العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 25-11-2018


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

ماذا بعد إدلب.. وإدلب إلى أين؟

خالد المطلق

سوريا تي في

الخميس 22/11/2018

بعد هدوء مؤقت ساد كافة المناطق المحررة في الشمال السوري، عاد الأسد والميليشيات المتحالفة معه إلى اختراق اتفاقات أستانا وسوتشي، وكما حدث سابقاً في باقي مناطق ما يسمى خفض التصعيد وهذا يدل وبشكل واضح على أن الأسد وحلفاءه وعلى رأسهم المحتل الروسي لن يهدأ لهم بال إلا باستعادة كافة المناطق التي حررها الجيش الحر من قوات الأسد، وقد تركوا لمشغليهم أسلوب وطرق إيجاد الظروف الملائمة لتحقيق هذا الهدف، وهذا يجعل الكثيرين يتساءلون عن جدوى اتفاقات أستانا ومن بعدها سوتشي إذا كان الهدف النهائي هو تسليم كافة المناطق المحررة للأسد؟

ومن حق الشعب السوري أن يعرف من يكذب على من إذا كانت اتفاقات الأستانا تهدف إلى خلق مناطق آمنة للشعب السوري "خفض تصعيد" في المناطق المحررة من خلال إيقاف القصف

أهم ما اتُفق عليه هو إيجاد منطقة عازلة بين الطرفين المتحاربين بعمق من 15 إلى 20 كم،أي أنّها كانت على حساب المناطق المحررة فقط

الجوي الروسي والأسدي عليها، وهذا ما ادّعاه من شارك في هذه المؤتمرات وهندسها، لكن ما حصل أن القصف الجوي لم يتوقف على هذه المناطق لا بل استُخدم الكيماوي في الغوطة الشرقية إحدى مناطق خفض التصعيد، وتم تهجير معظم سكانها إلى الشمال السوري كما حدث في درعا والقنيطرة والشمال الحمصي، وهذا يدل بشكل واضح على أن هذه الاتفاقات تمت لتسليم المناطق المحررة بالتدريج، فالمناطق الأربع التي تم الاتفاق عليها لم يتبق منها إلا ادلب وما حولها من المناطق، وإذا دققنا في الاتفاق الذي عقد في سوتشي بين الروس والأتراك لوجدنا أن أهم ما اتُفق عليه هو إيجاد منطقة عازلة بين الطرفين المتحاربين بعمق من 15 إلى 20 كم،أي أنّها كانت على حساب المناطق المحررة فقط على الرغم من الضجة الإعلامية التي اخترعها الطرفان للتغطية على حقيقة الاتفاق القاضي بإيجاد منطقة عازلة من ضمن الأراضي التي تسيطر عليها المعارضة، وبهذا تم اقتطاع نحو 25% من المناطق المحررة دون أي مقابل وتمّ سحب السلاح الثقيل من المنطقة من قبل قوات المعارضة، ولم يتم تحريك أو سحب أي قطعة سلاح من قبل قوات الأسد أو الميليشيات الطائفية المتحالفة معها وبهذا تم خرق هذا الاتفاق المعلن من بداية تنفيذه!

 إن ما حدث من اتفاقات في سوتشي وقبلها الأستانا، خطط له من يريد إعادة إنتاج الأسد ونظامه من خلال مجموعة من أصحاب المصالح الشخصية والحزبية الضيقة والتي لا ترتقي إلى تطلعات وتضحيات الشعب السوري المكلوم بأبنائه، معتمدين على الإرهاب المنظم الذي استخدمه المحتل الروسي عبر آلته الحربية الجوية لإيجاد ذريعة لأدواتهم مستخدمين سياسة القضم المنظم للمناطق المحررة، وبالتدريج إلى أن وصلوا إلى أكبر المناطق المحررة التي تضم الكثير من المقاتلين الذين لم يقبلوا مصالحة الأسد المؤمنين بعدالة قضيتهم وضرورة تحقيق النصر مهما كلفهم من ثمن، بالإضافة إلى الكثير من فصائل الثورة التي يبدو أنها استفادت من الدروس التي حدثت في باقي المناطق وأصبحت حافزًا لهم لإعادة ترتيب أولوياتهم، ومن هنا وعلى الرغم من الاختراقات الكبيرة والمجازر التي ارتكبتها ميليشيات الأسد في المناطق العازلة مؤخرا إلا أن هذه الأعمال لن تؤدي إلى ما خطط له أعداء الثورة والمتعاونون معهم لأسباب كثيرة أهمها:

- إن هذه المنطقة واسعة الانتشار، ولا يوجد لدى الأسد وحلفائه القوة البشرية التي يمكن أن تسيطر عليها بشكل كامل لوقت طويل في حال الاستيلاء عليها.

- والسبب الثاني أن هذه المنطقة تحوي عدداً كبيراً من المقاتلين يفوق عددهم 120 ألف مقاتلاً، وإذا رغب الأسد وحلفاؤه مهاجمة هؤلاء يحتاج إلى تفوق عددي يبلغ ثلاثة أضعاف القوة المدافعة وهذا حسب العلم العسكري والاستراتيجية المتبعة في ميدان المعارك لا يمكن أن يتحقق لأن أعداد قوات الأسد وميليشياته الطائفية لا يتجاوز 80 ألف مقاتل، وحتى لو قام المحتل الروسي بتغطية القوات المهاجمة جويًا.

- ولعل أهم الأسباب التي تصب في مصلحة قوات الثورة هو عدم وجود مكان

مازالت بعض الفصائل المصنفة على قوائم الإرهاب تفرض سيطرتها وقراراتها على أغلب المناطق المحررة في إدلب، وهذا ما تتذرع به روسيا أمام الأتراك لجهة عدم تنفيذهم أحد أهم بنود اتفاق سوتشي

يمكن الانسحاب إليه إن فقدوا السيطرة على هذه المنطقة لسبب أو لآخر وهذا ما سيدفع المقاتلين بالتأكيد إلى التشبث بالأرض والقتال حتى الرمق الأخير.

 يأتي هذا كله في الوقت الذي مازالت بعض الفصائل المصنفة على قوائم الإرهاب تفرض سيطرتها وقراراتها على أغلب المناطق المحررة في إدلب، وهذا ما تتذرع به روسيا أمام الأتراك لجهة عدم تنفيذهم أحد أهم بنود اتفاق سوتشي حسب ادعائها ولو أن هذا الشرط يمكن أن يتم تنفيذه خلال ساعات إن رغب مَن صنع هذه الفصائل الوظيفية التي فتكت بالثورة السورية لتكون الذراع الخفية التي استخدمها من رفض إسقاط الأسد ونظامه، وسعى ومازال لإعادة إنتاج هذا النظام الاستخباراتي الوظيفي، متناسياً كل الجرائم التي ارتكبتها هذه العصابة من قتل وتدمير وتهجير لتحقيق هدف جوهري يتمثل في تحقيق التغيير الديموغرافي في سوريا أسوة بما حدث في العراق، وما سينفذ في باقي الدول التي يمكن أن تندلع فيها أحداث سيفتعلها هؤلاء لهذه الغاية والتي يبدو أنها ستكون خطوة في ترتيب منطقة شرق أوسط جديد خلال القرن القادم.

كل ما تقدم وعلى الرغم من تعقيد الموقف إلا أنه يمكن إيجاد حل مؤقت لحين التوافق على حل سياسي يتفق عليه الجميع، وعلى الأغلب سيكون هذا الحل كنهاية سيناريو الحرب اللبنانية ويمكن أن يبنى من خلال مؤتمر ينتج عنه محاصصة طائفية لدولة ضعيفة مشتتة، وقد يلعب الجانب التركي دورًا فعالًا إن أراد حماية حدوده الجنوبية وتحقيق أمنه القومي وبنفس الوقت حماية شعبنا وأهلنا فيما تبقى من مناطق محررة، وهذا السيناريو أعتقد أنه المخرج المنشود للكثير من أطراف الصراع السياسي.

==========================

موقفنا : محور المكاومة والمعايعة .. الأولوية ليست لتحرير القدس ولا الجولان !!!!

