العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 26-06-2016


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

روسيا ولحم العلويين .. علاء رميا

الحياة

الخميس 23-6-2016

لم يكن لروسيا أن تتجرأ على التدخل في سورية لولا وجود حاضنة أهلية تؤمن لها البقاء بأقل الخسائر الممكنة. فموسكو التي تمسك حالياً بالملف السوري، تدير وتوجه جماعات حليفة لها، من دون أن تفقد سوى عدد قليل من الجنود والأموال، خصوصاً بعد سحب معظم الآلة العسكرية من الساحل والإبقاء على ما يؤمن مواصلة القتال بأجساد الحلفاء المحليين.

لا شك في أن تراجع الدور الأميركي شجّع الروس على التوغل في سورية، وحجز منطقة نفوذ تتمثل ب «سورية المفيدة»، لكن ذلك دُعّم بعنصر داخلي تمثل بوجود طائفة تخشى على نفسها فيما لو رحل النظام الذي يسطو على قرارها. لقد استغلت موسكو الخوف العلوي لتستثمر به فتخلق حيزاً حمائياً لمعادلة تدخلها في سورية، وتضمن وجود من يقاتل عنها. ذاك أن الصراع الذي مرّ بتحولات الثورة والحرب الأهلية، وراهناً الاستثمار الإقليمي والدولي، يؤسس لتحولات مماثلة في علاقة العلويين بهذا الصراع، جرى التعامل معها بدافع واحد هو الخوف على الوجود.

فالعلويون الذين خاضوا المرحلة الأولى دفاعاً عن الرئيس السوري، انتقلوا للانخراط في حرب أهلية ضد الأكثرية السنية، ليصبحوا الآن جنوداً يحاربون لأجل مصالح روسيا. وإذا كان الأسد المستفيد من خيار العلويين في الطور الأول، فقد أضيفت إيران في الطور الثاني لتنظم صفوفهم ضمن حرب إقليمية تشنها على سنّة المنطقة، ولتضاف في الطور الثالث طموحات فلاديمير بوتين.

وعلى رغم التشابك في استثمارات الجهات التي تتلاعب بمخاوف العلويين، فإن مصالح منفردة تبرز أيضاً، لا تخفي رجحاناً روسياً على بقية الأطراف. فالأسد يعلم أن بقاءه بات مرهوناً بإرادة روسية، وطهران لا تستطيع أن تجني أي مردود لمشاريعها في سورية من دون التفاهم مع موسكو، ما يعني أن العلويين اليوم هم جنود القيصر غير المباشريين، علموا بذلك أم تغافلوا عنه.

الأخبار التي تواترات في الفترة الأخيرة من الساحل تشير إلى ارتياح علوي بعد التدخل الروسي وخيبة بعد الانسحاب. ذاك أن الأسد أمسى في الوعي الباطني للطائفة شخصاً يستغل لحم أبنائها للبقاء في منصبه، فيما الحليفة إيران تريد تحقيق مكاسب على حسابهم أقلها ضمهم إلى مشروعها المذهبي، أي تغيير هويتهم.

لكن ما لم تتنبه له غالبية العلويين حتى الآن أن موسكو تريد تثبيتهم في واقع الاستثمارين الأسدي والإيراني، وتراقب مصالحها تتحقق من دون أي خسارة تتكبّدها.

* كاتب سوري

======================

موقفنا : حين ينادي نصر الشيطان : أعل هبل ... ألا رجلا .. رجل يجيبه عنا .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

26-6-2016

في يوم أحد وبعد أن هدأ أوار المعركة ، وشعرت قريش أنه قد ثأرت واستعلت ، وقف أبو سفيان ، وكان على الشرك يومها ، ونادى بأعلى صوته :

أعل هبل .. يوم بيوم بدر ...

والتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه ، وهو في الحال التي كان عليها ، نتيجة ما أصابه من الجراح ، وقال : ألا تجيبوه ، فسأله عمر رضي الله عنه وماذا نقول يا رسول الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قولوا له : الله أعلى وأجل ...لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار ...

ولا أعلم لماذا لم يستنبط فقهاء الحركات الإسلامية ، والمتنفذون باسمها من هذا الواقعة ، وجوبَ جواب كل طاغية عتل مستكبر يحاول أن ينال من معنويات المسلمين ، وأن يستعلن بالجرأة عليهم ، ليفت في عضدهم ، وليجعل من نفسه طاووسا مختالا فوق رؤوسهم ..؟!

أمرُ الرسول صلى الله عليه أصحابه بالجواب ، وتعليمهم مضمونه ونصه ؛ ألا يعني أن واجب قادة المسلمين ، ورجال رأيهم ، من حملة المسئولية ، أن يظلوا أبدا بالمرصاد ، حاضرين في كل ساح ، مستعلين في كل نادٍ ، يجيبون الأدعياء ويقمعون الأعداء ...

( أهجهم وروح القدس معك ) كلمات مأثورات عن رسول الله ، في تأييد ودعم سيدنا حسان بن ثابت رضي الله عنه وهو ينافح عن دين الله ، وعن رسول الله :

هجوتَ محمدا فأجبتُ عنه ... وعند الله في ذاك الجزاءُ

هجوتَ مباركا برا كريما ... أمين الله شيمته الوفاءُ

أتهجوه ، ولستَ له بكف ... فشركما لخيركما الفداءُ

أليس هذا نصا آخر يعلمنا أن الصمت ، واللامبالاة ، والتجاهل ، والانغماس في الرمل كلا وليس رأسا فقط ، ليس من شأن العاملين الجادين القاصدين الراشدين ...

واستعاذ رسول الله من الهم والحزن ومن العجز والكسل ، فهل يرضى عن أتباعه أن يكونوا من العاجزين ..

 لن يعجز مسلم جاد صادق يتحمل من أمر المسلمين ما ارتضاه لنفسه من غير إكراه ، أن يرفع صوته يرد على نصر الشيطان زيفه وادعاءه ونفخه وبغيه وعدوانه ، فيشد على القلوب المتعبة ، ويطرد الوهن عن نفوس مسها القرح : (( إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ )).

لن يعجز قائد مسلم جاد قاصد أن ينادي على نصر الشيطان : الله أعلى وأجل من روسية التي تظللك ومن أمريكا التي تدعمك ... ألا خسئت يا عميل الروس ، وخسئت يا ذيل الأمريكان ، خسئت أيها الصهيوني بعمامة خبث سوداء ...

خسئت يا نصر الشيطان وهذه الشام هي التي ستطحنكم بإذن الله ، وهذه حلب هي التي سترديكم وتطويكم يا أعداء الإسلام والإنسان ...

خسئتم يا أعداء الإسلام ..وخسئتم يا أعداء الإنسان ،

 ولا سواء في معركتنا اليوم كما لم يكن سواء في الأمس : لا سواء - يا نصر الشيطان - قتلانا في الجنة ، قتلانا شهداء أحياء عند ربهم يرزقون ، وقتلاكم أيها القتلة المجرمون المعتدون المحتلون في نار جهنم خالدون...

لا سواء يا نصر الشيطان ...

 بل لا سواء يا ذيل الشيطان ، لا سواء أيها القتلة المعتدون المستأجرون من كل أشرار العالم ، ولن تنفعكم أموال الصفويين ، التي بها تتباهون ، كما لن ينفع الصفويين طائرات الروس ، ولا حلفهم مع الأمريكان ، ولن تنفعكم شراكتكم التاريخية مع الصهاينة المجرمين ...

خبتم وخسرتم - يا نصر الشيطان - وخاب الرجس والنجس ، خسئت - يا نصر الشيطان - فلن تعدو قدرك .. وستعود وممولوك من حيث بدأتم ؛ صَغارا وذلة ، وستطحنكم إرادة الأحرار ، وسيقصم ظهوركم صوت عمر : الله أعلى وأجل ، وستفقأ أعينكم رماح القعقاع ، وسيحز فرسان أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رؤوسا قد باض وفرخ فيها جهل الشيطان ...

خسئت أيها الجبان الرعديد ...

أتذكر- يا نصر الشيطان - يوم خذل عديدكم سيدنا الحسين ريحانة الإسلام ، أتذكر أم نذكرك أيها النذل الخسيس ...؟! أتذكر يوم استخرجتم الحسين رضي الله عن الحسين ، من مأمنه بطومار من العهود والمواثيق ، عهودكم ومواثيقكم أيها الجبناء : أنكم لا تخونون ولا تخذلون ثم خنتم وخذلتم وهنتم .. ثم جلستم مثل النوائح المستأجرات تنوحون ...

نعدك يا نصر الشيطان ، ويا ذيل الشيطان أنكم ستظلون تنوحون وتلطمون اليوم وغدا وإلى أن يرث الله الأرض بمن عليها ؛ ولن ينفعكم سيدكم الروسي ،أيها العملاء الحقراء ، لا بطائراته المدمرة ولا بقنابله الحارقة ، ولا بكل الوعود الكاذبات المدمرة . كما لن ينفعكم مستأجرِكم الأمريكي لا بتواطئه ولا بصمته ولا بمليارت الدولارات التي يفك الحظر عنها ليعينكم على طلاب الحرية الصادقين ، وعلى النساء والأطفال من المستضعفين ...

أتعرف من أنت أيها الصغير الحقير ؟!

أتعرف من نَسَلَكَ من يا نسل ابن سبأ اللعين ؟!

أنت من نسل أولئك الذين قال سيدنا أبو الحسن فيهم وعنهم :

يَا أَشْبَاهَ الرِّجَالِ وَلَا رِجَالَ حُلُومُ الْأَطْفَالِ وَعُقُولُ رَبَّاتِ الْحِجَالِ لَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَرَكُمْ وَلَمْ أَعْرِفْكُمْ مَعْرِفَةً وَاللَّهِ جَرَّتْ نَدَماً وَأَعْقَبَتْ سَدَماً قَاتَلَكُمُ اللَّهُ لَقَدْ مَلَأْتُمْ قَلْبِي قَيْحاً وَشَحَنْتُمْ صَدْرِي غَيْظاً وَجَرَّعْتُمُونِي نُغَبَ التَّهْمَامِ أَنْفَاساً وَأَفْسَدْتُمْ عَلَيَّ رَأْيِي بِالْعِصْيَانِ وَالْخِذْلَانِ ...

وكما قالها أبو الحسن لكم بالأمس نعيد : يا أشباه الرجال ولا رجال ..فردّ على أبي الحسن كلامه إن استطعت ..

..أنت أيها المدعي علينا ، الذي تخرج كل يوم علينا تنطق بالزور ، وتردد الخنا ، تجر الخيلاء منتطقا بهنو الروسي ، ومعتما بهنو الأمريكي... نخبرك : أن الذي سمك السماء قضى الملك لعباده المتقين واللطم والتضبير لأمثالك من الأشقياء المنكودين ، فالطموا وإنا لأقفيتكم ووجوهكم بإذن الله من اللاطمين.

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

الجوع… سلاح الأسد الفتاك .. ميسرة بكور

القدس العربي

الخميس 23-6-2016

سلاح الأسد الفتاك ذو التدمير الشامل والنتائج الاستراتيجية المبهرة،من خلاله حقق ما لم يكن يستطيع تحقيقه بكل ما حوته ترسانته العسكرية المثخنة بأسلحة محرمة، أو مسكوت عنها دولياً.

«الجوع» ذلك السلاح الذي يتمتع بخصائص فتاكة ترتقي لزمرة القنابل النووية في قدرته الخارقة على الفتك بالحياة بكل ما تعنيه هذه الكلمة من دلالات.

مارست منظومة الأسد الأمنية، كل ما يتخيله عقل عاقل، وما أحتوته قواميس منظومة الأخلاق الإنسانية وجرمتها النواميس الكونية وقوانين الحقوق الآدمية المدونة في المواثيق الدولية من أبشع صور التنكيل والإبادة الجماعية بحق الثورة السورية.

ومما لا يدركه انسان ولا دون في بيان وما يعجز عن احتوائه مقال، وتتقزم فيه الكلمات وتقصر دونه مقالات، من هولوكوست تبث تفاصيل يومياته المرعبة على الهواء مباشرة بكل أشكال ووسائل القمع والفتك بهدف إجهاض الثورة السورية على كل المستويات الفكرية والسياسية وما بينهما من تشويه عقلي واخلاقي.

خمس سنين انصرمت من عمر سوريا الوطن والإنسان ولم يزل نظام دمشق الحاكم وداعميه من قوى الشر، يتفنون بقتل السوريين وتشريدهم حتى توصلوا لسلاحهم الأكثر فتكاً «الجوع». الذي أصبح أهم أسلحة نظام الأسد، يشهره متى يشاء في وجه الحاضنة الشعبية الثورية.

وللتذكير نظام دمشق أستخدم سلاح التجويع منذ إندلاع ثورة الشعب السوري ضد حكمه في منتصف آذار/مارس 2011 عندما حاصر مدينة درعا وقطع عنها الماء والغذاء، والكل يذكر «بيان الحليب» الذي أصدره مجموعة من الفنانين السوريين على رأسهم « منى واصف» صاحبة وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة، ثم تراجع عنه بعض من يمتهنون مهنة التثميل على الشعوب.

ثم عمم هذه الإستراتيجية الشيطانية،على بقية الجغرافية السورية الثائرة، فكان مما جرى به الركبان وتناقلته وسائل الإعلام، حصار أحياء حمص القديمة الذي دام سنتين، وقف المجتمع الدولي متفرجاً يكتفي بالتنديد والشجب والنواح على أطلال مدينة، حتى أطر المحاصرين أمام فتك الجوع لتسليم الأحياء الحمصية القديمة وفق اتفاق تهجير قسري رعته الأمم المتحدة.

بعد المكسب الكبير الذي حققه نظام دمشق في حمص من خلال سلاح الجوع،حاول تجييره إعلامياً وسياسياً في ما أطلق عليه المصالحة الوطنية،التي أنشأ لها وزارة خاصة أطلق عليها إسم وزارة المصالحة الوطنية، كان حرياً به أن يسميها وزارة الجوع أو الركوع،أو وزارة الإذلال الأسدية.

مع تواتر الأحداث وتراكمها وتعمد ما يسمونها الأسرة الدولية إتباع استراتيجية الصمت الممنهج عن جرائم الأسد، وتسجيل بعض المصالحات القسرية بفضل النجاحات التي حققها نظام دمشق بسلاحه الفتاك «الجوع» بدا واضحاً أن النظام بات يعتمد على هذا السلاح وجعل منه استراتيجية عسكرية في حربه ضد الشعب، خاصة في محافظة «ريف دمشق» بغوطتيها. فكان حصار مضايا والمعضمية وداريا، وقد وثقت منظمات حقوق الإنسان وفاة ما يزيد عن مئتين وستين ضحية معظمهم من الأطفال والعجائز نتيجة الجوع وفقدان الأدوية، وخرجت فتاوى العلماء بتحليل أكل القطط والكلاب لأهل الغوطتين في حال وجدت.

لكن نظام الأسد لم يُلْقِ بالاً لتلك الأخبار، بل أعتبرها مجرد فبركة إعلامية تهدف لتشويه نظامه.

مع ارتفاع وتيرة الضجيج الإعلامي حول حصار المعضمية ومضايا، ونشر وسوم على وسائل التواصل الإجتماعي تحت عنوان انقذوا اطفال الغوطة. الغوطة تباد (..) خرج علينا أنصار ومحازبو نظام دمشق بوسوم مضادة، كانت مثلاً للإنحطاط الأخلاقي وتعبيراً عن موت إنسانية الإنسان، وراح انصارهذه الحملة ينشرون مواد إعلانية ساخرة من موت الأطفال في مضايا،كأن ينشر أحدهم صورة له أمام مائدة فيها ما لذَّ وطابَ، مضيفاً عبارة سمجة» متضامن مع مضايا».

خلال تلك الأحداث الجسام وسنوات الحصار المر، أكتفى مجلس الأمن الدولي في أصدار قرار تقدم به الأردن ونيوزيلندا حول إدخال المساعدات الإنسانية للمشردين والمحاصرين داخل القطر السوري دون تفويض أو موافقة من النظام أو من سلطات الأمر الواقع. وقد اعتمد القرار 2258 بالإجماع والذي يطالب جميع السلطات في سوريا بفتح الطرق للسماح للمساعدات الإنسانية بالدخول دون إعاقة لإنقاذ حياة المشردين والمحاصرين داخليا. وطالب القرار كافة الأطراف، وعلى وجه الخصوص الحكومة السورية، بفتح ممرات آمنة عبر خطوط النزاع من أجل تأمين مرور المساعدات الإنسانية. ويجدد القرار لمدة سنة كاملة ما جاء في القرار 2165 (2014) الذي يطالب بإدخال المساعدات الإنسانية عبر مداخل الحدود الأربعة لسوريا دون إذن مسبق أو انتظار موافقة الأطراف المعنية بما فيها السلطات السورية.

وبين الفينة والأخرى يطل علينا مسؤول في تلك الدولة أو المنظمة الحقوقية بتقرير يتحدث فيه عن الفاجعة ويكتفي في الأمل والتمني.

لكن نظام الأسد لم يلتفت لكل هذه الضوضاء الإعلامية، مستفيداً من عدم جدية المجتمع الدولي في تطبيق هذا القرار.

مع استمرار تدفق سيل الصور والتقارير الواردة عن موت الناس جوعاً في القرن الحادي والعشرين بأبشع صورالإبادة الجماعية، في ظل استمرار ضمير الأسرة الدولية في ثباته العميق.

مجموعة أصدقاء سوريا في اجتماعها الذي انعقد في باريس حاولت إنعاش الضمير الإنساني فقررت أنه في حالة عدم وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المحاصرة عن طريق البر، فإن الدول المعنية ستشرع في إسقاط المساعدات التي تشمل الغذاء والدواء باستخدام الطائرات على المناطق المحاصرة داخل سوريا، وبالتنسيق مع الأمم المتحدة.

وجد بشار الأسد نفسه في هذا المشهد وجهاً لوجه أمام ضغوطات منظمة الاغذية العالمية والمطلب الفرنسي الانجليزي،محملين بوابل من إنتقادات مارسها ناشطون ومؤسسات حقوقية وإعلامية حول العالم، فقرر قلب الطاولة وتجيير هذ الضجة الإعلامية والحقوقية لورقة تخدم سياساته، فما كان إلا أن أعلنت حكومة دمشق أنها وافقت على السماح بدخول المساعدات الإنسانية لإحدى عشرة منطقة محاصرة.

بذا حصل نظام دمشق على مشروعية دولية مفتقدة لهث وراءها، ذلك بأن أصرت مؤسسات الأمم المتحدة على مخاطبة حكومة الأسد بصفتها الحكومة الشرعية للبلاد بهدف الحصول على موافقتها على السماح بمرور قوافل المساعدات ضاربة عرض الحائط قرار مجلس الأمن الدولي الذي نص صراحةً على إدخال مواد إغاثية إلى المناطق السورية المحاصرة دون موافقة نظام دمشق.

