العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 26-03-2017


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

في انتظار جنيف 5 .. ماجد كيالي

الجزيرة نت

الخميس 23/3/2017

تشخص الأنظار نحو الجولة الخامسة من مفاوضات جنيف السورية/ السورية، والتي أعلن المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا عقدها الخميس القادم، في محاولة منه لتلافي الإخفاق الحاصل في الجولة التفاوضية السابقة التي عُقدت أواخر  فبراير/شباط الماضي.

وكانت مفاوضات جنيف 4 -التي استمرت حوالي عشرة أيام- انتهت دون نتائج تذكر بشأن إمكان تحقيق نقلة في الصراع السوري  الدامي والمدمر، إذ ما زال النظام يصرّ على عدم التقدم ولو خطوة واحدة باتجاه التفاوض على التغيير السياسي، أو المرحلة الانتقالية، بحسب مضمون بيان جنيف 1 (2012)، وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وخاصة القرارين 2218 و22544 اللذين رسما  “خريطة طريق” لوقف الصراع السوري.

وذلك رغم أن المعارضة قدمت قبل ذلك التنازل المطلوب منها، وهو القبول بما يسمى حكومة مشتركة مع النظام، التي قد يفهم منها القبول بوجود بشار الأسد في المرحلة الانتقالية بصلاحيات بروتوكولية.

أهمية الجولة المقبلة

تنبع أهمية جولة جنيف الخامسة من أنها تأتي عقب تطورات يكمن أهمها في الآتي:

 أولاً، دخول الولايات المتحدة الأميركية على خط الصراع في سوريا بصورة مباشرة، ولو من باب مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية(داعش)، ومن باب معركة إخراجها من مدينة الرقة، الأمر الذي عبرت عنه بتدعيم قواتها العسكرية في شمالي الأراضي السورية.

 ثانياً، تبلور تنسيق ميداني بين الولايات المتحدة وروسيا وتركيا، تمثل في اجتماع رؤساء أركان هذه الدول في مدينة أنطاليا التركية، في الأسبوع الثاني من مارس/الجاري.

 ثالثاً، ظهور نوع من التوافق الدولي والإقليمي على تحجيم نفوذ إيران على مستوى الإقليم، وهو الأمر الذي تبلور مع مجيء دونالد ترمب إلى رئاسة البيت الأبيض الأميركي، ومع  تباين الأولويات والمصالح بين روسيا وإيران بشأن من يملك تقرير مصير سوريا.

وهذا ما عبر عنه المبعوث الدولي دي ميستورا بتصريحه أمام مجلس الأمن الدولي (يوم 9/3) قائلا إن مفاوضات جنيف القادمة ستتناول في بند مكافحة الإرهاب وضع المليشيات الأجنبية في سوريا، بل إن سفيرة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة نيكي هايلي تحدثت عن إخراج إيران ووكلائها من سوريا على قدم المساواة مع إخراج الإرهابيين منها.

 رابعاً، هذه الجولة تأتي بعد اجتماعات القمة في موسكو -التي جمعت الرئيس بوتين برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، كل على حدة (يومي 9 و10/3)، وفيه تمت مناقشة الوضع السوري والنفوذ الإيراني في سوريا.

والمعنى من ذلك أن الجولة التفاوضية القادمة ستكون جد مهمة ليس لأنها ستحل المشكلة، ولكن باعتبارها ستشكّل المفتاح لإيجاد حل للصراع السوري الذي دخل الآن عامه السابع.

أربعة بنود للمفاوضات

فوق كل ما تقدم؛ فإن أهمية هذا الجولة الخامسة تنبع من كونها ستناقش وبشكل محدد قضايا التغيير السياسي في سوريا، إذ إن دي ميستورا أكد -في تصريحاته خلال المؤتمر الصحفي الختامي للجولة الرابعة- أن المفاوضات ستجري وفقاً للخطوط العامة التي وردت في قرار مجلس الأمن الدولي (2254).

وأن الهدف المتوخّى يضمن إقامة حكومة شاملة وغير طائفية خلال ستة أشهر، وصياغة الدستور خلال ستة أشهر أخرى، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة في نهاية العملية التي تستغرق 18 شهراً.

وعلى هذا الأساس؛ فإن دي ميستورا استطاع -وبمساعدة الأطراف الدولية- حصر جدول أعمال المفاوضات القادمة في أربعة بنود، هي: الانتقال السياسي (مما يعني إنشاء حكومة مشتركة)، وصوغ الدستور، والانتخابات، ومكافحة الإرهاب.

وفيما يخص البند الأخير؛ ثمة تصريحات لدي ميستورا تفيد بأن هذا البند سيتضمن أيضاً قضية وجود الميلشيات الأجنبية في سوريا (كما ذكرنا)، وأن القضايا المذكورة ستبحث بالتوازي وليس بالتوالي، وستتم مناقشة كل قضية على حدة في مفاوضات خاصة، بحيث تكون ثمة أربعة مسارات للجولة المقبلة من المفاوضات.

ولعله من المفيد هنا التذكير بأن المبعوث الدولي رفض مناقشة القضايا المتعلقة بوقف القتال، وحل المسائل الإنسانية ومكافحة الإرهاب (من الناحية الإجرائية) في مفاوضات جنيف، تاركاً ذلك لمسار مفاوضات أستانا، وأنه أعد نوعاً من اتفاق الإطار -أو “لا ورقة”- من 12 بنداً، قدمها إلى الطرفين المتفاوضين لمناقشتها وإقرارها في الجولة المقبلة.

وقد تضمنت تلك البنود صيغاً من قبيل: “احترام سيادة سوريا واستقلالها وسلامتها الإقليمية ووحدتها أرضاً وشعباً”، و”تمتّع سوريا بالمساواة التامة من حيث السيادة الوطنية”، و”يقرر الشعب السوري وحده مستقبل بلده بالوسائل الديمقراطية عن طريق صندوق الاقتراع”، و”سوريا دولة ديمقراطية وغير طائفية، تقوم على المواطنة والتعددية السياسية”.

والتأكيد على “الوحدة الوطنية والتمثيل العادل بإدارة المحليات في الدولة والإدارة المحلية”، و”استمرارية عمل الدولة ومؤسساتها العامة، وتحسين أدائهما مع إجراء إصلاحات”، و”احترام حقوق الإنسان والحريات”، و”إسناد قيمة عالية للهوية الوطنية لسوريا”، و”ضمان السلامة والمأوى للمشردين واللاجئين، بما في ذلك حقهم في العودة إلى ديارهم إذا رغبوا، وصون وحماية التراث الوطني والبيئة الطبيعية”.

بيد أن ما يجدر الانتباه إليه -بخصوص هذه “اللا ورقة”- هو:

 أولاً، أن النقاط المطروحة هي من النوع العمومي غير المختلف عليه، وهذا يحسب لها. وهو ما يفسّر ترحيب الطرفين بها من حيث المبدأ، وهذا تطور مهم وإيجابي يفترض البناء عليه في الجولة القادمة من المفاوضات.

 ثانياً، أن تركيز تلك النقاط على العموميات، وعدم خوضها في المسائل المتعلقة بتحقيق الانتقال السياسي -ومنها مصير بشار الأسد- يجعلها من دون معنى سياسي ملموس، ويترك الأمر مفتوحاً لتفسيرات الجانبين، وخاصة لتطورات الوضع الميداني على الأرض، والتغيرات المحتملة في سياسات الفاعلين الدوليين والإقليميين في الملف السوري؛ ولا سيما منها الإستراتيجية المقبلة للإدارة الأميركية الجديدة بخصوص الصراع السوري.

 ثالثاً، إن هذا التقييم لـ”لا ورقة” دي ميستورا لا يغفل بعض النقاط المهمة الواردة فيها، والتي تفيد في التغيير السياسي، وفي صوغ إجماع حول شكل سوريا المستقبل، مما يفترض البناء عليه.

ومن ذلك النقطة الرابعة التي نصّت على اعتبار “سوريا دولة ديمقراطية وغير طائفية، تقوم على المواطنة والتعددية السياسية، وسيادة القانون، والفصل بين السلطات، واستقلالية القضاء، وحماية الوحدة الوطنية، والاعتراف بالتنوع الثقافي للمجتمع السوري، وحماية الحريات العامة”.

وأيضاً النقطة السابعة التي تحصر مهمة القوات المسلحة في “حماية الحدود الوطنية، وحفظ شعبها من التهديدات الخارجية، وفقاً للدستور. وعلى أجهزة المخابرات والأمن أن تركز على صيانة الأمن الوطني، وتتصرف وفقاً للقانون”.

إشكاليات التفاوض

الجدير ذكره أن العملية التفاوضية السورية/السورية تكتنفها تعقيدات وإشكاليات كثيرة، يكمن أهمها في:

 أولاً، أن السوريين (أي النظام والمعارضة) ليسا من يحدّد طبيعة المفاوضات، إذ بيّنت مفاوضات جنيف وأستانا أن الأطراف الخارجية (أي الولايات المتحدة وروسيا وتركيا وإيران) هي التي تحدد مسار المفاوضات وموضوعاتها وأولوياتها، وحتى أطرافها، مع غياب ملحوظ للدور العربي، على رغم تبايناته.

 ثانياً، هذه المفاوضات استمرت وفقاً لقاعدة دولية وإقليمية مفادها عدم تمكين أي من الطرفين (النظام ولا المعارضة) من التغلّب على الآخر، لا بالوسائل السياسية ولا بالعسكرية.

ويستنتج من ذلك أن الأطراف الخارجية -سواء اعتبرت مساندة للنظام أو داعمة للمعارضة- ظلت تشتغل على أساس المحافظة على ديمومة الصراع الدامي والمدمر في سوريا، والذي استنزفها، وهجّر شعبها، وقوّض إجماعاتها الداخلية، وأطاح بسيادتها، وأضعف بُنى الدولة فيها، بدل الاشتغال على إنهائه.

وطبعاً هذا يستثني إيران التي عملت وفقاً لأجندتها الرامية إلى تعزيز نفوذها وهيمنتها في المشرق العربي، من العراق إلى لبنان مروراً بسوريا. وهذا يفيد أيضاً بأن التدخل الروسي -على وحشيته وبشاعته- جرى في إطار التفاهم الدولي والإقليمي، لا سيما بعد انكشاف التباعد في الأجندة بين إيران وروسيا.

 ثالثاً، لم تَجْرِ العملية التفاوضية -في أي وقت- وفقاً لمعطيات الثورة بمعانيها وأهدافها المتعلقة بالحرية والكرامة والمواطنة والديمقراطية، وإنما جرت وتجري وفقاً لسياسة الأمر الواقع، أي موازين القوى، والمعطيات الدولية والإقليمية المتعلقة بالصراع على سوريا (وليس الصراع في سوريا).

 رابعاً، في حين يبدو النظام موحّداً في خطاباته وأجندته وحتى في تشكيلته التفاوضية، كما لاحظنا؛ فإن المعارضة -في المقابل- تبدو غير ثابتة أو موحدة، لا في خطاباتها ولا في أجندتها ولا في تشكيلتها التفاوضية، وهو ما يضعف صدقيتها وفاعليتها.

وبناءً على ما تقدم، ربما تطلب هذا الوضع من وفد المعارضة السورية التصرّف على أساس إدراك مسألتين:

الأولى، أن النظام الذي فعل كل ما فعله بشعب سوريا وعمرانها -طوال السنوات الست الماضية- لا يمكن أن يرضخ بالحوار، أو أن يقتنع بحجج المفاوضين المعارضين ومطالبهم، مهما كانت بليغة ومحقّة. أي أن الحوار أو المفاوضة هنا لا تجرى مع النظام تحديداً، حتى وهو يقف في المقابل مباشرة أو مداورة عبر الوسيط الدولي.

والثانية، تتمثل في ضرورة اعتبار الصراع التفاوضي -الحاصل في جنيف- جزءاً من الصراع على الرواية والصورة، وعلى مكانة المعارضة أمام شعبها وفي العالم، لا أكثر ومن دون أية أوهام.

يُستنتج من ذلك أن معطيات تفاوضية على هذا النحو لا تضع المعارضة السورية -على ضعف بُناها السياسية والعسكرية والمدنية- سوى أمام خيار واحد، ينبغي أن ينبني على أساس تحجيم الخسائر والأخطار إلى أقصى حد، بإنهاء حال التقتيل والتدمير والتهجير في البلد؛ أولاً.

وثانياً، السعي للبناء على الوضع الدولي، والمتغيرات الحاصلة في الصراع على سوريا، لإيجاد التقاطعات المناسبة التي تمكّن المعارضة من التعويض عن الخلل في موازين القوى، وتالياً إيجاد حل للمسألة السورية يتأسس على رحيل نظام الأسد، كمرحلة لا بد منها لإنهاء الاستعصاء الحاصل في هذا الصراع الدامي.

وفي انتظار جنيف 5؛ لا يوجد حتى الآن ما يفيد بعدم الوصول إلى جنيف 10 أو ربما أكثر، مع كل التداعيات الكارثية التي ستظل تنجم عن بقاء نظام الأسد واستمرار الصراع السوري، لكن لنأمل خيراً لكل السوريين.

========================

حول جنيف : الحكومة غير الطائفية والدستور الروسي..الحاوي ديمستورا وقبعاته الأربع .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

22-03-2017
ما يزال الحاوي ديمستورا الذي رفض بشار الأسد وحكومته استقباله الأسبوع الماضي ، يتنقل من عاصمة إلى عاصمة ، يحمل على رأسه قبعاته الأربع يستخرج منها في كل محفل ما يعجب ويرضي .
وليس عجيبا أن يستمر الموظف الأممي ديمستورا متعنيا خفاقا في تحمل الملف السوري يطير به من الشرق إلى الغرب ، ومن عاصمة إلى أخرى، فالرجل فيما هو فيه ساع على رزقه ، ملتزم بأداء وظيفي مناط به ؛ وإنما العجب كل العجب في إمساك من يعتبرون أنفسهم ممثلين لدماء مليون شهيد سوري، بركابه ، والخوض في مخاضاته ، والتصفيق لمناديله تتحول من طيور إلى ثعابين !!
إن تأكيد ممثلي ( المعارضة والثورة ) أنهم سيشاركون في محادثات جنيف القادمة ، وتحت عناوين قبعات ديمستورا الأربع ، يعني أن هؤلاء الممثلين قد تخلوا عن دورهم الوطني ، ومهمتهم الثورية ، واختاروا لأنفسهم أن يطفوا على سطح الموج ومحركيه من روس وأمريكيين وإيرانيين ، فلا رأي ولا موقف غير إضفاء الشرعية على كل الذي كان وعلى كل ما يمكن أن يكون . في حالة من تعويم القرار والموقف أضحت بعد أن أثارت الشفقة طويلا تثير الريبة والشك وتستدعي الجهر بالنكير .
أليس من حقنا أن نتساءل ونحن نواجه ملفات ديمستورا التي هز ممثلو المعارضة والثورة رؤوسهم بالموافقة عليها : كيف تحول المطلب الأول حسب مرجعية جنيف في ( تشكيل هيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات ) إلى الحديث عن ( بحث في أسلوب الحكم ) أو ( تشكيل حكومة غير طائفية خلال ستة أشهر ) . كيف انقلب الطائر ، وإن كان بوما أو غرابا إلى ثعبان وله فحيح ؟! كيف حصل هذا ؟! والمؤتمنون من قادة المعارضة يسمعون ويرون ويقبلون ويسترسلون ويؤكدون : ذاهبون ..ذاهبون ..ذاهبون ..؟!
أليس من حق أن نتساءل : كيف رضي قادة المعارضة ، وهم الوكلاء المؤتمنون ، بهذا النسخ والمسخ ، ثم أرسلوا جوابهم بالاستعداد للحضور ، متجاوزين دماء الشهداء وعذابات المعذبين ؟!
أليس من حقنا أن نسأل السيد ديمستورا وشركاه من كل الأطراف بمن فيهم هؤلاء المؤتمنون : حين يدعونا إلى تشكيل حكومة سورية ( غير طائفية ) ومتى كانت الحكومات في سورية طائفية ؟!!!
ألم تكن هذه الحكومات تعج بالعشرات من الذين يجلس بعضهم وأمثالهم اليوم على نفس الكراسي التمثيلية، كلهم كان يشكل منديل العذر ينفي عن حكومات بشار وأبيه صفة الطائفية ويوشحها بالوشاح الوطني الذي لم يتغير منه شيء حتى اليوم ؟!
ثم ما هي حكاية الدستور يسابق إليها ديمستورا الزمن ، الدستور السوري يكتب فوق الأنقاض ، وتحت تهديد أسراب الطيران الروسي يخاطب أهل حي الوعر : تخرجون من دياركم أو تقصفون كما قصف أهل حلب من قبل !! يحدثنا ديمستورا عن الدستور ، وفي كمه الأيسر الدستور الروسي الذي يعدنا أن يتلاعب بحروفه فيخرجه لنا بعد جولة أو جولتين من الكم الأيمن دستورا وطنيا سوريا ، يحمي حقوق الأقليات بحكم ذاتي ، وينعم على الأكثرية السورية بحكم وطني في ظل بشار الأسد كما حدثنا رئيس اللجنة السياسية في الدوما الروسي !!
في القبعة الثالثة يخبئ ديمستورا ، منديلا زاهيا عنوانه انتخابات برلمانية ، بإشراف أممي وخلال ثمانية عشر شهرا ..
ولا ندري إذا كانت ثمانية عشر شهرا ستكفي لإحصاء أعداد الشهداء السوريين ، أو الكشف عن مصير المفقودين ، أو السماح لعشرة ملايين سوري بالعودة إلى وطن لم يهجروه وإنما هجّرهم منه القتلة والمجرمون..
لا ندري إذا كانت ثمانية عشر شهرا ستكفي لإعادة توصيف السجلات العدلية لعشرين مليون سوري ، تكاثر فيهم القتلة والمجرمون . وهي أبسط ما يشترط في الناخبين والمرشحين؟!
أما الحديث عن الحرب على الإرهاب فسنجدنا قابلين لتحدي ديمستورا وكل محازبيه أن يضعوا معايير موضوعية للإرهابي الحقيقي لنتفق على حربه ، بل نسبق إليه ..وهل يوجد على ظهر البسيطة اليوم إرهابي قتل كما قتل بشار الأسد أو عذّب كما عذّب أو هجّر كما هجر ..
إلى المؤتمنين على قرار الثورة السورية : نصيحة محب مشفق ناصح ، لن تخسروا شيئا إذا قلتم لديمستورا : ملفاتك هذه لا تعنينا . إن أي بديل اعتباطي لجهد ديمستورا سيكون أقل سوء مما تدعون إليه ، وتخوضون فيه ، والذي ما إخالكم إلا ستوقعون عليه .. 

22 / 3 / 2017

مدير مركز الشرق العربي

========================

هل تغيرت قواعد اللعبة بين سورية وإسرائيل؟ .. حسين عبد العزيز

العربي الجديد

الخميس 23/3/2017

على مدار السنوات الطويلة، شنت إسرائيل عشرات الغارات في سورية، سواء قبل الأزمة أو بعدها، ووصل الأمر في بعض الغارات إلى استهداف مناطق عسكرية مهمة جدا، مثل الغارة التي استهدفت ما قالت إسرائيل إنه مفاعل نووي سري، طور البناء في دير الزور شرقي سورية في سبتمبر/ أيلول 2007، والغارة التي استهدفت مركزا للأبحاث العلمية في جمرايا خلف جبل قاسيون في يناير/ كانون الثاني 2014، ومركز البحوث العلمية في دمشق في مايو/ أيار من العام نفسه

وبسبب التباين الحاد في موازين القوة العسكرية بين سورية وإسرائيل لصالح الأخيرة، اعتادت دمشق التصريح، بعد كل عدوان إسرائيلي، بأن الرد سيأتي في الزمان والمكان المناسبين. وفي القصف الإسرائيلي على سورية، قبل أيام، ثمّة تطوران شكلا قطيعة مع الهجمات الإسرائيلية السابقة على سورية: أن إسرائيل أعلنت رسمياً شنها غارة، وهذا لم نعتد عليه طوال السنوات الماضية، حيث كان الخبر يأتي من وسائل إعلام غربية، تعقبها تصريحات إسرائيلية شبه رسمية تؤكد وقوع الهجوم. والتطور الثاني أن سورية ردت على الهجوم الإسرائيلي، ما لم يحدث سابقا، إذ اعترضت الطائرات الإسرائيلية بصواريخ إس 200، ثم أطلقت صواريخ باتجاه إسرائيل.

لا يتعلق السؤال المركزي بالاعتراف الإسرائيلي بشن غارة على سورية، وإنما بقرار الأخيرة إطلاق صواريخ لإسقاط الطائرات الإسرائيلية، ومن ثم إطلاق صواريخ أرض ـ أرض باتجاه إسرائيل. وتشكل هذه الخطوة السورية هذه قطيعة مع التكتيك العسكري المتبع تجاه إسرائيل منذ سنوات طويلة.

هل الرد السوري مرتبط بتغيير في الاستراتيجية العسكرية، كما ذهب إليه بعضهم، على الرغم من أن هذا التغيير يتطلب تطورا تقنيا عسكريا عالي المستوى، وهو أمر غير متوفر في سورية قبل الأزمة؟ أم أن ما جرى لا يخرج عن بروباغندا إعلامية، هدفها إعادة إنتاج النظام لنفسه مقاوماً ومقاتلاً لإسرائيل؟

بطبيعة الحال، لم يكن الرد السوري العسكري ليحدث، لولا الوجود الروسي، فموسكو قد تسمح بهجوم إسرائيلي، يستهدف أسلحة مرتبطة بحزب الله، لكنها لن تسمح برد إسرائيلي على الرد السوري. وعليه، يمكن القول إن الرد العسكري السوري جاء ضمن بروباغندا إعلامية وتغيير في قواعد اللعبة في آن معا، وثمّة مؤشرات تدلّ على ذلك:

أولا، أن الصاروخ س 200، المستخدم في إسقاط الطائرات الإسرائيلية، هو من الجيل الماضي، وغير قادر على تدمير طائرات متطورة مثل إس آيه 5، أي أن سورية ليست في وارد الدخول في مواجهة مع إسرائيل، لكنها لن تسكت بعد الآن على أي اعتداء إسرائيلي.. كان الرد متواضعاً.

ثانياً، الصواريخ السورية التي وجهت إلى إسرائيل سقط أحدها فوق إربد الأردنية، ما يؤكد أنها أطلقت من على مسافةٍ جغرافيةٍ بعيدة من إسرائيل، في محاولةٍ لإعطاء الأخيرة فرصة لإسقاطها، أما الأخرى فقد اخترقت منظومة الصواريخ الإسرائيلية، لأنها متطورة، وفقا لخبراء عسكريين إسرائيليين، لكنها سقطت في أراضٍ خالية، فكانت بلا هدف عسكري.

ثالثاً، قصفت إسرائيل سورية عدة مرات منذ التدخل العسكري الروسي، ولم يحدث أي رد من سورية، بمعنى أن الرد السوري جاء، هذه المرة، بتنسيق مع روسيا التي سرعان ما استدعت السفير الإسرائيلي لديها لاستكمال المشهد.

لا يعني الرد السوري أن إسرائيل لن تشن أي هجمات داخل سورية، لكنه يعني أن مرحلة جديدة قد بدأت، وأن مفتاح المواجهات العسكرية انتقل من واشنطن إلى موسكو، على الأقل في هذه المرحلة.

كشف الرد العسكري السوري المشكلة بين روسيا وإسرائيل، وحدود التباينات والأولويات بينهما. لا تريد إسرائيل التدخل في الشأن السوري، خصوصا بعد الهيمنة الروسية، وهذا ما صرح به وزير الحرب، أفيغدور ليبرمان، بكل صراحة، لكنها لن تسمح باستمرار تدفق السلاح إلى حزب الله، وهذه مسألةٌ لا ترفضها موسكو، لكنها، في المقابل، لم تعد في وارد السماح باقتحام الأجواء السورية من دون تفاهم معها.

بعبارة أخرى، ثمة رسالة روسية إلى إسرائيل بأدوات سورية، مفادها أن التدخل الإسرائيلي يجب أن يجري وفق الإيقاع الروسي، فما جرى ليس مجرد سوء تفاهم عسكري.

========================

الأسد سيرد والحاضر يعلم الغايب .. سهيل كيوان

القدس العربي

الخميس 23/3/2017

يحاول النظام السوري الإيحاء بأن مقولته التاريخية المتعلقة بالزمان والمكان المناسبين منذ عقود قد أزفت بالفعل، ولأنها حانت بعد صبر أيوب، فقد أطلق صاروخًا مضادًا للطائرات بعد صمت أهل المقابر.

والآن على الشعب السوري والأمة العربية وحركات التحرر العالمي والأمم في مشارق الأرض ومغاربها أن يشكروه على شجاعته وجرأته ووفائه بوعده، فها هي إسرائيل تعرب عن قلقها من أن الأسد يحاول تغيير قواعد اللعبة، وأن المنطقة على شفا مرحلة جديدة، وأن الحيدرة الهزبر قد بدأ عملية فطام عن إدمانه في تلقي صفعات وركلات وكرابيج دولة الاحتلال، وأنه من الآن فصاعدًا لن يسكت على الإهانة، والحاضر يعلم الغايب.

