العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 27-08-2017


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

عن "تحرير" الرقة .. سلامة كيلة

العربي الجديد

الخميس 24/8/2017

يبدو أن كلمة "تحرير" باتت تعني شيئاً آخر غير ما نعرفه، باتت تُعطى معنىً جديداً، فالتحرير، كما نعرف، هو إنهاء وجود قوة تحتل بلداً أو مدينةً أو حيّاً، بطرد هذه القوة منها، لتبقى البلد أو المدينة أو الحي، بعد أن يتخلص أهلها من المحتل. هذا هو المعنى المتعارف عليه، على الأقل إلى ما قبل سنة 2011.

ما نشهده منذ بدء "الحرب على داعش" بات يعطي هذه الكلمة معنىً آخر، حيث بات علينا أن نضع كلمة مقاربةً مرادفاً لها: التدمير. بالتالي، نحن نتحدث الآن عن "تدمير" الرّقة. حيث نشهد، كل يوم، مدى التدمير الذي يلحق بها، وعدد القتلى الذي يسقط تحت حجة "تحرير" الرّقة من داعش. هل التدمير ضروري لتحقيق هذا "التحرير"؟

هذه المقالة عن الرّقة الآن، وسبقتها مقالات عن الموصل، كما جاء صاحب هذه السطور على الرمادي والفلوجة وتكريت، وانتظار "تحرير" تلعفر، ودير الزور. وليس المراد هنا الحديث عن "تحرير" المدن والقرى والأحياء السورية الأخرى التي يقوم بمهمتها طرفٌ آخر، هو النظام السوري ومجموعات إيران، وأخيراً روسيا، والتي يبدو أنها تعتمد المعنى الجديد لكلمة "تحرير"، على الرغم من أن الهدف يختلف، حيث بدأ النظام هنا (وأكمل الباقون) حرق شعبٍ تمرّد عليه. وإنما المراد هنا هو الحديث عن "قائدة الحرب ضد الإرهاب": أميركا وتحالفها. فهل كانت هزيمة "داعش" تفترض كل هذا التدمير والقتل، ولماذا قتاله في المدن بهذه الطريقة، من دون قطع طرق الإمداد؟ بمعنى، أليس هناك "خطة عسكرية" لا تودي إلى كل هذه الكوارث؟

أولاً، ما يملكه تنظيم "داعش" من أسلحة خفيفة أو متوسطة، ويمكن بسهولة قطع طرق الإمداد عنه، فالصحراء تتيح للطيران أن يقطع كل الطرق المؤدية إلى المدن التي سيطر عليها. كما أن عدد أفراده، وفق أكبر تقدير، وفي كل مناطقه (أي في سورية والعراق) وصل إلى ثلاثين ألف "جهادي"، وهو عدد لا يستطيع ضمان أمن كل هذه المنطقة الشاسعة. وكان عدد "مقاتليه" في المدن لا يتجاوز ألفاً أو ألفين أو ثلاثة (أعلنت الولايات المتحدة عن وجود ألفين في الموصل، ويعلن الآن عن وجود ألفين في الرقة)، وهو عدد ضئيل للسيطرة على مدينةٍ. ووفق الأسلحة التي يمتلكها، يمكن بسهولة السيطرة عليه بدون طيران، وبوحدات خاصة (مع قصف مدفعي محدود على مناطق تمركزها فقط).

ثانياً، جرى التهويل من خطر المفخخات، والكيماوي، وهو تهويلٌ لا معنى له، لأنه يمكن كشف الأمر بعد حصار المدن. وكذلك يجري التهويل من القناصة، على الرغم من أنه يمكن معالجة الأمر من دون قصف البنايات على من فيها. والغريب أنه، بعد كل هذا القصف والتدمير والقتل للمدنيين، لا يعتقل أو يقتل من عناصر "داعش" سوى القليل القليل، بينما يخرج الآخرون سالمين.

ثالثاً، يمكن أن يجري التقدم بشكل مختلف، خصوصاً أن تنظيم داعش غير قادر على حماية كل محيط المدن أصلاً، لا بالتفخيخ ولا بالعناصر ولا بالسدود. ويمكن أن يستخدم الطيران عند الضرورة، وربما تكون المروحيات هي الأفضل لأنه يمكن استخدامها بالقنص.

لا تستأهل القدرة الواقعية لداعش (كما تظهر في آخر الأمر) هذا الشكل من الحرب، ولا شكّ في أن الحرب هي ليست ضد داعش، بعد أن يظهر أن جلّ عناصره قد خرج سالماً (أو أُخرج سالماً)، بل هي ضد المدن والشعوب، كما يظهر في آخر الأمر. فهي تقع تحت سيطرة داعش، من أجل أن تُدَمر بحجة "الحرب ضد داعش". ولا شك في أن تضخيم قدرة داعش تهدف إلى استخدام كل هذه الأسلحة، وإطالة الحرب كل هذا الزمن الضروري لتدمير المدن فقط. لهذا نعيد تأكيد أن داعش "شركة أمنية خاصة" لها دور في إظهار وحشية الشعوب باسم الإسلام، ولكي تكون مبرّراً للتدخل من أجل تحقيق سياسات. وفي هذا السياق، تجري ممارسة أبشع مجزرة، حيث ترى الطغم الرأسمالية أن هناك "شعوباً زائدة" لا بدّ من حرقها.

إذن، داعش عنصر مُدْخَل من أجل أن نرى مدناً وقد باتت أطلالا.

========================

إيران وتركيا من التنافس الإقليمي إلى التحالف الأمني .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 24/8/2017

لم تكن زيارة رئيس أركان الجيش الإيراني محمد باقري إلى أنقرة بالعادية. فبالنظر إلى حجم الوفد الذي ترأسه (عشرة أشخاص) والفترة الزمنية التي استغرقتها اتصالاته ومباحثاته (ثلاثة أيام)، والسياق التاريخي الذي تمت فيه، والتصريحات التي تلت الزيارة من مسؤولي البلدين، يمكننا الافتراض أنها زيارة تاريخية فعلاً (فهي الأولى من نوعها منذ قيام الجمهورية الإسلامية في 1979) قد تؤسس لتحالف قائم على المخاطر المشتركة التي يرى البلدان أنهما يواجهانها، وإن احتفظا بمصالح متباينة في الجوار الإقليمي كانت في أساس العلاقة التنافسية السابقة.

لم يترك لنا الرئيس التركي أردوغان مجالاً للتكهنات حين صرح، في أعقاب انتهاء زيارة الوفد الإيراني، بأن البلدين يمكن أن يقوما بعمليات عسكرية مشتركة في جبال قنديل وسنجار حيث تتواجد قوات تابعة لحزب العمال الكردستاني (التركي).

وصادق بيان أصدرته قيادة الأركان الإيرانية، بصدد نتائج الزيارة، على ما قاله أردوغان، مقابل تنصل أحد قيادات الحرس الثوري الإيراني منه. قد يمكن رد هذه الازدواجية في الرؤية الإيرانية إلى تناقضات داخلية في الطبقة الحاكمة، أو إلى توزيع أدوار بهدف التشويش على الخصوم أو تجنب ردة فعل محتملة منهم، أو للضغط على القوى الفاعلة الكردية لتحقيق مكاسب معينة دون الحاجة إلى استخدام القوة بصورة مباشرة.

مهما كانت حقيقة ذلك، يبقى أن ما وحد مخاوف طهران وأنقرة ودفعهما إلى هذا التنسيق العسكري ـ الاستخباري عالي المستوى، إنما هو الموضوع الكردي العابر للإقليم، من سوريا إلى تركيا فالعراق وصولاً إلى إيران. وهذا ما يمكن وصفه بعودة إلى السياسة التقليدية للدول الأربع التي تتوزع الأراضي المتصلة التي يقيم عليها السكان الكرد، بعد سنوات من الانقطاع الذي فرضته الخضات الكبيرة منذ الاحتلال الأمريكي للعراق وصولاً إلى ثورات الربيع العربي ومآلاتها. وإذ أسقطت تلك التطورات كلاً من العراق وسوريا البعثيتين في هاوية الفوضى، لم يبق من رباعي التنسيق المعادي للكرد إلا تركيا وإيران. وبعد سنوات من تضارب الأجندات بين طهران وأنقرة، في كل من سوريا والعراق، تعود الدولتان إلى نوع من التحالف من البوابة الأمنية في مواجهة ما تريانها أخطاراً مشتركة على أمنهما القومي، هي التطلعات القومية للكرد.

العامل الآخر الذي دفع الطرفين إلى هذا التقارب هو السياسة الأمريكية لإدارة دونالد ترامب في المنطقة. وإذا كانت الحكومة التركية قد عانت الكثير من إدارة أوباما، بسبب تحالفها مع حزب الاتحاد الديمقراطي في حربها على داعش، فالمعاناة الإيرانية تخص العهد الجديد في واشنطن الذي أعلن عداءه الصريح لطهران بخلاف سلفه أوباما.

الآن تستعد الأطراف الإقليمية والدولية لمرحلة ما بعد داعش في العراق وسوريا، وتأمل موسكو في فرض تسوية سياسية في سوريا تضمن بقاء عميلها على رأس السلطة في دمشق، مع توزيع مناطق نفوذ للدول المنخرطة تحت يافطة "خفض التصعيد"، في حين تقيم واشنطن قواعد عسكرية دائمة في شرق البلاد. وفي هذا الإطار ما زال مصير الكيان الفيدرالي في شمال سوريا تحت سيطرة القوات التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي، في المجهول ويخضع للتجاذبات والتكهنات معاً. ولكن من المحتمل أن يحظى هذا الكيان بحماية أمريكية وتقبل روسي، وهو ما يثير مخاوف تركيا أولاً، وإيران المستبعدة من تسويات الجنوب والغوطة وريف حمص ثانياً.

الواقع أن نوعاً من شهر العسل المديد ساد علاقة طهران بحزب العمال الكردستاني وفروعه الإقليمية، منذ اندلاع ثورات الربيع العربي، من منطلق الخصومة المشتركة لأنقرة (ولأربيل أيضاً). فقد أوقف الفرع الإيراني للحزب هجماته ضد القوات الإيرانية، في ربيع العام 2011، مقابل تخلي النظام الكيماوي في دمشق عن المناطق الكردية في الشمال والشمال الشرقي لمصلحة قوات الفرع السوري للكردستاني. ومن جهة أخرى عاد الحزب الأم في تركيا إلى إطلاق عملياته العسكرية ضد الجيش التركي، وعمل فرعه السوري على منع الكرد السوريين من المشاركة في الثورة الوطنية العامة ضد نظام آل الأسد الكيماوي، ليتفرغ هذا الأخير لمواجهة المناطق الثائرة في درعا وحمص وحماه وريف دمشق وحلب ودير الزور وإدلب وغيرها، بما يساعد على خلق انطباع بـ"ثورة سنية" ضد نظام أقلوي، سيتعزز، بعد تسلح الثورة، بموجة كاسحة من الأسلمة وصولاً إلى دخول السلفية الجهادية كطرف رئيسي في الصراع الداخلي.

اليوم، على ضوء زيارة وفد الأركان الإيراني إلى أنقرة، يمكن القول أن شهر العسل المذكور قد انتهى، ما لم يفاجئنا "الكردستاني" بانعطافة جديدة تعيد الوئام مع طهران. فالهاجس الإيراني ينصب أكثر على التطورات في كردستان العراق الذي يستعد لإجراء الاستفتاء على استقلال الإقليم بعد أسابيع قليلة. وهو الأمر الذي تعارضه طهران علناً وتطلق التهديدات ضد قيادة الإقليم ما لم تتراجع عن إجراء الاستفتاء العتيد. في حين ينصب الهاجس التركي على شمال سوريا حيث الفرع السوري للعمال الكردستاني يقوم بتكريس سلطة الأمر الواقع في حماية حليفه الأمريكي، وبرضى روسي.

لكن الوجع الإيراني هو أساساً في سوريا حيث استثمرت طهران موارد بشرية ومالية ضخمة للإبقاء على تابعها واقفاً على قدميه. وها هي موسكو تتفرد اليوم بتقرير مصير سوريا، وقد باتت وصية عليها، وقامت باستبعاد طهران من تسويات محلية (لخفض التصعيد) مع شركاء آخرين، أمريكيين وأردنيين ومصريين وربما إسرائيليين. ليبقى الحضور السياسي الوحيد لطهران في المسألة السورية هو من خلال مشاركتها في مسار آستانة. من غير أن يقلل ذلك من مخاوف طهران بصدد العراق ككل ـ وليس الإقليم الكردستاني وحده ـ بعدما بدأت السعودية تمد نفوذها إلى داخل "العراق الشيعي" نفسه.

هل يحتمل أن يغير التحالف الأمني الجديد بين طهران وأنقرة من معادلات الصراع في سوريا والعراق، وأبعد من ذلك في الصراع الإيراني ـ الخليجي؟ هذا ما ستكشف عنه الأسابيع القادمة.

٭ كاتب سوري

========================

بشار الكيماوي "يتجانس" مع كيم .. حسان حيدر

الحياة

الخميس 24/8/2017

في خطابه الأخير، يبدو بشار الأسد، الفاقد الشرعية، فرحاً لنجاح سعيه في تحويل سورية إلى "كوريا شمالية" أخرى، حيث المواطنون أشبه بـ "روبوتات" بشرية، ليس مسموحاً لهم التفكير أو الخروج على تعاليم "الزعيم الأوحد" أو الاستماع إلى ما عداها، ومصيرهم مرهون بمزاج الحاكم ورغباته. فإذا غضب حلت اللعنة على من يصادفه حتى لو كان من أقرب جنرالاته، وإذا افترت شفتاه عن سماجة اضطروا للضحك والتصفيق وإبداء الإعجاب.

ويسوم الحفيد كيم مواطنيه أسوأ أنواع الامتهان، فلا يكتفي بالإعدامات العشوائية الغريبة التنفيذ، بل يجبرهم على الانصات يومياً إلى نشرة أخبار وحيدة يخصص أكثر من نصفها للتمجيد بإنجازاته ونصفها الآخر لعرض نشاطاته "المقدسة"، ويلزمهم حفظ ألقابه التي بينها "الشمس الساطعة للقرن الحادي والعشرين"، فيما هم يتضورون جوعاً ويعيشون على فتات الصينيين وبعض المساعدات من أقرانهم الجنوبيين.

ويهدد كيم "الخونة" من مواطنيه بتلقي "رصاصة في الرأس" ويشبه الأميركيين والغربيين بـ "الجرذان المرتعبة التي سيفنيها القائد العظيم".

ويبدو أن حاكم دمشق في الطريق "الصحيح" نحو تمثله بحاكم بيونغيانغ و "الارتقاء" إلى مصافه، فهو أيضاً يصف معارضيه السوريين بأنهم "حثالة" و "عبيد" و "بلا وزن، وأدوات تستخدم لمرة واحدة ثم تلقى في سلة المهملات"، من دون أن تفوته الإشارة إلى نجاحه في "إفشال مشروع الغرب الذي يعيش أزمة وجودية(...) ويعميه الغرور"، علماً أنه بالتأكيد بزّ مثاله الأعلى في بعض أساليب التعذيب والبطش الجماعي.

وعلى خطى أبيه، استعان الأسد الابن بـ "آل كيم" في بناء وتطوير ترسانته الكيماوية والصاروخية التي لم يتردد لحظة في استخدامها ضد المدنيين في المدن والقرى التي احتضنت المنتفضين على عسفه. ولعله من حسن حظ السوريين أنه لم يستطع إكمال مشروع المفاعل النووي الذي كان الكوريون الشماليون والإيرانيون يبنونه في الكبر، قرب دير الزور، وإلا لما تورع عن رشقهم بما تخصب لديه، لو ضَمِن أنه يقتل.

ومع حلول الذكرى الرابعة لمجزرة الغوطة التي قصفها بغاز السارين في آب (أغسطس) 2013، قال تقرير للأمم المتحدة إنه جرى خلال الأشهر الستة الماضية، اعتراض شحنتين مرسلتين من بيونغيانغ إلى وكالة تابعة للحكومة السورية مسؤولة عن برنامج الأسلحة الكيماوية. وأوضح خبراء المنظمة الدولية أن الجهة المرسلة إليها الشحنتان كيان سوري يعمل بمثابة "واجهة" لمركز جمرايا "للأبحاث العلمية" الذي سبق أن تعاون مع هيئة كورية شمالية مماثلة له في نقل مواد محظورة دولياً إلى سورية.

في خطابه، قال الأسد أيضاً إن بلاده "خسرت خلال سنوات الحرب خيرة شبابها، فضلاً عن تضرر بنيتها التحتية، لكنها كسبت في المقابل مجتمعاً صحياً متجانساً". وهذا التجانس الذي يتفاخر به ويدعو إليه، هو في أساس قيام الديكتاتوريات والأنظمة الفاشية والنازية التي تقول بتفوق عرق على آخر، وقومية على أخرى، وجنس على آخر، وتدافع عن فكرتها بالعنف والإكراه. لكن بشار الذي قال عنه بعض الإعلام الغربي السطحي عندما ورث والده إنه "ذو ثقافة غربية"، إنما "يتجانس" فقط مع كيم ومن شابهه، مثل مادورو الفنزويلي أو الجماعات الأميركية والأوروبية المدافعة عن تفوق العرق الأبيض، وهم من "محبيه ومريديه".

يبقى أن بشار المتفائل بإمكان استكمال خطة "النقاء المذهبي" المشغولة بأفكار وأيدي "الحرس الثوري" و "حزب الله"، لن يهنأ طويلاً بـ "إنجازاته"، فأسياده الإيرانيون والروس من الشطار في المساومة والبيع والشراء، وهم حاضرون اليوم في "سوق الشرق الأوسط" التي يعيد ترامب هندستها، ولن يضيرهم مبادلته في أي صفقة إذا كان الثمن معقولاً.

