العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 26-05-2019


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

 

كيف تحول الأمل إلى ألمٍ لا ينتهي

رضوان زيادة

سوريا تي في

الخميس 23/5/2019

كان الأمل بنجاح الثورة السورية كبيراً جداً لدى السوريين، فالرهان على التخلص من نظام الإبادة (Genocidal regime)، متمثلا بنظام الأسد كان حلما يراود السوريين، كانوا يدركون أن التكلفة عالية لكن لم يكن لأحد أن يبلغ به الحلم أن الأسد سيدمر سوريا كما وعد شبيحته حقاً (الأسد أو نحرق البلد) فقد اعتقدوا أن ذلك تعبيراً مجازياً تحتاجه البلاغة العربية في شعاراتها خاصة الأيديولوجية منها، بيد أن الأسد نفّذ استراتيجيته في تحويل سوريا إلى دولة فاشلة تماماً عبر دمار بناها التحتية بشكل كامل وعبر استراتيجيته في تدمير كل مدينة أو بلدة أو قرية تمردت على شهوته المرضية في حكم سوريا بالعنف والقوة والإكراه مدى الحياة.

لكن مفاجأة السوريين كانت أكبر من تخاذل المجتمع الدولي الذي يعتقدون صادقين أنه تواطأ مع الأسد لترك سوريا تتحلل رويداً رويداً ويوما بعد يوم حتى وصلت إلى ما هي عليه اليوم. وهو ما شجع روسيا لتتدخل لصالح الأسد وتستخدم قوتها العسكرية بأكملها من أجل تدمير كل مدينة رفت لواء الحرية ضد الأسد يوما ما.

يشير تقرير البنك الدولي إلى أن أكثر من 85 بالمئة من السوريين يعيشون تحت خط الفقر وهم يعتمدون كلياً على المساعدات الإنسانية التي تقدمها الأمم المتحدة أو الهيئات الخيرية الدولية

واصطفت الطوابير مجدداً من أجل الحصول على البنزين الذي فُقد تماما من محطات الوقود وشوهدت عربات الحيوانات التي تنقل الركاب بسبب فقدان مادة البنزين بشكل شبه تام، أما الحاجات الأساسية كمياه الشرب والكهرباء والمدارس وغيرها فتبقى معدومة نهائيا داخل المدن التي اصطفت يوما ما مع المعارضة وتعرضت لدمار شبه كامل في كل أبنيتها ومبانيها وبناها التحتية كداريا والمعضمية ومدن الريف الدمشقي وأحياء كاملة في حمص وحلب حيث لم يعد أياً من ساكنيها لغياب الأمان أولا وثانيا لانعدام الموارد كليا عن إعادة إعمار هذه المدن التي دمرها النظام السوري بمروحياته وطائراته وصواريخه وأكمل المهمة فيما بعد الطيران الروسي الذي حول مدنا كحلب ودوما وحرستا إلى مكب كبير للنفايات حيث الانعدام الكامل للقدرة على رفع الأنقاض بسبب كبر حجمها وانعدام الموارد الضرورية للقيام بذلك.

في نفس الوقت يبدو حلفاء النظام الرئيسيون، روسيا وإيران، غير مستعدين لمساعدة النظام السوري في الخروج من محنته، فهم يعرفون أولا أن التكلفة تفوق قدرتهم لا سيما أن الاقتصاد الإيراني اليوم يخضع لضغوط غير مسبوقة مع سياسة تصفير الصادرات الإيرانية التي أعلن عنها الرئيس الأميركي ترمب وهو ما انعكس في زيادة التضخم وارتفاع سعر الريال الإيراني مقارنة بالدولار إلى مستويات مسبوقة (وصل الدولار إلى 42 ألف ريال إيراني) وهو ما رافقه في ارتفاع الأسعار للمواد الأساسية كالغذاء والمحروقات، كل يذلك يؤكد أن إيران لن تكون في وارد مساعدة النظام السوري في محنته الاقتصادية اليوم التي لا يبدو أن هناك أفقاً للخروج منها فالعقوبات الاقتصادية الأميركية والأوروبية تزداد شهرا بعد شهر والخزينة السورية شبه خاوية تماما من اية أرصدة أجنبية بعد استنفاد كل الاحتياطي في تمويل الحرب ضد الشعب السوري خلال السنوات الماضية، وهو نفسه النظام الذي لا يعتبر نفسه أنه يخضع للمساءلة أو المحاسبة أمام السوريين بسبب هذه السياسات التي قادت سوريا إلى أن تكون دولة فاشلة كما هي اليوم بكل معنى الكلمة.

هذه سوريا اليوم، يبدو مستقبلها غامضاً جداً بعد أن كان الأمل أن تفتح لها الثورة السورية تاريخا مختلفا ومستقبلا يعكس إرادة السوريين ورغباتهم وآمالهم، لكن قرار الأسد في رفض التغيير الذي أراده السوريون قاد سوريا إلى مؤخرة دول العالم في كل المؤشرات والتقارير الدولية خاصة تلك المتعلقة بها بالأمن أو الصحة العامة أو النمو الاقتصادي أو التعليم، ولا تتفوق إلا في كونها الدولية الأكبر بعدد اللاجئين حول العالم حيث فاق عدد لاجئيها عدد اللاجئين الفلسطينيين بعد قيام دولة إسرائيل عام 1948.

كشفت الثورة السورية على مدى السنوات الثماني الماضية كيف تطورت الأمور في سوريا وكيف تحولت الثورة السورية من أمل كبير يفخر به السوريين إلى ألم لا ينتهي يعيشه السوريون كل يوم في داخل سوريا حيث فوضى الأمن وهاجس الخوف الذي استطاعت دولة المخابرات تعزيزه وحيث المعتقلون السوريين بالآلاف يموتون تحت التعذيب كل يوم دون أن يكون في قدرة أي شخص أو دولة أو منظمة على مساعدتهم، فنظام الإبادة حر في إبادة السوريين كما يشاء بالسلاح الكيماوي أو القصف بالمدافع والرشاشات الثقيلة أو الصواريخ طويلة المدى أو البراميل المتفجرة أو بالحصار حتى الموت من الجوع، كل ذلك وغيره من وسائل القتل التي سخرها الأسد اليوم لقتل السوريين وتصفيتهم، حيث لا رادع قانوني أو أخلاقي أو سياسي من أي نوع، يشعر بالطمأنينة كلما قتل أكثر وتخلص من معارضيه فرادى وجماعات، ولا يشعر أن جزءا من هذا العالم الذي تحكمه اليوم مفاهيم حقوق الإنسان العالمية ومعايير المحاسبة الدولية.

=========================

موقفنا: " لا يصلح الناس فوضى " حول فيديوهات أسرى جنود الأسد

زهير سالم

مركز الشرق العربي

23/ 5/ 2019

" لا يصلح الناس فوضى " كلمة من معين الحكمة للأفوه الأودي شاعر عربي قديم . ومن معين الحكمة أيضا قول العامة " درهمُ مال يحتاج إلى قنطار عقل " وأبني عليه فأقول " درهم علم يحتاج إلى عشرة قناطير من العقل " وأزيد فأقول " ودرهم نصر يحتاج إلى عشرين قنطارا من العقل " . وأي عاقل لا يفرح بالنصر أو بنصر مهما كان ، وربنا سبحانه وتعالى يقول ( وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء ) ؟!

وحيازة النصر في سياق من الألم له خصوصية من الفرح أكبر ، وهي فرصة للمنتصر العاقل الراشد لإظهار أخلاق المنتصر الجميل للتميز بينه وبين المتغلب الأشر القبيح . الأخلاق التي تميزه عن عدوه وضده تميزا فارقا فالقا فيظهر معدنه وجوهره وسموه ؛ كما فعل سيدنا رسول الله في كل مواطن انتصاراته . لا كما يفعل بعض الناس في عملية تفسير مبتسر لقوله تعالى ( فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ) الآية التي طالما جعل منها بعض الذين لا يعلمون جسرا للتلبس بأخلاق وسلوكيات عدوهم ؛ متغافلين عن المعنى الإنكاري في قوله تعالى ( إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ ).

وصلتني بالأمس أكثر من مقطع فيديو تصور بعض الأسرى من كبار ضباط بشار الأسد بين يدي جنود الثورة الأحرار الأبطال ..

وأول تعليق أقوله على هذه المقاطع هو أنه انتصار . انتصار نسأل الله أن يتمه ونسأل الله يزيدنا منه . وهو انتصار أيضا يجب أن نشكر العزائم والسواعد التي أنجزته وحققته. ونقول لكل من ساهم فيه بارك الله في هممكم . وشد أزركم . وسدد رميكم . وأدام عليكم نعمة توحدكم . ودفع عنكم مكر عدوكم .

وأعود إلى مقاطع الفيديو التي تم نشرها فأقول إن هذا المقاطع بحد ذاتها هي رسائل بشرى ، وتعبيرات عن أمل . هذه المقاطع  بكل ما فيها وبكل معانيها هي رسائل إلى القريب والبعيد ، وإلى العدو والصديق ، وإلى الداخل والخارج ، وإلى الذين معنا وإلى الذين ضدنا ، إلى حاضنة الأسير وإلى أسرته وإلى الذين هم في الموقف الاعتزالي بين بين . من سوريين وغير سوريين .

ومهما حاولت أن أشرح عن أهمية هذه الرسائل فلن أوفي الأمر حقه . ومهما حاولت أن أتحدث عن المرجعيات السامية التي يحب أن تستند عليها رسائلنا  من خلال هذه المقاطع ؛ من قرآن وسنة ومن سيرة سلف لنا صالحين ومن مواثيق إنسانية وعهود قانونية تربطنا بالإنسانية من حولنا ، وقد خذلنا الكثيرون فيها ، فلن أوفي الأمر في هذا المقام حقه ، ولن أحيط بأهميته وأهمية انعكاساته وتداعياته .

نحن من قوم نظل ندعو : اللهم أصلحنا ظاهرا وباطنا . ونظل ندعو : اللهم اجعل سرنا خيرا من علانيتنا واجعل علانيتنا صالحة . فما أدعو إليه ليس سلوكا باطنيا ، ولا موقفا تظاهريا ، ولا مشهدا ادعائيا منافقا أعوذ بالله من النفاق والشقاق ؛ وإنما أدعو إلى الجميل والتجمل بالبعد عن الفوضى والتلقائية والاسترسال في موطن مشهود مرصود ترقبه الأعين الناقدة والمتربصة ..

