العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 26-07-2020


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

مجلس نواب للنظام في الشعب السوري 

راتب شعبو 

العربي الجديد 

الخميس 23/7/2020 

لا شيء أكثر إثارة للسخرية من حرص نظام الأسد على إجراء "انتخابات مجلس الشعب" وسط هذه الحالة المأساوية التي تصل إلى حدود المجاعة التي يعيشها السوريون في كل مكان، داخل سورية وخارجها، تحت سيطرة النظام وخارجها. لا شيء أغرب من تحمّل تكاليف هذه المسرحية، في حين يبلغ مقدار الديْن العام للدولة السورية 208% من إجمالي الناتج المحلي.

ربما لا يوجد شخص واحد في كل سورية، موالياً أو معارضاً أو بين بين، يعتقد أن ما جرى هو انتخابات تستحق هذا الاسم. النظام نفسه يدرك هذا، ولا يكترث، ولا يكلف نفسه عناء إجادة التمثيل أو التستر على العيوب، ولسان حاله يقول "أنا الغريق فما خوفي من البلل". طالما أنه لا توجد صحافة مستقلة، ولم يعد ثمّة حاجة للحفاظ على "صورة" البلد، بعد أن صارت في الوحل، ولا يوجد إشراف دولي على الانتخابات، فما الداعي إلى التستر؟ مثلاً، يمكن للناخب إذا شاء أن ينتخب عدة مرات، من دون أي مشكلة، فلا أحد يلزمك على غمس إصبعك بالحبر. هناك حافلات تحمل أشخاصاً يجولون بهوياتهم على المراكز و"ينتخبون"، بآلية جولانهم نفسها بالعصي والرشاشات على المظاهرات، في ما مضى. وهناك مخاتير يرسلون الأسماء وأرقام الهويات إلى المراكز ويتم "الانتخاب" بها، فقد يكتشف الشخص أنه شارك بالانتخاب من دون علم منه. غير أن الابتكار الديمقراطي الجديد التالي لشطب المادة الثامنة من دستور 1973، والمتعلقة بفرض حزب البعث قائداً للدولة والمجتمع، هي فكرة "الاستئناس الحزبي" التي تقول إن القاعدة الحزبية تشارك وتساعد القيادة في عملية اختيار مرشحي الحزب، حيث يقترع "الرفاق" على المرشحين الحزبيين، ويؤخذ من الحائزين على أعلى الأصوات ضعف العدد المطلوب للترشيح في قائمة الحزب، ثم تختار القيادة من تريد من بين هؤلاء. وهكذا تكون القيادة قد مارست "الاختيار"، ولكن بعد أن تكون قد "استأنست" برأي القاعدة التي صار يمكنها أن تحلم، هي الأخرى، بأن ينالها نصيب، مهما يكن بسيطاً، من تحليات الراغبين في النيابة وهداياهم. 

أشخاص مختارون من "القيادة" لكفاءاتٍ تتعلق أساساً بالانقياد وعبادة المصلحة الشخصية على حساب أي شيء 

ما معنى هذه الانتخابات، ولماذا يحمّل النظام نفسه عبء إجرائها ودفع تكاليفها، إذا كان على ثقة بأن الداخل لا يعترف بها في قرارة نفسه، وأن أهل الداخل يعلمون أن الغالبية الغالبة من الساعين إلى النيابة هم نخبة الفساد والاستزلام، ولا يرتجى منهم أي خير لأهل البلد؟ ولماذا يصرّ النظام على إجرائها، وهو على ثقة بأن الخارج يدرك زيفها، ويعلن عدم اعترافه بها في تصريحاته وإعلامه؟

يمكن تلمس الجواب في أن نظام الأسد أسير لفساده ومحسوبياته وعلاقاته الزبائنية، كما هو أسير "لديمقراطيته"، تماماً كما يكون المضمون أسيراً لشكلٍ ما. يخشى النظام أن يقود الخلل في الشكل إلى اختلال المنظومة ككل، فلماذا يغامر في الشكل، طالما أنه قادر عليه؟ التوريث مثلاً هو مضمون انتقال السلطة إلى الأسد الابن، غير أن هذا المضمون اتخذ شكلاً "جمهورياً"، ومرّ عبر "برلمان" .. إلخ. كان يمكن فرض التوريث بانقلاب على الدستور، ولكن القوة القادرة على هذا الانقلاب كانت تفضل دائماً ممارسة قوتها من دون كسر الشكل، طالما كان ذلك ممكناً. أكثر من ذلك، كانت هذه القوة دائماً تستعرض قدرتها على العبث بالأشكال إلى حدود الاستهانة أو الاحتقار. خذ ما تشاء من "الديمقراطية"، لتجد نفسك على الأرض ذاتها أو على أرضٍ أكثر تراجعاً. خذ ما تشاء من المؤتمرات والمحاكم والمجالس المحلية والانتخابات وقانون الأحزاب والإعلام .. إلخ، واكتشف ما يحيط بك من فراغ في الحقوق وخواء في المؤسسات. 

نظام الأسد أسير لفساده ومحسوبياته وعلاقاته الزبائنية، كما هو أسير "لديمقراطيته"، تماماً كما يكون المضمون أسيراً لشكلٍ ما 

على هذا الخط، يمكن لرئيس مجلس الشعب الحالي أن يفاخر بهذا الالتزام الديمقراطي الأصيل: "القيادة السورية مصرّة على إقامة الاستحقاقات الانتخابية كافة، وفي أحلك الظروف". هناك أعداء يريدون إشغال "القيادة" عن الالتزام بالديمقراطية، ولكن هيهات، فالقيادة مصرّة على الديمقراطية، وفي أحلك الظروف. قد يجوع الناس، قد يُقتل الناس، قد ينهار الاقتصاد، قد تنتشر الجريمة، فتضطر الدولة إلى عقد تسوياتٍ مع عصابات خطف وسلب، قد تصبح البلاد نهباً للطامعين، قد تصبح السماء ملعباً للمحتلين .. إلخ، لكن التزام القيادة بالديمقراطية يبقى ثابتاً. ذات يوم عبر الشاعر السوري الكبير عمر أبو ريشة عن هذا النمط من الحكم السياسي بالقول: البغيُ أروع مـا يكـون مظفراً/ إن سُلَّ باسم المكرمـات مهنَّـدا 

سوف يصل إلى مجلس الشعب، والحال هذا، نوابٌ معكوسون، لن يكونوا نواباً للشعب في برلمان، بل نواب للنظام في الشعب. أشخاص مختارون من "القيادة" لكفاءاتٍ تتعلق أساساً بالانقياد وعبادة المصلحة الشخصية على حساب أي شيء. يعمل هؤلاء في مستوى دوائرهم الانتخابية على تعميم تصورات النظام وتوسيع علاقات المنفعة وتغذية الفساد. ونحن هنا لسنا فقط أمام الحفاظ على الشكل "الديمقراطي"، بل وتحويله أيضاً إلى وسيلة إضافية في خدمة المضمون الاستبدادي الاستبعادي.

هل يمكن لعملية انتخابية، حتى لو كانت نزيهة إجرائياً، وتحت رقابة دولية وصحافة مستقلة، أن تفكك القوة الممسكة بالسلطة الفعلية؟ 

للتأكيد على العزلة السياسية التي يعيشها الشعب السوري اليوم، صادف، قبل أيام قليلة، أن شهدت مؤسسات المعارضة السورية الرسمية انتخاباتٍ لا تقل صوريةً وسخريةً عن انتخابات النظام. ولم تمنع هذه الحقيقة المرّة الفائز الذي وصل إلى رئاسة إحدى مؤسسات المعارضة قادماً من رئاسة مؤسسة أخرى، من وصف انتخابات النظام بأنها "مسرحية مكشوفة".

يطرح التأمل في الحال السورية على النفس أسئلة ثقيلة: هل يمكن لعملية انتخابية، حتى لو كانت نزيهة إجرائياً، وتحت رقابة دولية وصحافة مستقلة، أن تفكك تلك القوة الممسكة بالسلطة الفعلية، فيحوز المنتخبون (بفتح الخاء وكسرها) على سلطة حقيقية؟ وهل يقود تفكيك تلك القوة إلى تفكك المجتمع الذي قيل عنه، بحق، إنه مجتمع ممسوك أكثر مما هو متماسك؟ ما هو الجسر الذي يمكن أن تنقل عبره السلطة من تلك القوة المستبدّة إلى قوة جديدة منتخبة؟ وكم نحتاج من الجهد المركز والمسؤول، في السياسة والثقافة والتعليم، لجعل الشكل الديمقراطي مطابقاً لمضمونه بما يجعل قناة الفاعلية والتأثير بين الشعب والسلطة مفتوحة؟ 

=========================== 

موقفنا : (واللهُ يشهدُ إنّ المنافقينَ لكاذبون) العدو الصهيوني وعدوان جديد والرد كذب جديد

زهير سالم

مركز الشرق العربي

21/ 7 / 2020

شخصياً لن أكف عن وصف أي قصف صهيوني على أرضنا السورية " بالعدوان " . وإذا كانت بعض الأمور تختلط على غيري فإنها بحمد الله لا تختلط عليّ . هذه الأعمال الحربية التي يقوم بها العدو الصهيوني على أرضنا السورية هي عدوان مستنكر ومدان، ويستحق الرد وليس فقط التصدي الكذوب . وموقفي هذا لا يتضمن أبدا دفاعا عن نظام الزمرة الأسدية ، ولا عن القواعد العسكرية الإيرانية ، بأي حال من الأحول . ففي رؤيتي المتكاملة أن هذه الشبكة من القوى " الأسدية - الروسية - الصهيونية - الصفوية " وإن تشاكست ؛ يظل بعضها من بعض ، ويظل بعضها لبعض وليا ونصيرا . ومن غاب عنه هذا فليستعن بطبيب عيون . وما يجري على أرضنا كشلة خيوط تشابكت خيوطها ، حتى ما عاد يستيبن لها رأسا مستبين .

 الثابت الوحيد في المعادلة أن هؤلاء جميعا ضد سورية الجغرافيا والديموغرافيا والهوية ..وصيرورة كل أفعالهم تصب في مجمع النيل منا واذيتنا. وانتهى الكلام ..

ومع أنني راجعت منذ الصباح أكثر من مصدر إخباري رسمي لأعرف عن القصف الذي تم في العاشرة من ليلتنا الفائتة : أهو قصف طيران أو قصف صواريخ ، فلم أحصل على الشافي من القول . يقول العامة " ضربه الكف فصوره فلم يعرف من أين جاءه اللطم "..