========================

موقفنا : مجزرة السارين الصفراء .. في فجر مثل هذا اليوم منذ أربعة أعوام .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

21/ 8 / 2017

في مثل فجر هذا اليوم من عام / 2013 ،قام المجرم القاتل بشار الأسد الكيماوي البراميلي، الخائن للأرض التي نما عليه ، وللناس الذين عاش هو وأبوه وجده بينهم ، مدعوما من أشرار العالم من مشغليه وداعميه والمتواطئين معه ، والصامتين عليه باستخدام غاز السارين ضد أبناء الغوطة من المدنيين الأبرياء ، كانت أجساد الأطفال تختلج كالطيور الذبيحة ، وأنفاسهم تتلجلج في صدورهم ، والزبد يرغي على أفواههم في أبشع هولكست يتم تنفيذه على الهواء بإشراف رعاة الجريمة الدولية والإقليمية والمحلية..

وكان كل ما ترتب على هذه الجريمة النكراء البشعة بعض الضوضاء السياسي والدبلوماسي ، لينقسم مجرمو العالم ، ورعاة الشر والإرهاب فيه بين مؤيد للجريمة ومدافع عنها ، وبين منكر لها ، وبين مساوم عليها . ولينتهي الأمر إلى أن يتبع الجريمة جرائم ، وأن يستمر مسلسل القتل على الأرض السورية ، وليتفنن القاتل المجرم باستخدام أصناف من الأسلحة الكيمائية المحرمة دوليا بما فيها غاز السارين ، وغاز الكلور ، وقنابل النابلم وأنواع البراميل المتفجرة ضد مدنيين عزل تواطأ أشرار العالم على خذلانهم ، وعلى حرمانهم حتى من حق الدفاع على أنفسهم .

إن الذين صمتوا على توغل الروسي والإيراني وميليشياته على الأرض السورية ، وتغول هؤلاء بأسلحتهم وعتادهم على شعب أعزل ، وحرّموا على كل صديق أو ذي رحم أن يعين السوريين بسلاح مكافئ يدفعون به عن أنفسهم ،هم شركاء حقيقيون في كل الجرائم التي جرت وما تزال تجري على الأرض السورية.

واليوم وبعد مرور أربعة أعوام على الجريمة النكراء ، ما يزال القاتل المجرم يحظى باعتراف مجتمع الشر العالمي ، و بدعمها وتأييدها على كل صعيد.

وما يزال هذا المجرم يرسل عملاءه المأجورين ، ليقتلوا الأبرياء حول العالم بعمليات تفجير أو دهس يخطط لها وينفذها هو وداعموه ضد شعوب بريئة ، ويساعده المتواطئون معه من الأشرار لتسجل هذه الأعمال ضد الشعب السوري وثورته ثورة الحق والعدل والحرية والمحبة والإخاء . وإنها لجريمة مركبة منحطة في أدواتها وفي أهدافها على السواء ، ويبقى السؤال مطروحا على الشعوب الضحية قبل أن يطرح على الحكام الأشرار ، لماذا الصمت على المجرم والجريمة ترتكب في كل مكان ؟!

إن بقاء المجرم بشار الأسد بعد أربعة أعوام بلا عقاب ، كما بقي أبوه من قبل بعد العشرات من الجرائم ضد السوريين والفلسطينيين واللبنانيين ؛ يؤكد حقيقة أولية مطلقة أن هذه خلية الجريمة هذه هي واسطة عقد الشر العالمي .

وإلا فليخبرنا رعاة القانون الدولي وحماته لماذا لم يحاسب ولم يعاقب قاتل بشير الجميل ورينيه معوض وكما جنبلاط ، لماذا لم يحاسب ويعاقب قاتل رفيق الحريري وغسان تويني ورفاقه، لماذا لم يحاسب ويعاقب جزار تل الزعتر والكرنتينا وطرابلس وحماة وجسر الشغور ، لماذا لم يحاسب ويعاقب الجزار الذي ظل يرسل المفجرين إلى العراق على مدى عشر سنوات يقتلون الأبرياء ويشيعون الفوضى والدمار ؟

لماذا لم يحاسب ويعاقب الذي أعد لجريمة قتل الآباء الروحيين من المسيحيين اللبنانيين على يد ميشيل سماحة المسيحي اللبناني ، لتحميل وزر الجريمة للمسلمين، وليقال لهم وهم الضحايا والأبرياء: علاجكم خمسون رصاصة ملوثة بدم الخنازير ؟! هل صمت رعاة الشر العالمي عن هذه الجرائم إلا تعبير صادق عن شراكتهم فيها ، ورضاهم بها ؟!

أيها السوريون الأحرار ...

اذكروا دائما الحادي والعشرين من آب ، اذكروا يوم الهولكست الأصفر ، اعرفوا القاتل واعرفوا المتواطئين معه والصامتين عليه ..

أيها السوريون الأحرار

لا تنسوا دماء شهدائكم ، لا تنسوا اختلاجات أجساد أطفالكم ، لا تنسوا صدورهم المرتجفة ، وأنفاسهم تتحشرج في صدورهم ..

أيها السوريون الأحرار ..

إنه قدركم أن يخذلكم كل العالم ، ولكن أقدار الرجال والنساء على حجم عزائمهم . احكوا لكل طفل من أطفالكم في حكايات قبل النوم كل ما كان وكل ما يجب أن يكون ..

أيتها الأم السورية ..

احكي لطفلك أن رئتيه كانت لتكون هدفا لسارين الأشرار من داعمي المجرم بشار الأسد في صبيحة الحادي والعشرين من آب

ولكن الله أنقذه وأبقاه ليحمل مسئولية الدفاع عن حق أخيه الذي خنقه السارين ، أو طمره تراب الدمار ، أو امتصته أمواج البحار وأبوه يحاول الفرار منه من العار والنار .

اذكروا ذلك ولا تنسوه ...

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

========================

ألمنا وألمهم في الشام .. د. أحمد موفق زيدان

العرب

الاربعاء 23/8/2017

لم يبق لمواطني شعوب الربيع العربي بشكل عام -وفي الشام خاصة- ما يفقدونه في ظل عجز الاستبداد الداخلي والخارجي عن كسر إرادتهم التوّاقة والمتشوّفة نحو الحرية وتكسير قيود الذل والعبودية التي كبّلتهم لعقود. تنظر إلى سوريا واليمن وليبيا ومصر وغيرها، ومن قبل فلسطين الحبيبة، تجد رصيد الثبات والصمود الشعبي يكسر يومياً إرادة المستبدين في الداخل وداعميهم وسدنتهم وكفلائهم في الخارج، فمن قال إن الدم لا يهزم السيف.

يكشف معهد تشاتام هاوس البريطاني العريق عن أن قوات النظام السوري لم يبق منها إلا الخمس، في ظل ثبات وصمود الشعب السوري بوجه الآلة الجهنمية الطائفية، ومن خلفها قوى الاحتلالين الروسي والإيراني. يحصل هذا ونحن والعالم معنا يتابع صمود مقاتلي فيلق الرحمن وغيره من الفصائل الثورية بوجه البربرية الأسدية تساندها الميليشيات الطائفية الأجنبية. ووفقاً للخبراء العسكريين المعروفين، فإن أي جيش في العالم حين يتبقى نصفه فهذا يعني خروجه بشكل كامل عن جاهزيته.

وبنظرة سريعة على دور النظام السوري في محادثات خفض التوتر وفي الهدن المحلية، يظهر بوضوح حرمانه حتى من المشاركة فيها؛ فمن قبل كانت المفاوضات تجري بين الثوّار والاحتلال الإيراني أيام القصير وحمص والزبداني، واليوم تجري الهدن بين الثوّار والاحتلال الروسي، كل هذا يؤكد أنه لم يتبقّ من النظام السوري إلا كونه بيدقاً تغطي به قوة الاحتلال سوأتها بحجة الشرعية، ولم يتبقّ بالمقابل أمام قوات الاحتلال وهي تتحمل عبئاً ضخماً بإدارة بلد بحجم سوريا، إلا البحث عن خفض التوتر. ووفقاً لما رشح عن السفير الدنماركي السابق في دمشق والباحث في المعهد الكندي للشؤون الدولية رولف هولنبو، فإن "روسيا تريد حلاً سياسياً سريعاً في سوريا؛ لأن تكلفة الحرب عالية، ولأنه كلما طالت مدة الحرب ضعف احتمال استثمار نجاح بوتين في سوريا". وللتذكير، فإن مارس من العام المقبل هو موعد الانتخابات الرئاسية الروسية، وهو ما يدفع الروس للتعجيل بتسوية الثورة السورية.

تعلمنا من التاريخ أن لا مستقبل لاحتلال أجنبي، ومع كل الصور اليومية التي نراها من تحول نظام الأسد إلى ميليشيات تتحرش بالبنات في شوارع دمشق، وقتلت بالأمس مدير القسم الجنائي بمصياف الرائد محمد عبدالعزيز درويش، وفقاً لوسائل إعلام موالية للنظام فإن الملازم شرف بلال ساطور المرافق له قُتل معه، حين حاولا القبض على أحد عناصر ميليشيا النظام المدعو محمد حسين علوش، فرمى على سيارتهما قنبلة يدوية، وكانت مثل هذه الحوادث تكررت في الفترة الأخيرة بمعاقل النظام، كل ذلك يشير إلى الحالة الخطيرة التي تهدد النظام وأسياده؛ فروسيا لا تقوى على تمويل احتلالها وعملياتها العسكرية بسبب واقعها الاقتصادي.

أخيراً، جلس قادة العالم بعد عام 1940 إثر المذابح الجماعية التي تعرّضت لها أوروبا بسبب الحربين العالميتين الأولى والثانية ليصرخوا كفى قتالاً ودماراً وإبادة للبشرية! فمتى سيدرك العالم أن القتل والقتال والإبادة في الشام والعراق واليمن ومصر وليبيا وفلسطين لا يمكن أن تكون حلاً، وأن الحل بالاعتراف العالمي بحقوق شعوب هذه الدول بالعيش بكرامة بعيداً عن "البوط" العسكري الذي دعموه بما فيه الكفاية، وهو ما كلّفنا عشرات الملايين من القتلى، وتريليونات الدولارات ربما، ووووو، ولا يزال من يدعمونه في دمشق يطالبون المعارضين المستسلمين له بتقبّل "البوط" الذي داسهم وركلهم وقتلهم لعقود، بل ويتفاخر بنسيج مجتمعي متجانس ثمنه جلب احتلالات لبلاده وقتل مليون من أبناء شعبه وتدمير 50 % من البلاد.;

========================

الهتلرية و"المجتمع المتجانس" في سورية .. نجيب جورج عوض

العربي الجديد

الاربعاء 23/8/2017

خرج علينا حاكم دمشق، أخيرا، بخطاب انتصاري، يعلن فيه أمام مؤيديه عديمي الحيلة أنه انتصر وحقق مشروعه التقدمي العبقري الذي حلم بتحقيقه من أجل خلق سورية جديدة، لم يشهد العالم لها مثيلاً من قبل. اعترف، هو أو من كتب له خطاب الانتصار، بأن سورية فقدت "خيرة شبابها"، إلا أنه عاد، إلى طمأنة الخراف الكسيرة وعديمة الحيلة الجالسة أمامه والمصفقة له بحماسة، أن خسارة خيرة الشباب ما كانت سوى ثمن ضروري لخلق "المجتمع المتجانس" السوري الجديد.

في ثلاثينيات القرن الماضي، حين وصل الحزب النازي إلى سدة السلطة في ألمانيا، كرّر رأس السلطة في الحزب وفي الدولة النازية الجديدة، أدولف هتلر، في أكثر من خطاب، أفكاره الفلسفية عن معنى مفهوم "الأمة" وفكرة "الشعب النقي"، متأثراً بقراءاتٍ خاطئةٍ وملتويةٍ بعمق لأفكار هيغل ونيتشه والفكر الليبرالي الرومانسي الألماني في القرن التاسع عشر، نظَّر الفوهرر بحماسة لفكرة "العرق النقي"، مقدّماً عملية إحيائه، والسماح له بالتجسّد مكانياً وزمانياً ومجتمعياً، السبيل الأول والأنجع لبناء مجتمع التفوق والتقدم والازدهار. تحدث هتلر عن ضرورة تنقية المجتمع الألماني من تلك الشرائح المجتمعية التي لا تساعد على إيجاد "مجتمعٍ متجانسٍ" ويخلق ألمانيا الجديدة. عمم هتلر هذا الخطاب في أنحاء ألمانيا النازية، وتخلص من كل من خالفه واعترض عليه، مسبباً في النهاية لا مجرد حربٍ عالميةٍ قادت إلى موت عشرات الملايين على امتداد أوروبا، بل واقترف واحدةً من جرائم التاريخ البشري الفظيعة، في محارق تصفية عرقية و"تنقية مجتمعية لخلق التجانس" (كما كان يقول ناطقوه الإعلاميون، من أمثال غوبلز في إحدى خطبه في جامعة هايدلبرغ مثلاً) حرق فيها حرفياً مئات ألوف اليهود والأقليات الأخرى اللا-آرية.

اليوم، يشهد التاريخ ولادة هتلرية جديدة في العالم المعاصر، إذ لم يعد العالم يهتز لرؤية حاكمٍ مستبدٍ، قتل نصف الشعب السوري، ودمّره وشرّده وأخفى مصيره، وأعاد البلد إلى عصر ما 

"لم يعد العالم يهتز لرؤية حاكمٍ مستبدٍ، قتل نصف الشعب السوري، ودمّره وشرّده وأخفى مصيره" قبل المدنية، وما قبل المجتمع، وارتكب أفظع الجرائم والانتهاكات غير الإنسانية لكل ما هو بشري في الأرض السورية سبع سنوات، يردّد خطاباً محشواً بأفكار نازية، اعتقدنا أنها بادت.

بأي "مجتمع متجانس" نبشِّر في بلدٍ لم يعد فيه "مجتمع"، ولا أي تموضع بشري سوسيولوجي، ينطبق عليه أي عنصر من عناصر تكوين "المجتمعات" وبنيتها وماهيتها، كما نعرفها ونتعلم عنها وندرسها ونختبرها؟ أي "مجتمعٍ" نتحدّث عنه في سياق بشري لم يخسر فقط كل شبكات التعاضد والتواصل والتعايش المجتمعي بين شرائحه وجماعاته وفئاته، بسبب خطاب كراهية وتشكيك وانقسام وعداوة وقتال دموي طائفي وسياسي وديني وعقائدي وسوسيولوجي وثقافي وإيديولوجي، بل خسر أيضاً الجزء الأكبر من بنيته البشرية المكوِّنة والمؤسسة، في ظل موت ما يقارب المليون مواطن سوري، وتشرُّد ما يقارب الإثني عشر مليون إنسان، وتهجيرهم واقتلاعهم، من أرضهم ومن بيوتهم، وفي ظل تدمير ما يقارب ثلثي البنية التحتية والمدينية لكل المدن السورية (مواقع تموضع "المجتمعات" وبنائها وخلقها وعيشها)، وفي ظل انتهاك البلد واحتلاله من أكثر من خمسة جيوش أجنبية غريبة وإدارته المباشرة والتنفيذية من قيادات روسية وإيرانية وفقدان الأمة السورية أي سيادة وكرامة وكيان متماسك ناظم جمعي، يعرِّفها وفق أي مفهوم علمي موضوعي قاعدي، لفكرة "مجتمع" ولمفهوم "اجتماع بشري".

ثم، عن أي "تجانسٍ" مجتمعي نتحدث في ظل واقع مأساوي تدميري، لا يمكن لأي مفهوم أو نموذج من نماذج التجانس أن يتحقق فيه؟ أي "تجانس" مجتمعي في ظل موت حالة "المجتمع" (سورية فيها "تجمُّع" ناجين لا "مجتمع") وغياب الحس والضمير والمعيار الأخلاقي الجمعي والسيوسيولوجي في عقول السوريين الباقين ونفسياتهم وسلوكهم ورؤاهم (معظمهم يفعل مضطرا، وفي مقدمتهم مؤيدو النظام التواقون لمغادرة جنة "المجتمع المتجانس"، والذين بات كثيرون منهم قبل سواهم "لاجئاً" مزعوماً في بلاد العالم) في الأرض السورية. ما لدينا في سورية اليوم جزر وتشرذمات بشرية متفرقة لجمع بشري متفكك ومتشظ ومتنافر، كل همه

"الطغيان والإجرام العنصري باتا من مظاهر عادية ومألوفة وشائعة، إلى درجة عدم الاكتراث لها" وهاجسه النجاة من الموت والحرب والاستمرار بالحياة بأيٍّ من الأشكال، بما فيها الخنوع والصمت. عن أي مجتمع متجانس، نتحدث في ضوء غرق الإنسان السوري في الداخل في دوامة الوجود الفردي الأنوي (أنا وبعدي سورية)، والانهماك بالذات وعدم الاهتمام بعد الآن بالآخر ومصيره وحياته معي أو بوجوده حولي؟ أي "تجانس" هذا نتوهمه في ظل واقع سوري مأساوي مدمّر، يحتاج إلى عقود طويلة من إعادة بناء وتكوين، بل "وخلق من عدم"، لإنسانية الفرد ولبشرية الجماعة ولحالة العيش مجموعا وبنية الأمة، ناهيك عن إعادة بناء بلد من الصفر، برع النظام صاحب نظرية "المجتمع المتجانس" في تدميره وإفناء الإنسان فيه.

