيمة بدونالد ترامب أوّلاً، خلق الفوضى في العملية الانتخابية ثانياً، وثالثاً، التحريض على نزاع جديد خطير بين الديموقراطيين والجمهوريين عنوانه الأساسي هو إضعاف الولايات المتحدة. لكل هذا تداعيات مرحليّة وبعيدة المدى على مختلف بقع العالم - والشرق الأوسط في مقدّمها بفضل المشاركة الإيرانية في مشروع القرصنة كما في مشاريعها الإقليمية.

 بعض الدول الأوروبية يودّ التحرّك في القمة الأوروبية المقبلة لاستصدار قرار يدعم مجدّداً الاتفاقية النووية مع إيران JCPOA كوسيلة من وسائل امتصاص الانتقام والغضب الإيراني المتوقّع لدى إطلاع طهران على حجم العقوبات الأميركية الآتية بعد 18 تشرين الأول (أكتوبر). وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو لمّح الى امكانية العودة الى مجلس الأمن قبيل ذلك التاريخ - تاريخ نفاذ القرار الذي أرادت واشنطن تمديده والقاضي بالمضي بمنع تسليح إيران - حتى وإن كان التحرك الأميركي سيلاقي الفيتو الروسي والصيني. الهدف من ذلك هو إظهار سوء المواقف الروسية والصينية أمام الرأي العام الأميركي والأوروبي بما يعطي العقوبات الأميركية المقبلة صفةً مميّزة وقويّة تبيّن دعم موسكو وبكين للمغامرات الإيرانية النووية والصاروخية والإقليمية.

هذه العقوبات "ستُغلق كل ثغرة" تتمكّن من خلالها الجمهورية الإسلامية الإيرانية ووكلائها من التملّص من العقوبات، قالت مصادر مطّلعة وصفت العقوبات بأنها عبارة عن "قطع تام لصلة إيران" بالعالم. 

الولايات المتحدة تُدرك أن الاستراتيجية البعيدة المدى نحو العلاقة الصينية - الإيرانية لم يحن بعدها اليوم. الآن، إن الأولويّة القاطعة هي للعقوبات. الهدف مستقبلاً سيكون وضع استراتيجية لفصل الصين عن إيران أو إيران عن الصين. هذه رؤية لاحقاً. اليوم هو يوم التكبيل التام لإيران وشركائها بحزمة عقوبات لا مثيل لها.

 المشهد الانتخابي الأميركي يفيد بأن إيران ستكون الهدف الأول قُبيل الانتخابات بأسبوعين وقد تصبح الخبر الأكبر. سيكون مفيداً لإدارة ترامب أن تفشل في إقناع الصين وروسيا، بل وأوروبا المتردّدة بدعم منع مجلس الأمن لإيران من التسلّح بينما هي تتحدّى القيود على ترسانتها، وتوفّر السلاح الى "حزب الله" و"حماس"، وتُخوِّن الدول العربية التي توصّلت الى اتفاقية سلام مع إسرائيل، وتتوعّد بالانتقام منها.

 كل هذا يشكّل ذخيرة انتخابية لدى فريق ترامب علماً أن هناك شبه اجماع أميركي على عدم الموافقة على فتح الباب أمام تسليح إيران، وأن تحميل الصين وروسيا المسؤولية مادّة قويّة ومفيدة، إضافة الى وضع أوروبا في موقف صعب جداً وهي تترنّح بين التمسك بالاتفاقية النووية وبين عدم استعدادها لدخول معركة مع الولايات المتحدة من أجل إيران.

 فريق ترامب واثق من أن إيران العدو الرقم واحد واثنين – الصين وإيران – في المناظرة مع المرشّح الديموقراطي جو بايدن، اضافة الى إنجاز اتفاقية السلام الخليجية - الإسرائيلية والى انتقاد الأداء الروسي، كلها ذخيرة ثمينة تُدمِّر بايدن لا سيّما في مناظرة وجهاً لوجه، يصرّ عليها ترامب، بحسب تقويم فريقه. فالصوت اليهودي مهم لأن إسرائيل مسألة محلية، والخوف من الصين الشيوعية عارم أميركياً، ولا يوجد تعاطف مع إيران اليوم كما كان الحال في زمن باراك أوباما لا سيّما إذا صعّدت طهران كما يتمنى "الحرس الثوري".

أحد المصادر نقل عن أجواء "الحرس الثوري" أن اتفاقية السلام بين الإمارات وإسرائيل "صدمت" shocked القيادات الإيرانية أوّلاً لأنها لم تتوقّعها وثانياً لأن ردود الفعل العربية والإسلامية عليها تميّزت بالتقبّل لها، بل بالترحيب، بدلاً من فورة الشارع التي تراهن عليها السياسة الإيرانية. وهكذا خسرت الجمهورية الإسلامية الإيرانية في العمق الاستراتيجي لسياساتها التي تعتمد على تخوين العرب في المعادلة مع إسرائيل وتحريض الشارع العربي تحت غطاء "المقاومة". بقي لها "حزب الله" في لبنان و"حماس" في غزة ولذلك تفضَّل زعيم "حماس" اسماعيل هنيّة الى بيروت بدعوة من "حزب الله"، إنما ليس هناك قاعدة شعبية – لا إيرانية ولا عربية – وراء استخدام إيران لفلسطين خدمةً لغاياتها في اطار تهادنيتها التقليدية مع إسرائيل.

 لن يكون القرار الإيراني سهلاً من الآن حتى الانتخابات الأميركية. جزء من القيادات يدعو الى التعقّل كي لا تُسيء إيران الحسابات، وجزء آخر يدفع الى المواجهة ويرى أن من المستحيل عدم الرد على اتفاقيَّتي السلام مع إسرائيل. وبحسب المصادر، سيُعقَد اجتماع مهم اليوم (الأحد) في طهران لبحث الإجراءات المتاحة للرد على اتفاقيَّتي السلام الإماراتية والبحرينية – والعين على الانتخابات الأميركية.

يفترض البعض في طهران أن جو بايدن سيُهرول الى إحياء الاتفاقية النووية JCPOA والى إنقاذ إيران من العقوبات. هذا البعض لا يفهم السياسة الأميركية، ذلك أن جو بايدن لن يتمكن - والأرجح انه لن يريد - من التغيير التلقائي في السياسات التي اعتمدها دونالد ترامب لا سيما أن جزءاً منها بات في خانة القوانين الأميركية. الصين وإيران تعتقدان أن إسقاط ترامب في الانتخابات سيؤدّي الى احتضان وعناق بايدن لهما تقديراً لخدماتهما، إنما هذا افتراض فيه سذاجة لأن الأرجح أن يستمر بايدن بسياسات ترامب بدلاً من إحياء سياسات أوباما ولن يتسرّع الى الثقة إما بالصين أو بإيران.

أوروبا أيضاً تراقب عن كثب الانتخابات الأميركية وهي منقسمة بين معسكر يفضّل ترامب وآخر بايدن وبين طرف يصرّ على التمسّك بالاتفاقية النووية JCPOA وآخر يُعرب عن طفح الكيل مع إيران ومغامراتها السورية وإصرارها على قطع الطريق أمام تعافي العراق ولبنان. لذلك أنّ أوروبا اليوم مضطرّة أن تواجه نفسها أثناء القمة المقبلة لا سيما أن هذه من أهم قممها على الإطلاق لجهة العلاقات الأوروبية – الروسية التي تُقلق موسكو كثيراً، وليس فقط الصين وتركيا وليبيا وإيران.

