العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 26-11-2017


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

في ذكرى الحركة التصحيحية الأسدية .. د. أحمد موفق زيدان

العرب

الاربعاء 22/11/2017

صادف16من نوفمبر، ذكرى الحركة التصحيحية التي قام بها حافظ الأسد عام 1970، فكانت حركة طائفية بامتياز، أسست لسوريا الطائفية الأسدية، والتي لم يخجل رأس النظام أن يطلق عليها لاحقاً بـ «سوريا الأسد». ويعرّف كل علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا أن مثل هذه الشعارات تهدف إلى شدّ العصب الطائفي والعائلي، وربط البلد كله بعنوان ضيق اسمه «العائلة الأسدية». وأنا هنا سأتحدث عما جناه هذا الحكم على الجيش والأمن فقط؛ كونهما أهم مؤسستين أجرم بحقهما، وكونهما هما المؤسستين الحاكمتين، فضلاً عن أن الحديث في المجالات الأخرى يستغرق وقتاً ومساحة كبيرة لا تسعها هنا..

ترجم هذا عملياً على الأرض من خلال أهم مؤسسة -وهي المؤسسة العسكرية- حيث سرّع عملية تطييف الجيش السوري بشكل متسارع وخطير، وإن كانت خطواته بدأت أيام كان قائداً لسلاح الجو قبل حرب الساعات الست في حزيران من عام 1967، ومكافأته بتسليمه وزارة الدفاع لبيعه الجولان والقنيطرة، وهو أمر مثبت في كتب مهمة وأحاديث لمسؤولين في تلك المرحلة، لعل أهم من وثقها الضابط مصطفى خليل الذي كان مسؤول الاستطلاع في الجبهة بكتابه «سقوط الجولان»، وقد ساعده أكثر أعضاء اللجنة العسكرية -حكومة الظل الحقيقية- والتي أغلب عناصرها من الطائفة العلوية.

أول مجزرة بحق الضباط السُّنَّة كانت بانقلاب البعث عام 1963، ثم بضباط الدروز بعد فشل انقلاب عام 1966. وبعد حرب الساعات الست، تم تسريح الآلاف من ضباط السُّنَّة، وشرع الأسد لاحقاً في التخلص من منافسيه العلويين أمثال محمد عمران وصلاح جديد وآخرين؛ ليشكّل الجيش السوري على طريقته، وهو الذي يعرف تماماً أن الطريق الوحيد للوصول إلى السلطة في سوريا -وربما غيرها- إنما هو المؤسسة العسكرية.

كان شعار تحرير فلسطين والمتاجرة باسمها التجارة الوحيدة الرائجة؛ فهو يدرك أن لا شرعية انتخابية وثورية وتحررية للنظام الذي يقوده، وبالتالي فالشرعية الوحيدة بنظر الشعوب لاستبداده هي فلسطين. وحين وصل بشار الأسد إلى السلطة عام 2000 عزز ذلك، حين طرحها بشعار جديد يناسب عولمة المقاومة الجديدة «محور المقاومة والممانعة»، فأضاف إليه إيران وحزب الله.

واصل النظام السوري التعاطي مع المؤسسة العسكرية والأمنية كزائدة دودية، بدلاً أن تكون مؤسسة قائمة بذاتها، فأنشأ كل الوحدات العسكرية والأمنية التي تكفل حماية النظام الطائفي، فكانت «سرايا الدفاع» بقيادة رفعت الأسد شقيق حافظ، وعدنان الأسد ابن عم حافظ الأسد في «سرايا الصراع»، وجميل الأسد شقيق حافظ بوحدات الدفاع، وعدنان مخلوف نسيبه في الحرس الجمهوري، وحين أراد تمهيد الطريق أمام باسل في التسعينيات ألحقه برتبة رائد في الحرس الجمهوري.

مع الخلاف الذي حصل عام 1984 بين حافظ وشقيقه رفعت الأسد إثر مرض حافظ، دمج الأخير قوات رفعت وغيره في الفرقة الرابعة، وتولى لاحقاً قيادتها ماهر الأسد، لكن ظل الشخص العملي فيها قريبهم ذو الهمة شاليش.

أما في ما يتعلق بالأمن والاستخبارات، فقد أمسك بكل مفاصل الأجهزة الأمنية الضباط العلويون، وركز النظام على المخابرات الجوية والأمن العسكري. ويتحدث كل الخبراء أنه بحلول الثمانينيات كان أكثر من 85 % من الضباط السوريين من الطائفة العلوية، وما تبقّى من الضباط -وهم السُّنَّة- يتم صرفهم إلى مناطق غير حساسة.

اليوم، كل الدراسات الميدانية تتحدث عن تفسّخ النظام السوري، ولم يعد له ما يقوم به بذاته في ظل النزيف الرهيب لضباطه ونخبه العسكرية. فنظام حافظ الأسد كان نظاماً مركزياً نظراً للأبوة أو الندية على الأقل مع الضباط العلويين الآخرين، بينما بشار -الذي يُنظر إليه كولد يناديهم «يا عمو» أيام حكم والده- قد غدا نظامه منذ وصوله إلى السلطة لامركزياً. تعزز هذا مع نزيف النخب العسكرية العلوية، وتجلى ذلك ببروز الميليشيات العسكرية العلوية التي هي أقرب إلى الميليشيات المحلية التي تدافع عن مناطق نفوذها وتقيم اقتصادات محلية، لا حاجة فيها إلى الأسد إلا كرمز. ولعل الآن من أهم هذه الميليشيات «قوات النمر» التي تقاتل في حلب وغيرها من المدن، ويقودها اللواء سهيل الحسن، والذي يغلب أنه قُتل، بينما الميليشيات الثانية «نمور الصحراء» بقيادة محمد جابر، ومتهمة بالفساد، والخطف، وغيره..

نظام اليوم لا يستطيع القيام بنفسه، وإنما يعيش إكلينيكياً عبر مغذيات الاحتلال الروسي والإيراني، وهذا من مصلحة الأخير؛ لأن تفتيت الدولة ومؤسساتها يرهنه على المدى البعيد لها، كما حصل مع شيعة العراق.;

========================

رسالة سورية من مؤتمر الرياض 2 .. سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاربعاء 22/11/2017

تتبادر إلى أذهان سوريين كثيرين ثلاث قضايا ملحة، وهم يتابعون جدلية وسائط التواصل الاجتماعي بشأن المشاركة في مؤتمر المعارضة السورية في العاصمة السعودية، الرياض 2، والمقرر عقده اليوم وغدًا (22 و23/ 11)، أو عدمها. وتبتعد هذه الجدلية عن جوهر القضية السورية، وسبل التعامل مع الواقع المحيط بالثورة وعليها، وتحديد نقاط قوة من يقود عمليتها السياسية، وكذلك نقاط ضعفها، ومراحل تطورها ونضوجها، لتشكيل علامة فارقة في لحظةٍ حاسمة، لتأخذنا إلى حلٍّ لا يفرّط بحقوق السوريين  الرافضين استمرار واقع الظلم والاستبداد، والذين قدموا مئات آلاف الشهداء ومثلهم من معتقلين ومغيبين ومشرّدين في أصقاع العالم. وهنا أتوجه إلى زملائي المشاركين في المؤتمر، وقد أكون منهم، وقد لا أكون، وإلى الزملاء الذين لن يتسنى لهم المشاركة لأسباب مختلفة، منها عدم توجيه دعوة إليهم أو اعتذارهم عن تلبيتها، وإلى المتخوفين من منتجات هذا المؤتمر، والذي لم يعقد بعد، أتوجه لهم جميعا بطلب أن نتصارح بشأن هذه المسائل، ونحدد بشجاعة دورنا فيها، ومسؤوليتنا عنها.

إجرائياً: على الرغم من أن عقد مؤتمر وطني للمعارضة السورية لجمع شتاتها كان مطلباً وطنياً، منذ ما يزيد عن ثلاثة أعوام، وكان ذلك مسؤولية الكيان المعترف فيه دولياً، أي الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، إلا أن هذا الكيان تخلى عن مسؤولياته، واعتبر نفسه نادياً مغلقاً، لا يحق للسوريين جميعهم المشاركة بأعماله، واستمر في ذلك حتى لحظة اختيار ممثليه إلى مؤتمر الرياض 2، حيث لم يفكر لحظةً بإدراج أسماء لشخصيات وطنية غيبت عنها الدعوة إلى المؤتمر، على الرغم من علم "الائتلاف" بأهمية وجود هذه الدعوة، 

"لا يمكن القول إن النظام اعترف بأنه يفاوض معارضةً على أساس أنها خصمه السياسي" لتدعيم موقفه، ولإطلاق مبادرته التي تعبر عن كل السوريين الذين يدّعي تمثيلهم. ويقود هذا الأمر إلى حقيقة أن كيانات الثورة تمثل المنتسبين لها (الكيانات) فقط، بغض النظر عن كيف تمت آلية الانتساب، والتي تفقدها مشروعية الحديث عن التمثيل الواسع للسوريين. والمعنى هنا أن إرادتنا أيضاً بالاجتماع مع بعضنا ليست حرّة، وإنما مقيدة بطلب الآخرين ودعمهم، وهذا ما أثبتته التجربة خلال السنوات السبع، وهو ينطبق على جميع الكيانات المدعوة إلى مؤتمر "الرياض 2"، لكن تحميلي "الائتلاف" المسؤولية نابع من حجم الاعتراف الدولي به، ومن نظامه الداخلي الذي بات يعدّل حسب المزاج لمن يحكمه.

أيضاً، وفي إطار مناقشة الإجراءات التنظيمية، ما مغزى دعوة أكثر من مئة عضو إلى هذا المؤتمر؟ ولماذا يمثّل "الائتلاف" الذي هو كيان واحد، وهيئة التنسيق ومنصتا القاهرة وموسكو، حتى ولو وجدت فيها كياناتٌ متعددة، بأعداد كبيرة، ألا يكفي وجود شخص (أو اثنين) يعبر عن إرادات هذه الكيانات؟ ثم أين هي الكيانات السياسية في الثورة السورية التي من أهم ثغراتها الافتقار إلى كيانات سياسية ذات تمثيل شعبي حقيقي؟ لا تُطرح هذه المسألة هنا اعتراضاً على العدد فقط، وإنما لإيضاح أن العقلية السائدة هي عقلية انتخابات، أي أننا نأتي إلى هنا فقط من أجل انتخاب هيئة معيّنة، حتى ولو كانت هذه الهيئة شكلية، ومجرد صورة لا أكثر، من أجل مجرد صورة في مفاوضاتٍ لا تجري فيها مفاوضات، كما بيّنت التجربة.

 

وبشأن البيان المفترض صدوره عن الاجتماع في الرياض: هل يعول فعلياً السوريون على البيانات؟ هذا سؤال مطروح، فقد أصدرت المعارضة مئات البيانات التي بقيت مجرد حبر على ورق، لكن هذا لا يعني التراخي في مسؤوليتنا عن استصدار بيان ختامي، ليس من أجل أن نقول إن المجتمعين توافقوا عليه فقط، بل من أجل أن نعمل على تنفيذه، ولأن هذا البيان وثيقة هي ملكٌ لكل السوريين. ولهذا لابد أن تجمع بين المتوافقات بينهم، إذا كنا نتحدث عن اجتماع للمعارضة السورية ولقوى ثورتها، ومنها مثلا:

التأكيد على الأهداف الأساسية التي انطلقت من أجلها الثورة: إسقاط نظام الاستبداد، وإقامة دولة مؤسسات وقانون، ترتكز على مبادئ دستورية عليا تتمثل بقيم الحرية والكرامة والمواطنة والديمقراطية، وعلى السيادة للشعب وتداول السلطة. اعتبار أن وحدة شعب سورية، بكل

"نحن معنيون بالمفاوضات، لكن على أساس استثمارها، جزءا من الصراع السياسي وفقط" تلاوينه، هي الأساس لوحدة الأرض السورية. تأكيد أن الحقوق الفردية، في دولة مواطنين أحرار ومتساوين، لا تلغي وليست بديلا للحقوق الجماعية، لكل الجماعات القومية، ولاسيما الكرد، الذين ينتمون لأمة أكبر، مثلما ينتمي العرب السوريون لأمة أكبر، وهذا يشمل الحق في اللغة والثقافة والتعبير والتنظيم وانشاء الروابط القومية. التأكيد على النظام البرلماني، أو المختلط، بديلا عن النظام الرئاسي، للتخلص من هذه العقبة، وللحؤول دون إعادة إنتاج الدكتاتورية. إن قيام دولة سورية على أساس اللامركزية، أو الفيدرالية، على أساس جغرافي، وليس على أساس إثني أو طائفي، هو أحد كوابح إعادة إنتاج الاستبداد، وهو الذي يضمن استعادة الثقة وتعزيزها بين السوريين، بكل أطيافهم، كما يضمن وحدة أرض سورية، والإنماء المتوازن والعادل بين المناطق. التأكيد على التمسك ببيان جنيف 1، بكل مضامينه، وبقراري مجلس الأمن 2118 و2254، رزمة واحدة، ورفض أي محاولة لاختزال الأمر في القرار 2254.

وبالنسبة للمفاوضات: بعيدًا عن الأوهام، لابد من أن نتصارح مع السوريين بأن لا تفاوض جرى في السنوات الماضية بين طرفين سوريين، أو على الأقل لا يمكن القول إن النظام اعترف بأنه يفاوض معارضةً، على أساس أنها خصمه السياسي، ما يعني أن المفاوضات الفعلية تجري بين الدول الفاعلة في الصراع، بعد أن تم تهميش الثورة، بسبب ضعف كياناتها وارتهاناتها، وبسبب تشرّد السوريين، وضمور البعد الشعبي لثورتنا، وأن النظام لن يقدم لنا شيئا على طاولة المفاوضات، لاسيما مع ضعف كياناتنا السياسية والعسكرية والمدنية أو انحسارها. وفي هذا الوضع، لا نستطيع شيئا لإجباره عليه بقوانا الخاصة.

ومع كل ما تقدم، نحن معنيون بالمفاوضات، لكن على أساس استثمارها، جزءا من الصراع السياسي وفقط، فهذه هي المعركة السياسية حالياً، ويجب أن نعرف كيف نديرها، ومتى وأين نشد الحبال أو نرخيها، فالمفاوضات مجال لتعزيز التقاطعات بيننا وبين الدول الفاعلة في الصراع السوري، وهي منبر للتعريف بأنفسنا أمام العالم، فهذا ما نحن بحاجة إليه، ولكن بخطابات وقيم يفهمها العالم، مثل قيم الحرية والمواطنة والديمقراطية.

وأخيراً، ونحن نناقش في المصير السوري، من داخل القاعة أو خارجها، أتوجه بتحية لأهالي الشهداء والأسرى المعتقلين في سجون النظام المجرم. وأود أن أطالب بالإفراج عن المعتقلين في سجون بعض الفصائل المحسوبة على الثورة، مع إدانتنا هذه الأعمال التي شوهت ثورتنا، وفي مقدمة من أتحدث عنهم رزان زيتونة وسميرة الخليل وناظم حمادي ووائل حمادة، الذين اختطفوا في الغوطة قبل سنوات، وما زالت الجهة المسيطرة هناك، والتي تتحمل المسؤولية عن مصيرهم، تنكر أي مسؤولية عنهم. وفي الختام، أعتذر لكثيرين ممن يستحقون أن يكونوا في قاعة المؤتمر في الرياض اليوم، ولم يتح لهم ذلك، مؤكّدة تقديري للجميع، وتحية لشعبنا السوري الصامد.

========================

موقفنا : حول استقالة المستقيلين .. الاستقالات والانسحابات ليست بطولة ولا حلا .. الحل : في الوعي والاتحاد والصمود والإباء .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

22 / 11 / 2017

تسارعت بالأمس أنباء استقالة مجموعة من هيئة التفاوض العليا ، وعلى رأسهم منسقها العام ، في خبر صادم ، فاجأ جمهور المعارضة السورية قيل ساعات من انعقاد مؤتمر الرياض 2 ، الذي يحمل عنوانا تجميليا (توحيد المعارضة السورية) ، وهو في الحقيقة ككل ما سبقه ، منذ تم الانقلاب على المجلس الوطني ، محاولة لاختراق المعارضة ، والسيطرة على قرارها ، بأن يدس ( الروسكان ) فيها مؤيدين لبشار الأسد ، يقبل بهم ويقبلون به ليتم الإيجاب والقبول الذي يراد منه توجيه الضربة القادمة للشعب السوري .

إن الحقيقة الأولى التي يجب أن يعيها المعارض ( حامل المشروع ) هي أنه ليس موظفا عند أحد . ولا تابعا لأحد . وهو أولى بالحفاظ والإباء من كل نصير أو مشير أو مساعد . المعارض المخلص لقضية شعبه (صاحب المشروع ) ليس موظفا في وزارة أو إدارة ، يُقال فيستقيل ، ويُستبعد فيبعد ، ويُقصى فينقصي ، ويستغنى عن خدماته فيرخي ستره ويغلق بابه .

والحقيقة الثانية هي أن هذه الأجسام الوطنية السورية – على اختلافنا في تقديرها وتقويمها وأدائها – هي التي حصلت في زمن ( ثورة الثورة ) على الاعتراف الدولي بتمثيلها للشعب السوري ، وإن المشروع (الروسكاني) اليوم هو الاحتفاظ بعناوينها ، وتغيير حشوتها ، وهذا الذي يجب أن يعيه المستقيلون والمنسحبون . وأن يتوقفوا عنده مليا ، قبل الإقدام على خطوات ، لا يحسن الإنسان تقدير مداها ..

والحقيقة الثالثة : هي أن هذه ( الأجسام الوطنية ) بأدائها غير المدروس، وباسترسالها لسنوات مديدة مع إرادات ( المؤمّلِين ) قد أوصلت الوضع السياسي في سورية ، إلى حافة الهاوية ، أو إلى المرحلة تحت الحرجة . وهم حين ينسحبون اليوم ، أو حين سينسحبون غدا ، كما يظل يهدد بعضهم ( لن نوقع إذا لم ..) يكونون قد أدوا الدور المريب المطلوب منهم ، وهذا الكلام ليس له علاقة بالنوايا ، في مراحل كثيرة كان المطلوب أن يقال إن وفد المعارضة يشتمل على فلان وفلان والهيئة الفلانية والجماعة الفلانية والفصيل الفلاني ، ثم سيأتي الوقت الذي يصبح فيه التخفف من هذه الأجسام مطلوبا ، فيُستفز أصحابها بكلمة أو سطر فتنسحب ، فيقول الذي يعقد المعادلة ويفككها : (وهو المطلوب).

والحقيقة الرابعة : هي أن الانسحاب على حافة الهاوية ، لن يغني من الحق شيئا ، ولن يعفي أصحابه من المسئولية التاريخية . ولو كان قادة هذه المعارضة أيتاما فقد آن لهم أن يكبروا . وأن يدركوا أنه ليس في الناصحين المفترضين ، إلا من يدير أوراق شعبنا المنكوب (لمصلحته أولا) ، فيتوقفوا عن الاسترسال ، والنوم على أيدي الآخرين . الرجل الراشد هو الذي يتعامل بكل الوعي مع كل الناصحين ، فيقبل منهم ويدع حسبما تقتضيه مصلحة ثورته ووطنه وشعبه في إطارها العام . وهذا الذي لم يزل يفتقده في مواقف المعارضتين (السياسية والفصائلية) المراقبون والمتابعون والمحللون .

والحقيقة الخامسة : هي أن الموقف الوطني لا يحتمل استقالات وانسحابات ، ولا إضافات ولا تغييرات ولا تبديلات . وإنما المطلوب تحديد ثوابت وطنية حقيقية ، يلتقي عليها جميع الممثلين الأوفياء لدماء الشهداء ، وحقائق الثورة . لتتحول هذه الثوابت إلى (ميثاق وطني) حقيقي يتواثق عليه السوريون ، داخل بُنى المعارضة وخارجها . ميثاق يلتقي عليه السوريون داخل وطنهم وخارجه ، على اختلاف توجهاتهم ، ليكون مرجعا ومنطلقا وأرضا وسقفا وعاصما تتكسر عليه كل مناورات المناورين .

إن المطلوب الأول في سياق هذه الحقائق ، وفي ظل المتغيرات المتسارعة ، وفي ظل انفلات الغول الروسي على الأرض السورية ، وانفراده بالملف السوري ، أن يتشبث السوريون بكل القرارات والمرجعيات الدولية التي تخدم قضيتهم . وأن يتوقفوا عن سياسات (الاسترسال ) الخاطئة التي دأبوا عليها منذ سنين .

ينص قرار مجلس الأمن 2254 على أكثر من بند ، تساهل فيها ممثلو المعارضة في جولاتهم السابقة ، منها ما يتعلق بوقف النار ، ومنها ما يتعلق برفع الحصار ، ومنها ما يتعلق بلإطلاق سراح المعتقلين . وقد آن الأوان لتثبت قوى المعارضة قدمها في الأرض وتقول : لن نخطو خطوة واحدة إلى مسرح جنيف ، ولا إلى غيره ، قبل أن تنفذ قرارت مجلس الأمن بكل الدقة والحسم ، ولتذهب إلى الجحيم كل الضغوط وكل محاولات الاستفزاز ..

يقول البعض : إن التهديد بالاستبدال قائم ، وإن المستعدون ليشغلوا موقع المستقيلين اليوم كثير . هذا مبلغ بعض الإداريين من العلم . أما حقيقة الثورة فكل اتفاق لا يوقع عليه الثائرون والممثلون الحقيقيون باطل ..باطل ..باطل ..

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

=============================

في يوم الطفل العالمي… إسطنبول شاهد عيان على طفولة سوريا المشردة .. إيهاب بريمو

القدس العربي

الاربعاء 22/11/2017

في أحد شوارع مدينة اسطنبول المزدحمة، تتجول فتاة سورية لا تتجاوز العاشرة من عمرها جيئة وذهابا منذ الصباح حتى المساء، حاملة أكياس «المحارم» وبعض قوارير المياه. ينتهي اليوم عندما يجتمع في يديها ما حصيلته مائة ليرة تركية «حوالي 27 دولارا»، لتعود إلى المنزل وتعطيهم لوالدتها.

 

طفولة بطعم التشرد

من الطبيعي أن تستدعي مشاهد الأطفال المتجولين و«المتسولين» التعاطف منّا، فكيف الحال لو كانوا سوريين، وأنت ترى معاناتهم التي لا تنتهي.

تشتري منهم مرة وتمازحهم أخرى، وتسأل عن عائلاتهم وظروفهم، فتنفتح الحكايات الحزينة حينا والمستفزة أحيانا للدوافع التي تجبرهم على سلك درب «التسول»، الذي بات سمة من سمات الأطفال السوريين في إسطنبول «للأسف».

