العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد  26-09-2021


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

حروب بوتين "المقدّسة" 

مرح البقاعي 

سوريا تي في 

الاربعاء 22/9/2021 

هل تحوّلت روسيا في عهد فلاديمير بوتين إلى دولة دينية ترسم سياساتها الخارجية الكنيسة الأورثودوكسية وليس الكرملين؟ وكيف يمكن قراءة التأثير المتعاظم لكبير أساقفتها، كيريل الأول، على الرئيس بوتين وقد بدأ الأخير يعتمد على المباركة الربوية في خوض مغامراته العسكرية الخارجية في غير دولة كما فعل في أوكرانيا ثم سوريا؟ وهل القاسم المشترك الأعظم بين اجتهاد كنيسة موسكو من طرف، والشوفينية الروسية التي ترنو إلى استعادة أمجادها القيصرية من آخر، هو الحافز الأساس الذي شجّع بوتين على الغلو في حملاته وقد أضفى عليها غطاء دينياً مقدساً حين بارك كيريل الطائرات الحربية الروسية قبيل توجهها إلى سوريا في أيلول العام 2015؟ بل هل الحروب المقدسة التي يديرها قطبا موسكو، السياسي والديني، ممثلان برأسي الدولة والكنيسة كانت حقاً لحماية المسيحيين في سوريا من المتطرفين المسلحين لتنظيم الدولة (داعش)، أم أن هدفها غير المعلن إشغالُ الشعب الروسي بغزوات خارجية بدلاً من التركيز على الوضع الداخلي المأزوم سياسياً واقتصادياً لاسيما إثر هبوط أسعار النفط الذي يشكّل الحامل الرئيس للاقتصاد الروسي وتأثير الانهيار العالمي في الأسعار بليغاً على روسيا - واحدة من أكبر منتجيه في العالم؟ 

تلك أسئلة غاية في الأهمية أثيرت مجدداً في الشارع السياسي الدولي إثر إصدار الرئيس بوتين أطروحته السياسية التي أتت تحت عنوان "حول الوحدة التاريخية للروس والأوكرانيين". أما المضمون الذي بنيت الأطروحة على متنه فهو الرؤية الخاصة لبوتين وقراءته للتاريخ وتفسيره لمجرياته، وقد جعل حملته ضد أوكرانيا تبدو من خلال سطورها قضية نبيلة تتعلق بحقوق الشعبين الروسي والأوكراني التاريخية. 

فبوتين يرى أن "أوكرانيا المستقلة لا تتعدى كونها فكرة من أفكار العصر السوفييتي وقد تم تأسيسها على حساب الأراضي الروسية التاريخية". بل يجادل بوتين على مساحة خمسة آلاف كلمة بأن أوكرانيا ليست إلا مشروعاً غربياً مصمماً لتقويض دولة روسيا. ويختم بحتمية مطلقة قائلاً: "أنا مقتنع بأن السيادة الأوكرانية الحقيقية ممكنة فقط بالشراكة مع روسيا، فنحن رغم كل ما يحدث شعب واحد". 

منذ باشر بوتين حملته العسكرية على أوكرانيا قُتل ما يزيد عن 14 ألف مواطن أوكراني ونزح الملايين عن مدنهم بفعل الهجمات الروسية المتواصلة على امتداد السبع سنوات الأخيرة ابتداء من العام 2014. حدث هذا بينما تَواصل الاحتلال الروسي الرسمي لشبه جزيرة القرم مترافقاً مع نشر وحدات روسية قتالية إضافية على طول الحدود مع أوكرانيا، ما أخضع روسيا لعقوبات دولية قاسية ومتعاظمة بتعاظم التعنت الروسي وإصراره على عدم التراجع عن موقفه السياسي والعسكري الخطير هناك، وكذا أدّى إلى خلق حالة من التجاذب السياسي بين روسيا من جهة، والغرب الأميركي والأوروبي من أخرى، هي أشبه بحرب باردة جديدة. 

ومن الواضح أن قرار بوتين بالتمترس في موقفه يعود إلى رغبته في "خربطة" الأوراق السياسية الدولية وإحداث مواقع جديدة للمواجهة مع الغرب هدفها الإعلان عن عودة روسيا إلى الملعب الدولي بقوة سلاحها إثر انهيار الاتحاد السوفييتي بقوة سياسات الغرب. فهو يجزم أن انحياز أوكرانيا إلى المعسكر الغربي، الذي بدأ مع اندلاع الثورة البرتقالية في العام 2004، إنما جاء كنتيجة مباشرة لغياب روسيا القوية خلال فترة انحسار الاتحاد السوفييتي. 

أما ثورة السوريين في العام 2011 فكانت تحت مجهر حلفاء النظام السوري في موسكو منذ أيامها الأولى. فالفكر الشوفيني الانعزالي المتقمّص لقيم الاشتراكية والعدالة الاجتماعية المدّعاة في موسكو إنما يمثل البعد الأيديولوجي لنظام البعث الحاكم على امتداد خمسة عقود من الزمن مع حكم الأسدين الأب والابن. 

من هذا المنطلق بدا التحالف الاستراتيجي العميق بين دمشق وموسكو مدخلاً مشروعاً ستستغله الأخيرة في العام 2015 في مشهد طقسي خالص، مدّعيةً حماية الأقليات المسيحية إثر تعاظم عمليات متطرفي داعش وتكرار اعتدائاتهم على رموز الدين المسيحي في سوريا. ومن طرف آخر، أرادت روسيا من تدخلها في سوريا أن تخطو خطوة متقدمة باتجاه سواحل البحر المتوسط المتشاطئة مع المياه الأوروبية لتشهر حرباً باردة جديدة على أعتاب القارة العجوز انتقاماً لانهيار جدار برلين، ولتضع بالتالي دولَ الاتحاد الأوروبي ومن ورائها الولايات المتحدة الأميركية في مواجهة مسؤوليات وأعباء حربها تلك غير المعلنة. 

لقد اتخذ بوتين من الأرض السورية مساحة مثالية لتوطيد دعائم عودته إلى الحلبة الدولية بعد أفول نجم الاتحاد السوفييتي، وكذا لتثبيت قواعد روسيا العسكرية على شواطئ المياه الدافئة لأول مرة في تاريخها كما في قاعدة حميميم على الساحل السوري. ورأى بوتين في تقدّمه نحو المتوسط مربّعاً مثالياً لممارسة هواية المبارزة مع الخصم الأميركي اللدود الذي يقيم قواعده في الجهة المقابلة من الحدود السورية، بينما يشتدّ أوار المنافسة على تبادل الأدوار واقتسام النفوذ في سوريا المنهكة من حروب تطاولت على أرضها وشعبها، وبدّدت الحلم الذي قاده ثوار العام 2011 السلميّون بهدف تحقيق التغيير السياسي المنشود وإقامة دولة جديدة تواكب العصر في الحكم الرشيد والتعددية المجتمعية وسيادة القانون. 

فصل المقال يكمن في محاولة بوتين تسويق "المقدّس" في حربه على الشعب السوري الكليم على أنه تنفيذ لإرادة السماء في حماية المسيحية الأورثودوكسية في بلاد الشام، بينما كانت  حرب "البراميل" العمياء تثير بقوة في الذاكرة الشعبية مشاهد مؤلمة من تاريخ الحملات الاستعمارية على المنطقة على هيئة الحملات الصليبية التي الصليب منها براء. 

========================= 

وجهة نظر : مسألة قانونية عن الفجور الروسي والتواطؤ الدولي يثيرها الأستاذ الكريم شيخ الحقوقيين السوريين "هيثم المالح"

زهير سالم

مركز الشرق العربي

24/ 9/ 2021

وتتلخص المسألة في تمادي الفجور الروسي وهو المحتل الغازي والقاتل أن يتهم أحد الثوار السوريين بالقتل، ويوظف اللأنتربول لخدمة فجوره وعدوانه,,

يستنهض الأستاذ هيثم همم جميع السوريين ، ولاسيما قيادة الإئتلاف إلى التصدي قانونيا لهذه العملية، التي يمكن أن تتحول إلى نهج وطريقة..

وسأنقل عن الأستاذ هيثم تقريره عن الواقعة، داعيا كل الأحباب إلى التفاعل مع القضية، ,وإثارتها، والاحتجاج عبر وسائل التواصل عليها ..

كما أدعو كل الشخصيات المركزية والاعتبارية أن تدلو بدلوها في الاحتجاج على السلوك الروسي، وعلى التجاوب الدولي مع الواقعة ...انصر قضيتك ولو بتغريدة أو منشور ..

الفجور الروسي - الأستاذ هيثم المالح

على صفحة إعلامية لما يسمى ( السورية نت ٩/٢٤ ) للعام الحالي ، اطلعت على خبر

غريب في بابه تحت عنوان :

( روسيا تصدر مذكرة إعتقال دوليةبحق سوري …… وتنشر اسمه وصورته )

وتتمة الخبر ، أصدر القضاء الروسي مذكرة إعتقال غيابية بحق مواطن روسي ، اتهمته موسكوبالمشاركة في قتل الطيار الروسي ، أوليغ بيشكوف عام ٢٠١٥، وأعلنت لجنة التحقيق الروسية الخاصة اليوم الخميس ، أنها حددت متورطا آخر بمقتل الطيار أوليغ ، والعنصر في مشاة البحرية ، الكسندر بوزينيتش ، مشيرة إلى أنها تعرفت عليه من خلال صورةانتشرت عبر الإنترنت ، أظهرته وهو يقف بجانب جثة الطيار الروسي ويحمل السلاح .

وفي هذا الصدد ، تم اتخاذ قرار باحتجازه باعتباره متهما ، بالقتل والشروع في القتل ، وتدنيس جثة المتوفى كجزء من جماعة مسلحة غير شرعية .

عقب اطلاعي على الخبر ، والذي يمثل خطوة خطرة وغير مسبوقة ، باتخاذ صفة المقرر والحكم من قبل قوى غازية ليس لها مشروعية في غزوها ، بمواجهة شعب ثائر على سلطة غير شرعية .

اتصلت بالأستاذ ياسر فرحان الذي كنت أظنه في اللجنة القانونية في الإئتلاف ، من أجل التحرك في الأتجاه الصحيح ، فعلمت منه بأن اللجنة القانونية قد تم حلها ولا وجود لها

ولقد فوجئت بهذا الخبر فكيف تحل اللجنة القانونية وهي من اللجان السيادية في هذا الجسم ، وهي أهم لجنة على الإطلاق ، وصحيح أن من كان بيده ( الأمر) تجاهل هذه اللجنة منذ تأسيس الإئتلاف ، فلم يوجه لها أي سؤال حول أي مسألة قانونية بدء من إصدار الجوازات التي أصدرها ( سفير الإئتلاف ) في تركيا ، وانتهاء بتشكيل ما سمي اللجنة الدستورية ، التي اخترع تشكيلها ، المندوب الأممي إلى سورية ، ديمستورا تنفيذا لمخطط روسيا في تصفية الثورة السورية ، فلم تسأل اللجنة القانونية أي سؤال حول ما هو داخل في اختصاصها الطبيعي .

وهكذا تبين أن ، لا الائتلاف ولا غيره ممن تصدر المشهد السياسي السوري ، قد اطلع على التحرك الروسي المشبوه ، الذي وضعت عنوانه آنفا ، ولكني أعود لأبين مدى خطورة الخطوة الوسية هذه .

فأولا بموجب ميثاق الأمم المتحدة ، لايجوز لأية دولة عضو في الأمم المتحدة التدخل في الشان الداخلي لاية دولة أخرى عضوة في المنظمة الدولية ، ومعلوم أن سورية ( الدولة)

عضو في الأمم المتحدة ، وبالنظر إلى أن السلطة التي كانت تحكم الدولة نيابة عن الشعب قد فقدت شرعيتها بالنظر للثورة التي خاضها الشعب السوري منذ آذار ٢٠١١ ، ومن بديهيات الامور أن أية سلطة في العالم تستمد مشروعية حكمها من تفويض الشعب عبر الانتخابات وغيرها من مؤسسات الدولة ، وبالتالي فالثورة التي خاضها شعبنا قد أدت إلى سحب البساط من تحت السلطة التي كانت حاكمة للبلد بتفويضه .

أقدم بشار الاسد الفاقد للشرعية على استدعاء روسيا وإيران ، للتدخل إلى جانبه في صراعه مع الشعب الثائر ، واستجابت هاتان الدولتان للتدخل العسكري ، وأحضرتا معهما ميليشيات ومرتزقة من دول متعددة ، باكستان وأفغانستان و العراق و لبنان واليمن ، وبآلاف مؤلفة من هذه الدول ، ودخلت مع قواتها من الطيران والدبابات وبشكل خاص دولة روسيا التي جربت العديد من أسلحتها الحيثة في سورية ، فضلا عما مارسته ، إيران الملالي من عمليات ومجازر وكلها ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ، ضد الشعب السوري

ولغت بها هاتان الدولتان ، بعد دخولهما غير الشرعي إلى سورية ، علما أن طلب بشار الاسد منهما التدخل ، لا يضفي عليهما الصفة الشرعية ، لأسباب من أهمها ، ما شرحته في أول هذه الكلمة ، وثانيا لان بشار فقد شرعيته مع بداية الثورة ، واستعماله للقوة العسكرية في محاولته إخماد الثوره .