 الروس يسمّون هذه القمة برئاسة المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل التي أعطت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فرصة الاعتراف بالتسمّم وإلا العقوبات وتعليق مشاريع ضخمة على نسق أنابيب نورد ستريم للغاز، يسمونها "قمة حرق الجسور" Burning Bridges Summit. بوتين غاضب من ميركل ويرفض الاتصال بها (حتى الآن) لأنها زجّته في زاوية مستحيلة، وهو أيضاً مستاء من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ومن إلغاء مشاورات 2الاحد 20/9/20202 التي تُقام بين البلدين على مستوى وزيرَي الخارجية والدفاع. بوتين كان يعتمد على ماكرون – بالرغم من تصنيف روسيا لفرنسا في خانة "اللاعب الثانوي" – مفترضاً أنه لن يواجهه في مسألة الكسي نافالني، لكنه فعل، فسخط بوتين إنما مشكلته الكبرى تبقى ألمانيا ووزنها ونفوذها في القمة الأوروبية المقبلة.

المتوقع أثناء هذه القمّة ان تُبادر أوروبا الى فرض عقوبات على روسيا، تتبعها في ذلك الولايات المتحدة، وهذا تطوّر فائق الخطورة على روسيا ينطوي على تحوّل جذري في المعادلات الجغرافية – السياسية. من المتوقّع أيضاً بحث القمة في عقوبات على تركيا، استمرار التوتر والعقوبات مع الصين، وفرض عقوبات شخصية على بيلوروسيا.

 مشكلة الكرملين هي في اللكمة الجغرافية – السياسية للهيبة الروسية، وانحراف العلاقات مع ألمانيا، والقلق من اضطرار إدارة ترامب الى الالتحاق بقطار العقوبات الأوروبية.

مشكلة إيران أن القمة الأوروبية لن تلبّيها كما تريد مهما تخوّفت أوروبا من أن تؤدّي العقوبات المتزايدة على إيران وعزلها كاملاً الى انتقامات إيرانية مباشرة في الخليج وعبر أدواتها ضد إسرائيل وفي عمليات تخريبية في أوروبا.

فأوروبا تراقب أفعال إيران في لبنان، كمثال، وهي تترقّب ما ستسفر عنه المبادرة الفرنسية، وهكذا قد تبحث القمّة الأوروبية ملف لبنان وتتخذ إجراءات ليست مُدرجة الآن على جدول أعمالها. فلقد فضحت الطبقة السياسية المُتحكّمة بلبنان نفسها أكثر فأكثر وباتت عارية أخلاقياً في نظر القيادات العالمية كلها.

 أثناء الحلقة الافتراضية الأولى من الموسم الثاني لقمة بيروت انستيتوت في أبو ظبي والتي تم تكريسها تحية لبيروت بعد كارثة تفجير مرفأها،

(https://m.youtube.com/watch?t=129s&v=S9lGWLdVLZw)

أجمع ضيوف الحلقة على أن فساد الحكم فيه هو مصدر انهياره. المفوّضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، ميشيل باشيليت دعت الى وضع حقوق الإنسان "في قلب الاستجابة القصيرة المدى والتعافي الطويل المدى" للبنان، والى "مؤسسية لمعالجة مظالم الشعب".

رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر بيتر ماورير حمَّل مسؤولية تفاقم الوضع الى "الضعف البُنيوي في الحكم الرشيد" والى "الإهمال الاستراتيجي للبنان والشعب اللبناني"، مع التركيز على "ديناميكية النزاعات في الدول المجاورة... وليس في وطأتها على لبنان". البارونيس فاليري آموس، رئيسة الكلية في جامعة أوكسفورد تحدّثت عن مساهمة "الإيديولوجية" واستفحال "عدم الكفاءة" في تدهور لبنان وتخوّفت من أن وضع "لبنان قد يزداد سوءاً قبل أن يتعافى". أما فريد بلحاج نائب الرئيس لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في البنك الدولي فإنه أكد أنه "لم تكن هناك رغبة كافية من جانب الحكومة للتوصّل الى اتفاق مع صندوق النقد الدولي" ووصف لبنان بأنه يعاني من أزمة "ذاتية" حيث "لا توجد حكومة ولا توجد مساءلة".

 =========================

إدلب ومغامرات روسية جديدة

فاطمة ياسين

العربي الجديد

الاحد 20/9/2020 

تدرك روسيا أن فتح جبهة مواجهة مرة أخرى في إدلب أمر صعب في المدى المنظور، وذلك بعد أن خاضت الأطراف عدة مواجهات قصيرة ومحدودة، حقّقت قوات النظام فيها بعض التقدم، وصولا إلى لحظة الاتفاق حول طريقي دمشق حلب وحلب اللاذقية، الذي قاد إلى عدة تفاهمات بشأن المنطقة، رسخت وضعية مستقرّة إلى حد ما، ثم ظهرت متغيراتٌ في ملفات ليبيا وشرق المتوسط، تتداخل فيها كل من روسيا وتركيا بأكثر من شكل، ما يجعل لخرق الاتفاقيات المبرمة بخصوص إدلب تأثيراً على ملفات أخرى. ويزيد من صعوبة التقدّم الروسي التصريحُ الأميركي الذي قال إنه سيقف إلى جانب تركيا في أي مواجهة مقبلة. تترك هذه الوضعية السياسية العسكرية المعقدة ملف إدلب في حالة مراوحة، وقد تكرّس هذا مع عدم الحاجة الفعلية إلى طريقي M4 وM5 اللذين جرى، في السابق، التنازع حولهما، لعدم وجود سلع يمكن أن تنتقل عبرهما، فسكَنَ الإسفلتُ مع خواء الأسواق الذي تعكسه الطوابير الطويلة عند منافذ بيع أي سلعة. كانت ظروف التجمد هذه مثاليةً لتستنزف الأطراف بعضها بعضا، من دون أن تقوم بشكل فعلي بنقض ما تم التفاهم حوله، مع طموح روسي لمعاودة التقدّم ظهرت بوادره قبل فترة، بتكرار قصف النظام مناطق ريف إدلب، وأيضا مع أخبار زرع عبوات ناسفة على الطرق التي تعتمدها القوات التركية، فقبل أيام انفجرت إحدى هذه العبوات في سيارةٍ تحمل مترجما لصالح القوات الجوية التركية، وتم تفكيك أخرى، قبل أن تنفجر في نقطة تفتيش للجيش التركي في حي الأشرفية في حلب، وفُجرت شاحنةٌ مفخخةٌ قرب مسجد فاطمة الزهراء، وانفجرت واحدةٌ في إحدى نقاط التفتيش التي يعتمدها الجيش التركي للمراقبة والسيطرة، ومن الصعب استبعاد الأصابع الروسية عن هذه العمليات، إن لم يكن بشكل مباشر فعن طريق عملاء رسميين.

استعاد وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، نغمة تخليص إدلب من الإرهابيين، في تصريح بدا جزءا من سلسلة التفجيرات ذاتها التي استهدفت القوات التركية، فحتى مع احتمال أنه ليس ثمة يد لروسيا في تلك التفجيرات، وإنما يتم استثمارها واختيار توقيت متزامن معها، لبدء حملة سياسية توّجها لافروف بالدعوة إلى تنفيذ اتفاقياتٍ عُقدت سابقا مع تركيا، لوضع حد للإرهابيين في إدلب، ودعمت تصريحات لافروف مواكبة عسكرية بقصف جوي نفذه طيران النظام على أطراف الريف الجنوبي لإدلب، على الرغم من أن البند الرئيسي في اتفاق مارس/ آذار بين تركيا وروسيا يصر على وقف التصعيد العسكري. يرغب النظام، وروسيا بالطبع، أن تزيل تركيا نقاط التفتيش المنتشرة حول إدلب، وقد جعلت التطوّرات العسكرية أخيرا هذه النقاط مواقع متقدمة للجيش التركي، يمكن أن تشكل عوائق تزعج تحرّكات النظام والروس، وتركيا ترفض تحريك هذه النقاط التي وُجدت بعد تفاهماتٍ ضمن اتفاق وقف العنف.