هنا، في المدينة التي تحتضن الجميع، ترى العديد من أنماط الأطفال السوريين. الخجول والضعيف والصامت والمكسور والمزوح والـ «الوقح» أيضا.

لكن، في كل الأحوال، لا يمكن لوم الطفل المتسول على سلوكه، فما يقوله يتم تلقينه له من قبل أهله في غالب الأحيان، والذين عادة ما يقفون على بعد واضح من أبنائهم ليراقبوا أداء عملهم في «التسوّل».

وبعد مرحلة من تعاطف الأتراك والعرب والسوريين مع هذه الشريحة، انكشفت لعبة مهنة «التسوّل» التي يقودها الأب أو الأم في كثير من الأوقات، فخسر الطفل تعاطف الشارع معه، لاسيما مع الأساليب الفجّة و«الوقحة» التي باتوا يلجأون إليها. ودائما هناك الرواية التي باتت مكررة ولا تجدي نفعا في استجلاب التعاطف: «نحن نازحون من حلب، والدي مريض ونحن عشرة أخوة ويجب ان ندفع فواتير الكهرباء والمياه والغاز فضلا عن إيجار البيت».

يحدث هذا في الوقت الذي تعجّ فيه مناطق إسطنبول بالمطاعم والمحلات السورية، وتشهد الكثير من الأماكن نمط بذخ لا يستقيم مع «تسوّل» الطفل السوري. ولسان حال المارين يقول: هناك الكثير من الأثرياء السوريين وأنماط البذخ الواضح، فلمَ لا يساعدون أطفال بلدهم؟!.

 

على نواصي الشوارع … وفي مقاهيها

يعج المقهى بالزبائن الاتراك والعرب والسوريين. يدخل طفل في ربيعه الحادي عشر يحمل صندوقا فيه أكياس المحارم و بعض من الاكسسوارات والمسابح وغيرها. يبدأ بالتجول بين الطاولات، يكسب تعاطف البعض ويفشل مع البعض الآخر.

يدخل طفل سوري آخر «9 سنوات»، يقترب مني ويحادثني باللغة التركية، فأستفسر عن وضعه وأعرف أن أبويه يجلسان في البيت: أنا أحمد من حلب، يرسلني والدي مع أخوتي كل يوم للتسوّل وعلينا أن نجمع يوميا مئتي ليرة تركية وإلا سنتعرض للعقاب. يحاول شاب سوري يجلس على طاولة بجانبي استدراج الطفل ليعرف مكان سكنه واسم أبيه ليقدم شكوى عليه للشرطة، لكن «أحمد» هرب سريعا بعد أن عرفنا أن أمه أنجبت منذ أسبوع طفلا أسموه «سامر» وهو بحاجة إلى شراء الحليب والدواء له.

 

ظاهرة معقدة .. وحلول ممكنة

 

تتكاثر المنظمات والجمعيات التي تحصل على دعم وتمويل لمشاريعها لدعم الأطفال، لكن الغريب أنه يزداد تعدد «أطفال الشوارع» السوريين مع تزايد عدد تلك المنظمات!!.

ولفهم هذه الظاهرة تواصلت «القدس العربي» مع الدكتور طلال مصطفى وهو باحث في مركز حرمون للدراسات المعاصرة حيث قال: «تعد ظاهرة التسول من الظواهر الاجتماعية المرضية التي عرفتها المجتمعات البشرية كافة، بحيث نجد العديد من الأطفال يستعطفون الآخرين بشتى أنواع السبل، وتزداد نسبة أعداد التسول تبعاً للحالة الاجتماعية الاقتصادية للمجتمع، حيث نجدها عالية في المجتمعات المتصدعة التي تعيش حالة من الحروب كحالة المجتمع السوري».

ويضيف: تعد ظاهرة تسول الأطفال السوريين في اسطنبول من الظواهر الأكثر تعقيداً وتشابكاً، وإذا ما حاولنا بحثها وتحليل العوامل التي تقف وراءها، نجد طرقا وأشكالا من التسول، فهناك متسولون محترفون، ومتسولون ظرفيون. لقد أدى تردي الأوضاع الأمنية في سوريا الى هجرة العديد من الأسر السورية الى المدن التركية ومنها اسطنبول، ونتيجة غياب الضوابط الاجتماعية في مدينة كبيرة كإسطنبول بالنسبة لبعض الأسر السورية، وجدنا امكانية توجيه أطفالهم باتجاه الشوارع للتسول بين شوارع المدينة أو على اشارات المرور، ويحملون تقارير طبية، او زجاجات ماء او علب محارم لإخفاء ظاهرة التسول في جوهرها . أما عن الحلول فيرى الدكتور مصطفى أنه يكون بالرعاية الاجتماعية بتعاون المؤسسات التركية المختصة والمؤسسات السورية العاملة في اسطنبول، من خلال فرز أطفال التسول إلى أطفال محتاجين يتم مساعدة أسرهم ماديا وعينيا، وتحويل الأطفال غير المحتاجين مع أهاليهم إلى المؤسسات العقابية المختصة.

يحدث هذا في الوقت الذي يحتفل فيه العالم بـ «يوم الطفل العالمي» في 20 تشرين الثاني/نوفمبر من كل عام، من خلال أهداف تسعى لتعزيز الترابط الدولي، والتوعية بين الأطفال في جميع أنحاء العالم، وتحسين رفاههم.

كاتب سوري يقيم في إسطنبول

========================

على روسيا الاعتراف بخطئها والاعتذار للسوريين .. برهان غليون

العربي الجديد

الثلاثاء 21/11/2017

عندما دخل الروس إلى سورية، أثار تدخلهم الأمل عند قطاعات واسعة من الرأي العام السوري، بما في ذلك المؤيد للثورة، لأن سوريين كثيرين كانوا يعتقدون أن روسيا، بعكس الأسد وطهران، دولة بالمعنى الحرفي للكلمة، أي لديها، كأي دولة عريقة وراسخة، تقاليد تجعلها تستبطن في سلوكها الرسمي وعلاقاتها بغيرها، مهما كانت مواقف حكامها الظرفية، الحد الأدنى من المبادئ التي يفرضها الاشتراك في منظومة دولية واحدة، والتعامل مع دول ندّة وشعوب ذات حقوق معترف بها، وأحيانا بعض الاستقلال والسيادة، أو مفترض أنها كذلك. ومن هذه المبادئ احترام القوانين والالتزامات الدولية الأساسية التي لا يقوم من دونها أي نظام دولي، ويؤدي الاستهتار بها أو المبالغة في تجاوزها إلى تهديد الاستقرار وسيادة الدول والسلام العالمي. وهذا ما يدفع الدول إلى ضبط النفس، وتجنب ردود الأفعال العاطفية والانتقامية، ويعطي للدبلوماسية والبحث عن الحوار والمفاوضات والحلول العقلانية معنى. وهو أيضا ما يجنّبها التورط في أعمالٍ أو نشاطات ذات طبيعة إجرامية، ومخاطر الانجرار إلى سلوك العصابات أو العصبيات القبلية أو الطائفية اللاعقلانية وغير المحسوبة، ولا المقبولة سياسيا وأخلاقيا، من نوع أعمال الإبادة الجماعية أو استهداف المدنيين أو التضحية بشعب كامل من أجل تحقيق مصالح استراتيجية أو سياسية أو اقتصادية، مهما كان حجمها.

 

منطق الدولة ومنطق العشيرة

الدولة التي من صفاتها أن تحتكر العنف داخل حدودها، مسؤولةٌ، في المقابل، عن تقنين استخدامه داخل هذه الحدود، لكن أيضا خارجها، بعد أن أغلقت اتفاقية ويستفاليا في القرن

"ربما لم تخسر ولن تخسر روسيا الحرب في سورية عسكريا، أو ليس بعد، لكنها خسرتها سياسيا وأخلاقيا" السابع عشر عصر الاعتراف بشرعية الفتح والغزو، وضم المناطق وإلحاقها بالقوة، أي بحق القوة في التمدد، على حسب ما تسمح لها طاقتها وحدها، كما بنيت، في الماضي، جميع الإمبراطوريات والسلطنات البائدة. وقد حاولت هذه الدول، منذ ذلك الوقت، أن تنظم نفسها، وتضبط علاقاتها بعضها ببعض، على أسس قانونية أو عقلانية، فبلورت تقاليد وأعرافا، وأقامت مؤسسة كبرى دولية هي الأمم المتحدة التي زودتها، خلال أكثر من سبعة عقود، باتفاقيات ومواثيق دولية عديدة ملزمة إلى هذا الحد أو ذاك، لكن الموجّهة دائما، وهي التي أسّست لمفهوم الشرعية الدولية، أي حدود استخدام العنف في العلاقات الدولية وخارج المجال الوطني الخاص بكل دولة. وهكذا تقارب حقل العلاقات الدولية من حقل العلاقات الوطنية الداخلية. ونشأ نتيجة ذلك مصدران للشرعية، داخلي ودولي. فكما يحوّل الاستخدام المتكرر أو المفرط للعنف خارج إطار القانون أي سلطة "وطنية" قائمة إلى سلطةٍ جائرة، وينتقص من شرعيتها، وربما ينزع هذه الأخيرة عنها فتصبح سلطة باغية، يحول استخدام العنف المفرط خارج حدودها، وفي تعاملها مع الشعوب والدول الأخرى، خارج إطار الأعراف والتقاليد والقوانين، أي الاتفاقات والمواثيق الدولية المرعية، إلى دولةٍ مارقة، ويفقدها مزايا انتمائها إلى المجموعة الدولية، فيقود إلى تقليص مجال سيادتها وممارسة حقوقها في الحماية والتعاون الدوليين، وربما أدى إلى طردها من المنظومة، ومحاصرتها وشن الحرب عليها.

لا يعني هذا أن "القانون الدولي" هو الذي ينظم في عصرنا العلاقات بين الدول أو يصنعها. فلا تزال القوة العامل الحاسم في رسم خريطة هذه العلاقات وهندستها. لكنه يضيّق من هامش مناورة الدول الكبرى، ويضع في وجهها عراقيل كي لا تفرط في استخدام القوة، ويقدم للدول الأضعف مرجعية تعتمد عليها لإيجاد الحلول المتفاوض عليها في ما بينها أساسا، ومع الدول الكبرى. لا يمنع هذا "النظام الدولي" الذي لا يزال بحاجة إلى قوة مستقلة تحميه وتطبقه الدول القوية، وروسيا منها، من أن تنزع إلى استخدام القوة، بشكل مباشر أو غير مباشر، لتعظيم مكاسبها وتعزيز موقعها ومكانتها ودورها في وضع أجندة السياسة الدولية، ولا يستطيع أحد أن يحول دون ذلك، ما لم يملك هو أيضا قوة مماثلة، إلا أنه يساهم في وضع معايير لمجازاة القوة، وفي رسم حدودٍ للسماح باستخدام العنف والمراهنة عليه، لتحقيق مكاسب أو مصالح مادية أو استراتيجية، كما يفرض ثمنا، ماديا ومعنويا، لمثل هذا التطرّف في استخدام العنف، حتى عندما يصدر عن قوى كبرى أو دول قوية. ونتيجة ذلك، وفي حالاتٍ كثيرة، بدل أن يعجّل العنف الأعمى، كما يعتقد أصحابه، في حسم النزاعات وربحها، تزيد المراهنة عليه من تأجيجها. إذ يكاد يكون من المستحيل، في عصرنا الراهن، حيث أصبح العالم قريةً صغيرة كما يقال عن حق، وزاد الاعتقاد بوحدة المصير الإنساني ومساواة الشعوب الأخلاقية، النجاح في تسوية أي نزاعٍ من خلال تكبيد الطرف الآخر هزيمةً كاملة أو سحقه وإعدامه، كما كان يحصل في ما قبل نشوء الدولة الحديثة ومفهومها وتعميمها، وعلى قاعدة تطبيق قانون الصراع القبلي والطائفي والعصبوي. ليس هناك شعبٌ أو حتى جماعة صغيرة تقبل اليوم أن تعامل حسب هذا القانون، وتتخلى بإرادتها عن قانون السياسة ومنطق المساواة والعدالة والتفاوض على مصالح مشتركة ومتبادلة. هذه هي أعراف العصر وتقاليده المستمدة من مفاهيم الدولة والسيادة وحقوق الشعوب والجماعات الطبيعية والثابتة.

"بدل أن تنهي الحرب، كما يدّعي صانعوها، مدت السياسة الروسية الكارثية في أمدها، وحولتها إلى حربٍ لا مخرج منها"

 

سلام المقابر الروسي

ما تقوم بها موسكو في مشاركتها الأسد في حملته الصليبية ضد الشعب السوري، ودفاعها عن بقائه حتى آخر سوري، وحمايته من المساءلة عن الجرائم الكبرى والمتواصلة التي يرتكبها هرباً من العدالة المحتملة، لا يقوّض صدقية الدولة الروسية، بوصفها دولةً تنتمي إلى الأمم المتحدة وقيم العصر وسياساته فحسب، وإنما يجعلها تخسر معركتها الكبيرة، من أجل استعادة دورها قوة عالمية وشريكاً إيجابياً وأساسياً في ترتيب الأوضاع الدولية، وضمان الاستقرار العالمي والأمن الدولي الجماعي.

موقف روسيا في سورية، واندفاعها الكبير والحماسي لكسر إرادة الشعب السوري والفت من عزيمته، وحرمانه من حقه في انتزاع حريته، في مواجهة نظام قاتل عزلته المجموعة الدولية برمتها، قد عرّاها تماما أمام نفسها والعالم، ولم يخدم قضيتها. وأنا متأكد من أنها ستخرج من المحرقة السورية، التي نظمها الأسد لشعبه ولشعوب المنطقة، انتقاما لمطالبته بالرحيل عن الحكم، والتي انخرطت موسكو فيها معه، انتقاما من الغرب وتهميشه لها، واستبعادها من مائدة تقاسم مناطق النفوذ في العراق وليبيا، أضعف مما كانت عندما دخلت فيها، وأكثر عزلةً وهزالا سياسيا وأخلاقيا. وبدل أن يخدمها استعراض القوة ضد الشعب السوري الأعزل، واختبار أسلحتها الجديدة وقوتها العسكرية والنارية المتزايدة، على جسد الأطفال السوريين الأبرياء، لإعادة موضعة نفسها قوة عظمى، وانتزاع تأييد الشعوب الضعيفة والفقيرة التي تتطلع إلى قطبٍ يعينها على مواجهة سياسة الغرب التسلطية، والجائرة أيضا، على مستوى العلاقات الدولية، سوف يزيد الدور السلبي واللاإنساني واللاأخلاقي الذي قامت به في سورية من عزلتها، ومن تشكيك الشعوب والدول بها وخوفها منها، وربما التطلع من جديد إلى الحماية الغربية والتمسّك بها كأهون الشرين.

ما تقوم به روسيا، منذ بداية الثورة السورية والأزمة التي ولدت منها، والرهان الوحيد الذي وضعته على الأسد سياسيا، وعلى العنف وسحق الطرف الآخر بكل الوسائل، واستخدام جميع المبرّرات وعدم الاعتبار لأي قيمة إنسانية أو قانونية، أو لأي مبدأ أو عاطفة، قد أفقدها أي شرعيةٍ لتمارس دور الوسيط في النزاعات الدولية، فما بالك بدور المخلص والمسهل والمنقذ، وحولها إلى قوة احتلال من النوع ذاته الذي يمثله احتلال الأسد وطهران مدن سورية ومناطقها المختلفة.

كيف يمكن لدولةٍ تستميت في الدفاع عن مجرمين متهمين علنا بارتكاب جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، وتعطل القانون الدولي والإجماع العالمي من أجل حمايتهم، أن تكون وسيطا في مفاوضات الحل السياسي في سورية، أو أن تستفرد بصناعة هذا الحل؟ وكيف يمكن لها أن تساعد على إيصال الأطراف إلى حل ممكن ومقبول من الجميع، إذا كانت لا تترك فرصةً، ولا مناسبةً، من دون الإفصاح عن عدائها لأي حل يضمن للشعب السوري التمتع بالحد الأدنى من حقوقه الطبيعية، واصطفافها وراء نظامٍ أعلن الحرب على شعبه، وقوّض الدولة ودمر مؤسساتها، واستبدل بها مليشيات طائفية محلية وأجنبية لمحاربته؟

وكيف يمكن لدولةٍ استخدمت الفيتو عشر مراتٍ لتعطيل قرارات الأمم المتحدة في المسألة السورية، ورفضت أي قرارٍ لا يضمن بقاء الأسد ونظامه الدموي في السلطة، ووقفت ضد إرادة السوريين أو أغلبيتهم، وإرادة المجتمع الدولي ذاتها، أن تدّعي العمل من أجل سورية ومصلحة شعبها، ولصالح السلام والاستقرار والأمن الإقليمي والعالمي؟

"دولة تستميت في الدفاع عن مجرمين متهمين علنا بارتكاب جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، وتعطل القانون الدولي"

بدل أن تنهي الحرب، كما يدّعي صانعوها، مدت السياسة الروسية الكارثية في أمدها، وحولتها إلى حربٍ لا مخرج منها. وبدل أن ترتقي بأسلوب معالجتها، كما كانت تحلم، إلى مصاف الدول الكبرى، الصانعة للسلام، وتحظى بالصدقية والمكانة الدولية التي تنشدها، وضعت نفسها، بدفاعها المستميت عن عصابة قتلة، وسعيها الدائب إلى التغطية على جريمة الإبادة الجماعية، في موقع المتهم، وتحولت إلى شريك رئيسي في المسؤولية عنها.

 

دبلوماسية لافروف المستعجلة

ربما لم تخسر ولن تخسر روسيا الحرب في سورية عسكريا، أو ليس بعد، لكنها خسرتها سياسيا وأخلاقيا. خسرت أولا معركتها للعودة الظافرة من الباب السوري إلى المجتمع الدولي دولة فاعلة وقادرة على تحقيق السلام، ومدعومةً بتعاطف قطاعاتٍ من الرأي العام، ومن الشعوب التي ملت سياسات التمييز الغربية. والسبب ببساطة أنها انساقت وراء أهواء الانتقام سياسة دولية إيجابية، واعتبرت أن مقارعة الغرب الذي أهانها واضطهدها منذ عقود طويلة، ولا يزال يسعى إلى محاصرتها، واستبعادها من دائرة النفوذ الدولي، وهذه حقيقة، يبرّر لها كل شيء، بما في ذلك تدمير أوطان شعوب أخرى، وإبادة ساكنتها، ويعفيها من أي مسؤولية. جرت وراء وهم السياسة ذاتها الذي دفع طهران من قبل، في سعيها إلى فكّ الحصار عنها، إلى اجتياح الدول المحيطة بها وتدميرها وتفكيك نسجها الوطنية، على سبيل استعراض القوة وإقناع الغرب الذي يحاصرها بمقدرتها على تهديد مصالحه الكبيرة الموجودة فيها، وبتحويل هذه الدول إلى أرضٍ خراب، وساحات مشرعة للفوضى والعنف والدمار والإرهاب.

ولو خفف وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، من غلوائه وعنجهية خطابه، وغلب منطق الحكمة على روح التحدّي والانتقام، وحاول أن يتفهم، بالحد الأدنى، قضية الأطراف السورية الأخرى، وينظر في مصالحها وتطلعاتها، ربما كانت روسيا قد حققت أهدافها، ونجحت في وضع حدٍّ للحرب، وتجنب الكارثة السورية منذ سنوات طويلة، وجنّبت أيضا السوريين والعالم نتائجها. ومهما كان الحال، ما كانت روسيا ستجد نفسها في المستنقع العسكري والسياسي والأخلاقي الذي تجد نفسها فيه الآن، رهينة الحسابات الشيطانية للبابوية الإيرانية ومشاريعها القروسطية المتجدّدة، ولا لهلوسات "رئيس" دموي ونظام أمني همجي.

ليس من المقبول لدولةٍ كبرى بحجم روسيا، وهي دولة قوية، وتقع عليها، بسبب هذه القوة بالذات، مسؤولياتٌ دوليةٌ جسيمة، أن تسمح لنفسها بأن تتورّط، مهما كانت الحسابات، في التضحية بشعبٍ كامل، وتدمير وطنه ومستقبله، ولا أن ترهن قوتها، مهما كان الثمن أيضا، للدفاع عن مجرم حربٍ صغير، وحماية عدو للإنسانية من أي مساءلةٍ قانونية أو محاسبة سياسية أو عدالة.

ليست سورية وحدها، بما فيها من حضارة وشعب، هي التي ذهبت ضحية جنون القوة وعرس الدم اللذيْن استبدا برئيسٍ أحمق، ومدّعي أبوية جديدة موهومة ومزيفة في طهران، اكتشف للتو سطوته السياسية، مسكون بهاجس الشهادة والموت والنصر الإلهي.

روسيا أيضا وقعت في الفخ. وهذه هي لعنة سورية التي ستلاحق الجميع، من شارك ومن أيد ومن صمت أو اختار الهرب من المسؤولية والنأي بالنفس.

========================

سورية في مهب الاتفاقيات .. فاطمة ياسين

العربي الجديد

الثلاثاء 21/11/2017

أضحت الأخبار القادمة من شرق سورية قليلة جداً، فالجيوب المتناثرة التي بات تنظيم الدولة الإسلامية ينكمش فيها لا تحمل أسماء مدن شهيرة. وبدلاً عن ذلك، قفزت إلى صدر نشرات الأخبار صورةُ الرازحين تحت نيران القنابل في ريف إدلب، وأخبار الجوعى بسبب الحصار المفروض في ريف دمشق.

أما الخبر الأبرز فهو الاتفاق الروسي الأميركي الذي يوحي بأن الجانبين تأكّدا بصورة قاطعة أنهما أصبحا على مسافة أمان كافية من تنظيم الدولة الإسلامية، ويحق لهما التمتع بترف الانتصار، وتوقيع اتفاق يحسم المرحلة التالية. وهذه هي سيطرة لجيش النظام على جزء كبير من سورية، برعاية روسية في بعض الأماكن، وإيرانية في أماكن أخرى، مع وجود أميركي جدير بالاعتبار في مناطق كردية، تشمل الرقة وجزءاً كبيراً من ريف دير الزور الشمالي والشرقي. ومن جانب آخر، تمكّنت مليشات حزب الله والحشد الشعبي من الالتقاء والمصافحة في مدينة البوكمال الحدودية. في ظل هذا المشهد، وُقِّعَ اتفاق من ثلاث نقاط، يلخص الخطوات القادمة ويرسم ملامح سورية. وليس هذا الاتفاق هو الأول، فقد تم التوافق فيما سبق بين أطراف أخرى على بنود مختلفة، لكن هذا الاتفاق يأتي نهاية مرحلة، تتوج بتوقيع وثيقة نصرٍ على التنظيم الإسلامي المتطرّف.