وبالتالي طالما أن الغزو ، الروسي والإيراني ، هو غزو غير مشروع ، وتعتبر قواتهما ، وما جاء معهما حتى لوكان مدنيا ، هدفا مشروعا للثوار ، وفق معاهدات جنيف الاربعة ، ومن هنا على من يملك أن يكتب ويوجه الخطاب للامم المتحدة والمنظمات الدولية ، فإن عليه المسؤولية ، والخطوة التي خطتها روسيا هي خطوة تندرج في باب العدوان على الشعب السوري ، وعلى الجميع الحذر واتخاذ الخطوات المناسبه.

وماتوفيقي إلا بالله ، عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون ، وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.

____________

*مدير مركز الشرق العربي

========================= 

خفض التصعيد "سياسياً" إلى أين؟ 

بشار الحاج علي 

سوريا تي في 

الاربعاء 22/9/2021 

هل ستنهي تكتيكات خفض التصعيد قوى الثورة والمعارضة سياسيًا كما تم تحجيمها وإضعاف دورها ميدانيًا؟ 

يعرف مصطلح خفض التصعيد بالسيطرة ووقف الأعمال القتالية والمواجهة في المدن والأراضي، بهدف خلق مناطق أقل توترًا وأكثر أمنًا للسكان، حيث لا ترقى لتكون مناطق آمنة تماما لكنها أقل خطورة. 

وظهر هذا المصطلح كحالة في الواقع السوري عام 2017 في أحد اجتماعات ثلاثي آستانة الذي يتكون من روسيا وتركيا وإيران بصفتهم فاعلين على الأراضي السورية ولهم نفوذ على القوى العسكرية المتصارعة حيث تم توقيع ما سمي اتفاقات خفض التصعيد بين هذه الدول، وليس الأطراف السورية، لكن بصفتها قوى ضامنة لأطراف تحت نفوذها أو لنقل لها تأثير عليها. 

وفي الواقع كانت هذه الاتفاقات تمثل تكتيكات اتبعتها هذه القوى الإقليمية لإدارة الصراع وتحقيق مصالحها التي ليست بالضرورة  تلتقي مع مصلحة السوريين عموما، مما انعكس بشكل سلبي على قوى الثورة والمعارضة وجعلها تنحسر وتفقد السيطرة على مساحات واسعة ومدن وقرى وإعادتها إلى سلطة الدكتاتورية وسلمت الكثير من الناشطين والثوار والمدنيين لقوى الاعتقال والقتل، وتركتها رهينة لانعدام الأمن والخدمات ومتطلبات العيش بعد أن دمرتها قوى البراميل والصواريخ، وأصبحت ساحة للخطف والاغتيالات. 

ورويدًا رويدًا أدت اتفاقات خفض التصعيد لقضم مناطق الثورة والتي سميت بالمناطق الخارجة عن سيطرة السلطة الحاكمة لتصبح "شكلاً" تحت هيكل الدولة السورية بينما هي مساحة للانفلات من المحاسبة وللتصفيات وللتفريغ من المطالبين بالتغيير، وأصحاب الرأي. 

بالإضافة لذلك انعكست سلبًا على القدرة التفاوضية وقوة الموقف في المحافل الدولية والعملية السياسية في جنيف وإمكانية الضغط من خلال المطالبة بالحل السياسي وفق قرارات مجلس الأمن الدولي، حيث أصبح التأثير محدودًا ومحكومًا بإرادة الدول الضامنة، في حين أعطت للسلطة الدكتاتورية وحلفائها الفرصة والقدرة على التملص والتسويف. 

وهكذا انتقلت تكتيكات خفض التصعيد من الميداني العسكري إلى السياسي المحلي والدولي حيث مصالح الدول المتدخلة على مصالح الشعب السوري بشكل عام وعلى حساب الثورة والمعارضة بشكل أكبر. 

وما يثير الاهتمام حاليًا وهو جدير بالوقوف عنده وإيجاد حلول مناسبة قبل الندم ساعة لا ينفع الندم أن يقع السوريون باتفاقات خفض تصعيد سياسي على غرار سابقاتها من الميداني العسكري. 

بمعنى أن يتم تفريغ الثورة والمعارضة من شرعيتها من خلال سحب التسويات المحلية لجعلها بمنزلة حل سياسي وتسويق معارضات داخلية مخترقة وموالية أو غير قادرة على الفعل واستخدامها في تفكيك قوى الثورة والمعارضة ولي عنق القرارت الأممية وتطويعها لتكون الطريق في تعويم الدكتاتورية خاصة في ظل انشغال دولي بملفات أخرى وتراجع أهمية سوريا والشعب السوري في الأجندة الدولية سواء بسبب التناقضات في رؤية الحل أم لتطورات أخرى على الساحة السياسية الدولية خاصة في شرق آسيا، والتنافس الأمريكي الصيني، وتطورات الشراكة الأمريكية - البريطانية - الأسترالية، وما نتج عنه من توتر مع فرنسا… 

ولهذا يجب على السوريين كل السوريين الحفاظ على الحد الأدنى الذي يلبي طموحات الشعب السوري في التغيير من خلال التمسك بشرعية جنيف وشرعية الانتقال السياسي من خلال القرار 2245 والذي ينص على ضرورة إيجاد حكم شامل للجميع  ذي مصداقية وتحقيق بيئة آمنة والعودة الطوعية للاجئين المهجرين. 

ولا يمكن ذلك دون تحقيق العدالة الانتقالية ومحاسبة المجرمين. 

وهذا يتطلب الحفاظ على المؤسسات الممثلة لقوى الثورة والمعارضة لأنها الطرف السوري الرسمي كممثل عن الشعب السوري وخاصة الائتلاف الوطني السوري لقوى الثورة والمعارضة وما تلا ذلك من مؤسسات مثل هيئة التفاوض السورية. 

وهذا يحتم الاستمرار في إصلاح هذه المؤسسات ورفدها بالخبرات وتقديم الاستشارات. 

ولابد أيضًا من تشكيل رأي عام سياسي ضاغط متمسك بالقرارات الأممية ذات الصلة بالحل السياسي وهذا يتطلب من الفاعلين السوريين على اختلاف وجهات نظرهم ومرجعياتهم الفكرية والسياسية، أن يلتقوا ليضعوا هذا الحد كحد أدنى مقبول للبدء في التغيير الديموقراطي بما يحقق كرامة السوريات والسوريين. 

ويكون هذا اللقاء الوطني بمنزلة موقف ورسالة موحدة للداخل لكل السوريات والسوريين وللخارج لكل الفاعلين الدوليين ليقف الجميع أمام مسؤليتهم في صيانة أمن وكرامة الشعب السوري. 

إن الانشغال الدولي يجب ألا يدفعنا للقبول أو للسكوت فنحن قضيتنا سوريا أولًا وأخيرا وأجندتنا سورية وليس اهتمامات القوى الدولية وأجنداتها. 

ولهذا فإن لقاء وطنيا للفاعلين والناشطين السياسيين لا يتطلب الكثير من الإعداد ولا الورقيات بل الإرادة والدافع الوطني والإنساني لتأدية الواجب في التأكيد على احترام سيادة سورية واستقلالها والمطالب المحقة بنظام ديمقراطي حقيقي يشمل الجميع، وفقًا للقرارات الأممية. 

وإعادة توجيه البوصلة الوطنية بشكل عام فمن هم خارج تأثير العصابة وخارج الارتهانات هم أمل الجميع، وربما دق ناقوس الخطر لمصلحة القوى السياسية المعارضة أيضًا لأن انتهاج تكتيكات "خفض التصعيد السياسي" هدفها إنتاج معارضة داخلية على نمط الجبهة الوطنية التقدمية المحكومة من حزبيي البعث والأمن. 

إن استمرار هذه السلطة الحاكمة والمغتصبة للدولة السورية سيؤدي لانهيارها وما يلاحظ من هجرة كبيرة من داخل سورية إلى خارجها وخاصة من مناطق سيطرة المنظومة الحاكمة ما هو إلا مؤشر على خطورة بقائها على سوريا شعبًا وأرضًا. 

========================= 

سورية .. ترتيبات المرحلة المقبلة 

مروان قبلان 

العربي الجديد 

الاربعاء 22/9/2021 

فيما يشتدّ تفشّي وباء كورونا في مناطق شمال غرب سورية، تتجه الأنظار إلى القمة الروسية - التركية التي تعقد في سوتشي، في وقت لاحق من شهر سبتمبر/ أيلول الحالي، على وقع تصعيد روسي يهدف إلى فرض وقائع جديدة في المنطقة الأخيرة من مناطق ما يسمّى "خفض التصعيد". إذ تعمد موسكو، بعد أن أحكمت قبضتها على مناطق الداخل، إلى وضع ترتيبات خاصة بالمناطق الطرفية (الحدودية) التي تقع خارج سيطرتها، في إطار تفاهمات ثنائية أو متعدّدة الأطراف مع دول الجوار. في جنوب غرب البلاد، تمكّنت موسكو، بالتنسيق مع الأردن (وإسرائيل)، من إنهاء العمل باتفاق 2018، وإعادة المنطقة إلى سيطرة النظام، تمهيداً لإعادة فتح الحدود كلياً مع الأردن والاستعداد لتنفيذ اتفاق نقل الغاز والكهرباء إلى لبنان عبر سورية، والذي أجازته الولايات المتحدة. 

وما إن أنهت موسكو ترتيب الأوضاع في جنوب غرب البلاد، حتى انتقل تركيزها إلى الشمال الذي تحكمه معادلات قوة مختلفة، والمرشّح لتطورات مهمة في المدى المنظور. في الشمال الغربي، تسعى روسيا الى إلزام تركيا بفتح الطريق الدولي "إم 4" الذي يربط بين حلب واللاذقية، بموجب اتفاق الخامس من مارس/ آذار 2020، ودفع قوات المعارضة إلى شمال الطريق. وتحاول روسيا هنا على ما يبدو تكرار سيناريو السيطرة على طريق "إم 5" الرابط بين حماة وحلب، مطلع عام 2020، إذا فشلت قمة سوتشي في التوصل إلى اتفاق بهذا الشأن. تبدو أهداف روسيا في هذه المرحلة محدودة، فهي على الأرجح لن تغامر بمعركةٍ شاملةٍ في إدلب تكون مكلفة سياسياً وعسكرياً، تضعها في مواجهةٍ مباشرة مع تركيا، كما حصل مطلع عام 2020، وتقوض الحوار الروسي - الأميركي الذي نجح في شهر يوليو/ تموز الماضي، بعد قمة بوتين - بايدن في جنيف، في الاتفاق على تمديد آلية إدخال المساعدات الإنسانية إلى سورية عبر معبر باب الهوى، كما أن حملة كبيرة في إدلب ستعرض العلاقات الروسية - الأوروبية لمزيد من التدهور، إذا حصلت موجة لجوء جديدة، فيما يصارع الجميع لاحتواء وباء كورونا. خلاف ذلك لا تريد روسيا، على ما يبدو، ولا هي مستعدّة، أقله الآن، لتحمل مسؤولية نحو أربعة ملايين سوري يعيشون في مناطق الشمال الغربي، فيما يمكن إبقاء العبء ملقىً على كاهل الأتراك والأمم المتحدة. 

في الشمال الشرقي، تبدو الترتيبات أعقد قليلاً بالنسبة إلى الروس، بسبب وجود "جار" إضافي كبير، هو الولايات المتحدة، إلى جانب تركيا طبعاً. وفيما تتفق روسيا وتركيا في رغبتهما فدفع الولايات المتحدة للخروج من المنطقة، روسيا لأنها تريد عودة النظام ووضع يدها على ثروات المنطقة (نفط - غاز - قمح - قطن... إلخ)، حيث تسعى تركيا إلى القضاء على مليشيات قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تعدّها فرعاً لحزب العمال الكردستاني الذي يقاتل من أجل الانفصال في تركيا، فإنهما تختلفان على كل شيء آخر تقريباً. بالمثل، تختلف "قسد" والمعارضة السورية جوهرياً في الرؤى والمواقف، إلا أنهما تتمسّكان ببقاء الأميركيين في المنطقة. 

