العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 26-04-2020


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

الحرب الحقيقية في سوريا بدأت الآن

منير الربيع

سوريا تي في

الخميس 23/4/2020

كل تداعيات الصراع السياسي والعسكري الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط، يرتبط بجملة استحقاقات كبرى، في السنوات المقبلة. في العام 2021 الانتخابات الرئاسية السورية. في العام 2023 تتحرر تركيا من التزامات اتفاقية فيينا، والتي تنتظرها أنقرة لإطلاق مشاريع كبيرة. في العام 2020 الانتخابات الرئاسية الأميركية، وما بينها، مشروع روسي وآخر صيني اسمه حزام وطريق. النزعة التي تلتقي عليها الدول تخلص إلى ضرب البنى الدولتية. أكثر ما يهم العرب في المرحلة المقبلة عنوانان، صفقة القرن، ومصير سوريا ومحاولة تحجيم النفوذ الإيراني فيها.

الانفتاح العربي على بشار الأسد، يرتبط بحسابات تتعلق بإعادة التنسيق مع الأسد على حساب نفوذ إيران. الرؤية العربية تشير إلى أن الأسد لا يمكنه أن يبقى بوضعيته الحالية. هذا سيفرض احتمالاً من ثلاثة، إما رحيل الأسد، أو تقسيم سوريا وفدرلتها، أو إخراج إيران منها، والذي سيكون الخيار الأصعب. واقعياً أصبحت سوريا اليوم في حالة تقسيم غير معلن.

المصير الذي ذهبت إليه سوريا من اندلاع الثورة إلى اليوم، جاء على لسان بشار الأسد في الأيام الأولى للثورة، كانت قناعة الأسد مع فريق من المحيطين به، بأن المعارضة لا يمكن لها أن تنتصر، وكذلك لا يمكن للنظام تكريس انتصاره. موقف الأسد كان مبنياً في أحد جوانبه على ما لدى النظام من شبكة أخطبوطية ترتبط بإسرائيل ومصالحها، وهو كان يعلم أن عصر "سوريا كدولة وطنية وموحدة" قد ذهب، ولا بد من التحضير لسوريا جديدة تقوم على معايير جديدة، اختصرها النظام يومها بما عرف بسوريا المفيدة.

عمل النظام على إثارة مشروع قديم في منطقة الشرق الأوسط ككل، يدغدغ رغبات ومصالح الغرب، وهو مشروع التقسيم، بتدمير البنى الوطنية للدول، وإرساء دويلات مذهبية وطائفية، وهذا جانب أساسي من اتساع نفوذ النظام السوري ودوره في لبنان وفلسطين إبان السبعينيات. قدّم هذا المشروع بخياره الأمني والعسكري ضد السوريين، أنتج الإرهاب ليذهب إلى محاربته ويدّعي أنه يلتقي مع رؤية المجتمع الدولي لمواجهة هذا الإرهاب.

كان النظام أكثر خبرة في قراءته للتطورات الخارجية وتبعاتها، وأخذ ينسج سياسته على هذا الأساس، متمسكاً بمبدأ الحفاظ على بقاء النظام ولو هشاً ومترهلاً وعلى مساحة ضيقة من الجغرافيا السورية.

في المقابل، أخطأت المعارضة السورية في قراءة ما أصر النظام على إعلانه، وتجاهلت دخول حزب الله بقوة على المسرح السوري، فلم تأخذ كل المواقف بجدية، وغرقت في فوضى استشعار نشوة النصر القريب، بلا أي قراءة سياسية موضوعية وواقعية لما يجري على الصعيدين الإقليمي والدولي كان النظام أكثر خبرة في قراءته للتطورات الخارجية وتبعاتها، وأخذ ينسج سياسته على هذا الأساس، متمسكاً بمبدأ الحفاظ على بقاء النظام ولو هشاً ومترهلاً وعلى مساحة ضيقة من الجغرافيا السورية.

كان الموقف الدولي أكثر ما أفاد النظام وضرب الثورة ومنطقها، كان واضحاً منذ البداية أن الرغبة بل المصالح الدولية، الأميركية، الأوروبية والإسرائيلية بالتحديد لا تريد سقوط النظام، وهي لم تعترف بالمعارضة إلا اعترافاً ديبلوماسياً، وعندما دخلت المعارضة السورية مع الأميركيين في مفاوضات لعلّها تقدّم الدعم لهم كمقدمة للاعتراف بهم، تم الاشتراط على المعارضة بتقديم مقترح لاتفاق سلام مع إسرائيل، ونظرية الأمن مقابل السلام. من البديهي معرفة أنه بمجرد تقديم هذا الطرح يعني أن لا رغبة ولا مصلحة بدعم المعارضة إنما بسحقها وإنهائها. طبعاً لم توافق المعارضة على أي من هذه الطروحات.

الصراع الحقيقي والخفي في سوريا، هو الصراع الإيراني الروسي. وهذا تجلى في كلام ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، بشار سيبقى، وعلى أميركا البقاء للحد من النفوذ الإيراني، وروسيا بيدها الحل والربط، وإذا تحوّل الأسد إلى دمية بيد إيران فهذا يعني أن المنطقة ستقبل على كارثة، وبالتالي فضّلت السعودية بقاء الأسد في الحضن الروسي، وهناك رهان على صراع نفوذ روسي إيراني في سوريا. الإيراني يقاتل بغيره، بينما الروسي استقدم جيوشه. وعملوا على استقطاب المزيد من الألوية العسكرية السورية إلى جانبهم كسهيل الحسن.

في أحد الجوانب الأساسية للصراع في سوريا وعليها، هو خطوط النفط. أميركا تسيطر على الخليج العربي، وبإمكان بوارجها بأي لحظة قطع خطّ خليج العرب

دخول الأتراك إلى عفرين وعين العرب ومنبج، يهدف إلى قطع خط النفط هذا، وهم يريدون له أن يمر عبر أراضيهم لكي يتم وصله مع خط الأنابيب التركي الواصل إلى أوروبا. نقاط الالتقاء بين الأتراك والإيرانين والروس في سوريا، يأتي بهدف تقاسم الحصص، بعد فقدان أملهم بأن تمنحهم واشنطن حصّتهم، وحفظ حقوقهم.

روسيا هي إحدى أكبر الدول المصدرة للغاز في العالم، وتريد تعزيز ذلك، وهذا يشير إلى لجوء الروس إلى البحر المتوسط وبناء قواعد عسكرية في حميميم. كان بإمكان الروس الذهاب إلى مناطق أهم من حميميم المكشوفة للمعارضة أو تركيا. لكن الهدف هو البحر المتوسط، والسيطرة على طريق الغاز، كي يكون لها حصّة في أي خط غاز سيصل إلى البحر المتوسط. كما أنها تكون سيطرت على العديد من منابع الغاز في البحر المتوسط، من سوريا، إلى حقول النفط في شمال لبنان، وجود الشركات الروسية في إسرائيل، والاتفاقات مع مصر.

الحرب الحقيقية السياسية فوق سوريا تبدأ الآن، لأنَّ كل طرف سيضغط أكثر ليأخذ الحصة الأكبر. كل هذه المصالح تفرض عدم انتصار الثورة، وبقاء النظام بشكل لا نظام، تتقاسمه دول وأفرعة نفوذ. وهي معادلة ستغيّر وجه المنطقة ككل، بإسقاط الدول الوطنية الموحدة، والذهاب إلى دويلات جغرافية وطائفية ومذهبية، من العراق إلى سوريا ولبنان، واليمن لن يكون بعيداً عن ذلك.

===========================

موقفنا : الصهيوني والأسدي وقواعد الاشتباك الجديدة .. من أقوالهم

زهير سالم

مركز الشرق العربي

23/ 4/ 2020

كتبت منذ خمسة أيام عن القصف الصهيوني لسيارة الجيب الحزبلاوية في جديدة يابوس السورية . استنكرت القصف ، وتوقفت عند قولة الناطق باسم الجيش الصهيوني إن الهجوم وقع بحسب " قواعد الاشتباك" ، وكانت كلمة مريبة ، وتسريبا خطيرا، يقتضي من السوريين جميعا وقفة وتأملا وتتبعا للخيوط ..

ثم بعد يومين من القصف المذكور تجدد القصف الصهيوني مرة أخرى على الأرض السورية ، ووقع القصف هذه المرة يوم الاثنين الماضي ، على الأرض السورية ، في منطقة تدمر شرق حمص ، شجبنا وسنظل نشجب ونستنكر وندين كلما تجرأ المحتل الصهيوني على عدوان جديد على أرضنا السورية. وسنظل نستنكر العدوان سواء وقع بالطائرات أو بالصواريخ أو بأي أداة من الأدوات ، وسنظل نشجب العدوان الصهيوني على الأرض السورية مهما كانت طبيعة الأهداف التي يستهدفها هذا العدوان..

سنظل نستنكر العدوان ونحمل بشار الأسد وزمرته مسئولية الشراكة فيه ، وتسهيله ، وغض البصر عنه ، والتقاعس عن التصدي له ، باعتبار بشار الأسد الجهة التي تضع اليد على مقدرات الدولة السورية ، وتملك مفاتيح القرار السوري الرسمي ، بحكم الأمر الواقع ، والمؤامرة الدولية المصرة على الاعتراف به ..

وخلال الأيام الخمسة الماضية ، ما بين العدوان على جديدة يابوس ثم العدوان على مدينة حمص بعد يومين ؛ ظهر من أمر العدوان ما يستحق المزيد من الشجب والاستنكار والتحذير ويستحق المزيد من الحذر والتنبه والتنبيه وكاتب هذه السطور مجرد سوري ينادي بعد العشي : يا قطان احترق قطنك . ولا يبالي ..

وإليكم

كشفت المصادر العسكرية الصهيونية عن بند جديد في صفقة التفاهمات ، قواعد الاشتباك الجديدة ، التي أومى إليها المتحدث العسكري يوم قصفت الصواريخ الصهيونية سيارة الجيب الحزبلاوية فقال : إن القصف وقع بمقتضى " قواعد الاشتباك" وزادونا هذه المرة من الشعر بيتا : فقالت مصادر عسكرية إسرائيلية تعليقا على قصف منطقة تدمر ، واقرأ وتمعن وتدبر " إن إسرائيل - في عدواناتها - لا تحاول أن توقع خسائر في الأرواح بين الإيرانيين وحزب الله . فقط تستهدف المعدات والممتلكات "!!

نتذكر أنه عندما قصفت سيارة الجيب الحزبلاوية ، التي كانت تحمل " هوامير من حزب الله " أطلقت في البداية طلقة تحذيرية على السيارة ، فهرب كل من فيها ، ثم جاء الصاروخ الثاني فدمر السيارة ، ولم يصب أحد من الركاب !! وكان ذاك قول الناطق العسكري يومها " إن القصف تم حسب قواعد الاشتباك " أما غير المطلعين على الخفايا ، فقالوا : إن الصاروخ الصهيوني الأول أخطأ الهدف ، ووقع أمام السيارة بخمسة عشر مترا !!

