العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 27-06-2021


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

تفكيك "العصبية" العلوية

رضوان زيادة

سوريا تي في

الخميس 24/6/2021

ليس تفصيلا صغيرا أن يظهر علي دوبا رئيس الاستخبارات العسكرية السابق لمدة تتجاوز العشرين عاما وهو على كرسيه المقعد من أجل التصويت لبشار الأسد في هذه الانتخابات المهزلة الشهر الماضي، كما أنه ليس تفصيلا أيضا أن يظهر رفعت الأسد من باريس وهو في عامه الثمانين من أجل التصويت لبشار الأسد أيضا، ربما هذان الحدثان يفسران ما كتبت عنه الأسبوع الماضي عن "العصبية" العلوية.

شرحت المفهوم من زاوية تحليل ابن خلدون لمفهوم العصبية وهو يفسر برأيي صمود الأسد على الاستمرار على مدى خمسين عاما والأهم صموده اليوم على مدى عشر سنوات من الثورة بالرغم من كل ما حصل.

ذكرت أن تطبيق مفهوم "العصبية العلوية" في ضوء النظرية الاجتماعية للصراع أو النزاع، فنظرية PSC كما تسمى اختصاراً تركز على دور الهوية المجتمعية في داخل الدولة، وهي التي تجعل الحروب الطائفية "عميقة الجذور" و"مستعصية على الحل" و"طويلة الأمد".

فصورة كل من علي دوبا ورفعت الأسد وهما يصوتان بغباء لبشار الأسد الذي لا يحتاج لصوتيهما وإنما هي رسالة بشكل أو بآخر على التضامن "العلوي" هاتان الصورتان تظهران درجة تضامن العلويين مع النظام الذي هو عامل حاسم في تفسير صمود الأسد، فالعصبية العلوية في النهاية هي التي حققت شرط تماسك النظام ومنعت تفككه بالرغم من الأزمات الشديدة التي لحقت به، وضمان الولاء داخل هذه الطائفة للأسد بالرغم مما مر به يفسر كيف حافظ الجيش والأمن على اليد الطولى في الحرب رغم كل الانشقاقات الأفقية التي جرت داخل هذين القطاعين.

في دراسة حديثة قام بها موقع زمان الوصل لكل وحدات الجيش السوري مع فروع الأمن المختلفة أظهرت التكوين الحالي لسلسلة القيادة العسكرية داخل نظام الأسد الحالي. فقد بلغ مجموع المناصب القيادية التي تم إحصاؤها في هذه الدراسة ضمن تسع مجموعات، 152 منصباً تتوزع حصص المكونات الطائفية فيها على الشكل التالي:

الطائفة العلوية 124 منصباً بنسبة 82 %، الطائفة السنية 22 منصباً بنسبة 14% ،الطائفة الدرزية 3 مناصب بنسبة 2% ، أما الطائفة المسيحية 3 مناصب بنسبة 2%.

يريد كل من رفعت الأسد وعلي دوبا القول للشعب السوري إن "العصبية" ما زالت قائمة وتعمل بعد أن ثبتت نجاعتها

طبعا هذه الدراسة تتسق تماما مع دراسات سابقة قام بها نيكولاس فاندام في كتابه عن الطائفية في سوريا في عام 1990 ثم حنا بطاطو في كتابه الشهير الذي ترجمه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات إلى العربية بعنوان "فلاحو سورية" وبالتالي حافظ النظام السوري على بنيته الطائفية الكاملة القائمة على "العصبية العلوية" في تطوير مواز تماما لإضعاف وربما تفكيك مؤسسات الدولة الحديثة من مثل الأحزاب أو البرلمان أو المؤسسات القضائية، كل هذه الهياكل لم يعد لها قيمة وهي بكل الأحوال لا تقوم بأي من مهامها المنوطة بها، هي غلاف خارجي لا قيمة له يقوم على "إظهار" البعد المؤسسي للدولة السورية كدولة حديثة لكن بنيتها الحقيقية وقوتها تقوم على فكرة الولاء لهذه "العصبية" العلوية، في الحقيقة تمكنت هذه العصبية من الصمود خلال أزمة الثمانينات وها هي اليوم تصمد أمام عاصفة أقوى وأكثر تشعبا وتمددا مثل الثورة السورية، صحيح أن العصبية العلوية أصبحت في وجه لوجه اليوم أمام الشعب السوري وأمام العالم  كما لم تكن خلال الثمانينيات لكنها بالوقت نفسه أصبحت أكثر قوة وتماسكا، لماذا؟

لأنها أظهرت فعاليتها في الصمود وأظهرت نتائجها في البقاء في السلطة بالرغم من كل ما حصل، ويأتي تصويت كل من رفعت الأسد وعلي دوبا للمصادقة على نجاح هذه "العصبية" التي شكك فيها بعض من رجالاتها من مثل علي حيدر ووزير الإعلام السابق محمد سلمان ووزير الدفاع السابق علي حبيب مع بداية الثورة السورية، يريد كل من رفعت الأسد وعلي دوبا القول للشعب السوري إن "العصبية" ما زالت قائمة وتعمل بعد أن ثبتت نجاعتها.

ربما يضيق الوقت الآن الدخول في تحليل هذه "العصبية" العلوية وبنيتها، التدميرية بشكل مخيف والتي لا أعتقد أنه بإمكان السوريين إعادة إعمار سوريا من دون تفكيك هذه "العصبية" العلوية فهي لا وطنية بل إنها تعادي فكرة الوطنية أو الشراكة في الوطن، إنها تظهر استهتارا كاملا بأرواح السوريين وقيمتهم ما داموا ليسوا جزءا من هذه العصبية.

العصبية العلوية خطر حقيقي على سوريا والسوريين اليوم وفي المستقبل.

=========================

وجهة نظر : مجزرة تدمر الذكرى الحاضرة التي لن تغيب

زهير سالم

مركز الشرق العربي

26 / 6/ 2021

بعد عام فقط من الجريمة.. نال قاتل "جورج فلويد " جزاءه..

ولكن قاتل مليون سوري يعاد تأهيله وتجميله!!

والقضية هي هي. القضية نفسها ذاتها عينها. والعنصرية ضد اللون، مثل العنصرية ضد الجنس، مثل العنصرية ضد الفكر، مثل العنصرية ضد الثقافة، ضد الحضارة ، ضد الدين ..

وهل كانت الأديان منذ نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد رسول الله، إلا أسفارا على طريق تطور وعي الإنسان وتحضره، وتحققه من إنسانيته، والنأي به لئلا يرتد لأسفل سافلين!!

والمجزرة منذ قابيل ونار النمرود، وأخدود ذي نواس، والخُشب التي رفع عليها حواريو سيدنا عيسى، والشِّعب الذي حوصر فيه أصحاب محمد، ثم منذ محاكم التفتيش تنقب عن قلوب وضمائر الناس، والهولكست النازي، وما جرى في رواندا وعلى أهلها، ومذابح المسلمين في البوسنة والهرسك، وما ارتكبه حافظ الأسد على مدى سنوات في لبنان وضد الفلسطينيين منهم خاصة، ثم ما ارتكبه في سورية وخلفه عليه ابنه؛ كل أولئك هو نوع من أنواع العنصرية المقيتة التي هي تعبير عن تردي الإنسان إلى أسفل سافلين الذي حذرت منه الأديان ...

وهكذا كانت مجزرة تدمر 28 حزيران / 1980 حلقة في سياق، كانت وما تزال أصوات ضحاياها تجأر إلى السماء تطلب العدل من رب رحيم..

وسبق المجزرة من قبل ثلاثة أعوام من المجازر، ارتكبت ضد الشقيق الفلسطيني، فلّت غرب المقاومة الفلسطينية في لبنان، وكسرت حدها، وأخرجتها من دولة رباط على حدود وطن سليب، وشردت رجالها خلف الآفاق ..

وكل أولئك أهّل حافظ الأسد من بعد ، لارتكاب المزيد والمزيد من المجازر، وبعد الشعب الفلسطيني جاء الدور على الشعب السوري، الذي كانت ملحمته هي الأطول على مدى أربعة عقود حيث محترفو القتل ظلوا مع كل صباح يقتلون ويقتلون ويقتلون ..

يا ويحهم نصبوا منارا من دم ...يوحي إلى جيل الغد البغضاء

ما ضر لو جعلوا العلاقة في غد ...بين الشعوب مودة وإخاء

وبالأمس حكم على الشرطي الأمريكي، قاتل الإنسان الأمريكي "جورج فلويد " بالسجن اثنين وعشرين عاما وستة أشهر، ولكن الذين قتلوا من الشعبين الفلسطيني والسوري رجالا ونساء وأطفالا ودمروا عمرانا؛ ما زالوا يُعترف بهم ، وما زالوا يُؤهلون ويمجدون، ويُوسدون، بل وما زالوا يسلّطون على شعب مستضعف أعزل، ليقتلوا كل صباح المزيد والمزيد، ما زالوا يمكنون ويؤهلون ويبغون في الأرض بغير الحق، ويقتلون الناس!! ولو استطاع مجلس الأمن أن يتخذ قرارا : لا يتنفس على الأرض السورية متنفس إلا من منخر الأسد وعلى مقاس فتحة أنفه.. وقُبّح اللكع ومن يرجوه !!

ومهما قالوا أو قلنا في "جريمة " مجزرة تدمر، فإن القول لن يوفي التوصيف الجرمي الإنساني والقانوني حقه، من حيث أنها ارتكبت ضد "معتقلين سياسيين" أو " مواطنين عزل " أو إذا شئت " محاربين أسرى " أو إذا شئت فزدت " محاربين أعداء " وهو الوصف الذي اختاره جورج بوش الابن لمحاربيه احتجزهم في غوانتنامو ولكنه لم يذبحهم كما فعل وكلاؤه في تدمر وحمص وحماة والغوطة وحوران وحلب ودير الزور وعلى كل الأرض السورية!!

ولم يبق لموقفنا في إدانة المجرم ، ولا في إدانة الجريمة المتسلسلة، مجزرة بعد مجزرة بعد مجزرة، أي معنى، مع إدراكنا أن هذا النوع من الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية، وضد القانون الإنساني، لا تسقط بالتقادم، لا بتقادم العهد ولا بتواصل البعد. ولا يُبلي حديثَها كرُّ الليالي ولا تباعدُ الأيام ..بل ستظل حديث الوسائد، في حكايات قبل النوم يحكيها الجد، وتحكيها الجدة، تحكيها الأم وتحكيها العمة والخالة :

كان يا ما كان ، كان في سورية عميل خائن قاتل وجبان، باع الجولان، وقتل الإنسان، ودمر العمران، وكان جدك يا ولدي له بالمرصاد، فتصدى له بالثقة ؛ ولكن أهل الغدر في هذه الأرض وقفوا بجانب القاتل ، وسنوا له السكاكين ،ووثقوا له القيود وحموه من خلف وأمام الحدود ...سيحكي الزمان الحكاية، وستروي العمة والخالة الرواية ، وستحمر على مدى الزمان الأنوف ...

حديث الإدانة قد مضى زمانه ، وإنما كل الذي نريد في ذكرى المجزرة التي لا تزال وستبقى حية في العقول والقلوب حتى يأخذ العدل مجراه، أن نعيد تصنيف الجريمة في سياقيها الإنساني والقانوني ..لنقول لقد كانت "المجزرة " كما كل المجازر التي ارتكبها حافظ وبشار الأسد، جريمة عنصرية ببعد ديني وثقافي، وكان كل الذين صمتوا عنها على مستوى العالم من المتواطئين مع مرتكبها وضد ضحاياه ..!!

وكل المجازر التي تبعت مجزرة تدمر / 1980 هي في العنصرية مثلها ومشتقة منها، وحين نقرنها اليوم بانتصار العدل في محطة قاتل جورج فلويد نؤكد أن الحقيقة الإنسانية التي انتصرت مرة بعد مرة على طبقات كثيفة من التمييز العنصري، ستنتصر بإذن الله، ضد كل أشكال التمييز الديني والطائفي والمذهبي في سورية وفي العراق وفي فلسطين وفي اليمن ، وسيعلم هؤلاء الأوباش الذين يسلطهم علينا أعداء ملتنا وأعداء أمتنا أي منقلب ينقلبون ...

الله أكبر... أسمع الصوت يجلجل من وراء أسوار تدمر ، ويا لروعة الشهادة ولجمال الشهداء...

____________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

دلالات سؤال بوتين حول الأسد

 رياض معسعس

القدس العربي

الخميس 24/6/2021

سؤال بوتين لنظرائه الغربيين: “من ترونه بديلا عن الأسد؟” وجوابهم: ” لا نعرف” له دلائل كثيرة من قبل بوتين نفسه، ومن قبل الدول الغربية في جوابها ” الغريب “: لا نعرف.

السؤال بحد ذاته يتضمن تأكيدا على أن لا بديل عن بشار الأسد، والجواب أيضا ينم عن حيرة غربية في التعامل مع معضلة تربيع الدائرة السورية. ثم يأتي خطاب التحذير: ” هل تريدونها كأفغانستان..” وذلك في تلميح لخوض الحلف الأطلسي، والولايات المتحدة بوحول أفغانستان لمدة عقدين من الزمن قبل أن يصلوا إلى قناعة أن الرحيل أفضل من البقاء، ولتفعل الطالبان ما أرادت فهي خرجت منتصرة، بعد أن كان الهدف محوها من الوجود.

وسؤال بوتين الموجه للغرب برمته يرمي إلى التأكيد أن سيد المكان الآن هو روسيا، واتركوا أمر سوريا لها فهي باتت أدرى بشعابها، “ومن لديه طباخ ماهر من الأفضل أن لا يزفر يديه”.

أين المعارضة السياسية؟

سؤال بوتين يريد أن يقول بطريقة غير مباشرة أن المعارضة السياسية، التي يمكن أن يتبادر لذهن البعض أنها قادرة على سد فراغ زوال نظام الأسد، فهي ليست أهلا للحكم ولم ترق إلى مستوى قيادة دولة كسوريا التي أصبحت من الدول العصية على القيادة والفهم. خاصة وأنها، أي المعارضة، المتمثلة اليوم بشكل أساسي بالائتلاف الوطني، وهيئة التنسيق لا يوجد أي توحيد للجهود بينهما، ضمن مسار واحد قادر على إقناع المجتمع الدولي بأنه من الممكن جدا الاعتماد عليها بالإمساك بزمام الأمور، ومنع سقوط الدولة. خاصة وأن الائتلاف يعمل من الخارج، وهيئة التنسيق من الداخل.

المعارضة المسلحة

سؤال بوتين كان موجها للغرب، ويركز على الوجع الأساسي الذي يؤرقه: الإرهاب.

وهنا لابد من التنويه أن النظام نجح في شيطنة المعارضة وضرب الثورة النقية، السلمية، المطالبة بالحرية بصبغة الإرهاب بعد أن أفرج عن كل التكفيريين، وتسليحهم، وارتكاب الجرائم ليقول للغرب هذه ليست ثورة، بل مجموعة من الإرهابيين والقتلة، وأعطى مثال تنظيم الدولة والنصرة (تحرير الشام، التي كانت تنتمي للقاعدة) اللتين ارتكبتا الفظائع في سوريا، والعراق، وعمليات في أكثر من مدينة أوروبية. وهذا ما جعل بوتين يذكر بفظائع الحرب في أفغانستان، والصومال.