تتحدث الأخبار عن مقتل " قائد إيراني " كنا قد سمعنا عن مقتله قبل شهور . أهي طريقة للخداع أن يقتل القتيل مرارا للدعاية والإعلان ؟! وأخشى أن نفاجأ بعد أيام بمقتل قاسم سليماني من جديد ..

في تلافيف أخبار المضحك المبكي أن صاروخا أسديا حاول التصدي فسقط على أرض الجولان السورية حيث يعيش مواطنون سوريون ، وآخر سقط في الشمال الأردني حيث قومنا وأهلنا هناك ..، فهل حدث خطأ ؟! أو حدث لإثبات العذر بعدم الجدية وعدم القصد !!

الآن أذكركم بالكذب الذي كذبه المنافقون ، والذي كتبت لكم عنه منذ نحو أسبوع عما سمي : الاتفاقية العسكرية الإيرانية - السورية . والتي تبجح بها الإيرانيون من لدن علي خامنئي إلى من يليه . والرجاء ممن لم يطلع على المقال أن يفعل ، وممن نسي أن يستذكر ..

قال الإيرانيون يومها أنهم بموجب الاتفاقية الجديدة سينصبون صواريخ دفاع جوي ، والتي زعموا أنه كانت قد وصلت إلى سورية قبل ستة أشهر ، لتجاوز حالة التماهي الروسي - الصهيوني ، بالرد على أي عدوان . أذكركم أن معنى الرد غير معنى التصدي . التصدي أن يضع المصفوع يده على خده ليتجنب ألم الصفعة ووقعها وشدتها . والرد أن يستذكر الإنسان ما كتب الله في الكتاب الأول على بني إسرائيل ...لتتأكدوا أنهم نصبوا الصواريخ ضدنا وليس ليردوا ..

وقالوا يومها أي منذ أسبوع أنهم سيصلحون الدفاعات الجوية السورية - المهترئة - في المرة الماضية نسينا أن نتساءل معا وأين أس 300 التي دفعنا ثمنها قواعد عسكرية روسية في البر والبحر ، واليوم نعيد طرح السؤال : ما علاقة اس 300 بالمشهد السوري ، إن كانت لن تتصدى لدولة العدوان ..أي فصيل سوري لم يمتلك يوما لا سوخوي ولا ميغ ولا ميراج ..تتذكرون معي أغنية :

ميراج طيارك هرب ..والميغ طقطق واعتلى .. في الجو يتحدى القدر ..كانت أغنية تقدمية بعثية في امتياز ..وسقى الله أيام المذياع ..

هذا المقال اليوم هو لكي لا نمل من ملاحقة الكذاب . ولاسيما أن الكذبة ما تزال طازجة ساخنة ...

توقفوا عن قصف ديارنا أيها الصهاينة المجرمون ..

اخرجوا من بلادنا أيها القتلة الطائفيون الصفويون ..

نكتة اليوم أحدهم قال : إن القصف الصهيوني ليل الأمس كان للاحتفاء الصهيوني الرسمي بتدشين مجلس شعب في سورية صفيوني جديد ..

ألا لعنة الله على المجرمين والخائنين ..

___________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================== 

دمشق..انتخابات التقسيم 

بشير البكر 

سوريا تي في 

الاربعاء 22/7/2020 

جرت يوم الأحد الماضي دورة انتخابات تشريعية جديدة في المناطق التي يسيطر عليها النظام السوري، تمثلت باختيار 250 عضوا لمجلس الشعب (البرلمان) من بين 1665 مرشحا. ومهما حاول المرء أن يكون بارد العصاب، فإنه لا يمكن إلا أن يرى في هذا الحدث جانبا من مسرحية من النوع العبثي التهكمي، من ذاك المسرح الأسود الذي تمتزج فيه الملهاة بالمأساة، والبكاء بالسخرية. غير أن ما حصل هو حدث سياسي يلخص ما آلت إليه الأوضاع في سوريا من جهة، ويعكس من جهة أخرى تأثير نتائج التشظي الراهن الذي يعيشه البلد، على صعيد مستقبل وحدة مكوناته في الداخل، وبين الداخل والخارج. 

وصف ما حصل بمسرح العبث ليس الهدف منه إخراج العملية من سياقها على سبيل التفكه، وإنما بسبب طابعها التغريبي الذي يقفز فوق الوقائع، ويخرج عن كل ما هو واقعي في الوضع السوري المأزوم، والذي يحتاج كل أنواع العلاجات الممكنة، ما عدا إجراء الانتخابات التشريعية من أجل تجديد مجلس تشريعي لا يحس أحد بوجوده على الإطلاق، ولا يلعب أي دور في حياة السوريين، الذين جرى دفعهم للمشاركة في العملية رغم الوضع الاستثنائي، الذي يفرضه تفشي فيروس كورونا. ويعيش هذا الجزء من الشعب السوري تحت سلطات بشار الأسد حالا صعبا جدا، وخصوصا على الصعيد الاقتصادي الذي يتدهور يوما بعد آخر، على نحو لا يمكن التحكم به. 

ورغم الوضع المأساوي، فإن الأسد لا يبدو عليه الاكتراث بالظروف التي تمر بها سوريا بشكل عام، ولذلك لم يهتم بأن الجزء الأكبر من الشعب السوري خارج عملية الانتخابات التي أجراها. وأول ما يمكن التوقف أمامه هو أن قرابة نصف الشعب السوري بات يعيش في المهاجر وبلدان اللجوء، وهؤلاء لا يقعون في دائرة حسابات النظام السياسية على الأقل، وعدم أخذ هذه الحالة بعين الاعتبار يعني أن المهجرين قسريا خارج حسابات أي عملية سياسية من طرف النظام، وخصوصا على المدى القريب. والنقطة الثانية هي أن هناك الجزء الآخر من الشعب السوري، الذي يقع تحت سلطة الإدارة الذاتية الكردية في الشرق. وقد منعت هذه الأخيرة إجراء الانتخابات في كامل هذه المناطق، ولم يصدر عن النظام أو الروس أي رد فعل، وهذا يعني نوعا من الاعتراف بسلطة الأمر الواقع التي تمثلها الإدارة الذاتية، وتسليما لها في التحكم بمصير السوريين الذين يعيشون هناك. والمسألة الثالثة هي، أن هناك منطقة الشمال التي تديرها فصائل مسلحة متحالفة مع تركيا أو التي تسيطر تركيا على بعض منها مباشرة، ووضعها لا يختلف سياسيا عن مناطق الإدارة الذاتية لجهة شطبها من حسابات النظام الانتخابية. 

في ظل هذا الوضع المتشظي تأتي انتخابات الأسد لترسخ الحال المأساوي الذي يمر به السوريون، وأخطر ما في ذلك تقسيم الخريطة السورية والشعب السوري، وإسقاط عدة ملايين من السوريين المهجرين إلى الخارج من كل الحسابات. وهذه أول نتيجة سياسية من عملية تشريعية مجزوءة تأتي كنتيجة لحروب الأسد والروس والإيرانيين ضد الشعب السوري. والنتيجة الثانية التي تأتي بعدها هي، أن موافقة روسيا على إجراء هذا الاستحقاق يعني أنها ليست جادة في التعهدات التي أعطتها دوليا، من أجل إطلاق عملية سياسية على طريق تطبيق قرار مجلس الأمن 2254، وبالتالي ترسيخ خريطة التشظي والتجزئة الراهنة، والاعتراف في نهاية الأمر بأن ترسيم حدود النظام التشريعية، سوف يصبح ترسيما سياسيا، وهذا أمر في منتهى الخطورة، لأنه يعني ترسيخ التقسيم بقرار رسمي. 

وفي نهاية المطاف تشكل هذه الانتخابات رسالة سياسية من طرف الأسد وحلفائه الروس والإيرانيين، بأن هذا الوضع دائم حتى إشعار آخر، والتمرين الذي حصل هو من قبيل البروفة للانتخابات التي ستتم بعد عام، والخاصة بتجديد رئاسة الأسد لولاية أخرى. 

=========================== 


انتخابات مجلس الشعب في سوريا مسرحية تراجيدية 

 عقاب يحيى

القدس العربي 

الاربعاء 22/7/2020 

مسرحية تراجيدية تقام في سوريا المحكومة بنظام الاستبداد والفئوية تحت عنوان «انتخابات مجلس الشعب» بواقع أن أغلبية الشعب لا تهتمّ، ولا تقيم وزناً لأنها اعتادت هذه المسرحية عقوداً، وتعرف أدوار الممثلين الكومبارس فيها الذين تختارهم أجهزة الأمن وهي تفحصهم على فرازة خبيرة بالتزييف والإخضاع واختيار التابعين من المتعاملين معها الذين لم يكونوا يومأً يمثلون الشعب السوري، ولا يملكون أي صلاحيات حقيقية، وليسوا أكثر من موظفين برتبة نائب يتقنون البصم، والتصفيق ونهش والتهام ثروات البلاد وتحقيق المكاسب الشخصية، كلّ وفق شطارته ومدى قربه من أجهزة الأمن، ومدى تلبيته للأوامر. 