فما الذي تغيّر حتى قرر النظام أن يرد هذا الرد المتواضع؟ ولماذا الآن وهو الذي لم يمارس حتى شرف المحاولة منذ عقود؟ ثم مَن هو الذي يفترض أن يبادر أصلا للتحرش بالآخر؟ المحتل للأرض منذ خمسين عامًا أم صاحب الحق والأرض المحتلة؟ وما هي اللعبة المتفق عليها التي يحاول النظام السوري تغيير قواعدها؟

اللعبة هي أن النظام تذرع طيلة عقود بعدم الرد تجنبًا للدخول في مواجهة غير متكافئة مع العدو، وبهذه الذريعة حارب لبنانيين وفلسطينيين وقوى داخلية بحجة رفض محاولة جرّه إلى مواجهة غير متكافئة، فهل حدث التكافؤ والتوازن الإستراتيجي المرتجى، بعد استنزاف سوريا جيشًا وشعبًا على مدار ست سنوات؟

النظام يصدع رؤوس المراقبين منذ ستة أعوام بما يسميها انتصاراته على قرية سورية هنا وكتلة إسمنتية وحي وميدان وطريق فرعي أو رئيسي ومنطقة صناعية هناك، انتصارات كلفت حتى الآن ما يقارب نصف مليون ضحية من المعارضة والموالاة، إلى جانب تهجير الملايين وخسارة مليارات الدولارات، نعم فقد كان مستعدًا للمبادرة في العنف، ومستعدًا لخراب البلد لأجل كرسيه، ولكنه بقي متعقلا رابط الجأش حليما صبورًا في مواجهة الاحتلال، واكتفى بجملته الشهيرة التي صارت نكتة بائسة.

يحاول النظام الإيحاء بأن القوى التي استجار بها ضد شعبه، خصوصا الروس والفرس، ليست مختصة فقط في قمع الشعب السوري، بل بوجودها صار بإمكانه التصدي لغارات إسرائيل واعتداءاتها المتكررة، وهكذا توجه رأس النظام إلى بوتين متوسلا بقوله إن القانون الدولي يسمح لروسيا بأن ترد على عدوانية إسرائيل.

نعم لقد أزفت الساعة ليعلن الأسد أنه في حالة اشتباك مع إسرائيل، كي يبرهن على أن من يحارب النظام هو خائن وحليف لدولة الاحتلال، إنه الوقت المناسب ليثبت كذبه وافتراءه بأن إسرائيل تدعم الثوار، هو الوقت المناسب بأن يحاول إثبات وجود مؤامرة كونية كما زعم، وبأنه بريء من دم الشعب السوري.

الشماعة المشتركة لجميع من يحاربون الشعب السوري، هي محاربة ما يسمونه التطرف والإرهاب الإسلامي، بهذا يتفق بوتين ونتنياهو والأسد وترامب وقاسم سليماني وحسن نصر الله وغيرهم، ولكن لكل منهم طريقته والحق بتفسير ما هو هذا التطرف والإرهاب. لروسيا أطماعها التي حققتها وما زالت تُرسّخها وتوسّعها، ولهذا استأجرت الأرض والمياه والفضاء السوري إلى عشرات السنين المقبلة، وتريد المحافظة على هذه المكتسبات، ولإسرائيل أطماعها المعلنة ألا وهي استمرار احتلال الجولان إلى الأبد وشرعنته دوليا وبقاؤها القوة المهيمنة والمسيطرة التي لا تسمح لأي طرف في المنطقة أن يقوى مهما كان اتجاهه، لأنه قد يتحوّل في يوم ما ضدها بتغير هذا النظام أو ذاك.

الخلاف بين بيبي نتنياهو وبوتين ليس على مبدأ محاربة ما يسمونه التطرف والإرهاب الإسلامي، ولا على قمع الشعوب العربية، خصوصا الشعب السوري، الخلاف هو فقط على التفاصيل وزوايا المصالح، ففي حين ترى إسرائيل أن من حقها تدمير أي حمولة أسلحة تشك بأنها متوجهة إلى حزب الله، وأن تقتل أي ضابط يقترب من حدود وقف إطلاق النار، وتعلن بهذا أنه ما دام حزب الله متورطا في الدم السوري فهذا يسرّها جدا ولن تتدخل، أما إذا حاول التسلح والتفكير بأن يعود كما كان قبل تورطه في سوريا فهي ستمنعه من ذلك، روسيا ترى بأنها صاحبة القرار الأول والأخير في سوريا ويجب التفاهم معها على كل هدف قبل ضربه حفظًا لهيبتها ولمصداقيتها.

لقد أصبح الرد على الهجمات ضروريا للأسد، ليس حفظًا للكرامة السورية والعربية التي عاث فيها فسادًا هو نفسه، ولا لأنه صاحب حق بالرد يعترف به القانون الدولي، بل لأن الرّد بات ضرورة لحفظ الكرسي المترنّح، وليس نتيجة شعور بالقوة، بل هو شعور بالضعف والوهن، وأن عدم الرد لم يعد مفهوما ولا مقبولا حتى لأقرب حلفائه، خصوصًا بعدما ضحى بمئات آلاف السوريين على مذبح سلطته، ويرى حتى أقرب حلفاء النظام بأنه لا يستطيع مواصلة التهرب من دفع ثمن التصدي للعدوان الإسرائيلي. لقد آن الأوان بأن يرد على هجمات إسرائيل ليقول إنه ضحية للثوار من ناحية، ولإسرائيل من ناحية أخرى، وكي يقول إن روسيا وإيران والميليشيات ليست في سوريا لقمع الشعب السوري، بل أيضا تتصدى لإسرائيل وتحد من عدوانيتها.

صحيح أنه بإمكان روسيا وضع حد لعربدة إسرائيل في سماء سوريا لو أرادت ذلك، وإذا رأت أن هذا بات ضرورة لبقاء النظام المترنح الفاقد للحد الأدنى من المصداقية، ولكن لا يتوهمن أحد بأن هذا قد يصل إلى درجة المواجهة، بل سيبقى في إطار التنسيق المشترك، وسوف يتفاهم بيبي وبوتين من جديد على كيفية معالجة أهداف ومصالح كل منهما، بما يضمن عدم المواجهة والإحراج ويضمن في الوقت ذاته مصلحة إسرائيل وطمأنتها، وكذلك إبقاء ماء الوجه لروسيا الدولة العظمى صاحبة القرار الأول والأخير في سوريا، وطبعا لا مفر أمام الأسد سوى مباركة أي اتفاق.

========================

فوضى في السياسة الكردية .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 23/3/2017

في قلب الصراعات المتشابكة عبر الإقليم، برز الكردي كلاعب سياسي جديد في توازنات القوى السيالة، قادر على تغيير المعادلات والتحالفات والتجاذبات بين مختلف القوى المتصارعة على تركة الرجل المريض الجديد في العراق وسوريا وتركيا وإيران. تتكثف «الفرص» المتاحة للكرد في مدينة منبج (غير الكردية!) التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب في إطار «قوات سوريا الديمقراطية» بحماية مزدوجة أمريكية وروسية في مواجهة القوات التركية العاملة في إطار عملية درع الفرات. فالقوات الأمريكية والروسية موجودة اليوم معاً في تلك البلدة السورية الصغيرة التي عانى سكانها ما عانوا في ظل احتلال داعش قبل «تحريرها» الإشكالي.

منذ بداية التدخل الروسي المباشر في الحرب السورية لمصلحة النظام الكيماوي في دمشق، أيلول 2015، ساد تفاهم أمريكي ـ روسي بشأن تقاسم مناطق العمليات العسكرية، بحيث تترك المنطقة الشمالية ـ الشرقية للأمريكيين، بما في ذلك بلدة كوباني التي بات لهم فيها قاعدة عسكرية ثابتة، ليهتم الروسي بباقي الجغرافيا السورية. غير أن التوتر الروسي ـ التركي الذي تصاعد منذ إسقاط المقاتلات التركية لطائرة السوخوي الروسية في تشرين الثاني 2015، وفتور الدعم الأمريكي لحليفتها الأطلسية تركيا في هذا التوتر، أديا إلى بعض تداخل في مناطق عمليات الأمريكيين والروس في الريف الشمالي لمدينة حلب الممتد إلى الحدود التركية. وظهر تحالف موضوعي معاد لتركيا بين واشنطن وموسكو اللتين دعمتا معاً القوات الكردية التي تعتبرها أنقرة امتداداً لحزب العمال الكردستاني.

مع الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة الرئيس دونالد ترامب، ازداد الدعم العسكري الأمريكي لقوات حماية الشعب الكردية، وازداد، بالتالي، الفتور الأمريكي ـ التركي الذي يمكن تلمسه في الميدان الدبلوماسي في عدم توجيه دعوة، إلى اليوم، للرئيس التركي لزيارة واشنطن، بعدما زارها أغلب قادة دول الشرق الأوسط للقاء الرئيس الأمريكي الجديد. وفي إطار تحضيرات البنتاغون لمعركة الرقة ضد تنظيم الدولة الإسلامية، زج الأمريكيون بمزيد من القوات البرية المقاتلة المزودة بسلاح المدفعية. وكأن الأمريكيين يقولون لتركيا إنهم ليسوا بحاجة إليها في معركة الرقة. يجمع المطلعون على نتائج اجتماع أنطاليا الثلاثي بين رؤساء أركان تركيا والولايات المتحدة وروسيا، على أي حال، على أن تركيا فشلت في إقناع كل من الروس والأمريكيين بمشاركة القوات التركية، وحلفائها في الفصائل السورية، في معركة تحرير الرقة، تلك المشاركة المشروطة من قبل أنقرة باستبعاد القوات الكردية منها.

يبدو اليوم أن وحدات الحماية الكردية هي القوة البرية المفضلة أمريكياً لعملية الرقة، مع العلم أن سيطرة هذه القوات على مدينة غالبية سكانها الكاسحة من العرب، من شأنها خلق توترات جديدة وربما صراعات جديدة. حالها في ذلك كحال قوات الحشد الشعبي الشيعية العراقية في عملية تحرير الموصل من داعش. فسكان كلا المدينتين، الرقة والموصل، لا ينظرون بعين الود إلى القوات الكردية والشيعية على التوالي. وليس ذلك فقط بسبب الاختلاف القومي والمذهبي، بل بسبب سوابق القوتين المشينة في عمليات عسكرية سابقة.

وفي بلدة عفرين الكردية شمال غرب حلب، تقيم روسيا قاعدتها العسكرية وفقاً لمصادر «الاتحاد الديمقراطي»، أو «مركزاً لرصد انتهاكات وقف إطلاق النار» وفقاً للمصادر الرسمية الروسية. وفي الحالتين تبدو هذه الخطوة موجهة أساساً ضد تركيا التي سبق وقصفت البلدة مرات عدة بذريعة ضرب مواقع الحزب الكردي وذراعه العسكرية «قوات حماية الشعب» على رغم وقوعها جغرافياً خارج إطار عملية درع الفرات. كما أنها تأتي في إطار التنافس الأمريكي الروسي على مناطق النفوذ في سوريا.

من ناحية أخرى، بدأت بوادر تدخل كردستاني (بارزاني) في شمال سوريا، تمثلت في اشتباكات محدودة، إلى الآن، بين «بيشمركه روج آفا» الكردية السورية المدعومة من قيادة إقليم كردستان ووحدات الحماية «الأوجالانية». كما أغلقت «الإدارة الذاتية» التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي مقرات الأحزاب الكردية المقربة من زعامة البارزاني واعتقلت بعض قياداتها. بكلمات أخرى: بدأ الصراع الكردي ـ الكردي ينتقل من طوره الفاتر إلى طوره الساخن.

دخل الصراع الإقليمي ـ الدولي على سوريا وفيها عامه السابع، من غير أن يبدو في الأفق حل قريب. ومن المحتمل أن الصراع الأكثر ضراوة سيكون، من الآن وصاعداً، بين الأمريكيين والروس، على رغم تجنب الطرفين، إلى الآن، الصدام المباشر بين قواتهما، مفضلين خوضه بأدوات محلية. ويتنازع الطرفان، مبدئياً، على شد القوات الكردية كلٌ إلى صفه، مع أفضلية لمصلحة الأمريكيين إلى الآن. يراهن حزب الاتحاد الديمقراطي على حاجة الأمريكيين إليهم في الحرب على داعش. بل أكثر من ذلك: كحليف محلي موثوق على المدى البعيد لتوطيد منطقة نفوذ أمريكية ثابته شمال سوريا. كما يراهن على فرض روسيا لنوع من الحكم الذاتي على نظام دمشق والمعارضة السورية، إذا استمر مسار الحل السياسي تحت المظلة الروسية وحدها. وقد ظهرت بوادر هذا الاحتمال في مشروع الدستور الذي قدمته روسيا في اجتماعات آستانة الأولى إلى طرفي الصراع الداخلي السوري.

ترتسم خطوط النزاع في شمال كل من سوريا والعراق، اليوم، كما يلي: تركيا وإقليم كردستان في جهة، وحزب العمال الكردستاني مع فرعه السوري المدعومين من أمريكا وروسيا في الجهة المقابلة. كما ينسق «الاتحاد الديمقراطي» مع النظام السوري، من خلال الحليف الروسي المشترك، حيثما اقتضت الحاجة، كما حدث حين سلمت وحدات الحماية بعض قرى ريف منبج إلى قوات تابعة للنظام الكيماوي.

الخلاصة أنه ليست هناك سياسة كردية متسقة قائمة على «مصلحة قومية كردية». بل التحاق آني بأجندات دول إقليمية ودولية لا يعرف متى تنقلب ضد الكرد أنفسهم. إضافة إلى احتمالات حرب أهلية كردية ـ كردية بين الخطين البارزاني والأوجالاني. ولا يستبعد استخدام كرد سوريا من قبل الأمريكيين لتحجيم الدور الإقليمي لتركيا المنبوذة حالياً من حلفائها الغربيين، كاستراتيجية طويلة المدى.

========================

فلسطينيو سورية.. وحدة المصير والحال .. سلامة كيلة

العربي الجديد

الاربعاء 22/3/2017

أصبح وضع فلسطينيي سورية واضحاً، بعد ست سنوات من الثورة، حيث تشرّد كثيرون منهم كما الشعب السوري، وعانوا من الاعتقال والقتل والتدمير، مثل كل الشعب السوري، ليبدو أن لا فرق بينهم وبين الشعب السوري، فقد جرى اتهامهم، منذ بدء الثورة في درعا، أنهم وراء ما يجري، وتعرّضت المخيمات للقصف والتدمير. وفي كل ذلك عاملان:

الأول، يتمثل في أن الشباب الفلسطيني الذي ولد في سورية، ودرس في مدارسها وعانى من الاستبداد والاعتقال، ومن ضيق الحال، بعد انهيار الوضع الاقتصادي السوري، هذا الشباب كان ينطلق من أنه معني بالتغيير ككل الشباب السوري، فهو يعيش الظروف نفسها، ويعاني من الاستبداد نفسه. ولقد ولد وعاش هنا، وأصبح جزءاً من التكوين الاجتماعي القائم، ويتأثر به بشكل شديد. لهذا، كان من الطبيعي أن يكون مع الثورة، وأن يشارك فيها منذ البدء بلا تردّد. فهو، وإن كان يُحسب فلسطينياً انتماءً، ومعني بالعودة الى فلسطين، يعيش الظرف نفسه الذي فرض عليه كما كل الشعب السوري. يعاني من التدخلات الأمنية ومن الحصار والاعتقال، وكذلك من غياب فرص العمل، أي البطالة، ومن ضعف الدخل، وكل المشكلات التي أنتجها نمط اقتصادي ريعي مافياوي، تشكّل خلال ثلاثة عقود. وهو الوضع الذي جعله في مواجهة النظام، نتيجة وضعه المعيش. ولا شك أنه كان أكثر من يتلمس زيف خطاب النظام عن فلسطين، وقمعه كل تفكير يريد السعي إلى تحريرها، وكيف أنه فكك المقاومة الفلسطينية، وأخضع جزءاً كبيراً منها، ومنعها من ممارسة دورها التحريري. وبالتالي، لم يتأثر بالخطاب "القومجي" الذي كان يتكرّر حين الحاجة فقط.

لهذا كان الانخراط في الثورة أمراً "طبيعياً"، من دون التفات إلى خطاب زائف، يتكرّر حول 

"لسورية موقع حاسم في هذا السياق، حيث من أجل تحرير فلسطين نريد إسقاط النظام"النظام "الممانع". كان وضعه المعيش يدفعه إلى الثورة، ككل السوريين، بلا تردّد، ولا تذكُّر أنه "من خارج البنية"، بالضبط لأنه جزءٌ من البنية التي تحكم المجتمع السوري. ولأنه أكثر من كشف خطاب النظام حول فلسطين، لأنه عانى نتيجة حلمه بفلسطين، فتعرّض شبابٌ كثيرون للاعتقال خلال العقود السابقة، بسبب فلسطين تحديداً. بالتالي، عانى بعد الثورة كل ما عاناه السوريون، الاعتقال وهناك آلاف الشباب في سجون النظام، والقتل في السجون كذلك، والحصار الشديد كما حدث لمخيم اليرموك، والتشريد بعد تدمير المخيمات.

العامل الثاني، اتهم النظام الفلسطينيين، منذ بدء الثورة في درعا، وفعل ذلك في اللاذقية، على أساس أن ما يجري هو "أفعال تخريب"، يقوم بها الفلسطينيون. لكن توضّح، خلال الثورة، أن النظام يعمل على تدمير المخيمات، واحداً تلو الآخر. بدأ بمخيم درعا، ثم ركّز على مخيم الرمل الجنوبي في اللاذقية، ثم مخيم حمص، وظهر الأمر بوضوح شديد في مخيم اليرموك، حيث حوصر وما زال، وجرى تهديم أجزاء مهمة منه، وما زال الأمر جارياً. لكن، ربما كان الأمر الذي يكشف أسباب ذلك هو حصار مخيم خان الشيح الذي لم يكن فيه مسلح واحد، ولا كان "متمرداً"، لكنه حوصر وجرى قصفه بالطائرات (السورية والروسية) والصواريخ.

بالتالي، إذا كان النظام قد منع فلسطينيي العراق من دخول سورية، وأبقاهم سنوات في صحراء التنف، إلى أن رُحّلوا إلى أميركا الجنوبية وكندا، على الرغم من أنه سمح بدخول أكثر من مليوني عراقي، فلا يمكن أن نفهم تركيزه على المخيمات، إلا انطلاقاً من التزامه بـ "القرار" الأميركي الصهيوني بترحيل كل اللاجئين الفلسطينيين القاطنين بلدان الطوق، بعيداً عنها. بمعنى أن النظام ينفّذ سياسة أميركية صهيونية، تريد ترحيل اللاجئين بعيداً. لهذا، قام بتدمير المخيمات، وفرض تهجير سكانها، ودفعهم إلى المغادرة خارج سورية، كي يموت كثيرون منهم في البحر.

لقد أدخل النظام عصاباتٍ تابعة له إلى مخيم اليرموك، تحت مسمى "الجيش الحر"، لكي

"إذا كانت تنظيمات فلسطينية قد دعمت النظام، وقاتلت معه وما تزال، فلأنها تابعة له، أو لأنها تخاف على مصالحها" يحاصر المخيم الذي كان شبابه قد عملوا على تحييده، خصوصاً أنه بات يضم سوريين كثيرين من المناطق المحيطة التي تعرضت للقصف والتدمير، وقام بتسليح عصاباته الفلسطينية منذ بدء الثورة، وأوصل الأمر إلى إدخال جبهة النصرة و"داعش"، لنصل إلى تدمير واسع للمخيم، وتهجير معظم قاطنيه.

وإذا كانت تنظيمات فلسطينية قد دعمت النظام، وقاتلت معه وما تزال، فلأنها تابعة له، أو لأنها تخاف على مصالحها. ولهذا زجّت مئات الشباب الفلسطيني في حربٍ قذرة ضد الشعب السوري. وكان واضحاً الفراق بين الشباب الفلسطيني وكل التنظيمات الفلسطينية منذ بدء الثورة، ما دفع كثيرين منهم إلى ترك تنظيماتهم والانخراط في الثورة، فهذه التنظيمات تؤسس على مصالحها، وليس على مواقف مبدئية، وقد تنازلت عن معظم فلسطين نتيجة ذلك. ولا شك أن مواقفها انعكست بشكل سيئ على فهم ما يجري في سورية لدى قطاع من الشعب الفلسطيني الذي توهم أن المعركة هي ضد الأصولية والإرهاب، كما يكرّر خطاب النظام، أو أنها مؤامرة إمبريالية، كما يكرّر أتباعه، على الرغم من أن الصراع الواقعي يوضّح أن الأمر يتعلق بثورة شعبٍ ضد نظام نهّاب واستبدادي و"بيّاع"، فيما يتعلق بالمسألة الوطنية.

كل ذلك يعرفه شباب المخيمات، ولهذا كانوا مع الثورة. وهم يعرفون أن تحرير فلسطين يبدأ بتغيير النظم التي تكيفت مع الوجود الصهيوني، وباتت في تصالح أو تريد التصالح معه. ولسورية موقع حاسم في هذا السياق، حيث من أجل تحرير فلسطين نريد إسقاط النظام.

========================

حماة الله أم مختطفو البشر؟ .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاربعاء 22/3/2017

في عقائد الأديان السماوية، ليس الله كلي القدرة فقط، بل هو القدرة ذاتها، وهو الذي يحتاج خلقه إلى حمايته، وليس بحاجة إلى حماية أحد منهم، لا سيما أن الله، عز وعلا، ليس في متناول أيديهم، وهم غير مكلفين بحمايته، بدلالة قول القرآن الكريم: "إن الله غني عن العباد"، كما أنه لا يفوّض أحدا بمعاقبة من يرتكبون معصيةً أو يكفرون، وهو الذي قال بلغة الوحي الإلهي القاطعة: من شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر؟ لو كان الله بحاجةٍ إلى حماية من الكفر، لجعل الكفر ممنوعا والإيمان عاما، بالمعنى السامي الذي يقوم على غرس الإيمان في قلب كل إنسان، حتى قبل ولادته، فلا يعرف الكفر إليه سبيلا، فتنتفي، في الوقت نفسه، الحاجة إلى الأنبياء والرسل.

تريد هذه المقدمة الرد على تبرير الإجراء الذي قام به "جيش الإسلام" ضد مواقع إعلامية وإغاثية وتربوية وحقوقية في غوطة دمشق، بسبب مقالة كتبها أحد الأغرار، ونشرتها مجلة "طلعنا عالحرية"، تحدث فيها عما سماه "استبداد الله والدولة والأب"، في سياق فذلكة سطحية، لا علاقة لها بما أصاب الطفل الذي بترت ساقاه ببرميل متفجر، وإنما كرّسها لدور الأب في إنقاذ ابنه الذي قال له، وقد فقد ساقيه: "شيلني يا بابا".

وقد اعتذرت المجلة لأهالي الغوطة، وأصدرت رئيسة تحريرها بيانا اعتذرت فيه، وحملت 

"أوقفوا الأسدية في "جيش الإسلام"، أخرجوا المختطفين من سجونها" نفسها المسؤولية عن الخطأ الذي وقع في نشر المقالة. كما استقالت نائبتها، واستقال كبير محرّريها، قبل إعلان هؤلاء وقف إصدار المجلة، إلى أن يبت القضاء (الشرعي طبعا) في القضية التي أكدوا أنه لا علاقة للمؤسسات الأخرى التي تم إغلاقها بمجلتهم أو بالمقالة. إذا كان كاتب المقالة قد "أهان الله"، أليس الاعتقاد بقدرة مخلوق على إهانة الله ضرباً من إنكار تسامي الله عن خلقه، وبالتالي كفرا صريحا؟ ماذا فعل مكتب توثيق الجرائم الخاصة بانتهاك حياة وحقوق الإنسان في الغوطة؟ وبماذا أخطأت الهيئة التي تعالج أطفال الغوطة من عقابيل الحرب المرعبة على نفسياتهم؟ وأي ذنبٍ جنت المكاتب والهيئات الأخرى التي تمد الأهالي بالعون، وتحظى باحترامهم وعرفانهم؟

انتهز جيش الإسلام الفرصة، ليقضي على أي أثر لأي عمل مؤسسي مدني في الغوطة، أما السبب فيفسره وضع التنظيمات المتعسكرة/ المتمذهبة، بعد هزيمتها المشينة في حلب، وما أعقبها من تمرد شعبي عليها في كل مكان، بدا أنه يتيح الفرص لاستنهاض الحراك المدني/ السلمي، وخصوصا منه الشبابي، من جديد. لذلك، بادر "جيش الإسلام" في الغوطة، ثم سارعت جبهة النصرة إلى وأد هذا الاحتمال في مهده، قبل تعاظم حضوره وتوطده من جديد بديلاً للجنون المتعسكر/ المتمذهب الذي لم يخدم أحدا غير النظام، ودمر الثورة وأوصلها إلى حافة الفشل. لهذا السبب، ولسبب آخر أتحدث عنه بعد قليل، أغلق مكتب التوثيق، لوضع حد لقصة المختطفين الأربعة، رزان زيتونة وسميرة الخليل وناظم حمادي ووائل حماده، التي زعم دوما براءته منها، علما أن إخفاءهم تم لمنعهم من توثيق الجرائم المرتكبة ضد أهالي الغوطة، وخصوصا منها التي ارتكبتها أجهزة الجيش الأمنية، وهي كثيرة وفظيعة، كجرائم مخابرات الأسد، بل هي أشد فظاعة منها، لأنها ترتكب باسم الثورة التي قامت من أجل حرية السوريين. لماذا أذكّر من جديد بمن لن ننساهم، وطالبنا دوما بالكشف عن مصيرهم، ليس فقط لأنهم من مفجري الثورة والمدافعين عن حياة السوريين وحقوقهم، وإنما قبل هذا وذاك لأنهم جرح غائر في ضمير كل من يطالب بالحرية، أو يلهج باسمها من السوريات والسوريين، ولأن مصيرهم ككوكبة حرة كرست حياتها للدفاع عن كل سورية وسوري، صار رمزيا بالنسبة لمصيرنا، أفراداً وشعباً، ولمصير وطننا نفسه، ولأن جرم اختطافهم أعقبه جرم أشد فظاعة هو إخفاؤهم، باسم الدفاع عن الثورة، فعن أي ثورة وحرية تتحدثون، إذا كنتم تضطهدون الغوطة الشرقية باسم الثورة، وتختطفون وتخفون رموزها، على الرغم من أنهم كانوا عزّلا وتحت سلطتكم، وأنجزوا عملا نبيلا كان يجب أن يوضع سلاحكم في خدمته، بدل أن يختطف ويخفي القائمين به؟

لن نصدّق بعد اليوم ما كان يقال عن براءة "جيش الإسلام" من الجريمة ضد رموز حريتنا 

"انتهز جيش الإسلام الفرصة، ليقضي على أي أثر لأي عمل مؤسسي مدني في الغوطة" وثورتنا الأربعة، بعد أن تبين، في الأيام القليلة الماضية، أن حربه تشمل أيضا مخالفيه في الرأي من الثوار وطلاب الحرية. ولا يتذرعن أحد بعد اليوم بالدفاع عن الدين والله، فالله في غنى عن هؤلاء، وإذا لم يكن هناك من يدافع عن الدين غير "جيش الإسلام" وأتباعه، لوجب علينا الاعتراف بأن مدّعي الدفاع عن الله هم الذين يعتدون عليه من خلال الاعتداء على خلقه، ولو كان الله بحاجة إلى حماية هؤلاء، لما كان هو الله الذي نؤمن به، ولكان بلا حماية! لن نقبل أيضا أن يتجلبب أحد بعد اليوم بالدين ليغطي جرائمه، وينتهك حقوق السوريات والسوريين، ويعتدي على حياتهم، كما فعل "جيش الإسلام" مع المختطفين الأربعة، ويفعل اليوم مع محرّري مجلة "طلعنا عالحرية". وسنطالب "جيش الإسلام" برفع يده الثقيلة من الآن فصاعدا عن الغوطة وأهلها، وسنجعل احترامه للحرية معيارا لشرعية سلاحه الذي يجب أن يوجه إلى النظام حصرا، كي لا يعتدي على الدين، ويقلل من قيمة الله وقدرته، كي يسكت من يزعجه وجودهم بين أهليهم في الغوطة، فيختطفهم ويخفيهم. هناك على الصفحة الداخلية لمجلة "طلعنا عالحرية" أحد أسباب تدابير "جيش الإسلام" القمعية ضد مؤسسات الغوطة، إنها صور المختطفين الأربعة التي تطالب المجلة بحريتهم، في حين أغلق مكتب التوثيق، كي لا يواصل ما انقطع من عمل رزان وسميرة ووائل وناظم ضد المجرمين الذين ينتهكون حقوق البشر ويقضون عليهم.