وعلى الرغم من غياب ضغوط داخلية أو على الأرض، كما في أفغانستان، لسحب نحو 900 جندي أميركي من شرق سورية، إلا أن هذا الاحتمال لا يمكن شطبه نهائياً، في ظل توجه واشنطن إلى التركيز كلياً تقريباً على الصين. إذا حصل هذا، من غير الواضح الطرف الذي سيعمد الأميركيون إلى التنسيق معه لملء الفراغ، وتولي مهمة مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في الشرق السوري: "الحليف" التركي الذي سيبطش بالأكراد، وقد كانوا ذراع واشنطن في محاربة "داعش"، ولهم أصدقاء كثر في إدارة بايدن، أم "الخصم" الروسي الذي يمكن لواشنطن أن تضمن معه للأكراد نوعاً ما من لامركزية إدارية في مناطقهم. هذه الهواجس هي ما دعت قيادة مجلس سورية الديموقراطية (مسد)، الجناح السياسي لـ"قسد"، والتنظيم الكردي الأبرز في مناطق شرق الفرات، إلى زيارة موسكو وفتح الأبواب معها، استباقاً لأي تطورات محتملة بهذا الاتجاه، بدل الاستمرار في الرهان على وفاء "الحليف" الأميركي، وانتظار اتضاح مصيرها في بازار المفاوضات الثلاثية الجارية بين موسكو وواشنطن وأنقرة، كما تفعل المعارضة السورية القابعة في إسطنبول، وغيرها، بانتظار معجزةٍ تنقذها من مصيرٍ يبدو، وفق أدائها، بائساً محتوماً. 

========================= 

مصير التطبيع مع الأسد كمصيره مع الصهاينة 

أحمد موفق زيدان 

عربي 21 

الثلاثاء 21/9/2021 

لأكثر من عقد، والشعب السوري يدفع فاتورة باهظة للخلاص من العصابة الطائفية، المسنودة باحتلالات متعددة، يقابلها سعي عالمي محموم لتمكين العصابة مجدداً من رقاب الشعب السوري. لم يأبه العالم كله بمليون شهيد سوري، في فترة زمنية قصيرة جداً، مقارنة بخسائر الجزائر وغيرها التي امتدت لعقود. ولم يأبه هذا العالم لكل عذابات السوريين الذين فضلوا أن يُقتلعوا من أرضهم وديارهم وبيوتهم، على أن يعيشوا تحت سلطة عصابة السكاكين والبراميل المتفجرة والكيماوي، وكل ما تفتقت عنه عصابات القرووسطية من عقلية إجرامية. 

لأكثر من عقد والعالم يحاول سلب السوريين قرارهم الخارجي، تحت مسميات مختلفة؛ اتفاق جنيف، وسوتشي والأستانة، واللجنة الدستورية، وغيرها، ولكن لم يتمكن من سلبهم قرارهم بمواصلة رفض العصابة الطائفية ولفظها. إذ العلاقة عكسية تماماً بين سلب القرار ومحاولة استعادته، فمع كل محاولة لسلبه المتمثل بفرض العصابة على الشعب، يزداد رفض السوريين للأسد وعصاباته، ويؤكد معه السوريون من جديد أن لا تصالح مع العصابة التي اقترفت كل هذا، مع من يفترض أن يكون شعبها. 

اليوم نرى تطبيعاً من الأردن بعد زيارة العاهل الأردني إلى واشنطن، وبالتأكيد ما كان لخطوط الغاز المارّة في درعا باتجاه لبنان أن تمرّ، لولا الموافقة الأمريكية على خرق قانون قيصر الذي اقترحته بنفسها، فتزامن خرقه نفطياً مع خرس أمريكا على صهاريج النفط، التي نقلت النفط من الباخرة الإيرانية إلى جمهورية حزب الله في لبنان. وصاحب ذلك تصريحات من البطريرك اللبناني بشارة الراعي المعروف بدفاعه عن نظام البراميل المتفجرة، فدعا إلى إعادة قسرية للاجئين السوريين للعصابة الطائفية، على الرغم من أن اللجنة الدولية لتقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة أقرّت أخيراً بأن البيئة غير مناسبة لإعادة اللاجئين، وأن ثمة خطورة في إعادتهم، وعنونت منظمة العفو الدولية تقريرها المفزع بـ"عائد إلى الموت". 

كان من المتوقع أن يأتي تصريح الراعي على لسان سياسي شبيح مؤيد للأسد، أما أن يأتي من رجل دين فهذا غير مسبوق في تعاطي رجال الدين - أي دين - مع مآسٍ تمر بها الشعوب، مما يؤكد وقوف البطريركية منذ اليوم الأول إلى جانب العصابة في دمشق ضد السوريين، ولا تزال، وهو ما كشفته تصريحات كثيرة سبقت هذا التصريح للأسف. 

الطعنة الثانية أتت للسوريين من الأردن، في استقبال رئيس الأركان الأردني لوزير دفاع العصابة الطائفية، والأغرب أن يكون حديثهما هو التنسيق في مكافحة الإرهاب والتهريب، بينما العالم كله شهد إرهاب العصابة الطائفية التي جلبت المحتلين إلى حدود الأردن، وقذفت إلى الأردن بمئات الآلاف من اللاجئين نتيجة إرهابها، وإغراقها الأردن - بشهادته نفسه - بالمخدرات والكبتاغون، ومع هذا يصر الأخير على الترويج للتطبيع مع العصابة الطائفية. 

الجزائر بلد المليون شهيد على مذبح الحرية والتخلص من الاستبداد؛ يقوم اليوم وزير خارجيته بدعوة قاتل المليون شهيد سوري لحضور اجتماع الجامعة العربية المقبل في الجزائر، ليس لدينا ما نقوله إلاّ مطالبة أحرار الجزائر بألاّ يسمحوا لقاتل المليون شهيد أن يُدنس تراب المليون شهيد جزائري، فإن لم يكن حباً وتأييداً لثورة المليون شهيد سوري، فلا أقل من الحفاظ على ما تبقى من رمزية المليون شهيد جزائري. 

للأسف ما زلنا نسمع عن لقاءات بين مسؤولين أتراك والعصابة الطائفية، يقابله تصعيد للعصابة والاحتلال في المناطق المحررة في الشمال السوري المحرر، وهي المنطقة الوحيدة الباقية ليعيش فيها خمسة ملايين مشرد انشقوا عن العصابة الطائفية، من محافظات عدة، يعيشون تحت لهيب شمس آب، وتحت أمطار وبرد كانون، ومع هذا يستكثر عليهم الاحتلال هذه العيشة. 

ما يجري في البادية وعودة تنظيم الدولة (داعش) لمهاجمة العصابة الطائفية، وسدنتها المحتلين (الروس والإيرانيين)، سيدفع بعض السوريين إلى إعادة التفكير، لا بالتخلي عن الخيار السياسي والتفاوضي مع العصابة، وفقد الثقة بالمجتمع الدولي فحسب، وإنما سيدفعهم حتى إلى التفكير بالالتحاق بتنظيم الدولة. وثمة مؤشرات عملية على هذا، على الرغم من قناعة الغالبية في مسؤولية التنظيم عن ضياع الثورة السورية. ومثل هذا المؤشر خطير ليس على السوريين فحسب، وإنما على الجوار كله. 

التخلي عن الشعب السوري، ودعم الاحتلال وذيله، لا يمكن أن يمر على السوريين بعد كل هذه المعاناة، كل ما في الأمر أنه سيضع بنظر السوريين كل من يُطبع مع الأسد في خانة قتلته وجلاديه على السواء. وقد رأينا عاقبة من سعى إلى التطبيع مع الصهاينة متجاوزاً الشعب الفلسطيني؛ كانت العاقبة أن الفلسطينيين والأحرار معهم لفظوه، وصنفوه في خانة الصهاينة، فكما أن الحياة مع القاتل في فلسطين غير ممكنة، فالحياة مع أجيره في دمشق أكثر استحالة. لقد حسم السوريون معادلتهم مع الأسد الكيماوي وأسياده؛ "لا شيء يتغير في سوريا، ما لم يتغير كل شيء". 

========================= 

هل تعدى المبعوث الأممي إلى سوريا على اختصاصاته؟ 

بهية مارديني 

سوريا تي في 

الثلاثاء 21/9/2021 

تبدو زيارة وفد المعارضة السورية المؤلف من رئيس الائتلاف الوطني السوري ونوابه ومسؤولين فيه ورئيس هيئة التفاوض السورية ورئيس مكتب العلاقات الخارجية وعضو يمثل المجلس الوطني الكردي والرئيس المشترك للجنة الدستورية إلى نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العمومية وفي جدولها لقاء مع الأمين العام للأمم المتحدة وبعض وزراء الخارجية، تبدو زيارة أساسية وفي وقتها مع التساؤل ما مهمة المبعوث الأممي إلى سوريا غير  بيدرسون؟ ولعلَّ هذا السؤال يزداد أهمية مع زيارته الأخيرة لدمشق وتصريحاته المثيرة للجدل التي أطلقها هناك وتحدث فيها عن الظروف المعيشية للشعب السوري، فيما رأى دبلوماسيون في هذه الكلمات تعديا على اختصاصه، ولكن بداية لماذا؟ 

يؤكد دبلوماسيون أن تصريحات بيدرسون جاءت بعد أن سمح له النظام السوري بالحضور إلى دمشق بضغط من موسكو بعد أن رفض النظام قدومه لفترة طويلة بسبب تقريره لمجلس الأمن الذي أوضح فيه لأول مرة ولو بشكل موارب مسؤولية وفد النظام في تعثر اللجنة الدستورية. 

وبالتأكيد ليس من صلاحياته البحث في النقاط التي ذكرها فقد قال: "بحثنا في التحديات الاقتصادية والإنسانية المتعلقة بمعيشة السوريين، وكيف يمكن لنا تحسين الوضع العام". فما علاقته بالتحديات الاقتصادية والإنسانية ومعيشة السوريين وهو مكلف بتسيير المفاوضات بشأن وضع دستور جديد لسوريا؟ وما علاقة تلك الموضوعات بكتابة دستور للبلاد؟. 

 لم يتمكن بيدرسون في جميع جولات التفاوض السابقة من الدخول في نقاش بند أو حتى حرف واحد من الدستور، بل ولا حتى وضع منهجية للمفاوضات ولا تحقيق نقاش مثمر حول أي موضوع يتعلق بالدستور في أي من جولات التفاوض المزعوم، إذ إن كل ما جرى كان محاولات من وفد النظام لتمييع المواقف وإضاعة الوقت استنادا إلى آراء معارضين حضروا العديد من الاجتماعات السابقة معه. 

ويؤكد بسام العمادي سفير سوريا السابق في السويد في تصريحات خاصة لتلفزيون سوريا أن بيدرسون ربما يريد إرضاء دمشق بهذه التصريحات التي ذهب بها بعيداً في النقاط التي ناقشها والتي لا علاقة لها في الحقيقة بموضوع اللجنة الدستورية. 

وليبين لدمشق أنه ليس منحازاً للمعارضة كما تتهمه دمشق زوراً وبهتاناً، بل يرضيها لتسمح له بالاستمرار في وظيفته، ولو لم يكن كذلك لما اضطر للحديث عن نقاط يعلم تماماً أنها ليست من ضمن مهامه ولكنه كان مطالبا بالتصريح بها أمام المجتمع الدولي. 

في واقع الحال وبعد سنوات من القتل والتدمير  يعد بيدرسون السوريين باستمرار بالتقدم دون أن نلمس أي شيء على الأرض رغم اللقاءات المتكررة والجولات المكوكية، لذلك يشير العمادي إلى أن بيدرسون والوسيط السابق ستيفان ديمستورا ومعظم الوسطاء الذين تعينهم الأمم المتحدة يريدون الاستمرار في العمل وخاصة إذا كانوا من المتقاعدين، فهذا يعيد إليهم شيئاً افتقدوه وفقدوه، وكذلك يجب ألا ننسى الراتب الكبير والتعويضات التي يتقاضونها في هذا العمل، لذا نلمس أنهم يحاولون إعطاء أمل كاذب بتحقيق تقدم في عملهم حتى ولو كانوا يعلمون بأن مهمتهم مستحيلة. وهم يعللون استمرارهم في تصريحاتهم غير المعلنة بأن لديهم أملاً بتغيير الوضع بالرغم من وضوح فشلهم بعد المدد الطويلة التي يقضونها في مهامهم. 

والملاحظ أن كوفي عنان استقال بعد فترة قصيرة لأنه أدرك أنه لا يمكن التوصل لأي تقدم مادامت روسيا تقف بقوة مع النظام السوري وتدعمه سياسياً وبشكل مختلف عما يريده المجتمع الدولي من عودة سوريا كدولة مقبولة في هذا المجتمع. 

ولم يتجاوز بيدرسون صلاحياته بحسب بعض المعارضين السوريين الذين شعروا بالاستياء أخيرا وخاصة أن بيدرسون التقى الائتلاف الوطني المعارض بعد زيارته لدمشق ولم يكن في جعبته أي شيء فيما ينتظر رد النظام لتحقيق أية انفراجة في الحل السياسي واللجنة الدستورية  وخاصة أن الجولة السادسة للجنة من المفترض أن تعقد قبل انتهاء النصف الأول لشهر تشرين الأول/أكتوبر المقبل ليبقى الخلاف قائما منذ الجولة الماضية حول المنهجية وكيفية طرح المبادئ الأساسية للدستور القادم، وكيف سيتم بحثها. 