مجاعة حقيقية 

كان ذلك قبل الثورة السورية، وعلى مدار عقود حكم آل الأسد فكيف بها الآن ونصف الشعب السوري في اللجوء والنزوح والهجرة الذين يرفضون علانية المشاركة، أو من الذين لا يقدرون على المساهمة فيها، والبلاد مدمّرة في معظم بناها التحتية بفعل ما قام به النظام المجرم في حربه المفتوحة على الشعب والبلاد؟ 

الأمر من ذلك أن المواطن السوري الذي انحدر وضعه إلى ما دون خطّ الفقر، والذي يعاني مجاعة حقيقية، ويتحمّل معاناة في لقمة العيش، والذي تجاوزت النسبة إلى نحو 90 في المئة من مجموع السكان الخاضعين لسلطة النظام، كيف لهم أن يتعاملوا مع مرشحين مفروضين عليهم لتكوين جسم كان جزءاً من مافيا النهب والفساد؟ 

وهل يعنيهم مثل هذه المسرحية التي خبروا تركيبها، ومدى صلاحياتها الفعلية، وموقعها من مؤسسات النهب والفساد، ومن كونها جزءاً من مأساتهم، وما وصلت إليه أحوالهم؟ 

الجبهة الوطنية التقدمية 

النظام السوري الذي يعيش حالة انهيار اقتصادي وسياسي بفعل نتائج نهجه التدميري يريد منذ مدة أن يبعث الحياة في رمم «حزب البعث» الواجهة، بعد أن حوّله إلى ممسحة للقاذورات والمفاسد والتهميش، عبر ما أسماه بالاستئناس في اختيار قوائم المرشحين بمشاركة تنظيماته في إعداد القوائم، والكل يعرف أن 169 مرشحاً هم صناعة أجهزة المخابرات، وأن حصة «الجبهة الوطنية التقدمية» العتيدة 16 خضعوا بدورهم للفرز من قبل تلك الأجهزة؟ 

والأنكى من ذلك ووفق تواتر المعلومات؛ هناك 69 من المرشحين من قادة الميليشيات والشبيحة، ومعظمهم محسوبون على إيران ومجندون في خدمة مشروعها الفارسي، الطائفي؟؟، ومنهم من هو على قوائم العقوبات، وأن المحتل الروسي غاضب لأن التابعين له عدد قليل؟ 

قانون قيصر 

النظام المجرّم فاقد الشرعية أصلاً يحاول ترقيع أوضاعه بهذه المسرحية، والعمل على فرضها بقوة أجهزته الأمنية وباعتقاده أنه بذلك يعمل على تسويق نفسه، ويلتفّ على قانون قيصر الذي دخل حيّز التنفيذ، وهو يضرب عرض الحائط بوجود ما يقارب نصف الشعب السوري خارج سيطرته ممن لا يمكنهم القيام بعملية الانتخاب، ناهيكم على أن معظمهم يرفضون استمرار هذا النظام بكل ترتيباته وهياكله، وقدّ قدّموا التضحيات للخلاص منه ومن إرثه لبناء النظام التعددي، الديمقراطي البديل حين تتوفر ظروف وشروط إقامة انتخابات شفافة لتشكيل مجلس شعب سيّد يتولى فعلاً مهام التشريع، ومراقبة ومحاسبة السلطة التنفيذية، مكوّن من مختلف مكوّنات وفئات الشعب السوري بعيداً عن تدخّل أجهزة الأمن وفرض أتباعها . 

بيان جنيف 1 الصادر عن مجلس الأمن (حزيران- يونيو 2012) الذي نصّ على شروط وبنود العملية السياسية في سوريا، وتأمين الانتقال السياسي الشامل، ثم القرار 2254 الذي يشكل الإطار العام للحل السياسي ينصّ صراحة على إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية نزيهة تحت إشراف الأمم المتحدة ووفق شروط لا بدّ من تأمينها، وفي مقدمها حلّ جميع الأجهزة الأمنية التابعة للنظام وتشكيل أجهزة حرفية لحماية أمن الوطن والمواطن، وإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية لجعلها مؤسسة وطنية مهنية، وتطبيق ما يعرف بـ»إجراءات الثقة» بعد الإفراج عن كافة المعتقلين السياسيين والكشف عن مصير المفقودين، ثم القيام بانتخابات رئاسية وتشريعية، حينها يمكن القول إن الشعب السوري بمختلف أطيافه هو صاحب القرار في اختيار الرئيس، وممثليه في مجلس النواب، وهو الأمر المفقود تماماً حالياً في الوضعية الحالية لما يسمى انتخابات مجلس الشعب والأقرب إلى مسرحية تراجيدية من صناعة وإخراج الأجهزة الأمنية التابعة لنظام مجرم كان السبب الأول والرئيسي في المأساة السورية، التي هي اليوم أكبر المآسي التي عرفها العالم بعد الحرب العالمية الثانية . 

نائب رئيس الائتلاف الوطني السوري 

=========================== 

سؤال سوريا الصعب 

 ياسين الحاج صالح 

القدس العربي 

الاربعاء 22/7/2020 

ليست القضية السورية قضية تحرر وطني، رغم قوة حضور بعد استعماري من نوع ما فيها، يتمثل في احتلالات خمسة، إسرائيلية وإيرانية وأمريكية وروسية وتركية على التتابع الزمني، يتطلع ثلاثة منها على الأقل، وربما خمستها، إلى الدوام. ولا تبدو قضية ثورة اجتماعية رغم قوة البعد المتصل بالفقر وضرورة تأميم مصادر الثورة الوطنية، ونزع ملكية نازعي الملكية الأسديين ومن والاهم. ولم تعد ثورة ديمقراطية رغم قوة البعد المتصل بالطغيان وعموم الحرمان من الحقوق والحريات السياسية، ورغم أن هذا هو الخطاب الذي لا تزال تسوغ به نفسها معارضة رسمية، ضيعت استقلالها مثل فعل النظام. 

تبدو قضية سوريا موضع إرباك عام، لأنها لا تستجيب لخطابات رئيسية انتظم التفكير السياسي حولها في القرن العشرين، الوطني والاشتراكي والديمقراطي. وهو ما يجعل البلد مغموراً تحليلياً، على نحو ما كان سكانه مغمورين سياسياً طوال نحو نصف قرن قبل الثورة في ربيع 2011. لكن عند التفكير في الأمر يبدو هذا حال بلدان أخرى، أو جميع البلدان في واقع الأمر. 

تبدو قضايا التحرر الوطني والثورة الاجتماعية أو الديمقراطية دوال لغوية عائمة من دون دلالات اجتماعية وسياسية محددة ترسو عليها وتستقر. سوريا تبدو بلداً مقبلاً من المستقبل، يعرض لمختلف المتحدات السياسية، صور الامتناع في حاضرها. وما تظهر في سوريا كمقاربات تفسيرية وعملية جزئية ومتقادمة هي واقع يترسخ عالمياً في كل مكان. لا يجد الناس لغة للكلام على شؤونهم الحاضرة، وتبدو صراعات عالم اليوم مستعصية على التأويل وفق لغات الأمس وخطاباته. ويبدو فوق ذلك أن هذا واقع قديم نسبياً لم يُفكّر فيه، وليس ناشئاً لتوه بحال. 

 

التحرر الوطني لا يؤطر ما يحدث لأنه لم يعد هناك وطن، ولأن كل محتل أجنبي من محتلينا الأربعة الجدد يجد «وطنيين» مدافعين عنه 

 

لكن ماذ جرى؟ كيف حصل أن استهلكت خطابات كانت تساعد في إدراك الواقع وتوجيه العمل فيه؟ ومن قوّض صلاحية الخطاب المناهض للاستعمار والإمبريالية، أو للبورجوازيات التابعة، المستولية على الموارد العامة، التي تتصرف كأرستقراطيات مالكة للبلدان التي تحكمها، أو للديكتاتوريات والطغيان الدولتي؟ لا ريب في أن المراكز الاستعمارية السابقة، وهي نفسها قوة السيطرة الدولية النافذة اليوم، وإن بتراجع، خلقت بيئة دولية أقل ملاءمة لتحرر وطني معافى في بلدان كانت مستعمرة، لكن في واقع الأمر تدهورت قضية التحرر الوطني أساساً على يد نخب وطنية وقومية جعلت من الصراع ضد الاستعمار أيديولوجية مشرعة لسلطتها المطلقة ولاستئثارها بأنماط ملكية وحياة لا تحظى بمثلها حتى بورجوازيات الدول الاستعمارية. يمكن أن يتساءل المرء بخصوص سوريا مثلاً: ترى لو استطاع إيلي كوهين، الجاسوس الإسرائيلي الذي كان نافذاً في أوساط النخبة البعثية السورية، بعد الانقلاب البعثي الأول عام 1963، والذي اكتشف وأعدم عام 1966، لو لم ينكشف أمره واستطاع حكم سوريا بدل حافظ الأسد، ترى هل كان يمكن أن يخرب البلد أكثر مما استطاع «عظيم هذه الأمة» وسلالته أن يفعلا؟ ثم إن كان صحيحاً أن الرأسمالية الغربية صعّبت منافسة أي تجارب اشتراكية لها لسبقها التكنولوجي والعلمي ولاستيلائها الواسع على موارد البلدان المستعمرة سابقاً، إن بصورة مباشرة أو عبر عمليات التبادل اللامتكافئ، فإن فشل الاشتراكية يعود أساساً إلى الأحزاب الشيوعية والاشتراكية، التي دخلت في سباق قوة لا يتناسب مع الفكرة الاشتراكية، قبل عدم تناسبه مع إمكاناتها، وهذا فضلاً عن فسادها وميلها إلى أشكال وحشية من الطغيان. ما كان لأحد أن يدمر الشيوعية أكثر مما فعل الرفيق ستالين، أبو الشعوب، المسؤول عن قتل ملايين البشر، بمن فيهم معظم الرعيل البلشفي الأول. كما لم تنهزم الفكرة الديمقراطية عالمياً بفضل صمود ديكتاتوريات في بلدان كثيرة، بل أساساً على يد الديمقراطيات الغربية، سواء عبر أشكال من التمييز والمحاباة الفاضحة للنظم التابعة لها، أو المحبوبة منها، أو منذ ثلاثين عاماً عبر أمننة متصاعدة للسياسة، تضعف الديمقراطية في كل مكان. من يقوض الديمقراطية في أمريكا اليوم هو إدارة أمريكية، عنصرية وفاشية، بعد استخدام تصدير الديمقراطية أيديولوجية مشرعة لاحتلال بلدين، ما تسبب بدمار واسع فيهما وفي الفكرة الديمقراطية. 

يتعلق الأمر في جميع الحالات بتحطيم ذاتي أكثر مما بهزيمة أمام عدو خارجي. النموذج يفسد من رأسه مثل السمك. وهو ما يبقى صحيحاً لو أضفنا عقيدتين مؤثرتين في تفكير قطاعات من الناشطين والمثقفين في مجتمعاتنا، أعني الإسلامية والعلمانية. ما كان لأحد أن يؤذي الإسلامية أكثر مما استطاعت أن تفعل بنفسها، إلى درجة أن يتساءل المرء: ترى لو كان هناك من يريد الكيد للإسلام وإهانة المسلمين إلى أقصى حد، هل كان يمكن أن يخرج بشيء أسوأ من «داعش»؟ وهذا من دون أن يكون الآخرون «أنظم» كثيراً. ولم تفشل الدعوة العلمانية في تقديم نماذج تحتذى في التفكير وفي العمل، لا كأفراد ولا كتيارات، من دون أن يكون هذا ذنب أحد من خارجها. بشار الأسد بالذات استطاع أن يتكلم عن العلمانية في السنوات الأخيرة، من دون أن يشعر أحد من دعاة العلمانية بالإهانة ويرد عليه. 

