العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 25-12-2016


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

حلب .. مازن كم الماز

كلنا شركاء

الاربعاء 21/12/2016

 لا تنفع الفذلكة كثيرا , سقوط حلب جاء نتيجة لمسيرة طويلة من الانحدار بدأت قبل وقت طويل , هي هزيمة للجميع بشكل من الأشكال , أولا للناس , الذين يتحدث عنهم الجميع , بينما يقصدون شيئا آخر تماما … و لنا , من راهنا على الثورات , على قدرة الجماهير على تغيير واقعها , و أردنا أن نستمتع بالثورة , كلعبة , كاحتفال , و بإحراق كل شيء .. أتفه ما في الموضوع هو أن أكثر من تخصهم الهزيمة : الإسلاميون و الليبراليون , لا يشعرون أنهم مهزومين , في تكرار سخيف لهراء كارثة يونيو حزيران

 تقول الأسطورة أن عسكرة الثورة السورية كانت للدفاع عن هؤلاء الناس تحديدا , الحقيقة أنها كانت نتيجة لتخلخل قبضة النظام … لا شك أنها استمدت قوتها في البداية من الاندفاعة الثورية للجماهير السورية , لكنها تطورت بسرعة لتصبح ظاهرة مستقلة بالكامل عن الثورة , مرتبطة بدلا من ذلك بالصراعات الإقليمية و الدولية , برؤوس الأموال و المخابرات و أبواق السادة من كل بقاع الأرض , تطورت الظاهرة و “انتهت” بصورة مناقضة تماما للغرض الذي قيل أنها أنشأت لأجله : أصبح الناس هم الذين يحمون المقاتلين لا العكس , و بدلا من حماية المظاهرات السلمية جرى تبادل للأدوار مع الأسديين : الأخيرون يستخدمون البراميل ضد السوريين , أما المدافعون الأشاوس عن المظاهرات السلمية فاضطلعوا بمهمة إطلاق النار على المتظاهرين السلميين .. دفن الجميع الثورة قبل تشييعها في حلب بوقت طويل , أما نحن , فكنا قد انسحبنا قبل ذلك بوقت طويل , بشكل لا يليق بأي ثوري , على أقل تقدير

 كانت أحد أكبر مصائب الثورة السورية هو بكائية من اعتبروا أنفسهم معارضين للنظام الأسدي .. تصورهم الوحيد عن الجماهير السورية توقف , أو نكص إذا استخدمنا التعبير الفرويدي , عند اعتبار هذه الجماهير مجرد “ضحايا” .. كانت تلك مازوخية سافرة , و عنيدة , حتى الوقاحة .. يفترض أن يكون التمرد على المازوخية في صلب أي مشروع ثوري , بل يمكن القول أنه لا يوجد و لن يوجد ثوار مازوخيين , يوجد فقط مازوخيون يعيشون وهم أو فصام أنهم ثوار .. المازوخيون لا يثورون , لا يملكون الجرأة إلا للبكاء

 خلافا للسردية السائدة , القائمة على البكاء و الصراخ و تكريس المذلة و الضعف عند “الضحايا” , أعترف شخصيا بنصيبي الخاص من المسؤولية عن تدمير سوريا كما كانت قبل 2011 , لا أخشى أن أصرح أني أرفض و رفضت أن أكون مجرد ضحية في هذا الصراع و في الحياة , و أني لو امتلكت الخيار سأفضل أن أكون مجرما على أن أكون ضحية , و سأفضل أن أكون مجرما أصيلا , قاتلا حقيقيا , على أن أكون قاتلا مزيفا , سأقتل و أدمر لأهدافي الخاصة , لمتعتي الخاصة , بإرادتي الحرة , لا بأمر من أحد , لا في سبيل أية “قضية كبرى” أو أية “جماعة” أيا تكن , و أني لا أخشى الموت و لا الهزيمة “كعقاب” أو “كمصير” أو كقدر .. الصراخ و التهم المتبادلة بين صغار القتلة المأجورين الآن , بدلا عن القذف السادي الإجرامي الفاعل و الإيجابي في الواقع , هو تعبير عن ضيق الأفق المازوخي عند هؤلاء … من مارس الثورة بشكلها الإيجابي لا يحتاج إلى تبرير أفعاله أو شرحها لأحد

 انتهت الثورة بتصارع ثقافتين أو حركتين تشبيحيتين – ساديتين , مزيفتين , لأنهما سلطويتين و تسعيان فقط وراء المال و الكرسي : التشبيح الأسدي و الإسلامي , بينما كانت “النخبة المثقفة و السياسية” “المعارضة” غارقة في مازوخيتها بل و حاولت أن تفرض مازوخيتها على السوريين العاديين و تسلب منهم بذلك قدرتهم على المقاومة و رغبتهم في مطاولة السماء و إحراق الأرض و أن يصبحوا سادة مصائرهم , أي بكلمة , أن يصبحوا آلهة او أنصاف آلهة .. لن توجد حرية ما على هذه الأرض إلا إذا أصبح البشر جميعهم ساديون و مجرمون , كآلهتهم .. عندما يحكم البشر أرضهم هذه كآلهة , عندما سيقيمون يوم دينونتهم , عندها فقط سيخلقون جنتهم هنا على هذه الأرض بدلا من الجحيم الذي يعيشونه منذ فجر التاريخ

 كان الشبيحة , الأسديون و الإسلاميون , معا , قتلة أو مجرمين تافهين , غير حقيقيين , مزيفين , مأجورين , ينفذون الأوامر فقط , مرعوبين من أن يمارسوا كل ما مارسوه إلا تحت راية الحسين أو محمد و فقط بأوامر من سادتهم و قادتهم و شيوخهم , لم يكونوا قتلة أصلاء حقيقيين , استمتعوا بحفلتهم الشهوانية للدم و الموت و التعذيب و الاغتصاب , تلذذوا و هم يجزون الأعناق و يحرقون الجثث و ربما بلغوا نشوة جنسية – روحية غير مسبوقة في هذا الخضم , لكنها لذة غبية غير صادقة , كانوا مجرد مجرمين فزعين تافهين , لم يجرؤوا أن يعترفوا أنهم قتلة , يزيفون حقيقتهم ليبدوا كقديسين , و بدلا من العقاب المستحق أو الجائزة المنتزعة انتزاعا , أو المغتصبة اغتصابا , بدلا من جريمتهم الواعية الكاملة يعتقدون أنهم ينفذون إرادة كائن ما “سماوي” فوقهم , و ينتظرون منه ثوابا تافها , لبن و عسل و حتى بعض الحوريات … المجرم الحقيقي لا يعتز بشيء مثل اعتزازه بساديته و بحقيقته كمجرم , النتيجة أننا لم نكن أمام تسونامي مغولي , بل فقط أمام مماليك السلطان , الذين تصرفوا في كثير من الأحيان كحريم و في أحيان أخرى كساديين , كانوا مزيفين حتى العضم

 لن تصبح سوريا مكانا صالحا لسكنى البشر , ناهيك عن مصطلحات و أوصاف كالجمهورية أو الديمقراطية و المدنية و العلمانية الخ الخ , إلا إذا أصبح كل السوريين أبرياءا أو أصبحوا جميعهم قتلة , ساديين , مجرمين , حقيقيين و أصلاء , عندها فقط لن تتغول عليهم أية ثقافة تشبيحية أو فئة من الشبيحة , المأجورين .. المجرمون الساديون فقط لن يخضعهم أحد , حتى كموتى .. المازوخيون فقط سيستمرون بالحياة و سيمتلكون القدرة على القذف , فقط , عندما يصفعهم الآخرون ..

 لتصبح سوريا مكانا صالحا لسكنى البشر يجب حل المعضلة المتمثلة في خلق و نشر ثقافة سادية إجرامية شعبية لا سلطوية عامة , يجب حل المعضلة الكامنة في تحويل هذه القطعان من الجماهير المازوخية إلى “جماعة” منفلتة من مجرمين مستقلين ذاتيا , ساديين , غارقين في ملذاتهم السادية حتى الجريمة … تثبت ( هزيمة ) الثورة السورية أن المهمة الأولى للثوريين هي القضاء على كل نزعة مازوخية دون أية رحمة

========================

موقفنا : لماذا لا يريدون أن يسألوا : لماذا سقطت حلب !؟.. لأنهم يعرفون ولا يجرؤون .. زهير سالم

20/ 12 / 2016

مركز الشرق العربي

العجيب في أمر المعارضة السورية ، في كل الدوائر طبقا عن طبق ، ولدى كل المرجعيات ، وعلى المستوى السياسي والفصائلي أيضا أنه لا أحد يسأل : لماذا سقطت حلب ؟ ولا كيف سقطت حلب ؟

الكل يغمغم بكلمات إدانة للجريمة لا معنى لها ، ولا طائل ينتظر منها . ثم ينغمسون أو يتلاشون في غياهب الصمت المذل كعملية السقوط نفسها ، في عالم سهل فيه الهوان على الكثيرين .

هل يعرفون ، أو لا يريدون أن يعرفوا ، أو لا مصلحة لهم أن يعرفوا ؟!

لماذا سقطت حلب ؟ وكيف سقطت حلب ؟

أسئلة لا يراد منها إدانة أحد ، أو الحكم عليه ، أو تدافع المسئولية بأن يلقيها فريق على فريق ، ككرة النار، التي تعود أن يتقاذفها المتقاذفون ، وإنما يراد منها المعرفة المبّصِرة ، التي تفيد رؤية وعبرة وعظة ، وتجنبنا من شرب كأس السم مرة أخرى ، وتحول بيننا وبين أن نلدغ من الجحر الواحد مرة ومرة ومرات ..

صحيح أن خسارتنا لحلب كانت الفاقرة ، ولكننا والحمد لله ما زلنا نملك ما يجب علينا أن نعمل على حمايته . يجب أن نعرف كيف سقطت حلب لنحول دون سقوط مدن أخرى . ولكي لا تكون ثورتنا ومستقبل أجيالنا أوراقا على موائد الآخرين ؛ في عالم تتقدم فيه الأولويات الذاتية على كل صعيد . بقدر ألمنا على حلب يجب أن يكون إصرارنا ألا يتكرر ما حدث على أهلها في أي مدينة أو بلدة أخرى .

المطلوب في الموقف الذي نحن فيه تحليل موضوعي سياسي واستراتيجي عملي يضع النقطة على الحرف في مأساة حلب، التي يمكن أن تتحول بسياسة التغابي والتعامي والتجاهل والاسترسال إلى مأساة سورية كلها . مطلوب إعادة ترتيب الأحداث والمواقف والتحولات في سياقاتها الدولية والإقليمية ، وانعكاساتها على جريمة ذبح حلب بالروح الموضوعية وليس بروح الباحث عن الإدانة أو المتعلل بالعلل .

يجيب بعض الناس على المطالبة بالمعرفة : ( إنما سيد قومه المتغابي ) ولا أدري إن كانت هذه الحكمة تسوغ في ميدان تنعكس ثمراته المرة على ثورة شعب قدمت مليون شهيد ، وأصاب لهيبها عشرة ملايين إنسان ؟!!

حين نراجع المشهد الذي صار واقع سورية إليه ، وكان لسقوط حلب وللذين صافقوا عليها دور كبير فيه ؛ نجد أنه أصبحت لبوتين القاتل المجرم المدمر ولحلفائه الشيعة المنتشرين كالبومان والغربان على الأرض السورية الكلمة الأولى والأخيرة فيما يجري على أهل حلب

أيها السوريون جميعا ...

إن حجم التحولات الإقليمية أخطر مما تصورون . وإن ما يتشكل في العالم والمنطقة من محاور كلها ليست في صالح مشروعكم وثورتكم . الدول ليست جمعيات خيرية . ولكل سياسي في هذا العالم أولوياته الخاصة الشخصية أو الوطنية . وآن الأوان أن نملك البصيرة التي نميز بها بين قلوب الناس وسيوفهم .

لكي لا تضيع معالم المسئولية التاريخية لما جرى في حلب وعليها، ولكي لا يضيع بعد حلب المزيد والمزيد من المدن والبلدات ، فنودعها على طريقة حلب غارقة بالدماء مجللة بعار الاغتصاب والإخراج ، ويتحول أبناؤها إلى أكداس إضافية من اللاجئين الضائعين الهائمين على وجوههم..

يجب أن تتوقفوا فتسألوا : لماذا ؟! وكيف ؟! فإذا عرفتم ، يمكنكم على ضوء المعرفة أن تحددوا الموقف العاقل مما جرى ومما يمكن أن يجري . الذي تختارون ، مما يمكن أن يقي ثورتكم وأهلكم ، أو أن يجنب ثورتكم وأهلكم ...

حق الله عليكم أن تكون أولويتكم الأولى في كل حساباتكم لثورتكم ولأهلكم ولوطنكم كما هي أولوية الآخرين .

*مدير مركز الشرق العربي

=================================

بعد حلب ... هل حان لجم إيران؟ .. مروان قبلان

العربي الجديد

الاربعاء 21/12/2016

على الرغم من الصدمة التي أحدثها في موسكو وأنقرة، لا يبدو أن اغتيال السفير الروسي، أندريه كارلوف، سيؤثر على العلاقات التركية -الروسية، مما يدل على أن البلدين لم يتجاوزا فقط تداعيات حادثة إسقاط الطائرة الروسية على تخوم المجال الجوي التركي مع سورية في نوفمبر/ تشرين الثاني 2015، بل توصلا إلى تفاهماتٍ عميقةٍ في الموضوع السوري، تبدت آثارها في تحول تركيا من داعم إقليمي كبير للمعارضة السورية إلى وسيط بينها وبين روسيا. في المقابل، تم إطلاق يد تركيا لتنفيذ عملية "درع الفرات" التي تستهدف منع وحدات حماية الشعب الكردية المدعومة أميركياً من السيطرة على مناطق تنظيم الدولة الإسلامية غرب نهر الفرات، والوصول من ثم إلى مناطق الإدارة الكردية الثلاث على امتداد الحدود السورية-التركية.

مثّل التناغم التركي-الروسي، الذي بلغ مداه في اتفاق إجلاء المقاتلين والمدنيين عن الجزء الشرقي من مدينة حلب، صدمة بالنسبة إلى إيران التي لم تخف امتعاضها من تجاهل روسيا لها وذهابها إلى عقد اتفاق مع منافستها التقليدية على الساحة السورية، فقرّرت التعطيل. وبمقدار ما مثّل الاتفاق نقطة تلاقي مصالح روسية – تركية، لتلافي مذبحة كبرى في حلب، لن تستطيع موسكو تحمل نتائجها في علاقتها مع الغرب والعالم الإسلامي، ومواطنيها المسلمين، وتعفي، في المقابل، تركيا من حرج الوقوف متفرجة، مثّل الاتفاق نقطة خلاف روسية- إيرانية، فطهران كانت تريد الإجهاز على مقاتلي المعارضة المحاصرين شرقي حلب، بدلاً من تركهم يخرجون ليقاتلوها في يوم آخر. الاتفاق فوّت عليها هذه الفرصة، لكنها تمكّنت، في المقابل، من فرض نفسها على التفاهم الثنائي الروسي-التركي، الذي غدا بحضورها ثلاثياً، وجرى التعبير عنه باجتماع وزراء دفاع وخارجية الدول الثلاث في موسكو لمناقشة الأزمة السورية. كما تمكّنت من تضمين الاتفاق شرط إطلاق الموالين لها في بلداتٍ محاصرةٍ في ريف إدلب، مما جعلها تبدو كأنها ممثلة لشيعة العالم وحامية لهم.

على الرغم من ذلك، بدا واضحاً لإيران أن موسكو لا تحاول فقط تحجيم دورها في الشمال السوري، وإنما تسعى، فوق ذلك، إلى إعطاء دور أكبر لتركيا التي أخذت تبدو أكثر توافقاً من إيران مع الأهداف الروسية في سورية، وقد بدا ذلك واضحاً في موقفين اثنين، أولهما تفاهم موسكو مع تركيا، على نشر قوات روسية من جمهوريات الشيشان وبشكيريا وداغستان (مسلمين سنة) على أطراف حلب، لضمان خروج المدنيين من المدينة، بموجب الاتفاق الروسي-التركي ولمنع أي تجاوزاتٍ من المليشيات الشيعية الموالية لإيران ضدهم. وتمثل الثاني بموافقة روسيا على مشروع القرار الفرنسي المعدل في مجلس الأمن، والذي سمح بنشر مراقبين دوليين في حلب، وهو أمر تعارضه إيران التي لا تريد تدخلاً أممياً، يراقب تجاوزات مليشياتها، ويحد من حرية حركتها.

ويُتوقع، في الفترة المقبلة، أن يستمر تقارب المصالح التركي-الروسي، في مقابل اتساع الفجوة بين روسيا وإيران على الساحة السورية، فروسيا تريد، على الأرجح، بعد أن أثبتت قدرتها على قلب المعادلات الميدانية في سورية، التوصل إلى حل سياسي، يساعدها على الخروج من المستنقع السوري، ويحفظ لها مصالحها، ويحول دون تكرار الخطأ الأميركي في العراق، بتسليم سورية إلى إيران. تريد تركيا، هي الأخرى، وضع حد للصراع في سورية، باعتبارها المتضرّر الأكبر منه، بعد السوريين أنفسهم، وهي تريد أن يكون اتفاق حلب خطوةً أولى نحو وقف إطلاق نار شامل، واستئناف مفاوضات الحل السلمي. من هذا الباب، أيدت أنقرة مقترحاً روسياً لعقد جولة مفاوضات في أستانا (عاصمة كازاخستان) بين وفدي النظام والمعارضة، تمهيداً لإحياء مسار جنيف.

على النقيض من ذلك، تسعى إيران، على ما تشي به تصريحات زعمائها وبيادقها، إلى استمرار القتال حتى آخر قطرة دم سورية. لكن ترويض إيران ودفعها إلى السير في طريق الحل لن يكون صعباً على الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، الذي يستعد، على ما يبدو، للاستثمار في عودة الضغط الأميركي على طهران، لترويضها وكبح جماح أدواتها في سورية، فالغطاء الروسي شديد الأهمية بالنسبة إلى إيران، وسوف تزداد أهميته بعد رحيل "الصديق" باراك أوباما عن البيت الأبيض، ومجيء دونالد ترامب إليه، ولطالما كان ترويض الجموح الإيراني لعبة بوتين الدولية المفضلة في التعاطي مع الغرب، وإيران تدرك ذلك وتخشاه.

========================

فرنسا ولبنان وسورية .. رندة تقي الدين

الحياة

الاربعاء 21/12/2016

زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان مارك إرولت بيروت اليوم، تحمل معاني كثيرة في هذه الظروف الحالكة في منطقة مشتعلة. فإرولت بادر بطرح مشروع قرار في مجلس الأمن كي يواكب المراقبون الدوليون خروج المدنيين من حلب لحمايتهم من المجازر. وقد مارس السفير الفرنسي فرانسوا دولاتر في نيويورك كل حنكته الدبلوماسية للتوصل إلى تسوية مع الجانب الروسي الذي بدأ بالرفض كي يحصل على المزيد من التنازلات. وموقف فرنسا مع ضعف تأثيره دولياً بسبب تخلي باراك أوباما وتراجعه، تجب الإشادة به، لأن الرئيس الاشتراكي فرنسوا هولاند لم يتراجع يوماً عن موقفه من النظام السوري ووحشيته، كما أنه حاول التحاور والتحدث مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، عكس ما يقوله البعض في المعارضة الفرنسية، وفي طليعتهم المرشح الرئاسي لحزب الجمهوريين فرانسوا فيون. وفرنسا واكبت وانتظرت أن يتم الانتخاب الرئاسي في لبنان وتشكيل الحكومة كي يزور وزير الخارجية بيروت اليوم ويهنئ الرؤساء ميشال عون وسعد الحريري ونبيه بري ويدعو عون إلى زيارة فرنسا والنظر في كيفية مساعدة لبنان بعقد اجتماع داعم لهذا البلد.