تعالوا لنتفاوض

بوتين لم يغلق باب التفاوض، إذ قدم للغرب إمكانية الجلوس إلى الطاولة وتبادل الآراء حول المعضلة السورية، “إذا أردتم فتحن جاهزون للتفاوض وإجراء انتخابات مبكرة خلال عامين أو ثلاثة أعوام”. وهذا يعني بوضوح جر الدول الغربية إلى التفاوض بشروط روسية كامنة وراء الأكمة، أولها رفع العقوبات عن النظام، وإعادة الإعمار كي تهرول الشركات الروسية سريعا لتعويض ما دفعه بوتين من تكاليف فاقت سبعة مليارات دولار لسند النظام، مقابل القبول بالقرار الأممي 2254 الخاص بسوريا (والذي ينص على مجموعة من الإجراءات تضمن القرار وهو مشروع قرار أمريكي- عددا من البنود كأرضية أساسية لتحقيق عملية الانتقال السياسي في سوريا، ونص القرار على دعوة الأمين العام للأمم المتحدة ممثلي النظام والمعارضة السورييْن للمشاركة في مفاوضات رسمية بشأن مسار الانتقال السياسي)، وهنا تكمن مطبات كثيرة يمتلك الروس أكثر مفاتيحها: من هي المعارضة التي ستمثل الشعب السوري؟

وهل سيقبل النظام الجلوس إلى معارضة حقيقية متماسكة تفرض شروطها التي يطالب بها الشعب السوري؟ أم أنه سيقوم بجولات تسويفية على غرار الجولات الخلبية التي لم تتمخض عن أي تقدم في الحل السياسي وكانت بمثابة الدرجة صفر في مجال الوصول إلى حل روسي ـ روسي في النهاية. أكان تحت رعاية الأمم المتحدة، أم تحت رعاية روسية في سوتشي وأستانا وما أدراك ما أستانة. وهل المسألة تتعلق برحيل الأسد وعائلته، أم برحيل النظام برمته، أم تقاسم السلطة؟

المتحدث الرسمي باسم النظام

أين رئيس النظام بشار الأسد الذي أعطى لنفسه شرعية “ديمقراطية” بعد انتخابه بنسبة 120 بالمئة ( حسب الاحصائيات الرسمية وصل عدد الناخبين أكثر من 13 مليونا وعدد السوريين المتواجدين تحت سلطة النظام أقل من هذا العدد بكثير)، ومن يكتسب مثل هذه الشرعية القوية أكثر من 95 في المئة من الأصوات تكون له سيادة كاملة على الشعب والوطن. فلماذا يتحدث بوتين باسم سوريا الذي بات المتحدث الرسمي لها؟

هل سوريا تحت سيادة سورية أم تحت سيادة روسية؟

وإذا تم ما يدعو إليه بوتين من تفاوض بعد تقريبا إثني عشر عاما يكون كل ما فعله الأسد من قتل وتدمير، وتهجير ذهب سدى، وكان يمكن الجلوس إلى طاولة المفاوضات منذ اندلاع الثورة بين النظام والمعارضة ووفر النظام على نفسه كل هذه المجازر في لحم السوريين وفي أملاكهم ومساكنهم وذكرياتهم.

إيران الصامتة

يقال عن الإيرانيين أنهم يذبحون بالقطنة، أي بنفس طويل، وطويل جدا. وعندما يلتزمون الصمت، كإسرائيل، فمعنى ذلك أن الأمور لصالحهم، ولا يريدون لفت الأنظار. فالروس يبنون القواعد العسكرية، والبحرية، ويجربون أسلحتهم الحديثة باللحم السوري، والإيرانيون يتغلغلون في النسيج الاجتماعي، ويتملكون العقارات والأراضي، ويسيطرون على الحدود العراقية السورية، واللبنانية السورية، وهذا أكثر ما يهمهم، وإن هم لم يألوا جهدا في تجريب أسلحتهم أيضا في اللحم السوري الذي بات مستباحا للقاصي والداني.

وفي ساعة الصفر لهم كلمتهم أيضا فقد صرفوا أكثر من ثلاثين مليار دولار في دعم النظام الذي كان متهاويا، وحسب تصريح أكثر من مسؤول إيراني، ومن حسن نصر الله أن النظام لولاهم لما صمد ساعتين.

تركيا وأمريكا حليفان في الناتو، ومتضادان في المسألة الكردية.

بالطبع لتركيا أيضا كلمة فهي تدعم المعارضة ومتواجدة على الأرض في منطقة إدلب، ولها أربع عيون على منطقة الحكم الذاتي التي يسيطر عليها قوات سورية الديمقراطية الكردية، ولا تقبل بشكل من الأشكال إنشاء دولة كردية على حدودها الجنوبية، بينما تدعم أمريكا الحكم الذاتي وتسيطر على النفط السوري، وبيدها مفتاح العقوبات. وسؤال بوتين في نهاية الأمر يجمع كل هذه العوامل ليقول للغرب غردوا كما تريدون ولكن العودة إلي.

كاتب سوري

=========================

الاعتقال أكبر مآسي السوريين

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاربعاء 23/6/2021

سيعجز السوريون إذا رغبوا في رصد وتعداد ما أصابهم من كوارث، وما عاشوه من مصائب في العشر سنوات الماضية، ولا شك أن عجزهم سيكون مؤكداً في ترتب تلك المصائب والكوارث وفقاً للأضرار التي تركتها في حياتهم وفي أرواحهم وفي مستقبلهم، والأمر في كل الحالات، يتصل بحجم ما تعرضوا له من هجمات وحروب، تشاركت فيها دول وقوى وجماعات، بدأها النظام بإطلاق النار على المتظاهرين وقتلهم واعتقالهم، ثم توالت فصول الدم والتهجير والمعاناة تتصاعد، وأخذ يتزايد ويتعدد المشاركون في إنتاج وتكريس المعاناة السورية.

وإذا كانت المؤسسات الدولية المعنية بإحصاء أرقام الكارثة السورية، قد أوقفت عمليات الإحصاء في بعض مجالات الكارثة منذ سنوات، لأن الأرقام تجاوزت حدود التقديرات أو التصورات، فإن ذلك فتح الباب أمام تقديرات، باتت أرقامها تصل حدود الخيال في بعض المجالات، إن لم نقل كلها، ما يدفع إلى استبعاد طرحها ومناقشتها، لأنها لن تضيف شيئاً في شرح كوارث تجاوزت حدود التصورات.

وبالرغم مما يعكسه ذلك من مظاهر وعمق كارثة السوريين، فإن السوريين كما كل الشعوب الأخرى، سارعوا ما استطاعوا للتغلب على ما أصابهم. فالذين تم تهجيرهم، اتخذوا مناطق أخرى للإقامة وخصوصاً في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، لكن القسم الأكبر الذين زادت أعدادهم عن ثمانية ملايين سوري ذهبوا إلى اللجوء في بلدان الجوار وفي الأبعد منها.

وبينما قد توافرت ظروف أفضل لحياة اللاجئين في البلدان الأوروبية، ولمن قام أقاربهم برعايتهم، كما حدث في بلدان الخليج العربية، فإن أغلب اللاجئين الآخرين، أقاموا توافقاً ولو قاسياً بين ظروفهم واحتياجاتهم، وانخرط منهم من استطاع في عمل يساعده على الحياة وفي تلبية احتياجات من معه، واستعانت الأكثرية مثل إخوانهم في الداخل بمساعدات يرسلها الأقارب والأصدقاء القادرون لتغطية احتياجاتهم، يضيفونها إلى المعونات القليلة، التي يقدمها المجتمع الدولي، ويستولي نظام الأسد وشبكات الفساد في بعض الدول المضيفة على جزء منها.

ولم يقتصر جهد السوريين في السعي للتأقلم مع الظروف الصعبة على ترتيب إقاماتهم ومواردهم وتحديد مستويات عيشهم بغض النظر عما كانوا عليه في السابق، بل استعانوا بخبراتهم في تجاربهم المُرة مع نظام الأزمات المفتعلة الذي تعودوا عليه في معظم سنوات حكم الأسد الأب من اختلالات بين الأجور والصرفيات، وعدم توافر احتياجات وسلع أساسية، وتردي الخدمات وخصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم، وانتشار الفوضى والفساد وخرق القانون، وجميعها عادت للظهور بصورة واسعة في عهد الأسد الوريث خصوصاً في ظل حروب السنوات العشر الماضية، ما جعل أكثر السوريين وخصوصاً في مناطق سيطرة النظام، يتنازلون عن كثير من احتياجاتهم الضرورية، والاكتفاء بالحدود الدنيا، التي بالكاد تكفي لاستمرار الحياة في ضوء الأزمة المعيشية، التي أطاحت بقيمة العملة السورية وانخفاض فرص العمل وأجور العاملين.

لقد اختفت الكماليات والاستهلاكيات في حياة أغلب السوريين، وجرى استبعاد بعض الضروريات إذا أمكن، أو تم استبدالها بما هو أقل سعراً وجودة في حالات الضرورة، وكان في نتائج النمط الجديد من التغييرات المعيشية التوقف عن إرسال الأولاد وخصوصاً الفتيات إلى التعليم أو اقتصاره على مراحل أدنى، ودفع بعض الأطفال إلى سوق العمل رغم ظروفها البائسة.

ورغم بؤس التدابير، وسوء الخطوات التي قام بها السوريون لمواجهة ما يحيط بهم من كوارث، وتداعيات الحرب التي تعرضوا لها، فإنه يمكن القول، إن أكثرية السوريين عالجوا بما أمكن ظروفهم، وإن قسماً منهم دخل في طور أفضل من تحسين ظروف وشروط حياته بعد ما تعرضت له من نتائج موت وتدمير ممتلكات وتهجير وغيرها من جرائم أصابت أغلب السوريين، إن لم يكن بواسطة نظام الأسد وحلفائه، فقد كانت بواسطة جماعات التطرف والعصابات المسلحة أو بواسطة قوى تدخل إقليمي ودولي، الحقت قتلاً ودماراً بحق سوريين.

الجزء أو الحيز الوحيد من كوارث السوريين الذي ما زال حاضراً ويتفاقم، وتتصاعد تداعياته، هو موضوع المعتقلين والمختفين قسراً، وهو موضوع غاية في الصعوبة والتعقيد، حيث إن المعتقلين والمختفين قسراً أشخاص مجهولو المصير، لا يعرف أهلهم وأحبابهم، إن كانوا بالحياة أو ماتوا، ولا يعرفون إن كان سيفرج عن الأحياء منهم أو سيظلون في غياب. عشرات أو مئات الأسئلة، تحيط بمصائرهم دون أن يكون لها أجوبة، وسط حقائق من أبرزها أننا أمام أطراف متعددة مسؤولة في قضية المعتقلين والمختفين أولها النظام وعصاباته، ثم جماعات التطرف والإرهاب إضافة إلى العصابات المسلحة، وكثير منهم مضى على اعتقاله وتغيبه سنوات طويلة، دون أن تظهر أي علامة موت أو حياة تتصل بهم، فلا هو حي ينتظره أهله، ولا ميت يحسمون أمره.

إن عذابات المعتقلين والمختفين قسراً في الظروف السورية التي مرت، وبما هو واقع الحال من ظروف، أكبر من أن يحتملها إنسان، وهو ما أكدته معلومات تسربت من داخل معتقلات والسجون، معلومات يبدو الموت أقل قسوة وبشاعة من العيش في واقع المعتقلات والسجون، وتتجاوز حال المعتقلين عذاباتهم لتصب أشد تأثيراتها على أحبابهم وأهاليهم من آباء وأمهات ومن أبناء وبنات وزوجات وأخوات، لا تتعلق التأثيرات بعواطفهم فحسب، بل تتصل بما يحيط بهم من جوانب حياتية ومعيشية عملية، ما يجعل من الضروري، تحرك السوريين للكشف عن مصائر المعتقلين والمختفين، وأن يبذلوا كل الجهود لتحويل قضيتهم إلى قضية رأي عام، ليس في سوريا وإنما في المستوى العالمي، إذ لا يصح أن يسكت العالم على جريمة مستمرة من عشر سنوات، تشمل نحو ربع مليون إنسان، وخلفها أكثر من مليوني شخص يحملون آثارها، ويعانون إلى أبعد الحدود في حياتهم وأرواحهم.

=========================

غزوة بايدن .. الفرص والمخاطر

علي العبدالله

العربي الجديد

الاربعاء 23/6/2021

شكّل شعار "أميركا عادت" رافعة للرئيس الأميركي، جوزيف بايدن، في حواراته الأوروبية والأطلسية، إذ تحت هذا الشعار، دعا حلفاء الولايات المتحدة التقليديين في مجموعة السبع وحلف شمال الأطلسي (الناتو) والاتحاد الأوروبي، والحلفاء الجدد (الهند)، إلى الانضمام إلى غزواته المقبلة ضد الأنظمة السلطوية في جميع أنحاء العالم، وخصوصا ضد النظام الصيني، وإلى الانخراط في عمليات جيوسياسية وعسكرية وأمنية واقتصادية للجم التمدّد الصيني، والتصدّي لخططه للهيمنة والسيطرة عبر تطويره قدراته العسكرية والتقنية والذكاء الاصطناعي وتعزيزها، وربطه الدول باستثماراته الضخمة في مشروع الحزام والطريق وبناه التحتية، الطرق والجسور وسكك الحديد والموانئ، التي تسهّل وصول منتجاته الصناعية إلى أسواق بعيدة، وتحقق له نفوذاً راسخاً عبر إغراق الدول المنخرطة في المشروع بديون ثقيلة ومقيدة.

نجح الرئيس الأميركي في حشد دول مجموعة السبع وحلف الناتو والاتحاد الأوروبي ضد الصين، فقد اعتبرها قادة دول الحلف العتيد "خطراً يهدّد العالم"؛ وتبنّوا المقاربة الأميركية بإعطاء المواجهة معها أولويةً على قاعدة "التركيز على إدارة المخاطر الأكثر إلحاحاً" وتجميد الملفات الأخرى مرحلياً، ومواجهة مشروعها الرئيس، الحزام والطريق، بتوفير بدائل لدول وسط آسيا بتنفيذ مشاريع بنى تحتية فيها تحرّرها من الخيار الصيني وتبعاته الاقتصادية: الغرق بالمديونية، والإعلان عن توزيع مليار جرعة من اللقاحات المضادة لفيروس كورونا، في سياق دبلوماسية اللقاحات، لاحتواء توظيف الصين هذا التكتيك والتفوق عليها.

تبقى روسيا بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها في "الناتو" صاحبة مشروع سياسي وقيمي مناهض لليبرالية والديمقراطية اللتين يتبنّاهما التحالف الغربي

في سياق إحكام الطوق حول الصين، تبنّى الرئيس الأميركي مقاربةً مرنةً مع روسيا في قضايا استراتيجية؛ الحدّ من التسلح وتكريس استقرار استراتيجي، ليمنحها فرصة تجنّب سباق تسلح باهظ التكلفة مقابل الابتعاد عن الصين... مقايضة مغرية في ضوء اقتصادها الهشّ، والحاجة إلى طمأنة الشعب الروسي المتطلع إلى تحسين ظروف عيشه وتحسين خدماته الضاغطة، عشية الانتخابات البرلمانية والرئاسية عام 2024. وركّز بايدن على تحديد خطوط حمر تريح الطرفين في قضايا الحرب السيبرانية وعسكرة القطب الشمالي والتدخل في الشؤون الداخلية، وخفّف من معارضة الولايات المتحدة التعاون الروسي الأوروبي في مجال الطاقة، ومدّ خط أنابيب غاز سيل الشمال عبر بحر البلطيق إلى ألمانيا. لكنّه تشدّد في قضايا جيوسياسية؛ أوكرانيا وجزيرة القرم، وقد كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، قد هدّد بمحو أوكرانيا إذا اقترب حلف الناتو منها. وحدّد بايدن نطاق الحديث في الملف السوري بمناقشة ملف المعابر الإنسانية وإدخال المساعدات الأممية عبر الحدود، للتعبير عن عدم استعداده لتوسيع التعاون مع روسيا في سورية خارج الجدول الزمني لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، واستمرار التنسيق العسكري لتفادي التصادم خلال العمليات فيها. وكانت روسيا قد مهدت لقمة بوتين - بايدن في جنيف (16 يونيو/ حزيران الحالي) بتصعيد موقفها إزاء المعابر الإنسانية، ولوّحت باستخدام حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن، عند مناقشة تمديد القرار 2533 الخاص بالمعابر الإنسانية في يوليو/ تموز المقبل؛ على أمل استدراج عروضٍ في الملف السوري بشأن عودة اللاجئين وإعادة الإعمار وتخفيف بعض بنود "قانون قيصر" لكن من دون طائل، كما أبقى سيف القيم الغربية؛ الديمقراطية وحقوق الإنسان، وملفات تسميم وقتل معارضين، مشهراً في وجهها، تكريساً للبعد القيمي الأخلاقي الذي حشد حوله في قمم مجموعة السبع والاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي معياراً لمواجهة الأنظمة التسلطية، بما في ذلك روسيا.