ولكن السؤال الآخر الذي يطرح نفسه أيضا ماذا  كان يقصد بيدرسون بالمرونة التي طالب بها رئيسا اللجنة الدستورية أخيرا، وخاصة أنها كلمة باتت متكررة رغم أن أبعادها خارج طموحات الشعب السوري، فيلفت العمادي هنا إلى أنَّ المرونة والعبارات الأخرى التي يستعملها طالباً من وفد المعارضة التحلي بها فهي للأسف دعوات للتنازل تستر عورة تلك المفاوضات العقيمة، وبالطبع المعارضة هي الطرف الأضعف في هذه المعادلة، إذ ليس لها عناصر قوة ذاتية نابعة من حركة مسلحة ترهق الطرف الآخر لتجبره على التفاوض بجدية، ولا تتمتع بدعم دولي فاعل يجبر النظام على العودة عن غروره وعنجهيته والتعامل بجدية للتوصل لحل يرفع المعاناة عن الشعب السوري. 

========================= 

حلم منتصف ليلة صيف 

يحيى العريضي 

سوريا تي في 

الاثنين 20/9/2021 

"حلم منتصف ليلة صيف": عنوان مسرحية كوميدية شكسبيرية؛ يختلط فيها الواقع، بالحلم، بالغيرة، بالقانون، بالواجب، بأوامر الأبوة، بسلطان الحب، بالسحر، بتغيُّر الانسان لحيوان؛ وكل ذلك دون دم أو دمار؛ وصولاً إلى اعتذار الممثلين من المشاهدين. أما الحلم الذي ينقله هذا المقال فلا علاقة له بالكوميديا، بل بأقسى أنواع التراجيديا وأكثرها ندرة. مسرحيتنا واقع كأنه حلم؛  يعجز حتى شكسبير، لا عن كتابته، بل مجرّد تخيّله. 

"الغيرة" في مسرحيتنا هي غيرة الحاكم من كل شيء؛ هي أنانيته؛ هي منبع "فجعنته" الموروثة للاستحواذ وللتملّك المريض الناتج عن رعب الفراغ والإحساس بالضعف والدونية؛ ما يدفع لتدمير كل شيء للحفاظ على ذات مهددة منبوذة. غيرة السوري في الداخل- وقد نجا بروحه من براميل الحاكم- أن يخرج من قبرٍ اختاره عنوة لضعف أو نذالة؛ وغيرة مَن هو في الخارج ممَّن لازال يشتمُّ رائحة الوطن، ولو كان ممزقاً أو قبرا. 

"القانون" في مسرحيتنا مفصَّل على مقاس الحاكم وأهوائه، وما يسدُّ فراغه وفراغاتها. "الواجب" تحوّل إلى علاقة عهر بين الحاكم والمحكوم: إذا وصل الحق أو جزء منه للمحكوم، فهو "مِنَّةً" أو مكرمة" أو عبر التوسّط؛ أما حق المحكوم تجاه الحاكم فيأتي عبر الخوف والإذلال والجور من قبله، وعبر النفاق والمراوغة وتحليل المُحَرَّم من قبل المحكوم: " العبث بمال الدولة حلال!"؛ وهذا انتقام العاجز من الظالم. 

"أوامر الأبوة" في مسرحيتنا يمثلها "الأب القائد" و"الرئيس المُلهَم" في نفاق متبادَل، يحوّل الهزيمة إلى "نصر"، وخسارة الأرض أمام مغتصبها إلى "تحرير"، وصرخة الحرية إلى "إرهاب"، والصبر على العوز والذل أمام الأفران ومحطات الوقود إلى "صمود" "ودفاع واجب عن النفس"، حسب مَن يمثِّل الحاكم. 

"سلطان حب" مسرحية شكسبير تحوّل في مسرحيتنا إلى استراتيجية مواجهة رسمها "الأب القائد"، واختطّها لحكمه من الساعة الأولى. فبينما بنى المحكوم حياته على العيش المسالم، والقبض على جمر الصبر، ووجع الطاعة بالخوف؛ بنى الحاكم حبّه على منسوب الرضوخ والخنوع والفساد والإفساد؛ وإلا، فالبطش والاعتقال والقتل والتشريد هو المصير؛ فكان الحب قاتلاً؛ عملاً بمقولة: "ومِنَ الحب ما قتل". 

أما "السحر" في مسرحيتنا، فكان بالنوم بأحضان إسرائيل- محتلة الأرض، ومغتصبة الحقوق- في الخفاء؛ والظهور بمظهر "المقاومة والممانعة والصمود والتصدي"، في العلن. كان السحر بادعاء "السيادة"، في وقت يتم شحن الحاكم لديار المحتل، ووضع اليد على مقدرات البلد. كان السحر بالارتهان لملالي طهران؛ وكان بوصف طلاّب الحرية بأدوات المحتل التركي. 

أما "الحيوان" في مسرحيتنا فهو الوصف الذي فاز به مَن استخدم كل أدوات القتل بما فيها المُحرم لـ"ينتصر" على " إرهاب الشعب السوري"؛ ومن ثم نَيْلُ لقب "ذنب الكلب"، حتى مِن قِبَل حُماته الروس. الحيوان ذاته في مسرحيتنا كان قد وصف من ثار عليه بالجراثيم والعملاء والخونة. 

كان حلم الإنسان السوري تاريخياً أن يكون له مكان مرموق على هذه الأرض انسجاماً مع ما قدمت بلده للبشرية. انحسر هذا الحلم بعد تسلط الاستبداد إلى مجرد عيش آمن 

أما "الاعتذار" في مسرحيتنا، فهو بعيد المنال. لم يكن في مسرحيتنا أي اعتراف ولو بخطأٍ بسيط مِن قِبَلِ الحاكم، ولا حتى أي إحساس بما حدث أو يحدث. كان لدينا انفصامٌ كاملٌ عن الواقع. حتى أحد مخرجي المسرحية- ويُدعى بوتين- بارَكَ لبطل مسرحيتنا بنجاحه بالانتخابات الأخيرة، وبثقة الجمهور الكبيرة به. رغم كل ذلك لم نطلب اعتذارا، بل مجرد  قبول بعملية سياسية، وتنفيذ لقرارات دولية، ترفع العقوبات والمقاطعة عن بلدنا، وتعيد نازحينا وإعمار بلدنا؛ وأن يعيش  إنساننا السوري بكرامته حراً عزيزاً مساهما بالحضارة البشرية، كما كان. 

كان حلم الإنسان السوري تاريخياً أن يكون له مكان مرموق على هذه الأرض انسجاماً مع ما قدمت بلده للبشرية. انحسر هذا الحلم بعد تسلط الاستبداد إلى مجرد عيش آمن، وبقاء مستور. ثم انحدر إلى حالة من الانسحاق، ليتساوى الموت بالبقاء بعد عقد زمني رأى السوري في اليقظة ما لا يحصل في الحلم. أما حلم نظامه، فكان الأبدية والأبدية فقط؛ فكان أهم ما استلزم ذلك هو سحق وجعل السوري بلا حلم. وعند ضياع حلم الحاكم، تحولت كل سوريا إلى أرض يباب وشبه بشر. 

أخيراً؛ وبحكم أن السوري كطائر الفينيق، وبحكم إيمانه بأنه "من رمادها تقوم الأشياء"، وبحكم معرفته الحقيقية باندحار حكم الظالم؛ مهما كان خبث حماته من الملالي، وبهلوانية حماته من الروس، ومحاولاتهم البائسة بإحيائه؛ إلا أن هذا العالم لا يمكن أن يحتمل حالة سرطانية قاتلة لذاتها ولمحيطها؛ فالحلم السوري ممكن وضروري؛ ولا بد من تحويله إلى واقع، لأنه يستند إلى حقائق سورية؛ فليس هناك أكثر وفرة من الحكماء في سوريا، مهد الحضارة ومنزل الديانات؛ فأينما كان أو ذهب هذا السوري يتألق، ويخلق الحياة من العدم. 

لا بد من استنفار هؤلاء الحكماء؛ كي يشكلوا مجلساً تأسيسياً يمثل عقل وإرادة وروح سوريا، يكلف لجنة خبراء لكتابة مبادئ ما فوق دستورية لمرحلة انتقالية؛ وينشىء مجلساً عسكرياً يعيد كل سلاح إلى عهدة الدولة؛ يتواصل مع الجهات المتدخلة في سوريا عبر الأمم المتحدة- صاحبة القرارات المتعلقة بسوريا- يطلب من القوات الأجنبية الخروج؛ ينشىء مجلساً اقتصادياً، يشرف على صندوق ومشروع إعادة الإعمار؛ يخلق البيئة الآمنة لعودة طوعية حرة كريمة للاجئين؛ يكتب دستوراً للبلاد؛ يشرف على انتخابات حرة ديموقراطية لا مكان فيها لحاكم ظالم؛ هكذا تعود سوريا وأهلها إلى الحياة. 

========================= 


الأسد في موسكو.. التصعيد قادم 

بشير البكر 

سوريا تي في 

الاحد 19/9/2021 

زيارة بشار الأسد إلى موسكو يوم الإثنين الماضي ذات أهمية خاصة، لأنها بداية لطريق جديد تسلكه المسألة السورية، من خلال أول خطوات التطبيع مع النظام السوري، التي بدأت من لبنان وفتحت له نافذة مع الأردن ومصر، في إطار مشروع أميركي لمساعدة لبنان على تجاوز أزماته، وعلى نحو خاص الطاقة الكهربائية، التي ستمر من الأردن إلى لبنان عبر سوريا وبشروطها وتحصيل ضريبة مالية كبيرة. 

وجاء بعد ذلك تشكيل الحكومة اللبنانية وفق شروط إيران، وتراجع فرنسا عن مبادرتها على أساس مقايضة اقتصادية إيرانية فرنسية في العراق. ويعد هذا مكسبا للنظام السوري ليس فقط من خلال توزير بعض القريبين منه مثل وزير الإعلام جورج قرداحي، بل بما يعنيه ذلك من إعادة ضبط إيقاع العلاقة بين بيروت ودمشق على مقاس مصالح إيران وأهدافها ورؤيتها للوضع في الشرق الأوسط. 

نجحت طهران في أن تفتح بابا للأسد من حيث لم يكن واردا في حساب أحد، وسجلت نقطة مهمة ضد منافستها موسكو على الإمساك بأوراق القضية السورية، وأكثر من ذلك وجهت رسالة، بوصف ما حصل هو عبارة عن أول إنجاز لحكومة الرئيس الإيراني الجديد إبراهيم رئيسي الذي تسلم السلطة في الشهر الماضي. ويريد رئيسي أن يجعل من نجاح تدخله لتشكيل الحكومة اللبنانية مثالا ينسحب على سياسات حكومته في المنطقة، وبيده الكثير من أوراق المساومة في سوريا والعراق واليمن، والتي يريد الضغط بها في مفاوضات فيينا لإحياء الاتفاق النووي، بعد أن تعثرت عند الجلسة السادسة في نهاية حزيران الماضي، بسبب تمسك طهران برفع جميع العقوبات الأميركية، وليس فقط تلك المرتبطة بالملف النووي. 

يعيد نجاح طهران سياسيا في الإقليم خلط الأوراق، والتأثير على الحسابات في سوريا، ولذلك عاد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى لغة القوة العسكرية خلال استقباله الأسدـ وتحدث بصراحة عندما قال "إن المشكلة الرئيسية تكمن في وجود القوات الأجنبية في مناطق معينة من البلاد". وهذا سبب عدم استتاب سلطة الأسد، والمعيق الأساسي لإعادة الإعمار. ويرى بوتين أن "الجيش السوري يسيطر على أكثر من 90 في المئة من أراضي البلاد (في الواقع 64%)، رغم بقاء عدد من بؤر الإرهاب قائمة." ويشكل ذلك إشارة صريحة إلى ضرورة استعادة هذا الجزء الذي يحول دون بسط سلطة النظام على كامل الجغرافية السورية، والانطلاق نحو إعادة الإعمار. وهذا يعني أن الضرورة تستدعي اجتثاث "بؤر الإرهاب" التي يحددها الروس في محافظة إدلب ولا يحصرونها في فصيل "هيئة تحرير الشام"، وإنما يرون في كل من يدعو لرحيل النظام إرهابيا. وهم يمارسون ذلك على الأرض من خلال القصف اليومي المتواصل على ريفي حلب وإدلب لمواقع الفصائل الحليفة مع تركيا. وبالتالي لا يمكن فهم تصريحات بوتين إلا بوصفها دعوة صريحة إلى اجتياح محافظة إدلب ومناطق درع الفرات وغصن الزيتون ونبع السلامة، وهذا يعيد المنطقة إلى وضع أسوأ من ذلك الذي عرفه ريفا حماة وإدلب، وكان نتيجة هجوم النظام والميليشيات الطائفية ودعم روسي، تهجير أكثر من مليون. 