نقل السفير الفرنسي في لبنان إيمانويل بون إلى النواب الفرنسيين انطباعاً إيجابياً عما جرى منذ انتخاب عون قائلاً إنه سيحمي سيادة لبنان. وهذا أمر مهم جداً للخارج. ولكن المشكلة أن «حزب الله» سيحاول باستمرار نزع هذه السيادة. فهو يجر أبناء لبنان الشيعة إلى حرب خاسرة لمصلحة حماية نظام فاسد ومجرم وحليفه الإيراني. إن مهمة الرئيسين عون والحريري حماية السيادة والنأي بالنفس عما يحصل في سورية بالغة الصعوبة، فحرب «حزب الله» في سورية ليست ضد الإرهاب، ولو كان ذلك صحيحاً لما تُركت لإرهاب «داعش» يدمرها، وشباب «حزب الله» يقاتلون المعارضين للنظام وليس الإرهابيين. وهم يقاتلون إلى جانب قوات روسية تنسق مع إسرائيل بشأن تدخلها في سورية، فأي سيادة لبنانية هذه التي يذهب خيرة شباب الشيعة الذين اعتقدوا أنهم ينتمون إلى ما يسمى مقاومة ليقتلوا شباناً عرباً مثلهم يقاومون نظاماً فاسداً؟ لقد دخل «حزب الله» مستنقع سورية، ومحاولته أخذ لبنان معه الى هذا المستنقع تنبغي مكافحتها من جانب عون والحريري. لكن السؤال: كيف يكون ذلك مع حزب هو أقوى من الدولة؟ وعلى رغم كل هذه التساؤلات التي تطرح دولياً، فإن فرنسا وأوروبا عازمتان على دعم لبنان ومؤسساته. صحيح أن إدارة هولاند في نهاية عهدها والمرشحون المحتملون قد يغيرون سياساتهم إزاء لبنان وسورية، حيث قال المرشح اليميني الأوفر حظاً بالفوز فرنسوا فيون، مرات عدة سابقًا إنه يريد التقارب مع إيران و «حزب الله» والتعامل مع بوتين واختيار الأسد. ولكن هناك تقليدياً استمرارية في الحرص على المصالح في الشرق الأوسط ولبنان من أي رئيس فرنسي. والأمل أن لا تتغير سياسة فرنسا في الشرق الأوسط. لكن المقلق أنه كثيراً ما ترتبط مواقف فرنسا بالولايات المتحدة الحليفة، ومجيء دونالد ترامب إلى الرئاسة الأميركية أمر غير مطمئن على هذا الصعيد. ولكن إدارة هولاند ستبقى حتى إشعار آخر مهتمة بلبنان مستقل وسيد، وستسعى إلى مساعدته على النهوض. لكن النجاح في هذه المهمة يتطلب وقتاً أطول ولسوء حظ لبنان والشعب السوري فإن أمام إدارة هولاند أقل من ستة أشهر، وهي مهلة قصيرة للنجاح ولكن على الأقل ستبقى المؤسسات الفرنسية ساعية للمساعدة.

========================

إدارة التوحّش في الحرب السورية .. غازي دحمان

الحياة

الاربعاء 21/12/2016

أياً تكن المآلات التي وصل إليها الحدث السوري، فإن عنوانه الأساس والدائم هو ثورة شعبية على نظام سياسي خارج منطق الدولة الحديثة، ويحكم بآليات لم تعد صالحة لحكم البشر. لكن مع ذلك، فإن إدارة الصراع من قبل اللاعبين الدوليين، ترتكز على تداعيات الحدث، سواء لجهة صناعة مخارج الأزمة وإنتاج تسوياتها أو حتى لجهة تعريف الصراع ذاته.

المنطق أن تتحمل أطراف الصراع المحلية الجزء الأكبر من مسؤولية مآلات الأحداث، من منطلق أنها الحاضن والمنتج والمشكّل لنمط الصراع الحاصل، لكن المسألة السورية تنطوي على جانب خاص، دولي وإقليمي، فالتدخلات المباشرة من إيران وروسيا كان لها دور فاعل وأساسي في صياغة توجهات الأحداث وتوضيبها على شاكلات معينة، وبالتالي فإن العالم يتحمّل قسطاً كبيراً من المسؤولية، عبر انخراطه في الصراع سلباً أو إيجاباً، ومن خلال إدارته إياه في جميع مراحله، وبخاصة أنه صراع يتراكب فيه المحلي بالإقليمي والدولي، إما بسبب وقوعه على خط الأزمات الدولية المعاصرة، والصراع الروسي- الغربي، أو بسبب تشابكه مع قضايا الأمن العالمي ومستلزماته، وحق الشعوب في تقرير مصيرها، ومسألة الإرهاب، وتأثيرهما على السلم العالمي.

لقد حوّلت طريقة إدارة الصراع من اللاعبين الدوليين، سورية إلى كارثة ومستنقع خطر سوف يحتاج العالم لجهود مضنية وتكاليف مرتفعة للتخلص من الآثار السلبية لتداعياته، من خلال دمج الصراع في إستراتيجيات اللاعبين ومشاريعهم الجيوسياسية، في المنطقة والعالم، وبإسقاط رؤاهم وتصوراتهم الخاصة، وهو ما نتج عنه تهميش العنصر الأساسي في الحدث، وهو الشعب السوري ومصيره، وقد ضمنت تلك الإستراتيجيات على الدوام إنتاج ديناميكيات جديدة للصراع عبر تفاعلها مع منظومة أهداف المتصارعين المحليين، أو على الأقل اعتقاد هؤلاء أن اتجاهات الأحداث ستسير لمصلحتهم.

طوال مرحلة الصراع كانت هناك مؤشرات واضحة إلى التحوّلات الحاصلة والمخاطر المتحقّفة، لكن لم يجرِ التعامل معها بجدية، منذ أن هتف الشعب السوري «ياالله مالنا غيرك» كانت تلك رسالة حول هول المجزرة المتوقعة، ورغم توافر الفرص لإحداث تغييرات في ديناميكيات الصراع لم يجرِ استثمارها، أو جرى توظيفها لخدمة إستراتيجيات معينة، ولعل مثال حادثة الكيماوي الشهيرة وطريقة إدارتها خير مثال على ذلك. يومها لم يكن نظام الأسد يحلم بأن تجري مفاوضته على انتقال سياسي وتشكيل طاقم للحكم من المعارضة والنظام. كان يجهز نفسه للقتال الأخير، لكن البدائل التي أتاحتها إدارة أوباما، والتي تتسق مع إستراتيجيتها في تأمين إسرائيل قبل كل شيء، توضح بدرجة كبيرة الطبيعة الوحشية لإدارة المسألة السورية، ذلك أن أميركا فاضلت، وبانتهازية وعلى رؤوس الأشهاد، بين هدف إستراتيجي يتمثل في رغبتها بانتزاع الأسلحة الكيماوية السورية التي ستكون خطراً على إسرائيل تحت أي حكم في سورية، وبين إنقاذ السوريين من المذبحة وإنهاء آلامهم.

لم تكن النقلات التي أجراها اللاعبون الخارجيون، وخاصة أميركا، عبثية، وإنما جاءت في سياق إستراتيجية متكاملة كانت تهدف دائماً إلى تحقيق أهداف ملموسة وعوائد حقيقية، تحت عنوان الابتعاد عن الأزمة وتوريط الخصوم فيها. من يرجع لتاريخية الأزمة سيذهله حجم التصريحات التي أدلى بها قادة عسكريون أميركيون ونظراؤهم في حلف «الناتو» عن عدم وجود إستراتيجية للتدخل في سورية، حتى قبل التدخل الروسي بزمن طويل! كما أن انتقال روسيا إلى مرحلة التدخل المباشر، واتباعها سياسة الإبادة في سورية، لإرعاب الخصوم الدوليين وإثبات الجدارة، كان ترجمة مباشرة للإدارة المتوحشة التي سمحت لها باستعراض فائض قوتها، وشجعتها على ذلك، لعل قوّتها تستنفد بعيداً من خطوط التماس في أوروبا.

ليس ثمّة ما يشي بتغيرات مهمّة في إدارة الصراع في سورية. الأطراف جميعها لا زالت رهينة تقديراتها الخاصة جداً لمصالحها ورؤيتها البعد الاستثماري في الصراع، وانطلاقاً من ذلك، ستبقى محركات الصراع فاعلة، وستستمر عدّتها التشغيلية من موت السوريين واقتلاعهم من أرضهم إلى حين تمتلئ سلال اللاعبين الكبار بالنقاط والأهداف.

========================

قفزة بوتين الأخيرة .. د. يحيى العريضي

كلنا شركاء

الاثنين 19/12/2016

بعد حلب، تفوح في المكان رائحة التسوية السياسية للمسألة السورية؛ وناشر الرائحة ليس إلا بوتين صاحب “السوخوي” التي حوّلت حلب إلى نسخة متطورة من “غروزني” بفعل أوبامي. رافق حديث بوتين عن “التسوية السياسية” عبارة سحرية- طالما رددها طاقم بوتين: “وقف إطلاق نار يشمل الجغرافيا السورية كاملة.” من يملك السوخوي- وبجيبه تفويض أمريكي، واستدعاء استغاثي إيراني/ أسدي للحفاظ على كرسي الدم في دمشق- هذا يستطيع أن يخرس البارود في عموم جغرافيا سورية؛ ولكن للأسف نظرياً؛ وربما ليس إلا لفترة مؤقتة، تحول دون استمراريتها وشمولها أسباب لا حصر لها:

* أين يذهب بتبجحات نظام بشار الأسد المستمرة بأنه سيعيد “كل” الأرض السورية التي سيطر عليها “الإرهابيون” إلى حضن الوطن؟ وهل يستطيع أن يفقده المزيد من المصداقية التي أضحت في خبر “ليس”؟

 ماذا عن إيران التي ينتابها إحساس بأن إنجازها لن يكتمل و مشروعها في “الجمهورية الإسلامية” لن ينجح، إلا باكتمال الهلال الممتد من “قُم” إلى “الضاحية الجنوبية” قرب الحبيبة “إسرائيل”؟

 ماذا عن تركيا شريك المزاج الصافي مؤخرا؛ً ولكن ربما المضارب لاحقاً؛ الشريك الذي يعتقده ويريده صلة الوصل بين المعارضة (العسكرية والسياسية) الذين يريد أن يأتي بهم كفريق مفاوض مع”النظام”؟

 وكيف سيتدبّر السيد بوتين أمرالجهات الداعمة للمعارضة السورية؛ والتي لن تتبخر؟

 هل سيتمكن السيد بوتين، الذي ناصب المعارضة السياسية السورية العداء، احتواء صحوتها وإحساسها بالتقصير؛ وسعيها إلى مراجعات نقدية حاسمة وحتمية؟

 ما الذي سيفعله السيد بوتين ب “داعش” التي اتى إلى سورية تحت يافطة محاربتها (وفعلياً لم يمسها بسوء إلى الآن) وخاصة في ضوء ما فعلته أخيراً في تدمر؛ حيث أتى فعلها في لحظة وذروة انتصاره على أطفال حلب؟

 هل لدى السيد بوتين حلولاً سحرية لإطفاء إحساس الفصائل العسكرية المعارضة بالهزيمة وضرورة رد الاعتبار؟ وهل سيتمكن من الحؤول دون تحوّل تلك الفصائل إلى حرب عصابات لا تكترث بالراعي او الممول التركي أو الخليجي؛ وتنشربارودها فوق كل الجغرافيا السورية، التي يريد بوتين وقف إطلاق النار فيها؟

 والأهم من كل ذلك، لا ندري إن كان السيد بوتين ياخذ بعين الإعتبار العقابيل التي تركتها حلب من، إهانات وتمزق إجتماعي وإحساس شديد بالرغبة بالانتقام من ميليشيات إيرانية أفغانية حزبلاتية بشّعت بدم الحلبيين السوريين؟

كي يرى طرح السيد بوتين النور، لا بد أن يكون أولاً جاداً وصادقاً في تحويله إلى حقيقة. أمام السيد بوتين فرصة باستخدام التقارب مع ترامب وفريقه- بموقفه السلبي تجاه ايران- ويحول دون انجاز إيران مخططها واتمام مكسبها الاستراتيجي في المنطقة. ومن هنا لا بد من مصافقة روسية امريكية؛ فإن لم تكن ايران تحت المكبس، لن يكون نظام الأسد تحت ضغط كاف لييّسر مهمة بوتين. ولا يتم إبطال مفاعيل المنغصات السابقة إلا بمعاقبة نظام الاجرام؛ وكل الحجج والأسباب متوفرة له. معروف أنه لا يمكن أن تكون إيران تحت المكبس إلا بتناغم أمريكي روسي اسرائيلي؛ فايران، بقدر نظام الأسد، هي من استنجدت بالروس لمنع سقوط النظام. إن جنى بوتين من كل ذلك يساوي وربما يفوق ما يريد؛ فهو يحقق له تخفيف أحماله وإزاحة ملفاته ابتداءً من اسعار النفط والتدهور في وضعه الاقتصادي الداخلي مروراً بأوكرانيا وصولاً إلى ابتلاعه للقرم.

يقترح السيد بوتين مفاوضات في استانة، عاصمة كازخستان؛ ويقول مرافعاً عن أي اتهام بحرفه مسار جنيف بانها ستكون متممة لا بديلة عن جنيف؛ ولكنه في الوقت ذاته لا بد يدرك أن من يحميه في دمشق – وبمفاعيل إيرانية- كان يحول دون إعطاء السلام فرصة. كل القفزات أو اللعبات البهلوانية ظبطت مع السيد بوتين، ومؤكداً كان شرطها الأساس ذلك التفويض المزدوج الأمريكي-الإسرائيلي. حتى محاولاته الالتفاف على جنيف والقرار 2254 كانت تُمَرَّر بفعل ذلك الشرط الأمرو- إسرائيلي. مع قدوم إدارة أمريكية جديدة تعتمد مصافقات “البزنس” أساساً في السياسة، ومع المنغصات أعلاه، ومع العسل الروسي-التركي؛ إنها فرصة بوتين بذروتها للاقتناص. والثمن الذي على بوتين دفعه ليس إلا رمي تلك الأداة التي استنفدت فاعليتها، وأضحت عبئا عليه وعلى العالم؛ وإظهار العين الحمراء لمنظومة الملالي المارقة؛ وسينال ثناء العالم على ذلك؛ ويضحي ما ليس تحت سيطرته في سورية طوع بنانه. ولكن عليه أن يحسب و يتجرأ على قفزته الأخيرة تجاه  أنياب إيران الدموية، ووضاعة نظام مجرم يستحق لاهاي فقط.

========================

العاقل من اهتم بباطن الثورة وليس بظاهرها فقط .. د. أحمد موفق زيدان

العرب

الاثنين 19/12/2016

أكثر ما يُميز ثورات القرن الماضي ضد الاحتلالات الأجنبية آنئذ عن ثورات الربيع العربي اليوم، هو غياب العائلات والعشائر الكبيرة عن قيادتها، وتسلم قياداتها شباب خبرتهم بالحياة ضحلة، وهذا بالتأكيد لا يتحمل مسؤوليته الطرفان، ولكن ما نود هنا توصيف حالة، لعلنا نخرج بنتيجة تُصلح الحال وتقلل الخسائر والمعاناة، كما تُقلص الفجوة إلى النصر بإذن الله، فلا شك أن حوليات الثورات العربية ضد الاحتلال الأجنبي مطلع القرن الماضي لم تكن الأحزاب حينها قد تجذرت ولا الفصائل والجماعات أيضاً، وكان الناس مجتمعين على أسماء العشائر الكبيرة والأسماء التاريخية، لذا كان الانقياد الشعبي أقرب ما يكون إلى الانقياد الاجتماعي المتوارث وليس إلى الانقياد الفكري أو الأيديولوجي والسياسي.

فشلت تلك القيادات يومها، للأسف، في قطف ثمار ثورات زرعوا بذورها وسقوا شجيراتها بدمائهم حتى استوت على سوقها، فجاء الحاصدون فقطفوا ثمرها يوم غاب زُراعها الذين لم يهتموا بالزارع نفسه بقدر اهتمامهم بالشجرة التي سعوا إلى سقيها بالدماء إلى أن جفت دماء الأحرار، فانبرى المتسلقون لملء فراغ، فكيف حصل هذا؟!، وهل يمكن أن يتكرر هذا مع ثورة الشام وغيرها اليوم؟ كل الدلائل للأسف تشير إلى أن ذلك قد يتكرر إن سارت الأمور على الشاكلة نفسها، وركز الزارعون على سقي الشجرة بدمائهم، دون الاهتمام بورثة الزارع نفسه، وعلى رأس هذا الاهتمام هو تكوين كتلة حرجة حقيقية من الثوار، بحيث تمنع من تُسول له نفسه قطف الثمرة كما حصل يوم ثورة الشام الأولى ضد فرنسا، يومها سعت الأخيرة إلى تشكيل ميليشيات جيش المشرق من الطائفيين، وحين بدأ التفاوض كانت هذه الميليشيات هي نواة الجيش القادم الذي فرض شروطه، بينما الثوار في درعا والغوطة وسهول إدلب وحلب وغيرها مغرقون بمحلياتهم ومشغولون بخلافاتهم، كما هو الحال اليوم، فليس المهم أن ترفع شعاراً بحجة وضوح الراية بينما على أرض الواقع تعمل عكس تحقيقه، فالعمل ليس بالشعارات والأقوال والدعايات التي تجلب الأعداء وتفتح العيون، بينما العاقل من استعان على قضاء حوائجه بالكتمان، وكان نبينا عليه الصلاة والسلام قلما غزا غزوة إلَّا ورَّى بغيرها، لا سيما في هذا العصر المتكالب على الأمة والمتآمر على نهضتها وتخلصها من براثن استبداد دام قرناً أو أكثر من الزمن.

يحكي لنا التاريخ أن معظم التيارات والجماعات التي رفعت شعاراً واضحاً وضوح الشمس فشلت في تحقيقه، نظراً لمنحها الفرصة سانحة لأعدائها للوقوف ضدها، مما يحول حتى على أصدقائها أو المحايدين أن يقفوا معها أو على الحياد بسبب كثرة الأعداء الذين بالتأكيد ستربطهم علاقات تأثير على الأصدقاء والمحايدين.

أدرك هذا الطائفيون في سوريا، فلجأت اللجنة السداسية الطائفية بقيادة حافظ أسد التي شكلت نواتها في سيناء يوم أبعدها جمال عبد الناصر، حين كان يقود دولة الوحدة 1958/ 1961، فكان التآمر، وبدأت بالتركيز على الجيش والاستخبارات، وأبعدت نفسها عن الواجهة وتحمل المسؤوليات الحياتية اليومية، وحين نفذ حافظ أسد انقلابه دفع السني أحمد الخطيب لتنظيف سياسات من سبقه وتحميله المسؤولية، وما أن أعلن انقلابه الحقيقي الذي سماه زوراً وبهتاناً بالحركة التصحيحية لم يكن للخطيب ولسابقيه حتى ميزة الدعاء على المنابر كما كان للخليفة العباسي، بعد أن نزع الطائفيون بقيادة حافظ أسد كل صلاحيات رفاقهم في الحزب.