لم تنجح قمة الرئيسين، الروسي والأميركي، في جنيف، في تفكيك القضايا المعقدة وحلّ الخلافات العميقة في مجالات عسكرية وأمنية واقتصادية، في ضوء نظرة كلّ من الدولتين إلى الأخرى، فروسيا بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها في "الناتو" صاحبة مشروع سياسي وقيمي مناهض لليبرالية والديمقراطية اللتين يتبنّاهما التحالف الغربي، وكان الرئيس الروسي، بوتين، أعلن أنّ "الديمقراطية قد عفا عليها الزمان". ورفع من تحدياته، عبر تحديث قدراته النووية وتعزيز تحالفاته العسكرية والأمنية؛ عكستها إعلانات بوتين المتكرّرة عن إنجازات المجمع الصناعي العسكري الكبيرة، والمتفوقة في مجالات الصواريخ النووية والطوربيدات البحرية ودفاعاته الصاروخية والأسلحة التقليدية. وزاد من خطورة تحدّياته تعاونه العسكري مع الصين، وتنسيقه السياسي معها. في حين تعتبر روسيا الولايات المتحدة خطراً وجودياً. في خلفية الموقف الروسي ما قاله الوزير الأميركي الأسبق، هنري كيسنجر: "روسيا كبيرة لذا فهي خطيرة"، وتحوّله إلى خطة أميركية جسّدها تمدّد حلف شمال الأطلسي المتواتر نحو حدودها الغربية، ونشر الدرع الصاروخية في دول أوروبا الشرقية، والتدخل في الشؤون الداخلية عبر دعم منظمات المجتمع المدني الروسي، وفتح ملفات الفساد وفضح الشخصيات المقرّبة من بوتين التي نهبت الثروة الوطنية. وقد زاد في حساسية الموقف الروسي وهواجسه في القمة تنصيب الرئيس الأميركي نفسه قائداً للمعسكر الغربي؛ وترحيب جميع القادة الأوروبيين بعودة الولايات المتحدة إلى حلفائها؛ وتأييدهم موقفه المعادي من روسيا ومن الصين، ما يعني عودة الاصطفاف ضمن أحلافٍ، وتهديد فرص روسيا في استثمار التباينات السياسية والاقتصادية بين دول التحالف الغربي وتحقيق مكاسب من علاقاتٍ إيجابيةٍ نجحت في بنائها مع بعض دول الاتحاد الأوروبي ودول أخرى محسوبة على حلفاء الولايات المتحدة.

تحتاج الولايات المتحدة إلى العودة للاستقرار الاستراتيجي مع روسيا التي استعادت قوتها، للتفرّغ لمواجهة الصين

لذا لم يكن من السهولة أن تقبل روسيا محاولة الإدارة الأميركية دفعها إلى الابتعاد عن الصين، على الرغم من الدلالة التي ينطوي عليها عرض الأخيرة تشكيل لجان للتفاوض بشأن التسلح والاستقرار الاستراتيجي، باعتباره من أشكال الثنائية القطبية بين الدولتين النوويتين الأكبر في العالم، وما فيه من اعترافٍ بالمكانة الدولية لروسيا، الهدف العزيز على قلب بوتين، ليس لأنّها هي والصين في تفاهم تام، واتفاق استراتيجي راسخ، بل لأنّ ابتعادها عن الصين سيضعفها ويضعها في مواجهة التحالف الغربي من دون حليف وازن، ما يحدّ من فرصها في تحقيق أهدافها في ملفاتٍ معلقةٍ معه، من جهة. وسيفتح، من جهة ثانية، الطريق لقيام نظام ثنائي القطبية من الولايات المتحدة والصين، يضعفها ويهمشها أكثر، فالإبقاء على التعاون مع الصين، خصوصاً في مجال الأسلحة، حيث تتقدّم على الصين، يعزّز موقف الصين في مواجهة الولايات المتحدة، ويزيد من قدرتها على بسط نفوذها في الجوار، بما في ذلك استرجاع تايوان، ما يقطع الطريق على تفاهم أميركي صيني على حسابها، فالضغوط الأميركية على روسيا للابتعاد عن الصين فيها كثير من سوء التقدير، لأنّها تأتي مع إعلاناتٍ عن اعتبارها عدوة وخطرة؛ ما يقود إلى دفعها إلى الالتحام أكثر بالصين، لمواجهة عدو مشترك وتحقيق توازن، إن لم يكن تفوقاً، في التنافس معه. وقد سبق لروسيا التعبير عن ذلك، حين رفضت دعوة الولايات المتحدة إلى إلزام الصين بالاتفاقات والمعاهدات النووية بينهما؛ الصين دعتهما إلى تقليص عدد الرؤوس النووية لديهما، حيث الفارق بين ما تملكه هي وما تملكه روسيا والولايات المتحدة كبير جداً، 200 رأس، مقابل 6850 و6450 لدى الدولتين على التوالي، مع علمها أنّ استمرار التعاون مع الصين وتطويره سينعكس سلباً على أيّ تسوياتٍ في الملفات الدفاعية مع التحالف الغربي، وسيزيد الضغوط الغربية عليها.

تحتاج الولايات المتحدة إلى العودة للاستقرار الاستراتيجي مع روسيا التي استعادت قوتها، للتفرغ لمواجهة الصين، وهذا لن يتم من دون اتفاقاتٍ وترتيباتٍ مرضية للطرف الروسي، خصوصاً أنّها قد بلورت قواسم مشتركة مع الصين، مهمة لتحركها السياسي والاستراتيجي؛ ما يستدعي رفع الثمن المطلوب للتخلي عنها. وهذا إذا تم يثير مشكلاتٍ مع دول أوروبية حليفة، الشرقية ودول البلطيق بخاصة، تتوجّس من روسيا، وتعتبر التقارب الأميركي معها مضرّا بأمنها ومصالحها، لأنّه يحدّ من فرص استثمار الخلاف والمواجهة بينهما، ببسط الولايات المتحدة حمايتها عليها من ضغوط روسية قائمة ومتوقعة، ما يستدعي حصر مجال التنازل لها جغرافياً ونوعياً، والإبقاء على الضغوط مسلطةً عليها لتقييد قدرتها على إلحاق الأذى بالدول الحليفة، ودفعها إلى تعديل سلوكها الدولي.

=========================

هيئة تحرير الشام عنوان صراع أميركي – روسي في شمال سوريا

هشام النجار

العرب اللندنية

الثلاثاء 22/6/2021

أبدى الرئيس فلاديمير بوتين وعدد من المسؤولين الروس تفاؤلا حذرا غداة القمة مع الرئيس الأميركي جو بايدن، مرحّبين بعودة “المنطق الأميركي السليم”، إلا أن الخلافات يبدو أنها لن تغادر مربع العدائية وقد تنعكس سلبا على ملفات المنطقة الساخنة وأبرزها الملف السوري. وفيما تشكل هيئة تحرير الشام عنوانا للصراع الأميركي – الروسي في شمال سوريا، فإن التطورات الأخيرة بعد فشل زعيم الهيئة أبومحمد الجولاني في استنساخ نموذج طالبان في المفاوضات والتقرب من واشنطن، صبّت في صالح موسكو ودمشق اللتين حرصتا على تحييد خطط إدارة جو بايدن لاختراق الملف السوري، بينما تحرم التحولات الراهنة تركيا من مقايضة نظام الأسد على تسوية مرضية لها.

قبل لقاء الأربعاء السادس عشر من يونيو في جنيف بين الرئيسين الأميركي جو بايدن والروسي فلاديمير بوتين عكست مواقف بلديهما حيال التنظيمات الجهادية في سوريا الرغبة في ألا يستخدم طرف هذا الملف لمصلحته ضد الآخر.

تزامن اللقاء مع عرض وثائقي “الجهادي” الذي تناول سيرة زعيم هيئة تحرير الشام أبومحمد الجولاني والذي أعده الصحافي الأميركي مارتن سميث على خدمة البث العام الأميركية. ولم يلمع الرجل بعد عرضه أخيرا كما كان متوقعا على ضوء ما نُشر من نص المقابلة السابقة على موقع “فرونت لاين” في فبراير الماضي.

وقد حمل الوثائقي المُعد بعناية واحترافية إدانة قوية وتضمن تعليقات من قبل سميث وآخرين تدحض ما سعى الجولاني لترويجه مبرّئا نفسه من الإرهاب وتعذيب السجناء والأجانب.

وعدّل السفير الأميركي السابق جيمس جيفري من موقفه المرن تجاه هيئة تحرير الشام وزعيمها عندما أشار في نهاية الفيلم إلى أنه تلقى بالفعل رسالة من الهيئة تطلب إقامة علاقة طبيعية مع واشنطن، مشدّدا على أنه لم يناقش تلك الرسائل مع الإدارة الأميركية متسائلا: لماذا أضع نفسي في موقف صعب بأن أسعى لإسقاط شخص من قائمة الإرهاب؟

رسائل متبادلة

خيارات أنقرة في سوريا تتضاءل، فهي غير مهيأة ولا مؤهلة لمواصلة الشراكة وتبادل المصالح مع موسكو بعد انتهاكها للهدنة، فيما لم تغادر علاقات أنقرة وواشنطن مربع التأزم بعد لقاء بايدن وأردوغان

يمكن اعتبار المضمون النهائي للفيلم الذي ناقض التحضيرات له والتي أوحت بأن هناك خطة أميركية مّا لتعويم الجولاني وحركته في المشهد السياسي السوري، كذلك تصريحات جيفري الجديدة التي تُعدّ انقلابا على مواقفه القديمة التي غذّت أوهام الجهاديين السوريين الطامحين إلى الخروج من التصنيف الأميركي كإرهابيين، بمنزلة إعلان موقف حاسم يضع النقاط على الحروف بشأن مسألة علاقة واشنطن مع هيئة تحرير الشام وزعيمها.

رسائل هذا المحتوى الإعلامي بدت كأنها كانت موجهة للمسؤولين الروس قبل لقاء القمة بين بايدن وبوتين، فإعلان فشل محاولات الجولاني في التقرب من واشنطن والتنصل من حركته هو إيذان بانفتاح على إيجاد أرضية مشتركة بين البلدين يسمح بتعاون متوازن في الساحة السورية.

لن تحصل واشنطن على هذه النتيجة في ظل ضبابية علاقتها مع هيئة تحرير الشام والجهاديين في الشمال السوري، لأن التصعيد الراهن من قبل قوات النظام السوري وروسيا في جنوب إدلب شمال غربي سوريا يحمل في ثناياه استعراضا للقوة بغرض إظهار روسيا أكثر تحكّما في مستقبل سوريا من الولايات المتحدة.

وعلى الرغم من أن أميركا ليست حليفة لهيئة تحرير الشام وتصنّف زعيمها على قائمة الإرهاب منذ 2013 واضعة مكافأة قدرها عشرة ملايين دولار مقابل معلومات تؤدي إلى القبض عليه، إلا أن واقع الحال مع الإشارات السلبية السابقة بشأن خطط تعويم الجولاني وفرضية قبول واشنطن به وبهيئته كطرف سياسي يحظى بتمثيل في التسوية المقبلة، منح موسكو فرص الإيحاء بأن كل استهداف منها لرموز الهيئة وكل ضرباتها ضد قواتها بمثابة خصم من نفوذ واشنطن في سوريا وفي المنطقة.

كثفت روسيا بالتعاون مع قوات الجيش السوري من عملياتها العسكرية في إدلب ضد تمركزات قادة هيئة تحرير الشام وقتلت في إحدى غاراتها الجوية في قرية إبلين بجبل الزاوية جنوبي إدلب قادة ومسؤولين مهمين في الهيئة في مقدمتهم أبوخالد الشامي الذراع اليمنى للجولاني والمتحدث الإعلامي باسم الهيئة، وأبومصعب الحمصي، والقيادي البارز في الهيئة معتز النصر.

عدّت الضربات الروسية الأقوى والأكثر دقة منذ توقف الغارات الأميركية ضد قادة هيئة تحرير الشام بعد وصول الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب إلى البيت الأبيض مرورا بوقف إطلاق النار بموجب الاتفاق التركي – الروسي الموقّع في مارس من العام الماضي، ولاح هدفها الأساس هو إحباط اختراق أميركا للملف السوري بعد الإعلان عن فوز بشار الأسد بفترة رئاسة جديدة عبر تفاهمات مع موسكو تضغط خلالها واشنطن بورقة إيصال المساعدات الإنسانية عبر الحدود بغرض إجبارها على تقديم تنازلات.

اقتنصت موسكو الفرصة المواتية لإضفاء الشرعية ميدانيا على عملية إعادة انتخاب بشار الأسد عبر توسيع رقعة تمدّده داخل المناطق التي تسيطر عليها قوات ما يُطلق عليها المعارضة المسلحة

ارتأت روسيا أنه من أجل تثبيت منجز إعلان فوز الأسد بالرئاسة والبناء عليه للحفاظ على مصالحها ونفوذها في سوريا، ينبغي قطع الطريق مبكّرا أمام واشنطن كي لا توظف الملف الإنساني عبر تكريس واقع مختلف يضع هيئة تحرير الشام في موقف ضعف، فارضة إدخال المساعدات الإنسانية عن طريق الحكومة السورية لا عن طريق المناطق التي تسيطر عليها القوات التابعة لهيئة الجولاني.

اقتنصت موسكو الفرصة المواتية لإضفاء الشرعية ميدانيا على عملية إعادة انتخاب بشار الأسد عبر توسيع رقعة تمدّده داخل المناطق التي تسيطر عليها قوات ما يُطلق عليها المعارضة المسلحة من جهة، ومن جهة أخرى انتهزت اقتصار أوراق السياسة الأميركية على التركيز على الجانب الإنساني ومطالبات بفتح المعابر لوضع واشنطن أمام أمر واقع لا تملك معه خيارات بديلة عن خطط وضع حد لنفوذ الإرهابيين وتمركزهم في محافظة إدلب، الذين تلحّ موسكو على لسان كبار مسؤوليها على اعتبارهم أساس المعضلة في الأزمة السورية.

فرض موسكو رؤيتها المناقضة لرؤية واشنطن بشأن طرق إيصال المساعدات الإنسانية وتثبيت نفوذ حلفائها وتقليص فرص المعارضة المسلحة وهيئة تحرير الشام في التحول إلى أطراف سياسية معترف بها فضلا عن قضم مناطق تسيطر عليها وإضعاف حضورها ونفوذها العسكري والميداني، لا تنعكس سلبيا فحسب على مستقبل الهيئة في الشمال السوري، بل أيضا على فرص الولايات المتحدة وتركيا في التأقلم مع متغيرات المشهد السوري والتي تشكل تحدّيا كبيرا لكليهما.

وتحرم مواصلة موسكو تمتعها بكل النفوذ العسكري في سوريا وتطبيق تصوراتها وسياساتها من موقع قوة الرئيس الأميركي جو بايدن من هامش المناورة سواء خلال لقائه ببوتين في جنيف أو خلال المرحلة المقبلة في سياقات مناهضة الولايات المتحدة لنفوذ الصين وروسيا وتوسّعهما في منطقة الشرق الأوسط.

تكريس شرعية الأسد

رفض واشنطن فتح صفحة جديدة لهيئة تحرير الشام أبعدا الحركة الإرهابية عن إمكانية الدخول في المعادلة السياسية

عكست التطورات الأخيرة تصميما من قبل موسكو ودمشق على تقويض الفصائل المسلحة ودحرها وبسط السيادة على ما تسيطر عليه في الشمال السوري بغرض استعادة محافظة إدلب كجسر رابط بين حلب عاصمة البلاد الاقتصادية ودمشق فضلا عن المناطق الساحلية الأخرى وربط المعاملات والأنشطة التجارية بين حلب وباقي أنحاء سوريا.

لا يقتصر التحرك المشترك من قبل موسكو ودمشق باتجاه إنهاء هذا الصراع من جذوره وتوسيع نطاق هيمنة الحكومة السورية على الأرض على تحقيق العديد من المكاسب السياسية في مواجهة الخصوم والمنافسين الدوليين والإقليميين، إنما بات هدفا حيويا مضافا لتكريس شرعية الرئيس السوري بشار الأسد بعد إعادة انتخابه لجهة تجاوز الأزمات والمعاناة الاجتماعية والاقتصادية وسط تحديات هائلة تجابه حكومته خلال المرحلة المقبلة في ظل العقوبات الدولية وتداعيات الحرب.

لن يكون مجديا خلال المرحلة الحالية أن تقوم تركيا بما كانت تقوم به في السابق عبر محاولات الضغط على روسيا لإنهاء عمليات الجيش السوري، ولا من خلال شن قواتها وقوات الفصائل الموالية لها هجمات على تمركزات الجيش السوري بريف إدلب الجنوبي، فالتصعيد الراهن من قبل دمشق وموسكو ضد مناطق جنوب إدلب يرمي أيضا إلى الضغط على أنقرة ومنع دخول المساعدات الإنسانية عبر المنافذ الحدودية مع تركيا.

اجتياح القوات السورية والروسية لمناطق جبل الزاوية جنوب إدلب هو بمثابة التطور الميداني الأهم منذ بداية الأزمة من جهة تهديده لدور تركيا الذي تطمح إلى لعبه خلال تسوية قريبة مرتقبة، وهو الدور الذي يتوقف في الأساس على نتائج معركة إدلب في حال ربحتها الفصائل الموالية لأنقرة أو خسرتها.

من شأن هذا التحول أن يحرم أنقرة من قدرتها على تنفيذ خطتها المستقبلية التي كانت تنوي المساومة بها خلال التسوية المرتقبة عبر مقايضة النظام السوري ليبسط هو سيطرته على الشمال الشرقي للبلاد للحيلولة دون تكريس إدارة ذاتية كردية لتصبح هذه المناطق تابعة لإدارة مركزية في دمشق، مقابل إخضاع شمال غربي سوريا لوكلاء تركيا الجهاديين من التركمان ولهيئة تحرير الشام.