زهير سالم

19 / 11 / 2018

مركز الشرق العربي

استنفر الولي الفقيه بخيله ورجله ، وزج في سورية أكثر من مائة ألف حامل لراية الثأر للحسين . رقص جنود الولي الفقيه وتابعه نصر الشيطان طربا يوم انتصروا كما عبر لسان التنين : في حلب انتصر المسلمون على الكفار ..!!

ومع انطلاقة الثورة السورية بل ثورات الربيع العربي ؛ تحول تحالف الشر في محور ما يسمى " المكاومة والمعايعة " من محور قوال إلى محور فعال . فبعد أربعين عاما من النداء الفارغ المكرور " الموت لأمريكا والموت لإسرائيل " تحول هذا الشعار في لحظات إلى خطة وبرنامج ومنهج " الموت للسوريين الكفار والتكفيريين " ودارت الحرب وكان مسعرها وممولها من علمنا وكان في مقدمتهم الروس والأمريكيون ومن يليهم ويليهم .

لم يكن تحرير فلسطين ولا القدس ولا الأقصى ولا الجولان ولا غزة في أي لحظة أولوية ولا مطلبا حقيقيا عند قوى المكاومة التي ما تزال تعاعي كراعي معزى لا يعرف أين يكون مثواه ..

سبع سنوات والميليشيات الإيرانية الطائفية ومن بين يديها بل من خلفها الميليشيات الأسدية المجرمة تسرح وتمرح بكل أنواع الأسلحة المحرمة دوليا على أديم الأرض السورية من الشمال إلى الجنوب لتحرير سورية من سكانها ، ومن إنسانها ، ومن كل مساحة للحرية احتفظ بها لأنفسهم بنوها ..ولكن أحدا من ميليشيات المقاومة اللعينة التي تفطر على اسم فلسطين وتتغدى على اسم القدس وتتعشى على اسم الأقصى لم يخطر بباله أن يتقدم خطوة تجاه فلسطين أو القدس أو الأقصى ..ولا حتى باتجاه الجولان " السوري " الذي ما زال حسب القرارات الدولية للجمعية العامة للأمم المتحدة أرضا سورية . وما زال جزء من الجغرافيا والديمغرافيا فتحرير الجولان المباع من شاريه المغتصب ليس واردا في الحقيقة عند هؤلاء ..

منذ يومين فقط ، الجمعة / 9 / 11 / 2018 رفضت الولاية المتحدة وبعد احتلال صهيوني للجولان دام أكثر من نصف قرن ، أن تعترف بأن الجولان أرض سورية . تمهيدا لإلحاقها بالكيان الصهيوني على طريقة القدس وباقي غولاغ المستوطنات التي ما تزل تنهش جسد الأرض الفلسطينية .

الموقف الأمريكي الجديد لم يأت فجأة ولا مصادفة وإنما سبق لنتنياهو وصديقه ليبرمان أن وضعه على مائدة الصديق الصهيوني ترامب كمطلب أولي منذ أشهر معدودات .

مندوبة الولايات المتحدة عللت رفض بلادها الاعتراف بسورية الجولان أن نظام بشار الأسد ، الوكيل الذي ما زالوا يدعمونه لا يؤتمن بسجله الأسود لا على الجولان ولا على شعبها ؛ بالطبع ولكنه يؤتمن بكل سرور أمريكي على أبناء حوران والغوطة وحمص وحماة وحلب ..

من طرفه قبيح السيرة بشار الجعفري أنكر على الصهاينة الذين لم يدفعوا طوال نصف قرن ولا حتى فاتورة المياه التي يسرقونها من الجولان بفعل مقاوم رشيد بقوله : إنه في عصر الصواريخ الباليستية انتفت القيمة الاستراتيجية للجولان التي كان يتذرع بها العدو حسب كلام بشار الجعفري، الذي كان فيما يبدو مع سيده البياع الأول يتفهم ذرائع ذلك الاحتلال ..

تحرير فلسطين والقدس والأقصى والجولان ليس أولا ولا عاشرا في برنامج هؤلاء الكذابين الذين يسمون أنفسهم محور " المقاومة والممانعة " والمتمثلين في مثلث الشر الصفوي الأسدي - الحزبللاوي ... وهذه حقائق بينة ناصعة قاطعة جلية لا يجادل فيها عاقل ناصح ولا مسلم صادق وإنما يماري فيها الذين لا يعلمون ..

وإننا أبناء هذه الأرض المباركة لنعلن بكل وضوح وجلاء إدانتنا المستمرة لكل السياسات الدولية والأمريكية المتواطئة مع المشروعين المتعانقين الصهيوني - الصفوي ، ولاسيما ما خص منذ أشهر قدسنا المبارك وفيما يخص اليوم جولاننا الحبيب .

إن القرار الأمريكي ليس خطوة في فراغ . وهو يمثل اعتداء صارخا على القانون الدولي وعلى حقائق الجغرافيا والديمغرافيا وهو لا يقابل بالبلادة والغباوة واللامبالاة التي استقبله بها محور المكاومة والمعايعة والتي يسميه بعضهم إفكا وزورا وبهتانا محور المقاومة والممانعة . قال : وكان متكئا فجلس فقال : ألا وقول الزور وشهادة الزور ..ألا وقول الزور وشهادة الزور ..فما زال يرددها حتى قلنا ليته سكت . قال شراح الحديث : ليته سكت إشفاقا عليه لانفعاله صلى الله عليه وسلم ..

- نرفض وندين ونستنكر القرار الأمريكي في الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي صوت في سابقة هي الأولى من نوعها منذ نصف قرن ضد اعتبار الجولان السوري أرضا سورية محتلة يحتلها الكيان الصهيوني الغاصب ..ونعتبر هذا القرار خطوة على طريق التأسيس لإسرائيل الكبرى على حساب دول الجوار ، وخطوة على طريق تقسيم الدولة السورية قسيم أمريكي في الشمال الشرقي وقسيم صهيوني في الجنوب .

- نرفض وندين ونستنكر الموقف الأسدي وموقف من يسمون أنفسهم ، ويسميهم بعض السذج من بني قومنا محور المقاومة والممانعة ،المحتلين لسورية بالرعاية ؛ الصهيونية - الروسية - الأمريكية من القرار الأمريكي ، كما نرفض ونستنكر تشاغل قوى الشر هذه مجتمعة في تقتيل السوريين وتهجيرهم وتدمير بلادهم عن القيام بما تقتضيه أبسط البدائه في الدفاع عن الأرض ضد المحتل الغاصب الممتد طولا وعرضا وعمقا في الجغرافيا والثقافة على السواء ..

- وستبقى الجولان بترابه ومائه وهوائه وإنسانه أرضا عربية سورية . وستتحرر كل الأرض السورية من رجس كل المحتلين والغزاة والطغاة والمتآمرين ..

وستزهر في سورية الكلمة الطيبة شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء وثمارها عدل وحرية وكرامة إنسانية.

___________

*مدير مركز الشرق العربي

=================

الغضب العربي لم يَعُد ساطعاً

دلال البزري

العربي الجديد

الخميس 22/11/2018

الغضب هو المتبقي. في السياسة، كما في آداب التعامل. نفدَت كل الطاقات الأخرى. لم نَعُد نملك القدرة على التوقف قليلاً، والتفكير، مجرّد التفكير البسيط، بشأن ما يحصل لنا. بمرارةٍ وتجهّم، نملك قدرةً على الصراخ، غالباً بصوت جهوري، وبعباراتٍ سوداء، مكرّرة، كأنها جرعة مخدّر للأوجاع المشتعلة في دواخلنا. نقاوم بغضب، نعارض بغضب، ننهزم، ننتصر.. لا فرق. نغضب بمنهجية، ميكانيكياً، تلقائياً. الغضب هو في سريرتنا وسيلتنا الوحيدة لنيل حقوقنا. حقوق مهدورة على الدوام. لا هوادة في الهدر. ولا هوادة إذن في الغضب. الغضب ليس هو السلاح وحسب، إنه سلاح حاملي السلاح، سواء كان هذا الأخير صاروخاً أو سلطة.