نقاط الاتفاق الثلاث تقول بعدم وجود حل عسكري، وتؤكد على وحدة سورية وسيادتها، وتشير إلى متابعة عملية جنيف، وهي عناوين عريضة جداً تستوعب متغيراتٍ لا تُحصى، وبحاجة إلى الدخول في تفصيلات كل بند، وخصوصا قرار مجلس الأمن 2254 الذي يحمل أكثر من شيطان في داخله، ويمكن أن يأخذه أي طرفٍ رهينةً معه، ومهما كان تفسير هذا القرار فمعطيات الأرض الحالية لا بد أن تؤخذ بالاعتبار مع كل المتغيرات المصاحبة لها، وما تركه تنظيم الدولة الإسلامية وراءه من بقاع خالية، بإمكان الحكومة العراقية ونظام الأسد أن يملأا هذا الفراغ، وهو فراغ أمني بحاجة إلى عدد كبير من العناصر والمعدات العسكرية، ويشكل تحدياً ينذر بعودة التنظيم مرة أخرى للظهور وبطريقة أكثر تطوراً.

والسؤال: أين سيتكرس الحل المفترض؟ في جنيف حيث دعا المسؤول الأممي عن الملف السوري، ستيفان دي مستورا، إلى جولة جديدة هناك؟ أم في سوتشي، حيث تصر روسيا على عقد مؤتمر موازٍ، وترغب أن يكون موسعاً جداً؟ قد يبدو المكان تفصيلاً غير مهم، لكنه في الواقع بيت القصيد الذي يرغب الجانب الروسي أن ينشده، ليخرج الحل المنشود حسب الرؤية الروسية، وقد أنفق هذا الجانب حتى الآن من رصيده السياسي أحد عشر "فيتو" في فترة قصيرة، وهو ثمنٌ سياسي باهظ، فضلاً عن حملات القصف الجوي الطويلة وعشرات الجنود الروس القتلى في ساحات المعارك.

لم تستطع روسيا حتى الآن إحكام قبضتها على الجغرافيا السورية، فهي تأخذ ما يسمح لها الجانب الأميركي بأخذه. والملاحظ أن أميركا لا تبدو راغبةً بأكثر من حليف محلي صغير (يمثله الكرد) يمكنها أن تكبح طموحه، ويؤمن لها مطاراً تستطيع أن تقلع منه طائراتها، ويعوّضها عن قاعدة جوية في "إنجرليك"، يمكن لتركيا أن تغلقها في أي وقت، وعن الحاجة إلى قوات الناتو التي تشاركها فيها.

"حفلة الهجوم على المكاسب" هي عنوان المؤتمر المقبل، ما يعني أنه سيشهد توزيع جوائز ترضية، ولا توجد جائزة كبرى لأي طرف، وهذا سيؤمن تسويةً مؤقتةً قد تطول وقد تقصر، وليس قاعدة مستقرةً يمكن الانطلاق منها إلى ملف الإعمار، وهو طموح من نوع آخر، يجب أن نتحدث قبله عن تفريغ سجون الأسد من المعارضين ومعتقلي الرأي، وهي ورقة يحتفظ بها النظام. لذلك، المؤتمر كله، وبغض النظر عن مكان انعقاده، سيشكل محطة انتظار حتى ظهور متغيرات جديدة، قد يكون تَشَكُّل تنظيم متطرف جديد وانتشاره أحدها.

========================

مقتل الصحافة في مجزرة الأتارب .. ميسون شقير

العربي الجديد

الثلاثاء 21/11/2017

قال إدموند بيرك: "ثلاث سلطات تجتمع هنا تحت سقف في البرلمان، ولكن هناك في قاعة المراسلين تجلس السلطة الرابعة، وهي أهم منكم جميعاً". وبهذا، أكد على قدرة الصحافة الخطيرة والمدهشة على تغيير السياسات، وعلى هز مطلقية السلطات الثلاث الأساسية.

ولكن ما لم يكن من المتوقع في هذا القرن، وبعد الثورة المعلوماتية الهائلة، وبعد ثورة عالم التواصل والصورة، وصحافة الإنترنت، وبعد وجود "يوتيوب" و"فيسبوك"، وبعد القدرة المذهلة على إيصال الصورة في لحظة الحدث نفسها إلى العالم كله، أن تبقى الصحافة الأوروبية، أو العالمية، بكل مؤسساتها المرئية والمسموعة والمقروءة، عاجزة عن إيقاف المذبحة المستمرة في سورية منذ ست سنوات، بشكل يومي ولحظي، تجاه أحد أقدم شعوب الأرض، ومجتمع كان مهيأ ليقود أهم نهضة عربية، كل ذنبه أنه أراد أن يعيش الديمقراطية والعدالة الاجتماعية ومبدأ تكافؤ الفرص الذي تعيشونه أنتم في دول العالم الأول.

عرّت الكارثة السورية تماما مدى فشل مقولة "أن الصحافة هي السلطة الرابعة"، أو هي "السلطة الأقوى"، وجعلتنا نعود ونعرف أن الصحافة "سلطة لكن بدون مخالب"، وتابعة، بشكل أو بآخر، للمؤسسات السياسية والاقتصادية، وأنها لم تستطع الانفصال عنها إلا نسبيا. وهذه الطائرات الروسية تقصف سوقا شعبيا لمدنيين في مدينة الأتارب السورية، وتصنع مجزرة كاملة من الأطفال والنساء والشيوخ، فاق عدد شهدائها الخمسين، وجرح مئتان، ولا يمر الخبر في الصحافة العالمية، ولا في التلفزات الأوروبية، وإذا مر، فبشكل خجول وباهت، كأن الذين استشهدوا دمى، أو أناس من كوكب آخر، وموتهم هكذا دفعة واحدة مجرد خبر مزعج قليلا، تتحاشاه معظم وسائل الإعلام العالمية.

كنا، نحن السوريين الذين استقبلنا كل شعوب الأرض، نعتقد أن ما حصل في الحرب العالمية، وفي الهولوكوست، وبعدها في فلسطين، من مجازر أخرى لم تكن صورها قادرة على الوصول طازجة، على غير أمر صورة المذبحة السورية ومقاطع الفيديو، تصل ومنذ ست سنوات، والدم لا يزال يقطر من حوافّها، ويغطي شاشات العالم. ومع كل هذا الدم، لم تستطع الصحافة أن تجعل شعوب دول العالم الأول تخرج إلى الشارع، وتفرض على حكوماتها التحرّك لإيقاف هذه المجزرة. وليس فقط هذا، بل المفاجئ أن عمق الفكر الديني، أو العرقي، أو العنصري، لم يزل أعمق لدى إنسان دول العالم الأول، من العمق الانساني، فصور "داعش" المجهزة أثرت في كل أوروبي، وهي طبعا لا يقبلها أي عقل أو أية روح إنسانية، لكنها أثرت في الصحافة العالمية، وفي الرأي العام العالمي، أكثر بكثير من مئتي ألف صورة لنشطاء مدنيين قتلهم الأسد في سجونه، وقد أوصل "قيصر" إلى العالم الهولوكست في سجن صيدنايا، وإثبات إعدام أكثر من خمسة عشر ألف معتقل مدني. ومع هذا، لم يتغير شيء، لم يستطع أي تأثير إعلامي إلى الآن أن ينقذ أي معتقل يمكن أن يموت في أي لحظة، أو هو يموت الآن تحت التعذيب، ونحن نتحدّث هنا، في المؤتمرات الإعلامية والصحفية، يموتون بكل بساطة، مثلما أعدم تحت التعذيب الصحفي والإعلامي وناشط الإنترنت، باسل الصفدي، الذي صنّفته أميركا بأنه من أهم عقول العالم. وكما مات باسل شحادة تحت الصواريخ، لأنه كان يريد أن ينقل الحقيقة، وكما اغتيل ناجي الجرف، لأنه فضح النظام، وفضح "داعش"/ أي الوجه الآخر للنظام في سورية، وفزّاعة العالم.

كان على الصحافة والإعلام العالمي أن يناقش أزمة "الأخلاق"، وهي أزمة "إنسانية"، وليست أزمة اللاجئين والاندماج. الأزمة هي صمت العالم اليوم عن مجزرة مروعة لا تحتمل، وصمته عن موت مليون شخص في هذا القرن. هذه الأزمة وشم سيبقي، مهما أقام الإنسان على هذه الأرض، ومهما أقام من أبراج عالية، وتقنيات مرعبة، سيبقى ندبا أسود في جبهة البشرية

مجزرة الأتارب اليوم جعلت السؤال الذي يجب أن يسأل: الصحافة إلى أين؟، وما هي الصحافة؟، هل هي مجرد البحث عما يثير أكثر؟. وبالتالي، يتحول فعل الموت والظلم إلى فعل اعتيادي تحيده الصحافة، مثلما فعلت مع القضية الفلسطينية، أو تقتله بتمديده وتمييعه كما يُطلب منها، لكي يقلّ غضب الناس من صورة ما تقلع العيون، وهذا ما يجعل الصحافة، إذا كانت كذلك، مفهوما كارثيا، لن يقدّم للحقيقة إلا موتها في نفسها.

========================

كيف ينقذ السوريون ما تبقّى من أرواحهم؟ .. يحيى العريضي

العربي الجديد

الثلاثاء 21/11/2017

فَرِحَ بعض السوريين لاستخدام الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، "الفيتو" العاشر لحماية نظام بشار الأسد. وحزن آخرون حزناً شديداً؛ فهناك مَن يحمي الذي قتلهم ودمّر حياتهم. ذلك هو التقسيم الحقيقي؛ إنه في الأرواح، لا في الجغرافيا أو الملّة. هناك مَن يزوّر مستخدماً "حق القوة الغاشمة"، لا "قوة الحق الخيّرة"، ليزيد انقسامهم. يفعل ذلك لا ليحميهم، بل ليحمي قاتل أهلهم؛ ومستعدٌّ أن يقتلهم في اليوم التالي، إذا هم أصبحوا مثل إخوتهم وأهلهم. بوتين مؤقت في سورية، وكذلك سلطة الإستبداد التي يحميها. "الأبدية" انتهت إلى غير رجعة منذ العام 2011. تبقى أرواح السوريين المكلومة التي تحتاج إلى ترميمٍ، بدايته التيقن من أن منظومة بوتين الإستبدادية ومنظومة الأسد الإستبدادية شريكان، شعب سورية المختلف على الضفتين ما هو شريك لهما، ولا لإيران أو تركيا أو السعودية أو أي جهة أخرى.

لم يكن وجود السوريين أو بقاؤهم بالميزان كما هو اليوم؛ خصوصاً أن آخر هموم العالم حياتهم وحياة بلدهم. اليوم، واضح أن السوريين مختلفون في كل شيء، وعلى كل شيء، وحول كل شيء. لن أتعمق في بحث الأسباب؛ لأن ذلك سيعمق ويعقد ما يمكن أن يتم ترميمه من أجل عودتهم وعودة بلدهم إلى الحياة. سأنظر في أوجه الاختلاف، في مواضيعه، في زوايا الرؤية؛ وفي البحث عن طرقٍ للحد أو التخفيف من الفجوات بينهم؛ كي يلملموا ما تبقى من أرواحهم.

هناك الخلاف الكلّي في مواضع، والنسبي تجاه أخرى؛ وهناك قضايا لا خلاف عليها بينهم، كيفما وأينما كانت أو تموضعت زاويا رؤيتهم. أرى أنه إذا جعلنا من الصنف الثالث (أي النقاط التي لا خلاف عليها) أهدافاً لا بد من تعزيزها والبناء عليها؛ ومن النقاط التي عليها اختلاف نسبي قضايا لا بد من التركيز عليها بحثاً وتفكيراً وتمحيصاً، لإجلاء غيومها وكدرها وتدرناتها المصطنعة؛ ومن تأجيل نقاط الخلاف الكلي إلى لحظة قوة السوري وتعافيه، وتسلحه بمزيدٍ من نقاط التفاهم؛ نكون قد ساهمنا بعودتنا جميعاً وبلدنا إلى الحياة.

"لا يختلف سوريان على أن لا قيمة للإنسان بلا كرامة؛ وأن الوطن جزءٌ أساسي من كرامة الإنسان"

لا يختلف سوريان على أن لا قيمة للإنسان بلا كرامة؛ وأن الوطن جزءٌ أساسي من كرامة الإنسان؛ وأن سجن السوري ليس وطناً ولا المقبرة وطناً، ولا تركيا أو لبنان أو الأردن أو أوروبا وطناً له. ما من سوري يريد أن يرى مَن يتحكّم بقرار الموت والحياة والسيادة في سورية سعودياً أو إيرانياً أو قطرياً أو أفغانياً أو أميركياً أو روسياً أو لبنانياً أو عراقياً أو أوروبياً. وبالتأكيد، حتى الموالون للعظم لبشار الأسد، لا يريدون أن يكون سيدهم ومن حوله مجرمي حربٍ، يُساقون إلى المحاكم الدولية، لأنهم رأوا أن بقاءهم يستلزم إلغاء الآخر. ليس هناك من سوري لا يتمنّى أن يتحرك بحرية وأمان في كل بقعة من أرض سورية.

يختلف السوريون في موقفهم تجاه الخارجي الذي تدخل في بلدهم؛ تتناقض سردياتهم تجاه الآخر تناقضاً مطلقاً: يرى بعضهم في تدخل حزب الله مهمة مقدسة كجزء من "المقاومة والممانعة" للوقوف في وجه "المؤامرة الصهيونية التركية الأميركية الخليجية" التي تستهدف النظام "المقاوم والممانع"، وظهير المقاومة التي تقف في وجه إسرائيل. ويرى هذا الفريق في التدخل الإيراني والروسي الهدف ذاته. وفي الضفة الأخرى، هناك من يرى أن كل تلك التدخلات لحزب الله وإيران وروسيا كانت من أجل الحفاظ على نظام قاتل مستبد، لا يقبل أن يقول له أي مواطن سوري "لا".

يختلف السوريون، وينقسمون إلى ضفتين متناقضتين تجاه معالجة ما حدث وأسبابه، وطرق معالجته. لا أحد في ضفة النظام ومع سرديته يقبل بأن النهج العنفي الذي اختطه النظام لنفسه في ردع الحراك السوري السلمي وقمعه في أوله لم يكن مناسباً، ولم يكن مبرمجاً، لأن النظام في عقيدته الأساسية مبني على المواجهة الدموية مع أي تحدٍ داخلي يواجهه. ولا أحد من هؤلاء يقبل بأنه لم تكن هناك مؤامرة سعودية- تركية صهيونية – أميركية على ضرب سورية. عندما كثّف النظام حال من يقاومه بمقولة "الإرهاب"، وساق بها لتلتقي مع الهاجس العالمي من الإرهاب، اشترى هؤلاء المقولة، وساقوا بها وكأنها منزّلة. كان ذلك بالنسبة لهم وصفة إعجازية سحرية، دفعت العالم للاختيار بين نظام سيدهم والإرهاب. أضحت تلك المواقف وتلك السرديات صخوراً متكلسةً يصعب تفكيكها. إن ركز السوريون على الخوض في هذه المسائل، لن يصلوا إلى أية حلول داخلية؛ بل سيزداد الشرخ، وستكون شرذمة بلدهم تتم بيدهم، لا بيد أحد.

من هنا، لا بد من الارتحال قليلاً نحو ضفة الآخر. هناك من هم بين الضفتين؛ أحياناً يُطلق عليهم صفة الرماديين؛ لا ينجو هؤلاء من تقريع سكان الضفتين. من هنا، لا بد بعد محاولة اقتراب الضفاف من بعضها بعضاً من أن يتم التركيز على ما لا خلاف عليه. لا يأتينا الروس محتلين، لو لم تكن هناك إرادة ما عند صاحب البقاء على كرسي الدم، حتى لو زالت سورية؛ وهذا لا مصلحة لأحد به. ولا يتراخى الأميركيون الطامعون بإضعاف بلدنا من أجل إسرائيل مع الروس، لو لم يكونوا على ثقةٍ بأن الروس سيقومون بما يتمنى الأميركيون أنفسهم القيام به، لو لم يتبرّع الروس لأغراضهم وغاياتهم القيام به. وما إيران مغرمة بأمننا والحفاظ على أرواحنا أمام مطامحها بنشر أفكار الثورة الإسلامية. ولا تركيا مغرمة بالسوريين، لتقف هذا الموقف، فهاجسها الكردي فوق كل اعتبار لحياة أي سوري. وما الدول العربية بذاك الإيثار تجاه حياة سورية وأهلها لتقف هذه المواقف منّا؛ كان هاجسها إعطاء دروس لشعوبها، وجعلنا

"لا يأتينا الروس محتلين، لو لم تكن هناك إرادة ما عند صاحب البقاء على كرسي الدم، حتى لو زالت سورية" ممثلة يُتَّعظ بها. ما معنى تلك الحنيَّة الإسرائيلية على جرحى الثوار، ليعودهم بنيامين نتنياهو في مشافي إسرائيلية أُسعفوا إليها؟ هل فكرنا بكم كان فاعلاً بالنسبة لإسرائيل ذلك الشعار الوحشي الذي أطلقه النظام: "أحكمها أو أدمرها"؟ من هو الأسد ليكون "هو" أو "سورية"؟ هل فكر من هم على ضفته بأن من المستحيل أن يكون إنسان أغلى من ثلاثة وعشرين مليون إنسان ومن بلدهم؟ متى كانت ثلة لا يتجاوز عددها المئة معظمها قاصر معرفياً، وحتى أخلاقياً، لتنطق باسم مَن نشدوا الحرية ووقف الاستبداد والدكتاتورية؟ كما التونسي أو الليبي أو أي قاعدي أتى ليقيم مملكة الله في سورية، لا مكان له فيها؛ لا مكان لمليشيات حزب الله وإيران وطائرات بوتين التي تدمر مدارسنا ومشافينا.

لا منطقة رمادية في سورية، ولا محايدة تجاه القتل والدمار من أي جهةٍ كانت، وخصوصاً من طائرات ومدافع وصواريخ، دفع السوريون دمهم ودموعهم لشرائها، لاسترداد حقوقهم المغتصبة من إسرائيل. لا يحق لنظام أن يوقع على صك استسلام لبوتين، لكي يبقى في السلطة. لن ينجي بوتين النظام ولا الموالاة، ونلاحظ أن مجرد انحسار تغطيته الجوية يكون الاندحار والهزيمة أمام الآلة الحربية الأخرى. لا يريد السوري الذي تهمه كرامته ووطنه وعودتهم إلى الحياة كل هؤلاء.

صحيح أن السوريين مختلفون. ولكن لا بد لما يجمعهم ولعقولهم أن تكون أقوى مما يفرّقهم. لو كان بشار الأسد، ومن يختبئ في ظلاله، قابلين للبقاء بعد كل ما حدث ليبقوا، ولو كانوا إلا استمراراً للنزف السوري ليبقوا، ولو كانوا إلا مصدراً لعار أبدي ليبقوا، ولو كان هاجسهم أي شيء إلا البقاء، حتى ولو عم الدمار (شعارهم يروي الحقيقة: "نحن أو الدمار") ليبقوا. لكن ذلك مستحيل؛ لأنه الوصفة الأنجع لاستمرار المأساة والضياع الأخير. بقدر خلافاتهم وتباعدهم، وبقدر الدم والدمار، يمتلك السوريون من الصفح والسماح، والقدرة على التفكير بسمو أمام الهدف الأكبر (عودة سورية وأهلها إلى الحياة الكريمة) ليقولوا كلمتهم، وليوقفوا كل قول.

========================

تغيرات الصراع السوري وموقف المعارضة الحرج .. ماجد كيالي

الحياة

الثلاثاء 21/11/2017

منذ البداية، أي منذ انطلاق الثورة السورية (آذار/ مارس 2011)، وعلى مدار ستة أعوام، شهد الصراع السوري تغيّرات، أو منعطفات عديدة، كان لكل واحدة منها سماتها وأدواتها وخطاباتها وتداعياتها الخاصّة، سيما أن الحديث يدور عن ثورة عفوية، وعن افتقاد السوريين كيانات سياسية جمعية، أو تجارب كفاحية سابقة، وعن واقع شديد التعقيد ومفتوح على مصراعيه على التدخلات الخارجية.

في هذا الإطار قد يمكن تعيين تحولات الصراع السوري بعديد من النقلات، التي تجسّدت: أولاً في التحوّل من الثورة الشعبية السلميّة ضد النظام، في الأشهر الأولى، ضمن معادلة شعب أو أغلبية الشعب ضد النظام، إلى حصر الصراع في المواجهات المسلحة، التي يتحمّل النظام مسؤوليتها بسبب إصراره على الحل العسكري، وإدخاله قوى خارجية (ميليشيا «حزب الله») في هذا الصراع، خاصة منذ صيف 2012. ثانياً، بدخول قوى أخرى، وخلق طبقات، ومعادلات أخرى للصراع، نتيجة بروز تنظيمات إرهابية، وذات أجندة خارجية تختلف عن أجندة الثورة السورية المتعلقة بالحرية والمواطنة والديموقراطية، مثل «داعش» و «جبهة النصرة» وأخواتهما من جهة، وقوات «الحرس الثوري» الإيراني و «حزب الله» اللبناني وألوية زينبيون وفاطميون ونجباء وعصائب الحق وأبو الفضل العباس وغيرها من ميليشيات طائفية ومذهبية عراقية وباكستانية وأفغانية من جهة أخرى. ففي خضم هذه المرحلة، التي تجسّدت منذ صيف العام 2014، تمت إزاحة أهداف الثورة جانباً، وتغليب الصراع العسكري، واضفاء طابع طائفي وديني على الصراع الدائر، بحيث نجم عن كل ذلك تشريد ملايين السوريين وتدمير عمرانهم. ثالثاً، بدخول روسيا مباشرة كطرف فاعل في الصراع العسكري في سورية (أيلول/ سبتمبر 2015)، الأمر الذي ساهم بمنع انهيار النظام وتعويمه، وتمييع مفاوضات جنيف، وكما شهدنا فإن هذا الوضع أدى، أيضاً، إلى تغير معادلات الصراع السوري، بإعادة تموضع القوى فيه، وهو ما تمثل بتوافق روسيا وإيران وتركيا على مسار آستانة وعلى خطة «المناطق المنخفضة التصعيد»، بدءاً من مطلع العام الحالي.

وربما أننا الآن إزاء المرحلة الرابعة من الصراع السوري، مع هزيمة «داعش» والمنظمات الإرهابية في سوريا (والعراق)، ومع التحول التركي نحو إيجاد توافقات مع روسيا وإيران بخصوص المسألة السورية، وهذا ما قد تفصح عنه نتائج القمة الثلاثية المرتقبة غداً (22 الشهر)، في سوتشي، والتي دعا إليها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وسيشارك فيها الرئيسان التركي رجب طيب أردوغان والإيراني حسن روحاني.