تقل خيارات أنقرة في سوريا فهي غير مهيأة ولا مؤهلة لمواصلة الشراكة وتبادل المصالح مع موسكو بعد انتهاكها للهدنة وإعطائها الضوء الأخضر للفصائل الموالية لها لشن هجمات على القوات السورية والروسية، ولم تغادر علاقات أنقرة وواشنطن مربع التأزم بعد لقاء بايدن وأردوغان.

كما أن المنطقة الشمالية الغربية صارت تشهد هشاشة تنذر بالخطر بين النظام السوري وتركيا التي لا تستطيع المغامرة مجدّدا بشن هجوم عسكري مماثل لما جرى في فبراير من العام الماضي والذي أسفر عن سقوط العشرات من الجنود الأتراك.

مستقبل غامض

ليس من السهل نسيان الماضي وفتح صفحة جديدة 

باتت هيئة تحرير الشام واقعة في مأزق مركب، حيث فشلت عملية تعويمها وتلميع قائدها ما يعيق مغادرتها خانة التصنيف كمنظمة إرهابية وتحصينها كطرف سياسي مشارك في صياغة المستقبل السوري وهندسته من جهة، ومن جهة أخرى لا يستطيع حلفاؤها الضغط لإيقاف الهجوم على قواتها واجتياح المناطق التي تسيطر عليها، ما يعني بدء مرحلة تهميشها أو ربما اضمحلالها خلال المدى المنظور بعد أن كانت تسيطر على 11 في المئة من عموم الأرض السورية.

استمرار وضع الهيئة كتنظيم إرهابي في نظر الغرب وأميركا ودمشق وحليفتها موسكو وحرمانها من التحكم في الحدود والمعابر لإيصال المساعدات الإنسانية والخدمات الرئيسية في إدلب، سيفاقمان المشكلة الاجتماعية والصحية والاقتصادية في المنطقة، وهو ما يزيد من مشاعر السخط المحلي ضد حكم الهيئة التي تجابه تحركات شعبية غاضبة ومتصاعدة.

وستستغرق عملية تعويم الجولاني وإعادة إنتاجه كإرهابي تائب وفق ما أبداه من مناشدات ومحاولات استعطاف للغرب وأميركا ضمن المحتوى النهائي لوثائقي “الجهادي” فترة طويلة لتقييم سلوكه والوقوف على مدى قدرته على ضبط عناصر حركته في سياق التحولات التي أعلنها، حيث يعاني قائد هيئة تحرير الشام من معضلة رفض الكثيرين داخل حركته لتلك التحولات.

الهيئة التي تنطوي على تيارات متعددة ومنها شديدة التطرف ومن لا يزال يحمل الفكر القاعدي خاصة في أوساط الأجانب الذين يشكلون رقما كبيرا في صفوفها، قد تنفجر من الداخل مع زيادة الضغوط والتهديدات الأمنية والعسكرية من قبل دمشق وموسكو خاصة مع تأخر أو تأجيل وربما انهيار الاستجابة الدولية لقبول الهيئة كطرف وطني، في حال كان الوثائقي الأخير معبّرا عن الموقف الأميركي الرسمي.

أبعد رفض أميركا طلب الصفح وفتح صفحة جديدة لهيئة تحرير الشام على ضوء الضغوط والتحركات الروسية والسورية الأخيرة إمكانية تحقق إعادة صياغة التنظيمات الموصوفة بالإرهاب في الشمال السوري للتمتع بالشرعية والدخول في المعادلة السياسية.

تصبّ مجمل التطورات في صالح موسكو ودمشق اللتين حرصتا على تحييد خطط إدارة بايدن لاختراق الملف السوري عبر الضغوط من زاوية الوضع الإنساني، حيث لا تزال المعركة التي تخوضها العاصمتان معركة ضد منظمات مصنّفة إرهابية، والحرب ضد الإرهاب لا توقفها اعتبارات إنسانية ولا تعترف بتهدئة أو وقف لإطلاق النار حتى ولو كان المدنيون هم الضحايا.

=========================

سوريا و«الاختبار الأميركي» لروسيا

لندن: إبراهيم حميدي

الشرق الاوسط

الثلاثاء 22/6/2021

سيكون ترؤس وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، الاجتماع الخاص بسوريا، بمشاركة 14 وزير خارجية من «السبع الكبار» ودول عربية وإقليمية، في روما في 28 من الشهر الحالي، أول إطلالة سياسية رفيعة المستوى لإدارة الرئيس جو بايدن على الملف السوري.

وسيعقد الاجتماع على هامش مؤتمر التحالف الدولي ضد «داعش» بمشاركة 83 عضواً في العاصمة الإيطالية، إذ فاجأ بلينكن نظراءه بتوسيع دائرة المدعوين للاجتماع الوزاري، بحيث لا يضم فقط «المجموعة المصغرة»، التي تشمل أميركا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا والسعودية والأردن ومصر، بل إن الوزير الأميركي غيّر الصيغة، ووجه الدعوة إلى وزراء خارجية «السبع الكبار» و«المجموعة الصغيرة»، إضافة إلى تركيا وقطر والمبعوث الأممي غير بيدرسن.

وهذا الاجتماع، الذي يرأسه بلينكن ونظيره الإيطالي لويجي دي مايو، هو أقرب صيغة لـ«المجموعة الدولية لدعم سوريا» التي تولدت بعد عملية فيينا في نهاية 2015، باستثناء أنها لا تضم روسيا وإيران. كما أنه سيكون الأول بمشاركة وزير خارجية تركيا مولود جاويش أوغلو، العضو المؤسس في مسار آستانة الثلاثي، مع نظيريه الروسي سيرغي لافروف والإيراني محمد جواد ظريف.

ولا تقتصر أهمية الاجتماع على كونه أول جهد سياسي مركز من إدارة بايدن حول سوريا وحسب، بل إن هذه الخطوة تأتي في خضم انقسام فريق بايدن حول كيفية المضي قدماً بين «الواقعيين» الداعين إلى «نفض الأيادي» من هذا الملف بخفض سقف التوقعات، والاكتفاء بملف الممرات الإنسانية «عبر الحدود»، ومحاربة «داعش» والملف الكيماوي، والنظر إليه باعتباره ملحقاً لملفات أخرى، خصوصاً الاتفاق النووي مع إيران، وبين آخرين يريدون رفع سقف الموقف الأميركي أو الحفاظ على «حده الأخلاقي»، وممارسة الضغوط على موسكو ودمشق في ملفات سياسية وعسكرية في سوريا.

عليه، يمكن وضع هذا الاجتماع ضمن التموضع بين الفريقين، حيث سيكون مغذياً للمراجعة الحاصلة في المؤسسات الأميركية لتحديد السياسة السورية: أهدافها، أدواتها وجداولها.

وتأتي مبادرة بلينكن بعد قمة بايدن مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين في جنيف الأسبوع الماضي، حيث كان الملف السوري «هامشياً» على جدولها المعقد، من باب الوصول إلى «تفاهمات صغيرة» تخص تمديد التفويض الأممي لملف المساعدات الإنسانية «عبر الحدود»، واستمرار المسار العسكري عبر مذكرة «منع الصدام» في شمال شرقي سوريا، والتعاون لتنفيذ الاتفاق الثنائي الخاص بنزع السلاح الكيماوي بموجب قرار مجلس الأمن 2118 في عام 2013.

في الأشهر الماضية، أرسلت إدارة بايدن «حوافز» و«إشارات ضاغطة» على أمل أن تقوم موسكو باجتياز «الاختبار الأميركي» بالموافقة على تمديد قرار مجلس الأمن لتقديم المساعدات «عبر الحدود» من ثلاث بوابات: اثنتان بين شمال سوريا وتركيا، وواحدة بين شرق الفرات والعراق.

«سلة الحوافز» شملت عدم فرض عقوبات على شخصيات وكيانات سورية، وتقديم استثناءات من العقوبات القائمة لصالح المواد الطبية والإنسانية، ومواجهة جائحة «كورونا»، وعدم شن حملة رفيعة المستوى ضد الانتخابات الرئاسية السورية، وتجميد عقد لشركة أميركية لاستثمار النفط شرق الفرات، وإضافة عبارة في البيان الختامي للقمة الأميركية - الأوروبية نصت على تقديم المساعدات «عبر الحدود» السورية و«عبر الخطوط» بين مناطق النفوذ في سوريا، باعتبار أن الأخير هو مطلب روسي.

أما «رسائل الضغط»، فشملت تلويحاً أميركياً باحتمال «العودة إلى مسار العقوبات» في حال استخدمت روسيا حق النقض (فيتو) لدى بحث التمديد لقرار «المساعدات العابرة للحدود» في مجلس الأمن قبل انتهاء صلاحية القرار الحالي في 11 من الشهر المقبل. كما اتصل مسؤولون أميركيون بنظرائهم الأوروبيين لضمان استمرار «وحدة موقف الاتحاد الأوروبي»، وعدم قيام دوله بالتطبيع مع دمشق بشكل منفرد أو إعادة فتح السفارات، بالتزامن مع تواصل دبلوماسيين أميركيين وأوروبيين عبر الأقنية الدبلوماسية مع عواصم عربية لنقل رسالة مفادها أن القيام بخطوات تطبيعية مع دمشق حالياً «غير مفيد»، وأنه لا بد من وضع «شروط وطلبات معينة» مقابل أي خطوة تطبيعية، تشمل التقدم في مسار الإصلاح وعمل اللجنة الدستورية، وإطلاق سجناء سياسيين، والسماح بعودة طوعية وآمنة للاجئين، إضافة إلى التزام وقف نار شامل في البلاد.

صدى هذه «الرسائل» وصل إلى الاجتماع الأخير لوزراء خارجية الدول العربية، إذ إنه على عكس التوقعات، لم يتم بحث معمق في المؤتمر الوزاري العربي في الدوحة، الأسبوع الماضي، لموضوع عودة دمشق إلى الجامعة العربية ورفع قرار تجميد عضويتها المعلن في نهاية 2011. بل إنه لدى قيام وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، بطرح اهتمامه بعودة سوريا إلى «البيت العربي»، قوبل بكلمات عمومية من بعض الحاضرين، كما أنه لم يتم طرح جدي لاقتراح إعادة سوريا إلى الجامعة على جدول أعمال القمة العربية المقررة في الجزائر.

عليه، سيكون اجتماع روما السوري، مناسبة كي يقوم بلينكن بضبط إيقاع حلفائه من «السبع الكبار» والمنطقة، مثلما سيكون مناسبة لتلمس موقف إدارة بايدن من هذا الملف، بانتظار نتائج «الاختبار الأميركي» لروسيا الشهر المقبل. أيضاً، سيكون الاجتماع فرصة كي يعرض بيدرسن تصوراً تفصيلياً لاقتراحيه: مقاربة «خطوة مقابل خطوة» بين موسكو وشركائها من جهة وواشنطن وحلفائها من جهة، وتشكيل «مجموعة دولية - إقليمية» من الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن واللاعبين الإقليميين... بعد انقشاع «الاختبار الأميركي» لموسكو و«الفحص الروسي» لواشنطن.

=========================

بين مطرقة أميركا وسندان روسيا

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 21/6/2021

ليس هناك أكثر سطوةً أو عنجهية من الممارسات الأميركية تجاه الخارج؛ والأمر ذاته ينطبق على الروس؛ ولكن ليس في الخارج فقط، بل في الداخل أيضاً. في العقد المنصرم، تجاوزت العلاقات بين الدولتين الحرب الباردة بتوتراتها. وما توصلت إليه قمتهما مؤخراً إلا طرح قائمة بتلك الأمور، وتحويلها وترحيلها إلى لجان لمناقشتها، في مسعى لحل العقد المتجذرة فيها.

لكل من هذه اللجان طيف خاص للعمل: من الجانب الأميركي، سيكون المراقبة، والانتظار، والرصد للسلوك الروسي تجاه القضايا بين البلدين؛ وتحديداً، فيما إذا كانت روسيا ستستمر بالتشبيح العسكري والسيبراني والسياسي، أم أنها ستلتزم مسلكاً طبيعياً (بالمفهوم الأميركي) يساهم بحل عقدها أو فك أحمالها؛ ما ينعكس إيجابياً على حل الصراعات والتوترات والأزمات الدولية المتدخلة بها روسيا بوتين. وكل ذلك سيكون مسجلاً أميركياً- تماما كما تم تسجيل استخدام روسيا للفيتو لحماية الإجرام الأسدي في سوريا، كمثال صارخ- وهذا ليس لأن أميركا مغرمة بتصفير الصراعات والتوترات والأزمات العالمية، بل لأنها تريد سير العالم على هواها، وحسب مصالح "الكبير الكبير". في الجانب الروسي، هناك خشية- وهذا ربما ما تتوقعه أميركا- أن يستمر النهج الروسي بالبهلوانية والتشاطر والتذاكي والتدليس والخداع، وتحديداً قول شيء والتصرف عكسه، وإعطاء الإيحاء بتغيّر السلوك.

بالحسابات البسيطة، ومهما كانت السياسة الروسية على درجة من البهلوانية، إلا أن التغيير أمر حتمي، فحتى الرعديد والبلطجي على المستوى الفردي تنتابه خشية، إن لم نقل: "خوف في لحظات حاسمة"، وخاصة عند وصوله إلى حافة الهاوية- لا لأخلاق فيه، ولا لاحترام للقانون- بل لاستشعار ثبات الخصم، الذي يكشف ويعري حقائقه، ويتمترس بقوة عند موقف "الكبير الكبير" المتجبر. وهذا بالضبط ما تبدّى مِن حال بوتين و"سياسته الخارجية"، التي تكشفت في لقاء جنيف.

اعتبر بوتين مجرد اللقاء مع رأس ذلك الضد منجزاً، حيث رأيناه يسعى لإيصال رسائله الدفاعية في مؤتمره الصحفي

رغم كل ذلك، لا بد من القول إن الاستخفاف بقوة روسيا كدولة تزيد مساحتها على العشرة ملايين كم مربع، وخيراتها الوازنة، وقدرتها النووية الجبارة، وشعبها العظيم، سذاجة ما بعدها سذاجة؛ ولكن كل ذلك الجبروت للأسف يقع أسيراً لإرادة هاجسها فردي، تحكمه ذات متضخمة تمارس الدكتاتورية؛ ولا تخشى إلا من جبروتٍ أوزن. وفي الحالة الروسية، تمثل أميركا ذلك الضد الجبروتي. ومن هنا، ربما اعتبر بوتين مجرد اللقاء مع رأس ذلك الضد منجزاً، حيث رأيناه يسعى لإيصال رسائله الدفاعية في مؤتمره الصحفي، محاولاً البحث عن أي منتجٍ للقاء. كانت مضامينه الدفاعية انعكاساً للإدانة، التي وصلته في اللقاء. كان بوتين يعرف ما يكنّه له خصمه المدعوم بكونغرس متناغم معه- بعكس سلفه ترامب المنفصم عن المؤسسة الأميركية الحاكمة. لقد وجد بوتين نفسه أمام أحد أركان تلك المؤسسة، رجل يدعمه الأقوياء ويحتضنه "الناتو"؛ وهو يريده الآن بمهمة أخرى، ربما تجاه الصين. ومن جانب آخر يدفعه باتجاه التخلّي عمَّن يستقوي بهم، أو يعتبرهم أوراق مساومة بيده كإيران والمنظومة الأسدية. تلك المهمات ستكون ربما بين المحددات السلوكية لخلاصه وتخفيف أحماله.

أصيب كثير مِن السوريين بشيء من الإحباط، عندما لم تحتل قضيتهم أولوية في تلك القمة؛ وهذا طبيعي؛ ولكن المفارقة تكمن بأن الأمور المُتفق عليها عادةً قلما تنال اهتماماً إعلانياً أو إعلامياً. ولهذا نجد أن بوتين لم يذكرها علناً، فهي لم تحتج لمرافعات دفاعية من قبله؛ ولكن بايدن من جانبه تطرق إليها؛ وكأن ما يتوجب على بوتين أن يقوم به، هو التنفيذ، كجزء من الأدلة على تغيّر السلوك. ومن هنا كان من بين المقدمات للقاء القمة حديث "بوغدانوف" عن إمكانية انتخابات مبكرة في سوريا، وحديث بوتين لل NBC حول سؤاله عن بديل للأسد؛ وكأنه يقول للأميركيين إن الأمر بيده، ومقدور عليه. وما ردُّ الأميركيين / حسب قوله/: we don’t know » " لا نعرف" إلا إشارة بأن "المشكلة مشكلته".