وفي ثنايا الخبر الذي تحدث عن القصف على تدمر ادعت وكالة سانا أن الدفاعات الجوية السورية ردت على الصواريخ الصهيونية فأسقطتها . وكذب هذا الخبر المتحدث العسكري الصهيوني حسب صحيفة " ايديعوت أحرنوت " وقال إن الدفاعات الجوية السورية لم تشغل بطارياتها إلا بعد قضت القوات الصهيونية وطرها ، وأشبعت إربها ، ونالت غايتها ، وقضت ومضت ؛ فكان تشغيل البطاريات الأسدية المتأخر عملا استعراضيا محضا ...

نقول ولعل هذا هو البند الثاني من بنود قواعد الاشتباك الجديدة ، ليس من حقهم " أسديون وإيرانيون وحزبلاويون ، أن يردوا على الصفعة " وبإمكانهم فقط أن يتحسسوا موضعها ..!!

ويتأكد هذا من متابعتنا لردة فعل " شيخ المكاومة والمعايعة " على استهداف سيارة تابعة له ، فيها نخبة من قادته ، بعدوان مباشر قالت فيه القوات الصهيونية : نحن قادرون ولكن لا نريد . قالت ذلك من خلال طلقة التحذير المذكورة ...فكيف رد شيخ المكاومة على هذه العملية ، يقول المعلق الصهيوني في " إيديعوت أحرنوت " إن الرد كان في إحداث أضرار في السياج الأمني ، الذي يفصل لبنان الذي يحتله حزب الله عن لبنان الذي تحتله ,,

تندرج التفاهمات الجديدة بين الكيان الصهيوني وبين الكيان الأسدي والمحتلين الإيراني والحزبلاوي ، وربما بإشراف روسي ...في إطار التفاهمات التي وقعها حافظ الأسد مع المحتل الصهيوني 1974 وبإشراف هنري كيسنجر ، والتي ما تزال صامدة كما عبر عنها رامي مخلوف حتى اليوم ، يستمتع الطرف الأول بكل ما وقع تحت يده من أرض الجولان ومياهه ، ويستمتع الطرف الثاني بالانفراد بحكم سورية ، ويوكل إليه أن يكون جزارها ، كما وصفه بالأمس وزير خارجية الولايات المتحدة بومبيو ، ولعلكم سمعتم الوصف ..

كما تندرج في إطار التفاهمات التي وقعها حسن نصر الله وحزبه مع الكيان الصهيوني بعد الحرب التجميلية في 2006 والتي تقضي بأن تلحق ولاية لبنان بدولة الولي الفقيه في طهران ، وأن يكون حسن نصر الله " قائممقام " عليها ، مقابل أن يقوم هذا القائممقام ومقاومته ، بدور جيش "أنطون لحد "الذي انتهت صلاحيته منذ ذلك اليوم . وأن تكون حراسة الحدود مهمته الحقيقية و الرئيسية .

ومما اقتضته تلك التفاهمات أن يكون الرد على أي عدوان صهيوني ، على المستوى الأسدي ، بتشغيل بطاريات الدفاع الجوي ، بعد انتهاء العدوان وانسحاب المعتدين . وعلى المستوى الحزبلاوي بإلحاق بعض الأضرار بالسياج الأمني الفاصل بين المعسكرين و ..

وتذكرت حكاية صاحب الطبنجة ...!!

تنص قواعد الاشتباك الجديدة التي أمضاها الشركاء الثلاثة مع العدو الصهيوني على :

أن يكون العدوان على الأرض السورية حقا مكتسبا للعدو الصهيوني بشرط ، والشرط مهم جدا ، بشرط أن لايتسبب القصف بخسائر بشرية في صفوف الإيرانيين والحزبلاويين ، ولو سألتني : وماذا عن السوريين ...؟؟؟ فسأقول لك لم يرد ذكر للسوريين في مضبطة العسكري الصهيوني ، فأمر هؤلاء جميعا مثل أمر الدجاجة المخلاة ..

ومقابل هذا الحق الذي مُنح للعدو الصهيوني ، يستمتع الإيراني والحزبلاوي بالانتشار والتحرك والتمركز على الأرض السورية ، وأن يفعل عليها كل ما يشاء ..

لا أستطيع أن أزعم أن هذا كل ما في قواعد الاشتباك الجديدة التي أمضاها بشار الأسد مع شركائه ، بل أستطيع أن أؤكد فقط أن هذا " ما ظهر منها " بل ما ظهر حتى الآن منها ، وهو أكثر من كحل وخاتم .. بل هو عورة ..

___________

*مدير مركز الشرق العربي

=============================

في معنى الحملة الروسية على بشار وحدودها

 بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 23/4/2020

تناقلت وسائل الإعلام، الأسبوع الماضي، أخباراً وتحليلات بشأن حملات روسية حادة النبرة على بشار الأسد «الضعيف» و«غير المسيطر» على الأوضاع في سوريا، حسب تقارير صحافية نشرتها وسائل إعلام روسية مقربة من مركز القرار في الكرملين. وركزت تلك التقارير على فساد النظام والحكومة ورئيسها عماد خميس، مقابل وصف رأس النظام بالضعف، والاقتصاد السوري بالحاجة إلى إعادة صياغة من قبل روسيا. «وكما هزمت روسيا الإرهاب في سوريا، عليها أن تهزم الفساد بالطريقة نفسها»! حسب محلل سياسي روسي استأنس أحد التقارير برأيه. وتأتي «درة تاج» هذه الحملة في «استطلاع رأي» مزعوم أجرته مؤسسة روسية بشأن «مستوى شعبية» بشار الأسد، جاءت نتيجته بما يعزز من «مصداقية» التقارير، فقد أيد ثلث المستطلع آراؤهم فقط بشار الأسد، في حين عبر ثلثاهم عن عدم رضاهم عن أداء رأس النظام، علماً بأن الاستطلاع شمل فقط البيئة المؤيدة للنظام.

لا يعني تشكيكي بالاستطلاع أن نتيجته المشار إليها بعيدة عن الواقع، بل يعني عدم ثقتي بالجهة التي أجرت الاستطلاع. فأمامنا نظام دكتاتوري فظ يقيّم نظاماً يشبهه، وإن كان ضعيفاً وتابعاً له. بوتين وأركان حكمه الذين طالما دافعوا عن نظام الأسد في المحافل الدولية، وحاولوا تبييض صفحته السوداء وتكذيب كل التقارير الأممية أو تلك الصادرة عن جهات مستقلة بشأن فظاعات النظام، كالمجازر الجماعية واستخدام السلاح الكيميائي أو البراميل المتفجرة واستهداف المدارس والمشافي والأسواق الشعبية المكتظة بالناس، إضافة إلى الفظاعات المرتكبة في السجون والمعتقلات، وتهجير نصف السكان… وطالما استخدموا حق النقض في مجلس الأمن لإجهاض أي مشروع أممي يدين ارتكاباته أو يسعى لتأمين المساعدات الأممية، يأتي يوم يوعزون فيه لوسائل الإعلام التابعة لهم بشن حملة حادة ضد تابعهم في دمشق. بل إن بوتين الذي وثقت منظمات حقوقية دولية استهداف طيرانه المنهجي للمستشفيات في مناطق خارج سيطرة نظام بشار، هو آخر من يحق له أو يملك مصداقية تؤهله لشن حملة على تابعه المجرم في دمشق.

إذن هناك ما هو جديد مما استدعى شن هذه الحملة التي لا يمكن ردها إلى «صحوة ضمير» غير موجود أصلاً لدى القيادة الروسية. وعلى رغم أن السنوات السابقة، منذ التدخل العسكري الروسي في 2015، لم تخل من وخزات نقدية لنظام بشار سواء على لسان بعض أركان حكومة بوتين أو الإعلام المقرب منه، فهي لا تقارن بالحملة الجديدة من حيث قوة النقد والاستهداف. يمكن الحديث عن دافعين متداخلين وراء هذه الحملة: فمن جهة أولى لا يملك الروس «راحة البال» التي يملكها نظام بشار الذي لم يتأثر بطول أمد الحرب ولا بحجم الخراب العمراني والخسائر البشرية والتفكك الاجتماعي والانهيار الاقتصادي والتبعية لدول أجنبية واحتلال أجزاء من الأراضي السورية من قبل دول عدة.

روسيا لا تملك ترف الاستمرار في الوحل السوري وضخ المزيد من الموارد في الحرب أو في اقتصاد غير قابل للإصلاح بوجود سلطة إرهابية قائمة على مبدأ النهب والسطو، في الوقت الذي يعاني فيه الاقتصاد الروسي نفسه من آثار انخفاض أسعار النفط في الأسواق العالمية مع انخفاض حاد في الطلب أيضاً

فلا شيء يمكن أن يؤثر على نظام لا هم لديه إلا البقاء في السلطة حتى لو كانت سلطة على خرابة، وحتى لو كانت سلطة تابعة لدول أجنبية، وبصرف النظر عن استمرار حالة الخراب والفوضى إلى ما لا نهاية. أما روسيا بوتين فلا تملك ترف الانتظار إلى ما لا نهاية، بل تريد تتويج تدخلها العسكري بإنجاز سياسي ينهي الصراع ويلحق الكيان السوري بالدولة الروسية ويستعيد ما استثمرته من موارد كبيرة في الحرب على شكل استتباع للاقتصاد السوري وابتلاع ما يمكن ابتلاعه من موارد اقتصادية سورية.

روسيا لا تملك ترف الاستمرار في الوحل السوري وضخ المزيد من الموارد في الحرب أو في اقتصاد غير قابل للإصلاح بوجود سلطة إرهابية قائمة على مبدأ النهب والسطو، في الوقت الذي يعاني فيه الاقتصاد الروسي نفسه من آثار انخفاض أسعار النفط في الأسواق العالمية مع انخفاض حاد في الطلب أيضاً بسبب تدابير مختلف الدول في مواجهة جائحة كورونا.

ومن جهة ثانية هناك التنافس المكتوم على التفرد بالخرابة السورية بين روسيا وإيران. إيران التي ترى أنها تزداد تهميشاً في القرارات الخاصة بالصراع السوري، على ما رأينا في اتفاق موسكو بين بوتين وأردوغان بشأن وقف العمليات العسكرية في منطقة خفض التصعيد الرابعة في محافظة إدلب وجوارها، تحاول عرقلة المساعي الروسية لتتويج تدخلها العسكري بحل سياسي، سواء بدعم بشار في محاولاته لعرقلة عمل «اللجنة الدستورية» أو بجعله لا يلتزم بوقف العمليات العسكرية في المنطقة موضوع الاتفاق الروسي ـ التركي. فقبل شهر زار وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو دمشق للضغط على الأسد لكي يلتزم بوقف النار في مناطق إدلب. أما اليوم، بعيد الحملة الإعلامية الروسية على نظام الأسد، فقد جاء وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف للقاء الأسد في بادرة دعم لـ»صموده» في مواجهة ضغوط حليفه الروسي.

ويمكن اعتبار التساهل الروسي مع تركيا في «منطقة خفض التصعيد» في إدلب وجهاً من وجوه الضغط على كل من إيران والنظام ليرضخا لمتطلبات القيادة الروسية للتحالف الداعم للأسد، فضلاً عن تشكيله رسالة استرضاء من موسكو لواشنطن التي لا تريد للصراع السوري أن ينتهي كما يشتهي بوتين. والمقصود بالتساهل الروسي هو مواصلة تركيا لحشد المزيد من القوات والآليات العسكرية وإقامة نقاط مراقبة جديدة، منذ توقيع الاتفاق الروسي التركي في 5 آذار الماضي. فخلال الأسابيع الستة المنقضية بعد الاتفاق المذكور، أقحم الجيش التركي 2700 جندي ليبلغ عددهم الإجمالي 10300، في حين بلغ عدد الآليات العسكرية، بما فيها الدبابات وناقلات الجند، التي تم إدخالها حلال الشهرين الماضيين، 6155. ومن جهة أخرى تواصل المدفعية التركية قصف قرى في مناطق حول تل رفعت ـ شمال حلب – تسيطر عليها الوحدات الكردية في إطار «قوات سوريا الديموقراطية».