على ذلك، وبعد كل هذه التجربة، وكل هذه التحولات، قد يجدر التنويه هنا إلى بروز مسألتين: أولاهما، أن الوضع الصراعي في سورية لم يعد يشتغل وفق معادلة ثورة في مواجهة نظام، إذ باتت ثمة طبقات أخرى في الصراع. فحتى مع إزالة الطبقة المتعلقة بالصراع ضد القوى الإرهابية ثمة الطبقة الأخرى المتعلقة بالصراعات الدولية والإقليمية على سورية، التي باتت هي المقررة في مآلات الصراع الدائر، بحكم ضعف الثورة السورية، وغياب بعدها الشعبي (بعد تشرد الملايين)، وبواقع ارتهان أو اعتماد معظم كيانات المعارضة السياسية والعسكرية على الأطراف الخارجية. وثانيتهما، تغيّر تموضع الأطراف الدولية والإقليمية الفاعلة في هذا الصراع، وخاصة التحوّل الرئيس، والمؤثر على المعارضة، وعلى مستوياتها، والمتمثل بانتقال تركيا من التخاصم أو التنافس إلى التوافق أو التنسيق مع كل من روسيا وإيران، سيما بعد أن أضحت المسألة الكردية هي الشغل الشاغل لتركيا، وليس دعم ثورة السوريين أو دعم المعارضة لإسقاط نظام الأسد، لأسباب رؤيتها لذاتها ومكانتها ومصالحها وأمنها.

القصد أن ما قبل التوافق الروسي- التركي- الإيراني، الذي قد يترتب في قمة سوتشي، ليس كما بعده، مع معرفتنا بمدى التأثير التركي على الثورة السورية، وعلى طابعها وأشكال عملها وتموضع كياناتها. والقصد أيضاً أن أوساط المعارضة السورية، بكياناتها السياسية والعسكرية والمدنية، وبغض النظر عن العواطف والرغبات، معنيّة بعدم تجاهل المتغيرين المذكورين، أو الاستهانة بتأثيراتهما، بل إنها معنية بالتصرّف على أساس إدراكها لهما، مع محاولة إيجاد التقاطعات، وبناء المعادلات التي تخفف من وطأتهما عليها، باعتبار أنها معنية أساساً بتحقيق تطلعات الشعب السوري، وليس بأي اعتبارات أخرى لا تفضي إلى ذلك.

والفكرة هنا أن المعارضة السورية باتت إزاء وضع جديد ومعقد وحرج، فإما أن تراجع تجربتها، وتدرس التحولات الحاصلة فيها، بطريقة نقدية، لتأهيل ذاتها، وتطوير أوضاعها، ما يمكنها من تدارك ما يحصل، وهو ما لم تقم به حتى الآن. وإما أنها ستجد نفسها مضطرة، بإرادتها، أو رغماً عنها، للتكيف مع الواقع الجديد، ومسايرته، وهو ما حصل في تجربة سابقة، في رفض مسار آستانة ثم القبول به (لمن يتذكر)، وبالتالي المساهمة في إضعاف مسار مفاوضات جنيف (المتأسس على بيان جنيف -1)، وهو ما يخشى أن يتكرر مع مسار سوتشي في قادم الأيام، ما يعني الانزياح عن أهداف الثورة، وتقويض مكانة المعارضة، والتحول إلى مجرد أداة في لعبة إقليمية.

في الغضون يفترض الانتباه أيضاً، إلى أننا إزاء إعادات تموضع لمختلف الأطراف المنخرطة، أو المتورطة في الصراع السوري. فمثلاً، هذه روسيا التي باتت تتصرف وكأنها صاحبة الربط والحل في هذا الصراع، وفقاً لاعتقادها أنها هي التي أنقذت النظام من السقوط، وهي في ذلك باتت تنافس إيران على هذا الموقع، فبعد أن كانت تتوسل التوافق مع الولايات المتحدة، على الأقل في ما يتعلق بخفض التصعيد في جنوب غرب سورية (بالتوافق مع إسرائيل أيضاً)، فإذا بها تعلن تنصّلها من هكذا توافق، بل واعتبار الوجود الأميركي في سورية غير شرعي. وقد شهدنا تبعات ذلك في ثلاثة فيتوات روسية في مجلس الأمن في غضون شهر واحد، بشأن استخدام الأسلحة الكيماوية في سورية، وفي دعوة روسيا إلى مؤتمر «شعوب سورية» أو مؤتمر الحوار الوطني السوري في سوتشي، في محاولة لخلق بديل عن مسار التفاوض في جنيف، وكتتويج لمكانة روسيا الجديدة في سورية.

في المقابل، فإن الولايات المتحدة الأميركية، التي استثمرت في التورط الروسي والإيراني والتركي في سورية، تبدو وكأنها أقرب إلى وضع استراتيجية جديدة لها، الأمر الذي يتضح في استهدافها إيران، إن عبر التبرم من الاتفاق النووي معها، أو عبر الشروع في وضع قوات «الحرس الثوري» الإيراني والميلشيات التي تتبع به في قائمة الإرهاب، كما يتضح ذلك في تصريح وزير الدفاع الأميركي ماتيس الذي اعتبر أن الوجود الأميركي في سورية سيبقى حتى بعد انتهاء الحرب على الإرهاب («داعش»)، بانتظار تحقيق التسوية السياسية وفق مسار جنيف (وليس غيره)، كما يتمثل ذلك بوضع الولايات المتحدة خطوطاً حمراً لمنع اقتراب قوات إيرانية أو قوات حليفة لها نحو الجنوب أو نحو الشرق مع الحدود العراقية، كما يأتي ذلك ضمن المحاولات الأميركية لإضعاف النفوذ التركي في الصراع السوري.

وبديهي أن إعادة التموضع هذه تشمل تركيا، أيضاً، العضو في الحلف الأطلسي، وهو ما يظهر في تضعضع الثقة بينها وبين الولايات المتحدة، وفي محاباة هذه الأخيرة لـ «قوات سورية الديموقراطية»، التي يديرها حزب الاتحاد الوطني الديمقراطي (الكردي) ، والذي يعتبر عند تركيا امتداداً لحزب العمال الكردي (التركي)، والذي تتعامل معه كمنظمة إرهابية، كما أن التموضع التركي الجديد محاولة لإيجاد مقاربات سياسية للمسألة السورية مع روسيا وإيران. أما في ما يخص إيران فإن إعادة تموضعها في الصراع السوري يظل ثابتاً بالقياس لغيرها، باستثناء شعورها بالتنافس مع الوجود الروسي، وهذا يشمل محاولاتها خلق توافقات مع تركيا في الشأن السوري. ويستنتج من ذلك أن إعادة التموضع، الأكثر تأثيراً ربما في الصراع السوري، تتعلق بتحول تركيا نحو التوافق مع كل من روسيا وإيران، أي الدولتين الضليعتين في وأد الثورة السورية، وقتل الشعب السوري وتدمير عمرانه، من منظور رؤيتها لأمنها القومي، وبحسابات تخوفها أو ريبتها من تبعات الموقف الأميركي في الصراع السوري (والعراقي).

قصارى القول، أن الصراع السوري يدخل مرحلة جديدة، وفي تعقيدات مغايرة، من أهم علاماتها التوافق الروسي الإيراني التركي، وهو وضع لا بد سيفضي إلى تغيرات كثيرة، وإلى طرح تحديات غير مسبوقة على المعارضة والثورة السوريتين.

كان الله في عون السوريين...

========================

ليس من حلٍ روسيٍّ للمسألة السورية .. عمار ديوب

العربي الجديد

الاثنين 20/11/2017

لم ينجح لقاء جنيف ولا أستانة ولا حميميم بشأن سورية؛ فاخترع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، مساراً جديداً هو مؤتمر سوتشي. ويُراد من هذا المؤتمر أن يجمع المعارضة السورية بكل أطيافها، إضافة إلى ممثلي النظام. هذا ما يحلم به بوتين قبل تجديد ولايته في مارس/ آذار المقبل. أول فشل صادف سوتشي أنّه بديل عن مؤتمر حميميم الفاشل أيضاً، والثاني التراجع عن اسم مؤتمر شعوب سورية إلى مؤتمر الحوار الوطني، وثالث فشل هو رفض أقسام كبرى من المعارضة الذهاب إليه، والرابع رفض الأميريكيين والأوروبيين له. إذاً من حيث المبدأ هو مؤتمرٌ فاشلٌ، ويشكل تغيير الروس مواعيد انعقاده فشلاً إضافياً كذلك، وطبعاً يأتي تحديد موعده الجديد بالتزامن مع لقاء جنيف المقبل ليُفشله بالتأكيد.

لا يرغب الروس في قراءة الشرط العالمي جيداً، ويعتقدون بقدرتهم على صياغة العالم وفقاً لأوهامهم عن تراجع أميركا عالمياً، وعدم وجود طموح صيني للهيمنة العالمية البديلة. تخطئ روسيا الإمبريالية، والطامحة لنهب العالم بأساليب همجية واحتلالية، المرة تلو الأخرى، من إبخازيا إلى أوكرانيا إلى العلاقة مع حلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى تعاطيها الدولي الاستعلائي مع كل من تركيا وإيران وإسرائيل والدول العربية.

"المعارضة السورية، التي فرّطت كثيراً بأهداف الثورة، ربما ستسقط في مؤتمر الرياض، وتشكل هيئة تفاوض تأخذ بالرؤية الروسية للحل"

لم تتوقف الضغوط على المعارضة، لكنها أيضاً لم تتصاعد؛ فالعنجهية الروسية، ووهم الإشراف الوحيد على سورية تمنعان التسليم الإقليمي والدولي لها بذلك. الانتقام الروسي الذي يتكرّر على الغوطة، أخيرا، وفي كل مدينة سورية، كلما تشدّدت المعارضة، لا يفيد كثيراً في تغيير المعطيات التي يريد السوريون الوصول إليها. ففي أستانة، كذب الروس أخيراً بوعودهم عن إطلاق المعتقلين. وفي جنيف، رفضوا إجبار النظام على التفاوض. وفي مجلس الأمن الدولي، رفعوا تسعة فيتوات ضد مصالح الشعب السوري، وللحفاظ على النظام السوري.

لم يلتزم الروس باتفاقية خفض التوتر، ولا صانوا التوافقات مع الأميركان، وكذلك يتجاهلون المصالح الإسرائيلية؛ وبذلك يبتعد الروس عن بقية مصالح العالم في سورية. أيضاً لم يقرأ الروس استراتيجية أميركا في محاصرة إيران، وإعادتها إلى حدودها وإجبارها على وضع برنامجها الصاروخي الباليستي ضمن الاتفاقيات الدولية؛ تتلاعب روسيا بمصالحها في سورية أكثر مما يجب كما يبدو، ومحاولاتها حل المشكلات الدولية على حساب التوافق على الحل السياسي في سورية أمر خاطئ، حيث لا يوجد مبررٌ حقيقي لتأجيل الحل بنهاية تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وتقييد جبهة النصرة وبوجود مناطق خفض التوتر.

لا يقبل الأميركان أن تفرض روسيا شروطها الدولية عليهم، لا في سورية، ولا في أي مكان في العالم. ولهذا، تتزايد العقوبات على روسيا وتفشل المساعي الروسية في إيجاد معارضة سورية، تتوافق مع رؤيتهم في التجديد للنظام والانخراط فيه.

يقع على المعارضة التي تتعرض لضغوطٍ مستمرة رفض أيّة تغييرات في مواقفها، وليس من مصلحتها قبول منصة موسكو بشكل رئيسي، أو قبول أفرادٍ مستقلين غير معروفين جيداً، وكذلك يقع عليها فك الاحتكار عن المعارضة، وإشراكها بتحديد السياسات وأولويات التفاوض؛ فليس منطقياً أن يُحتكر قرار الشعب السوري والمعارضة بأيدي ثلة أشخاصٍ، كما قال إدوارد حشوة في بيان استقالته من لجنة التفاوض العليا أخيرا.

وتقول التسريبات المتعلقة بمؤتمر الرياض 2 للمعارضة السورية إن المطلوب منه إيجاد معارضة "عميلة" لموسكو، والتجديد للنظام. إن وجود شخصيات انتهازية في المعارضة يمكن أن يسمح بذلك، لكنه بالتأكيد سَيُواجَه برفضٍ سوريٍّ واسع، ولن يمرّر بأي حال، وبالتالي إن نجاح أيّ حلٍّ سياسيٍّ متعلقٌ بإجراء تغييرات كبرى تسمح بالبدء فيه، وإلّا فإن المفاوضات ستفشل بالتأكيد. وطبعاً مؤتمر سوتشي فاشل سلفاً، ولا مجال للتفكير فيه؛ والقضية التي على المعارضة التركيز عليها هي مؤتمر جنيف مجدّداً، ووفقاً لبنود جنيف 1 بشكل خاص.

سيعي السعوديون لاحقا أن مصالحهم تكمن في معارضةٍ سوريّة قوية. وسيعي الأتراك أنفسهم الأمر ذاته. وما زال الروس الذين فُتِحت لهم كل المنافذ "من المعارضة والأميركان والخليج بل وجزء من النظام يرغب بذلك" للانفكاك عن إيران، يناورون لعقد صفقةٍ تتعلق بقضايا دولية، وليس بسورية فقط. رفض الروس للتفسير الأميركي بخصوص القوات الأجنبية، وأن

"لا يقبل الأميركان أن تفرض روسيا شروطها الدولية عليهم، لا في سورية، ولا في أي مكان في العالم" المقصود بها المليشيات المرتبطة بإيران، وكذا الدفاع عن وجود إيران بأنه شرعي، يدفع بمواقف متشدّدة إزاء الروس بالتأكيد.

إذاً يشكل رفض الضغوط التي تمارسها الدول على المعارضة السورية الأساس الذي سيُغير المعادلات الإقليمية والدولية إزاء سورية. ولا يمكن الوصول إلى حلٍّ سياسيٍّ من دون سوريين معارضين فاعلين، وتحديدا من الأوساط التي تستطيع مد شبكة علاقات واسعة مع المناطق الخارجة عن سيطرة روسيا وأميركا والسعودية وتركيا.

ربما تميل أوساط من المعارضة إلى التفاهم مع الروس، لكنها بذلك ستخسر تحالفات دولية مستجدة مرتبطة باستراتيجية حصار إيران. المعارضة معنية بفهم ما يحدث في سورية والإقليم؛ فهناك مصالح كبرى للدول الإقليمية ولأميركا، ومن دون تحقيقها ليس من حلٍّ سياسيٍّ قريب. أميركا التي فرضت سيطرتها على شرق سورية وشمالها لن تخرج منها، كما يصرح قادتها، وتركيا بدورها أيضاً تتمدّد على أراضٍ سورية كثيرة. ويمكن للتحالفات التي تعقدها مع روسيا أن تنهار أيضاً، وأن تتجدّد العلاقات مع الأميركان؛ فروسيا وعلى الرغم من كل براغماتيتها، تريد فرض سياسات على أميركا والدول الإقليمية، وهذا أمر خاطئ كليا.

تخطئُ السعودية إن استمرت في توتير الأجواء الخليجية، وتخطئُ إن مارست ضغطاً على المعارضة في الالتحاق بروسيا؛ فهذا يقوي الموقف الإيراني، وليس العكس، في سورية وفي اليمن أيضاً. وتتزامن المواقف الروسية المستجدة، ومنها أن الوجود الإيراني شرعي في سورية، مع خلافات روسية أميركية متصاعدة، ليس آخرها أن روسيا تعتبر الوجود الأميركي في سورية غير شرعيٍّ. وتصعّد هذه المواقف من الخلاف الروسي الأميركي، وبالتالي تصبح كل الدعوات إلى حلٍّ سياسيٍّ في سورية عديمة القيمة والأهمية.

المعارضة السورية، التي فرّطت كثيراً بأهداف الثورة، ربما ستسقط في مؤتمر الرياض، وتشكل هيئة تفاوض تأخذ بالرؤية الروسية للحل، لكنها بذلك تسقط بشكل كامل. فليس من حل سياسي بغياب توافقٍ أميركيٍّ روسي جديّ، وأسّه الآن إخراج إيران من سورية، وتحجيم وجودها في كل البلاد العربية. فهل تعي روسيا شروط الحل السياسي في سورية لمصلحتها؟ ربما لا.

========================

"وحدات حماية الشعب الكردية" أداة مرحلية ومستقبل مجهول! .. خليل المقداد

القدس العربي

الاثنين 20/11/2017

لم يكن أشد المتشائمين بالثورة السورية يتوقع ما آلت إليه الأوضاع في سوريا، إذ كان من الطبيعي والمنطقي أن تنجح الإحتجاجات الشعبية العارمة حتى وإن طال أمدها لشهور، في إسقاط نظام الحكم الدموي، أو فرض إصلاحات حقيقية تقود لتغيير جذري في سياسات النظام القمعية على أقل تقدير، خاصة وأن رقعة الإحتجاجات كانت في إزدياد، فقد وصل إصرار السوريين على التغيير مداه الأقصى، وما عاد بالإمكان إعادة الشعب إلى ما قبل العام 2011 كيف لا وحق التظاهر والإحتجاج وحتى النقد، كان من أكبر المحرمات، ثم وإذ بنا أمام ثورة تفجرت في وجه أعتى وأقذر نظام حكم عرفه العصر الحديث.

كان من الطبيعي جداً أن يلتحق الكثير من أصحاب المصالح والأجندات بالثورة، من ضمن هؤلاء، كان الكرد الإنفصاليون الذين لم يفوتوا فرصة رفع أعلامهم الإنفصالية، وعند الحديث عن الرايات وبما أن الشيء بالشيء يذكر، فقد حدث هذا في الجنوب أيضا، عندما رفع الدروز أعلامهم الخاصة وإن على إستحياء وفي مناسبات متفرقة ومن دون المجاهرة بطلب الإنفصال، لكنه في الحالة الدرزية تحول إلى مطالبة إسرائيل بتوفير الحماية للدروز في سوريا، حيث تجلى ذلك في أحداث بلدة حضر الدرزية في ريف القنيطرة وما وصلها من تعزيزات ومؤازرات حتى من قبل الكيان الصهيوني، مع العلم أنها تساهم بشكل فاعل في الحصار المفروض على ريف دمشق الغربي.

بالعودة إلى الكرد ومشروعهم الإنفصالي، فقد كانت مطالب الإنفصال وتأسيس كيان «روج آڤا» علنية لا تقبل التأويل، حتى مع عدم توفر العامل الديموغرافي، إذ لا وجود كردي خالص في المناطق التي يطالب بها هؤلاء، فهم يتوزعون على عشرات المدن والقرى والبلدات السورية المترامية الأطراف وفي أكثر من محافظة، مع ملاحظة أن مئات الألوف منهم أكراد لاجئون من تركيا ولا يحملون الجنسية السورية، لكنهم يتشاركون العيش مع الغالبية العربية إضافة لأقليات من التركمان والآشوريين والأرمن.

مع دخول الكرد على خط الثورة، قام الجناح السوري من حزب العمال الكردستاني التركي «بي كي كي» والمسمى «حزب الإتحاد الديمقراطي» « بي يي دي» الذي يرأسه صالح مسلم محمد، قام في العام 2011 بتشكيل ما بات يعرف باسم وحدات حماية الشعب «واي بي دي» وهي ميليشيا مسلحة، مهمتها المعلنة حماية الشعب الكردي، لكنها تحالفت مع نظام الأسد وصادرت قرار الكرد بالقوة، وهمشت كافة الأحزاب السياسية الكردية، لتبدأ رحلة عدائها للشعب السوري وثورته، فكانت قوات رديفة لنظام الأسد في أكثر من مكان على رأسها مدينة حلب، فتمددت بدعم خارجي لتشمل الحسكة والقامشلي وعين العرب ومنبج وراس العين، ليصل تمددها إلى سنجار في العراق.

«الكرد» أو «الأكراد» وبشكل مبسط، هم شعوب أو قبائل تعيش في غرب آسيا، شمال الشرق الأوسط، بمحاذاة جبال زاغروس وجبال طوروس، وهي المنطقة التي يسميها الأكراد كردستان الكبرى، وهي عبارة عن أجزاء من شمال شرق العراق، وشمال غرب إيران، وشمال شرق سوريا، وجنوب شرق تركيا، أما الكرد كعرق فيعتبرون جزءًا من العرقيات الإيرانية. يتواجد الأكراد أيضاً وإن بأعدادا قليلة في جنوب غرب أرمينيا وبعض مناطق أذربيجان ولبنان.

لطالما سعى الكرد لتحقيق حلمهم بإقامة دولة تضم شعث شتاتهم في المنطقة، لكن ما منع ذلك هو أن هذا الوطن كان يقع ضمن خريطة أربع دول إقليمية، هي إيران والعراق وتركيا وسوريا، مع تفاوت نسبهم وكثافتهم السكانية في هذه الدول، حيث يعتبر عددهم الأقل في سوريا وقد لا يتجاوز النصف مليون نسمة رغم موجات الهجرة من تركيا، نتيجة حروبهم مع الدولة التركية أو الثورات عليها.

حزب العمال الكردستاني وجد ضالته في الثورة السورية، فركب موجتها، وكان معارضا لنظام الأسد في العلن وحليفاً له في السر، ينسق معه ويحصل على السلاح والعتاد، ليتطور الأمر باحتضان إيران له، حيث تولى المالكي مهمة تنسيق الدعم المقدم له، ترافق هذا مع الدعم المباشر من الولايات المتحدة والتحالف الدولي، ثم روسيا التي قدمت لهم الغطاء الجوي والمدفعي في حربهم على الفصائل السورية وذلك على خلفية التوتر مع تركيا على إثر إسقاطها لطائرة حربية روسية.

لاحقا دخلت دولة الإمارات على الخط، وأيضا مناكفة لتركيا، فقدمت الدعم المالي ومولت صفقات وحدات الحماية والفصائل المحلية المنضوية تحت راية قسد، كقوات أحمد الجربا شريك الأكراد الإستراتيجي، خاصة في مسائل كتقاسم إيرادات المعابر، وعلى رأسها معبر «اليعربية» الحدودي مع العراق، كيف لا وهو الذي عبر عن هذه الشراكة بالقول: «نحن شركاء في معمودية الدم والملح» وذلك خلال كلمته بمناسبة إطلاق تيار الغد بحضور عرابه محمد دحلان ومندوبين عن الكرد والروس والإيرانيين والإماراتيين في مصر.

لقد عاشت وحدات الحماية الكردية فترة ذهبية تجلت بحصولهم على الدعم المالي والعسكري، إضافة للغطاء السياسي، من معظم أطراف الصراع في المنطقة، كالتحالف الدولي وروسيا وإيران ونظام الأسد والإمارات، حدث هذا رغم صراع الأجندات الدولية والإقليمية، فالكرد كانوا أداة طيعة تخدم مصالح الجميع في سبيل الوصول الى الهدف المنشود وهو قيام كانتون كردي.