لم أشعر بالصدمة أو الاستغراب، حين سمعت "حاكم الشام" يعلن، قبل أيام، عن أفكاره المرعبة في خطاب انتصاره على سورية وهزيمته شعبها، فالمذكور عرّفنا عن نفسه بلا مواربةٍ وبدون أي تحفظات منذ سبع سنوات كاملة، وما انفك يكرّر التأكيد، بأفعاله وأقواله، بأنه ما قلنا للعالم أجمع أنه عليه. ما جعلني أصاب بالرعب الشديد والقرف والحزن العميق أنه نمذَجَ هتلريةً علنيةً، وأمام أنظار كل أوساط الفكر وصناعة القرار في العالم ومسامعهم، من دون أن يهتز لأحدٍ من هؤلاء جفن أو أن يكترث لما قاله أحد. يرعبني بعمق أننا نعيش في عالم عدمي مرعب متطرّف وجنوني، كالعالم المعاصر. يرعبني أن الطغيان والإجرام العنصري باتا من مظاهر عادية ومألوفة وشائعة، إلى درجة عدم الاكتراث لها. لا بل ربما بتنا اليوم، باعتبارنا جنسا بشريا، نعيش في عالم فيه صناع قرار وأصحاب نفوذ لا يحلمون فقط بتأسيس "مجتمع متجانس" بل بإيجاد "عالم متجانس" هتلرياً. في هذا السياق المعولم لإعادة إحياء الهتلرية وعولمتها، يصبح كلام بشار الأسد مجرّد قطعة واحدة من صورة أوسع وأبشع وأكثر سوداوية تقتل الإنسانية، بدءاً من قصر المهاجرين ووصولاً إلى البيت الأبيض.

========================

الشباب وثورات "الربيع العربي" .. رضوان زيادة

الحياة

الاربعاء 23/8/2017

انطلقت ثورات "الربيع العربي" عام 2011، وكأنها تعبير عن الانفجار الاجتماعي وفشل طريقة الحكم سياسياً واقتصادياً، وبعد ست سنوات من بداية شرارتها فشل معظم دول "الربيع"، كمصر وسورية وليبيا واليمن في إنجاز عملية التحول السياسي باتجاه بناء نظام ديموقراطي ليبرالي يحقق تطلعات الشباب الذي كان في طليعة التظاهرات المليونية الحاشدة التي ملأت شوارع العواصم العربية. ولم تستطع هذه الدول الاستفادة من خبرة التحول الديموقراطي في مناطق أخرى من العالم كدول أوروبا الشرقية في التسعينيات من القرن الماضي، وأميركا اللاتينية في الثمانينات من القرن ذاته.

لقد تم تحطيم الآمال المشرقة لهؤلاء الشباب بتحقيق مزيد من الحريات الشخصية وإنهاء الركود السياسي والاقتصادي الذي عاشوه على مدى عقود. وبدلاً من ذلك، شهد عدد من البلدان العربية ثورات مضادة، حيث اجتاحت هذه الدول صراعات داخلية وحروب أهلية أو عادت الأنظمة السابقة ببساطة إلى الحكم.

وبالنظر إلى الفترة الزمنية القصيرة نسبياً التي تمت فيها تحولات "الربيع العربي" وشهدت ثورات ثم اضطرابات سياسية واجتماعية واقتصادية، فمن الضروري أن لا يتم الحكم على فشلها بالنظر إلى الانتكاسات التي حدثت سواء في مصر أو سورية أو اليمن. هناك بالطبع الكثير من أسباب التشاؤم في المدى القصير وربما المتوسط في العالم العربي اليوم. ولكن عندما يتعلق الأمر بثورات الشباب، فإن الرهان الأكيد هو أن معظم إنجازاتهم الحقيقية ستأتي بعد عقدين على الأقل. إن جيل الشباب العرب الذين قادوا الثورات، هو في الواقع أكثر تميزاً بكثير مما صنعه رواد الاستقلال عن الاستعمارين البريطاني والفرنسي في بدايات القرن الماضي.

علينا أن نضع في اعتبارنا دوماً أن متوسط عمر 370 مليون عربي هو فقط أربعة وعشرون عاماً. وفي الوقت الذي تشهد فيه دول مثل الهند وإندونيسيا انتفاضات كبيرة للشباب، يعاني الشباب العربي بشكل غير متناسب من انخفاض معدلات الاستثمار في بلدانهم ومعدلات البطالة المرتفعة بشكل مذهل. فارتفاع نسبة الشباب في المجتمعات العربية ربما يكون مؤشراً إيجابياً للتغيير الدائم وربما يكون سلبياً للأنظمة الأوتوقراطية التي غالباً ما تفضل الاستقرار الدائم بدلاً من التغيير.

وكما قال كريستين لورد "يمكن هؤلاء الشباب أن يحولوا مناطق بأكملها، ما يجعلها أكثر ازدهاراً، وأكثر عدلاً، وأكثر أمناً. أو أنها يمكن أن تطلق أيضاً فيضانات من عدم الاستقرار والعنف. أو كليهما. وإذا كانت بلدانهم غير قادرة على تلبية احتياجاتهم وتطلعاتهم، فإنها يمكن أن تولد موجات من الهجرة لعقود. وفي مواجهة هذا الطوفان من الشباب، ينبغي لقادة العالم أن يضعوا الاستراتيجيات ويتخذوا الخطوات اليومية التي توجهنا جميعاً نحو الهدف الأول وبعيداً من الأخير".

ينطبق ذلك بشكل أو بآخر على الشباب خلال فترة الربيع العربي، ففي ما يتعلق بمقاييس التنمية البشرية، مثل وفيات الرضع ومتوسط العمر المتوقع والتعليم المدرسي، تبدو الدول العربية اليوم أكثر تشابهاً مع دول أوروبا الشرقية في عام 1989. وفي عام 1970، كان الرضيع المولود في مصر أكثر عرضة للموت في السنة الأولى من حياته من الطفل في الهند أو في معظم بلدان أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. وبحلول عام 2005 كان مرجحاً أن يموت الرضيع في مصر بنسبة أقل من النصف. وعلاوة على ذلك، بحلول عام 2009 كان امام التونسي البالغ من العمر 15 عاماً فرصة أفضل من المواطن الأميركي لبلوغ عيد ميلاده الستين.

إن العرب المولودين في الثمانينات والتسعينات من القرن العشرين هم جيل ذهبي، انهم أكثر صحة وأفضل تعليماً مما حصل من قبل، وتبدو أرقام طفرة الولادات بعد الربيع العربي شبيهة تماماً بما جرى في الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، فلم يتم تمكين الشباب العربي من خلال إدماجه في المؤسسات السياسية لبلدانه، وانعكس توقع الرخاء مع ارتفاع نسب التعليم وزيادة معدلات الالتحاق بالجامعات، وانفجار استخدام الإنترنت، ما رفع مستويات عالية من التفاؤل بشأن المستقبل.

بالطبع لم يتحقق مستقبل مشرق. وبحلول عام 2010، كان الجيل الذهبي من الشباب العربي غارقاً في ما يمكن وصفه بأنه فشل عابر للحدود الوطنية من خلال ارتفاع بطالة الشباب وتزايد خيبة الأمل السياسية. ولعل ما هو أكثر تدميراً هو التأخر في الزواج في ظل مجتمعات محافظة تبقى الأسرة فيها نواة المجتمع الرئيسية. فبحلول عام 2007، على سبيل المثال، كان متوسط سن الزواج الأول في ليبيا 34 عاماً للرجل و31 عاماً للمرأة. كما كان العمر عند الزواج مرتفعاً بالمقدار ذاته في تونس وازداد بسرعة في مصر، حتى في القرى. بل إن عدداً متزايداً من الشباب لم يتمكن من الزواج على الإطلاق، وهو مصير مدمر في المجتمعات التي لا يزال فيها الزواج هو المسار الشرعي الوحيد للإنجاب، والنشاط الجنسي، والأمن الاقتصادي للمرأة.

كانت الأجيال العربية السابقة قد واجهت حرماناً اقتصادياً أسوأ بكثير، ولكنها اقتنعت إلى حد ما بالوظائف المتوسطة الدخل. ولكن الجيل الجديد عقد الأمل على مستقبل أكثر إشراقاً، فقد أظهر هذا الجيل قدرة فائقة على رفض فكرة الحكومات الفاسدة التي حكمت على مدى عقود طويلة حتى في الجمهوريات العربية التي بدأت تحضر لفكرة توريث السلطة للأبناء كما جرى في سورية، وبدا السيناريو مشابهاً في كل من مصر واليمن وليبيا، وسبقت الربيع العربي موجة من الاحتجاجات الشعبية، تعكس تحالفات واسعة بين الحركات العمالية والليبراليين والإسلاميين وغيرهم. وفي حين أن الاحتجاجات كثيراً ما تعالج الظروف الاقتصادية الصعبة، فقد تحول التركيز من قضايا الخبز والحياة الاقتصادية البسيطة إلى مسائل العدالة الاقتصادية وحقوق العمال. وكانت المشاركة في الاحتجاجات في الواقع أكثر احتمالاً بين أولئك الذين كانوا متعلمين وموظفين، أو بعبارة أخرى ما تمكن تسميته تجاوزاً الطبقةَ الوسطى في العالم العربي، هذه الطبقة التي قادت الثورات العربية بشكل أو بآخر والتي كان شعارها دوماً التظاهر ليس من أجل الخبز فقط، ولكن لرؤية بديلة للمستقبل.

إن فئة "الشباب" تشمل دائماً شرائح مختلفة من السكان أيديولوجياً وطبقياً واجتماعياً، ولكن الوعي الاجتماعي الخاص بهذه الفئة يمكنه في فترة من الفترات تجاوز الخلافات الاجتماعية والطبقية والأيديولوجية من أجل التوحد بهدف التغيير.

لم تخلق فئة الشباب في التاريخ العربي الحديث منظمات خاصة بها، ولذلك فإن الشباب العرب الذين ولدوا بين عامي 1980 و2000، يشكلون مرحلة عمرية في غاية الأهمية وبعد عقدين أو ثلاثة عقود من الآن، سيتوجه شباب ميدان التحرير أو القصبة في تونس أو ساحة الشهداء في طرابلس إلى صلب الصراع السياسي، فقد حقق هؤلاء الشباب عدداً من الإنجازات خلال فترة الربيع العربي بالرغم من اتساع الاضطرابات والاحتجاجات وحتى الصراعات المسلحة كما في ليبيا وسورية واليمن، وأهم هذه الإنجازات تحطيم طريقة انتقال الحكم في الجمهوريات العربية أو ما يمكن أن يطلق عليه الرؤساء مدى الحياة.

========================

بالسوريين وليس بـ "الشعب السوري" نتجاوز النظام .. لؤي حسين

الحياة

الاربعاء 23/8/2017

أجزم أن النظام السوري يرتقي ليكون واحداً من أسوأ أنظمة الحكم التي خبِرها الاجتماع البشري، في ما يتعلق بانتهاك الحريات الفردية وحقوق الإنسان. فلدى النظام أبشع أنواع السجون، وأسوأ أنواع المعتقلات، من ناحية ظروف الحياة فيها أو أنواع التعذيب التي تُمارس تجاه المعتقلين ضمنها. فالمخابرات السورية والأجهزة الأمنية، بما في ذلك الشرطة المدنية والعسكرية، مارست أشنع أنواع التعذيب التي تفتقت عنها أذهان الوحوش البشرية في قاطبة الأرض.

هذا ليس "حكي جرايد"، ولا كلاماً اعتباطياً، بل حقائق خبرتها بتجربتي الشخصية في عدد من معتقلات النظام ومراكز اعتقاله. ولا أعتقد أنه يوجد كثير من السوريين، من الموالين ومن المعارضين، ينكرون عليّ ما ذكرته من حيث صحة الواقعة. ولكن مع ذلك، فإن بعضهم ينظر إلى هذه الممارسات على أنها أفعال طبيعية يتوجب على السلطات أن تقوم بها بحق البعض. وهذا الرأي نابع من عدم أصالة مفهوم حقوق الإنسان عند العموم السوري (وعند الخاصة أيضاً)، إذ إنهم جميعاً يعتبرون أن هذه الحقوق حَقٌّ للقريب ولا يستحقها الغريب. ومع ذلك، فإن بعضاً ممن يعتبرون هذه الممارسات أفعالاً مدانة، يعتقدون أن النظام لا يتحمل مسؤوليتها، لقناعتهم أنها ليست من طبيعته ولا ناجمة عن بنيته، بل يؤكدون أن من يقوم بها هم العناصر المُفْسِدة في النظام.

ومع ذلك، وبالتوازي مع ما ذكرت، أعتبر أن الإطاحة بالرئيس بشار الأسد، لو تمّت، ما كان لها أن تكون كفيلة أو كافية إطلاقاً لإنهاء حالة الاستبداد التي يتأسس عليها كل هذا العنف وهذا الانتهاك لحقوق الإنسان. فأغلب المستبدين، ما لم يكونوا جميعهم، يرتكبون أفعالَ قتل عندما يضيق بهم حال الحكم.

لكن، وبهذا التوازي ذاته، يتوجب القول إن النظام السوري في حال بقي على حاله، من دون تغييرات جذرية كبرى في بنيانه، فإنه سيعيق أي عملية تحول ديموقراطي، وسيبقى يصادر وينتهك حقوق السوريين وحرياتهم الفردية.

بناء على هذا، فإننا كسوريين في مواجهة تحدٍّ في غاية الدقة، إذ يتوجب علينا، إن كنا معارضين أم موالين، أن نعمل لتفكيك البنية الطغيانية العنفية الموجودة في بنية النظام وفي بنية المجموعات المعارضة بخاصة الجهادية منها. وأن نقوم بعملنا هذا مع استمرار بقاء النظام السوري. فصحيح أنه خسر جميع سلطاته السيادية، وبات "مَربطه" مُحكَماً بيد الروس أولاً والإيرانيين تالياً، لكنه بالمعنى الشارعي الميليشياوي هو المنتصر. فخلال مرحلة تحوله ليصبح، بقضه وقضيضه، مجرد ميليشيا، حوّل البلاد برمتها إلى تركيبة ميليشياوية، وأصبح الآن يتصالح مع الميليشيات المعارضة راضياً ببقائها تمارس ميليشياويتها على أبناء مناطقها.

هذا التحدي يفترض منّا عدم القبول بانتصار الشارع على العقل والحكمة، وعدم الاكتفاء بندب حظنا نتيجة ما آلت إليه أحوالنا، والإقلاع عن هوايتنا في "حكي القهاوي" والتحليلات فوق الدولية. فعلينا إدراك أن عنفنا السلطوي ليس وليد حكم بشار الأسد، حتى لو كان بلغ أقصى حدوده خلال عهده، بل إن أُسس هذا العنف وُضِعَت مع الانقلاب العسكري الأول في البلاد، حين صادر المنقلبون، بعنف سلاحهم، حق السوريين باختيار قياداتهم وسلطاتهم وفق إرادتهم الحرة. ومع أنّ مسألة حقوق السوريين وحرياتهم وكراماتهم كأفراد لم تحظ باهتمام مناسب من غالبية التيارات السياسية والفكرية والثقافية آنذاك (ولا الآن)، غير أنه مع استيلاء العسكر على السلطة بدأت عملية إنتاج مفاهيم مغلوطة ومخاتلة عن الدولة والسلطة والوطن والشعب، وغيرها من المفاهيم والقيم التي يقوم عليها العمران الإنساني المزامن لتلك الفترة، ساهم كل ذلك في تغييب ثقافة الحقوق والحريات عن الذهنية العامة.

ولم يطل الزمن كثيراً بالانقلابات العسكرية حتى أنتج حزب البعث نسخته منها، حيث استولى على السلطة وقام بإلغاء أي معنى مفهومي أو واقعي لأن تكون الدولة تنظيماً مجتمعياً يقوم على توافق مجموعة من الأفراد الموجودين في جغرافيا سياسية محددة لتَدَبُّرِ شؤونهم المشترَكة (تعريف تبسيطي). فلم تعترف السلطات البعثية بالجغرافيا السياسية السورية، واعتبرت سورية الحالية مجرد جغرافيا طارئة ولِدَت من اتفاقية "سايكس بيكو"، وبالتالي هي غير صالحة لإقامة دولة عليها. ورفضت في شكل مطلق الاعتراف بوجود اجتماع سوري، فالسوريون بنظرها لا معنى لهم ولا هوية خارج الشعب العربي الواحد.

مع سيطرة الذهنية القومية، البعثية وغير البعثية، ليس في سورية فحسب بل في مجمل الخطاب السياسي والثقافي العربي، صار "الشعب" بوجوده غير المتعيّن هو مصدر السلطات. فمصطلح "الشعب" هذا لا وجود له في الواقع، إذ يقتصر وجوده على الخطاب الديماغوجي التضليلي الذي يعمل على إعطاء شرعية للسلطات التي ليست لديها شرعية انتخابية. فالشعب ضمن هذا الاصطلاح يعلو الواقع المجتمعي ويفارقه. وبمعنى ما: إن قُتل نصف مليون "بني آدم" سوري فإن هذا "الشعب" لا يتأثر بذلك نقصاناً، وإن سعى بعض الأطراف لإلغاء طائفة سورية برمتها، إلغاءً وجودياً أو حقوقياً سياسياً، فإن هذا "الشعب" يبقى من دون نقصان أيضاً. فقد استُخدِم هذا المصطلح في تجربتنا الصراعية الأخيرة كأداة إلغائية وإقصائية وعدوانية على الأفراد. فالشعب عند النظام يلفظ المعارضين من طيات تعريفه، وعند المعارضة لا يحوي الموالين تحت عباءته.