كان بوتين يريد أن يتفادى العملية العسكرية الواسعة التي ستقود إلى اجتياح كبير، وراهن على تعويم الأسد بشروطه، ولكنه لقي صدا من الولايات المتحدة التي رفضت تعليق العقوبات على النظام وداعميه حسب "قانون قيصر"، ولكن هذه العملية قد تكون ذات كلفة باهظة إذا قررت القوات التركية الموجودة في مناطق العمليات المشاركة فيها أو في حال تم استهدافها. ولكن أثرها سوف يكون كارثيا على أكثر من أربعة ملايين، القسم الأكبر منهم تم تهجيره من محافظات سورية أخرى، وهذه المرة ستكون دروب الهجرة مقفلة، وهنا الخطر الكبير، الذي يتفاقم في فصل الشتاء. 

========================= 


اللعب على رغبات السوريين 

فايز سارة 

الشرق الاوسط 

السبت 18/9/2021 

تعصف باللاجئين السوريين رياح العودة إلى سوريا، ويتفاعل بعضهم مع تلك الرياح، ويحوّلها إلى نسائم ناعمة تُنعش الأرواح، وتداعب الآمال بنهاية بعض من مأساة نزوحهم ومعاناتهم، بل إن تلك النسائم تتسرب إلى أقارب اللاجئين الذين ما زالوا في سوريا على أمل عودة الآباء والأبناء والإخوة والأخوات، ولم الشمل بعد أن أعياهم شتات وتشرد طوال عشر سنوات. 

رياح عودة السوريين تتوالى من منابع ثلاثة مختلفة ومتباعدة؛ أولها ما كانت أطلقته روسيا قبل سنوات حول عودة اللاجئين إلى بلدهم بوصفها خطوة في سياق حل تسعى إليه روسيا، تفتح فيه بوابة تحوُّل سياسي في الموقف من حل القضية السورية، يجعل العالم يقبل تمويل إعادة إعمار سوريا مع بقاء نظام الأسد، وقد عارض الأخير الفكرة لأن استراتيجيته في التعامل مع السوريين، تقوم على طرد وإبعاد ما استطاع منهم خارج البلاد خصوصاً المعارضين وحواضنهم الاجتماعية، التي يشكل اللاجئون قسماً كبيراً منهم، وصولاً إلى تكريس «المجتمع المتجانس» الذي قال رئيس النظام إنه يسعى إليه حلاً في سوريا، لكنه وتحت الضغط الروسي صار قابلاً للفكرة، ويردد بين وقت وآخر فكرة عودة السوريين من دون أن يتخذ أي إجراءات سياسية أو عملية، تؤكد جديته في الموضوع. 

الطرف الثاني الذي يردد فكرة عودة اللاجئين، تتقدمه بلدان الجوار التي استوعبت أكبر عدد منهم، والمعنيّ بها تركيا ولبنان والأردن، حيث يقترب عددهم فيها من ستة ملايين. ورغم اختلاف ظروف وأوضاع البلدان الثلاثة وتمايزها السياسي والاقتصادي - الاجتماعي والثقافي، فقد تزايدت فيها الدعوات لعودة السوريين إلى بلادهم، بل إن الدعوات ترافقت مع نزعات عنصرية، شملت الرأي العام وجماعات سياسية، وتزايدت في الأعوام الأخيرة، ولم تكن بعض الأجهزة خاصة في لبنان بعيدة عن تلك الممارسات، رغم أن الموقف الرسمي في البلدان الثلاثة، لا يتخذ مواقف سلبية معلَنة إزاء اللاجئين، ولا يرفع شعارات عودتهم إلى بلادهم في الظروف الراهنة، لكن البلدان الثلاثة في الواقع، دفعت آلافاً سواء إلى مناطق النظام، أو إلى المناطق الخارجة عن سيطرة النظام في شمال غربي سوريا. 

الطرف الثالث الذي يطلق دعوات عودة اللاجئين إلى بلادهم، تمثّله غالبية البلدان الأوروبية، التي هزّت قضية اللاجئين توافقات اتحادها الأوروبي، وفتحت حيزاً لاختلاف السياسات بين دولة وأخرى. ورغم أن بلداناً مثل ألمانيا رحّبت باللاجئين السوريين، وعدّتهم بين أفضل موجات المهاجرين إليها نتيجة انخراطهم العميق في سياسة الاندماج (لغةً وتعليماً وعملاً وضرائب)، فإنها تتابع سياسات ملتبسة سواء في إغراء لاجئين بمساعدات مقابل عودتهم إلى بلادهم، أو في تصعيب ظروف الإقامة والجنسية، وهي سياسات تقارب السياسة البريطانية رغم قلة عدد اللاجئين في الأخيرة، وقد ذهبت بعض الدول الأوروبية أبعد مما سبق، إذ رأت بعضها أن هناك مناطق آمنة تحت سيطرة نظام الأسد، وأنه ينبغي ترحيل اللاجئين إليها، وهذا موقف الدنمارك، مما دفع بلداناً أوروبية أخرى للبحث في الموضوع، وقد تتبناه في وقت لاحق سواء على مستوى الاتحاد الأوروبي أو على مستوى كل دولة بصورة منفردة. 

ومما لا شك فيه أن موجة الضخ الإعلامي في موضوع عودة اللاجئين، مترافقة مع أجواء اليأس والإحباط التي تسيطر عليهم نتيجة الضغوط، وعدم استقرارهم وسوء أحوالهم المعيشية، ووسط غياب أي أفق لحل قضيتهم، فإن بعضهم أخذ يفكر في العودة إلى سوريا، وبعضاً آخر قام بذلك فعلاً، وقد اطّلعتُ شخصياً على أكثر من عشرين حالة لأفراد وعائلات عادوا إلى مناطق سيطرة النظام عبر لبنان وإلى مناطق السيطرة التركية في شمال غربي سوريا، وفي الحالتين كانت النتائج سيئة. 

ففي مناطق الشمال، كان أغلب العائدين ممن طحنتهم ظروف الحياة الصعبة في تركيا وأبرزها ظروف الإقامة والممارسات العنصرية والتنمر من قبل البعض، ومثلها مشكلات العمل والأجور وصعوبات الاندماج، وعمليات ترحيل قسري طالت الشباب، وقد وجد العائدون أنفسهم وسط بيئة من الفوضى وصعوبات العيش، تتداخل فيها السلطات وتتنازع وسط أجواء من التشدد تفرضها جماعات متطرفة تتقدمها هيئة تحرير الشام وحكومة الإنقاذ التابعة لها، والأهم مما سبق، أن العائدين وجدوا أنفسهم مجدداً تحت خطر الموت نتيجة الهجمات التي تتابعها قوات نظام الأسد على تلك المناطق، خصوصاً هجمات الطائرات بالبراميل المتفجرة والصواريخ. 

وكانت أوضاع العائدين من لبنان أشد سوءاً من أقرانهم العائدين من تركيا من حيث أسباب العودة، خصوصاً بسبب الممارسات العنصرية وسوء الأوضاع المعيشية، إضافةً إلى ضغوط ميليشيات «حزب الله» والبعض في قوى الأمن اللبناني لدفع اللاجئين لعودة إجبارية إلى سوريا. والأكثر قسوة في مجريات العودة، كانت إجراءات وسلوكيات الحواجز الأمنية والعسكرية على الطريق، وخضوع العائدين للتفتيش والتفييش، واعتقال بعضهم على الحواجز وسوقهم إلى الفروع الأمنية، ومنع أغلب العائدين من الوصول إلى مناطق إقامتهم الأساسية وبخاصة في ريف دمشق. 

ولا يقتصر السوء على ظروف العودة ومسارها، بل يمتد إلى بيئتها العامة، حيث الأوضاع في مناطق سيطرة النظام في انهيار شامل من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والإدارية. 

لقد دقق تقرير صدر مؤخراً عن منظمة العفو الدولية تحت عنوان «أنت ذاهب إلى موتك» في الانتهاكات التي عانى منها اللاجئون بعد عودتهم إلى المناطق التي يسيطر عليها نظام الأسد، وأجملها بالقول إنهم كانوا عُرضة للاعتقال والاختفاء القسري والعنف الجنسي والتعذيب وصولاً إلى الموت تحت التعذيب. 

لقد توجت منظمة العفو الدولية تقريرها بخلاصة قالت إن سوريا غير آمنة، وهي لن تكون آمنة ما دام نظام الأسد وفروعه الأمنية حاضرين. وأوصت بألا تعيد دول العالم أي لاجئ إلى سوريا. والمنظمة في تقريرها وفي خلاصاتها، لا تكشف فقط زيف الكلام وخديعته عن عودة اللاجئين إلى بلدهم في الظروف الراهنة. 

========================= 

لبنان وحديث الوصاية السورية! 

أكرم البني 

الشرق الاوسط 

السبت 18/9/2021 

4 أسباب تجعل الحديث عن فرصة لعودة زمن الوصاية السورية على لبنان مجرد لغو، وهو الحديث الذي انتعش مؤخراً، بفعل تظهير بعض الإشارات التي تذّكر الناس بذاك الزمن البغيض، آخرها التعليقات التي تناولت تغييب العلم اللبناني خلال الزيارة الرسمية لوزيرة خارجية لبنان، لنيل موافقة دمشق على خطة مدعومة أميركياً، تمكن بلادها من استجرار الكهرباء والغاز من الأردن ومصر عبر الأراضي السورية، ثم مظاهر التودد والاحتواء اللافتة التي خصّها النظام لوفد من طائفة الموحدين الدروز في لبنان، ضمّ النائب طلال أرسلان، والوزير السابق وئام وهاب، وعدداً من المشايخ، وقبلهم تواتر حضور رؤساء أحزاب وكثير من الشخصيات السياسية اللبنانية إلى سفارة دمشق في بيروت للتهنئة بانتخاب الرئيس السوري، ربطاً باندفاع بعض أركان السلطة السورية وزعماء لبنانيين حافظوا على روابط متعددة مع أجهزتها، للمجاهرة بما يعتمل في نفوسهم من أوهام ورغبات مدفونة عن ضرورة عودة الوصاية السورية على بلد يعتقدون أنه لا يزال دون سن الرشد وعاجزاً عن إدارة شؤونه، مستقوين بحالة التخبط المزمنة التي يعيشها سياسياً، وتفاقم أزمته الاقتصادية والاجتماعية بصورة غير مسبوقة، كما شدة معاناة أهله الخدمية والمعيشية. 

السبب الأول، حالة الانهاك العسكري والأمني والارتهان الاقتصادي والسياسي التي باتت تحكم الخناق على النظام السوري نفسه بعد 10 سنوات من حرب دموية أكلت الأخضر واليابس، وأكرهته على استجرار دعم خارجي للحفاظ على استمرار حكمه، وأظهرت مدى الضعف والعجز اللذين أصابا قوى السيطرة والقمع، التي عادة ما يتوسلها لمدّ نفوذه وفرض هيمنته خارجياً. 

صحيح أن السلطة السورية تمكنت خلال 3 عقود من فرض سطوتها على لبنان وصارت أشبه بقبلة للنخب اللبنانية، عندها الحل والربط، وعلى يدها تقرر السياسات وشروط معالجة أي معضلة، ما سمح بالقول، تندراً، إن لبنان هو المحافظة السورية الثالثة عشرة، لكن معالم تلك الصورة بدأت بالتبدل منذ اغتيال رفيق الحريري وانسحاب الجيش السوري من لبنان، ثم تغيرت الأوزان والاصطفافات جراء استمرار الحرب السورية وتفاقمها، وبتنا نقف اليوم أمام صورة جديدة لسوريا وهي تئن تحت الخراب والدمار وأعداد ما فتئت تزداد من الضحايا والمعتقلين والمفقودين والمشردين. 

العاجز عن ضمان سيطرة مستقرة على سوريا هو بداهة أعجز عن فرضها على لبنان، والقصد أن سوريا تعيش اليوم وضعاً صعباً وربما أشد صعوبة مما يعيشه لبنان، وتشير إحصاءات الأمم المتحدة إلى أن نصف السوريين باتوا اليوم بين نازح في الداخل ولاجئ إلى الخارج، و80 في المائة منهم تحت خط الفقر، وتفوق البطالة حدود 60 في المائة، عدا وجود 5 جيوش أجنبية، إيرانية وروسية وأميركية وتركية وإسرائيلية، فوق أراضيها، وأنواع مختلفة من التنظيمات الإسلاموية الإرهابية، فهل يصح القول إن سوريا، في وضعها الحالي، يمكن أن تؤثر في لبنان، أو تتمكن من مساعدته وتخفيف أزمته، فكيف بفرض الوصاية عليه؟ 

ثانياً، انعدام أي حاجة، وتالياً أي غطاء عربي أو دولي لعودة الوصاية السورية على لبنان، فلم يعد ثمة خطر، شكّله في الماضي تنامي وزن المقاومة الفلسطينية في لبنان والحركة الوطنية اللبنانية، وشجع الدول الغربية على منح سلطة دمشق الموافقة على دخول قواتها العسكرية إلى لبنان عام 1976 للحد من ذلك الخطر وتحجيمه، كما ليس ثمة ما يوحي بتكرار تفهم واشنطن لوصاية النظام السوري على لبنان، كما كان الحال مع اتفاقي مورفي 1988 والطائف 1989، تعويضاً لتناغمه المثير مع السياسة الأميركية في المنطقة، بينما كان المعسكر الاشتراكي آيلاً للتفكك، وأيضاً لن يكون هناك ضوء أميركي أخضر كي يجتاح جيشه بيروت الشرقية عام 1990 ثمناً لموقفه من حرب الخليج الثانية وانضمامه، كطرف معلن إلى التحالف الدولي لإخراج صدام حسين من الكويت، فكيف الحال اليوم وقد فقدت السلطة السورية شرعيتها وباتت محاصرة ومعزولة، وتطالها عقوبات شديدة لإجبارها على وقف العنف والالتزام بالحل السياسي، ما أضعف قدراتها، ليس فقط على استعادة بعض حضورها الإقليمي، وإنما أيضاً سيطرتها على عموم البلاد وعلى إعادة إنتاج قاعدتها الاجتماعية، ويزيدها ضعفاً ما يثار عن تنامي التوترات والخلافات بين مراكز قواها، في ظل تجميد إعادة الإعمار، وما يشهده الوضع الاقتصادي والاجتماعي من تدهور. 