أوقفوا الأسدية في "جيش الإسلام"، أخرجوا المختطفين من سجونها، دافعوا عن حقهم وحقكم في الحرية، كي لا تختطفوا أنتم أيضا. لا تصدّقوا أن كبت حرياتكم هو شرط الانتصار على النظام، إنه شرط هزيمتكم. إذا سكتم عن ضياع حريتكم، أي ثورة تبقى لكم، وأي فارق يبقى بين جيش الإسلام وجيش النظام الأسدي؟

========================

حي الوعر أخيرا وليس آخرا .. التهجير القسري جريمة حرب ينفذها ويشرف عليها المجتمع الدولي .. زهير سالم

19 / 3 / 2017

مدير مركز الشرق العربي

يمثل مشهد عشرات الآلاف من مواطني حي الوعر في حمص ، يقتلعون من أرضهم وديارهم ؛ جريمة حرب مستعلنة موثقة بنص القانون الدولي ومفهومه.

تتم الجريمة في حي الوعر في حمص ، كما تمت من قبل في وادي بردى وفي غوطة دمشق وفي حلب وغيرها وغيرها من المدن السورية ،  على الهواء مباشرة ، وتحت سمع المجتمع الدولي وبصره ، وبحضرة ، بل وبإشراف وحضور الدولتين الأعظم في العالم ، المسئوليتين عن حماية الأمن والسلم الدوليين .  فإذا كان الروس قد شاركوا في الجريمة عضويا ، وهددوا سكان حي الوعر مباشرة : اخرجوا وإلا كان مصيركم مصير حلب وسكانها ، فإن القوات الأمريكية ، والدبابات الأمريكية ، تتبختر وتخطر على بعد أقل من مئتي ميل من موقع جريمة الحرب التي يرتكبها ويسكت عنها أولئك الذين زعموا أنهم ما جاؤوا إلا لحرب الإرهاب. وهل الإرهاب إلا شكل من أشكال جريمة الحرب التي وصّفها وسماها القانون الدولي ، وجرّم مرتكبيها والمشاركين فيها ؟!

هل ما يتم في حمص اليوم هو تهجير قسري وجريمة أو خروج من وطن طلبا للنزهة والسياحة ؟! وهل ما تم في مدن الغوطة وفي وادي بردى وفي حلب وأخواتها هو خروج سياحي إرادي أو تهجير قسري يقول عنه القانون الدولي إنه جريمة حرب ، وجريمة ضد الإنسانية ، وبمعنى ثالث عمل إرهابي مدان مرتكبه ومدان المشترك فيه ؟! 

 التهجير القسري في القانون الدولي:

وصّف القانون الدولي التهجير القسري بأنه "ممارسة تنفذها حكومات أو قوى شبه عسكرية أو مجموعات متعصبة تجاه مجموعات عرقية أو دينية أو مذهبية بهدف إخلاء أراضٍ معينة وإحلال مجاميع سكانية أخرى بدلا عنها. أليس هذا ما حدث في بلدات غوطة دمشق وفي حلب وفي حمص وقراها وأحيائها من قبل ؟!

و تندرج جريمة التهجير القسري كما ينص القانون الدولي  ضمن جرائم الحرب وجرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية.

 ويعرّف القانون الدولي الإنساني التهجير القسري  بأنه "الإخلاء القسري وغير القانوني لمجموعة من الأفراد والسكان من الأرض التي يقيمون عليها" وهو ممارسة مرتبطة بالتطهير وإجراء تقوم به الحكومات أو المجموعات المتعصبة تجاه مجموعة عرقية أو دينية معينة وأحيانا ضد مجموعات عديدة بهدف إخلاء أراضٍ معينة لنخبة بديلة أو فئة معينة، وتعتبر المواد (6)، (7)، (8) من نظام روما الأساسي، التهجير القسري جريمة حرب.

وتعرّف اتفاقيات جنيف الأربع المؤرخة في 12 أغسطس/آب 1949 والبروتوكولان الملحقان بها لعام 1977 جرائم الحرب بأنها الانتهاكات الجسيمة للقواعد الموضوعة إذا تعلق الأمر بالتهجير القسري، فالمادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 حظرت النقل القسري الجماعي أو الفردي للأشخاص أو نفيهم من مناطق سكناهم إلى أراضٍ أخرى، إلا في حال أن يكون هذا في صالحهم بهدف تجنيبهم مخاطر النزاعات المسلحة.

كما أن المادة (٧-١- د) من نظام روما الإنساني للمحكمة الجنائية الدولية، تجرم عمليات الترحيل أو النقل القسري، حيث تنص على أن "إبعاد السكان أو النقل القسري للسكان، متى ارتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد أية مجموعة من السكان المدنيين، يشكل جريمة ضد الإنسانية". وبموجب المواد 6 و7 و8 من نظام روما الأساسي، فإن "الإبعاد أو النقل غير المشروعين" يشكلان جريمة حرب، وتعتبر المادة المتعلقة بحظر نقل السكان من مناطقهم جزءً من القانون الدولي الإنساني العرفي.

يبدو أننا حين نقتبس هذا النصوص من مصادرها في مدونات القانون الدولي ، الذي يظل ( منفذوالجريمة في سورية ورعاتها ) يرددونها ، ويلهجون بها ، إنما نقتبس لغوا ، أو نقول في حضرة ضحايا جريمة الحرب الدولية من السوريين هجرا ..

في ظل التواطؤ الدولي من قبل جميع القوى الدولية والإقليمية ، ليس على السوريين فقط بل على القانون الدولي ، والحضارة الإنسانية ؛ لا نملك إلا أن نحذر الذين يزرعون الشوك ، أنهم لن يجنوا غيره ..

وأن نشد على أيدي أهلنا من أبناء حي الوعر : إن مع العسر يسر ، ثم إن مع العسر يسرا ..

وأن نقول أخيرا لمن رشحوا أنفسهم لمواقع القيادة في صفوف المعارضة والثورة :  لقد أسفر الصبح لذي عينين ، وإن سياسات التأميل والاسترسال والتسويف قد سقطت وانكشفت وكشفت فاحذروا أن يكتتبكم التاريخ في شركاء الجريمة ...

  وإن المشهد ،الجريمة بكل أبعادها ، يقتضي رجالا ، يضعون أعينهم في أعين أطفال حي الوعر المهجرين إلى المجهول ، كما هُجر من قبلهم ، ثم الاستعانة بالله ، والعزيمة على الرشد ..

إلى حي الوعر وأهله تحية وتحية وتحية  ..

وإلى عودة قريبة بإذن الله ...

19 / 3 / 2017

مدير مركز الشرق العربي

 

========================

"غزوة دمشق" ... فائض قوة أم ضعف؟ .. حسين عبد العزيز

الحياة

الاربعاء 22/3/2017

شكل الهجوم المباغت الذي شنته فصائل المعارضة بقيادة «فيلق الرحمن» و «جيش الإسلام» و «هيئة تحرير الشام» على جبهة جوبر عند المدخل الشمالي لمدينة دمشق، تطوراً مهماً على صعيد العمليات العسكرية في العاصمة السورية، وقطيعة مع «الستاتيكو» العسكري الذي هيمن عليها منذ خمس سنوات.

ثمة تساؤلات كثيرة عن توقيت الهجوم وأسبابه. هل هو مرتبط بفائض في القوة لدى فصائل المعارضة بعد تحييد خلافاتها الجانبية لتحقيق انتصارات عسكرية مستدامة؟ أم أن الأمر مرتبط بتكتيك هدفه تحسين شروط التفاوض مع توجه النظام نحو فرض تسوية على حي برزة والقابون وتشرين؟

منذ نهاية عام 2012 بدأ النظام إقامة سياج عسكري - أمني في محيط دمشق، أعقبه سياج آخر بعمق نحو عشرة كيلومترات داخل الأراضي المحيطة بالعاصمة التي تتبع إدارياً ريف دمشق.

وبين هذين السياجين بقي كثير من البلدات والأحياء تحت سيطرة فصائل المعارضة من شمال غرب العاصمة (قرى وادي بردى، قدسيا، الهامة) إلى الغرب (معضمية الشام)، إلى جنوب العاصمة (داريا، ومخيم اليرموك) إلى الشرق (الغوطة الشرقية)، وانتهاء بالأحياء المطلة على البوابة الشمالية والشمالية الشرقية للعاصمة (حي جوبر، القابون، برزة، حي تشرين، التل).

استخدم النظام سياسة الحصار الخانق مع ضربات عسكرية مستمرة لإبقاء فصائل المعارضة والأهالي تحت واقع عسكري- إنساني صعب للغاية، فنجح في تحويل مناطق سيطرة المعارضة إلى جزر جغرافية منعزلة.

ومع انقلاب الموازين العسكرية لمصلحته إثر التدخل الروسي، بدأ النظام العمل على وضع تسويات خانقة في القرى والبلدات بمحيط دمشق، فبدأ بالبلدات الواقعة جنوب العاصمة وغربها ثم شمالها الغربي، بسبب خصوصيتها لـ «حزب الله» وإيران.

في شباط (فبراير) الماضي استأنف النظام حملة عسكرية واسعة على حيي القابون وتشرين لم تعرف منذ ثلاثة أعوام، تزامنت مع مفاوضات لإخراج حي برزة من المعركة، خصوصاً المناطق القريبة من القابون، قاطعاً بذلك اتفاقات الهدن التي تمت بينه وبين هذه الأحياء في عام 2014.

منع النظام العبور من حي برزة الذي يتمتع بموقع استراتيجي وإليه، لإشرافه على أوتوستراد دمشق- حمص، وقربه من مستشفى تشرين العسكري، وحي عشّ الورور، الذي يُعتبر من المناطق الموالية للنظام.

الهدف الرئيسي هو فصل حي القابون عن حيي تشرين وبرزة إلى الغرب، وفصله عن الغوطة في الشرق لقطع أي تواصل بينهما، وبالتالي قطع أهم شرايين الإمداد للغوطة الشرقية.

كانت خطة النظام تقضي بفتح معابر من الغوطة الشرقية إلى مخيم الوافدين لانتقال المدنيين فقط وترك المسلحين في الغوطة تمهيداً للعملية العسكرية الكبرى، لكن الأهالي رفضوا ذلك، فاضطر النظام إلى تعديل خططه والبدء بعزل القابون وحيي تشرين وبرزة، وفرض تسوية مجحفة قبيل الانتقال إلى معركة الغوطة الشرقية.

طالب النظام حي القابون بإغلاق أنفاق التهريب نحو الغوطة، وهو ما رفضته المعارضة، في وقت لم يغلق النظام معبر الوافدين الذي يمد الغوطة باحتياجاتها بسبب الأرباح الكبيرة التي يحصل عليها، حيث يتم بيع السلع بأسعار مضاعفة جداً لأهالي الغوطة.

وإذا أغلق النظام معبر الوافدين التابع له في مخيم الوافدين، فستكون الغوطة الشرقية قاب قوسين أو أدنى من كارثة إنسانية، ذلك أن معبر الوافدين وأنفاق التهريب شمال غرب الغوطة نحو القابون بقيت شريان الإمداد الرئيسي عقب خسارة المعارضة منطقة المرج الخصبة التي تعتبر السلة الغذائية للغوطة الشرقية.

ويشكل خروج برزة وتشرين والقابون من معادلة الصراع ضربة قاتلة للمعارضة في الغوطة الشرقية نتيجة خسارة خط الإمداد الرئيسي لها (المحروقات، الغذاء، الدواء، الذخيرة).

أمام هذه المعطيات، جاء الهجوم العسكري للمعارضة لتخفيف الضغط العسكري بعدما فقدت السيطرة على مناطق في القابون وبرزة في الآونة الأخيرة، وربط حي جوبر بحي القابون، وبالتالي ربط الأحياء المحاصرة عبر حي جوبر بالغوطة الشرقية أهم معاقل المعارضة في ريف دمشق.

لكن هذين الهدفين لا يمكن تحقيقهما إلا موقتاً، وربما لساعات، فمجمل هذه المناطق الممتدة من جوبر إلى القابون إلى برزة، هي عبارة عن جزر منعزلة محوطة بثقل عسكري كبير للنظام، ولا تستطيع المعارضة في واقعها الحالي تحقيق الترابط الجغرافي بينها، فلا تملك العديد البشري والسلاح الكفيل بتحقيق هذه الأهداف.

نعم، شكلت العملية مفاجأة للنظام وأربكته لساعات، وكشفت قدرة المعارضة على صنع المبادرة، لكن قيمة ذلك بالمعايير العسكرية لا تعدو الصفر، فالنظام استطاع السيطرة على معظم المناطق التي أخذتها المعارضة، حيث أعاد السيطرة على محور معمل «سيرونيكس»، جنوب غربي جوبر، في وقت استطاع الوصول إلى شركة الكهرباء شمال غرب جوبر، ليهيمن على مساحة واسعة، قبيل استكمال مسيره للسيطرة على المنطقة الصناعية التي تفصل القابون عن حي جوبر.

باختصار، لن تستطيع المعارضة تحقيق إنجاز نوعي يؤدي إلى تغيير في موازين القوى من شأنه أن يفك الحصار عن الغوطة الشرقية والأحياء الشرقية، إذ إن الحديث عن ربط الغوطة الشرقية بأحياء القابون وبرزة وحي تشرين أمر يبدو مستحيلاً، فأهداف المعارضة تتجاوز قدراتها العسكرية.

لكن إذا استطاعت فصائل المعارضة استيعاب هجوم النظام في معاقلها الأساسية، خصوصاً في حي جوبر والقابون، فإنها ستعزز موقعها التفاوضي حيال التسوية التي يسعى النظام إلى تحقيقها في الأحياء الثلاثة، وهذا هدف يبدو تحقيقه ممكناً.

* إعلامي وكاتب سوري

========================

اقتصاد إيران في خدمة الأسد و «حزب الله» .. رندة تقي الدين

الحياة

الاربعاء 22/3/2017

أبلغ المرشد الإيراني علي خامنئي شعبه بمناسبة عيد النوروز أن هذه السنة هي لاقتصاد المقاومة وأنه يدرك ظروف الشعب المعيشية ويشعر بمرارة إزاءها. ألا يدرك الشعب الإيراني أن نظامه هو الذي أدى بهذا الاقتصاد إلى التدهور؟ كم صرفت إيران من أموال على الحرب في سورية لدفع رواتب المقاتلين ولـ «حزب الله» وللسلاح للدفاع عن نظام فاشل ليبقى؟ كم صرفت من أموال على شراء الميليشيات العراقية؟ كم صرفت من أموال إيرانية على أسلحة أعطيت للحوثيين وعلي عبدالله صالح ولزعزعة الوضع في دول الخليج؟ إيران منذ ثورة الخميني اهتمت في شكل أساسي بتصدير ثورتها إلى كل مكان في المنطقة ولخلق الفتنة بين الشيعة والسنّة. وهي مستمرة على رغم العقوبات وعلى رغم انخفاض سعر النفط في دفع أموال طائلة لـ «حزب الله» ليستمر في حربه في سورية دفاعاً عن الوجود الإيراني. كما تدفع أموالاً طائلة لينفذ بشار الأسد استراتيجيتها وهي تشييع سورية. فهناك أماكن عدة في سورية أفرغها النظام ويستبدل سكانها بالشيعة لتوسيع هيمنتهم في البلد على رغم تواجد الجيش الروسي هناك. و «حزب الله» يرسل الشباب اللبنانيين ليقتلوا في سورية لمصلحة بقاء إيران في المنطقة ورواتب المقاتلين مرتفعة. فإيران توسعت في العراق وفي سورية وفي لبنان حيث يهيمن «حزب الله» على السياسة اللبنانية.

إن التمدد الإيراني في المنطقة العربية تم عبر تواطؤ إيران مع النظام السوري وقياديين عراقيين مثل نوري المالكي و «حزب الله» وعبر الأموال الطائلة التي هدرتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية لتدفعها لوكلائها في المنطقة بدل استثمارها لمتطلبات وحاجات الشعب داخل البلد. إن إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما كانت مصرة على دفع إيران إلى تغيير سياستها عبر التطبيع التدريجي مع هذا البلد لأن أوباما مثل سياسيين أوروبيين عديدين ومنهم المرشحان للرئاسة الفرنسية فرانسوا فيون ومارين لوبن يفضلون التعامل لأن هنالك قناعة خاطئة في عدد من الأوساط الغربية أن التطرف الإسلامي آت من الدول ذات الغالبية السنّية، في حين أن الثورة الإيرانية هي التي بدأت تصدير ثورتها ودفعت الأموال الطائلة لتسليح جماعاتها في المنطقة وتشكيل الميليشيات التي مكنتها من الهيمنة في أنحاء العالم العربي. فإيران عازمة على التمسك ببشار الأسد وهي تستثمر أموالاً طائلة من أجل بقائه. والأسد بحاجة إلى إيران لبقائه ولروسيا لحمايته من الضربات الإسرائيلية. وإسرائيل مرتاحة جداً للخراب الذي يحدث في سورية لأن مقاتلي «حزب الله» منشغلون في حربهم هناك والجيش السوري مغلوب على أمره تحت مظلة روسيا ومقاتلي وكلاء إيران. وكل ذلك على حساب الشعب الإيراني الذي كان يمكن أن يعيش في ظروف اقتصادية جيدة في ظل نظام عقلاني وحريص على شعبه.

فدموع المرشد الإيراني على ظروف اقتصادية صعبة في مناسبة السنة الجديدة ليست إلا مسرحية على شعب كان يمكن أن يعيش في بلد غني، ولكنه لم يشهد يوماً منذ الثورة الإيرانية إلا الكوارث والعقوبات والضيق المالي بسبب سياسات توسعية في المنطقة العربية تطمح إلى عودة إمبراطورية الفرس تحت راية الثورة الإسلامية، ولسوء الحظ بمساعدة بشار الأسد وحلفائه في لبنان. وعلى رغم ذلك ترى بعض قيادات الغرب أن من المستحسن أن تكون علاقة فرنسا وثيقة بإيران. وسياسة ترامب تجاه إيران ليست مطمئنة على عكس ما يعتقد، أولاً لأنها غير واضحة سوى بالكلام، وثانياً لأنها بإيعاز من إسرائيل ولن يكون هدفها إلا المزيد من التخريب في العالم العربي. فإسرائيل ضربت لبنان في عام ٢٠٠٦ ودمرت جزءاً كبيراً منه ولكنها عززت قوة «حزب الله». ومن يعتقد أن عداء ترامب لإيران سيزيل تهديدات هذا البلد هو خاطئ لأنه ليس لدى ترامب أي خطة لمواجهة التهديد الإيراني إلا عبر النصائح الإسرائيلية الخطيرة، لأن نتانياهو يعتمد على الحروب وتخريب العالم العربي كي لا يذكّره أحد بالشعب الفلسطيني.

========================

هل نضجت (طبخة البحص)؟ .. د. يحيى العريضي

كلنا شركاء

الثلاثاء 21/3/2017

لم يعد التدخل الأمريكي في سورية مسألة تخمين أو تأويل؛ ولم يعد سياقةً من الخلف، ولا تحريك بيادق عن بعد. لقد أضحى “جنوداً على الأرض” (boots on the ground)؛ فالجنرال “جوزف دانفورد” رئيس الأركان الأمريكي لم يكن سائحاً في انطاليا التركية والتقى صدفة برئيسي أركان روسيا وتركيا.

سعى بوتين لعضوية النادي العالمي المسمى “التحالف الدولي لمحاربة داعش” إلا أن سجله في أوكرانيا وغيرها حال دون ذلك, فدخل بطريقة بلطجيّةً وعنوة في سورية عبر دعوة هيأها له “نظام” يكلفه الكثير لاصباغ صفة “الشرعية” عليه. وبقي الهاجس البوتيني كسر الفيتو الأمريكي عليه لدخول النادي, فكان الغزل والتنسيق بين “لافروف” الثعلب و “كيري” مسلوب الإدارة والقدرة الذاتية.

كانت أمريكا الأعلم بالمحرقة السورية؛ فسحت في المجال لإيران استنزافياً ولبوتين أكثر؛ باعته الأكراد الذين طالما تظاهرت بتعهد قضيتهم, واستخدمتهم في وجه شريكها التركي قاذفة بأردوغان باتجاه بوتين لتعود وتستردهم وتعتمدهم في مشروعها نحو الرقة واضعة أردوغان بين مطرقة بوتين وتعهده للأسد, والأمريكيين وتعهدهم للأكراد؛ ليصبح الجميع في حالة تداخل على ضفاف رقة داعش؛ والخيل كلٌ يشد العربة باتجاه. بوتين يشد أردوغان نحو تنسيق مع من يحميه في دمشق مقابل تخفيف التنسيق مع  الأكراد لعلمه بالتنسيق الأمريكي معهم؛ ليكلفه ذلك سيطرة الجيش الحر بدعم تركي على الباب؛ ليعود الأكراد بدعم أمريكي ويسيطروا على مناطق من داعش يسلموها بدورهم لميليشيات أسدية إيرانية؛ ولتجد أمريكا جهودها تصب بشكل غير مباشر في السلة الإيرانية. الأمر الذي لا تريده ظاهرياً لأنه في المحصلة النهائية يصب في مصالحة المنبوذ في دمشق. وليستدرك وترتفع عقيرته بان الاتراك والأمريكيين محتلون إن لم ينسّقوا معه.

رغم استشعارها انها خارج اللعبة, إلا ان ايران استوعبت الصدمة الناتجة عن لقاء انطاليا الثلاثي, وسعت إلى الحد من الخسائر مستثمرة تكابش وتناقض المصالح بين الثلاثة؛ فقايضت العين الحمراء الأمريكية بعضوية هزيلة مكشوفة كضامن لاتفاق وقف اطلاق نار لا تريده في سورية هُندِس روسياً وتركياً معتمدة على من يأخذون سورية رهينة.

نعود للأمريكيين والروس وعلاقة (دافنينو سوا), وساحة البيع والشراء السورية على حساب أي جهة أو أي شيء وخاصة قضية الشعب السوري وحقه في عيش حر آمن كريم.

في المحرقة السورية هناك قِطَعُ خشب كبيرة وأخرى صغيرة؛ وكلها باتجاه الحريق الذي تصنعه اليد الأمريكية – الروسية؛ وتتمثل حسابات تلك القطع، كَبُرت أم صغرت، بحجم الخسائر وتخفيف نسب احتراقها إذا استمر الحريق على هذا المبدأ, سيكون إدخال سورية في تبعثر جديد تخرج منه إيران مهشمة وتركيا مدماة؛ و أكبر إنجاز لهما أن يبقيا على حالهما؛ وهذا مستبعد. أما القطع الصغيرة في المعادلة الأمرو – روسية, فالبعثرة مصيرها. و أهم ما يمكن لنظام الأسد إنجازه هو “سورية المفيدة” التي لن تكون قابلة للعيش؛ والشعب السوري وقضيته في حالة تشبه حالته الحالية وبمنسوب أكبر من الفوضى والعوز واللاأمان. وجائزته الكبرى الخلاص من المعادلة “الأسد أو داعش” ولكن بعد دفع كل تلك الفواتير الدموية ابتداءً من “الأسد أو نحرق البلد” مروراً بالكيماوي وصولاً إلى “الأسد أو داعش” لا بد من توفر لحظة تكون فيها نجدة الانسانية سائدة إن أراد عالمنا ألا تكون المأساة السورية منهجه الجديد.