ليس معروفاً الهدف، أو الأهداف، التي تسعى أنقرة إلى تحقيقها بزج المزيد من قواتها في إدلب أو ريف حلب الشمالي، وإن كانت موازنة قوات النظام والميليشيات الإيرانية هي النتيجة البديهية لهذا الحراك العسكري.

===========================

الاستبداد في مواجهة انقلاب «كورونا»

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الاربعاء 22/4/2020

لا شيء أخطر على الأنظمة الاستبدادية الشمولية الديكتاتورية كالمعلومة، يظن الاستبداد أن النجاح والاستمرار في السلطة مقرون فقط بكبت المعلومة وإماتتها، ومنع نشرها، هكذا اكتشف النظام الشمولي في تركمانستان علاج وباء «كورونا» الذي يفتك بالعالم كله، لا يفرّق بين عالم مستبد وغيره، لا فقير فيه ولا غني، ربما حال الفقير أفضل من غيره، كونه ليس لديه ما يخسره مقارنة بالغني أو الدول الغنية.

فنظام الأسد ليس لديه سوى بضع عشرات من الحالات الكورونية التي عولج منها أكثر مما أعلنه النظام نفسه، فكان بذلك مثاراً للسخرية والهزل، وتجلت المهزلة أكثر بطريقة تعقيم المدارس والمؤسسات الحكومية، بينما المعلومات الواردة من المدن السورية تتحدث عن كارثة حقيقية، بسبب الفيروس من الخارج إلى السوريين، في ظل عجز النظام عن إغلاق الحدود أو المطارات، فتلك خاضعة لسيادة الاحتلال تماماً كحال مناطقه الخاضعة لسيطرته، أما الصين فلا نعرف حتى اليوم كيف ظهر الفيروس فيها، فطاف أقاصي العالم شرقه وغربه، شماله وجنوبه، حتى نثق بقضائها عليه اليوم، فضلاً عن عثورها على العلاج، وهي التي أرغمت الطبيب الذي حذّر من «كوفيد - 19» على أن يموت فيه بعد أسابيع.

سيظل العالم مديناً للصين بتوضيح موقفها من تفشي المرض دون أن تثق حتى بما أبلغها إياه أطباؤها، فضلاً عن أن تبلغ العالم عن حقيقة التفشي والانتشار المسبق، كي يستعد العالم لهذه الجائحة الخطيرة، ويظل المريض الأول مجهولاً للعالم كله، وتصرّ الصين على عدم الكشف عنه، إذ إنه سيحلّ إشكالاً طبياً مهماً في كيف بدأ تفشي المرض، وسببه الحقيقي، أما روسيا فقد قاومت ومانعت لأسابيع، لتبدأ اليوم ترفع بورصة الإصابات فيها إلى الآلاف، بعد أن كانت ترفض وجودها، لتتحدث بعد أسابيع عن إصابات على اليد الواحدة، في حين كانت صور سيارات الإسعاف تقف في طابور طويل أمام المشافي.

رئيس تركمانستان غربان غولي بردي محمدوف صاحب البلد المغلق تماماً عن العالم، ولا نسمع أخباره ، تماماً كحال ديكتاتور كوريا الشمالية الذي نسمع أخبار بلده فقط من خلال ركوبه على خيله مع شقيقته، لكن ركوب الخيل هذا لعله يريح ويستريح!

محمدوف أعلن منذ اليوم الأول للكارثة، أنه لا حالة واحدة كورونية في تركمانستان، وأعلن أن علاجه يكمن في كبت المعلومة وحظر تداولها، وأوعز الرئيس إلى البوليس السري باعتقال كل من يتلفظ باسم «كورونا»، أما الحالات التي توفيت بسببه، فقد طلب من الأطباء عزوها إلى غير «كورونا»، ووصل الأمر إلى أن تسحب الحكومة من الأطباء جوالاتهم خلال فترة دوامهم بالمشافي، كي لا يصوّروا مشاهد مرضى «كورونا».

تدرك الأنظمة الشمولية الديكتاتورية أهمية احتكارها المعلومة، فانتشارها سيضعف شرعيتها الوحيدة واليتيمة المتبقية لها، وكسر الاحتكار يعني التشكيك بكل ما قالته وتقوله وستقوله، وبعدها فلا بدّ للشعوب أن تبحث عن مصدر معلومات آخر، سيكون بالتأكيد على حساب المصدر الحكومي الذي غدا كاذباً أو مشكوكاً فيه الأقل، يتبعه حكماً تشكّل رأي عام يكفر بكل ما سمعه ولقنه من قبل.

لا شيء أجمل من العلاقة الكريستالية بين الشعوب والحكومات، بأن تعيش الثانية في بيوت زجاجية، لا تتلفع بأكاذيب وأوهام، ولكن أنّى للمستبد المقطوع من شجرة الشعوب أن يجرؤ على ذلك، وهو يعلم علم اليقين أنه راحل بمجرد التفكير ببيوت من هذه، فالبيوت الفولاذية هي التي تليق به ويليق بها.

===========================

صور من دوائر السلطة في دمشق

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاربعاء 22/4/2020

ليس من باب المصادفة، أن يتزامن الهجوم الروسي على بشار الأسد ونظامه، بما فيه من فضائح، مع فضائح الصراع داخل بيت النظام.

الهجوم الروسي على الأسد، ليس الأول من نوعه، لكنه الأقوى من كل الهجمات السابقة، وهو الأكثر اتساعاً وشمولاً، وقد جاء بوقت واحد، وبصورة مشتركة، من جانب الإعلام الرسمي، والآخر المستقل، فنُشرت تقارير وأخبار، ركزت على صور الأسد وأقاربه وحكومته وارتكاباتهم في وقت واحد، وتناول أول تقارير «وكالة الأنباء الفيدرالية» الروسية، الحكومة السورية، مبيناً سياساتها، التي تركز على الاستيلاء على أموالهم، من أجل زيادة ثروات أركانها وسدنة النظام، وتضيف إلى ذلك ممارسة الكذب على جمهور السوريين الواقعين تحت سيطرتها، وعلى حلفائها الروس الذي يقدمون مساعدات للنظام من أجل التغلب على الظروف الصعبة، وتقوم بتبديد تلك المساعدات، في إطار عمليات فساد واسعة، تتضمن نقل الأموال المنهوبة للخارج؛ حيث يتم إيداعها البنوك الغربية، أو توضع في استثمارات، أغلبها عقارية، وانتهى التقرير إلى قول إن السكان «غير راضين عن إجراءات حكومة (عماد) خميس وارتفاع مستوى الفساد»، وإن بشار «يبدو زعيماً ضعيفاً، غير قادر على كبح الفساد، وتهيئة مناخ اقتصادي مناسب في سوريا».

وعرض التقرير الثاني مما نشرته الوكالة الروسية خلاصات استطلاع رأي، أجرته لعينة من 1400 سوري حول موقفهم من الأسد، قال 32 في المائة منهم إنهم يمكن أن يدعموا الأسد في انتخابات الرئاسة المقررة عام 2021. وفسر التقرير سبب الانخفاض في شعبية الأسد بين مؤيديه بأنه «الفساد والمشكلات الاقتصادية في البلاد»، إضافة إلى انخفاض مستوى معيشة، والبطالة وانقطاع التيار الكهربائي ونقص السلع الأساسية.

وانتقد التقرير الثالث سياسة النظام في تعامله مع الأنشطة والاستثمارات الروسية في سوريا، مؤكداً أن النظام لم يوفر «الشروط اللازمة للأعمال الروسية»، وقال إنها «دون المستوى المطلوب»، واتهم الحكومة بخلق عقبات، وتلفيق الحجج في وجه الاستثمارات الروسية الكبيرة، وقال التقرير إن الأسد غير قادر على التعامل مع الأوضاع القائمة، وإنه «يفتقر إلى الإرادة السياسية والتصميم على مواجهة نظام العائلات النافذة القائم» الذي تُشكل عائلتا الأسد ومخلوف نموذجين فيه، وأكد أن على روسيا أن تعيد بناء الاقتصاد السوري غير الصالح بسبب الفساد، وأن عليها «أن تهزم الفساد في سوريا بالطريقة التي هزمت بها الإرهاب».

وكما هو واضح، فإن التقارير الثلاثة، تضمنت هجوماً على رأس النظام وعائلته، وحكومته، ليس من بوابة الفساد فحسب، بل أيضاً لجهة عدم القدرة على الإصلاح، وفقدان ثقة الجمهور بهم، وقد تضمنت أخباراً نشرت بالتزامن مع نشر التقارير محتويات، لها نفس المعاني عن الفساد المستشري في السلطة السورية، وأشارت إلى قيام عائلتي مخلوف والأسد بنقل مليارات الدولارات إلى الخارج، وبعضها إلى روسيا، التي اشتروا فيها شققاً فاخرة، وخلصت إلى قول: «تعيش عائلة الأسد وأقرباؤه في رفاهية فاجرة، بينما الشعب السوري يعاني من الحاجة لأبسط مقومات الحياة، وإن عائلة الأسد خلقت الفوضى، وأشعلت الحرب بحجة محاربة (داعش)، لكن الأخيرة انتهت، ولم يحصل أمان ولا استقرار في البلد».

وجاء الفصل الحالي من الخلافات الطاحنة في الدائرة المحيطة بالأسد، ليضفي على ما نشره الإعلام الروسي مزيداً من المصداقية، خاصة ما نشر من تفاصيل حول شركة «تكامل»، التي أسسها ويديرها شخ مقرب من العائلة، وقد سربت أنباء عن تكليفها تولي بيع الخبز للسوريين عبر «البطاقة الذكية»، التي أصدرتها العام الماضي، وتم من خلالها توزيع المحروقات مقابل عائدات، تشكل ثروة هائلة من عائدات أكثر من 3 ملايين بطاقة.

فضيحة «شركة تكامل» الأخيرة، دفعت وزير التجارة السوري، عاطف النداف، إلى إعلان منع «تكامل» من التدخل بتوزيع الخبز عبر «البطاقة الذكية»، وقال عارفون في دمشق إن الفضيحة تسربت مع أشياء أخرى عن طريق آل مخلوف.

كما شُنّت هجمة صاعقة على اثنين من حيتان النفوذ والمال المقربين من بشار الأسد، كان أولهما رامي مخلوف، ابن خاله، والذي كان يوصف بأنه مشغل أموال عائلة الأسد، كما كان أبوه من قبل، والثاني اللواء ذو الهمة شاليش، ابن عمة بشار الأسد، ورئيس الأمن الرئاسي، وأحد رموز الفساد والعمليات القذرة، وتمت مصادرة بعض ممتلكات الأخير، فيما وُجهت ضربات عنيفة للأول بقصد تحجيمه، كان الأبرز فيها نزع سيطرته عن جمعية «البستان» الخيرية، التي تمثل إحدى أوسع واجهات نشاط مخلوف، وعن شركة الخليوي «سيرتيل» ومؤسسات أخرى، تدر مئات ملايين الدولارات سنوياً، وتم تسليمها إلى إدارات، ترتبط مباشرة بأسماء من الأقارب والمقربين.