من حرصنا على أن يكون سلوكنا منضبطا بكل المرجعيات التي تحدثت عنها ، ومع تأكيدي الحاسم والمطلق على ألا يكون تعامل جنود بشار الأسد مع الرجل المسن في الفيديو الذي اشمأززنا منه جميعا مرجعا لنا ، أو أن يكون له أي انعكاس على سلوكنا أؤكد لكل من بيده الأمر من المعنيين بالقرار أن بث فيديو لخمس دقائق مع أسير هو عمل خطير . يجب أن يقدر حق قدره . ويجب أن يكون دائما تحت الإشراف الرشيد . ويجب أن يستشار فيه علماء وخبراء في الدين والسياسة والمواثيق الإنسانية والقانون الدولي وعلم النفس الجماعي والفردي ....

أقول ولا أحب أن أزيد ،  أقول بما قال الأول : لا يصلح الناس فوضى . والفيديوهات التي شاهدتها هي بنت الفرحة التلقائية . والفعل المعوم الذي حضره الانفعال أكثر مما حضره العقل والرشد . أسئلة كثيرة غابت ، ولغو كثير تردد . وما أجمل أن تحرج الأسير أمام أطفاله بأن تعرض عليه بهدوء صور الأطفال الذين قتلهم أو شارك في قتلهم ، وصور العمران الذي هدمه والأبرياء الذين هجرهم ؟!

ولا بد لكلمة الحق من حامل ...

والحق مر على النفوس . صعب على بعض العقول .

)فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (

____________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

ورطة تركية

مروان قبلان

العربي الجديد

الاربعاء 22/5/2019

يثير فشل تركيا في تحقيق أيّ من أهداف سياستها السورية خصوصاً، من بين قضايا أخرى عديدة، تساؤلاتٍ حقيقيةً عن كفاءة "الماكنة" السياسية التركية، وقدرتها على النهوض بأعباء (ومسؤوليات) القوة الإقليمية الكبرى التي تطمح إليها. وعلى الرغم من أنها الوحيدة من بين القوى الرئيسة التي تتصارع على الساحة السورية اليوم التي تملك حدوداً برية معها (نحو 900 كم تقريباً)، تجد تركيا نفسها الأقل قدرةً على حماية مصالحها، أو تحقيق أهدافها فيها. ففي حين تمكّنت كل من روسيا والولايات المتحدة، وحتى إيران، وجميعها تفصلها عن سورية الجغرافيا، ولا يربطها بها تاريخ، أن تحقق أكثر أهدافها أو بعضها، فشلت تركيا ليس فقط في تحويل سورية إلى سهم استراتيجي، كما كانت تطمح في بداية الأزمة، بل أيضاً في منع تحوّلها إلى منطلق لتهديد أمنها والإضرار بمصالحها.

منذ البداية، افتقدت تركيا استراتيجية واضحة للتعامل مع المسألة السورية، إذ غلب على مواقفها التردّد، وطغى عليها سوء الحسابات وفشل التقديرات. في بداية الأزمة، اعتمدت تركيا على موقف أميركي مساند، لكن الأميركيين خذلوها. ويذكر رئيس الوزراء ووزير الخارجية السابق، أحمد داود أوغلو، أنه توسّل إلى إدارة الرئيس أوباما تأجيل الطلب من الأسد التنحي 24 ساعة بانتظار نتائج زيارته (الأخيرة) إلى دمشق في أغسطس/ آب 2011، ليفاجأ بأن هذا كان سقف الموقف الأميركي الذي لم يتغيّر سنوات بعد ذلك.

في صيف 2014، فشل الأتراك في التعامل مع صعود تنظيم "داعش"، ومنعتهم حساباتهم "الضيقة" من لعب دور قيادي في التحالف الدولي الذي أنشأته الولايات المتحدة، ما جعل الأخيرة تعتمد على الأكراد في محاربة التنظيم، وأضاعت تركيا بذلك فرصة مهمة لتسخير الأجندة الأميركية في سورية، لخدمة مصالحها هناك. وعندما أدركت تركيا خطأها، وبدأت التعاون مع الأميركيين، جاء التدخل الروسي ليقطع الطريق عليها.

لم تفشل الاستخبارات التركية في توقع التدخل العسكري الروسي في سورية في سبتمبر/ أيلول 2015 فحسب، بل وقعت أيضاً بعدها في مصيدة الرئيس بوتين الذي استغلّ المحاولة الانقلابية في يوليو/ تموز 2016، لجرّ تركيا إلى عملية أستانة، مستعيناً بطُعم اسمه عملية درع الفرات، حيث وافقت روسيا على السماح لتركيا بالسيطرة على مثلث جرابلس - الباب - أعزاز، وفي المقابل، وافقت تركيا على اتفاقية خروج المعارضة من حلب في ديسمبر/ كانون الأول 2016، ولتكون هذه بداية نهايتها.

من خلال عملية أستانة، وما سميت مناطق خفض التصعيد، تمكّنت روسيا من تصفية مواقع المعارضة السورية، الواحد تلو الآخر، محوّلة إدلب إلى منطقة تجمعٍ أخيرة لكل مقاتليها، بإشراف تركيا، وتحت رعايتها. لكن إدلب نفسها التي ظن الأتراك أنهم عقدوا تفاهماً مع بوتين بشأنها أخذت تتحوّل أداة ضغط رئيسة على تركيا، وذلك أيضاً نتيجة خطأ حساباتها.

كرد فعل على الموقف الأميركي المساند للأكراد، وضعف الإدانة الأميركية للمحاولة الانقلابية الفاشلة، قرّرت تركيا أن تميل نحو روسيا، لكنها بالغت في ذلك، عندما اعتقدت أنها كلما اقتربت من موسكو اندفعت واشنطن نحوها أكثر، ووصل الأمر إلى حد إبرام صفقة لشراء منظومة صواريخ إس 400 الروسية التي ضربت لدى الأميركيين وتراً حسّاساً، فجاء رد فعلهم على شكل إجراءات اقتصادية، تمثلت في إنهاء المعاملة التفضيلية لتركيا في التعاملات التجارية، كما أوقفوا إجراءات تسليم طائرات إف 35 لها.

الرئيس الروسي الذي يعنيه تدهور العلاقات الأميركية – التركية، وصولاً إلى إخراج تركيا من حلف شمال الأطلسي، راح يستخدم إدلب أداة للضغط على تركيا، لمنعها من إلغاء أو حتى تأجيل صفقة صواريخ إس 400. وعليه، بدل أن تنجح في استخدام استراتيجية التأرجح بين العملاقين لانتزاع أكبر تنازلاتٍ ممكنة، حشرت تركيا نفسها بينهما، فلا عادت قادرةً على إلغاء صفقة الصواريخ خوفاً من أن ترفع روسيا بطاقة إدلب في وجهها، ولا عادت قادرةً على المضي فيها خوفاً من إجراءاتٍ أميركيةٍ إضافيةٍ، في ظروف هشاشةٍ يمرّ بها الاقتصاد التركي، علماً أن واشنطن تعرض عليها أيضاً تفاهماً شرق الفرات، إن هي ألغت صفقة الصواريخ الروسية، لكن هذا سيكلفها إدلب غرباً. كيف تخرج تركيا من هذه الورطة؟ سؤال يحاول "أساطين" الاستراتيجية الأتراك الإجابة عليه، من دون نتيجة واضحة.

==========================

إيران بعيونهم

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 20/5/2019

خلال الأيام المنصرمة، أشاح المحللون السياسيون والإستراتيجيون بنظرهم عن أحداث منطقتنا، وأضحى شغلهم الشاغل البحث عن توقيت الضربة الأميركية لإيران؛ وكيف ستكون، وماذا ستستهدف، وهل ستكون أذرع الأخطبوط الإيراني الهدف أم قلب إيران، وهل ترمب جِديٌ أم بهلوانيٌ، أهو مختلف عن الإدارات الأميركية السابقة؛ أهو مقتنع بأن إيران هي البقرة التي تحلب ذهباً كمصدر للابتزاز الأميركي للمنطقة؟  طبيعي أن يكون هذا هو هاجس منطقتنا الآن وليس فقط المحللين والإستراتيجيين؛ فعلى مدار أربعة عقود استطاعت إيران إلى جانب إسرائيل وبإشراف أميركي ضبط إيقاع هذه المنطقة تحت يافطة العداء العلني والتنسيق الخفي بينهم؛ ولكن أن يتحول العداء العلني المزيّف إلى واقع ظاهر وعلني، فهذا لم يحدث من قبل؛ فرائحة البارود تزكم الأنوف.

الملفت أكثر من أي أمر آخر هو حالة التخبط الإيرانية أكثر من أي وقت مضى؛ فرئيس لجنة الأمن القومي الإيراني يقول: "نتفاوض مع الأميركيين" والخامينائي يقول: "لا للتفاوض". فريق ثالث يقول: "نتفاوض بشروط". الغريب أن يخالف أحد رجال الخامينائي رأيه، وهم لا يرونه إلا إلهاً لهم. يعزّي بعض رجالات السلطة أنفسهم بالقول إن ما يحدث يوحّد الإيرانيين- قيادة وشعباً. ومعروف كم تكترث هذه القيادة بشعب إيران!  الأخطر من كل ذلك ما يراه بعض قادة إيران بأنهم يواجهون أزمة غير مسبوقة تشي بنهاية مشروع عمره أربعة عقود

أعاد ما يحدث من توتّر نبش حيثيات الاتفاق النووي. يرى بعضهم بأن الاتفاق النووي لم يحم إيران؛ وفريق آخر يعتبره حاجة أميركية-أوروبية... أيضاً ليعزي نفسه آملاً بأن تعود المياه وتمر في المجرى ذاته. في الاطمئنان أيضاً هناك من يرى التهويش الأميركي ليس إلا وسيلة لمزيد من ابتزاز دول الخليج من قبل "البزنس مان" ترمب؛ ويستدل هؤلاء على ذلك بأن ما تريده أميركا هو حماية أصدقائها. لكن الأطرف في الموضوع عندما يقطع البعض بعدم جدية "ترمب"، وبأنه لن يفعل شيئاً؛ والدليل الذي أوصله إلى هكذا استخلاص حسب قوله إن ترمب ينتقد ويقرّع الإعلام لتضخيمه المسألة، ويضيف عليها بأن ترمب شنّ هجوماً /تويترياً/ على "بولتن"- رئيس مكتب أمنه القومي- لتوريطه والمبالغة بالمسألة؛ وكأنهم بإيراد ذلك يزفون خبر انتصار للجمهورية الإسلامية على "الشيطان الأكبر" الجبان؛ فأميركا كما يرون "لا تريد الحرب؛ ولكن الذي يحرّض عليها ليس إلا طرفاً ثالثاً كُرهاً بإيران ودعماً لـ "صفقة القرن". ومن جانب آخر يعتبرون

حال إيران خلال العقود الأربعة التي خلت كحال ضفدع وجد نفسه في بركة ماء، فتصوّر نفسه بأنه يستطيع ابتلاع البركة بكاملها؛ فتمدد وترققت جبهاته

أن كل تلك "الهيصة" الترمبية- وحتى إلغاء الاتفاق النووي- ليس إلا رغبة جامحة لدى ترمب تحولت إلى مرض اسمه "أوباما" لا بد من إلغاء كل ما وقّعه أو عمله.