تشعر روسيا بأنها تمسك بأكثر أوراق الملف السوري، ولديها الكلمة العليا، لتقرّر ما يمكن أن يستقر عليه الحال، وهي تعتقد، في الوقت نفسه، أن تركيا أصبحت في موقفٍ أضعف سياسياً، بعد إتمام اتفاقيات التطبيع العربية مع إسرائيل التي عارضتها وحذّرت منها تركيا، إلى جانب موقف تركيا شرق المتوسط الذي بدأ يستنفر قوى إقليمية ضدها، كمصر واليونان وفرنسا، وتريد روسيا أن تستثمر في هذه الملفات، لتربح مزيدا من الأراضي في سورية، وهي تعتقد أن الوقت ملائم جدا لذلك، ولكن طريقها لا يبدو مفروشا بالورود، بعد أن فشل الإجتماع الذي عقد بين عسكريين روس وأتراك، وألمح بعده وزير الخارجية التركي بوجوب تثبيت وقف إطلاق النار، تحت مخاطر إنهاء الاتفاقيات الأمنية، وتم إدخال تعزيزات تركية إلى سورية، في سياق تسجيل اعتراض في وجه الروس على استمرار الوضع القلق، وإذا لم تفهم روسيا هذه الإشارات، فإنها تعيد إدخال المنطقة في مغامراتها.

=========================

الغاز ومناورات روسية متوسطية

سلام الكواكبي

العربي الجديد

الاحد 20/9/2020

تحدّث الإعلام الغربي، بشكل مكثّف، عن عزم البحرية الروسية إجراء مناوراتٍ مشتركةٍ مع نظيرتها التركية شرقي البحر الأبيض المتوسط، في النصف الثاني من شهر سبتمبر/ أيلول الجاري، استناداً إلى إعلان تركيا عن قيام المناورات الروسية. وقد سعى الغربيون في ذلك إلى الإشارة إلى عزم تركيا، وهي العضو في حلف شمال الأطلسي، للتحالف مع "أعداء" هذا الحلف من الروس، لإظهار عضلات المواجهة مع من تعتبرهم قوى معاديةً لمصالحها في هذه المنطقة الحساسة والمقابلة لشواطئها، وفي مقدمتهم فرنسا. وقد سبق للبحرية التركية أن أجرت مناورات محدودة مع إحدى قطع الأسطول السادس الأميركي منذ أسابيع. كما استعرضت فرنسا، في المقابل، عضلاتها البحرية من خلال مناورات مشتركة مع حلفائها اليونانيين والقبرصيين والمصريين والإماراتيين (...). وقد نفت تركيا رسمياً، عبر وكالة الأناضول، مشاركتها روسيا في مناوراتٍ بحرية. وقد تأكد فعلاً بعد ذلك أن الروس يستعدّون لهذه المناورات من طرف واحد، بما أن وطأت أقدامهم المتوسط عبر وجودهم المهيمن عسكريا وسياسيا واقتصاديا في سورية.رغبة روسيةً في المشاركة في تصعيد التوتر في المنطقة المختزنة بالغاز الطبيعي، والذي يعتبر استخراجه واستثماره من أهم أسباب التوتر بين تركيا واليونان

الروس إذاً يُجرون تمريناتٍ بحريةً في شرق المتوسط، مستعرضين قوتهم البحرية المحدودة، والتي تعاني من نقص كبير في المعدّات الحديثة، كما تجمع عليه كل المطبوعات المتخصصة بشؤون السلاح والتسلح. على الرغم من هذا، فاستعراض القوة الروسي طبيعي أن يتم في مرحلةٍ صارت فيها موسكو "قوة متوسطية" حقيقية، عبر قواعد ثابتة في سورية، وتسهيلات لوجستية كما في قبرص ومصر. وتحمل هذه المناورات رغبةً روسيةً في المشاركة في تصعيد التوتر في هذه المنطقة المختزنة بالغاز الطبيعي، والذي يعتبر استخراجه واستثماره من أهم أسباب التوتر القائم بين تركيا واليونان منذ أشهر. مساهمة موسكو في تصعيد التوتر تؤخّر برأيها عملية وصول هذا الغاز المحتملة إلى الأسواق، وتُبقي على الهيمنة الروسية على الأسواق الأوروبية على الأقل، والتي تعتبر روسيا مصدراً أساسياً لها، حيث تستورد أوروبا أكثر من نصف احتياجاتها من الغاز من روسيا.

في عام 2016، وبعد أزمة القرم، ووضوح التبعية الأوروبية المُعيقة للغاز الروسي، قدّم الاتحاد الأوروبي حزمة تشريعية أولى عن "الأمن في مجال الطاقة"، مفترضا منها تعزيز استقلالية أوروبا في مجال الطاقة، كما تسعى إلى تعزيز التعاون البيني بين دول الاتحاد في هذا الاتجاه. وتحتوي هذه الحزمة على إجراءات مقترحة، أهمها تعزيز الاعتماد على الغاز المسيل الذي يسهل نقله، على الرغم من كلفته العالية، والذي يُعتبر أقل تلويثاً من الغاز الطبيعي. كما نصت الحزمة على وجوب أن تعمد الدولة العضو إلى إشراك مؤسسات الاتحاد في أية مفاوضات ثنائية لاستيراد الطاقة، كما يفرض تصويتاً من البرلمان الأوروبي على الاتفاقيات المرتبطة. وهذا يفسح المجال أمام مؤسسات الاتحاد أن تلعب ورقة ضغط نسبية في المفاوضات، خصوصاً مع روسيا، المصدر الرئيسي لدول الاتحاد حتى إشعار آخر، يبدو أنه متأخر.

تسعى شركة غازبروم، المهيمنة على قطاع الطاقة في روسيا، إلى توسيع إمكانات التصدير، عبر مد أنبوب جديد تحت بحر البلطيق

توصل روسيا اليوم غازها عبر شبكة أنابيب إلى أوروبا وتركيا، فهناك الأنبوب الشمالي القادم مباشرة إلى ألمانيا، كما أنبوبان يعبران روسيا البيضاء وبولندا لتغذية أوروبا الوسطى وأوروبا الشرقية. ويضاف إلى ما سبق أربعة أنابيب تعبر أوكرانيا، إضافة إلى أنبوب يصل إلى تركيا، وآخر يزوّد فنلندا مباشرة، وأنبوب أخير لتزويد دول البلطيق الثلاث بشكل مباشر أيضاً. وتسعى شركة غازبروم، المهيمنة على قطاع الطاقة في روسيا، إلى توسيع إمكانات التصدير، عبر مد أنبوب جديد تحت بحر البلطيق، يتحاشى المرور عبر أوكرانيا التي تشهد علاقتها مع روسيا توترا متراكما. وتسعى روسيا بذلك إلى تخفيف الاعتماد، إلى أقل درجة، على العبور في الأراضي الأوكرانية.

وكان الأنبوب المُنتظر روسياً، والمُرحّب به ألمانياً، العابر لبحر البلطيق، سيدخل حيز التشغيل في شهر يناير/كانون الثاني الماضي، إلا أن العقوبات التي فرضت على روسيا، بسبب ضمّها غير الشرعي لشبه جزيرة القرم الأوكرانية سنة 2014، أحدثت تأخيراً مهماً في إنجازه المعتمد على تقنيات وشركات غربية. وعلى الرغم من هذا التأخير، فإن روسيا مطمئنة إلى أمرين، يتعلق الأول باستمرار التبعية الأوروبية لها في مجال مصادر الطاقة، والثاني يتعلق بإمكانية إنهاء العمل، عاجلاً أم آجلاً، في الأنبوب الجديد.