ثالثاً، ما يعيق عودة الوصاية السورية على لبنان، أن الأخير بات تحت رحمة وصاية من نوع آخر، هي الوصاية الإيرانية المستندة لأداتها المسلحة «حزب الله»، حتى صار مألوفاً، عند حصول استعصاء قاسٍ في لبنان، أن يشار إلى قادة طهران بصفتهم أصحاب الكلمة الحاسمة، وآخر دليل أن الحكومة اللبنانية الجديدة ما كانت لتبصر النور لولا ما أشيع عن توافق جرى عبر اتصال هاتفي بين الرئيسين، الفرنسي ما كرون، والإيراني إبراهيم رئيسي؛ حيث أبدى الأخير استعداده للتعاون مع فرنسا لتنمية لبنان، مؤكداً ضرورة بذل الجهود، من جانب إيران وفرنسا و«حزب الله»، لتأليف حكومة لبنانية قوية! 

ومع الاعتراف بقوة التحالف بين دمشق وطهران، فإن نفوذ حكام إيران في لبنان لم يعد يحتاج بعد الآن لدور النظام السوري هناك، ما دام «حزب الله» حاضراً بسلاحه، ولديه القدرة الذاتية على تهديد وابتزاز هيئات المجتمع ومؤسسات الدولة ومحاصرتها وإخضاعها، وما دام يسهل توسل النظام السوري نفسه لدعم إرادة إيران ومراميها، كما مواقف «حزب الله» وسياساته، بدءاً من تسهيل تمدد وانتشار «الحرس الثوري» وميليشياته في سوريا، وانتهاءً بتمرير شحنات النفط الإيراني من مرفأ طرطوس إلى لبنان. 

رابعاً، على الرغم مما يكابده اللبنانيون راهناً، وشدة معاناتهم من تردي أوضاعهم علاوة على الفساد، فلا مصلحة لغالبيتهم بعودة الوصاية السورية، وقد خبروا جيداً ماهيتها، وعانوا طويلاً من تجلياتها القمعية والابتزازية، ولديهم من المظالم والذكريات المؤلمة معها ما يكفي لحضّهم على رفضها ومواجهتها. 

أخيراً، إن صعوبة، إن لم نقل استحالة، عودة الوصاية السورية على لبنان، ينبغي ألا تنسينا الحذر من شهية النظام السوري المفتوحة دائماً لالتهام هذا البلد، وعلى الأقل، من نهج سلطوي سوري لا يزال يعيش على أوهام الماضي ويستسهل استضعاف لبنان والتفنن في التدخل بشؤونه! 

========================= 

العرب والفراغ الأميركي 

رياض نعسان أغا 

الاتحاد 

السبت 18/9/2021 

كان حلم الشعوب العربية بعد نيلها الاستقلال، أن تتحرر من القوى الأجنبية المنتشرة في بلادهم وحولها، وكان هدف القوى الأجنبية أن يبقى العالم العربي منضبطاً ومنفتحاً أمام مصالحها، فهو قلب العالم، وهو عقدة المواصلات الدولية، وهو الأغنى بالثروات، وهو صاحب التاريخ الحيوي المفعم بالطموحات، وهو المبتَلى بهشاشة العظام في كثير من بلدانه التي تحتاج إلى دعم خارجي. والآن حدثت المفارقة العجيبة حين وقفت كثير من الدول حائرةً وقلقةً بعد أن أعلنت الولايات المتحدة عزمَها الانسحابَ من الشرق الأوسط والتوجه إلى المحيطين الهادئ والهندي. وكان انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان قد ترك ذلك البلد في حالة من الفوضى، وتسبب بهزيمة للجيش الذي أنشأته وأنفقت عليه المليارات. ولم تكن خطة بايدن بالانسحاب مفاجئةً للبنتاغون، فالتفكير بالانسحاب بدأ من عهد أوباما الذي أعلن انسحاباً من العراق، ولم يكن ترامب بعيداً عن متابعة الفكرة، إذ تحدث طويلاً عن التكاليف الباهظة التي تدفعها أميركا لتقديم الحماية. أما بايدن فتابع المفاوضات مع حركة «طالبان» بجدية، وترك لها فيضاً من الأسلحة المهمة، لتمكينها من السيطرة. وغرق المحللون في فهم الاضطراب الذي حدث، ورحبت الصين بـ«طالبان»، وأبدت إيران استعدادها لعلاقات متينة، وتوجست أوروبا لكن المصالح بالنسبة لها أهم من المبادئ أحياناً. 

غير أن استراتيجية الانسحاب الأميركي من الشرق الأوسط طرحت تساؤلات ملحة حول مَن سيملأ الفراغ الذي سيحدث، وقد طرح بعض الباحثين أسئلة صادمةً، فمثلاً تساءل توماس فريدمان حول «احتمال أن يكون الانسحاب لصالح إيران» التي تعلن رغبتَها في التمدد الإقليمي، لا سيما أنها ورثت العراق من الولايات المتحدة بالرضا، وسيطرت على لبنان أمام أعينها، وباتت قواها العسكرية متمركزةً على حدود إسرائيل في لبنان، وفي سوريا أيضاً، ثم التفت حول الجزيرة العربية من اليمن. وبالطبع تساءل فريدمان حول «احتمال أن يكون الانسحاب لصالح المواجهة مع الصين وروسيا». لكن بعض الباحثين أبدوا قلقهم أيضاً من أن يكون الانسحاب جزءاً من صفقة الاتفاق النووي المستجد مع إيران التي تخشى أن يقوى العرب فيكرروا حرب الثمانينيات ضدها، وربما تكون قد طلبت لقاءَ موافقتها على الاتفاق النووي تخفيض القوة العسكرية عند العرب، بل إن بعض المتشائمين تساءلوا: أين ستذهب الدفاعات الجوية التي ستسحبها أميركا؟ وبحذر سألوا: هل يمكن أن تذهب إلى إيران؟ 

المتفائلون يرون أن الانسحاب لن يتم، فإسرائيل قادرة على جر الولايات المتحدة إلى المنطقة، رغم أن ما حدث في مايو الأخير في غزة أثبت رغبة الولايات المتحدة في الاعتماد على القوى الإقليمية، حيث نجحت مصر في وقف إطلاق النار، وهذا عزز لدى الأميركيين رغبتهم في فك الارتباط العسكري بالشرق الأوسط، حيث برزت لديهم خطة الانسحاب من الحروب التي لا تنتهي، مع شعورهم بتضخم القوة الأميركية القادرة على التدخل الفوري كقوة لا تضاهى. 

وربما يعتقد الأميركيون بأن قوة النفوذ السياسي ستمكّنهم من ملء الفراغ عبر ضبط الديناميات عن بعد، وتنمية الاعتماد على الذات في المنطقة عبر العمل السياسي في الاتفاق النووي مع إيران، وسياسة التهدئة في كل من ليبيا واليمن وسوريا، وفي حل كل الخلافات الإقليمية وتقوية الشراكات مع جوار الإقليم مثل قبرص واليونان، وإيلاء الاقتصاد أولوية في العلاقات البينية. 

لقد شعرنا نحن السوريين بانسحاب الولايات المتحدة منذ عهد أوباما، ولاحظنا حالة التخلي وتسليم الملف لروسيا، وكذلك كان الحال في عهد ترامب الذي قدم مشهداً هوليودياً في قاعدة الشعيرات، لكن المفاوضات السياسية توقفت في عهده، وتفردت روسيا بمتابعتها في آستانة وسوتشي. وفي عهد بايدن لم تظهر أية رؤية أميركية عملياتية لتنفيذ القرار 2254، رغم أن الولايات المتحدة ما تزال تتمسك به. وليس بعيداً أن تسحب أميركا قواتها الرمزية من سوريا. 

 

========================= 

الأسد ولابيد في موسكو..عملية خاصة 

بسام مقداد 

المدن 

السبت 18/9/2021 

القول بأنه كانت هناك زيارتان الى موسكو لكل من الرئيس السوري بشار الأسد ووزير خارجية إسرائيل يائير لابيد، فيه تجنٍ على وقائع الحدثين. ففي حين استقبل لابيد في موسكو وفق ما تقتضيه أعراف الدبلوماسية وبروتوكول الزيارات الرسمية، بدا وكأن الأسد قد استدعي إلى موسكو لإبلاغه بأمور ما، وليس للتفاوض معه، كما حاول قوله شريط الفيديو الذي نشرته موسكو، على غير عادتها بالسماح بالتصوير بعد بدء المفاوضات الرسمية. 

مواقع الإعلام الروسية إنشغلت بالظهور المفاجئ للأسد في موسكو، ووصفتها الغالبية منها ب"العملية الخاصة" التي توصف بها عادة عمليات الكوماندوس والقوات الخاصة. وقال الناطق بإسم الكرملين ديمتري بيسكوف بأن "إعتبارات أمنية معينة ينبغي مراعاتها، وهي واضحة جداً"، حالت دون الإعلان عن وصول الأسد ومغادرته. ورداً على سؤاله كيف يستقبل بوتين الأسد ويعزل نفسه بعدها تخوفاً من الإصابة بفيروس كورونا، أشار بيسكوف إلى أن بوتين إستقبل الأسد في بداية يوم العمل، في حين كان الأطباء في صدد إتخاذ قرارهم، "وليس في الأمر ما هو غير منطقي". 

القليل جداً من مواقع الإعلام الروسية نشر تعليقات ونصوصاً تحليلية عن إطلالة الأسد في اللقاء مع بوتين، في حين أكثرت  في التعليق على زيارة لابيد، بل ولم يخف البعض منها سروره بالجو الودي الذي ساد المؤتمر الصحافي الذي أعقب محادثات لافروف لابيد.  

صحيفة "Kommersant" نشرت نصاً عن زيارة لابيد كتبته المتابعة لشؤون الشرق الأوسط ماريانا بيلنكايا بعنوان "الوزيران كانا على موجة ودية"، وقالت بأن لا المسألة الإيرانية ولا السورية ولا الفلسطينية عكرت مزاج الوزيرين.  

وتوقفت الكاتبة عند إطلالة الأسد من الكرملين في نص آخر بعنوان لافت  "في جو من السوريانية المتزايدة"، قالت بأن وجود الولايات المتحدة في سوريا هو أحد اكثر العوامل إزعاجاً لروسيا.  

صحيفة "NG" نشرت قبل يومين من زيارة الإسرائيلي نصاً بعنوان"إسرائيل وروسيا ستناقشان القواعد الجديدة للعبة في سوريا". لكنها عادت لتقول في متن النص أن جدول أعمال المفاوضات بين لافروف ولابيد قد لا يقتصر على سوريا فقط. فمنذ شهر أعلنت نائب الممثل الدائم لروسيا في الأمم المتحدة أن موسكو تقترح عقد لقاء وزاري ل"رباعية الشرق الأوسط" على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومناقشة إستعادة المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية المباشرة.    

وكالة أنباء " REGNUM " الروسية الخاصة، وفي إشارة منها إلى تطبيع دول خليجية علاقاتها مع إسرائيل، عنونت نصها عن زيارة لابيد بالقول "تيار خليجي بين روسيا وإسرائيل". كان النص يفيض بالترحيب بالجو الإيجابي الذي ساد الزيارة، وقالت أن تصريحات لافروف تشير إلى أنه لم يكن يوماً متعاطفاً مع زملائه الإسرائيليين كما في هذه المرة. ورأت أن المؤتمر الصحفي بين الوزيرين أظهر أن روسيا وإسرائيل تعلمتا ، ليس فقط تجنب الإحتكاكات والصراعات، بل تعلمتا أيضاً "العمل بإنسجام في إطار التفاهم المتبادل". 

وعبرت الوكالة عن إمتعاضها من وكالة نوفوستي  التي نشرت يوم زيارة لابيد نصاً بعنوان"في إسرائيل يعلنون بأنهم لا يبحثون مسألة إعادة هضبة الجولان إلى سوريا". وقالت الوكالة بأن نوفوستي أثارت الدهشة بمحاولتها إختصار زيارة الوزير الإسرائيلي بالجدل حول الجولان. وسألت "هل أثار لابيد مسألة القرم أو الدونباس؟ فما معنى إفساد الجو من دون سبب؟ على كل، هذا ليس سوى تفصيل صغير". 