عندما يتغلّب هاجس الحرب على أفكارهم، يعودون للمزاودة والتذكير بصواريخ إيران وأذرعها القوية؛ وأنها مَن يحدد إيقاع المواجهة؛ ولكنهم في الوقت نفسه يحسبون حساب الرجعة، فيذكرون ما قاله "جون كيري" بإيران بأنها /عقلانية/؛ فيحتّمون وقتئذ بأنها لن تغلق مضيق هرمز.

حال إيران خلال العقود الأربعة التي خلت كحال ضفدع وجد نفسه في بركة ماء، فتصوّر نفسه بأنه يستطيع ابتلاع البركة بكاملها؛ فتمدد وترققت جبهاته؛ ومؤكد أن أميركا- صاحبة هذه البركة نفوذاَ- كانت بانتظار هذا التمدد الإيراني. كانت بداية نهاية طموح إيران التوسعي خنق مشروعها النووي، ثم تبع ترمب ذلك بركل ذلك المشروع جانباَ، عندما تنصّل من ذلك الاتفاق

إننا أمام الضفدع الفارسي الحاقد، والحوت الأميركي الذي يأكل ولا يشبع، وبعض المخاليق التي تراقب وتحف أكفها بحماس وبله

جاعلاً إياه حملاً ثقيلاً على كاهلها لا قوة بيدها؛ والثالثة تمثّلت بدزينة الشروط الأميركية التي حملها وزير خارجية ترمب؛ والحلقة الأخيرة في السلسلة قد تكون دموية؛ على الأقل على أذرع ذلك الضفدع الأخطبوطبة التي سيتم قصها أو لجمها أو هرسها. وهذا النوع من الأخطبوط يعيش ويتنفس عبر تلك الأذرع؛ فإن انتهت ينتهي.

 إننا أمام الضفدع الفارسي الحاقد، والحوت الأميركي الذي يأكل ولا يشبع، وبعض المخاليق التي تراقب وتحف أكفها بحماس وبله.  قد تكون اقتربت نهاية إمبراطورية الكذب. كثرة الرؤوس ممنوعة في منطقتنا. الرأس الأكبر يلعب بكل الرؤوس الصغرى التي لا تقل خطراَ وإجراما. ربما خلاص المنطقة بصدامهم الفعلي؛ وهذا لم يحدث بعد، ولكنه قد يكون أقرب مما نتصور. ها هم ملالي إيران يستشعرون الخطر الحقيقي؛ تجلى ذلك في وقت سابق بنكرانهم استفزاز إسرائيل بصواريخ أُطلقَت من الأرض السورية، ورميهم تلك الفعلة بعنق ذلك الذي يحمون في دمشق في تخلٍ علني عن كل "مقاومة أو ممانعة"، وعبر ترجي بعض الدول التدخل للحؤول دون ضربة أميركية إسرائيلية تنهي تلك الإمبراطورية الكذبة. الآن يتذرعون بـ "طرف ثالث" يرغب برؤية حرب أميركية على إيران. الآن وصلت سفن الموت- لا سفن النفط- إلى غرف النوم؛ ولهذا نسمع صراخ الكذب. لننتظر ونعتبر.

===========================

"كبينة" التلال الصغيرة التي قهرت روسيا وأربكت الأسد

حسن المختار

مدونة الجزيرة

الاثنين 20/5/2019

تلال كبينة، هي سلسلة تلال استراتيجية تسيطر عليها قوات المعارضة السوريَّة، وتقع ضمن جبل الأكراد في ريف اللاذقية الشمالي، وتطلُّ على منطقتي سهل الغاب في حماة، والروج وجسر الشغور في ريف إدلب الغربي، حيث يستميت نظام الأسد ومن خلفه روسيا للسيطرة على هذه التلال الهامة.

وقد عمد نظام الأسد ومن خلفه روسيا على إسقاط المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة من خلال تكتيكٍ عسكري أطلق عليه الثوار في سوريا مصطلح "دبيب النمل" وهي خطة عسكرية روسية تعتمد على التقدم البطيء على المنطقة المراد السيطرة عليها عبر قصفها بمئات الصواريخ، حتى يجبر من يتحصن فيها على مغادرتها من ثم تدخل قوات الأسد وروسيا البرية إليها، وبالتالي إضعاف روح المواجهة لدى الخصم، وقد نجحت في عشرات المناطق في حماة وإدلب والغوطة وصولًا إلى حمص ودرعا. كما حاولت روسيا اتباع هذه السياسية في معارك السيطرة على كبينة لكنها باءت بالفشل لعدة أسباب، أهمها طبيعة الأرض الجبلية، والتحصين الممتاز للمنطقة.

بداية الحملة العسكرية

بدأ نظام الأسد بداية شهر أيار الجاري حملة عسكرية ضخمة بدعم روسي واضح للسيطرة على عدة مواقع خاضعة للمعارضة في حماة واللاذقية، أهمها منطقة سهل الغاب في حماة وتلال كبينة في اللاذقية، حيث تستميت قوات المعارضة للدفاع عن آخر معاقلها في الشمال المحرر.

وقد نجحت قوات النظام في التقدم والسيطرة على مواقع هامة في حماة، بعد اتباعها سياسية الأرض المحروقة، وتكتيك دبيب النمل الروسي المشار إليه سابقًا، حيث مكَّنت هذه السياسية قوات النظام من التقدم والسيطرة على عدَّة قرى بسهل الغاب، أهمها قرى الحويز والشريعة وباب الطاقة، وذلك لما تحمله من أهمية رمزية بالنسبة للثوار في سوريا، حيث تعتبر قرية الحويز مسقط رأس حسان عبود قائد أحرار الشام سابقًا، والذي تم اغتياله ضمن ظروف غامضة قبل عدَّة سنوات من الآن.

الأهمية الإستراتيجية

تمتلك تلال كبينة أهمية إستراتيجية كبيرة بالنسبة للمعارضة والنظام على حدٍّ سواء، وذلك لموقعها الجغرافي المميز المطل على إدلب وحماة، كونها ترصد مناطق شاسعة من سهل الغاب في ريف حماة الغربي، حيث تدور معارك عنيفة بين المعارضة وقوات نظام الأسد الإرهابي.

وتقع تلال كبينة على سفوح جبل الأكراد في ريف اللاذقية الشمالي، وتعتبر من أهم النقاط العسكرية المتبقية تحت سيطرة فصائل المعارضة، وذلك بعد أن نجح نظام الأسد قبل عدَّة سنوات من الآن في السيطرة على معظم أجزاء جبلي الأكراد والتركمان في ريف اللاذقية الشمالي، الأمر الذي دفع فصائل المعارضة على تحصينها بشكل جيد.

سياسة الأرض المحروقة

منذ بدء الحملة العسكرية قبل نحو أسبوعين من الآن، عمد نظام الأسد على استهداف كبينة بمئات الصواريخ والغارات الجويَّة إضافة إلى مئات البراميل المتفجرة، وذلك ظنًّا منه أن هذه السياسية قد تفي بالغرض، كونها كانت ناجحة بشكلٍ كبير في معاركه السابقة في الغوطة الشرقية وحلب.

أما في كبينة، كان الوضع مختلفًا تمامًا، حيث أن طبيعة المنطقة الجبلية وخلوها من المنازل السكنية، كانت أهم نقاط القوة التي استغلتها فصائل المعارضة، ما دفعهم إلى تحصينها بشكلٍ جيد عبر حفر الخنادق والكهوف بعمق الصخور.

أسلحة فتاكة

استخدمت روسيا في حربها ضدَّ الشعب السوري عشرات الأنواع من الأسلحة الفتاكة، ذات القدرات التدميرية المرعبة، الأمر الذي أدى إلى تدمير مدن بأكملها مثل حلب وحمص وبلدات الغوطة الشرقية، حيث جعلت روسيا من سوريا ميدانًا لاستعراض قوتها العسكرية وأسلحتها الفتاكة.

آخرها كان إعلان الدفاع الروسية عن تجريب قنابل جديدة خارقة للتحصينات في سوريا من طراز كاب، حيث قال "إيغور كريلوف" مدير عام مصنع "ريغيون"، في تصريحات صحفية نقلتها وسائل إعلام روسية: إنهم صنعوا قنبلتين جديدتين من طراز كاب عيار 500 كيلوغرام و1500 كيلوغرام، منوهًا إلى أنها قنابل موجهة تلفزيونيًا أو ليزريًا أو بواسطة نظام "غلوناس" لتحديد المواقع عن طريق الأقمار الصناعية، وهي قادرة على اختراق 3 أمتار من الترسانة المسلحة أو 20 مترًا من التراب.

صمود وثبات

أظهرت فصائل المعارضة صمود أسطوري على الرغم من الكثافة النارية التي استخدمتها الطائرات الروسية في قصفها للمواقع التي يتحصنون داخلها، حيث استخدمت روسيا أقوى أسلحتها التدميرية من صواريخ فراغية وأخرى ارتجاجية خارقة للتحصينات دون جدوى، واليوم وبعد أكثر من أسبوعين من المعارك ما تزال روسيا عاجزة عن السيطرة على هذه التلال الصغيرة، مع العلم أن الفارق شاسع ولا يقارن بين أسلحة الثوار الخفيفة وقنابل روسيا التدميرية.