الغاز سيستمر في التدفق إلى أوروبا، ولن تنفع التهديدات الأوروبية المحدودة وغير المزودة بأدوات فاعلة

على الرغم من التوتر السياسي بين روسيا ودول الإتحاد الأوروبي، أخيرا، إثر اتهام ألمانيا الصريح موسكو بمحاولة قتل المعارض، ألكسي نافالني، وهو يعالج في برلين حالياً، إلا أن الغاز سيستمر في التدفق إلى أوروبا، ولن تنفع التهديدات الأوروبية المحدودة وغير المزودة بأدوات فاعلة. هذا الأنبوب استراتيجي للروس، لأنه سيؤمّن هيمنتهم الكاملة على سوق الطاقة في أوروبا، في ظل عجز السياسات الأوروبية عن الاستقلال في هذا الملف. وهو سيساعد على الالتفاف حول أوكرانيا وعدم الخَضوع لتوتر العلاقات بين موسكو وكييف. من جهتها، تعتبر ألمانيا المستفيد الأكبر من الأنبوب الجديد. لذلك هي تتجاوز مسألة المعارض الروسي بواقعية قصوى، وتحصر الأمر في الجانب الاقتصادي الاستراتيجي.

وفي غياب موقف أوروبي موحد تجاه روسيا، يُشعرها بوجود ضغط حقيقي، لكي تتراجع عن التأثير سلباً في محيطها عموماً، وفي منطقة المتوسط خصوصاً، كما في ظل فقدان مؤسسات الاتحاد الأوروبي آليات تساعد الأعضاء على التخلص من التبعية لروسيا في مجال الطاقة، فأي حديثٍ عن خلافات مع روسيا لن يتجاوز التلميحات والرسائل غير المباشرة التي تعوّد الطرفان على تبادلها منذ ما قبل نهاية الحرب الباردة.

=========================

هل تنتقل المعارضة السورية إلى مرحلة المأسسة؟

محمد ياسين نجار

سوريا تي في

السبت 19/9/2020

كانت سوريا حتى انقلاب 8 آذار 1963 دولة تمتلك شعباً مسيساً بكل ألوان الطيف من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، من المدارس إلى الجامعات والنقابات، فلاحين وعمال، تجار وصناعيين.

حرص حزب البعث لاحقاً على تجفيف العمل السياسي وتحويل عملية الانتماء إلى الأحزاب إلى عملية انتهازية ووقائية من شرور وعسف المنظومة الأمنية.

خلال دراستي الجامعية كنت استغرب انتماء بعض الطلاب إلى حزب البعث صاحب الحق الحصري في العمل الحزبي على مستوى الطلبة رغم مخالفته لأفكارهم وآرائهم، كانوا يهمسون لي بسبب عامل الثقة عن أسباب انضمامهم للبعث من رغبتهم لعلامات إضافية في الشهادة الثانوية إلى مزايا التوظيف وبعض المناصب في سلك الدولة، إلا أن الأكثر غرابة هو وقاية أنفسهم من التقارير الكيدية فيما بين العائلات التي كانت تشجع عليها الأجهزة الأمنية لبث الفرقة فيما بينهم خاصة في الأرياف.

هذا المناخ السائد خلال حكم عائلة الأسد جعل المنظومة السياسية معطلة وفي حالة موت سريري؛ فالأحزاب تم حصرها بجبهة وطنية تقدمية استخدمها النظام كمظلة شكلية للحكم، والسلطات الأربعة جعلها خلبية وأفرغها من محتواها لتكريس سلطة عائلة الأسد وبسط سيطرته عليهم.

أتت ثورة الاتصالات والنقل الفضائي ومواقع التواصل الاجتماعي في بداية القرن الحادي والعشرين لتنقل للمجتمع السوري قضايا كان مسكوتاً عنها أو يتم تناقلها ضمن جدران ضيقة خشية المحاسبة الأمنية، فانتشرت أمثالاً شعبية معبرة مثل "للجدران آذان، أمشي الحيط الحيط وقول ياربي السترة" حتى كانت بعض المسلسلات ترسخ تلك المفاهيم مثل مرايا لياسر العظمة وبقعة ضوء ومسرحيات الماغوط الشهيرة التي أفرغها دريد لحام من محتواها وحولها إلى مجرد حالة تنفيس.

جاء الربيع العربي وانتفضت الشعوب المقموعة وحققت بعض الشعوب العربية انتصارات سريعة في تونس وليبيا ومصر مما شجع السوريين على الثورة التي كانت تمتلك كل مقوماتها، وأعطتهم شعوراً بإمكانية التخلص القريب من نظام الأسد مما صرفهم عن عملية تنظيم أنفسهم ضمن إطارات سياسية تناسب توجهاتهم وانتماءاتهم.

اجتهد بعض المنظرين والثوريين بأن عملية التحزب سوف تحدث شرخاً بين الشعب يمكن أن يستغله النظام وحلفاؤه؛ هذا بالإضافة إلى تقاعس بعض القادة عن المأسسة التي تحتاج إلى جهد ليس بالقليل؛ فكرياً وإدارياً واستقطاب الكفاءات وإيجاد روح تُفعلها والتشاركية في صناعة القرار.

إنّ بناء مؤسسات المعارضة بعيداً عن الأحزاب والنقابات المهنية والطلابية ومنظمات المجتمع المدني؛ استغله المبعوث الدولي السابق دي ميستورا في تشتيت العملية التفاوضية عبر منصات ومشاركات وهمية، أعطت هذه البنية الهشة بعض الشخصيات شعوراً مبالغاً بالقوة وأنهم فوق الانتماء السياسي؛ فهم آباء التيارات المحافظة واليسارية والليبرالية والعلمانية والإسلامية رغم عدم وجود مؤسسات تمنحهم الشرعية وتسحبها منهم خاصة أن العملية الانتخابية معطلة خلال الثورة.

إنّ توفر البيئة الحزبية التي تساهم برسم الحل السياسي الوطني ليس بالضرورة أن تكون عاملاً سلبيا؛ فالدول الديموقراطية تتوقف عن الاستقطاب الحزبي والمناكفات البينية أثناء الحروب والأزمات وتتفرغ للتحشيد ضد الخطر الداهم من خلال التوافق على ثوابت وطنية.

ليس هناك خلاف بين كل المحللين السياسيين والاجتماعيين أن الكوادر الشابة هي عماد التغيير وأن عملية جذبها للانخراط في المشروع الوطني ضمن كيانات سياسية هي كلمة السر لإحداث التغيير ونجاح الأوطان والأمم ضمن بنية متكاملة تضم هيكلية واضحة ونظام داخلي معروف للجميع يحاسب بمقتضاه القادة وتمنع من رسم هالة موهومة عنهم.

إنّ الشعب السوري لم يثر لوضع أفراد في سدة الحكم عوضاً عن عائلة الأسد وإنما كان هدفهم بناء نظام ديموقراطي تتكرس فيه الحريات وتفعل فيه المحاسبة دون خوف أو وجل.