مشكلة بوتين الحقيقية تكمن بأن الأميركيين تفّهوا له ورقة المساومة هذه، وجعلوها كذراع يدور في الفراغ؛ والرسالة وصلته، بأنه بوجود هكذا منظومة استبدادية بدمشق، لن يكون هناك استثمارات في إعادة إعمار، ولا رفع عقوبات، ولا عودة لاجئين، ولا علاقات مع هذه الطغمة، التي عبّر الأميركيون بصريح العبارة أنهم لا يثقون بها.

العين الروسية الحمراء تجاه إيران لن تضع أميركا على المحك، وإنما ستُكسِب روسيا تعاطف ودعم كل مَن يقلقه مشروع إيران العبثي التدميري لمحيطها وخاصة في الخليج العربي

في جوهر ما حدث، لا يمكن أن تكون الصورة في ذهن بوتين حول العلاقة مع هذا الغرب أكثر وضوحاً. وما عليه إلا أن يتوقف عن تكرار التجارب ذاتها بالأدوات والآليات ذاتها، وخاصة بالنسبة للقضية السورية. لا ينفعه إلا وضع التوجه الأميركي تجاه القضية السورية على المحك؛ وذلك غير ممكن إلا بامتحان ما هو معلن على جدول الأعمال الأميركي حول سوريا: أميركا تتحدث كثيراً عن تطبيق القرار الدولي 2254، فما عليه إلا أن يذهب بهذا الاتجاه إلى نهايته فعلياً، وهنا يحل مشكلة "البديل" التي بدوره يضخمها، وأميركا تتظاهر بالتناغم معه. عليه الخروج من تصوير كل مَن يعارض النظام الأسدي كإرهابي، ووقف العمل باستراتيجية نسف مصداقية الثورة والمعارضة. عليه التوقف عن الدعم المجاني والمكلف لإيران؛ الأمر الذي يُحسَب أميركياً عليه؛ فإشكاليات إيران معه ربما تكون استراتيجياً أكبر مما هي مع أميركا. العين الروسية الحمراء تجاه إيران لن تضع أميركا على المحك، وإنما ستُكسِب روسيا تعاطف ودعم كل مَن يقلقه مشروع إيران العبثي التدميري لمحيطها وخاصة في الخليج العربي.

من جانبهم، ما على أهل القضية السورية فعله؟ بداية لا يمكن تغيير نهج منظومة الاستبداد التي تعنى فقط ببقائها، حتى ولو انتهت سوريا وأهلها. وإذا استحال فعل شيء تجاه مَن ربط مصيره طوعاً وعقيدة ومصلحةً مع هذه القوة الإجرامية؛ فإن الأخذ بيد مَن هو خائف ومضطر ومغصوب- ولكن يعي الحقيقة- أمرٌ ممكن. أما مَن ثار وعارض علناً، فالعبء الأكبر يقع عليه. ثورة الشعوب كالطلَقة؛ إذا خرجت، لن تعود. وأضحى معروفاً أنه لم تجتمع قوى وعثرات على ثورة لقتلها كما اجتمعت على ثورة السوريين. ومن هنا، على السوريين الاستمرار برؤية الهدف النبيل لثورتهم: الحرية والانعتاق من الظلم. بيدهم مليون وثيقة تدين وتجرّم مَن فعل بهم وببلدهم كل هذا. عليهم الصبر على بعضهم البعض قليلا؛ ويوم الحساب، لمَن خذل أو أساء أو قصّر أو تلاعب، لن يطول وقته. عليهم إعادة تنظيم أنفسهم بمؤسسات أكثر فاعلية، لا إقصاء أو رخص أو ضغائن أو أنانيات أو صِغر أو حماقات فيها. مؤسسات تدرك أن حقها كالرمح، وهدفها نبيل، وإرادتها فولاذية، وعقلها نيّر. عندها سيكون البديل؛ ليس فرداً بل خادماً تنصّبه إرادة ورأي ومبادئ تعتمد المواطنة الكريمة نبراساً، والحرية قيمة، والسيادة حداً. عندها ستُحَلُ المشكلة الروسية - الأميركية في إيجاد بديل؛ وينبثق الحل في إعادة سوريا وأهلها إلى سكة الحياة.

=========================

عرب وكرد إلى مربع الخوف مجدّداً

سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاثنين 21/6/2021

أثار تعليق لي على انتخابات بشار الأسد، على صفحتي في "فيسبوك"، غضب أعضاء في الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، حاليين أو سابقين، ومريدين له على قلتهم، بالدرجة نفسها التي أزعج التعليق نفسه أقلاماً محسوبة على النظام. وإذا كان من الطبيعي أن يكون الأخيرون يمارسون مهمتهم المطلوبة في الهجوم على أيّ معارض، خاصة إذا كان قد تولى سابقاً مناصب متقدمة في مؤسسات سورية قبل الثورة، ما يسهل على كل من "هبّ ودبّ" معاتبة النظام على اختياره أشخاصاً لم يقدّموا له الولاء الأعمى، فإنّه ليس من المقبول أن تنظر كيانات المعارضة، وحتى أفرادها، إلى أنّ مهمة الإعلامي تبرير أخطاء هذه المعارضة، وتجاوزاتها على حقوق المواطنين، تحت نظرة قومية أو أيديولوجية. ومن ذلك ما حدث لأهالي عفرين، الكرد السوريين، من عمليات تشريد لا يمكن التغاضي عنها. وفي المقابل، وعلى حد سواء، ما حدث لقرى عربية على يد فصائل كردية، إذ لا يمكن قبول فكرة الثأر، في ثورةٍ تنشد الحرية والكرامة وحقوق المواطنة، من فصائل تنتمي لـ"الائتلاف" شكلاً أو مضموناً.

أراد النظام السوري أن يسخر من فكرة الديمقراطية، بتقديم عشرات من المنافسين المغمورين أو المحسوبين على الأفرع الأمنية

توجيه السخرية تجاه ديمقراطية انتخابات الأسد، من المعارضين له، يوحي بأنّ ما تقدّم منها (ثلاث دورات انتخابية) حظي بمقومات العملية الديمقراطية، وهما أمران لم يعمل النظام على تعزيزهما، بل أراد مما حصل أن يسخر من فكرة الديمقراطية، بتقديم عشرات من المنافسين المغمورين أو المحسوبين على الأفرع الأمنية، وهي رسالةٌ ليست فقط إلى الداخل السوري، وإنّما أيضاً إلى المجتمع الدولي الذي أرادت روسيا الداعمة للنظام أن تحافظ، من خلال الانتخابات، على استقرار الملف السوري خارج الضغط الدولي. وما تم تسريبه من مشاهد عن عمليات التزوير في الاقتراع ليس من باب المصادفة، أو تسريبات من معارضين للنظام، بل هي عملية أمنية تكاملية لإعادة تفعيل نظام الرعب داخل نفوس السوريين من جهة، وللإبقاء على الأسد تحت ضغط سحب شرعية انتصاره حين تشاء موسكو فعل ذلك من جهة مقابلة.

وقد غاب عن أصحاب حملة "# لا شرعية لانتخابات الأسد"، ومنهم رئيس الائتلاف الذي كان سابقاً، رئيساً لوفد التفاوض وهيئة التفاوض لقوى الثورة والمعارضة السورية، أنّ النظام يمارس الانتخابات بشرعية دستور 2012 الذي هو واحدٌ من أساسيات مناقشات عمل اللجنة الدستورية المختلطة بين المعارضة والنظام، المشكّلة برعاية الأمم المتحدة، بتاريخ 23 سبتمبر/أيلول 2019. وعلى ذلك، لا يمكن لمن قبل أن يكون تعديل ذلك الدستور واحدا من مهامه "المحتملة" أن يتحدّث عن عدم شرعية تنفيذ ما بين دفتيه، لأن الأوْلى عند ذلك رفض مناقشته، واتخاذ موقفٍ معلن منه.

نقد كيانات المعارضة لا يعني الحطّ من قدر جهود المعارضة الشعبية، في مقارعة النظام السوري، والانتصار للقضايا العادلة، كردية أو عربية

قلت: لن أعلق على "ديمقراطية" انتخابات الأسد في سورية، لأنّنا في المعارضة لم نجرِ انتخابات ديمقراطية في أيّ كيان (الائتلاف أو هيئة التفاوض أو حتى كلّ المنصّات)، ولسنا أقل فساداً من هذه المهزلة التي تجري الآن... وقولي هذا لا يتطلّب مني أن أقيس بالمسطرة مساحة هذه الكيانات الجغرافية، لأنّها لم تطرح نفسها أنّها دولة، لكنّها موجودةٌ بفعل ثورةٍ طالبت بالديمقراطية. وكان حرياً بهذه الكيانات أن تقدم وإن نموذجاً واحداً في انتخاباتها، يعبر عن إرادتها في انتخابات ديمقراطية داخل كياناتها، وينهي حالة الاستفراد بالمناصب لمجموعة "شللية" تمارس تبادل المناصب وتدويرها داخلها، في فعلٍ تصحّ معه المقارنة مع أفعال النظام من دون النظر إلى عدالة حجم المقارنة.

نقد كيانات المعارضة لا يعني الحطّ من قدر جهود المعارضة الشعبية، في مقارعة النظام السوري، والانتصار للقضايا العادلة، كردية أو عربية، أكانت قضايا معيشية للسوريين داخل مساحة النظام، أو تحت حكم فصائل محسوبة على المعارضة أو أشباهها، أو تحت حكم الفصائل الكردية، هو أحد مهام الإعلام الحر البعيد عن الاصطفافات القومية والحزبية، ولا تفتح له المجال إلاّ وسائل إعلام حرّة خارج منظومة التبعيات.

تسليط الضوء على الاحتفال الانتخابي الذي رعاه الأسد في عقر دار المعارضة (دوما) التي شرّد أهلها، في مجاراةٍ لما قامت به المعارضة سابقاً في احتفالها في عفرين، حيث المدينة تئنّ بما نالها من تشريدٍ لعائلاتها من الكرد على يد فصائل عربية، لا يعني إنكار تجاوزات حدثت على يد فصائل كردية، مع ملاحظة أن هذه الفصائل لا تقدم نفسها إلى العالم أنّها تمثل ملايين السوريين المعارضين، كحال الائتلاف الذي يُفترض به أنّه يمثلهم عرباً وكرداً وتركماناً وآشوريين وشركس وغيرهم.

يعاني أفراد في المعارضة وبعض كياناتها من أمراض النظام في نظرتهم إلى دور الكتّاب والإعلاميين

وتذكير العالم بما قام به النظام من اعتقالاتٍ لمئات آلاف السوريين، لا يعني أنّ ذلك يجب أن يكون على حساب تغييب أنّ فصيلاً محسوباً على المعارضة قام باعتقال سوريين كثيرين وتغييبهم، ربما لا يمكن تجاهل أسماء رزان زيتونة وسميرة خليل ووائل حمادة وناظم حمادي، وغيرهم، فتلك جريمة، وهذه جريمة تساويها، بل، تزيد عليها بشاعةً، لأنّ الفصيل المعارض استمدّ شرعية وجوده من الثورة التي عملت رزان ورفاقها من أجلها ولحمايتها.

يعاني أفراد في المعارضة وبعض كياناتها من أمراض النظام في نظرتهم إلى دور الكتّاب والإعلاميين، ويضعونهم على ضفة العداء نفسها مع النظام، بل أحياناً يتحالفون معه ضدهم، ما يضعنا أمام خياراتٍ ضيقةٍ ومحدودة للعمل في مواجهة جبهتين متناقضتين، ومتحالفتين ضد حرية الرأي والتعبير، ما يجعل من شعارات الثورة مجرّد حبر على ورق، في أجندات هذه الكيانات ومن يساوقها في الرأي، فحيث تغيب الحريات يغيب الوطن الذي تسعى إليه الثورة، ويصبح النظام الذي تعيد تعويمه روسيا أكثر اقتراباً من حلمه بإعادتنا جميعاً، عرباً وكرداً، وآخرين، إلى مربع الخوف، في مزرعة اسمها "سورية الأسد".

=========================

لقاء بايدن -بوتين وسوريا اليوم؟

رضوان زيادة

سوريا تي في

الاحد 20/6/2021

كل شيء يذكر بعودة الحرب الباردة، على الأقل بالنسبة للسوريين، فكما كانت اجتماعات ريغان مع غورباتشوف أو نيكسون من قبله مع الأمين العام للحزب الشيوعي السوفييتي في ذلك الوقت، في جنيف أو غيرها من عواصم العالم، ترقب السوريون اجتماع القمة هذا لينظروا ما سيكون أثره على قضيتهم سوريا، فصراع الكبار أو اتفاقهم ينعكس على الصغار بشكل أو بآخر.

للأسف، لم يخرج الاجتماع بأي شيء مذكور عن سوريا، ربما تم مناقشتها عرضا لكن كلا الطرفين وجدا أن سوريا ليست بذات الأهمية التي يسمح بتخصيص وقت لها خلال الاجتماع ذي الأربع ساعات.

لاشيء عن الانتقال السياسي، لا شيء عن مصير الأسد ولا شيء عن مستقبل الملايين من النازحين والمشردين واللاجئين السوريين، إنها بكل مأسأة وضع سوريا اليوم التي يتقاسم النفوذ بها الدول العظمى وقوى لا تريد الخير لها من مثل الأسد وبوتين وداعش وغيرها، وبالوقت نفسه لم يثمر اجتماع الرئيس التركي أردوغان مع بايدن عن شيء كثير بالنسبة لسوريا ولو أن وزير الدفاع التركي استبق اللقاء بإعادة طرح فكرة المناطق الآمنة.

كان الرئيس ترامب قد أعلن أنه يرغب بإنشاء مناطق آمنة في سوريا عام 2018، تكون ملاذا للاجئين الذين لا يرغب باستضافتهم في الولايات المتحدة، وبالوقت نفسه على دول الخليج تحمل تكاليف إنشاء هذه المناطق، لكن الفكرة تبخرت مع الكثير من أفكار ترامب بعد أن ظهر أنه ليس هناك وضوح سياسي وقانوني وعسكري لما يعنيه بالمناطق الآمنة في سوريا.

هل ستسمح روسيا الآن باستصدار قرار أممي يسمح بعبور المساعدات الإنسانية عبر معبر باب الهوى ومعبر اليعربية كما تطالب إدارة بايدن؟

الاختبار الحقيقي للقاء بوتين – بايدن بالنسبة لسوريا سيظهر خلال الأيام القادمة، فهل ستمارس روسيا الفيتو مجدداً ضد قرار مجلس الأمن الخاص بمرور المساعدات الإنسانية عبر معبر باب الهوى، أم ستعود روسيا كما خلال السنوات العشر الماضية تمنع إصدار أي قرار لمجلس الأمن كما فعلت 16 مرة، فيما يتعلق بقرارات أخف لهجة بكثير وأقل تأثيرا في مجرى تطورات الحرب السورية، إذ وقفت في البداية ضد إصدار أي قرار من مجلس الأمن يدين نظام الأسد على انتهاكات حقوق الإنسان وارتكابه لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق المدنيين السوريين، كما رفضت إحالة التحقيق في مثل هذه الجرائم إلى محكمة الجنايات الدولية في لاهاي، فهل ستسمح روسيا الآن باستصدار قرار أممي يسمح بعبور المساعدات الإنسانية عبر معبر باب الهوى ومعبر اليعربية كما تطالب إدارة بايدن، لاسيما أنها عارضت مثل هكذا فكرة على مدى مدى السنوات الأربع الماضية، ربما يتوقع الرئيس بايدن أن ينجح بإقناع الروس بالقيام بذلك في ضوء صفقة كبرى تقوم على أساس رفع العقوبات على روسيا والتي أثرت على اقتصادها المتهالك، مقابل أن تقدم روسيا شيئاً بالمقابل في أوكرانيا وسوريا.

هذا على المستوى القانوني، أما على المستوى العسكري والسياسي فيبدو الأمر أكثر تعقيداً، فإنشاء المناطق الآمنة داخل الأراضي السورية يحتاج إلى إنشاء فرض حظر طيران جزئي على الأقل فوق هذه المناطق من أجل حماية المدنيين واللاجئين الذين سيلجؤون إليها، وهذا يفترض منه منع طيران الأسد والطيران الروسي من التحليق فوق هذه المناطق وبالتالي تدمير أو على الأقل تحييد كل مضادات الدفاع الجوية والصاروخية لنظام الأسد التي يمكنها أن تهدد مثل هكذا منطقة، وهو ما يعني بالتأكيد تدخلاً عسكريا أميركيا أو دولياً محدوداً في الأراضي السورية، أعتقد أن كل القادة العسكريين الأميركيين يعون ذلك، ولذلك لن توافق إدارة بايدن على فكرة المناطق الآمنة كما يظهر واضحا من تصريحات المسؤولين الأميركيين.