في المحصلة، نجد أنفسنا في أوضاع لا نعرف كيف نسميها، ولا نتعزى كثيراً مما يبدو أن الحال من بعضه، أو مقبل على أن يكون من بعضه في كل مكان من العالم، وإن بنسبة كل مكان ومقداره، إن حاكينا صيغة لابن خلدون. وبينما يعود وضع الأزمة العالمية بقدر من تطبيع أزمة الوطنية والمواطنة السورية، فإنه في الوقت نفسه فرصة لتفكير متناوب، ينطلق من سوريا التي هي عالم مصغر بدلالة المحتلين الخمسة، وغير قليل من منظمات ما دون الدولة التي تولدت في غمار حروب أهلية في البلدان المجاورة: لبنان، تركيا، العراق، فضلاً عن القاعدة التي هي توأم العولمة،، أقول تفكير متناوب ينطلق من سوريا نحو العالم، أو ينطلق من عالم يزداد سورية نحو… سوريا. 

تبدو سوريا سؤالاً صعباً بالفعل.. وما يظهر في أي نقاش مع ناشطين حسني النية في الغرب، وكذلك مع متعاطفين من العالم العربي، ليس فقر التفكير في شأن سوريا، بل في الواقع فقر التفكير فحسب. فقره في شأن العالم، وليس سوريا وحدها. وعلى صلة بذلك أنه ليس هناك كائنات سياسية جديدة تكبر وتنضج وتعد. ليس هناك وعود. ويبدو أن ما يقوله كوكب سوريا المقبل من المستقبل هو أن المستقبل لم يعد موجوداً. 

 

تبدو سوريا سؤالاً صعباً بالفعل.. وما يظهر في أي نقاش مع ناشطين حسني النية في الغرب، وكذلك مع متعاطفين من العالم العربي، ليس فقر التفكير في شأن سوريا، بل في الواقع فقر التفكير فحسب. فقره في شأن العالم، وليس سوريا وحدها. 

 

ليس هناك دروب تؤدي إليه، وهو في الأصل لا شيء غير الدروب. التقدم لا يعمل، والثورة تأكل نفسها أو يأكلها أبناؤها مثلما حصل في بلدنا نفسه، فتستغني بذلك عن أكل أبنائها مثل الثورة الفرنسية والروسية، أو أكل غيرها مثل الثورة الأمريكية؛ التحرر الوطني لا يؤطر ما يحدث لأنه لم يعد هناك وطن، ولأن كل محتل أجنبي من محتلينا الأربعة الجدد يجد «وطنيين» مدافعين عنه، منددين بمحتل أو محتلين أو ثلاثة آخرين، بحسب سعة ذمة المنددين، فضلاً عن وصفائهم من المحتلين المساعدين؛ والثورة الاجتماعية ليست في الوارد لأنه لم يعد هناك مجتمع (فقر 90% من «المواطنين» لم يعد فقراً لهم، صار مجاعة وموتاً وطنياً)، وتصور التغيير الديمقراطي لا يطابق ما يحدث، لأنه أرضية تشكل أكثرية ديمقراطية أو كتلة تجد في الديمقراطية العامة مصلحة خاصة تحطمت مع تمام نزع وطنية الدولة، وتقدم نزع وطنية المجتمع في سوريا. 

يمكن أن نستنتج من ذلك ما يناسب مزاجنا: القنوط والسينكية، أو الشعور بالتحدي ومحاولة الاستجابة الفاعلة له. يشجع على الخيار الثاني أنه أكثر من أي وقت مضى، هناك اليوم شعور يحتد بالمأزق في العالم كله. هذا جديد. هناك سعي وراء وعود جديدة، حتى أن هناك سعياً وراء وعود قديمة أيضاً. ونحن من بين الساعين. لسنا مؤهلين أفضل من غيرنا، لكننا نشغل موقعاً أميز من غيرنا: موقع البلد- العالم.. نحن السوريين. 

كاتب سوري 

=========================== 

مأزق الأسد!

فايز سارة

الشرق الاوسط

الثلاثاء 21/7/2020

يبين المشهد السوري أبعاداً مختلفة في المأزق الذي يحيط بنظام الأسد. ففي الجانب السياسي يستمر مأزق النظام نتيجة عدم وجود حل في سوريا وحولها، حيث ما زال النظام وحلفاؤه الروس والإيرانيون وميليشياتهم عاجزين عن الوصول إلى نهاية الحل الأمني - العسكري الذي يفضلونه، بل إن أبرزهم، وهم الروس، ليست عندهم قناعة بالوصول إلى حل من هذا النوع، بينما الحل السياسي ما زال بعيداً ليس بسبب الانقسامات الإقليمية والدولية حوله فقط، بل أيضاً نتيجة معارضة النظام لحل يرى فيه نهايته، ولو بعد وقت.

الأهم والأكثر سخونة وإثارة في المأزق، هو الجانب الاقتصادي - الاجتماعي الطافح في المشهد السوري. ففي معطيات هذا الجانب، ما يجعل كارثة السوريين فوق التصور والاحتمال. فإضافة إلى البطالة والفقر ومشاكل الصحة والسكن والتعليم، وما يصاحبها من أمراض ومشاكل اجتماعية، فإن انهيار قيمة العملة السورية مقارنة بالعملات الأجنبية، فاق كل التقديرات، والأمر في هذا بدا نتيجة مركبة لعوامل وتفاعلات محلية وإقليمية، أطبقت قبضتها على بلد واقتصاد منهكين، وعلى نظام هش وفاسد عاجز عن اتباع أي حل خارج ما تبقى من نهج الإكراه، مواصلاً استخدام القوة الأمنية على بطانته أيضاً؛ أملاً في الوصول إلى ما يساعده على تجاوز المأزق الراهن، إذا لم يتمكن من إيجاد حل للمأزق على نحو ما يحلم فاعلون في بنية النظام.

وسط الوضع الكارثي الذي يحيط بالمشهد السوري ونظام الأسد، يقع الأخير في حيرة اتباع مخرج مناسب، وقد سعى في السنوات الماضية إلى إجراءات تمرير الأزمة من حلقة إلى أخرى، وكان اعتماده الأقل على المصادر المحلية والأكثر على تقديمات ومعونات حلفائه الروس والإيرانيين، واعتمد في بعض الحالات على تقدمات وإعانات منحها له داعمون مجهولون من المحيطين العربي والدولي.

لقد وفرت المصادر المحلية دعماً ملموساً للنظام ساعد في تمرير سنوات الحرب. إذ تكفل بعض مؤيدي النظام من رجال المال والأعمال بتقديم مساعدات مالية للنظام، وبعضهم زاد على ذلك تشكيل ميليشيات مسلحة، تقاتل إلى جانب قوات النظام، وتضبط مناطق سيطرته، وأضاف البعض إلى ما سبق تقديم مساعدات متعددة الأوجه إلى حاضنة النظام، وكان التعبير الأبرز في هذه المجموعة رامي مخلوف، وبين أهم التعبيرات الأخرى حسام القاطرجي وفارس الشهابي والقائمة تطول. ولعبت عمليات نهب وتعفيش المناطق، التي اقتحمتها قوات النظام وتجارة المخدرات دوراً في تمويل مجموعات وشخصيات داخل النظام، كما لعبت الإتاوات على الأموال التي تم تحويلها لمساعدة السوريين من الخارج وعائدات الحواجز، ولا سيما في المناطق المحاصرة، دوراً في تمويل النظام وبعض مجموعاته وشخصياته.

إن أهم مصادر تمويل النظام والحرب على السوريين كانت مصادر إيرانية وروسية، حيث أنفقت إيران ما بين 30 و48 مليار دولار في سوريا منذ تدخلها عام 2012، في حين تراوحت النفقات العسكرية الروسية وحدها ما بين 5 و7 مليارات دولار في سنوات تدخلها ما بين أواخر 2015 ومنتصف عام 2020. وفي حين كان القسم الأكبر من الصرفيات الروسية مخصصاً للشؤون العسكرية والأمنية، فإن الصرفيات الإيرانية ذهبت إضافة إلى البند السابق إلى بنود شملت توريد الأغذية والأدوية والمشتقات النفطية والخدمات.

لقد تغيرت ظروف الأطراف جميعاً حالياً؛ إذ استنفدت سنوات الحرب معظم قدرات السوريين المادية، وانخفض عائد الأطراف المحلية من الحرب، التي تراجع عدد معاركها، وتغيرت نوعيتها، وانخفض مستوى النهب والتعفيش، وانتهت حالات الحصار الكبرى، وغابت حواجز ممرات المناطق المحاصرة، وكله انعكس سلباً على القوى المشاركة في الصراع، في حين تراجعت موارد مؤيدي النظام من رجال المال والأعمال إلى درجة، دفعت رامي مخلوف الأبرز فيهم إلى التمرد على النظام، ورفض مد النظام بالمال، فرد الأخير بإجراءات رادعة، ما زالت تتواصل، قبل أن يشمل آخرين بالإجراءات ذاتها.

ولم يكن تدهور تمويل النظام مقتصراً على الأطراف المحلية، بل أصاب الحليفين الروسي والإيراني، خاصة أن نظام الأسد لا يستطيع دفع ديونه لأي منهما، في حين لا تدر أغلب الامتيازات والاستثمارات، التي منحهما النظام مكاسب جدية عليهما لأسباب، أهمها استمرار تدهور الأوضاع السياسية والميدانية، وعزوف المجتمع الدولي عن بدء عملية إعادة الإعمار قبل الشروع في تسوية سياسية للصراع في سوريا وحولها بالاستناد إلى القرار الدولي 2254. وقد أضيف إلى ما سبق عامل مستجد، وهو وقوع كل من إيران وروسيا تحت ظروف سياسية - اقتصادية نتيجة جائحة «كورونا» والتراجع الكبير في أسعار النفط.

وبطبيعة الحال، فقد جاء تطبيق قانون قيصر الأميركي لعام 2019، ليفاقم مأزق نظام الأسد، ليس فقط من باب توسيع إطار العقوبات المفروضة عليه بما فيه من هياكل وشخصيات ذات صفة، بل من خلال اعتماد آليات جديدة من جهة، وتطبيق عقوبات على هياكل وشخصيات ذات صفة ومؤثرة في بلدان أخرى ممن يقيمون علاقات تعاون مع نظام الأسد وهياكله وشخصياته، ولا شك أنه سيتم التركيز بصفة أساسية على روسيا وإيران من بين دول لها علاقات مع نظام الأسد، وقد بدأت أول آثار ذلك في لبنان الذي لطالما سعى نظام الأسد بالتعاون مع الأوساط الحاكمة هناك، لجعله حديقة خلفية، يتنفس منها النظام، ويعالج فيها بعض مشاكله.