والأرجح عقلا من بيننا "يبتلع" غضبه، لا يرفع سبابته، لا يُعلي صوته، لا يتلفَّظ إلا بعبارات الهدوء والطمأنينة، لكن رجحان العقل هذا ظرفي، مخنوق، مضطر، لا يسعه إلا الحكمة. وفي دواخله بركانٌ لا يريد له أن ينفجر، ليس في هذه اللحظة بالذات. أنظر مثلاً إلى قادتنا، كم يلعبون بالغضب كأنهم في ساحةٍ منْسيةٍ لمراهقين يتدربون على الكرة. يوم يصعدون إلى القمة، يكونون قد ملأوا الرحاب غضباً وشططاً بصراخهم، الهادئ أو الهادر. رموا غضبهم على خصومهم وأعدائهم، رموهم بأقبح العبارات، هدّدوهم، ألقوا الحرَم عليهم، عمالةً وخيانةً وإلى ما هنالك. تعبوا على غضبهم أشد التعب. وفي النهاية، بعدما صاروا مسؤولين أو زعماء، باتَ عليهم أن يحسبوا لغضبهم حسابا، كما يحسبون لميزان القوى. فأخذوا يدوْزنون لحنهم، يضبطونه، بحيث لا يذهبون إلى الداهية بغضبهم. اعتمدوا ذاك الهدوء في لحظات التمرير، ليعودوا إلى نغمتهم الغاضبة في الأوان المناسب، يشمّرون عن صوتهم ولسانهم، فتضجّ الدنيا بالعنف والثأر والكراهية، وتعمى البصائر. فلا يعرف المبتدئ أيّهما مفتعل: الغضب أو الحكمة؟ أم الاثنان معاً؟

ولا فرق جدّيا عندهم بين حالتَي الهزيمة أو الانتصار: الاثنان يبعثان على الغضب. الأولى، الهزيمة، لأن الغضب باتَ الجواب الوحيد المتوفر على الهزيمة، تتخلّلها عباراتٌ مثل 

"الغضب هو عصب التفاعل السياسي مع الحدث، في المشرق العربي" الاستضعاف والظلم والتهميش. والثاني الانتصار، لأن الغضب ضروري لتكشير الأنياب ضد المشكّكين بهذا الانتصار، وبالعبارات نفسها، أي الاستضعاف والظلم والتهميش.. من دون نسيان التهديد! غضبٌ يتوعّد بغضبٍ أعلى، موجع، قارص.. افهموا أننا منتصرون! يقول لسان حالهم. وإلا ذروة جديدة من الغضب، جولة غضب.

الغضب هو عصب التفاعل السياسي مع الحدث، في المشرق العربي، أكثر من غيره من مناطق العرب الشاسعة. هو جزءٌ لا يتجزأ من سلوك وطبائع عمّت بفضائلها على الأفراد؛ شيء يشبه الطبيعة الثانية. تتقوَّم بغضب هو منهج للتفكير، أو بالأحرى لعدم التفكير. طبيعة ثانية، يتناولون عبرها الشؤون العامة، طريقتهم البسيطة تعتمد على نبش كل المثالب، كل الشرور، كل الغباء، كل الأكاذيب، كل الظلم.. الذي يتمتع به العدو. وهذه طريقةٌ أصبحت تقليداً، أسّسه جيلٌ سابقٌ من الغاضبين، كان تخصّصهم رمي أعدائهم، بذكاء وتوثيق وتحليل، في نار غضبهم الساطع.. لم تكن صفةً تناسب الغضب، وقتها، غير السطوع. كان غضباً نديّاً، أخضر، بركان واحد ينفجر، فلسطين، عبد الناصر، "ارفع رأسك يا أخي". أما الآن...

وفي أعماق هذا النموذج من المتعاطين بغضب، ثمّة قناعة مختزنة: من أن غضبهم هذا هو طريقتهم في تأكيد حقوقهم وفي انتزاعها. أكانت هذه الحقوق وطنيةً أم خاصة. أن يكونوا غاضبين يعني أن معهم حقاً، بالأساس. وأن غير الغاضبين، هم بالتالي المتخاذلون، العُميان، الخوَنة.. أو في أقصى حالات التسامح، الغافلون عن كونهم لا يخدمون إلا العدو، بقلّة غضبهم هذه، كأنها قلّة حشمة، أو أخلاق. والمغضوب عليهم هم قليلو "الجذرية" في تناولهم الأوضاع، على أساس أن "الجذرية" تغذّي الغضب بكل ما يحتاجه من وقود "فكري"، فللتحليل "الجذري" حظوة خاصة عند الغاضبين، وتعريف خاص: إنه من أنواع التحليلات التي تؤكّد على صحة غضبهم وأحقّيته.

وقد فرضَ هؤلاء نموذجا من الشخصيات "الغاضبة"، سبقها صيتُها، وزيَّنته كل صفات

"سموم العقم قد أصابت مخيلتنا السياسية، والشخصية أيضاً" الغاضب المعروفة. بأنه، بغضبه هذا، هو شخصٌ صادق، نزيه، ملتزمٌ بقضايا الوطن، فاهم اللعبة ومؤامراتها. ثم يليه نوع من "السنوبيزم" على الطريقة المعهودة: انتماء صاحبنا إلى نادي الغاضبين، أو نادي الذين يستمدّون طاقتهم على الغضب من إخوانهم المفكِّرين والكتاب بغضب؛ الذين ينتجون نصوصاً غاضبة، ويرمون بوجهك كل ما يسمح به غضبهم، المشروع دائماً، بوجهك، أنت الذي تتراخى وتتقاعس أو تخون..! ولا عجب، ساعتئذ، أن يسير من بلغ نُخاعه الغضب نحو الموت الانفجاري، الموت الانتحاري؛ ليس دائماً بسيارةٍ مفخّخة، إنما أحيانا بتفخيخ الحياة نفسها، بحيث تتحوّل إلى براكين، ينطفئ واحد، ويثور آخر، هكذا دواليك.. الانتحار الانفجاري هو المآل المنطقي الوحيد للغضب.

في تلك البيئة المبوَّأة بالغضب، نماذج من الغاضبين الفاعلين: من المغنية الشابة التي تشدو للعرب بأن "يغضبوا" (غير غضب فيروز الساطع)، إلى الأستاذ الجامعي الذي يحمِّل نفسه صفة "العربي الغاضب"، إلى الكاتب المكْفهر الذي يغضب من الذين لا يصدّقون حقائقه، إلى الفنانة الغاضبة صميمياً، فنياً وحياتياً، فيتسوّق إنتاجها من تلقاء نفسه.

اللائحة لا تنتهي. والنتيجة أن سموم العقم قد أصابت مخيلتنا السياسية، والشخصية أيضاً، بعدما استهلكنا غضبنا، وباتَ علينا إعادة اختراع غضبٍ جديد، إن كان لا بد من غضب؛ غضب متقطّع، مصداق، يتخلّله نَفَسٌ عميق، يفجر حدثاً، أو يدشّن دورة أخرى من دورات مقاومتنا، أو، ربما، عدم مقاومتنا انهيارنا.

==========================

العملية التركية لضبط الأمن في عفرين

 بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 22/11/2018

أثارت صور، نشرت على وسائل التواصل الاجتماعي، للناشط الإعلامي بلال سريول بعد تحريره من قبضة «فرقة السلطان مراد» الموالية لتركيا، استياءً واسعاً بسبب علامات التعذيب الواضحة على جسده. وسريول هو من النشطاء المدنيين المعارضين ممن تم تهجيرهم من الغوطة إلى عفرين التي تسيطر عليها فصائل تابعة لحملة «غصن الزيتون» التركية.

وفي وقت لاحق دخل سريول الأراضي التركية، في وقت لا تسمح فيه تركيا بدخول أي نازحين سوريين.