لقد قوبلت الهجمات على شاليش ومخلوف والتابعين لهما من أصحاب الثروات بغضب مبطن بالصمت والمسايرة، ما شجع على التوجه إلى دائرة المال والنفوذ والفساد المحيطة باللواء ماهر الأسد، شقيق بشار القيادي في «الفرقة الرابعة» في «الحرس الجمهوري»، وكان أبرز تعبيرات هذا التطور أنباء عن اعتقال مسؤولين عن المكتب الاقتصادي، وبالصيغة الأوضح، المكتب المنوطة به مراكمة ثروات اللواء ماهر، عبر الاشتغال بأي شيء، بما فيه نهب الآثار والتجارة، وصولاً إلى تهريب المخدرات، على نحو ما كشفت عنه فضيحة باخرة المخدرات التي تم ضبطها في اليونان 2019. واعتبرت من أكبر عمليات تهريب المخدرات في العالم؛ حيث قدرت قيمة ما فيها بأكثر من نصف مليار يورو.

خلاصة الأمر، أن صور الأشخاص الأهم في نادي نخبة النظام الحاكم في سوريا مثال للتردي والسوء الذي قد لا يجد ما يماثله أو يشبهه في أي سلطة في العالم. وباستثناء ما درجوا عليه من ارتكاب جرائم القتل والاعتقال والتهجير لملايين السوريين وتدمير قدراتهم، فإنهم مثال للفشل والفساد والسرقة ومراكمة الثروات غير المشروعة، وتهريب الأموال، وكلها حقائق لا يقولها السوريون الذين يعرفون أكثر عن خراب وفساد الحاضرين في سدة السلطة، بل يقولها حلفاء النظام من الروس الذين يعرفون حقائق ما يجري علناً وفي كواليس السلطة، والأهم مما سبق، ما تقدمه تلك الشخصيات من إثباتات في ممارساتها، التي باتت مفضوحة في عالم، يصعب إخفاء الجرائم، وتخفي المجرمين فيه.

===========================

لماذا نتناول روسيا وإيران؟

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 20/4/2020

يتساءل سوريون لماذا يتم انتقاد روسيا وإيران على الدوام، وتناولهما كقوتي احتلال؛ وبالمقابل، إغفال أو تناسي إجرام الولايات المتحدة، أو ممارسات دول أخرى في سوريا؟ وهنا أقول: لا يختلف اثنان على أن أميركا ايضاً ليست الدولة التي ترنو اليها الأنظار لتحقيق العدالة الكونية؛ ولا يمكن لأحد أن ينسى ممارسات أميركا الإجرامية في كل من فيتنام والعراق وأفغانستان، ودعمها المفرط لمحتل أرضنا.

 في سياق المقارنه بين الفواحش الروسية، وممارسات أميركا اللإنسانية، يكفي التمعّن في معيار واحد فقط، لنرى فارقاً تصعُب موازنته بين الجانبين؛ يتمثل بموقف الشعبين تجاه ما تفعله قيادتهما. ليس كل الشعب الأميركي راضياً عما فعلته أو تفعله الإدارة الأميركية في البلدان المذكورة آنفاً، حيث كفل القانون الأميركي للمواطن الأميركي حق التعبير عن نفسه، والاعتراض على سياسة حكومته من خلال التظاهر أو عبر المؤسسات الإعلامية الجبارة؛ والتي تمنع، بل تحاسب إداراتها على الاستمرار بممارسة الخطأ؛ أو بأسوأ الأحوال، فإن الإدارة الأميركية- وبقوة القانون- مجبرة على تبيان حقيقة الموقف في البلدان المغزيّة. وفي كثير من الحالات كان لموقف المواطن الأميركي أثراً كبيراً في تعديل سلوك القوة العسكرية الأميركية وسياسة بلاده الخارجية؛ فهل يتمتع الشعب الروسي بهذا الحق، أو "رفاهية" الاعتراض، ولو المقونن ؟ وهل تتمتع غالبية الشعب الروسي بحق الاعتراض "المؤدب" على أوامر بوتين التي يغلفها عادة بلبوس ديمقراطي واهي لا ينطلي على أحد؟

هل يمتلك الشعب الروسي مثلاً رفاهية طرح سؤال عن قانونية استمرار بوتين بالحكم لمدة عشرين سنة سابقاً، أو الاستفسار عن قانونية "تصفير" عداد سنوات حكمه لتصبح مدى الحياة عبر ترويضه مجلس "الدوما" ليصبح طوع بنانه من خلال “yes-men”/رجال مطواعين/ اشترى ذممهم تاركاً لهم حرية كسر القانون في تجارتهم وتكديسهم لأموال الربا؟

هل يمتلك الشعب الروسي الحق بالسؤال عن أرصدة بوتين في بنوك الغرب، والتي ذكرها أوباما همساً لبوتين في إحدى لقاءاتهما المشؤومة؟ وهل يمتلك المواطن الروسي العادي حق التساؤل المشروع عن مقتل معارضي نظام بوتين سواء خارج البلاد، ( مثل سيرجي سكريبال في بريطانيا) أو على الجسر المجاور للكرملين، (مثل اغتيال المعارض نيمستوف) حيث الجريمة تُسجَّل ضد مجهول، رغم أن تلك المنطقة مراقبة مثل مراقبة "صوص" في صندوق زجاجي؟

هل يمتلك الشعب الروسي مثلاً رفاهية طرح سؤال عن قانونية استمرار بوتين بالحكم لمدة عشرين سنة سابقاً؟

هل تجرّأ روسي على سؤال حكومته عن عدد "الفيتوهات" التي استخدمتها لحماية نظامٍ قتل شعبه وشرده واستخدم السلاح الكيماوي ضده؟ يكفي منظومة بوتين نفاقاً قولها باستمرار بأنها في سوريا "للحفاظ على الدولة السورية". فهل الحفاظ على الدولة يكون بالاشتراك بقتل شعبها، وباستغلال خيراتها عبر عقود لسنوات، ومن خلال السيطرة على مواردها؟! تكفي السوريين مشاهدة الاستنفار الروسي تجاه نتائج التحقيق باستخدام السلاح الكيماوي في سوريا. لا بد أن الأبواق الإعلامية الروسية قد عكست الموقف الذي اتخذته الخارجية الروسية في تكذيب اللجنة ونسف مصداقيتها حفاظاً على من ارتكب الجريمة بحق السوريين. ولا بد في الوقت ذاته أن يدرك ذاك المتلقي الروسي أن الدفاع  عن الجريمة، مشاركة بها. كل ذلك حتماً سينعكس على سمعة شعب روسي ذنبه الوقوع في براثن هكذا دكتاتورية.  كيف يمكن للسوري أن يُغفِلَ أو ينسى تفاخر المحتل الروسي، وبكل وقاحة استخدام أكثر من مئتي صنف من الأسلحة على بلده وأهله!! فهل تجرأ روسي على طرح مسألة كهذه علناً؟!

شتان بين استخدام الشعب الأميركي لحقه في التعبير عن ذاته كمهماز يعدل ويحاسب سقطات الإدارة الأميركية (كما حصل في فضيحة "ووتر غيت (watergate)، وتسليط إعلامه الضوء على فضيحة "الكونترا" التي كادت تودي برئاسة "ريغن"، وبين الشعب الروسي الذي عانى الأمرين سواء قبل الثورة الحمراء أو بعدها؟

 صحيح أن الخطاب السائد في سوريا لعقود مديدة يصوّر العلاقة بين العرب والروس على أنها أفضل منها مع أميركا- بحكم تبني الأخيرة لإسرائيل التي تحتل فلسطين وتشرد أهلها، ولاحقاً احتلت أراضيَ عربية أخرى- وأن هناك زيجات عربية-روسية تقارب الربع مليون- وأن روسيا ما غزتنا يوماً؛ إلا أن البعض ينسى أن الاتحاد السوفييتي كان سباقاً للاعتراف باسرائيل قبل أميركا؛ وأن إدارة بوتين اليوم تعتبر أمن إسرائيل أولوية، وأن تلك العلاقة الطيبة لم تكن مع الشعب، بل مع دكتاتوريات تشبهها تماماً.

وإذا كان بعض إعلام بوتين  ينتقد بشار الأسد اليوم، وأن السوريين لن ينتخبوه، إذا بقي التدهور الاقتصادي والفشل كما هو؛ فإنه فضلاً عن اتهامه من قبل البعض بالإعلام الصهيوني، فقد يكون ذلك لعصر الأسد أكثر، وجعله يقدم المزيد من التنازلات، أو يمهد لانتخابات 2020، التي يعرف الروس أنه ليس هناك من منافس للأسد في ظل مخابراته وحماية الروس والإيرانيين والإسرائيليين له، وفي ظل غياب أية بيئة آمنة، وتبعثر السوريين، ومرشحيهم المسخرة.

 يكفي السوري تحديداً أن يستمع على الدوام لتلك العبارة السحرية الكاذبة الأشهر من المسؤولين الروس عندما يقولون:"لسنا متمسكين بالأسد" ؛ ويكفيهم أنه عندما يسألهم السوري: كيف تبدلون علاقة روسيا بشعب قوامه 23 مليون، بعلاقة مع طغمة تقتل هذا الشعب؛ ولن تتمكنوا من حمايتها للأبد؟! هنا يخرسون أو يتفصحنون ببهلوانية ووقاحة؛ ويتجاهلون أن السوري يعرف بأن وحدها هذه الطغمة التي تؤمَّن مصالحهم وتبيع كل شيء لتبقى، وهذا الشعب لا يبيع ولا يخون؟!

 لكل  هذا يتم انتقاد الروس والهجوم عليهم. والآن مع تيقّن الجميع أن هذه المنظومة الاستبدادية الأسدية غير قابلة للحياة، ولا يمكن إعادة تكريرها أو تأهيلها؛ أليس من واجب الروس- ولو مرة واحدة- أن ينطقوا بالحق، ويلتفتوا إلى مصلحة شعب يستحق الحياة والحرية؛ علّهم يكفرون عما ارتكبوا بحق السوريين. لا يكره السوريون أحدا، ولكن لا ولن يقبلوا الظلم.

===========================

خلاف بوتين والأسد واقتصاد الفساد

سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاثنين 20/4/2020

يعوّل سوريون في الحديث عن نهاية قريبة لحكم بشار الأسد على بوادر خلاف بين الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، ورئيس ما يمكن تسميتها اليوم المحمية الروسية (سورية)، معتبرين أن من علامات انتهاء صلاحيته الرئاسية هو نقد بعض الإعلام الروسي مظاهر الفساد في منظومة العمل الاقتصادي السوري، بذريعة أن هذا النقد لا بد أنه يمثل وجهة نظر رسمية روسية، بحكم إعلام روسيا المسيطر عليه. وعلى ذلك، بدت مرحلة ما بعد الأسد للقرّاء قاب قوسين أو أدنى، بعد انتهاء العالم من مشكلته الوبائية كورونا (كوفيد – 19).