سوريا اليوم هي إحدى ضحايا الحرب الباردة الجديدة، وكما خلال الحرب الباردة تضاعف ارتكاب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية لأنها جيرت سياسيا بشكل كبير، وانتظر العالم حتى نهاية الحرب الباردة حتى بدأ بالتفكير في المحاسبة والمسؤولية عن هذه الجرائم، ومع عودة الحرب الباردة تبدو سوريا وأوكرانيا وغيرها من المناطق ساحة جديدة لعودة الحرب الباردة.

مسؤولية الحماية مبدأ من مبادئ القانون الدولي أقره مجلس الأمن، ويمثل تطوراً عميقاً في الوسائل التي يتخذها القانون الدولي لمعالجة الأزمات الإنسانية

وكما أن مبدأ الحماية أقر مع نهاية الحرب الباردة يبدو تطبيقه اليوم متوقفا بسبب عودة هذه الحرب، فمسؤولية الحماية مبدأ من مبادئ القانون الدولي أقره مجلس الأمن، ويمثل تطوراً عميقاً في الوسائل التي يتخذها القانون الدولي لمعالجة الأزمات الإنسانية. وبموجب مبدأ مسؤولية الحماية فإن الدولة لا تملك السيادة المطلقة. وتعتبر متخلية عن سيادتها عندما تفشل في حماية مواطنيها، ففي تقرير للأمم المتحدة نشر عام 2009 قام الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون بتوصيف الأركان الثلاثة التي يقوم عليها هذا المبدأ، أولاً: تقع على عاتق كل دولة مسؤولية دائمة بحماية السكان المقيمين على أرضها – بصرف النظر عما إذا كانوا يحملون جنسيتها أم لا - من الإبادات الجماعية، وجرائم الحرب، والتطهير العرقي، والجرائم ضد الإنسانية، وكل ما يحرض على تلك الجرائم السابقة. ثانياً: يقع على عاتق المجتمع الدولي مسؤولية تقديم المساعدة للدول على الامتثال لواجباتها الواردة في الركن الأول. ثالثاً: إذا ظهر في شكل واضح فشل دولة في حماية شعبها. فيجب على المجتمع الدولي أن يستجيب لذلك في شكل حاسم وفي الوقت المناسب، بالاستناد إلى الفصل السادس والسابع والثامن من ميثاق الأمم المتحدة، وباتخاذ التدابير المناسبة سلمية كانت أم غير ذلك، إضافة إلى ذلك، يمكن في حالات الطوارئ عقد تحالفات دولية مشروعة لوقف الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي، حتى من دون موافقة مسبقة من مجلس الأمن.

هل سينتظر السوريون نهاية هذه الحرب الباردة حتى يتم تطبيق مبدأ الحماية على الملايين منهم الذين يحتاجون إلى هذه الحماية من نظام الأسد الذي مارس إرهاب الدولة بحقهم.

=========================

قمة بايدن بوتين وبشار الكيماوي

بشير البكر

سوريا تي في

الاحد 20/6/2021

في إشارة لا تخلو من دلالة مهمة، كشف الرئيس الأميركي جو بايدن في مؤتمره الصحافي، ما دار في اجتماع القمة مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، بخصوص بشار الأسد شخصيا. وقال "سألني بوتين عن سبب اعتقادي بأنه يجب استمرار المشكلات مع الأسد، فقلت له إنه ينتهك القواعد الدولية التي تخص معاهدة الأسلحة الكيماوية، وبالتالي لا يمكن الوثوق به". وتأتي أهمية هذه الإشارة من عدة أسباب. أولها أن موسكو هي التي رعت مسألة تصفية ملف الأسلحة الكيماوية التي بحوزة النظام السوري، وفق الاتفاق الذي تم مع واشنطن بعد مجزرة الغوطة التي استخدم فيها النظام السلاح الكيماوي وراح ضحيتها نحو 1400 قتيل. والسبب الثاني هو أن هذا النظام عاد إلى استخدام السلاح الكيماوي ضد المدنيين في عدة أماكن منها دوما في آب 2015 وراح ضحيتها 110 قتلى وخان شيخون في آذار 2017 وسقط فيها نحو 100 قتيل، وعلى أثرها قام الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب بتوجيه ضربة تحذيرية للنظام في مطار الشعيرات.

حدد تقرير المنظمة أنه ما تزال هناك العديد من الأسئلة حول مصداقية النظام السوري، فيما يتعلق بالإعلان عن برنامجه للأسلحة الكيميائية

أما السبب الثالث فهو استمرار المتابعة من طرف المنظمات الدولية المعنية بملف الأسلحة الكيماوية، ومنها منظمة حظر الأسلحة الكيماوية التي علّقت في نيسان الماضي حقوق سوريا، "لاستخدامها المتكرر للغازات السامة". وتشمل تلك الحقوق التصويت والترشح للمجلس التنفيذي وعدم إمكانية تولي أي منصب داخل المنظمة. وقالت المنظمة إن سوريا متهمة بعدم الرد على أسئلة المنظمة بعد نشرها تقريرا في العام الماضي، يفيد بأن نظام دمشق استخدم غاز السارين والكلور عام 2017 ضد بلدة اللطامنة، في وقت كانت تسيطر عليها فصائل معارضة، وذلك في انتهاك لاتفاق حظر الأسلحة الكيميائية. وبعد ذلك لم تلتزم دمشق بمهلة 90 يوما حددتها المنظمة للإفصاح عن الأسلحة المستخدمة في الهجمات والكشف عن المخزون المتبقي لديها. ونشرت المنظمة تقريرا في الآونة الأخيرة يتهم النظام السوري باستخدام غاز الكلور عام 2018 في هجوم على بلدة سراقب على بعد 50 كيلومترا جنوب حلب، والتي كانت في ذلك الحين تحت سيطرة فصائل معارضة. وفي آخر تقييم في الرابع من الشهر الحالي قال فرناندو أرياس رئيس منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أمام مجلس الأمن إن نظام الأسد استخدم الأسلحة الكيماوية المحرمة دوليا فيما لا يقل عن 17 مرة خلال الحرب الأهلية السورية. وكشف أن الخبراء حققوا في 77 ادعاء، وخرجوا بنتائج أكدت تلك "الحقيقة المزعجة" التي تأتي على الرغم من انضمام سوريا لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية عام 2013. وحدد تقرير المنظمة أنه ما تزال هناك العديد من الأسئلة حول مصداقية النظام السوري، فيما يتعلق بالإعلان عن برنامجه للأسلحة الكيميائية، وذلك بعد "العثور على أسلحة كيميائية في عينات تم جمعها في حاويات تخزين كبيرة في أيلول 2020".

الملف الكيماوي وبقية الملفات التي سجلت انتهاكات النظام السوري هي من أقوى الأوراق التي يمتلكها الشعب السوري

نظام الأسد الذي انضم لاتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية عام 2013 بإيعاز من حليفته روسيا بعد مجزرة الغوطة، كان قد أعلن عن تدمير ترسانته من الأسلحة الكيميائية عام 2014، إلا أن هذا الأمر ما يزال محل تكذيب من المنظمة التي ترد عليها روسيا بأنها "تستخدم معلومات من مصادر متحيزة ضد الحكومة السورية". على حد تعبير السفير الروسي لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا الذي قال أمام مجلس الأمن "ليس من المستغرب أن سوريا لم تعترف قط بشرعية مجموعة التحقيق، ولا نحن كذلك". وأضاف: "تأسست المجموعة بشكل غير شرعي. لا يمكنك أن تتوقع أن سوريا ستتعاون معها".

الملف الكيماوي وبقية الملفات التي سجلت انتهاكات النظام السوري هي من أقوى الأوراق التي يمتلكها الشعب السوري، وسواء أسفرت قمة بايدن بوتين عن نتائج لصالح السوريين في المدى القريب أم لا، فإن رمي بايدن لهذه الورقة مؤشر على أن مسألتي المساءلة والمحاسبة غير قابلتين للتصرف. وما قاله بايدن عن أن الأسد ليس محل ثقة بسبب الكذب في الملف الكيماوي، هو في حقيقة الأمر بقوة طلب تقديم الأسد إلى محكمة الجنايات الدولية، وهذه مسألة وقت لا أكثر.

=========================

المشرق على طريق السقوط في البربرية

برهان غليون

سوريا تي في

الاحد 20/6/2021

يعيش المشرق اليوم حالة من الفوضى المعممة والمنفتحة على مزيد من النزاعات والانفجارات والانهيارات على مستوى نظم الحكم القائمة منذ نصف قرن أو أكثر وأحيانا على مستوى وجود الدولة ذاتها. وتبرز هذه الحالة الأسس الواهية التي قامت عليها الحياة السياسية والقانونية في مجتمعات المشرق والشرق الأوسط عموما، كما تعكس الأسس التي لا تقل هشاشة والتي يقوم عليها نظام العلاقات بين الدول، وهو ما نسميه النظام الإقليمي الذي يشكل هو نفسه جزءا من النظام العالمي للدول.

وهذه الهشاشة هي التي تفسر ما تشهده المنطقة منذ عقود من حروب إقليمية لم تهدأ منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ونزاعات داخلية زعزعت في العقد الأخير الاستقرار الداخلي والأمن والسلام الأهليين وهددت وجود الدولة ذاته في أكثر من قطر. يعتقد بعض من الباحثين وجمهور الرأي العام أن ثورات الربيع العربي هي التي زرعت الفوضى والخراب في المنطقة لما أحدثته من فوضى وخراب داخل الأقطار التي اكتسحتها. وهذا ما يدافع عنه ويشكو منه كل من وقف ضد هذه الثورات، سواء لأنه اعتبرها مؤامرة دولية أو حسابات سياسية خاطئة ارتكبتها المعارضات العربية، بينما يدافع آخرون بالعكس من ذلك عن فرضية مناقضة تفيد بأن فوضى العلاقات الإقليمية والدولية واختلال توازنات القوة فيها هي التي حرمت ثورات الربيع العربي من الوصول إلى أهدافها، سواء كانت هذه الفوضى الإقليمية ناجمة عن مؤامرة تقف وراءها قوى دولية غربية، كما تقول نظرية الفوضى الخلاقة أو أطماع الدول الصاعدة الإقليمية وحلفاؤها الدوليون.

الواضح اليوم في نظري من تطور الأحداث أنه لا يمكن الفصل بين الأمرين، وأن هناك علاقة جدلية بين هشاشة البنيات السياسية للدولة المشرقية وضعف مؤسساتها وقطيعة نخبها الحاكمة عن شعوبها، والضعف السياسي أيضا لهذه الشعوب من جهة، وهشاشة البنيات الجوسياسية الإقليمية التي تنظم العلاقات بين دول المنطقة من جهة ثانية. فلا يوجد شك في أن أثر ثورات الربيع العربية لم يقتصر على تفاعلات القوى داخل الدولة الواحدة، ولكنه تجاوز ذلك إلى قلب التوازنات الجيوسياسية في المنطقة أو التهديد بقلبها. وألهب بسبب ذلك نزاعاتها الكامنة، وعمق القائم من هذه النزاعات بمقدار ما أنتج من المخاوف والتهديدات لبعض الدول وما خلق من الفرص لبعضها الآخر وشجعها على التقدم والسعي لحسم نزاعاتها المؤجلة أو التاريخية. وهذا ما أثار شهية القوى الدولية واستدعى التدخلات الخارجية واضعا جميع القوى المتنافسة والمتربصة بعضها ببعض وجها لوجه أمام تحدي النزاع على الهيمنة وتقاسم النفوذ بأكثر أشكاله وضوحا.

ومثلما فجرت الثورات النزاعات الكامنة الإقليمية والدولية فقد ساهمت هذه النزاعات بدورها في تحويل الاحتجاجات الشعبية الداخلية إلى مواجهات استراتيجية وجيوستراتيجية لم تقتصر على المنطقة وحدها

لكن، في المقابل، ما كان من الممكن للصراعات الإقليمية والدولية المتفجرة على هامش الثورات العربية إلا أن تنعكس على هذه الثورات وتحرفها عن مسارها، أو تحول بلدانها إلى مسارح لتصفية الحسابات وتحقيق المكاسب الجيوسياسية أو إدخال المنطقة في أزمة شاملة وربما امتناع حلها لأجل طويل، لتعدد اللاعبين وعجزهم جميعا عن التقدم والحسم أو عن الانسحاب وتكبد الخسارة. من هنا تكاد جميع نزاعات المنطقة تدخل في حالة استعصاء. لكن، بعكس ما كان سائدا منذ عقود، لم يعد الأمر يتعلق بأزمات حادة مستمرة وإنما بأزمات ملتهبة على جميع الجبهات. ويفرض هذا الوضع على الجميع المراوحة في المكان في انتظار تحولات مفاجئة أو مواقف قوية من هذا الطرف أو ذاك تعدل الحسابات أو تقلب المعادلة.

باختصار، مثلما فجرت الثورات النزاعات الكامنة الإقليمية والدولية فقد ساهمت هذه النزاعات بدورها في تحويل الاحتجاجات الشعبية الداخلية إلى مواجهات استراتيجية وجيوستراتيجية لم تقتصر على المنطقة وحدها، وإنما تجاوزتها لتستخدم في إعادة صياغة التوازنات الدولية ذاتها. لكن هذه الأزمة الشاملة الملتهبة لم تنجم عن اندلاع الثورات، حتى لو أن اندلاعها سرع في انفجارها. إنها ثمرة تقاطع مسارين تاريخيين سلبيين: التطور التاريخي الإشكالي للنظام الاقليمي المشرقي أو الشرق أوسطي، والتطور الذي لا يقل عنه إشكالية للدولة القطرية أو الدولة الحديثة. وأعني بالتطور الأول هنا حرمان المنطقة من أي إطار قانوني يضبط العلاقات بين الدول، وبالتالي انعدام قاعدة السلام والأمن الوطني لهذه الدول جميعا تقريبا من جهة، والثاني إجهاض دولة القانون والمواطنة وتطور نظم حكم تعكس إلى حد أو آخر إرادة مواطنيها وتحدد شروط ممارسة السلطة وانتقالها من طرف آخر من جهة ثانية. وهو ما تحدثت عنه في مقال سابق في "العربي الجديد" حول معضلة بناء الدولة في المشرق.

فبالرغم من التحولات الاجتماعية والثقافية والإيديولوجية العميقة التي شهدتها قطاعات واسعة من الرأي العام وجمهور المنطقة بما في ذلك قطاعات شعبية حديثة، على امتداد القرن الماضي، والتنامي الملحوظ في كل الأقطار لمطالب المشاركة السياسية، بقيت الدولة جهازا غريبا مفروضا من الخارج، ولم تستطع أن تتفاعل مع تطلعات الكرامة والحرية للجمهور الذي آمن بها وتحمس لها، ولا أن تتوطن وتوطن نفسها داخل النسيج الاجتماعي وتصبح جزءا منه ومركز تفاعلاته والتواصل بين أفراده. لقد بقيت جسما غريبا ودخيلا على مجتمعاتها، تسعى في معظم الأحيان، بالعكس مما كان منتظرا منها، إلى حل عرى هذه المجتمعات وتفكيكها وإحلال الكراهية بدل الألفة بين عناصرها. وهذا هو معنى الفصل القاطع بين نخبة حاكمين تحولت إلى طائفة تتوارث المناصب والامتيازات ومحكومين مدانين بالطاعة والاتباع من دون رأي ولا سؤال، وهو أيضا معنى الاستمرار بل التمسك بالتمييز في هذه الشعوب بين أقليات وأكثريات، وطوائف وعشائر، وهويات مناطقية محلية، وريفيين وحضريين، من أجل ضمان استمرار تفوق الطبقة الحاكمة واستقرارها. ولذلك، ما كان لهذا الاستقرار والاستمرار أن يتحققا إلا بالاعتماد المتزايد على استخدام العنف بكل أشكاله الرمزية والسياسية والمادية.

ويكاد حكم الاستثناء يكون الحالة الطبيعية لدى معظم هذه الدول سواء أعلن بشكل رسمي، كما يشير إليه التمديد الآلي لقانون الطوارئ أم لا.  وبالمقابل، لا شك أن غياب التشكل السياسي والقانوني للدولة، واستمرارها بوصفها مجرد قوة ضبط وردع وقهر خارجية، قد قلل من فرص نشوء نظام إقليمي قانوني يضبط العلاقات بين دولها من خلال الاتفاقات والمعاهدات التي تحدد حقوق الدول وواجباتها تجاه بعضها البعض وتجاه مواطنيها أيضا. فبقي التناحر بين الدول وتدخلاتها المتبادلة في شؤون بعضها البعض، واستهتارها بمصير مواطنيها وعدم التردد في معاملتهم معاملة الشعوب المحتلة أو قهرهم وتشريدهم عقابا لهم تقليدا سائدا. هكذا قام البناء السياسي والجيوسياسي في الإقليم كله على قاعدة توازن القوى، وأصبح موقع أي عنصر ودوره فيه مرهون بحجم القوة التي يمتلكها والتي يمكن أن تترجم بقدرته على إنزال الأذى وحرمان الآخر من حقوقه أو أمنه وبث الخوف في قلوب الأفراد والفئات والدول. وهذا ما يجعل من الدول الصغيرة والضعيفة أو الفاشلة، كما هي حال معظم دول المنطقة، ضحية سهلة لأطماع العديد من الدول الإقليمية والخارجية.