وإضافة إلى تدهور قدرة روسيا وإيران على الإنفاق في سوريا، فإنهما ستكونان أكثر حذراً في التعامل مع النظام وهياكله وشخصياته في المرحلة المقبلة بفعل قانون قيصر، وهو ما ستذهب إليه دول عربية وأجنبية، أبدت في العامين الأخيرين رغبة في الانفتاح على النظام ومساعدته تحت لافتات متعددة؛ منها المساعدة لدفع النظام نحو حل القضية السورية وإعادة الإعمار ومواجهة فيروس «كورونا»، وجميعها كانت لافتات مضللة.

إن خيارات نظام الأسد في مواجهة مأزقه محدودة. فإذا كانت روسيا وإيران لن تقدما قدرات جديدة للإنفاق في سوريا، بل سوف تخفضان من إنفاقهما هناك، كما أن أياً من الهياكل وأياً من الأشخاص فيهما وفي البلدان الأخرى، لن يغامر ويدخل في مواجهة خاسرة مع الولايات المتحدة، وبسبب من ضعف ومحدودية قدرات المصادر المحلية، فإنها لن تكون قادرة على الإنفاق بما يتناسب مع أدنى احتياجات النظام.

وسط الصورة السوداء لما يحمله المشهد السوري، لا يبدو هناك أي حلول يكون بإمكانها تمرير الأزمات والمشاكل الحالية، أو معالجتها بطريقة جذرية؛ الأمر الذي يجعل النظام يتخبط في علاقاته وسياساته وقراراته وإجراءاته، ليعطي للعالم انطباعاً بأنه يتحسن ويتغير، بادئاً من علاقاته مع الروس والإيرانيين التي تظهر كل يوم بتفاصيل جديدة، مروراً بالخلافات داخل الحلقة المركزية للنظام ومنها خلاف الأسد مع مخلوف، وصولاً إلى حكومته بقراراتها وإجراءاتها الارتجالية، والتي لا تراعي المعطيات المحيطة إلا من باب المصلحة الضيقة لنظام الأسد والمقربين منه، ومن هنا يمكن فهم التعديلات الجارية في قائمة المقربين من النظام بإبعاد بعض القدماء وضم أعضاء جدد في قائمة رجال الأعمال، وفي التشكيل الحكومي الجديد وفي القوائم الانتخابية لمجلس الشعب، وقبل كل ما سبق في تعيينات كبار الضباط في المؤسستين العسكرية والأمنية، التي يعتمد عليهما النظام، ويراهن عبر مساندتهما له للتغلب على المأزق الراهن أو تمريره على الأقل من دون مفاجأة كبرى.

===========================

ثلاثون عمر أبو ريشة

 صبحي حديدي

القدس العربي

الاثنين 20/7/2020

مرّت يوم 15 تموز (يوليو) الذكرى الثلاثون لرحيل الشاعر السوري الكبير عمر أبو ريشة (19081990)؛ الذي أرجّح، ابتداءً، ولادته في هذا العام، وليس 1910 كما تقول روايات أخرى؛ وفي مدينة عكا، حيث دار جدّه لأمّه إبراهيم اليشرطي، وليس في بلدة منبج السورية كما يقول قيد نفوسه الرسمي. سبب هذا الاختلاف أنّ الوالد شافع مصطفى أبو ريشة كان دائم التنقل، وعمل قائمقاماً في الخليل وحوران وطرابلس ومنبج، ولم يسجل ولادة ابنه عمر إلا في منبج بعد سنتين.

تَعارُض الروايات حول سنة الولادة ومكانها لم يقابله تعدّد كافٍ في الأعمال النقدية التي تناولت تجربة الشاعر، وباستثناء عدد قليل من الأطروحات الجامعية، والفصول المتفرقة في مجاميع نقدية عامة (بعضها بالغ الأهمية، مع ذلك، عند أمثال شوقي ضيف، مارون عبود، محمد مندور، أحمد الجندي، محمد مصطفى بدوي، عمر الدقاق…)؛ يمكن التنويه بالمؤلفات التالية، بين أخرى سواها بالطبع: إيليا حاوي، في «عمر أبو ريشة شاعر الجمال والقتال»، 1980؛ محمد إسماعيل دندي، في «عمر أبو ريشة دراسة في شعره ومسرحياته»، 1988؛ جميل علوش، في «عمر أبو ريشة حياته وشعره»، 1994؛ وفايز الداية، في «دلالات السيرة والأسلوب عند عمر أبو ريشة»، 2018، ولعله الأفضل إحاطة بتجربة الشاعر، والأعلى دقة في تصويب مسارات حياته اتكاءً على معلومات مباشرة من بعض أفراد أسرته.

 

الشاعر سُجن بسبب مواقفه ضدّ الانتداب الفرنسي، واختلف مع الكثير من أبرز ساسة بلده في المواقف والخيارات، ولكنه بقي صوت سوريا الشعري والإنساني الأعلى والأبهى في عصره، وصاحب قصيدة الجلاء الخالدة

 

أقدار أبو ريشة، ضمن إطار الدراسة والعمل لاحقاً، قادته من منبج إلى حلب ثمّ بيروت، قبل أن يوفده والده إلى مانشستر للتخصص في الأصبغة وكيميائيات النسيج، وثمة رواية تقول إنه سعى إلى إبعاده عن الشعر والسياسة في آن معاً؛ ثمّ يحطّ به الترحال في مدن وبلدات سورية وعربية مثل معرّة النعمان وحمص وحماة ودمشق وبغداد والقاهرة وعمّان، ويمثّل بلده في سفارات البرازيل والولايات المتحدة والهند؛ قبل أن يغمض عينيه للمرّة الأخيرة بعيداً عن عكا ومنبج وحلب، في الرياض السعودية. هذه مسارات أوديسية الطابع، كما قد يجوز القول، لم تفتح باصرة أبو ريشة وبصيرته على عوالم أخرى وثقافات مختلفة وتجارب إنسانية شتى، فحسب؛ بل لعلّ أفضل ثمارها، عندنا نحن القرّاء على الأقلّ، كانت اكتناز مشروع الشعري بقراءات ثرّة ومتشابكة وتجريبية الطابع، وحداثية على نحو خاصّ مفاجئ كذلك.

لافت أنه يكتب ما يلي، في سنة 1936، وفي مجلة «الحديث» الحلبية وليس في أية دورية أجنبية: «سئمتُ هذا الشعر وهذه الزمرة من الشعراء [ويقصد أمثال أحمد شوقي وحافظ إبراهيم] فعدت أبحث في كتب الأدب، فعثرت على شعر جيد مبعثر هنا وهناك كأبيات لأبي صخر الهذلي: وما هي إلا أن أراكِ فُجاءةً/ فأبهتَ لا عرفٌ لديّ ولا نكرُ». أو يتابع: «أحبّ الشعراء إليّ اثنان هما بو وبودلير اللذان صرفت الساعات الطوال في مطالعة آثارهما، فهما أشبه بلولب صور في حانوت رسام كيفما حرّكته وجدت صوراً جديدة تختلف كل صورة عن أختها كلّ اختلاف وفي كلّ منها رمز ينقلك إلى أفق».

ولعلها لم تكن صدفة محضة أنّ صداقاته الحلبية، الشعرية على وجه الخصوص، ضمّت أمثال الشاعر الطبيب علي الناصر، أحد أئمة السوريالية المبكرة في سوريا، والذي سيصدر ديوان «سريال» مع اورخان ميسر سنة 1947، فيطلق أبو ريشة على الأخير تسمية «بودلير سوريا». كذلك كانت سنوات دراسته في بيروت، ابتداءً من 1924، قد أتاحت له أن يزامل أمثال وجيه البارودي وإبراهيم طوقان؛ الأمر الذي لعله كان وراء تحريضه على كتابة مسرحية ناقدة، في سنة 1934، بعنوان «محكمة الشعراء»، تجري على ألسنة أبولون، منيرفا، فينوس، باخوس، هيلوس، ديميتر، بلوتو، هرقل؛ والشعراء معروف الرصافي، بشارة الخوري، حليم دموس، شفيق جبري، أحمد زكي أبو شادي، إبراهيم ناجي، أحمد الصافي النجفي، جميل صدقي الزهاوي، علي الناصر، شبلي الملاط، علي محمود طه، وعباس محمود العقاد.

وليس أقلّ إثارة للانتباه ما قاله عن الشعر في محاضرة استضافها النادي العربي في دمشق، سنة 1947: «ما هو مثلي الأعلى في الشعر؟ أأريد من الشعر أن أشمّ فيه، وأسمع فيه، وأتذوق أنفاس الحياة وروائحها ونكهاتها؟ أم أريد أن يغيّبني فيها حتى لا أعود أشعر بكياني الذاتي؟ لا أدري ماذا أريد!». ويتابع: «إذا تركتُ جانباً الموازين المنطقية التي تزن قيم الشعر، والتي أراها لا تشفي غلّة ولا تبلغ غاية، لأنّ الإحساس بالجمال كما أرى مصدره العاطفة والذوق، لا العقل والعلم. أقول إذا تركت تلك الموازين جانباً، والتفتُّ إلى الشعر الذي أكتبه وجدتني شاعر قصيدة لا شاعر بيت، والقصيدة عندي فكرة معينة منطوية تحت أجنحتها الثلاثة: الخيال واللون والنغم».