صحيحٌ أن الاقتصاد ممسوكٌ من منظومة الحكم في سورية، وهو جزءٌ أساسي في المنظومة الأمنية قبل انطلاق الثورة عام 2011، ويقع ضمنها وليس إلى جانبها، بحيث تكون بشكل هرمي يقبع الرئيس على تلتها، مستفيدا أول يوزع ما يريد على الشركاء والأتباع، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة أن هذه المنظومات التي تتشكل منها سلطة الأسد تتوافق في ما بينها، أو أنها تعمل وفق تفاهمات الشركاء المتحالفين، لأن القاعدة في الحكم كانت ولا تزال تأخذ مبدأ "فرّق تسد"، وكانت وسيلةً لإبقاء يد الرئيس فوق كل يد، وهي بمثابة لعبة جاسوسية رخيصة التكاليف.

كان الاقتصاد السوري، بعد عام 2000، يحتاج ثورة هادئة في منظومته القانونية، ليس لغاية إصلاحه، ولكن لإحكام الهيمنة عليه خلال فترة مهمة، سمّيت مرحلة الاستثمار الخارجي أو 

"القاعدة في حكم الأسد كانت ولا تزال وفق مبدأ "فرّق تسد"، وكانت وسيلةً لإبقاء يد الرئيس فوق كل يد"قانون الاستثمار رقم 10 وتعديلاته، وروّجها وجود بشار الأسد في سدّة الحكم والآمال التي انعقدت بسبب معايشته التجربة الأوروبية خلال دراسته في لندن. لكن ما حدث لاحقاً هو تمكين قانوني لهيمنة عائلة الأسد وأتباعهم على أهم قطاعات الاستثمار في سورية (الاتصالات ولاحقاً العقارات)، ممثلة بابن خاله رامي مخلوف واجهة واضحة أو بشركاته القابضة، سواء التي يدخل فيها شريكا إجباريا واضحا، أو يترك الشهرة في غيرها لأسماء أخرى.

يمكن القول إن واقع الهيمنة على الاقتصاد بقي على حاله بعد الثورة فترة قصيرة، إلا أن خروج شخصياتٍ اقتصاديةٍ كبيرة، من السوريين السنة تحديدا، بعد الثورة إلى مصر والإمارات ولبنان، وتخليها كلياً أو جزئياً عن الشراكة مع مخلوف، غيّر في خريطة أسماء الاقتصاديين، ما أفرز أسماء جديدة "اخترع" معظمها رامي مخلوف، وحولها إلى أسماء تواجه أسماء يحميها رؤساء الأجهزة الأمنية، ليصبح مخلوف في مواجهة أسماء بتبعيات أمنية كبيرة، ولاحقاً دولية (إيران وروسيا) للحفاظ على مكتسباته، ومخلوف عملياً يمثل قوة فاعلة اقتصادية وعشائرية ومجتمعية في محيطه، وله شركاء صوريون كثيرون، وهذا ما لا يستطيع تجاهله بشار الأسد الذي ألقى، بداية الثورة، اللوم على رامي مخلوف، واتهمه بأنه السبب في ثورة السوريين ضده (وهنا كانت نقطة التحول في الخلاف الاقتصادي العائلي)، ما جعل مخلوف يرد عليه في مؤتمر صحافي في 6 يونيو/ حزيران2011، ويعلن تحويل مشاريعه ليستفيد منها ذوو الدخل المحدود، ويتبرّع بالأرباح للجمعيات الخيرية، ثم لم يحدث شيء من هذا.

من هنا بدأت مساحة المحيطين بشقيق الرئيس (ماهر الأسد) تتوسع، من أمثال محمد حمشو 

"خروج شخصياتٍ اقتصاديةٍ كبيرة، من السنة تحديدا، بعد الثورة، وتخليها كلياً أو جزئياً عن الشراكة مع مخلوف، غيّر في خريطة أسماء الاقتصاديين"وسامر الفوز، يضاف إليهم أولاد بشير القاطرجي الذين انشقّوا عن رئيس الأمن الرئاسي اللواء ذي الهمّة شاليش، وأسسوا لشراكة مع روسيا، وغيرهم من الأسماء الجديدة في الشارع السوري، ومنهم من عاد بعد فراق سورية سنوات، كحال نادر قلعي الذي انشق عن مخلوف، ليعود بحماية بشار الأسد مباشرة، إضافة إلى شخصياتٍ جاءت من العدم الاقتصادي، روّجها النظام واجهة للعمل، سواء داخل البلاد أو خارجها، وأحياناً تحت غطاء "المعارضة" لبعض الوقت، ثم استدارت اليوم لترجع إليه، ولتدخل عائلة أسماء الأسد - الأخرس في المنافسة أيضاً على حصتها من فساد الواقع الذي يستهدف لقمة عيش السوريين.

وجدير بالذكر أن الحكومة التنفيذية، من وزراء ومديرين ورؤساء غرف، تمثل أيضاً صورة من تقاسم البلد بين قوى محلية أمنية، لا تتبع جميعها لمشاريع رأس النظام، بل تعمل وفق مصالح الجهات التي أفرزتها، ما يجعل فسادها خارج المحاسبة الداخلية إلى أن تسقط عنها الحماية. وعادة في سورية يحدث ذلك، بعد كشف محاولة تغيير الولاء من جهة إلى أخرى، حتى عندما تكون هذه الجهة من شقيق الرئيس إلى الرئيس، أو من جهة أمنية إلى أخرى، وهو ما شهدته سورية قبل الثورة بصور مختلفة، من إقالة إلى إعدام أو انتحار (مشبوه)، أو حتى نفي خارج البلد.

وللتذكير، التغيير المدرج ضمن تحديث الوجوه للحكومة السورية المتعاقبة كان يتم وفق آلية تدوير الوجوه، وليس شطبها أو إحالتها إلى التقاعد البيتي، كما حدث عند إقالة رئيس وزراء سورية، محمد مصطفى ميرو (2000 - 2003) المتهم بقضايا فساد كثيرة داخلية، قبل 

"الفساد ليس علةً يستند إليها الروس أساساً في تقييم علاقتهم مع الآخرين، حيث يضرب هذا الفساد بدولتهم ليصبح (الفساد عملاً)"توليه رئاسة الحكومة وبعده، وخلال عمله محافظا لمدينة حلب، وقبلها الحسكة ودرعا، وعلى الرغم من ذلك، حولته إقالته من رئيس وزراء إلى متفرّغ "عضو قيادة قطرية رئيس مكتب العمال"، ما يعني تسليمه أحد أهم ملفات العمل الحزبي، حيث لم يبعد عن العمل العام إلا بعد تقارير دولية وطلب أميركي من بشار الأسد (عام 2005) التخلص منه، لتورّطه في عمليات فساد مع رجال أعمال في غرفة صناعة وتجارة حلب في برنامج يتعلق بالنفط مقابل الغذاء مع العراق.

لذلك كله، الهجوم الإعلامي الروسي على الأسد واتهام منظومته بالفساد لا يعنيان انتهاء أسباب حماية الرئيس بوتين له، فهذا النقد، وأحيانا يمكن وصفه شتما للأسد، ليس جديدا، وإنما عمره من عمر التدخل الروسي في سورية، سواء بالقول أو الفعل، حيث تعمّد الإعلام إظهار الأسد مع بوتين في مواقف مهينة لموقعه، فتدخل بوتين في سورية لم يكن حباً في شخص بشار الأسد، ليكون تخليه عنه ناجما عن تراجع هذا الحب، بسبب فساد إدارته مقدّرات سورية الاقتصادية، وتراجع نسب قبوله شعبيا إلى 32% حسب آخر استطلاع روسي لجهة حكومية. والفساد ليس علةً يستند إليها الروس أساساً في تقييم علاقتهم مع الآخرين، حيث يضرب هذا الفساد بدولتهم ليصبح (الفساد عملاً). وعليه، كان التدخل استثماراً (أو business) خاصا لبوتين، وما لم يحقّق أرباحه المرجوّة منه، فهو لن يتخلى عنه، على العكس، فترويع المجتمع الدولي بحجم فساد النظام الذي تحميه موسكو قد يزيد من ربحها عند جلسة المزايدة على بيعه في جلسة جنيف المقبلة، وليس العكس، وحظ آخر للواقفين على دور الترشيحات للرئاسة..

=============================

في ذكرى اعتصام حمص رواية ودروس

نجاتي طيارة

سوريا تي في

السبت 18/4/2020

أولاً: روايتي الخاصة

كان يوم الإثنين 18 نيسان 2011 وسيبقى يوما مشهودا في التاريخ المعاصر لحمص وسوريا، حيث سرت في المدينة الدعوة إلى الجنازة الكبرى، التي ستضم رفات شهداء ثمانية قتلوا أثناء جنازات ومظاهرات السبت والأحد الفائتين. وقبيل الظهيرة، أغلقت متاجر المدينة وساد جو فاجع وصامت، حيث بدأ تقاطر الرجال عبر كل الشوارع، حتى امتلأ الجامع الكبير وسط البلدة بالمصلين، فاحتشد الباقون في ساحة السوق حوله وتجمهروا، وصلى معظمهم على الشهداء هناك، حتى خرج جمهور مصلي المسجد حاملين نعوش الشهداء، ووسط التكبيرات، سارت الجنازة وانضمت إليها حشود متجددة طوال شارع الحميدية، وباتجاه مقبرة الكتيب أو مقبرة الشهداء، التي كان الدفن قد أوقف فيها قبيل سنوات، لكن هيبة الجنازة الكبيرة أعادت فتحها!.

ومنذ تحرك الجنازة، كان رجال الأمن والشرطة يملؤون أسطح بناء قيادة الشرطة في طرف ساحة باب السوق، ولم يعودوا ظاهرين على الأرض، ربما تحت تأثير استمرار الجنازة في التوسع طوال مسيرتها، مع انضمام أفواج الناس لها. المحلات صارت مغلقة غالبا، أما نوافذ وشرفات الحي المسيحي في أغلبه، فقد ظهر فيها كثير من المتابعين، الذين بادروا برمي قبضات من الرز والورود على ركب الجنازة الذي كان يهتف للشهداء والحرية وإسقاط النظام.

عند مقبرة الكتيب توقفت الجنازة، فانضمت إليها جنازة قادمة من باب السباع، وسارت مراسم الدفن في احتفالية مهيبة مع الكلمات والأدعية، ثم علت أصوات تطالب بالذهاب إلى ساحة الساعة للاعتصام بها، فغلبت أصواتا ناشزة ضعيفة طالبت بالذهاب إلى حي الزهراء الموالي للانتقام، لكن سرعان ما خفتت وتلاشت، وكان لي مع بعض الشباب دور في ذلك!.

تحول ركب الجنازة في طريق العودة إلى مظاهرة كبرى، تصدرتها مجموعة من الفتيات المحجبات، وفي جو العودة والحر الشديد يومها، بادر بعض أصحاب المحال والمنازل إلى التعبير عن تعاطفهم بتقديم الماء وقطع الكاتو، وحتى إلى رش المتظاهرين بالماء في محاولة لتخفيف الحر عنهم. أما أسطح مبنى قيادة الشرطة فقد اختفى من كان على سطحها سابقا، حذرا كما بدا من تعاظم المظاهرة وغضبها، وهو الذي بدأ يتجلى بتمزيق الصور وأعلام الحزب القائد، وتدمير كاميرات المراقبة التي صارت موضوعا خاصا لغضب المتظاهرين، لكونها سببا سابقا في الإرشاد عن زملائهم واعتقالهم وتعذيبهم. وعندما وصلت المظاهرة إلى الساحة، سرعان ما تحلق الشبان والشيوخ حول برج الساعة الذي توسطها، وجعلوه منبرا للخطابة.