تشَكل الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية منذ بدايته وفق بنية غير متماسكة وغامضة، كانت تلك البنية الهشة بالإضافة إلى فشل القيادات المتعاقبة على صعيد التطوير ذات أثر سلبي

إنّ المتتبع لواقع الائتلاف ما بعد الانتخابات الأخيرة يلاحظ دينامية جديدة ورغبة لدى القيادة الحالية بتجاوز العقبات والإشكالات المتفاقمة

واضح في عملية التفاعل معه وعلى المقدرة في صناعة القرار واكتساب الشرعية الداخلية والقانونية والدولية فنمت حالة الشللية غير المدعومة شعبياً فنتج عنه أداء غير متوازن غير قابل للرصد أو المحاسبة.

إنّ المتتبع لواقع الائتلاف ما بعد الانتخابات الأخيرة يلاحظ دينامية جديدة ورغبة لدى القيادة الحالية بتجاوز العقبات والإشكالات المتفاقمة والبدء بإيجاد شبكة علاقات مجتمعية على صعيد الأحزاب والمنظمات والشباب والتواصل مع الداخل وبناء رؤية وطنية مقبولة مجتمعياً ودولياً إلا أنّ ذلك يتطلب جهداً مضاعفاً وخططاً تنفيذية وليس مجرد لقاءات.

إنّ قيادة الدول تتطلب تجاوز حالة العمل كناشطين إلى حالة العمل كمنظومة سياسية محترفة تستوعب كل التيارات والانتماءات، تستقطب الكفاءات السياسية والمهنية التي تتقن فكر الدولة، قادرة على العمل الجماعي وتستفيد من كل التجارب السابقة في مؤسسات الثورة.

إنّ بناء كيانات سياسية قوية غير مؤدلجة أساس نجاح الائتلاف، وعندما لا نستطيع بناء أحزاب ديمقراطية راسخة قابلة للتعاون فيما بينها، معبرة عن آلام وآمال الشعب فإن من البدهي أيضا عدم القدرة على إصلاح الائتلاف فغالبية المنتقدين فشلوا في بناء مؤسسات بسيطة وهذا مؤشر سلبي، لذا علينا السير بالتوازي في إصلاح الكيانات والائتلاف الممثل المعترف به دولياً.

إنّ المرحلة القادمة مفصلية؛ فنظام الأسد أصبح متهالكاً وغير قادر على قيادة سوريا والحفاظ على وحدتها، فحتى حاضنته أصبحت غير مقتنعة به وخطابه كضامن وحيد للأقليات لم يعد جاذباً لها ولا حتى للمجتمع الدولي، فهل تنتهز المعارضة الفرصة للتنظيم وتسويق نفسها كجهة مسؤولة متزنة تتعامل مع الجميع وفق المصلحة الوطنية بعيداً عن التناحرات والعصبيات والانتماءات وتتعامل مع محيطها الإقليمي وفق قاعدة المصالح المشتركة دون اصطفافات أو ارتهانات دولية؛ أسئلة مهمة ينتظر الإجابة عليها من المعارضة خلال المرحلة القادمة وبها يتحدد مستقبل وطننا وشعبنا بعد عقد ثوري ملأه نظام الأسد بالمآسي والكوارث، أم يستمرون برحلة التيه والضياع!!؟

=========================

الاعتذار في الجيب ... وهذا ما يحصل بين العواصم المعنية

وجدي العريضي

النهار العربي

السبت 19/9/2020

بين التريث والاعتذار والترقّب الثقيل لما ستؤول إليه المبادرة الفرنسية، يرقص لبنان في قعر الوادي متخبّطاً وغارقاً في أزماته، في انتظار معرفة أين سيتوقف قطار التأليف أو بيان الاعتذار الذي أعدّه الرئيس المكلف مصطفى أديب وقرأه جيداً، إلا أنّ التريّث كان سيد الموقف، وتالياً ما زالت اللعبة مفتوحةً على كل الاحتمالات، في ظل أجواء إقليمية خطرة ربطاً باشتعال التهديدات من واشنطن إلى إيران وما يجري بين الأتراك والقبارصة واليونانيين، ما يعني أنّ بحر التطورات الإقليمية والدولية يرخي بظلاله على الداخل اللبناني الذي ينوء تحت أعباء لم يعد في استطاعته تحمّلها، بعدما أضحى لديه من الحمولة الزائدة ما يكفي للتخلص منها بإعلان "البيان الرقم 1" لتسلّم البلد ورفع الرايات البيض.

 أما في جديد ما يحصل على مسار الاتصالات الجارية داخلياً وخارجياً، فإنّ مصادر سياسية مطلعة، ونقلاً عن أحد الديبلوماسيين الروس في بيروت، تؤكد لـ "النهار" أنّ الاتصالات بين باريس وموسكو ما زالت قائمة، من خلال طلب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن تمارس روسيا ضغوطها على إيران لتليين موقف حليفها الأساسي "حزب الله" بغية تسهيل مهمات الرئيس المكلف وتالياً تشكيل الحكومة، لأنّ الأوضاع في لبنان في غاية الخطورة والبلد ينهار يوماً بعد يوم. وعلى هذه الخلفية عُلم أنّ مسؤولاً روسياً يهتم بالملف الإيراني وله في الوقت نفسه أقنية مع سوريا و"حزب الله" يتولى هذا الدور، ولكن حتى الآن ليس ثمة ما يوحي بأنّ طهران ستطلب من "حزب الله" أن يتراجع عن شروطه، لأنّ المسألة تتخطى ذلك بكثير. فإيران ليس لديها ما تخسره في المنطقة، وهي إنْ فقدت الورقة اللبنانية فإنّها تكون قد خسرت ورقةً أساسية تناور من خلالها عبر "حزب الله" مع المجتمع الدولي وتحديداً الولايات المتحدة الأميركية، كما كان يفعل الرئيس السوري حافظ الأسد من خلال حلفائه في لبنان الذين كانوا يقومون بخطف أجانب ثم يقوم الأسد بإطلاقهم ليبيع واشنطن والغرب مواقف يقبض ثمنها. والتاريخ يعيد نفسه اليوم عبر ما تضطلع به الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ناهيك بأنّه ليس ثمة ودّ في هذه المرحلة بين موسكو وطهران، على أساس أنّ الروس طلبوا مغادرة الحرس الثوري الإيراني و"حزب الله" الأراضي السورية باعتبارهم لا "يهضمون" وجودهم، والدلالة على ذلك "قبّة الباط" الروسية لإسرائيل لتفعل ما يحلو لها في الأجواء السورية. لذا تعتقد المصادر أنّ إيران لن تقدّم لفرنسا خدمات مجانية أو هي في صدد الضغط على "حزب الله"، وحارة حريك تدرك أنّ الإيرانيين يتركون هامشاً واسعاً للحزب للقيام بما يحلو له ولن يمارسوا ضغوطهم عليه في هذه الظروف الاستثنائية. 

وتشير إلى أنّ بعض المرجعيات السياسية الموجودة في باريس ترى أنّ الأزمة طويلة، وفي آخر اتصالاتها مع الدائرة الضيقة المقربة منها أكدت أنّ الفرنسيين يرون حتى الساعة أنّ الاعتذار يسابق التأليف ولن يمدّدوا المهلة لأنّ سمعتهم وتاريخهم فوق كل الاعتبارات. وبناءً عليه فالأكيد أنّ مبادرة ماكرون، ولو اعتذر الرئيس المكلف، مستمرة بأشكال أخرى، لكنّ المخاوف تكمن في سرعة التطورات في المنطقة، وخصوصاً أنّ هناك أكثر من سيناريو ميداني أعدّته واشنطن وتل أبيب لضرب إيران، سواء في سوريا أو في أية مدينة إيرانية، وهذا ما سيجعل "حزب الله" يرفع سقف شروطه ويتشدد أكثر إذ ليس لديه ما يخسره، ويمكن التأكيد أنّ بازار التأليف دخل في إطار تصفية الحسابات بين اللاعبين الإقليميين والدوليين على الأراضي اللبنانية، لذا فالأمور في غاية التعقيد، معطوفةً على قلق ينتاب المتابعين لمسار الملف اللبناني من قيام أكثر من جهة بافتعال إرباكات أمنية لأكثر من هدف، في ظل التوتر العالي لبنانياً وإقليمياً.