وقد بلغ عدد قتلى قوات النظام والميليشيات الموالية لروسيا بحسب فرق الإحصاء المحلية خلال الأيام القليلة الماضية أكثر من 70 عنصرًا بينهم ضباط إضافة إلى عشرات الجرحى، معظمهم من قوات النمر والفيلق الخامس المدعوم روسيًّا.

===========================

سيناريوهات لمعركة إدلب

حسين عبد العزيز

العربي الجديد

الاثنين 20/5/2019

لن تكون معركة إدلب في شمال سورية مفتوحة وواسعة من ناحية الجغرافيا العسكرية، ليس لأن في إدلب عديدا بشريا هائلا من المقاتلين المدرّبين جيدا، ويمتلكون أسلحة متوسطة وثقيلة، كما تروج شخصياتٌ في المعارضة العسكرية، لأسباب إعلامية، إذ لا معركة ناجحة من دون السيطرة على الجو. وقد أثبتت معارك كثيرة، بما فيها معارك ريف حماة الشمالي الجارية، كيف أن قوات النظام لم تلجأ في سيطرتها على المدن والبلدات إلى الالتحام العسكري المباشر، بقدر ما اعتمدت على كثافة النيران الجوية التي دفعت المعارضة إلى الانسحاب، وأجبرتها على اعتماد تكتيك الهجمات المباغتة خلف خطوط النظام، ثم الانسحاب سريعاً.

لن تكون معركة إدلب واسعةً لأسباب سياسية، لا عسكرية، فالوقت والأوضاع الاستراتيجية في الساحة السورية لا يسمحان بفك العلاقة بين موسكو وأنقرة، بسبب حاجة كل طرف للآخر، وتبدو روسيا بحاجة إلى تركيا أكثر من حاجة الأخيرة للأولى، سواء على صعيد ترتيب الشمال السوري، أو على صعيد ترتيب الأوراق السياسية التي تلعب فيها تركيا دور المايسترو. وهذا ما يفسر الصمت التركي خلال الأيام الأولى للمعركة، ويوحي بأن ثمّة تفاهما ضمنيا حول

"هناك سيناريو تفاهم روسي ـ تركي خلال أيام لوقف المعارك، مقابل احتفاظ النظام بالبلدات التي سيطر عليها" حدود المعركة وأهدافها، لكن كسر أنقرة صمتها، وتفعيل دبلوماسيتها تجاه موسكو أخيرا يوحي بأنها بدأت تستشعر مخاطر المعركة والأهداف البعيدة منها، بسبب حجم القصف الكبير، من جهة، والبرودة الروسية حيال التعاطي مع المطالب التركية، من جهة ثانية.

ولا يبدو، في هذا الصدد، أن مجموعة العمل المشتركة المعنية بملف إدلب، والتي توافق عليها الطرفان الروسي والتركي أخيرا، ذات أجندة مستعجلة، بقدر ما هي محاولةٌ روسيةٌ لتمرير الوقت، من أجل تحصيل مكتسباتٍ على الأرض، نتيجة صعوبة المرحلة الثانية من المعركة التي تتضمن السيطرة على بلدات مورك واللطامنة وكفرزيتا في ريف حماة الشمالي، وبلدة الكبانة الاستراتيجية في جبل الأكراد في ريف اللاذقية الشمالي الشرقي، وصولاً ربما إلى جسر الشغور.

وإذا كانت بلدة الكبانة تعتبر بوابة استراتيجية للدخول إلى مدينة جسر الشغور غربي إدلب، فإن مورك واللطامنة وكفرزيتا تعتبر بوابة استراتيجية أخرى للوصول إلى مدينة خان شيخون جنوبي إدلب.

وهنا، تظهر مخاوف تركيا، وما سرب عن رفع الأخيرة من مستوى خطابها التحذيري، وتوزيعها أسلحة متطوّرة لبعض فصائل المعارضة، لمنع النظام من الوصول إلى نقاط جغرافية، تعتبر تهديدا مباشرا لفصائل المعارضة والوجود التركي معا. وفي هذا الصدد، ثمّة ثلاثة سيناريوهات محتملة لمعركة إدلب:

أولاً، حصول تفاهم روسي ـ تركي خلال أيام لوقف المعارك، في مقابل احتفاظ النظام بالبلدات التي سيطر عليها، لكن هذا السيناريو بعيد جدا، لأن النظام لن يقبل الاكتفاء بهذه المناطق، بعدما أعطي له الضوء الأخضر بإطلاق معركة ينتظرها منذ زمن.

ثانيا، الاستمرار في المعارك للسيطرة على كامل ريف حماة الشمالي، خصوصا بلدات مورك واللطامنة وكفر زيتا، وتعتبر مدينة مورك الأكثر أهميةً، كونها قلعة المعارضة التي يصعب اقتحامها، وقد حاول النظام خلال السنوات الماضية اقتحامها مرّات عديدة، وفشل في ذلك. وتتطلب هذه العملية وقتا طويلا، بسبب الحضور القوي للفصائل، خصوصا هيئة تحرير الشام

"الاستمرار في المعارك للسيطرة على كامل ريف حماة الشمالي، خصوصا بلدات مورك واللطامنة وكفر زيتا" وجيش النصر وجيش العزة، وحجم التحصينات فيها.

ثالثا، عدم الاكتفاء بريفي حماة الشمالي واللاذقية الشمالي الشرقي، والانتقال إلى محافظة إدلب، للسيطرة على نقطتين متقدمتين: الأولى مدينة جسر الشغور غربي المحافظة، وهذا لا يتم إلا بحصول اختراق من قوات النظام، إما لبلدة الكبانة في جبل الأكراد في ريف اللاذقية الشمالي الشرقي، أو السيطرة على جبل شحشبو الاستراتيجي الحاكم الذي يقع في أقصى ريف حماة الشمالي الغربي ويطل على سهل الغاب. الثانية، مدينة خان شيخون جنوبي محافظة إدلب، وهذا يتطلب السيطرة على مورك واللطامنة وكفر زيتا، أو تركها واعتماد بلدة كفرنبودة قاعدة للانتقال إلى بلدة الهبيط في إدلب، وصولا إلى خان شيخون.

وليس معروفا حقيقة بعد مدى إمكانية نجاح هذه السيناريو، خصوصاً أن مدينتي جسر الشغور وخان شيخون تقعان ضمن المنطقة العازلة 15 ـ 20 كلم المتفق عليها في سوتشي. ولكن، في حال وصول قوات النظام إلى هذا العمق، فإن واقعا جديدا سينشأ في إدلب، وسيكون النظام على مرمى من الوصول إلى قلب المحافظة. وبطبيعة الحال، لن ترضى تركيا بذلك، إلا إذا كانت هناك مقايضة جغرافية، مثل تل رفعت ومحيطها.

وهناك سيناريو رابع، هو وصول النظام إلى منتصف المحافظة، للسيطرة على مدينة سراقب التي يمر منها الطريقان الدوليان، حلب ـ حماة و حلب ـ اللاذقية، لكن هذا الاحتمال بعيد جداً، فالأمر لا يتطلب السيطرة على سراقب لفتح الطريقين الدوليين، إذ إن دخول النظام إلى أطراف المحافظة أمر كاف لفرض وقائع جديدة، تؤدي، بالضرورة، إلى تنفيذ ما لم يتم تنفيذه من بنود اتفاق سوتشي.

بناء على ذلك، من المبكر الحديث عن أي من هذه السيناريوهات سيتحقق، سيما أن هناك تفاهمات سرية بين أنقرة وموسكو لا تعلن في وقتها، وإنما بعد أن يتم عرضها على أرض الواقع.

===========================

ملاحظات على "القصة الكاملة لإعلان دمشق".. تعقيبا على جورج صبرة

ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاثنين 20/5/2019

كتب الأستاذ جورج صبرة في "العربي الجديد" (6/4/2019) "القصة الكاملة" لإعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي، كي لا يكون هناك "تناول انتقائي استنسابي، لا يعطي الصورة البانورامية للحدث، ولا التفصيلية أيضاً، وتغطى الوقائع والمجريات كما هي، من دون مبالغة في دور، أو تظهير لفعل من دون أفعال الآخرين، أو إخراجه من سياقه". أما ما دفعه إلى الكتابة فهو "كونه أحد القلائل الذين واكبوا الحدث في جميع مراحله، وشاركوا في صناعته وإطلاقه". بعد هذه المقدمة، سرد الأستاذ وقائع "الحدث كما واكبه في جميع مراحله، وشارك في صناعته وإطلاقه"، عضوا في "لجنة تنسيق النشاطات للقوى السياسية والمدنية"، ثم كاتب نص إعلان دمشق.

بدايةً، هناك وقائع لم يأت الأستاذ على ذكرها في "قصته الكاملة"، لأن بعضها سبق تشكيل اللجنة التي يعتبرها "أول العوامل التي ساهمت في تنشيط الحوار وبناء الثقة، وتحقيق التوافق اللازم للوصول إلى التحالف الذي برز بولادة إعلان دمشق"، كما جاء في نصه. ولم يذكر وقائع واكبت عمل اللجنة التي تم تشكيلها بعد أكثر من عامٍ من نشاط "لجان إحياء المجتمع المدني"، ولم تعط صلاحية اتخاذ قراراتٍ في أي شأن سياسي يتخطّى التنفيذ الإجرائي لما تقرّر خارجها، ولم تكن بالتالي الجهة التي قادت الحراك الواسع والمتشعّب، أو نسقته، وهو الذي حفل بأنشطةٍ لم يذكرها الأستاذ، ولم يكن له أي دور فيها، منها "بيان الألف"، و"وثيقة التوافقات"، وما ترتب عليهما من حراكٍ سمي "ربيع دمشق"، وكذلك المحادثات بين "الهيئة التأسيسية للجان إحياء المجتمع المدني" وممثلين عن الأحزاب الكردية في وادي المشاريع في دمّر، نهاية عام 2000، والتي صدر عنها بيانٌ عبر عن توافق طرفي الحوار على اعتماد مبدأ المواطنة المتساوية لحل المسألة الكردية، والاستجابة لحقوقهم القومية في النظام الديمقراطي المنشود، ومثلها ما عرف بـ"خميس فلسطين"، والذي أقرّته اللجان دعما لانتفاضة فلسطين عامة، وردّا على حصار جنين خصوصا، وأخذ صورة اعتصاماتٍ تمت كل يوم خميس أمام مقر الأمم المتحدة في شارع أبو رمانة بدمشق، وأرفقت ببيانات أسبوعية ومذكرات سلمت إلى مندوبي المنظمة الدولية ومنظمة التحرير الفلسطينية في دمشق، شارك فيها، بعد حين بكثافة، شباب مخيم اليرموك الفلسطينيون، ومثلها زيارة ضريح يوسف العظمة التي 