اليوم تتقاتل المجموعات والفصائل على الأسماء والألقاب والواجهات، فذاك يريد أميراً وآخر نائباً للأمير، وجهلوا أن الحكم الحقيقي إنما يكمن في الجوهر، وأن الحكم الشكلي في هذه الظروف عليه من التبعات والمسؤوليات والاتهامات أكثر مما له، وأن القيادة اليوم تحديداً غُرم وليس غُنما، وأن عاقل اليوم من يبتعد عن الاتهامات ويعد العدة العسكرية والأمنية الحقيقية بعيداً عن الإعلام والضوضاء والاتهامات، بالتالي يكسب الحاضنة الاجتماعية بزهده بالدنيا، فضلاً عن كسبها لآخرته. هل هناك من يفقه من قادات الشام ذلك، ويعد عدته لحصد دماء شهداء الشام، بدلاً من أن يضيعها ويبددها؟ فمن استعجل الشيء قبل أوانه عُوقب بحرمانه.

========================

حلب.. خروج للكفار وانتصار للمسلمين؟! .. د. طيب تيزيني

الاتحاد

الاثنين 19/12/2016

نشطت وسائط الإعلام ذات التعددية المصدرية في الأسبوعين المنصرمين، بالتزامن مع عملية التهجير الوحشية للحلبيين من مدينتهم «حلب». ووجدنا التبشير الإيراني في أحد المساجد بأن «حلب تحررت من الكفر، حيث انتصار المسلمون عليهم»، أي على الكفار، حيث ظهرت في الوقت ذاته أقوال إيرانية تعلن أن روسيا لن تلجأ إلى الحل السلمي في ذلك.

ما يلفت الانتباه هو القول الوارد بأن حلب أخيراً، بدأت تتحرر من «الكفر» يداً بيد مع «انتصار المسلمين على الكفار»، مما يوجب التوقف أمام ما سينتج عن ذلك. إذ ماذا بعد؟ هذه نقطة حاسمة في «الصراع» السوري العربي، بحيث يتعين على عملية «إنهاء الكفر» أن تكون بداية لتحرر السوريين مما «أصيبوا به» من هرطقات تتصل بالتاريخ الإسلامي، خصوصاً منه ما يتصل بالدعوات المذهبية الطائفية الإيرانية. وعودة إلى الحلبيين وخصومهم من الطائفيين الشيعيين الفارسيين، فنحن هنا لا نفضل إنساناً على إنسان آخر، ولا شيعياً على سنياً، ولا هذا على ذلك، الدين الإسلامي يمتلك سمة خاصة قد تمتلكها الأديان الأخرى، نعني تعددية القراءات الدينية، ما يُميز هذه بين بعضها، وما يوحد بينها على أساس البنية، على كل حال، نحن هنا في موضع التمييز النسبي في «أفهام» البشر لدى تناولهم النص المقدس.

وفي كل الأحوال، فإن نشأة التعددية في قراءة النص المذكور، إنما تأتي من تعددية مواقعهم وأفهامهم في المجتمعات البشرية، مع بقاء النص الأصل تامّ البنية الأولية.

من هنا، نجد أمامنا مكاناً واسعاً للتعبير عن الاستغراب الذي يثير القول بواحدية النص إياه وتعددية أو احتمال تعددية الفهم والدلالة والرمزية، والعودة إلى هذه المنظومة من المفاهيم، والمصطلحات الدينية الإسلامية تشكل حقلاً منفتحاً ومفتوحاً، على نحو يستطيع الباحث فيه أن يجد في النص الأصلي حقلاً فسيحاً من القراءات والتأويلات، وذلك على نحو ينبغي على الباحث الحصيف فيه ألا يستكين بمقتضاه، بمثل تلك الاعتقادات المذكورة التي أتينا فيها على صيغة تكفيرية لها مؤوّلة بالدلالة الشيعية.

ومع ذلك كله، فالباحث المدقق لا يتوقف عند نقطة أو أخرى يجد فيها قصده النهائي ورغبته. ونود هنا أن نضع الصيغة الدينية، التي أتينا عليها بغاية استخدام في سبيل تكفير المهجّرين الحلبيين، من قبل أيديولوجيي الشيعة المعاصرين الذين يرون ذلك الرأي في الحلبيين العنيين في الدراسات التاريخية المقارنة عربياً وربما بأفق آخر، لا نجد مجال مقارنة بين أنماط القتل، التي واجهناها أو عايشناها في حلب، وبين تلك التي ظهرت في البلدان المقابلة، أن ترى نساء وأطفالاً تُضرم النار في أجسادهم، وهم موجودون على أنقاض بيت مدمر أو مدرسة محطمة، أن ترى أطفالاً تشتعل النار بأجسادهم الصغيرة. أما النساء والشابات منهن خصوصاً، فلا يدرين ما مصائرهن، حين يرغمن على الدخول إلى مكان مغلق يغتصبن فيه وتقصص جلودهم بسكاكين. وشابة في عمر الورود تؤخذ من مكان لتغتصب وتقتل ويمثل بها، ليموت معها الأب العاجز والأم المرمية في الزريبة. الآن آن الأوان كي يكتشف البشر كيف يختارون طرق موتهم!

*أستاذ الفلسفة بجامعة دمشق

========================

ما بعد حلب... أو النصر الأسوأ من هزيمة .. برهان غليون

العربي الجديد

الاحد 18/12/2016

يعتقد الأسد الذي لم يعرف السياسة، ولا تعامل بها في أي وقت، أن سقوط حلب يعني استعادة السيطرة على سورية، وفرض هيبته على الشعب، وتأكيد منطق القوة أو التفوق بالقوة الذي أقامت عليه جماعة الأسد حكمها منذ بداية تشكيل النظام. لا يهم مصدر القوة التي أسقط بها المدينة والشعب، ولا بأي ثمنٍ جاء. والحال أن إسقاط حلب، وهذا ما لن يتأخّر ظهوره، هو إعلانٌ عن نهايته المحتمة في الوقت ذاته. فبإصراره على تأكيد الغلبة العسكرية قطع على نفسه أي طريقٍ للتصالح مع الشعب الذي قوّض شروط وجوده، ونكل بأبنائه من دون حساب. وبمقدار ما حكم على نفسه بالبقاء في أسر القوى التي مكّنته من الانتصار، سيفقد بموازاة ترسيخ هذه القوى قواعد سيطرتها مبرّر بقائه، ويتحول إلى ورقة مساومةٍ سياسية. فلا يمكن لحاكمٍ أن يربح ضد شعبه الذي يفترض أن يستمد منه القوة والشرعية، وإذا حصل فسيكون ثمن ربحه أعلى من الخسارة، ونتيجته تسليم مفتاح ملكه لغيره. ولعل ما جعله ينسى ذلك، هو ومن كان وراءه ممن سيجلون عن السلطة بسرعة أكبر مما يتوقعونها، هو تخلفهم السياسي المذهل الذي جعلهم يتصوّرون أنفسهم ويتصرّفون كما لو كانوا ملاك عبيد، لهم على شعبهم حق الحياة والموت. وربما خدعتهم بعض مظاهر الاحتفاء التي تبديها قطاعاتٌ من الرأي العام التي تحاول، بالرقص على جثث الضحايا من أشقائها ومواطنيها، أن تكبح مشاعر القلق والخوف التي تجتاحها وتتقي بالتعبير الكاذب عن الفرح والانتصار المصير المشؤوم الذي تدرك بالحدس أنه ينتظرها.

 

ثمن الحسم العسكري ومضمونه

في ما وراء تعبيره عن الارتهان للاستراتيجيات الاجنبية التي وقع أسيرها، يعكس الإصرار على إسقاط حلب التمسك، حتى النهاية، بمبدأ الحل العسكري، أي إبادة الخصم، والاستسلام النهائي لسياسة الهرب إلى الأمام التي أوصلته إلى قبول سياسة الإبادة الجماعية والمقامرة بمصير البلد نفسه.

وهذه السياسة ذاتها التي مكّنت الأسد، ومن حوله، من تحقيق وعده بالانتقام من السوريين، وتكبيدهم خسائر غير مسبوقة، ثمن رفضهم التمديد له، كما كان ينتظر أو ينتظره المستفيدون من نظامه، هي نفسها الفخ الذي نصبه لنفسه، ونصبه له الإيرانيون الطامعون في السيطرة على بلده، مستغلين مشاعر الحقد والانتقام هذه. ولا يمكن إلا للجاهل والأحمق أن لا يدرك أن التهرب من الاستجابة لتطلعات السوريين السياسية والانسانية، والرد عليها بالعنف، أو الاعتقاد بإمكانية الإعدام السياسي المستمر للشعب السوري، لم يساهما في إيجاد الحل للأزمة المستمرة منذ عقود، وإنما بالعكس عملا على تفجيرها في سياق الثورات العربية، وعمّقا الشرخ بين الحكم والشعب، حتى لم يعد هناك خيار لأي طرف غير السلاح والعنف. كما أن هذه السياسة التي أوصلت البلاد إلى أكبر كارثة إنسانية هي نفسها التي دفعت إلى الارتماء على الأجنبي، وتعميق التدخلات الخارجية بطلب من الأطراف السورية، وقادت إلى تغيير طبيعة الدولة والمجتمع معاً، ودمرت عرى التواصل والتفاهم بين أبناء المجتمع الواحد، وهي تهدد اليوم بالتحول إلى حرب إبادةٍ متبادلةٍ على مستوى المنطقة بأكملها.

يخطئ من يعتقد أنه سيكون هناك حل بعد الآن بالانتصار العسكري. بالعكس، تستخدم بعض

"بإصرار الأسد على تأكيد الغلبة العسكرية قطع على نفسه أي طريقٍ للتصالح مع الشعب الذي قوّض شروط وجوده، ونكل بأبنائه من دون حساب" الدول وهم الانتصار العسكري هذا، خصوصاً إيران، من أجل إطالة أمد الحرب، حتى تستطيع أن تكسب الوقت، لتحقيق التغيير الديمغرافي المنشود، وإقامة منطقة حروبٍ ونزاعاتٍ وفوضى دائمة، تمتد من بغداد حتى بيروت، تمكّنها من الحفاظ على نفوذها، وتحقيق هلال السيطرة الإيرانية الدائم.. فبمقدار ما عنى الرفض المبدئي للحل السياسي إدانة الشعب المطالب بالحرية بانعدام أي خيار آخر، سوى الخنوع وإعلان الاستسلام وقبول العبودية، قطع كل جسور التواصل، ودان الجميع، بالتصعيد المستمر واللامتناهي في العنف، وحول الصراع السياسي إلى حرب دفاعٍ عن الوجود، حتى لم يعد من الممكن لأي طرفٍ، النظام والشعب الثائر، أن يقبل التراجع، من دون أن يعلن نهايته ويشهد هلاكه. هذا الطريق المسدود الذي وضع فيه النظام الأزمة هو تماما ما يعبّر عنه شعار حماية الشعب والدولة ضد الاٍرهاب والمؤامرة الأجنبية الذي رفعه النظام، وشعار "الموت ولا المذلة" الذي يعبر عن الاستعداد للموت وعدم التسليم ثانية بالعبودية أو التفاهم أو التصالح معها الذي رفعه الشعب. لذلك، ما كان من الممكن إلا أن نسير في الصراع السوري نحو تصعيدٍ من دون حدود في العنف، على مستوى الخطاب والممارسة والحرب، حتى انتهينا إلى حرب التدمير المتبادل، فالطغيان كالحرية لا يتجزّآن. ولا يمكن أن يكون هناك نصف طغيان، ولا أن تكون هناك نصف عبودية، فالسلطة إما أن تكون تمثيليةً أو أن تكون مفروضة بالقوة، والفرد إما أن يكون حرّا أو مسلوب الإرادة، ولا يمكن أن يكون هناك فرد نصف حر ونصف عبد.

في هذه الحرب الذي حوّلها النظام إلى حرب وجود له كنظام، ومن ثم حرب وجود للشعب الثائر عليه، ما كان من الممكن للعنف إلا أن يتجه نحو حدوده القصوى، وأن يتحوّل الدمار والقتل بالجملة، وأعمال الإبادة المادية والسياسية للجماعات والطوائف والقوميات إلى حالةٍ عاديةٍ، تكاد تكون اليوم مقبولةً من الجميع، وتتم تحت إشراف ونظر الأمم المتحدة ومنظمات المجتمع الدولي الإنسانية والحقوقية وبرعايتها. وكان من المنطقي أيضاً أن نفقد الخيارات جميعاً، كما لم يكن هناك مجال أن لا تتحول إلى حروب بالوكالة، وأن يُسلَّم القرار فيها للدول والقوى الخارجية، على مستوى النظام الذي أصبح كالخاتم في يد الدول المنتدبة والوصية عليه. وعلى مستوى المعارضات التي تتنازع على الحمايات الخارجية، بينما تفتح الفوضى والخراب السياسي والقانوني الباب على مصراعيه، لنمو المنظمات الإرهابية، الخارجة على القانون والنظام والمجتمع الدوليين، حتى توهمت أنها قادرة على بناء دولتها الخاصة، بل لبس عباءة الخلافة الإسلامية كاملة أو استعادتها.

لن يمكن لأي حكم أو نظام أو سلطة أن تستقر وتنجح في امتصاص النتائج المدمرة لهذه الحرب الظالمة الطويلة ضد الشعب السوري، بالاستمرار في إنكار حقيقة الثورة التي قام بها الشعب، ومن دون الرد الواضح والمباشر على مطالبها السياسية والأخلاقية والقانونية المتعلقة بالعدالة. لذلك، بعكس ما يتصوّره مهندسوه الروس والإيرانيون، قد يساعد سقوط حلب أو إسقاطها على تعزيز سيطرتهما المشتركة في سورية، وتحكمهما بالنظام، لكنه لن يفضي إلى أي حل. بالعكس، يعلن هذا النصر الذي تحقق على يد المليشيات الطائفية العراقية، وفي مقدمها مليشيا النجباء التي تخوض في وعيها حرباً دينيةً وطائفيةً وإحلاليةً في الوقت نفسه، نهاية

"ما كان من الممكن للعنف إلا أن يتجه نحو حدوده القصوى، وأن يتحوّل الدمار والقتل بالجملة، وأعمال الإبادة المادية والسياسية للجماعات والطوائف والقوميات إلى حالةٍ عاديةٍ" الحلول السياسية وبدء مرحلةٍ جديدة من الحروب والصراعات والفوضى التي لن تقتصر على القوى المتنازعة اليوم وحدها، وتطرح أسئلةً كبيرةً على أسياد سورية الممزقة والمدمرة اليوم، لا يمكن لهم، ولن يستطيعوا الإجابة عنها، بتغييب السوريين واغتيالهم السياسي وتشريد الجزء الأكبر منهم. فلا يعرف أحد اليوم إلى من ستؤول ملكية حلب من بين المليشيات المذهبية، ومن سيرفع راياته، ويثأر فيها للحسين، ومن سيعلن دولة الخلافة ونصرتها، وأي صورةٍ ستعلق على جدران أوابدها، من بين صور قادة المسيرة الخلاصية والكارثية، الخميني وخامنئي أو بوتين أو الأسد أو البغدادي أم غيرهم من المرشحين الكثيرين. كما لن تطمئن السوريين أكثر على مصيرهم ومستقبل بلدهم وتمكنهم من معرفة ما إذا كانوا سيظفرون، في النهاية، بوطنٍ أم سيبقون مشرّدين، بمن فيهم من يعيشون داخل أسوار معازلهم وجدران الإمارات الحربية السورية والأجنبية المتوالدة في ارضهم.

باختصار. لا يمكن للسياسة التي قادت إلى تفجير أكبر كارثة إنسانية في العصر، وجعلت من احتجاجات شعبية عادية حرباً متعدّدة الأطراف والأبعاد والرهانات، داخلية وإقليمية ودولية، في الوقت نفسه، أن تكون هي ذاتها الأساس لإعادة بناء سورية الواحدة والآمنة والمتضامنة والحرة والمستقلة.

 

لماذا لا يمكن للأسد أن يربح الحرب؟

سقوط حلب هو الإعلان عن نهاية سورية القديمة، معارضةً وحكومةً ونظاما وشعبا ودولةً، بمقدار ما هو نهاية الحلول السياسية، فسورية اليوم ركام من الأنقاض تنتظر من يزيلها، سورية الأسد وما بعده، سورية الحرب وتدخلات الدول الأجنبية وإرهاب الدولة وإرهاب الدين. وَمِمَّا إنه لن يكون من الممكن إعادة بناء الدولة بتكريس منطق الانحراف والجريمة، ولا إعمارها بسحق شعبها وإخراجه منها، لا يمكن كذلك إعادة جمعها وبنائها على شذرات أفكار وتجمعات وروابط محلولة. وتستهزئ الطغمة السورية ورعاتها من الصحفيين والمثقفين والسياسيين بأنفسهم، عندما يعتقدون أنهم يستطيعون فرض الخنوع على الشعب، وإعادة احتوائه بتوزيع بعض المناصب السياسية على المعارضة. أولاً، لأن السوريين جميعا، معارضين وموالين، فقدوا في مخاض الثورة العنيف والقاسي روح العبودية التي شلتهم في الماضي. وثانياً، لأن أحداً من غير المتورطين في الجريمة لن يقبل أن يكون شريكاً في المسؤولية عنها، وهي جريمة اغتيال شعب وتدمير شروط وجوده ورهن وطنه للأجنبي، لا يمكن غفرانها أو تجاوزها. وثالثاً، لأن أي سوري يحترم نفسه لن يقبل أن يكون عميلاً لسلطة الوصاية الأجنبية الذي يفخر بالإعلان عنها كل يوم المسؤولون الإيرانيون.

بالعكس، سيكتشف النظام بشكل أكبر في المستقبل أن إسقاط حلب كان نصراً فارغاً ربما أسوأ بكثير في مآلاته من الهزيمة، وأنه جاء ليؤكد تهافت النظام، وعجزه الولادي عن ممارسة السياسة أو دخولها. وبالتالي، عن التطبع والتطبيع، والخروج من صفة الاستثناء وحالة الطوارئ والحرب الدائمة. وهو يعبر أكثر عن إصراره على الانتحار مما يشير إلى انبعاثه. وبدل أن يساعده كما يعتقد على الرد على تحدي وجوده، سوف يدفعه بشكل أكبر إلى الموت تحت ركام المشكلات والنزاعات والتناقضات العميقة التي تنخر وجوده، والرد على التحديات الهائلة التي تواجهه، وفي مقدمها تغوّل الدول الأجنبية التي أصبحت حاميته، وتعدّد المليشيات المذهبية والقومية المنظمة والمدربة والممولة من الخارج، واستباحة الدولة من مختلف القوى والشبكات. لن يسمح مثل هذا الوضع ببناء دولةٍ ولا جيش، وليس من مصلحة أحد فيه أن يعود إلى فكرة الجيش الوطني، ولا حتى إصلاح الإدارة المدنية. فمن دون تسويةٍ سياسيةٍ، لن يكون أمامه خيار آخر سوى الاستمرار في استباحة الدولة ومؤسساتها، والمراهنة على تعبئة المليشيات الطائفية الأجنبية والمحلية، للحفاظ على السيطرة، وبالتالي، خيار الحرب الدائمة، كما هو العراق اليوم.