ليس سريول أول ضحايا تلك الفصائل المحسوبة على «الجيش الحر» الذي تحول، في مناطق سيطرة القوات التركية، مؤخراً، إلى «الجيش الوطني». بل تتواتر شكاوى كثيرة من منطقة عفرين حول انتهاكات تلك المجموعات المسلحة التي باتت، منذ وقت طويل، أقرب إلى عصابات مرتزقة تمارس السلب والنهب حيثما حلت. ولا يقتصر الأمر على مدينة عفرين والقرى التابعة لها إدارياً، بل تشمل أخبار الانتهاكات مناطق «درع الفرات» أيضاً الممتدة من جرابلس إلى إعزاز وصولاً، في العمق، إلى مدينة الباب قرب مدينة حلب. وتتراوح الانتهاكات بين الخطف بهدف طلب الفدية، والقتل لأتفه الأسباب. كما شهدت تلك المناطق عمليات اغتيال مجهولة الفاعل لنشطاء مدنيين أو لقادة عسكريين للمجموعات المسلحة، إما في إطار تصفية حسابات أو في إطار الصراع على مناطق النفوذ والسيطرة و«الغنائم».

مختصر القول، إن المناطق التي دخلها الجيش التركي، سواء في عملية درع الفرات، منذ صيف العام 2016، أو في عملية «غصن الزيتون» في أواخر كانون الثاني للعام الحالي 2018، تشهد فوضى أمنية كبيرة، ضحاياها السكان المدنيون أولاً. نوع من قانون الغاب حيث كل من أمسك بالسلاح يفرض سلطته على السكان ويرتكب ما يشاء من انتهاكات. وكل ذلك في المنطقة التي تسيطر عليها القوات التركية التي لم تتدخل ولا حاولت فرض قواعد سلوك معينة على فصائل عسكرية محسوبة عليها. مع العلم أن جهاز الاستخبارات التركي متواجد في تلك المناطق، ولديه شبكة متعاونين محليين يزودونه بالمعلومات التي تهمه. وهو ما يعني أن صانع القرار التركي، بأعلى مستوياته، لا بد أن يكون على اطلاع على ما يحدث في مناطق يتحمل المسؤولية السياسية عنها.

إن المناطق التي دخلها الجيش التركي، سواء في عملية درع الفرات، منذ صيف العام 2016، أو في عملية «غصن الزيتون» في أواخر كانون الثاني للعام الحالي 2018، تشهد فوضى أمنية كبيرة، ضحاياها السكان المدنيون أولاً

لم يعرف أحد الجواب على سؤال: لماذا تمتنع تركيا عن ضبط الوضع الأمني في مناطق سيطرة جيشه وحلفائه من الفصائل؟ وتزداد أهمية السؤال بالنظر إلى أن المسلك التركي، في الميادين غير العسكرية ـ الأمنية، يتناقض تماماً معه في الميدان المذكور. العلم التركي يرفرف في كل مكان، وأقامت الحكومية التركية مستشفيات، كادرها الطبي خليط من سوريين وأتراك. وشبكات الهاتف المحمول التركية هي المسيطرة على سوق الاتصالات، وتعمل شركات بناء تركية على بناء مرافق عامة أو ترميم أبنية مهدمة بسبب الحرب. التجارة نشطة بين تركيا ومناطق سيطرة جيشها، بما في ذلك شراء معظم موسم الزيتون المنتج في منطقة عفرين. القصد أن الإجراءات التركية في تلك المناطق تشير إلى ديمومة البقاء، في حين تتصرف القوات التركية وكأن أمن تلك المناطق لا يعنيها من قريب أو بعيد.

لذلك فاجأت العملية الأمنية التي قادتها قوات خاصة تركية وبمشاركة فصائل «الجيش الوطني»، في مدينة عفرين، يوم الأحد 18 تشرين الثاني/نوفمبر الحالي، السكان المحليين والمراقبين الخارجيين على حد سواء. ترى ما الذي تغير حتى تغيرت السياسة الأمنية التركية بطريقة مفاجئة؟ أم أنها عملية منفردة لهدف محدود ولا يتعلق الأمر بتغيير كبير؟

امتنعت المراجع السياسية التركية عن أي تعليق على العملية، واقتصر الأمر على تغطية هامشية في وسائل الإعلام، عبر تقديمها على أنها ملاحقة لمطلوبين بسبب انتهاكاتهم. والحال أن الانتهاكات لم تقتصر على فصيل «شهداء الشرقية» بل شاركت فيها جميع الفصائل. واللافت، بهذا الخصوص، أن حالة الإعلامي بلال سريول المذكورة في مقدمة هذا المقال، التي ربما كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، تشير إلى مسؤولية لواء السلطان مراد، وليس شهداء الشرقية. والأول من أكثر الفصائل رعاية من قبل تركيا، وقد شارك في الحملة ضد شهداء الشرقية التي انتهت بطرد عناصرها من مدينة عفرين بعد الاستيلاء على جميع مقراتها.

ترى هل يتعلق الأمر باستحقاقات ملحة تواجهها تركيا إزاء شريكها الروسي في اتفاق سوتشي بشأن إدلب؟ أي هل هي رسالة تركية تريد طمأنة الروس إلى أن تركيا جادة في محاربة الفصائل «الناشزة»؟ (فقبل أشهر قليلة، افتعل «شهداء الشرقية» معركة محدودة مع قوات النظام في ريف حلب الغربي). أم، بالعكس، هي رسالة لروسيا بأن فصائل «المعارضة المسلحة» هي تحت السيطرة التركية، بما يمنح تركيا موقع المفاوض الذي يملك أوراق قوة يفاوض بها روسيا في الخلاف حول اللجنة الدستورية؟ أم أن الأمر يتعلق بإدراك متأخر لضرورة ضبط الأمن في مناطق محسوبة عليها، ولاستمالة السكان لمصلحتها؟

لقد سبق لحزب الشعوب الديمقراطي ـ الممثل السياسي لكرد تركيا في البرلمان ـ أن أثار موضوع انتهاكات الفصائل المحسوبة على تركيا في منطقة عفرين، لكن الحكومة التركية تعاملت معه بازدراء، وأنكرت وقوعها جملة وتفصيلاً. ترى هل يتعلق الأمر، بالنسبة لعفرين على الأقل، ببداية التحضير للانتخابات البلدية التي ستجرى في آذار/مارس 2019، لكن معركتها بدأت منذ الآن؟ والقصد هو محاولة الحكومة كسب قلب الناخب الكردي من أجل الفوز ببلديات مناطق جنوب شرق الأناضول ذات الكثافة السكانية الكردية. بل إن صوت الناخب الكردي مهم أيضاً في بعض المدن الكبرى غرب البلاد، كاسطنبول مثلاً. ومعروف أن التنافس على أصوات الكرد يكون أساساً بين حزب الشعوب وحزب العدالة والتنمية الحاكم. كل الاحتمالات المذكورة، أو بعضها، قد تكون وراء العملية الأمنية في عفرين، وقيل إنها ستمتد أيضاً إلى جرابلس والباب وغيرها من بلدات وقرى منطقة درع الفرات. ولكن لا بد، من باب الطرافة، من ذكر بعض «تحليلات» صحف موالية للحكومة التركية، بلغ بها «تسييس» العملية الأمنية حد اتهام «شهداء الشرقية» بتلقي أموال من «دول خليجية» لاختلاق ما يربك الحكومة التركية، على خلفية التوتر السعودي ـ التركي بشأن جريمة قتل جمال خاشقجي!

==========================

متلازمة ستوكهولم.. البوط العسكري ونظام الأسد

عماد غليون

حرية برس

الاربعاء 21/11/2018

سبق الاحتفاء بحافظ الأسد الثاني في حارات دمشق القديمة رفع الأب بشار على الأكتاف بعد تمثيلية مختطفي السويداء وتحرير جيش النظام لهم من قبضة داعش؛ ويعبر المشهدان بواقعية عن غرابة الحالة السورية وعودة مظاهر تمجيد الأسد ونظامه من جديد بعد ارتكابه موبقات فاقت حد الخيال ارتكبها بحق سورية والشعب السوري.

في وقت مبكر من عمر الثورة عايشت حالة غريبة في ندوة لاتحاد الكتاب العرب حضرتها صيف 2011؛ كان محيراً الدفاع الشرس عن مواقف النظام الذي واجه به الحضور سجينٌ سياسيّ يساريّ سابق قضى سنوات طويلة في سجون الأسد؛ وفيما بعد ظهرت حالات كثيرة مشابهة ولم تعد تلك الحالات استثنائية.