ويبقى في خضم هذه الأجواء الضبابية، أنّ ما يؤزّم الحالة الراهنة هو انهيار آخر يتمثّل بتفكّك التحالفات السياسية بين كل المكونات الداخلية، إذ ان ما يواكب حركة الرئيس المكلف والاتهامات التي يسوقها فريق الممانعة، ولا سيما الثنائي الشيعي، ضد نادي رؤساء الحكومات السابقين، يُصعّب سير عملية التأليف، إضافةً إلى الكباش السياسي الآخذ في التفاعل والمزيد من الانقسامات، من دون إغفال ما يغلّف ذلك من حالة مذهبية وطائفية والغرق في تفسير اتفاق الطائف، وخصوصاً لجهة التجاذبات التي تحصل على صعيد حقيبة المال، ما ولّد حالةً مذهبية وأقحم البلد في خلافات إضافية حول تفسير وثيقة الميثاق الوطني، والقلق الأكبر بدأ يصب في خانة الاجتهادات حول الطائف وربما المسّ به، كما بدأ يتجلى في الآونة الأخيرة.

=========================

سلطة الممانعة والاحتماء بالوصاية الفرنسية في لبنان

سعد كيوان

العربي الجديد

السبت 19/9/2020

أزمات اقتصادية، انهيار مالي ونقدي، عجز في الخزينة ومديونية تقارب مائة مليار دولار، فضائح فساد ونهب للمال العام بالعشرات تزكم الأنوف، فضائح مكشوفة وماثلة للعيان، كأزمة الكهرباء المستمرة منذ ثلاثين سنة، والتي بلغت مديونيتها نحو أربعين مليار دولار، انتفاضة شعبية شبابية عابرة للطوائف مستمرة منذ نحو عام، كوارث بحجم انفجار أشبه بقنبلة ذرية يدمر أهم مرفأ على المتوسط، ويحصد معه أحياء سكنية بكاملها في وسط بيروت، ويوقع نحو مائتي ضحية، يتبعه بعد شهر حريقٌ مفتعل في المرفأ لمحو آثار الانفجار الذي وصفه بطريرك الموارنة بـ"جريمة ضد الإنسانية"، وطالب بتحقيق دولي بشأنه و.. و.. وما يزال المسؤولون عن هذا الخراب الأبوكاليبتي في مكانهم لا يتزحزحون، صم وليسوا بكما! لا يزال أركان السلطة الفريدة من نوعها بين أصناف المتعطشين إلى السلطة والنفوذ والكراسي على وجه الكرة الأرضية يمارسون بكل برودة أعصاب نفوذهم وسطوتهم على دولةٍ في طور الانحلال، حتى قال فيهم أسقف بيروت لطائفة الروم الأرثوذكس "سياسيون يدمنون فن الرقص على الجثث". لم يشعر أحد منهم بأن عليه أن يتحمّل المسؤولية، أن يستقيل، أن يعترف بخطأ ما، أن يقول كلمة مواساة بدءا برئيس الجمهورية ميشال عون الذي صبّ كل جهده منذ انتخابه قبل اربع سنوات (31 أكتوبر 2016) على استعادة ما أسماها صلاحيات الرئاسة التي انتزعت برأيه في "اتفاق الطائف" (1989)، فأقام كباشا مع رئيس الحكومة، وراح يتعدّى على صلاحياته، واتخذ لنفسه لقب "الرئيس القوي"، مدغدغا أحلام مسيحيين محبطين يشدّهم الحنين إلى زمن مضى، ليعلن غداة الإنفجار بالفم الملآن أن لا صلاحية له على ما يجري في مرفأ بيروت، لكي يبرّر عدم اتخاذه أي إجراء، على الرغم من أنه أحيط علما قبل اسبوعين من حصول الانفجار بخطورة المواد المخزنة في عنابر المرفأ، إلى رئيس الحكومة، حسان دياب، الذي سارع إلى تشكيل لجنة تحقيق بعد ساعاتٍ على وقوع الانفجار، ووعد بإعلان النتائج خلال خمسة أيام. وها قد مر نحو شهر ونصف على الانفجار والتحقيق يراوح مكانه. إلا أنه أجبر، فيما بعد، على الاستقالة، لأن أصحاب القرار اضطروا للاستغناء عن خدماته، من أجل التكيف مع الضغط الفرنسي. ولم يستقل طبعا أي وزير معني ولا أي مدير مسؤول، وتم توقيف فقط بعض المسؤولين في المرفأ كبش محرقة، عوضا عن الرؤوس الكبيرة، فيما ضغط عون نفسه لإطلاق سراح أحد المحسوبين عليه. سلطة لم يستفزها أو يعني لها شيئا أن جميع الدول التي سارعت إلى تقديم العون، وإرسال المساعدات الإغاثية العاجلة، اشترطت تسليمها إلى مؤسسات وهيئات من المجتمع المدني، لا إلى المؤسسات والإدارات الحكومية التي لا ثقة لها بها.

وصل الرئيس الفرنسي، ماكرون، إلى بيروت، غداة الانفجار في 6 أغسطس/ آب ليتضامن مع اللبنانيين، حاملا معه مبادرة لمحاولة الخروج من المأزق، وتوجه فورا للوقوف على معاناة الناس التي تفترش الشارع في الأحياء المنكوبة، قبل أن يصعد إلى القصر الجمهوري، ثم جمع كل قيادات الأحزاب والقوى السياسية في مقر السفارة الفرنسية وأعطاهم مهلة ثلاثة أسابيع، لتشكيل حكومة إنقاذ غير حزبية، مهمتها إطلاق الإصلاحات الضرورية للنظام الاقتصادي والبنى التحتية. ونظم فور عودته إلى باريس مؤتمرا لدعم وتمويل الحملة الإغاثية لمعالجة ذيول كارثة المرفأ، جمع نحو 300 مليون يورو، على أن يعود في الأول من سبتمبر/ أيلول لـ"يحتفل" بالذكرى المئوية الأولى لقيام دولة لبنان الكبير. 

يحتمي طاقم السلطة الممانع والرافض "الاستكبار الغربي" بالوصاية الفرنسية، ليتقي شر الإدارة الأميركية.