وبالمثل، لن يكون من الممكن إعادة بناء الدولة، وتحقيق الحد الأدنى من الأمن والاستقرار من

"بمقدار ما يشكل سقوط حلب نكسةً للمعارضة، يمكن أن يكون فرصةً لإعادة تأسيسها" دون مصالحة وطنية، وإحياء روح العدالة التي يحتاج إليها تطمين الناس على حياتها وحقوقها، وتجنب ما حصل في العراق، ولا يزال يحصل منذ حرب عام 2003. ثم كيف يمكن، من دون تسوية سياسية وتفاهمات دولية وإقليمية، معالجة مسائل كبرى، مثل مسألة المليشيات الأجنبية التي يزيد عدد من يعمل منها مع النظام وحده عن 66 مليشيا، وتتنازع على اقتسام الغنائم في حلب وغيرها، إضافة إلى المليشيات الجهادية الدولية وفصائل المعارضة المسلحة؟ وكيف يمكن من دونها أيضا مواجهة مشكلة ملايين اللاجئين وإعادة توطينهم في بلدهم، بينما يعتقد بشار الأسد أن رحيلهم قد حسّن من النسيج الاجتماعي السوري؟

لن يكون هناك أي أملٍ في إعادة الإعمار، الذي تقدر تكاليفه ب 300 مليار دولار، من دون تعبئة رجال الأعمال السوريين، وتعاون الدول الإقليمية والعالمية، وتغيير قواعد العمل السياسية وضمان الاستقرار والأمن والسلام وإمكانية استعادة رأس المال. وحتى أكثر الدول تساهلاً، لن تقبل المساهمة في استثمار مئات ملايين الدولارات خدمة للأسد وحلفائه، ودعماً لنظام يقوم على العنف وحكم المليشيات، ويفتقر لكل مقومات النظام السياسي والحكم القانوني والعدالة، عدا عن أنه متهم، وربما ملاحقٌ دوليا غداً، بقتل مئات الألوف من شعبه، وتشريد نصف سكان بلده، والتسبب في إعاقة دائمة أو شبه دائمة لأكثر من مليوني إنسان. ويحلم أنصار النظام ومشجعوه على القتل والاستمرار في الجريمة وإنكار وجود الشعب، عندما يعتقدون أنه من الممكن له أن يستعيد علاقاته الدولية، ويكسب ثقة الحكومات وتعاونها، لمجرد تلويحه، كما بدأ يفعل مجدّدا، بخطر المنظمات الإرهابية، بعد أن ثبتت عليه تهم ارتكاب جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية.

 

تحرّر الثورة من أوهامها وقيودها

لولا الخوف من سقوط المزيد من الضحايا، بسبب استمرار الحرب، لقلت إنه من حسن الحظ أن النظام رفض التسوية، وتبع نصائح طهران التي لا تهتم بمصيره، لا فرداً ولا نظاماً، إلا

"نشهد بداية حواراتٍ جادة بين السوريين، لم يكن من الممكن سماعها من قبل أبدا، وانبثاق روح محركةٍ لوطنية جامحة" بمقدار ما يمكّنها من الاستمرار في تحقيق مشروعها الإمبرطوري، فقد كان من شأن التسوية أن تريحه، وربما تمدّد في أجل بقائه أكثر، نظراً لضعف المعارضة التي نشأت في حضن نظام الموت والتعقيم الفكري والسياسي والأخلاقي، والتي لا تزال، منذ أربع سنوات متواصلة، في موقف الدفاع البسيط عن نفسها ووجودها، ولم يعد لديها أي قدرة على التقدم، لا على المستوى السياسي لتوحيد المزيد من السوريين وتنظيمهم، لاجتراح معجزة إسقاط النظام بالقوة وبناء نظام جديد مكانه، ولا على المستوى العسكري الذي أغلق أفقه تغوّل التيارات الجهادية الأصولية المتطرّفة عليه، ومصادرتها ثورة الشعب، ووضعها في طريق مسدود على الصعيدين، الوطني والدولي معا.

ولذلك، بمقدار ما يشكل سقوط حلب نكسةً للمعارضة، يمكن أن يكون فرصةً لإعادة تأسيسها. وهو يوجه، بهذا المعنى، تحدياتٍ لا تقل خطورة للمعارضة التي أضاعت هويتها، قبل أن تصادرها القوى الأجنبية والدولية. ولن تستطيع أن ترد عليها، وتخرج من عجزها وضعفها، من دون ثورة داخل الثورة، أي ثورة على نفسها. والواقع أن جزءاً كبيرا من أسباب تعقد الأزمة السورية هو أن إنهاك النظام وسقوطه الفعلي أواخر 2012 لم يجد جوابه في معارضةٍ قادرةٍ على تشكيل البديل المقنع للشعب، أو للقوى الدولية المعنية بالشأنين، السوري والإقليمي. ولذلك، قبل الإعمار العمراني والمادي، يحتاج الخروج من المأزق والحرب الدائمة التي فرضها النظام وحماته إلى ثورةٍ، محورها إعادة البناء السياسي والفكري والأخلاقي داخل صفوف المعارضة وقوى الثورة والشعب معا، وهو ما يستدعي تشكيل أو ولادة نخبةٍ جديدةٍ من قلب الشعب، لا في سوق السياسة الزائفة، أي من قلب المعاناة ومن خلالها، نخبة لم تتعوّد الكذب والغش والبحث عن المنافع الفردية والمصالح الخاصة، ولم تترعرع في حجر نظام المحسوبية والزبونية والمراءاة، نظام الأسد الأب والابن وإمارته الشخصية أو مزرعته التي أصبحت تسمى دولة الأسد.

ونحن نشهد اليوم بالفعل، في موازاة موت قوى الثورة والمعارضة القديمة التي أضاعت هويتها، واختلطت أوراقها بالإرهاب والتطرف الديني والمذهبي، من بين ثنايا القوى المتهاوية في "الائتلاف" والفصائل المتعبة، وغيرها، وعلى أنقاضها، ولادة معارضةٍ جديدةٍ مختلفةٍ تماما، تخرج من تحت الأنقاض، ومن شقوقها وفي فراغاتها. هكذا نشهد بداية حواراتٍ جادة بين السوريين، لم يكن من الممكن سماعها من قبل أبدا، وانبثاق روح محركةٍ لوطنية جامحة، تركز على محبة البلد والأرض والتمسك بوحدتها وتنوعها وتاريخها.

على الرغم من الكارثة الإنسانية التي رافقته، يمكن لسقوط حلب الذي يخشى أن يكون مقدمة لحسم مصير ثورة الحرية والكرامة أن يكون بالعكس مناسبةً وشرطاً للخروج من الحصار الذي ضربته الثورة على نفسها في حلب، وفي سورية كلها، حصار عسكري بالتأكيد، ولكن أهم من ذلك سياسي وفكري وأخلاقي. والفرصة الأخيرة لتحرير الثورة من الاختناق وإخراجها من الأنفاق والطرق المسدودة التي سيقت إليها، وتحريرها من القيود والأنشوطات التي وضعتها معارضاتٌ ضعيفةٌ وعاجزة في عنقها، وكبلت بها يديها وأقدامها، وجعلتها تراوح في مكانها.

========================

قبل المأساة وبعدها .. د. رضوان السيد

الاتحاد

الاحد 18/12/2016

بدأت عدة منتديات عربية وإسلامية تقارن بين المأساتين السورية والعراقية من جهة، والمأساة الفلسطينية من جهة ثانية. ولا شك أن الأهوال الحاصلة من حيث الكم والكيف أفظع بما لا يقاس. فقد قُتل من السوريين والعراقيين زُهاء المليون خلال أقل من خمس سنوات، وتهجر حوالى السبعة عشر مليوناً داخل البلدين وخارجهما. بينما قُتل في المأساة الفلسطينية زُهاء الخمسين ألفاً، وتهجّر حوالى المليون.

ومع ذلك فالمقارنة تظل موضع نزاع، ليس لأنها مقارنة مع الفارق، بل ولأن الزمان غير الزمان، كما أن العدو غير العدو. فالشعب الفلسطيني كان عدده عام 1948 مليونين ونصف المليون، ومعنى ذلك أنه تهجر نصفه تقريباً، وحل محلَّهم يهود. أما لجهة العدو فهم الصهاينة في حالة فلسطين، وقد حلُّوا محلَّ الشعب الفلسطيني، وأقاموا دولةً يهوديةً لأنفسهم على أرضه. أما في حالتي سورية والعراق، فإن المخاصمين للشعب السوري في الأصل هم نظامه وإيران وميليشياتها العراقية واللبنانية والأفغانية. ولسنا ندري ما هدفهم من تهجير الناس من جوار دمشق وأريافها وحمص بالداخل والجوار، والآن بشرقي حلب، ومناطق أخرى كثيرة: يحاصرون المدينة أو البلدة ويجوعون سكانها حتى يستسلموا ويقبلوا بترك مواطنهم. وقد حلَّ محلَّهم في الزبداني وداريا شيعة عراقيون ولبنانيون. لكن مناطق التهجير هائلة الاتساع، ولذا فنحن لا ندري بالفعل ماذا ينوون فعله بها. هم لا يريدون بالقطع إعادة النازحين، بدليل أنّ بشار الأسد قال مراراً في المدة الأخيرة إن النسيج الاجتماعي في سورية صار أفضل بعد عام 2011. وهو يقصد أن أعداد الأكثرية السنية تراجعت، إذ تهجر منهم إلى خارج الحدود أكثر من ستة ملايين. فهل يريد الإيرانيون أن يقوموا في سورية والعراق، مثل ما قام به المستوطنون الصهاينة في فلسطين، أي الاستيلاء والاستيطان؟ الواضح حتى الآن أنهم يريدون دفْع سكان المدن والبلدات إلى الأرياف، أي إخراجهم من «سورية المفيدة» التي تمتد من درعا في الجنوب عبر دمشق والقلمون وهي المناطق المحاذية للنواحي الشيعية في لبنان، ومن هناك باتجاه حمص ووادي النصارى على الحدود مع لبنان، ثم باتجاه حلب واللاذقية وحماة. وبذلك تبقى المناطق البترولية في الرقة ودير الزور فإدلب شرقاً، وتدمر باتجاه الصحراء، كل هذه المناطق تبقى خارج «سورية المفيدة»؟ تركيا تقول الآن إنها تهيئ مخيماً على حدودها وبالداخل التركي لنحو مائة ألف مهجَّر من حلب، أما الآخرون الذين يريدون الذهاب إلى غربي حلب، في مناطق سيطرة النظام، فالإيرانيون يريدون منعهم من ذلك، وقَودهم إلى نواحي إدلب الخاضعة للمعارضات المسلحة، كما حصل من قبل مع الكثيرين من سكّان جوار دمشق.

ثم إنّ الرائحة الكريهة والعنصرية التي نشرها الصهاينة في فلسطين عبر الإصرار على يهودية الدولة، واعتناق أيديولوجيا «الترانسفير» موجودة أيضاً في أخلاد الإيرانيين وتصرفاتهم. فهم يفخرون بتشييع الناس، ونشر مذهب أهل البيت بين الفقراء وذوي الحاجة. وبعد التشييع يأتي التجنيد في ميليشيات مسلَّحة، يقودها شيعةٌ قُدامى، تأتمر بأمر خامنئي، وتخرّب العمران، وتقتل الإنسان. وعندما عجز الجيش (العربي) السوري، والجيش الإيراني وسائر المتأيرنين عن حماية بشار ونظامه، هبَّ لنجدتهم الروس، ودمرَّوا بطائراتهم خلال عام، ما عجز «جنود آل البيت» عن تدميره. ويقال إنّ الروس يريدون منافسة الأميركان على مناطق النفوذ. إنما الواضح أنّ أوباما ما كان من همه منافسة الروس ولا الإيرانيين!

ماذا عن نظام الحكم في سورية؟ منطق الإيرانيين ووسائل إعلام النظام أنّ الأسد باقٍ للأبد. وقد أعطونا دليلاً لا يُدحَضُ على شجاعته أنه خاض عدة معارك بنفسه سراً، «وأطلق أكثر من ألف طلقة»! أما الروس فيقولون بغموض إنه بعد حلب سيبدأ الحلُّ السياسي!

ولنعد إلى المقارنة المتنازَع عليها كما سبق القول. منذ عام 1974 على الأقلّ ما نزال ننتظر الحلَّ السلميَّ والعادل للقضية الفلسطينية. فكم سننتظر نحن والشعب السوري الحلَّ السياسيَّ في سورية؟ وهل يكون شاملاً أم أنه خاص ب«سورية المفيدة»؟ ثم كيف يتم الحلُّ السياسي، بغياب نصف الشعب السوري في القبور والمنافي؟! وهل تبقى المقارنة صحيحة أو هل تصبح صحيحة، لأنّ أكثر من نصف الشعب الفلسطيني غائب عن فلسطين؟ فيا لسوريا ويا لفلسطين ويا للعرب!

========================

المقتلة: الإنسانيّة والبربريّة على كوكب واحد .. عمر قدور

الحياة

الاحد 18/12/2016

بينما كانت الاحتفالات تنشط في طهران والضاحية الجنوبية واللاذقية وحلب نفسها، كانت التظاهرات تنطلق في العديد من المدن الأوروبية استنكاراً لمذابح حلب. نستطيع القول إن من أشعلوا الشموع، ومن هتفوا أو رفعوا لافتات التنديد، هم أكثر ممن غنى ورقص، وهم أكثر قيمة لأن غالبية منهم كانت مدفوعة بإخلاص إنساني، بخلاف بربرية المنتصرين هنا وهناك.

هل أوقفت التظاهرات، القليلة على أية حال، المذبحة؟ وهل ستوقف المذابح المقبلة؟ وهل نسبة الغربيين الذين تظاهروا معتبرة قياساً بنسبتهم في مناسبات أخرى «أقل أهمية»؟ ماذا عن الشعوب العربية التي لم تتحرك خلافاً لسياسات حكوماتها؟ وماذا عنا، نحن السوريين، وهل فعلنا أفضل ما يمكن فعله؟

قد تقفز هذه الأسئلة السهلة وما يشابهها إلى الأذهان فوراً، لا يقل عنها استسهالاً الجزم بانحدار العالم إلى حضيض غير مسبوق، أو القول تخفيفاً أن العالم كان دائماً على هذه الشاكلة من البربرية. لدعم تلك الأقوال، توجد مذابح كافية على مر العصور، وأهمها في القرن الماضي الذي يُصنّف بأنه الأكثر دموية من حيث عدد الضحايا، وأيضاً من حيث الاستحواذ الحثيث على أسلحة الدمار.

ونحن في خضم المذبحة، وهي مستمرة قبل حلب وبعدها، يحق لنا انتقاد العالم، يحق لنا رثاء الإنسانية. القول بأن الأخيرة تعبير عما لم يوجد أصلاً لا يمنح عزاء أفضل، هو مصمم لتعزيز اليأس تحت ادعاء الحكمة، ولتعزيز سلطة القوة تحت وهم امتلاكها يوماً، والانضمام إلى ناديها على حساب ضعفاء آخرين. لذا، ما يحمّل انتقاد العالم قيمة يفتقدها الآن هو عدم الوقوع في قدرية سوداء، لأنها تعني في ما تعنيه الهباء المطلق إنسانياً، وتقود في ما تقود إلى العدمية السياسية، يمثلها إرهاب لا يبتغي أكثر من التعبير عن مظلومية ما.

لا بأس في رؤية الواقع من زاوية أخرى، لقد خرجنا كسوريين إلى العالم فجأة، لم نكن طيلة خمسة عقود معروفين كمجموعة بشرية سوى من محيطنا الإقليمي، وحال غالبيته ليست أفضل من حالنا. تحت ستار التعتيم ذاك، كانت تنتعش مختلف أنواع التنميط بين السوريين أنفسهم، وبينهم وبين جيرانهم أيضاً. تنميطنا غربياً لم يكن خارج السياق، سياق عدم المعرفة، وسياق العداء الموروث بين ضفتي العالم القديم.

ثمة عتب محق على شعوب الغرب، إذا انطلق من واقع التلازم المفترض بين الحرية والإنسانية، وهو يقتضي مراجعة ما ادعيناه طويلاً من الإنسانية. الإنسانية تكتسب شرطها هنا من إطلاقها، لا من تلك الإنسانية العصبوية، دينياً أو قومياً أو مذهبياً. هذه الإنسانية عبّر عنها بعض الغرب في التظاهرات التي انطلقت في عديد من المدن الأوروبية من أجل حلب، في الحرب على غزة أيضاً حدث أمر مشابه. في الحرب على نظام صدام، كانت التظاهرات أكبر عدداً وأوسع انتشاراً، لأنها التبست بالسياسة وباستعداد حكومات الغرب للحرب، أي لأنها صارت شأناً داخلياً، وأيضاً لأن العالم كان قد ودع للتو حرباً عالمية باردة ويتوق إلى الاستراحة من الحروب كافة.

اليوم، بينما يتقدم اليمين في عموم الغرب، سيكون من الواجب الأخلاقي تثمين إنسانية الذين تظاهروا من أجل حلب في مدنه، على قلتهم. في وجه بربرية يُراد اعتبارها شأناً عادياً، هؤلاء في طليعة الحلفاء، لأنهم ببساطة أحرار في مجتمعات حرة. قد نقول كلاماً آخر في نقد الأنظمة الغربية نفسها، وقد نقول كلاماً أيضاً في فصلٍ تقيمه النخبة السياسية بين مكتسباتها الداخلية وما ترى الشرق جديراً به. لكن أولئك الغربيين الذين تظاهروا، وأعداداً أكبر من الذين احتضنوا اللاجئين، عبر عقود والآن، ليسوا ملائكة ولا قديسين، ببساطة هم الذين لولاهم لكان اليأس أعمّ، ولكانت العدمية تجد مبررات أقوى لتدمير الكوكب.

ما يُقال اليوم عن تراجع المستوى الأخلاقي فيه أحكام يجدر أن توضع تحت النقد، فالعالم لم يكن أفضل حالاً عندما هُجّر الفلسطينيون، القضية الفلسطينية تقدمت عبر عقود في الغرب، وصورة إسرائيل تراجعت، بل تدهورت في بعض الأوساط. القضية السورية نالت من الاهتمام ما لم تنله مذابح رواندا وبوروندي، وصورة بشار ونظامه تفوق بشاعة تلك الصورة التي كانت لنظام الأبارتيد في جنوب أفريقيا.

بالتأكيد هناك هوة بين المعرفة والفاعلية، فضلاً عن نقص في الأولى، هذا ربما يحتاج إلى وقت وإلى تراكم في الخبرات، ففي ظل الانقسامات السياسية والثقافية، والتلويح بصراع الحضارات، لن يأتي التضامن سريعاً على قدر الآمال.

في السنوات الخمس المقبلة، على الأقل، هناك معارك ستُخاض في الغرب ضد اليمين العنصري الحاكم. كونها لن تُخاض لأجلنا، فذلك لا يعني أننا لن نتأثر بنتائجها، وكون بعض الذين سيخوضونها لا يكنّ مشاعر إيجابية تجاهنا، فهذا لا يعني النظر إليها بعدم اكتراث. بالأحرى، من أجل جميع معاركنا، نحن معنيون بما يحدث في منطقتنا وفي الغرب، ومن دون الأخير وتدخّله المنشود لن تُحل قضايا المنطقة، وسيُسحق فيها الجميع لمصلحة من يملكون القوة أو من يستقوون بقوى خارجية بديلة عن الغرب.

بخلاف ما يُشاع، العتب على العروبة أو على الإسلام، بسبب التخاذل عن نصرة قضايانا، هو عتب الضعفاء على الضعفاء ثانياً، وقبل ذلك، عتب مبني على عصبوية لم يحدث أن أدت إلى أفق إنساني مطلوب أكثر من أي وقت مضى. لا العتب ولا التبرؤ لهما محل من الواقع، طالما تقاسمت هذه الكتلة انعدام الفاعلية نفسه، وروح القبيلة نفسه، والانغلاق النفسي والثقافي ذاته. العتب على الغرب من هذا المنطلق هو النفاق، لا ما يُروّج حتى عن نفاق الغربيين وهم يتضامنون من أجل قضايانا.