في محاولات فهم وتحليل ذلك السلوك الصادم وتأييد الضحية للجلاد جرى تصنيفه في ظاهرة نفسية حديثة يطلق عليها متلازمة ستوكهولم وهي تشير لحالة نفسية غريبة يتحول فيها الشخص الواقع تحت العنف والتعذيب للتعاطف مع المضطهدين له وإبداء ولائه لهم؛ ويفسر ذلك لشعوره بفقدان القدرة على المواجهة واعتقاده أن مصيره بات كلياً بيد مضطهديه.

ظهر هذا المصطلح إثر حادثة سرقة بنك في ستوكهولم؛ فقد أدت العملية التي امتدت عدة أيام لبروز حالة غريبة من التعاطف بين الرهائن تجاه الخاطفين وتحولهم للدفاع عنهم ورفض تقديم شهادة ضدهم؛ لا بل عملوا على جمع الأموال لمساعدتهم في عملية التقاضي؛ ومن دراسة تلك الحادثة وتحليلها جرى إطلاق المصطلح وتعميمه على حالات مماثلة ومنها حالة تأييد النظام السوري إثر الثورة السورية وتداعياتها.

في مواجهة طوفان الثورة السورية ربط النظام مؤيديه بشبكة منافع ومصالح قائمة على أسس طائفية ومناطقية؛ وغض الطرف عن ممارساتهم في الخطف والتعفيش والنهب والفساد وأبواب الارتزاق غير المشروعة؛ ورغم ذلك كان ينتظر اندلاع حركات احتجاجية في أوساط المؤيدين مع سقوط أعداد كبير من القتلى في صفوفهم وظهور طبقة من الأرامل وتردي أوضاعهم المعيشية والاجتماعية؛ لكنهم واصلوا الدفاع أكثر عن سياسات النظام في القتل والقصف والتهجير والاحتفال بسقوط ضحايا في المناطق الثائرة؛ ومن ثم قاموا باعتماد البوط العسكري شعاراً لهم حيث كانت تجري طقوس لرفع البوط فوق الرؤوس وتزيينه بالورود وإقامة النصب له في الساحات العامة.

لكن الحالات التي ظهرت في المناطق الخاضعة حديثاً لسيطرة النظام ومناطق المصالحات ربما تكون أكثر تطابقاً مع وصف متلازمة ستوكهولم؛ حيث عادت وبقوة مظاهر الرياء المعروفة وإعلان تأييد النظام والندم للوقوف سابقاً ضده والتراجع عن خط الثورة وإدانته؛ ولا يمكن تبرير تلك التصرفات والمبالغات في مظاهر الاحتفال على خلفية الضغوط التي يمارسها النظام والظروف الصعبة التي يمر بها الأهالي؛ حيث يمكن الاقتصار على إبداء الحدود الدنيا القسرية في إشارة للاحتجاج على همجية النظام وفظائعه؛ وما يثير الحنق أكثر صكوك البراءة التي تنهال على النظام وتدعو للتطبيع معه رغم الدوافع السياسية والبراغماتية وراءها.

لا يكترث النظام بصدق المشاعر المرافقة لطقوس التأييد ولا تزعجه مظاهر الرياء والنفاق فهي تقلل من قيمة ومصداقية فاعليها بالدرجة الأولى؛ وهذه الطقوس هي كلمة السر التي اعتمد عليها النظام في هيمنته المطلقة على كافة مفاصل المجتمع السوري؛ ولذلك يكرسها في كل زمان ومكان وينشر الصور والتماثيل والشعارات على امتداد الجغرافيا السورية وفي الصحف والإذاعة والتلفزة والمناهج المدرسية وجميع الفعاليات الثقافية والفنية والوطنية ويجبر الجميع على ممارستها؛ ويريد من خلال تلك الممارسات فرض صورة نمطية في الوعي الجمعي تعبر عن سطوته الخفية الخارقة.

لم يكن النظام بحاجة لمعرفة طقوس متلازمة ستوكهولم حيث فرض ذلك على السوريين وجعلهم أمثلة نموذجية عنها؛ بعد مجازر الثمانينات في حماة وتدمر وحلب وجسر الشغور وغيرها استطاع النظام إرجاع السوريين لحظيرة الطاعة؛ فهل ينجح في ذلك مجدداً على خلفية تداعيات الثورة السورية؟.

قبل نحو قرن من الزمان دخل غورو محتلاً دمشق حيث حملت عربته على الأكتاف بعد انجلاء معركة ميسلون وسقوط الشهداء؛ ويخشى أن يكون الشعب السوري دون غيره مصاباً بداء تقديس الطغاة والهتاف بحياة جلاديه.

كما تكونوا يولى عليكم ولا بديل أمام السوريين سوى الاستمرار في ثورتهم العظيمة حتى كنس نظام عصابة الأسد.

==========================

لا حياد في هذا العالم

حسان الأسود

سوريا تي في

الاربعاء 21/11/2018

ثمّة العديد من المفاهيم الواسعة التي تحتمل كثيراً من التأويلات، بل وأحياناً تكون في بعض جوانبها ضبابيّة غير واضحة بشكل كامل، ومن أكثرها عموميّة بل وغموضاً مفهوم الحياد، رغم ذلك لم يتبدّ للكثيرين الوقت الكافي لبحثه وتعريفه وتحديده. قد يكون مردّ ذلك إلى ميوعة المفهوم ذاته، رغم دلالاته العمليّة الواسعة الطيف التي تتراوح ما بين الرياضيات والسياسة وما بين الفنّ والعلاقات الدولية وما بين الأفراد والسلطة الحاكمة.

في اللغة نقول: حايدَ الأمرَ أو حايدَ في الأمرِ، أي اجتنبه، لم يتدخّل فيه. (1) وفي الرياضيات يُعرّف العنصر الحيادي على أنّه أي عنصر إذا تمّ تشكيله مع عنصر آخر فيبقى العنصر الآخر على حاله، فالصفر حياديّ في عملية الجمع والواحد حيادي في عمليّة الضرب، وقد تكون الطبيعة

ثمّة تعريفات مختلفة تصبّ في النهاية في اعتبار الحياد مذهباً سياسياً يقوم على عدم الانحياز إلى كتلة سياسية من الكتل المتصارعة في الميدان السياسي

المجرّدة للرياضيات هي التي تعطي هذا المفهوم تحقّقه الفعلي في حالة نسبيّة لا مطلقة، فالصفر وإن كان يرمز إلى العدم أو اللاوجود، لكنّه في ذات الوقت يحمل القيمة الكامنة بذاته حسب طريقة تشكيله، الصفر المجرّد لا قيمة له، لكن بإضافته إلى يمين الأرقام يعطيها مضاعفات من كمون قيمته المطلقة.

أما في السياسة فثمّة تعريفات مختلفة تصبّ في النهاية في اعتبار الحياد مذهباً سياسياً يقوم على عدم الانحياز إلى كتلة سياسية من الكتل المتصارعة في الميدان السياسي. (2) وينسحب الأمر على الأحزاب السياسية كما على الكتل البرلمانية. أمّا في ميدان العلاقات الدولية فقد ظهرت أهمية المفهوم منذ القدم خاصّة في مجالات الحروب بين القبائل والعشائر ومن ثمّ بين الأمم والممالك والإمارات والدول المختلفة، وقد ظهر في العلاقات الدولية مصطلح الحياد الإيجابي الذي يعني: ألّا تتحيز الدولة لإحدى الدول المتخاصمة، مع احتفاظها بسياسة نشطة تشارك فيها سائر الدول فيما يخص حفظ الأمن والسلم العالميين.

في ميدان الفنون ظهر الصراع بين المدارس العقائدية التي تتحدّث عن دور وظيفي للفنّ، مقابل مدرسة الفنّ للفن التي اتهمت بأنها برجوازية تتلطّى خلف مفاهيم الحياد عن صراع الطبقات والمصالح البشرية المختلفة، ولم يُحسم هذا الصراع إلى أن سقطت المنظومة الفكرية التي قامت كإحدى آثار الثورة البلشفية وبناء الدولة الاشتراكية التي انهارت بكلّ قيمها مع انهيار الاتحاد السوفيتي وكتله الملحقة.