أطماع حزب «بي يي دي» الإنفصالية كانت واضحة لا تخطئها عين، من خلال الشعارات المرفوعة والسياسات المتبعة على الأرض، ولنا في أحداث حلب وحي «الشيخ مقصود» مثال على مدى التنسيق الذي كانت تقوم به هذه الوحدات مع نظام الأسد، الذي فتحت ممرات آمنة لقواته وسمحت له بالتسلل للعديد من المناطق، وكانت تدخل في معارك مستمرة مع فصائل الحر على مناطق التماس، هذا عدا عن عمليات الإعتقال والترهيب وفرض التجنيد الإجباري على الشباب العرب في مناطق سيطرتها وحتى على الأطفال الكرد القصر من الذكور والإناث. لقد كانت هذه الميليشيا وبحق طعنة سامة في ظهر الشعب السوري وثورته.

طرد الغزاة وتحرير الأرض أولوية مقدمة على ما سواها، فلا كرامة ولا عيش بلا وطن حر، لكنها معادلة كانت وعلى ما يبدو خارج حسابات فصائل الحر، التي كان همها الحفاظ على وجودها، بأي ثمن حتى وإن إقتضى الأمر أن تتحول لميليشيات مرتزقة تنفذ أجندات الأطراف الإقليمية والدولية طالما أنها توفر لها الحماية والدعم المادي، أو تغض الطرف عن تجاوزاتها وفسادها وتسمح لها بإدارة للمعابر، ناهيكم عن عمليات الإختطاف والإبتزاز وسجن كل من يعترض بكلمة، بل وسحلهم بالسيارات كما فعل لواء المعتصم مع فتى قيل أنه قد سرق ما يعادل 15 دولاراً أمريكياً، هذا عدا عن التهريب بشتى أنواعه، من بشر وحجر ونفط وغذاء وسلاح وكنوز وآثار تاريخية.

محير هو أمر فصائل الحر في محافظة حلب، فهي ومنذ البداية لم تتصد بشكل فاعل لهذه الميليشيا وكانت تكتفي بإصدار بيانات التهديد وتشكيل غرف العمليات، رداً على تعديات وجرائم وحدات الحماية، وهو ما شجعها على التمادي في غيها، بعد أن أدركت هشاشة قوة فصائل المعارضة وعدم جديتها في القتال، لتبدأ لاحقا وبعد أن إشتد عودها، بعملية إجتياح الريف الحلبي وطرد الفصائل منه بدعم جـــوي ومدفعي روسي، ليصل نفوذهم اليوم وبدعم غربي إلى البوكمال على الحدود العراقية.

رغم عودة العلاقات التركية ـ الروسية إلى حميميتها وسابق عهدها إلا أن هذا لم يؤثر إيجابا على عملية التصدي لإرهاب وحـــدات الحــماية، إذ وعلى ما يبدو فإن كافة الأطراف الدولية والإقليمــــية، كانت قد توصلت لنوع ما من التفاهمات، وهو ما جعل من مسألة التصدي لهذه الميليشيا خطا أحمر حقيقيا، وليس كباقي الخطوط التي هدرت باسمها دماء الشعب العربي السوري المسلم.

يبدو مستقبل وحدات الحماية الكردية غامضا، خاصة بعد نكسة كركوك في العراق، وإنتهاء معظم العمليات العسكرية الرئيسية ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا، وكذلك بعد إعلان تركيا عن نيتها إنهاء سيطرة الأكراد على مدينة عفرين السورية، لهذا فهم اليوم يواجهون مستقبلاً غامضا، خاصة إذا ما قررت الدول العظمى أو بعضها التخلي عنهم بعد أن حققت هدفها باستخدامهم أداة في حربها على ما يسمى الإرهاب.

إنتهاء العمليات العسكرية الكبرى ضد تنظيم الدولة، سيفتح الباب على صراعات جديدة لها علاقة بتقاسم المصالح وفرض تسوية سياسية، تحتاج لتوافق روسي أمريكي عليها، فأي دور سيلعبه الأكراد بعد تصريحات وحدات الحماية، أنها لا تسعى للإنفصال عن الدولة السورية، بل إقامة نظام حكم فدرالي لامركزي، فهل تعلمت من درس كركوك؟ أم أنها مناورة مرحلية تنتظر تغير المعطيات التي كبحت جماح طموحاتهم الإنفصالية؟ مقبل الأيام كفيل بالإجابة على هذا السؤال.

٭ كاتب سوري

========================

احتمالات إيران في سوريا: العودة بخفَّي حُنين .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الاثنين 20/11/2017

سعت إيران خلال الأعوام الأخيرة لتقوية وجودها ونفوذها في سوريا، والأمر في محصلة ما يظهر، كأنها حققت نتائج تُعادل - أو تفوق - ثمار مساعيها طوال أكثر من 3 عقود مضت من العلاقات الإيرانية - السورية، التي ازدهرت بعد وصول الملالي إلى السلطة عام 1979، حتى اندلاع ثورة السوريين في عام 2011.

ولا يحتاج إلى قول، أن تعزيز نفوذ إيران في الأعوام السابقة، جرى بتأثير عوامل كثيرة، أبرزها إرث طويل من علاقات متواصلة، شهدت تحالفاً سياسياً وعسكرياً عميقاً بين نظامي الملالي والأسد، وكان أبرز تعبيرين لتحالفهما أمران: الأول، ما ظهر في الحرب الإيرانية – العراقية، حيث تطابق بصورة ضمنية موقفا الطرفين ضد العراق. والآخر، اتخاذ الطرفين موقفاً متماثلاً حول القضية الفلسطينية والصراع العربي - الإسرائيلي، حيث تبنى الطرفان فكرة المقاومة والممانعة، وجعلاها محور سياستهما الإقليمية.

والعامل الثاني اندلاع ثورة السوريين ضد نظام الأسد (الابن)، والتي مثلت تحدياً عميقاً للنظام، وهدّدت استمراره، وفي الوقت نفسه شكلت تحدياً لاستراتيجية إيران في المنطقة، وهددت بفقدها قاعدة أساسية لامتداد سياستها في المجال العربي أولاً، وفي المجال الفلسطيني والصراع العربي – الإسرائيلي ثانياً.

العامل الثالث والأهم، امتلاك إيران القدرة على فعل كل ما تريد في سوريا برضا وموافقة النظام، سواء كانت أفعالها تصبّ في سياق ما بنت أساساته في المرحلة السابقة من علاقتها مع النظام، أو كانت الأفعال في جملة خطوات جديدة، فرضتها مرحلة ما بعد ثورة السوريين، ووقوف إيران إلى جانب نظام الأسد إلى الحدود القصوى.

العامل الرابع، عدم وجود أي جدية إقليمية أو دولية في مواجهة تنامي نفوذ إيران. بل إن ما حصل كان يشجع إيران، كلما خطت خطوة في هذا الاتجاه، أن تشرع في تنفيذ الخطوة التالية دون أي ردة فعل إقليمية ودولية، بما في ذلك محاسبتها على جرائمها بحق السوريين.

وسط البيئة الأفضل تنامى النفوذ الإيراني في سوريا وتزايد، وأخذت تتوالى في الواقع الأهم ملامحه، وبينها قوة نفوذ إيران وتأثيرها السياسي على نظام الأسد، بحيث لم يعد لديه أي قدرة على اتخاذ قرارات دون الرجوع إلى الإيرانيين، ومما يدعم ذلك جملة مؤشرات أبرزها وجود القوات الإيرانية، خصوصاً قوات فيلق القدس التابعة للحرس الثوري الإيراني، وانخراطها في الحرب على السوريين، بمشاركة جيش من الخبراء والمستشارين العسكريين والأمنيين، إضافة إلى وجود ومشاركة الميليشيات الشيعية التابعة لإيران، وأبرزها أربع: «حزب الله» اللبناني، و«الفاطميون» الأفغانية، و«الزينبيون» الباكستانية، و«كتائب أبو الفضل العباس» العراقية، وقد توج هذا الخط من نفوذ إيران بالإعلان عن إقامة قاعدة عسكرية بالقرب من دمشق.

كما أن بين مؤشرات تزايد النفوذ الإيراني نمو أنشطة إيران في المجالات الاستثمارية لا سيما في المجالات النفطية والتجارية والعقارية، والتي بين مؤشراتها اتفاقات عقدها نظام الأسد مع إيران في قطاع النفط، بالتوازي مع ارتفاع حجم السلع الإيرانية في الأسواق السورية، وتواصل الهجمة الإيرانية لشراء العقارات في دمشق وريفها وفي السويداء ومناطق الساحل السوري.

وثمة مؤشرات أخرى بينها توسع عملية تشييع سوريين في مناطق سيطرة النظام، لا سيما في أوساط العلويين، ونشر الثقافة الشيعية الإيرانية، وممارستها في الأماكن العامة على نحو ما حصل مؤخراً في سوق الحميدية قريباً من الجامع الأموي وسط دمشق القديمة.

ورغم أهمية مؤشرات تزايد النفوذ الإيراني في سوريا، فإنه لا بد من جملة ملاحظات بصددها، أبرزها أربع: الأولى، أنه يتم في مناطق خاضعة للنظام ولا يتعداه إلى المناطق الخارجة عن سيطرته، مما يعني محدودية انتشاره في الجغرافيا السياسية والبشرية. والثانية، أن أغلب الوجود الإيراني مرتبط بالنظام وبالعلاقة معه، وما ارتبط بالسوريين منه يكاد يكون محصوراً في الأوساط المؤيدة للنظام والحلقات النافذة فيه. والثالثة، أن هذا الوجود يتوسع في ظل حرب تشارك فيها إيران على السوريين، مما يعني أنها تنمو في ظل عداء الأكثرية السورية لإيران ووجودها وممارساتها على مختلف الأصعدة. والرابعة، أن تزايد النفوذ الإيراني في سوريا، يترافق مع نمو وتصاعد الاعتراضات الإقليمية والدولية عليه، مما يجعله بين أسباب تصعيد مواجهات أطراف إقليمية ودولية مع إيران وأدواتها في سوريا، ولا تنفصل حالة العداء المتصاعدة مؤخراً لوجود «حزب الله» عن تلك الاعتراضات.

وبطبيعة الحال، فإن الملاحظات السابقة، تؤشر إلى صعوبة استمرار وتكريس النفوذ الإيراني على المدى البعيد في سوريا، ليس فقط لارتباطه بنظام الأسد، وإنما بفضل الجرائم التي ارتكبها نظام الملالي طوال السنوات الماضية، الأمر الذي يعني أن مصير وجود إيران ونفوذها مرتبط بمستقبل النظام الذي قال المجتمع الدولي، إنه لا دور له في مستقبل سوريا، وإن السوريين الذين صنفوا نظام الأسد وحلفاءه من الإيرانيين والروس، لن يقبلوا ما صار إليه موقع إيران في سوريا، وسيحاربونه بكل الطرق والوسائل.

========================

سورية.. كل هذه الحسابات .. سمير صالحة

العربي الجديد

الاحد 19/11/2017

يشهد الشأن السوري، مطلع العام الجديد، أكثر من لقاء ومؤتمر واجتماع مصحوب بمفاجآت وتحولات سياسية وعسكرية ودستورية عديدة في المنطقة. وخلال الأشهر الثلاثة المقبلة ستتحرر سورية تماما من تهديد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) ووجوده في المشهد السياسي والأمني للبلاد. وسيبدأ نقاشٌ ينتهي سريعا مع فصائل جبهة النصرة وامتداداتها، باعتبارها عقبة أمام الحل، عبر خيار تبني القوة ضدها أو اقتناعها هي بضرورة تفكيك بنيتها وإنهاء دورها كما هو قائم، والتوجه نحو الذوبان في تكتلات وتحالفات أكثر اعتدالا وليونةً واستعدادا لتقديم لغة الحوار على التصعيد والتحدّي.

ولن يكون هناك هذا التصعيد التركي  الروسي ضد مجموعات حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، كما تُمنّي أنقرة النفس بذلك، وستتم عمليات سحب مناطق كثيرة يسيطر عليها من يده إما لصالح النظام أو وضعها تحت تصرف حلفائه الأميركيين أو الروس، لينوبوا عنه في عمليات المساومة السياسية والدستورية، ريثما تتضح طريقة مشاركته في المفاوضات السورية السورية.

وسيتضح شكل خريطة الطريق الجديدة لقوى المعارضة السورية ومنصاتها وقواها السياسية والعسكرية، والتوجه في منحى توحيدها تحت سقف مشترك، يجلس في إطار وفد واحد على طاولة المفاوضات. وسيتقلص عدد منصات التحرك وقاعات الاجتماعات واللقاءات، وسيتقدم التفاهم على قالب حوار سياسي جديد، يدمج مساري أستانة وجنيف وما تريده روسيا أمام طاولة واحدة خارج الأمم المتحدة، ولكن تحت غطاء قراراتها، كما حدث في تفاهمات الاتفاق النووي بين إيران والمجموعة الغربية.

وستبدأ عملية تفعيل صيغة الحلول السريعة والعملية لملفات إنسانية واجتماعية وحياتية يومية، 

"تمكنت روسيا من سحب أوراق من طهران وأنقرة والنظام والأكراد والمعارضة" تأخذ بالاعتبار ملفات اللجوء والنزوح والإعمار والإفراج عن المعتقلين، وتقليص عدد خطوط التوتر بضمانات دولية. وستحسم مسألة مصير النظام الذي يريد ضمانات إقليمية ودولية بشأن وجوده أمام الطاولة، وعدم تعرّضه للمساءلة السياسية والقانونية، بعد المرحلة الانتقالية في أي ملفات جرائم أو قتل. هل سيحصل ذلك كله؟ هل أصبح الحل في سورية على الأبواب فعلا؟ وهل يتطلع الشعب السوري بكافة انتماءاته وميوله وتوجهاته إلى الأسابيع القليلة المقبلة لعقد اجتماعات إقليمية ودولية، تخرجه من أزمته ومعاناته بعد 7 سنوات من القتل والدمار والتهجير؟ هل يأتي الخلاص هذه المرة من فيتنام، حيث التقى الرئيسان، الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين، ودخلا في عملية مساومةٍ تنهي الأزمة السورية، حيث برز القلق الروسي من أخطار تقسيم سورية وتفتيتها، لتقابله قناعة أميركية بأن الفيدرالية هي الخيار الوحيد المتبقي، على الرغم من اعتراضات محلية وإقليمية، على أن الفدرلة ستكون، عاجلا أم آجلا، مقدمة للانفصال وإعلان الكيانات المستقلة؟ هل يمكن القول إن روسيا فشلت في تحويل أستانة إلى مركز الثقل في ملف الأزمة السورية على حساب جنيف، ولذلك تحركت نحو المنبر البديل الذي تروجه تحت عنوان "مؤتمر الحوار الوطني"؟ هل يأتي التفاهم الأميركي الروسي في سورية في إطار خطة حسابات ربح وخسارة إقليمية ودولية أم نتيجة مطلب من بعضهم في إطار صفقاتٍ لإضعاف قوى على حساب تعزيز نفوذ أخرى؟

الواضح أن روسيا نجحت في تعطيل فرض أية عقوبات دولية ضد النظام السوري، على الرغم من كل التقارير الأممية والدولية بشأن جرائم ارتكبها ضد الشعب السوري، لكنها نجحت أساسا في تعطيل أي عمل عسكري غربي أو إقليمي ضده. وتمكنت روسيا أيضا من تمييع قراراتٍ أممية كثيرة، وتفريغها من مضمونها، وتفعيل ما يناسب مصالحها في سورية ويفتح الطريق أمامها، للإمساك بمزيد من خيوط اللعبة هناك، وكان آخرها دعوتها إلى مؤتمر الحوار والمصالحة الوطنية السوري، ونجاحها في فرضه على الجميع، على الرغم من كل الاعتراضات والرفض والتحفظ من حلفائها قبل خصومها.

أما تركيا فتواصل رفضها الاعتراف بحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري، لكنها قد ترضى بمشاركة من يمثله من المعتدلين في صفوف قوات سورية الديمقراطية، فهي غير راغبة في التصادم مع روسيا مجدّدا بعد مصالحة مكلفة في أعقاب أزمة إسقاط المقاتلة الروسية، قبل عامين.

وبشأن إيران، فإنها تعرف أنها ستكون أول من يدفع ثمن التقارب الأميركي الروسي، خصوصا أن موسكو تسلمت الرسائل الأميركية بشأن إصرار واشنطن على التصعيد ضد طهران، ليس بطلب سعودي أو إسرائيلي فقط، بل لتقليم أظافر إيران وحلفائها في لبنان وسورية واليمن، ولإنهاء تشدّدها في قطع الطريق على صفقات سياسية إقليمية كثيرة، ستظهر إلى العلن مع تراجع ملف الأزمة السورية. وروسيا جاهزة للتفريط بشراكتها مع إيران في سورية، ما أن تتأكد من حسم أنقرة وواشنطن موقفهما باتجاه دعمها في الحصول على ما تريده في سورية. وفي العلن "الولايات المتحدة تريد سورية كاملة وموحدة، لا دور لبشار الأسد في حكمها"، كما يقول وزير الخارجية، ريكس تيلرسون. وفي الخفاء، هي تفاوض الروس على كل شاردة وواردة، خصوصا ما يتعلق منها بالموضوع الكردي.

بصورة أوضح، روسيا هي صاحبة الدور الأهم في قلب موازين القوى في سورية. وستتجاوز اقتراحاتها بشأن صناعة المشهد السياسي الجديد هناك وضع مسودة دستور فيدرالي لسورية، ومنح الأكراد حكما ذاتيا في إطار سورية موحدة. وستطالب موسكو أنقرة بتغيير سياستها السورية، سواء أكان ذلك حيال النظام ودوره في المرحلة السياسية والدستورية المقبلة، أو في موضوع قبول قوات سورية الديمقراطية لاعبا معترفا به على الأرض، وله ثقله ودوره في رسم معالم خارطة سورية الجديدة ومستقبل البلاد، ليس إرضاء لواشنطن، بل من أجل حسابات خط الرجعة في سياستها السورية. ولم يعد خافيا على أحد أن الحوار الروسي التركي والروسي الإيراني اليوم مرتبط مباشرة بحجم التفاهمات الروسية الأميركية ومسارها، وفرض خريطة الحلول، تمهيدا لترتيب طاولة تفاهمات نهائية روسية - أميركية. ولا بد أن يكون هناك ثمن دفعته واشنطن لموسكو مقابل حماية مصالح حليفها الكردي المحلي ودوره في سورية. لكن الأهم هو من هي القوى التي حرّكتها إدارة ترامب للضغط على بوتين، أو التفاوض معه في سورية، على إضعاف تركيا وإيران ومحاصرتهما، في مقابل ترك روسيا تتحرك كما تشاء في الجغرافيا السورية؟

تعرف موسكو وواشنطن جيدا أن أنقرة وطهران هما أبرز من يعرقل تقدم مشروعهما في سورية. لذلك يريدان إنجاح اجتماع الحوار الوطني السوري ولقاء جنيف الثامن المقبل، في إطار براغماتية جديدة تناقش الحل في سورية. العروض المغرية التي تقدمها واشنطن باستمرار لموسكو بشأن جهوزيتها لحوار ثنائي جديد أكثر فاعليةً، بدل رهانها على ما تقوله أنقرة وطهران ورقة تلعبها روسيا باحتراف في حوارها مع البلدين، سورياً وإقليمياً اليوم.

ستحصل روسيا، في نهاية الأمر، على ما تريده في سورية، سواء بعدم عرقلة مشروعها في 

"روسيا هي صاحبة الدور الأهم في قلب موازين القوى في سورية" المفاوضات السورية- السورية، وإبقاء النظام أمام الطاولة، حتى إشعار آخر، وإلحاق حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي بالمباحثات، فهي تمسك اليوم بأكثر من ورقة محلية وإقليمية، في مقدمتها تضييق هامش التحرك التركي الإيراني في سورية، وتقدمها بفارق كبير على بقية اللاعبين في فرض رسم خريطة مستقبل سورية السياسية والدستورية والعرقية، كما تريد.

تعرف أنقرة أهمية حماية علاقاتها مع موسكو، خصوصا أن علاقاتها بواشنطن تتدهور وتتراجع يوما بعد آخر. وهي قد تحصل على جوائز ترضية روسية كثيرة، لناحية إنهاء النزاع الأرميني- الأذري في ناغورني قره باخ، وقبول الوساطة التركية في القرم بين روسيا وأوكرانيا، وإقناع موسكو بالشراكة الفاعلة في مشروع السكة الحديدية التي تربط آسيا الوسطى بمنطقة البحر الأبيض المتوسط أو آسيا بأوروبا. من المهم طبعا أن يلتقي الرئيسان، التركي أردوغان والروسي بوتين، ثماني مرات خلال 15 شهرا، لكن هناك حقيقة أخرى بشأن احتمال أن تكون المساومة الحقيقية في سورية، روسية أميركية بالدرجة الأولى.

يردد الأتراك والروس أنهما يتعاونان بشكل وثيق في سورية، لكن المقاتلات الروسية كانت تواصل غاراتها في غرب حلب، لحظة هبوط الطائرة التي أقلت أردوغان إلى منتجع سوتشي الروسي. ويقول نائب الرئيس الأميركي، مايك بينس، للأتراك، إن واشنطن ستواصل دعمها قوات سورية الديمقراطية، حتى بعد القضاء على "داعش" في سورية. ماذا يعني ذلك بالمقياس التركي للأمور غير التمسك أكثر فأكثر باليد الروسية الممدودة؟

الكرة في ملعب روسيا، ليس بسبب تمكّنها من سحب أوراق من يد طهران وأنقرة والنظام والأكراد والمعارضة، بل في نجاحها في طرح طريقة الحل التي تريدها هي في سورية وإقناع واشنطن بها كما يبدو، تاركة مصير لقاءات أستانة وجنيف تحت رحمتها مباشرة. وقد حصلت روسيا على ما تريده في سورية، وأصبحت بقدرة قادر الكفيل والمقرّر والموجه في الملف السوري، ورسم خريطة مستقبل "الشعوب السورية"، وهي اليوم من يدعو السوريين إلى المصافحة والعناق والجلوس حول طاولة التفاوض، تطالبهم بنسيان أسباب سقوط نصف مليون قتيل وتشرد عشرة ملايين نازح ولاجئ، يراد منهم العودة إلى أرضهم، حتى لو لم يعثروا على منازلهم وممتلكاتهم وقراهم فيها.

========================

مسلسل الحريري: الموسم الثاني .. صبحي حديدي

القدس العربي

الاحد 19/11/2017

وصول رئيس الوزراء اللبناني المستقيل، سعد الحريري، إلى العاصمة الفرنسية باريس يطوي فصلاً من الدراما التي اكتنفت استقالة ذات ملابسات غامضة، في التوصيف الملطّف الأدنى: أنها أُعلنت متلفزة، من العاصمة السعودية الرياض، عبر قناة سعودية، وارتكزت مفرداتها على تشدد غير مسبوق ضدّ إيران و»حزب الله».