وبعد زمن قصير من تردد بين من أراد البقاء في الساحة وجعلها مركزا لاعتصام مفتوح، ومن أراد من المشايخ الذهاب إلى جامع خالد بن الوليد للاعتصام هناك، تغلب الرأي الأول واستقر، بينما ذهبت مجموعة قليلة فعلا إلى الجامع ثم عادت بعد ساعات لتلتحق بالأكثرية. وسرعان ما أعد الشباب أدوات الإذاعة، ونظّموا الدخول إلى الساحة من مختلف المداخل، فأقاموا حاجزين على كل مدخل، ليمنعا دخول المسلحين وعناصر الأمن وما يشبههم، وتوالى الخطباء على المنبر بما فيهم بعض الفتيات، حيث ألقيت خطب وكلمات تشيد بالثورة، ورددت هتافات للحرية والكرامة وشعارات الوحدة الوطنية، مستلهمين بذلك تجربة ساحة التحرير في القاهرة، التي صارت مثالا لكل دعاة التغيير في الربيع العربي.!

ولم تمض ساعة على المطالبة بالحفاظ على نظافة المكان والاستعداد للتخييم فيه، حتى نصبت بعض الخيم الصغيرة وأخرى كبيرة، عُلّقت على واحدة منها في طرف الساحة لافتة الوحدة الوطنية، فصارت مكانا لندوات مفتوحة، ساهمت بإدارة بعضها، وحتى اللحظات الأخيرة قبيل الساعة الثانية صباحا، حيث قضي على الاعتصام بمجزرة ستبقى نهباً لروايات متعددة ، طالما لم تتوفر مناخات تحقيق  مستقل وإعلام حر!.

اعتصام حمص صار واحدًا من أشهر أيقونات الثورة السورية وأجملها، وبخاصة في مرحلتها السلمية، وهو تطور عفويً لموكب تشييع الشهداء

ثانيا: ملاحظات ودروس أولية

1ـ اعتصام حمص صار واحدًا من أشهر أيقونات الثورة السورية وأجملها، وبخاصة في مرحلتها السلمية، وهو تطور عفوي لموكب تشييع الشهداء، الذين قضوا جراء عنف النظام وإجرامه، لكن الثورة لم تنجح بإنضاجه؛ إذ لم يُخطط له مسبقًا كما ينبغي له، وبقي من دون تبصر في مجرياته.

2ـ  تميّز الاعتصام بكل إيجابيات العفوية النابعة من طيبة الحمصيين وكرمهم وحماستهم ومبادراتهم: (تركيب سريع لأجهزة الصوت، جلب خيم متنوعة، المحافظة على نظافة الساحة وجمع المهملات في أكياس، مراقبة الدخول، وضع حواجز ثنائية في مداخل الساحة، لمنع دخول من يحمل السلاح من الشبيحة والأمن والامتناع عن التخريب، الاكتفاء بنزع صور المجرم الأكبر وكاميرات المراقبة، وتقديم الماء والطعام والشراب والحلوى في الساحة، كما حدث في شارع الحميدية خلال العودة من المقبرة، وهو ما يستحق تفصيلًا خاصًا).

3ـ  كان الطابع الوطني والعام مسيطرًا وسائدًا، مع بروز الوجه الإسلامي، بحكم الغالبية السنّية في حمص ومشاركتها رجالًا ونساءً. وفشلت بسهولة محاولات توجيه الاعتصام طائفيًا، ففي مثال أول: حاول واحد، أو أكثر، الدعوة للتوجه إلى حي الزهراء عند انتهاء مراسم الدفن، فجوبه بشدة ووضوح، وعند محاولاتهم الرد بالعنف، تم إبعادهم. وفي مثال ثان: تقبّل جمهور المعتصمين تقدم شاب علوي للخطابة، كما تقبلوا ظهور فتاة غير محجبة للخطابة، وصفقوا طويلًا لهما.

4ـ عدم تنظيم الاستمرارية التي تقررت في الاعتصام المفتوح؛ إذ لم يتم ذلك على شكل مناوبات، كي تستمر كثافة المعتصمين في الليل إلى حد ما، يدفع النظام إلى الحذر من مجابهة اعتصام كبير بالآلاف.

 5ـ كان دور المشايخ مسيطرًا، وشكّلوا القيادة الرئيسية للاعتصام، وتراوحت المبادرات الأخرى بين ضعيفة تحت ستار التعقل والحكمة، وبين شجاعة نتيجة صلابة وتطلعات بعض الشباب. وقد حاول الصنف الأول منذ البداية توجيه الاعتصام إلى جامع خالد؛ فانتُقد ذلك التوجه الذي يحصر حركة الاحتجاج، في طابع ديني طائفي مرتبط بالجوامع، وهو ما أراده النظام دومًا (مثال: منع حراس باب البرج من مشاركة البعض بداية في اجتماع المشايخ داخله، بحجة أنه يقتصر على أهل العلم والرأي، وكأنهم صاروا حزبا قائدا، بموجب مادة أخرى في الدستور، كالمادة الثامنة التي جعلت حزب البعث حزبا قائدا للدولة والمجتمع)!

وقد أوضحتُ عند ذلك أهميةَ الطابع الوطني العام للتوجه إلى ساحة الساعة، مركز المدينة وقلبها، تيمّنًا بساحة التحرير القاهرية، الأمر الذي تغلّب بسهولة، مستجيبًا للنزوع الأساس لاحتجاجات الشباب. ثم تبيّن لاحقًا، وجود تواصل قديم استمر خلال الاعتصام، بين بعض مشايخ الصنف الأول، وبين رجال السلطة والأمن، وصلت من خلاله تهديدات السلطة، لكن المشايخ -جملة- لم يحرصوا على مشاورة أحد من خارج دائرتهم حولها، استمرارًا لنهج السلطة نفسه في تواصلها معهم ومع أتباعهم من الحمصيين، سواء أكانوا في المدينة أم في مدن أخرى بعيدة.

بالنتيجة؛ كانت قيادة المشايخ ضعيفة، لانطلاقها من هيبة العمامة وأمجاد الماضي، ومحفوظات النص الديني، وبلاغته بل موسيقاه (إن في البيان لسحرا)، ولفقدان خبرتها بالثقافة التاريخية والوعي الاجتماعي والسياسي من تكتيك واستراتيجية وغيرها، وكثيرًا ما أدى بها ذلك، أمام سلاحي السلطة الدائمين (القمع والإغراء)، إلى سقوط مريع لبعض شخصياتها (هناك أمثلة شهيرة في حمص)؛ ما يؤكد مجددًا أن على رجال الدين (كالمشايخ والرهبان) أن يكتفوا بالبقاء في الجامع والكنيسة وخدمة الدين فقط، أما خارجهما فلهم أن يكونوا مواطنين وحسب، ولهم ما لغيرهم من المواطنين من الحقوق والواجبات، بلا مكانة قيادية خاصة، وبلا زيادة ولا نقصان.

ثالثا: نتائج الفض العنيف للاعتصام

1- انتشار الهلع من سهولة وشدة لجوء النظام للعنف: ساد الهلع من المجزرة بين سكان حمص وعموم سوريا، نظراً لأنتشار أخبار فض الاعتصام، وما رافقها من عنف  عسكري وأمني استمر بمطاردة شباب الاعتصام الهاربين طوال الليل في مختلف شوارع المدينة وضواحيها، بخاصة بابا عمرو وتلبيسة، وما صاحب ذلك من أصوات الرصاص والمتفجرات وزعيق السيارات واقتحام البيوت. وما أضافه منظر الساحة وجوارها صباحا، حيث راحت سيارات الإطفاء ورجال الجيش والشرطة يغسلون آثار الدماء، وآثارالاعتصام. وكان هذا الغرض أكثر أهمية من أي احتمال سلمي  تفاوضي آخر، بحيث لم يكن النظام، ورأسه الذي كان يتابع العملية بدقة كما علمنا لاحقا،  ليسمح باستمرار الاعتصام حتى صباح اليوم التالي، كي يمنع أي احتمال لتطوره وتوسعه من جهة، وكي لايصبح أمثولة في عموم سوريا من جهة أخرى أكثر أهمية!

2- الغرض من غموض عدد الشهداء: وهو نشر الهلع والرعب الفاجع بين الحماصنة والسوريين عموما، بخاصة مع وقوع عدد من الضحايا ليلة فض الاعتصام. فقد تعمد النظام ترك ذلك العدد غامضا بصورة مقصودة، كي يحقق غرضه، ألا وهو نشر أكبر رعب وهلع ممكنين بين الأهالي، بل بين كل السوريين، كي يكون ذلك درسا لكل من يفكر بالخروج في مظاهرة، فما بالك باعتصام ستكون نتيجته المجزرة الجماعية.!

انتشرت روايات وشائعات كثيرة عن عدد الشهداء ليلتها بل وروايات عن مجازر جماعية وجرافات تجرف جثث القتلى

وفعلا انتشرت روايات وشائعات كثيرة عن عدد الشهداء ليلتها، بل وروايات عن مجازر جماعية وجرافات تجرف جثث القتلى، على الطريقة المعهودة لانتشار الشائعات في مثل تلك الظروف المرعبة والغامضة. وبالطبع لم يكن ممكنا لأي كان، القيام بأي تحقيق أو استقصاء في تلك الفترة أو ماحولها، ضمن المخاطر الأمنية المعروفة.

ومما زاد في غموض المعرفة يومها، اختفاء عدد من شباب الاعتصام، معظمهم من أبناء بابا عمرو وتلبيسة والقرى القريبة، نظرا لاعتقالهم وهم يتراكضون هاربين في شوارع المدينة وأزقتها. حيث لم يجد إلا القليل منهم، من فتح له بابا، أو وجد منفذا للاختباء وواتاه الحظ، وذلك ما يستحق رواية مفردة. لكن بالنتيجة تم اعتقال أكثر من 300 شاب ليلتها، بقي مصيرهم غامضا، وظن أهالي المدينة وأهاليهم أولا، أنهم باتوا في عداد القتلى المجهولين، حتى تم الإفراج عنهم بعد أكثر من أسبوعين، عبر مفاوضات بين  لجنة العلماء والوجهاء والمحافظ، اتصالا بمفاوضات تقطعت لاحقا مع القصر الجمهوري.