يقول المخرج غسّان الجباعي:

"لا شك أن الدفاع عن القيم الروحية السامية للبشر هو هدف الإبداع الأول وغايته، وأول هذه القيم هي حرية التعبير. والحرية هنا مهمة لـ (المتلقي)، كما لـ (المبدع)، ولا يمكن أن يتم ذلك عن طريق الشعارات الطنّانة والدعاية الرخيصة ومسح الأدمغة والتلقين، بل عن طريق الحوار والإقناع والإدراك العقلي والحس الجمالي الرفيع. فـ (المتلقي) ليس تلميذًا، بل هو الركن الآخر، أو الشريك الأزلي الذي لا تكتمل عملية الإبداع إلا بوجوده." (3)

هذا الدفاع عن استعلاء الفنّ على الأيديولوجيا ينفي فكرة الحياد، لأنه يعتبر انحياز الفنّ للقيم الإنسانية العليا الغاية الأولى والنهائيّة للفنّ، وبالتالي فلا مجال للمقارنة بين ما هو سامٍ مترفّعٍ عن المصالح الفئوية وبين ما هو ضيّق الأفق محدود في الزمان والمكان.

في الثورات أيضاً يكثر الجدلُ عن الحياد والحياديين، فثمّة من يعتبر أن الحيادي هو من لا يشارك في الثورة ضدّ الاستبداد، أو من الطرف المقابل يُنظر للحيادي على أنّه من لم يقف مع النظام الحاكم ضدّ المتمرّدين أو المخربين

في العلاقات الإنسانية لا وجود للحياد، فالناس تصطفّ خلف مصالحها أو خلف قيمها أو حتى خلف مشاعرها وأمانيها

أو الإرهابيين كما يحلو لإعلام الأنظمة تسميتهم. ولو رجعنا إلى معظم الثورات خاصّة الحديثة منها، لكان لدينا ألف سبب وسبب لنعتقد بأن الأغلبية العظمى من الناس كانت بشكل أو بآخر منحازة لفئة من الفئات المتصارعة وإن لم تعبّر بشكل جليّ عن موقفها هذا، مما ينفي عن عموم الناس صفة الحياد، فليس حياديّاً إلّا من لم يسمع بالثورة أو لم يُبدِ أيّة ارتكاسة أو ردّة فعل عليها، وهذا مُحالٌ في زمننا الراهن.

في العلاقات الإنسانية لا وجود للحياد، فالناس تصطفّ خلف مصالحها أو خلف قيمها أو حتى خلف مشاعرها وأمانيها. إنّ وقوفك على الحياد من جريمةٍ ارتُكبت في الشارع أو في أقبية أحد المعتقلات أو على الهواء مباشرة أو في القنصليّة مثلاً، لا يعني أنّك لا تأخذ موقفاً وأنّك تعزلُ نفسك عن هذا الجرم ومرتكبيه، بل بكلّ بساطة أنت مشارك به معنويّاً ومساندٌ للمجرمين باتخاذك موقف التأييد عن بُعد بمجرّد صمتك، فالسكوت في معرض الحاجة إلى البيان بيان. يقول دانتي: "أحلك الأماكن في الجحيم، محجوزة لهؤلاء الذين يحافظون على حيادهم في أوقات الأزمات الأخلاقيّة العظيمة".

ينطبق الأمرُ على الإعلام والصحافة والأدب وجميع مناحي الحياة البشرية، كذلك ينطبق على القانون الذي يُفترضُ فيه التجرّد والعموميّة والإطلاق، لكنّه في حقيقة الأمر ليس حياديّاً، لأنه بكلّ بساطة ينحاز إلى جهة الحق والعدل. الحيادُ إذاً غير موجود، فهو عمليّاً لا مرئيّ، إنه مجرّد حالة نظريّة لا تعني شيئاً على أرض الواقع، حتى ليكادُ المرء يعتقدُ أن الطبيعة بذاتها ليست محايدة، وكيف تكون كذلك وهي تعطي أسباب الوجود للأقوى والأجدر في عملية الاصطفاء الطبيعي قبل تدّخل الإنسان ومحاولاته الحثيثة لتغيير قوانينها؟

 في الحقيقة – وخارج إطار الرياضيات المجرّدة - لا يوجد شيء اسمه حياد، فالحيادُ انحياز، إنه انحيازٌ لجهة ما أو لموقف أو لفكرة أو لوجهة نظر ما، والإنسان الحقيقي هو من لا يدّعي الوقوف على الحياد بل يقرّ بانحيازه، لأنّه يأخذ الموقف الذي يُمليه عليه ضميرُه وتفرضهُ قيمهُ حتى وإن تعارضت في الظاهر مع مصالحه وحتّى وإن هددّت أسباب وجوده.

 المراجع:

معجم المعاني.

https://www.almaany.com/ar/dict/ar-ar/الحياد/

المرجع السابق

شبكة جيرون الإعلامية- 14 تشرين الثاني 2017 – الفنّ للفن.

==========================

تناذر "الطفل المضطهد" من الاستبداد إلى الحروب

سوسن جميل حسن

سوريا تي في

الاربعاء 21/11/2018

عندما سمعت للمرة الأولى بتناذر "الطفل المضطهد" أثناء دراستي الطب، في قسم أمراض الأطفال، استهجنت التسمية واعتبرتها نوعًا من المبالغة، لكن الممارسة العملية والاحتكاك المستمر مع المرضى ومن خلال تجارب الحياة، تبين أن الحالة ليست نادرة، بل هي شائعة جدًا، حتى في مجتمعاتنا التي يُقال بأن هذا التناذر إحصائيًا نسبته أقل فيها من تلك التي في الدول الصناعية أو المجتمعات الغربية التي لها مشاكلها النفسية على الصعيد الفردي وعلى الصعيد المجتمعي، لكن الفرق أولاً أن الدراسة والإحصاء وإنتاج المعرفة والبحوث في مختلف الميادين كلها تكاد تكون معدومة أو بالحد الأدنى في بلداننا، عدا الكثير من المفاهيم الغائبة أو المغيبة أو المهملة حدّ عدم الالتفات إلى انتهاكها، ومنها حقوق الطفل.

وقبل الدخول في مفهوم حقوق الطفل لا بد من الإشارة إلى أن متلازمة الطفل المضطهد تشير إلى مجموعة من الأعراض والإصابات الناجمة عن ممارسة العنف بحق الأطفال قد يصل في بعض حالاته إلى أن يكون سبب الوفاة لدى الأطفال.

يصادف في العشرين من هذا الشهر نوفمبر/ تشرين الثاني اليوم العالمي لحقوق الطفل، إذ تم التوقيع على المعاهدة الدولية التي تقر حقوق الطفل كإحدى اتفاقيات حقوق الإنسان من قبل عدد كبير من الدول في العالم ومنها الدول العربية التي تحفظ معظمها على بند الاعتقاد. أهم هذه الحقوق هي حق الحياة والصحة والتعليم واللعب، وكذلك الحق في حياة أسرية تغمرُها السعادة والمرح والتفاهم والحب لا الكراهية والعنف، فلا بد أن يتم إعداد الطفل الإعداد الكامل والتربية على القيم والمبادئ العليا والمثل الطيبة، وتنشئته على المساواة والحب والتسامح والكرامة. وتجب حمايته من العنف، وعدم التمييز، والاستماع إلى رأيه.

حقوق الطفل في مجتمعنا السوري كانت منتهكة مثلما هي حقوق المواطنين جميعها

بالنسبة لحقوق الطفل في مجتمعنا السوري كانت منتهكة مثلما هي حقوق المواطنين جميعها، بل أكثر من ذلك، لأن الأطفال يعتبرون من الشرائح الاجتماعية الأضعف وبالتالي يمارس بحقها كل أنواع الاضطهاد والتمييز، ابتداء من البيت وصولاً إلى المدرسة. يكفي أن يكون معدل الإنجاب لدى الأسرة السورية عاليًا، وبالتالي عدد الأطفال فيها، حتى تكون القدرة على تأمين الحد الأدنى من الحقوق لكل طفل شبه معدومة فيما لو توفرت النية والدراية والإقرار بأن للطفل حقوقًا، في ظل تردي دخل الفرد في سوريا.