اتصالات "اللجان" لم تكن مع جورج صبرة، بل مع رياض الترك وجمال الأتاسي، والرفيقين عبدالله هوشه ومازن عدي اقتصرت على اللجان، لأنها تمت بقرارٍ منها، وكلف معاذ حمور، بصفته عضوا فيها، بتنظيمها، فكان زوار الضريح ينطلقون من قرب مشفى المواساة، وحين يصلون إلى ميسلون، يضعون الورود عليه، قبل أن يقفوا دقيقة صمتٍ، ويلقي الراحلان الكبيران، حمدان حمدان وحسين العودات، كلمتين عن المناسبة، تتضمنان انتقادا صريحا للنظام. كما أن اللجان هي التي اتخذت قرار تنظيم مظاهرات ليلية في دمشق، بعد اقتحام إسرائيل الضفة الغربية، ورسمت خط سيرها اليومي من أمام قصر الضيافة، وصولا إلى ساحة مبنى المحافظة في الصالحية، ثم إلى باب توما وركن الدين، حيث يلقي أحد المشاركين فيها من الفلسطينيين أو اللجان أو ممن يتفق عليه مع مندوب التجمع الوطني الديمقراطي (السوري)، مازن عدي، خطابا تختتم به المظاهرة الليلية، علما أن هذه المظاهرات استمرت اثنتين وثلاثين ليلة، وبلغ عدد المشاركين في إحداها أكثر من عشرة آلاف متظاهر، كانوا يتوافدون إلى دمشق من مختلف أحيائها، ومن قرى الغوطتين وبلدتيهما، وحتى من حوران.

وكانت اللجنة غائبة عن حراك الكرد عام 2004، سواء عندما انفرد وفد من اللجان بالذهاب إلى القامشلي، على الرغم من تحذيرات وفد "التجمع" الذي ذكره جورج صبرة، وقال إنه قابل الأمين العام المساعد لحزب البعث، محمد سعيد بخيتان، لكنه لم يذهب إلى مكان الحدث، وعندما طالب كرد وادي المشاريع بقدوم وفد من اللجان إليهم، لمناقشة ما إذا كان عليهم إنهاء مظاهراتهم. كما لم تكن اللجنة بين حضور الحوارات التي تمت بين اللجان والإخوة الكرد الذين مثلهم أعضاء اللجان، فيصل يوسف ومشعل التمو وزرادشت محمد، طوال الثلث الأخير من عام 2001، ودعي التجمع الوطني الديمقراطي إليها، فشارك نيابة عنه حسن عبد العظيم الذي غاب عن ثلاث جلسات، تم في نهايتها التوافق على موقفٍ موحد من المسألة الكردية، باعتبارها فرعا رئيسا في المسألة الديمقراطية السورية، ستكون سورية القادمة ديمقراطية بقدر ما تبادر إلى حلها على أسس المساواة والقرار بالحقوق القومية.

أخيرا، ليست اللجنة هي التي قررت نهاية عام 2000 تشكيل المنتديات، ونشرها في سورية، ومن تولت التنسيق معها حول طبيعة أنشطتها وما يطرح فيها من مواضيع. ويتذكّر رياض سيف بالتأكيد أن أول من حاضر في منتداه كان الراحل الكبير أنطوان المقدسي، الذي ألقى 

أحزاب التجمع الوطني الديمقراطي تركت الحزب الشيوعي يخوض معركة حياة وموت مع النظام عام 1980 عقدين محاضرة عن "المجتمع المدني"، نسّقت مع اللجان التي لعبت دورا في تشكيل منتدى الأتاسي، وكانت من أطلق هذه التسمية عليه.

تستحق هذه الأحداث المهمة أن تُذكر في "قصة كاملة". وهذا لا يعني أن أحزاب "التجمع" كانت غائبة عن النشاط العام، فقد شاركت في تظاهرات مشتركة مع الكرد في دمشق، وما دأبت على القيام به من أنشطة حزبية تقاطعت أكثر فأكثر، منذ نهاية عام 2001 مع أنشطة لجان إحياء المجتمع المدني، أو تقاطعت أنشطة "اللجان" معها، لا فرق، على الرغم من تحفظاتٍ كانت لدى قيادة "التجمع" عامة ، ورياض الترك (أمين عام الحزب الشيوعي، المكتب السياسي) خصوصا، على مبدأ التوافق الذي أصدرت "اللجان" وثيقة حوله، باعتباره أسلوبا يجب اعتماده في العمل السياسي ضد نظام استبدادي/ شمولي، يستحيل تغيير علاقات القوى معه من دون توافق أطراف العمل العام على مشتركاتٍ يمليها برنامج حريات ديمقراطية جذري إلى أبعد الحدود. وقد أطلقت اللجان على مشروعها اسم "وثيقة التوافقات". وكان أمرا مفهوما أن يتخذ القائد الشيوعي البارز موقفا متحفظا من مبدأ التوافق، بما أنه مثل مدرسةً في العمل العام، رأت السياسة بمنظار الصراع الطبقي باعتباره قاطرة التاريخ.

وأرجو أن يعذرني الأستاذ جورج صبرة لأن ألفت نظره إلى أن اتصالات "اللجان" لم تكن معه، بل مع رياض الترك وجمال الأتاسي، والرفيقين عبد الله هوشه ومازن عدي، اللذين كنا على صلة معهما خلال فترات الملاحقات والسرّية. لم يكن الترك نصيرا لمبدأ التوافق، أي أن نعمل بالمشتركات ونُقصي الخلافات، من دون أن نتخلّى عن تقليصها، وتوسيع هوامش التفاهم على ما هو مختلف عليه. كما لم يكن نصيرا لمبدأ العلنية. ولذلك قابل الترك ظاهرة اللجان بتوجسٍ وشكٍّ كثيرين، وحاورني عشرات الساعات بشأن اللجان وما تطرحه، بما أن لقاءاتنا كانت مفتوحة ويومية في الملمات. وقد عبر الرفيق عن الخشية من أن تهمش حركة اللجان أحزاب المعارضة وتضعفها، فتنقضّ السلطة عليها عندئذ، وتقضي على المعارضة من النمطين، الحزبي والمدني. كانت هذه الخشية مفهومة، بالنظر إلى أن معظم الحراك الذي انطلق بعد ربيع دمشق لم يكن حزبياً، ولم ينطلق بمبادرة من "التجمع" الذي كان في حالٍ يُرثى له، على الرغم من تضحيات مناضليه، وبطولات من اعتقلوا منهم وأمضوا عشرات السنين وراء القضبان، وفي مقدمهم مناضلٌ رمز هو الرفيق رياض الترك.

إذا شئتَ، أستاذ جورج، أوردت لك ما تعرفه عن وضع التجمع الوطني الديمقراطي، ومن ذلك أن أحزابه تركت الحزب الشيوعي يخوض معركة حياة وموت مع النظام عام 1980، طوال عقدين، من دون أن تشارك أحزابه الأخرى في التضامن معه أو الدفاع عنه، بسبب هشاشة 

معظم الحراك الذي انطلق بعد ربيع دمشق لم يكن حزبياً، ولم ينطلق بمبادرة من "التجمع" الذي كان في حالٍ يُرثى له أوضاعها ووضعه. ولم تحظ انعكاسات هذا التحفظ على التوافق والعلنية على علاقات الحزب الشيوعي بلجان إحياء المجتمع المدني باهتمام الأستاذ جورج، الذي قدم صورة يفهم القارئ منها أن التفاهم كان تاما بين الأطراف الحزبية و"اللجان"، وأنه عبر عن نفسه في "اللجنة" التي يعزو لها ما لم تفعله، أقله لأن الأوزان الثقيلة المقرّرة من الطرفين لم تكن ممثلة فيها، ولأن مبدأ التوافق الذي يفترض مقال جورج صبرة أنه حكم مواقف الأحزاب لم يكن معتمدا في حينه، أو بعد ذلك، عام 2005، عندما قدّم الراحل حسين العودات وميشيل كيلو إلى اجتماع رسمي مع "التجمع" نص وثيقة "إعلان دمشق" الذي يرى الأستاذ جورج أنه انبثق من التطور الطبيعي لنضال المعارضة، على الرغم من حديثه بشيء من الاستخفاف عن "ورقةٍ" تحمل اسم "إعلان دمشق"، قدّمت إليه، ربما من رياض الترك، ولكن ليس بالتأكيد من "اللجان"، تخلو من التواقيع والتاريخ. كما لم يكن مبدأ التوافق معتمدا عام 2006، عند تشكيل هيئات "التجمع" الذي سيأتي الحديث عنه، أو بعد انطلاق الثورة.

بدايةً، لم يكن جورج صبرة في الاجتماع الذي قدّمت له "الورقة" التي تحمل اسم "إعلان دمشق"، وأملته فكرة التوافق، وأبلغ "التجمع" عندما قدمناها إليه، في اجتماع طلبت "اللجان" عقده في مقرّه في مكتب حسن عبد العظيم، أن الهدف منه هو إقرار أسس ومبادئ لا خلاف عليها بين أطياف العمل السياسي والمدني، تصلح للتوافق بين تنظيماتها من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، ولإقامة جبهة تضم جميع تشكيلات الطيفين، السياسي والمدني، لأول مرة بعد عام 1963، على أن تترجم في حواراتٍ لاحقة تشمل الجميع إلى مشتركاتٍ نضالية، برنامجية، لا خلاف عليها، كالموقف من النظام وبدائله، ونمط العلاقات المطلوبة بين أطراف المعارضة... إلخ، مع تجميد المسائل الخلافية إلى الفترة التالية لتوحيد عود المعارضة وتصليبه، وإقامة ميزان قوى جديد، يسمح بحوار حول مستقبل سورية، يلتزم بالمشتركات، مهما تباينت قراءاتها.