لم يأبه أركان سلطة الممانعة للاهتمام والجهد الفرنسيين، ولم يحرّكوا ساكنا، كل بحساباته الضيقة والفئوية، الطائفية والمذهبية والزبائنية. وقبل وصول ماكرون بساعات، تم اختيار شخصية بإيعاز منه لتشكيل الحكومة الموعودة، وما زالت عملية التشكيل تراوح مكانها منذ أسبوعين، على الرغم من أن خطة الرئيس الفرنسي ساهمت عمليا في تعويم أركان سلطة مليشياوية في معظمها، يكرهها اللبنانيون، ويحقد عليها بعضهم، وآخرون يحزمون حقائبهم إلى بلاد الهجرة. وقد سجل على ماكرون انفتاحه على حزب الله ولقاؤه أحد وجوهه القيادية، ولم يتكلم عن ضرورة تطبيق القرارات الدولية الخاصة بلبنان، وتحديدا قرار مجلس الأمن 1559 الذي ينص على ضرورة حل المليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم سلاحها، متوّهما إمكانية إقناع حزب الله، الإيراني الولاء، بـ"العودة إلى لبنان" بحسب ما نقل عن لسانه. وهذا ما أخذته عليه مجموعات كثيرة في الحراك الشعبي الرافض أي عملية تعويم للسلطة، والتغاضي عن مسألة السلاح غير الشرعي. وهذا هو الأمر الذي تحاشاه مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى، ديفيد شينكر، الذي وصل إلى بيروت في خلال وجود الرئيس الفرنسي، وحرص على عدم لقاء أي من المسؤولين الرسميين، ومكث ثلاثة أيام، التقى خلالها مع مجموعاتٍ من الحراك في الشارع، ومع نواب معارضين قدّموا استقالاتهم من البرلمان، احتجاجا على تقاعس السلطة وتعنتها. وفي ما بدا أنه تباين (أو عرقلة؟) مع المبادرة الفرنسية، أعلن شينكر أن الإدارة الأميركية ترفض أي مشاركة لحزب الله في الحكومة، وأن عقوبات ستفرض على حلفاء نصرالله وكل من هو متورّط في قضايا فساد من الطبقة السياسية. 

لم يحرّك أركان سلطة الممانعة للاهتمام والجهد الفرنسيين ساكناً، كل بحساباته الضيقة والفئوية، الطائفية والمذهبية والزبائنية

وهنا على الأرجح بيت القصيد الذي سيدفع طاقم السلطة الممانع والرافض "الاستكبار الغربي" إلى أن يحتمي بالوصاية الفرنسية، لكي يتقي شر الإدارة الأميركية. وهذا ما حصل، إذ ما إن غادر شينكر لبنان، حتى أعلنت الخزانة الأميركية عن فرض عقوبات على شخصيتين مفصليتين في قوى المحور الذي يتزعمه حزب الله، وهما الوزيران السابقان، علي حسن خليل، الذراع الأيمن لرئيس مجلس النواب ورئيس حركة أمل، نبيه بري، والمتهم بقضايا فساد عندما كان وزيرا للمال عدة سنوات، ويوسف فنيانوس، ضابط الارتباط بين زعيم تيار المردة، سليمان فرنجيه، وحزب الله، والمتهم بأنه سرّب معلومات ووثائق من المحكمة الدولية الخاصة بلبنان إلى حزب الله، أدت إلى اغتيال الرائد المهندس وسام عيد الذي لعب دورا مفصليا في كشف شبكة الاتصالات المعقدة التي استخدمها عناصر من الحزب في تنظيم عملية اغتيال رفيق الحريري. وجاء قرار العقوبات هذه بمثابة ضربة قاصمة لبرّي الذي يحاول باستمرار أن يدوّر الزوايا، ويلعب دور المخرج والمسوق لما يريده نصرالله، والقابض على ورقة التفاوض مع إسرائيل بشأن ترسيم الحدود البحرية عبر الوسيط الأميركي، والتي هي أساسا من صلاحيات رئيس الجمهورية، وربما قاضية على طموح فرنجيه الرئاسي الذي يراهن على علاقاته الجيدة مع معظم الأطراف اللبنانية، وتحديدا مع سعد الحريري، وعلى علاقاته مع فرنسا التي تبنّت ترشيحه عام 2016 عندما كان هولاند لا يزال رئيسا للجمهورية، قبل فرض عون رئيسا في نهاية ذلك العام. كما وأعلنت الإدارة الأميركية أن عقوبات أكبر وأشمل ستفرض على شخصيات لبنانية أخرى. فهل أن هدف واشنطن هو فقط الاستمرار في تشديد الضغط على حزب الله، بهدف عزله لبنانيا أم السعي إلى إفشال مبادرة ماكرون التي تبقي الباب مفتوحا أمام نصرالله، ومنه تعزيز الجسور مع ملالي إيران، وثم استطرادا استعادة قوة الإطلالة على المتوسط في مواجهة تركيا؟ أم أنها خطة منسقة ضمنا بين الطرفين، لمحاصرة الفريق السياسي الفاشل والمكابر، طالما أن الشارع لم يتمكّن من إسقاطه، وإجباره على الإبتعاد عن حزب الله، والتخلي عن السلطة، ولو فترة مؤقتة؟ فهل ستنجح فرنسا في فرض حكومة من خارج سلطة الأحزاب وسطوتها، قبل انتهاء المهلة التي حدّدها ماكرون؟

=========================

موقفنا : هولندا تلعب دور المحتسب على جرائم الزمرة الأسدية

زهير سالم

مركز الشرق العربي

19 / 9 / 2020

في بادرة إنسانية مقدرة للدولة والحكومة في هولندا أعلن رئيس الوزراء الهولندي " مارك روني " إن هولندا تعتزم محاسبة مسئولي النظام السوري بموجب القانون الدولي عن انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان . وأضاف إن ما ستقوم به بلاده يجب أن يكون رسالة مهمة لكل طغاة العالم .

وقال وزير الخارجية الهولندي " شيف بلوك " إن نظام الأسد ارتكب جرائم مروعة ضد الشعب السوري مرارا وتكرارا والأدلة على ذلك دامغة ، ويجب أن يكون هناك عواقب .

وفي محاولة لتجاوز الفيتو الروسي - الصيني الذي أطلق يد المجرمين الأسديين في دماء السوريين أعلنت هولندا أنها ستوجه مذكرة دبلوماسية إلى المتسلطين في دمشق تدعوهم إلى وقف انتهاكات الاتفاقية الأممية لوقف التعذيب التي كان النظام السوري قد وقع عليها منذ 2004 .

وفي حال استجابت الزمرة الحاكمة للمذكرة فستدخل هولندا وداعموها من الدول مفاوضات من أجل إطلاق سراح المعتقلين ، وكشف مصير المفقودين ..وفي حال رفضت فإن هولندا تهدد باللجوء إلى المحاكم الدولية المختصة ، وفي مقدمتها محكمة العدل الدولية .

وقد أشكل على بعض المتابعين السوريين سر لجوء هولندا إلى محكمة العدل الدولية ، ودفعوا بعدم الاختصاص ، وتساءلوا عن السر سؤال ريبة واتهام !! وتناسوا أن أساس الموقف الهولندي إنما يقوم على أساس إلزام نظام الأسد باتفاقية منع التعذيب الأممية ، التي ينتهكها الأسد يوميا . وتناسوا أيضا أن الفيتو الروسي - الصيني قد أغلق محكمة الجنايات الدولية أمام الضحايا من أبناء الشعب السوري .

ولقد أكدت المحكمة الهولندية المختصة أن دعواها ستعتمد هذا الأساس : أساس انتهاك بشار الأسد لاتفاقية منع التعذيب . وأنها تملك الكثير من الأدلة الناصعة على انتهاك نظام الأسد للاتفاقية الدولية التي وقع عليها ..

في الحقيقة فإن الموقف والقرار الهولندي الذي وجه بالرفض والاستهجان والقذف من قبل عصابة الأسد يستحق من المعارضة السورية الدعم والتشجيع والتأييد وحشد الأدلة ..وليس التشكيك والتثبيط . فمحكمة الجنايات الدولية غير متاحة بفعل الفيتو الروسي . وما تبادر إليه الدولة الهولندية في هذا الموقف المشكور هو دور المحتسب الدولي حسب مصطلحاتنا الشرعية المقررة ، والمنتظر من كل الدول الحرة في العالم ، والمؤسسات والمنظمات الإنسانية ذات الصلة أن تدعم الموقف الهولندي ، وتنضم إليه ..

العدالة لجميع أحرار سورية نسائها ورجالها ..