والفائدة الثانية التي حققها نظام دمشق من خلال ذلك تسويق نفسه على أنه مهتم في التعاون مع منظومة المجتمع الدولي الإنسانية وأنه ملتزم بقرارات مجلس الأمن الدولي لكن من خلال مخاطبته كحاكم شرعي للبلاد برغم ما أهرقه من دماء وما فعله معول هدمه في الديار السورية.

من خلال ما تقدم يمكننا أن نقول:

المجتمع الدولي ممثلاً في منظمات الأمم المتحدة تعمد إدارة الصراع الدامي في سوريا دون البحث الفعلي عن حلول جذرية، واستخدمت القضايا الإنسانية أداة سياسية يضغط بها على الثوار السوريين للقبول بما يتم طبخه له في مطابخ السياسة الدولية، تجلى ذلك من خلال شكوى منظمة الأغذية العالمية وشقيقاتها الإنسانية من عدم إيفاء الدول بتعهداتها المالية لإغاثة اللاجئين والمحاصرين والمشردين، حتى وصل بهم الأمر إلى إعلان وقف تقديم المساعدات للاجئين في دول الجوار مثل الأردن، وتخفيض ما كان يقدم لبعض الأسر بسبب الشح المالي.

إصرار منظمات الأمم المتحدة على تقديم المساعدات عبر مؤسسات النظام سيما منظمة «الهلال الأحمر» السورية، متجاهلة أن هذه المنظمة هي في الحقيقة تتبع لوزارة الدولة لشؤون الهلال الأحمر وهي بالتالي جزء من حكومة دمشق التي تمارس الحصار والقتل والتجويع. كذلك التعاون مع منظمات محلية غير موثقة في بعض الدول الأمر الذي أدى إلى هدر الأموال التي جمعت من أجل اغاثة اللاجئين.

نستشهد بالسفيرالبريطاني في عمّان بيتر ميلت الذي غرد في تويتر «إنه من الجنون أن ترى المساعدات المقدمة للاجئين السوريين تباع في أحد المولات» حسب «القدس العربي».

كذلك يمكن الاحتجاج بما قاله فرحان في حق المتحدث باسم الأمم المتحدة للصحافيين «تشعر يونيسيف بقلق شديد إزاء تقارير عن عدم وصول بعض إمداداتها الإنسانية إلى وجهتها المقصودة.» «رويترز»

يمكننا المضي قدماً بالقول أن سماح نظام دمشق للقوافل بالوصول كان بتوافق أمريكي روسي،لعدم إحراج المنظومة الدولية و منظمة الاغذية العالمية التي طالبت بإسقاط المساعدات جواً للمناطق المحاصرة. بما يعنيه هذا القرار من تكاليف مادية إضافية تترتب على استئجار طائرات وخدمات تشغيلية ودعم لوجستي بالتالي على المنظمة طلب هذه الأموال من المجتمع الدولي.

ويستخدمونها مادة إعلامية يتهربون بها من أسئلة الصحافيين والمنظمات الحقوقية عن موت الناس جوعاً في سوريا في القرن الحادي والعشرين، وعن منظومة الأخلاق والقيم الإنسانية التي حطمتها الهياكل الانسانية لأطفال داريا والمعضمية.

خلاصة القول إن السماح بدخول قافلة مساعدات هنا أو هناك لا يعني إنتهاء الحصار ووقف موت الاطفال جوعاً. والمجتمع الدولي غير جدي في وضع نقطة نهاية القتل.

– كاتب سوري

======================

رسالة إلى نصر الله: جعلت نفسك عدواً للشعب السوري .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الخميس 23-6-2016

في رسالتي الأولى إليك، طلبت منك تنفيذ وعدك بالتدخل لحل المعضلة السورية الذي كنتَ قد قدّمته في خطبةٍ لك ألقيتها في الضاحية. وقد مهّد لرسالتي تلك حديث دار في تونس بين الدكتور علي فياض، السياسي والمثقف المقرب منك، وبيني، استمعت خلاله بأناةٍ إلى أطروحتكم حول المؤامرة التكفيرية التي يتعرّض لها النظام الممانع. يومذاك، سألته إن كنتم راغبين في وقفها، وحين رد بالإيجاب، مستشهداً بما قلته أنت، كتبت لك رسالة مفتوحة نشرتها جريدة السفير، رجوتك فيها تنفيذ وعدك. بعد أيام، أتاني ردّك عن طريق الدكتور فياض: "القصّة أكبر منا".

 

سماحة السيد:

يبدو اليوم بوضوح أن القصّة أكبر منكم، وأن تقديرك كان صحيحاً في حينه، فلماذا، إذن، قرّرت إرسال مقاتلي حزب الله إلى سورية، إلى مكانٍ قصّتُه أكبر منكم، ليست طوع بنانكم، ولستم قادرين على اتخاذ موقفٍ مقرّرٍ أو مستقلٍّ حيالها، وإلا لكنتم حاولتم، على الأرجح، الوفاء بوعدكم المعلن، والسعي إلى حلها! لم يكن في وسعك حل قصّةٍ أكبر منكم، لكنك أرسلت، مع ذلك، رجالك إلى حربٍ، ستقتلون فيها شعباً ليس معادياً لكم، ولا يهدّدكم. كان من الجلي لكل ذي عينين، ولكم، أنها أكبر منكم بكثير، وأن المنخرطين فيها، والقائمين على إدارتها قوى عظمى تتصارع بضراوةٍ على سورية وفيها، لها من القدرات ما تستطيع معه ممارسة تصعيدٍ غير محدودٍ للقوة، واستخدام أسلحةٍ يصعب أن تجاريها أسلحتكم، المشتراة من بعضها، أو المصنوعة في إيران، فلماذا فعلت ما فعلت، وانصعت لقرارٍ كنت تعلم أن نتائجه ستكون صعبةً على رجال حزبك، أنت الذي كنت تبرز دوماً حرصك الشديد عليهم، وتعتبرهم خميرة تحرير أرض لبنان المحتلة، وطليعة جيش تحرير فلسطين؟

أعتقد أن المبرّر الأكثر قبولاً كان ما راج، يومذاك، حول تكليفٍ شرعي لا حيلة لك فيه، يلزمك انتماؤك إلى نظرية ولاية الفقيه، وانصياعك لخامنئي كولي فقيه للمسلمين بتنفيذه، من دون نقاش أو اعتراض. بذلك، تكون قد لحست كلامك عن القصة التي هي أكبر منكم، وأرسلت مقاتليك إلى مكانٍ من الخطأ إرسالهم إليه، لأن معركتهم فيه أكبر منهم، أي أنها ستكون خاسرةً بالضرورة، خصوصاً وأن قرارك بُني على معطياتٍ كان يجب أن تملي عليك عكسه. ينطبق شيء مماثلٌ على ما قلته عن حربكم ضد التكفيريين، فأنت ملزمٌ بالذهاب، مهما كانت طبيعة من سيحاربه الحزب، وليس قصة التكفيريين غير مسوّغٍ لانصياعك الحتمي لقرار الزعيم الإيراني، ورفضك القيام بأي جهدٍ لوقف مأساة سورية التي ادّعيت، دوماً، أنك أردت منعها من الامتداد إلى لبنان، وكان مما يضفي الصدقية على قولك قيامك بجهدٍ ما لوقفها في سورية.

ذلك كان سيحتسب لك، كرجل يقود معركةً ضد عدوٍّ يتطلب نجاحها تعبئة جميع القوى داخل

"لم يكن في وسعك حل قصّةٍ أكبر منكم، لكنك أرسلت، مع ذلك، رجالك إلى حربٍ، ستقتلون فيها شعباً ليس معادياً لكم، ولا يهدّدكم" لبنان وخارجه، وليس الانخراط في حربٍ ضد الشعب السوري الذي عرف دوماً باحتضانه جميع من قاوموا أو قاتلوا هذا العدو، وبأن رفضه نظامه هو، في جزءٍ رئيسٍ منه، رفض لتلاعبه بالقضية الوطنية السورية، وتعايشه مع الاحتلال، وقصر ممانعته على العرب، وخصوصاً منهم عرب فلسطين وسورية والعراق ولبنان، وقيام مؤسسه حافظ الأسد بتسليم الجولان لإسرائيل عام 1967. بهذا، يكون ما قلته حول مسوّغات دخولك إلى سورية مجرّد تحريضٍ مذهبي ضد شعبٍ بكامله، استهدفته بحربك امتثالاً لأمر خامنئي بالدفاع عن نظام الأسد الطائفي، وليس لأنه كان يقاتلك، أو لأنه اعتدى على لبنان أو دخل أراضيه. ولعلمك، فأنا أفترض، هنا، ما لا يجوز قبوله، وهو أنك الجهة المسؤولة عن أمن لبنان واستقلاله، ولا حاجة بك إلى موافقة حكومته وجيشه، وبقية أطرافه السياسية ومواطنيه، على ما تتخذه من قراراتٍ تهدّد وجوده ككيان وطني، بحجة حمايته، لكنها جرّته، في الواقع، إلى حافة هاويةٍ، لن يكون قادراً على مقاومة السقوط فيها لأمد طويل، فإن سقط، لا قدّر الله، كانت نهايته كدولة وكمجتمع، علماً أن سقوطه يمكن أن يحدث في أي وقتٍ، يقرّر فيه "تكفيريو" سورية الردّ عليك، والدخول إلى لبنان للاقتصاص من حزبك الذي يقتل أطفالهم، ردّاً على شعارك الذي جعلهم تكفيريين، وبرّر، بهذه الفرية، دخوله عليهم بالسيف، وقتل أطفالهم ونسائهم وتدمير بيوتهم على رؤوس شيوخهم، واحتلال قراهم وبلداتهم، والقضاء على كثيرٍ منهم بجرمٍ لم يرتكبوه، هو اختلافهم عنه في المذهب، مع أنهم مسلمون مسالمون، كانوا طوال أعوام وعقود من المعجبين برجالك، ومن حاضنته الاجتماعية. لذلك، كرّموا الذين فرّوا من إخوتهم، شيعة لبنان، إلى سورية أيما تكريم، وتقاطروا من جميع أنحائها إلى دمشق لأخذ "حصة" مدنهم وبلداتهم منهم، وأسكنوهم في بيوتهم، ولم يتركوا أي واحدٍ منهم يبيت في العراء، أو يسكن في خيمة، أو يعاني الجوع والمرض. لم يصدّق السوريون ما شاع حول دور وشيكٍ سيلعبه حزبك في بلادهم، يناهض تطلعهم إلى الحرية، ويدعم نظامهم الفاسد والاستبدادي/ الطائفي، غير أن السوريين أدركوا، بعد غزوكم القصير، وما عاشته من مجازر وتهجير وتغيير ديمغرافي، بحجة حماية بعض القرى الشيعية التي لم تكن مهدّدة، ولم يستهدفها أحد، أن جريمتهم تكمن في رفضهم نظاماً تحرّك قادته أحقادٌ أقنعتهم أنهم يستطيعون تصحيح تاريخ عربي/ إسلامي انحرف بعد وفاة الرسول (ص)، وأن من حقهم تنصيب أنفسهم محاربين من أجل حق الإمام علي (ر) في الخلافة، وما يتطلبه ذلك من عقابٍ لا بد أن ينزل بأهل السنة، الذين أتوا ظهيرة البارحة بأبي بكر الصديق (ر) خليفة للمسلمين، عوض مستحقّها الوحيد: سيدنا الإمام علي (ك)، أو قتلوا صباح الأمس سيدنا الحسين، على كتف نهر بردى في حي الصالحية!

 

سماحة السيد:

لا أعتقد أنك تصدّق نفسك، وتؤمن حقاً بأنك تحارب في سورية التكفيريين، وليس المطالبين

" لا أعتقد أنك تصدّق نفسك، وتؤمن حقاً بأنك تحارب في سورية التكفيريين، وليس المطالبين بحرّيتهم، وبإضفاء طابع إنساني على وجودهم" بحرّيتهم، وبإضفاء طابع إنساني على وجودهم. إنْ كنت قد صدّقت نفسك البارحة، عليك أن تكذّبها اليوم، بعد أن أبلغك عديد من مقاتليك ما يفعله جند "الممانعة الأسدية" بالشعب السوري، وكم هي شرسة مقاومة مقاتلي الحرية ضد النظام، وكم هؤلاء "دهريون" ونزّاعون إلى العيش الحر، وأية روحٍ إنسانية تملي عليهم تصرفاتهم. ألم يخبرك من وقعوا في الأسر بما عاشوه بينهم من تعاملٍ كريم، وأي نوعٍ من البشر هم، وكم في صفوفهم من متعلمين ومحامين ومثقفين وخريجي جامعاتٍ وإداريين وموظفين سابقين وعمالٍ موصوفين وفنانين وإعلاميين، وشبان يقاتلون من أجل المستقبل، ولا يموتون في سبيل الماضي. هم مؤمنون، ولكن باعتدال السوريين المعروف الذين لطالما كرهوا العنف، وامتنعوا قروناً عن ممارسته، وثاروا لكي يضعوا حدّاً له، بين جوانب أخرى لظلمه واستبداده.

 

سأفترض، الآن، أنك لم تلتق أحداً من رجالك العائدين من سورية. لذلك أسألك: ألم تشاهد جموع من بقوا أحياء من السوريين، وهم يهتفون للحرية وشعب سورية الواحد، في مختلف قراهم وبلداتهم التي عاشت هدنةً قصيرة، عبّروا خلالها عمّا يجيش في صدورهم، وتختزنه عقولهم من قيم ومبادئ، فإذا بهم يرفضون رفع علم تكفيري واحد، أو شعار تكفيري واحد، أو يطلقون هتافاً تكفيرياً واحداً، ويتصدّون سلمياً كعادتهم للتكفيريين الذين منعوا مظاهراتهم في بعض المناطق، وسقط منهم شهداء خلال تعرّضهم لإطلاق النار من هؤلاء؟ ألم تقنعك أعلام الثورة الخضراء أنها خيار شعبٍ، لم يرفع علماً أسود واحداً، طوال نيّف وشهر، على الرغم مما شاع، في العالم بأسره وخلال أعوام عديدة، عن تحوّل ثورة الحرية إلى المذهبية والطائفية والأصولية والإرهاب؟

أعتقد أن رجلاً له خبرتك ودرايتك يعرف معنى هذا، ويدرك أنه جانب الصواب، عندما ادّعى أنه دخل سورية لمحاربة التكفيريين، وأن من قتلهم حزب الله يختلفون عمّن تظاهروا ضد التكفير، وفي سبيل حرية شعب سورية الواحد، أي العلويين والمسيحيين والدروز والسنة والشيعة باللغة الدينية، والعرب والكرد والتركمان والشركس والأرمن والآشوريين والسريان والشيشان باللغة القومية، فهل بعد هذا تدّعي محاربة التكفيريين، وأنت تعلم أنك لا تحارب غير خصومهم ورافضيهم من السوريات والسوريين، وأن هؤلاء هم الذين يقاتلون رجالك، وهم الذين يلحقون بهم الخسائر المتزايدة، والمؤلمة، وهم الذين سيهزمونك.

بالمناسبة: ما دمنا قد وصلنا إلى الحديث عن الخسائر. أنت كنت تتحدّث عن حتمية هزيمة جيش إسرائيل في مواجهته مع حزب الله، وتفسر ذلك بعجز جيش نظامي عن هزيمة مقاتلي حرب عصابات منظمين ومصممين على القتال. لا أعتقد أن فارق القوة بين جيش إسرائيل وحزبك أصغر من فارق القوة بين حزبك والجيش السوري الحر، وغيره من قوى المقاومة التي تخوض ضدكم حرب عصابات منظمة، تتسم بأعلى قدر من التصميم.

أنت، سماحة السيد، لا تستطيع خوض حرب عصاباتٍ في سورية، لافتقارك الحاضنة الاجتماعية والمعلومات الاستخبارية وخطوط الإمداد والتموين التي تمر في مناطق صديقة، فكيف ستهزم من يقاتلونك من محاربي العصابات الذين يتفوّقون عليك في العدد، ويعيشون بين أهلهم، ويجمعون معلومات دقيقة عن مقاتليك، ويمتلكون بنية تحتية تموينية وتسليحية متماسكة؟ ألا يفسر تزايد خسائر حزبك أنه دخل نفقاً مظلماً يتخبط فيه، وها هم رجاله يسقطون قتلى، في كل مكانٍ من أرض سورية، ويقعون أسرى تنشر الصحف والتلفازات صورهم، ويتحدّثون بيأسٍ عن أوضاعهم في بلادنا، حيث هم محتلون ومرتزقة غزوا شعباً كان دوماً صديقاً لهم، يعلمون اليوم أنه قد لا يسامحهم بعد انتصار ثورته وانهيار موازين وعلاقات القوى بينه وبينكم.

والآن، ألا يحميهم ويحمي حزبكم قرارٌ تتخذونه على مسؤوليتكم الشخصية، يسحبهم من مكان ٍ

"ألا يفسر تزايد خسائر حزبك أنه دخل نفقاً مظلماً يتخبط فيه، وها هم رجاله يسقطون قتلى، في كل مكانٍ من أرض سورية" لم يكن من الجائز أصلاً ذهابهم إليه. إن قراراً كهذا سيحسب لك، وسيظهرك بمظهرٍ سياسيٍّ واقعي، وقد يبدّل ما يعتقده السوريون اليوم، وهو أنك عميل إيراني تسيّره أحقاد طائفية، كالتي تسيّر الأسد ونظامه، لم يقاتل إسرائيل إلا ليحوز على مكانةٍ معنويةٍ تمكّنه من مقاتلة العرب بحد أدنى من الاعتراض، لكونه بطلاً قومياً، حقق حزبه ما لم يستطع جيشٌ عربي تحقيقه، وكان على حقٍّ في ما فعله ضد إسرائيل، فلا بد أن يكون على حقٍّ أيضاً في معاركه الإيرانية ضد العرب عامة، والسوريين بصورة خاصة؟

أليس انسحابكم بقرارٍ مستقل أفضل لكم من الانسحاب تطبيقاً لقرارٍ إيراني أو روسي، أو بسبب تصاعد القتال إلى حدٍّ يتحدّى قدراتكم التي تتآكل بسرعة، بينما تتأكد قطاعاتٌ أوسع فأوسع من عرب ومسلمي زماننا أنكم مجرد طعام مدافع، يدفع إلى الموت، بدل جنود إيران التي تستخدمكم وحداتٍ احتياطية من جيشها، وتمارس بواسطتكم مهامّ يقوم بها عادةً مرتزقة يقتلون الناس على الهوية، مثلما تفعلون اليوم في بلادنا.