قد يكون من المجدي أن يكون مطلع تنطحنا لمواجهة تحدياتنا القادمة أن نقوم بعدد من القراءات النقدية للتجارب السياسية السورية، ولتجارب الحكم السوري، منذ بدايات تأسُّس الكيان السياسي السوري بحدوده الحالية. وذلك بهدف رصد واقع الفرد السوري على مستوى الحقوق والحريات. هذا لأن الفرد هو الوحدة المكوِّنة للمجتمع المديني، وهو المفردة التي تقوم عليها الدولة الحديثة. فعلى الأغلب أننا سنلحظ أن غالبية القوى والحركات، المدنية أو العسكرية، التي ولجت الحقل العام، منذ ذاك الحين إلى الآن، بقصد التغيير السياسي، هي من طينة طغيانية واحدة تقوم بفرض أيديولوجيتها وقادتها وسياساتها على العموم بالوسائل العنفية. وحتى مَن "شَكَلَ" منها كلمة الديموقراطية في سياق شعاراته أو في صدر طروحاته، كان تبنيه لها ذا طابع شكلاني. فالديموقراطية لا تقوم البتة إلا على الحريات الفردية المصانة بالدستور والقوانين، والمحمية من مؤسسات حكومية قادرة على ذلك، والمحتَضَنة في الذهنية العمومية. فلا يمكن أن يكون المسعى إلى الديموقراطية جاداً أو صادقاً إن كان الساعي ما زال يرى أن الدولة تقوم على فكرة "القوم" وليس على الفرد (القوم: العرب أو الكرد أو الإسلام أو الطوائف وغيرها). فغالبية الحركات السياسية، أو الثقافية والأدبية أيضاً، لم تعط لهذا الفرد شرعية الوجود ككيان مستقل بذاته خارج مفاهيم "القوم" أو اصطفافات "القوم" أو أخلاق "القوم"، بل اعتبرت أن "الفضيل" هو الشخص التقليدي الذي لا يعتمد البدعة فيكون منشقاً عن قومه يتوجب نبذه، لكون الانشقاق عيباً وضلالة.

لهذا علينا، إن أردنا وطناً يليق ببشر يعرفون حقوقهم، أن لا نقيمه على مقولة أنه وطن للشعب العربي ولا حتى "للشعب السوري". فمقولة الشعب القارّة في أذهاننا تجعله سابقاً على وجودنا كأفراد موجودين في الواقع العياني المحسوس، وطاغياً على إراداتنا الحرة. وهذه العلاقة بين هذا "الشعب" وبين الأفراد توجب امتثالهم لقِيمه وغايات وجوده... هذه الغايات التي يصوغها أصحاب السلطات القهرية. فجميع هذه السلطات ذات خطاب شعبوي تدّعي تمثيلها الشعب، فتقوم بقهر الناس وقمعهم وفرض سطوتها عليهم، بغض النظر عن قوميتهم أو دينهم أو طائفتهم، بذريعة دفاعها عن "الشعب".

إذاً، إن كنا نريد وطناً يتساوى فيه جميع السوريين ولا يَنْزِل بأحدهم ضيمٌ من أحد آخر، فرداً كان أم جماعةً، فعلينا أن نبني هذا الوطن على مبدأ اجتماعنا مع بعضنا كأفراد سوريين أحرار. نختار العيش مع بعضنا بحرية ووفق قيمٍ تجمعنا، لا رضوخاً لـ "قيم" يفرضها الغالب على المغلوب، أو الكثرة على القلة، أو القوي على الضعيف، أو الغني على الفقير، أو الرجل على المرأة. ونصوغ قيمنا الجامعة ضمن عَقْدٍ بيننا نعليه فوقنا جميعنا، ضمن صيغة أن: الدولة السورية تقوم على عقد بين أفراد سوريين أحرار متساوين في الحقوق والواجبات، لا يَفضُلُ أحدهم غيره بسبب دينه أو طائفته أو قوميته أو جنسه أو عقيدته أو معتقده.

========================

من (الشرعية الثورية) إلى الشرعية الدستورية .. عبد الله تركماني

 جيرون

الثلاثاء 22/8/2017

لئن تمكن نظام “حزب البعث” من تأسيس جزء من شرعيته، على عوامل فوق وطنية؛ فقد تمكن من تفتيت آليات وبنى الولاء الوطني، بشكل يولِّد -حاليًا- حالةً من الفراغ وافتقاد الزعامة على نحو خطير. ومع دخول الصراع مرحلة الاستعصاء الراهنة، ووصولنا إلى مرحلة “توزان الضعف”، بين المعارضة وسلطة آل الأسد؛ يستمر المجتمع السوري في تقديم التضحيات الجسيمة، ليصبح التحدّي الأكبر الذي سيواجه الجمهورية الثالثة القادمة هو كيفية نقل السلطة ومفاتيحها إلى شرعية دستورية ديمقراطية.

لقد عبّرت الثورة عن رغبة أصيلة لدى أوسع قوى الشعب في إقامة جمهورية سورية ثالثة، والانتقال بالبلاد من عهد “الشرعية الثورية” إلى الشرعية الدستورية القائمة على الحكم المدني الديمقراطي. لكنّ الإشكال أنه في غياب أي مستوى مقبول من القيادة السياسية واللوجستية، بل وغياب الحد الأدنى المقبول للقيادة العسكرية، يصبح السؤال الأساسي: كيف يمكن إعادة توليد عقد اجتماعي سياسي جديد يكفل تحويل حالة الفوضى الراهنة إلى عملية بناء لشرعية، لا تقوم على تعسف منطق الصراع بل على توافقات منطق العقد الوطني.

فما هي مآلات الجمهورية السورية، على صعيد الدولة والمجتمع، وعلى صعيد الجغرافيا والديموغرافيا؟ وهل ما زال ثمة أمل يرجى من استمرار هذه الجمهورية؟ وما هي الإجماعات الجديدة التي ستتشكل عند السوريين الجدد؟

بعد أن عقد الشعب السوري العزمَ على أن يخرج من حياة العبودية‏‏ التي تخبّط في أوحالها وظلماتها، أكثر من 40 سنة‏،‏ ويعودَ حرًا كما وُلد؛‏ علينا أن نسأل: ما الذي ينبغي تغييره؟ وما الذي ينبغي الإبقاء عليه؟ وكيف نضمن التطورات المستقبلية؟ وماذا نفعل بالثقافة السلطوية القديمة؟ وهل التغيير يحدث من تلقاء نفسه أم لا بدَّ من إدارته؟ وما هي الفترة التي ستستغرقها عملية التحوّل؟ وهل يمكن لثقافة سياسية بكاملها أن تتغير لتحلَّ محلها ثقافة أخرى؟

والسؤال الرئيسي هو: كيف يمكن أن يتحقق الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية في سورية؟ أي كيف يتم تفكيك النظام الشمولي والدولة الأمنية؟ وكيف يُعاد إنتاج النظام السياسي على نحو يؤسس لديمقراطية، تشكل أساسًا للتغيير بكل مستوياته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، بما يفرضه ذلك من إعادة بناء الدولة السورية الحديثة؟

إنّ خيار الوطنية الجامعة يمكن أن يضع السوريين في وضع أفضل لمواجهة تحديات المستقبل، إذ إنّ التفكير في المعطيات الراهنة يقتضي التأسيس لتصوّر جديد لهذه الوطنية، يقوم على النظر إلى المكوّنات السورية المختلفة كمكوّنات تأسيسية متساوية الحقوق والواجبات، ويؤسس لامتلاك السوريين دولتهم، ويسهم في تكوّنهم كمواطنين أحرار متساوين. ومن غير الممكن تصوّر سورية لكل مواطنيها، بمعزل عن عودة الروح إلى المجتمع المدني، وضمان مؤسساته المستقلة عن سلطة الدولة، كي يسترد المجتمع حراكه السياسي والثقافي، بما يخدم إعادة بناء الدولة السورية الحديثة.

في كل الأحوال، طالما أنّ كرامة وحرية الإنسان هي التي تشكل أساس تطور أي مجتمع، فإنّ الرقابة المُمَأسسة، التي تمكّن من وضع الإنسان السوري المناسب في المكان المناسب، تشكل أحد أهم الشروط لتحقيق الانتقال من الاستبداد إلى الدولة الديمقراطية التعددية، بأقل الخسائر، واستئصال شأفة العنف من العلاقات الاجتماعية والسياسية.

إنّ أهم ما يواجه عملية التحوّل الديمقراطي في سورية هو ضرورة إجراء حوار وطني شامل حول كيفية التعامل مع الماضي في إطار العدالة الانتقالية؛ بما يؤدي إلى رفع الوعي القانوني وتعزيز الثقافة الحقوقية بأهمية التعامل -إنسانيًا وقانونيًا- مع الماضي بطريقة تجنّب المجتمع السوري ردات الفعل بالانتقام أو الثأر أو الكيدية، أو تغذّي عوامل الكراهية والحقد والضغينة.

ولكي يتم تسهيل مهمات المحاسبة، يمكن تشكيل هيئة عليا مستقلة للحقيقة لكشف الانتهاكات في الماضي وخلال الثورة، بحيث تضم ممثلين عن جميع القطاعات والحقول القضائية والقانونية والإعلامية والأكاديمية والأمنية والعسكرية والصحية والنفسية، إضافة إلى ممثلين عن منظمات المجتمع المدني، ويكون لهذه الهيئة شخصية اعتبارية ومعنوية وضمان استقلالها المالي والإداري، ويتم ذلك قانونًا بحيث تحال إليها جميع الملفات ذات العلاقة بالمجازر واجتياح المدن وقصفها بالصواريخ والبراميل المتفجرة والاغتيالات أو التعذيب أو السجن أو جرائم الفساد أو غيرها.

إنّ المصالحة الوطنية لا تعني النسيان، وإنما إلغاء الثأر والانتقام، عبر اللجوء إلى القضاء، وذلك يعني أنه لا بدَّ من أن يقبل كل السوريين، من يشعر أنه كان ضحية للنظام ومن يخاف أن يكون أحد ضحايا التغيير، بأنّ سورية المستقبل قادرة على حمايتهم جميعًا، وعلى أن تؤمّن لهم مستقبلًا أفضل. وهنا لا بدَّ من التشديد على مبدأ ربح الجميع، بمعنى أنّ المسؤولين الحاليين الذين سيصبحون سابقين، ممن لم تتلطخ أياديهم بدماء الشعب السوري وبالفساد العام، يتوجب عليهم إدراك أنّ تفاوضهم، بشأن التحوّل الديمقراطي، هو ضمانة لعدم تعرّضهم للمساءلة في المستقبل. كما أنّ على الضحايا السوريين أن يدركوا أنّ مستقبل سورية يتعلق بمدى قدرتهم على تجاوز الماضي من أجل الشراكة في سورية المستقبل، وهذا لن يتم بالطبع إلا عبر المفاوضات المشتركة من أجل وضع خريطة طريق للانتقال الديمقراطي.

========================

مستقبل الصراع الدولي على سورية .. رضوان زيادة

العربي الجديد

الاثنين 21/8/2017

عندما كان مرشحا يخوض حملته الانتخابية باسم الحزب الجمهوري؛ أثار دونالد ترامب مسألة المناطق الآمنة في سورية، حيث وعد بإنشاء مناطق لحماية المدنيين، واستخدامها مأوى للاجئين السوريين، لكنه لم ينفذ الفكرة، بعد أن اكتشف مدى تعقيدها وبعد تحذير روسيا ورفضها. وكانت المعارضة السورية قد دعت إلى تنفيذ هذه المناطق منذ عام 2011 وسيلة لحماية المدنيين داخل سورية، وهذا هو السبب في أن الموقف الروسي الجديد لدعم فكرة "مناطق التصعيد" كان مفاجأة لمعظم جماعات المعارضة المتشكّكة جدا في النية الروسية في سورية.

وقد ساعد الغموض في شروط "مناطق تخفيف التصعيد" الروس على قطع الطريق على فكرة المناطق الآمنة التي لا يرغبون برؤيتها تفرض على عكس رغبتهم ورغبة نظام الأسد. لجأت روسيا في سورية مراراً إلى لغة الغموض، في محاولة منها لتجنب الانتقادات المتكرّرة، بحيث أصبحت هذه اللغة سياسة بحد ذاتها، فلجميع القوى الدولية والإقليمية مصطلحاتها ومفاهيمها التي تحاول دوما فرضها.

دعمت تركيا فكرة المناطق الآمنة منذ بداية عام 2012، ثم دعمت مجدّدا فكرة مناطق خفض التصعيد أو التوتر التي حدّدتها محادثات أستانة؛ وهي تعني التخلي تماما عن مفهوم المناطق الآمنة أو مناطق حظر الطيران، حيث تضع تركيا الآن كل طاقتها لمحاربة حزب الاتحاد الديمقراطي والمليشيات الكردية، وهذه هي النسخة السورية من حزب العمال الكردستاني الموضوع على قائمة المنظمات الإرهابية التركية.

لم تقدم إدارة ترامب أي تفسير للاتفاق الموقع بشأن جنوب سورية، حيث حاولت تقديمه قصة نجاح بعد الاجتماع بين الرئيس ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في محاولةٍ لتجنب الانتقادات الداخلية في العلاقة بين حملة ترامب الانتخابية والقيادة الروسية. هذا هو السبب في أن مستقبل هذا الاتفاق لن يكون مختلفا عن غيره، ومن الصعب جدا على إدارة ترامب أن تجادل العكس، لكن الاتفاق ربما يكشف عن استراتيجية ترامب الجديدة في سورية التي هي ببساطة استمرار لسياسة أوباما السابقة، من حيث التركيز في القتال والقضاء على "داعش"، بالاعتماد على مليشيات محلية، من دون وجود قوات أميركية على الأرض. لكن ما لم تدركه إدارة ترامب اليوم أن الوضع في في سورية اليوم مختلف عمّا كان عليه الصراع في سورية في عام 2013 أو قبله.

"سورية اليوم مثال نموذجي لفشل المجتمع الدولي في حل قضيةٍ كان التدخل المبكر قادرا على إيجاد حلٍ لها"

لدينا اليوم ثلاثة مستويات مختلفة من الصراع، وفي كل مستوى هناك فاعلون وأطراف عديدون مشاركون. على الصعيد الدولي، تتنافس روسيا مع الولايات المتحدة على مصالحها في سورية. على المستوى الإقليمي، لدينا تركيا من جهة، وهي تشترك على الأقل بـ560 ميلا من الحدود مع سورية، في منافسة مع إيران والسعودية على القضايا الطائفية، والتوسع في سورية. وعلى المستوى الثالث، لدينا مجموعات محلية داخل سورية تتقاتل مع بعضها بعضا، كما أن النظام السوري الذي يخاتل دوما باستخدام مصطلح السيادة، لجأ إلى الاعتماد أكثر فأكثر على المليشيات الشيعية للقيام بالقتال، في مقابل جماعات المعارضة المسلحة التي باتت تنقسم إلى تلك الإسلامية المتطرفة، وتلك الوطنية تحت راية الجيش السوري الحر الذي فقد وجوده يوما بعد يوم.

تجعل هذه الخرائط المعقدة من الصعب جدا على أي إدارة أميركية بناء سياسةٍ فعالة في سورية، إذ على جميع أصحاب هذه المصالح المتضاربة أن تتوافق على ما ترغب بتحقيقه في سورية، وهو، في الوقت نفسه، يفرض على هذه الأطراف المختلفة أن تتفق في فهمها للمصطلحات المختلفة، عندما نقول "وقف إطلاق النار" أو "الهدنة" أو "مناطق التصعيد"، وإلا فإن هذه الأفكار أو المفاهيم ستصبح مصطلحات "نظرية"، لا معنى لها على الأرض، وستبقى الأطراف المختلفة تتقاتل على سوء نوايا الأطراف في سياساتها تجاه سورية. ولذلك، ليس صعبا أن تتهم المعارضة السورية اتفاق "خفض مناطق التصعيد" بأنه خطة لتقسيم سورية. ذلك أن روسيا ترغب في استخدام "مناطق التصعيد" هذه وسيلة لتجميد الصراع في سورية، ثم زيادة فرص حكومة الأسد في قضم الأراضي التي تسيطر عليها المعارضة. وعندما تتخلص الولايات المتحدة من "داعش" في الرقة ودير الزور، لن يكون أمام سورية أي خيار

"مستقبل الصراع الدولي على سورية، وهو تجميد الصراع على حاله، ومنع أقلمته، لكن من دون حله" آخر، بدلا من تسليم هذه الأراضي إلى الحكومة السورية لحكمها، لأن الولايات المتحدة لن تكون قادرةً على إرسال قواتٍ إلى هناك، للسيطرة الكاملة على هذه المناطق. فعلى الرغم من الخطابة التي استخدمتها إدارة ترامب، في كل مرة، للتمييز عن إدارة أوباما في كل مرة، وعلى كل المستويات، إلا أنها تبدو أنها تتبع خطى أوباما التي سارت من قبل في سورية، التركيز على تنظيم الدولة الإسلامية كما قلنا، والاعتماد على المليشيات المحلية، للتخلص من المجموعات الإرهابية، والاتفاق مع روسيا لتخفيض التصعيد، أو تجميد الصراع، لأنه ليس لديك مصالح لاستثمار مزيد من الموارد في حلها، والبقاء النهائي بعيدا بقدر ما تستطيع من "المستنقع السوري".