قرب الحدثين ـــــــ الزيارة والإستدعاء ـــــــ زمنياً من بعضهما (9 و15 من الجاري)، ليس العامل الوحيد الذي دفع إلى التساؤل عن ترابط ما بينهما. وقد طرحت "المدن" على عدد من الكتاب السياسيين والخبراء والصحفيين الروس المهتمين بقضايا الشرق الأوسط أسئلة عن وجود مثل هذا الترابط، وما إن كانت موسكو أرادت إطلاع الإسد على تفاصيل استجدت في علاقاتها مع إسرائيل بعد زيارة لابيد، وعن ما يمكن أن تكون موسكو قد بحثته مع كل من الأسد ولابيد.   

خبير المجلس الروسي للعلاقات الدولية، والخبير الزائر للبرنامج السوري في معهد الشرق الأوسط بواشنطن MEI أنطون مارداسوف، وفي إطلالته الأولى في "المدن"، قال بأنه ما من شك بأن الترابط موجود بين الحدثين، فالموضوع الفلسطيني والسوري ومسائل الملف النووي الإيراني كانت مطروحة على طاولة المفاوضات بين وزيري خارجية روسيا وإسرائيل. لكن الطرفين "فعلا كل شئ" من أجل تدوير الزوايا الحادة التي أخذت تظهر في العلاقات الثنائية منذ تغيير الحكومة الإسرائيلية. فمن الواضح أن إسرائيل بعد سقوط نتنياهو مهتمة بالتوصل إلى علاقات مرنة مع واشنطن، وهو ما يؤكده التحضير الطويل لبينيت لزيارة واشنطن ووقائع محادثاته مع بايدن. كما أنها مهتمة أيضاً في تطوير العلاقات مع أوكرانيا، وهو ما يتقبلونه بمرارة في الكرملين.  

يرى مارداسوف أن روسيا وإسرائيل، وبالدرجة الأولى روسيا، معنيتان في أن تظهرا بأن العلاقات الثنائية بينهما ليست مرتبطة بالعامل الشخصي، أي نتنياهو الذي كان يلعب الورقة الروسية في سياسته الداخلية، وهو ما كان يجعل روسيا تشعر بالإطراء. لكن في الوقت عينه، من الواضح أنه من دون نتنياهو سوف يكون التوصل إلى المرونة في مسائل الشرق الأوسط أصعب على البلدين، لأنه سوف تغيب تلك الأمور التكتيكية (كالبحث عن رفات العسكريين الإسرائيليين في سوريا) التي كان نتنياهو وبوتين غالباً ما يغطون بها الخلافات.  

ويذهب مارداسوف في تأويل جرئ للغارات الجوية الإسرائيلية على أهداف إيرانية في شرق سوريا إثر المفاوضات مباشرة، وما يمكن أن تعنيه في تفسير موقف موسكو من ضربات إسرائيلية على إيران نفسها. فيقول بأنه يعتقد أن الهجمات الأخيرة للطيران الحربي الإسرائيلي على أهداف شرقي سوريا، من الوضح أنها تثبت أن الجيش الإسرائيلي سوف يستخدم القوة. كما أن إسرائيل، وبضرباتها بعد المفاوضات في موسكو، تفسح المجال للتأويل في تفسير موقف موسكو: فماذا لو كانت روسيا ليست ضد الضربات على إيران، طالما أن الهجمات حدثت بعد المفاوضات في موسكو مباشرة؟   

خبير المجلس الروسي للعلاقات الخارجية كيريل سيميونوف أحال "المدن" إلى نص نشره في 15 من الجاري في موقع روسي بعنوان"بوتين والأسد ناقشا طريق سوريا المسدود". قال سيميونوف بأن للزيارة قيمة دعائية مهمة، أرادت روسيا من خلالها القول بأنها، وكما في السابق، تبقى الحليف الأهم لسوريا، وأن الحكومة السورية هي الوحيدة الشرعية بالنسبة لموسكو. وأشار الكاتب إلى تأكيد الرئيسين على أن وجود القوات الأجنبية في سوريا يحول دون خروج سوريا من الأزمة ، لكنه لم يتم العثور حتى الآن على وصفات لخروج سوريا من "الطريق المسدود" بالوسائل العسكرية. 

المتابع لشؤون الشرق الأوسط في صحيفة " NG" قال ل"المدن" بأنه لا يمكن ألا تكون الزيارتان مترابطتين ببعضهما. فإسرائيل قلقة مما يحدث في درعا، وكذلك من مشروع الغاز المصري اللبناني. ويفترض أنه تم إطلاع الأسد على كل مايقلق الإسرائيليين، لكن سوريا من المستبعد أن تأخذ ذلك بالحسبان، برأيه. ويرى أن الإنتخابات الرئاسية الهادئة، وإشراك دمشق بمشروع الغاز المصري اللبناني وإستعداد الولايات المتحدة للموافقة عليه، لا يمكن إلا أن "يرفع من إعتداد النظام بنفسه". 

الصحافية في موقع RT الناطق بالروسية يوليا يوزيك قالت بان محادثات بوتين الأسد جرت خلف أبواب موصدة، وكانت شبيهة ب"العملية الخاصة". ومن الواضح أن بوتين يتبع تكتيكه في الوساطة بين الولايات المتحدة والبلدان "الصعبة"، مثل سوريا وإيران. ورأت أن ثمة إرتباطاً، بالطبع، بين زيارة لابيد والمفاوضات الأميركية الروسية بشأن سوريا في سويسرا. ومن شبه المؤكد أن يكون الأسد قد طلب حل مسألة "العقوبات الشديدة" التي فرضتها واشنطن العام 2020.  

من المهم بالنسبة لها معرفة من هي الدول التي قال الأسد بأنها تعرقل العملية السياسية في سوريا، ألا يمكن أن يكون قد قصد ليس تركيا، بل إيران التي "تمسك بيد حديدية حركة عنقه"، ولا تسمح بالخطوات التي "يستطيع ويريد" القيام بها. وتتساءل ما إن كان الأسد طلب من بوتين المساعدة في حل المشكلة مع الإيرانيين، وتقول بأنه مجرد تساؤل بلاغي.  

========================= 


هل عادت الشعوب العربية إلى حظيرة الطاعة؟ 

 د. فيصل القاسم 

القدس العربي 

السبت 18/9/2021 

ذات يوم استأجر فلاح بسيط شقة ذات غرفة واحدة من إقطاعي، وعاش في تلك الغرفة الصغيرة مع زوجته وأولاده السبعة. وكانوا يعانون معاناة شديدة من صغر الغرفة. وبعد مدة جاءه الإقطاعي وقال له يا فلاح: عندي عنزتان وديك وقرد لا أجد لهم مكاناً، وأريد منك أن تُسكنهم معك في الغرفة، فاضطر الفلاح إلى قبول الطلب مرغماً، فزادت معاناة العائلة أضعافاً مضاعفة من العنزتين والديك والقرد المزعج الذين حولوا الغرفة إلى كارثة. وبعد مدة عاد الإقطاعي وأخذ العنزتين والقرد والديك، ثم اتصل بالفلاح بعد أيام ليسأله عن حاله: فقال الفلاح: حالنا عال العال، ممتاز، فنحن في نعمة، والبيت كبير ومريح ولا ينقصنا من هذه الدنيا شيء». هذا ما فعلوه مع السوريين والمصريين والليبيين والتونسيين واليمنيين والعراقيين بعد أن ثاروا. لقد سلطوا عليهم كل صنوف العذاب والشقاء والقهر والفقر كي يحنوا إلى أيام الطغيان الخوالي. 

نعيد تكرار هذه القصة مرة بعد أخرى كي نفهم ما حصل وما يحصل الآن في العالم العربي التعيس. والسؤال هنا بعد كل ما شاهدناه في سوريا واليمن وليبيا والعراق ولبنان والسودان والجزائر وتونس ومصر وغيرها، هل نجحت لعبة الإقطاعي والفلاح في ترويض الشعوب وإعادتها إلى زريبة الطاعة؟ للأسف حتى وإن لم تنجح أو من المبكر الحكم على نجاحها أو فشلها، إلا أن الأنظمة العربية ومشغليها الدوليين سجلوا العديد من الأهداف القاتلة في مرمى الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج، فسوريا التي كانت قد انتهت، وأصبح أكثر من نصف شعبها خارج البلاد، ومن غير المرجح أن يعود اللاجئون إلى بلدهم بعد أن تذوقوا طعم الحياة الحقيقي في بلاد المهجر. وحتى لو عاد السوريون المساكين من لبنان أو الأردن فإنهم سيعودون مطأطئي الرؤوس وسيقبلون بشروط النظام وحلفائه لأن لا خيار آخر لهم. أما من تبقى من السوريين في الداخل وبعضهم من مؤيدي النظام فيكتفون هذه الأيام بتوجيه اللوم والشتائم إلى الحكومة، ثم يهتفون للسيئ الرئيس «بالروح بالدم نفديك يا بشار» على اعتبار أن الرئيس ممتاز، لكن المشكلة ببطانته الفاسدة، مع العلم أن كل السوريين في الداخل والخارج يعلمون أن بشار هو كبير الفاسدين في سوريا. وكما أعطى النظام الدولي للنظام السوري كامل الصلاحية لتدمير سوريا فوق رؤوس أهلها وتشريد القسم الأعظم من سكانها، فهو لن يحاسبه مطلقاً إذا استخدم نفس الأسلوب مع مؤيديه فيما لو ثاروا عليه بسبب الوضع المعيشي الكارثي. النظام كغيره من الأنظمة يعمل بوظيفة كلب صيد، والصياد راض عن أدائه وسيسمح له بالانقضاض على مزيد من الفرائس. 

هل الوضع أفضل في العراق؟ بالطبع لا. لقد ثار العراقيون أكثر من مرة وضحوا بالغالي والنفيس لتحسين شروط العبودية، لكنهم فشلوا وصار العراق مضرباً للمثل في الانهيار، لا بل إن الأمم المتحدة صنفت بغداد على أنها «أوسخ عاصمة في العالم». ولا ننسى أن الكثير من العراقيين بين لاجئ ونازح أيضاً، ومن غادر لن يعود. وفي أحسن الأحوال سيتم تقسيم العراق على أسس طائفية مع استمرار التدهور والتخلف والانهيار داخل الدويلات العراقية القادمة. 

كم مرة ثار اللبنانيون؟ مرات ومرات، لكنهم لم يحصدوا سوى الخيبة، وليس أمامهم سوى الموت جوعاً وقهراً في بلدهم، أو الهروب من بلاد الأرز. 

وفي مصر تبدو الأمور الآن هادئة وهناك محاولات للنهوض بالبلاد عمرانياً، لكن هذا لا ينفي مطلقاً أن الثورة لم تحقق المطلوب، لا بل إن الكثيرين يتحسرون على العهد السابق في مجال الحريات. 

وفي السودان تم استبدال نظام عسكري بآخر، والأوضاع تسير من سيئ إلى أسوأ. 

 

الأنظمة العربية ومشغليها الدوليين سجلوا العديد من الأهداف القاتلة في مرمى الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج 

 

ولطالما تفاخر الجزائريون بعدد الأسابيع والشهور التي تظاهروا فيها، لكن هل تغير أي شيء في البلاد؟ بالطبع لا، فالنظام يزداد قوة وجبروتاً، وكل الإصلاحات مجرد ضحك على الذقون بمباركة دولية لا تخطئها عين. 

ومن ناحيته نجح النظام المغربي في امتصاص موجة ما سمي بالربيع العربي، وهو في موقع يؤهله الآن ليخوّف المغاربة بالتجربة السورية واليمنية والليبية. وقد استخدم النظام الإسلاميين لأمرين مهمين وتاريخيين الأول: أوقف من خلالهم وصول الربيع العربي إلى المغرب، وامتص غضب الشارع 

والثاني: مرر من خلالهم ما يسمى التطبيع، وفي النهاية قال لهم: كش مات، وعادت الأمور إلى المربع الأول. 

وحدث ولا حرج عن اليمن الذي انتهى إلى غير رجعة حتى بشكله المتخلف القديم. وبات اليمنيون يتندرون على تعاسته وتحوله إلى ساحة لحروب الآخرين. 

وعلى سبيل السخرية يوجه معلق يمني رسالة إلى باكستان والهند والسودان والجزائر ويقول: «لا تدمروا بلادكم بالحروب. تعالوا وتقاتلوا في اليمن. تنظيم القاعدة جاء ليحارب أمريكا في اليمن. شرفتمونا وأنستمونا. يا مرحبا. والحوثي جاء ليحارب إسرائيل وأمريكا في اليمن. يا مرحبتين. والتحالف جاء ليحارب إيران في اليمن. وأمريكا أقبلت تحارب إيران في اليمن. يا أهلاً وسهلاً بكم. باقي أن تأتي الهند وتحارب باكستان في اليمن. ولا بأس أن تأتي كوريا الشمالية لتحارب الجنوبية على أرض اليمن. يعني باختصار، بطولة كأس العالم للحروب تجري على أرضنا والحمد لله». 