 

سماحة السيد:

يخامرني شعورٌ قويٌّ بأنك تدرك هذا، وتفكّر، قبل أن تنام، في قرار يخلص أهل الجنوب والبقاع ولبنان من الكارثة التي رميت بهم إليها، والحزب الذي جعله امتثالك لخامنئي عدواً للعرب والمسلمين، بعد أن كان مفخرتهم ومناط أملهم، وجعل شخصاً مثلي يقول، ذات يوم، لأعضاء في الكونغرس الأميركي، انتقدوا حزبك: "نحن ننام باطمئنان في دمشق، لأن حزب الله يحمي حياتنا ويسهر على أمننا". وحين عبّروا عن رغبتهم في بقاء الأسد خشية بقاء سورية من دون جيش بعد الثورة، قال لهم: "سنُدخل حزب الله إلى الجولان كي يحمينا، ريثما نبني جيشاً جديداً. ولعلمكم، نحن نرى في حزب الله أفضل جيش لنا".

في النهاية، عندما جاء اللبنانيون إلي سورية هرباً من عدوان إسرائيل، قدم رجل أعمال من دير الزور إلى دمشق، ومعه أربعة وخمسون باصاً كبيراً لأخذ حصة المدينة من الإخوة اللبنانيين. عند وصول من صار اسمهم "ضيوف الدير" إلى المدينة الفراتية، وجدوا بانتظارهم وليمة مناسف فاخرة. بعد العشاء، سلمت كل عائلة مفتاح بيت جديد، لأن رجل الأعمال كان قد انتهى من بناء عماراتٍ جديدة باع بعضها، واستلم عربون بعضها الآخر. لكنه، وقبل ذهابه إلى دمشق، أعلم من اشتروا بيوتاً، أو دفعوا قسطاً من ثمنها أن "الضيوف" سيسكنون في بيوتهم، فإنْ كانوا يرفضون ذلك اشتراها منهم أو أعاد أقساطها مع شيء من التعويض والربح إليهم. لم يرفض أحد طلب رجل الأعمال، مع أن بعضهم كانوا ينتظرون بيوتهم الجديدة منذ أعوام. هكذا نزل "الضيوف" في مساكن جديدة معزّزين مكرّمين. هذه المدينة، يقال إنك أرسلت مقاتلين لمحاربة التكفيريين فيها. هل تضمن سماحتك أنهم لن يقتلوا تكفيرياً كهذا الرجل؟

سماحة السيد: غادر سورية، لتتوقف عن استهدافٍ مروعٍ لأناسٍ يُفترض أنهم أهلك: الشيعة والسنة والمسيحيون والدروز والآشوريون والسريان والعلويون والإيزيديون... إلخ، الذين لن يسامحوك، في حال واصلت قتل أطفالهم ونسائهم وتدمير وجودهم. أطالبك بهذا، لأنه لن يكون بعيداً، بعد الآن ذلك اليوم الذي لن تنفعك فيه إيران وتكليفات مرشدها الشرعية، لأنك وضعت نفسك في موقع العداء لشعب يهزم اليوم حزبك ومرتزقة إيران والأسد، وجيش بوتين: موقع قلما بلغه أحد قبلك، على امتداد تاريخ سورية والعرب القديم والحديث.

======================

بوتين ولعبة الشطرنج في سورية .. سعد كيوان

العربي الجديد

الخميس 23-6-2016

منذ تدخله العسكري الجوي قبل نحو تسعة أشهر، يمارس الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بإتقانٍ وحذاقةٍ لعبة الشطرنج على الأراضي السورية، ومنها تمدّداً على رقعة الشرق الأوسط، واضعاً حلفاءه قبل خصومه في وضعية الحائر غير المرتاح لخطط حليفه ومناوراته، إلا أنه غير قادر، في الوقت نفسه، على عرقلته. في 30 سبتمبر/ أيلول 2015، فاجأ بوتين العالم بإطلاق مقاتلاته فى الأجواء الروسية، دعماً لنظام الأسد المنهار، معلناً أن هدف التدخل هو "مكافحة الإرهاب"، ومؤكداً أن المهمة لن تستمر أكثر من ثلاثة أشهر، وليس هناك نية لإرسال قوات تدخل برّي، وسط تهليلٍ سوري وإيراني، وسكوتٍ أميركي يشي بمن يعلل النفس بأن يتحوّل هذا التدخل إلى ورطة للخصم.

لم يسحب بوتين مقاتلاته بالكامل في نهاية العام كما وعد، وإنما أعلن انسحاباً جزئياً، بعد المهلة المحددة بنحو شهرين، معيداً التوازن العسكري على الأرض عبر توجيه ضرباتٍ موجعة، ليس فقط لتنظيم الدولة الاسلامية (داعش) وجبهة النصرة، وإنما تحديداً للمعارضة الممثلة ب"الجيش السوري الحر"، وباقي الفصائل المسلحة. وقد حافظ سيد الكرملين على حق الأمرة في المعارك، وطائراته لا تتحرّك إلا بأوامر روسية، كي يبقى ممسكاً بزمام الأمور، ومتحكماً بوجهة العمليات وخدمتها للأهداف التي وضعها. وبالتالي، يبقى ممسكاً بقدرة قوات الأسد على الحركة. ولم يكن من شأن هذا المنحى إلا أن يلقى ارتياحاً لدى طهران ودمشق من جهة، وواشنطن من جهة أخرى، وهي التي أحجمت عن تقديم أي دعم فعلي للمعارضة، وموقفها لم يتعدّ يوماً المطالبة الكلامية للأسد بالرحيل، وهذا فقط في بداية الأزمة. كما أن بوتين، وعبر وطأة الضغط العسكري، يحاول الاستثمار في السياسة، من أجل إعادة استئناف مفاوضات جنيف لإحراج المعارضة، وإجبارها على القبول بحلٍّ سياسي، لمرحلة انتقاليةٍ بمشاركة الأسد، خلافاً لما ينص عليه قرار مجلس الأمن 2254.

 

ولكن الروسي ثعلبٌ محنكٌ، يعرف أن القوة هي التي تفرض الوقائع على الأرض، فلم يقبل بوقف إطلاق النار، وحاول تفخيخ المعارضة عبر "تطعيمها" بمجموعةٍ معقودة الولاء لموسكو، وتحجيم وفد الهيئة العليا للتفاوض السورية، المدعوم من السعودية، على طاولة المفاوضات. وهو يعرف، في الوقت عينه، أن ما يريده هو ليس تماماً ما يريده الأسد و"ولي الفقيه" الوصي عليه، إلا أن ما يجمع بينهما هو تقاطع المصالح، تبعاً لأسباب الأزمة ومراحلها. وقد حاول النظام المكابرة بإيعازٍ من الملالي الذين لا يريدون التفاوض، وإنما يحلمون بسحق المعارضة، مطلقين العنان لمليشياتهم الإيرانية واللبنانية والعراقية... فلم تنجح المحاولة، وانفرط عقد جنيف قبل أن يبدأ.

أعاد بوتين رسم خططه، ممهداً الطريق أمام جيش النظام، لاستعادة مدينة تدمر من تنظيم

"الروسي ثعلبٌ محنكٌ يعرف أن القوة هي التي تفرض الوقائع على الأرض" داعش الذي كان قد سيطر عليها، بعد الانسحاب المشبوه لكتائب الأسد منها، قبل نحو سنة. كان يدرك تماماً نيات "محور الممانعة"، واستعداده لإطلاق معركة استعادة مدينة حلب، محاولاً الاستفادة من تراجع المعارضة وفشل الخطة الروسية. ولأن السيطرة على حلب تعني السيطرة على الجغرافيا السورية، والسيطرة على ثاني أهم مدينة سورية، وبالتالي السيطرة على شمال سورية حتى الحدود مع تركيا، كان يريد، على العكس، أن يتمحور الحل السياسي التفاوضي حول حلب، وانطلاقاً منها. لذلك، كان يخطط لإعادة خلط الأوراق من أجل "ضرب عصفورين بحجر واحد"، عبر فتح معارك دير الزور والرقة، بهدف إضعاف طرفي الصراع، "محور الممانعة" من جهة، وتنظيمات "داعش" و"النصرة" من جهة أخرى، ما يساعد على وقف العمليات، أو على الأقل التخفيف منها في منطقة حلب. وهذا ما حصل عملياً، وأدى إلى تحييد بعض تنظيمات المعارضة التي تشارك في مفاوضات جنيف، ما سمح له بفرض هدنةٍ في حلب.

أمام هذا التكتيك الروسي المحكم، والذي كان منسقاً، على ما يبدو، مع الأميركيين، لم يعد في وسع قوات الأسد أن تستمر وتدخل في مواجهة مع الروس، خصوصاً وأنها بحاجة إلى غطاء موسكو الجوي. فيما حاول مقاتلو حزب الله وعناصر فيلق القدس الإيراني رفض الخطة الروسية، فانعكس الأمر ضياعاً في الميدان بين أطراف "الممانعة"، إذ بات على الأسد وكتائبه الالتزام بقرار الهدنة على الأرض. وكشفت المواجهة العسكرية التي وقعت بين مليشيا حزب الله ومجموعاتٍ من جيش النظام قرب حلب، خلال الأسبوع الماضي، عن أزمة ثقة بين الطرفين. ولعلّ التعليقات التي نشرها إعلاميون قريبون من النظام السوري، أمثال النائب في مجلس الشعب شريف شحادة الذي علق قائلاً: "إن القرار هو للبوط السوري، وحزب الله جاء لينصرنا لا ليحكمنا..."، جاءت لتكشف خفايا تورط حزب الله في سورية. لا شك أنّ الطرفين اضطرا أن يطويا على مضض صفحة الصدام على أكثر من 30 قتيلاً من كلا الطرفين. وأكثر من ذلك، يعتقد مقاتلو حزب الله أنّ مجموعاتٍ من الجيش السوري تقوم بتسهيل عملية اصطيادهم من المعارضة السورية، آخرها كان إطلاق صاروخ تاو على مجموعة من حزب الله، ذهب ضحيته أكثر من عشرة عناصر. وهي ليست المرة الأولى، بل تكرّرت خلال الأشهر الأخيرة مرات.

هل يدخل هذا الأمر ضمن ما خطط له بوتين وأراد حصوله؟ الأكيد أن معركة حلب تشكل حجر الشطرنج الأساس ضمن لعبة بوتين الأوسع والأشمل على رقعة الشرق الأوسط، وهي لعبة يريد أن يشرك فيها جميع اللاعبين الكبار، الإقليميين والدوليين، بدءاً من الولايات المتحدة، مروراً بأوروبا والسعودية وإيران، وحتى تركيا التي تسعى إلى إعادة ترميم علاقتها بالكرملين، من دون أن ننسى إسرائيل التي يحرص الماكر بوتين على صداقة نظيره بنيامين نتنياهو. أدرك بوتين، على الأرجح، أن لا حل عسكرياً، وهو بات مضطراً لتوظيف التوازن العسكري، من أجل فرض حل سياسي. باتت حلب (السنية) تلخص أحد أهم أوجه الصراع في المنطقة، أي الصدام السني الشيعي والفارسي العربي.

======================

سورية والإعلام الغربي .. سلامة كيلة

العربي الجديد

الخميس 23-6-2016

كما جرى التفاجؤ بالموقف الأميركي من سورية، يجري التفاجؤ بموقف قنوات غربية، مثل "بي بي سي" و"فرانس 24"، حيث ظهر في الفترة الأخيرة (فقط لبعضهم) أنها منحازة للنظام السوري. كان التصوّر لدى المعارضة السورية أن "الغرب" معها، وبالتالي، من الطبيعي أن يكون الإعلام الغربي معها وضد النظام. لكن بعض البرامج التي أذيعت، أخيراً، فاجأت هؤلاء.

وكما في اكتشاف التواطؤ الأميركي مع روسيا (ومع النظام)، يُظهر هذا الاكتشاف الجديد مدى السذاجة والسطحية، وحتى الجهل الذي يحكم من تصدّى لقيادة الثورة، معتبراً أنه الأحق في ذلك، وأيضاً الأقدر على ذلك. لكن، يتضح الآن أكثر كيف أن كل المنظور الذي حكم هذه المعارضة كان يقوم على الأوهام والأهواء معاً، على الرغبة والتقدير العشوائي، و"الظن الحسن" إذا ما أردنا الانطلاق من تبسيط للأمر.

كل تقديرات هذه المعارضة كانت خاطئة، ومضرّة بالثورة، كما أشرت إلى ذلك مبكراً. ولهذا، اشتغلت على "إستراتيجية" وهمية، وأقامت علاقات و"تحالفات" مضرّة بالثورة، لكنها كذلك لم تخدم هؤلاء، بل خدمت الدول التي قيل إنها "أصدقاء الشعب السوري". وما كان غائباً عن الفهم، وربما كان هناك استحالة لفهمه، هو أن الأمر لم يكن يتعلق بمشكلةٍ في سورية، ولا عنف وحشياً يقوم به النظام سوف يدفع الغرب، الحضاري والمؤيد للديمقراطية! إلى أن يتدّخل لوقف الجرائم التي بات النظام يمارسها وهو يقاتل الشعب. بل كان يتعلق بثوراتٍ نهضت ضد نظم رتبتها الإمبريالية الأميركية منذ عقود، وفرضت استقرارها، وهي تعمل على نهب المجتمعات. والأخطر أن هذه الثورة انتشرت بسرعةٍ لافتةٍ من تونس الى سورية، مروراً بمعظم البلدان العربية. وفي وضعٍ تشهد فيه الرأسمالية أزمةً حرجة وخطيرةً، لم تجد حلاً لها، وهو ما يعني أن إمكانية انتشار الثورة عالمياً يمكن أن يكون أمراً قائماً، كما شهدنا في إسبانيا واليونان وإيطاليا وحتى فرنسا، وأيضاً "وول ستريت".

من لا يعرف معنى ذلك بالنسبة للرأسمال الإمبريالي لا يكون "ذا فهم"، ويتسم بالغباء المفرط. كان الهمّ بالنسبة للغرب هو كيف يمكن إجهاض الثورات، وكيف يمكن تخريبها، وأيضاً كيف يمكن التخويف منها. كانت هذه المسألة الأخيرة من مهمة الإعلام الذي أراد "نقل صورةٍ خاطئة" عما يجري، وأن يصوّر الأمر وكأنه يتعلق بأصوليةٍ تريد السيطرة والحكم. بالتالي، أن من يتحرّك ضد النظم هم الأصوليون تحديداً. لهذا، تحدّث الإعلام الغربي (خصوصاً "بي بي سي"، و"فرانس 24") مبكراً عن "حربٍ أهلية" و"صراع طائفي" في سورية، منذ كان الحراك شعبياً سلمياً. وكان يبدو أنه يريد ترسيخ صورةٍ عما يجري في سورية، يتوافق مع خطاب النظام الذي اعتبر أن ما يجري حراك سلفي إخواني، أصولي إسلامي. كما نشط الإعلام هذا على تضخيم أدوار تنظيم القاعدة ثم "داعش"، واعتبار أنها الخطر الفعلي، مغطيةً على الحراك الفعلي الذي هو ثورات تريد إسقاط النظم.

والآن، باتت الأولوية هي اعتبار أن الصراع هو مع الإرهاب، أي مع "داعش" والأصولية الإسلامية. لهذا، يُرفَض الحراك الشعبي لمصلحة النظم التي يقال إنها ضد "الإرهاب". وبالنسبة لهذا الإعلام، لم يعد هناك ثورات (بعد أن اعترفت جزئياً في البدء) بل إرهاب أصولي إسلامي، ومن ثم أصبح الدفاع عن النظم ذا أهمية، حتى النظام السوري الذي يقال إنهم "معادون" له. فالأنظمة القائمة هي "أقل ضرراً" من الثورات، مهما كان الموقف منها، أو "الصراع" معها. وكلها نظم مافياوية، تشكلت في سياق الهيمنة الإمبريالية، بعد أن فرضت الخصخصة والانفتاح الاقتصادي خياراً وحيداً، وقبلته هذه النظم نتيجة مصالح فئاتٍ فيها نهبت الاقتصاد (القطاع العام).

الإعلام "الغربي" متحيّز طبعاً، بالضبط لأنه يعبّر عن مصالح الطغم المالية التي تريد إجهاض الثورات.

======================

لماذا نكره إيران؟ .. زهير قصيباتي

الحياة

الاربعاء 22/6/2016

هو سؤال «مجحف»، والدليل وقائع عديدة في بقاع كانت دولاً عربية ذات سيادة وحدود، قبل أن «ترتمي» في أحضان «الحرس الثوري» وقائد «فيلق القدس» قاسم سليماني الذي كالشبح في ترحاله «الأسطوري»، من الفلوجة إلى حلب، إلى... حيث تطلبه الجماهير المتعطشة لديموقراطيات، لم يخدش حياءها سوى مجانين ووحوش.

السؤال «مجحف»، والدليل أن الشعب السوري لم يضحِّ إلا بحوالى ثلاثمئة ألف شهيد، دفاعاً عن فردوس «البعث» الذي لم يهتدِ إلى نعيم الاستقرار إلا على أيدي «الحرس الثوري» المقاوم... وهو ما زال يقاوم أكثر من «شيطان» يسيء النية بالنظام السوري الذي يُجحَف حقه حين يتهمه بعضهم ببيع شعبه لإنقاذ القصر، ثم بنحره لأن فرز «التكفيريين» مهمة مستحيلة.

ولماذا نرضى بالشعوبية ونكره إيران، ونتمرّد على «المرشد»؟... أليست الفلوجة و «الحشد الشعبي» أمثولة عن «تطهير» الشعب العراقي، كضرورة لتطهير أرضه؟

ولماذا نشكك في نيات قاسم سليماني الحاضر دائماً، متطوعاً حيث يطلبه عرب كلما أحسوا بحيف، مجرِّداً جيوش الخبراء الإيرانيين، لا لطمع بشيء، بثروة أو أرض أو هيمنة، فطهران مجرد جمعية خيرية تعنى بالأيتام، ولكن بعد يُتْمهم حتماً... ومَنْ يدري لعلنا نرى قائد «فيلق القدس» في باب المندب قريباً، بعدما استمرأ الحوثيون المشاورات مع وفد الحكومة اليمنية.

ولماذا نُجحِف إيران ومرشدها حقهما، أليس لبنان مثالاً ساطعاً على نجاح تجربة «الأخوّة» بلا معاهدات، وازدهار الاستقرار، ونعيم السياحة والمال والعمل، حتى في ظل غياب رأس للجمهورية؟ وللإنصاف يستحق لبنان أن يكون مثار حسد لدى السوري والعراقي واليمني، الذين ما عليهم إلا أن يواظبوا إخاءً مع المرشد وقاسم سليماني... بل أن ينصحوا حيدر العبادي بوقف حملات التشكيك في إخلاص الأجنحة الإيرانية في العراق التي تستخدم الفساد لتمويه المعركة الحقيقية مع «الجهاديين» و «التكفيريين».