هذا هو مستقبل الصراع الدولي على سورية، وهو تجميد الصراع على حاله، ومنع أقلمته، لكن من دون حله، لأن كل هذه الأطراف الدولية، وخصوصا الولايات المتحدة، ليست مستعدة لاستثمار أية موارد إضافية لحل المسألة السورية بشكل نهائي، وبما يستجيب لحق الشعب السوري في اختيار نظام حكمه وانتخاب رئيسه، بل وأبسط من ذلك، ستبقى قضية اللاجئين السوريين مثارةً باستمرار، مع تصاعد أعمال العنف الإرهابية في منطقة الشرق الأوسط وأوروبا، وهي ما يزيد معاناة السوريين التي لا يبدو أن أحدا ما في هذا العالم القاسي يكترث لها، أو يعير لها بالاً. سورية اليوم مثال نموذجي لفشل المجتمع الدولي في حل قضيةٍ كان التدخل المبكر قادرا على إيجاد حلٍ لها، لكن رؤية المصالح الضيقة، والخوف من الفشل، بعد ما جرى في العراق انتهى بنا بالوضع في سورية إلى ما هي عليه اليوم، ثلاث أزمات تتكاثر: انتقال سياسي يستعصي على الحل، ويزيد الألم والمعاناة مع تمسك الأسد بموقعه، ورغبته المشؤومة في تدمير سورية حلا لها، ولاجئون لا يجدون سوى البحر ملاذا آمنا، ومنظمات إرهابية تزداد عنفا وسوداوية، وجدت في سورية موئلاً مناسبا لها لتحكم وتنفذ ما لم تكن تحلم بتحقيقه أبداً، والنتيجة سورية التي نعرفها لم ولن تعود كما كانت من قبل.

========================

أي خيارات جديدة أمام السوريين؟ .. برهان غليون

العربي الجديد

الاحد 20/8/2017

أي خيارات جديدة أمام السوريين؟

لم تنته المواجهة التي بدأت منذ ما يقارب السنوات السبع بين الشعب والنظام في سورية، والحرب التي أعقبتها، بنتيجة لا غالب ولا مغلوب، كما أراد لها المجتمع الدولي، في المحصلة، على الرغم من تباين مواقف أعضائه، وإنما إلى مغلوبٍ ومغلوب، أو بعبارة أخرى إلى تدميرٍ متبادل للنظام والشعب، ومن ورائهما للدولة والعمران. وكما يحلو للنظام أن يتظاهر بأنه لا يزال يمون على قواتٍ معظمها مستجلبةٌ من الخارج، أي قوات احتلال بالمعنى الحرفي للكلمة، وأنه لا يزال يملك أوراق انتصارٍ موعودٍ على منوال: خلصت، تستمر المقاومة من الشعب المسيب، بفئاته وشرائحه وقواه المختلفة، وبطرق متباينة وأحيانا متناقضة أيضا. وبينما لا يتوقف المحتلون عن اختلاق الذرائع، لتمرير خططهم وتوسيع دائرة نفوذهم، والحفاظ على مكاسبهم، ولا يضيعون دقيقةً من دون أن يهيئوا لحشودٍ جديدةٍ لتعزيز مواقعهم وتأكيد مكاسبهم، لا يكف السوريون الذين خاضوا معارك انعتاقهم الأنبل، وهم يطلقون أهازيجهم في الساحات والشوارع التي كانت عصيةً على غير قوات الأمن ورجال المخابرات في المظاهرات التي تحدّوا فيها رصاص أعدائهم وجلاديهم، من دون أن يرفّ لهم جفن، يبحث الناشطون الذين عاشوا اللحظة السحرية التي جمعتهم، عمالا وفلاحين، مدينيين وريفيين، مسلمين ومسيحيين، هراطقة ومؤمنين، في موجة حب وأمل واحدة، ورفعتهم فوق اختلافاتهم ليتحولوا إلى شعبٍ، بعد أن كانوا عبيدا متكارهين ومتنابذين، عن السعي إلى إيجاد الأطر التي تمكّنهم من متابعة الثورة وتحقيق أهدافها، من هيئات ومجالس وخلايا أزمة ومؤتمرات وطنية. وفي قلب هذا المسعى، يكمن أيضا البحث اللاهث عن قيادةٍ مركزيةٍ، تعيد ترتيب أوراق الثورة وتغيير استراتيجيتها لخوض معركة الانتقال المعقدة والغامضة.

"العودة إلى المجتمع وإعادته إلى الحياة والاستثمار في تنظيمه، وتأهيله لعصر جديد يقطع مع عصر الطغيان والاستعمار. هذه هي الرسالة الوحيدة المقدّسة للنخبة السورية الجديدة"

 

1

هذا يعني أن حسم الجولة الأولى التي سيطرت عليها المواجهة المسلحة لصالح الدول الأجنبية لن تنهي الحرب التي يبقى محور الصراع فيها تقرير لمن السيادة في سورية، للشعب أم لنظام الطغمة العسكرية المخابراتية التي استملكت الشعب مع الأرض التي يعيش عليها، وحولته إلى أقنانٍ يعملون بالسخرة لحسابها، ومن أجل مراكمة مزيدٍ من الأموال في المصارف الأجنبية، ولكنها تعيد إطلاقها على أسسٍ مختلفة، تترابط فيها مهام التحرير السياسي والتحرير الوطني معا. وإذا كانت الظروف الإقليمية والدولية قد خدمت النظام في هذه الجولة الأولى، ومنها التدخل الخارجي الحاسم، والتشتت الذي عانت منه الأوساط الشعبية التي حرمتها عقود الاحتلال الداخلي والهمجي الطويلة من أي خبرةٍ تنظيميةٍ، مدنية أو سياسية، وحطّمت نوابض اجتماعها التضامنية، فإن الجولة المقبلة ستكون حاسمة، وسوف تبرز فشل ما تبقى من النظام وحماته من قوى الاحتلال في إعادة بناء أي شكلٍ من السلطة والنظام في ظل ما أحدثوه هم أنفسهم من خرابٍ ودمار واضطراب في بنى المجتمع السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ومع ذلك، يعرف السوريون أن المواجهة في هذه الجولة الثانية التي تختلط فيها مهام التحرير السياسي والتحرير الوطني معا، لن تكون سهلةً ولا قصيرة، لأن المصالح الإقليمية والدولية الكبيرة التي تقف وراء نظام التشبيح والتعفيش والتهجير والإبادة الجماعية لن تتخلى عن هذا النظام، وسوف تتمسّك به، وتستثمر فيه ما استطاعت، حتى تضمن تحت غطائه ترتيب أوضاعها الجديدة، وتحقيق أهدافها الاستراتيجية التي لا يمكن، في الأحوال الطبيعية، ومهما انحطت قواعد العمل في حقل العلاقات الدولية، أن تحلم بانتزاعها من شعبٍ سيد، وعضو مؤسس في المنظمة الدولية. فما لم تحصل انهياراتٌ داخلية غير متوقعة، ستقاوم طهران حتى آخر رمق أي محاولة لإخراجها من سورية، بل لتحديد دائرة نفوذها، حتى لو لوّحت موسكو للعرب والغربيين بغير ذلك. وليس من المؤكد أبدا أن يكون لموسكو مصلحة في أن يستعيد الشعب السوري عافيته، ويرسي قواعد وأسس إعادة بنائه السياسي والعمراني، وهي تحاول منذ الآن، كالحكومة الإيرانية، الاستفادة من ضعفه، وتعمل على تحييده لتوسيع دائرة نفوذها ومكاسبها الاستراتيجية، ليس في سورية فحسب، ولكن في عموم المنطقة، خصوصا في مواجهة القوى الغربية التي تعتقد أنها نجحت عن طريق الاستفادة من الأزمة السورية في وضع الأنشوطة في رقبتها، فغياب الشعب السوري عن مصيره وقراره ووجوده هو اليوم مصلحة مشتركة لقوى دولية وإقليمية عديدة، لإنجاز ما حققته من مكاسب وتعزيزه. وأفضل ما يمكن أن يناسبها من خياراتٍ هو أن تجمع بين وقف القتال أو كما تسميه تخفيض وتيرة القتل، للتخفيف من ضغط الرأي العام العربي والدولي عليها، وقصر سيادة السوريين وقرارهم السياسي على إدارة شؤونهم المحلية من خلال مجالس أو إدارات ذاتية مهمتها تدبير شؤون محلياتها المعيشية، والحد من تغوّل المليشيات التشبيحية والإجرامية على الأهالي، لإحداث وهم العودة إلى الحالة الطبيعية. هذا يعني ثلاثة أمور:

الأول، استبعاد التوصل إلى أي حل سياسي في الأفق المنظور، يمهد الطريق إلى مرحلة انتقالية بتفاهم قوى المعارضة المتعدّدة، بما فيها الثورية، مع النظام. وبالتالي، سقوط الرهان على حل سريع يفتح باب التطبيع العسكري والسياسي والقانوني، ومن ورائه الاستعادة التدريجية للشرعية والدولة والسيادة والقرار الوطني. وهذا ما يزيد من خطر التغريز في وحل حالة التعفن والاستنقاع، حيث تصعب الحرب ويستحيل السلام، وفي إثرها، تعميق مشاعر الخيبة والبؤس واليأس لدى الجمهور الواسع الفاقد أي أمل، في جميع المناطق السورية، سواء كانت خاضعة لما يسمى بمليشيات النظام أو للمجالس المحلية.

والثاني، ينبغي الاعتراف بأن الأشكال التنظيمية التي ورثها المجتمع السوري عن المرحلة السابقة التي سيطرت على النزعة العسكرية، ردا على همجية النظام، لم تعد صالحةً لتحقيق مهام الدفاع عن المجتمع في وجه السلطة المليشياتية، ولا تحقيق رهانات الثورة السورية الرئيسية. إن افتقادها العلاقة مع الشعب وقصر نظرها في رؤيتها للواقع على العلاقات الدولية والفصائل العسكرية، قد حرماها من إدراك التغيرات العميقة التي حصلت على الوضع الاستراتيجي، وأكّدا عجزها عن إعادة تأهيل نفسها للمرحلة الجديدة. ومن الخطأ المراهنة عليها في تحقيق أي تقدّم في كسب معارك المرحلة المقبلة في أي مجال. وهي تتحول بوجودها وتخبطها وعجزها في الواقع إلى أكبر مصدر للسخط والقلق والإحباط عند جمهور الثورة الواسع والرأي العام السوري عموما. وهذا ما يفسّر تزايد الدعوات بين مجموعات الناشطين والسياسيين الذين يشعرون أكثر فأكثر بأنهم فقدوا مبادرتهم ودورهم وقدرتهم على التأثير إلى إنشاء منظمات وهيئات ومؤسسات جديدة. كما يفسر سعي الدول إلى استبدال هذه الهيئات أو تغيير قياداتها لحفظ ماء وجهها. لكن جميع هذه المبادرات تكاد تكرّر نفسها، منذ تكوين المجلس الوطني، وتتوجّه بشكل رئيسي إلى المجتمع الدولي، لإقناعه بأنها البديل المطلوب أو الأداة القادرة على صنع البديل. والحال أن الأوضاع تجاوزت مسألة إيجاد البديل، كما كان سائداً في السنتين الأوليتين من الثورة، ويكاد يكون هناك إجماع ضمني، وعفوي لدى الرأي العام الدولي، الشعبي والرسمي للأسف، على أن وقت البحث عن بديلٍ قد فات، وأن الواقعية تقتضي الاعتراف بأن سورية ستبقى دولةً فاشلةً ومزرعة للقوى والمليشيات والمصالح الأجنبية، في حماية ما تبقى من رجال وأجهزة الأمن التي يشكل الأسد منذ الآن مجرد علامة تجارية لها.

"المصالح الإقليمية والدولية الكبيرة التي تقف وراء نظام التشبيح والتعفيش والتهجير والإبادة الجماعية لن تتخلى عن هذا النظام، وسوف تتمسّك به"

 

2

والأمر الثالث، أن هناك حاجة عاجلة لإعادة بناء استراتيجية الثورة السورية، والانتقال من مواجهة مباشرة على جبهات القتال الثابتة إلى مقاومة طويلة المدى، متحرّكة ومتعدّدة الأشكال، تشمل ميادين النشاط الاجتماعي كلها، بما فيها العسكرية، وتهدف إلى إعادة هيكلة أو بناء مؤسسات المجتمع التي دمرت أو خربت، ومساعدته على تنمية قواه الذاتية والدفاع عن نفسه. وهذا يعني العمل على بلورة برنامج سياسي وطني اجتماعي، يعيد المبادرة إلى المجتمع، ويعمل على إعادة بناء الحلف الوطني الشعبي الواسع لعزل الطغمة الحاكمة، المسؤولة الرئيسية عن تدمير شروط حياة السوريين، والتي تتعارض إرادتها في البقاء في السلطة مع أي أملٍ للسوريين بالسلام والخلاص واستعادة الحياة الطبيعية والحفاظ على الدولة والسيادة والاستقلال. ويتطلب هذا البرنامج العمل على محورين:

أولا، الانتقال من استراتيجية تركز فيها استثمار قوى الثورة وجمهورها في الحقبة الماضية بشكل رئيسي في السلاح والقتال والحرب، سواء أكان ذلك دفاعا عن النفس أو، في مرحلة ثانية، أملا بتحقيق إسقاط النظام، وهو الاستثمار الذي أضاع كثيرا من مردوده، بعد أن أغلق التدخل الروسي، ومن قبله الإيراني باب الإنجاز العسكري، إلى استراتيجية تركز على العمل السياسي والاجتماعي والدبلوماسي والإعلامي والثقافي، وتهدف إلى توجيه الجهد إلى مهام يتوقف على حلها إعادة بناء النسيج المجتمعي، وأحياء روح الشعب وأمله وثقته بنفسه وبالمستقبل، جماهير الشعب كله، وفي مقدمها حسم مشكلة المعتقلين والتعذيب والموت في المعتقلات وإطلاق سراح سجناء الرأي، والضغط من أجل تطبيق قرار مجلس الأمن لإنشاء آلية لملاحقة مجرمي الحرب وتقديمهم للمحاكمة، وتبني قضايا المجتمع وقيادته لمواجهة التحديات الهائلة التي يواجهها، والتي تكاد تشمله جميعا بعد سنوات الحرب الطويلة والتصدي لمشكلات الفقر والبطالة التي تضرب أكثر من نصف المجتمع، وتهيئة الموظفين والعمال والحرفيين والطبقات الوسطى التي قصم غلاء الأسعار ظهر مواردها، ودعم معنويات الجنود والضباط الذين ألحقوا بالمليشيات الأجنبية، وفرضت عليهم الطاعة لقادة ليسوا من جلدتهم ولا هدف لهم سوى مصادرة حقوقهم واحتلال وطنهم، وتسخيرهم لخدمة أغراضهم، ومساندة ملايين السكان الذين هجروا من أحيائهم وقراهم، وتم تشريدهم لإحلال سكان آخرين مكانهم، وتشجيع رجال الأعمال الذين فرض عليهم العمل واجهات لشبكات مافيا النظام وحلفائه من أمراء الحرب والمال السوريين والأجانب، في مواجهة الضغوط وعمليات التوريط في الفساد وإذلالهم للاحتفاظ بطواعيتهم وخضوعهم. ويعني هذا أيضا الكشف عن خيانة نظام الحرب وتمييزه، ليس تجاه من يعتبرهم خصومه، وهم غالبية الشعب، ولكن أيضا تجاه من يدّعي هو نفسه تمثيلهم أو الدفاع عنهم.

ثانياً، العمل من أجل استعادة الشعب سيادته، والتركيز على إجلاء جميع القوات والمليشيات الأجنبية عن الأراضي السورية بكل الوسائل المشروعة. وهو الهدف المركزي الثاني لأي برنامج وطني شعبي للمقاومة، يعيد توحيد القاعدة الاجتماعية السورية العريضة حول برنامج إنقاذ وطني، يعنى بهموم الشعب ويحبط المشاريع الاستعمارية المتجدّدة، ويقطع الطريق على تكريس سورية أفغانستان الشرق الأوسط، لكن في قبضة كرزايات موسكو. فما يريده الروس، في اعتقادي، هو إقامة نظام في سورية على المثال الأفغاني، لكن تحت سيطرة موسكو لا واشنطن. وبالمناسبة نفسها، تحويل بشار الأسد، كما أصبح بالفعل، إلى كرزاي يعيش تحت الحماية الأجنبية، ويجعل من بلاده تماما كما هو الحال في كابول، منصةً للقواعد العسكرية، بذريعة الحرب الدولية على الإرهاب الذي يعمل هو نفسه على تفريخه ورعايته. حليف موسكو في هذا المشروع والمستفيد الأول منه هي طهران التي تريد أن تفرض وجودها العسكري والسياسي والاقتصادي بكل الوسائل، ولا تزال لديها القوة لتحقيق أغراضها ما دام العالم العربي والمجتمع الدولي غير مستعدين أو غير قادرين على مواجهتها.

"ما يريده الروس، في اعتقادي، هو إقامة نظام في سورية على المثال الأفغاني، لكن تحت سيطرة موسكو لا واشنطن"

 

3

من هنا، يكتسي تركيز الجهد بشكل أكبر على بناء منظمات المجتمع المقاوم، وإعادة الاعتبار لها، أهمية مزدوجة: أولا، نقل المعركة إلى جبهات المجتمع المختلفة، من خلال إطلاق ديناميكة إعادة بناء المؤسسات والمنظمات والجمعيات والنقابات الحرة، والعمل على احتلال الفضاء العام، وبث الحياة في النسيج الاجتماعي، وتوحيده من جديد على أرضية الصراعات المطلبية والسياسية اليومية والبعيدة، وهي التي تجاهلناها في الحقبة السابقة، ولم نعرها أي اهتمام بسبب الضغط العسكري الهائل. وثانيا، مجابهة استراتيجية التفتيت، وتقويض الدولة وتقسيم المجتمع من خلال نظام للسلطات المحلية، والإدارات الذاتية المستقلة بعضها عن بعض، والمعتمدة مباشرة في حل مشكلاتها على سلطات الوصاية الأجنبية، ما يعني قطع الرأس السياسي للمجتمع وتفريغه من شروط استقلاله السياسي، وتعزيز روح العصبية الجهوية والطائفية والمحلية، ومنع الشعب من استعادة وحدته وسيادته، وإعادة بناء هويته الوطنية.