بالتوازي مع مقتلتنا، كانت البربرية المشرقية هي الصاعدة، البربرية الروسية والإيرانية مدعومتين بالصين، مع تواطؤ أميركي على تهميش الغرب التقليدي، تواطؤ لا نعرف مدى تأثيره في إمكان انهيار الاتحاد الأوروبي ككل. نحن وأوروبا أكبر المتضررين من البربرية الصاعدة، ربما يكون هذا امتحان «العالم القديم» بشطريه، حيث لا تتوقف مسؤولية كل جهة عند حدودها كما يريد متطرفون على الجانبين.

=======================

حلب.. و «إسلامية» تركيا .. وائل مرزا

المدينة

الاحد 18/12/2016

حلب.. و «إسلامية» تركيا هل يحكم تركيا اليوم «إسلاميون»؟ إذا كان الأمر كذلك، كما هو شائع، هل هناك علاقةٌ، في رؤيتهم السياسية، بين السياسة الخارجية و»الإسلام»؟ إذا كانت العلاقة موجودة، كما يعتقد كثيرون، ماهي القيم والمحددات «الإسلامية» التي صَدَرت وتَصدُرُ عنها السياسةُ الخارجية التركية، فيما يتعلق بسوريا وثورتها؟ وهل كان هناك ثمة تقديمٌ وتأخير لأولويات تلك القيم والمحددات، أو تغييرٌ فيها، خلال خمس سنوات ونصف من عمر الثورة السورية، من أيام اجتياح النظام لحماة، مروراً بإعادة العلاقات مع كلٍ من روسيا وإيران وإسرائيل، وصولاً إلى «سقوط» حلب في يد نظام الأسد؟

تتكاثر هذه الأيام الدعوات إلى استخلاص الدروس والعبر من المشهد الأليم في حلب، خاصةً في صفوف الإسلاميين، والسوريين منهم تحديداً. لكن الأسئلة الكبرى المذكورة أعلاه تبدو غائبةً عن الصورة، الظاهرة على الأقل. يحصل هذا رغم أن لدى هؤلاء أسئلةً أخرى، تبقى مدفونةً في الصدور، لأسباب معروفة. والحقيقة أن الوضع الراهن لايصيبهم هم فقط بحرجٍ كبيرٍ جداً، وإنما هو حرجٌ يتجاوزهم إلى دوائر واسعة من العرب والمسلمين. لنا أن نتخيل، مثلاً، ماكان يُمكن أن يُقال لو أن أي دولةٍ عربيةٍ أو إسلامية أخرى بادرت إلى إقامة علاقات سياسية واقتصادية مع روسيا وإيران وإسرائيل، بنصف درجة علاقات تركيا بتلك الدول اليوم. لنا أن نتخيل مايُمكن أن توصف به تلك الدولة، وكيف سيتعامل معها الفكر السائد وأهله، نفسياً وإعلامياً على الأقل.

لهذا، قد ينتج عن الحديث في هذا الموضوع، بوضوحٍ وصراحة، درسٌ استراتيجي، هو في النهاية أحد أهم الدروس المُستخلصة من الحال الراهن.

فعلى مدى السنوات الماضية، تَصاعدَ الحشدُ النفسي والفكري في تلك الدوائر، عربياً تحديداً، ليس فقط لتأكيد حقيقة «إسلامية» الحكومة التركية، وإنما أيضاً لحتمية قيادتها عالَماً إسلامياً سُنياً، بغض النظر عن كل دوائر الانتماء الأخرى، وعن المعادلات السياسية والاقتصادية والعسكرية التي تحكم الإقليم والعالم. بل إن جوهر «الإسلامية» المذكورة، لدى الغالبية العظمى ممن حملَ الفكرة ودعا لها، كان لايتمحور، فقط أيضاً، على التجاهل الكلي لتلك الانتماءات والمعادلات، بل وعلى مواجَهتها ومُحارَبتها ومعاندة كل مقتضياتها، وماتفرضهُ من وقائع عملية على أرض الواقع وفي حياة الناس.

كان هذا ينبثق مما سميناه في مقالٍ سابق ب تلبيس تركيا «طربوش» الخلافة التي ستحل، بالنيابة، كل المشاكل، وتعالج، بالوكالة، كل الأزمات. كان جوهرُ «إسلامية» حكام تركيا، في نظر كثيرٍ من السوريين والعرب والمسلمين، ناتجاً عن «تفكيرٍ رغائبي» ينبع، جزئياً، من مشاعر القهر والعجز الذاتي، لكنه كان، من ناحيةٍ أخرى، ولايزال، تجلياً لأزمةٍ مستمرةٍ في فهم الإسلام ذاته، وفي كيفية التعامل مع الواقع البشري من خلاله.

ربما انساقَ أتراك «العدالة والتنمية» أنفسهم، لوهلةٍ، في إطار التفكير الرغائبي المذكور، ومايفرضه على أصحابه نفسياً وفكرياً وعملياً من مقولات وممارسات. نترك هذا للتاريخ

وللأتراك. لكن المؤكد أنهم تجاوزوا الموضوع مع تتالي الأحداث والوقائع خلال سنوات الثورة السورية، وتحديداً في الأشهر الستة الماضية.

حسب صحيفة المونيتور التركية، ونقلاً عن موقع «ترك برس» المتخصص في الشؤون التركية: «بحجم تجارة ثنائية يصل إلى 8 مليارات دولار تُعد إيران الآن أكبر شريك إقليمي لتركيا. وبسبب انخفاض أسعار الطاقة العالمية فإن تركيا التي تشتري النفط والغاز من إيران وفرت 600 مليون دولار من جارتها الشرقية»، والعراق «يشتري منتجات تركية بقيمة 6,5 مليار دولار»، أما إسرائيل فقد استوردت «بضائع تركية بقيمة 2,5 مليار دولار في الأشهر العشرة الأولى من هذا العام».

إذا قرأ الساسة الأتراك الواقع من هذا المدخل، مع الأخذ بعين الاعتبار انقلاب تموز وأعمال الإرهاب في تركيا وانخفاض الليرة، فإن الحسابات «الإسلامية» للترجيح بين المصالح الآجلة والعاجلة، والعامة والخاصة، ستكون مختلفة لديهم عنها لدى آخرين. هل هذا صوابٌ أم خطأ؟ قد يكون البحث في ملابسات هذا السؤال مدخلاً أكثر واقعيةً للبحث في سؤال «الإسلامية» من عدمها، نهايةَ المطاف.

=======================

ماذا بعد حلب؟ .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 17/12/2016

لا جدوى من المكابرة، فالوضع بعد حلب لن يكون كالوضع قبلها. ولا مفرّ من الاعتراف بأن عودة النظام إلى المدينة المفتاحية تطورٌ مفصلي، يمكن أن يأخذنا إلى ما لا تحمد عقباه، بما قد ينتجه من تبدل شامل لصالح التحالف الأسدي/ الروسي/الإيراني. لم يعد ممكناً، بعد حلب، السكوت على الأسباب التي أدت إلى ضمور حاضنة الثورة الشعبية، وقبولها هدناً محلية، رفعت حتى الغطاء السياسي عن التنظيمات التي كانت تدافع عن قراها وبلداتها ومدنها، وأظهرت عيوب فصائليتها وعجزها عن مواجهة آلة الحرب المعادية، بعد نكساتها وهزائمها التي إن استمرّت في التراكم، تحولت إلى هزيمةٍ مفصلية. من غير الجائز بعد حلب تجاهل احتمالات وقوعها، أو مواجهتها بأقلّ مما تتطلبه من اهتمام صادق، بالنظر إلى ما سيترتب عليها من أبعاد داخلية وعربية ودولية على الصعيد السياسي، وخصوصاً في ما يتصل بفرص الحل السياسي، والصعيد العسكري الذي تكثف الصراع السوري فيه، مذ غزا الروس والإيرانيون بلادنا، وطردوا بالقوة معظم شعبنا من وطنه، وتوقفت مظاهراته السلمية المطالبة بالحرية.

ثمّة أسئلة تطرح نفسها علينا، تتوقف مرحلة ما بعد حلب على طريقة ردنا عليها، أهمها:

1- هل ستتم المبادرة فوراً إلى العمل لبناء قيادة تستطيع اتخاذ قرارات وطنية، تقبل أطراف العمل السياسي والعسكري خياراتها؟ من دون هذه القيادة التي سيكون هدفها تحقيق مشروع "الحرية للشعب السوري الواحد"، ستستمر الفوضى والعشوائية المدمرة التي قادت واحدة من أعظم ثورات التاريخ إلى مشارف الهزيمة.

2- هل سيقبل المقاتلون عموماً، والمتأسلمون منهم خصوصاً، التخلي عن مشروعهم السياسي المجافي لمشروع الثورة، والمغلف بأدلجةٍ مذهبيةٍ لا علاقة لها بالإسلام أو الحرية ووحدة الشعب، عبّر عنها نمط التنظيم العسكري الفصائلي الذي تبنته، ويُمنى، منذ أكثر من عام، بهزائم تتلاحق في كل مكان؟ وهل سيوافق هؤلاء على اعتماد أنماطٍ من التنظيم تستطيع امتصاص ضربات الأعداء واحتواء تفوقهم، والأخذ باستراتيجيةٍ دفاعيةٍ، تحمي ما بقي من مناطق خارج أيدي النظام: من أرياف حلب إلى ريف حمص الشمالي، وصولاً إلى حوران ومناطق الساحل، على أن تترجم إلى هجمات تكتيكية تغطي مساحة سورية وتستنزف الأعداء، تنفذها، إلى جانب قوى المقاومة المتوفرة اليوم، قوى جديدة يتم تجنيدها في مخيمات ومهاجر السوريين التي تضم أربعين بالمائة من الشعب، ويتوقف مصير الثورة على انخراطهم السياسي والعسكري في العمل الوطني، وإخراجهم من العطالة الراهنة وبؤسها؟

3- هل سيتحول "الائتلاف" إلى القيادة الثورية المطلوبة، بما يتطلبه تحوله من بنى وعلاقات مغايرة لبنيته وعلاقاته الحالية التي جعلت منه جسماً بارداً ومعطلا، يفتقر إلى مستلزمات القيادة الثورية، وإلى البرامج الضرورية لقيادة ثورة شعبٍ ممزقٍ ومشتت، يواجه مهمةً معقدةً هي إنجاز ثورة مركّبة، يتداخل فيها بلوغ الحرية والتخلص من النظام الأسدي مع تحرير الوطن من الاحتلالين الروسي والإيراني، وهذه مهمةٌ يستحيل بلوغها من دون سياسات استباقية مترابطة برنامجيا، تحل محل السياسات الراهنة التي يمارسها "الائتلاف"، اللحاقية والمتقطعة، والضعيفة التأثير؟

4- هل ستبنى القيادة المطلوبة، بالتعاون مع بقية أطراف العمل الوطني، بالتلازم مع إنجاز مراجعة شجاعة وواقعية لمسار السنوات الماضية، تحدّد الأخطاء وأسبابها، وتصلحها من دون مراعاةٍ لأي طرف، لتعيد إلى الثورة سلميتها وهويتها فعل حرية للشعب السوري الواحد، وتحرّرها من الإرهاب والمذهبية؟ أخيراً، هل ستنجح القيادة الجديدة في وضع استراتيجية لثورة طويلة الأمد، وإيجاد التوسطات والعلاقات التي تترجمها إلى واقعٍ يصعب على أحد تخطيه، أو مواجهته.

5- هل ستغدو الوطنية السورية بأسسها الجامعة رافعة الأنشطة المتنوعة والنضالات السلمية، وهل ستنجح القيادة الجديدة في تجديد الحراك المجتمعي، الذي كان جوهر الثورة، وعطله الترحيل والتهجير والتجويع والقصف الإجرامي من جانب، والنهج المذهبي من جانب آخر، ويرتبط مصير الثورة من الآن فصاعدا باستعادته؟.

لا يجوز أن يكون ما بعد حلب مماثلاً لما كان قبلها. إذا فهمنا درسها وواجهناه، من دون حساباتٍ جانبية، خرجنا من الفوضى واستعدنا ثورتنا الأصلية. أما إذا "طنّشنا"، فإننا نسهم في قتل ثورةٍ ضحّى ملايين البشر بحياتهم، من أجل انتصارها، ونحقّق ما يريده الأسد وروسيا وإيران من جهة، والمذهبيون وحماتهم من جهة أخرى، وخرجنا من التاريخ، وزال وطننا من الوجود.

========================

اعتراف واعتذار إلى الشعب السوري .. سميرة المسالمة

العربي الجديد

السبت 17/12/2016

أتقدّم بهذا الاعتراف إلى الشعب السوري العظيم الذي أفتخر بالانتماء إليه، والذي دفع أثماناً باهظةً من عمره وعمرانه، عذاباتٍ وتضحياتٍ وتشرّداً، لإسقاط نظام الفساد والاستبداد، وفي سبيل نيل حريته، واستعادة كرامته في دولة مدنية وديمقراطية، دولة مواطنين أحرار ومتساوين.

هذا مقال أعتذر فيه لهذا الشعب الأبيّ عدم استطاعتي القيام بما توجبه عليّ مسؤوليتي نائباً لرئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، أو بوصفي مشاركةً في هذا الكيان السياسي للمعارضة، وذلك لأسباب خارجة عن إرادتي وإرادة السوريين الأحرار الموجود بعضهم داخل هذا الكيان.

أودّ، هنا، أن أصارحكم بأوجه القصور التي تكتنف عملنا في المعارضة، لاعتقادي أن هذا حق لكم، ولإيماني بضرورة إخضاع كياناتنا وخطاباتنا وأشكال عملنا للمراقبة والنقد والمحاسبة. وأيضاً لإيماني بخطأ إحالة أوجه القصور إلى الظروف الموضوعية أو الخارجية وحدها، لأن ذلك ينطوي على التبرير والتلاعب والتخليّ عن المسؤولية السياسية والأخلاقية أمام شعبٍ يعيش المآسي، ويسطّر التضحيات، ويقدّم مدينة إثر أخرى، قرباناً لهذه الحرية التي خرج من أجلها. وإذا كنا اليوم أمام مشهد حلب الدامي، فقد سبقته مشاهد مدن وقرى، من درعا مدينتي مهد الثورة إلى حمص وإلى ريف دمشق وإدلب.

لا أتوخّى من إعلان هذا الإقرار على الرأي العام مكسباً ذاتياً، أو تحقيق مكانةٍ خاصة، إذ من واجبي السياسي والأخلاقي وضع شعبنا في صورة ما يجري، ووضع نفسي تحت طائلة المحاسبة، وأعتقد أن هذا يُلزم كل زملائي في المعارضة بأن نواجه أنفسنا بهذه الأسئلة: لماذا عجز "الائتلاف" عن تعزيز مكانته في مجتمعات السوريين في الداخل والخارج؟ لماذا لم يستطع استيعاب كل المكونات السياسية للسوريين؟ هل تعبّر تشكيلته حقاً عن واقع الثورة السورية؟ وهل يلبّي حاجةً ما لهذه الثورة في وضعه، أو تركيبته الراهنة؟ ثم ما الذي أضفناه أو فعلناه أو أثّرنا به أفراداً أو هيئةً فيه؟ لماذا بقي غير قادر على إيجاد موطئ قدم له في "المناطق المحرّرة"؟ ولماذا ظلت علاقاته مع الفصائل العسكرية محدودةً أو لا تعني شيئاً؟ وما الذي جنيناه من الارتهان لإرادة هذه الدولة أو تلك؟

أعرف أن هذه أسئلة صعبة ومعقدة، وأعرف أن الظروف الدولية والإقليمية والعربية ضاغطةٌ

"آن لهذه الطبقة السياسية في المعارضة السورية أن تعتذر لشعبها وأن تتنحّى"  علينا، ولكنني أعرف أنه كان في وسعنا لو توفرت الإرادة الصادقة، والعزيمة القوية، والرؤية الموضوعية والمخلصة، أن تكون أوضاعنا أحسن حالاً، وأن تكون إجابتنا على تلك الأسئلة والتحديات أفضل بكثيرٍ مما نحن عليه.

لأجل ذلك كله، لأجل الشهداء والجرحى والمصابين، ولأجل المحاصرين والمشردين، أعتقد أن واجبنا في "الائتلاف" أن نجري مراجعةً نقديةً شجاعةً ومسؤولةً لمسيرتنا، وأن نضع هذا الكيان تحت طائلة النقد والمساءلة والمحاسبة، فلا أحد معصومٌ من الخطأ، فالحركات السياسية الحيّة والمسؤولة، والواثقة من ذاتها، هي التي تحاسب نفسها أمام شعبها. أقصد مراجعةً صادقةً وجادةً ومجديةً، وليس كما جرى في اجتماع الهيئة العامة للائتلاف، في دورةٍ سميت باسم حلب، أهم حاضراتنا التاريخية والاقتصادية، ثم خرجنا بخفيْ حنين، حتى عجزنا عن استصدار بيانٍ نحدّد فيه موقعنا من جبهة فتح الشام (جبهة النصرة سابقاً).

أبدأ حديثي، أولاً، عن واقع "الائتلاف" الذي هو نتاج ورهن المكونات التي وُجدت فيه، بمعزل عن تمثيله مجمل قوى المعارضة، أو حجمها في المجتمع، وهي مكوناتٌ ضعيفة الفاعلية، ومحدودة التمثيل، وتفتقر للتجربة، والسبب معروفٌ، وهو أن النظام حرّم الحياة الحزبية، ومنع السياسة. أيضاً، هذه المكونات شكّلت هيئةً ناخبة من حوالي مائة شخص، حصرت تمثيل الشعب فيها، محوّلة بذلك "الائتلاف" إلى كيان مغلق، ما يتنافى مع أبجديات السياسة، وضرورات تشكيل أوسع كيان تمثيلي معارض، وحيازة أوسع قاعدة شعبية. وقد شهدنا أن هذا الوضع أضرّ بالثورة، ولم يفد المعارضة، وجعل "الائتلاف" كياناً جامداً لا روح له، ويفتقد المبادرة والكفاءات والمصداقية أمام شعبه، وأمام الرأي العام العالمي، فضلا عن تحول بعضه إلى جهاز موظفين تابعين لهذه الدولة أو تلك، أو هذا المكون أو ذاك.

ثانياً، لم أشهد خلال عملي في "الائتلاف" أننا نشتغل كفريق، فنحن، في الحقيقة، بمثابة موظفين نفتقد للروح المؤسّسية. ولا تتناسب اللوائح الداخلية مع كوننا حركةً ثورية، كما أننا نفتقد أبجديات العمل السياسي، وفهم معنى أن "الائتلاف" بمثابة قيادة لثورة شعبٍ هدفها إسقاط نظام استبدادي. وهذا كله يفسر كيف أننا لم نستطع أن نبني كياناً بديلاً، ولا كياناً قابلاً للتطور، فنحن أيضاً نعاني التفرّد في القرارات، وبات عملنا في أغلبيته يقتصر على إصدار البيانات العقيمة، والإدانات الأخلاقية.

ثالثا، ما زالت خطاباتنا تقوم على ردود الفعل، بل إننا لم نسهم في تشكيل الخطاب السياسي 

"ما تقدّم ليس اعتذاراً فحسب، بل هو دعوة جادة لنا جميعاً، لنتراجع حيث يجب أن يتقدّم الأفضل والأكثر قدرةً على العمل" للثورة، ونجامل في الخطابات التي تصدرها بعض الفصائل العسكرية، بدلاً من بذل الجهود لمحاورتها، وجذبها إلى خطابٍ يتأسس على إقامة دولة مواطنين ديمقراطية، تراعي التنوّع والتعدّدية في مجتمعنا السوري، بعيداً عن الرؤى الضيقة، والحسابات الفصائلية والطائفية. الأخطر من ذلك أن "الائتلاف" لم يقم بواجبه بكشف جبهة النصرة، أي كشف فكرها التكفيري، ونهجها الإرهابي، بما في ذلك تسلطها على مجتمعات السوريين التي تحرّرت من سيطرة النظام، واعتداءاتها على الجيش الحر وفصائل المعارضة الأخرى، وتنكيله بالنشطاء الأحرار، وهو، في ذلك كله، أضرّ نفسه، وأضرّ صدقية الثورية السورية.