ما على الحوثيين إلا أن يتشبثوا بالاتكال على «حكمة» طهران، و «تلهّفها» على استقرار اليمن واستعادة سعادته، ما عليهم إلا الاقتداء بالنموذج اللبناني: لا الحكومة حكومة ولا البرلمان قبة التشريع، ولا القصر ملّ غياب ساكنه. صحيح أن الجميع يجتهد بامتياز لمطاردة التكفيريين وأشباح «أبو بكر البغدادي»، وأن قاسم سليماني مطمئن إلى الواحة اللبنانية، لكنّ الصحيح أيضاً أن الجمهورية أوغلت بعيداً في مرحلة الموت السريري... وهذه لا ينفع معها مؤشر ازدحام الفنادق، ولا الحوار الصامت.

ولكن، هل يكفي ذلك مبرراً لنكره إيران؟

ل «الإنصاف» أيضاً، كل ما فعله قائد «فيلق القدس» قبل يومين أنه كشف علناً رغبة طهران في إلحاق البحرين ب «الهلال الشيعي»، توعّد وهدّد بعد إسقاط الجنسية البحرينية عن عيسى قاسم موازياً بين مصير رجل دين ومصير بلدٍ ذي سيادة. وواضح كالعادة أن إيران ستنبري بالحجة دفاعاً عن «المظلومين»، وتنصّب نفسها وصيّاً على كل رجال الدين الشيعة في العالم العربي، بل على كل الشيعة العرب. والتهديد الإيراني بالدماء ليس من شأنه إلا أن ينقل الصراع المذهبي في المنطقة إلى ذروة جديدة، ويقدّم مثالاً صارخاً عن كيفية توجُّه طهران إلى ما سمّته الصفحة الجديدة في سياستها الخارجية.

لن يجدي بالطبع سؤال عن تحمُّل سليماني أو المرشد علي خامنئي أي تدخُّل عربي في شأنٍ يعني السيادة أو القضاء في إيران. والأكيد أن «الجمهورية الإسلامية» التي تتمسّك بطموحاتها الإقليمية، باتت محشورة في زاوية الارتياب بالحليف الروسي في المنطقة بعدما توهّمت بأنه يتدخّل لحسابها نكاية ب «الشيطان» الأميركي. فلا «الشيطان» بات من «الملائكة» على يدي الكرملين، ولا الكرملين يريد الشرق الأوسط الجديد «إمبراطورية الجمهورية الإسلامية».

قد يفسر كل ذلك، والخيبة الإيرانية من معركة حلب وحسابات الروس، التوتُّر العالي في طهران الذي عبّر عنه «البطل الشبح» قاسم سليماني، متوعّداً بنار في الخليج، بعد إسقاط جنسية عيسى قاسم. والمعضلة الأكبر مع إيران تعيدنا إلى المربع صفر، فلا هي ثورة تنتهي في دولة، ولا هي دولة تتعايش مع العالم، وتدافع عن حدودها.

ما عجزَت عنه هو أن تقاتل بدماء البحريني، مثلما تفعل بالدم السوري والعراقي واليمني... ونجحت بالدماء الفلسطينية في غزة.

لماذا نكره سياسة إيران؟ سؤال مجحف؟

======================

ثورة الدبلوماسية الأميركية في وجه اوباما .. غازي دحمان

الحياة

الاربعاء 22/6/2016

تمثلت كلمة سر «الربيع العربي» بمقولة بسيطة احتاجت إلى طيف واسع من التعبيرات كي تظهرها، وهي صرخة الشعوب للرؤساء أننا لا نستطيع العبور إلى المستقبل، بل حتى الاستمرار على قيد الحياة تحت ظلال سياساتكم، فلا الأدوات التي تستخدمونها ولا الأساليب المتبعة في إدارة السياسات قادرة على إخراجنا من عنق الزجاجة التي رزحنا داخلها طويلاً.

الوثيقة التي وقع عليها 51 دبلوماسياً أميركياً، وتدعو إلى تغيير السياسة الأميركية تجاه المقتلة السورية، كانت عبارة عن صرخة شبيهة بتلك التي انطلقت من بلدان الربيع العربي، ثورة ضد سياسات أوباما التي هشّمت صورة أميركا وأوصلتها إلى درجة متدنية لا تناسب إمكاناتها وواقعها، والأهم أنها تهدد مصالحها المستقبلية وتساهم في تراجع دورها وتأثيرها العالميين، كذلك كان صوت الدبلوماسيين الأميركيين يقول لأوباما إن مستقبل أميركا ليس ملكاً لك.

لقد شكّلت سياسات إدارة أوباما نموذجاً فاشلاً لنمط القيادات السلبية التي تقدّم بلادها للعالم الخارجي بأقل مما هي عليه، أو لا تعرف استثمار عناصر القوة التي تمتلكها بشكّل جيد في إدارة علاقاتها بالبيئة الدولية، فرغم أنّ لدى أميركا ميزانية دفاع تساوي ميزانيات القوى الكبرى التي تليها مجتمعة، ورغم حضورها العسكري والدبلوماسي في كل بقاع العالم، إلا أن حجم تأثيرها تراجع إلى درجات متدنية وغاب في مناطق كثيرة، وفي بعض تلك المناطق كانت أميركا استثمرت لعقود طويلة جهوداً سياسية وعسكرية كبيرة ولديها بنى تحتية وبيئة لوجستية متكاملة، كالبحر المتوسط، ورغم ذلك استطاعت السفن الروسية التموضع في مياهه وعلى شواطئه.

وعلى مدار الفترة التي مكث فيها أوباما في البيت الأبيض، تحوّلت القوة الأميركية إلى تقاعد مبكر وصارت مجرد تراكم تسليحي لا يشكل أي إضافة لقدرات دبلوماسية جون كيري المفرغة من كل قوة، وباكراً تحول أوباما إلى داعية سلام دولي، ربما بفعل تأثير حصوله على جائزة نوبل للسلام، في وقت كانت شياطين العالم كلها تظهر على السطح، من بحر الصين إلى الشرق الأوسط، تريد تغيير العالم بالقوة، في حين حاول أوباما تكييف العالم وفقاً لفلسفته في العلاقات الدولية القائمة على اعتبار أن تخفيض الانتشار الأميركي في العالم هو سر الحفاظ على القوة الأميركية لأنه يقلل من حالة النزف التي تتعرض لها عسكرياً ومالياً، ويغير من صورة أميركا التي حوّلها الرئيس السابق جورج دبليو بوش إلى قوة شريرة في نظر العالم.

غير أن تلك السياسات لم تكن أكثر من تحديث خاطئ للانحرافات التي أسسها بوش نفسه، ذلك أن الخطأ الذي ارتكبه بوش كان في تحييد القوة الناعمة الأميركية وعدم دمجها بالقوة الصلبة لإثبات فاعلية أميركا، بالإضافة إلى بنائه الحسابات الخاطئة بناءً على هذا الانحراف، الذي كان من نتيجته عدم القدرة على إعادة هيكلة السياسة والسلطة في العراق وأفغانستان، أو هيكلتها بطريقة فوضوية سمحت بتوطين الانحرافات في كل مفاصل السياسة والاجتماع في تلك البلدان، ولم تكن سياسة أوباما الانسحابية سوى استكمال لتلك السياسات الخاطئة وتشريعها بوصفها الحلول الممكنة في بلاد لا تسمح لها بنيتها الطائفية والقبلية بأكثر من ذلك.

تذرع أوباما دائماً بما يعتبره ظروفاً موضوعية حاكمة لا يمكن تجاوزها، فأميركا وفق اعتباره لا يمكنها أن تحل نزاعاً عمره مئات السنين بين السنة والشيعة في الشرق الأوسط، كما لا يمكنها أن تنصر ثورة أطباء أسنان وصيادلة ومدرسين في سورية ضد نظام تدعمه قوى إقليمية ودولية، بذلك أوجد الظرف المناسب لتعطيل مكائن القوة الأميركية بإلغائه محفزات استعمالها وتحويلها إلى قوة ساكنة معطّلة.

لماذا اختار الدبلوماسيون الأميركيون الموضوع السوري لانتقاد سياسة أوباما؟ لأن سورية هي التي كشفت عطب سياسة أوباما وخطأها الكبير. لم يكن ثمة منطق أخلاقي يشفع لها ولا مبرر سياسي أو عسكري. كانت أقرب إلى الفضيحة، جلست على شرفة الأحداث تتفرج على مسارات النكبة وتراقب أهوالها، واكتفت بالقول إن الأسد رئيس غير شرعي لكنها كل مرّة كانت تردد لازمة أن الولايات المتحدة غير معنية بالتدخل، في الوقت الذي كان المؤسسات الأميركية بمعظمها تظهر انزعاجاً ملموساً من طريقة التعاطي مع الأزمة، ونبهت غالبية التقديرات الأمنية التي أصدرتها أجهزة الاستخبارات، إلى المخاطر التي سيخلفها الموقف السلبي لإدارة أوباما على الأمن الإقليمي والعالمي، لكن تلك الإدارة تعمّدت الالتفاف على هذه التحذيرات بالارتكاز على تقديرات قريبة من وجهة نظرها لتبرير موقفها، وكان همّ أوباما صناعة تيار يمجّد موقفه من سورية ويوضح حجم المكاسب التي جناها لأميركا وكم وفر عليها من مصاعب وتكاليف.

من نافلة القول أن الدبلوماسية الأميركية تثور اليوم في وجه إدارة أوباما ليس كرمى لسواد عيون الشعب السوري المنكوب، بمقدار ما تفعل لكرامة أميركا التي وصل حد انحطاطها درجة جعلت فلاديمير بوتين يتعامل مع جون كيري، رأس الدبلوماسية الأميركية، بخفّة واستهزاء، وبعد اكتشافها أن سياسة أوباما لا تصلح للحفاظ على هيبة أميركا ولا لتكريس قوتها مستقبلاً.

* كاتب سوري

======================

"داعش" وتحديات التاريخ .. د. طيب تيزيني

الاتحاد

الثلاثاء 21/6/2016

يعيش العالم الراهن حالة مفتوحة من ضرورات التأكيد على العودة إلى قضايا وإشكالات تاريخية منصرمة، راحت تبدو كأنها دخلت حيز النسيان، ولاشك أن هذا أمر محتمل، ذلك لأنه إذا أُتيح لحدث أو آخر أن يسير إلى الأمام ويستقر هنا أو هناك، فإنه مع ذلك، بل ورغماً عنه، سيبقى قابلاً للمثول أمام البشر بهدف المراجعة والنقد وغيره. أما العنصر المنهجي الذي يؤسس لمثل هذه الحال في التاريخ المحلي والعالمي، فهو كون أحداث التاريخ تعيش حالة مفتوحة ليس إلى الأمام فحسب، بل بكل الاتجاهات والميول ومنها عودة الماضي الذي تنطلق أو انطلقت منه. ويبرز هذا الاستحقاق خصوصاً حين تنشأ أوضاع وحالات تشير إلى عناصر من الزمن أو الأزمنة المنصرمة التي تبدو كأنها تلبّست شخصيات وأدواراً يتوقف الإنسان المعاصر أمامها، بحيث يتعين عليه أن يأخذ منها موقفاً أو آخر، ذا طابع محفز أو مثبط وفق واقع الحال المعيش في مرحلتنا نحن أبناء القرن الحادي والعشرين. فكأن تلك الشخصيات والأدوار أخذت تُناط بها وظائف أخرى جديدة!

ذلك ما نعيشه نحن الآن أبناء العالم الراهن وتخصيصاً في الشق «الشرقي منه»، ففي هذا السياق تنهال الأحداث العظمى على رؤوس البشر في بقاع العالم، دون أن يعرف فريق منهم مصدرها أو وظائفها الآن ولاحقاً، إضافة إلى المخاوف السوداء التي ترافقها. وهذا بدوره يعيد إلى الذاكرة ما كتبه ماركس يوماً من «أن التاريخ لا يعيد نفسه، وإذا أعاد نفسه فهو يفعل ذلك بصيغة مهزلة»، ولعلنا نتبع ذلك بالقول إن الصيغة الجديدة له إنما هي ذات بُعد «درامي» مقابل الهزلي.

وفي هذا السياق تماماً سنستعرض ذلك «الدرامي» الذي يتشخص في صيغ كثيرة، منها صيغة «الاستشراق». لكن في المقالة القادمة سننعطف تجاه حدث آخر سبق الاستشراق إرهاصاً وأتى بعده في الزمن الراهن، ونعني «العولمة والنظام العولمي». وكي نحدد أولياً ما يربط بين الصيغتين المذكورتين، الاستشراق والعولمة، نُمعن في التخصيص، إذ نضع يدنا على تحدي «داعش» بمثابته -هكذا ظهر حتى الآن- وليد النظام الغربي الرأسمالي الاستعماري، الذي أخذ في النشوء مع تعاظم النهضة الأوروبية الحديثة، باتجاه امتداداتها التي نمثل نحن شاهدين عليها.

لقد برزت تلك الأخيرة مع التقدم الذي لا يلوي على شيء لحضور ذلك النظام الغربي الرأسمالي الاستعماري وانتشاره الكثيف باتجاه ما برز بمثابته خزاناً ضخماً، لكن غامضاً في المستعمرات الجديدة ضمن أميركا اللاتينية وآسيا وأفريقيا وغيرها، تلك التي كانت تشكل لغزاً وكذلك استفزازاً لأوروبا المتصاعدة بقوة متلاحقة كبيرة. وكان السؤال الذي راح يدغدغ عقول الأوروبيين وغرائزهم، قد تمثل في تساؤل متعاظم عما تمثله تلك المستعمرات، بما تملكه من موارد في حينه ولآماد أخرى قادمة، أمام الجواب الذي راح يحفر مشاريع الأوروبيين المحتملة القادمة، وقد أثار ذلك الفضول المعرفي والشعور بامتلاك ما قد يغدو يوماً ما ثروة للصاعدين الجدد.

بهذا راحت حوافز التأسيس لمعرفة ذلك أولاً، ولما يجعل هذا أمراً محتملاً في إطار الحاجات القادمة، علماً بأن الكثير من الأساطير والأوهام والرغبات راحت تسعى لتأسيس كتاتيب ومدارس تُناط بها مهمات لها بداية، وقد لا تكون لها نهاية. وعلى هذه الطريق الوعرة أحياناً، والغامضة أحياناً أخرى، والملهبة لرغبات التملك والثراء واقتحام العالم في فضول آخذ في التسلح أحياناً ثالثة، لم تعد المعرفة إلى الثراء فحسب، وإنما كذلك «مراكز استراتيجية» لضبط ذلك كله. أما هذا فقد راح يفتح مغاليق أبواب «الآخر»، يداً بيد مع تعاظم الإنتاج الاقتصادي والمعرفي والسياسي.. إلخ، والمدجج برغبة حثيثة تفصح عن نفسها في تحويل ذلك «الآخر» إلى طرف مكمل ل«الأنا»، إنما بصيغة تحويل ذلك الأمل إلى «ملحق لهذه الأنا» وبذلك انطلقت قاطرة التقدم باتجاه العوالم، يداً بيد مع تحويل ذلك الآخر من الشعوب الجديدة المستعمرة، إلى قطعان من الأرقاء يجري «تثقيفها» بتعليمها «كيف تكون طيعة وفعالة».

بهذا تأسست منظومة المفارقات الجديدة التي ستنتج «الجد الأعلى» ل«داعش»، أما ما كان حلماً في أن يبقي الإنسان المنتج إنساناً، فقد تصدع تحت قبضة الاغتراب، اغتراب ذلك الإنسان حيال إنتاجه، وامتلاك مَن لا ينتج ما يملكه المنتج، بمساعدة من بيده السلطة والثروة والإعلام وغيرها، وذلك مثل مقدمة المقدمات التي سنواجهها لاحقاً في «الاستشراق الغربي» كما في «النظام العولمي» الذي عرفه أحدهم «بأنه السوق المطلقة» كلاً وجزءاً وعلى وجه العموم.

======================

الهدنة الواسعة في سورية .. علا عباس

العربي الجديد

الاثنين 20-6-2016

الهدنة القائمة في سورية منذ ثلاثة أشهر أغرب هدنة في تاريخ الحروب، الجميع ملتزم بها، والجميع أصدر بيانات أو عقد اتفاقات أو أرسل الرسائل التي تؤكد دخوله فيها. ولكن، منذ تطبيقها لم يتغيّر من الواقع شيء تقريباً، فالمناطق التي كانت تتعرّض للقصف بقيت تتعرّض له، ولكن ضمن أحكام الهدنة، والمناطق المحاصرة التي يُمنع الدخول والخروج منها، أو وصول المواد الغذائية والطبية إليها، بقيت محاصرةً، وبقي أهلها من دون غذاء ودواء، والمناوشات والمعارك وعمليات الخطف والاعتقال والتصفية بقيت على حالها، لكن ذلك كله يجري في ظل هدنة.

ومنذ إعلان روسيا والولايات المتحدة عن اتفاق الهدنة في بعض المناطق السورية، ومباركة المجتمع الدولي عبر الأمم المتحدة، وعبر المبعوث الدولي لهذا الاتفاق الذي ترعاه الدولتان الكبيرتان سياسياً، وترعاه روسيا منفردة ميدانياً، لم تتوقف الخروق والاتهامات المتبادلة بمخالفة شروط الهدنة. ومن مطار حميميم نفسه، تخرج البيانات اليومية لخروق المعارضة، وتخرج الطائرات التي تقصف المدن والقرى السورية في الشمال، وكذلك تخرج الأوامر والإحداثيات لطائرات النظام لقصف مناطق أخرى. وذلك كله يجعل من الهدنة السورية أغرب هدنةٍ في تاريخ الحروب، فهي تتيح للطرف الرئيسي فيها (النظام والقوات الروسية) أن يستمر في فعل ما يشاء، وأن يضرب حيث يشاء، وفي الوقت نفسه، يمارس دور الحكم، فيطلق الصافرات ويرفع البطاقات الصفراء والحمراء، ويحدّد من التزم ومن لم يلتزم بشروط الاتفاق.

ما حدث، في الأيام الماضية في مناطق سورية عديدة، هو تأكيد لهذه الحالة الغريبة، ففي وقتٍ كانت روسيا تعلن فيه تمديد الهدنة في مناطق ريف دمشق، كانت طائرات النظام (لا يمكن تفريقها عن الطائرات الروسية) تلقي البراميل المتفجرة على داريا ودوما والزبداني ومناطق أخرى. وخلال ساعات من إصدار مركز حميميم تأكيداً لتمديد الهدنة، تحديداً في داريا على طريق دمشق درعا، ألقت طائرات النظام اثني عشر برميلاً متفجّراً على المدينة التي ما زال يسكنها عشرات الآلاف من أهلها المحاصرين، وكذلك خلال إعلان الفصائل الموجودة في الزبداني ومضايا عن وصولها إلى اتفاق مع الإيرانيين وحزب الله، لتمديد الهدنة في هذه المناطق وفي بلدتي كفريا والفوعة المحاصرتين في ريف إدلب، اجتمعت طائرات النظام ومدفعيته على قصف البلدتين، فيما ذكرت وسائل إعلام النظام أن المعارضة أطلقت قذائف باتجاه كفريا والفوعة، وقالت بسقوط قتلى في البلدتين، فيما أعلن المرصد السوري لحقوق الإنسان عن سقوط قتلى في مدينة دوما المحاصرة كذلك، والتي تدخل، هي الأخرى، في نطاق الهدنة.