طبخة بحص”؛ صحيح؛ ولكن، لعالمنا سيّد، أحببنا ذلك أو كرهناه. استراتيجية هذا السيد المستبد تجاه سورية بدأت تتبلور؛ وأول إشاراتها “عين حمراء” تجاه إيران و”جنود على الأرض”. اما ثاني ملامحه فهو الحديث الروسي مع إيران أن تصرف “حزب الله” من سورية. وما لم يحسب حسابه أحد يبقى الاقتراب من ساحة العباسيين في دمشق قبيل “جنيف” بأيام. ربما نضج البحص.

========================

)اتفاق الوعر).. استكمال للتغيير الديمغرافي بسوريا .. عمر كوش

الجزيرة

الثلاثاء 21/3/2017

رغم أن الحراك الدبلوماسي يشهد مفاوضات ومشاورات على مساريْ كل من أستانة وجنيف لإيجاد حل سياسي للكارثة السورية؛ فإن الوقائع على الأرض تشير إلى أن النظام السوري مستمر في اتباع سياسة التهجير القسري بالعديد من المناطق السورية، وذلك بإسناد ودعم حليفيه الروسي والإيراني، الأمر الذي يكشف زيف توجهه نحو الحل السياسي.

وجاء اتفاق التهجير القسري في حي الوعر الحمصي كي يعلن دخول الروس بقوة على خط استكمال نهج التغيير الديمغرافي، الذي يستهدف كل من لا يعتبره النظام السوري جزءا من “سوريا المفيدة”، وذلك برعاية الروس وضمانتهم هذه المرة أيضاً.

التهجير أو التسوية

غير أن اتفاق التهجير القسري في حي الوعر يثير أسئلة وتساؤلات عن أوجه التشابه والاختلاف بينه وبين اتفاقات التهجير القسري الأخرى، التي نُفذت في كل من حمص القديمة وقدسيا وداريا ومعضمية الشام وحلب الشرقية، وعما إذا كانت رعاية روسيا ووجود شرطتها العسكرية سيشكل ضمانة لأمن من يبقى من السكان الذين يختارون البقاء في حيهم، ويمنع تهجيرهم مستقبلاً كما حصل في قدسيا والهامة ومناطق وادي بردى.

يهدف الاتفاق الذي وُقع بين لجنة أهالي حي الوعر والطرف الروسي والنظام إلى تهجير أهالي الحي، الذين يرفضون إجراء تسوية مع نظام بشار الأسدمقابل فك الحصار المفروض عليه، ويتضمن عدة بنود ستنفذ على مراحل زمنية تمتد حتى ستة أشهر، تبدأ بالتهجير وتنتهي بدخول قوات الأسد إلى حي الوعر.

ويقضي الاتفاق بـ”خروج أول دفعة من المقاتلين بعد مرور أسبوع من توقيع هذا الاتفاق، نحو مناطق ريف حمص الشمالي أو إدلب، أو نحو جرابلس بريف حلب الشمالي، حيث سيتم تنسيق خروج المقاتلين عن طريق “الهيئة المدنية” التي ستشكل لجنة لتحديد أسماء الخارجين، ثم فتح المعابر وإدخال الموظفين الحكوميين لإدارة مؤسسات الدولة بعد خروج أول دفعة من الأهالي.

ومن غير المتوقع أن يتم تنفيذ الاتفاق كما نُصّ عليه، ولعل ما حدث في قدسيا والتل وحلب الشرقية -بعد اتفاقيات التهجير السابقة- يقدم أكثر من دليل على عدم احترام كلٍّ من النظام وشبيحه ونظام الملالي الإيراني ومليشياته كلَّ الاتفاقات والتفاهمات.

حيث قامت قوات النظام وأجهزته الأمنية والمليشيات الإيرانية المتحالفة معه التي دخلت تلك المناطق -فور خروج المقاتلين- بشن حملات اعتقال وتجنيد واسعة في صوف المدنيين، وفرضت سيطرتها عليها مما أدى إلى عمليات تهجير لاحقة، خوفاً من انتقام أجهزة النظام ومليشيات نظام الملالي.

وتعكس الرعاية الروسية لهذا الاتفاق وإبعاد إيران عنه موازينَ القوى على الأرض السورية، التي باتت تميل بشكل كبير لصالح المحتل الروسي.

أما الإبقاء على 300 عنصر من مقاتلي الجيش الحر في الحي لحماية سكانه الباقين فيه، فالمراد منه تسويق وتلطيف الاتفاق على الطريقة الروسية، إذ لن يكون بمقدور هؤلاء المقاتلين الباقين حماية الحي أصلًا.

ويبدو أن الأهمية الإستراتيجية لحي الوعر الحمصي جلعت الطرف الروسي يصرّ على عقد اتفاق التهجير، حيث وضع الطرف الروسي المسدس على جبين المفاوضين من الأهالي والمقاتلين، وخيّرهم بين الخروج أو التسوية أو القتل وإبادة الحي في حال رفض الاتفاق.

وما كان من الأهالي والمقاتلين سوى التوقيع عليه، لأن التسوية تعني العودة تحت نير نظام الأسد، أي أن يبقى من يسوي وضعه عرضة للاعتقال أو التجنيد ضمن مليشيات النظام والقتال دفاعاً عنه، في حين يمثل الخروج أو بالأحرى “التهجير القسري” أهون الشرين بالنسبة لهم.

أوجه التشابه

يشير واقع الحال إلى أن أوجه التشابه كثيرة بين ما حصل في حي الوعر وما حدث في باقي المناطق التي شهدت اتفاقات مماثلة، حيث اتبع نظام الأسد وحلفاؤه إستراتيجية الجُزُر المعزولة في حمص وريفها، فقام بقصفها وحاصرها واستفرد بكل منطقة على حدة.

ولا شك في أن اتفاق التهجير القسري من حي الوعر الحمصي يأتي استكمالاً لما شهدته المدينة من تبعات نهج التغيير الديمغرافي بسوريا، حيث تعرضت أحياء حمص القديمة -منذ بدايات الثورة السورية- لقصف وحشي من قوات النظام ومليشيا حزب الله، أدى إلى تدميرها ودفع معظم أهلها للجوء والنزوح.

فُرض حصار على المدينة دام أكثر من عامين، وانتهى بعقد اتفاق بين النظام ومعارضيه برعاية أممية وحضور إيراني في 4 أبريل/نيسان 2014، قضى بإخراج المقاتلين والمدنيين منها وتهجيرهم إلى ريفها الشمالي ومحافظة إدلب.

وأدى ذلك إلى تفريغ المدينة القديمة من معارضي النظام وتوطين موالين بدلاً عنهم فيها، حيث انخفض عدد سكان مدينة حمص من مليون ونصف نسمة -قبل بداية الثورة السورية- إلى قرابة 400 ألف نسمة حالياً، مما يعني أنه تم تهجير قرابة 65% من سكان المدينة الأصليين.

أما اتفاق داريا فقد جاء بعد أربع سنوات من الحصار والجوع والقصف، حيث أجبِر من بقي من سكان داريا على التفاوض مع النظام في أغسطس/آب 2016، والقبول بالتهجير القسري الذي فرضه عليهم أو إبادتهم، لتتحول المدينة -التي كانت تضم 250 ألف نسمة قبل الثورة- إلى مدينة فارغة من سكانها.

والأمر نفسه حصل في معضمية الشام التي أجبِرت على اتفاق تهجير قسري في 6 أكتوبر/تشرين الأول 2016، بعد سنوات من الحصار القاسي والتجويع، وعمليات القصف المستمر، وهُجّر مئات المقاتلين مع عائلاتهم نحو إدلب شمالي سوريا.

وحصل الأمر نفسه من قبل في الزبداني التي كانت من بين أكثر المناطق المستهدفة بالتهجير والتغيير السكاني، حيث قامت مليشيات حزب الله اللبناني والمليشيات الإيرانية بعمليات تهجير قسري لسكانها، ضمن مسلسل تهجير ممنهج نفذه حزب الله في كل مناطق سهل الزبداني بتسهيل من قوات النظام.

ولعل ما شهدته حلب الشرقية مؤخراً قدّم مثالاً صارخاً لعمليات التهجير القسري التي كان الروس أبطالها، بعد أن قادوا حرباً وحشية ضد سكانها وبناها التحتية وأحجارها، ثم رعوا اتفاق تهجير قسري -في ديسمبر/كانون الأول 2016- أدى إلى تهجير أغلب سكانها.

ولم يمنع انتشار الشرطة العسكرية الروسية في حلب الشرقية وضمانها ضبط سلوك قوات النظام والمليشيات المذهبية الإيرانية، من تنفيذ حملات إعدام ميدانية فور بسط سيطرتها على أحيائها؛ حيث أفادت تقارير موثقة إقدامها على إعدام الكادر الطبي لمشفى الحياة في حي الكلاسة بعد اقتحامه.

وأعدمت كذلك 34 شخصاً وأحرقت حتى الموت تسعة أطفال في حي الفردوس، كما نفذت إعدامات ميدانية في أحياء الكلاسة والفردوس والصالحين ووبستان القصر، الأمر الذي دفع من آثر البقاء في حلب الشرقية إلى الفرار خوفاً من الانتقام والتنكيل.

الشراكة القذرة

يؤكد اتفاق التهجير القسري في حي الوعر مشاركة نظام بوتين ليس فقط في الحرب القذرة التي تُشن على غالبية السوريين منذ عدة سنوات، وإنما أيضا مشاركته القذرة في عملية التهجير القسري التي شملت مناطق عديدة في دمشق وريفها وحمص وحلب.

وليس الروس -كما يصورون أنفسهم- رعاةَ سلام تدخلوا في الحرب السورية كي يرعوا “المصالحات الوطنية”، ويعقدوا “الهدن” ويثبتوا “اتفاق إطلاق النار”، ويطلقوا الحوار السياسي في المحافل الدبلوماسية.

في حين أنهم جاؤوا -في حقيقة الأمر- كي يضمنوا مصالح نظامهم البوتيني، عبر تحويل سوريا إلى منطقة نفوذ كبرى ودائمة لهم في منطقة الشرق الأوسط، وكي يشرفوا على تهجير سكان من الغالبية السورية التي باتت في نظر نظام بوتين مجرد غرباء يجب تشريدهم وإبعادهم عن وطنهم المحتل.

إذن؛ كيف يمكن للروس أن يكونوا طرفاً ضامناً لاتفاق حي الوعر وبشكل لا يتحول معه إلى اتفاق تهجير قسري لجميع سكان الحي؟ لا أحد يضمن ذلك.

فهناك أولاً تناقضات الحسابات بين الروس والإيرانيين والنظام، وهناك أهمية مدينة حمص لكل طرف وحي الوعر بشكل خاص المجاور لكليات وقواعد عسكرية عديدة، وهناك مصفاة حمص للبترول ذات الأهمية الإستراتيجية، الأمر الذي لا يسمح لأي طرف بأن يكون ضامناً إلا في حدود معينة.

وبالتالي لن يجدي نفعاً نشرُ كتيبة روسية مكوّنة من 60-100 عنصر لتراقب مراحل الاتفاق بدقة، وتضمن التزام الأطراف به وتعالج الخروقات، وتشرف على عودة الأهالي والمهجرين إلى الحي. فقد نشر الروس كتيبة مماثلة في أحياء حلب الشرقية، لكنها لم تقم بمهمة منع عمليات القتل والانتقام والتهجير القسري لمن بقي من أهلها بعد خروج مقاتلي المعارضة.

وبعد إتمام عملية التهجير القسري في حي الوعر، ربما سيأتي الأسد إلى الحي الخاوي على عروشه والمفرّغ من أهله وأبنائه، كي يهذي بكلام مشابه لما قاله في داريا بعد تهجير سكانها، ويتحدث مرة أخرى عن أن “التغيير الديمغرافي يتغير عبر الأجيال بسبب مصالح الناس الاقتصادية والحالة الاجتماعية والظروف السياسية”.

إلا أن الأسد لن يقوى على الحديث عن الأم التي هجرها أبناؤها، أو عن الأسرة التي أجبرت على ترك منزلها، والطفل الذي ابتعد عن حيه ومدرسته، ولا عن أن الروس باتوا محتلين بعدما شاركوه -إلى جانب الإيرانيين- في تدمير الحي.

لكن ذلك كله لن يشكّل الفصل الأخير من حكاية أبناء “عاصمة الثورة” وأحيائها وحواريها، فأناشيدهم ما زلت حيّة، وصدى ما صدحت به حناجرهم تردده الحجارة والشوارع، وتحمله نسائم الهواء.

========================

مقال (يا بابا شيلني، ودين الفطرة) .. ابراهيم سارة

كلنا شركاء

الثلاثاء 21/3/2017

فجّر مقال “يا بابا شيلني” الذي نشرته مجلة “طلعنا عالحرية” في عددها رقم /86/ ازمةً قضائيةً وشرعيةً وامنية في دوما، وسجالاً على صفحات التواصل الاجتماعي، استُخدمت فيه كافة صنوف الاقلام والكلمات الخفيفة والمتوسطة والثقيلة.

الازمة التي تبدو في نهايتها بعد الصورة التذكارية التي جمعت المختلفين امام مقر المجلة و “جاراتها”، تستحق نظرات تأمل هادئة:

فهل يستحق المقال المساءلة القانونية فعلاً؟

وهل يبرر الدعاوى الدينية للتضييق على الاقلام؟

قد تكون الاجابة على السؤال الأول اكثر حيادية وبعد عن التوظيف والادلجة، عندما تستند الى القوانين العالمية الحديثة “العلمانية” كالقانون الفرنسي، الذي حاكم المفكر العالمي “روجيه غارودي” وحكمه بالسجن تسعة شهور بسبب مقال ايضاً.

الغارودي درس المحارق الالمانية النازية للإبادة الجماعية “الهولوكوست”، واعترض على الدعاوى التي زعمت ان ضحاياها وصلت الى ستة ملايين يهودي خلال الحرب العالمية الثانية، وقام بإجراء بحث علمي يشكك بعدد الضحايا، فسجنه القضاء الفرنسي “مع وقف التنفيذ”.

وفقاً للقضاء “العلماني” الفرنسي، فإن مقال الغارودي لم يكن معاداة للسامية فقط، ولكنه تشكيك في واقعة تاريخية يؤمن بها الفرنسيون، ما يمكن ان يؤدي الى شرخ في الثوابت المشتركة للشعب الفرنسي.

في مقال “يا بابا شيلني” الذي يبدو كدراسة فلسفية نفسية رديئة، اكثر منه مقالاً صحفياً، يشن الكاتب حرباً على ثنائية الحضارة/الثقافة في مجتمعنا، مستثمراً حادثة طفل تقطعت ساقاه، لكسب تعاطف القارئ وقيادته للقبول بتفسيرات فلسفية تربط عجز الاب عن حماية ابنه بعجز الدولة والله، الذي ينعته بأقذع العبارات بدءاً من عدم الرحمة، الى الانحطاط، ثم الارهاب!!.

الربط السطحي وغير المنطقي الذي يسوقه الكاتب بعبارات مقعّرة تحاول حمايته، ختمه بـ “البصق” على “حضارتنا/ثقافتنا” بلسان حال الطفل الذي تقطعت ساقاه!!.

من الممكن تفهّم نقد ثقافتنا فكرياً، وقد يكون ذلك مطلوباً احياناً، لكن “البصق” على حضارتنا قد يرتقي الى محاولة نزع الثقة بمصدر عزة الامة وكبريائها، ما يدعو للعجب والتفكر في مرامي هذه الدعوة!! فبينما تسعى امم الارض للنبش في التاريخ بحثاً عن اي منحوتة او اثر يرفعها ويُعلي شأنها الحضاري، يأتي الكاتب لـ “يبصق” على حضارتنا!! التي “تقوم على سلطات اولها سلطة الله”!!. الذي لا يفتأ ينعته بمختلف الصفات السيئة بشكل ينتقل بالمقال من خانة الثقافي الى الايديولوجي المتطرف الحاقد على الله اولاً واخيراً فيما يبدو.

وفقاً لأكثر القوانين العالمية علمانيةً، واقصد بها الفرنسية، يستحق كاتب المقال المحاكمة، كما تستحق المجلة المساءلة ايضاً.

ولكن ما هو القانون الذي ستتم محاكمتهم بمقتضاه؟ هل توجد في دوما ونيابتها وقضاءها قوانين للصحافة والاعلام؟ او اي كرّاس يشرح المناهج والاسس التي تعمل بمقتضاها المؤسسة القضائية؟. ام ان الامر يعود لمجموعة فتاوى ذهب ضحيتها مئات الشباب في اقتتال فصائل الغوطة قبل اشهر، وكان يمكن ان توقع ضحايا جديدة في ازمة المقال، بعدما تم تكريس المنابر الدينية لتصعيد الكره وتوجيهه ضد المجلة والمقال والعاملين والمقتنعين والمتسائلين؟!. ما يستحضر تساؤلنا الثاني عن مدى قانونية الحملات الدينية التي تبنّت فكرة “الدفاع عن الله” كخطاب الشيخ الدكتور “اسامة الرفاعي” الذي يحظى بكثير من الاحترام في الاوساط المُحافِظة السورية. والذي سجل كلمة مصورة للتعليق على المقال الإلحادي.

يهاجم الشيخ تيار الالحاد ويعتبره شريكاً لنظام البعث الملحد، ومُعيناً له على كبت الحريات منذ عام /1963/ على عكس الحكم “المتديّن” في فترة ما بعد الاستقلال، وهي مغالطة تاريخية هائلة، فالكل يعلم ان أهم عدوين لنظام البعث/الاسد خلال خمسين سنة هما الاخوان المسلمين والحزب الشيوعي السوري اليساري “الملحد”، والتاريخ يشهد ايضاً ان اهم فترات نشاط الفكر الشيوعي في سورية، انما كانت خلال سنوات ما بعد الاستقلال، ولا ادري إن كان وصف شخصيات تلك الفترة كالأتاسي والقوتلي والخوري بأنها دينية بالمعنى السياسي، اقرب للأمانة التاريخية، ام وصفها بانها ديمقراطية.

لا ينسى الاستاذ “الرفاعي” ان يُذكّر ببطولات المؤسسة الدينية -وهو منها- وموقفهم من مقال ملحد في ستينيات القرن الماضي بقيادة الشيخ “حسن حبنكه” رحمه الله، ونحن لا نشكك بالشيخ “حبنكه”، الرمز الوطني والديني، ولكن هل كانت المؤسسة الدينية معارضة لنظام البعث/الاسد فعلاً، ام انها كانت في كثير من الاحيان دعامة من دعائمه؟!، استثمرها من حيث تدري او لا تدري لتمرير مخططاته؟.

عام /1971/ ثارت ثائرة رجال الدين حين صاغ الاسد الاب دستوره، وذهب الشيخ “حبنكه” لمقابلة الرئيس طالباً اليه ان يعدّل مادة من الدستور لم تشترط ان يكون رئيس الجمهورية مسلماً.

يومها وافق الاسد على التعديل، فانتصر “الحبنكه”، ونجح الاسد في المقابل بتمرير مادة: ان البعث –الملحد وفق رؤية الرفاعي– هو الحزب القائد للدولة والمجتمع، ما أسس –بموافقة الحبنكه– للطغيان، وشرّعه، وجعل له مؤسسات وانظمة عانينا وما زلنا نعاني منها حتى اليوم.

يدعو الاستاذ “اسامة” في كلمته الى ان “لا يُسمح لهؤلاء الملاحدة بالظهور او التصدّر في المجالس” ويدعو “الفصائل” للتنبه والدفاع عن دين الفطرة، في اشارة خطيرة تتجاوز مساءلة مجلة عن مقال، فـ “الملاحدة” يمكن متابعتهم على شاشات التلفزة وأثير الإذاعات وصفحات التواصل الاجتماعي والصحف الالكترونية، ولا ارى سبيلاً لاتّباع نصح الشيخ سوى بحظر التلفزيونات والاذاعات، ومنع الناس من اقتناء الموبايلات والكومبيوترات وغيره من ادوات التواصل، دون اغفال ضرورة الرقابة على الهواتف والمنازل والمدارس والجامعات لمنع انتشار افكار اولئك الملاحدة!!.

ان كان الشيخ “اسامة” خائفاً على الامة من تسلل الإلحاد، فقد كان الاجدى الإجابة على افكار المقال (وما اسهل ذلك) واستثمار الفرصة للدفاع عن الفكر الاسلامي الذي يتعرض لمحنة شديدة لدى السوريين الذين يدفعون الغالي والرخيص للهجرة الى بلاد “الالحاد” والاستقرار فيها والانعتاق عن هويتهم.

وان كان الشيخ “اسامة” يحاول ان يؤسس للسلطة الدينية -التي يمثلها- لدى “الفصائل”، فذلك يتطلب وجوده مع الفصائل على الارض، بدلاً من إلقاء المواعظ من بعيد، حيث يقيم هو وعائلته واقاربه ومن والاه.

اما إن كان شيخنا يغار على دين الله ويخاف على “فطرة” اهل الشام، فاعتقد انه يجب ان يكون اكثر حذراً من خطاب يُبعد الناس عن دينهم، فما ذكره عن اقبال الناس على التدين كرد فعل على حكم الاسد، حصل ما يماثله ايام حكم الشاه في ايران، عندما كان 70% من شباب طهران يرتادون المساجد، الا ان هذه النسبة انخفضت الى 2% وفق احصائية محافظ طهران عام /2002/ وخلال حكم الولي الفقيه، بسبب ممارسات يبدو انها خيبت امل الشعب بثورته الاسلامية.

لقد اخطأ كاتب مقال “يا بابا شيلني” واستخدم عبارات واساليب استثمارية تثير الاشمئزاز، وتجاوزه هو ومجلته يستحق إجراءً قانونياً عقابياً بلا شك، ولكن جعل ذلك تبريراً لتكميم الافواه والتضييق على الحريات هو وحده ما يمكن ان يهدد دين “الفطرة” في بلدنا.

========================

العصر أو القبر مرة أخرى .. د. طيب تيزيني

الاتحاد

الاثنين 20/3/2017

كتبت منذ أوقات مقالة نشرت في صحيفة «الاتحاد»، حملت عنواناً لها نصف عنوان هذه المقالة الحالية، وهو: العصر أو القبر، وكان ذلك كافياً للدلالة على أهمية الدخول في عصر الحداثة.

والآن ننشرها نظراً لأهميتها التاريخية الراهنة، أي نظراً لما قد يكون بديلاً عن ذلك، إن لم يحدث. كان ذلك قد أثير للتنبيه إلى ضرورة الفعل الداخلي التحديثي. أما الآن فتبرز أهمية ذلك عبر الإشارة إليه بأن ذلك يجب أن يقترن مع تحولات تنويرية كبرى في إطار الوطن العربي، ولا بد من أجل إيضاح ذلك من الإقرار بأهمية القيام بتطورات كبرى في العالم العربي، بمثابة مساعدة لأي تحول تاريخي فاعل على صعيد الوطن العربي كله، فنحن نواجه أوضاعاً مأساوية في عدد متزايد من الأقطار العربية. نحن نتكلم عن القطر العربي الواحد في حقليه الاثنين الداخلي والخارجي، من خلال جدلية الوطني والقومي، ناهيك عن وضع هذه الجدلية في سياق العلاقات الخارجية بين القطر الواحد والبلدان الأخرى في العالم. لقد أنتج الوضع العربي الحالي تفارقاً بين الأقطار العربية، وطعناً لجدلية الوطني والقومي. ونجد أنفسنا أمام لاعبين أخذوا في الظهور منذ ست سنوات، مع بروز الحدث السوري الأعظم، الذي قارب أو وحَّد بين بلدان أجنبية في مواقفها الاستعمارية ضد سوريا. ها هنا تبرز أهمية تفعيل العلاقات الإيجابية في الداخل «بين البلدان العربية» خصوصاً منها العلاقات الاقتصادية والسياسية، والثقافية، ومعها تطوير منظمة «الجامعة العربية بشكل عميق»، وإعادة طرح المشروع العربي في النهضة والتقدم والتنوير، حقاً، نجد أنفسنا أمام ضرورة طرح القضية السورية بما لا يحصى من المشكلات الإقليمية التفتيتية، التي قد تنتج تمزقاً وأوضاعاً مستفردة تطيح بالكل، مع إبقائها على أجزاء مفتتة، ما يضعنا أمام المهمات النهضوية الكبرى، التي واجهت سوريا والوطن العربي عموماً في القرن التاسع عشر ربما بصيغة أكثر تقدماً واقتراباً من المسألة.

وثمة ملاحظة لا ينبغي أن تفوت على مفكرين وباحثين عرب معاصرين، وهي أن ما يراد لسوريا من أوساط متعددة، لا يخرج عن تفكيك ما تحقق في عدة عقود منذ القرن التاسع عشر إلى اندلاع الشرارة السورية قبل ست سنين، وقد يصح طرح السؤال التالي، وإن ببعض الاستغراب، لماذا هنالك إجماع من معظم الأطراف علَى إبقاء سوريا عاجزة على تمرير مشروع توحيدي وتنويري مدني وديمقراطي؟!

إن هذا السؤال إن لم يكن الإفراج عن جوابه الآن، إلا أن معالم من هذا الجواب تفصح عن نفسها في أن الخلاص السوري لا يمكن أن يتجاوز الديمقراطية «ضد الاستبداد»، والتنويرية «ضد الظلامية»، والحرية المدنية «ضد الاستئثار»، وأخيراً الوطنية لكل الفئات والمجموعات «عرباً وآخرين».

ويتعين علينا التأكيد على حل ديمقراطي ووطني قومي يمثل رديفاً لتلك المطالب المأتي عليها. إنه وطن حدوده العامة الوطن العربي، وحدوده الخاصة كتلة من التآخي بين الكثير والكثير من المتآخين وطنياً وإنسانياً وقومياً، مع بناء علاقات ناضجة مع شعوب المنطقة والآخرين في العالم عامة، وبكل الاحترام والتعاون.