كانت هذه المبادئ في "الورقة" أربعة، صيغت في كلمات قليلة عبرت عّما لا يجوز أن يكون مختلفا عليه. وقد فاجأت الخطوة الجميع، سواء بإقرار لجان إحياء المجتمع المدني وجماعة الإخوان المسلمين، ممثلة بصدر الدين البيانوني وزهير سالم لها، أم بنصها المقتضب الذي طالبنا "التجمع" بعقد لقاءات حوارية تترجمه إلى خطوات عملية، خلا بطبيعة الحال منها، أو لاستكماله بما ليس فيه، وفاجأهم أخيرا باسمه (إعلان دمشق)، لأن الخطوة لم تُناقش من قبل 

هناك إعلان دمشق قبل الصياغة التي عرفنا، فيما بعد، أن من وضعها هو جورج صبرة بتكليف من رياض الترك معهم، أو تبدر عن أيٍّ منهم، لكنهم، والحق يقال، سعدوا بها وامتدحوها. كان هناك إذن إعلان دمشق قبل الصياغة التي عرفنا، فيما بعد، أن من وضعها هو جورج صبرة بتكليف من رياض الترك، وتضمنت تفاصيل تنتمي إلى القراءات، وليس إلى الأسس والمبادئ. ويمكن بالتالي أن تثير خلافاتٍ، أهمها الحديث عن الإسلام بصيغةٍ سياسية، لا لزوم لها ولم يطالب بها أحد، أدخلت الدين في السياسة والسياسة في الدين، من دون مسوّغ لذلك غير ترضية "الإخوان المسلمين" الذين وافقوا على "الورقة"، ووقعوها من دون أن يكون فيها كلمة واحدة عن الإسلام أو غيره من الأديان. يقول نص الأستاذ جورج إن الإسلام هو "دين الأكثرية وعقيدتها"، وهذا تحصيل حاصل، كالقول إن أغلبية السوريين عرب، لكنه تحصيل حاصل يثير، أو قد يثير، خلافات، لأنه ينتمي إلى القراءات التي يُفترض أن لا ترد في برنامج تغيير ديمقراطي، ينطلق من مسلّمةٍ ترى في العقيدة الدينية شأنا فرديا، لا يتعين النظام السياسي به، يفتح إيراده بالصيغة القطعية التي كتب بها باب الخلاف بشأن النظام البديل، علما أن البيانوني وسالم أبلغا الدكتور برهان غليون أن إيراده لم يتم باستشارتهما أو موافقتهما أو بطلب منهما، وإن كان جورج صبرة يعتقد أن موافقة "الإخوان المسلمين" عليه تكفي لنزع ما فيه من ألغام، فكأنهم المرجعية التي تكفي موافقتها لاعتبار النص صحيحا، أو لتجاهل ما قد يثيره وأثاره بالفعل من خلافات.

يذكر جورج صبرة أن ميشيل كيلو سأل عن مصير "الورقة"، فـ"أفدناه بأنها لا تلبي المطلوب، وليست مؤهلةً لتشكيل مشروع وطني جامع". من هم الذين أفادوني؟ إذا كان الأستاذ جورج يتحدّث عن نفسه بصيغة الجمع، فهذا حقه، لكنه ليس بالتأكيد من "أفادوني" بما نسبه لنفسه، لأنني لم أكن أنا أو لجان إحياء المجتمع المدني على تواصلٍ معه بشأن "إعلان دمشق"، ولم أعلم أنه كلف بكتابة ما كتب، أو أنه صار في حينه مندوب الحزب الشيوعي في التجمع الوطني الديمقراطي، بدلاً من مازن عدي. وبالمناسبة، لم أسأل مرة واحدة، بل سألت منسق "التجمع"، حسن عبد العظيم، مراتٍ كثيرة عن "مصير الورقة"، لأن وقتا طويلا مضى من دون دعوتنا لمناقشتها. وحين دعينا بعد أشهر إلى مكتب حسن عبد العظيم، فوجئنا بالورقة التي قدّمت إلينا، تبادلنا الرأي، حسين وأنا، وكان رأيه أن "الورقة" ليست ما نريده، ثم اتفقنا على إقرارها إن كانت ستحقق الهدف من "إعلان دمشق"، أي التوافق بين جميع مكونات المعارضة 

سألت منسق "التجمع، حسن عبدالعظيم، مراتٍ كثيرة عن "مصير الورقة"، لأن وقتاً طويلاً مضى من دون دعوتنا لمناقشتها السياسية والمدنية ضد النظام.

بعد مضي وقت غير قصير، يتفق مع وتيرة عمل "التجمع" البطيئة، دعينا إلى منزل حسن عبد العظيم، لمناقشة كيفيات تطبيق ورقة جورج صبرة، أو حزب الشعب الديمقراطي. وبعد أشهر من الجلسات الأسبوعية، قدمنا خلالها باسم اللجان تصورا تنفيذيا، حل محل ميشيل كيلو في الحوار حازم نهار، ثم انقطعت صلتي بالموضوع بسبب اعتقالي، ثم استعيدت، بعد اعتقال قسم من الفريق الذي عقد مؤتمرا في بيت رياض سيف لمأسسة الإعلان، فإذا بهم يخبروني بما حدث، وملخصه استبعاد حسن عبد العظيم، لأنه لم ينجح في الانتخابات. عندما علمت بذلك، كان تعليقي: قدمنا مشروعا لتوحيد المعارضة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، فاستخدم لتمزيق المعارضة إلى أبد الآبدين، بما في ذلك التي تنشط منذ عام 1979 في إطار التجمع الوطني الديمقراطي. لذلك تستطيعون قراءة الفاتحة على روح مشروعنا، واعتباره كأنه لم يكن. وإذا كانت الورقة الجديدة قد استخدمت لتفريق من كانوا قرابة ثلاثة عقود شركاء في إطار تنظيمي موحد، كيف يمكن اعتبارها "إعلان دمشق"، وأي طيف سياسي ومدني ستوحد، إن كانت قد قوّضت "التجمع". وأخبرني الزملاء يومها، ومنهم أحمد طعمه الخضر وعلي العبد الله، أن جورج صبرة لم يحضر المؤتمر.

عندما أعلن عن "إعلان دمشق"، بعد عودتنا من مراكش، وما كتبناه ونشرناه عنه باعتباره مشروعا، وبعد ما أثاره من اهتمام العالم به، وقيل، في حينه، إنه هو الذي لفت أنظار 

اليوم، يعتبر "إعلان دمشق" في حكم الميت سريريا، بسبب ضمور دوره في التمرّد الثوري "التجمع" إلى أهميته، وحفزه على تسريع انجازه، عرفت سورية ما يمكن اعتباره استمرارا لذلك الاهتمام الكاسح الذي حظي به بيان الألف وربيع دمشق، إلا أن الاهتمام خفت بعد المؤتمر، بسبب ما أعقبه من اتهامات متبادلة بين الجهتين الأساسيتين في التجمع الوطني الديمقراطي، والذي تقلص دوره هو أيضا بعد انفجار خلافاتٍ شخصية بين قطبيه الرئيسين، واتهام أحدهما الآخر بأنه زار إسرائيل، ورد الثاني باتهام غريمه بالعمالة للمخابرات. واليوم، يعتبر "إعلان دمشق" في حكم الميت سريريا، بسبب ضمور دوره في التمرّد الثوري، والذي كان يتطلب من يرتقي به إلى مستوى ثورة حقيقية ومنظمة، عبر برامج وخطط وقيادة ثورية، ولكن المعارضة، بجميع فصائلها، بما في ذلك المدني منها، فشلت في أداء هذه الوظيفة، بينما كان الإسلاميون يحذفون القطاع المدني والحديث من التمرّد الذي قدم برنامجه العظيم "الحرية للشعب السوري الواحد"، ويسلمونه إلى الفئات المذهبية والمحافظة، المعادية للحرية ولوحدة الشعب، وشدّت التمرد الشعبي الثوري إلى فخ الاقتتال الطائفي/ المذهبي الذي نصبه النظام له، وأدخل إليه قوى تنتمي إلى الثورة المضادة، تمثلت بقطاع من "أحرار الشام"، ثم بـ "جيش الإسلام" وعشرات التنظيمات المشرعة الأبواب على العسكرة والمذهبة، ووصلت إلى جبهة النصرة و"داعش".

لم يلاحظ جورج صبرة المصير الذي آل اليه إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي، واحتفي به وكأن نشاطه يملأ سورية ويلهم شعبها، بينما كان منتظرا من كاتب القصة أن يكتبها كاملة بحق، وأن لا يغيّب أدوار من صنعوا القسم الاكبر من الحراك السوري بعد عام 2000، ولا يُنهي حكايته بهذا النقص المخيف، والذي جعله حكاية لا أعرف من سيفيد منها، بدأت بعزو الحراك إلى "لجنة " تنفيذية لم تقرّر شيئا، وأنهاها بأنشودةٍ عن ماضٍ لم يوفق في المحافظة على وحدة من اجتمعوا منذ عام 1979، في التجمع الوطني الديمقراطي، ناهيك عن الالتزام بـ"ورقة" إعلان دمشق ومشروعها، والتي ترتبت عليها نتيجة وحيدة، شق المعارضة إلى زمنٍ لا يعرفه غير الله.