وتلك آراء كانت تقطع مع زمنها جمالياً، ولكن من دون أن تقاطع سياقاته ومناخاته ومعطياته السياسية والفكرية والاجتماعية والثقافية؛ فالشاعر سُجن بسبب مواقفه ضدّ الانتداب الفرنسي، واختلف مع الكثير من أبرز ساسة بلده في المواقف والخيارات، ولكنه بقي صوت سوريا الشعري والإنساني الأعلى والأبهى في عصره، وصاحب قصيدة الجلاء الخالدة:

يا عروس المجد تيــهي واسحبي/ في مغانينا ذيول الشهب

كمْ لنا من ميسلون نفضت/ عن جناحيها غبار التعب…

===========================

النظام السوري إلى إيران مجدّداً

عمار ديوب

العربي الجديد

الاحد 19/7/2020

أخطأ النظام السوري، بتوقيعه الاتفاق العسكري الشامل أخيرا مع إيران، والذي يعطيها دوراً كبيراً في إصلاح جيشه، ويسمح لها بتعزيز الدفاعات الجوية لمواجهة إسرائيل. هذا الاتفاق تتويج لاتفاقيات كثيرة عقدتها إيران معه، بل لعلاقة قديمة بينهما. النظام الراهن، بعد أن وجد نفسه يتحول إلى أداةٍ بيد الروس، وأن هناك طبخة تعدُّ له، وقد تطيح أغلب قياداته، قرّر الموافقة على ذلك الاتفاق. إيران تحتاجه بشدة، وسيكون ورقة إضافية، حينما تحين لحظة التسوية بخصوص سورية، وتحتاجه في ترتيب شؤونها في المنطقة، وفي مواجهة تركيا وروسيا وأميركا. النظام يحتاج الاتفاق لأن روسيا تهمّشه كل يوم، وتمتّن علاقاتها مع إسرائيل؛ ولإسرائيل دور مركزي في كل ما ستؤول إليه الأوضاع في سورية، وفي كل ما آلت إليه أيضاً. إن دمار سورية وخرابها وكل مآسيها تصب في مصلحة إسرائيل وقوتها.

يعلم النظام السوري أن روسيا وأميركا لا تريدان تغييره، وتتطلعان إلى إصلاحه، ومشكلته هنا، فكل إصلاح فيه سيفضي لا محالة إلى تغييره! إذاً ليس من دولةٍ في العالم تريد بقاءه كما هو إلا إيران، وبالتالي اتجه نحوها، محاولاً ألّا تتم إطاحته، وبحثاً عن مخرجٍ له، حينما تلوح لحظة التسوية. يتوهم النظام بذلك أن إيران لن تضحّي به، وبأرخص الأثمان، حينما تتفق روسيا وأميركا، وتضمنان مصالح إيران.

يورّط النظام نفسه بتولية وجهه نحو إيران التي ستستخدمه ورقة بيدها حينما تحل التسويات

الآن، وفي ظل تعثر التسوية، ومتابعة روسيا خياراتها في تهميش إيران والنظام، اتجه الأخيران نحو تعزيز التحالف، ولكن هل ينجحان في إرباك الخيارات الروسية أو يبتزّانها؟ سيما أن إيران تشعر أن روسيا تقترب من إسرائيل أكثر، ومن تركيا وحتى أميركا. تحاول إيران بذلك اللعب منفردة، ويلحق بها النظام السوري، ولكنها اللعبة الأخطر في المرحلة الحالية، فهناك رفض إقليمي واسع لوجودها، ووجود المليشيات التابعة لها، من أحزاب الله في لبنان والعراق، وهناك سياسات أميركية وإسرائيل تقول بضرورة خروج إيران من كل المنطقة، وليس من سورية والعراق فقط.

روسيا التي أُعطِيت سورية، أعطيت لها، ولكن بشروط، أوّلها إخراج إيران من سورية. وبالتالي، يأتي الاتفاق أعلاه في سياقٍ معاكس كلية لكل السياسات الروسية والأميركية والإسرائيلية، بل والتركية. إيران التي لديها فائض من المليشيات الرخيصة ليست لها خيارات أخرى إلا المواجهة. يعلي هذا الاتفاق من وزن حضورها في سورية، وقد تستخدمه فعلاً من أجل شن حروب في إدلب أو شرق سورية، باعتبارها والنظام يؤكدان أحقيّة الأخير في كل سورية، وربما تستخدمه في توتير أجواء المنطقة بأكملها، وعلى مبدأ "فليحترق الجميع أيضاً"، ما دام الحصار يشتد عليها عالمياً. وكذلك يشتد على النظام السوري الذي أحكم قانون قيصر الخناق عليه، وأحكمت روسيا قبضتها عليه، فهي من حماه عالمياً عبر الهيئات الدولية، وهي من أنقذته من سقوطٍ حقيقي.

يعلم النظام السوري أن روسيا وأميركا لا تريدان تغييره، وتتطلعان إلى إصلاحه، ومشكلته هنا، فكل إصلاح فيه سيفضي لا محالة إلى تغييره!

والآن، كيف سترى روسيا الاتفاق العسكري؟ هو موجّه ضدها أيضاً؛ وهي من تسيطر على سورية أجواءً وأرضاً، وحمته بخمسة عشر "فيتو" في مجلس الأمن، وألف شكل وشكل. لا يستساغ القول إن الاتفاق جاء ضمن لعبة روسيا، ولتقوية نفوذها في مواجهة أميركا وإسرائيل. لا، روسيا الآن تعترف لأميركا وتركيا بوجودهما العسكري، وتعلم أن ما يعيق أيّ حلحلةٍ للوضع السوري، وكي تستفيد منه روسيا هي أميركا بالتحديد، ولكن أميركا لا تشن حروباً على روسيا في سورية ولا تركيا، وبالتالي الدولة التي تنافس روسيا حالياً في سورية هي إيران بالتحديد.

يعاكس الاتفاق السوري الإيراني، الموقّع أخيرا، كل التوجيهات الروسية التي ترسلها إلى النظام. ويعطي لإيران مكانة كبيرة في سورية، وهذا يعني أن النظام "يلعب بذيله مع الروس". المسألة أصبحت مكشوفة الآن، والاتفاقُ علنيٌ، وبالتالي، وعلى الرغم من الفيتو الروسي أخيرا في مجلس الأمن، والذي يحمي النظام ويحاول شرعنته عالمياً، فإن النظام يتجه نحو إيران. مسألة تتطلب التدقيق إذاً.. هل النظام لا يعي مصلحته فعلاً؟ وكيف تحمي روسيا نظاماً يدير لها ظهره؟ هذا الحال يمكن تفسيره أن روسيا لا تحمي النظام، إلا من أجل مصالحها التي وقعتها معه، ومن أجل أن يظلّ لها الدور الأساسي في سورية. النظام يعي ذلك، ولكنه يرتكب خطأ كبيراً في الاتفاق، وربما سنشهد تطورات روسيّة ضد النظام نفسه.

يستفز الاتفاق أميركا وإسرائيل، ولكنه أيضاً يورّط إيران الغارقة في مشكلات متعدّدة، وعلى المستويات كافة. لن تتوقف إسرائيل عن قصف أية مواقع إيرانية في سورية. وتقول الأخبار إنها المسؤولة عن قصف الموقع النووي الإيراني أخيرا. ستشدّد أميركا الحصار أكثر فأكثر، عبر قانون قيصر وسواه، وستكون إيران أكثر المتضرّرين؛ فالحدود ستغلق بين سورية ولبنان وسورية والعراق، وسيشمل الحصار حتى المناطق السورية التي تسيطر عليها كل من تركيا وأميركا، وفصلها عن المناطق الواقعة تحت سيطرة الروس والإيرانيين. عدا ذلك كله، هناك تصعيد أميركي كبير ضد كل الوجود الإيراني، ويلاحظ حالياً في سورية والعراق ولبنان.

روسيا لا تحمي النظام، إلا من أجل مصالحها التي وقعتها معه

ذهنياً، يفترض بإيران البحث عن أوراقٍ للتسوية، والانكفاء داخليّاً، ولكن ما يحدث عكس ذلك؛ ففي سورية عقدت اتفاقاً عسكريّاً شاملاً. وفي العراق، تشنّ مليشيات تابعة لها عمليات ضد القواعد العسكرية الأميركية. وفي لبنان، يعلن حزب الله مواقف رافضة قانون قيصر، وأيّة علاقة بين أميركا ولبنان، وفصل الأخير عن سورية. وتستفيد إيران من التراخي العسكري الأميركي، واكتفائه بعمليات عسكرية محدودة هنا وهناك. المشكلة أن إيران لن توقف مشاريعها الإقليمية، على الرغم من أنها تتعرّض لحصار أميركي، ولديها أزمات اقتصادية شديدة داخلياً، وتقوم أيديولوجيتها على تصدير الثورة والتمدّد الإقليمي والسيطرة على عدة عواصم عربية، وأن ذلك شأن عظيم، وعلى الشعب الإيراني الصبر من أجل رفعة دولته. وبالتالي، أي انكفاءٍ إيراني، أو التوقف، سيعني نجاحاً للمشاريع المغايرة لها في كل المنطقة، وسيكون السؤال في إيران حينها: ماذا جنينا من كل تدخلنا في المنطقة العربية، واستنزاف ثرواتنا على مليشيات طائفية، لا يمكنها أن تستولي على دولةٍ واحدةٍ في المنطقة، بل وأكسبتمونا عداواتٍ كبيرةٍ مع محيطنا العربي والإقليمي.

يورّط النظام نفسه بتولية وجهه نحو إيران التي ستستخدمه ورقة بيدها حينما تحل التسويات. ليس هو فقط، بل وكل المليشيات الطائفية التابعة لها. ما يسرّع بذلك هو عقد تسويةٍ روسيّة أميركيّة، تشمل سورية وسواها. ليس الوقت الحالي في صالح الروس أبداً، وأميركا وتركيا تستفيدان منه، بل وحتى إيران، فهل تعي روسيا حجم خساراتها الحالية والمستقبلية.

===========================

أية أيديولوجية تناسب الواقع السوري؟

 عبد الباسط سيدا

القدس العربي

الاحد 19/7/2020

الأيديولوجيا هي وجهة نظر حول كيفية تنظيم المجتمعات، وضبط الأمور فيها؛ وهي تشمل جملة القيم والمعايير التي تعد المنطلقات أو المحددات الأخلاقية لمنظومتها المفهومية والفكرية. والأيديولوجيا غالباً ما تنسجم مع مصالح الشريحة أو الطبقة الاجتماعية التي تعبر عن تطلعاتها. كما تنص الأيديولوجيا على سلسلة من الإجراءات والتدابير التي يمكن اعتمادها من أجل تطبيق الأفكار، لتصبح واقعاً على الأرض.

فالأيديولوجيا هي أصلاً نسق من الأفكار، تقوم على ركائز قيمية، تمنحها الجاذبية والقدرة على التأثير؛ ولكنها في نهاية المطاف تجسّد مصالح واقعية أو حتى متخيّلة، يعمل المنضوون تحت لواء هذه الأيديولوجية أو تلك على تحقيقها، سواء بوعي منهم أم من دونه.