بالتأكيد، لم يساعد تحرر الدولة من إرادة شعوبها وتحولها إلى قوة مستقلة مندرجة في توازنات القوة الإقليمية والدولية، وتابعة لها على نشوء دول منضبطة قانونيا ومؤسساتيا، ومن ثم على توفير استخدام العنف المفرط على الساحة الوطنية. كما لم تساعد فوضى العلاقات بين الدول في الإقليم، وغياب أي معاهدات رسمية تحد من التدخلات المتقاطعة والمتناقضة، على تطور مفهوم "الدولة الأمة" واستقراره ونضجه. والنتيجة أن الفوضى الإقليمية تغذي الفوضى السياسية داخل الدول والفوضى السياسية التي وصلت ذروتها بعد ثورات الربيع العربي تغذي بشكل أكبر الفوضى الإقليمية، وتدفع أكثر من ذلك بعلاقات التوتر والتنافر والتنازع التي كانت دائما سمتها الرئيسية للتحول إلى نزاعات سافرة وحرب إقليمية متعددة الأبعاد والاقطاب. فنحن نعيش في المشرق اليوم حروبا عديدة ومتقاطعة في الوقت نفسه. لا تقوم هذه النزاعات في الفراغ ولا تنبع من بنية ثابتة أصلية أو حادثة أو من ثقافة مدنية أو دينية، وإنما من فشل الدولة في التحول إلى جزء لا يتجزأ من مجتمعاتها ومركز تنظيم علاقاتها القانونية والسياسية وترتيب أوضاعها وبالتالي الإطار الأول لتنظيم وجودها من الداخل وتعزيز تفاعلاتها الداخلية، وبمقدار ما فشلت في أن تكون دولة مجتمعها وبقيت خارجية في المبدأ وآليات الحكم والغايات النهائية تحولت هي نفسها إلى موضوع رهان بين الأطراف الاجتماعية المختلفة التي تتنازع السيطرة عليها وامتلاكها كأداة سيطرة ونفود لإخضاع الأطراف الأخرى.

تكاد جميع النزاعات الداخلية المتفجرة على السيطرة على الدولة تكون متمفصلة على النزاعات الخارجية، وتصبح أكثر فأكثر رهينة المواجهات الاستراتيجية.

ولا يمكن عزل هذا الفشل عن البيئة الإقليمية والدولية التي رافقت ولادة الدولة وواكبت تحولات موازين القوى داخلها، وحددت لها قدراتها الاستراتيجية ومواردها وفرص نموها وتنمية شروط الحياة في مجتمعاتها. وليس هناك حالة نموذجية للتحقق من هذا الارتباط الوثيق بين مصير الدولة المشرقية ووضع النظام الإقليمي والنظام الدولي والصراعات التي تميز تطورهما معا أكثر من حالة المشرق والشرق الأوسط عموما في هذه الحقبة التي نعيشها. فتكاد جميع النزاعات الداخلية المتفجرة على السيطرة على الدولة تكون متمفصلة على النزاعات الخارجية، وتصبح أكثر فأكثر رهينة المواجهات الاستراتيجية (على المواقع الإقليمية) والجيوستراتيجية (على الهيمنة العالمية) ولا تستمر إلا بسبب توظيفها فيها، حتى لو أنها بدأت بالأصل بديناميكيات محلية. وأفضل مثال على تقاطع هذه الحروب الحالة السورية التي تكاد تستعصي على الحل: حربا تحررية وحروبا مذهبية، وعشائرية، وقومية، وحروب سيطرة إقليمية، وحروب تعديل للتوازنات بين الكتل الدولية. ولا يغير من هذا الوضع اتخاذ أكثر هذه الحروب شكل حروب بالوكالة.

وراء هذا التطور التاريخي المأساوي للمنطقة عامل رئيس واحد هو إقامة العلاقات داخل المجتمعات وبين الدول على مبدأ القوة وإعطائه الأسبقية على مبدأ الشرعية سواء تعلق الأمر بسلطة الدولة أو بالسعي إلى الهيمنة الإقليمية. ويعني الاستناد إلى مبدأ القوة أن رهان الحاكمين للاحتفاظ بحكمهم يكمن في تعزيز كل ما يساهم في الاستثمار في تعظيم القوة المادية وتقويض أو استبعاد كل ما من شأنه أن يساهم في الدفع نحو قيام سلطة شرعية. ومن هنا لا يولي الحاكمون في هذه المنطقة  إزاء شعوبهم ولا إزاء الدول المجاورة، أي أهمية أو قيمة للقانون وسلطة القانون السياسي الذي يعني اليوم قانون المواطنة من دون تمييز، ولا للمواثيق والقوانين الدولية أو حتى للأعراف والتقاليد السياسية المتبعة منذ أقدم العصور، وهذا ما يقوض أي أمل ببزوغ الحرية كناظم للعلاقات الاجتماعية وإرساء أسس سلام مستدام على مستوى العلاقات الإقليمية. هذه هي الأرضية التي تفسر التنافس على الارتقاء كل يوم أكثر في معارج صناعة العنف، وحلم التفوق الأكبر في وسائل استخدام القوة بما فيها إنتاج القنبلة النووية. وهذه هي الشروط ذاتها التي تشجع على تخليد الحرب وتعيق تشكل الأمم، بل تشجع على تفكك الناجز تاريخيا منها، وتدفع إلى احتدام النزاعات الطائفية والمذهبية والأقوامية والأهلية المتعددة، وفي إثرها الخراب والفوضى. فإقامة العلاقات، داخل الدولة وخارجها، على أساس القوة، وإلغاء سلطة القانون، لا يعني سوى أمر واحد هو العودة إلى البربرية أو الحالة البدائية وتقويض أسس الحياة المدنية.

=========================

ما بعد قمة بايدن-أردوغان؟

حسين عبد العزيز

عربي 21

السبت 19/6/2021

بلغة السياسة الباردة البعيدة عن المواقف المسبقة والتحيزات الأيديولوجية، يمكن القول إن اللقاء الذي جمع الرئيسين الأمريكي جو بايدن والتركي رجب طيب أردوغان في بروكسل، يشكل نقلة مهمة على صعيد العلاقة بين الدولتين، لأن اللقاء بحد ذاته مؤشر على رغبة الدولتين بعدم ترك العلاقة تنحدر إلى مستويات تنعكس سلبا عليهما.

لا يعني ذلك، أن القمة جبت وطوت الخلافات العميقة بين الجانبين، لكنها وضعت استراتيجية قد تكون طويلة لإيجاد حلول وتسويات من شأنها أن تخفف من تبعات هذه الخلافات على مصالح الدولتين في منطقتي أوراسيا والشرق الأوسط.

ثمة تباينات كثيرة بين الدولتين ظهرت بشكل حاد خلال السنوات العشر الماضية، دفعت كل طرف بعيدا عن الآخر، لكن هذه المشكلات يمكن تلخيصها في ملفين رئيسين: 

أولا- التسلح التركي من روسيا

شكل شراء تركيا لمنظومة الصواريخ الروسية "S 400" تطورا مهما لجهة العلاقة التركية مع الغرب، إذ لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية تقوم دولة عضوا في الناتو بشراء سلاح روسي متطور.

خطورة الخطوة يمكن توصيفها على النحو الآتي:

ـ تعتبر الخطوة التركية سابقة من نوعها لجهة إدخال منظومة تسلح متطورة في دولة هي جزء رئيسي في المنظومة العسكرية الغربية، وقد تشكل هذه الخطوة مقدمة لدول أخرى لتحذو حذو تركيا، وهذا أمر يشكل تهديدا لبنية العلاقة في المعسكر الغربي.

ـ شراء سلاح روسي متطور، سيؤدي بالضرورة إلى حدوث تعاون عسكري بين أنقرة وموسكو، قد لا ينتهي عند حدود هذه الصفقة، بل يتعداه مستقبلا إلى نواح عسكرية أخرى، وهذا أمر سيدفع تركيا نحو روسيا تدريجيا.

ووفقا للمقاربة الأمريكية، فإن صفقة "S 400" من شأنها أن تعرض أمن التكنولوجيا والأفراد العسكريين الأمريكيين للخطر، وتوفر تمويلا كبيرا لقطاع الدفاع الروسي، يسهم في وصول الروس إلى القوات المسلحة التركية وقطاعها الدفاعي، ويساهم في توسيع نفوذ موسكو، فضلا عن أن المنظومة الروسية قادرة على كشف مقاتلات "F 35" الأمريكية وإسقاطها.

لهذا السبب فرضت واشنطن عقوبات على أنقرة بموجب قانون مواجهة خصوم أمريكا من خلال قانون العقوبات "كاتسا"، الذي ينص على نحو خاص على فرض عقوبات عندما تبرم دولة ما "صفقة مهمة" مع قطاع التسليح الروسي.

حتى الآن، لا يعرف ما إن جرت تفاهامت بين بايدن وأردوغان حيال هذا الملف، وإن كان الرئيس التركي أبلغ نظيره الأمريكي بألا يتوقع من تركيا اتخاذ خطوات مختلفة فيما يتعلق بملفي طائرات "F 35"، ومنظومة "S 400"، وعليه سيبقى هذا الملف نقطة توتر بين الجانبين، في ظل إصرار أمريكي على فرض عقوبات عسكرية واقتصادية على تركيا.

ثانيا- دعم الأكراد في سوريا

يشكل الدعم الأمريكي لـ "قوات سوريا الديمقراطية" نقطة خلاف كبيرة بين الجانبين، ولا يتعلق الأمر بالتهديد العسكري الكردي المباشر لتركيا، فمثل هذا التهديد غير موجود، والعكس هو الصحيح، لكن المقاربة التركية لهذا الملف ذات أبعاد استراتيجية بعيدة المدى، فهي تخشى أن يتحول التقسيم الجغرافي-العسكري الحالي في سوريا إلى واقع قائم، خصوصا لدى الجانب الكردي، وتكرار تجربة إقليم كردستان في العراق.

وإذا كانت أنقرة تتحمل إقليما شبه مستقل في شمال العراق، فإنها لا تتحمل إقليما مشابها في الشمال السوري بحكم الجغرافيا، فالتضاريس الجبلية الوعرة في شمالي العراق تحول دون حدوث تأثير كردي مباشر في الداخل التركي، بعكس الوضع في سوريا، حيث الحدود الجغرافية البالغ طولها نحو 900 كلم، هي حدود منبسطة ومفتوحة بين الجانبين، ما يجعل عملية الاختراق أسهل.

 للقاء الذي جمع الرئيسين الأمريكي جو بايدن والتركي رجب طيب أردوغان في بروكسل، يشكل نقلة مهمة على صعيد العلاقة بين الدولتين، لأن اللقاء بحد ذاته مؤشر على رغبة الدولتين بعدم ترك العلاقة تنحدر إلى مستويات تنعكس سلبا عليهما.

لا يوجد لدى إدارة بايدن كمثيل الإدارات السابقة ما يقدمه لأردوغان في هذا الملف، فواشنطن غير قادرة على وقف دعمها لـ "قوات سوريا الديمقراطية"، لأن التواجد الأمريكي في الشرق السوري مرتبط بالمشروع العسكري الكردي.

وكل ما يمكن أن تقدمه الولايات المتحدة لتركيا هو تطمينها بأن "مشروع الإدارة الذاتية" لن يتحول إلى كيان ذاتي مستقل، وعليه سيبقى هذا الملف مفتوحا بين الجانبين، لكن مع الهدوء الاستراتيجي القائم في الشمال السوري، فإنه يمكن للدولتين تجاوز هذا الملف مؤقتا للبحث عن أوجه تعاون أخرى.

ساحات إقليمية

الانفتاح التركي على اليونان وفرنسا وأوروبا من جهة، وعلى مصر والسعودية من جهة أخرى، من شأنه أن يعيد لتركيا دورها الكبير في المنطقة، وهي مساحة قد تكون فرصة للتلاقي مع الولايات المتحدة.

ما يهم الولايات المتحدة الآن ثلاثة دول، هي في الأهمية على النحو التالي: أفغانستان، العراق، ليبيا، وفي هذه الدول الثلاث لتركيا دور كبير.

مع إعلان إدارة بايدن عن انسحابها من أفغانستان، لما يشكله استمرار وجودها من تهديدات طرحت الإدارة التركية إمكانية أن تساهم في تسوية الأزمة، في ظل علاقتها الجيدة مع مختلف الأطراف الأفغانية، وقدرتها على إدارة التفاوض فيما بينهما.

ومع أن طالبان ترفض أي دور عسكري تركي، لكن التواجد العسكري التركي في أفغانستان، والعلاقة العميقة مع قطر، صاحبة الحضور القوي في هذا الملف، قد يجعل من أنقرة المكمل العسكري للدور السياسي القطري، وهذه ساحة ذات أولوية أمريكية.

لن تكون قمة بايدن-أردوغان قمة إنهاء الخلافات بين الجانبين، فهذه مسألة معقدة وتحتاج إلى حدوث متغيرات عديدة، غير أن رغبة البلدين في الالتقاء ووجود بعض الملفات المتقاطعة، قد يمهد الطريق لإنهاء الخلافات بين الجانبين، وعودة تركيا للعب الدور الكبير بين الشرق والغرب، دون أن تخسر أيا منهما.

=========================

الملف السوري والقمم الروسية ـ الأميركية

حسين عبد العزيز

العربي الجديد

السبت 19/6/2021

لم يجر لقاء بين الرئيس الروسي بوتين والرئيسين الأميركيين السابقين، أوباما وترامب، إلا وكانت نتائجه سيئة على الثورة السورية... بعد سبعة عشر يوما من لقاء بوتين ـ أوباما في الخامس من سبتمبر/ أيلول عام 2016، شنت قوات النظام السوري بدعم جوي مكثف من المقاتلات الروسية أعنف هجوم على شرق حلب ضمن خطة لاستعادة السيطرة على المدينة. واستمرت العملية العسكرية للنظام حتى إعلان الهدنة مع الثوار في 13 ديسمبر/ كانون الأول، وإخلاء الأحياء المحاصرة في شرق حلب من المدنيين والمسلحين. وفي الثامن من يوليو/ تموز 2017، التقى بوتين بالرئيس ترامب، على هامش قمة العشرين في هامبورغ الألمانية، وكان من نتائجها موافقة واشنطن على المقاربة الروسية للجنوب السوري، وضرورة أن يكون جزءا من منطقة خفض التوتر، تمهيدا لعودة النظام السوري إليه.

وقد ترتب على هذا التفاهم وقف الإدارة الأميركية في العشرين من يوليو/ تموز للبرنامج السري الذي كانت تديره وكالة الاستخبارات الأميركية، بمشاركة دول عربية وغربية في الأردن، لدعم "الجيش السوري الحر"، في خطوةٍ اعتبرت تحولا مهما لجهة وقف الدعم الأميركي لفصائل المعارضة في الجنوب.

وفي العاشر من نوفمبر/ تشرين الثاني 2017، عقد الرئيسان اجتماعا على هامش قمة آسيا ـ المحيط الهادئ في دانانغ بالعاصمة الفيتنامية هانوي، توصلا فيه إلى بيان مشترك حول الأزمة في سورية، أعدّه الخبراء الروس والأميركيون، وأقرّه وزيرا خارجية البلدين، لافروف وتيلرسون، ينص على أنه لا حل عسكريا للأزمة. وكان البيان مهما لكل من موسكو وواشنطن، فقد قرأته الأخيرة أنه حتى لو حسم الأسد النزاع العسكري، فذلك لن يكون كافيا لإنهاء الأزمة، فيما قرأته موسكو قراءة براغماتية، مفادها بأن لا تهديدا عسكريا غربيا وإقليميا لنظام الأسد.

وقبل قمة الرئيسين في هلسنكي في 16 يوليو/ تموز 2018، بدأت قوات النظام السوري بدعم روسي معركة جنوب سورية في 18 يونيو/ حزيران بضوء أخضر أميركي، وانتهت المعركة في 31 يوليو/ تموز، سيطر خلالها النظام على جنوب سورية. وجرى في القمة التفاهم على مرحلة ما بعد معركة الجنوب، وخصوصا الوجود الإيراني، وخرجت القمة بتفاهماتٍ على إبعاد القوات الإيرانية والقوات التابعة لها، مع عودة القوات الأممية (أندوف) إلى العمل.