تحلّ هذه الاستراتيجية الجديدة أيضا مشكلتين شغلتا، ولا تزالان، جمهور الثورة ونشطاءها منذ البداية، ولم يجدوا لهما أي حل. الأولى إيجاد قيادة مركزية واحدة، وربما أيضا الحنين إلى شخصيةٍ رمزية أو كاريزمية قائدة، تقف في مواجهة الأسد، وتعمل كنقيض له. فما يحتاجه العمل على احتلال الفضاء العام، وتحرير منظمات المجتمع وهياكله وبنياته من أنقاض مؤسسات الديكتاتورية البالية، ليس زعيما فردا ولا قائدا فذّا، وإنما سلسلة طويلة ومركّبة من القيادات الشعبية والاجتماعية التي تعمل على جميع المستويات وفي كل الميادين. وما تستدعيه هو روح تعاون وتكامل تجمع بين هذه القيادات، وتوحدها على قاعدة تحقيق برنامج سياسي واحد، تقطع مع روح التناحر والمنافسة السلبية التي طبعت الصراع على الزعامة، أو احتلال منصب القائد البديل للأسد والمناقض له، والتي جعلت من الصراع على القيادة محنةً حقيقية لقادة الثورة في ميادين القتال، وفي مؤسسات المعارضة، وللجمهور الباحث عن رمز وقائد يستحيل إيجاده في مناخ التنافر والتنافس والتنازع القائم بين الأشخاص والمرشحين للزعامة.

تحتاج المرحلة المقبلة بالعكس إلى تعدّد القيادات وتنوعها وإعادة تأهيل قيادات سابقة لنفسها وتدريب قيادات جديدة أيضا لخوض معركة تحرير المؤسسات الاجتماعية، وتطهيرها من ذهنية التشبيح والعنف والديكتاتورية الشخصية البغيضة، على جميع المستويات الاجتماعية والسياسية والنقابية، قيادات تعمل بمنطق التكامل، وتقدّم للنخب الجديدة الفرص التي افتقدتها في مرحلة التركيز على الثورة المسلحة، لتثمير مواهبها وممارسة المسؤوليات العمومية، والمشاركة في تقرير مصيرها وبناء المجتمع الجديد المنشود.

وتتعلق المشكلة الثانية بمصير المؤسسات والتنظيمات السياسية والعسكرية التي رافقت الثورة السورية منذ انطلاقها، والتي فقدت قدرتها على تحقيق أي إنجاز، وهي تتحول أكثر فأكثر، في نزاعاتها، وانقساماتها، وخضوعها لمختلف أنواع الإغراءات، إلى عبء على الثورة، بدل أن تكون أداةً لخدمتها. فليس هناك أمل في استيعابها، سوى إعادة استخدام ما تبقى من قوى حية فيها في جبهات المقاومة والقتال الجديد، أعني جبهات استعادة قيادة المجتمع بمؤسساته المختلفة والعمل، مع النخب الشابة التي تنتظر دورها منذ سنوات، وتكاد تقتلها العطالة وممارسة الثورة في وسائل التواصل الاجتماعية، على تأهيله وتنظيمه وتثقيفه وإعداده لإحياء نظام الحرية وحكم القانون والمشاركة الشعبية التي ضحّى من أجلها الملايين. ليس هناك جواب ممكن على تخريب الدولة وتدمير حكم القانون، وفتح البلاد للاحتلال الأجنبي، لحرمان السوريين من الانتصار على الطغيان، ولا رد على محاولات تطويع السوريين للقبول بتحويل بلادهم إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، بانتظار أن تنفتح أمام القوى المتنازعة مسارح أخرى بديلة، إلا بالعودة إلى المجتمع وإعادته إلى الحياة والاستثمار في تنظيمه، وتأهيله لعصر جديد يقطع مع عصر الطغيان والاستعمار. هذه هي الرسالة الوحيدة المقدّسة للنخبة السورية الجديدة.

========================

بين خسارات النظام وخسارات المعارضة .. ماجد كيالي

الحياة

الاحد 20/8/2017

يسود نوع من الإحباط، وفقدان الأمل، في أوساط السوريين، وضمنه في الأوساط المعارضة، بحكم المآلات المأساوية والكارثية التي آل إليها الصراع السوري، والتي تسبّب بها توحّش النظام، الذي استخدم كل ما في ترسانته الحربية من أسلحة، للقتل والتدمير، بطريقة لم يكن يتخيّلها أحد، وذلك في سياق تحويله الصراع الجاري من صراع سياسي إلى صراع على الوجود، مع ترويجه شبهات الإرهاب والصراع الطائفي الهوياتي.

وبديهي أن ما فاقم ذلك فتح نظام الأسد البلد على مصراعيه أمام قوات الحرس الثوري الإيراني والميلشيات اللبنانية (حزب الله) والعراقية والأفغانية التي تشتغل كذراع إقليمية لإيران، وبعده التدخل الروسي (منذ أيلول- سبتمبر 2015)، بواسطة القصف بالطيران، للدفاع عنه، ولوأد تطلعات السوريين.

بيد أن حال الإحباط تلك ما كانت لتصل إلى عتبة فقدان الأمل (تقريباً)، لولا الخذلان الدولي والإقليمي والعربي للسوريين، والمشكلة أن هذا الخذلان كان مصحوباً بإنكار تضحياتهم ومعاناتهم، وحتى إنكار حقهم في الحرية والكرامة والمواطنة والديموقراطية، كأنهم ليسوا بشراً مثل غيرهم، أو كأن سورية مزرعة خاصة لعائلة الأسد، وليست دولة مثل غيرها.

لكن شعور السوريين بالإحباط، وربما باللا جدوى، أو بالتعب، أيضاً، بات بمثابة واقع لا أحد يعرف كيفية الخروج منه، حتى الآن، لا سيما مع عجز الأوساط المعارضة، التي لم تفلح حتى الآن، أي بعد أكثر من ست سنوات، في المهمات المفترض القيام بها، بخصوص بناء كيان سياسي وطني جامع، يكون، أولاً، ممثلاً لكل السوريين، بتنوعهم وتعدديتهم، بدل أن يمثل طيفاً أو أطيافاً معينة دون غيرها. ثانياً، معبّراً عن التطلعات الأولية الأساسية التي أطلق السوريون ثورتهم من أجلها، وهي الانتهاء من نظام الاستبداد، وليس من أجل إعادة إنتاجه بصورة أو بيافطات إيدلوجية أخرى. ثالثاً، مساهماً فعالاً في صوغ الهوية والاجتماعات الوطنية للسوريين، التي تتأسس على الحرية والكرامة والمواطنة والديموقراطية، عوض السكوت عن تغذية الهويات الطائفية والدينية والمذهبية والإثنية المتعصبة والمغلقة، مهما كان نوعها. رابعاً، منافحاً عن حقوق السوريين وأولوياتهم وأجندتهم، أي ليس راهناً إرادته لسياسات أو توظيفات هذه الدولة أو تلك. خامساً، وأخيرا فإن الحديث هنا عن كيان سياسي يشتغل وفق قواعد مؤسسية وتمثيلية وديموقراطية ونضالية، وعلى أساس المؤهلات المناسبة، ويستمد شرعيته من مجتمعات السوريين، في الداخل والخارج، وليس مجرد كيانات منغلقة على ذاتها، وتشتغل كمجرد موظفين، أو كمعارضة مكتبية، بمعزل عن شعبها.

إذاً، فإن حال الإحباط والشعور بانسداد الأفق والتعب ناجمة، أيضاً، عن عوامل ذاتية، بالإضافة إلى العوامل الموضوعية (النظام وحلفاؤه ولا مبالاة ما يسمى "الدول الصديقة")، والمشكلة أن الأوساط المعارضة ما زالت عاجزة، أو لا تشتغل وفقاً لإدراك مناسب لأخطار هذه العوامل الذاتية، الآنية والمستقبلية، عليها وعلى الثورة وعلى السوريين أنفسهم.

هكذا، فإن الحديث على هذا النحو لمعرفة الذات، أو لنقد الذات، لا يقلل من أهمية التغيير الذي أحدثته التجربة السورية، بما لها وما عليها، في واقع السوريين. وهذا ما ينبغي ألا يفوت أحداً في غمرة الإحباط والغضب من الأوضاع المأساوية الراهنة.

فعلى رغم الأهوال التي عاشها السوريون، والأثمان الباهظة التي دفعوها، والتي تفوق التصور، استطاعوا، مع ضعف إمكانياتهم، وافتقادهم التجارب السياسية، كسر حال الاستعصاء في التطور السوري، أو كسر الصخرة الصلبة التي تقف حجر عثرة أمام محاولاتهم السير في طريق التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، التي كان يمثلها نظام الأسد. ولم يعد من الممكن بأية حال، وبغض النظر عن التخريجات السياسية، استمرار نظام الأسد، على النحو الذي كان عليه، والذي كان يمكن أن يجد السوريون أنفسهم، ربما لنصف قرن أخر، مع حكم الأسد الثالث أو الرابع أو الخامس، أي أن الثورة السورية هي التي قطعت هذا المسار.

وعلى صعيد النظام أيضاً، فقد أنهت الثورة ما يسمى "الدور الإقليمي" والادعاءات القومجية للنظام، والذي كان من خلالهما يتلاعب بأوراق الآخرين (فلسطينيين ولبنانيين وعراقيين) لابتزاز الدول الأخرى أو للمزايدة عليها، كما في أغراض الاستهلاك المحلي وتعزيز سلطته الأمنية إزاء شعبه. وبطبيعة الحال فقد انكشف مع كل ذلك، أيضاً، زيف "المقاومة والممانعة" التي انتهجها النظام وحلفاؤه، (إيران وحزب الله)، بعد أن ثبت أن السلاح مرصود ضد السوريين وللدفاع عن النظام لا من أجل فلسطين ولا لاسترجاع الجولان السورية. والأمر ينطبق على حزب الله الذي انكشف تماماً دوره الإقليمي كذراع لإيران في المنطقة، وكشريك في الدفاع عن نظام الاستبداد، وكحزب ديني وطائفي (مع ميليشيا أبو الفضل العباس وكتائب عصائب الحق ونجباء وفاطميون العراقية. الخ).

لم يعد السوريون بعد الثورة كما كانوا قبلها، على رغم العورات أو السلبيات التي تكتنف ذلك، أي لم يعودوا على نمط واحد، إذ ظهروا بتنوعهم، وتعدديتهم، أو ظهروا كما هم فعلاً بهوياتهم الحقيقية، لا بهويات منتحلة وفق مسطرة النظام، وباتوا وجهاً لوجه في مواجهة أنفسهم وفي مواجهة بعضهم، بما لذلك من تأثيرات إيجابية أيضاً، وليس فقط سلبية، في ما يرى البعض. فوق كل ذلك بات صوت السوري مسموعاً، بعد عيش لعقود من دون صوت، أو في حالة خرس، في ظل الخوف المعشش في الصدور بسبب سياسات السيطرة والرعب التي انتهجها النظام ضد شعبه.

أخيراً السوريون دخلوا غمار السياسة، بسلبياتها وإيجابياتها، بطريقة سلمية وبطريقة عنيفة، وباتوا يحسون أنهم مواطنون وأنهم شعب، وهذه ليست مسألة ثانوية، إذ الثورة فعلت في سنوات قليلة ما تفعله عقود على هذا الصعيد.

هذه محصلة مريرة وصعبة لثورة يتيمة ومعقدة ومستحيلة، بيد أن التاريخ يعمل على هذا النحو المؤلم، والكارثي، في كثير من الأحيان، للأسف، ويأتي ضمن ذلك حقيقة أن الثورات قد تنتصر وقد لا تنتصر، كما أنها قد تحقق بعضاً من أهدافها، أو ربما تنحرف، لكنها في كل الأحوال تكون كسرت الصخرة التي تسد باب التطور، سواء المتعلقة بجمود المجتمع أو المتعلقة بجبروت النظام، أو بكليهما معاً.

========================

كيف نلتقي وطنياً؟ .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 19/8/2017

من أهم عيوب المعارضة السورية أنها بلا ذاكرة، لا تعرف ولا تريد أن تعرف كيف تراكم معارف وخبراتٍ، تتيح لها التعامل بفاعليةٍ ونجاعةٍ مع ما تواجهه من تحديات، ويمر بها من أحداث.

لو تأملنا العمل المعارض، لوجدناه يفتقر إلى وعي تاريخي ذي أبعاد مترابطة وعقلانية، ويعامل الوقائع المتكرّرة وكأنها تحدث أول مرة، بينما يتخبط ويرتجل، حين تمس حاجته إلى وسائل وآلياتٍ يطوع بواسطتها خيارات الآخرين، ويؤقلمها مع ما يعتمد من مواقف، ويتبنى من مصالح. لا عجب في وضعٍ كهذا أن يتجاهل العمل المعارض وجهات نظر سبق إعلانها مراراً وتكراراً، من دون أن يأخذها أحد في حسبانه، أو يدرجها في نسقٍ تراكميٍّ، يجعل منها خياراتٍ لا يتم التعامل معها كل مرة وكأنها جديدة.

وقد سبق للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية أن مر بتجربةٍ دامت قرابة عامين، تعاون خلالها ديمقراطيون وسياسيون إسلاميون ومحايدون وتكنوقراط على تطبيق رؤيةٍ برنامجية، لو اعتمدها العمل الوطني العام، لكان في حال أفضل بكثير من حاله الراهنة. قالت الرؤية التي حدّدت أسس التجربة إن النظر إلى الثورة، باعتبارها فاعلية مجتمعية شاملة، بدلالة حسابات ومصالح جزئية، أو حزبية، أوصلت ثورة السوريين إلى مأزقٍ شامل، يجسّده ضعفها السياسي والعسكري، وافتقارها لبرامج وخطط تنفيذية، يلتزمون جميعهم بها. وأضافت إن إخضاع الوطني/ الثوري العام للجزئي/ الحزبي، أدخل الثورة في احتجازٍ لن تخرج منه من دون مواقف وطنية جامعة، تعتمد قيماً ورهاناتٍ سورية عامة، يحدّد الساسة والعسكر مواقفهم انطلاقاً من طابعها الموحد، وبدلالته الشعبية والمجتمعية العامة، ويدرجونها في حاضنتها، فلا تضر عندئذ بالشأن العام، وتأخذه إلى سياقاتٍ ما دون وطنية/ ما قبل مجتمعية، ولا تتخلى عن أولويات العمل الثوري الصحيحة التي سيفشل تجاهلها الثورة، بل تربط أي فعل من أفعالها بالولاء للوطن ولمصالحه العليا، وترى كل قرار تتخذه بدلالته، وتجعله أعلى من أي ولاء آخر، مهما كان نوعه وطابعه. برؤية الوطن بعين ولاءاتٍ تنظيميةٍ وحساباتٍ فئوية ما دون وطنية، يصير هدف كل طرف سياسي، أو عسكري، تكبير حصته من كعكة سلطةٍ تزين له أوهامه أنها ساقطة لا محالة في حجره، وأن مصالحه تلزمه بالانخراط في تنافسٍ يقصي الآخرين عنها، وإن حول خلافاته معهم إلى صراعاتٍ لا تخدم، في نهاية المطاف، غير من تؤمن بحتمية سقوطه: النظام الأسدي الذي ترفض مواجهته بتوحيد قدراتها مع من يفترض أنهم ينتمون مثلها إلى نضالٍ ثوري هدفه انتصار الثورة، بالالتزام بالوطنية السورية الجامعة مبدأً أعلى.

توافقت مكونات التجمع الوطني السوري الذي تأسس عام 2015 في "الائتلاف"، على أولوية الجامعة الوطنية ساحة لا بد أن تقرّر فيها، وعلى ضوئها، مواقفه وخياراته، وما يطوّره من آليات عمل وطني هو، في الوقت نفسه، شأنٌ ديمقراطي، تتفق أولوياته مع احترام فسح أطرافه الحزبية والخاصة، وترعاها ضمن الأطر الوطنية الجامعة، وتلك لا تتعارض معها، أو تعطلها.

وقالت خطة "التجمع" إن الانتقال السوري إلى الديمقراطية سيمر في مراحل ثلاث، تمر أولاها بتنافس إقصائي وشديد بين قوى سياسية وحزبية، لطالما حفلت علاقاتها بالتنافس والصراع. هذه المرحلة التي كان أعضاء "التجمع" يعيشونها تقرر تخطيها، والانتقال إلى تلمس وبلورة أسسٍ جامعةٍ، يعتمدونها في عملهم الموحد لإقامة نظام بديل، يتوقف نجاحهم في بلوغه على تجاوز صراعاتهم البينية، والالتزام بما توافقوا عليه، ريثما تجري انتخاباتٌ برلمانيةٌ تنتهي معها المرحلة الثانية، وتبدأ الثالثة التي سيشكل حكومتها، بمفرده أو بالتعاون مع آخرين، من يفوز بأغلبية الأصوات الانتخابية الذي سيبقى متمسكاً بـ "أسس الوطنية الجامعة".

توافقت أطراف "التجمع" على أن الوطنية السورية تظل ديمقراطية المضمون، وإن حاد خيار التأسلم المسلح عن ثوابتها وعمل آلياً لتدميرها، وصار طبيعياً أن يعتبر الوطنيون أنفسهم ديمقراطيين وأعداء للخيار المذهبي، المتعسكر المتأسلم، وأن تتطابق في نظرهم الديمقراطية مع هوية الثورة الوطنية السورية.