ملحق

عندما قامت المظاهرات منتصف مارس/ آذار عام 2011 اجتمع ستة مثقفين: حسين العودات، وحبيب عيسى، وحازم نهار، وعارف دليلة، ومازن عدي، وميشيل كيلو، وانضم إليهم في ما بعد فايز سارة، لتدارس فكرة إنشاء "هيئة مشتركة" تنسق أعمال "إعلان دمشق" و"التجمع الوطني الديمقراطي"، وتشكل قيادةٍ للحراك منهما، على أساس ورقةٍ سياسيةٍ كتبها حازم نهار، ثم كتب ورقتين إضافيتين، من دون أن يفلح المبادرون إلى توحيد الطرفين في

لم يعلم جورج صبرة بما جرى خلال الأشهر الستة التي اجتمع القوم من دون جدوى خلالها جمع قائديهما، رياض الترك وحسن عبد العظيم، ولو مرة واحدة طوال ستة أشهر. أخيرا، وبعد جهود ، وافق الطرفان، خلال اتصالات بالواسطة، على تشكيل الهيئة المرجوة من ستة أعضاء من التجمع الوطني الديمقراطي وستة من إعلان دمشق للتغيير الديمقراطي وسبعة من لجان إحياء المجتمع المدني، بالإضافة إلى رياض الترك والمحامي حسن عبد العظيم. في الاجتماع التالي، جاء من يبلغ المجتمعين في منزل طارق أبو الحسن في المزّة أن هناك رسالة من "الإعلان" إلى الاجتماع. وبالفعل، جاء سليمان الشمّر إلى الاجتماع، فسلم الرسالة وانصرف. تلك كانت نهاية المحاولة. وهذه الواقعة كان يجب أن تلفت أنظار الأستاذ جورج وهو يكتب "القصة الكاملة"، وأن يختتم نصه بها، بدل الأهزوجة الانتصارية التي أنهاه بها، غير أنه لم يفعل، ربما لأنه لم يعلم بما جرى خلال الأشهر الستة التي اجتمع القوم من دون جدوى خلالها، أو لأنها لا تتفق مع قراره اعتبار مؤتمر "إعلان دمشق" نقطة تحول مفصلية في تاريخ سورية، بدل الاعتراف بأن نتائجه لم تتفق ورهان "ورقة" الإعلان الأصلي، وأنها لم تقوّض قدرة المعارضة على توحيد جهودها وحسب، وإنما قوّضت قدرتها على مواكبة حدث تاريخي فريد، هو تمرّد الشعب الثوري الذي وحّد بعفوية المظلومين وفطرتهم قطاعات الشعب الكبرى، بينما لم يقبل قائدا "إعلان دمشق" و"التجمع" مجرد اللقاء، والتفاهم على ما هو مطلوب منهما من توافق ودور، في لحظةٍ مفصلية سيتوقف على مآلاتها مصير شعبنا ووطننا.

===========================

موقفنا : أي ارتباط بين التصعيد الروسي - الصفوي - الأسدي على ريفي حماة وإدلب وبين رمضان !؟

زهير سالم

مركز الشرق العربي

20/ 5 / 2019

وإن أردت أن أكتب عن حجم الحقد والعداوة والبغضاء في قلوب هؤلاء الأعداء على هذه الأمة وعقيدتها وشعائرها لكتبت مجلدات . ولكن ماذا ينفع أن نكتب ونشرح ونفصل ونحن جميعا محدودون من الفعل الرشيد والمبادرة المنجزة ..

ماذا ينفعنا البكاء والعويل وترداد الإدانات ونحن نرى عشرات الألوف من الأسر ، من النساء والأطفال ينتشرون تحت أشجار الزيتون على مدى عشرة أيام حيث لا مسعف ولا صريخ ...

لو كان في قلوب ثلاثي القتل الروسي - الصفوي - الأسدي مثقال ذرة من إنسانية ولن أتكلم عن إيمان ولا عن خير، ودخل علينا رمضان وحروبنا مشتعلة لقالوا لنجعل لشهر رمضان بعض الحرمة ، ولشعائر الإسلام بعض التوقير ..

ولكنهم حقدا وضغينة وبغضاء ربطوا تصعيدهم المجنون بكل ما يملكون من أدوات القتل بهلال رمضان ليكون عدوانهم الكالح على الشهر الفضيل نفسه كما هو على الحجر والشجر والإنسان ..

قال لهم ترامب : تقدموا في إدلب ولا تتوسعوا كثيرا ..وهاهم بالرخصة الترامبية يستمتعون ..

ثم قال بومبيو : لقد اتفقت مع بوتين على التقدم في الحل في سورية . وهذا التصعيد المجنون الذي نراه ونتابعه هو الحل الذي بشرنا به الديك الفصيح .

يا قومنا هذه والله هي المؤامرة الكونية الأمريكية - الروسية - الصفوية - الصهيونية . وما يزال يدس لي بعض الأصدقاء لا تمعنوا في استعداء أمريكا ..وهل نحن الذين استعدينا أمريكا أو روسيا أو إيران الصفوية أم هو الأكبر الذي تخفيه صدورهم بعد ما بدا من مواقفهم وعلى أطراف ألسنتهم من العداوة ما بدا لتبقى دائما أمام الحقيقة المتجسدة في قرآن يتلى ويتعبد به : " قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر "

ثم هل هذا الذي نعيشه ونحن نتفرج على أشلاء أهلينا أحياء وأمواتا هو العجز الذي استعاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم منه . وأعوذ بك من العجز والكسل ..

أليس هذا الذي قال في مثله أبو البقاء :

لمثل هذا يذوب القلب من كمد .. إن كان في القلب إسلام وإيمان

وأكاد أقول : إن كان في القلب إنسان وإحسان ..

لعبة إغلاق مجلس الأمن منذ عشر سنوات لمصلحة الغول الروسي الصفوي  ما كانت لتتم لولا إغماض العين من قبل الدول التي تتباكى على القانون الدولي وحقوق الإنسان..بل وحقوق الحيوان أيضا ..

لو كان شعب سورية قرية من النمل أو سربا من الجراد أو فصيلا من القطط الشاردة لتحرك أدعياء الإنسانية على نحو أفضل للجم المأساة ووقف المجزرة والأخذ على أيدي الظالمين .

بالأمس كان وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية يقول على منصة مجلس الأمن : أسلحة ذكية ومعقدة ومنها أسلحة جوية تستهدف المستشفيات في ريف إدلب ولكن لا نعرف من ورائها ..؟أ أرأيتم حجم الجريمة والمؤامرة ..

استخدام الكيماوي للمرة السابعة والسبعين في ريف اللاذقية ..ولكن من يريد أن يصدق؟! ، ومن يريد أن يحاسب ؟! ومن يريد أن يستنكر ؟! ومن يريد أن يدين ؟!

في ريفنا الشمالي منذ هلال الشهر الفضيل مجزرة حقيقية . هولكست حقيقي . حرب إبادة مدمرة . جرائم حرب متتابعة . ونحن نسمع النشيج والأنين ونرى الدماء ونشم رائحة التراب يدفن الأحياء ..

ثم لا نبكي مثل النساء ..

أواه لو أجدت المحزون أواه ..

كان الله في عون أهلنا في إدلب وريفها وقراها اللهم احفظهم بحفظك . وأرخ عليهم كنف لطفك . اللهم آمن روعاتهم واستر عوراتهم وتقبل شهداءهم وداو جرحاهم وأنزل لعنتك وسخطك وكل غضبك على المعتدين عليهم ....

اللهم الخلق خلقك والأرض أرضك . والشهر شهرك وليس لنا في هذا الكون نصير إياك ..

اللهم إنا مغلوبون فانتصر ..اللهم إنا مغلوبون فانتصر ..

اللهم أهلك الطغاة والجبارين والقتلة والمفسدين في الأرض

ولا حول ولا قوة إلا بك ..

_____________

*مدير مركز الشرق العربي

========================

لم تَسْخُن بين واشنطن وطهران إلا لتبترد؟

 صبحي حديدي

القدس العربي

الاحد 19/5/2019

يتصفح المرء القسم الدولي في موقع صحيفة “نيويورك تايمز” ليوم أمس، السبت 18/5/2019؛ فيجد خبر الصدارة مخصصاً للانتخابات في أستراليا، ثمّ مادة عن احتمالات الإرهاب داخل مجموعة “المهاجرون” في بريطانيا، وثالثة عن خيبة أمل الصينيين في أمريكا كطرف تجاري، ثمّ انهيار فنزويلا من وجهة نظر أهل الاقتصاد… الخبر الإيراني (أنّ أوروبا تُبلغ واشنطن ألا يُحسب حسابها في أية مواجهة أمريكية مع طهران)، يأتي في الترتيب السابع، وبعد تقرير عن صفقة السلام في كولومبيا، وآخر عن الاقتصاد التركي.

ذلك مؤشر جدير بأن يؤخذ بعين الاعتبار، حتى إذا أصرّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على زيف أخبار هذه الصحيفة؛ إذْ كانت، وتبقى في الواقع، حاضنة أبرز التسريبات وأبكرها حول التسخين العسكري الراهن في الخليج العربي، وأسباب انتقال البيت الأبيض إلى مستوى دراماتيكي في حشد الحاملات والفرقاطات والقاذفات الستراتيجية. فهل يعني تراجع أنباء التوتر العسكري بين واشنطن وطهران أنّ السخونة أخذت تبترد تدريجياً، لتبقى في حدود التراشق الكلامي والمناوشات اللفظية، خاصة من جانب ضباط “الحرس الثوري” الإيراني؟

إنه في كلّ حال لا يعني أنّ أيام التوتير، القصيرة نسبياً في الواقع، انقضت من دون أن تسدي خدمات ملموسة لأولئك الذين تقصدوا ضبط إيقاعها على هذا النحو، تحديداً ربما، وفي واشنطن أكثر بكثير من طهران عملياً. ففي المقام الأوّل، ليس مبالغة الافتراض بأنّ أمثال جون بولتون، مستشار الأمن القومي الأمريكي، خرجوا من الاختبار بحصيلة ملموسة حول الحدود القصوى لردود الأفعال الإيرانية، عسكرياً أوّلاً وفي مياه الخليج تحديداً، ثمّ ستراتيجياً على مستوى تصعيد التهديد بالإنابة (عن طريق الميليشيات التابعة) ضدّ القوات الأمريكية في العراق، وضدّ جيش الاحتلال الإسرائيلي في الجولان وجنوب لبنان. وكانت الحصيلة، ببساطة واختصار: جعجعة بلا طحن!

كذلك اختُبرت جيوب إيران المختلفة في المنطقة، وكيف يمكن أن تدخل على خطّ التوتير بين واشنطن وطهران، على نحو غير لفظي، هذه المرّة؛ وما إذا كانت قمينة بتولّي مواجهات عسكرية فعلية بالإنابة، تربك انتشار القطعات العسكرية الأمريكية في المنطقة من دون أن تستدعي تورطاً إيرانياً عسكرياً مباشراً. هنا أيضاً، اقتصر الاختبار على “تخريب” ناقلات النفط الراسية في الفجيرة، واستهداف بعض المنشآت النفطية السعودية بطائرات مسيّرة؛ وتلك حصيلة رمزية، رغم ما انطوت عليه من اختراقات أمنية غير مسبوقة.