من حيث المبدأ، يجوز القول إن مبادرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد آتت أكلها على أصعدة مختلفة؛ لعلّ أشدّها وضوحاً البرهنة، مجدداً، على أنّ باريس تمارس ببراعة مبدأ «القوة الناعمة»، وليس في مناطق يسيرة آمنة فحسب، بل في الشرق الأوسط أيضاً، حيث الحرائق وحقول الألغام وأمهات المخاطر. صعيد آخر هو تجنيب الحريري نفسه، ثمّ السعودية معه ومن خلفه، حرج سفر رئيس الوزراء المستقيل إلى بلده مباشرة من الرياض، دون «مباركة» من قوّة كونية مثل فرنسا، احتٌسب لبنان عليها منذ تأسيسه. وهذا صعيد قد يكون بوابة أولى لإعادة إدخال الدبلوماسية الفرنسية إلى ملفات شائكة تخصّ إيران (وبالتالي «حزب الله»)، وسوريا، والعراق، واليمن، والخليج العربي؛ فضلاً عن لبنان ذاته أيضاً، وربما في المقام الأول.

وإذْ يعود الحريري إلى بلده من منفذ رمزي لا تخفى دلالاته، فيظهر رسمياً للمرة الأولى في احتفالات عيد الاستقلال اللبناني كما أُعلن، فإنّ هذا التظهير للرمز، على أهميته، أمر مختلف عن تلمّس بعض تجلياته على أرض الواقع. وسواء تراجع عن استقالته أو تمسك بها، فإنّ تأكيد روح استقلال لبنان عن استقطابات المنطقة لن يفضي بالضرورة إلى إطلاق تدابير ملموسة نحو أية صيغة تطبيقية لمطلب «النأي بالنفس» الذي تشبث به الحريري في خلفية استقالته. يستوي، كذلك، أن يعود الرجل إلى بيروت مباشرة، أم يمرّ بالقاهرة كما أشيع، فالبُعد الفاعل يبقى عالقاً بين طهران والرياض في نهاية المطاف.

ويبقى السؤال عالقاً بدوره: فمَن الذي يستطيع، أو حتى يتجاسر، على مطالبة «حزب الله» بنزع سلاحه، والتحوّل من قوّة عسكرية ضاربة مسلحة حتى النواجذ، إلى مجرد حزب سياسي له ما يمتلك من حصة في اللعبة السياسية اللبنانية، وعليه ما يتوجب لكي تظلّ تلك اللعبة سلمية داخلياً وغير مفخخة إقليمياً؟ هل في وسع رئيس الجمهورية التفكير في خيار كهذا، وهو حليف الحزب، وكان وصوله إلى الرئاسة محالاً لولا الصفقة التي وافق عليها الحزب؟ أم هو الجيش اللبناني، الذي ظلّ على الدوام مرآة تعكس تقسيمات لبنان السياسية والمذهبية والطائفية؟

ويبقى، في المقابل، أنّ إسرائيل قد تكون العنصر الأكثر تسييراً لدفّة المستقبل المنظور في لبنان، لثلاثة أسباب على الأقلّ: 1) أنّ ما يشبه الدورة الزمنية العَشْرية تفرض على العقيدة العسكرية الإسرائيلية واجب الحطّ من قدرات «حزب الله» كلما تعاظمت وتطورت نوعياً؛ و2) أنّ طراز حرب 2006 لم يعد كافياً، ولا ملائماً، لإنجاز مستويات مُرْضية في تقليم أظافر الحزب؛ و3) هذا وقت أكثر من مناسب لإنزال ضربة موجعة، بالنظر إلى تبعثر قوى الحزب بين لبنان وسوريا والعراق واليمن، وغرقه أكثر من أيّ وقت مضى في أوحال المنطقة، وخسرانه ورقة «المقاومة» وما كانت تستتبعه من شعبية عابرة لجمهور الشيعة.

وقد تجد إسرائيل أكثر من جهة واحدة تمدّ لها يد العون، سرّاً أو علانية، خاصة إذا جازت ترجمة الموقف الأمريكي الراهن ضدّ إيران إلى ما هو أبعد من التسخين اللفظي، أو جاز افتراض حدود قصوى لما يمكن للمشروع الروسي في المنطقة أن يسهم به لتعطيل الخيار العسكري الإسرائيلي.

هنا، وفي غمرة مستجدات لن تكون أقلّ تعقياً، يُنتظر استهلال الموسم التالي من دراما مفتوحة، لعلّ أبرز عناصرها تشويقاً هو البحث عمّن يجرأ على رمي «حزب الله»، حتى… بغصن أرزة!

========================

السلاح الإيراني في لبنان .. د. رضوان السيد

الاتحاد

الاحد 19/11/2017

ينعقدُ مجلس وزراء الخارجية العرب يوم الأحد في 19/11/2017 للنظر في شكوى تقدمت بها المملكة العربية السعودية على إيران لتدخلاتها في أمن المملكة عبر أذرعها الميليشياوية في لبنان واليمن.

وقصتنا نحن اللبنانيين مع ميليشيات إيران قديمة جداً، تعود لحوالي العقدين، فقد استتر «حزب الله» حتى عام 2000 بمقاومة الاحتلال الإسرائيلي للأراضي اللبنانية، وعجْز الجيش اللبناني وضعفه عن تحرير الأرض. إنما في ذلك العام انسحب الإسرائيليون من لبنان، باستثناء مزارع شبعا باعتبارها أرضاً سورية! وأقام «حزب الله» بالمناسبة احتفالاتٍ ضخمة باعتباره مَنْ حرَّر الأرض ومن أجبر اليهود على الهرب منها! ولأنَّ السوريين كانوا وقتها ما يزالون يهيمنون على لبنان، فقد عزَّينا أنفُسَنا بأنّ السوريين سيكتبون للأُمم المتحدة معترفين بالسيادة اللبنانية على المزارع لكي تطلب الأُمم المتحدة من إسرائيل الانسحاب منها، لكنَّ السوريين أبَوا، وقالوا إنَّ سلاح الحزب ومقاومته ضروريان لتحرير الأرض التي يمتلكونها هم ويسكنها لبنانيون!

وفي الواقع، ومنذ ذلك الحين، ظهرت بوضوح وظائف سلاح الحزب الأُخرى بالداخل والخارج، فإثر اغتيال رفيق الحريري في فبراير 2005 انصبّ جهد الوطنيين اللبنانيين على جلاء الجيش السوري عن لبنان. وحصل ذلك في أبريل 2005 تحت وطأة التظاهرات المليونية، وضغوط العرب والمجتمع الدولي. ولأول مرة فازت جبهة 14 آذار التي تشكلت عقب مقتل الحريري بالانتخابات النيابية. ولأنّ الحكومة اللبنانية سعت لتشكيل محكمة دولية للتحقيق في اغتيال الحريري، فإنّ الحزب سارع في يوليو 2006 للتحرش بإسرائيل، فنشبت حربٌ استمرت ثلاثة أسابيع، اعتبر الحزب بعدها أنه حقّق نصراً إلهياً. لذلك فقد اتجه فوراً لمحاصرة الحكومة اللبنانية بسحب الوزراء الشيعة منها، وملء الساحات أمام رئاسة الحكومة بالمعتصمين الداعين لإسقاط حكومة التآمر على المقاومة! وعندما عجزوا عن ذلك، سارعوا لاحتلال مدينة بيروت بالسلاح في مايو 2008. ومنذ ذلك الحين ما تشكلت حكومة إلاّ وهم فيها للتعطيل وليس للتسهيل لأنّ المحكمة الدولية جرى إقرارها في مجلس الأمن، وقد أوصلت تحقيقاتها إلى اتهام خمسة عناصر من الحزب باغتيال الحريري، وبعد نجاح 14 آذار مجدداً بانتخابات 2009، شكّل سعد الحريري معهم الحكومة الجديدة، فقاموا بإسقاطها بعد أقل من عام (2011)، وتشكيل حكومة من لونٍ واحد (أنصار الحزب وسوريا وعون).

وخلال السنوات الأربع اللاحقة عادت الاغتيالات التي بدأت بقتل رفيق الحريري، فقُتل اللواء وسام الحسن من قيادة قوى الأمن الداخلي، والوزير الدكتور محمد شطح المستشار السياسي للرئيس الحريري. وجرى التركيز من جانب الحزب على ثلاثة أمور: إرسال الآلاف من مقاتلي الحزب لنُصرة الأسد، وإكمال السيطرة على مؤسَّسات الدولة، وإبقاء رئاسة الجمهورية خالية من أجل انتخاب حليفهم الجنرال عون للرئاسة.

واختار الرئيس الحريري أواخر عام 2016 الاتجاه لتسوية قال إنها لحفظ الحدّ الأدنى من الدولة بترشيح عون للرئاسة، وتشكيل حكومة العهد الأُولى بنفسه. وخلال الشهور الأُولى من حكومة التسوية، ظهر «عدمُ التوازُن» في السياسات الوطنية والخارجية. كان «نصر الله» يجاهر في خطاباته الصاعقة بالعداء للمملكة، وبأنّ مقاتلته لها باليمن وغير اليمن أَولى من مقاتلة إسرائيل. وما استنكر أحدٌ تلك الطلعات، بل إنّ رئيس الجمهورية قال مرةً إنه محتاج لقوات الحزب لمواجهة إسرائيل لأن الجيش ما يزال ضعيفاً، وإنّ سلاح الحزب باقٍ لحين انتهاء أزمة الشرق الأوسط!

لقد ظهر منذ ستة أَشهُر وأكثر أنّ التسوية التي تعني التوازُن والاعتدال والنأْي بالنفس عن التدخلات المضرة بأمن لبنان، وأمن العرب، ما حقّق شيئاً من أهدافها. بل الذي حدث عكس ذلك تماماً، وآخِر أحداثها لهذه الجهة: الصاروخ الباليستي على الرياض، والخلية الإيرانية التي اكتُشفت للمرة العاشرة في البحرين، وقبل مدة خلية العبدلي بالكويت.

ولو كانت الأُمور سليمة، والقوى الوطنية في لبنان على ما يُرام، لكان ينبغي أن تكونَ حكومتُنا بين المشتكين على إيران وتنظيماتها، وبخاصة أن تنظيمها المسلَّح الرئيسي ينطلقُ من لبنان لينال من سائر الدول العربية، فعندما افتخر الرئيس الإيراني أخيراً بنفوذ إيران في الدول العربية، ما اكتفى بدول المشرق، بل ذكر دول المغرب العربي أيضاً! نحن نواجهُ خطراً داهماً من جانب إيران وميليشياتها المنتشرة في البلاد العربية. وعلى المعنيين بالسيادة والانتماء ومصالح لبنان أن يتنبهوا للخطر الإيراني وتداعياته. والتصريحات السعودية حول إيران، دعوةٌ لنا جميعاً للاستنفار لردّ هذا الخطر ومكافحته.

========================

خيار الحريري و«حزب الله» .. خالد الدخيل

الحياة

الاحد 19/11/2017

صهر الرئيس ميشال عون ووزير خارجيته جبران باسيل لم يترك مجالاً في كل أحاديثه عن الأزمة التي فجرتها استقالة سعد الحريري. أطلق تصريحات فيها من التكاذب والجرأة ما يخرج عن كل الحدود. فعل ذلك في حديثه لفضائية «TRT» التركية. مما قاله أن لبنان يرفض «استعمال سلاح حزب الله خارج الحدود». معالي الوزير يعرف أن كلامه لا يمت إلى الواقع جملة وتفصيلاً. وإذا كانت هذه سياسة جديدة يلمح إليها، فالأمر يحتاج إلى توضيح وتفصيل. لكن وزير الخارجية يكذّب نفسه في الحديث ذاته بقوله إن «سلاح حزب الله أدى وظيفة كبيرة في تحرير لبنان». عمّن يتحدث معالي الوزير؟ ولمن يتحدث؟ هل كان لبنان تحت الاحتلال؟ ومن تكون قوة الاحتلال التي حرّر حزب الله لبنان منها؟ ولماذا حزب الله، وليس الجيش اللبناني، هو الذي حرّر لبنان؟ المدهش أن يصدر مثل هذا الكلام عن وزير ينتمي إلى تيار اسمه «التيار الوطني الحر».

يضيف الوزير باسيل جملة إلى حديثه تتفق مع المبدأ وتتناقض مع الواقع. يقول: «لا نقبل بالتنازل في أي أمر يمس سيادة لبنان وكرامة مواطنيه». حسناً، إذا كان الأمر كذلك، وهو ما يتمناه كل اللبنانيين قبل غيرهم، فلماذا يقبل وزير الخارجية أن يكون حزب الله (وهو حليفه وحليف الرئيس عون داخل الحكومة وخارجها) حزباً إيرانياً، كما يقول أمينه العام حسن نصرالله وليس أحداً آخر، وأن يصبح هو في الأزمة الحالية بمواقف مثل هذه وزير خارجية لحزب لا ينتمي إليه، أكثر من كونه وزيراً في الدولة اللبنانية؟ تؤكد هذه الأسئلة أن باسيل ينجرف تحت ضغط الأحداث إلى ما يعرف باللغو السياسي، وليس التحليل السياسي، ولا المواقف السياسية لوزير خارجية. قبل ذلك انجرف نحو مواقف عنصرية تجاه اللاجئين السوريين.

لا يتوقف الوزير اللبناني عند ذلك الحد، بل يتجاوزه إلى مكابرة مع نفسه وحزبه، قبل أن تكون مع الآخرين. إذ قال بجرأة يحسد عليها عن سلاح حزب الله بأنه «أمر داخلي لبناني يحدد وضعه اللبنانيون وحدهم». يعرف معالي الوزير أنه لو كان سلاح الحزب أمراً داخلياً لما كان هناك فراغ رئاسي دام أكثر من سنتين، ولما كانت هناك أزمة سياسية منشؤها الحزب وارتهانه للخارج، فرضت تسوية أتت برئيسه للقصر، ثم انهارت هذه التسوية ما فرض على رئيس الحكومة الاستقالة. ثم ماذا عن إسطوانة أن السلاح فوق طاقة لبنان، وأنه يتطلب تفاهماً إقليمياً؟

لم يحسب الوزير كلامه جيداً. ولأنه غالباً ما يفتقد في سلوكه ومواقفه مثل هذه الحصافة، لم ينتبه إلى أن تصريحاته هذه، وما انطوت عليه من كذب مباشر، تثبت حقيقة الأزمة التي يحاول نفي وجودها. المطلوب لبنانياً هو غض الطرف عن حقيقة حزب الله، ودوره الإقليمي، وعن حقيقة أنه ذراع إيرانية، وأنه يستخدم الحكومة اللبنانية كغطاء لهذا الدور، وللتمويه على تلك الذراع. تصريحات وزير الخارجية تقول لنا ذلك بطريقة مباشرة لا تخلو من تحد عفوي وساذج. وهي بذلك ليست إلا مثالاً فاقعاً على نموذج سياسي مأزوم. وليس هناك من سبيل للتعايش وتحقيق المصالح في هذا النموذج إلا بقبول وتبني الكذب والتكاذب كآلية سياسية. الكذب في هذه الحال هو الأصل الأول للأزمات اللبنانية التي لا تتوقف، بما فيها الأزمة الحالية.

لكن لبنان لا ينفرد بذلك عربياً. فالثقافة السياسية العربية تشتهر من بين ما تشتهر به بالتكاذب. لكن لبنان يتميز عن غيره بأن التكاذب أصبح جذراً تأسيسياً للعملية السياسية، وليس مجرد آلية. ولأن الأمر كذلك بات التكاذب بعد صعود حزب الله وهيمنته على القرار اللبناني مطلوباً لخدمة طرف واحد على حساب أغلب الأطراف الأخرى في العملية السياسية. من هنا نجد أن أغلب الأطراف تعارض الحزب ودوره الإقليمي. لكنها لا تستطيع فعل الكثير أمام حزب مدجج بالسلاح وأنه مستعد لاستخدامه إذا ما تجاوز أحد شروط التكاذب وحدوده. وما زاد الأمر سوءاً وتعقيداً أن هذا الحزب لا يمثل نفسه، وأن قراره ليس بيده، لأن مرجعيته ومصالحه تقع خارج لبنان. هنا تبدو سوءة الحال العربية وارتباكها أمام حزب يهيمن على دولة عربية بالنيابة عن دولة ليست عربية. استهانوا في البداية بظاهرة الحزب. لم يروا فيها أكثر من أنها حركة مقاومة لإسرائيل. لا يمكن إلا الاعتراف بنجاح الخدعة. وعندما كشفت الثورة السورية حقيقة دور الحزب تبين أن من الصعب مواجهته ومحاولة إعادة الأمور إلى نصابها وقد أصبح قوة إقليمية. مع ذلك لا يزال بعض العرب تحت تأثير وهم المقاومة.

الدول العربية منقسمة حيال أمور إقليمية كثيرة يتداخل بعضها مع الدور الإقليمي للحزب. مصر مثلاً، مع بقاء الأسد حاكماً لسورية. ومع أن القاهرة لا تقبل الحال التي يمثلها الحزب، إلا أن دوره مهم للإبقاء على الأسد. دول المغرب العربي لا تبدو معنية بما يحصل للمشرق العربي. حتى سلطنة عُمان في الخليج العربي لا ترى إشكالية كبيرة في دور الحزب ظناً منها أنه لن يتجاوز الشام. وسيكشف الاجتماع المرتقب لدول الجامعة العربية اليوم عن هذه الخلافات وغيرها.

هناك أيضاً حيرة اللبنانيين أمام موقف الرئيس عون ووزير خارجيته. اشتهر عنهما التمسك بسيادة لبنان واستقلاله. لكن ذلك كان عندما كان يحلم بالرئاسة. عندما تحقق حلمه من خلال التحالف مع الحزب، تغير موقف الجنرال من كل شيء بما في ذلك السيادة والاستقلال. هنا تتبدى غلطة سعد الحريري. كان يظن أن التسوية ممكنة مع الحزب من دون شروطه وارتهانه لإيران. تاريخ الحزب وتجربته منذ 1982 يؤكدان أن هذا ليس وارداً، خصوصاً في ظل الحال العربية المرتبكة. من دون موقف عربي واضح لا يمكن التوصل إلى حل للأزمة اللبنانية إلا كما يريدها الحزب.

والمخرج؟ ترك الحزب يحكم لبنان، وأن يتبنى الحريري مع حلفائه دور المعارضة كخيار استراتيجي. وعلى السعودية في هذه الحال أن تبني على الشيء مقتضاه، كما يقول اللبنانيون، وأن تتعامل مع حكومة لبنان على أنها حكومة يهيمن عليها حزب مرتهن للخارج ومتهم بالإرهاب، وفوق ذلك يستهدفها بهذا الإرهاب.

========================

قدرات سورية معطلة .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 18/11/2017

بَيْن الظواهر الأكثر لفتاً لأنظار متابعي الثورة السورية ظاهرة مقلقة إلى أبعد الحدود، تتعلق بمحدودية القوى السورية التي تستخدمها الثورة، في ظل محدودية البنية المؤسسية لهيئاتها السياسية التمثيلية، وانفلاش تنظيماتها العسكرية، وتلك العاملة في حقل المجتمع المدني، ومحليتها وكثرة أعدادها التي تؤكد عجز الثورة عن بناء مؤسسات موحدة، تؤطر وتغطي نشاطاً سياسياً وعسكرياً منظماً، ووطنياً وشعبياً، تدير باقتدار علاقاتها الداخلية ومع السوريين، وتخدمهم من خلال أكثر طرق العمل العام وأساليبه فاعلية ونجاحاً.

بالأصل، لا يعود الافتقار شبه التام للبنى المؤسسية إلى عزوف السوريين عن الثورة، أو عدم مشاركتهم فيها، بل يرجع إلى ما صار يشوب سلوكهم من ميلٍ إلى الفردية، والتفلت من الانضباط، كظاهرة غدت ضرباً من المرض المجتمعي والسياسي، فلا عجبَ أن لا "تَمُون" المؤسسات القليلة القائمة عليهم، ولا يسعوا إلى الانخراط من جانبهم في مؤسساتٍ فاعلةٍ حقاً يصنعونها هم أنفسهم. ولا عجب أيضاً أن تسود علاقاتهم شحناتٌ وافرة من العشوائية والارتجال، تلعب دوراً مهماً في تعزيز ما يبدو أنه نفورٌ من العمل المنضبط والمتواصل، الذي حال دون قيامهم بأنشطة تنظيمية تغطي مجمل ساحتهم الوطنية، الداخلية والخارجية، ومن دون أن يكون هناك تمثيل حقيقي لهم، ينقادون له جهةً تعبّر عنهم، وتستمد قوتها من قبولهم الطوعي بها، وانخراطهم في الأنشطة التي تخدمها وتعزّز مواقعها، وتحترم رموزها وأشخاصها. في هذا الواقع، لا يرى المسؤول في نفسه ممثلاً للشعب، يلتزم بمصالحه ويلزمه في المقابل بالتعاون معه، ولا يرى الشعب في المسؤول شخصاً يمنحه ثقته، ويلتزم بإقامة علاقاتٍ دائمة معه، منظمة وطوعية، توحد جهودهما ضمن سياق وطني عام، يعد الخروج عليه خطأً غير جائز. لهذه الأسباب، تعيش الثورة وأنصارها غربة متبادلة تحول دون تنسيق أي عمل منظم ومديد بينهما، فلا يبقى إلا أن يغنّي كلٌّ منهما على ليلاه.

يفتقر ائتلاف قوى الثورة والمعارضة السورية، وحكومته، إلى جهاز مؤسسي متكامل، يتولى استقبال اللاجئين عند حدود وطنهم، فيدوّن معلوماتٍ تفصيلية عن حاجاتهم الطبية والإغاثية والسكنية والتعليمية، واختصاصاتهم وأعمالهم وخبراتهم، ويزوّد بها جهازاً خدمياً آخر يلبيها، ويتكفل بتوفير فرص عمل لهم، تعينهم على تجاوز مصاعب غربتهم، والقيام بأود أولادهم والمحافظة على أسرهم وروابطهم مع وطنهم.

بالنسبة إلى "الائتلاف"، ممثل السوريين السياسي، أبقاه ضعفه مؤسسةً هامشية التأثير على حاضنة الثورة المجتمعية ومشكلاتها، التي ترتبت على قيام النظام بتهجيرهم من وطنهم وداخله بقوة السلاح. وزاد من بؤسهم عدم وجود علاقة منظمة، وذات التزامات متبادلة بينه وبينهم، كقواعد شعبية مفترضة له، وتخليه عنهم لتنظيمات غير تمثيلية، لعبت دوراً فاعلاً في انقطاع أي تفاعل جدي مع من يمثلهم، الأمر الذي أقنعهم بتقصير الثورة تجاههم، وتجاهل تضحياتهم وقدراتهم، على العكس من منظمة التحرير الفلسطينية التي تدفع اليوم أيضاً رواتب شهرية لأسر فلسطينية في الشتات العربي، واستقطبت حتى الأمس القريب الفلسطينيين داخل وطنهم وخارجه.