البناء السياسي الديمقراطي والنظام الاقتصادي والمنظومة الثقافية والأخلاقية للمجتمع العربي عامة، ومن ضمنه المجتمع السوري، لم يتجاوز مرحلة التبشير والدعوة إلى البناء، ليصل إلى النكوص في مرحلة من الهيمنة للنظام العولمي، نظام السوق المهيمن. كل ذلك يضع أمامنا أسئلة كبيرة مفتوحة: إن خروج سوريا من الأزمة العظمى، إنما هو دعوة إلى لملمة الموقف العربي جله في اتجاه المشروع العربي التنويري الديمقراطي، أي أنه أمام مرحلة التأسيس التي هي ليست غريبة عنه، وإنه من الحكمة التاريخية أن نشير إلى أن خروج سوريا من «الكبوة الظالمة»، حق على الوطن العربي في أن يلملم تاريخه وأحلامه، بداية للخروج إلى المستقبل المغلف بدماء العالم العربي، من حيث أن ذلك يشكل ضمانة للمشروع العربي، وضمن بنيته الداخلية سوريا إن الكارثة باتجاه المستقبل في العام السابع من تاريخها.

========================

عن العسكر والثورة في سورية .. علي العبدالله

الحياة

الاثنين 20/3/2017

بدأت العسكرة، كما التظاهرات التي عمّت أرجاء سورية، بلا قرار مسبق وخطة محددة، حيث ظهرت أسلحة بسيطة في الشوارع التي تحيط بساحات التظاهر لإعاقة عناصر المخابرات والشبيحة لدى مهاجمتهم التظاهرات ومنح المتظاهرين الوقت اللازم لمغادرة المكان، ولم تتسع الظاهرة وتتعزز إلا بعدما أنزل النظام الجيش واستخدم الأخير كل صنوف الأسلحة في قتل المتظاهرين والمسلحين الذين تطوعوا لحمايتهم وبدء الانشقاقات في جيش النظام احتجاجاً على زجه في مواجهة المتظاهرين السلميين وتشكّل كتائب مسلحة تحت اسم الجيش السوري الحر.

ترتبت على الانشقاقات وتشكّل كتائب الجيش السوري الحر تحركات محلية وإقليمية ودولية ميدانية وسياسية، أولها تواتر تشكيل كتائب مسلحة في معظم المدن والبلدات والقرى التي انخرطت في الاحتجاجات والتظاهرات، كتائب محلية تحت العنوان نفسه لكن من دون أن يكون بينها ارتباط أو تنسيق أو حتى تعاون، اعتمدت في انطلاقتها على الإمكانات والخبرات الأهلية المحلية. ثانيها تبني «المجلس الوطني السوري» الظاهرة وتبريرها والدفاع عنها. ثالثها تسابق شخصيات وقوى سلفية ودول عربية وإقليمية للاتصال بهذه الكتائب والسعي لإقامة علاقات عمل معها عبر عمليات ترويج إعلامية، خصصت برامج على فضائيات سلفية خاصة لهذا الغرض، والتمويل والتسليح. ارتبط هذا التسابق باعتبارات عقائدية ومصلحية، حيث وجدت الشخصيات والقوى السلفية، بخاصة الخليجية، في الظاهرة فرصة وساحة «جهاد» للترويج لرؤاها الفكرية والسياسية وتنفيذ خططها وبرامجها، ووجدت فيها أنظمة عربية فرصة للاستحواذ على ورقة الثورة السورية وسحبها من يدي تركيا وقطر، اللتين رعتا تأسيس «المجلس الوطني السوري»، أول محاولة تمثيل مؤسسي للثورة، وأثرتا في صياغته وتوجهاته السياسية، وبدء عملية دعم واسعة لتعزيز مواقع التيار السلفي على حساب تيار «الإخوان المسلمين» الذي تبنته تركيا وقطر، والاستثمار في الثورة برعاية تشكيل فصائل سلفية مسلحة (أحرار الشام، جيش الإسلام، صقور الشام)، تبين أن قادتها كانوا في سجون النظام وقد أطلق سراحهم بُعيد انفجار ثورة الحرية والكرامة في ضوء تصور لدور ما سيلعبونه فيه خدمة لخطته في إدارة الصراع، وتوظيفها في الصراع من أجل إخراج إيران، التي وقفت إلى جانب النظام ودفعته إلى التشدد واستخدام القوة ضد المتظاهرين منذ اليوم الأول للتظاهر وزجت بثقلها التسليحي والمالي والبشري (مستشاريها العسكريين والأمنيين وتقنيي الاتصالات ومقاتلي «حزب الله» بداية، وحرسها الثوري والميليشيات الشيعية العراقية والأفغانية والباكستانية تالياً) من سورية وضرب نفوذها الإقليمي وإجبارها على التخلي عن خططها في تصدير الثورة وكسب نفوذ في الفضاء العربي ودفعها للعودة إلى حدودها الوطنية.

رابعها دخول جماعات السلفية «الجهادية» من دعاة «الجهاد العالمي» على الخط بتشكيل «جبهة النصرة لأهل الشام»، ذراع سورية لتنظيم «القاعدة»، وتنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» «داعش» الذي أعلن قيام «دولة الخلافة»، ما منح النظام ورقة اتهام المعارضة بالإرهاب. خامسها تدخل الولايات المتحدة للتحكم والسيطرة على عمليات التسليح وتحديد نوعية الأسلحة والكمية المسموح إرسالها لاعتبارات تتعلق برؤيتها لطبيعة الصراع ونهايته المتوخاة، وتقويمها للكتائب وخلفياتها العقائدية وخياراتها السياسية. سادسها عودة التحالف بين النظام وحزب العمال الكردستاني (التركي) على خلفية تقاطع مصالح في صراعهما مع النظام التركي، دخلت إيران طرفاً في هذا التحالف، وتشكيل «وحدات حماية الشعب» و «وحدات حماية المرأة»، تشكيلين مسلحين لحزب الاتحاد الديموقراطي (الكردي)، فرع حزب العمال الكردستاني في سورية، وقيامهما بدور مزدوج: منع الكرد من المشاركة في الثورة، منع الجيش السوري الحر من دخول محافظة الحسكة وأحياء يسكنها الكرد في مدينة حلب. وهذا فتح له طريق تنفيذ رؤية الحزب الأم لما يسميه «الأمة الديموقراطية»، وتشكيل إدارة ذاتية في ثلاثة كانتونات: الجزيرة، عين العرب/كوباني، عفرين.

أججت التطورات الميدانية وتحقيق كتائب الجيش السوري الحر والفصائل السلفية المسلحة مكاسب جغرافية، بطرد قوات النظام من مساحات شاسعة من الأراضي، بما في ذلك إخراجه من مدن وبلدات رئيسة، التنافس بين الدول العربية والإقليمية على استقطاب كتائب الجيش السوري الحر والفصائل السلفية المسلحة (استفادت من نشاط الدعاة السلفيين في الأحياء الشعبية والأرياف فحققت حضوراً بين المواطنين واستقطبت متطوعين كثر)، كمدخل للنفوذ وتحقيق المصالح، ما خلق مصالح خاصة لهذه «الكتائب» و «الفصائل» وقادتها، وأحدث شرخاً بينها وبين «المجلس الوطني السوري» بداية و «الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة» لاحقاً، كما رتب انتقال التنافس على الولاء للحصول على الدعم المالي والتسليحي إلى هذه «الكتائب» و «الفصائل» وقاد إلى انفجار مواجهات مسلحة ودامية بينها (كتائب الجيش السوري الحر والفصائل السلفية، بخاصة «داعش» و «النصرة»)، وبين الفصائل السلفية (أحرار الشام، جيش الإسلام، صقور الشام، وجبهة النصرة) و «داعش» على خلفية الشرعية وتمثيل الإسلام، وبين الفصائل السلفية وجبهة فتح الشام (النصرة سابقاً) على خلفية قبول هذه الفصائل التفاوض مع النظام، واحتمال مشاركتها في محاربة «داعش» وجبهة فتح الشام «جفش»، في ضوء تصنيفهما كمنظمتين إرهابيتين من جانب الأمم المتحدة، وقبولها بتسوية سياسية بشروط النظام وحلفائه.

وهذا أدى إلى إضعاف التحرك المدني وتوقف التظاهرات السلمية، والى تلاشي كتائب من الجيش الحر وتراجع دوره، ومبايعة كتائب محلية صغيرة لـ «داعش» و «النصرة»، لتأمين الأسلحة والأموال والحماية من الفصائل السلفية الأخرى، ومبايعة فصائل إسلامية صغيرة لـ «الأحرار» لحمايتها من «هيئة تحرير الشام»، التي تشكلت باندماج «جفش» والجناح المتشدد من «الأحرار» وعدد من الفصائل السلفية الصغيرة، ناهيك بمقتل وجرح الآلاف في هذه المواجهات البينية.

صبت هذه الصراعات في طاحونة النظام وحلفائه الإيرانيين، وميليشياتهم الطائفية، والروس، ما جعل تحقيق أهداف الثورة بعيد المنال.

========================

الموقف الروسي في الوضع السوري .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الاثنين 20/3/2017

ثمة تحول كبير في الموقف الأميركي من القضية السورية، ولئن كان هذا التحول لم يظهر بعد بصورته الكاملة، فإن بعض مؤشراته باتت واضحة ومعلنة، ومن بين تلك المؤشرات، الإعلان الأميركي عن إقامة ثلاث مناطق آمنة في شمال سوريا وغربها وجنوبها، وتغيير مسؤول الملف السوري في الخارجية الأميركية. لكن الأهم في هذه المؤشرات هو زيادة عدد العسكريين الأميركيين في سوريا، وتغيير وظيفة هؤلاء من «خبراء ومدربين» إلى وحدات مسلحة مناط بها دور في الحرب على «داعش» مع احتمال بدء معركة الرقة، وبين مهمات هؤلاء المعلنة منع حصول أي اشتباكات في مناطق الشمال ولا سيما في منبج وحولها، حيث تتحشد وحدات عسكرية وتنظيمات مسلحة من مختلفة الأطراف المحلية والإقليمية والدولية المنخرطة في الصراع السوري وحول سوريا.

أهمية التحول الأميركي ومؤشراته في وجه من وجوهه الرئيسية، يخص روسيا، لأسباب من بينها، أن الروس هم القوة الأكبر والأكثر تأثيراً في الواقع السوري اليوم، وبين تلك الأسباب، أن موسكو جهدت في الفترة السابقة لتبرز بوصفها القوة الرئيسية في الحل السوري سواء كان حلاً عسكرياً على نحو ما بدا في التدخل الروسي أواخر العام 2015، أو حلاً سياسيا وفق ما تحاول روسيا الإيحاء بالعمل عليه في ضوء تقاربها مع تركيا، وما قامت به من خطوات في آستانة وأنقرة وجنيف4 في ظل شبه غياب أميركي أوروبي وعربي، بدا وكأنه آخر فرصة لتفويض موسكو بـ«الحل السوري»، وهو أمر من الواضح، أن روسيا عجزت عن القيام به سواء بسبب عجزها عن القيام بذلك أو بسبب سياستها المراوغة، التي تسعى ليكون الحل في النهاية لصالح استمرار نظام الأسد في سوريا، وإعادة تسويقه لدى المجتمع الدولي في إطار «الحرب على الإرهاب» من بوابة الحرب على «داعش» وأخواتها من جماعات التطرف والإرهاب.

وواقع السياسة الروسية في سوريا أكد موقفها إلى جانب نظام الأسد ودعمه على مدار السنوات الست الماضية، حيث إن موسكو لم تكتف بتقديم كل أشكال الدعم السياسي والعسكري بالأسلحة والعتاد والخبراء، بل ذهبت إلى التدخل المباشر بقواتها أواخر عام 2015، عندما شعرت أنه على وشك السقوط، كما قال الروس، وأحدثت بتدخلها فروقاً نوعية في الواقع الميداني والسياسي، لكنها أثبتت عدم قدرتها على حسم الصراع، فقامت بالمزاوجة بين العمل العسكري والعمل السياسي، ليشمل تحركها لتوسيع إطار المصالحات، وتنمية اتجاهات، وقوى يمكن أن تتقارب مع فكرة الحل الروسي في سوريا، وهو توجه كسابقه أثبت عجزاً، دفع موسكو لتصعيد حديثها عن الحل السياسي عبر جنيف4 من خلال جلب ممثلين عن تشكيلات المعارضة المسلحة طالما وصفتهم بالإرهاب، ليكونوا في عماد وفد المعارضة في جنيف أو جزءاً منه في أقل الحدود، وكان لها ما أرادت، لكن النتائج في هذا المسعى لم تكن أفضل من سابقاتها، ذلك أن الهدف الروسي لم يتبدل، ولم تستطع موسكو، التي هي طرف رئيسي في الصراع السوري وحول سوريا، الانتقال إلى دور المحايد الهادف إلى حل سوري، لا تكون طرفاً فيه، بحيث تمارس ضغطاً متوازياً على أطراف الصراع، وليس على بعضها، وقد عجزت روسيا في الضغط على نظام الأسد وإيران، وسعت إلى توظيف مصالحتها مع تركيا لتكثيف الضغط على المعارضة وخاصة المسلحة لجلبها إلى طاولة المفاوضات دون نتائج ملموسة على صعيد الهدف الروسي.

وسط هذا المحتوى من السياسة الروسية، يمكن فهم التحول الأميركي الذي أنهى تفويضاً أميركياً غير معلن لموسكو في معالجة الوضع، وانتقاله إلى وضع جديد يقوم على الشراكة بينهما في المرحلة الراهنة، التي تكرس فيها وجوداً أميركياً ملموساً، لا يخفف منه أنه أقل في ظاهره من الوجود الروسي، لأنه بمجرد وجوده يعيد ترتيب علاقات القوى وموازين الصراع في سوريا وحولها. ولئن استمرت روسيا في عجزها ومراوغتها، فإنها تفتح باب التحول الأميركي لسياسة مستقلة عن روسيا، وقد تكون في مواجهتها أيضا، خاصة إذا أصرت روسيا على نقاط في مقدمتها، استمرار تحالفها مع إيران وميليشياتها في سوريا، وتأكيدها التمسك بوجود الأسد في مستقبل سوريا، وضعف المشاركة الروسية في الحرب على «داعش» وأخواتها، واستمرار حربها على السوريين، بمن فيهم المدنيون، بهدف إخضاعهم لسيطرة النظام، بدل الذهاب إلى حل سياسي للقضية السورية.

لقد آن أوان الوضوح الروسي في الوضع السوري. فالعجز والمراوغة، لا يمكن أن يستمرا إلى ما لا نهاية، وهو بين دوافع واشنطن في تحولات رؤيتها السورية، التي وإن كانت لا تتوافق بصورة كلية مع رؤية وأهداف السوريين، فإنها لا تتوافق أيضا مع سياسة موسكو في سوريا وحولها.

========================

العرب ومخاطر الاستقطاب .. د. رضوان السيد

الاتحاد

الاحد 19/3/2017

انتهى اجتماع أستانة الذي قاطعته المعارضة السورية السياسية والعسكرية إلى إدخال إيران إلى جانب روسيا وتركيا ضمن الدول الضامنة لوقف إطلاق النار. وقد أعلنت المعارضة المقاطعة أنه بإدخال إيران ضمن الدول الضامنة انتهت أستانة! وفي الأصل فإنّ الجهات الضامنة ينبغي أن يتوافر فيها أمران: أن تكون ذات تأثير على النظام أو المعارضة، وأن يتجلى تأثيرها بقوات على الأرض. وإيران متحيزة للنظام السوري بالطبع، وفقدت آلاف القتلى في السنوات الثلاث الأخيرة في الدفاع عنه. لكن روسيا أيضاً تقاتل مع النظام وهي دولة ضامنة رغم ذلك. وإذا قيل إن إيران ليست حريصةً على وقف إطلاق النار فروسيا كذلك.

إنّ الذي يبقى في الوعي من مفاوضات أستانة وقبلها جنيف- 4 أنه يراد تصفية المعارضة أو المعارضات المسلَّحة تحت لافتة «داعش» و«النصرة»، والمعارضة السياسية تحت لافتة منصتي القاهرة وموسكو.

ما عاد هناك أملٌ في الحصول على شيء سياسي من النظام في سوريا إلاّ إذا نجحت السعودية في تشكيل تحالف عسكري إسلامي للتدخل ضد «داعش» في الرقة ودير الزور. وهذا رهن بالقدرة على ترتيب ذلك، ورهن بإرادة الولايات المتحدة وروسيا لكبح جماح الأكراد، فضلاً عن كبح جماح طهران.

ولنذهب إلى العراق. فقد صار الانتصار على «داعش» ممكناً ولو بخسائر كبيرة. لكن التسوية السياسية بعيدة وتبتعد أكثر. وقد لطّفت السعودية من علاقاتها بالعراق بعد الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية السعودية لبغداد. لكنّ الوقائع على الأرض ما تزال هي إياها. فالغلبة في السياسة والعسكر لأنصار إيران. ولدى العراق (مثل سوريا) مشكلتان: الغلبة الإيرانية، والمشكلة الكردية. وكما أن في سوريا تجاذباً بين إيران وتركيا فكذلك في العراق. وكما أنّ الأكثرية السنية الساحقة في سوريا ما نفعتها كثرتُها ولا حملُ فئات منها السلاح، فكذلك الأقلية السنية القوية التي حملت السلاح بالعراق، لم تفدها قوتها ولا سلاحها. ولذا فالأرجح أن لا تستقر الأمور بالعراق، كما لن تستقر الأمور في سوريا. إن الغلبة لا تصنع رضاً ولا استقراراً!

وأكاد أقول إن ما يحصل في لبنان سائر في نفس الاتجاه مثل سوريا والعراق. فبعد انتخاب الجنرال عون للرئاسة، أظهر الرجل ولاءً علنياً لـ«حزب الله». بل زعم أنّ لبنان لا يزال بحاجة لميليشيا الحزب في جنوب الليطاني حيث الجيش والقوات الدولية. لذلك عاقب الدوليون لبنان لمخالفته للقرار الدولي 1701 وسيخفّضون عديد قواتهم والإنفاق عليها. ثم إنّ هذه الغربة مع القرارات الدولية، توشك أن تتكرر في قمة عمان مع القرارات العربية. فلن يستطيع عون تأييد قرار يُدينُ التدخل الإيراني في البلاد العربية. ولن يستطيع دعم قرارٍ يعتبر «حزب الله» تنظيماً إرهابياً أو أنّ سلاحه غير شرعي.

وما يحصل في ليبيا، لا يختلف كثيراً عما ذكرناه. فهناك ثلاث حكومات، وجيشان رسميان، وعشرات الميليشيات التي تسيطر على مناطق، عدا عن «داعش» و«أنصار الشريعة»! حكومة السراج الناجمة عن اتفاق الصخيرات بالمغرب، مدعومة دولياً. وتواجهها حكومة بالشرق الليبي لها برلمانها وجيشها ورجله القوي خليفة حفتر. ثم هناك حكومة ثالثة برئاسة إبراهيم الغول تتمسك بسلطتها المنقضية بظهور حكومة السراج.

ولننتهِ باليمن. فقد تدخلت الدول الخليجية وعلى رأسها السعودية دفاعاً عن نفسها وحدودها، ودفاعاً عن الحكومة الشرعية، وعن الأمن البحري للعرب. وتلاعب كثيرون على رأسهم إيران بهذا الموضوع لاستنزاف دول الخليج. وما كانت الولايات المتحدة وانجلترا بعيدتين عن ذلك. ومنذ أكثر من عامين يجري البحث عن حل سياسي وقد تعدَّل موقف أميركا وبريطانيا. وكنت أقولُ منذ عام 2012: ما لم يكن هناك حسم عسكري في مكان، فلن تقبل إيران الدخول في مفاوضات سياسية بشأن العلاقات. وما أزال آملُ أن يكون هناك شيء من ذلك باليمن تحديداً.

أقصد بالاستقطاب هنا أنه على ضعف الجهات العربية أو بسبب ضعفها، فإنّ بعضها يعمل بوعي وبدون وعي ضد بني قومه ولصالح قوى إقليمية ودولية. وهؤلاء يعتقدون أنه بالعمل للآخرين فإنهم ينجون بفلوسهم وبالسلطة الضعيفة التي هم فيها. ونفسياتٌ ومصالح كهذه لا يمكن تأمينها إلا باستمرار الحروب.

========================

إيران... رأس الأفعى الأصولية في المشرق .. حمّود حمّود

الحياة

الاحد 19/3/2017

قد يصعب على أصوليٍّ إيراني، بخاصة إذا كان ينتمي إلى الكهنوت الحاكم، التصديق أنّ إحدى دعائم السماء الكهنوتية الإيرانية وجود الشياطين على الأرض. لكن هذا هو الواقع والمخيال، في آن. إذ لا يمكن لنمطٍ كهنوتي أصولي، كالإيراني، القول إنه «الجمهوري الإسلامي»، بألف ولام العهد، من غير وجود جمهوريات شياطين تحكم خارج حدوده. قوة الشيطان تعني بوجه ما استطالةً في الحق الأصولي، تعني الاستدامة في طلب الطهارة، وإلا فمن غير هذا انتفت شرعية «الطلب على الأصول»، وانتفت حجة معاقبة الشياطين.

وعلى أية الحال، هذا المقال ليس عن الشياطين ولا عن الطهارة والطهرانية الأصولية منهم، بل للإشارة إلى ناحيتين: الأولى، أنّ الاستيقاظ الهائل الأصولي للإيرانيين في المشرق ضد «شياطينه» لم يكن له ليمر ويقوى من غير النجاح الأصولي الإيراني في إعادة ضبط لا البيت التاريخي الشيعي وخلق حاضنة سياسية شيعية له فحسب، بل أيضاً ضبط الثيولوجيا الإسلامية الأصولية بعمومها، وذلك على وقع إعادة قومسة مفردات الأعشاش التاريخية الأصولية وزرعها في بيئة تُمحى فيها حدود الدولة بالطائفة، لا الطائفة بالدولة، الثانية، وفي أنّ هذا الاستيقاظ يمثّل البؤرة والذروة التي تلتف حولها وضدها معظم الأصوليات الإسلامية، السنيّة منها والشيعية.

والحال، أنّ وصف مُرشد الجمهورية الإسلامية خامنئي، من عهد قريب، بأنّ أميركا تدعم اليوم «الإسلام الأموي المرواني» في المشرق، أو بالأحرى تروج له (انظر قناة العالم، 1 آب -أغسطس 2016: «آية الله خامنئي: الاتفاق النووي اثبت عدم جدوى المحادثات مع الأميركيين»)، لا يمثل ذروة الصفاقة الأصولية الإيرانية فحسب، بل أيضاً تذاكياً خامنئياً يمثل استمراراً في اللعب على سلوكيات ومفردات القواميس التي افتتحها الخميني، أي المعاودة في البحث الدائم عن شرعية لجمهورية غير شرعية لا من داخل حدود فارس، بل بالقفز خارجها: إنْ بإعادة أسطرة التاريخ وصراع قبائله بجعلهم جزءاً من الصراعات الحالية، أو من خلال أسطرة «العدو الأميركي»، شيطان الخميني الأكبر، وذلك من خلال وضع أميركا على قائمة داعمي «السلالة الأموية والمروانية»، وكأنّ انتماء هذا الشيطان ينحدر دموياً منها. حاجة إيران لهذا النمط من الشياطين، يعني حاجتها لطلب الشرعية منها، بأبلسة وتديين الصراع معها. وبالفعل، ينقل الكاتب سعيد أمير أرجمُند عن خامنئي نفسه، حينما كان غضاً يافعاً في أصوليته، بأنّ «شرعيّة الدستور لا تُستمد من عموم الشعب أو غالبيته، بل من ولاية الفقيه. إنّ ولاية الفقيه هي كـالرّوح في جسد النّظام». وإذا كان الأمر على هذه الدرجة من صراحة خامنئي، فإنّ عصب الجوزة الضيقة لهذه الولاية قائم على ثيمة الانتقام الإلهي المفتوح من الشياطين المشرقية وداعمة السلالات الأموية: أميركا.

سقوط مثل هذه الولايات الدينية الإيرانية سيعني بالتالي البداية في حلّ العقد الأصولية في المشرق. وإلا أمامنا هذا الاستمرار في استلام إيران بجمهورييها الأصوليين «سدة الثأر»: بحربها الإعلامية فقط ضد شيطانها التي تعشقه في واشنطن من جهة، والاستمرار في الانتقام الأصولي الدموي من معظم شعوب المشرق، من جهة أخرى، طالما أنها هي الأخرى بأصولييها السنّة تشترك بنيوياً في معارك القبائل والسماء. ربما يعتبر هذا جزءاً من جواب عن: لماذا معظم الميلشيات الإيرانية في سورية والعراق حينما تفتح جهادها في الإرهاب تُذكّر بأنّ هذا الجهاد ما هو إلا استمرار للمعارك بين «أنصار يزيد» و «أنصار الحسين» (المالكي كان بارعاً في هذا). بالطبع، هذا يعني دوامة الأصولية والإرهاب في المشرق، والتي ستبقى مشرعة يقودها مجانين إيران وأصوليوهم.

وهذا بالفعل ما افتتحته العصائب الأصولية حينما اغتصبت الثورة الإيرانية، الأمر الذي فتح سدة الباب العالي على مصراعيه في المشرق بتغذية ميليشيات أصولية تنتمي إلى الأصوليات السنية الضدية (الإخوان المسلمون السوريون مثلاً)، سواء بالسعي الحثيث لخلق مثال يحاكي شكلياً جمهورية الإسلام الإيرانية، أو بإنشاء كيانات تقف على أرضية مؤسطرة ضدية، قامت هي الأخرى ألف مرة بأسطرة العدو التاريخي الشيعي وإعادة ضبطه بمفردات قاموس النواصب والروافض. لقد كان، وما زال، القرار الإيراني الأصولي بتطبيق مثال جمهوريته خارج فارس، والذي يتجسد اليوم بقمة دموية في بعض البلدان العربية، يمثّل الشرارة الأصولية الكبرى التي حقنت أصوليات المشرق، المتأصلة أصلاً، وخلقت أخرى (حزب الله على رأسها) تكون بمثابة ذيول لرأس الأفعى الطَّهراني.