اعترف إسلاميو "التجمع" بتماهي الديمقراطية والوطنية، واعترف ديمقراطيوه بشرعية القراءة الإسلامية لأسس الوطنية الجامعة، وتعاون الطرفان بسلاسةٍ وتكامل لإنجاح نهجها كركنين للمعارضة والثورة، يتوقف على تفاهمهما إسقاط النظام الأسدي، وبناء سورية وطنية ديمقراطية تواجه التحديات بوحدتها التي تطوي ملفات صراع الماضي.

========================

أي سوريّة هذه يا فدوى؟ .. عمار ديوب

العربي الجديد

السبت 19/8/2017

تتّقد عيناها بلمعاتٍ حادّة. هكذا رأيتها أول مرة مع ثلّةٍ من شبابٍ ثائرين، يحاولون فتح بوابات السماء. تكاد تخنقُها كلُّ كلمة تنطقها، حيث الزمن الجميل في الأشهر الأولى من 2011، والبلاد تغلي بكلّ أشكال الحراك الثوري، وبالرقص والغناء والاحتفالات والمبادرات، وكذلك بالقتل والاعتقال اليومي.

كانت السيدة الحالمة منصهرة بكل حدثٍ يجري هنا وهناك. شقّتها المستأجرة قرب ساحة الشهبندر كانت موئلاً لنشاطاتها مع رفاقها ورفيقاتها. كانت نشاطاتها لا تنتهي، من قلب دمشق حيث شارع الحمرا والصالحية، مروراً بدرعا وإلى أحياء دمشق المهمّشة، ثم الغوطة شرقاً وجنوباً وغرباً، ثمّ إلى حمص، وهناك كان استقرارها الأكبر حيث الخوف من "الفتنة الطّائفية" والتأسيس لدمار سورية. هناك كانت عاصمة الثورة، فكيف تغيب عنها، وقد طرح اللئامُ أنّها طائفية؟ رفضت، كما أهل حمص، التهمة فاستقرت هناك، ولم تتردّد في إلقاء الخطب من أقوى المنابر الثورية، فأكّدت سلمية الثورة ومدنيتها وشعبيتها.

فدوى سليمان التي استشعرت الخطر من النظام ومن الإسلاميين، ومن الخطر على الناس الذين حموها من بيتٍ إلى بيت؛ غادرت حمص وتخفّت بضعة أشهر في دمشق. كان خوفها كبيراً من النظام ومن الرحيل عن سورية؛ فلمن ستترك البلاد، للنظام الذي يدمرها أم لإسلاميين معتقلين لديه، وقد أفرج عنهم وسَهّل لهم الانطلاقة والسلاح والمال ومدعومين من دولٍ إقليميّةٍ، وبقصدٍ تخريبَ الثورة بالتدريج، ومحاصرة أيّة شعبية وسلمية للثورة، وأسلمتها وبالنهاية جعلها مقبرة؟

تركت حمص لكي لا تُحمّل أهلها، أهل الثورة، مسؤولية دمها. تركت سورية، لأنّها إن ظلّت فستعتقل وستقتل كما ظنّت وظنُّها صحيح. أخافتها دعوات التأسلم ودعوات السلاح والتدخل الخارجي؛ فثورة الشعب، كما رأتها، كانت من أجل حياةٍ أفضل للناس، وليس من أجل معارضة فاشلة، أو لتسليم البلاد لإسلاميين أو للتدخلات الخارجية.

لدى فدوى إيمانها الخاص، وفيه تتجاوز البعد المذهبي والديني، وهي تعلن ذلك في خطبها، فتكرّر كلماتٍ للأنبياء السماويين والأرضيين. يمكن متابعة بُعدها الصوفي مما كتبت، ومن نمط حياتها داخل سورية وخارجها، فحين وطأت أقدامُها الأردن، سألها خفر الحدود: هل كنتم لاجئين من قبل؟ هنا سقطت أرضاً، فقد أصبحت خلفها حوران وكل البلاد، ولن تطأ أقدامُها البلاد مرة أخرى ولزمنٍ طويل، وقد أصبحت لاجئة.. قتلها ألمها ذاك تماماً.

"لدى فدوى سليمان إيمانها الخاص، وفيه تتجاوز البعد المذهبي والديني، وهي تعلن ذلك في خطبها، فتكرّر كلماتٍ للأنبياء السماويين والأرضيين"

رغبت، ككل شخصية متميزة ومتفردة، بإعلان حركة سياسية تشبهها، وسمّتها "سوريا كما نحب"، وضمّنتها مبادئ تتسق مع شخصيتها في عدالة اجتماعية وديمقراطية وتسامح مجتمعي، كانت تريد إنقاذ الثورة بأي شكل. لم تغيّر موقفها من النظام الديكتاتوري، وأنه يجب أن يسقط، لكنها أيضاً رفضت كل مؤسسات المعارضة التي لم تفهم الثورة، وبدلاً من أن تثق بها، وثقت بأوهامها بالخارج الإقليمي والدولي، وهذا ما حولها إلى مجموعات تابعة لتلك الدول، وهو ما أفشل أيّ عملياتٍ توحيدية لمؤسسات المعارضة أو الثورة، فظلّت تلك المؤسسات مشتّتة ومتفرقة؛ فليس من قيادةٍ موحدةٍ، سياسياً أو عسكرياً أو مالياً، وفي كل متطلبات الحياة.

لم تتصالح فدوى سليمان مع الغربة أبداً. ربما يتوهم بعضهم أنّها، باعتبارها فنانة، ستعيش هناك كما أميرة، وتحقّق كل رغباتها، وهذا ممكنٌ لو شاءت. لم يحصل. كانت روحها في الداخل وجسدها في الخارج. قتلها اللجوء، وكان واسطته إليها المرض الخبيث.

أجبر النظام أخاها على التنديد بها على فضائيته، قال لها كلمات العتاب بكل رقّة. عذرت أسرتها؛ لأن رقابهم تحت المقصلة. حوربت فدوى من النظام وحاشيته ونقابة فنانيه، وكذلك من المعارضة المتأسلمة، فهي "مدسوسة وعلوية...". وهناك من جعلها عميلة للفرنسيين. لا يمكن تعليل الاتهامات التي طاولتها وتطاول غيرها بالحرمان الطويل من الحريات في سورية، وسيطرة التفسير المؤامراتي وغير الذكي على العقول، وقد نال فدوى كثير منه، فهناك أيضاً التفكير الطائفي، والذي قتل الثورة وساهم بقسطه في دمار سورية.

حين كنت أناقشها في أن تعود إلى المسرح والفن والشعر والتلفزيون والسينما، فذلك ميدانها وفيه يمكنها أن تحارب، كانت تنظر إلي بشفقة، وتجيب إن التاريخ فتح الآن أبوابه، وعلينا العمل من دون توقف، والناس يحتاجوننا.. ألا ترى؟ كانت حياتها هكذا في سورية، وحينما أصبحت "لاجئة" كان الإحباط، العزلة، والدخان.

تستحق هذه الفنانة أن تكون من أيقونات الثورة السورية. كانت حالمة وطوباوية؛ ضد القتل والسلاح والأسلمة والتطييف، وتمسّكت بأهداف الثورة السورية، كما في سنتها الأولى حتى موتها اللئيم: الشعب السوري واحد واحد واحد.

تقول مي سكاف معلقة "أنت سباقة يا فدوى في كل شيء". كانت كذلك، ورفضت مدّ اليد في هذه السنوات، ولم تعلن عن مرضها، ولم تهتم بحياتها، فقد تساوت لديها الحياة والموت بالمقدار ذاته... تغادر مسرحنا المدمر، ونظل ننتظر الممثلة.

========================

من الذي أفسد الآخر: الشعوب العربية أم الحكام؟ .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 19/8/2017

سئُل أحد الزعماء العرب ذات يوم عن الفساد الرهيب المستشري في بلاده، فقال إنه بسبب "الأخلاقيات التي يتربى عليها الإنسان في بيته"!!، لقد ألقى باللائمة على كاهل الشعب متهماً إياه بالفساد لخلل أخلاقي في تربيته المنزلية ومبرئاً بشكل غير مباشر الأنظمة العربية الحاكمة من تفشي الفساد الذي ينخر أبسط المصالح الحكومية في الدول العربية. إن أبلغ رد يمكن أن نواجه به ذلك المسؤول وأمثاله: رمتني بدائها وانسلت.

لقد كان حرياً بالذين يعزون الفساد المستشري في مجتمعاتنا العربية إلى انحطاط أخلاقي لدى الشعوب أن يعلموا أنه ليس هناك شعب صالح وشعب فاسد، وبقدر ما تكون الحكومات صالحة بقدر ما تكون الشعوب مستقيمة وشريفة. إنها معادلة بسيطة جداً، فصلاح الأولى يعني بالضرورة صلاح الثانية. وإذا فسدت الأنظمة فإن الناس ستفسد أتوماتيكياً تماماً كما يحدث للسمكة، فما أن يخرب الرأس حتى تسري النتانة في باقي أعضاء السمكة مباشرة. وهكذا أمر المجتمعات فلا تستقيم إلا باستقامة الرؤوس الحاكمة.

لقد تجاهل ذاك المسؤول الفيروس الأساسي الذي يسبب الفساد ألا وهو نظام الحكم العربي الذي راح يتاجر بكل شيء حتى بالاخلاق. وعندما يرى الناس أن المسؤولين عن أمورهم في سدة الحكم غدوا تجاراً وسماسرة ولصوصاً من العيار الثقيل فإنهم بدورهم سيلجأون للسمسرة والرشوة واللصوصية فيصبح الفساد ثقافة اجتماعية عامة. وكل من لا يمارسه يكون مخبولاً عقلياً أو شاذاً اجتماعياً. ولو أن المسؤول الهُمام أعلاه قرأ كتاب عبد الرحمن الكواكبي الشهير (طبائع الاستبداد) لتعرف أسباب فساد العباد عن كثب ولسحب لسانه على الفور عندما همّ باتهام الشعوب في أخلاقها.

يقول الكواكبي: "أما المستبدون فلا يهمهم إلا أن تستغني الرعية بأي وسيلة كانت". بعبارة أخرى فإن الذي يشجع الشعوب على الفساد والإثراء الوحشي هم الحكام المستبدون الذين بدورهم استغنوا بكل الوسائل، أولاً للتغطية على فساد الأنظمة ذاتها وثانياً كي لا يبقى هناك شرفاء في المجتمع. فالسياسة الثابتة لدى العديد من الأنظمة تقوم على الإفساد المنظم بحيث "يجب إفساد كل من لم يفسد بعد"، فمن غير اللائق أن يكون النظام فاسداً والرعية صالحة. إنه، كما يقول أحد الباحثين في مقال تحليلي لظاهرة الفساد، نوع من أنواع "الترويض للمواطن من خلال إغراقه وجعله مشاركاً في إحدى حلقات الفساد، وبتعبير آخر إشراكه في تلويث يديه". كيف لا وهو نفسه مضطر بشكل إجباري لممارسته من أجل الحصول على حقه، فالمواطن العربي من المحيط إلى الخليج يجد نفسه في كثير من الأحيان مجبراً على استخدام الأساليب الملتوية أو غير المشروعة ليحصل على حقوقه الأساسية.

وفي اللحظة التي يحس فيها الإنسان العادي أن علية القوم قد فسدت يطلق العنان لكوابحه الأخلاقية ليعيث في الأرض فساداً. وقد روى لي أحد الزملاء الذين يغطون الغزو الأمريكي للعراق أن مجموعة من الجنود الأمريكيين امتهنوا السطو على منازل العراقيين لسرقة مجوهرات النساء وما تيسر من أموال قليلة. ويضيف زميلي أنه حاول تقصي الموضوع لكن المعنيين بالأمر رفضوا رفضاً قاطعاً الإجابة عن تساؤلاته وكانوا يتهربون دائماً من إجراء مقابلات للرد على التهم الموجهة إليهم من قبل وسائل الإعلام. لكن ذات مرة استطاع زميلنا استجواب أحد الجنود بشرط ألا يكون اللقاء مسجلاً، فأخبره الجندي على انفراد أنه وعدداً من رفاقه يقومون فعلاً باقتحام بعض المنازل العراقية في بغداد وغيرها لسرقة النقود والمجوهرات. وعندما سأله الزميل: "وهل أنتم بحاجة إلى مال؟ ألا تحصلون على رواتب عالية جداً بحكم خدمتكم خارج الحدود الأمريكية؟ فأجابه الجندي: لا شك أن رواتبنا ممتازة، لكن ما العيب في أن نزيدها؟ ألا يمتلك المسؤولون في الإدارة الأمريكية المليارات ومع ذلك جعلونا نقطع آلاف الأميال من أجل أن نسرق لهم النفط العراقي؟ لماذا حلال عليهم أن ينهبوا النفط من العراق الذي يقدر بالمليارات وحرام علينا أن نسرق بضعة دولارات من بيوت العراقيين؟".

ولو سألت سؤالاً مشابهاً لمواطن عربي لربما قدم لك عذراً مشابهاً. كيف تطلب من الموظف البسيط ألا يطلب رشوة في بعض الدول العربية إذا كان يرى بأم عينه أن بعض القيادات لا يتاجر فقط بمقدرات الدولة وثروات الوطن بل أيضاً بالوطن ذاته؟ ألم يرهن بعضهم حاضر البلاد ومستقبلها مقابل منافع تجارية واقتصادية معينة؟ ألا يذهب القسم الأعظم مما يسمى بالمعونات الأجنبية إلى جيوب المسؤولين؟

كيف تطلب من المواطن ألا يسرق الوطن إذا كان يرى أمامه حُماة الوطن المزعومين وقد حولوه إلى مزرعة خاصة يعبثون بمقدراته وثرواته كما لو كانت متاعهم الخاص؟ وكم ضحكت عندما حدثني أحد المسؤولين العرب ذات مرة كيف اتهموه بالخيانة والتعامل مع الأعداء وبأنه عدو الشعب والوطن ولفقوا له التهم لمجرد أنه رفض أن يرسل من المؤسسة التي يديرها ألف علبة دهان ومائة طن أسمنت وعشرين طن حديد ومواد بناء أخرى لأحد المتنفذين. كيف تتهم الناس في أخلاقهم إذا كان "حاميها حراميها"؟

ويسألونك بعد كل ذلك عن العداء المستحكم بين المواطن العربي والدولة. فكلنا يعرف أن ملايين المواطنين العرب ينظرون إلى الممتلكات الحكومية على أنها جديرة بالنهب والسلب، والشاطر هو من يعرف كيف يسرق الدولة، أما الشخص النزيه فهو "مغفل أو حمار أو غبي". لا عجب إذن أن ترى الملايين من الناس يحاولون التلاعب مثلاً بعداد الماء أو الكهرباء كي لا يدفعوا فواتير كبيرة، ناهيك عن أن بعضهم يهدر كميات هائلة من المياه نكاية بالدولة. وكم سمعت أناساً كثيرين في العديد من الدول يصفون مال الدولة بأنه مال مباح. لقد طغت عقلية التصرف بثروات الوطن "كأنها غنيمة مستباحة أو لقية لا صاحب لها ويأخذها من يسبق إليها".

كيف تريد من المواطن أن يحمي المال العام إذا كان الكثير من الحكام العرب لا يفرقون حتى الآن بين المال العام والمال الخاص؟ ألا يسير بعضهم على نهج الخليفة العباسي المنصور الذي كان يعتبر نفسه الأمين الأول والأخير على بيت المال يتصرف به كيفما يشاء بينما تطلب الدول المتقدمة من أي شخص يترشح لمنصب حكومي أن يعلن عن حجم ثروته قبل تبوؤ المنصب كي يكون تحت المراقبة المالية؟ كيف تطلب من المواطن ألا يرشي ومن الموظف ألا يرتشي إذا كان النظام العام يقوم على مبدأ العمولة في معظم الدول العربية حتى في السياسة؟ وكم من العمولات السياسية دُفعت أو قـُبضت مقابل تمرير مشاريع سياسية معينة! فما بالك إذن بالحياة اليومية؟ لقد غدا الجميع إما راشياً أو مرتشياً مع العلم أن الإسلام لعن الراشي والمرتشي. لقد "استطاع الفساد أن يتسلل إلى جميع المؤسسات والقطاعات، ولا يمكن الحديث عن أي مؤسسة من مؤسسات بعض الدول دون الحديث عن الفساد. ويمكننا أن نقول بامتياز إن النخر عام وشامل". والأخطر من ذلك أنه غداً علنياً في بعض البلدان، "ومن المألوف أن ترى مواطناً يدس في يد أو جيب أو حتى في درج الموظف، وأحياناً بين الأوراق قطعة نقدية. وربما يطلبها الموظف جهاراً أحياناً أخرى، أو يساوم عليها إن كان المبلغ قليلاً، وكثيراً ما تأخذ في بعض الأمكنة شكلاً أو نوعاً من أنواع التسعيرة". وهذا يعني أن الفساد "قد دخل في مراحل متقدمة وبات هو المهيمن على مسار الأمور وهي حالة نادرة في العالم بشكل عام". لقد أصبح الفساد هو القاعدة وكل تصرف آخر استثناء.

ويحدثونك بعد كل ذلك عن مكافحة الفساد في الدول العربية بعد أن أفسدوا البلاد والعباد. آه لو يعلم أولياء الأمر في هذا الوطن العربي الذي يقطر فساداً وإفساداً أن غسيل الدَّرَج يبدأ دائماً من الأعلى إلى الأسفل.