لا تغطي مؤسسات الثورة السورية قطاعات مجتمعها، وليست تغطيتها من أولوياتها. لذلك فشلت في نيل اعتراف داخلي، يجعل منها قيادة ثورية لا منافس أو منازع لها، تستقطب حتى الخاضعين من السوريين للنظام، ومن يعيشون ويعملون منهم في الساحات الخارجية، فلا تتبعثر جهودهم الثورية في الداخل، أو ينشطون خارج أي صلةٍ مع مؤسسات الثورة الرسمية التي لا تمارس أي دور قيادي أو إرشادي في حياتهم، أو تتدارك افتقارها إلى تفاعل إيجابي ومتبادل معهم، هو من شروط انتصارهم على النظام ونيل حريتهم.

يزيد مرور الوقت، وانتقال الصراع من طوره العسكري إلى طور سياسي غالب من الحاجة إلى استخدام كثيف وعقلاني لقدرات الشعب السوري: المعطلة منها أو المحيّدة أو المؤيدة للثورة. وفي حين يقاتل النظام بـ 90% من قدرات مؤيديه، تقاتل الثورة بأقل من 20% من طاقات شعبٍ لا تقل نسبة مؤيديها فيه عن 70%. صحيح أن استنزاف جماعات النظام يعطل قدرته على إعادة سورية إلى زمن ما قبل الثورة، لكن تعطيل قدرات الشعب، والعجز عن تفعيلها، يزيد بدوره تكلفة الثورة البشرية، ويحتم بناء أجهزة ونظم مؤسسية لها، تدرب قطاعات واسعة من شبابها على إدارة مناطقهم، بطرق تتفوق على طرق النظام الفاسد، وتوسع حلقات المؤهلين لتولي السلطة، وتعزّز قدرتهم على إقامة نظام مشاركة ديمقراطي، حر وعادل.

========================

ما بعد دير الزور .. حسين عبد العزيز

العربي الجديد

السبت 18/11/2017

بغضّ النظر عن الهجوم المضاد الذي شنّه تنظيم الدولة الإسلامية في مدينة البوكمال في شرق سورية، وبغض النظر عن المدة لانتهاء المعارك في دير الزور، تعتبر المحافظة ساقطةً بالمعنى العسكري بين المحورين، الروسي والأميركي. وإذا ما كانت محاربة التنظيم في المحافظة اعتبرت نموذجاً للتنسيق العسكري بين المحورين، فإن مرحلة ما بعد دير الزور ستكون مجهولة، فربما تكون بداية لصراع عسكري آخر، وبداية لاضطراب التحالفات المحلية - الإقليمية - الدولية القائمة حالياً بفعل الضرورة المصلحية لمجمل الأطراف، أو ربما تكون بداية لستاتيكو عسكري شبه مستدام. وفيما تبدو محافظة إدلب ساحة خصبة للصراع المقبل، برزت محافظة الرقة لتكون ساحة أخرى للصراع المنتظر بين الفرقاء. وإدلب هي ساحة الصراع الأسهل، نظراً لاتفاق جميع الأطراف على التخلص من "هيئة تحرير الشام"، كونها مصنفةً ضمن قائمة المنظمات الإرهابية، ليقتصر التباين في الطريقة التي ستتم بها عملية إنهاء الهيئة في المحافظة.

حتى الآن، أعطي الضوء الأخضر لتركيا لاتباع استراتيجية هادئة، قوامها سحب البساط رويداً رويداً من تحت أقدام الهيئة، مستفيدة من حالة التمزق التي بدأت تضربها منذ فترة، للوصول 

"يعمل المحور الروسي على استثمار الخيانة الأميركية لكردستان العراق" إلى مرحلة محاصرة القوة الراديكالية في الهيئة، وتحييدهم عن المشهد العسكري. وللمقاربة التركية عدة أهداف، أهمها أن أنقرة لا تريد القضاء عسكرياً على الهيئة، وخسارة قوة كبيرة بهذا الحجم، وإنما تريد إحداث تمرد هادئ، وتطويع هذه القوة بما ينسجم مع المرحلة الحالية التي تمر بها الأزمة السورية. لكن إذا ما فشل المخطط التركي، فإن العمل العسكري أمر لا مفر منه، وقد أعلنها صراحة وزير الدفاع التركي، نور الدين جانيكلي، "هدف تركيا في محافظة إدلب هو إحلال السلام والاستقرار فيها، وأن أنقرة تلجأ إلى كل الوسائل، قبل الخيار العسكري، لتحقيق هذا الهدف".

بيد أن التفاهم التركي – الروسي قد يصطدم برفض النظام السوري له، خشية تحول تركيا إلى قوة ضاربة في الشمال الغربي من سورية، إلا أن العقبة الرئيسية التي تعترض دمشق تكمن في أن هجوماً عسكرياً على إدلب سيكون ذا تكلفة عسكرية كبيرة، وسينعكس سلباً على خططها المستقبلية في تحجيم الدور الكردي. ولذلك يبدو أن النظام سيترك مصير إدلب للروس القادرين على ضبط الإيقاع العسكري التركي وحدوده، من أجل التفرّغ للحضور الكردي الذي بدأ منذ أشهر يأخذ أبعاداً استراتيجية في الداخل السوري.

المشكلة التي يواجهها النظام مع "الاتحاد الديمقراطي" و"قوات سورية الديمقراطية" ذات شقين: أنه لا يستطيع شن هجوم عسكري ضد هذه القوات من دون غطاء روسي، لا يمكن توفيره من دون التفاهم مع الولايات المتحدة. وأنه لا يستطيع ترك الأمور على ما هي عليه، ورؤية الأكراد يعزّزون وجودهم العسكري والسياسي والإداري والديمغرافي في الشمال السوري. ولذلك لجأ المحور الروسي إلى الدبلوماسية الناعمة، من خلال حوارات سرية تجريها شخصيات روسية وسورية مع الأكراد. لكن هذه الحوارات ترافقت بلهجةٍ لا تخلو من تهديد، كتصريحات مسؤولي النظام، ثم تصريح علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الإيراني، بإعلانه أن قوات النظام السوري ستتقدم قريباً لانتزاع مدينة الرقة من "قوات سورية الديمقراطية"، ثم الموقف الروسي الذي جاء من بوابة حميميم التي أعلنت أن الحل العسكري هو الخيار الوحيد للتعامل مع المناطق الخاضعة لسيطرة الأكراد. ومجمل هذه التصريحات هي استعراض للقوة، ورسالة للأكراد وداعميهم الأميركيين بضرورة التوصل إلى تفاهم يرضي الطرفين.

وفي الحقيقة، تعول دمشق وموسكو على تمديد الاستراتيجية الأميركية المتبعة مع المعارضة، 

"تعول دمشق وموسكو على تمديد الاستراتيجية الأميركية المتبعة مع المعارضة، لتشمل الأكراد أيضاً" لتشمل الأكراد أيضاً، بمعنى أن الولايات المتحدة منعت فصائل المعارضة من مقاتلة النظام، وهي يمكن أن تفعل ذلك بين النظام و"قوات سورية الديمقراطية"، إذا ما شعرت أن ثمّة معركة قد تنطلق، خصوصاً أن الأكراد والولايات المتحدة يعون أن المحور الروسي هو الأقوى على الأرض، وقادر على خنق القوات الكردية، وإجراء حصار اقتصادي على مناطق الهيمنة الكردية، في ظل عداوة لدودة مع تركيا من الشمال والشمال الغربي، وخلاف حاد مع كردستان العراق في الشمال الشرقي، وهيمنة كاملة للنظام في الجنوب، من الحدود العراقية شرقاً إلى حماة غرباً. وبطبيعة الحال، يعمل المحور الروسي على استثمار الخيانة الأميركية لكردستان العراق التي قد تتكرّر بكل سهولة مع أكراد سورية.

في ضوء ذلك كله، لا يبدو أن مرحلة ما بعد دير الزور مقبلةٌ على تصعيد عسكري، على الأقل في المدى المنظور، ولم تكن مصادفة أن يغيب ملف إدلب والملف الكردي من البيان المشترك للرئيسين الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين، في حين تم تمديد العمل بمبدأ "منع الصدام" بين القوات الأميركية والقوات الروسية وحلفائهما، ليس فقط في دير الزور، وإنما في كامل الجغرافيا السورية.

========================

الثورة السورية بين خيار المطاولة وفخ المساومة .. خالد خوجة

العربي الجديد

السبت 18/11/2017

أعلنت الخارجية السعودية عن عقد اجتماع موسع للمعارضة السورية من 22 إلى 24 من شهر نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، بهدف التقريب بين أطراف المعارضة ومنصاتها، وتوحيد وفدها المفاوض لاستئناف المفاوضات المباشرة مع النظام تحت إشراف الأمم المتحدة، بناءً على طلب المعارضة، حسب نص الإعلان الذي لم يأت فيه أي ذكر للهيئة العليا للمفاوضات، بشكل يتنافى كليّاً مع عرض لجنة التوسعة في الهيئة، والذي قدّمته إلى الخارجية السعودية، ويوصي بزيادة أعضاء الهيئة لتعزيز قدراتها التفاوضية. ويعني عدم إتيان الخارجية السعودية في إعلانها عن موعد الاجتماع انتهاء دور الهيئة العليا للمفاوضات رسمياً، وولادة جسم جديد، يجمع بعض الأطراف المعارضة بمنصتي القاهرة وموسكو.

‏لم يكن القرار مفاجئا، بعد مطالب عدة جهات إقليمية ودولية المعارضة السورية بالواقعية السياسية، ومواكبة الوضع الدولي الجديد الذي تبلور في المؤتمر الصحافي المشترك بين الرئيسين، الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين، على هامش قمة آسيا - المحيط الهادئ في فيتنام يوم 11 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، والذي أظهر للعيان محاذاة إدارة ترامب موقف بوتين في سورية، والذي يتمثل باختزال الصراع على أنه حرب ضد الإرهاب، والحل السياسي بـ"إصلاح" دستوري، تليه انتخاباتٌ، يحق للدكتاتور بشار الأسد المشاركة فيها، والقفز فوق قرار مجلس الأمن 2118 الذي ينص على الانتقال السياسي، وتشكيل هيئة حاكمة انتقالية، باعتبار ذلك بداية أساسية لحل الأزمة سياسياً، ما يلغي عملياً أي معنى لتصريحات الإدارة الأميركية المتكررة بأنه لا دور للأسد في مستقبل سورية.

ومع بديهية عقم المقاربات الإقليمية عن إمكانية فصل الدكتاتور بشار الأسد عن الاحتلال 

"المقاربات المطروحة والتي تعيد تأهيل منظومة الأسد لن تساعد سوى في انتشار رقعة الفوضى" الإيراني، فإن التحول في الموقف الإقليمي سيشكل، بلا شك، السقف التفاوضي لأي عملية سياسية قادمة برعاية دولية، خصوصا أن مبعوث الأمم المتحدة إلى سورية، ستيفان دي ميستورا، أعلن مسبقا في آخر إحاطه له لمجلس الأمن بأن اجتماع جنيف في 28 من شهر نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري سيتناول قضيتي الدستور والانتخابات، ما يعني أنه لن يكون هناك فرق، من ناحية المضمون، بين المؤتمر الذي أزمع بوتين عقده في سوتشي، بغرض إلغاء مطلب رحيل رأس النظام، وحصر الحل السياسي بتعديل دستوري، والمشاركة في انتخابات عامة محسومة النتيجة مسبقاً (وهو ما رفضته قوى الثورة على الأرض)، والمؤتمر المزمع عقده في حال تم تغيير ميثاق مؤتمر الرياض الأول الذي انبثقت عنه الهيئة العليا للمفاوضات، وإسقاط قرار مجلس الأمن 2118 ومطلب الانتقال السياسي أساسا للعملية التفاوضية. ويبدو أن الخلاف الذي حصل بين إدارتي ترامب وبوتين بشأن مؤتمر سوتشي قد زال، بعد الاتفاق على إخراج المضمون الذي يريده بوتين في جنيف.

‏لقد أولت الأجسام السياسية لقوى الثورة والمعارضة في سورية الدبلوماسية أهمية بالغة في تحركها، خصوصا مع ظهور مجموعة أصدقاء الشعب السوري. ومنذ تأسيس المجلس الوطني، مرورا بالائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، إلى الهيئة العليا للمفاوضات، جرت ‏جهود مكثفة في عواصم عربية وعالمية، لجلب التأييد، الدولي والإقليمي، لمطالب الشعب السوري. والذي يميّز تلك الفترة أن هذه الجهود الدبلوماسية كانت تسند إلى شرعيةٍ مستمدة من الحراك الشعبي والقوى الثورية على الأرض. مع ظهور محور الثورة المضادة، بدأ التصدّع داخل نواة مجموعة أصدقاء الشعب السوري، وهي 11 دولة، منها خمس دول عربية، السعودية والإمارات ومصر والأردن وقطر، وخمس دول غربية، أميركا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا وألمانيا وتركيا. تلا ذلك احتلال روسيا سورية الذي اعتبره المحور المذكور فرصةً يمكن من خلالها إضعاف إيران. واستناداً إلى تلك القراءة المغلوطة، بدأت جهود "هندسة" الثورة بقلب معادلة التوازن بين العمل الدبلوماسي والاستناد إلى شرعية الأرض التي اتبعتها المعارضة، بحيث عملت الدول الإقليمية على ربط شرعية المعارضة بالاعتراف الدولي من جهة واحتواء الثوار في الداخل بورقة الدعم من جهة أخرى.

وقد ساعد الزخم الثوري الأجسام السياسية للثورة بتجاوز أغلب عمليات التمييع التي تعرّضت لها، بدءاً من مبادرة "فورد – سيف"، نسبة إلى السفير الأميركي السابق روبرت فورد ورئيس الائتلاف الحالي رياض سيف، والتي استهدفت إنهاء المجلس الوطني، وتم تجاوزها بتشكيل الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية في الدوحة، والذي ضم المجالس المحلية وشخصياتٍ ومكونات وطنية إلى المجلس الوطني، ثم عملية التوسعة التي فُرضت فيما بعد على الائتلاف، بإدخال كتلة أحمد الجربا وتنصيبه رئيساً للائتلاف، فتمت إطاحة الجربا، وإخراجه من "الائتلاف"، تبع ذلك استقالة أغلب أعضاء كتلته، وبعدها في مؤتمر الرياض 1، والذي عُقد باعتباره مُخرجا لمقرّرات مؤتمر فيينا الذي تميّز بدخول روسيا لاعبا دوليا أساسيا في الساحة السورية، تم تشكيل الهيئة العليا للمفاوضات التي هبت رياحها على غير ما تشتهيه سفن بوتين.

إلّا أن قوى الثورة على الأرض فقدت، على مدى السنوات الخمس الماضية، أغلب قياداتها العسكرية الواعية، كما خسرت الأجسام السياسية في الخارج والحراك الثوري في الداخل كوادر وطاقات مؤثرة، وأضحى عبء الثورة يشتد على من يحمل همّ نصرتها، في مقابل محاولات الاختراق، وتصدّر بعض الفاسدين في اتخاذ قرارات مصيرية.

ولا بد من الإشارة إلى دور المبعوث الأممي، ستيفان دي ميستورا، في المساهمة في عملية تمييع المعارضة، وتحويل جولات جنيف من مفاوضاتٍ على أساس قرار مجلس الأمن 2118 إلى حوار "طرشان" بين وفود الهيئة العليا للمفاوضات ومنصاتٍ ساهم هو وفريقه في تشكيلها في موسكو والقاهرة، إلى جانب لقاءات تقنية في جنيف ولوزان، أخرجها إعلاميا على أنها توافقات سياسية بين أطراف المعارضة.

اللافت أن أغلب الشخصيات التي خرجت من اللعبة في عملية التدافع بين الإرادة الثورية والضغوط الدولية تم توجيه الدعوات إليها للمشاركة في مؤتمر المعارضة الجديد في الرياض، ما يعني أن مخرجات الهندسة الجديدة للمعارضة قد تتناسب مع الإطار الدولي الجديد، بشكلٍ غير مسبوق. لكن هل هذا هو الطريق الذي يؤدي إلى حلّ الأزمة؟

بدأ الدكتاتور بشار الأسد حملته ضد حراك الشعب السوري، ومطلب هذا الشعب في الكرامة، 

"لا يمكن لأي معادلةٍ أن تفرض على الأرض، إذا غاب عنها العامل الشعبي" بمقاربة "الأسد أو لا أحد" و"الأسد أو نحرق البلد". ويُظهر المشهد في سورية اليوم للعيان أن الأسد فقد مقومات الدولة الأساسية التي تتمثل في الأرض والشعب والمؤسسات. وحملات القتل أرضا وجواً مستمرة، على الرغم من اتفاقيات خفض التصعيد، ولم يعد هنالك جيش سوري، بل مليشيات أجنبية ومرتزقة خارجة عن السيطرة تقاتل باسمه. والضامن في أي اتفاق هو المحتل الروسي نفسه الذي ينتهك حرمته في كل جولة محادثات، سواءً كانت في جنيف أو أستانة.

وتقتضي الواقعية السياسية أن الحل السياسي يكون بالقضاء على جذور الكارثة التي تتمثل في الأسد نفسه، وحلقة الإجرام حوله. وطالما بقي الدكتاتور على رأس السلطة، فإن القتل سيستمر، فلم يعد هناك نظام يمكن أن يعاد تأهيله، بعد أن قطع الأسد الحبل الذي كان يربطه بالشعب، بل عصابة يديرها الدكتاتور الهزيل، تحت إشراف المحتل الروسي الذي لا يرى حلا لأزمات الشعوب سوى بنموذج أرض محروقة مثل غروزني، وعميل مثل رئيس الشيشان رمضان قديروف، والبلد تقسمت إلى مناطق نفوذ بين دول لا يملك بوتين قدرة إزاحتهم عنها.

.. جاءت ثورة سورية تجاوبا طبيعيا مع ثورة الكرامة في المنطقة، وهي من الثورات الكبرى التي تغير عندها مجرى التاريخ، وأعيد رسم الخارطة الجيوبوليتيكية في العالم. إلّا أنها حالة فريدة لا يمكن لقوةٍ، مهما بلغ حجمها، أن تحتويها أو تتعامل معها. والعامل الأقوى في هذه المعادلة هو العامل الشعبي، على الرغم من الفارق الكبير في القوة المادية التي يمتلكها، مقارنة بالتي يستخدمها المحتل الروسي الذي يحاول فرض إرادته.

المقاربات المطروحة حالياً، والتي تتجاهل جذورالكارثة في سورية، وتعيد تأهيل منظومة الأسد، لن تساعد سوى في انتشار رقعة الفوضى، وربما تعجّل في انهيار المنطقة. ولا يمكن لأي معادلةٍ أن تفرض على الأرض، إذا غاب عنها العامل الشعبي. والشعب السوري الذي ضحى بالمال والنفس، لتنعم الأجيال القادمة بالحرية والكرامة، ما زال عند كلمته التي ردّدها منذ البداية: "الشعب يريد إسقاط النظام".

========================

عاشت القومية العربية يسقط الشعب السوري! .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 18/11/2017

من سمع منكم يوماً مسؤولاً سورياً أو مستشارة «خرشانة» مفعوصة شمطاء يتحدث عن آلام ومعاناة ولقمة عيش المواطن السوري الذي أنهكه الاستبداد، وزاد عليه حرب السنوات السبع الجاثمة على صدره؟ لماذا يتعاملون معه بكل هذا الاستهتار واللامبالاة والصلف والغطرسة التي قل نظيرها، ولا يأبهون ولا يلتفتون لآلامه وعذابه؟ ألم يقل الأقدمون خيركم خيركم لأهله ولا بارك الله بشجرة لا تظل جذعها؟ أليس جحا أولى بلحم ثوره بدل توزيع البركات و»الحب» القومي الزائف المزعوم على دول مستقرة وتنمو وليست بحاجة لبركات وعطف بشار وبثينة وهلال هلال؟

لماذا لا يفكر بشار الأسد بتوحيد شعبه المشتت قبل طوباويته المرضية وأحلامه النرجسية لتطويبه زعيما قومياً وإطعام هذا الشعب الجائع الذي يُعد اليوم في ظل قيادته الحكيمة واحداً من أفقر شعوب الأرض المحاصر الذي يعيش في بلد لا يستطيع أي مواطن خارج نطاق العصابات والمافيات المتسلطة من القيام بأي عمل حتى على مستوى بيع البليلا والفول كبائع متجول دون أن يحظى موافقة أولي الأمر ورضا المافيات الجاثمة على قلبه؟ ولماذا لا يجهد بشار الأسد نفسه، ويكرس وقته و»فكره» السديد لسد رمق الملايين وإعادة ملايين المهجرين الذين فروا بالقوارب تحت جنح الظلام من بطش وتعسف وقهر وظلم نظامه واختاروا «هويات» أخرى ما دام تشدق وتمنطق وأسهب بالحديث وتفذلك عن الهويات في إطلالته الثقيلة المملة الأخيرة أمام القومجيين العرب؟

هل لدى بشار الأسد مستشارون سياسيون وإعلاميون؟ من الواضح أنه حتى لو كان لديه مستشارون، فهم يخدعونه ويضحكون عليه، أو يورطونه ويغرقونه أكثر مما هو متورط و»غرقان» على كل الأصعدة، ويجعلونه يبدو أضحوكة ومسخرة دائمة باتت تستخدم للتندر والهزء في عيون الداخل والخارج والصغير قبل الكبير على حد سواء؟ كيف تفكر هذه القيادة وبطانتها؟ أم أنها تعيش في عالم آخر لا يمت لعالمنا بصلة، أو أنها تعرف كل تفاصيل الكارثة السورية، لكنها تحاول أن تكابر، أو تستفز الآخرين بالقفز إلى عوالم سريالية كوميدية فاقعة، كما كانت تفعل باستمرار على مدى سنوات الكارثة السورية. ولا شك أن سخافات ومسرحيات النظام السوري تذكرنا بغرق سفينة التايتانك الشهيرة، فهناك مشهد صارخ في فيلم «التايتانك» تظهر فيه فرقة موسيقية على متن السفينة العملاقة وهي تستعد لإحياء حفلة موسيقية، فنرى الموسيقيين والعازفين يجربون آلاتهم، ويجرون البروفات على المقطوعات التي سيعزفونها، وبدروهم ينشغل منظمو الحفلة في توزيع الكراسي والمقاعد على الحضور، بينما كان ألوف الأشخاص في تلك الأثناء على متن السفينة إما يغرقون في غياهب البحر، أو أنهم يبحثون عن أي وسيلة للهرب من السفينة الغارقة. منظر صارخ بكل المقاييس، موسيقيون مبتهجون على متن سفينه سيبتلعها البحر، وآلاف الركاب في حالة مرعبة من الخوف والهيجان والعويل والصراخ يبحثون عن قشة تنجيهم من الغرق في عرض البحار.