هل يبشر الوضع الليبي بدوره بخير أم إنه يراوح في المجهول؟ 

ولنختم هذه المرثية بوضع تونس الآن التي ظن البعض أنها نجت من فخ الربيع العربي، لكن كل الظن أثم في الحالة التونسية، فها هي تونس تلحق بركب شقيقاتها التعيسات وتعود إلى المربع الأول. لقد حدث الانقلاب بشكل جلي على الثورة وعلى الشعب تحت حجج واهية، وبات الناس الآن يترحمون على ديكتاتورية العهد الفاطس، فقد عادت الدولة الأمنية لتنكل بالشعب بطريقة ممنهجة، وآخر تجلياتها منع الكثير من التونسيين من السفر كما يقول الإعلامي التونسي الزميل محمد كريشان. تذهب إلى المطار فيقولون لك: لا تستطيع السفر، أنت ممنوع من السفر دون الكشف عن الأسباب. لقد تبخرت كل إنجازات الثورة على صعيد الحريات، وعادت تونس إلى حتى ما قبل المربع الأول. 

والسؤال الآن على ضوء هذه الأوضاع المأساوية الكارثية: هل عادت الشعوب إلى حظيرة الطاعة؟ ألم يصبح لسان حال بعضها يلهج بما لهج به الفلاح المسكين بعد تجربته المريرة مع ديك وعنزتي وقرد الإقطاعي؟ نعم صحيح، لكن هذا الانتصار للثورات المضادة سيبقى قصيراً مهما طال. وهنا نستذكر مقولة الزعيم التشيكي الشهير دوبتشك عندما قال بعد أن أوقفت الدبابات السوفياتية ثورة ربيع براغ: «بإمكانكم أن تسحقوا الأزهار، لكنكم لن توقفوا الربيع». أرجو ألا أكون مخطئاً. 

 

كاتب واعلامي سوري 

========================= 

وجهة نظر : فيصل المقداد إلى نيويورك

زهير سالم

مركز الشرق العربي

٢٢ / ٩/ ٢٠٢١

إن منبرا سيصعد عليه فيصل المقداد في الجمعية العامة في الأمم المتحدة قوائمه مغروسة في دم السوريين ومستنقع آلامهم..

يتوجه المدعو "فيصل المقداد" وزير خارجية زمرة المستبدين الفسدة القتلة إلى نيويورك، المشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة...

إن استمراء الجمعية العامة والمشاركين فيها لهذا التقليد منذ عشرة أعوام ينقض الأسس الأولية التي قامت عليها المنظمة في حفظ الأمن والسلم الدوليين، وحماية حياة المدنيين في ظل الحروب والأزمات.

وإن استمراء الجمعية العامة لهذا التقليد منذ انطلاقة الثورة السورية، وبعد مقتل قريبا من مليون إنسان ، وتهجير نصف المجتمع السوري يعتبر اشتراكا مباشرا في المؤامرة الجريمة التي تنفذ على عامة الناس في سورية بإصرار ودأب منذ عشر سنوات. وتحت عناوين خادعة منها الحرب على الإرهاب !!

كما ان استمرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بإعطاء الفرصة للقاتل لكي يسوغ جرائمه، ويهدر دماء وآلام ضحاياه؛ يسحب من هذه الجمعية كل المصداقية العملية التي تؤهلها لتقوم بدور إنساني وسياسي على الارض السورية ..

ولقد آن الأوان لكل الصادقين والمخلصين أن يضعوا حدا لهذه الكوميديا السوداء .

والتي ما يزال من فصولها أن يعلنوا الفرح أن يستقبلهم موظف خارجية من الدرجة الرابعة في عنبر من عنابرها !!

ويظل بعض الناس يقول: وما هو بديلكم ؟!!!

على من لا يملك البديل أن ينزاح عن طريق السوريين.

وثارت قبلنا في هذا العالم من قبل أمم وشعوب. وكانت لها قيادات عرفت كيف توازن بين البدائل وكيف تنتزع الانتصار وذاك درس من فيتنام وبالأمس درس من أفغانستان...

____________

*مدير مركز الشرق العربي

========================= 

على أعتاب السنة السابعة للتدخل الروسي في سوريا 

حسان الأسود 

سوريا تي في 

السبت 18/9/2021 

في الثلاثين من أيلول سبتمبر الجاري يُكمل التدخل الروسي في سوريا سنته السادسة، وفي حساب أعمار الشعوب والدول ليس هذا بالرقم الكبير، فالاحتلال الفرنسي للجزائر دام 132 سنة، فبدأ في 5 من تموز يوليو 1830 وانتهى في 5 من الشهر ذاته عام 1962. لكنّ الأمور اختلفت كثيراً في الزمن الراهن عمّا مضى، فاليوم، وفّرت الثورة التكنولوجية العظيمة حصيلة معرفية ضخمة ومخزوناً معلوماتياً هائلا، جعلت منجزات البشر تُحسب بالأيام لا بالأعوام مقارنة بعقود خلت من عمر البشرية. وفي هذا المجال يمكن القول إنّ ما مرّ على سوريا من أحداث خلال السنوات العشر المنصرمة، قد يزيد على ما مرّ بها خلال قرن كامل من بدء التأسيس الأول. فماذا كانت نتائج هذا التدخل الروسي، وماذا حصدت هي من ذلك، وما هي النتائج على الصعيد السوري؟ 

الحقيقة أنّ روسيا الاتحادية عادت للحضور وبقوّة على الساحة الدولية، وكانت سوريا إحدى أهمّ البوابات التي ولجت منها عصر ما بعد انتهاء مرحلة القطب الأميركي الأوحد. فمن البوابة السورية استطاعت تحطيم الرقم القياسي لاستخدام الفيتو في مجلس الأمن بشأن قضيّة واحدة، مما يؤشّر على مدى أهمّية الملف السوري في الاستراتيجية الروسية. كذلك فعّلت دورها في مناطق آسيا الوسطى من خلال المقايضات مع تركيا في ملفات الصراع بين أذربيجان وأرمينيا من البوابة السورية. استثمرت حضورها السوري في الملف الليبي أيضاً، من خلال تأمين مقاتلين مرتزقة لحماية المنشآت النفطية. لكنّ الاستثمار الأكبر كان في طرح أسهمها للتسويق مجدداً كحليف موثوق لا يتخلّى عن حلفائه كما تفعل الولايات المتحدة الأميركية، فالمقارنة واضحة بين الموقف الروسي من دعم بشار الأسد، والموقف الأميركي الذي تخلى عن زين العابدين بن علي وعن حسني مبارك. 

لا تفوّت القيادة الروسيّة فرصة إلا وتستغلّها لإثبات وجودها في أيّة ساحة صراع مع الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا 

تحاول روسيا العودة بقوّة إلى شمال أفريقيا من خلال البوابتين المصرية والسودانية، كما تحاول إحداث اختراق حقيقي في العلاقة مع دول الخليج العربي، مستغلّة الفراغ المعنوي وفقدان الثقة اللذين أورثهما الانسحاب الأميركي من أفغانستان. قد يربك تعقيد الموقف في تلك المنطقة الحسابات الروسية، خاصّة وأنّ اللاعبين الإقليميين مثل باكستان وإيران واللاعبين الدوليين مثل الهند والصين، قد تغيّرت مواقفهم ومصالحهم عمّا كانت عليه عشيّة التدخل السوفييتي في ذلك البلد عام 1979. لا تفوّت القيادة الروسيّة فرصة إلا وتستغلّها لإثبات وجودها في أيّة ساحة صراع مع الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، هذا ما شهدناه في فنزويلا عندما وقفت بقوّة خلف الرئيس نيكولاس مادورو بمواجهة زعيم المعارضة خوان غوايدو. والحقيقة أنّ التدخّل في سوريا، والعنف الرهيب الذي مارسته ضدّ الفصائل العسكرية المعارضة لنظام الأسد، والوحشية السافرة في قصف المنشآت المدنية من مشافٍ ومدارس ومراكز الدفاع المدني، جعل هذا كلّه روسيا تعيد إلى أذهان العالم هيبة الاتحاد السوفييتي السابق، مجسّداً بشخص فلاديمير بوتين رئيساً صلباً مثل جوزيف ستالين. 

أمّا على الجهة السورية، فماذا كان الحصاد، وهل ساعد التدخّل الروسي الشعب السوري من حيث النتيجة، أم حفظ وحدة التراب السوري وحافظ على مؤسسات الدولة السورية، كما كانت شعارات القيادة الروسية تعلن أهدافها من التدخّل؟ 

الواقع يقول إنّ المستفيد الأكبر هو النظام الأمني العسكري الديكتاتوري في سوريا ورأسه بشار الأسد. لقد ثبّت الروس حليفهم بالقوّة العسكرية العارية وبقوّة الدبلوماسيّة في مجلس الأمن وبقوّة السياسة في اختراق العلاقات الدولية لصالحه. وباعتبار أنّ نظام الأسد لا يعمل وفق أية قواعد خارج حماية ذاته ورأسه، فإنّه لا يجد غضاضة في الانهيار الاقتصادي أو في دمار البنى التحتية للدولة أو في تهجير السكان، ولا قيمة لانهيار النظام الصحي أو نظام التعليم، ولا قيمة لانعدام القدرة على تأمين أيّ من الخدمات الأساسية للسكان بما فيهم الموالون له بشدّة. ولا أهمّية لاقتطاع أجزاء كبيرة من أراضي الدولة لصالح قوى أمر واقعٍ محلية، أو لصالح جيوش وميليشيات أجنبية، كذلك لا قيمة لانتقاص السيادة السورية على أرض أو سماء البلاد من قبل إسرائيل أو غيرها. ما دام النظام قائماً وقادراً على إعادة إنتاج نفسه، فلا قيمة لأي شيء آخر في سوريا الأسد، وهذا ما حققه التدخّل الروسي بكلّ وضوح. 

باتت سوريا الآن أقرب إلى الدولة الفاشلة، فقد انهار المجتمع السوري وتشرذم، وانهارت الدولة وتفتّتت، لكنّ النظام نجا، بل بات أكثر قوّة مما كان عليه قبل الثورة. والآن، وبسبب الحاجة الإقليمية لأي نوعٍ من أنواع الاستقرار، فإنّ معادلة إعادة تدوير النظام جاريةٌ على قدمٍ وساق. وقد يكون من مصلحة جميع أنظمة المنطقة بقاء هذا النظام بدل تغييره. سيكون أيّ نظام عربي أو إقليمي بمنزلة حَمَلٍ وديعٍ مقارنة بنظام الأسد، وهذا سيعطي شعوب هذه الدول من جهة، وساسة الدول الأخرى من جهة ثانية، دروساً وعبراً في الواقعيّة البراغماتية ولو على حساب ملايين البشر. 

الصواب والجمال والخير، قيمٌ أخلاقية لا تحمل في ذاتها شروط سيادتها لأنها كذلك، بل لا بدّ من توفّر عوامل خارجية تسمح لها بالتحقق 

من قال إنّ الظلم والطغيان سيندحران في النهاية لأنّهما باطل، ومن قال بأنّ الخير والجمال سينتصران أخيراً لأنّهما حق؟ هذا ما نراه في أفلام هوليود وبوليود وليس في الحياة البشرية الواقعية. استطاع الزعيم (الكويدلو) فرانكو أن يهزم خصومه الجمهوريين وأن يبقى في سدّة الحكم الفعلي منذ انقلابه عام 1936 وحتى وفاته عام 1975 رغم ما ارتكبه من جرائم وموبقات يندى لها جبين البشرية. كذلك كانت سيرة ستالين وبينوشيه، وأقرب مثال لنا حافظ الأسد، حيثُ نُقل جثمانه على عربة مدفع عسكري كأيّ بطلٍ قومي أو فاتحٍ مقدّس، رغم ما أذاقه للسوريين من مرارة وظلم وإجرامٍ خلال ثلاثين عاماً من حكمه. 

الخلاصة أنّ التاريخ لا يسير دائماً إلى الأمام، وأنّ سعادة البشر ليست من مفردات هذا التاريخ، وأنّ الصواب والجمال والخير، قيمٌ أخلاقية لا تحمل في ذاتها شروط سيادتها لأنها كذلك، بل لا بدّ من توفّر عوامل خارجية تسمح لها بالتحقق. 

والآن، ونحن على أعتاب العام السابع للتدخل الروسي في بلادنا، أما آن الأوان لخلق مقاربات جديدة للعمل، أما آن الأوان لإبداع آليات جديدة للتعامل مع الواقع، أما آن الأوان للبدء بعمليّة تغيير حقيقيّة واضحة في العقلية والنفسية والعمل الوطني والسياسي، أم سننتظر انتصارنا التلقائي لاعتقادنا الساذج أنّنا على حق وخصومنا على باطل؟ 

========================= 

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com