 

تشبه هذه الهدنة السورية النكتة السورية القديمة (تعود إلى مشهد من مسرحية ضيعة تشرين لمحمد الماغوط) عن الناس الذين خرجوا في الليل ليشاهدوا منع التجوّل، فالطائرات والمدافع والرشاشات تخرج عن صمتها كل يوم لتتأكد من سريان الهدنة ربما، او لتذكّر العالم بأن هناك هدنة، وإلا ما معنى أن يستمر القصف والموت والحصار؟

وتشبه القيادة الروسية في سورية تحديداً، في تصرفاتها وبياناتها، ذلك الرجل الذي يجلس في رمضان، ممسكاً بسيكارة أو كأس ماء، ويحض الناس على الصيام، ويعدّد لهم فوائده الروحية والصحية، ويزيد الراعي الروسي على ذلك الرجل، بأنه يعدّد، بالصوت العالي، أسماء المفطرين في الحي، مهدّداً إياهم بالويل والعذاب، وقد وجدت، منذ البداية، الذريعة الدائمة لفعل ما تريد، حين تركت مفهوم تحديد الجماعات الإرهابية مفهوماً مطاطاً تتحكّم به على هواها. وبحسب ما تقتضيه ظروف معركتها ومعركة حليفها الأسد، فحجة جبهة النصرة تصلح للاستخدام في أي وقت وأي مكان، والحكومة الروسية تستمر في مطالبة الفصائل السورية المعارضة بالانفصال عن جبهة النصرة، وتكرّر ذلك كلما ارتكبت قواتها أو قوات حليفها جريمةً جديدةً بحق المدنيين. وحتى في غوطة دمشق، حيث خاضت الفصائل المقاتلة هناك معارك شرسة مع جبهة النصرة ومع تنظيم داعش، وخسرت عشراتٍ، بل مئاتٍ من مقاتليها في هذه المعارك، تطالبها روسيا، عبر الولايات المتحدة، بالانفصال عن جبهة النصرة، حتى تصبح جزءاً من الهدنة.

واسعة هذه الهدنة، ومطّاطة، ومرنة، وطرفاها ممسوكان من يدٍ واحدة، هي اليد الروسية، وطالما بقي الوضع كذلك، سيستمر موت الناس، وستستمر المآسي بالتوسع، حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا.

(إعلامية سورية)

======================

مطاردة الأسد قضائياً .. د.خالص جلبي

الاتحاد

الاثنين 20-6-2016

هل تجوز مقاضاة الأسد؟ أجاب البروفسور «ديفيد كرين» من جامعة مدينة سيراكوزة من دون أي انفعال، نعم، ولكن ضمن ظروف محددة. ديفيد كرين ليس شخصية نكرة، بل شغل منصب المدعي العام في الأمم المتحدة، وهو الآن بروفسور يدرس الحقوق في جامعة «سيراكوزة» في ولاية نيويورك، ومتقاعد في كارولينا الشمالية يتمشى في جبال العنب، ويعنى بحفيده، ويطير إلى جامعة «سيراكوزة» مرة في الأسبوع ليدرس هناك يومين. مكتبه ليس فخماً، ولكن ليس من أحد لا يعرفه حتى النادل والسائق، فهو صائد المجرمين.

فلسفة «كرين» تقوم على أساس قانوني حقوقي، فهو لا ينظر إلى بشار الأسد على أنه «غول بشع، ولكنها حالة خاصة يجب أن يحكم فيها القضاء، فالموضوع ليس انتقاماً من مجرم يقتل في مكان مهمل، بل حاكم يقتل شعباً طالب بالحرية والتخلص من الديكتاتورية».

مدينة «سيراكوزة» التي يدرس فيها «كرين» تبعد بالطريق السريع أربع ساعات إلى الشمال الغربي من مدينة نيويورك، في حزام صناعي، وتتمتع بسمعة طيبة في مجال الحقوق، والمهم فإن هذا الرجل تبنى الدفاع عن القضية السورية ومطاردة الذئاب القاتلة في الغابة السورية الموحشة؟

أذكر جيداً أن أختاً مغربية سألتني عن الوضع في سوريا؟ أجبتها: هل تريدين إجابة موسعة أم مختصرة؟ قالت بل المقتضبة. قلت سوريا تختصر بثلاث كلمات: أسد وغابة وعصابة.

من جامعة «سيراكوزة»، وُلد مشروع خطير يكبر كل يوم، يشرف عليه الحقوقي (كرين) مع مجموعة متميزة من تلامذته، أخذ اسم مشروع المحاسبة السورية (Syrian Accountability Project).

شخصية الرجل هادئة بملابس متواضعة ومكتب متواضع في الطابق الثالث من جامعة سيراكوزة من دون أي ملامح فخامة كما في مكاتبنا العربية، ولكنه حين يتكلم كمحام صارم يلتمع وهاجاً.

الرجل له سجل في صيد مجرمي الحرب مثل «تشارلز تايلور» ديكتاتور ليبيريا، المسؤول عن مقتل مائة ألف أو يزيدون، و«تايلور» يصلح أن يكون تلميذاً متواضعاً في مدرسة نظام الأسد التي بلغ عدد قتلاها من السوريين حتى كتابة هذه الأسطر 470 ألفاً، يضاف لهم مليونين من معطوب ومشلول ومبتور.

كلف كرين عام 2002 م دولياً بالتوجه إلى سيراليون ليترأس محكمة خاصة في مدينة «فريتاون»، وكان ذلك شرفاً له ليخرج بحكم يستحقه المجرم «تايلور»، ولكنه لم يطبق، وتمت ملاحقته حتى تم إلقاء القبض عليه عام 2012م بعد تسع سنين، هو حالياً يقبع في سجون لندن.

ومن أعجب ما يذكر الرجل عن أميركا أنه يحق له أن يفخر بها حين حررت أوروبا من النازية، أما اليوم أمام القضية السورية وجرائم الأسد فهو يشعر بالعار، خاصة في انسحاب أميركا من الدخول في محكمة الجنايات الدولية.

الشباب العاكفون على مشروع المحاسبة والمساءلة السورية (SAP) مثل موللي وايت من مشيجان، ومدير المشروع الشاب ذو 29 عاماً «بيتر ليفرانت» يفعلون ما يذكر بمحاكم نورمبيرج لمجرمي الحرب من النازيين عام 1946م يجمعون المعلومات من كل حدب وصوب، يتفحصون تقارير شهود العيان، يقارنون منابع المعلومات، ولهم صلاتهم القوية بجمعيات حقوق الإنسان على قوس الكرة الأرضية، يتوغلون في التقارير الحكومية، تقارير الصحافة، على شكل عمل متكامل شامل لا يترك مجالاً لأي ثغرة وعلى مدار الساعة باليوم والاسم والقرية والمدينة، وماذا جرى بما لم يفعله، لا المجلس الوطني السوري ولا الائتلاف أو هكذا أزعم. لقد حصدوا حتى الآن 17 ألف صفحة من التقارير والمشاهدات، ويضعون كتاباً كاملاً عن الحرب وما يحدث كل يوم.

وُلد هذا المشروع على مستوى العالم في مادة غنية لعمق الجريمة ووحشية الأنظمة وقسوة الإنسان وحجم الفظاعات. وهم يرفعون أولاً بأول تقاريرهم الموثقة إلى الأمم المتحدة ومحكمة الجنايات الدولية.

تقول «موللي وايت» إنها كانت منذ نعومة أظفارها مسكونة بهاجس القاتلين الجماعيين ومدى هشاشة الحضارة أمام هذا النوع من المخلوقات البائسة، فكيف إذا كانت آلة الرعب بيد حاكم وعصابة في غابة عالمية.

======================

في مآلات علاقة أميركا بكرد سورية .. خورشيد دلي

العربي الجديد

الاحد 19-6-2016

مع مضي الولايات المتحدة في تحالفها مع كرد سورية، على الرغم من تحذيرات الحليف التاريخي تركيا، ثمّة سؤال جوهري يطرحه كثيرون: هل ما يدفع واشنطن إلى هذا التحالف هو قناعتها بعدالة القضية الكردية، كقضية شعب ظلم عبر التاريخ وحرم من حقوقه الأساسية... أم تطلعها إلى استخدام الكرد أداة في حربها ضد "داعش" وربما ابتزاز تركيا أردوغان ؟ إذا كانت الحكمة في السياسة تقتضي عدم الإجابة بنعم أو لا عن سؤالٍ كهذا، فإن هذه الإجابة تتطلب، على الأقل، معرفة دوافع الطرفين وأهدافهما من التحالف الجاري، خصوصاً بعد أن أصبح هذا التحالف أحد أهم مسارات العمل العسكري على الجغرافية السورية.

لا شك في أن الكرد الذين يعيشون في محيطٍ تشوبه الصراعات والحروب، ويفتقر إلى الثقة، يطمحون إلى نوعٍ من الحماية والتحالفات الدولية، ولاسيما مع دولةٍ من وزن الولايات المتحدة، إذ لديهم مخاوف دفينة، بسبب ما تعرّضوا له تاريخياً من حروب وإقصاء. ويُضاف إلى هذا العامل تطلعهم إلى التسليح وبناء قوةٍ ذاتيةٍ، لتحقيق تطلعاتهم القومية في ظل الصعود الكردي في عموم المنطقة، فضلاً عن جلب اعتراف إقليمي ودولي بحقوقهم القومية، ولاسيما بعد الإعلان عن التوجه إلى إقامة الفيدرالية.

في المقابل، تدرك واشنطن أهمية الكرد عاملاً ديمغرافياً مهماً في منطقة تشهد حروباً وتطوراتٍ دراماتيكية، وبالتالي، أهمية استثمار هذا العامل لاعباً على أرض المعركة، خصوصاً أن وحدات حماية الشعب أثبتت جدارتها في الحرب ضد داعش، إذ كانت معركة كوباني – عين العرب فاصلةً لجهة الثقة باللاعب الكردي من جهة. ومن جهةٍ ثانية، في التأسيس للتحالف الأميركي – الكردي، لتشهد العلاقات بين الجانبين مرحلةً جديدة، إذ شهدنا بعد ذلك زيارات علنيةً لكبار المسؤولين الأميركيين إلى المناطق الكردية، وسط حديثٍ عن إقامة مطارات وقواعد عسكرية أميركية في هذه المناطق، وإقامة غرفٍ عسكريةٍ مشتركة لإدارة المعارك، حيث باتت المعارك التي تخوضها "وحدات حماية الشعب" و"قوات سورية الديمقراطية" بحماية جوية أميركية.

ثمّة من يعتقد أن واشنطن تتذرّع بمحاربة داعش لدعم كرد سورية، وتوسيع المناطق التي سيطروا عليها، بغية منحهم حكماً ذاتياً، وصولاً إلى جعل تقسيم سورية ممكناً. وعليه، يرى هؤلاء أن هذا هو السبب الحقيقي لعدم إعطاء واشنطن البال للتحذيرات التركية المتكرّرة، وحتى للمقترحات التركية الكثيرة بالاستعداد لعملياتٍ عسكريةٍ مشتركة ضد داعش، والمضي في تحالفها مع الكرد الذين بات تقدمهم شمالاً يثير قلق أنقرة ويدفع أردوغان إلى التحذير يومياً من العواقب، والتهديد بالتدخل عسكرياً. وفي العمق، يدرك أردوغان أن تداعيات التقدّم الكردي سورياً سينعكس على تطلعات كرد تركيا ومطالبهم.

لعل تطوّر الأمور على هذا النحو دفع بالجدل في الداخل التركي إلى الحديث عن خياراتٍ صعبة، منها ضرورة انفتاح الدبلوماسية التركية على روسيا وإيران، بل وحتى النظام السوري للحدّ من تداعيات الصعود الكردي على الأمن القومي التركي، ومنها، لا بد من اللجوء إلى الخيار العسكري، على اعتبار أن كلفة الانتظار باتت أكبر من التدخل العسكري. وإلى جانب الخيارين، ثمّة من يسأل عن عدم الحكمة في عدم انفتاح أنقرة على حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب، خصوصاً وأن مثل هذا الانفتاح سيخفّف من الخلافات مع الحليف الأميركي، ويجعل من تركيا أكثر قوة تجاه دور اللاعب الكردي ومآلاته في داخل سورية وتركيا. عودة إلى سؤال المقدمة عن مآل التحالف الأميركي – الكردي، ينبغي القول إن النتائج على الأرض تشي، حتى الآن، بأن الكرد أحد أهم المستفيدين، إن لم نقل المنتصرين، وهو ما يجعلهم لاعباً في رسم مستقبل سورية حرباً أو تسوية، فيما الجانب الأميركي يحقّق أهدافه من هذا التحالف، سواء أكان المخطط هو التقسيم بعد مائة عام من سايكس – بيكو، أو الاستخدام المؤقت للورقة الكردية في المعركة المفتوحة على كل الاحتمالات.

======================

شهداء الشام يعودون هذا الأسبوع .. د. أحمد موفق زيدان

ترك برس

الاحد 19-6-2016

سيناريو تخيلي لشهداء الثورة السورية وهم يتعدّون المليون شهيد… ماذا لو عادوا هذا الأسبوع ليروا حصائد الثورة التي أطلقوها ودافعوا عنها واستشهدوا في سبيلها، سيشاهدون بالتأكيد خذلان جبهات، وانتصارات أخرى، وتفرق جماعات، وتوحد أخرى، وسيرون أيضًا أجندات ضيقة لا تصل إلى أرنبة أنف البعض، ماذا لو عاد الشهداء هذا الأسبوع وهم يرون استحلال دم البعض للبعض، وتناحر البعض مع البعض، وتقاتل البعض مع الآخر، وخذلان الكثيرين للبعض، ماذا لو عادوا وهم يرون الهدن المحلية مع العصابة الطائفية المدعومة روسيًا، فكيف إن سمعوا وعاينوا خيانات البعض بالتعاون سرًا مع المحتل الروسي ليكون سيف نصره…

تخيلوا وقد عاد أبو سارية، والمقدم ياسر العبود، والناشط الحوراني محمد أبو النمر وكذلك أبو عمر الزعبي، ليروا جبهات حوران وهي تأتمر بأوامر الموك الذي لم يأبه لآنّات الثكالى في حوران فضلاً عن داريا والغوطتين الغربية والشرقية والتي لا تبعد عن مواقع جبهات حوران كيلومترات معدودة، هل سيرضى هؤلاء عن صمت وخرس جبهات حوران الممتدة لمئات الكيلومترات في ظل المحرقة التي يتعرض لها الشمال السوري والمناطق المحاصرة، التي تستقبل مئات الآليات العسكرية وآلاف وربما عشرات الآلاف من عناصر الطائفيين والمليشيات الأجنبية المنسحبة والمغادرة من جبهات حوران الهادئة صوب الشمال السوري، ماذا سيقول هؤلاء للصم والبكم من قادة حوران العسكرية الذين اختطفوا ثورة حوران التي كانت مهد الثورة الشامية، بالتأكيد سيعلنون البراءة منهم، ويطالبون أهل حوران فورًا ودون تأخير بانتخاب قيادة عسكرية تليق بهم وتليق بمجد حوران الماضي والحاضر والمستقبل، حينها ستعود حوران لأهلها الحقيقيين، تماماً كما عادت لأهلها الحقيقيين يوم انشقت عن العصابة الطائفية بداية الثورة، لكن لكم أن تتخيلوا عودة حمزة الخطيب مضرجًا بدمه وهو مقطوع الأعضاء التناسلية، ليقول لهم ألم تصلكم رسالة الطائفيين بعد، من حرصهم على القضاء على نسلكم حين فعلوا بي ما رأيتم وعاينتم، ألا زلتم تثقون بهم وتثقون بمن يروج لهم…

ماذا لو عاد الشيخ زهران علوش رحمه الله وهو يرى تقاتل جيش الإسلام مع فيلق الرحمن هل كان سيقف إلى جانب فصيل ضد آخر، وهو الذي سعى جاهدًا إلى كسب النقيب عبد الناصر شمير إلى صف القيادة الموحدة للغوطة أملاً في دخول الباب الدمشقي، هل كان الشيخ زهران علوش رحمه الله سيوافق على من ينفخ في رماد الخلاف والشقاق بين الإخوة ليقسم الغوطة بين مرجئة وغلاة وطغاة وبغاة وووو، ليهنأ الطائفيون وأسيادهم بنوم هادئ في دمشق بني أمية…

وماذا لو عاد الشهيد عبد القادر الصالح الشيخ مارع ورأى سقوط مناطق واسعة حررها بدمه ودماء إخوانه في الريف الشمالي، ورأى الدواعش وغلاة الأكراد مع المحتلين الروس وأذنابهم الطائفيون يطوقون الريف الحلبي، وقد تقاعس بعض قادته ومقاتليه واستلسموا لواقع مزيف، ماذا لو عادوا وهم يرون، ذوبان جيش التوحيد الذي أسسوه بدمائهم، فغاب تماما عن الساحة الجهادية، وماذا لو عاد  شهداء أحرار الشام من أمثال ابي عبد الله الحموي والشيخ أبو يزن وغيرهما من قادة الثورة الحقيقيين ليروا الشقاق والخلاف يدب في فصائلهم، هل سيباركون هذا الشقاق والخلاف؟

ولكن بكل تأكيد وعلى الجبهة الأخرى سيرى الشهداء أيضًا  مع كل هذه الصور السلبية السوداوية، سيرون الصورة المضيئة لثورة الشام العظيمة، صورة الانتصارات في الريف الحلبي مقبرة روسيا وإيران حقيقة، والذي أعاد انتصاراتها الوهمية مع ذيلها أسد إلى المربع الأول قبل غزوها للشام، وسيرون أيضًا إصرار الشعب السوري وشرائحه على انتزاع النصر من فكي التآمر الكوني عليه وعلى ثورته، وسيرى أيضًا صمودًا أسطوريًا في جبهات الغوطة وداريا وسيرون أيضاً ثبات المرأة السورية على العهد وسيرون أيضًا إبداعات ونجاحات عالمية للشباب والشابات السوريين في الداخل والخارج، وسيرون وسيرون… فالشام علمت العالم معنى ودود ولود، فلم ولن تكون يومًا عقيمًا في كل مناحي الحياة…

======================

الأطفال السوريون ضحايا الحرب في بلادهم ورهائن الظروف القاسية في دول الجوار .. سليمان حاج إبراهيم

القدس العربي

الاحد 19-6-2016

الدوحة «القدس العربي»: رفعت منظمات دولية معنية بالطفولة من حدة لهجتها، وانتقدت بشدة حالة الأطفال السوريين اللاجئين في دول الجوار، لما يتعرضون له من استغلال واضطرارهم للعمل في ظروف بعضها شاقة ومأساوية تؤثر على تكوينهم النفسي ونموهم البدني، وشددت على ضرورة تعزيز وتشديد الرقابة من قبل الحكومات المعنية.