بعد الانفتاح العربي على إسرائيل، والانهيار الاستراتيجي للعراق وسورية وليبيا واليمن، الأولوية الأميركية منع حدوث أزماتٍ إنسانيةٍ كبرى، تستتبعها تدخلات سياسية أو عسكرية

وجاءت القمة بين الرئيسين بوتين وبايدن، في جنيف أول من أمس الأربعاء، 16 يونيو/ حزيران الحالي، في سياق سياسي وعسكري يختلف تماما عن الذي جرت فيه اللقاءات السابقة بين بوتين وكل من أوباما وترامب، فلا معارك عسكرية على الأرض السورية، ولا عملية سياسية فاعلة في أروقة الأمم المتحدة، ولا استراتيجية أميركية واضحة حيال الوضع السوري. اختزلت الأزمة السورية في القمة بالبعد الإنساني، مع ما يعني ذلك من أن الملف السوري لم يعد يحظى بأولوية لدى إدارة بايدن أولا، ولن يشهد تطوراتٍ دراماتيكية ثانيا، بحيث يبقى السكون الاستراتيجي قائما.

لم تعد السياسة الأميركية هجومية بقدر ما أصبحت دفاعية، هدفها الحفاظ على الوضع الراهن عبر تثبيت مواقع القوى لكل الأطراف: ثمّة وجود عسكري أميركي في الشرق السوري، كفيل بجعل واشنطن وحليفها "قوات سوريا الديمقراطية" أداة تعطيل في مواجهة محاولات النظام وروسيا استعادة الهيمنة على الثروات الباطنية، وثمّة عقوبات أميركية تحول دون استعادة النظام عافيته الاقتصادية. وعلى المستوى السياسي، التراخي الأميركي واضح، لجهة عدم معارضة إعادة إشراك النظام في المؤسسات الدولية (منظمة الصحة العالمية، لجنة تصفية الاستعمار)، ولجهة الانفتاح السياسي الإقليمي على دمشق، ولجهة انعدام الضغوط لدفع عمل اللجنة الدستورية قدما إلى الأمام.

كل ما يهم إدارة بايدن هو الشأن الإنساني، وتمارس ضغوطا كبيرة من أجل إعادة فتح معبري باب السلام شمالي حلب واليعربية في الشمال الشرقي على الحدود العراقية

بعبارة أخرى، بعد الانفتاح العربي على إسرائيل، والانهيار الاستراتيجي للعراق وسورية وليبيا واليمن، أصبحت الأولوية الأميركية منع حدوث أزماتٍ إنسانيةٍ كبرى، تستتبعها تدخلات سياسية أو عسكرية. ولهذا، لا تهتم إدارة بايدن، في هذه المرحلة، بإنشاء مقاربة جديدة حيال سورية، فهي لم تعين مبعوثا دائما للملف السوري الذي وضع مع ملفات أخرى في عهدة منسّق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بريت ماكغورك.

ما يهم إدارة بايدن هو الشأن الإنساني، فهي تمارس ضغوطا كبيرة من أجل إعادة فتح معبري باب السلام شمالي حلب واليعربية في الشمال الشرقي على الحدود العراقية. وكان هذا الموضوع ركنا رئيسا في مباحثات بوتين ـ أوباما في جنيف. ومع أن بايدن لم يحصل على تنازل من بوتين حيال هذه النقطة حسب ما أعلن مسؤول أميركي، فإن الروس، الراغبين بفتح صفحة جديدة مع الأميركيين، سيجدون فرصة لإعادة ترتيب التفاهمات انطلاقا من هذا الملف، وفرصة لانتزاع تنازلات أميركية أخرى.

=========================

وجهة نظر : الفيتو الروسي عقدة المؤامرة الدولية على شعبنا وعلى وطننا

زهير سالم

مركز الشرق العربي

24/ 6/ 2021

وفي البدء كانت المؤامرة ... وقضية المعابر شكلة على حرف في كلمة

ومنذ الفيتو الروسي الأول ما يزال ما يسمى " المجتمع الدولي " أو " مجلس الأمن الدولي " يتوارى خلف جدار هذا الفيتو المريب ...

ومنذ الفيتو الروسي الأول 10/ 2011 حتى الفيتو الروسي السادس عشر ، ما يزال الشعب السوري، يقتل، وما تزال المساكن والمساجد والمستشفيات والأسواق تقصف، وما يزال المدنيون رجالا ونساء وأطفالا يستهدفون، وما تزال البنى التحتية تدمر، وما تزال السلع الاستراتيجية تحرق، وما تزال أوابد الحضارة والعمران تباد ...

وكل ذلك يُسمى في القانون الدولي - الإنساني جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، يأخذ العالم بأسره على يد مرتكبها، ويسوقه إلى المحاكم الجنائية، فلماذا يحترم في هذا العالم " المدعي الكذاب " " الفيتو الروسي" يدعون أنه قانون دولي، ولا تحترم عشرات القوانين التي تجرم ما يفعله الروسي والإيراني على أرضنا ؟؟؟؟؟؟؟

تحت مظلة الفيتو الروسي من 1- 16 تم تنفيذ ما صرح به لافروف ، ولماذا نستحيي من تكرار قول لم يستحي منه قائله ، بأنه حرام على " ألمسلمين السنة " أن يحكموا سورية، وكان يقصد أن يستمتعوا بالعدل والحرية في وطنهم سورية ...

كل المتذرعين بالفيتو الروسي منذ 2011 ، كانوا شركاء الجرائم التي ارتكبت باسمه، وتحت غطائه، الأمريكي والبريطاني والفرنسي والصيني ..ولو كان هذا " الفيتو " يستهدف بعض أتباعهم أو أشياعهم لكان لهم منه، موقف آخر، ولتعاملوا معه بطريقة أخرى ..

كل القوانين الإنسانية في المدونات الدولية ترتفع فوق القوانين السياسية، تهيمن عليها ، وتخترقها ، وتذريها ،وهكذا يفعلون عندما يكون لهم هدف أو غاية، وهكذا تتخذ قرارات دولية من أجل ناشط روسي واحد اسمه " أليكسي نافاليني" والذي فعلوا من أجله أكثر مما فعلوا من أجل عشرين مليون سوري.

اليوم واجهات المعارضة المدجنة على مقاس ... تلهج بالحديث عن فتح المعابر ، وأهمية المعابر ، وكأن قضيتنا في هذه الثورة قضية معابر!!

والحقيقة التي يجب أن نجهر بها كسوريين حقيقيين أصحاب قضية أن العمل الجاد المنظم المبرمج وعلى كل المستويات لفك قبضة الفيتو الروسي الخبيث عن عنق شعبنا هو المشروع وهو القضية، ولو كان للثورة السورية قيادات حقيقية على مستوى القضية لاستعملوا الورق الذي ينقش عليه الفيتو الروسي بالطريقة التي هو أهل لها ...ولوجدوا ألف طريق وطريق لتجاوز العبور ...

لا يوجد قرار سياسي في العالم كله يدعم قرار مجرم حرب مثل بوتين، لو قرر أن يحاصر مجموعة من الدجاج في مدجنة ويتركها تموت من الجوع ، ولو أن مجرما حبس هرة حول العالم حتى تموت من الجوع لتمت إدانته وإدانة "القانون" الذي شرعن له الفعل الشنيع، والجريمة الأبشع .

" تريه سوفاج " سيعلق عليه نشطاء الحقوق المأبونون ..

جميل أن يكون لنا برنامج عمل سوري وطني منظم ومبرمج للمطالبة بالصوت الأعلى بإنقاذ سورية والسوريين من الفيتو الروسي من تبعاته وتداعياته وآثاره وأولها قلب طاولة الاحتلال على المحتلين!!

ومهمة واجهات المعارضة " لو لم تكن مستقيلة من العمل ومصرة على الاتكاء على آرائك القرار تعطيلا وتضييعا وتفريطا " أن يكون لها برامج إنسانية وسياسية وعملية في الداخل والخارج لفك القبضة الروسية عن عنق الشعب السوري. نحن لا نخترع العجل عندما تكون لنا برامج لمواجهة الاحتلال والمحتلين. كالسكين في الزبد يمرر الروس والإيرانيون مشاريعهم على الأرض السورية ...

وشعبنا السوري على كل الجغرافيا، وبكل الديموغرافيا ، شعب مبدع وقادر، وما ضيع ثورته وحرف بوصلتها إلا العاجزون والمفرطون ...

ارفعوا القبضة الروسية عن عنق شعبنا ووطننا، بجد وجهد وصبر ومصابرة وتضحية ، وتبقى قضية المعابر كما ترون تحصيل حاصل ...

___________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

كيف صارت سورية على ما هي فيه؟

راتب شعبو

العربي الجديد

السبت 19/6/2021

سيبدو ما يحدث في سورية منذ عقد غريباً وصادماً لعقل المتأمل، وقد يصوغ أحد ما صدمته بالقول: "ألم تجد السلطة السورية أنها سارت وتسير بالبلاد إلى الدمار والتهلكة، لماذا لم تسع بمسؤولية إلى حل جدّي، حتى لو كانت نتيجة الحل خروجها من الحكم، حفاظاً على مصلحة البلاد؟". من الخطأ الاعتقاد أن هذا السؤال، على بساطته وبداهته، يمكن أن يتبادر إلى ذهن نخبة الحكم الأسدية، ببساطة لأنه لا محل فعلياً لمصلحة البلاد في منظورها إلى ما جرى ويجري. المحل مشغول كاملاً بمصلحة نخبة الحكم التي تزدري لفظة مصلحة البلد. في منظور هذه النخبة، الاستمرار في الحكم يعني أن كل شيء آخر هامشي. نخبة الحكم هذه هي وريثة النخبة التي رأت، قبل 54 عاماً، أنها منتصرة لأنها استمرت في الحكم، على الرغم من الهزيمة الوطنية والموت والدمار وخسارة الجولان.

أنجب التاريخ السوري، في بضعة العقود المنصرمة، نخبة حكم تبتلع كل اعتداء خارجي لا يهدّد استمرارها في الحكم، وقد يبدو لها أن للاعتداءات الخارجية هدفا واحدا هو إسقاطها من الحكم (لسبب ما، يمكن اختراعه بسهولة). وعليه، تكون كل خسائر "البلاد" هامشية، أمام ديمومتها في الحكم. ليس هذا فقط، بل كل خراب تنزله نخبة الحكم في البلاد دفاعاً عن استمرارها في الحكم، لن يبدو في نظرها خراباً، كما يبدو في العيون، بل سوف يبدو عملاً في "مصلحة البلد" أو ربما إنقاذاً للبلد. وسوف يبدو خروج ملايين السوريين إلى كل دول العالم تطهيراً للشعب. كما يمكن لك أن تستغرب هذه النظرة إلى الأمور، كذلك تستغرب نخبة الحكم الأسدية استغرابك هذا. أمّا كيف يمكن أن يقتنع جمهور هذه النخبة بنظرتها الخاصة إلى الأمور، فهذا بحث آخر، يتصل بعمل الأيديولوجيا السياسية، أي إكساب الخيارات السياسية التي غايتها الوحيدة الاستمرار في الحكم، معنىً وطنياً عاماً.

نخبة الحكم هي وريثة النخبة التي رأت، قبل 54 عاماً، أنها منتصرة لأنها استمرت في الحكم، على الرغم من الهزيمة الوطنية والموت والدمار وخسارة الجولان

خلاصة البؤس السياسي الذي تعيشه سورية، وما نتج عنه من بؤسٍ شمل المجتمع في كل مستويات حياته، أن الشؤون العامة في هذه البلاد كانت تدار وفق مصلحة النخبة الحاكمة، وليس وفق مصلحة البلد، منظوراً إليها بصورة مستقلة أو موضوعية. لا يعني هذا أن البلاد كانت تدار وفق مصلحة البلد حسبما تراها النخبة الحاكمة، كما قد يتبادر إلى الذهن، فمن الطبيعي أن تدير النخبة الحاكمة البلد وفق منظورها لمصلحة البلد الذي تحكمه، بل يعني أن مصلحة النخبة الحاكمة تعلو وتتحكّم بمصلحة البلد. أو بكلام آخر أكثر دقة، تختفي مصلحة البلد من المعادلة الفعلية لعملية صوغ السياسات، لتسيطر بالكامل مصلحة نخبة الحكم، فتصبح السياسة هي تطويع البلد بما يلائم مصلحة هذه النخبة، حتى لو اقتضى "التطويع" دماراً شاملاً، وتغييراتٍ ديموغرافية واسعة، ونزوحاً ولجوءاً وانهياراً اقتصادياً ... إلخ.

الواقع أن الفكر الاشتراكي الذي ازدهر في منطقتنا بعد الحرب العالمية الثانية، وبدأ يمارس تأثيره في النخب السياسية مثل صدى متأخر، أي في الوقت الذي كان يكابد الموت في "بلاد المنشأ"، شكّل المنصة التي انطلقت منها النخب الحاكمة "التقدمية"، لكي تبعد المصلحة العامة من معادلة الحكم. والمفارقة الطريفة أن هذا الإبعاد جاء باسم المصلحة العامة نفسها، حين أتاح "الفكر الاشتراكي" للنخبة التقدّمية أن تجعل مصلحة البلاد مرهونةً لوعي النخبة و"طليعيتها"، وأن تجعل الدولة "مالكة" للبلاد. أصبح من السهل، والحال هذه، نزع أحشاء المصلحة العامة وحشوها بمصلحة النخبة التي لا مشروع لها سوى تأبيد السيطرة على الحكم وعلى الثروة. ولا يصعب، بالتالي، أن ترتدّ هذه النخبة ضد كل من يقف في وجه سيطرتها ونهبها على أنه معاد "للمصلحة العامة" أو "للأمة" بحالها.

لم تكن هذه العملية سهلةً وبسيطة في سورية، فقد مرّت بمراحل عديدة، لكنها ذات اتجاه واحد، يجمع بين السعي إلى احتكار تمثيل المصلحة العامة والسعي إلى احتكار تمثيل النخبة نفسها (أي حسم صراع السيطرة نهائيا داخل النخبة). من النخبة البعثية الأولى (جماعة 8 آذار) ذات التكوين المتنافر سياسيا وتنظيمياً، إلى النخبة البعثية الثانية (جماعة 23 شباط) التي صارت أكثر انسجاماً من الناحيتين، السياسية والتنظيمية، لكن من دون حسم مركز السلطة فيها، ما جعلها محل توتّراتٍ داخلية وقرارات ارتجالية، إلى النخبة البعثية الثالثة (جماعة 16 تشرين الثاني) التي تميزت بحسم مركز السلطة فيها لصالح حافظ الأسد، وبالتالي باتت أكثر استقراراً وقدرة على الاستمرار.

تختفي مصلحة البلد من المعادلة الفعلية لعملية صوغ السياسات، لتسيطر بالكامل مصلحة نخبة الحكم

قدرة حافظ الأسد على حسم الصراع داخل النخبة لصالحه بشكل نهائي، وتوحيد النخبة حوله، بعد "نفي" الآخرين، (إذا كان صلاح جديد قد "نفى" يمين "البعث"، فإن حافظ الأسد قد أنجز "نفي النفي"، فمضى إلى مدى أبعد في تسلّط جديد، وفي يمينية "البعث"، ثم ألّف بين النزوعين)، نقول إن ما فعله الأسد أتاح له، في البداية، إقامة علاقة أكثر توازناً مع المجتمع، مع الاعتراف والتصالح مع القوى الاقتصادية والاجتماعية التقليدية، وهو ما يفسّر ترحيب هذه القوى به في البداية. انتهى، مع انقلاب 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 1970، زمن المزايدات "اليسارية" بين أقطاب النخبة، بعد أن أصبح للنخبة قطب واحد غير منازَع.

على الرغم من هذا التحول "التصحيحي" (حسم الصراعات داخل نخبة الحكم، التوجّه إلى اليمين أكثر والتصالح مع القوى التقليدية) الذي وفر أرضيةً مناسبةً للاستقرار، بقي المجتمع السوري مفخّخاً ويسير على قدم واحدة، فقد ترافق إرضاء المجتمع وحيازة قبوله، إضافة إلى استرضاء معظم الأحزاب السياسية غير الإسلامية، مع تعزيز لحمة نخبة الحكم التي امتلكت الوقت، و"التسامح" الكافي، لتوطيد سلطتها المطلقة ذات المرجعية الواحدة في كل مفاصل الدولة، وهو ما حمل في داخله بذرة الدمار الذي نعيشه.

الصورة المعبرة عن الدمار السوري الشامل هي صورة الجندي المعاق الذي يجد نفسَه مساقاً إلى أن "ينتخب" بدم يده المبتورة. الشعور بقلق الغربة عن المجتمع، على الرغم من كل شيء، هو ما يدفع الطغمة الأسدية إلى أن لا ترضى بأقل من التصويت بالدم.

=========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com