وقد أثبتت التجارب التاريخية أن الأيديولوجيات غالباً ما كانت تتحول إلى أداة تعبوية لكسب الأنصار، وشيطنة الخصوم. وتغدو مع الزمن عقيدة جامدة، استُخدمت، وتُستخدم، لتسويغ عمليات تغييب المنافسين، والإقدام على أعمال هدفها الأساس بث الرعب في النفوس، وتطويع الناس، والدفع بهم نحو الانهيار الذاتي، ومن ثم الخنوع والاستسلام.

فالأيديولوجيا على الرغم من أهميتها في ميدان توجيه الطاقات وتركيزها، هي سريعة العطب، خطيرة إذا ما استُخدمت وسيلة لغسل الأدمغة خاصة بين الشباب والأطفال، وذلك عبر المناهج الدراسية، ووسائل الإعلام، وجهود المبشرين الأيديولوجيين، وحتى من خلال وسائط التواصل الاجتماعي. وهي بهذه الصيغة تمثل خطراً أكيدا يهدد الديمقراطيات، خاصة في مناخات تصاعد الشعبوية على المستويين العالمي والمحلي.

وللأيديولوجيا تاريخ قديم يعود بجذوره إلى بدايات تشكل ممالك المدن والدول في العالم. وغالباً ما اتسمت الأيديولوجيات القديمة بطابعها الديني. أما في العصور الحديثة، خاصة في بداية القرن التاسع عشر، فقد شهد العالم طغيان ثلاثة أنواع من الأيديولوجيات هي: القومية والشيوعية والرأسمالية بصيغها وتدريجاتها المختلفة. وقد تسببت هذه الأيديولوجيات في الكثير من الحروب والمآسي، كما تسببت في تصفية الملايين من قبل الأجهزة الأمنية والحزبية سواء في الصين أم في الاتحاد السوفييتي، وفي ألمانيا وبولونيا وإسبانيا وكوريا، وكذلك في كمبوديا ودول أمريكا اللاتينية، والعديد من الدول الأفريقية والآسيوية .

ومع انهيار الاتحاد السوفييتي تعالت أصوات عديدة تبشر بنهاية الأيديولوجيات على المستوى العالمي؛ ومنذ ذلك التاريخ باتت المصالح العارية هي المتحكمة بعلاقات الدول الكبرى في ما بينها، وفي تعاملها مع مجتمعات الأطراف التي ما زالت في مناطق كثيرة من العالم تعيش على هامش العصر، إن لم نقل أنها تُلزم عبر الوكلاء المحليين بالبقاء ضمن المسارات التي لا تمكنها من تجاوز مشكلاتها، ووضع حدٍ لحالة الاستنزاف المرعبة التي تتعرض لها نتيجة الصراعات الداخلية البينية؛ وتجذّر ظاهرة الفساد واتساع نطاقها.

أما في الدول الاسكندنافية والعديد من دول أوروبا الغربية، فما زالت الأيديولوجيات المعتدلة سواء الاشتراكية منها، أم المسيحية الديمقراطية وحتى الليبرالية والمحافظة، هي التي تساهم في المحافظة على الاستقرار عبر دعم الأنظمة الديمقراطية التي تعمل على توفير الشروط السياسية للعدالة الاجتماعية، رغم تصاعد تأثير القوى الشعبوية المتطرفة، وذلك من خلال تأمين فرص التعليم والعمل والسكن والرعاية الصحية والاهتمام بالمسنين، ومستقبل الأطفال؛ هذا مع تباين بين هذا الإتجاه أو ذلك لصالح هذه الشريحة الاجتماعية أو تلك.

أما في منطقتنا، فما زالت الأيديولوجيات التعبوية الشعاراتية بكل ألوانها وراياتها هي التي تفعل فعلها منذ نحو مئة عام تقريباً؛ أي منذ بدايات المرحلة التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، وهي المرحلة التي أعيد خلالها هيكلة المنطقة بعد تفكيك الدولة العثمانية، وتشكيل العديد من الدول الحديثة، وذلك بناء على المصالح الاستعمارية، ومن دون أية مراعاة لطبيعة مجعتماتنا، وتطلعات سكانها.

ومنذ ذلك التاريخ، نعيش صراعاً بين أيديولوجيات عمل، ويعمل، أصحابها على تجييش الناس عبر شعارت عامة لا تلزم القائل بها بأي شيء، ولكنها تدغدغ العواطف والمشاعر، وتدفعهم ليكونوا وقوداً في صراعات عابرة للحدود والمصالح الوطنية؛ ولا تساهم بأي شكل من الأشكال في عملية التراكم التي تحتاجها مجتمعاتنا على المستويات كافة. ونعني بذلك التراكم في ميدان الموارد البشرية من جهة الطاقات والخبرات؛ والتراكم في ميدان الثروات لتوظيفها لصالح مشاريع صناعية، زراعية، خدمية، تنموية، تضمن مستقبلاً أفضل لشعوبنا وأجيالنا المقبلة. والأيديولوجيات المعنية هنا هي على وجه التحديد الأيديولوجيات القومية والدينية بأسمائها وألوانها وتوجهاتها المختلفة.

الطائفة الأولى، وهي القومية، استخدمت، وما زالت تستخدم، لتجييش الأتباع والمعتنقين ضمن إطار حركات أجلت كل الاستحقاقات الواقعية الضرورية إلى حين تحقيق الاستحقاق المتخيل. فالوحدة القومية العربية أو الكردية أو التركية أو الفارسية- الإيرانية، كانت، وما زالت، هي الهدف التعبوي المعلن لمختلف الأحزاب والقوى القومية التي لم تطرح أية أفكار واقعية لتحسين شروط العيش للناس في أوطانها الواقعية، وذلك بذريعة أن الوطن الأكبر، الحلم، هو الذي سيضمن المستقبل المنشود للجميع.

والأمر ذاته بالنسبة إلى الأيديولوجيات الدينية، الإسلاموية تحديداً بنسقيها السني والشيعي. الأول يبحث عن الخلافة الموعودة المفقودة. بينما الثاني يدعو إلى تدمير كل شيء من أجل التمهيد لبناء إمبراطورية الولي الفقيه التي تُستلهم في واقع الحال من الماضي الإمبراطوري الفارسي؛ ومن أجل بلوغ هذا الهدف تم تحويل المذهب إلى أيديولوجية تعبوية، تطبق اليوم على أرض الواقع بدماء وقدرات الأتباع والمريدين؛ وقد كلف هذا الأمر المجتمعات في كل من العراق وسوريا ولبنان واليمن الكثير والكثير من القتل والتدمير والتهجير، والمآسي، وعدم الاستقرار المجتمعي الذي سيمتد على مدى عقود.

أما محاولات الدمج بين الأيديولوجيتين، أو بتعير أدق، الاستفادة من امكانياتهما التعبوية من قبل هذه الجهة السياسية أو تلك، فهي من الظواهر المألوفة التي نجدها اليوم، على سبيل المثال، في كل من تركيا وإيران؛ بل وجدناها قبل ذلك لدى العديد من الحركات القومية العربية، خاصة حزب البعث؛ وكانت هناك محاولات خجولة ضمن المجتمع الكردي من قبل بعض الأحزاب الكردية الإسلامية.

أما في سوريا، فيبدو أننا لم نتمكن بعد من تجاوز آثار الأيديولوجيتين المعنيتين: القومية والدينية؛ هذا رغم كل ما حصل حتى الآن. فما زالت هناك قوى تعمل على تفجير العلاقات العربية الكردية المعروفة بمتانتها رغم كل سياسات الإبادة والتنكيل والقمع والاضطهاد والتهميش التي مارساتها سلطات البعث في كل من العراق وسوريا. فعلى المستوى الشعبي المجتمعي، كان الجميع عرباً وكرداً يدركون أن مصالحهم تستوجب العلاقات الطبيعية، والتفاعل المثمر البناء في مجتمعهم. ولكن بعد ذلك استعان النظام بقوات حزب العمال الكردستاني، تحت اسم حزب الاتحاد الديمقراطي لضبط المناطق الكردية، ومنع تفاعلها مع الثورة السورية؛ ومن ثم اعتماد الأمريكان لاحقاً على القوات نفسها في محاربة داعش، والسيطرة على منطقة شرقي الفرات في سياق تفاهماتهم مع الروس الذين سيطروا على غربي الفرات، وذلك بقصد استخدام المنطقة لتكون ورقة ضغط في المفاوضات المقبلة حول مستقبل سوريا والمنطقة. وتكون المنطقة المعنية ، شرقي الفرات، في الوقت ذاته ميداناً لمتابعة الأوضاع في العراق.

هذه الوضعية أدت إلى إثارة الحساسيات على الصعيد الشعبي بين العرب والكرد، وقد استغلها المتطرفون من الجانبين لصالح أجندات ليست في صالح الكرد والعرب السوريين، والسوريين عموماً. وما أسهم في تعقيد اللوحة هو إقدام بعض النخب والنشطاء على إصدار البيانات، والتوقيع عليها لصالح هذه الجهة أو تلك، واختلط ذلك مع شعارات قوموية وإسلاموية، مما أدى إلى ارتفاع وتيرة الحساسيات. هذا في حين أن الموقف كان يستوجب تدخل تلك النخب للتهدئة ولفت الأنظار إلى عواقب الأمور.

لقد اثبتت التجربة السورية على مدى قرن كامل أن الأيديولوجيات العابرة للحدود الوطنية، كانت باستمرار أداة استخدمتها الأنظمة للانقضاض على الداخل الوطني. ولم تكن شعارتها الكبرى سوى “عدة الشغل” إذا صح التعبير؛ اُستخدمت للتضليل والتعمية، والإيهام بأن كل شيء مسخر لمعارك التحرير والوحدة. ولكن الذي تبين قبل الثورة وبعدها هو أن السلطة وامتيازاتها، خاصة المالية منها، كانت محور الصراع بين مختلف مجموعات وأجنحة الحكم، ولم يكن الاهتمام بالوطن وأهله يتجاوز حدود كيفية الضبط والاستنزاف وتسطيح القول والضمائر، وقمع الإرادات الحرة.