تذكرت ذلك المشهد الرهيب في فيلم التايتانك وأنا أستمع إلى خبر يقول إن بشار الأسد ألقى خطاباً في مؤتمر بدمشق لتعزيز القومية العربية ودعم الفكر القومي والعروبي والنضال الفلسطيني وكأنه لم يبق من مشكلة وهم ودواء ناجع لأوجاع وكوارث السوريين سوى هذر وطنطنات وطقطوقات الأسد القومية ما دمنا نستذكر جوقة التايتانيك. يا إلهي! لا تعرف ماذا ستفعل ولأي جدار ستصوب رأسك المثقل بالوجع وأنت تستمع إلى هذا الهذر واللغط السريالي الكوميدي الهستيري في خطاب بشار: هل تبكي وتصرخ بصوت عال، أم تضحك بشكل جنوني، فمثل هذه الأخبار لا تدع لك مجالاً للتفكير بهدوء وروية، بل تدفعك إما باتجاه الضحك الجنوني، أو الصراخ الجنوني. هل هؤلاء القوم لديهم ذرة عقل وحصافة؟

لقد وصفت الأمم المتحدة الكارثة السورية بأنها أسوأ كارثة عالمية منذ الحرب العالمية الثانية، فقد تسببت بتهجير نصف الشعب السوري تقريباً، هرباً من سورياليات آل الأسد وجموحهم القومجي وأحلامهم الإمبراطورية السيادية والتوسعية، وقتل أكثر من مليون وإعاقة ملايين آخرين، ناهيك عن تدمير شامل لمدن بأكملها. ولا يكاد يمر يوم إلا ونسمع ألاف القصص عن اللاجئين والمشردين السوريين في عموم العالم، وخاصة في دول اللجوء كلبنان. والمضحك في الأمر أننا لم نر السفير السوري في لبنان مرة واحدة يزور مخيمات اللاجئين السوريين كي يطلع على أوضاعهم، ولم نسمع منه تصريحاً واحداً ضد الذين يعتدون على اللاجئين في لبنان ويسيئون لسوريا والسوريين معاً، ويبدو أن كل هذه الآلام لا تستدر كلمة واحدة من الفيلسوف القومجي المفوه فريد عصره وأوانه. أما الغريب في الموضوع أن هذا السفير وأمثاله يأتون إلى دمشق لحضور مؤتمر لدعم الفكر القومي العربي ودعم الشعب الفلسطيني. كيف نصدقكم أيها الأفاقون بأنكم تغارون على العرب والعروبة وأنتم تشردون شعبكم العربي السوري بالملايين، وتدمرون بيوته وتنهبون أرزاقه، وتستولون على أملاكه، وتغتصبون حرائره، وتحرقون ألوف الأطفال يومياً بالغازات السامة، وتسحقون السجناء في زنازينهم، وتستعينون عليه بكل مرتزقة الأرض كي تخضعوه؟ أيهما أولى بالدعم، القومية العربية، والعروبة، أم شعبكم الذي أصبح رمزاً للتشرد والبؤس والإهانة في كل أنحاء العالم؟ ألم تسمعوا بالمقولة الشهيرة: الأقربون أولى بالمعروف؟ كيف تتشدقون بأنكم تريدون الدعم الشعب الفلسطيني، بينما تدوسون شعبكم وتسحقونه تحت جنازير دباباتكم؟ كيف سيأمن لكم الشعب الفلسطيني وأنتم لم تستأمنوا على بني قومكم وأهلكم، فسرقتم سوريا، ونهبتهم شعبها وأصبح هذا الشعب بفضلكم أفقر شعب بالعالم؟ ثم من قال لكم أن الفلسطيني والموريتاني والمغربي يرحب بكم وسمعتكم السوداء سبقتكم بعصور. لقد أسرّ لي بعض أبناء اللواء «السليب»، وهم بالمناسبة من طائفة الأسد نفسها، أنهم يفضلون البقاء تحت حكم تركيا وهم ينعمون بالخير ورغد الحياة مقارنة مع ما يرونه من بؤس وفقر وحرمان لأبناء الطائفة العلوية في القرى المجاورة لهم في سوريا والتي لا تبعد مئات الأمتار عنهم، ولا يريدون العيش بحال تحت ظل هؤلاء الطغاة وما فعلوه بالطائفة نفسها من تجويع وإفقار. ثم والأهم من فوضكم التكلم باسم شعوب وقوميات وأعراض وبشر في بلدان مجاورة ومصادرة قرارة ورأيها ومصيرها والتحدث عن تطلعاتها وأحلامها ورسم مستقبلها لاسيما بعد المصير الأسود المشؤوم الذي آلت إليه سوريا تحت ظل حكمكم الاستبدادي؟ أليست محنة الشعب الفلسطيني، وحتى تحت حكم إسرائيل، هي «محنة» خمس نجوم مقارنة بمحنة الشعب السوري؟ لماذا لم تعقدوا مؤتمراً واحداً لدعم الشعب السوري المنكوب بدل عقد مؤتمر لدعم العروبة والنضال الفلسطيني؟ كيف سيصدقكم الشعب الفلسطيني بأنكم تدعمون نضاله إذا كنتم تشردون شعبكم وتذبحونه يومياً؟ ألم تملوا من هذه المؤتمرات القومجية المبتذلة والسافلة؟ هل هذا وقت المؤتمرات القومية أيها الأنذال والأوباش؟ أليس تأمين بضعة منازل للسوريين المشردين أفضل من إنفاق ملايين الليرات السورية على بعض القومجيين العرب الذين شحنتموهم من بضع دول عربية إلى دمشق ليتسلوا في فنادق سوريا بينما ملايين السوريين لا يجدون لقمة الخبز في الغوطة على بعد كيلو متر واحد من مقر مؤتمركم القومجي الوضيع؟

سؤال أخير للقيادة القومجية في دمشق: أي انفصام سياسي وفكري وعقلي هذا، وكيف تدعون إلى دعم الفكر العروبي والقومي العربي وأنتم تجلسون في حضن إيران الفارسية التي كانت على الدوام ألد أعداء القومية العربية؟ أم إنها قومية عربية برعاية فارسية؟ لماذا لا توحدون الشعب السوري أولاً قبل التفكير بتوحيد شعوب الإقليم؟ ألم يـَدعُ حليفكم الروسي لمؤتمر لـ»الشعوب» السورية» وليس الشعب السوري؟

وحدوووووووه!

========================

موقفنا : الكُذُبذُبان .. حول تفوهات بشار الأسد بحق جماعة الإخوان المسلمين .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

16 / 11 / 2017

يقول علماء اللغة العربية : إن ( الكذبذبان ) أطول كلمة بنتها العرب في أبنيتها اللغوية . وأن الغرض من طول البناء من مادة (كذب ) الدلالة على إيغال الموصوف بالكذب إلى درجة تنقطع عندها حروف اللغة . وإذا كانت العرب تمثلت في تاريخها للكذب بمسيلمة والأسود العنسي وسجاح ؛ فإن الكذب لو تمثل في شخص معاصر لكان شخص بشار الأسد ( الكذبذبان ) الذي لا يزال يلتحف لحاف العروبة ، ويفترش فراش فلسطين والمقاومة والممانعة

في كلمته يوم الثلاثاء 14 / 11 / 2017 ، في أشباهه من أراذل الأمة وسفلتها صدرت عن الكيماوي البراميلي قاتل الأطفال ومدمر الديار تفوهات بحق جماعة الإخوان المسلمين ، نضحها من معين نفسه السوداء المعبأة حقدا وكراهية على هذه الأمة ورجالها ونسائها وممثلي عنفوانها ، والقابضين على جمر ثباتها وصمودها وحفاظها وإبائها. ولا يجد المرء ردا أبلغ من قول من قال : إن كل إناء بالذي فيه ينضح. وإنه بعد بيع الأوطان ، وقتل الأطفال والنساء ، وتهجير نصف سكان سورية ، وتدمير الديار؛ هل بقيت شنيعة تضاف إلى السجل الأسود المطرز بدماء الأبرياء لنظام الخيانة والغدر المحفوظ بحفظ كل أشرار العالم ، بدوره الوظيفي لإخراج سورية الإنسان والوطن من مضمار الفعل الحضاري الإنساني والقومي والوطني على السواء ..

ولا ينتهي عجب العاقل وهو يتابع منتدى قوميا عربيا يعقد في ظل حراب ( الفرس الشعوبيين ) ، الذين يحتلون سورية اليوم من أدناها إلى أقصاها ، يزعم المتحدثون فيه أنهم عرب وأنهم قوميون !! ويقف بشار الأسد فيه يتحدث عن القومية العربية ، التي يجب أن تتحول من شعور إلى انتماء ومن انتماء إلى عمل واقعي ، كالذي قام به جيشه القومي العقائدي ، بتسليم البلاد إلى الشعوبيين العملاء ..

ولا ينسى بشار الأسد أن يؤكد على دور الوعي القومي العربي في دعم المقاومة الفلسطينية ، الوعي القومي العربي الذي يقوده قاسم سليماني ، والحرس الثوري الإيراني ، وميليشيات الحقد الشعبي ..

 أما تنظير بشار الأسد المتهافت عن علاقة العروبة بالإسلام فإنما تختصرها في واقع بشار الأسد ( عمامة فارسية سوداء ) تدعي الانتماء إلى أهل البيت وتعمل على قتل العرب ليل نهار ..!!

يقول السيد المسيح عليه السلام : من ثمارهم تعرفونهم ..

وهذا هو السجل الأسود لتاريخ بشار وأبيه ، يمر كشريط سريع منذ بيع الجولان في حزيران السابعة والستين إلى خيانة رفاق الدرب في مثل هذا اليوم 17 / 11 / 1979 / ، إلى حرب التمرير 1973 ، التي خسرت فيها سورية عشرات القرى الإضافية ، وانضم بسببها إلى جماهير النازحين عشرات الألوف من الذين منّ عليهم حافظ الأسد بلقب الوافدين ، إلى الحرب الأهلية في لبنان التي قتل فيها حافظ الأسد عشرات الألوف من اللبنانيين والفلسطينيين في تل الزعتر والكرنتينا وفي صبرا وشاتيلا وفي طرابلس ، والتي أدت إلى إخراج المقاومة الفلسطينية من لبنان ، وإبعاد الزعيم ياسر عرفات وإخوانه عن ساحة الصراع ، نفيا إلى تونس واليمن، وقُتل فيها سَراة أهل لبنان من أمثال المفتي حسن خالد والعالم الأكاديمي صبحي الصالح والزعيم كمال جنبلاط ورئيسا الجمهورية رينية معوض وبشير الجميل ، ثم إلى مذابح حماة وحلب وجسر الشغور وتدمر ، إلى السير في الركاب الأمريكي إلى حفر الباطن ضد العراق العربي ، وقبلها الاصطفاف المشبوه إلى جانب إيران الفارسية ضد العراق العربي في حرب الثماني سنوات ، ويمتد شريط الخيانة والإثم والألم ليخيم من جديد في لبنان حيث قتل الشهيد رفيق الحريري وكوكبة خيرة من رجال لبنان ، بعد تاريخ استمر لعقود ولبنان بكل طوائفه تحت استنزاف غازي كنعان ورستم غزالة الرجلان اللذان سلطهما حافظ وبشار الأسد على رقاب الناس ، ثم انتقم منهما ، تاريخ طويل أناخ بكلكله منذ سبع سنوات على صدور السوريين اصطف فيه خلف بشار الأسد الإيراني والروسي والأمريكي وكل أشرار الخلق وسفلتهم ..

تاريخ طويل من الخيانة والغدر والإثم والنكث ضاعت فيها في سورية حتى اللغة العربية التي يتباكى بشار الأسد عليها .

شهادة الواقع حين يشهد تصفع كل الوجوه السود التي تنطق بالإثم ، وتقطع الأيدي المريبة التي تصفق للباطل ..

لتظل جماعة الإخوان المسلمين بعقيدتها وفكرها ومنهجها ووسطيتها وهي الأنقى والأرقى والأبقى ؛ تنادي على أبناء الأمة المكلومة وقد تحزب عليها الأحزاب ، وجاؤوها بدعوة بشار الأسد من فوقها ومن أسفل منها : أن يا عباد الله اثبتوا ..فلن يضروكم إلا أذى ..

والله أكبر ولله الحمد

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

==============================

مؤتمر الرياض 2 .. رياض نعسان أغا

الاتحاد

السبت 18/11/2017

نحرص على أن ينجح مؤتمر الرياض المزمع عقده في 22/11/2017 في توسيع دائرة المشاركة عبر حضور منصة القاهرة ومنصة موسكو، وآخرين، وليس سرّاً أن هناك بين من يعلنون المعارضة شخصيات لم توافق على بيان الرياض، وهي أقرب إلى النظام منها إلى المعارضة. وهناك من يريدون حلاً بأي شكل حتى لو كان مخالفاً لأهداف الشعب المعارض، ولكن الأكثرية الكبرى في صفوف المعارضة من الفصائل ومن الائتلاف الوطني ومن هيئة التنسيق الوطنية ومن المستقلين أعلنوا تمسكهم ببيان الرياض، وأقبلوا على التفاعل الإيجابي مع المسار السياسي الدولي بمرجعية بيان جنيف والقرارات الدولية التي كانت جادة في السعي إلى حل نهائي عبر تشكيل هيئة حكم انتقالي غير طائفي كامل الصلاحيات، يشير إلى نهاية عهد الديكتاتورية وبداية عصر الديمقراطية في سوريا.

وقد أتيح لي أن أرافق مسار التفاوض في جنيف، وأن أحضر الإعداد له عبر اجتماعات الهيئة العليا في الرياض، بوصفي عضواً في الهيئة ومتحدثاً باسمها، وكنت دائماً أقول «إن دور الهيئة قد تحول إلى دور حارس المرمى، وبدت مهمته أن يمنع الفريق الخصم من إدخال أهداف في مرماه، ولكنه لا يستطيع على الغالب أن يدخل هدفاً في مرمى الخصم لأن دوره محدود جداً». وقد عبرت الهيئة عن حرصها الشديد على التمسك بالقرارات الدولية والالتزام بها، وحثت ديمستورا على أن يلتزم بهذه القرارات وبخاصة القرار 2254 الذي رسم مسار العملية التفاوضية وقبلنا به لأنه أفضل الممكن وتجاوزنا ملاحظاتنا وتحفظاتنا كي تنطلق عملية التفاوض. وكنا نشدد على أن يبدأ التنفيذ من المواد التي جعلها القرار مقدمات فوق التفاوض، وهي وقف إطلاق النار، وإطلاق سراح المعتقلين، وفك الحصار، وإدخال المساعدات الإنسانية إلى المناطق المحاصرة، وهذه القضايا مطالب أساسية للبدء بالتفاوض. لكن ديمستورا عجز عن تحقيق ذلك، وأراد إحالة هذه المطالب إلى جلسات التفاوض، خلافاً لما هو واضح في متن القرار، وهذا ما عطل مسار التفاوض في جولاته الأولى، فضلاً عن كون النظام أعلن رفضه القاطع لهذه المطالب التي اعتبرها القرار مرحلة حسن النوايا، ورفض الدخول في أي تفاوض يتحدث عن الانتقال السياسي.

كانت اتفاقية كيري- لافروف حول وقف إطلاق النار اتفاقية بين دولتين، غاب عنها النظام والمعارضة معاً، والتزم بها الثوار المقاتلون، ولكن روسيا كانت يومذاك لا تعترف بهم، وتنكر وجود معارضة معتدلة، وتمكنت من جعل محاربة الإرهاب الموضوع الرئيس، ولكن القصف بدأ ينهال على المعارضة وقواها من قبل النظام وروسيا ومن «داعش» أيضاً، وكان ينصب على المدنيين تحت لافتة مكافحة الإرهاب، وتعطلت مسيرة التفاوض مرة بسبب الحصار الخانق على مضايا وداريا والغوطة وسواها، ومرة بسبب القصف الوحشي على حلب، وسجلنا آلاف الاختراقات لاتفاقية وقف إطلاق النار، ولم تقبل روسيا حضور اللقاءات الدولية التي كانت تعقدها الهيئة العليا مع ممثلي وسفراء الدول الصديقة. ولم يتوقف حوار المعارضة عامة معها بعد أن تجسد تفردها بالملف السوري، ولاسيما في نهاية عهد أوباما وانشغال الولايات المتحدة بالانتخابات الرئاسية، وقد تلاها صمت مريب، تتخلله تصريحات متناقضة أحياناً، حتى ظهر الرئيس ترامب أكثر جدية في ملف الكيماوي الذي عطلته روسيا بالفيتو العاشر في سياق دفاعها المستمر عن النظام.

ولن أسرف في استعراض ما عانته الهيئة من خذلان دولي أحياناً، ومن صمت غير مبرر على استمرار النظام في القصف والعنف كما حدث قبل أيام في سوق الأتارب رغم صدور بيان مشترك حول الحل السياسي بين الرئيسين بوتين وترامب، أكدا فيه رفضهما للحل العسكري، وربما جاء قصف الأتارب إنهاء لفاعلية البيان بعد يومين من صدوره، ولاسيما بعد التنصل الروسي مما نص عليه الاتفاق حول عدم شرعية وجود الميليشيات الإيرانية.

ونرجو أن يكون لقاء المعارضة في مؤتمر الرياض القادم وقفة أكثر جدية في معالجة المعوقات التي جعلت الهيئة العليا للتفاوض لا تجد شريكاً تفاوضه، وتضطر إلى أن تصير حارس مرمى وطني، ونحمد الله أنها نجحت في منع دخول أي هدف معادٍ في مرماها.

========================

آذار وبحار الدم .. (الحلقة 33) حزب البعث يعقد مؤتمره القطري السابع ويكشف في تقريره الختامي عن بروز طبقة حزبية جشعة نمت كالطفيليات ويعترف بوقوع الحزب في أخطاء قاتلة في تطبيقه للديمقراطية الشعبية ويقر بانتشار المحسوبية والرشاوي في مؤسسات الدولة .. محمد فاروق الإمام

في هذه الأجواء المكفهرة والمضطربة دعا حافظ الأسد حزب البعث إلى عقد مؤتمره القطري السابع في (22 كانون الأول عام 1979- 6 كانون الثاني عام 1980م) لانتخابات حزبية. وقد واجه المؤتمر نقداً لأخطاء قيادة الحزب للدولة والمجتمع، وتبنى تقريره الداخلي تحليلاً أعمق من التحليل الإعلامي التعبوي والسياسي لما سماه بحركة الإخوان المسلمين.

لم يشخص المؤتمر الحركة كمجرد ظاهرة (تآمرية خارجية) بل كظاهرة (داخلية) أنتجها الواقع الاجتماعي الذي يعيش (إشكالات معاشية) و(بروز طبقة جديدة في المجتمع ذات ثراء وجشع كبيرين نمت كالطفيليات) و(الأساليب الخاطئة في تطبيق الديمقراطية الشعبية) و(بروز ممارسات غير ديمقراطية تحت عناوين ديمقراطية) وشيوع (النزوع نحو تجاوز الأنظمة والقوانين وحقوق المواطنين.. وانتشار الوساطة والاستثناءات والرشاوى.. وتدني الشعور بالمسؤولية وقلة المحاسبة)، واعترف التقرير أن (هذه المساوئ وإن وجدت سابقاً في قطرنا.. لكنها لم تكن معروفة داخل سورية بهذه الشمولية يوماً من الأيام).

شجع حافظ الأسد نفسه هذا التقييم ودفع به كثيراً، إلا أنه ورغم بروز التيار الراديكالي في المؤتمر الذي نادى باستخدام العصا الغليظة فإن الأسد تبنى خلال النصف الأول من عام 1980م بشكل خاص سياسة معقلنة يمكن تسميتها بسياسة الحمائم داخل الحزب بالدعوة إلى (المصالحة الوطنية) الذي تبناه معه (محمود الأيوبي) نائب الرئيس و(عبد الله الأحمر) الأمين العام المساعد للحزب الذي راح يطرح (المصالحة الوطنية داخل الحزب وخارجه).

لقد أوضح صراحة التطور المتسارع والحاد للعنف السياسي وما أثاره من إضعاف لهيبة الدولة وكسرها، خلخلة في الجهاز السياسي للدولة نفسها، لاسيما في الاتحاد الاشتراكي العربي الذي كان أمينه العام يومئذ (أنور حمادة) أحد رموز الانشقاق الذي حصل في جماعة الإخوان المسلمين عام 1954م، وأبدى نوعاً من رهان على الحركة الإسلامية في أجواء إشعاع الثورة الخمينية، ورفض أن يوقع على قرار حكومة (عبد الرؤوف الكسم) بحل مجالس النقابات المهنية والعلمية.

وامتد هذا التخلخل إلى بعض كوادر حزب الوحدويين الاشتراكيين المتحالف مع حزب البعث في (الجبهة الوطنية التقدمية)، حيث شكل أحد أعضائه تنظيماً سرياً صغيراً معارضاً حمل اسم (الحزب العربي الإسلامي) وضم بعض الضباط. أما الجهاز البعثي القيادي والقاعدي نفسه فيمكن القول بدقة إنه قد وصل في مدينة حلب في آذار عام 1980م إلى انهيار شبه تام. ولم يعد يعول عليه بعد أن قدم العشرات استقالاتهم من عضوية الحزب. فمن بين كل التنظيم البعثي في جامعة حلب لم يبق في أوائل آذار عام 1980م سوى سبعة أعضاء عاملين فقط، تولوا حراسة مبنى الفرع في الجامعة. إلا أن الضغط الأكثر خطورة أتى من كتلتين داخليتين أساسيتين هما:

أ- التكتل الحركي الإسلامي الذي تقوده (الطليعة).

ب- تكتل التجمع الوطني الديمقراطي الذي أعلن في منتصف آذار عام 1980م، وضم كلاً من الاتحاد الاشتراكي العربي جناح (جمال الأتاسي)، وحزب العمال الثوري، والبعث العربي الاشتراكي الديمقراطي جناح (الشباطيون) وحركة الاشتراكيين العرب جناح (أكرم الحوراني). إضافة إلى بعض التنظيمات الصغيرة القومية مثل (حركة الأنصار) وهي حركة ناصرية تتبنى منهج عصمت سيف الدولة، والتنظيم الشعبي الناصري (الدكتور خالد الناصر). وأما حزب العمل الشيوعي الذي لم تكن له صلة بالتجمع، فقد تبنى مؤتمر له في بيروت حمل السلاح بدعوى مقاومة (الإخوان المسلمين) مما أدى إلى تفكيك السلطة له منهجياً وجماعياً ووفق حملات متتالية.

يتبع

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com