أما من الناحية التربوية فإن الثقافة العامة متناغمة مع جو الاستبداد السياسي والديني والاجتماعي فإنها تقوم على العقاب كأساس للتربية القويمة، العقاب الذي يتدرج في مستوى العنف حتى يصل إلى حدود غير مسبوقة، من أذى جسدي ومعنوي ونفسي تميت لدى الطفل الإحساس بذاته وينمو ويكبر مكسور النفس غير واثق بمقدراته وغير قادر على اتخاذ القرار.

الطفل في سوريا منذ بداية تعليمه وتكوين منظومة وعيه وتشكيل شخصيته، تمارس المدرسة والمؤسسات التعليمية دورها التربوي على الأسس الشمولية القائمة على القمع والعنف والتمييز، ومحو شخصية الطفل، فمنذ البداية يتعلم الطفل أنه عدد ضمن قطيع كبير اسمه طلائع البعث أو شبيبة الثورة، وأن هناك لباسًا مدرسيًا عليه ارتداؤه ليصبح صورة عن غيره وغيره صورة عنه حد التطابق، ويتعلم التلقين والتلقي بحسب الأسلوب التربوي والتعليمي المتبع، وكلما تدرج في المراحل التعليمية تقلصت القدرة الإبداعية لديه وتراجعت وظيفة التفكير والمقارنة ليصبح همه الوحيد حفظ المعلومات التي تقدمها المؤسسة التعليمية عن ظهر غيب من أجل أن تمتحن ذاكرته ليس أكثر ويحصل على علامة النجاح، ولا يمكن إغفال الطريقة التربوية المتبعة غالبًا في المدارس القائمة على التعنيف والتحقير.

في البيت ليس الوضع أفضل بكثير، فالأسرة التي ترزح تحت ضغط المعيشة، والتي يكون فيها الآباء يعانون بطريقة أخرى من الخوف في ظل نظام قمعي ويكابدون شظف العيش وضيق الحال وتقلص إمكانية الاختيار أو القرار حتى في إدارة حياتهم الخاصة فهؤلاء الآباء غير قادرين على تأمين حقوق الطفل ورعايتها، فيما لو كانوا يدركون معناها وضرورتها، فكيف وهم ينتمون إلى ثقافة سلطوية متأصلة قائمة على العقاب في الدرجة الأولى والترهيب من الآخرة فيما لو أخل الطفل بالوصايا المنزلة المرتبطة بمنظومة قيم معظمها قائم على مفهوم الطاعة حدّ العبودية، وما يزيد في تكريسها ورهبتها إسنادها إلى الدين وربطها بالمقدس ويوم الحساب.

سوريون قفزوا من عتبة الطفولة إلى الكهولة دفعة واحدة

بعد ثماني سنوات على الحرب السورية، يمكن التكهن بعدد السوريين الذين لم يمروا بمرحلة الطفولة، سوريون قفزوا من عتبة الطفولة إلى الكهولة دفعة واحدة، وربما إلى الشيخوخة والعجز. الطفولة التي بحسب منظمة اليونسف تمتد حتى سن الثامنة عشرة، السن التي قبلها تعاني غالبية أطفال سورية من تناذر الطفل المضطهد، الطفل الذي يمارس بحقه كل أشكال القسوة والعنف والحرمان التي زادتها ظروف الحرب شدة وشراسة وقسوة، دفعت بالكثير من أطفال سوريا من المهد إلى حمل السلاح أو الضياع في تغريبة ربما لم يشهد التاريخ مثلها.

لقد دعت منظمة اليونسيف العالم للاحتفال بيوم الطفل باللون الأزرق من خلال مواقع السوشيال ميديا، ولفت النظر إلى حقوق الأطفال وضرورة تمتعهم بالحياة الكريمة، وتوفير جو من السعادة والحب والأمان، فهي منظمة عالمية ترى أن الأطفال منتهكو الحقوق ومحرومون. هل هذه المنظمة ذات الأهداف النبيلة، والعالم كله لم يسمعوا بأطفال سوريا؟ وأطفال اليمن؟ وأطفال الدول الفقيرة المستغلة منتهكة الحقوق؟ فضاء أطفال سوريا واليمن مزيج من الأحمر والأسود، من رائحة الدم والبارود، سوريا خسرت أطفالها مثلما خسرت شبابها، فأي مستقبل ينتظرها؟ هل يصنع المضطهدون مستقبلاً؟ تناذر الطفل المضطهد وباء مستوطن في هذه البلاد المنكوبة، فهل سمعت منظمة الصحة العالمية بهذا الوباء؟ أم إن قوانين الحرب تضع المشكلة بين قوسين وتدفع إلى هامش جدول أعمالها؟ أي دور تقوم به تلك المنظمات وأي مهزلة هي الاتفاقيات والمعاهدات التي تبرمها إذا لم تكن ملزمة وإذا لم تكن جرس إنذار يردع نزعات الجبابرة المتحكمين بأمن العالم وحياة البشرية ويوقفها عند حدها؟

==========================

عصر الكيماوي والمنشار

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الاربعاء 21/11/2018

تصريحات مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون، ومن قبله وزير الخارجية الفرنسي، توحي بأن الغرب يسعى بكل جهده إلى تبرئة محمد بن سلمان من جريمة اغتيال الصحافي جمال خاشقجي ثم تذويبه بالأسيد، فبولتون الذي قال إنه لم يستمع للتسجيلات التي كشفت عنها الاستخبارات التركية، والتي يقول فيها أحد أعضاء فريق القتلة ماهر مطرب لمسؤوله: «أبلغ سيدك أن المهمة أنجزت»، جزم بعدم مسؤولية ابن سلمان، وهو الذي لم يكلّف نفسه عناء الاستماع لتسجيلات جريمة هزّت كل من له ضمير، فهو كان مشغولاً بما هو أهم من جريمة عصر كهذه.

إذا كان محمد بن سلمان -بنظر بولتون- بريئاً مما حصل للشهيد خاشقجي، فهو أولاً يناقض رئيسه ترمب نفسه، الذي كان قد صرّح لـ «وول ستريت جورنال» بأنه «إذا كان أحد يعلم بالعملية، فإن محمد بن سلمان أول من كان ينبغي أن يعلم بها»، مثل هذه المساعي لتبرئة قاتل عرفه القاصي والداني، مع سوابق معروفة من احتجاز وابتزاز أمراء ورجال أعمال ورئيس وزراء دولة عربية، بالإضافة إلى اختطاف أمراء، كلها توحي بنوعية من يدير هذا العالم اليوم، مثل هذه المساعي سبقها مساعٍ أميركية في غسل جرائم بشار الكيماوية، ولعل طريقة تعاملهم معه ومع العصابة المجرمة في دمشق تؤكد ذلك، إن كان عبر مفاوضات الأمم المتحدة، أم عبر مؤسسات الأمم المتحدة التي تلعب فيها واشنطن الدور الأكبر، وكذلك عبر مسؤوليتها في اختطاف الثورة السورية بدعم عصابات كردية متعاونة بشكل يومي ولحظي مع عصابة الأسد بدمشق، وفوق هذا كله منع السوريين من الحصول على أي سلاح يردع العصابة ، بل ومنع أية دولة شقيقة أو صديقة من مساعدة السوريين، وتهديدها بالويل والثبور وعظائم الأمور، كل هذه الدلائل تؤكد أن العصر لم يعد عصر هوليود ولا عصر الدبلوماسية الأميركية الناعمة، وإنما عصر الكيماوي والمنشار ونحر الديمقراطية والقيم.