إيران بكونها تمثل رأس الأفعى الأصولية في المشرق، لا يعني على الإطلاق التقليل من شأن الأفاعي الأصولية الأخرى، والتي تستطيل من جهتها برؤوسها وأذيالها في الإرهاب، بمقدار ما يعني أنه مع كهنة إيران واستيقاظهم، بل مع مأسسة الأصولية الشيعية بمؤسسات دولة، قُدم العون لاستيقاظ الضديات السنيّة الأخرى، وإلباس أصوليتها عباءة الاقتتالات الطائفية. رأس الأفعى هذا هو من يقود دفة صراع الأسد الابن في سورية ضد «الأمويين» (إذا ما استعرنا قاموس خامنئي) وهو من يقود أصوليي الميليشيات العراقية واليمنية، وبنفس الوقت يمثل العامل الأهم في تغذية شياطينها التي من المفترض أنها تسعى لـ «التطهر» منهم. والحال، أنّ الضديات الأصولية السنية، على الضد الإيراني، التي بلغت اليوم درجة كبرى من الهيجان الإرهابي، تعتاش كذلك على ما تصفه بعدوها التاريخي الإيراني، أأخذت هذه العداوة شكلاً قومياً أم طائفياً.

السعي الإيراني خلف ميوعة الدولة بالطائفة، أي امحاء حدود الجغرافية الفارسية بـ «لاحدودية» الطائفة الشيعية، لم يكن ليعني فقط التوغل الإيراني في كل بقعة مشرقية فيها شيعة أم مقام إمام، بل عنى كذلك وحقن مربعاً أصولياً إسلامياً سنياً، كانت خلافة البغدادي آخر نسخه، وربما لاحقاً من سيأتي من خلفاء سلالة البغدادي. إنّ سؤال أين تبدأ حدود إيران وأين تنتهي، لهو سؤال لا يُجاب عنه، بالفعل، سوى بتحليل إلى أين وصلت درجة ذوبان الجمهورية الإسلامية الإيرانية بالطائفة الشيعية، وإلى أين وصل «المستوى الأموي»، العدو الأول للخامنئي، في الحوادث السورية الجارية اليوم، وإلى أين وصل التوغل الإيراني في أسطرة حروب سورية اليوم بمسطرة حروب يزيد والحسين.

لا يخفى أنها أسئلة يشترك في أجوبتها كهنة رأس الأفعى: كهنة طهران.

========================

عن خسارات الثورة السورية .. ماجد كيالي

الحياة

الاحد 19/3/2017

كل ثورة، باصّة إذا ووجهت بعنف، أو انتهجت العنف كرد فعل، تتضمن خسارات بشرية ومادية مهولة، وهذا حال الثورة السورية، منذ ستة أعوام. فحتى في عامها الأول (السلمي) شهدنا مصرع 400 - 500 ضحية، ناهيك عن المفقودين والمعتقلين.

بيد أن الحديث هنا لا يتعلق، فقط، بالخسائر البشرية والمادية، غير المسبوقة، التي تعرض السوريون لها، والتي نجم عنها تخريب مدنهم، مع ضحايا يقدرون بأكثر من نصف مليون، وحوالى عشرة ملايين لاجئ ونازح، وإنما عن خسارة هذه الثورة لنفسها كثورة، أو عن إخفاقاتها على هذا الصعيد، من دون أن يقلّل ذلك من مشروعيتها وعدالتها وضرورتها، وهذا مع تفهّمنا لتعقيداتها والقوى المضادة لها والتلاعبات الخارجية فيها.

مثلاً، لم تتمكّن الثورة السورية من الحفاظ على نفسها باعتبارها ثورة وطنية ديموقراطية حقاً، أو لم تستطع أن تمثّل ذلك في خطاباتها وبناها وممارساتها، إذ ظهرت، مع غياب الكيانات السياسية الوطنية، كأنها ثورة جماعة معينة، وإن كانت هذه الجماعة لا تعرّف نفسها كطائفة، لأن «السنّة» لم يعقدوا لواءهم ولا ولاءهم لأحد، لا لحزب مدني، ولا لفصيل عسكري، ولا لدولة ولا لزعيم أو شيخ أو إمام، على نحو ما حصل عند الجماعة الإسلامية الأخرى التي تليهم في الحجم («الشيعة»).

فوق ذلك فهذه الجماعة لم تكن موحدة، بل بدت متفرقة، وفق المناطق، أو تبعاً للكيانات العسكرية المسيطرة. وفي المحصلة، فإن هذه الثورة لم تستطع أن تجذب أو أن تستقطب، الجماعات الأخرى، التي تمثل موزاييك سورية، الطائفي والإثني، إلى الدرجة اللازمة، ما أضعف طابعها كثورة وطنية.

أيضاً، وتبعاً لما تقدم، فهذه الثورة لم تستطع التعامل مع المسألة القومية، لا سيما منها الكردية، أولاً، لتجاهلها هذه القضية، أو استخفافها بها. وثانياً، لاعتبارها أنها قرين للتقسيم. وثالثاً، بحكم غياب الطابع الديموقراطي للثورة ذاتها. والأهم من كل ذلك أن المتحكمين بمسارات الثورة نظروا إلى المسألة الكردية، ليس على اعتبارها جزءاً من المسألة السورية، أي جزءاً من الثورة الوطنية الديموقراطية، وإنما باعتبارها مسألة خارجية، أي وفقاً للمنظور التركي تحديداً. طبعاً هذا لا يعفي القوة الكردية المهيمنة، وهي حزب الاتحاد الديموقراطي (وميلشياته المسلحة)، من مسؤوليتها عن إثارة هذه المخاوف عند السوريين، لا سيما مع اختلاف الأحزاب الكردية ذاتها، حول رؤيتهم لمستقبل الكرد ومستقبل سورية، وبحكم المواقف والممارسات التي أثارت شبهة التعاون مع النظام، فضلاً عن ممارسات هذا الحزب التسلطية في المناطق التي يسيطر عليها. مع ذلك فإن السكوت عن الفصائل الإسلامية المسلحة، واختلاف أعلامها، واضطراب خطاباتها، وتشكيلها ما يسمى «محاكم شرعية»، مع ممارساتها التسلطية في المناطق التي تسيطر عليها، لا يستقيم مع النبرة الحادة، والنظرة العدائية أو الاقصائية، التي ووجه فيها حزب الاتحاد الديموقراطي، بسبب مواقفه وممارساته. والمعنى أن نقد ممارسات هذا الحزب، وميلشياته، كان يفترض أن يتصاحب مع نقد الفصائل الإسلامية المسلحة، التي فعلت الشيء ذاته في مناطقها، لأن الطرفين أضرا بالثورة السورية وبصورتها وصدقيتها، وبوحدة السوريين.

ولعل أهم خسارات الثورة السورية أنها خسرت طابعها كثورة ديموقراطية، باعتبارها أصلاً قامت من أجل إنهاء نظام الاستبداد، وهذا مبرر وجودها الأساسي. والحال فإن هذه الثورة لم تستطع أن تنتج كيانات سياسية ديموقراطية، في نمط الثقافة والعلاقات، بحيث تطبع الثورة بطابعها، بل إن الفصائل العسكرية الإسلامية، التي تصدرت المشهد، بدت كمحاولة لإعادة إنتاج الاستبداد، بلبوس ديني، أو باستخدام الدين، مع قيام ما يسمى «محاكم شرعية»، وفرض تصورات معينة للدين غريبة عن مجتمع السوريين، تتدخل في الشؤون الخاصة، وفي طريقة العيش والملبس، إلى درجة أن المناطق التي تسيطر عليها هذه الفصائل باتت بيئة طاردة للسوريين، لا سيما للنشطاء الثوريين، بدل أن تكون بيئة جاذبة لهم، أو بيئة تشكّل نموذجا بديلاً عن النظام.

الأهم من ذلك أن هذه الفصائل، التي تتغطى بالدين، دخلت في صراعات واقتتالات في ما بينها، على الأراضي والمكانة والسلطة، إذ إسلاميون يقتلون إسلاميين، بحيث أضحى العنف الوسيلة لخلق التوازنات على الأرض، لا الحوار أو قوة النموذج.

في هذا السياق، مثلاً، شهدنا أن «الائتلاف»، وهو الكيان الأبرز للمعارضة في الخارج، لم يتحول إلى كيان وطني ديموقراطي تستظل به، أو يحتضن، مختلف كيانات وتيارات الثورة السورية، بل ظل كياناً مغلقاً، يفتقر إلى روح المؤسسة والعمل الجماعي والعلاقات الديموقراطية. فوق ذلك فهذا الكيان ظل يغطي على «جبهة النصرة» أو جبهة «فتح الشام»، طوال السنوات الماضية، على رغم أنها حاربت «الجيش الحر» وأزاحته عن المشهد تماماً، وعلى رغم أن هذه الجبهة لم تنضو يوماً في الأطر السياسية والعسكرية للثورة، ولا تعترف بها أصلاً وتناهض مقاصدها في الحرية والمواطنة والديموقراطية. وحتى البيان الذي صدر بإدانة هذه الجبهة أخيراً، من قبل «الإئتلاف» (أواخر كانون الثاني/يناير الماضي)، صدر بعدما أتت التوجيهات من دولة معينة، وبعدما أصدر بعض المشايخ موقفاً مماثلاً.

بناء على ذلك كله، فالثورة السورية بالشكل الذي سارت عليه، وبالخطابات والكيانات التي تصدّرتها، خسرت كثيراً من الزخم الشعبي الذي صاحب بداياتها، ومن صدقيتها، كما خسرت كثيراً من قدرتها على استدرار تعاطف العالم معها، لأن العالم لا يقف مع الحق، على بياض، وإنما يحتاج إلى ما هو أكثر إقناعاً، أي يحتاج إلى تمثل قيم العدالة والحرية والمساواة والديموقراطية، وهو ما عجزت الثورة السورية عن تمثله، تماماً مثلما عجزت عن فرض ذاتها كممثل للسوريين، ولتطلعاتهم نحو مستقبل أفضل، بظهورها كمن يخضع لتلاعبات أو توظيفات هذه الدولة أو تلك.

مرة أخرى، هذا لا يقلل من أهمية الثورة السورية، وشرعيتها وعدالتها، فكل الثورات خضعت لضغوط وتدخلات وتلاعبات خارجية، ولكل الثورات أثمانها وتداعياتها الباهظة، لكن الحديث هنا يتعلق بمدى تقبل العامل الذاتي أو عدم تقبله لها، سكوته عنها أو مقاومته لها.

========================

سبع سنبلات خضر: الثورة السورية .. وائل مرزا

المدينة

الاحد 19/3/2017

على مر سنوات، أغارت الطائرات الإسرائيلية على الأراضي السورية. وفي كل غارة، حققت أهدافها. ومرةً بعد أخرى، عادت إلى قواعدها بسلام كأنها كانت في نزهة. أهم من هذا كله أن بشار الأسد ما جرؤ مرةً أن يأمر بإطلاق سلاحٍ حقيقي على الطائرات الإسرائيلية، وكانت ردوده محصورةً بين التنديد والاستنكار من جهة، والتأكيد على احتفاظه، الذي يبدو مؤبداً لانهاية له ولامصداقية عملية، على « الحق بالرد في الوقت المناسب»!

ما الذي حدث إذاً خلال غارة الأسبوع الماضي؟ لماذا أطلق الأسد صواريخ وأعلن نظامه، كذباً، إسقاط طائرة؟ هل شرب الأسد حقاً «حليب السباع»، كما يقولون؟ أم أنه أصيب بالجنون لعلمه بدلالات وجود أحدث الدفاعات الجوية الروسية على مرمى حجرٍ من دمشق، فضلاً عن طائراتها الحديثة. ورغم كل هذا، تحصل الغارة الإسرائيلية وكأن الروس يغطون في نومٍ عميق!

بشيءٍ من التحليل، تبدو الغارة حدثاً مفصلياً مليئاً بالإشارات، إذ تتزامن تماماً مع انطلاق العام السابع لثورةٍ سورية، ثمة مؤشراتٌ عديدة على أنه سيكون عاماً تظهر فيه تدريجياً تباشير النصر. ما من فسحةٍ لأحلام النهار في الموضوع. فالموضوع يتعلق بالمتغيرات الكثيرة والجذرية والسريعة المحيطة بالشأن السوري. ولامجال، أيضاً، لحديثٍ عن نصرٍ نهائيٍ وسريع وكامل. فهذه الثورة عملية تحررٍ وتطهير من إرثٍ تقليدي مهترىء دام عقوداً، بحساب، وقروناً، بحسابٍ آخر.. وهي، بعدَها، انبثاقٌ من أرض الثورة، الذي سُقي بدماء السوريين، لإنسانٍ ثورة مختلفٍ تماماً عن سوريٍ سابق، مامن شك أنه سيحتفظ بكل ما كان في تكوينه من خير، وهو كثير. لكنه سيخلع عنه أثواباً تراكمت من الجهل والتقليد والآبائية والأمية في الثقافة والسياسة والعمل العام، بحيث يصنع بنفسه ولادة ثقافةٍ جديدة بكل المعايير.

بكل الحسابات الإستراتيجية: رحيل بشار قادم. لافسحة هنا للتفصيل في تغييرات استراتيجية تجري في المنطقة سراعاً موحيةً بذلك، وسيكون لهذا وقتٌ آخر. لكن هذا يبقى مقام استذكار السوريين لواجبهم، هم دون غيرهم، مع التغييرات المذكورة حُكماً، وبدونها، فيما يتعلق بمسؤوليتهم ودورهم، بعد كل هذه التجربة.

لهذا نؤكدها مرةً أخرى. بكل مقاييس الحضارة والإنسانية، ثبتَ للعالم بأسره أن بشار (قزم). لكن هذه الحقيقة لن تصل بالثورة السورية إلى النصر إلا عندما يُخرج الشعب السوري كمونهُ الحقيقي الذي يُظهر كم هو (عملاق).

من أجل هذا، تحتاج سوريا اليوم لكل أبنائها، بعيداً عن أي معنىً من معاني (السلبية) أو (الحياد) أو (اليأس) التي يمكن أن تتلبس بعض السوريين، فتكون أخطرَ على ثورتهم من كل عنصر قوةٍ يملكهُ النظام.

تتعدد أسباب السلبية والحياد واليأس، لكن النتيجة تظل دائماً واحدة: خسارة الثورة لطاقاتٍ كان يمكن أن تحملها إلى منصة النصر، وخسارةُ الطاقاتِ لثورةٍ، لفرصةٍ فريدة يصعب أن تتكرر، فرصة حياتِها لتُحقق أشواقها وتطلعاتها وآمالها بالحرية والكرامة وتقرير المصير. وأياً كانت خلفيتك وطريقة تفكيرك أيها السوري، ثمة ألف سببٍ وسبب تُعطيك، أيها السلبي وأيها المحايد وأيها اليائس، مشروعيةً لمُمَارستك. أنت تعلم ذلك في أعماقك. وماأسهل أن تستخدمه لتبرير سلبيتك وحيادك ويأسك.

ما أسهل أن يجد السوري اليوم سبباً للاستقالة من ثورة بلاده. ليس المقامُ هنا مقامَ مناقشة صواب هذه الأسباب أو خطئها، وإنما التساؤل عما يمكن أن تفعله بخصوصها. أنت. أنت السوري الذي لايستطيع أن يَخلعَ جِلدَهُ أو يأخذ إجازةً من انتمائه للوطن.

وإذ يجمعُ الإنسان بين التجرد والإخلاص، والبحث والسؤال، والتفكير والحركة، يفتح له الله بالعقلُ والحركة أبواباً لم يكن يراها، ويُيسر مداخل للعمل لم يحلم بوجودها ابتداءً. ليس في الأمر (غرقٌ في أوهام الغيبيات) يُشرعهُ بعض (المثقفين) سيفاً للسخرية والاستهزاء من مثل هذه المعاني. وإنما هي وسطيةٌ تغرق في العمل والتخطيط، وهي تؤمن أن هذا لايضيع في دنيا ولا في آخرة.

ما أصدق مقولة الروائية الأمريكية كارين ميلر بتنزيلها على ملابسات الثورة السورية وطريقة تعامل بعض السوريين معها: «عندما يقول لك أحدهم: لا، فهذا لايعني أنك لا تستطيع إنجاز مشروعك، وإنما يعني أنك ستنجزهُ بدونه».

========================

الثورة السورية.. أهم الثورات في التاريخ .. أنور البني

 جيرون

السبت 18/3/2017

تمر الآن الذكرى السادسة للثورة السورية العظيمة، ونرى العالم كله يقف على قدم واحدة خوفا من نتائج انتصار هذه الثورة العظيمة، كل العالم، وأعني الكل بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى خائف ويعمل كل ما في وسعه لوأد هذه الثورة وإخمادها واحتواء آثارها، أولا نظام الأسد العائلي الذي زعزعت أركانه وأصبح في مهب ريح التوازنات الدولية بعدما كان رقمًا فيها بسبب سيطرته على مقدرات سورية، وثانيا إسرائيل التي ارتعبت من تغيير التوازن الذي كان يحفظ أمنها الشمالي ويبقيها مدللة الغرب وأميركا بوصفها الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، وثالثًا بعض دول الخليج، وعلى رأسهم السعودية التي تعرف أن انتصار الثورة السورية سيكون بمنزلة “تسونامي” يُزعزع أركان الحكم المستقر منذ عشرات السنين.

كذلك مصر والجزائر، وإيران التي تعرف أن استقرار حكم حافظ وبعده بشار هو رأس الحربة الأول في مشروعها للامتداد إلى البحر الأبيض المتوسط وحصار منطقة الخليج بقوس شيعي يجعله تحت سيطرتها ويجعلها لاعبًا دوليًا كبيرًا تحلم أن يرث دور الاتحاد السوفياتي، ولن أتكلم عن لبنان والعراق؛ لأنهما ما زالتا لعبة بيد الأطراف الإقليمية المؤثرة، وهما ينتظران ما يأتي بالمستقبل ليُعاد رسم دولهما بناء على ذلك.

وتركيا التي كانت تحاول بناء قوتها الإقليمية، وإعادة دورها عبر الانخراط بالمشروع الأوروبي، رأت في الثورة السورية فرصة لتدخل المنطقة بشكل أكبر مما كان، يُمكّنها مع نظام بشار، وأرادت لهذه الثورة أن تكون تابعة لها، وتحقق أهدافها وليس أهداف الشعب السوري، فلعبت وتلاعبت بالمعارضة السياسية وبعدها بالمعارضة المسلحة، واستخدمت اللاجئين ورقة لتقوية مواقفها.

أما روسيا التي رأت كذلك في الثورة السورية وانتصارها، إشارة إلى تفكك الاتحاد الروسي، واضمحلالها كقوة ما زالت تُعد عظمى، وعودتها لمستوى الدول النامية، وربما أكثرها فسادًا، فكان قمع الثورة السورية هدفًا بحد ذاته، إضافة إلى أنه ورقة ثمينة في مفاوضاتها مع الغرب وأميركا حول وضعها بوصفها قوة عظمى، ووضع دول أوروبا الشرقية وأوكرانيا وجورجيا.

كذلك، أميركا أوباما، التي انسحبت من المنطقة، وركّزت جهدها في الشرق الأقصى، وقعت في مأزق بين حماية أمن إسرائيل وترك المنطقة تتعفن وتتآكل، مع الحفاظ على سلامة منابع النفط، فكان انتصار الثورة السورية سيغير ثوابت هذه السياسية، فحاولت كل ما باستطاعتها ومنذ اللحظة الأولى أن تهدم كل أمل بأن يحصل الشعب السوري على حريته ودولته الديمقراطية، وتحبط كل الجهد التي حاولت مساعدة الثورة على الانتصار.

كذلك وقفت أوروبا عاجزة، لا حول لها ولا قوة، إلا بالتصريحات والبيانات، فأميركا وقفت سدًا منيعًا تجاه أي محاولة جدّية لدفع الوضع نحو تحقيق ولو انتصار جزئي لها، وتركتها تدفع ثمن الموقف الأميركي المشين.

كل هؤلاء وعبر ست سنوات، بذلوا ما بوسعهم لإحباط هذه الثورة السورية والعظيمة، ولم ينجحوا بذلك، بل أنهم فشلوا فشلًا ذريعًا، فالشعب السوري ما زال يؤمن بحقه في حريته وبدولة ديمقراطية ويسعى لذلك، ولن يثنيه كل هذا الثمن الهائل الذي دفعه للعودة إلى الركوع والخنوع والذل.

غيّرت الثورة السورية كل المفهومات القديمة، وهذا هو عمل الثورات، فقد تغيرت مفهومات الشعب السوري كلها حول حياته ومعتقداته وإيمانه وثوابته التاريخية، كلها أصبحت موضع تساؤل ونقاش بما فيها ثوابت السلطة الأبدية والثوابت الدينية والعلاقات العربية والعلاقة مع الأقليات من أكراد وغيرهم، والموقف من إسرائيل ودور الدين والعلاقات الأسرية ودور المرأة، والثورة السورية قلبت مفهومات الحكام الديكتاتوريين في المنطقة حول الاستقرار والاستمرار بالحكم ومستقبل أنظمتهم وانقلبت مفهومات الاستقرار والأمن والأمان لدى كل الدول والمجتمعات الغربية، وانكشف غطاء الكذب المستمر عن الإيمان بمبادئ حقوق الإنسان والقيم الديمقراطية وقبول الآخر لدى هذه الدول ولدى مجتمعاتها أيضًا، وظهر التناقض الواضح بين هذه الادعاءات والحقيقة والواقع، وخاصة بموقفهم من الجرائم الكبرى التي ترتكب في سورية، وموقفهم من اللاجئين، وابتدأ صراع كبير في داخل تلك المجتمعات وبين أحزابها السياسية حول هذه الحقائق لن ينتهي خلال الأمد المنظور، وربما يتطور إلى عودة انكفاء العالم لكانتونات ودول صغيرة منعزلة، والثورة السورية زلزلت كل منظومة القوانين والهيئات الدولية التي أمضت البشرية عقودًا في بنائها، واهتزت الثقة فيها وبفاعليتها بما فيها دور مجلس الأمن وصلاحيته وإمكانيته بحفظ السلم العالمي وبالأخص دور منظومة العدل الدولية ومحكمة الجنايات الدولية، ومبررات وجود كل هذه الهيئات غير الفاعلة، وابتدأ البحث جدّيًا عن استبدال هذه الآليات، أو على الأقل إجراء تغييرات كبيرة فيها ليزيد فاعليتها وجدواها.

كل هذه التغيرات في العالم، التي نتجت عن الثورة السورية، وقد يأتي بعضهم ليتساءل: هل كانت ثورة؟

نعم… إنها من أجمل وأكبر الثورات في التاريخ حتمًا، وأكثر تأثيرًا حتمًا، ومازالت مستمرة ومتأججة طالما لم يصل الشعب السوري إلى هدفه في حريته ودولته الديمقراطية.

يدفع السوريون بدمائهم ثمنًا ليس لإزالة أبشع نظام دكتاتوري دموي فحسب، وإنما هم يدفعون لحفظ أرواح مئات الملايين من الشعوب في العالم، سيكونون ضحايا محتملين لمجرمين يتربصون بهم عند هزيمة الثورة السورية، والسوريون يدفعون بدمائهم ثمنًا لتغيير بنية إقليمية ودولية دولية، بُنيت على المصالح السياسية والاقتصادية للدول الأقوى، وليس على القيم ومصالح الشعوب في العالم، الثورة السورية تعيد للقيم الإنسانية ألقها وجوهرها، بعدما دفنتها مصالح الدول تحت غبار الكذب، إنه قدر السوريين وشعب سورية الذي كتب بحضارته تاريخ العالم منذ آلاف السنين، يعود بثورته ليبدأ بدماء أبنائه بكتابة مستقبل للعالم.

إن انتصار الشعب السوري هو المفتاح ليكون مستقبل العالم أفضل، واستمرار قمع الثورة السورية يُظهر مستقبلًا أسود لهذا العالم.

========================

السبع العجاف في سوريا .. رياض نعسان أغا

الاتحاد

السبت 18/3/2017

يتفاءل السوريون بأن يكون العام السابع الذي يمر على مأساتهم عام اقتراب النهاية، وولادة عام (فيه يغاث الناس) بعد ما ذاقوا من الويلات ما لا يطاق وما يفوق التخيل من العذاب والدمار والقتل والتهجير والتشرد. وتتزامن ذكرى الثورة مع اقتراب عقد الجولة الخامسة من المفاوضات في جنيف، وكانت الرابعة قد انتهت إلى جملة من التصريحات التي استقبلها السوريون ببرود، وما تم إعلانه عن القبول بمناقشة موضوع الانتقال السياسي فقد أهميته عند ربط تقدم المفاوضات حوله بسلال ديمتسورا الأخرى (الانتخابات، الدستور) وقد أضاف الرابعة (الإرهاب) وهي السلة التي تحمل كل أنواع المتفجرات والقنابل الموقوتة القادرة على نسف أي تقدم يحققه المتفاوضون في السلال السابقة. ولم يخف ديمستورا مكيدة ربط سلة الإرهاب بالسلال الثلاث، فقد قال «إما كل شيء أو لا شيء»! ومن البدهي أن تتعثر المفاوضات حول موضوع الإرهاب على رغم كون الجميع يدينونه ويتبرؤون منه، ولكن اختلاف التفسير للإرهاب سيجعل المفاوضات أشبه بندوة سياسية من برامج الحوارات التلفزية الساخنة! فالنظام وحلفاؤه يرون كل من يحمل السلاح ضد النظام إرهابياً، والمعارضة المسلحة ترى أنها حملت السلاح للدفاع عن الشعب بعد أن صبر شهوراً على إرهاب النظام، ويرى النظام أن الميليشيات المحلية والأجنبية التي هبّت للدفاع عنه هي منظمات تعمل في إطار الشرعية، بينما يراها المعارضون والشعب السوري المشرد تنظيمات إرهابية مثل «حزب الله» وكل الميليشيات الطائفية.