العائلات السورية التي تفر من جحيم الحرب في بلادها بحثا عن ملاذ آمن، لا يتحقق للكثير منها مرادها بتوفير حياة مستقرة لأطفالها، حتى يعيشوا بشكل طبيعي مثل سائر أقرانهم، وتضطر الكثير منها والمستقرة في دول الجوار للسماح لأولادها وحتى بناتها للعمل وفي حالات كثيرة في وظائف شاقة حتى تحصل على مصادر دخل ولو كانت بسيطة لتلبية احتياجاتها الأساسية.

وكشف آخر تقرير لمنظمتي «يونيسيف» و«إنقاذ الطفولة» عن أن المزيد من الأطفال بين اللاجئين السوريين في الأردن، وتركيا، ولبنان، يضطرون للعمل في المقالع، والمخابز، وصناعة الأحذية، لإعالة أسرهم، ما يعرضهم لمخاطر كبيرة ويجعلهم عرضة للاستغلال الجنسي.

التقرير أشار إلى أن أطفالاً سوريين في عمر ست سنوات في لبنان على سبيل المثال يضطرون للعمل من أجل مساعدة عائلاتهم اللاجئة هناك، أما في الأردن حيث يعيش نصف مليون لاجئ سوري منذ خمس سنوات، تركوا بلادهم هرباً من الحرب الأهلية التي تمزقها، فإن نصف العائلات التي شملتها الدراسة، يُعد الطفل معيلا مهما وفي بعض الحالات المعيل الوحيد لها.

ووفقاً للتقرير فإن الأطفال لم يقتصر استغلالهم على العمل فحسب، حيث يتم تجنيدهم كجنود، ويتعرضون للاستغلال الجنسي، ويعملون في الحقول الزراعية في لبنان. أما في الأردن فإنهم يعملون في المتاجر والمطاعم. وفي تركيا تتنوع أعمالهم بين الخبز وتصنيع الأحذية، كما يعملون في مقالع تكسير الحجارة ومواقع البناء، ما يجعلهم عرضة لمخاطر كبيرة.

وكشف التقرير أن ثلاثة من كل أربعة أطفال سوريين لاجئين إلى مخيم الزعتري في الأردن، يعانون من مشكلات صحية، إذ يعملون أحياناً الأسبوع بأكمله من أجل أن يتقاضوا ستة أو سبعة دولارات في اليوم. وأضاف التقرير أن الكثير من الأطفال بدأوا بالعمل لمساعدة عائلاتهم، وهم لم يبلغوا بعد ربيعهم الثاني عشر، فبعض أرباب العمل في لبنان وتركيا والأردن يفضلون الأطفال على الكبار لأنهم «أرخص» من الكبار، الذين لا يحصلون بسهولة على تصريح عمل في هذه البلدان التي لجأوا إليها.

وقالت المتحدثة باسم «يونيسيف» جوليت توما بعد صدور التقرير: «بناء على هذه الدراسات فإن من الواضح أن عمالة الأطفال قد ازدادت بشكل كبير، وقد بدأت منذ بدء الصراع في سوريا».

وتختلف ظروف عمالة الأطفال السوريين بين دول الجوار لكنها جميعها تشترك في الاستغلال الذي يتعرضون له بشكل مستمر وحرمانهم من حقوقهم الأساسية وعدم تمتعهم بحياة طبيعية مثل أي طفل آخر في مناطق العالم.

 

حالات استغلال

للأطفال تقترب من الاستعباد

تقارير دولية عدة صدرت في الفترة الأخيرة رسمت صورة مروعة عن أحوال اللاجئين السوريين في لبنان، مشيرة إلى أنهم يعانون الاستعباد خاصة الأطفال منهم، فيما تجبر لاجئات سوريات على ممارسة الجنس عنوة مقابل الحصول على سكن أو غذاء.

ووفقا لمنظمة «هيومن رايتس ووتش» الحقوقية فإن اللاجئات السوريات يمثلن الغالبية العظمى من النساء العاملات في الدعارة داخل لبنان، حيث الاتجار بهن على نطاق واسع مع وجود نسبة كبيرة منهن ممن لم تتجاوز أعمارهن ال16 سنة.

وحتى الآن لم تجد المبادرات التي تقوم بها الهيئات الإنسانية في إعادة الأطفال إلى مقاعد الدراسة حيث لا تزال أعداد العاملين منهم في ارتفاع.

وبمناسبة (اليوم العالمي لمكافحة عمل الأطفال) الذي احتفلت به المنظمات الأممية مؤخرا، أشارت «هيومن رايتس ووتش» إلى وجود 300 ألف طفل سوري خارج المدارس في لبنان، يعمل غالبيتهم في ظل ظروف لا تطاق وهي أقرب إلى العبودية.

مسؤولون في الأمم المتحدة ومنظمات غير حكومية أعلنوا أن عمل الأطفال على هذا النحو الكبير يعود إلى منع البالغين من اللاجئين من العمل في سوريا.

وذلك إلى جانب النقص المتزايد في المساعدات الدولية النقدية للاجئين الذين يعانون الفقر المدقع، كما لم تبن مدارس جديدة تستوعب أطفالهم.

ويعيش في لبنان نحو 1.8 مليون لاجئ سوري.

سفير النوايا الحسنة لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسيف» ريكي مارتن دعا، إلى زيادة التركيز على حماية مستقبل ملايين الأطفال المتضررين من الحرب في سوريا والذين تأثرت حياتهم بسبب التشريد والعنف والانعدام المستمر للفرص.

وقال مارتن الذي زار لبنان للقاء الأطفال اللاجئين الذين فروا من الحرب في بلادهم حسب بيان «يونيسيف»: «نحن في السنة السادسة من أزمة أثرت على حياة الملايين من الأطفال وأسرهم، وإن ما يقارب 2.8 مليون طفل سوري خارج مقاعد الدراسة في المنطقة، وقد التقيت أطفالاً باتوا المعيلين الوحيدين لعائلات بأكملها، يعملون لمدة 12 ساعة يومياً». وشدد على ضرورة أن يفعل العالم المزيد لحماية هؤلاء الأطفال من الاستغلال وتوفير الوصول إلى بيئة آمنة حيث يمكن لهم التعليم والتمكين.

وتأثر مارتن كثيراً بقصة الطفلة بتول (من مدينة حمص، تبلغ من العمر 11 عاماً) والتي تضطر للعمل من دون مقابل مالي لكي تحصل على المياه والمأوى، وتعيل مع شقيقتيها الأكبر سناً وأمها أسرتهن المؤلفة من 13 شخصاً، وتقول: «لا يدفعون لي أي مبلغ من المال، أعمل لساعات طويلة جداً في حصاد الفول والكرز والبطاطس  مهما كان الموسم».

ويتعرض الأطفال النازحون لمخاطر الاستغلال وإساءة المعاملة، ولم يعد أمام أعداد كبيرة منهم سوى خيار العمل بدلاً من الذهاب إلى المدرسة.

وبالإضافة إلى المعاناة النفسية التي تؤثر على عدد لا يستهان به من الأطفال الذين فرّوا من الحرب، هناك تحد مرتبط ببعض أسوأ أشكال عمالة الأطفال، مثل العمل في مواقع البناء التي يُمكن أن تلحق بهم أضراراً نفسية وجسدية طويلة الأمد.

وتحاول «يونيسيف» مع شركائها معالجة الأسباب المباشرة لعمالة الأطفال عن طريق مكافحة الفقر وتوفير التعليم المجاني والفرص الاقتصادية للوالدين والشباب في سن العمل وتحديد الأطفال الذين يعانون من أسوأ أشكال عمالة الأطفال ومنحهم فرصاً أخرى مثل التعليم.

«يونيسيف» تعمل بشكل وثيق مع المؤسسات الحكومية في لبنان، وكذلك مع الشركاء المحليين والدوليين من أجل تلبية احتياجات نحو مليون من الأطفال السوريين هم الأكثر فقراً في لبنان مع التركيز على الصحة والتغذية والتعليم وحماية الطفل والمياه والصرف الصحي وخدمات الدعم التي تستهدف اليافعين أيضاً.

 

الأردن وتزايد نسب عمالة الأطفال

اللاجئون السوريون في الأردن التي كانت من أوائل الدول التي فتحت حدودها لاستقبال الفارين من الحرب في بلادهم ليست أحوالهم أفضل من غيرهم في دول الجوار الأخرى.

وفي ورقة تقدير موقف أعدها «المرصد العمالي الأردني» استندت إلى دراسة مسحية أجرتها منظمة العمل الدولية توصلت إلى أن عمالة الأطفال في الأردن وصلت إلى ما يقارب 100 ألف طفل. وأشارت الدراسة إلى أن الأسباب التي أدت إلى اتساع عمالة الأطفال في الأردن خلال السنوات الماضية، أثرت فيها بشكل واسع دخول مئات الآلاف من اللاجئين السوريين خلال السنوات القليلة الماضية لتساهم في مضاعفة أعداد العاملين من الأطفال في سوق العمل الأردني. وبررت الورقة لجوء الأطفال للعمل نتيجة ضعف وتدني الخدمات الأساسية التي تقدمها المنظمات الدولية ذات العلاقة للاجئين السوريين، وعدم إسهامها بالشكل المطلوب في توفير مستويات مقبولة من شروط الحياة اللائقة، الأمر الذي يدفع هذه الأسر إلى تشجيع أطفالها للانخراط بسوق العمل.

ونبهت الورقة إلى أنه مع ازدياد تدفق اللاجئين السوريين إلى الأردن خلال السنوات الماضية، تفاقمت هذه المشكلة بشكل ملموس، حيث أصبح واضحا للعيان كثافة تواجد الأطفال السوريين في سوق العمل الأردني وفي أعمال مختلفة، وخاصة في المناطق التي يتكثف فيها وجود اللاجئين، شمال الأردن، وبدرجات أقل في مناطق الوسط.

وأشار أحمد عوض، مدير مركز «الفينيق» للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية، أنه «رغم أهمية الجهود والبرامج والمشاريع التي قامت بها العديد من المؤسسات الأردنية الرسمية والعديد من المنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني الأردنية والعالمية والتي تهدف إلى إعادة تأهيل الأطفال العاملين وإعادتهم إلى مقاعد الدراسة، إلا أن مشكلة اتساع رقعة الأطفال المنخرطين في سوق العمل في تزايد مستمر.»

وأوصت الورقة بضرورة إعادة النظر في السياسات الاقتصادية وتحمل المجتمع الدولي لمسؤولياته تجاه اللاجئين السوريين، للحؤول دون اضطرارهم لدفع أطفالهم إلى سوق العمل لمساعدة أسرهم في تغطية نفقاتهم الأساسية، وتطوير العملية التربوية والتعليمية خلال المرحلة الأساسية للحد من عمليات تسرب الأطفال من مدارسهم. وأكد الخبراء المتابعون للموضوع على ضرورة تشديد الرقابة من قبل المؤسسات الرسمية على الأماكن التي تتركز فيها عمالة الأطفال، والعمل على تطبيق القوانين التي تحظر عمل الأطفال، ووضع عقوبات رادعة بحق المخالفين وعدم الاكتفاء بدفع غرامات بسيطة، هذا إلى جانب تفعيل الحملات التوعوية حول الآثار السلبية الناتجة عن عمل الأطفال في المدارس والأسر، وضرورة تطوير قاعدة بيانات دقيقة يتم تحديثها دوريا لعمالة الأطفال في الأردن.

وأفاد مرصدان حقوقيان أن 60 ألف طفل سوري يعملون في ظروف قاسية في الأردن، من مجموع 668 ألف طفل من أصل حوالي 1.3 مليون لاجئ سوري يعيشون في الأردن، إضافة إلى وجود 90 ألف طفل لا يتلقون أي نوع من التعليم.

وجاء في تقرير أعده «المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان» و «الشبكة السورية لحقوق الإنسان» تناول ظاهرة عمالة الأطفال من سوريا في الأردن، أن عددهم بلغ «أكثر من 60 ألفاً، يعانون من ظروف قاسية لا تتوقف عند تدني الأجور أو العمل لساعات طويلة وشاقة، بل تمتد إلى تعرضهم أحياناً للاستغلال والعنف وظروف العمل الخطرة، مع ضعف في الرقابة والمساءلة الحكومية».

ووفق التقرير الذي جاء بعنوان «رهَق الصّغار: عمالة أطفال سوريا اللاجئين في الأردن»، فإن «51.4 في المئة من مجموع اللاجئين السوريين في الأردن، البالغ عددهم 1.3 مليون، هم أطفال، بمجموع 668 ألف طفل، إضافة إلى أن 41 في المئة من مجموع اللاجئين من فلسطينيي سوريا في الأردن، والبالغ عددهم 16 ألف لاجئ، هم أطفال أيضاً، بمجموع 6560 طفلاً».

 

القلق يتزايد في تركيا لارتفاع نسب عمالة الأطفال

عبر خبراء أتراك عن قلقهم من ارتفاع أعداد الأطفال العاملين في تركيا، الذين بلغ عددهم ما يقرب من مليون عام 2012 وما زال العدد في ارتفاع نظرا لتدفق ملايين اللاجئين السوريين في محاولة لكسب لقمة العيش بعد عبور الحدود إلى تركيا. ووفقا للبيانات الصادرة عن معهد الإحصاء التركي، فإن ما مجموعه مليون طفل تتراوح أعمارهم بين 6 و17 عاما كانوا يعملون عام 2012. في حين، حذر تقرير مشترك صادر عن وكالة المساعدات الإنسانية «سبورت تو ليف» ومركز البحوث عن الهجرة في جامعة إسطنبول من أن الرقم قد يكون أعلى بكثير اليوم مع انضمام الأطفال اللاجئين السوريين لاقتصاد الظل. ووفقا للتقرير، فإن المشاكل الرئيسية التي يعاني منها الأطفال العاملون هي نقص فرص الحصول على التعليم، وتباطؤ النمو البدني والنفسي والإيذاء الجسدي الناجم عن طبيعة عملهم، والتحرش والاستغلال والإهمال. وجاء في التقرير أن نصف الأتراك الذين يعيشون تحت خط الفقر والبالغ عددهم نحو 17 مليون نسمة هم من الأطفال، في حين يخرج 400 ألف طفل في البلاد بعيدا عن منازلهم للاشتغال عمالا موسميين. وعلى الرغم من عدم المقدرة على تحديد رقم معين، أوردت الدراسة أن المزيد والمزيد من الأطفال السوريين بدأوا بالعمل بشكل غير رسمي، خصوصا كعمال موسميين.

======================

القضية الكردية في تركيا: معاناة تنتظر حلاً إبداعياً .. عبدالباسط سيدا

الحياة

السبت 18-6-2016

القضية الكردية واحدة من أقدم وأهم قضايانا في المنطقة كونها تجسّد مصير وتطلعات أكثر من أربعين مليون إنسان، قُسّمت أرضهم ووزعت في مراحل مختلفة بين أربع دول في المنطقة هي تركيا وإيران والعراق وسورية، وكذلك لتفاعلها مع المعادلات الإقليمية والإهتمامات الدولية، بخاصة في ظل ما عاشته منطقتنا من هزات عنيفة خلخلت كيانات ما بعد سايكس بيكو، وأبرزت بوضوح ضرورة إعادة التوازن إلى المعادلات المختلّة استناداً إلى المعطيات الجديدة، وإلى ما يُستشف من آفاقها المستقبلية.

والأمر اللافت أن الاهتمام الدولي بها، والتركيز الإعلامي عليها، تناولا بصورة رئيسة كردستان العراق منذ مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى وحتى يومنا هذا. ومع تطورات الأوضاع في سورية، والتدخلات الإقليمية السافرة فيها، سُلّطت الأضواء على القضية الكردية في سورية، وتبيّن للجميع أن الرواية البعثية الرسمية بخصوص تاريخ الوجود الكردي، وحجمه ضمن الكيان السياسي السوري، وهي الرواية التي ما زال النظام الأسدي متمسّكاً بها، لم تكن سوى رواية أيديولوجية - رغبوية، لم تتطابق في أي وقت مع وقائع الأمور.

هذا في حين أن الدولتين الأكبر والأقدم في تاريخ المنطقة الحديث (تركيا وإيران) تضمان المساحة الكردستانية الجغرافية الأوسع، والحجم الديموغرافي الكردي الأكبر.

ومع ذلك، كان التوجه التركي الرسمي الملتزم بالتوجه القومي المتشدد الذي رسّخه مؤسس تركيا الحديثة مصطفى كمال يتمحور حول فرضية إنكار أي وجود كردي ضمن تركيا، الكيان السياسي الذي خضع لصيغة من صيغ إعادة الهيكلة بعد الحرب العالمية الأولى.

أما في إيران، فكانت جهود النظام الشاهنشاهي متمركزة حول الرغبة في إظهار النسيج المجتمعي الإيراني في هيئة متجانسة على الصعيد العرقي، وذلك على النقيض من الصورة الواقعية للفسيفساء الأقوامية والمذهبية، وهي صورة أشبه بالسجادة العجمية، صورة متمرّدة على اللون الواحد الذي حاول النظام الإيراني «العلماني» فرضه في حينه، ويعمل النظام «الإسلامي» راهناً على ترسيخه، وتطويع الواقع ليأتي موائماً للمقاسات التي تتناسب مع حساباته.

وما يهمنا هنا هو واقع وآفاق القضية الكردية في تركيا، بناء على تأثيراتها الكبرى الآنية والمستقبلية على المستوى التركي الوطني الداخلي، وعلى المستوى الإقليمي، وعلى المستوى السوري خصوصاً. فالوجود الكردي في تركيا هو الأكبر والأكثر تأثيراً، ولا يقتصر على المناطق الكردية أي كردستان تركيا، بل يشمل غالبية المدن التركية، بخاصة الكبرى منها: اسطنبول وأنقرة وإزمير. وهناك حالة من الإندماج الكردي في مختلف مفاصل الحياة المجتمعية والرسمية في تركيا، وهذا فحواه أن العلاقة التفاعلية الإيجابية بين الكرد والدولة التركية تُعد ركن الاستقرار الداخلي في تركيا، ومقدمة لتحرّك تركيا الإقليمي المرتاح، والخطوة الأهم في طريق المصادرة على أية جهود استغلالية دولية بغض النظر عن المزاعم والادعاءات.

وقد أخذ حزب العدالة والتنمية منذ وصوله إلى الحكم عام 2002 هذه الحقائق في اعتباره، واتخذ جملة خطوات جرئية للانفتاح على الكرد، وهي خطوات كانت تُعد إلى وقت قريب من الأحلام المبتغاة، ولكنها لم ترتق في كل الأحوال إلى المستوى المطلوب لحل القضية الكردية في تركيا حلاً عادلاً للجميع.