رابعاً، لا بد من كلمةٍ عن الإجحاف الواقع في حق المرأة في هيئات المعارضة، وعن النظرة القاصرة لمكانتها ودورها، على الرغم مما قدمته من تضحيات وبطولات، تشهد لها مسارات الثورة، لاسيما أشهرها الأولى، وهذا أمر ينبغي تداركه.

خامساً، للأسف، لم نستطع في "الائتلاف" أن نقدّم مقاربةً مناسبةً للقضية الكردية، تستوعب حقوقهم، ليس الفردية فحسب، وإنما حقوقهم كجماعة قومية أيضا، هذا أضعف من قدرتنا على استقطاب الكرد جميعهم، من دون أن يعفي بعض الفصائل الكردية من مسؤوليتها على ذلك.

سادساً، لم ينجح "الائتلاف" في استقطاب المثقفين والفنانين والمبدعين السوريين الذين يشكلون رافعةً صلبةً للثورة، وتشكيل هويتها ورموزها ومفاهيمها، بحكم ضعف إدراكه أهمية هذه الفئات، وأهمية تأثيرها في المجتمع. بل ولأن بعض المشاركين به ينظرون بعين الريبة تجاه خطاب المثقفين، لأنه كاشفٌ جهلهم.

باختصار، عجزنا عن ترسيخ "الائتلاف" كياناً للثورة السورية، وكياناً جامعاً للسوريين. فشلنا على مختلف الأصعدة، على صعيد التمثيل، والدور الثوري، وعلى صعيد تقديم النموذج. لذا، آن لهذه الطبقة السياسية في المعارضة أن تعتذر لشعبها، وأن تتنحّى، وأن تتيح المجال لغيرها، ليقوم بما يفترض أن يقوم به.

ما تقدّم ليس اعتذاراً فحسب، بل هو دعوة جادة لنا جميعاً، لنتراجع حيث يجب أن يتقدّم الأفضل والأكثر قدرةً على العمل، حسب معايير الشعب السوري، وليس حسب معايير لجان داخل هذه الكيانات، ومنهم الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، الذي عجز حتى عن تمثيل اسمه.

========================

موقفنا : بوتين ليس يسوع المخلص .. بوتين هو المجرم القاتل .. زهير سالم

17 / 12 / 2016

مركز الشرق العربي

أخطر شيء في صفقة حلب المريبة تقديم بوتين إلى الرأي العام العالمي ، وإلى المستضعفين السوريين في صورة ( المخلص يسوع ) . بوتين في الحقيقة التي يجب أن تكرس فلا تنسى ولا تُمحى هو المجرم القاتل . هو من احتل سورية ، وقتل إنسانها ، ودمر عمرانها ، وتصدى وما يزال لثورتها ولتطلعات أبنائها .

وبوتين إذ يفرض حلا على السوريين فهو يفرض حل بشار الأسد  بعشرات الألوف من الغارات ،  ترمي حلب بل سورية وأهلها بكل أنواع الأسلحة المحرمة دوليا ، وترمي الأرض السورية بأراذل البشر من شيعة مشحونين بالطائفية والحقد والكراهية ، ثم يتحدث عن حل بحزمة من الصفقات المريبة مع كل الذين لم يستنكروا صراحة احتلال الروس لسورية ، ولم يثر اشمئزازهم تدمير الروس لحلب ..

المنكر الأكبر الذي يروج له المروجون أن ( محور بوتين ) اليوم يضمن وقف النار، ويضمن خروج المهجّرين ،  ويضمن الحل البوتيني لسورية ولأهلها ، ولا يزال بعض السكارى في سكرتهم يعمهون .

 أي حل سيكفله بوتين ومحوره  للسوريين ؟!  السوريون الذين فقد بعضهم أمام هول الفاجعة ، رشدهم وأضاعوا بوصلتهم وجلسوا ينتظرون ، ومازالوا يؤملون ويحلمون بحل سياسي دائم وشامل ، يزعمون لهم أنه لا يغمط دماء الشهداء ، ولا تضحيات الأبرياء ...

الموقف الذي يقفه السوريون اليوم  ليس موقف قيل وقال . ولو استمر من يدعون رجال الفكر والرأي وأصحاب العزيمة من رجال سورية على هذا المنوال  من التلاشي والتواري وغياب الرشد ، والإخلاد إلى الأرض ، والرضا بالدون ، والانتظار لما يتصدق به الآخرون ؛ لتساومنّهم فصائل الولي السفيه ، وعصابات المجرم بشار في الغد القريب على معاقد أزرهم ، وعلى أخص خصوصياتهم  ، علموا هذا أو غمغموه ..

وليكن واضحا ، ولنجهر جميعا بكلمة الحق : حلب لم تسقط ، حلب أسقطت بفعل فاعل . بمخطط أمريكي – روسي – إيراني – إقليمي ..

حلب أسقطت  وهذه حقيقة واضحة ناصعة ، وإن لم توضع المسئوليات في أعناق أصحابها اليوم ، فإن التاريخ لن يرحم السادرين الذين لا يزالون مشغولين بما في المخلاة  .

تحديد المسئولية ليس للإدانة فقط ، وتحديد المسئولية ليس لإعلان البراءة فقط ، تحديد المسئولية له هدفان استراتيجيتان : الأول التوقف عن الانخداع . عن حسبان غير الصديق صديقا ، والتعويل عليه . والانتظار منه  . والثاني إعادة وضع الاستراتيجيات العملية للثورة على صح باقي الحلفاء والأصدقاء الحقيقيين والجادين . هذا إن وجدوا .  وإذا حاصر السوريين  نداؤهم الأول ( ما لنا غيرك يا الله ) فعليهم أن يقنعوا به ، ويؤسسوا على أساسه . وأن يتوقفوا عن خداع النفس ، والغرور بما لايبنى عليه  ، في طريق نعبدها ونعمدها بالدموع والدماء .

بوتين أيها المجرم القاتل لست يسوعا المخلص وكل من حولك إنما هو اسخريوطي جديد ...

*مدير مركز الشرق العربي

========================
حلب و«المجتمع الدولي»: مطاحن الإجرام والتواطؤ والنفاق .. صبحي حديدي

القدس العربي

السبت 17/12/2016

خضعت حلب في الآونة الأخيرة إلى عدوان همجي منظّم  ضدّ البشر والحجر والزرع والضرع، سيان  وحرب تدمير شاملة، وتطهير وتهجير؛ اشتركت في إدارته وتنفيذه قوى عظمى دولية (روسيا)، وأخرى إقليمية (إيران)، وميليشيات مذهبية («حزب الله» وعشرات العصائب والألوية)، فضلاً عن بقايا ما تبقى من أجهزة النظام السوري وميليشياته. وهذا العدوان، في واحدة من سماته الكونية على الأقلّ، هو مثال جديد على عدد من الأمثولات العتيقة المتكررة، التي تصنع تاريخ النظام الدولي المعاصر، أو ذاك الحديث والحداثيّ بأسره لمن يشاء؛ وتنتج، وتعيد إنتاج، أخلاقياته ومعاييره وخطاباته وعلاماته.

ويكفي الآمل خيراً في هذا النظام أن يستعرض مظاهر الشدّ والجذب في أروقة الأمم المتحدة، واجهة ذلك النظام الرسمية؛ وفي عواصم عالمية ذات سلطة وقرار في تحريك النظام، مثل واشنطن وموسكو ولندن وباريس وبرلين. وفي المقابل، توفرت ردود أفعال مختلفة الطبيعة، في شوارع هذه العواصم وعلى مستوى تظاهرات الاحتجاج الشعبية ومنظمات المجتمع المدني؛ لا تذهب على نقيض حال الجمود والشلل التي عاشتها الحكومات، فحسب؛ بل تفضح، كما تكشف عورات، أكذوبة كبرى شاع استخدامها لدى القائلين بوجود، ثمّ إمكانية، إدامة هذا التكاذب المديد المفتوح، حول مسمى «المجتمع الدولي».

مصيبة هذا المسمى، الذي بدأ غائماً وغامضاً وهكذا يواصل البقاء، لا تقتصر على ارتداده إلى سلوك سابق مكرور أثبتت الوقائع إفلاسه وعواقبه الوخيمة فقط؛ بل، كذلك، في أنّ الارتداد ينطوي على الانحطاط أكثر فأكثر، نحو عواقب أشدّ أذى وأبعد أثراً. وفي الماضي كانت صيغة ال»كليشيه» المعتادة، عند اندلاع حروب إقليمية، تبدأ من مطلب وقف إطلاق النار فوراً؛ إنْ لم يكن بدافع النفاق ورفع العتب، فعلى الأقلّ بغية إفساح المجال أمام القوى الكبرى المعنية ببعض أو جميع أطراف الاقتتال (وهي، دائماً وأبداً، معنية بالضرورة!) كي تتساوم وتتفاهم وتتفق.

وهذه المرّة، لأنها تشارك في الحرب ضد حلب وفي تدميرها، ترفض موسكو وقف إطلاق النار، وتساندها الصين في الرفض، وتستخدم العاصمتان حقّ النقض لتعطيل قرار، هزيل أصلاً؛ وفي المقابل، لا تُسمع من أمريكا، القوّة الكونية الأولى، سوى تلك الجعجعة الأثيرة، التي بلا طحن. وكان في وسع المندوب الروسي لدى مجلس الأمن أن يذكّر زميلته المندوبة الأمريكية بتاريخ واشنطن الطويل في استخدام ال»فيتو» إياه، ضدّ وقف إطلاق النار خلال العدوان الإسرائيلي في جنوب لبنان، عام 2006، مثلاً. كان في وسعه، أيضاً، أن يذكّر زميله المندوب البريطاني بما فعلت بلاد الأخير في المثال إياه؛ حين جارى توني بلير، رئيس وزراء بريطانيا يومذاك، رغبة واشنطن في إسقاط واجب الحدّ الأدنى في الحروب، والمطالبة بوقف إطلاق النار.

من جانب آخر، أثبت الموقف من العدوان البربري على حلب أنّ أوروبا العملاقة الموحدة، القارّة العجوز العريقة وأمّ أنظمة الاستعمار وفلسفات الأنوار وأنظمة لديمقراطية في آن معاً؛ عاجزة تماماً عن اعتماد سياسة خارجية مستقلة قيد أنملة عن تلك السياسات التي تعتمدها الولايات المتحدة، مؤقتاً أو على المدى الستراتيجي، إزاء سلسلة طويلة من الملفات الدولية الشائكة، وعلى رأسها قضايا الشرق الأوسط بالطبع. الردّة، مع ذلك، أكثر فضائحية في مواقف القادة الأوروبيين، الذين أعادوا تذكيرنا بآخر مناسبة مماثلة لإعادة إنتاج المنتج القديم، في هيئة انحطاط أشدّ فضحاً لمسمّى «المجتمع الدولي».

وكيف تُطوى من الذاكرة المعاصرة، أو من أرشيف مسمّى «المجتمع المدني» ذاته، تلك الوقفة «الحربجية»، أي المناهضة لمفهوم وقف إطلاق النار، التي أتحفنا بها رهط من أبرز قيادات الديمقراطيات الأوروبية (سبعة بالتمام والكمال: الإسباني خوزيه ماريا أثنار، البرتغالي خوزيه مانويل باروسو، الإيطالي سيلفيو برلسكوني، البريطاني توني بلير، التشيكي فاكلاف هافل، الهنغاري بيتر ميجيساي، البولوني لاشيك ميللر، والدانمركي أندرس راسموسن)؛ حين اختاروا صحيفة «التايمز» البريطانية لتوقيع بيان مشترك يدعو إلى الحرب ضدّ العراق. وكيف يُنسى أنّ هؤلاء تجردوا، علانية، من الضمير، ومارسوا قلّة احترام الذات، واحتقار الشعوب، وغضّ البصر عن عذابات البشرية؟

ومن جانب ثالث، في وسع المندوب الروسي أن يردّ على الاتهام الموجه إلى بلاده  في أنها تستخدم مأساة حلب لإعادة تأكيد جبروتها العسكري وتصفية حساب ملفات أخرى مثل أوكرانيا وأسعار برميل النفط والعقوبات الاقتصادية…  عن طريق تنشيط الذاكرة العالمية، والتذكير ب»فلسفة» الولايات المتحدة في غزو العراق. وكان وزير الدفاع الأمريكي الأسبق، دونالد رمسفيلد، قد اعتبر الحرب على العراق فرصة «لاستئصال ازدواجية الموقف الأمريكي من استخدام القوّة، والتي خلّفتها فييتنام»؛ فضلاً عن تخليص البنتاغون من عقدة «الضربات الصاروخية» التي طبعت الحقبة الكلنتونية (والتي سخر منها الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن نفسه). من جانبه كان ديك شيني، نائب الرئيس الأمريكي يومذاك، قد رأى في الحرب على العراق فرصة أيضاً، ولكن لتخليص الوجدان الأمريكي من «أشباح الستينيات: فقدان السلطة الأخلاقية والإحساس بأنّ أمريكا تضمحلّ أو تسير في الطريق الخطأ».

ومن جانب رابع، يستطيع المندوب الروسي تذكير زميلته الأمريكية بالأرقام التي تقول إن أمريكا تنفق على السلاح والجيوش والقضايا الأخرى الدائرة حول فكرة «الأمن القومي» ما يزيد على مجموع ما ينفقه العالم بأسره. وفي المشهد ذاته، قبل نشر عشرات الآلاف من القوّات الأمريكية في مشروع غزو العراق أو بعده؛ كان أكثر من نصف مليون عسكري أمريكي يتمركزون في 395 قاعدة عسكرية كبيرة، ومئات القواعد الثانوية الأصغر، في 35 بلداً أجنبياً. ومنذ الحرب العالمية الثانية وحتى عشية اندلاع حرب الخليج الثانية، أنفقت الولايات المتحدة أكثر من 200 مليار دولار لتدريب وإعداد وتسليح جيوش أجنبية في أكثر من 80 بلداً، أسفرت عن أكثر من 75 انقلاباً عسكرياً، وعشرات الحروب الأهلية التي تسببت في مئات الآلاف من الضحايا.

أخيراً، وفي غمرة ذلك كله، كانت تجري عمليات دائمة من «تصنيع» العدو وتأثيمه إلى المدى الأقصى الذي يبرّر التدخل العسكري، والغزو، والانقلاب، والحرب الأهلية. كانت هذه هي الحال مع سوريا المعاصرة، بعد بناما، مصر، البيرو، البرتغال، نيكاراغوا، التشيلي، جامايكا، اليونان، الدومينيكان، كوبا، فييتنام، كوريا الشمالية، لبنان، العراق وليبيا… وليس مهماً هنا أن يكون العدو إصلاحياً، أو ديمقراطياً، أو اشتراكياً، أو شيوعياً، أو إسلامياً. والولايات المتحدة، آنذاك كما اليوم أيضاً، تنفرد وحدها بموقع رائدة «العالم الحرّ» بامتياز، التي تفرض الثقة أو تحجبها، وتوافق أو لا توافق على هذه أو تلك من التعاقدات الدولية، بصرف النظر عمّن يبرمها.

لكن أجهزتها الأمنية  وتحت ستار «الأمن القومي» الأمريكي دائماً  شاركت في إسقاط أنظمة ديمقراطية أو إصلاحية منتخبة في غواتيمالا، غويانا، الدومينيكان، البرازيل، تشيلي، الأرجنتين، اليونان، أندونيسيا، بوليفيا، وهاييتي. كذلك شاركت الأجهزة ذاتها في مؤامرات خفية، أو عن طريق استخدام المرتزقة، ضدّ حكومات شرعية في كوبا، أنغولا، الموزامبيق، إثيوبيا، كمبوديا، تيمور الشرقية، الصحراء الغربية، سوريا، مصر، لبنان، البيرو، زائير، جنوب اليمن (سابقاً)، وجزر فيجي… وليس الحضور الأمريكي في سوريا، المتضارب بين خيارات وزارة الدفاع والمخابرات المركزية؛ وبين ثلاث مقاربات للمسألة الكردية، في سوريا والعراق وتركيا؛ سوى الوجهة الأحدث لتقلبات ومتغيرات ذلك الستار العتيق: «الأمن القومي».

وهكذا فإنّ حلب اليوم تعيد التذكير بالأمس القريب، مثل البعيد في الواقع، لأنّ سياسات الإجرام والتواطؤ والنفاق تُدار بلا توقف، في إيقاعات جهنمية، داخل مطاحن مسمّى «المجتمع الدولي»؛ حيث الجعجعة بلا طحن، دائماً.

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

========================

ثوراتكم مرفوضة حتى لو شربتم الويسكي والكوكاكولا .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 17/12/2016

تتصاعد الحملة الإعلامية يوماً بعد يوم ضد الجماعات الإسلامية، وتحملها فشل الثوارت في بعض البلدان. ويجادل البعض بأنه لولا دخول الإسلاميين على خط الثورات في سوريا وليبيا والعراق مثلاً لنجحت الثورات، ولما نجح النظام السوري وأمثاله في تأليب العالم على الثورة في سوريا وغيرها كونها تحمل طابعاً إسلامياً دينياً. وهل تعتقدون أن الاستخبارات الدولية تمر عليها ألاعيب المخابرات السورية وغيرها التي حرفت الثورات عن مسارها وحولتها إلى حرب بين الأنظمة والإرهاب؟ لماذا لا نقول إن الجماعات الإسلامية تم إدخالها استخباراتياً على خط الثورات بمباركة الاستخبارات الدولية قبل العربية إذا كان لنا أن نصدق اكذوبة أن الإسلاميين خربوا الثورات؟

لا شك أن هناك ألف عيب وعيب في الجماعات الإسلامية إن كانت فعلاً مستقلة وليست مجرد أدوات، وخاصة على صعيد التناحر والتنافس والتكفير فيما بينها، فعلى الرغم من أن الإسلاميين يرفعون دائماً الشعار الإسلامي العظيم : «واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا» إلا أنهم أكثر من يضرب عرض الحائط بهذا الشعار، فهم لم يدخلوا منطقة إلا وتقاتلوا فيما بينهم، ولم يوحدوا صفوفهم، وتصارعوا على المغانم وإقامة الإمارات بدل أن يرصوا صفوفهم، ويكونوا كالبنيان المرصوص. تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى. لا شك أبداً في أن الجماعات الإسلامية وتشرذمها واختلافاتها الفكرية والدينية جعلت الجميع ينظرون إليها على أنها لا يمكن أن توحد صفوفها، وتملك مشروعاً، وتحقق الأمن والاستقرار فيما بينها، فما بالك أن تحكم المجتمعات وتبني دولاً، وتجمع الشعوب تحت لواء واحد. لا أحد يمكن أن ينكر هذه التهمة الموجهة للجماعات الإسلامية التي فضحت نفسها أثناء الثورات ونفّرت الكثير من الناس حتى انفضوا عنها وفضلوا العودة إلى أحضان الطواغيت بدل أن يلتحقوا بصفوفها. ولا أحد ينكر أن تلك الجماعات ساهمت في تثبيت الطغاة بعد أن قدمت نموذجاً أسوأ من نموذج الطغاة في بعض الأحيان. لكن مع كل هذه الانتقادات للجماعات الإسلامية، فلا يمكن أبداً تحميلها وحدها فشل الثورات أو لنقل تعثرها في بلدان الربيع العربي. لا شك أن الإسلاميين أخطأوا، لكنهم ليسوا المسؤولين الوحيدين عن مآلات الثورات ونتائجها فيما لو كانوا فعلاً ثوريين صادقين وليسوا مجرد طابور خامس في أيدي القوى الدولية. من السخف القول إن الغرب توقف عن دعم الثورات بعد أن دخل على خطها الإسلاميون أو خطفوها. لا أبداً. ربما استغل البعض ارتداء بعض الثورات ثوباً إسلامياً كي يشيطنها ويتوقف عن دعمها، أو يقف ضدها، لكن السبب الرئيسي في امتناع الغرب عن دعم الثورات والعمل على إنجاحها لا يتعلق أبداً فقط بوجود عناصر وفصائل إسلامية داخلها.