ما ينقذ سوريا وأهلها من واقع تقسيمها إلى مناطق نفوذ، قد تتحول إلى مناطق سيطرة واحتلال مباشرين إلى أجل غير مسمى، إذا ما استمرت الأوضاع الحالية على ما هي عليه؛ ما ينقذنا من كل ذلك، هو القطع مع الأيديولوجيات العابرة للحدود بكل أشكالها وأسمائها وألوانها، القومية منها والدينية؛ والتركيز على أيديولوجية، أو رؤية وطنية معتدلة متكاملة تطمئن سائر السوريين. رؤية تركز على المشترك السوري، وتتخذ من الإنسان والمجتمع السوريين المحور الأساس الذي تتمفصل حوله أفكارها وخططها حول كيفية ترميم النسيج المجتمع السوري الذي يعاني من جروح عميقة بعد كل الذي حصل. وذلك يُعد الخطوة الأولى على طريق استعادة الوطن؛ وتأمين المستلزمات الكفيلة بالنهوض لصالح جميع السوريين، وبمشاركتهم جميعا من دون أي استثناء أو تمييز.

* كاتب وأكاديمي سوري

===========================

موقفنا : انتخابات .. مجلس شعب بدون شعب ... أوقفوا المهزلة السوداء

زهير سالم

مركز الشرق العربي

15/ 7 / 2020

بعد أيام / وتماما في 19/ 7/ 2020 سيتم العرض المباشر للكوميديا السوداء على مسارح المدن والبلدات السورية ..

وكان بشار الأسد قد أجل قبل شهرين تقريبا إجراء انتخابات مجلس الشعب إلى يوم 19 / 7 ، الذي بات اليوم قريبا ، وزعم أن ذلك تفاديا لانتشار كورونا . ولكن كل التقارير المحلية والأممية تؤكد أن المرض اليوم أشد انتشارا من يوم التأجيل الأول ، ولكن المهزلة ما تزال..!!

مهزلة الانتخابات في سورية تتم على عين ، بل بمشاركة كل الدول المتكافلة المتضامنة مع المستبد الفاسد . بما فيها الخمس الكبار في مجلس الأمن ، ودول الجامعة العربية . والمحتلين الثلاثة : الروسي - الأمريكي - الإيراني على السواء .

تُجرى انتخابات " مجلس الشعب " في هذه الدورة وثلثا الشعب السوري مفقود أو مهجر . وتُجرى انتخابات مجلس الشعب وأكثر من ثلث الجغرافيا السورية خارجة عن سيطرة الظالم المستبد . والأغرب في كل مانقول ، أن الذين يعاينون الخلل في ركن من أركان العملية الديموقراطية ، وهو غياب الشعب الذي هو الركن الأول فيها ، والذي ينتظر أن ينتحب ممثليه ، سيصيرون بعد ، كما كانوا عبر عشر سنوات من سقوط أهلية الظالم القاتل ، إلى الاعتراف بشرعية هذه الانتخابات ، وبشرعية كل ما ينبثق عنها ، أو يُبنى عليها ، ولاسيما الأسوء المنتظر في انتخابات من سيسمى رئيس الجمهورية . وهذا سيعني أن يعلق الحل السياسي المشنوق في سورية سبع سنوات أخرى ..

ربما لا نكون بحاجة إلى الحديث عن عبثية عملية الانتخابات في سورية منذ 1973 حتى اليوم . فنحو نصف قرن مضى لم يستطع هذا المجلس بشخصياته المتبادلة إنجاز أكثر من العبارة العبقرية التي خاطب بها أحد أعضائه رئيسه المحبوب : أنت قليل عليك أن تقود سورية يا سيادة الرئيس ، أنت يجب أن تقود العالم ...

عبثية الانتخابات تنبع من قانون الانتخابات ، ومن طريقة المقاولين في إعداد القوائم . والقائمة دائمة على قاعدة : مقعدك مقابل صوتك . وحيث يصبح كرسي المجلس مدخلا من مداخل الفساد ـ ومقاما من مقامات التهريج . وثالثا من طبيعة التهريج الذي يتم داخل المجلس . ورابعا من العصا الغليظة التي تتربص بكل من تسول له نفسه الأمارة بالسوء - حسب تعبير رئيسه الأسبق عبد القادر قدورة - فيسأل سؤالا عن قانونية إجراء ..

لا يغيب عن كبير ولا صغير من السوريين حقيقة الدور المريب والبئيس الذي لعبته مجالس والذي سيلعبه مجلس :

جاد المفوض بالعليق فحمحموا .. وثنى عليهم بالشكيم فأسلسوا

في كل كرسي تسـند نائـب .. متكتـف أعمى أصم أخرس

ويبقى الذي يجب أن نتواصى به كمواطنين سوريين أولا ..

اعتبار كل من سيشارك في هذه اللعبة العبثية مترشحا شريكا في الجريمة التي تجري على الأرض السورية . بمختلف التبعات وعلى كافة المستويات ..

ثانيا - دعوة جميع المواطنين الشرفاء إلى مقاطعة هذه الانتخابات ما استطاعوا . ونعتبر المشاركة فيها لمن يستطيع أن يتملص منها - مقدرين ظروف الإكراه - نوعا من الاشتراك فيما يجري على الأرض السورية من جريمة ..

ثالثا - نحمل المجتمع الدولي ولاسيما الدول الحاضرة والمؤثرة في الساحة السورية المسئولية المباشرة عن السماح بتمرير المسرحية الجريمة التي ستجعل المستقبل السوري أكثر مأساوية وسوادا ودمارا ..

رابعا - وندعو كل مواطن سوري مهما كان موقعه ، أن يرفع صوته ولو بتغريدة .. لا للكوميديا السوداء ، لا انتخابات مجلس الشعب قبل أن يعود الشعب السوري إلى وطنه حرا كريما سيدا ، لا يضام ولا يخاف ..لا للانتخابات قبل أن يطلق سراح الأسير ويحاسب المجرم على جريمته ..

أوقفوا الانتخابات ..أوقفوا الجريمة ..أوقفوا المهزلة المأساة

أيها السوري : الحر لا تنم .

____________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

اتفاق إدلب في حساب قانون قيصر

بشير البكر

العربي الجديد

السبت 18/7/2020

جاء اتفاق وقف إطلاق النار في إدلب بين روسيا وتركيا، مطلع مارس/ آذار الماضي، ليشكل انعطافة مهمةً في مسار المسألة السورية، ذلك أنه لاحت لأول مرة منذ عام 2011 بارقة أمل لحل سياسي. وشكل صمود وقف النار إنجازا سمح بوقف عمليات القتل والتدمير والتهجير القسري التي مارستها روسيا وإيران والنظام السوري. وكانت حصيلة الأعوام الثلاثة الأخيرة كارثيةً على هذا الصعيد، واستقبلت إدلب نحو ثلاثة ملايين مهجّر، أكثر من مليون منهم يعيشون في مخيماتٍ عشوائية على الحدود السورية التركية، ويعتمدون في قوتهم على المساعدات الإنسانية التي ظلت تتراجع حتى باتت تشبه الرمق الأخير، بسبب فيروس كورونا وسياسات روسيا والصين للتضييق على دخول المساعدات من خلال المعابر الحدودية. ومارست موسكو وبكين لعبة التعطيل، من خلال مجلس الأمن، حتى بات وصول المساعدات محصورا بمعبر باب الهوى مع تركيا، بعد أن كان يتم من خلال أربعة معابر.

بقي وقف النار صامدا في المحصلة العامة، تشوبه بعض الخروقات من النظام والمليشيات الإيرانية والقوات الروسية. وفي أحيانٍ أخرى، تعرّض لعمليات تخريب من بعض المنظمات المتطرّفة الموجودة في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة المسلحة. وحصلت عدة مظاهرات وأعمال مسلحة، هدفها تعطيل الدوريات المشتركة التركية الروسية على طريق أم 4 الذي يربط حلب باللاذقية، ويمتد من مدينة حلب نحو الرقّة والحسكة، حتى يصل إلى الحدود السورية العراقية، وهو يشكل شريانا هاما لمرور جزء هام من منتجات المنطقة الشرقية من نفط وقمح وقطن باتجاه الساحل، ما يشكّل أهم عائد اقتصادي على النظام وروسيا في هذه الفترة، خصوصا بعد تطبيق قانون قيصر الذي فرض عقوباتٍ اقتصادية صارمة على النظام وداعميه.

جرى تسجيل عمليات عرقلة تنفيذ الدوريات المشتركة على المنظمات المتطرّفة، وتم اعتبار ذلك في إطار توجهات لتعطيل الاتفاق الذي يصبّ ضد مصلحة هذه التنظيمات التي يتعارض وجودها مع التهدئة والاستقرار في عموم سورية، وليس في محافظة إدلب فقط. ولكن المصلحة في تعطيل الاتفاق، وإبقاء حال اللاحرب واللاسلم، أمر لا يقتصر على المتطرّفين، بل يناسب كلا من النظام وروسيا وإيران. وهناك عدة أسباب لذلك، أكثرها أهميةً أن تطبيق البند الأول من وقف النار بصورة تامة يفتح الطريق حكما نحو البنديْن الثاني والثالث، واللذين ينصّان، على التوالي، على عودة المهجّرين قسرا إلى ديارهم، وبدء العملية السياسية من خلال تفعيل اللجنة الدستورية التي أخفقت في اجتماعها الأول في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، بسبب رفض النظام جدول الأعمال. وما كان للوفد الرسمي أن يقوم بهذه المناورة، لو لم يحصل على الضوء الأخضر من موسكو أولا، فهي التي تستطيع أن تعطي الإشارة للذهاب إلى الأمام، أو المراوحة في المكان نفسه، ولا يخفى على أحدٍ أن روسيا لن تسهل عملية الحل السياسي في سورية، ما لم تحصل مقابل ذلك على تعهدات غربيةٍ جادّة في ما يتعلق بإعادة الإعمار التي صارت معلقةً إلى أجل غير منظور، بعد دخول قانون قيصر حيز التطبيق قبل حوالي شهر. وكان واضحا خلال القمة الثلاثية التي جمعت، مطلع شهر يوليو/ تموز الحالي بين قادة تركيا وروسيا وإيران، أنه لا سبيل للمضي بعملية أستانة التي تشكل آلية للحل في سورية بين الدول الثلاث، وذلك بسبب قانون قيصر الذي يهدف، حسب قرار الولايات المتحدة، إلى منع روسيا من الاستثمار السياسي لما حققته عسكريا في سورية، منذ تدخلها لنجدة النظام في سبتمبر/ أيلول 2015. وفي الختام، يصعب الرهان على تقدّم فعلي لوقف النار، ما لم يحصل العكس، ويعود الموقف إلى المربع الأول

===========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com