وبدأت العملية السياسية عبر الحوار مع زعيم حزب العمال الكردستاني قبل نحو أربع سنوات، وقد أسهمت العلاقات الودية مع إقليم كردستان العراق، ومع الرئيس مسعود البارزاني تحديداً على قاعدة المصالح المشتركة، في تهيئة الأجواء لحل مطلوب منتظر. وكان واضحاً أن كل ذلك يتعارض مع استراتيجية النظام الإيراني التي تقوم على إضعاف المحيط العربي والتركي. فعربياً، اعتمد النظام المذكور أسلوب نقل خط المواجهة من الحدود العراقية - الإيرانية إلى داخل المجتمعات العربية نفسها، بل إلى العمق الاستراتيجي للأخيرة، والاعتماد على الموارد البشرية العربية لتنفيذ أهداف استراتيجيته في أجواء تعبئة مذهبية هستيرية لم تعرفها مجتمعات المنطقة من قبل، وهذا ما فعله النظام المعني في كل من العراق ولبنان وسورية واليمن وغيرها من الدول.

وفي سياق التنافس مع تركيا على الزعامة الإسلامية «ما بعد العربية» في المنطقة، وعلى الدور الاقتصادي - السياسي الريادي فيها، وجد النظام الإيراني في حزب العمال الكردستاني ضالّته، واستثمر فيه منذ الثمانينات، كما فعل مع حزب الله، وتمكّن من استمالة قياداته العسكرية بخاصة بعد اعتقال زعيمه أوجلان عام 1999. وتمكّن النظام نفسه بفعل هذا الحزب من شلّ الوضع الكردي في الداخل الإيراني، وتغلغل نتيجة واقع الخلافات والمنافسات الحزبية في إقليم كردستان العراق، وتمكّن من التحكّم بالمناطق الكردية في سورية عبر حزب الاتحاد الديموقراطي (الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني). ومن الواضح أن التقاطع الذي تم بين توجهات أوباما في المنطقة والاستراتيجية الإيرانية التي انعكست إيجاباً لمصلحة الحزب المذكور الذي لا يبدو في مقدوره، حتى الآن على الأقل، تجاوز الإطار المرسوم له إيرانياً، على رغم كل التسويق الروسي وحتى الأميركي له.

وجاءت التفجيرات التي شهدتها أكثر من مدينة في تركيا، ومن ثم الاعتصامات المسلّحة في الجزيرة ونصيبين وديار بكر/آمد وغيرها، والتعامل العنيف معها من قبل السلطات التركية، لتؤكد استمرارية النظام الإيراني في استراتيجية نقل المعركة إلى أرض الآخر الخصم، وذلك لإبعادها عن عمقه الداخلي، والمصادرة على تبعاتها. وقد أسهمت هذه المتغيّرات في تعزيز مكانة المتشددين ضمن حزب العمال الكردستاني وضمن الدولة التركية نفسها، الأمر الذي عقّد، ويعقّد، الأمور، وينذر بمزيد من التصعيد الذي لن يكون لمصلحة أي طرف على مستوى تركيا، ولا لمصلحة الاستقرار الإقليمي. كما أن سورية التي ترتبط مع تركيا بحدود برّية طويلة، ستتأثر هي الأخرى عبر كردها واقتصادها وبنيتها المجتمعية إيجاباً أو سلباً بما يجري لدى جارها الشمالي.

القضية الكردية في تركيا تخص أكثر من 20 مليون مواطن. وهذا معناه أن الحكومة، بل الدولة التركية، مطالبة بمقاربة هذه القضية بصورة جادة ومسؤولة، الأمر الذي يستوجب قبل كل شيء الإقرار بوجود قضية تستلزم المعالجة، ومن ثم تقديم خطة معالجة متكاملة حولها، خطّة تعرض على القوى السياسية الكردية ومنظمات المجتمع المدني والفعاليات الكردية بتوجهاتها المختلفة، ليكون الحوار حولها، وتعديلها إذا لزم الأمر، حتى يتم التوافق. وهذا لن يكون من دون وجود عقلية تفاهم لدى مختلف الأطراف، عقلية تركّز على الحل الإبداعي من خلال التعاون الإيجابي. أما أن يتمسّك كل طرف بموقفه المتشدد، ويصرّ على خياراته التي غالباً ما تتجاهل الآخر، وتعرقل أي سعي من أجل فهم موقفه من الداخل، فهذا مؤداه المزيد من الاضطراب والتصدّع والدماء.

المؤشرات توحي بوجود رغبة واقعية لدى المعتدلين من الجانبين التركي والكردي للوصول إلى تفاهمات، ولعله من نافل القول أن نؤكد هنا أن استقرار تركيا هو في مصلحة استقرار الإقليم بأسره، ومثل هذا الاستقرار سيكون في مصلحة الشعوب الإيرانية نفسها، ولكن شرط أن يقطع نظامها مع عقلية التوسع والهيمنة والتخريب في مختلف الإتجاهات.

======================

داعش نعمة على حكام بغداد ودمشق وأعداء الثورات .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 18-6-2016

لو كنت مكان حكام دمشق وبغداد وراعيهم الإيراني وكل القوى الدولية والإقليمية والعربية المعادية لتطلعات وأحلام الشعوب الثائرة، لبنيت تماثيل من ذهب لداعش على أبواب المدن السورية والعراقية، ففي سوريا نسي العالم كل تضحيات الشعب السوري وثورته المجيدة، ولم يبق له هم إلا أخبار داعش في سوريا. ليس مهماً تشريد نصف الشعب السوري وتدمير ثلاثة أرباع بلده وقتل وجرح الملايين. المهم الآن أخبار داعش.

لم يعد أحد يسأل عما فعله النظام الفاشي بسوريا. لقد أصبح بشار الأسد بعد كل ما فعل فاعل خير يكافح الإرهاب والإرهابيين المتمثلين بداعش وأخواتها بتواطؤ مفضوح مع أمريكا وروسيا وأوروبا. لم يعد يرى السوريون الذين حلموا في بداية الثورة بقليل من الحرية والكرامة، لم يعودوا يريدون لا حرية ولا كرامة ولا حتى خبزاً. كل ما يريدونه أن يعودوا إلى حظيرة الطاعة الأسدية التي تحميهم من داعش. لقد انطلت لعبة داعش على الكثيرين. وقد نجح المتلاعبون بهذا البعبع الاصطناعي في الداخل والخارج، نجحوا في حرف الثورات عن مسارها، لا بل أقنعوا الثوار الحقيقيين في سوريا وغيرها أن ينسوا أهداف الثورة الأصلية، وينخرطوا في معركة القضاء على داعش وشقيقاتها. وقد قال مسؤول أمريكي كبير قبل أيام فقط: «من الأفضل أن تكون مدينة الرقة السورية تحت سلطة النظام السوري على أن تكون في قبضة الدواعش». ولا شك أنكم ترون هذه الأيام كيف تتحالف روسيا وأمريكا وأوروبا وإسرائيل مع نظام الأسد وقوى «المماتعة والمقاولة» الأخرى لطرد داعش من منبج والرقة وريف حلب والموصل والفلوجة وبقية مناطق العراق.

وكما في سوريا، استطاعت إيران وذيولها الطائفية الحاكمة في بغداد بالتواطؤ مع أمريكا أن تحشد بعض الشعب العراقي في معارك وهمية كي ينسى مطالبه الأساسية من عيش كريم وقليل من الحرية وسياسة وطنية، وينخرط في الحرب الكبرى على داعش. ولا ننسى ماذا قالت إيران لرئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي عندما شاهدت المسلمين السنة في العراق ينتفضون ضد الظلم والطغيان والتهميش والإقصاء. «وجدتها، وجدتها»، صاحت إيران وفوراً قالت للمالكي: « أطلق على المنتفضين كلابهم» والمقصود بكلاب المسلمين السنة في العراق طبعاً الدواعش. واستجاب المالكي للطلب الإيراني فوراً، فراح يقوم بتسليم المناطق السنية لداعش، أولاً كي يقضي على الانتفاضة السنية، وثانياً كي ينتقم من المدن السنية ويشرد أهلها لاحقاً بحجة تحريرها من داعش، كما يفعلون الآن في الفلوجة، وكما فعلوا من قبل في تكريت ومناطق أخرى. ولم تتوقف اللعبة الإيرانية والدولية عند حدود المناطق السنية في العراق، بل طالت شيعة العراق، وخاصة العرب الوطنيين منهم. فعندما بدأت مطالب الشيعة، وخاصة أتباع مقتدى الصدر تتصاعد ضد الظلم والفساد والتدخل الخارجي، وجدت إيران وذيولها في بغداد أن أفضل طريقة لإخماد الانتفاضة الشيعية أيضاً تتمثل بتوجيه الأنظار إلى المعركة المزعومة ضد داعش، كما لو أن داعش هي سبب أزمة العراق وليس الفساد والاحتلال الإيراني والحكم الطائفي الحقير والغزو الأمريكي.

لاحظوا كيف صنعوا جيش الحشد الشعبي (ج ح ش) لتجييش الشارع الشيعي واللعب بعواطفه. ولاحظوا كيف جندوا حوالي أربعين ألف شيعي لمواجهة 500 داعشي في الفلوجة بغطاء جوي أمريكي. عندما تقارن عدد الجيش الذي حشدته إيران في الفلوجة والطيران الأمريكي مع عدد الدواعش داخل المدينة، لفهمت على الفور بأن الهدف ليس داعش، بل الانتقام من المناطق السنية وضرب الشيعة بالسنة وإلهاؤهم بصراعاتهم الطائفية بدل أن يتوحدوا في مواجهة الاحتلال الإيراني والأمريكي والحكم الطائفي في العراق، لا سيما وأن الشيعة والسنة في العراق يعانون نفس الأزمات التي يتسبب بها الغزو الأمريكي والحكم الطائفي والاحتلال الإيراني من فساد وفقر وفوضى وبلطجة ونهب وسلب.

قد لا يكون تنظيم داعش صنيعة إيرانية أو عراقية أو سورية ولا أمريكية، لكنه بالتأكيد كان نعمة على حكام دمشق وبغداد وأمريكا وكل أعداء الثورات ومطالب الشعوب، فأحسنوا استغلاله واستخدامه أفضل استخدام لحرف الثورتين السورية والعراقية عن مسارهما وتخويف الداخل والخارج وإلهاء الشعبين بحروب وهمية كي يتسمر لصوص بغداد ودمشق وكفيلهم الإيراني والأمريكي بنهب البلاد والعبث بالعباد، وكي يستمر أذيال أمريكا في عموم المنطقة جاثمين على صدور شعوبهم. وكلنا يذكر كيف خرج مئات الدواعش من سجن أبو غريب العراقي بلمح البصر، مع العلم أن الهواء لا يستطيع الخروج من السجن الرهيب. وقد اعترف وزير العدل العراقي السابق الشمري وقتها بأن خروج المتطرفين من السجين جاء بأوامر عليا. وحتى معركة الموصل التي ظننا أن الجيش العراقي خسرها أمام الدواعش كانت عبارة عن لعبة كبيرة تم بموجبها تسليم الموصل للدواعش. وهناك مئات الوثائق التي تثبت ذلك. وعندما حاول البعض محاكمة المالكي بسبب معركة الموصل تدخلت إيران ومنعت المحاكمة، لأن تسليم الموصل للدواعش كان بطلب إيراني أصلاً، وقد قام المالكي بتنفيذ الأمر فقط. ولا ننسى كيف عبرت قوافل داعش الصحراء على الملأ أمام أعين الطيران الأمريكي واحتلت مدينة تدمر السورية بكل أريحية لتخرج منها لاحقاً في عملية مسرحية مضحكة.

طبعاً من حق النظام الطائفي وكفلائه الإيرانيين والغرب أن يلجؤوا إلى كل الحيل والخدع لإلهاء العراقيين والسوريين عن مطالبهم الحقيقية بالبعبع الداعشي. لكن صدقوني أن القضاء على داعش في سوريا والعراق لن يحل مشاكل البلدين ولن يريح أمريكا في المنطقة. إن دحر 500 داعشي في الفلوجة لن ينهي محنة العراق، بل يخدر فقط بعض الطائفيين والمغفلين لفترة. مشكلة العراق وسوريا ليس في داعش ولا الإرهاب، بل في النظام الطائفي القذر الذي ثار عليه الشعبان في المقام الأول. وليتذكر العراقيون والسوريون أنهم عندما ثاروا في البداية لم يثوروا ضد داعش، بل ثاروا ضد الظلم والطغيان اللذين يمارسهما النظامان الطائفيان المدعومان إيرانياً ودولياً. بعبارة أخرى، فإن داعش طارئة على المشهد. ولو اختفت داعش، لخلقوا بعابع جديدة لإلهاء الشعوب الباحثة عن قليل من الكرامة وأوكسجين الحرية.

٭ كاتب وإعلامي سوري

======================

بين القائد والمدير ...أي فروق !؟ .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

19-6-2016

رابني أن أرى كثيرا من الناس لا يميزون بين القائد والمدير ..فأحببت أن أكتب فأتتبع بعض الفروق مع علمي أنني لن أحيط بالكثير . فالفارق بين القائد والمدير جوهري وليس وظيفي . فارق في التكوين وفي الرؤية والموقف والاستعداد والدور ، فارق في البداية معلوم وفي النهاية متحقق؛ المدير يحال إلى التقاعد فيغتبط أو يبتئس ، والقائد يرابط على ثغرته وهو في آخر القوم أو على هامشهم لا يستقيل ولا يقال ولا يقيل ...

وأعجب شيء مرّ عليّ في حياتي أن رأيت من كانوا قادة معلَّمين ، يحملون ( معاطفهم ) من مكاتبهم وينزوون . كسرت كعوبها أو تستقيما هكذا قالها الشاعر العربي من قبل ، وهكذا يجب أن تكون ...

نازلت كبشهمُ ولم أر من نزال الكبش بدا

وأقول أول مدير رأيته في حياتي هو ( مديرة ) روضة الأطفال . ثم مدير المدرسة الابتدائية والإعدادية والثانوية . وأول حاجب رأيته حاجب مدير التربية في المبنى العثماني لمديرية التربية في حلب ببابه العريض الأريض . في شامنا الحبيب نسمي الحاجب آذنا بمعنى أن مهمته أن يفتح لا أن يغلق ويمنع ثم استدارت بالناس الأيام . وعلى غرار مدير التربية علمونا أن أمام كل وزير ووزارة في كل مركز محافظة مدير فأخذنا نسمع بمدير الصحة ومدير المواصلات ومدير الأشغال ...

ثم تخطت بي الحياة فبدأت أسمع بمصطلحات مثل مدير المصنع ، ومدير المستشفى ، ومدير المنطقة ، ومدير الناحية ، ومدير البنك ، ومدير الشركة ، ثم رفعت رأسي إلى من أطلقوا عليه مدير الشركة المتعددة الجنسيات ؛ وقلما اكتحلت عيناي بمرأى واحد من هؤلاء ..

وكانت صدمتي الأكبر في الحياة عندما بدأت تطرق سمعي مصطلحات مثل مدير السجن ، و مدير الخوف ، ومدير الفزع ... مدراء كلهم يثيرون الخوف ويبعثون القشعريرة ويقف لذكرهم شعر الرؤوس ، وأحيانا يذكرونك بشجرة الزقوم وطلعها كأنه ..

ومنذ عقود بدأ يطرق سمعي مصطلح علم جديد ، لم نكن سمعنا به في آبائنا الأولين . بدؤوا يحدثوننا هكذا ( الإدارة أصبحت علما ) ( الإدارة علم وفن ) . وأصبحت إذا زرت مكتبة للتسوق أو معرضا للكتب تتراقص أمام عيني أغلفة صقيلة بعناوين براقة ( كيف تصبح مديرا ناجحا ) . و(الثورة في عالم الإدارة) . و( عشر علامات للمدير الناجح ) مع أسماء علماء وأساتذة منهم خواجات ومنهم محليون ،كتب مؤلفة وأخرى مترجمة حتى أكاد أقول إن الحديث عن علم الإدارة غدا ( صرعة العصر ) و ( موضته ) وحديث المتأنقين فيه .

 وتطور موضوع هذا العلم في ثلاثة عقود بسرعة العصر الذي تأسس فيه ، وانضم العلم إلى الفن إلى عصر السوق والتسويق فامتلأت الأرفف والمكتبات بمئات بل بآلاف العناوين كلها تحوم حول علم الإدارة وفنها والمدير الناجح ومواصفاته ، وكيف يدير وقته ، ويعزز علاقته بمداريه ، ويحدد أهدافه ، ويستفيد من صغير الطاقات من حوله وكبيرها . كان مشايخنا الذين لم يسمعوا بهذا العلم ولم يدرسوه يعلموننا لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد ، ويلقوننا لا أحد فوق أن يستعين ولا دون أن يعين . وأحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم ... وكلام كثير أعيد فكفكته وتركيبه ليكون علما جديدا تشرئب إليه الأعين وتخضع له الأعناق ...

كل ما قيل ويقال وكتب ويكتب عن الإدارة والمدير هو مادة صغيرة فيما يقال عن القائد ودوره ومكانته والمنتظر منه ..

عندما نذكر القائد أولا فنحن لا نذكر روضة أطفال ولا مدرسة ولا جامعة ولا إدارة ولا وزارة ولا مستشفى ولا شركة ولا أي مؤسسة ذكرناها أو نسيناها أعلاه ..

القائد يقود عالما آخر غير تلك التي ذكرنا ، ويسعى إلى أهداف أخرى غير تلك التي تتبناها تلك المؤسسات ..

القائد يقود : أمة ، وشعبا ، وجماعة ، وحزبا ، ونهضة ، وثورة ، ومتفقين، ومختلفين ، فيجعلهم وحدة كالبنيان المرصوص ، ومن براعة القائد ألا ينفرط عقد من جمع ، ولا يتبدد شمل من وحد فيكونون بعده كمن تهوي به الريح في مكان سحيق ...

وأول صفات القائد الناجح وأدناها وأقربها أن يكون مديرا ناجحا ومن هذا المصاف ينطلق . ومقتل القائد أن يقتصر على دور المدير هذا إذا نجح فيه ، فأما أن يكون لا ذا ولا ذياك فأعان الله قوما كان بلاءهم ...

ومن أبسط صفات القائد الناجح أن يكون واثقا من نفسه ومن قدراته ومن مشروعه الذي يعمل عليه ويدعو إليه .

القائد الناجح يكون أولا في كل ما يدعو ، وفي كل ما يحض ويأمر ، يسير الناس بسيره إذا سار ، وإن هو أومأ إلى الناس وقّفوا ..

قيل للإمام علي رضي الله عنه في قيادته ، وافتراق الأمة عليه ، واجتماعها على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فأجاب: كنت وأمثالي جنودا لأبي بكر عمر وأصاب رضي الله عنه في بعض وجانبَ في آخر ، أليس هو من قبل بيعة من لا تقبل منهم بيعة ، ولا يستكثر منهم في عدد ولا عدة حتى قال لهم فيما بعد لقد ملئتم جوفي قيحا ..