3- حقيقة عدد شهداء الاعتصام: شخصيا حاولت جاهدا تقصي الحقيقة في ذلك، واستمعت إلى كثير من الشهادات والروايات، لكن الظروف الأمنية التي اشتدت عقب الاعتصام، ثم اعتقالي لاحقا، منعاني من ذلك. ورغم متابعتي المحاولة بين المعتقلين في داخل السجن، وكان بينهم كثر ممن شاركوا في الاعتصام، لكنني أزعم أن أكثر التحقيقات دقة حول ذلك، ما توصل إليه لاحقا  باحث رفيع متخصص بتوثيق أحداث الثورة السورية (هو أ. تامر التركماني من حمص، وله صفحة على فيسبوك)، وقد دلّ تحقيقه على أن عدد ضحايا الاعتصام الموثق هو 14 شهيداً وهم: (أحمد الأشتر من حي القصور، أحمد يوسف العزو الشامي 27 سنة من حي كرم الزيتون، تامر تركماني  18 سنة - وهو شاب آخر لا يمت إلى الباحث تامر بقرابة -، جمال درويش من حي الخالدية، وحسان الجوري من حي البياضة، وحسان كروما 21 سنة من حي الخالدية، وخالد الرفاعي 18 سنة من  حي الخالدية، وسمير مالك الأيوب من حي كرم الزيتون، وعبد الجبار أحمد الترك من حي باب هود، وعبد الله سالم كالو من حي جورة الشياح، وفهمي الجوري 18 سنة من حي البياضة،  ومحمد صالح سمرا 27 سنة، ومصعب عبد الباقي 27 سنة من حي الخالدية، وياسر عبد الحكيم عزوز من  حي باب السباع).

رحم الله هؤلاء الشهداء وستبقى ذكراهم مع جميع  شهداء الحرية في سوريا مؤبدةً، وتلك أهم الأفكار التي استخلصتها من مراجعة اعتصام الساعة وأحداثه. وبغض النظر عما إذا كانت صحيحة أم خاطئة، إلى هذا الحد أو ذاك، فسيظلّ ذلك الاعتصام تجربة غنية، لمن يريد أن يهتدي بدروسها، ما دامت أسباب الثورة باقية، وستدفع بالتأكيد إلى تجديد الثورة واستمرارها وتحقيق أهدافها، طال الزمن أم قصر.

===========================

هل هزمنا؟

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 18/4/2020

طرح هذا السؤال مرارا في السنوات الماضية. وكنت قد كتبت أوائل عام 2014 مقالة جعلت عنوانها: ماذا لو هزمت الثورة السورية؟ لفت فيها الأنظار إلى أن هزيمتها واحدةٌ من ممكنات واقعنا، وأنها ستكون حتميةً إذا لم يتم إصلاح عميق للعمل الوطني، في بعديه السياسي والعسكري. سأميز، قبل الإجابة عن السؤال، بين مستويات ثلاثة، تنسب نفسها إلى الثورة:

ـ المستوى الفصائلي، وهو يضم بقايا الجيش الحر، والفصائل الإسلامية، والتنظيمات الإرهابية.

ـ المستوى التمثيلي من إئتلاف، وحكومة مؤقتة، وهيئتي تفاوض في جنيف وأستانة/ سوتشي.

ـ المستوى الشعبي، وقد ابتعد المستويان، الأول والثاني، عن الثورة، فهجرهما وتمسّك برهاناتها.

ـ لو كانت الثورة ستقاس بـ"إنجازات" المستويين، الأول والثاني، لكان علينا الاعتراف بأننا هزمنا، إلا أن هناك ما يشير إلى أن هزيمة الفصائلية، وفشل المعارضة التمثيلية، لن يكونا بالضرورة هزيمة للشعب، ستعيده إلى ما كان فيه من بلاء قبل ثورته.

ـ بدأ تقويض الجيش السوري الحر باعتقال مؤسسه المقدم حسين هرموش، وتسليمه إلى مخابرات الأسد، بسبب رفضه تسليح المدنيين، وإصراره على بناء جيش وطني من العسكريين المنشقّين عن الأسدية، ومن ينضمون إليه تطويعا أو تجنيدا، وعلى رفض الفصائلية نمط تنظيم مسلح شرعت فصائله تبعثر طاقات الشعب، وتُمذهب ثورة الحرية، وتتنكّر لمؤسسات التمثيل السياسية، وتعلن تمسّكها بالحل العسكري، على الرغم من انحسار فترة انتصاراتها وبدء هزائمها أمام الدعم البشري الإيراني والتسليح، ثم التدخل الحربي الروسي المباشر الذي تعزّزت فاعليته بسبب غرق تشكيلاتها في الحاراتية جغرافيا، والمذهبية أيديولوجيا، ودورها في تشتيت الساحتين، العسكرية والسياسية، ورفضها السياسة وتمسّكها، كالأسد، بأن السلاح هو أداة حسم الصراع الوحيدة. تصاعدت الفصائلية، فغيبت الجيش السوري الحر، واغتال مسلحو "داعش" وجبهة النصرة ثلاثين من ضباطه خلال شهر يوليو/ تموز من عام 2014.

ـ أكدت تجربة الفصائلية استحالة إحراز انتصار عسكري على جيش روسيا ، الدولة العظمى، وإيران، القوة الإقليمية، وعلى مليشيا الأسد المعاد تنظيمها وتدريبها وتسليحها، وتنظيمات الإرهاب متعدد الجنسيات. وارتبط تشتت وتناحر الفصائل بامتيازات معظم قادتها، وبمنع الخروج منها وبناء جيش وطني، تقوده مرجعية سياسية مطاعة، وقسمت سورية إلى أشبار احتكر هذا الفصيل أو ذاك السيطرة عليها، وأخضعها بطرق مستمدة من ممارسات سفاح دمشق ودولته العميقة.

ـ أسهمت الفصائلية في تهافت الدور التمثيلي لائتلاف قوى الثورة والمعارضة، وتلاشي قدرته على الحركة والتأثير، وتحوله إلى كيان يرى المسألة السورية بأعين الآخرين، فلا عجب في أنه فشل في العمل كقيادة ثورية، ونجح في منع تشكل مثل هذه القيادة التي ترى نفسها بدلالة الشعب ورهاناته، فتماثل أداؤها في الحقل السياسي مع أداء الفصائل في الحقل العسكري.

ـ لو كان ما سيناله السوريون مرتبطا بالفصائل و"الائتلاف"، لخرجوا صفر اليدين من ثورتهم. لكنهم، وقد صنعوا معجزة الثورة، وقدموا لها الغالي والرخيص، وصمدوا كما لم يصمد أحد قبله، وتحمّلوا بكبرياء إنساني نادر الكارثة التي أنزلتها الأسدية بهم، نجحوا في تقويض نظامها، الذي ينهار من كل جوانبه. وإذا كان الثوار لن ينالوا كل ما ضحّوا من أجله، فلأن ثورتهم ابتليت بالفصائلية العسكرية والسياسية التي قوّضتها باعتبارها فعل حرية، بينما عجزت عن ردع حرب إبادة استهدفتهم.

لم يستسلم شعب الحرية، ويؤهله صموده الأسطوري لمواصلة نضاله، إذا بقي السفاح في السلطة، أو حاولت روسيا وإيران إعادة السوريين إلى نظام الاستعباد الأسدي.

ـ لن يهزم شعب سورية، وكيف يهزم وقد صارت الأسدية وراءه، بينما يتمسّك برهان ثورته الذي لطالما هتف له فتيانه وكهوله، نساؤه ورجاله، السكارى بنشوة التصميم على الانعتاق من الكابوس الأسدي: سورية بدها حرية، والشعب السوري واحد

===========================

موقفنا : روسية : مؤشرات على تغيرات في الموقف من نظام الأسد .. ومعارضة سورية تنتظر

زهير سالم

مركز الشرق العربي

22/ 4 / 2020

ويتابع المشهدُ السياسي العام العديدَ من الإشارات القادمة من موسكو والمعبرة عن استياء غير محدود من بشار الأسد وزمرته . مقالات ، وتقارير ، واستطلاعات رأي كلها تشير في حقيقة الأمر إلى تشكيك روسي في قدرة بشار الأسد على الاستمرار في حكم سورية .

بعض المتابعين يقلل من أهمية ما يقال وما يكتب ، معتمدا على أنه بكليته إنما يصدر عن جهات ليست مقربة من صنع القرار بما يكفي ..

وبعضهم يقول إن هذه التعبيرات هي تعبيرات اقتصادية أكثر منها سياسية ، تقف وراءها شركات اقتصادية تطمع أكثر في كعكة الشام ..

ويقول فريق ثالث : إن طبيعة النظام الروسي الشمولي تفرض على كل متابع أن يصغي لصوت كل إبرة تقع على الأرض عنده . ويؤكد هؤلاء أن دلالة ما صدر ويصدر تكفي للتأمل ، واستشراف المستقبل ، والعمل بقواعد الواقعية السياسية ، ولاسيما بالنسبة لقيادات المعارضة السورية ، التي تتأخر دائما عن التقاط الفرص ، وإطلاق المبادرات.

وخلاصة الانتقادات الروسية الموجهة لبشار الأسد حسب المنطق الروسي نفسه يمكن تلخيصها في محورين :

الأول: نلخصه بمضمون حكاية شعبية فظة بعض الشيء ، ولكنها ذات دلالة معبرة في سياقها ؛ يحكي العامة أن رجلا مصابا بسبعين داء وعلة وعاهة ، جلس يدعو الله أن يشفيه ، فمر به أحمق مثل حمقى بوتين فقال له : أسهل من أن يشفيك يخلق إنسانا جديدا غيرك . ولله المثل الأعلى ..

فكل المنتقدين الروس لبشار الأسد يتحدثون عن متوالية العلل والأسقام والعاهات السياسية الملازمة للنظام وزمرته ، والتي تجعل التفكير بكل بديل جديد له أسهل على الروس ، وأكثر تحقيقا لمصالحهم ، من محاولات التصويج والترقيع ؛ ولا ينسى هؤلاء أن يذكّروا بالعاهات الإقليمية والدولية التي يمكن للروس أن يتجاوزوها إذا تجاوزوا بشار الأسد ..يخسرون الأسد ويربحون ويربحون ويربحون ...

والمحور الثاني الذي يدندن حوله المنتقدون الروس : هو أن بشار الأسد حين يتلو بيانات النصر الكاذب ، والذي يتمسك الروس بأنهم صانعوه ، يصدق نفسه ..

يصدق نفسه على صعيد اللحظة التي يتبختر فيها وإعلامه مثل طاووس عند بعض الطوائف السورية ..

ويصدق نفسه على الصعيد الاستراتيجي ، فيظل مدمنا على السياسات التي فجرت الثورة من قبل ، سياسات الاستبداد والفساد و الاعتقال والتعذيب ، والاغتيال وتدمير كل شيء . ويدندن كل هؤلاء إنه في جميع مناطق خفض التصعيد ، وما عقد الروس فيها من مصالحات ، كان كل هم الخطة الروسية أن يُظهر بشار الأسد وجها آخر في التعامل مع الناس . ولكن بشار الأسد ظن أن ما يقدمه الروس له من دعم إنما هو تفويض لارتكاب المزيد من الشناعات ، ويقول آخر وفي حربنا على الإرهاب في سورية لم نكن نستطيع أن نقرر أي الفريقين أشد عنفا : وحدات بشار الأسد أو المجموعات الإرهابية ؟؟ والقول على ذمة قائله . موقف مفاده : إذا كانت السنوات الماضية هي فرصة لبشار الأسد لإثبات قدرته على التغير ، فيجب أن نعترف أن بشار الأسد قد رسب في هذا الامتحان ، وفي كل مرحلة من المراحل كان يبدي قدرات أكبر على إظهار الأسوأ ..