========================

الخيانة والثمن (وزير حربية يحاكم وزير دفاع) .. بقلم  : يحيى حاج يحيى

مسرحية في مشهد واحد

 ( يظهر فيه ثلاثة قبور على حافة الطريق ، أصوات مختلطة لحيوانات و آليات ، عدد من ذوي الرتب يمرون بها و هم منهكون من التعب ، يقفون قرب القبور ، يستعيدون نشاطهم )

الأول : (يتكلم بصعوبة ) لولا ذلك الحمار القميء ما وصلت إلى هنا .

الثاني : و أين سيارتك ؟

الأول : في الهزيمة لا تنفع الآلة ، و خير منها البهيمة .

الثاني : ( يلتفت إلى الثالث ) أين الرتب التي كانت على كتفيك ؟!!

الثالث : تخلصت منها .

الأول : كيف ؟! و هي التي تميزك ، و تجعل لك قدرا بين جنودك ؟!!

الثالث : أصبحت في وقت الانسحاب عبئا علي و قد خشيت أن تكون سببا لهلاكي !

الأول : أسألكما - وقد أعرف الجواب- لماذا انسحبتما ( ثم يهمس ) لماذا هربتما ؟!!

الثاني : ( و هو زائغ النظرات ، تتلعثم الكلمات بين شفتيه هامسا ) : أما سمعت البلاغ 66 ، بتوقيع وزير الدفاع ؟

الثالث : كنت أظنه تكتيكا ، فانتظرت ساعات و لكن لم أر أحدا من جنود العدو !

الأول : إذا ما الذي دفعك للهروب ؟!!

الثالث : الذي دفعك للهزيمة !

الثاني : لا فائدة من التلاوم ، أخشى أن يسمعكما أحد .

( يتجه الضوء إلى شاهدة القبر ، و قد كتب عليها : هذا قبر وزير الحربية السوري يوسف العظمة ولد ... و استشهد على أبواب ميسلون ...

الأول : ( يشير إلى القبر ) لو كان حيا لصفعنا ، بل لحاكمنا ، و أنزل بنا القصاص !

الثاني : بل هو حي ( يهمس ) و قد يسمعنا ( صوته يتقطع) أليس الشهداء أحياء عند ربهم ؟!

الثالث : ( بصوت منخفض وهو ينظر إلى القبر )

أقسم إني أحس أنه يتأهب للخروج إلينا و مساءلتنا ...

( يقوم الثلاثة ، و يمضون و هم ينظرون خلفهم بحذر )

[فترة صمت .... ]

 [ صوت جهوري يهز المسرح ]

يا راقدا في روابي ميسلون أفـِق ْ جَلـَتْ فرنسا و ما في الدار هضـّام.

صوت آخر :

سأذكر ما حييت جدار قبر = بظاهر جلق ركب الرمالا

مقيم ما أقامت ميسلون = يذكر مصرع الأسد الشبالا

[ صمت ... إخفات للنور .. أصوات جلبة ... يسلط الضوء على خمسة جنود يمرون بالقبر ، يظهر عليهم التعب و الجوع يقعون من شدة الإعياء ]

صوت يردد أبياتا :

جبن القـادة الكبـار وفـروا     وبكى للفرار جيـش جسـور

هزم الحاكمون و الشـعب في    الأصفاد، فالحكم وحده المكسور

هزم الحاكمون لم يحزن الشعب عليهم ولا انتخى الجمهور

الأول : كان القصف شديدا في البداية ، و مع ذلك تقدمنا مسافة كبيرة في الأرض المحتلة .

الثاني : ليتني كنت قضيت مع بقية زملائي ! فبأي وجه أقابل أبي ؟!

الثالث : ليس في يدنا حيلة ، إذا كان القادة قد هربوا ! فما نفعل نحن الجنود ؟!

الرابع : كان علينا أن نموت كما مات إخواننا !!

الخامس : و لكن بلاغ وزير الدفاع كان واضحا بسقوط القنيطرة !!

الثاني : كيف سقطت ؟! فلقد مررنا عليها قادمين من الجبهة ، و وجدنا علمنا يرفرف فوق مبانيها ؟

الثالث : إذا لم انسحبتم ؟!

الثاني : لأن الأوامر جاءتنا بالانسحاب الكيفي ..

الأول : ( يقف خطيبا و قد اشتد عليه الأمر قائلا ) يا رجال ! كيفما كان الأمر ، و كيفما كانت الأوامر فعلينا أن نعود .

الجميع : موافقون .

 الثالث : لعلي أعود بالسيارة التي كنت أقودها فهي صالحة للاستعمال ، فإن قريتنا بعيدة عن مستشفى المدينة ، و أهلها يموتون ، و لا يجدون وسيلة للنقل ؟!

الثاني : بندقيتي لم تزل صالحة للاستعمال، فكيف تركتها ؟ كيف ؟ كيف ؟ !!

الأول : و أنا أستطيع أن أفجر مستودع الأسلحة إذا لم أستطع نقله إلى مكان آخر ، و لن أتركه للعدو

الر ابع : كانت فوضى كبيرة ، و أوامر الانسحاب الكيفي هزيمة مرة !! سأعود لإنقاذ بعض رفاقي الجرحى

الخامس : سأعود لأرفع العلم رمز الكرامة ، أو سأرجع به لتسليمه إلى مـَن ْ يستطيع رفعه إذا كنا نحن عجزنا عن ذلك !

[ يعودون بهمة و نشاط ... صمت ... الإضاءة تتركز على القبر ]

صوت يردد الآية القرآنية : ((إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون و ترجون من الله ما لا يرجون ))

 * * * *

صوت جلبة من الجهة المقابلة ، و لم يظهر أحد

صوت شخص : قف هنا .. أعرف الطريق إلى بيروت هل أحضرتم كل الأموال ؟

صوت آخر : نعم سيدي ... و لم نحمل إلا الذهب و الدولار .

[ يطل من طرف المسرح الأيمن وزير الدفاع المهزوم بحذر ، و الإضاءة تلاحقه و هو يحمل كيسا ، يلتفت يمينا و يسارا ، فجأة ينطلق صوت قوي :

- قف من أنت ؟؟

[ يقف الشخص القادم ] : أ أ أ أ نا ( بتلعثم ) وزير الدفاع ..

صوت من خلف القبر : و ما هذا الذي معك ؟

و زير الدفاع : إنه بعض المال أضعه في مصارف بيروت فهي أكثر أمنا من دمشق ..

الصوت من خلف القبر ( يرتفع صاحبه إلى منتصف جسمه) : إن الذي لا يؤتمن على وطن ، لن يجد الأمان في كل الأرض .

وزير الدفاع : و لـَـ و لكن .. لكن من أنت ؟ و لماذا توقفني و تعترض طريقي ؟؟

الصوت ( بقوة و استنكار ) : من أنا ؟؟!! تسألني !!

أنا يوسف العظمة وزير الحربية السوري

وزير الدفاع : ( يتراجع خائفا ، قائلا بتلعثم ) و لكنك قـُـتلت و أنت َ في عداد الأموات ؟!!

وزير الحربية ( العظمة ) بل أنت من الأموات [ بصوت أشد ] قل لي : كيف أضعتم الجولان ؟

وزير الدفاع : لم تضع نهائيا ، و نحن سنحررها في جولة قادمة ، و ربما سيكون لي قبر إلى جوارك .

العظمة : كلا ( بشدة و غضب ) بل أمثالك يموتون على فراشهم ، و في مدنهم يدفنون .

وزير الدفاع : و لكن - يا سيدي - لم يستطع العدو احتلال العاصمة ، و لا إسقاط النظام !!

العظمة ( بقوة ) : عــبــث

وزير الدفاع : و سنعيد الكرة عليهم .

العظمة : ( بقوة أشد ) : كــذب

وزير الدفاع : و غدا سترى ماذا نفعل ؟

العظمة : ستحصدون نتائج ما زرعتم ، فتصبحون رؤساء و قادة ، لأن العدو يرضى بأمثالكم !

وزير الدفاع : هذا اتهام خطير ، لا نقبل به ، لقد ضحينا بالجولان على أن تبقى دمشق .. ألا تحب أن تبقى دمشق محررة ليس فيها محتل ؟!!

العظمة : بلى .... و لكن العدو حتى لو دخل العاصمة و وصل إلى تخومها فإن إرادة الرجال سترده كما فعلنا...

وزير الدفاع : و نحن كذلك سنفعل !

العظمة : ليس صحيحا ! فأنتم حريصون على الحياة ، و مثلكم يبحث عن المكاسب و المناصب .

وزير الدفاع [ ينظر بشغف إلى الكيس و يتحسسه ، و يجيب مستنكرا ] هل أنت تعلم الغيب ؟؟

العظمة : لا ... فالغيب في علم الله ، و لكن أعمالكم تدل عليكم .

وزير الدفاع : ( مستعطفا) ألا تعود لنستفيد من خبرتك!

العظمة : ( بقوة) المبادئ تبقى و الرجال يموتون

وزير الدفاع : إذا كنت ترفض أن تفيدنا بخبرتك فلماذا تقف في طريقي .

العظمة : لن أقف .. بل سأتركك تعبر إلى بيروت ... إلى طهران .... إلى باريس ... إلى حيث تريد و لكن احذرك أن تعبر من هنا مرة أخرى ، ( بقوة ) اعبر و لا ترني وجهك بعد اليوم .

وزير الدفاع ( يمضي ) و هو يقول : سأعبر ثم أعود من طريق آخر غير هذا الطريق .

العظمة : صدقت في هذه ( بسخرية ) لأن طريقنا غير طريقكم ، فلن تستطيعوا أن تفعلوا ما فعلنا. كـُن وزيرا للدفاع ، رئيسا للبلاد ، حاكما يورث أبناءه و لكن لعنة التاريخ و الشعب ستلاحقك إلى الأبد .

وزير الدفاع ( يتسلل و يمضي ) : الإنارة تضعف ، يختفي العظمة خلف القبر .

و صوته يردد :

كُتب القتل والقتال علينا وعلى الغانيات جر الذيولِ

 سـتار

===========================

آذار وبحار الدم (الحلقة 22) - سورية البعث تفتح أبواب دمشق لاستقبال كوهين .. محمد فاروق الإمام

في أواخر عام 1961م زفَّ ثابت لأصدقائه البشرى بأنه يعد العدة للسفر إلى دمشق.. وعندئذ أمطروه بوابل من أسماء معارفهم وعناوينهم من رجال أعمال، وموظفي حكومة، وأصدقاء شخصيين.. ووعده الجميع بأن يكتبوا إلى دمشق ليضمن كل مساعدة ممكنة للاستقرار هناك.

والحقيقة أن كوهين، وبناءً على تعليمات من رؤسائه، عاد إلى تل أبيب بعد أن حصل على تأشيرات من القنصلية اللبنانية وقنصلية الجمهورية العربية المتحدة.

بعد أن قضى كوهين إجازة قصيرة بين أهله في تل أبيب.. حان وقت عودته للعمل.. وقد زوده رؤساؤه في الموساد بالأدوات والتجهيزات الالكترونية ومواد التصوير ومواد تساعده على صنع المتفجرات وأقراص سُمٍّ يستعملها عند الضرورة القصوى وهي على هيئة أقراص أسبرين. كما كان معه مواد كيماوية لصنع المتفجرات الشديدة.. أودعها في أنابيب معجون الأسنان.. وعلب صابون الحلاقة.. وكانت مجموعة تجهيزات الكاميرا اليابانية الممتازة التي معه تشتمل على أدوات لصنع مسودات الأفلام الصغيرة.

انطلق إيلي كوهين في رحلته.. ومضى إلى ميونخ ثم إلى مدينة جنوا في إيطاليا. ومن هناك في الأول من كانون الثاني.. أقلع كامل أمين ثابت في حجرة من الدرجة الأولى على ظهر الباخرة الإيطالية سونيا إلى بيروت.

شرع إيلي في تمكين نفسه بصفة عضو بارز في صفوة السوريين.. حتى أثناء رحلته بالسفينة من جنوا. فبعد إقلاع السفينة بوقت قصير.. اتصل الحديث بينه وبين رجل سوري عريض الجاه والثراء يدعى (مجدي شيخ الأرض) وقد برهن هذا على أنه حلقة وصل ممتازة.. فقدم إيلي إلى عدد من أولي الشأن في سورية وساعده بغير علم منه.. بأن أخذه في سيارته من ميناء اللاذقية إلى دمشق. وقد تمكن إيلي بالسفر في سيارة هذا الرجل الخطير من عبور الجمارك دون تفتيش.

(التقيت مجدي شيخ الأرض في سجن القلعة عام 1965 وكان يقيم في غرفة خمس نجوم والعديد من السجناء يقومون على خدمته).

استقر المقام بإيلي في شقة فسيحة بالدور الرابع من مبنى حديث في حي (أبو رمانة) المزدهر.. وكان المبنى ذو أهمية كبيرة لكوهين.. حيث يقع في مواجهة مقر قيادة الأركان السورية.

كوّن إيلي شركة استيراد وتصدير.. شهدت نجاحاً فور إنشائها تقريباً.. وقد أدار إيلي العمل بكفاءة.. حيث كان يرسل من سورية الأثاث القديم.. وطاولات نرد..ومجوهرات.. وتحف فنية.

وكان إيلي إذا ما عاد إلى شقته في الليل.. يخلع عنه ثياب تاجر الاستيراد والتصدير الغني.. ويعود كوهين الجاسوس.. فبعد إغلاق الأبواب إغلاقاً مزدوجاً.. وإسدال الستائر.. يتناول جهاز الإرسال الصغير.. الذي خبأه في قدح نحاسي للزينة في داخل ثريا بلورية كبيرة.. ويمضي بذلك الجهاز إلى غرفة نومه.. حيث يكتب رسالته ويترجمها بالشيفرة.. ثم يبدأ نقرها بسرعة ودقة إلى تل أبيب.

وفي الأيام التي كان إيلي يلتقط فيها الصور.. كان حمام شقته يتحول إلى غرفة سوداء.. يجري فيها بعض العمليات على المسودات ويختزلها إلى أفلام مصغرة. وفي الغد كان إيلي يخبئها في القواعد المموهة أو السيقان المجوفة في هذه السلعة أو تلك من السلع المعدة للتصدير. وكانت تقارير إيلي وأفلامه المصغرة تشتمل دائماً على أمور تهم رؤساءه عن أوسع الناس نفوذاً في أوساط الحكومة والعسكريين السوريين.. ومن بين أصدقائه الكثر اللفتنانت (معز زهر الدين) ابن أخ رئيس الأركان (عبد الكريم زهر الدين) ومنهم (جورج سيف) المسؤول عن الإذاعة في وزارة الإعلام السورية.. والكولونيل (سليم حاطوم) قائد لواء المظلات.

استطاع كوهين بعد انقضاء شهرين على وجوده في دمشق أن يزود الموساد الإسرائيلي بمعلومات لا تقدر بثمن.. وكان في تفسيراته للتغييرات السياسية في دمشق من الدقة واستباق الحوادث الفعلية.. ما يجعل الموساد يقوم بإرسالها إلى رئيس الوزراء خلال ساعات قليلة من وصولها إليه.. وكثيراً ما اتخذ (بن غوريون) - رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك - قرارات مهمة في السياسة.. وهي قرارات قد تفصل بين الحرب والسلم بناءً على برقيات إيلي كوهين الموثوق بها.

يتبع

=========================

طائرات المجرم في الجو !؟ .. إرشادات تحذيرية للسوريين !؟ .. شعر : يحيى حاج يحيى

لا تمشِ - فديتُك - قرب جدارْ

فحذارِ حذار ِفقد ينهار!؟

هذي الطيّارة ُ قادمةً

فيها الإجرام ُوفيها العار

ومدافعُ ليس لها هدفٌ

زخّتْ نيراناً كالأمطار!

لاترقدْ في الدّوْر الأعلى

فحذار ِحذار من الأدوار!؟

وانزلْ للغرفات السفلى

وتحصّنْ فيها ليل نهار!؟

لا تدخل مقهى أو سوقاً

لا تحلمْ بخضارٍ وثمار

قد يأتي العِلجُ ويقصفُه

وتموت بصمت مجهولا ً

ويذاعُ : لقد قُتِل الأشرارْ!؟

وابحثْ عن بيت مهجور ٍ

فصلاتُك يقبلُها الغفّار!

فصلاةُ الجمعة لا تحمي

والمسجدُ فوقك قد ينهارْ!؟

واجعل ْ لبنيك إذا ماتوا

وسْماً بالنار أو المسمار

فبه تعرفُهم إنْ دُفِنوا

مابين غبارٍ والأحجارْ!؟

واحذرْ أن تجمع أحباباً

لعزاءٍ أو وِرد استغفار

هذي الطائرةُ بلا طيّارْ

مافيها إنسانٌ ، لكنْ

تتحرّكُ بقرون استشعار

كي تقصف أو ترمي حُمماً

وتزيد دمارك فوق دمارْ!؟

هذا الخنزيرُ إذا استعلى

في الجو تبختر كالجزّار

سِكين ُ جريمتِه نارٌ

يلقيها كي يرضى بشار!؟

تُحرقُ بيتاً أو مدرسةً

أو مستشفى بين الأشجار

أو مكتبةً تحوي كتباً

تتحدث عن نهج الأبرارْ!؟

العالمُ كلُّه لم يسمع!؟

وعليك تآمرُه قد دار!

فالحظرُ المفروض ُعلينا

لم يفرضْه غيرُ الدُّعّار!

عربٌ، عجمٌ، شرقٌ غربٌ

وبعيدٌ عنك، وبعضُ جِوار!؟

فُجّارٌ، فُجّارٌ، تُجّار!؟

مادام اللهُ بعزته

معنا، يا أهلاً بالأقدار

نرضى بالموت هنا لكنْ

لا نقبلُه خلف الأسوار

فالشرفُ السوري لن يهوي

والشعبُ السوري لن ينهارْ!؟

========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com