وكان حرياً بديمستورا أن يعتمد ترتيب الأولويات، وأن يكون الحديث عن الانتقال السياسي وحده هو الأولوية المطلقة، وحين ينتهي إلى تنفيذ ما جاء في بيان جنيف 1 وفي القرارات الدولية حوله، ويتم إعلان هيئة حكم انتقالية تمارس صلاحياتها، يبدأ الحديث عن الانتخابات وعن جمعية تأسيسية تضع مشروع الدستور. وقد فصلت رؤية الهيئة العليا للمفاوضات سيناريو الحل وفق القرارات الأممية ووضعت خطة متكاملة لم تغفل التفاصيل، وقد شارك في بنائها مختصون في الدساتير والقوانين ونخب سياسية متعددة الرؤى، وطرحت للحوار مع العديد من تنظيمات المجتمع المدني، كما طرحت على صعيد دولي في لندن، ثم في الجمعية العامة في نيويورك.

وكنت أرجو أن يقدم النظام رؤيته لسيناريو الحل السياسي من وجهة نظره، كي يدرس الفريقان المتفاوضان الرؤيتين معاً، ولكن النظام لم يبدِ إلى الآن أية جدية في طرح الحل السياسي، ولم نسمع أكثر من الحديث عن حكومة وحدة وطنية كأن الثورة قامت من أجل إشراك بعض المعارضين في الحكومة. ولئن كانت المعارضة قد قبلت بالتشارك مع النظام في هيئة حكم انتقالي، فإن الهدف ليس تشكيل حكومة وإنما تشكيل بنية دولة مدنية ديمقراطية ينتهي فيها الاستبداد والطغيان والتغول الأمني الذي قمع الحريات وواجه الشعب بالقتل لمجرد أنه طالب بالحرية والكرامة، ولابد من أن ينتهي دور المنظومة الحاكمة التي ارتكبت من الجرائم ما لم يرتكبه حاكم في التاريخ ضد شعبه.

ومع أنني غير متفائل بأن تحقق الجولة الخامسة تقدماً في المفاوضات إلا أنني أجد الإصرار على متابعة العمل السياسي ضرورة لإبقاء القضية السورية محط أنظار العالم واهتمامه، ولكن من الواضح أن النظام ليس مضطراً للتنازل عن أي شيء عبر التفاوض، ما دامت دول كبرى في العالم تناصره، وأخرى تسكت عن مجازره، وأخرى تكتفي باستنكار إعلامي لما يفعل، وما دامت روسيا والصين تملكان حق «الفيتو» الذي يمنع عنه العقوبات وحتى الإدانة في مجلس الأمن. وهو يرى العالم يهتم بقضايا الإرهاب أولاً، ولا يعنيه كثيراً أن يزداد عدد القتلى المدنيين يومياً، وهم يموتون تحت الأنقاض وملايين السوريين يعيشون في الملاجئ والمخيمات أو مشردين على أبواب الدول! وهذا ما يدفع النظام إلى متابعة الحسم العسكري وجعل المصالحات القسرية مع التهجير والتغيير السكاني وسيلة الحل الوحيدة عنده، وروسيا تساعده، وتسعى معه لفرض الإذعان والاستسلام على المعارضة.

وأعداء الثورة السورية يدعون أنها انتهت، وقد ارتاحوا لهجرة أكثر من نصف الشعب السوري، وسيتابعون تهجير من يشكون بولائهم عبر الترهيب المستمر وعبر الاعتقال والتعذيب، ولكنهم يتجاهلون أن الحلول القسرية لم تنهِ قضية وطنية في التاريخ كله، ولاسيما أن دماء الشعب ما تزال تنزف، وسيبقى الدم يلاحق المجرمين مهما طال الأمد.

========================

لا تحلّوا مشكلات روسيا .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 18/3/2017

لم تقدّم روسيا أي مقابلٍ لمشاركة المعارضة السورية في لقاءات أستانة، المكان الذي لم يذكر في أي قرار دولي، ولم تتوافق عليه أطرف الصراع السوري، وترغب روسيا في جعله بديلا لجنيف، مكان المفاوضات الشرعية قانونيا ودوليا الذي تحمل اسمه وثيقة دولية، تقدم خريطة طريق لحل سياسيٍّ، ينهي حكم الأسد.

ولم تفهم روسيا معنى "المرونة" التي أبدتها المعارضة في أستانة، على الرغم من أنها لم تكن صحيحة أمس، وليست صحيحة اليوم أيضا، لأنها لم تقيد الروس بما التزموا به، سواء تعلق الأمر ببدء تطبيق قرار مجلس الأمن 2254، أم بالوقف التام لإطلاق النار، أم بالقضم الروسي/ الأسدي لمناطق المعارضة، أم بكبح مخطط روسيا الزاحف الذي يستخدم القوة لإرغام المعارضة على القبول باحتوائها داخل النظام الأسدي، من خلال الانخراط في "حكومة وحدة وطنية"، هي بحد ذاتها مخالفة لوثيقة جنيف، وللقرارات الدولية الخاصة بتطبيقها.

حوّل الروس لقاءات أستانة عن وظيفتها المعلنة، وقلبوها إلى مكان لتطويع الفصائل وفصلها عن مرجعيتها السياسية التي يعملون لاستبدالها بمنصاتٍ، يمكن أن تصير بديلا للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية ولهيئة التفاوض العليا، يتخلى عن وثيقة جنيف، بحجة قبول القرار 2254، الذي تعطله موسكو بدوره، لكي تمرّر بديلها الذي يبقي على الأسد ونظامه، ويحتوى المعارضة في إطاره.

لهذه الأسباب، كان من الطبيعي أن يقاطع وفد الفصائل لقاء أستانة الثالث، ردا على إعلان روسيٍ ينكر وجود علاقة بين أستانة ووقف إطلاق النار، الأمر الذي يجعل اللقاء هدفا منفصلا عن نتائجه أو جدول أعماله، ويتنكّر لالتزام روسيا والأسد في لقاء أستانة السابق بوقف زحفهما نحو مناطق المعارضة، وبوقف الحرب بدل تصعيدها. ويعني أن انعقاده صار إلزاميا، وأن المعارضة فقدت الحق في مغادرته أو الاعتراض على حق روسيا والأسد في مخالفة قراراته.

من الواضح أن روسيا مارست الخداع، حين قالت إن هدف أستانة هو إيجاد الأجواء المساعدة على بلوغ حلولٍ تلبي مصالح جميع الأطراف، بدءا بفرض وقف إطلاق نار شامل، يلتزم الجميع به، مع المحافظة على الأوضاع القائمة لدى الطرفين السوريين، غير أن استمرار الحرب، وانخراط طيران وجيش روسيا المكثف فيها، وما ترتب عليها في سوق وادي بردى والقابون وبرزه وحرستا ووعر حمص، أكدا أن موسكو ليست معنيةً بتنفيذ أي قرار دولي، وأن هدفها إلزام المعارضة بقبول انفرادها بحل يترجم قراءتها القرار 2254، المخالفة لنص بيان جنيف1 وروحه، إذ تنقذ النظام، وتمنع سقوط الأسد، وتقوّض أي مشاركةٍ دولية في المفاوضات، وأي مخرج متوازن يلبي مطالب الشعب السوري. بعد انفراد جيشها بممارسة قدر من قوة بدل موازين القوى، تريد دبلوماسيتها من لقاءات أستانة فصاعدا الانفراد بفرض حلّ يبدل القرارات الدولية، ويلغي حقوق السوريين.

أربك رفض الفصائل الذهاب إلى أستانة حسابات روسيا، وأكد أنها لم تنجح في وضعها تحت إبطها، وذكّرها أنها لن تحقق أهدافها بالوقوف على ساق النظام وحده، وتحتاج بشدة إلى ساق المعارضة أيضا، خصوصا بعد تكثيف حضور أميركا العسكري في الشمال السوري، الذي يصير أكثر فأكثر عقدة الصراع المحلي والإقليمي والدولي، ويتصاعد الصراع من خلالها على المنطقة وقواها من عرب وكرد وترك، ويدخل إلى مرحلة جديدة يدير الجباران فيها رهاناتهما بواسطة قواتهما العسكرية، الأمر الذي يزيد حاجة روسيا إلى المعارضة، ويمكّنها من إضعاف الموقف الروسي، إن نجحت في وضع الخطط والبرامج الضرورية لتحقيق ذلك، وصمدت في رفض الانصياع لأية ضغوط إقليمية تخدم موسكو، وترغمها على اتخاذ مواقف تتعارض مع مصالح الشعب السوري.

إذا كان هناك معارضون ذهبوا إلى أستانة، فليغادروها حالا، لأن دورهم ليس حل مشكلات روسيا السورية، ولأنه ليس من حقهم إدارة ظهورهم للوقائع التي تخدم قضيتنا، بقدر ما نعد أنفسنا للإفادة منها، بينما يعني تفاعلنا الإيجابي مع روسيا تخلينا عن دورٍ يستطيع جعل أيدي فلاديمير بوتين في وطننا أقصر من أنفه.

========================

منبج تقاطع مشروع التفتيت في سورية .. سمير صالحة

العربي الجديد

السبت 18/3/2017

إعلان وزير الدفاع التركي، فكري أشيق، أن أولوية بلاده في مسألة مدينة منبج السورية هي للمحادثات الدبلوماسية، يعني أن تركيا مازالت تفاوض حليفها المفترض، واشنطن، على تسوية سياسية للأزمة السورية، وأن الأولوية هي للخروج بهذا التفاهم، شرط أن تلتزم الإدارة الأميركية الجديدة بالتعهدات القديمة المقدمة حول انسحاب قوات سورية الديمقراطية من المدينة، وتسليم الأخيرة للقوات التركية والجيش السوري الحر، لتكون جزءاً من مشروع المنطقة الآمنة المعلنة في أعقاب انطلاق عملية درع الفرات قبل ثمانية أشهر.

الإعلام التركي المقرب من حكومة "العدالة والتنمية" كان ينشر قبل أيام تسريباتٍ عن الخطة العسكرية التركية المعدة لدخول مدينة منبج، لكن الإعلام نفسه اليوم يتحدّث عن معرفة أنقرة لصعوبة الوصول إلى ما تريد، وأنها لهذا السبب حذرة في تحديد مواقفها وخطط تحرّكها، على الرغم من إعلانها عدم التخلي عن وجود الخيار العسكري الذي سيكون آخر البدائل، كما قال الوزير التركي، في حال الوصول إلى طريقٍ مسدود، سياسياً ودبلوماسياً.

تعرف أنقرة أن ما يجري على الأرض يتعارض مع ما تقوله هي، فكل التطورات الميدانية والسياسية تتقدم في منحى آخر، تحاول إدارة ترامب فرضه على الجميع في شمال سورية:

- واشنطن تضع اللمسات الأخيرة على تشكيل جيش الرقة، وهي لن تحزن كثيراً إذا لم يشارك الأتراك في هذه المعركة، إذا لم نشأ القول إن ذلك يفرحها، لأنه سيقلب معادلات "درع الفرات" لصالح غضب الفرات هذه المرة.

- وواشنطن تردّد أنها لا تحتاج إلى وحدات البشمركة السورية التي دربتها أربيل بمعرفة أنقرة وتشجيع منها في معركة الرقة، وإنها ستكتفي بخوضها مع وحدات صالح مسلم (قوات سورية الديمقراطية).

- وهي تقرر إرسال قوات عسكرية أميركية إضافية إلى شمال سورية، يصفها النظام السوري

"فشلت تركيا في الجمع بين واشنطن وموسكو حول تفاهمات مشتركة في سورية" بأنها قوات تدخل واحتلال، لكنه يفتح الطريق أمامها في إطار لعبة تحالفات واصطفاف محير، يجمع حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي والنظام السوري والمجموعات المحسوبة على إيران بغطاء عسكري أميركي روسي إيراني في مواجهة تركيا والجيش السوري الحر في منبج ومحيطها.

باتت خطة واشنطن في شمال سورية شبه واضحة، بعد وصول لقاءات تركية أميركية عديدة، في الأسابيع الأخيرة، إلى طريق مسدود، وفشل المحادثات العسكرية الثلاثية في أنطاليا بين قيادات الأركان التركية والروسية والأميركية، وعدم تفاهم الرئيسين، رجب طيب أردوغان وفلايدمير بوتين، في لقائهما أخيراً، على خطة تحرّك مقبولة، وترضي أميركا أيضاً حول نقطتي الخلاف الأهم: تفاصيل معركة الرقة ومن سيتسلم منبج.

تريد أميركا: - إنهاء خطة درع الفرات، وحصر حدود المساحة الجغرافية للمنطقة الآمنة التركية، بما هي عليه اليوم.

- تحويل منبج إلى قاعدة انطلاق عملياتها السياسية والعسكرية في سورية قبل تسليمها إلى حزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي) ليضمها إلى مناطق نفوذه.

- إلزام روسيا بالتفاهم معها حول ما تقوله هي، وليس كما كانت تريد موسكو أن تفعل في تحديد مسار العمليات السياسية والعسكرية في سورية.

- محاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في الرقة، لكن الأولوية ستكون للضمانات والتفاهمات على حدود الكيان الكردي، والتسليم بحصته السياسية والجغرافية والدستورية.

- تسليم الملف السوري لروسيا، بعد تحقيق مطالبها تماماً كما فعلت في العراق، عندما تخلت عنه للنفوذ الإيراني.

- محاصرة المعارضة السورية بالتفاهمات الجديدة التي سيكون موضوع مصير الأسد والمرحلة الانتقالية في سورية آخر التفاصيل فيها.

يقول نائب رئيس الوزراء التركي، نعمان كورتولموش، إن بلاده لن تقف مكتوفة الأيدي، وتتفرج على محاولة تشكيل دولة كردية على حدودها، لكنه يدرك تماماً أن العودة الأميركية السريعة والمفاجئة إلى قلب المشهد السوري لم تكن لتختار الحليف الكردي المحلي، لو لم تستغل تركيا غياب واشنطن القسري، وتحاول استغلاله باتجاه بناء فرض حالةٍ من الأمر الواقع عليها في سورية، تحرمها من المشاركة في تحضير الطبخة، وتلزمها بتناول ما يوضع أمامها على الطاولة. رفع العلم الأميركي على مداخل منبج ليس من أجل الفصل بين حليفيها، القوات التركية والكردية هناك، بل من أجل توفير الحماية الكاملة لحزب الاتحاد الديمقراطي، وبالتالي الدويلة الكردية، وإفهام أنقرة أنها لا يمكن أن تحدد بمفردها من هو الإرهابي، خصوصاً إذا ما كان موالياً وحليفاً لواشنطن، ويحقق لها ما تريد.

فشل تركيا في الجمع بين واشنطن وموسكو حول تفاهمات مشتركة في سورية قد يدفع اللاعبين

"رفع العلم الأميركي على مداخل منبج ليس من أجل الفصل بين حليفيها، القوات التركية والكردية هناك، بل من أجل توفير الحماية الكاملة لحزب الاتحاد الديمقراطي" الدوليين إلى التفاهم بدونها هناك. لذلك، تجد نفسها اليوم وجهاً لوجه أمام قرارات خطيرة ومكلفة، قد تفتح الطريق أمامها في شمال سورية، لتصل إلى ما تريد، أو ترى نفسها محاصرة ومعزولة وراء الجدار العظيم الذي بنته على الحدود التركية السورية، لتحمي نفسها من الخطر القادم من الجنوب.

لا نعرف تماماً إذا ما كانت النقلات التركية، أخيراً، باتجاه واشنطن، مثل الإعلان عن اقتراب التوصل إلى صفقة تزويد تركيا بصواريخ إس - 400 الروسية ومبادرة أنقرة بدعوة العشائر العربية في شمال سورية للاجتماع في مدينة أورفا التركية الحدودية، لبحث سبل مواجهة نفوذ صالح مسلم في شمال سورية، وإشعال الضوء الأخضر أمام المعارضة السورية، لعدم المشاركة في لقاء أستانة، أخيراً، هي تحذيرية، وإذا ما كانت ستجد آذاناً صاغية لدى الأميركيين، لكننا نعرف أن تركيا تدفع ثمن الثقة بحليفها الأميركي الذي نصحها بالتوجه نحو مدينة الباب، لمحاربة تنظيم داعش مقابل وعودٍ لم تتحقق بسحب الوحدات الكردية من غرب الفرات إلى شرقه. سيشعل التباعد التركي الأميركي حتماً نقاشات حادة في المحافل السياسية والأمنية والعسكرية الأميركية حيال مقامرة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وفريق عمله في اختيار صالح مسلم حليفاً، بدلاً من الأتراك، ومحاولة محاصرة تركيا بلعب الورقة الروسية ضدها، إذا ما شعرت أن أنقرة تقاوم وتناور لتعطيل مخططها في سورية. وقد عاد السيناتور الأميركي، جون ماكين، الذي التقى أخيراً القيادات التركية في أنقرة، في محاولةٍ لإيجاد صيغة تفاهم ترضي الأتراك والأميركيين، عاد بيد فارغة، ليوجز المشهد على النحو التالي "أصبحنا في صف واحد مع الروس ضد حليفنا التركي".

تزداد مهمة تركيا في سورية مشقة، وهي تحمل أكثر من كرتونة بيض بين يديها. نتيجة الاستفتاء على التعديلات الدستورية في منتصف إبريل/ نيسان المقبل المفصل التاريخي في حياة تركيا والأتراك، نحو حقبة تغيير سياسي واستراتيجي واسع في الداخل والخارج، لكننا لا نعرف الكثير عن ارتداداته، بعدُ بين احتمالي نعم ولا، لدى الحليف الأميركي.

========================

مفاجأة أميركية للمعارضة السورية .. سميرة المسالمة

العربي الجديد

السبت 18/3/2017

أنهى المبعوث الأميركي، مايكل راتني، مهمته مع المعارضة السورية، بإصدار بيان تفصيلي حاد اللهجة، يكاد يرقى إلى صيغة الإنذار الأخير (10/3)، يحملها فيه مسؤولية السكوت عن جبهة النصرة، بكل مسمياتها من النصرة إلى جبهة فتح الشام وصولاً إلى هيئة تحرير الشام، وتغطية ممارساتها ومواقفها من الشعب السوري وثورته، معتبراً أن ذلك هو السبب الرئيسي وراء عدم مد الدول الصديقة أيديها لدعم الثورة السورية، مؤكداً أن هذه الجبهة هي واجهة لتنظيم القاعدة الإرهابي.

لم يكتف راتني بذلك، بل اعتبر أن جبهة النصرة أسهمت في تدمير الثورة السورية "بضرب رموزها وباعتداءاتها المتكرّرة على الفصائل الثورية، والتي طاولت حتى حركة أحرار الشام". معتبراً تلك الجبهة وجهاً آخر للاستبداد، وأن تهديدها لا يطاول الغرب وحده، وإنما الإسلام والمسلمين، منهياً بيانه بالتحذير بأنها ستأخذ سورية نحو الدمار، والمعارضة السورية نحو الانتحار.

يستشعر قارئ البيان مدى جدية التغيير في الموقف الأميركي، بعد انخراطهم في المعركة ضد الإرهاب، وفي الوقت نفسه، هي محاولة لكشف الغطاء عن جهات المعارضة التي مالأت هذا التنظيم الإرهابي، على الرغم من كل ما فعله بحق الثورة السورية، النشطاء المدنيين وفصائل الجيش الحر، وبحق السوريين في "المناطق المحرّرة" التي أخضعها لسيرته واستبداده بوسائل العنف والقوة.

يحق لنا أن نتساءل مع راتني، ومن دونه، كيف يمكن لمعارضةٍ محسوبةٍ على الثورة أن 

"خضعت أطياف في المعارضة السورية لمحاباة جبهة النصرة، أو السكوت عنها" تناصر تنظيماً لم يعترف بثورتها أساساً، ولا يعترف بدولتها التي خرجوا لتحريرها من استبداد حاكمها، بل ويعتبرهم مرتدّين عن الدين، وحلل قتلهم واعتقالهم، كما فعل، مثلاً، في جنوب سورية عندما اعتقل بعض قادة "الجيش الحر" وغيّبهم، ولم تستصدر الجهة التي اعتبرت نفسها الممثل الشرعي الوحيد للثورة أي بيان إدانة أو استنكار، ما يعني الموافقة الضمنية على إجراءات هذا التنظيم الإرهابي. ومعلوم أن جبهة النصرة انشغلت بقتال الجيش الحر وإزاحته من المشهد، وعملت على انتزاع المناطق المحرّرة منه، وليس من النظام.

كما يمكن أن نسأل صراحة قيادة المعارضة (وخصوصا الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية): ما الذي فعلته بخصوص توضيح موقفها من جبهة النصرة، قبل معركة حلب (أواخر العام 2016)، سيما أن راتني تحدث صراحةً عن ذلك لدى اجتماعه مع قادة "الائتلاف"، في اسطنبول (أغسطس/ آب 2016) محذراً إياهم من وجود هذه الجبهة طرفا في معركة حلب، مطالباً بتحييدها، لأنها ستكون سبباً في هزيمة فصائل المعارضة ودمار الأحياء التي كانت تسيطر عليها.

سؤال آخر لقيادة "الائتلاف"، لماذا تأخرت هذه القيادة باستصدار بيان يتبرأ من جبهة النصرة، ويعلن إدانته أعمالها، على الرغم من أن الهيئة العامة للائتلاف، في اجتماعها في ديسمبر/ كانون الأول 2016، اتخذت قراراً بذلك، إذ ظهر رئيس "الائتلاف"، أنس العبدة، وقتها في مؤتمر صحافي، متحدثا بلغةٍ مواربة يدين فيها تنظيم القاعدة، بدلاً من تسمية جبهة النصرة بالاسم، ما دفع قادة في "الائتلاف" إلى الظهور الإعلامي، لإعلان موقفهم المفارق في موضوع "النصرة"، وبعضهم غادره نهائياً؛ وكنت منهم.

وأخيرا، جاء البيان التنديدي بجبهة النصرة من "الائتلاف" (أواخر يناير/ كانون الثاني الماضي)، متأخراً جداً أربع سنوات، فقط بعد أن أصدرت تركيا موقفاً يقطع مع هذه الجبهة، وبعد تغطية من مرجعيات "الائتلاف" المشيخية لهذا الموقف، ما يعني أن "الائتلاف" يتحمل وزر السكوت عن جبهة النصرة كل ذلك الوقت، على الرغم من كل ما فعلته، كما يتحمل وزر التبعية لجهات أخرى.

خضعت أطياف في المعارضة السورية لمحاباة تلك الجبهة، أو السكوت عنها، بدعوى من بعضهم أن الأولوية لمحاربة النظام، وبدعوى الوحدة "العقائدية" من بعض آخر، ما أسهم في تحويل مفهوم الصراع مع النظام من صراع سياسي إلى صراع طائفي، أو ديني، وهو الأمر الذي سعى إليه النظام منذ بداية الثورة، ونفذته الأيادي الخفية للقاعدة بكل مسمياتها، مع أبواقها، بحسن نية أو بسوء نية في كيانات المعارضة والإعلام.

أما ما يتعلق بخطاب راتني، والموقف الأميركي عموماً من الثورة السورية، فهو ليس بتلك

"يحق لنا أن نتساءل مع راتني، ومن دونه، كيف يمكن لمعارضةٍ محسوبةٍ على الثورة أن  تناصر تنظيماً لم يعترف بثورتها أساساً" البراءة التي يدّعيها البيان المذكور، وليس منطقياً القبول بتبرير إحجام مجموعة دول "أصدقاء الشعب السوري"، وضمنهم الولايات المتحدة خصوصا، عن مساعدة السوريين بوجود فصيل إرهابي نما وكبر، أصلاً، تحت أنظار المجتمع الدولي، بل توافد عناصره من كل حدبٍ وصوب، من دون أن تعرقلهم حدود، أو تحد من حركتهم صحارى واسعة، مشوا عبرها من الشمال السوري حتى الجنوب، من دون أن تعترضهم رصاصة قناص أو برميل متفجر، في حين لم تفرغ السماء السورية من الطائرات التي تقذف حممها المدنيين في طول سورية وعرضها.

أيضاً، لا يوجد ما يبرّر سكوت هذه الدول، وخصوصا الولايات المتحدة، عن استخدام النظام البراميل المتفجرة والصواريخ الفراغية في قتل شعبه، ولا إحجامها عن إيجاد مناطق آمنة، أو مناطق حظر جوي، ولا حؤولها دون تدخل إيران وروسيا عسكريا في قتل السوريين، دفاعا عن النظام، خصوصا أن هذا الموقف لم يكن أفضل حالا بكثير في الأشهر الأولى من الثورة السورية السلمية. أخيراً، يمكن القول لراتني: كان يمكن أن نتفهم هذا الخطاب، لو أن الدول الصديقة مدت يد العون الحقيقية لفصائل الجيش السوري الحر، لتمنع نمو ظاهرة جبهة النصرة، لكن هذه الدول لم تفعل شيئا إزاء ذلك، وفضلت الصمت الطويل، إلى أن جاءنا "بيانكم" الفصيح.

قصارى القول، شكلت جبهة النصرة خطراً كبيراً على الثورة والشعب السوريين، كان ينبغي تداركه منذ البدايات. وتقع المسؤولية في ذلك على عاتق بعض المعارضة، كما على عاتق الدول التي تضمنت مصالحها التلاعب بثورة السوريين، وحرفها عن مقاصدها النبيلة، في الحرية والمواطنة والديمقراطية.