دعونا نعترف أن لا مصلحة لجهات كثيرة في الغرب وفي المنطقة في نجاح الثورات، وبما أن أمريكا وإسرائيل تحديداً لا مصلحة لهما أبداً في تحرر الشعوب وظهور ديمقراطيات جديدة في المنطقة على حدود إسرائيل، فهذا بالضرورة سيجعل أطرافاً كثيرة تدور في الفلك الأمريكي والإسرائيلي تمتنع عن دعم الثورة، وربما تعمل على وأدها وإفشالها بشتى الطرق، بغض النظر عمن يقوم بتلك الثورات. بعبارة أخرى، فإن الغرب وإسرائيل تحديداً لا تخشى من الإسلاميين، بل تخشى من أي قوى وتيارات شعبية علمانية مدنية جديدة تطالب بالتغيير، حتى لو كانت تلك التيارات تيارات ليبرالية أو حتى ملحدة.

ليس صحيحاً أن أمريكا خصوصاً والغرب عموماً يفضل القوى العلمانية غير الدينية على الجماعات الإسلامية في المنطقة، لا أبداً، بل إن الغرب يفضل الديكتاتوريات العسكرية المستبدة حصراً لأنها تضمن حماية إسرائيل والمصالح الغربية في المنطقة، وتقمع الشعوب، وتدوس عليها، وتمنع أي نهضة ديمقراطية وعلمية وصناعية وحضارية مما يخدم مصالح القوى الغربية. بكلمات أخرى، فإن إسرائيل وحلفاءها الغربيين لا يحبون الجنرالات العرب الحاكمين لأنهم علمانيون، بل لأنهم بالدرجة الأولى يحققون المصالح الغربية من خلال ترويض الشعوب وإبقاء المجتمعات العربية في حالة تخلف وخمود كي تبقى إسرائيل الديمقراطية الوحيدة في المنطقة. إن هؤلاء الديكتاتوريين العسكريين ليسوا سوى كلاب صيد لصالح الإسرائيلي والأمريكي. لهذا منع الغرب سقوطهم، أو استبدل بعضهم بأسوأ منهم في بعض بلدان الثورات، وربما أيضاً تعاون معهم في خلق الإرهاب والإرهابيين لتخريب الثورات.

إن تعثر مسار الثورات ليس سببه الإسلاميين ولا أسلمة الثورات فقط، فحتى لو كان الثوار يلبسون التي شيرت والسراويل القصيرة، ويرقصون مثل مايكل جاكسون، ويستخدمون عطورات إيف سان لوران وشانيل، ويشربون البيرا والويسكي والكوكاكولا في حروبهم، لما سمحت لهم أمريكا وإسرائيل أن ينتصروا في سوريا وغيرها. لا تحلموا أن يناصر ضباع العالم ثورة الشعب السوري حتى لو رفع الشعب راية كفار قريش، لأن إمتلاك الشعب لحريته وقراره يعني نهضة تخيف إسرائيل والغرب، وتشكل أكبر خطر عليها. وهذا ينطبق على جميع الشعوب الحالمة بالحرية، والباقي تفاصيل.

لو لم تظهر الفصائل الإسلامية التي يتهمونها الآن بتخريب الثورات، لكان أعداء الثورات قد صنعوا ألف بعبع آخر لتخريب الثورات غير الإسلاميين. هل تعتقدون أن الاستخبارات الأمريكية التي تراقب دبيب النمل في بلادنا لم تكتشف أن المخابرات السورية كانت تصنع وتربي المتطرفين الإسلاميين في سجونها وفروعها الأمنية لاستخدامهم ضد الثورة في الوقت المناسب، أم إن الاستخبارات العربية المختصة بصناعة التطرف الإسلامي تعمل أصلاً لدى الاستخبارات الأمريكية في هذا المجال، وأن الإسلاميين مهما كانوا أقوياء يبقون مجرد أدوات يتم تحريكهم لخدمة مصالح الكبار كما شاهدنا في أفغانستان وسوريا وغيرها؟. المشكلة باختصار ليست أبداً في الإسلاميين فقط، بل في إرادة دولية وإقليمية وحتى عربية قذرة لإجهاض الثورات، وخاصة في سوريا، لأنها لا تناسب مصالحهم وأنظمتهم. المرفوض إذاً ليسوا الإسلاميين إن كانوا صادقين أو مجرد عتلات، بل المشكلة في أي فصيل، أياً كان توجهه، يريد أن ينتقل بشعوب المنطقة من حالة التخلف والاستبداد إلى حال الديمقراطية والنهضة. وكل ذلك ممنوع علينا حتى الآن. وقد قالها الشاعر الكبير معروف الرصافي قبل أكثر من قرن من الزمان لشعوب المنطقة العربية: ناموا ولا تستيقظوا، ما فاز إلا النوّم.

========================

حلب... وخطوط أردوغان الحمراء!! .. ياسر سعد الدين

 ترك برس

الثلاثاء20/12/2016

ثمة هجوم شرس على أردوغان بعد سقوط حلب ومشاهد الاستعلاء الإيراني الطائفي البغيض والذي تعمد إهانة الحلبيين والإساءة إليهم مدفوعا بحقد طائفي أسود. أين وعود أردوغان؟ وأين تصريحاته النارية وخطوطه الحمراء؟؟ بل ذهب البعض إلى أكثر من ذلك متهما أردوغان بأنه ورط السوريين متعمدا، ليتركهم لمصيرهم دمارا وقتلا وتهجيرا؟ وإذا كان هناك من أطلق تلك التساؤلات من قلب مجروح إثر ماسأة حلب الدامية وقد بلغت به العواطف مداها، فإن هجوم آخرين يصب ضمن هجمة دولية شرسة على تركيا تستهدفها دولة وإنجازات ورمزا ومكانة.

وإلا فلماذا يتحدث هولاء عما يرونه تقصيرا تركيا في نصرة حلب ولا يتحدثون عن القتلة وجرائمهم؟ بل إن شخصية عربية مشهورة وموتورة تطاولت من قبل على مرسي تفعل ذلك الآن مع أردوغان دون أن تتجرأ عن الحديث عن جرائم روسيا أو حتى إيران والتي تحتل جزرا من بلادها!! نعم تحدث أردوغان عن أن حلب خط أحمر، وهذا صحيح ولكنه لم يكن ليدرك حجم التواطؤ الدولي على السنة وعلى تركيا. كان أردوغان كما السوريين والمعارضين منهم، يظن بأن في المجتمع الدولي بقايا من قيم وأخلاق ومبادئ.

فأوباما الحائز على جائزة نوبل للسلام كان قد تحدث مرارا عن سقوط شرعية الأسد وأن استخدامه للسلاح الكيماوي هو خط أحمر، وإذا به مخادع مخاتل وإذا بتصريحاته خداع مبرمج ضمن سياق تدمير سوريا والمنطقة. كما إن المعارضة السورية تحدت كثيرا وتحدثت أكثر وأتخذت مواقف حدية ثم تراجعت عنها ومنها تحت ضغوط موازيين القوى الصارخة وهي صاحبة الجرح الأساس كما يفترض!! قبل ذلك تعرضت تركيا للوم كثيرين ممن يرون أن دعمها للمعارضة السورية أقل مما يجب، فجاء أنقلاب تموز ليكشف لنا أن قادة عسكريين يتربصون بأردوغان الدوائر وأنهم يريدون قتله والإطاحة برأسه. وأن كثيرا من سوء المعاملة والتربص بالمعارضين والثوار السوريين تركيا كان خلفها جماعة غولن والتي تشكل في الدولة والجيش والشرطة كيانا موازيا ينتشر كالسرطان خطورة ومساحة.

وحين وقعت المواجهة بين أنقرة وموسكو سحبت واشنطن صواريخ الباتريوت ولحظنا تثاقلا وخذلانا من حلف الناتو يكاد يصل لنوع من التواطؤ والتآمر على أنقرة. تركيا تواجه حربا شرسة وبأدوات كثيرة وإن لم تكن معلنة. فبعد الانقلاب الفاشل تعرضت لهجمة حاقدة إعلامية وسياسية من الغرب على خلفية إجراءاتها لحماية الدولة والمجتمع من الانقلابيين وخطرهم. يهاجمون أردوغان حقوقيا ويمتدحون السيسي والذي وصلت جرائمه الدموية وانتهاكاته الحقوقية للشاب الإيطالي ريجيني والذي اختفى ذكره وغيب من وعن وسائل الإعلام.

تحالف على تركيا خطر الإرهاب والذي صمت فجأة في كل مكان ليتركز فيها وباتت وسائل إعلام غربية كما عربية حاقدة تتحدث عن إرهاصات حرب أهلية يتمنونها في تركيا ويسعون إليها. وليجتمع الأضداد غولن والإرهابيين الأكراد وداعش على تركيا وكأنهم يتلقون توجيهاتهم من مشكاة واحدة!! ولتبدأ وتشتعل حرب إقتصادية تستهدف تركيا وليرتها وتسعى لإن تعصف بإنجازاتها الاقتصادية وتطيح بنجاحتها الباهرة. لم تقف دولة مع السوريين المكلومين وعاملتهم بكرامة كما تركيا!! ولم يقف بلد ضد حصار غزة وحمل قضية الفلسطينيين ومعاناتهم كما فعلت تركيا!! ولم يتضامن زعيم دولي بقوة ووضوح مع السعودية ضد جاستا كما فعل أردوغان!! وها هي السهام والمؤامرات تستهدف تركيا وتتحين الفرص لطعنها وإشعال الفتن فيها.

الذين يهاجمون أردوغان عن حسن نية وبعضهم في أنقرة يذكرونني بمن كانوا يهاجمون مرسي ومن القاهرة وبعضهم علماء سوريين، ليأتينا السيسي الداعم الأكبر لإجرام وإرهاب الأسد، وليكتشف الجميع أن مرسي كان مقيدا ومراقبا ومستهدفا!! أردوغان ليس دكتاتورا عسكريا يستطيع أن يحرك جيشه متى أراد، وليس ولي فقيه يستطيع أن يخدع البلهاء ويجندهم، هو حاكم منتخب بشكل ديمقراطي نزيه استحوذ على اغلبية أصوات الناخبين. لديه معارضة سياسية علمانية شرسة وجماعات إرهابية مدعومة دوليا تريد أسقاطه من خلال زعزعة أمن البلاد. تركيا تتوفر على حدود ملتهبة مع العراق وسوريا تزيد على 1500 كم كما إن ميلشيات إيران الطائفية وحشدها العراقي تطلق التهديدات جهارا نهارا بحق تركيا وتهدد بتفكيكها، والأمر بمثابة حرب إيرانية بالوكالة وإن كانت غير معلنة لحد الآن.

لقد اضطر أردوغان للتصالح مع موسكو مكرها للتخفيف من الاندفاع الإيراني الطائفي ولمحاولة تهدئة الإجرام الروسي والمحافظة على أرواح الأبرياء كما يحصل في مرحلة ما بعد سقوط المدينة. تركيا تختار وقد خيبتها الدول العربية –باستثناء قطر- وفجعتها تشرذم المعارضة السورية واختراقاتها، اختارت في مسألة حلب أخف الضررين وأهون الشرين، باختصار موقفها كموقف المريض الذي يضطر لقطع يده للحفاظ على حياته. الذي يهاجمون أردوغان وتركيا بنيات طيبة، إنما ينكأون جروحهم ويساهمون في تخريب الحصن الأهم والأخير والذي يمكن للمظلومين والمستضعفين أن يلجؤوا له!!

========================

ثورة بين سلطتين ... أسديّة وسلفيّة .. ياسين الحاج صالح

الحياة

الثلاثاء20/12/2016

سينقضي وقت طويل قبل أن يكتب تاريخ الثورة السورية المحطمة، لكن الوقت ليس مبكراً على قول شيء عن جوانب منها، يحتمل أن يستند إليها في رسم صورة تاريخية أغنى لهذه الاندفاعة المشرفة، التي تشرفت بتحطيم عالمي. الجانب الذي تضيئه هذه العجالة هو دور النشطاء الديموقراطيين، السياسيين والحقوقيين، خلال شهور التحرير القليلة بين سلطة الأسديين وسلطة السلفيين، وفي منطقتين حصراً، تسنى لكاتب هذه السطور قدر من اطلاع مباشر على أحوالهما: الغوطة الشرقية والرقة.

كان يسّر من هذا الدور شيئان. أولهما، أنه لم تكن ثمة حواجز من أي نوع في عامي الثورة الأولين بين الثائرين السلميين والمقاتلين ممن كانوا يندرجون وقتها ضمن إطار «الجيش الحر». كان معظم المقاتلين من شرائح محلية أفقر، فيما انحدر الناشطون من الشرائح الوسطى والدنيا من الطبقة الوسطى المتعلمة. كان تحرك الناشطين أوسع نطاقاً، بعضهم محليون، لكن منهم من كانوا قادمين من مناطق أخرى قريبة. في 2012، كانت الأحياء الثائرة من حمص مقصد ناشطين من العاصمة، ومن مناطق أخرى من سورية، فضلاً عن الناشطين الحماصنة المتنوّعين. هذا أحد أوجه استحقاق المدينة لقب «عاصمة الثورة». الشيء الثاني، أنه كانت تجمع الثائرين المدنيين والمسلحين العملية الثورية ذاتها، وتفرعاً عن الجذر ذاته، جذر الثورة على الدولة الأسدية وإرادة تغييرها، إلى درجة أن ثائرين مدنيين معروفين حملوا السلاح لبعض الوقت، والأكثر شعبية منهم، مثل عبدالباسط الساروت، ظل مقاتلاً حتى أجلي مقاتلو حمص عن المدينة في أيلول (سبتمبر) 2014.

نحتاج، نحن السوريين، أكثر من غيرنا إلى تذكّر أن التظاهرات السلمية استمرت حتى حزيران (يونيو) 2012، شهوراً طويلة بعد تسلّح الثورة، وأنه في هذا الشهر الأخير سجلت بؤر التظاهر رقماً قياسياً يتجاوز 700 بؤرة في البلد. يبدو هذا ماضياً سحيقاً اليوم، لكن لذلك بالذات ينبغي أن نستحضره ونبقيه معاصراً لنا.

بعد خروج مناطق من سيطرة النظام في شمال سورية أولاً، ثم في الغوطة الشرقية، ثم الرقة وغيرها، كانت هذه المناطق مقصد ناشطين متنوعين، يساعدون في ما يستطيعون: يوصلون مساعدات مادية وإغاثية، ويشبِّكون مع نشطاء محليين، يقدمون العون في مجال الدعم النفسي للأطفال أو البالغين، ويعملون على تطوير مشاريع للطاقة (الكهرباء العامة مقطوعة عن الغوطة الشرقية منذ تشرين الثاني/ نوفمبر 2012)، ويتعلمون. شهدت بنفسي تردد ناشطات وناشطين، إلى الغوطة الشرقية في ربيع وصيف 2013، يتطوعون للخدمة العامة، متجشمين الأخطار ومن دون توقع أي مكسب شخصي. ومن الناشطين السياسيين من عملوا باسم تنظيمهم في المنطقة، وبنوا صلات وروابط متنوعة، بما فيها محاولة ضبط المقاومة المسلحة. كانت الحركة لا تزال ممكنة بين دمشق والغوطة الشرقية وقتها، وإن برقابة تتشدد أكثر وأكثر من جهة الدولة الأسدية، وكانت هناك مسالك تهريب ناشطة يسلكها البعض، وكنت منهم. في مجملها مثلت هذه التحركات استمراراً للبعد السلمي للثورة وقت أخذت النشاطات الاحتجاجية تتوقف بدءاً من تموز (يوليو) 2012، مع توسع الأسديين في استخدام سلاح الطيران وقصف التجمعات، ومنها قصف طوابير الخبز المتكرر وقتها.

لكن هذه الروابط المدنية العسكرية أخذت تتآكل تدريجياً بفعل عاملين. أولهما، إطباق الحصار التام على الغوطة في تشرين الأول (أكتوبر) 2013، ومنع أي حركة بينها وبين دمشق، في إطار خطة تجويع كانت في الغوطة الشرقية أقل نجاحاً في التركيع بسبب مواردها الزراعية والحيوانية من جهة، وفساد قوات النظام وعدم قدرتها على تطبيق أي سياسة لوقت طويل من جهة ثانية.

ومن أوجه هذا الحصار، تمكّن النظام من السيطرة على أنفاق كانت بُذلت جهود كبيرة في حفرها لوصل الغوطة بالعاصمة وتأمين دخول مواد طبية وغذائية، وتسهيل الحركة البشرية. وتمثل العامل الثاني في تضييق متعدّد الأشكال مارسته تشكيلات عسكرية، أخذ بعضها يحصل على تمويل مستقل من جهات إقليمية ودولية «داعمة»، فتستقل أكثر وأكثر عن البيئات المحلية، قبل أن تشرع بفرض سلطتها عليها. وأبرز هذه التشكيلات في الغوطة الشرقية، تشكيل «لواء الإسلام» الذي ارتقى بسرعة من «سرية الإسلام» عام 2012، ليعود إلى ترقية نفسه إلى «جيش الإسلام» في أيلول (سبتمبر) 2013، بعد شهر واحد من المجزرة الكيماوية.

على هذا النحو، شكل حصار الثائرين والناشطين من جانب هذه التشكيلات استمراراً لحصار المنطقة ككل من النظام. ومعلوم أنه بعد نحو شهرين من إطباق النظام الحصار على الغوطة، اختطف «جيش الإسلام» سميرة الخليل ورزان زيتونة ووائل حمادة وناظم حمادي، والأربعة ناشطون غير محليين، كانوا يقومون بنشاطات متنوعة في دوما، اجتماعية وتوثيقية وإغاثية. كانت الواقعة أكبر ضربة مفردة توجّه ضد ثائرين مدنيين حتى ذلك الحين، ولا تزال نقطة انعطاف كبرى، واستئنافاً لجهود الأسديين في ضرب الثائرين السياسيين والمدنيين السلميين وفك الارتباط بينهم وبين الثورة المسلحة. والحبل الذي أجهد النظام نفسه لتوهينه بين المناطق، وبين أشكال العمل الثوري المختلفة، عملت هذه السلطة الجديدة على قطعه تماماً.

في الوقت نفسه تقريباً، حصل شيء مشابه في حلب، واضطرت ناشطات وناشطون معروفون إلى اللجوء إلى تركيا، وكان المعتدي هنا هو بخاصة «داعش»، لكنه لم يكن وحده.

في الرقة، جرت العملية نفسها. وقت كنت هناك في صيف 2013، كانت تتوافد ناشطات وناشطون من مناطق متعددة من البلد، ومنهم من فكروا في الإقامة فيها كمنطقة واسعة محررة، غير محافظة اجتماعياً، ويتعذر أن يحاصرها النظام الذي كانت بقيت له بعض البؤر حولها في ذلك الحين. وتشكلت من الناشطين المحليين شبكات مدنية وسياسية، وظهرت مجلة واحدة على الأقل. وللمناسبة، كانت ظهرت عشرات المجلات والصحف المحلية منذ 2012 في سورية، صدرت من بعضها أعداد قليلة، ولا يزال بعضها مستمراً إلى اليوم، لكن لعله لم يعد أي منها محلياً بكل معنى الكلمة: يطبع محلياً، ويغطي الشؤون المحلية للمنطقة التي يصدر فيها.