والخزي والعار لأعداء الإنسان في كل مكان ..

_____________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

سورية المدمنة على النقصان

راتب شعبو

العربي الجديد

السبت 19/9/2020 

ليس العالم في عجلة من أمره، في ما يخص الوضع السياسي الذي يزداد تردّياً في سورية، ففيما تبدو أميركا أكثر انشغالاً بشمال شرقي الفرات، وكأنه قضية مستقلة عن سورية أو ضعيفة الصلة بها، وتنشغل تركيا بالمناطق التي استطاعت تحصيلها من الأرض السورية خلال السنوات المريرة الماضية، تنشغل روسيا بنظام الأسد المتهالك، ودعم استمراره، ليس فقط بوصفه موطئ قدم روسية عسكرية في المنطقة، بل وأيضاً بوصفه نافذة استثمار اقتصادي، فقد دخلت روسيا، منذ حوالي ثلاثة عقود، نادي اقتصاد السوق، وخلعت المبدأ السوفييتي القديم الذي كان يخسر اقتصادياً، كي يدعم حلفاءه لمجرّد قبولهم بالتحالف في سياق حربه الباردة التي خسرها مع المعسكر الرأسمالي.

تفيد زيارة الوفد الروسي الرفيع، أخيرا، وضم نائب رئيس مجلس الوزراء يوري بوريسوف ووزير الخارجية سيرغي لافروف، تفيد بأن الروس والنظام يوطدون أنفسهم على ديمومة الوضع الحالي في سورية، بعد أن وصلت مساعي "توحيد" سورية تحت سيطرة النظام إلى طريق مسدود. لا يبدو كلام الروس، عن ضرورة إجراء إصلاحات سياسية، ذا قيمة، ذلك أنهم، في الحقيقة، لا يصرّون على فرض رؤية سياسية يرفضها نظام الأسد، لأنهم لا يجرؤون على فرض تغيير جدّي في تركيبة الحكم السوري، مخافة أن يتفكّك النظام الذي يقوم على الموقع المحوري للرئيس فيه. على هذا، يمكن أن يقدّم الروس مقترحاتٍ بخصوص اللجنة الدستورية، وأن يتكلموا عن ضرورة الإصلاح، وحتى عن الحل وفق قرار مجلس الأمن 2254، لكن هذا كله استهلاك لفظي أو "فض عتب" للمضي في مناقشة المشاريع الاقتصادية. 

الجانب الاقتصادي في زيارة الوفد الروسي هو مركز اهتمام النظام الذي لم يجد رئيسه أن يقول شيئاً في الجانب السياسي، في أثناء استقباله الوفد، وكأن بلاده على ما يرام، وليست مقسّمة ومستعمرة ومستباحة، مكتفياً بالإشارة إلى "الأهمية الكبيرة لنجاح الاستثمارات الروسية في سورية". كان عليه أن يقول في "سورية الأسد" التي باتت تعرّف بأنها الجزء الذي يحكمه الأسد، ولا يتجاوز ثلثي مساحة سورية المدمنة على النقصان منذ قرن.

يقول الروس: "في حال لم يتجه نظام الأسد نحو الإصلاحات، فسيبقى من دون أموال، ومن دون جزء من سورية، وهذا سيكون قراره". ونقلت صحيفة روسية عن نائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف، أن خسارة جزء من سورية (من دون تحديد) باتت أمراً يجري الحديث عنه صراحة، بطريقةٍ توحي بإمكانية قبول الأمر الواقع والتعايش معه. وبحسب بوغدانوف، حدّدت روسيا خياراتها، ما يعني أنها تمضي اقتصادياً مع النظام بما هو متوفر سياسياً، حتى لو كان هذا المتوفر يعني سورية منقوصة. إعادة تأهيل أربعين منشأة أساسية، خصوصاً البنى التحتية لقطاع الطاقة والمحطات الكهربائية واتفاق لاستخراج النفط من البحر على الساحل السوري وحيازة مناطق كاملة من سورية مقابل المجهود الحربي الروسي فيها، هذه هي الترجمة الاقتصادية للخيارات السياسية الروسية. بكلام آخر، يبدو أن النظام، أمام صعوبة المهمة وثقل الوجودين، الأميركي والتركي، تخلّى عن "إعادة تجميع" سورية حالياً، مكتفياً بما لديه، وأن الروس، بعد أن فشلوا في فبركة حل سياسي يقدّمونه للعالم، باتوا جاهزين لتجميد السياسي الآن لصالح الاقتصادي. 

لا ينم كلام لافروف عن أي جدّية روسية في فرض حل سياسي على النظام

لا ينم كلام لافروف عن أي جدّية روسية في فرض حل سياسي على النظام: في موضوع اللجنة الدستورية، يقول لافروف إنه لا سقف زمنياً لها، وإن الانتخابات الرئاسية لا تتوقف على انتهاء مهام اللجنة. وعن الاتفاق الذي وقعه قدري جميل (منصة موسكو) مع إلهام أحمد (الرئيسة التنفيذية لمجلس سورية الديمقراطية) في موسكو، يقول إن روسيا ليست طرفاً فيه، وإنْ جرى توقيعه في موسكو. كما يقول إن الوجود الإيراني قرار سيادي سوري. على ضوء هذه الرخاوة الروسية، لا يفهم من "الحل المقبول للطرفين" الذي تكلم عنه رأس النظام سوى أنه ترميم الوضع الاقتصادي بالقدر الممكن، مقدمة لانتخابات 2021، بعد أن تبين أن تحقيق تقدم سياسي أو عسكري بات مستبعداً.

وتوطّد تركيا نفسها في "جزئها السوري"، وتوزّع على الأهالي في إدلب، بعد يوم من زيارة لافروف دمشق، منشوراتٍ تقول فيها إن "هدفنا منع أي اجتياح أو عمل عسكري على إدلب وإعادة المدنيين الذين اضطروا للنزوح إلى منازلهم، وإحياء الحياة الاقتصادية في المنطقة من خلال فتح طريقي أم 4 وأم 5". ننتظر إذن تدفق الحياة الاقتصادية مع احتباس أو تقطع في الحياة السياسية.

الجانب الاقتصادي في زيارة الوفد الروسي دمشق هو مركز اهتمام النظام

وتتبلور في منطقة الجزيرة حياة سياسية محلية، تضبط أميركا إيقاعها بين العشائر العربية التي تقوم بدور ملء الفراغ السياسي العربي هناك (على خلاف الأحزاب الكردية، لا توجد أحزاب عربية) مقابل المجتمع السياسي الذي يسيطر عليه الكرد مدعومين بالقوة العسكرية لقوات سورية الديمقراطية (قسد). تعمل أميركا على تطبيع الحياة الاقتصادية والسياسية في هذا الجزء المقتطع من سورية، فتستعين بالسعودية لتهدئة الصراع بين "قسد" والعشائر العربية، وتعد بإنعاش مناطق العشائر اقتصاديا، بتجديد محطات المياه وتوزيع معدّات الري والبذار والأسمدة وترميم المخابز وتحسين الخدمات. كما تعد سياسياً بزيادة مشاركة العشائر في إدارة مناطقها بالتشارك مع "قسد".

هذه الصورة التي يبدو عليها الواقع السياسي في سورية اليوم ناجمة عن تعثر توافق الأطراف الدولية على حل سياسي، ما يعني أن هذا الحل غير وشيك، ولكن هذا الانسداد في أفقه لا يبدو أنه يدفع باتجاه تصعيد عسكري، كما العادة، بل باتجاه تعزيز سيطرة القوى الدولية على مناطق النفوذ التي فازت بها حتى الآن.

=========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com