وقد يكون الاختبار الأبرز لخيارات الإنابة هو ذاك الذي شهده العراق، ليس بوصفه سلّة النفوذ الإيراني الإقليمية الأولى في المنطقة، فحسب؛ بل كذلك لأنّ الميليشيات التابعة هناك تخضع لإدارة “الحرس الثوري” مباشرة، في نماذج كثيرة؛ ولأنّ بعضها، ثانياً، مندمج قانونياً في تركيب الجيش العراقي النظامي؛ ولأنّ الكثير منها لا يعمل على نطاق العراق وحده، ثالثاً، بل هو منتشر خارجه كذلك. ولقد اتضح، بأسرع مما كان يُظنّ في الواقع، أنّ الاجتماع السياسي العراقي غير مهيأ لفتح البلد ساحة اصطراع إيرانية ــ أمريكية، في ضوء إلى الاشتباك المعقد لتواجد البلدين على أرض العراق؛ وأنّ أحد أبرز عناصر ذلك الاجتماع كان موقف حوزات شيعية كبرى، شاءت النأي بنفسها عن التصعيد العسكري رغم بقائها في حال جلية من التعاطف مع طهران ومناوءة واشنطن.

ويبقى أنّ مبتدأ التسخين كان الحزمة الثانية من العقوبات الأمريكية ضدّ طهران، وأنّ أحد أهدافها غير المعلَنة كان استدراج القيادة الإيرانية إلى فخّ التراجع عن بعض بنود الاتفاق النووي، الأمر الذي يدقّ إسفيناً في علاقات طهران مع رعاة ذلك الاتفاق. من نافل القول، إذن، أنّ تراجع أخبار الاحتقان العسكري إلى مراتب خلفية ليس سوى علامة، بين أخرى مقبلة أغلب الظنّ، على أن جرعات الابتراد أو التبريد باتت سيدة اللعبة.

===========================

هل ما زالت إيران الإوزة التي تبيض ذهباً لأمريكا أم حان وقت ذبحها؟

  د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 18/5/2019

تمتلئ وسائل الإعلام العربية هذه الأيام بطوفان من التحليلات حول مستقبل إيران على ضوء التحشيد الأمريكي العسكري والإعلامي ضد طهران، ولعل أكثر اطروحتين تتصارعان بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي من محللين ومعلقين ومتابعين أن إيران ما زالت ذخراً استراتيجياً بالنسبة لأمريكا وإسرائيل ولا يمكن التضحية بها مطلقاً، فهي البعبع الذي تستغله أمريكا لتخويف دول الخليج وابتزازها سنوياً بصفقات أسلحة مليارية، بينما تجد إسرائيل في إيران أفضل بعبع مذهبي يدق الأسافين بين الشيعة والسنة ويحرف الأنظار عن الصراع العربي الإسرائيلي. لكن فئة أخرى من المحللين تجد أن إيران استنفدت مهمتها الأمريكية الإسرائيلية في المنطقة وحان وقت التضحية بها.

يقول فائز السعدون الدبلوماسي العراقي السابق: «من خلال خبرتي الشخصية جراء عملي في الملف الإيراني في وزارة الخارجية العراقية على مدى 10 سنوات، أقول بثقة كاملة إنه كلما علا صوت الإيرانيين مهدداً متوعداً الأمريكان والاسرائيليين والخليجيين فأعلموا أن قنوات الاتصال الخلفية تعمل بكامل طاقتها بين إيران وهذه الأطراف. ليس من باب الظرافة أو النكتة ان يخاطب ترامب قادة إيران داعياً إياهم للاتصال به وأنه لا ينوي إيذاء بلادهم. ترامب ومستشاروه يعلمون جيداً أن إدارة بوش الابن كانت أبلغت إيران بقرار الحرب على العراق قبل أن تُبلغ به أقرب حلفائها في الناتو أو الخليج. وبالمناسبة فإن جواد ظريف الإيراني والإسرائيليين هم أصحاب فكرة تفكيك الدولة العراقية وقواتها المسلحة والأمنية، ومقابل ذلك سمحت إيران للطيران الأمريكي باستخدام أجوائها خلال العدوان الأمريكي.

قد يتصاعد الموقف الى ما هو أكثر سخونة وقد تحصل احتكاكات عسكرية في مياه الخليج أو في أي من أرجاء المنطقة، ولكن من يعتقد أن الغرب، والولايات المتحدة بشكل خاص، قد يفرطون بإيران الطائفية المصدرة للفوضى في المنطقة فهو واهم ؛ يريد ترامب اتفاقاً نووياً جديداً وسيمنحه الإيرانيون ذلك، لأن السلاح النووي ليس من بين أهدافهم وسيكون عبئاً أكثر منه قوة، ويريد ترامب سياسة إقليمية لا تشكل تهديداً لحلفاء الولايات المتحدة وسيكون له ذلك، ويريد ترامب تأطير التسلّح الصاروخي وسيكون له ذلك ايضاً، كما سيتقاضى عن هذه المنجزات ما يشاء من الاتاوات من جيوب السعوديين وسواهم.

وستحصل إيران على اعتراف أمريكي بالوضع الراهن الذي فرضته منذ عام 2003 وحتى اليوم أنها هي اللاعب الرئيسي في العراق وفي سوريا ولكن بقدر ما يسمح به الروس وما يُرضي تركيا، وسيظل حزب الله صاحب الصوت المعطل في السياسة اللبنانية وسيعيد طلاء صواريخه لتبدو أزهى وأجمل في عروض عسكرية ستتم في المستقبل تحت أنظار حكومة لبنانية مشلولة، وسيدخل الحوثي تاريخ اليمن من أوسع أوابه طرفاً في تقرير مصير البلاد. وستظل الهتافات بموت أمريكا وإسرائيل تعلو في شوارع طهران وتكتب اللافتات بها لتعلو مقرات الحشد الشعبي في العراق وسوريا ولبنان واليمن، ومعه تزداد معدلات غباء الطغاة العرب ذيل الكلب الأمريكي لتزداد شرعية نظام الولي الفقي حامي حمى القدس والمقدسات

كلما علا صوت الإيرانيين مهدداً متوعداً الأمريكان والاسرائيليين والخليجيين فأعلموا أن قنوات الاتصال الخلفية تعمل بكامل طاقتها بين إيران وهذه الأطراف

في المقابل يرى باحث عراقي يزعم أنه على اطلاع وثيق على المشاريع الأمريكية أن الإسرائيليين والأمريكيين تركوا إيران تتمدد كي ينقضوا عليها لاحقاً. ويقول مهيب الريشان في هذا الخصوص: «في أول يوم من الاحتلال الأمريكي لبغداد عام 2003 بدأت أعمال السرقة والنهب للمصارف والمؤسسات الحكومية، وقد كانت عفوية يقوم بها الأفراد في البداية ولكنها سرعان ما تحولت إلى عمليات منظمة تقوم بها عصابات تم تشكيلها بأيام قليلة. أذكى عصابة كانت تلك التي تستخدم سيارات حديثة مسروقة ورجال مجهزين بأسلحة خفيفة وقنابل يدوية وقاذفات صواريخ لفتح الأبواب الخارجية للمصارف ويرتدي عناصرها أقنعة ضد الغازات والدخان….ولأن كل ذكي هناك من هو أذكى منه، جاءت عصابة أخرى أكثر ذكاءً ودهاءً منها إلى نفس المصرف ولكن بعدهم بدقائق قليلة وقد يكون الأمر مدبَّراً سلفاً، انتظرت العصابة الثانية لدقائق أخرى حتى تكمل العصابة الأولى سرقتها بالكامل ثم قامت بتصفية عناصرها بعد خروجهم من المصرف وأخذت جميع المسروقات منهم دون عناء أو تعب وبلا تفجير أو اختناق.

تذكرت هذه الحادثة وأنا أرى ما يحدث في المنطقة بين أمريكا وإيران. لا شك أن أمريكا سمحت لإيران بالخوض واللعب في المنطقة كيفما تشاء لتحقيق مآرب لا يعلمها إلا الله ثم القابعون في البيت الأبيض، فقد انتشرت ميليشياتها في العراق واليمن وسوريا ولبنان لتزعزع أمن المنطقة ولتهرع دول الخليج الغنية إلى أمريكا وإسرائيل للخلاص من ذلك، وتم السماح بل وغض الطرف عن تدخل إيران وميليشيا حزب الله في سوريا والذي كان ظاهره حماية المقدسات وباطنه التوسع الفارسي ولكنه في النهاية يصب بالمصلحة الأمريكية الإسرائيلية المتمثلة بمنع سقوط بشار الأسد الذي لا غنى عنه الآن ولا يوجد بديل له كي يحل محله في الوقت الحاضر في مقاتلة التنظيمات المتطرفة وغير المتطرفة ومنعها من الوصول إلى الحد الذي من الممكن أن تؤثر فيه على الأمن القومي الإسرائيلي».

ويضيف الريشان: «أما وقد أدَّت إيران وميليشياتها ما عليها من مهامٍ في المنطقة فقد وجب التخلص منها وجني ثمار ذلك والاستمتاع بتقاسم المكاسب التي حققتها إيران في الشرق الأوسط، فهناك مشروع إيراني في المنطقة ومشروع أمريكي إسرائيلي مضاد له ولكنه يستخدم المشروع الإيراني حتى يصل إلى المرحلة التي لا بد له من القضاء عليه لأنه في النهاية مضاد له، فوقت المسرحيات واستخدام العرب انتهى ولم يعد للعرب وزن في موازين القوى المتناحرة الآن وليس لهم موقع من الإعراب في المنطقة الآن إلا أن يقوموا بالمشاهدة والتصفيق ودفع الفواتير وما كان مطلوباً منهم تم إنجازه وأصبح الكلام بين الكبار الآن والوضع العربي الذي لا يمكن التنبؤ بمستقبله بات تحصيل حاصل بفضل هوان حكامهم..

سبق لأمريكا أن ضربت قرارات مجلس الأمن والفيتو الروسي وتوصيات الأمم المتحدة واعتراضات الاتحاد الأوروبي بعرض الحائط واحتلت العراق، فلنقِس على ذلك ومن هنا ستبدأ مرحلة جديدة في المنطقة تعيد رسم الخارطة السياسية والعسكرية وبناء تحالفات إقليمية تسير وفقاً لما جاء في «صفقة القرن».

بكل الأحوال الأيام كفيلة بإجلاء الحقائق. هل ما زالت إيران الإوزة التي تبيض ذهباً لأمريكا، أم إن الإوزة لم تعد قادرة على البيض ومن الأفضل ذبحها والاستمتاع بلحمها؟

===========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com