في الرقة، أخذ الوضع يتدهور على نحو متسارع منذ منتصف الصيف. اختُطف فراس الحاج صالح، ثم ابراهيم الغازي، وبعد أيام غُيِّب الأب باولو دالوليو الذي قصد بنفسه مقر «داعش» في الرقة، معتقداً أنه يستطيع التوسط للمخطوفين، ومحاورة قادة الدواعش. وبعد قليل، اختفى محمد نور مطر بالتزامن مع تفجير «داعش» سيارة مفخخة استهدفت مقر تشكيل عسكري مرتبط بالجيش الحر. وفي تشرين الثاني، اختطف «طبيب الثورة» في الرقة اسماعيل الحامض، وكانت الواقعة أيضاً نقطة النهاية لنشاطات الثورة المدنية المستقلة. بعد شهرين، كان «داعش» ينفرد بالسيطرة على الرقة ضد إخوة المنهج من «جبهة النصرة» و«أحرار الشام».

في كل حال، سارت عملية الانفصال الاقتصادي للتشكيلات السلفية عن المجتمعات المحلية، عبر حصولها على دخول ريعية من داعمين، مع ضرب الناشطين الثوريين. هذه السياسة المتكررة تتّصل باستقلال تلك المجموعات عن المجتمعات المحلية وعن الثورة. الريع هو الأصل في ما يبدو من استقلال العقيدة الدينية وأصليتها.

في المقابل، كان الثائرون الديموقراطيون ممثلين لمجتمع العمل، قطاعات السكان التي تعيش من عملها، والتي تمردت على الدولة الأسدية كي تتحكم بثمار عملها، وتتواصل في ما بينها من دون رقابة مركز حكم طغموي، قائم على الخوة والنهب، والريع.

تقطّعت السبل بالثائرين الديموقراطيين المرتبطين بمجتمع العمل وبالبيئات المحلية، وحصل التحوّل بسرعة من سلطة مستولية على الموارد العامة تستهدفهم إلى سلطة تستولي على موارد عامة و/أو تحظى بموارد تخصها وتستهدفهم أيضاً. ومن كانوا نجوا من واحدة من سلطتين تعاديان العمل، مثل سميرة ورزان ووائل وناظم، ومثل فراس وباولو دالوليو واسماعيل الحامض، وقعوا بيد الأخرى. وعليه فليس ثمة بدعة في القول أن الأخرى استمرار للأولى، من وراء اختلاف العقائد والسماوات: السجن هو السجن وإن تبدل السجانون، والتعذيب هو التعذيب وإن تبدل الجلادون، والهيئات الشرعية هي أفرع المخابرات، وما كان تخويناً باسم الوطن صار تكفيراً باسم الله، والطائفية هي الطائفية وإن تبدلت الطوائف وتغيرت مظاهر الطائفيين.

وفي ما وراء غبار الكلام، بقي رابط السلطة - الثروة نفسه، ذاك الذي لا يمر بعمل ولا بمجتمع محلي.

========================

أوهام ما قبل حلب وما بعدها .. ماجد كيالي

الحياة

الثلاثاء20/12/2016

ما كان من المنتظر توقّع صمود فصائل المعارضة المسلّحة في حلب، بل إن هذه الفصائل، وسواء اتفقنا أو اختلفنا مع خطاباتها وأشكال عملها، بقيت أكثر مما يجب، بغضّ النظر عن ادّعاءاتها المضرّة، التي تصدر عن عقلية قدرية أو رغبوية، سيما بخصوص ما سمته «ملحمة حلب»، أو وعدها بقرب «تحرير» المدينة من النظام، إذ لا يمكن لفصائل، محدودة العدد والعدة والتفكير، مواجهة ميلشيات «الحرس الثوري» الإيرانية والعراقية واللبنانية والأفغانية والباكستانية إضافة إلى قوات النظام على الأرض، مع هيمنة القوات الروسية على الجو، التي استخدمت ضد تلك الفصائل أساطيلها البحرية والجوية وقدراتها الصاروخية، وحتى قوات الوحدات الخاصة الروسية (وفق تقرير ل «وول ستريت جورنال» الأميركية في 16 الشهر الجاري).

وفي الواقع فقد قاتلت هذه الفصائل أكثر من أربعة أعوام في ظل الحصار والقصف الجوي، في ظروف صعبة ومعقدة، بل صمدت أكثر من 13 شهراً على دخول القوات الروسية، وفي شكل وحشي ومدمر، على خط الصراع السوري، والذي احتلت فيه معركة حلب موقع الصدارة.

لعل هذه المحددات تبيّن هشاشة «الانتصار» المتحقّق على بضعة آلاف من المقاتلين، فأي نصر هذا الذي أحرزه طرف يعتبر نفسه بمثابة دولة عظمى (روسيا) على هؤلاء المقاتلين؟ وأي نصر هذا الذي تدعيه دولة تعتقد بأنها باتت تهيمن على المشرق العربي (إيران) في حين أنها لم تستطع إنجاز ذلك من دون مساعدة روسية؟ وأي نصر حققه النظام الذي لم ينتصر إلا على خراب مدينة حلب وتشريد معظم أهلها (كما حصل في مناطق سابقة) في حين لم يعد يملك من أمره ولا من أمر بلده وشعبه شيئاً، بعد أن أضحت الكلمة الأولى لروسيا، وبعدها لإيران؟

على الجانب الأخر فقد أثار سقوط هذه المدينة، العاصمة الثانية لسورية، والمعقل الأساسي لفصائلها المسلحة، في أوساط المعارضة السورية والمتعاطفين معها، نظرتين متناقضتين: الأولى، انطوت على غلبة مشاعر الإحباط والندب ولوم الذات والعالم، وكأن الثورة انتهت، أو كأن قدر الثورات الحتمي أن تنتصر، علماً أن التاريخ لا يشتغل على هذا النحو، إذ إن الثورات، وفق التجارب التاريخية، يمكن أن تنهزم أو أن تنحرف أو أن تدخل في مساومات على بعض أهدافها، هذا على رغم كلفتها الباهظة ولا سيما إذا غلب عليها طابع الصراع المسلح. أما الثانية فقد انطوت على غلبة مشاعر الإنكار والمكابرة، كأن ما جرى شيء عابر أو ثانوي، ويمكن المرور عليه، مثلما حدث سابقاً في مناطق أخرى طوال مسيرة الثورة السورية! وفي حين ترتكز الأولى على جلد الذات والانكفاء والاستسلام لليأس والقنوط، فإن الثانية ترتكز على التهرب من تحمل المسؤولية، ورفض المراجعة التي تنطوي على عمليات النقد والمساءلة والمحاسبة.

المعنى أن وجهتي النظر السابقتين خاطئتان ومضرتان، حيث الأجدى النظر إلى التطورات الحاصلة بطريقة مسؤولة، موضوعية ونقدية، لا سيما لجهة الاعتراف بأن ما حصل في حلب، وما قبلها، هو دلالة على انهيار التصورات أو الأوهام التي تحكّمت بمسيرة الثورة السورية، بخطاباتها، وبناها، وطرق عملها، ونمط علاقاتها مع شعبها أو مع العالم، من دون أن يعني ذلك الاستنتاج بانهيار ثورة السوريين تماماً، أو النيل من مشروعيتها.

أولى هذه الأوهام تتعلّق بسقوط وهم العسكرة، بالشكل الذي تمظهرت عليه في المشهد السوري، بواقع تشرذم الفصائل المسلحة وتعدد مرجعياتها، وتحكم الخلافات الضيقة فيها، وانشغال كل فصيل بتنمية نفوذه على حساب غيره، والحديث يجري عن عشرات الفصائل، وهو أمر لا يمكن النظر إليه بطريقة بريئة، إذ يأتي ذلك ضمن التلاعبات الخارجية بالثورة، لإضعافها، وللتحكم بها. كما يتمثل ذلك بمحاولة هذه الفصائل التغطّي بأيدلوجية معينة (دينية وطائفية) في حين أنها في الحقيقة تفتقر إلى أي عمق فكري أو سياسي، فضلاً عن أنها ليست منبثقة من أي مكون من التيارات الإسلامية المعروفة في سورية، وهذا الغطاء كان نتاجاً للتدخلات أو للاشتراطات الخارجية، لدعم هذا الفصيل أو ذاك، مع علمنا بعزوف هؤلاء الداعمين عن تقديم أي عون ل «الجيش الحر»، الذي أزيح تماماً، وبإرادة مقصودة، عن المشهد. كما يشمل ذلك إخفاق الإستراتيجية التي بني عليها حصر الصراع السوري بالعمل المسلح، والتي تقوم أساساً على «تحرير» مناطق والسيطرة عليها، من دون إدراك أن هذه الإستراتيجية تحرّر النظام من عبء السيطرة على مناطق كثيفة السكان، وتجعله يقتصد بتوزيع قواته على المناطق الأكثر أهمية له، بدل نشرها هنا وهناك، ناهيك بأن هذا الأمر يجعل «المناطق المحرّرة» بمثابة حقل رماية للبراميل المتفجرة والصواريخ الفراغية والقنابل الارتجاجية. وبديهي أن كل ذلك يؤدي إلى أخطر من ذلك وهو تشريد أهالي تلك المناطق، وتالياً إخراج الشعب من معادلات الصراع مع النظام، وهو ما حصل، أي أن هذه الإستراتيجية أضرّت بالثورة وأضرّت بمجتمع السوريين، من دون أن يكون بمقدور الفصائل العسكرية تأمين الحماية لتلك المناطق، ولا حتى فرض إدارتها عليها كنموذج لسلطة بديلة للنظام.

ثاني هذه الأوهام يتعلق بالارتهان إلى الخارج، إذ إن الذهاب نحو تصعيد العمل العسكري، وحصر الثورة فيه، تم بطريقة متسرعة وغير مدروسة وغير تدرجية، وقام على فكرة خاطئة ومتسرعة تقول بإمكان التدخل الخارجي، سواء بتوجيه ضربات للنظام أو عبر تقديم الدعم للمعارضة كما بإقامة مناطق حظر جوي أو مناطق آمنة، ولكن هذا الرهان فشل سيما منذ صفقة تصفية الكيماوي مع روسيا (أواخر 2013). والمشكلة هنا أن المعارضة، وعوض استنتاج العبر الصحيحة والمناسبة، لم تبال تماماً بهذا التطور وواصلت الطريق نفسه، بدلاً من التحسّب من التصعيد العسكري وحصر الصراع بالعمل المسلح، وسط تشجيعات من الخارج، وبحكم غياب مركز قيادي أو مؤسسة قيادية في الثورة. ولعل هذا يسمح بالقول إن الدفع نحو العمل المسلح ربما هو أكثر مجال جرى التلاعب به في الثورة السورية، بدليل أن معظم الدول «الصديقة» تركت حلب لمصيرها، كما تركت غيرها من قبل، من دون أن تدرك الفصائل ما يجري، إذا كانت تريد أن تدركه حقاً، بحكم ارتهانها لهذه الدولة أو تلك.

وكما بات معلوماً، فإن الولايات المتحدة لم تسمح بمد الفصائل العسكرية بالسلاح النوعي، لا سيما المضاد للطيران، في حين أنها سكتت عن تدخل إيران عسكرياً لمصلحة النظام، ومعها ميليشياتها العراقية واللبنانية والأفغانية، كما عن تدخل روسيا بأساطيلها البحرية والجوية ضد الثورة السورية. ولعل كل ذلك يطرح السؤال عن مدى صدقية التعامل الأميركي مع الثورة، إذ ثمة وجهات نظر تفيد بأن إستراتيجية الولايات المتحدة تقوم على انتهاج خطة تتأسس على ديمومة الصراع السوري، وجعل سورية ساحة صراع لاستنزاف روسيا وإيران وتركيا وغيرها من الدول العربية، وبما يؤدي إلى إضعاف المبنى الدولتي والمجتمعي في المشرق العربي، ما يخدم أمن إسرائيل لعقود. وكان المحلل الأميركي ريتشارد لوتواك (من المحسوبين على تيار المحافظين الجدد)، شرح هذه الفكرة باعتباره (في مقال نشره عام 2013 في صحيفة «نيويورك تايمز»)، أن الولايات المتحدة ستخسر في سورية «إذا كسب أي من الأطراف» وأن «الاستنزاف الطويل الأمد في هذه المرحلة من الصراع هو المسار الوحيد الذي لا يضر بالمصالح الأميركية»، وختم بنصيحة قال فيها: «سلّحوا المتمردين كلما ظهر أن قوات الأسد في صعود، وأوقفوا دعمهم كلما بدا أنهم سيكسبون المعركة»، وهي وجهة نظر تستند، أيضاً، إلى مقولة إسرائيلية تقول: «دع العرب يقتلون بعضهم».

ثالث هذه الأوهام يتعلّق بانهيار المبنى الإيديولوجي للثورة، الذي تغطى ب «الإسلام»، بخاصة مع ملاحظتنا التنافس والتنازع والاقتتال بين الفصائل العسكرية الإسلاموية، إلى درجة أننا أصبحنا إزاء واقع يقتل فيه إسلاميون إسلاميين، هذا ناهيك بالقبضة المتشددة لهذه الفصائل على المجتمعات المحلية التي وقعت تحت سيطرتها. والفكرة هنا أن هذا النمط من الفصائل، القائم على الإيديولوجيا والعنف والسلطة، لم يضر بالثورة السورية فقط وإنما هو أضر بمجتمع السوريين، وقوّض اجماعاتهم، وعمّق اختلافاتهم، وقلّل ثقتهم ببعضهم، وأثار مخاوفهم من المستقبل، وهو ما أفاد النظام، وقدم له خدمة جلية. وما ينبغي توضيحه هنا أن هذا الأمر لا علاقة له بالطابع الإيديولوجي (الإسلاموي) للفصائل المذكورة، أي أن ما ينطبق عليها ينطبق على غيرها. أي أن الأمر ذاته يشمل أية سلطة مهيمنة سواء كانت دينية أو علمانية، يمينية أو يسارية، وطنية أو قومية، لأننا هنا نتحدث عن نمط إيديولوجي مغلق، وعن علاقات مع المجتمع تتأسس على القسر والهيمنة والإكراه والعنف. ولا يفوتنا هنا ملاحظة مدى التخبط في خطابات هذه الفصائل، فهي عدا عن تبنيها خطابات طائفية ودينية، هي مجرد غطاء أو ادعاء لا أكثر، فقد غلّبت في صراعها مع النظام البعد العاطفي والرغبوي والمزاجي والروح القدرية، وهو ما أوصلنا إلى هنا، أي إلى الكارثة في حلب.

والخلاصة فإن السوريين اليوم إزاء توهّمات يفترض القطع معها تماماً، وإزاء تجربة ينبغي استنتاج العبر الصحيحة منها بطريقة نقدية ومسؤولة، إذا ما أريد لمسيرة الشعب السوري أن تصوّب مسارها وتحقّق مرادها.

========================

ماذا يريد بوتين من سورية ومن السوريين؟ .. محمد فاروق الإمام

بعد كل الجرائم التي ارتكبها والوحشية التي نفذها بحق الشعب السوري والمدن السورية ماذا يريد بوتين من سورية ومن السوريين ليدعو لمؤتمر في أستانة عاصمة قازخستان؟

يدّعي هذا المجرم أنه يسعى لحل الصراع في سورية، وكأنه ليس طرفاً في هذا الصراع، الذي كان وراءه منذ انطلاقة ثورة الشعب السوري على حاكم ظالم سادي متجبر، واجه المتظاهرين العزل بالرصاص،فقتل الآلاف واعتقل الآلاف وهجّر الآلاف وأجبر الآلاف على النزوح من بلدانهم وبيوتهم، كل ذلك والشعب صابر ومصابر يواجه بصدوره العارية رصاص النظام لأكثر من ستة أشهر، إلى أن اضطر الشباب لحمل السلاح بما تيسر لهم الوصول إليه ليدافعوا به عن أنفسهم وأهليهم وذويهم، ولم يكن هدفهم قتل جنود الجيش الذي يضم أبناءهم وأبناء وطنهم، وينتظرون من هذا الجيش الذي صرفوا عليه عرق جبينهم ولقمة عيشهم لسنين طويلة، ليكون الحامي لحياض الوطن والسياج الذي يدفع عن الشعب عاديات الدهر، ولم يخطر في بالهم أن هذا الجيش قد تغيرت بوصلته من حماية الوطن إلى حماية النظام ورئيسه وأركانه، فقد تجسدت شعارات هذا الجيش برسوم خطها على جدران المؤسسات ودوائر الحكومة والأبنية العامة والساحات والميادين (الأسد أو نحرق البلد)، وبالفعل بدأ بحرق البلد بسلاح فتاك حارق ومدمر زودته به روسيا بوتين، قتل بها ما يزيد على نصف مليون مواطن سوري وغيب في سجونه ومعتقلاته نحو هذا العدد، وأجبر ما يزيد على عشرة ملايين مواطن على الهجرة خارج الوطن والنزوح داخله.

مجرم الحرب بوتين عندما وجد أن دعم النظام بالسلاح لم يعد يجدي قرر بكل هيبته وترسانته الحربية المتطورة زجها في الدفاع عن الأسد ونظامه، وأخذ مهمة قتل السوريين وتدمير المدن السورية على كاهله، وكان آخر إجرامه ما فعله بمدينة حلب الشهباء، التي بقية عصية على النظام وحلفائه من ميليشيات الحقد الطائفي، التي جيشتها إيران من العراق ولبنان وباكستان وأفغانستان لأكثر من خمس سنوات، لم تفلح خلالها التقدم شبراً واحداً داخل الأحياء التي كان يدافع عنها ثوار حلب وأبنائها.

بوتين الذي أخذته العزة بالإثم تقدم الصفوف وتبنى أهداف النظام المجرم في قتل السوريين وتدمير المدن السورية، في غياب العالم وموت ضميره الإنساني، واتبع سياسة الأرض المحروقة كما فعل في الشيشان، وأخذ يلقي حمم صواريخه وقنابله على المدن السورية، مركزاً جحيمها على مدينة حلب، تحت شعار ممجوج كان يردده في إعلامه وأعلام النظام (محاربة الإرهاب)، وكان الإرهاب الذي يوجه إليه هذه الحمم القاتلة والمدمرة لا يوجد إلا في المدارس والمستشفيات والمساجد والأفران والأسواق الشعبية ومراكز الدفاع المدني والعمارات السكنية، حتى أتى الدمار على كامل حلب الشرقية، وغدى الناس يتمنون الموت السريع على الموت تحت أنقاض بيوتهم ومنازلهم، وهذا ما فعله أكابر مجرميها من الروس بتوجيه رأس الإجرام ومصممه بوتين.

بوتين الذي لا يستحي من ثوب العهر الذي اختاره لباساً له، يريد أن يكون الخصم والحكم بعد كل ما ارتكبه من مجازر وبوائق وفظائع بحق الشعب السوري والمدن السورية، هو يريد أن يفرض على السوريين نظاماً سادياً جديداً قد يختلف باللون ولكنه لا يختلف بالمذاق المر، الذي تجرعه الشعب السوري لنحو نصف قرن، وهيهات هيهات أن يقبل الشعب السوري بمثل هذه اللعبة القذرة مهما قتل بوتين ومهما دمر فقد قالها الشعب السوري منذ اليوم الأول لثورته: (الموت ولا الدنية).

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com