وحين ينشر هذا الكلام في موسكو يُتاح لكل الأطراف الدولية والإقليمية والسورية أن تتابعه على السواء ..

من الصعب أن يكون الإنسان حالما أكثر ، فيعتبر أن هذا الكلام يعبر عن قرار روسي قادم قيد التحضير ..

 ربما يكون هذا الكلام مناورة ..

أو محاولة ابتزاز أكبر لبشار الأسد ووراء الأكمة ما وراءها ، مما لانعرفه نحن ..

وقد يكون هذا الكلام حملا مبكر وبينه وبين المخاض وقت طويل ..

وقد يكون حملا كاذبا ..

 وقد نفاجئ بإجهاض الجنين قبل الأربعين والأربعين والأربعين ...

 وفي عالم السياسة تبقى الاحتمالات مفتوحة . وإنما البدرة لمن بدر . والسبق لمن شمر كما يقولون .ومن لم يملك المعلومة سيظل يسبح في دائرة الاحتمال والتقدير .

والذي يعزز بعض ملامح الجدية في قسمات هذا الكلام هو اهتمام بشار الأسد بما يدور في موسكو من قيل وقال ، وقد تبدى ذلك في اللقاء الفيزيائي الذي جرى يوم الاثنين الماضي بين الأسد وظريف ، والذي كان ولاشك يضع تكتيك اللقاء الثلاثي لليوم الأربعاء 22/ 4 / . ولاشك كان محور اللقاء هو ما يرجوه بشار الأسد من طهران . طهران .. تلك هي الحقيقة التي يبيت من أجلها بشار الأسد على مثل جمر الغضا ..

وربما حقيقة أخرى يستبعدها بشار الأسد وهي أقرب إليه من حبل الوريد ؛ هل يمكن لملالي طهران أن يفكروا للحظة على طريقة الروس ؟! هل يمكن أن يتوقفوا عن المراهنة على البيضة وهم يعلمون أنهم باستمرار مراهنتهم على البضة سيخسرون الدجاجة ..

هل اكتشف ملالي طهران أنهم لعبوا خلال ربع قرن خلا ولاسيما في أفغانستان والعراق والشام دور العصا الصهيو - أمريكية ، القذرة ، وأن مكافأتهم مع الشيطان الأكبر لن تكون أكبر من مكافأة رضا شاه بهلوي ، الذي حلوا محله ، ولعبوا بطريقة أكثر فظاظة دوره ..

الحقيقة الأكثر كارثية بالنسبة للإيرانيين أن الشعوب قد تدير ظهرها للمستعمر الروسي البعيد ..ولكنها لن تغفر أبدا للمتوحش الإيراني الجار الجغرافي القريب . يعلم الإيرانيون اليوم أن الماء الذي حاولوا به أن يغسلوا عار الجريمة عن أيديهم قد تدنس ولم يطهرهم .

ويردد الناس دائما لا دخان من غير نار فأي نار وراء هذا الذي يعس في موسكو منذ نحو عام ، وأي انعكاس له على مستوى العراق والشام والإقليم .. سؤال برسم كل من زعم أنه صاحب قرار ..

________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

هل من تغيير وشيك في سوريا؟

أكرم البني

الشرق الاوسط

السبت 18/4/2020

أصل السؤال ما أثاره مؤخراً الإعلامي الإسرائيلي إيدي كوهين بأن «خروج الرئيس السوري وللأبد من الحكم بات قريباً، وتحديداً في شهر يوليو (تموز) القادم؛ حيث سينهي عشرين سنة في الحكم بعد أن أنهى تدمير بلده وتشريد شعبه»، الأمر الذي أثار بدوره موجة من التعليقات والتساؤلات لا تزال حاضرة وتتفاعل إلى الآن.

كثيرون هم من دعوا إلى إهمال الخبر وعدّوه غير جدّي أو لا يستحق الاهتمام، تحدو بعضهم حالة من الإحباط والمرارة من زيف وضلال مثل هذه التوقعات التي تكررت خلال السنوات الماضية، بما في ذلك تحديد أزمنة ومواعيد لم تتجاوز الأسابيع وأحياناً الأيام، لنهاية النظام السوري! وبعضهم لأنهم لا يجدون في إشارة هذا الإعلامي الإسرائيلي، بصفته مستشاراً في مكتب رئيس الوزراء، أكثر من رسالة ضغط على النظام غرضها لجم رغبته في تعزيز تعاونه مع طهران وتمكين ميليشياتها من التغلغل والإمساك بالوضع السوري. والبعض الثالث لأنهم يعرفون جيداً من هو إيدي كوهين وخبروا دوره المغرض في بثّ معلومات وابتكار حكايات تمسّ ظواهر حساسة تشغل بال الناس في محاولة للتأثير على الرأي العام، وربما لاعتقادهم أن حكومة تل أبيب ومراكز أبحاثها، تتقصَّد، عبر كوهين وأمثاله، إطلاق شائعات الغرض منها جسّ نبض الشارعين العربي والسوري تجاه قضية محددة وربما لقياس التبدُّل الذي طرأ على حالة العداء من قبلهما تجاهها.

في المقابل، ذهبت قلة إلى تصديق الخبر واعتماده، بل وحاولوا جهدهم دعمه بالدوافع والأسباب والبناء عليه في قراءة المستقبل السوري؛ منهم من ربط صحته وتوقيته بما يعدّونه تراجع النفوذ الإيراني في سوريا في ظل تداعيات العقوبات الاقتصادية على سلطة طهران وما تكابده من ضربات إسرائيلية طالت أهم مراكزها الأمنية والعسكرية في البلاد، خصوصاً مع تنامي النقمة الشعبية السورية على طهران جراء انتشار جائحة «كورونا»؛ إنْ بتحميلها مسؤولية نقل الفيروس إلى سوريا مع ضعف إمكانية ضبط الحدود التي تسيطر عليها ميليشياتها، وإنْ بتقصُّدها تعطيل إجراءات الحجْر الصحي على المراقد الشيعية، خصوصاً في منطقة السيدة زينب، جنوب شرقي دمشق. بينما وجد آخرون أن هذا النبأ أشبه بتحصيل حاصل لما يسمونه تغييراً في الموقف الروسي من النظام، حيث إن قيادة الكرملين لم يعدْ لديها، برأيهم، ما يشجعها على التمسك بالرئيس السوري، بل على العكس، باتت جاهزة لإطاحته وتحميله تبعات ما ارتكب في مسار الصراع واستبدال شخص أكثر موثوقية وقبولاً به، تحدوها قلة وفائه أو عدم التزامه بعض الخطوات الروسية لترتيب البيت السوري، بل سعيه، غير مرة، بالتعاون مع حليفته إيران، لنقضها أو تجاوزها، والأمثلة كثيرة، كانقلابه على بعض المصالحات التي رعتها موسكو في سوريا، ثم إعاقته جهود روسيا في إنهاء فوضى السلاح وتطويق ما أفرزته سنوات الحرب من ميليشيات وجماعات مسلحة تحت اسم «اللجان الشعبية»، عبر إلحاقها بتشكيلات الجيش السوري، وأيضاً خرقه، غير مرة، قرارات وقف إطلاق النار التي اتخذتها موسكو مع أنقرة في أرياف حلب وإدلب. في حين ذهب البعض الأخير إلى قرن صحة الخبر وتوقيته بإلحاح الحاجة لإعادة الإعمار في سوريا مع التردي غير المسبوق للوضعين الاقتصادي والمعيشي، وهؤلاء لم يترددوا في التعويل على هذا التغيير لإرضاء الغرب والولايات المتحدة، وتشجيع الدول الإقليمية على الدخول بقوة في مشروع إعادة الإعمار، خصوصاً بعد أن تلقى هذا المشروع ضربة قوية جراء تشديد العقوبات على النظام السوري وداعميه بفعل «قانون قيصر» الذي صدر مؤخراً، وبعد قرار منظمة حظر الأسلحة الكيماوية التابعة للأمم المتحدة بتحميل هذا النظام، للمرة الأولى، مسؤولية 3 هجمات بالغازات السامة، في بلدة اللطامنة بريف حماة عام 2017.

لكن؛ وبغض النظر عن الهدف من إطلاق إيدي كوهين هذه الشائعة، فإنها تكشف عن 3 حقائق مؤلمة باتت تحكم وتتحكم في الوضع السوري:

أولاً: مدى العجز والارتهان الذي وصلت إليه البلاد اليوم، وكيف باتت لا فقط مسرحاً للتنافس والصراع بين قوى وأطراف خارجية؛ وإنما أيضاً رهينة إرادة وتوافق هذه القوى والأطراف التي لا يهمها سوى تعزيز مصالحها ونفوذها، مما يسمح، وللأسف، بالقول إن الوطن السوري الذي كنا نفاخر باستقلاله وتعدديته وتفرد تعايش مكوناته؛ قد انتهى، وإن أصحاب السلطة لم يكتفوا، لضمان استمرارهم في الحكم وفسادهم وامتيازاتهم، بقتل وتشريد ملايين السوريين وتدمير مقدراتهم؛ بل أمعنوا تخريباً في نسيجهم الوطني وروابطهم التاريخية، والأسوأ استجرار كل دعم خارجي، حتى لو كان الثمن تسليم البلاد ومقدراتها له، بما في ذلك تركه يعيث فساداً وتخريباً بحيوات السوريين واجتماعهم ومستقبلهم، وبما أنجزته تضحياتهم خلال عقود.

ثانياً: إن عبارة إيدي كوهين بـ«أن مهمة الرئيس السوري انتهت وسيتم توكيل شخص آخر مكانه»، وإنْ كانت تحمل بعض المبالغة، فإنها تؤكد أن لقادة تل أبيب كلمة قوية حول مستقبل الأوضاع في بلد يجاورهم ويحتلون جزءاً من أرضه وبقي نظامه وفيّاً لهم زمناً طويلاً. وتؤكد تالياً صعوبة القفز دولياً، عند الغرب والشرق على السواء، فوق هموم دولة إسرائيل وحساباتها الأمنية الاستراتيجية، ربطاً بقوة اللوبي اليهودي؛ ليس فقط في واشنطن والعواصم الأوروبية، وإنما أيضاً في موسكو وقد تنامى وزنه بفعل التشابك مع نحو مليوني يهودي من أصول روسية هاجروا إلى إسرائيل وبات دورهم مؤثراً في قرارات الكرملين المتعلقة بالإقليم وسوريا، هذا؛ من دون أن يعني ذلك الانزلاق نحو العقلية القومجية التآمرية التي لطالما ادعت أن لإسرائيل قدرة فريدة على اختراق العالم وجعله أداة طيّعة بيدها تسخّره كيفما تشاء لتنفيذ مشروعها الكوني الصهيوني.

ثالثاً: انكشاف الدرك المزري ودرجة التهافت والانحطاط اللذين وصل إليهما بعض من يسمون أنفسهم قادة للمعارضة السورية، حين ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا مجرد صدى لإملاءات الخارج وأشبه بدمى وأدوات تنفيذ رخيصة، فسارعوا لاعتماد الخبر والبناء عليه، واندفعوا كالمسعورين، بعد أن أعلن إيدي كوهين أحد أسمائهم بديلاً محتملاً، لخوض تنافس مريض ومضحك في آن، حول أحقية كل منهم في أن يكون الرئيس المقبل لسوريا!

===========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com