========================

ذكرى الانتفاضة السورية: مسرح واشنطن وخشبة الجهاد .. صبحي حديدي

القدس العربي

السبت 18/3/2017

لم يكن ينقص الذكرى السادسة لانتفاضة الشعب السوري ضدّ سلطة آل الأسد، نظام الاستبداد والفساد والتوريث والمزرعة العائلية؛ إلا التراشق اللفظي بين مايكل راتني، مبعوث الولايات المتحدة الخاصّ إلى سوريا، و»هيئة تحرير الشام»، أو «فتح الشام»، أو جبهة النصرة» سابقاً ولاحقاً ودائماً. طريف سياسياً، ولكن خطابياً أيضاً، أنّ راتني (الذي يُفترض أنه يفرغ أدراجه استعداداً لمغادرة منصب عيّنه فيه جون كيري، وزير الخارجية السابق)، يتباكى على «الثورة السورية» وكأنه ناطق باسم الشعب السوري؛ أو كأنه معارض سوري يقود «منصّة» جديدة، أين منها منصات القاهرة وموسكو وبيروت، فضلاً عن «المجلس الوطني» و»الائتلاف» و»هيئة التفاوض»…

تمعنوا في فقرة الاستهلال هذه، من نصّ الترجمة العربية الرسمية لبيان راتني حول «هيئة تحرير الشام»، الذي صدر بتاريخ 10 آذار (مارس) الجاري: «طالما حذرنا من غدر القاعدة في سوريا وخداعها ومحاولاتها تضليل السوريين وتضييع ثورتهم. وقد تابعنا عن كثب عندما لم يدخر أبو محمد الجولاني وعصابته جهداً من أجل النفاذ والاختباء كالطفيليات في جسد الثورة السورية ليبدأوا بعد ذلك بابتلاعها من الداخل. لقد أخفوا أنفسهم تحت طبقات من الأكاذيب، حيث ادعوا في البداية إنهم لم يأتوا إلا لـ «نصرة أهل الشام» ثم ادعوا بعد ذلك كذباً إن مهمتهم الوحيدة هي «فتح الشام» والآن في أحدث مرحلة من الخداع، يختبئون خلف شعار جديد وهو “تحرير الشام. لقد كانت هذه العصابة دائماً سبباً رئيسياً وراء عدم تمكننا نحن أصدقاء الشعب السوري من مدّ أيادينا بشكل كامل لدعم الثورة. ومع كل تبديل جديد في واجهتها، تصبح القاعدة أقل اعتماداً على الثورة التي تحاول تدميرها، وتوجه هجماتها لضرب رموز الثورة. وقد شهدنا هذه الاعتداءات مراراً وتكراراً، حتى طالت أعمالهم التدميرية الآن حركة أحرار الشام وغيرها ممن هم من أشد المدافعين عن الثورة».

مدهش، بادىء ذي بدء، أنّ راتني يستخدم تعبير «الثورة» في وصف انتفاضة الشعب السوري، منشقاً بذلك (إذا جازت حال الانشقاق هنا) عن الخطاب الرسمي للإدارة الأمريكية، السابقة والراهنة أيضاً. وليس تفصيلاً عابراً أن تنقلب سلسلة التوصيفات الغائمة التي اعتُمدت سابقاً (مثل «احتجاجات» و»تظاهرات» و»حرب أهلية» و»حرب طائفية» و»أعمال عنف»، وكانت مفردة «انتفاضة» ذروة التعبير الإيجابي في عدادها)، إلى… «ثورة»! ولأنّ السفارة الأمريكية في دمشق كانت صاحبة السبق في نشر بيان راتني، في ترجمته العربية فقط، فإنّ من المثير معرفة المفردة الإنكليزية الأصلية التي استخدمها المبعوث الخاص كمرادف للمفردة العربية.

مدهش، كذلك، أنّ صاحبنا لا يتوجع من أعمال «غدر» و»تضليل» و»تضييع»، مارستها «القاعدة» ضدّ «الثورة» السورية، فحسب؛ بل يسجّل أنّ تلك الأفعال بلغت درجة النيل من «حركة أحرار الشام» ذاتها، الأمر الذي يعني أنّ راتني يضع هذه الحركة الأخيرة ضمن «رموز الثورة»، ويُخرجها من تصنيف «العصابة»، وفئة «المجرمين المصممين على جلب الدمار إلى سوريا والسير بالمعارضة السورية إلى الانتحار». كذلك يقرر راتني أنّ «هيئة فتح الشام» كانت على الدوام سبباً رئيسياً في إعاقة «أصدقاء الشعب السوري» عن توفير الدعم الكامل لـ»الثورة»؛ وكأنّ أولئك «الأصدقاء» كانوا، قبل صعود «النصرة» قد خرقوا الأرض وبلغوا الجبال طولاً في مساندة «الثورة». أو، في المقابل، كأنّ «أحرار الشام» ليست اليوم القوّة الأبرز، عدداً وعدّة، على الساحة الجهادية السورية؛ ومن الصعب إطلاق صفة «الاعتدال» على ممارساتها وبرامجها العقائدية.

مفيد، مع ذلك، أن يذهب المرء أبعد من الطرافة والدهشة، ويضع بيان راتني الأخير في سياق متكامل يُدرج بيانات ورسائل سابقة وجهها إلى أطراف مختلفة في المعارضة، سياسية وعسكرية على حدّ سواء (الأشهر، في هذا الصدد، قد تكون رسالة أيلول/ سبتمبر 2016، التي خاطبت الفصائل مباشرة دون أدنى اكتراث بمؤسسة «الائتلاف»). وعند إجراء كهذا، يلتمس السياق وليس الحالة المنفردة، فإنّ «أداء» راتني (والأمر، في نهاية المطاف، لا ينأى كثيراً عن طبائع المسرح السياسي)، لا يتجاوز التنويع الأسلوبي على خيارات مركزية لم تبتعد عنها إدارة باراك أوباما، في رئاستَيْه معاً؛ ولا يلوح، حتى إشعار آخر، أنّ إدارة دونالد ترامب تعتزم استبدالها، أو تعديلها على أيّ نحو جذري.

ولأنّ المسرح يقود إلى المسرح، فللمرء ذاته أن يستعيد واقعة أخرى، على صلة وثيقة بتنويعات راتني الراهنة؛ أي زيارة روبرت فورد، آخر سفير أمريكي لدى النظام السوري، إلى مدينة حماة، مطلع تموز (يوليو) 2011، وتحديداً حين كانت المدينة تستعد للتظاهر بعشرات الآلاف، في جمعة «لا حوار». وللتذكير، مجدداً، تلك كانت واقعة تستحقّ مكانة خاصة في سجلّ العلاقات بين الولايات المتحدة ونظام «الحركة التصحيحية»؛ على امتداد 30 سنة من حكم حافظ الأسد، و11 سنة من حكم وريثه بشار الأسد. مكانة دراماتيكية، كما يتوجب القول، ليس بمعنى أنها دشنت أيّ تبدّل حاسم ونوعي طرأ على مسارات تلك العلاقة (وهي، بالفعل، سلسلة مسارات متغايرة، ولم تكن متجانسة على الدوام)؛ بل بمعنى الدراما التي استدعت المسرح والمسرحة: كلٌّ على خشبته، في واشنطن ودمشق على حدّ سواء؛ وكلٌّ على طرائقه، واستناداً إلى ما أراد إرساله من إشارات.

يومذاك لم تكن «النصرة»، ولا «أحرار الشام»، ولا «داعش»، ولا أيّ فصيل جهادي، في قلب تلك التظاهرات التي عمّت سوريا، من درعا إلى اللاذقية، ومن دير الزور إلى حماة، ومن الرقة إلى دمشق. ويومذاك، كانت شعارات الحرية والكرامة والشعب السوري الواحد، والسلمية، والوحدة الوطنية، ورفض الطائفية؛ فضلاً عن الورد الجوري، الذي كان الشهيد الشاب غياث مطر يرميه على عناصر الفرقة الرابعة… هي شعارات الانتفاضة، وبرامجها، وعقائدها. فماذا كانت واشنطن تقول، يومذاك؟ هيلاري كلنتون، وزيرة الخارجية، قالت إنّ الأسد «فقد الشرعية لفشله في تحقيق وعود بإجراء إصلاحات»؛ ورئيسها، أوباما أكمل أنّ الأسد «فقد شرعيته. وقد ضيّع الفرصة تلو الفرصة لتقديم جدول أعمال حقيقي للإصلاح». وفي التصريحين، كما في حقيقة الموقف، كانت الإدارة تضبط مفرداتها عند المعدّل الذي ما يزال يمثّل خطّ واشنطن تجاه النظام السوري، في الطور ذاك، و… حتى اليوم!

خارج السلوك الرسمي للإدارة، وخلال الأشهر القليلة التي سبقت الانتفاضة، كانت وسائل إعلام أمريكية تتسابق على تجميل سحنة النظام السوري، وإسباغ الألق على هذا «الحاكم الشاب»، «طبيب العيون»، «خرّيج المشافي البريطانية»؛ وعلى عقيلته «الأنيقة»، «صاحبة الابتسامة الرقيقة»، «وردة الصحراء» التي ترعرعت في بريطانيا… عدوى الإعجاب هذه انتقلت من الصحافيين والساسة والخبراء، إلى أناس يصعب أن ينتظرهم المرء في هذا المقام، كما جرى في أواخر العام 2009 حين كانت الطائرة الخاصة للمخرج الأمريكي الشهير فرنسيس فورد كوبولا قد مُنعت من الهبوط في مطار بيروت، تنفيذاً لبنود مقاطعة إسرائيل؛ لكن الأسد سمح لها بأن تهبط في دمشق، ثمّ انتقل كوبولا بعدها إلى بيروت في طائرة أخرى، ليس قبل وليمة رئاسية دافئة، اقتضت منه مديح «الرؤيا» التي يحملها الأسد عن سوريا!

بيد أنّ الذكرى السادسة للانتفاضة، مثل الذكرى الأولى لها، ظلت تتيح سلسلة تنويعات في أخشاب المسرح المتماثل، وتصنّع ـ خلف الستارة وأمامها، سواء بسواء! ـ نصوصاً ركيكة، ومخرجين وممثّلين أردأ، وانحناءات نفاق شتى. مسرح لم يفلح، رغم كل شيء، في غسل الأقنعة المضرجة بدماء السوريين؛ وفشل في إجهاض سنّة الحياة، وخطّ التاريخ، وحقّ الانتفاضة في البقاء والانتصار.

 

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

========================

مبروك عليك العراق وسوريا ولبنان يا إيران! .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 18/3/2017

قال لي ديبلوماسي وخبير إيراني قبل أشهر كلاماً مؤلماً جداً. قال: «أنتم العرب تزرعون، ونحن الإيرانيين نحصد. ساهمتم كثيراً مثلاً في تدمير العراق، ثم سقط في حضننا كالثمرة الناضجة». أليس في كلامه الكثير من الحقيقة؟ إذاً قبل أن نتباكى على سوريا ولبنان واليمن الآن تعالوا نرى كيف بعنا العراق، وسلمناه لإيران على طبق من ذهب من قبل، وكيف راحت أمريكا تساوم الإيرانيين لا العرب على العراق. والسبب أن السياسة كالطبيعة لا تقبل بالفراغ، وإذا حدث فراغ ما فلا بد أن يملأه أحد، وهذا بالضبط ما فعلته إيران في العراق، فقد وجد الإيرانيون أن بلاد الرافدين أصبحت رزقاً سائباً ينهبه كل من حط بأرض العراق باستثناء العرب طبعاً. لقد كان العرب أول من ذبح العراق، لكنهم أبوّا إلا أن يتركوا الذبيحة للآخرين. ولا اعتقد أن إيران جديرة باللوم أبداً في التهام الذبيحة العراقية، ففي عالم السياسة حلال على الشاطر وليذهب الأغبياء إلى مزبلة التاريخ.

إن المتباكين على سوريا ولبنان واليمن الآن، يجب أن يعرفوا كيف خسرنا العراق كقطر عربي. كفانا تعييراً للعراقيين بالانسلاخ عن أمتهم العربية والاتجاه شرقاً. ماذا تتوقع من شعب شارك العرب في ذبحه من الوريد إلى الوريد، وكانوا سباقين إلى التآمر عليه وحصاره ومنع حتى أقلام الرصاص عن تلاميذه؟ هل تريد من ذلك الشعب أن يهتف باسم العروبة ويصيح: أمجاد يا عرب أمجاد، أم من حقه أن يلعن الساعة التي وُلد فيها عربياً؟

لا أدري لماذا ظن البعض أن العراق عربي لمجرد أنه عضو مؤسس في الجامعة العربية. ألم يكن حرياً بهم أن يعلموا أن تلك العضوية عضوية فارغة وغير قابلة للصرف في أي بنك، وأنها ليست ضماناً بأي حال من الأحوال للحفاظ على عروبة بلاد الرافدين؟ لماذا لم ينتبه أدعياء العروبة والإسلام إلى تلك الحقيقة الساطعة وهي أن العراق يقع عند البوابة الشرقية للعالم العربي، وفي اللحظة التي يختفي فيها حراس تلك البوابة فإن الإيرانيين سيدخلونها فوراً، خاصة وأن العراق يمثل للإيرانيين المدخل الأهم على المنطقة العربية لتصدير ثورتهم. ولو لم يقاتل العراق ثماني سنوات ضد إيران لتم تصدير الثورة الإيرانية إلى العرب بعد أيام فقط من هبوط طائرة الخميني في طهران. لماذا نسي العرب أنهم بذّروا مليارات الدولارات لمساعدة العراق في حربه ضد إيران؟ لماذا لم يلحظوا أن العراقيين الذين عادوا على ظهر الدبابات الأمريكية كانوا في معظمهم من الأحزاب التي رعتها إيران لأعوام كحزبي المجلس الأعلى والدعوة، وهم بالتالي سيتحالفون مع الإيرانيين فيما بعد بشكل طبيعي؟ لماذا لم يعوا أيضاً أن إيران استطاعت أن تخلق لها قاعدة قوية متقدمة في لبنان وسوريا واليمن البعيد عنها جغرافياً؟ وبالتالي كان من السهل جداً عليها أن تفعل الشيء نفسه في حديقتها الخلفية، العراق، خاصة وأن التربة والظروف مهيأة لذلك أكثر من بقية البلدان بمائة مرة بسبب التماس الجغرافي والخلفية الدينية والتداخلات التاريخية بين البلدين والأطماع الإيرانية القديمة.

هل تستطيع أن تـُبعد أكثر من نصف الشعب العراقي عن إيران لمجرد أن جنسيته عربية في جواز سفره؟ بالطبع لا. لقد كان حرياً بالمهتمين بالأمة العربية، إذا كان هناك مهتمون فعلاً، أن يعوا أن الرابط الطائفي قد يتفوق على الرابط القومي في العديد من الدول العربية، خاصة وأن معظم الأنظمة العربية الحاكمة كرست الطائفية والقبلية والعشائرية بدلاً من خلق دولة المواطنة، وبالتالي فمن السهل جداً أن تستقطب هذه الطائفة أو تلك لصالح دولة أخرى كما شاهدنا في العراق ودول عربية أخرى. إن الاصطفاف الطائفي السريع في العراق أثبت كم هي بعيدة دولنا عن مفهوم المواطنة، وكم هي سهلة على الفرز والاستقطاب! لماذا نلوم المائلين باتجاه إيران في العراق إذا كان الآخرون يميلون باتجاه العرب على أساس طائفي أيضاً، علماً أن القوات الغازية لم تدخل العراق من جهة إيران بل عبر أراض عربية سنية؟

ليس من حق أحد أن يلوم العراقيين على الاحتماء بإيران والإصغاء إلى رجال دينها في العراق. ولا أبالغ إذا قلت إن هناك شرائح عربية كثيرة مستعدة للحاق بإيران والانسلاخ عن الدول العربية لو اتيحت لها الفرصة، ليس فقط بسبب التفرقة ضدها في هذا البلد العربي أو ذاك، بل أيضاً لأن الانتماء إلى إيران أصبح أجدى بكثير من الانتماء إلى ما يُعرف بالأمة العربية. فبينما تتسول الدول العربية جمعاء الحماية الأجنبية، وتبذر ثرواتها على أمور سخيفة، وتتآمر على بعضها البعض بطريقة مفضوحة ودنيئة، وتقمع أي حركة مقاومة حرة، وترفع شعار أنا ومن بعدي الطوفان، ها هي إيران تجمع شتات شيعتها من كل أصقاع العالم ليكونوا صفاً واحداً تحت امرتها، وها هي تنافح الغرب بقوتها العسكرية، مع العلم أنها على حدودنا، وتشترك معنا في إرث إسلامي وشرقي واحد.

من يستطيع أن يلوم العراق على الإنضواء تحت اللواء الإيراني بعدما نبذه أبناء جلدته الأقربون وتآمروا عليه، وباعوه بالجملة والمفرّق، وجعلوه يكفر بعروبته؟ لقد كان العراق جزءاً مما يسمى بالوطن العربي لثلاثة أرباع القرن، وقد حاول فعلاً أن يحمل مشعل النهضة العربية بعد أن نجح في القضاء على الأمية تماماً، وأسس صناعة حربية عز نظيرها، وبنى مفاعلاً نووياً، واستثمر المليارات في النهضة العلمية، ونافس الغرب بمستشفياته وأطبائه، لا بل كان يستورد البقدونس بطائرات خاصة من شدة البطر والرفاهية، لكن بعض «أشقائه» مثلاً سهـّل للإسرائيليين مهمة قصف مفاعل تموز النووي الذي وصفه صدام حسين ذات مرة بـ»عز العرب».

أيها العرب، قبل أن تتباكوا إذاً على سوريا ولبنان واليمن التي تساقطت في الحضن الإيراني كالثمار الناضجة، عليكم أن تعرفوا أن الذي باع بغداد لن يشتري دمشق ولا بيروت ولا صنعاء.

الحقيقة مرة أيها العرب، لكنها كالدواء إذا أردتم أن تعالجوا المرض.

٭ كاتب وإعلامي سوري

========================

ثرثرة على ضفتي نهر الفرات .. الطاهر إبراهيم

القدس العربي

السبت 18/3/2017

لن أبتعد كثيرا في سبر أغوار العلاقة بين تركيا والسوريين التي جعلها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في أوثق صورها منذ أن تبوأ حزب العدالة والتنمية حكم تركيا في عام 2002. لكني أجد نفسي مدفوعا للقراءة في هذه العلاقة منذ استولى تنظيم الدولة على الموصل وما جاورها عام 2014 وقبلها أضاف استيلاءه على الرقة وأقام فيها دولته.

عندما أطلق كيري من جدة التحالف الدولي ضد «تنظيم الدولة» في10أيلول/سبتمبر 2014 كانت تركيا أحد الدول التي انضمت للتحالف، بل إن واشنطن كانت تعتبرها الدولة الأهم بالتحالف لأنها تجاور تنظيم الدولة في وجودها بجوار دولتي المقر سوريا والعراق، وتركيا إحدى دول حلف الناتو التي تملك ثاني أكبر جيش في الحلف.

القراءة الأولية عند بعض المحللين أن واشنطن كانت تريد لتنظيم الدولة إكمال امتداده في سوريا والعراق وسيشكل قلاقل في دولتي المقر سوريا والعراق. أما تركيا فلم يكن لواشنطن تصور واضح عن ردود أفعالها تجاه هذه الدويلة المزعومة ولا يعرف أحد كيف سيكون تصرفها مع دولتي المقر أو مع دول الجوار الآخر. استطرادا فقد اعتقل أعضاء سفارة تركيا في الموصل وبقوا عند تنظيم الدولة مدة حتى بادلهم بمعتقلين له عند أحرار الشام.

يقول محللون إنه كان على تركيا قتال تنظيم الدولة ليكون لها موطئ قدم في سوريا منذ منتصف عام 2014، في وقت كان تنظيم الدولة يهيمن على ثلث مساحة سوريا (محافظات الحسكة، دير الزور، الرقة، التي تضم مناطق الجزيرة ونهري الفرات ودجلة وبادية الشام). وكان يمكن لتركيا أن تتذرع بالدفاع عن حدودها وكبح جماح تنظيم الدولة فلا تتخذ الحدود ممرا له لإدخال (الجهاديين) عبر الحدود والقيام بعملياته التي أقلقت دولتي المقر تركيا وسوريا. تدخل تركيا في ذلك الوقت لم يكن ليثير واشنطن كثيرا لأن لها مصلحة بذلك. أما روسيا فكانت على بعد أكثر من سنة وشهرين من تدخلها في سوريا 2015. تركيا كانت مشغولة في ذلك الوقت بأخذ موافقة واشنطن على منطقة آمنة في شمال سوريا، وهي كانت تقيس على مناطق الحظر التي أقامتها واشنطن في العراق عام 1991، لكنه قياس مع الفارق.

هل يمكن القول أن تركيا قد أخطأت حين راهنت على حاجة واشنطن للقوات التركية البرية في الحرب على تنظيم الدولة لكون أوباما ما كان يريد أن يغامر بقواته البرية؟ لكن الرهان لو كان في محله لكان يجب أن تتنبه تركيا إلى أن انتصار الأكراد على تنظيم الدولة بمعركة كوباني جعل واشنطن تتحول بنظرها عن تركيا إلى الأكراد الذين يصدق فيهم القول أنهم «بندقية للإيجار»، ويسهل التخلي عنهم ولا يسهل التخلي عن تركيا بوضع كهذا.

رفضت تركيا التدخل البري ضد تنظيم الدولة في معركة عين العرب (كوباني) رغم إلحاح واشنطن عليها بالتدخل، على مبدأ (فخار يكسر بعضه)، ولأن تلك المعركة كانت ستضعف الطرفين. أسلوب تركيا هذا لم ينجح وجاءت الرياح بما لا تشتهيه سفن تركيا حين أسقطت طائرة سوخوي روسية وشعر أردوغان بخذلان «أوباما» له حين تخلى عن دعمه في وجه بوتين.

هل يمكن القول اليوم أن الوضع أصبح معقدا أكثر حول منبج؟ لكن الواضح أن تركيا حسمت أمرها بتدخلها في ريف حلب الشمالي وأن الوضع المتشابك جعل (أنقرة وواشنطن وموسكو) أنهم صاروا في الحرج سواء، كالعض على الأصابع، لا نعرف من يصرخ أولا.

كانت تركيا تعرف أن الحرب على الإرهاب صار (قميص عثمان) توظفه واشنطن وموسكو وطهران في المعركة السياسية لتبتز به فصائل الجيش الحر، وقد رأينا أن واشنطن وموسكو أعلنتا الحرب على تنظيم الدولة ولو بتوقيت مختلف، لكنهما لم تبدآ بحرب تنظيم الدولة. وإلا فقد رأينا أن طائرات روسيا تقصف المدنيين وأسواقهم والمستشفيات في حلب ولم تقترب من مواقع تنظيم الدولة إلا فيما ندر. أما ميليشيا طهران فكانت تشن حربها على قوات الجيش الحر ولم تقاتل أبدا في أماكن وجود تنظيم الدولة، وبالمقابل لم يقم تنظيم الدولة باستهداف موسكو وإيران. بل إن تنظيم الدولة والنظام كانا يتبادلان الانسحاب من مواقع يتم الاتفاق عليها من تحت الطاولة، كما حصل حين انسحب تنظيم الدولة من بلدة «تادف» مؤخرا ليسبق إليها النظام قبل تركيا فيحتلها. بل كان النظام يطيل في عمر تنظيم الدولة فيشتري حاجته من البترول منها مع أن عنده البدائل: العراق وإيران.

جدير بالذكر أن تسابقا محموما يجري اليوم بين موسكو وواشنطن للاقتراب أكثر من منبج والرقة، ولا أحد يعرف إلام سيؤدي هذا التسابق. واشنطن من جهتها لم تخف رغبتها في إبعاد تركيا عن الرقة، لكن تحرير الرقة سيحتاج إلى قوات أمريكية أكثر مما تقول واشنطن أنها ترسلها لتقديم التدريب والمشورة. ولا تكفي قوات سوريا الديمقراطية الكردية لتحرير الرقة، ولا تقبل تركيا أن تشارك في حال مشاركة الأكراد وعلى واشنطن أن تحل العقدة. أما موسكو فلم توضح ماذا تريد بعد في منطقة تعتبر تحت هيمنة واشنطن، وما قضمته موسكو في حلب وحميمم وطرطوس أكبر من أن تستطيع هضمه وهي لا تملك إلا التفوق في الطيران. وأخشى ما تخشاه موسكو ألا تصبرأنقرة على ابتزازها، وأن يحدث بينهما الطلاق في وقت هي بحاجة تركيا ربما أكثر من حاجة تركيا لروسيا، لأن هيمنة روسيا على المناطق التي بسطت سيطرتها بحاجة من يقنع فصائل الجيش الحر في حين أنها لا تأمن إلى طهران فقد استولت موسكو على كثير مما كانت طهران أن تحوذ عليه.

كان لافتا أن تركيا أعلنت في يوم 12 آذار/مارس الجاري أنها استولت على عدة قرى قريبة من منبج ، وربما كان ذلك جس نبض لترى تركيا كيف تتصرف واشنطن وموسكو؟

لم يستطع تنظيم الدولة أن يجد في عرب السنة من عشائر الرقة ومن حولها من يأسف على هزيمته. لكن هؤلاء العرب السنة وهم أكثرية في حوض الفرات لن يقبلوا أن يكون الأكراد البديل لتنظيم الدولة، وهذه نقطة قد تستفيد منها تركيا والجيش الحر المشارك في «درع الفرات». وبالتأكيد فإن واشنطن لا تستطيع أن تفقه ذلك، لأن الشرذمة القليلة من العرب الذين انضموا للكرد تحت إغراء المال الأمريكي لا يمثلون العشائر العربية.

كاتب سوري

========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com