يقولون إن القائد الناجح يصنع مَن حوله ، ومن الحق أيضا أن القائد الناجح يصنعه من حوله إذا أحسن الاصطفاء ...

نقول في عهد عمر فتح الشام والعراق ومصر وسقط يزدجرد وننسى كثيراً أسماء القادة الذين صنعوا في الميدان الانتصارات ولكنهم أيضا كانوا قادة وكانوا رجالاً ...

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

============================

أميركا تدعم نظام الأسد .. خالد أبو صلاح

العربي الجديد

السبت 18-6-2016

أتمنى أن يمرّ السفير الأميركي السابق لدى سورية، روبرت فورد، على السطور التالية، ويتذكّر أنهُ، في منتصف 2013، عرضت عليه مقالاً للمفكر الأميركي دانييال بايبس، فقال معلقاً: "بايبس متطرف ولا يمثل الإدارة الأميركية"، وعندما قلتُ له إنكم تمنعون سقوط الأسد، وتستنزفون الجميع في معركة الشمال، فلا تسمحون لنا بالانتصار عليه، وكلّما تقدم هو وكاد يسيطر تفتحون خزائن الدعم، صمت.

كان بايبس قد كتب في 12 إبريل/ نيسان 2013 مقالاً في صحيفة ناشيونال بوست الكندية، عن الاستراتيجية الواجب أن يتبعها الغرب في سورية، وجاء فيه "على الحكومات الغربية أن تدعم نظام الأسد. وسبب هذا الاقتراح أن القوى الشريرة لا تشكل خطراً كبيراً علينا عندما تتقاتل فيما بينها، كما أن الاقتتال بين الأسد والجماعات الأخرى سيمنع الحسم العسكري وانتصار فريق على آخر. ولو انتصر أحدُ الفريقين، فإنه سيشّكل خطراً أكبر علينا. لهذا، على القوى الغربية أن تقود الأطراف المتقاتلة في سورية إلى حالة من الجمود، بحيث تدعم الطرف الخاسر، لكي يستمر في القتال، من أجل إطالة أمد الصراع".

ويعمل بايبس مدرساً للتاريخ في جامعات أميركية، وفي الكليات الحربية خصوصاً، عاش سنوات في مصر، ويتقن العربية والفرنسية والألمانية، وشغل مواقع حساسة ساهمت في نشر آرائه في الأوساط الأميركية، فقد تولى رئاسة هيئة فولبرايت للمنح الدراسية للطلاب غير الأميركيين، وأصبح عضواً في مجلس إدارة معهد الولايات المتحدة للسلام، ومديراً لمعهد السياسة الخارجية، بالإضافة إلى عمله مستشاراً لأهم شركات المال والصناعة ومؤسسات الحكم في أميركا، وله موقع على "الإنترنت" متوفر بالعربية، يتحدثُ فيه عن المخططات الأميركية القذرة في المنطقة، بصراحة وفخر.

 

ويجد المتابع للواقع السوري أنّ ما نظّر لهُ بايبس، قبل ثلاثة أعوام، تمّ تطبيقهُ بإتقان في الساحة السورية، حيثُ دخل الصراعُ فيها حالةً من الجمود، ومن الاستنزاف لجميع القوى المتحاربة، وكلّما رجحت كفةُ طرف على الآخر، يتمّ تزكية الصراع بجرّ أطرافٍ جديدة إليه، وهذا ما يحصل. فيمتدُّ اليوم الصراع في سورية على عدّة مستويات، محليّة وإقليمية ودولية، طائفية وإثنية، وها هي الولايات المتحدة تسعى إلى إدخاله في بعدٍ جديدٍ، هو البعد العرقي بين العرب والكرد. حيثُ تقدّم دعماً مطلقاً لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، فقوّت جناحه العسكري المتمثل بوحدات حماية الشعب، وجعلت منه قوة ضاربة في الشمال والشمال الشرقي من سورية، وحتى تطمس معالم هذا التشكيل العرقي، عمدت إلى دمج بعض الفصائل العربية الصغيرة ضمن صفوفه، إضافة إلى مجموعاتٍ محلية ذات تنوع طائفي، لتشكل "قوات سورية الديمقراطية"، والتي تحكمُ ضمن مناطق سيطرتها بإدارة ذاتية وفيدرالية، أعلنتها من طرفٍ واحد، قبل ثلاثة أشهر تقريباً.

تسعى هذه القوات حالياً إلى السيطرة على مدينة منبج الاستراتيجية في شرقي حلب التي يسيطر

"انتقلت أميركا من مرحلة حماية نظام الأسد إلى مرحلة التحالف معه" عليها تنظيم الدّولة الإسلامية (داعش)، وتدعمها طائرات التحالف الدولي، ومئات المستشارين والجنود الأميركيين براً، وستتبع السيطرة على منبج معارك على باقي مناطق ريف حلب الشرقي، الواقعة تحت سيطرة التنظيم، وأهمها مدن الباب ومسكنة ودير حافر وجرابلس. لتخطو القوات الكردية، بالتالي، خطوةً كبيرةً، نحو وصل مناطق سيطرتها شرق سورية بمنطقة عفرين التي تسيطر عليها شمال غرب حلب. وبهذا، تكون قد سيطرت على الشريط الشمالي السوري بشكل شبه كامل، ما يعني أن الكيان الكردي أصبح أمراً واقعاً.

لم يكن موقف الولايات المتحدة من الثورة السورية ضبابياً، كما تصفهُ أطرافٌ في المعارضة السورية، بل كانت لديها استراتيجية واضحة، تعتمد على إطالة أمد الصراع الذي يستنزف كل خصومها ومنافسيها، فلماذا تريدُ أن توقفهُ، وهي تسعى دوماً إلى عالمٍ يُحكمُ من قطب واحد، فقد أحجمت عن دعم السوريين، ومنعت عنهم أي دعم حقيقي من حلفائهم، يفضي إلى حسم الصراع مع نظام الأسد، أو إرغامه على حل سياسي حقيقي. واليوم تمضي بتغذية الصراع بأبعادٍ وأطرافٍ جديدة، وتسعى إلى ترسيم حدود هذه الصراعات بالدّم، ليس في سورية وحدها، وإنّما في المنطقة برمتها، غير مكترثةٍ بمصالح حلفاء الأمس، فها هي تهدّد تركيا بأمنها القومي بكيان كردي على حدودها الجنوبية، وتضيق الخناق على العربية السعودية بإشغالها بحروبٍ دبلوماسيةٍ، تتهمها تارةً بدعم القاعدة في تنفيذ هجمات "11 سبتمبر"، وأخرى بانتهاك حقوق الأطفال في اليمن. وفي العراق، تؤمن الغطاء الجوي والدعم اللوجستي لمليشيات الحشد الشعبي الطائفي التي يقودها قاسم سليماني، عدو الأمس وحليف اليوم.

وبشأن المسار السوري، كان واضحاً، منذ البداية، أن الولايات المتحدة الأميركية ليست في وارد السماح بإسقاط نظام الأسد، لكنها اليوم انتقلت من مرحلة حمايته إلى مرحلة التحالف معه، لرسم "سايكس بيكو" جديدة للمنطقة على دماء أهلها وأشلائهم. وفي المقابل، تعملُ على احتواء القوى السياسية السورية من جهة، وتستخدم روسيا في القضاء على القوى الثورية من جهة أخرى.

======================

مشكلة تتطلب حلاً عاجلاً .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 18-6-2016

ما أن رمت الولايات المتحدة بورقة الحرب ضد الإرهاب، بما أدخلته من قوىً جديدة إلى الساحة السورية، وخصوصاً منها "قوات حماية الشعب" التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي)، وما أن غزت روسيا سورية، وبدأت تتصرف كقوة احتلال من النمط الاستعماري القديم، حتى تبدّلت مفردات الصراع الدائر فيها، وتفاقمت تعقيداته، وتغيّرت معادلاته وتوجهاته بتغير طرق تعامل القوى الدولية والإقليمية معه، وما فرضته الحرب ضد الإرهاب من تقاربٍ بين هذه القوى، تنامى إلى أنه شرع يأخذ، في الأشهر الأخيرة، شكل تحالف إجرائي/ ميداني بينها وبين حزب الاتحاد الديمقراطي (البايادا)، تترجمه جيوشها على الأرض عبر قتالها المباشر ضد "داعش" ودعمها المتكامل ما تسمى "قوات سورية الديمقراطية"، تنفيذاً لقرار دولي غير معلن بالقضاء على التنظيم الإرهابي، بما يفتحه هذا القرار من أبواب خيارات تتخطى صراعات السلطة والمعارضة حول نمط النظام البديل إلى الصراع حول نمط الدولة السورية المنشود.

قبل الحرب الأميركية ضد الإرهاب والاحتلال الروسي لسورية، كان حل القضية السورية يعني تطبيق وثيقة جنيف والقرارات الدولية المنبثقة عنها، لإقامة نظام ديمقراطي يلبي مطالب الشعب السوري، لا محل فيه للأسد ونظامه، تتوقف بقيامه الحرب ويسود السلام. بعد إدخال واشنطن قوات "البايادا" بقوةٍ إلى الحرب، وقتال روسيا المكثف ضد الجيش الحر، لم تعد تسوية صراع المعارضة/ النظام كافيةً لتسوية المسألة السورية، ولم يعد حل "جنيف 1" والقرارات الدولية كافيا لإنهاء الصراع، لسببين:

 ضمور مطلب تغيير النظام في أولويات الدول الكبرى والإقليمية، وبروز توجه يتصل بإعادة النظر في بنية الدولة السورية وهويتها، وحدوث تبدّل موازٍ في مجريات الحرب، يؤسّس لمسارٍ يتجاوز قدرة الحل السياسي على تنظيم علاقات السلطة بالشعب، وإقامة البديل الديمقراطي، ويطرح السؤال حول ما إذا كانت الدولة الديمقراطية تلبي المطالب القومية لبعض مكونات الشعب السوري، علماً بأنها ليست موجهة إلى النظام، بل إلى الثورة وبديلها الديمقراطي الذي يخيّر بين قبول حكم ذاتي فيدرالي في الدولة الجديدة وتقويض قدرتها على حل مشكلات سورية، في حال حافظت على بنيتها المركزية.

 بالانتقال من صراعٍ يستهدف تغيير النظام إلى مشروعٍ يطاول بنية الدولة، تعجز القرارات الدولية حول الحل السوري عن مواجهة المشكلة الجديدة، لكونها صدرت لمعالجة مشكلة النظام، والحث على وحدة الدولة، المهدّدة جدياً ببروز قوة تريد نمطاً من العلاقات معها، مغايراً لما قام بعد الاستقلال بين مكونات المجتمع السوري وبينها. إذا كانت القرارات الدولية لا تصلح لتسوية هذه المشكلة، فهل نتوقع أن تصدر قراراتٌ جديدةٌ تنظم علاقاتٍ تلبي مطالب "البايادا" وبين الدولة المنشودة؟. أية علاقة ستربط هذه القرارات بوثيقة جنيف، وما نتج عنها من قرارات؟ وهل سيعقّد صدورها الوضع، أم سيسهل حل مشكلة النظام، بما هي مقدمة لا بد منها لحل مشكلة الدولة، وتلبية مطالب القوميات المختلفة؟

يبدو الحل الديمقراطي كأنه يبتعد بقدر ما يتداخل مع الحل القومي، أو يتوارى وراءه، فهل ابتعاده مؤقت، أم إنه سيضاف إلى تعقيدات واقعنا الكثيرة التي تبعث، منذ عامين ونيف، اليأس في نفوس من يتعاملون معه؟ وهل يحسن بنا انتظار تدخلاتٍ من خارج الشرعية الدولية تتيح للدول الأجنبية المتصارعة في بلادنا، التلاعب بالحل القومي، بعد أن تلاعبت، طوال نيفٍ وخمسة أعوام، بالحل الديمقراطي؟ ألا يجب علينا المبادرة إلى إجراء حوار وطني، يشارك فيه ممثلون عن جميع مكونات الشعب السوري، يحدّد هوية المطالب القومية وحدودها، ويجعل الحل الديمقراطي مدخلاً ملزماً إلى تحقيقها، على أن تنضوي فيه وتثريه، كي تجنب شعب سورية المنكوب نزاعاً جديداً، لن تكون تكلفته أقل دموية من تكلفة الحل الديمقراطي، خصوصاً إذا كان عصياً على التحقيق مثله، وغدا بدوره أداةً بيد قوى خارجية، تتصارع في الساحة السورية على مصالح لا علاقة لسورية بها؟

======================

بعد مظاهرة السوريين في باريس .. فايز سارة

الشرق الأوسط

السبت 18-6-2016

ربما كانت مظاهرة باريس الأخيرة (11/ 6/ 2016) إحدى أهم المظاهرات التي نُظّمت من أجل القضية السورية أو أحد تفرعاتها في العامين الأخيرين. فقد تمت في إحدى أهم العواصم العالمية، وشاركت فيها فعاليات سورية، لم تقتصر على المقيمين في باريس، إلى جانب فعاليات أوروبية، لا سيما من الفرنسيين، وقارب عدد المشاركين فيها نحو عشرة آلاف شخص، وهو رقم مهم في سجل أرقام المظاهرات الخاصة بسوريا، التي شهدتها باريس، إضافة إلى أن المظاهرة تمت بمبادرة من شخصيات وجماعات مدنية، وأيدت تنظيمها جماعات المعارضة السورية. وهذه بعض أهمية مظاهرة باريس.

ومما يزيد من أهمية المظاهرة، الموضوع الذي نُظمت من أجله، وهو المطالبة بالمعتقلين السوريين الموجودين بأكثريتهم في سجون ومعتقلات النظام وشبيحته، وآخرين منهم في سجون جماعات الإرهاب والتطرف من «داعش» إلى جبهة النصرة الموصوفة ب«فرع القاعدة في سوريا» إلى جماعات مسلحة محسوبة على المعارضة، ويقدر عدد المعتقلين السوريين بمئات الآلاف، وكثير منهم مختفون قسرًا، وباستثناء أن قضية المعتقلين هي قضية إنسانية، فإنها بالنسبة للسوريين قضية وطنية لأن قلة من العائلات السورية، لم يعتقل فرد منها في السنوات الست الماضية، مما يفرض العمل الجدي والتواصل من أجل إطلاق سراحهم حيث كانوا ولأي سبب كان.

مظاهرة باريس ورغم ضعف اهتمام الإعلام العربي والدولي بها، وبتغطيتها لأسباب متعددة، فإنها محطة مهمة في نشاط السوريين، وخصوصًا المقيمين منهم في بلدان اللجوء. إذ هي إثبات بأن القضية السورية حية، ليس في ضمير ووعي السوريين فقط، بل أيضًا في وعي وضمير الآخرين، ولا سيما الأوروبيين، خصوصا في ظل أمرين اثنين، أولهما تراجع ظاهر في الاهتمام الدولي بالقضية السورية، والتركيز أكثر على موضوع الإرهاب الذي وإن كان في خلفيات تطورات القضية السورية في جانب منه، فقد صار شغلاً شاغلاً للحكومات وللرأي العام، بحيث صار يغطي في تفاعلاته على القضايا الأساسية للسوريين، ولا سيما مطالبهم بالحرية والديمقراطية والعدالة والخلاص من نظام الديكتاتورية والإجرام المتسلط على السوريين، والنقطة الثانية، هي قضية اللاجئين السوريين، التي أحاطتها بعض القوى الأوروبية، لا سيما جماعات اليمين بكثير من الاعتراضات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لعل الأبرز فيها الاختلاف الثقافي والتطرف الإسلامي.

كما أن المظاهرة في أحد وجوهها، كالإنترنت، تعبير عن قدرة التجمعات السورية من جماعات ومنظمات وأفراد فاعلين على تحشيد وتنظيم أنفسهم ومحيطهم حول القضية السورية، وحول بعض الموضوعات المتصلة بها، والعمل على كسب تأييد الرأي العام في بلدان اللجوء، وتشكيل قوة ضغط على سياسات الحكومات من أجل اتخاذ مواقف أفضل حيال القضية السورية، الأمر الذي يتجاوز تصورات وتقديرات حاولت ترويج أن السوريين في بلدان اللجوء، وخصوصًا اللاجئين منهم، يركزون اهتمامهم فقط على الاستقرار هناك، والحصول على المساعدات الممكنة من أجل تحسين أوضاعهم وظروف معيشتهم. ورغم أن ذلك ليس أمرًا سيئًا، بل هو مطلوب، فإن التركيز عليه يُراد به الإيحاء وكأن السوريين هناك نسوا الأسباب التي قادتهم إلى ترك وطنهم والتشرد في العالم، وأهمها سياسات وممارسات نظام الأسد وحلفائه، التي كان جوهرها تطفيش السوريين عبر الاعتقال والقتل والتدمير وتضييق سبل الحياة في بلادهم. ولا شك أن ذلك سوف يعزز جهودهم من أجل مستقبل بلدهم وأهلهم، الذين ما زالوا يعانون من سياسات نظام الأسد وحلفائه، وخصوصًا إيران وروسيا والميليشيات الشيعية، التي تقاتل في سوريا.

وتفرض دلالات ما حدث في باريس، وما بذل فيه من جهد ونشاط، أن تبادر المعارضة السورية إلى تلقف تلك الروح، ودعمها ومساندتها لتطويرها وزيادة فاعليتها في خدمة القضية السورية ومستقبل السوريين، وليس الاستيلاء عليها وتدجينها وصولاً إلى تخريبها على نحو ما اعتدنا في تعامل الجماعات السياسية مع المبادرات، التي يطلقها ناشطون أو جماعات مدنية وأهلية في سياق الحراك العام سواء في سوريا أو خارجها.

إن دور المعارضة لما بعد مظاهرة باريس، يتعدى الوجود السوري في فرنسا إلى كل البلدان، وخصوصًا الأوروبية، التي توجد فيها جاليات سورية كبيرة، يبدأ من دراسة واقع تلك الجاليات وقدراتها، ثم مساعدتها على تنظيم شؤونها وإدارتها بطريقة تتوافق مع دورها الإيجابي حيث توجد، وتعميق علاقاتها بالقضية السورية والوطن الأم، ليس من أجل اللحظة الراهنة وما فيها من تحديات مصيرية فقط، بل من أجل المستقبل الذي يفرض أن يكون لهذه الجاليات دور في إعادة بناء سوريا الجديدة، التي سيبنيها السوريون بعد ذهاب نظام الأسد.

لقد أضاع السوريون فرصة الاستفادة من وجود جالياتهم لخدمة قضيتهم بعد الثورة، والأمل، إنهم لن يضيعوا فرصة ما بعد مظاهرة باريس، التي حملت معطيات يمكن البناء عليها الآن وفي المستقبل.

======================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com