ما تريده واشنطن وغيرها في العالم الغربي -على ما يبدو- هو خلق بشار الأسد آخر، فلن يكون هناك زعيم غربي واحد قادراً على مجرد أخذ صورة مع بشار أو ابن سلمان، بعد أن عُرف الأول ببشار الكيماوي والثاني مبس منشار العظم، وإلا فسيتعرض كل من يلتقط صورة معهما لموجة رهيبة من الانتقاد الغربي وتحديداً الإعلامي، الذي وقف بكل قوة ومهنية مع قضية خاشقجي ولا يزال، ولكن بالمقابل الغرب يريد من نماذج كهذه أن يبتزها، ويجعل منها مجرد واجهات لتنفيذ سياساته وابتزازاته، فبشار الأسد اليوم هو واجهة لخطف وسرقة الثورة السورية، مع استباحة الشام خشية من انتصار الثورة السورية، وتعميم التجربة على مناطق الاستبداد العربي، والأمر نفسه بالنسبة لابن سلمان، فابتزازه يوفر لهم صفقات أسلحة لفترة طويلة، مع شلّ حركة بلاده وتحركها في العالمين العربي والإسلامي، مما يضعف المواقف العربية والإسلامية، ويفسح المجال لأعداء الأمة، وهو ما برز جلياً بالتنازلات التي قدمها ابن سلمان، إن كان بـ «صفقة القرن» والعلاقات مع إسرائيل، أم من خلال الوحل والمأزق الذي دخله في اليمن، بعد أن قطّع علاقاته مع الشعوب العربية والإسلامية وكثير من الدول العربية، بفرض حصار جائر ظالم

==========================

لم يبق من ماضينا ما يستحق أن نبكي عليه

برهان غليون

العربي الجديد

الاربعاء 21/11/2018

أسفرت سياسات الغرب الاقتصادية في العقود التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، من جهة، وإخفاق تجارب النظم الشيوعية في تقديم بديل للرأسمالية التوسعية (الإمبريالية)، من جهة ثانية، وفشل سياسات الاستقلال والتنمية الاقتصادية والاجتماعية في بلدان العالم الثالث ثم انهيارها من جهة ثالثة، عن انقسام العالم بين ثلاث مجموعات: الأولى، الدول المتقدمة التي تشكل جزءا من مجموعةٍ مندمجة، تتفاعل في ما بينها داخل دائرة واحدة للنمو الاقتصادي والتقني والعلمي. والثانية، ما درجت الأدبيات السياسية على تسميتها الدول الصاعدة، التي تسعى إلى اللحاق بالمجموعة الأولى، وتملك عناصر قوية لمتابعة حركة النمو والتواصل مع المجموعة الأولى المسيطرة على ناصية التحولات والتطورات الرأسمالية والتقنية والعلمية. والثالثة التي تكاد تقطع مع حركة التحولات المادية والسياسية والاجتماعية، وتخرج من دائرتها وتتحول إلى عالة على نفسها، وعلى المجموعات الدولية الأخرى، بمقدار ما يفقدها انقطاعها عن دورة التنمية العالمية سيطرتها على مصيرها. وهذه هي حال الأغلبية الساحقة من الشعوب التي بقيت على هامش الحضارة، الصناعية والتقنية والعلمية، والتي تكاد تفقد، مع مرور الوقت وتفاقم حالة التهميش وتدهور شروط حياة الجماعات المختلفة وتنامي النزاعات في ما بينها، روح المدنية، وما تمثله من تقدم سياسي وقانوني أخلاقي

وإذا كانت لدى الغرب، بالمعنى الحضاري، لا الجغرافي أو السياسي، أي بما فيه اليابان

"أصبح الإرهاب صناعة استراتيجية لا تختلف عن صناعة الحرب" وأستراليا وغيرهما من البلدان المشتركة في الدورة الاقتصادية والقيم الديمقراطية ذاتها، سياسة واضحة تجاه البلدان الصاعدة، كالنمور الآسيوية وتركيا والبرازيل وأي دولةٍ تنجح في السيطرة على قرارها، والإمساك بزمام حركة التقدم المادي والسياسي والمعنوي، قائمة على محاولة دمجها واستيعابها في الدورة الاقتصادية بشكل أساسي، من دون مشاركتها في النادي الديمقراطي والقيم الإنسانية التي تشكل بطاقة الانتماء لنظام المدنية في الوقت الحاضر، فليس لديها تجاه الدول التي أخفقت في التعلق بقطار النمو والتقدم الحضاري والمدني، والتي تنوء بالمشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وتنتج باضطراد المزيد من العنف والتطرف والنزاع والخراب، سوى خيار واحد: عزلها عن العالم ومحاصرتها لمنعها من تعكير صفو الحياة الوادعة، وتعطيل ديناميكيات الازدهار الاقتصادي والسلام الاجتماعي في دول المركز. ولا تملك لتحقيق ذلك سوى وسيلتين: السيطرة عليها بالقوة، وتفكيكها حتى يمكن إخضاعها والتحكّم في سياساتها، وهذه كانت سياسة الاستعمار القديم التي لم تعد ممكنةً، أو التعاون مع نظمٍ محليةٍ، تقوم بالمهمة ذاتها لقاء تقديم مزيدٍ من الدعم المادي والسياسي.

والواقع أن فشل الأسلوب الأول، كما برهنت على ذلك حروب الإخضاع العديدة من أفغانستان إلى العراق، أفضى إلى المراهنة بشكل أكبر على الصيغة الثانية، وهي دعم الأنظمة المحلية التي تثبت قدرة أكبر على إخضاع هذه الشعوب، وتدجينها، وفرض الطاعة عليها بوسائل تخجل منها الحكومات الديمقراطية "الناضحة

وفي العالم الإسلامي الذي يشكل الجزء الأكبر من دول المجموعة الثالثة التي خسرت رهانها التنموي والتمدني، يمكن للحرب ضد الإرهاب أن تساهم مساهمة أكبر في تلغيم الدول من الداخل وتفجيرها، ما جعل من الإرهاب لأول مرة في التاريخ قضية جيوستراتيجية من الطراز الأول، تعمل عليها الدول، وتعد لها. وفي الغالب، تقوم هي نفسها اليوم بتنظيمها وإطلاقها عند الحاجة

وأكثر هذه المناطق التي أحبطت محاولاتها الصناعية والتنموية، وفرض عليها التهميش

"وقف الغرب وحلفاؤه باستمرار في وجه أي تحولاتٍ إيجابية وثورات شعبية" والدوران في حلقة مفرغة، كانت منطقة المشرق العربي، لأسبابٍ متعدّدة، من أهمها ضمان أمن إسرائيل وتفوّقها الإقليمي، من ضمن المساهمة في التحلل من المسؤولية عن المحرقة اليهودية، والتبرؤ من سياسات العنصرية المعادية للسامية في أوروبا. وفي الوقت نفسه، تأمين قاعدة للسيطرة الغربية. ومنها الثروة النفطية الاستراتيجية التي انطوت عليها أرض الجزيرة العربية القاحلة، ومنها أيضا الخوف من بروز قوة استراتيجية كبرى جنوب المتوسط وشرقه، تهدّد أمن أوروبا واستقرارها، واحتكارها القوة والهيمنة، والذي تغذّيه أو لا تزال تغذّيه ذكرى السياسة التوسعية للإمبراطورية العثمانية، وتضفي عليه وحدة اللغة والدين، لمئات ملايين البشر القاطنين في هذه المنطقة، الكثير من الاحتمالية.

تعمل هذه العوامل بشكل تفاعلي ومتكامل، فضمان أمن إسرائيل، الوليد غير الشرعي لأوروبا العنصرية، يدعو إلى الحؤول دون التقدم التقني والعلمي والاقتصادي للشعوب العربية، كما يعزّز الشعور بخطر اتحادها، أو حتى التعاون في ما بينها. بينما يفاقم وجود الثروة النفطية من مخاطر استقلال المنطقة، وتحكم شعوبها بمصيرها، بما يقدّمه لهذه الشعوب من فرص للتنمية المستمرة والمتسارعة. ووحدة الهوية، المتجسّدة في العروبة والإسلام، اللذين يشكلان الرابط الأكبر بين الشعوب، تفاقم من خطر تحرّر المنطقة من هيمنة الغرب المديدة.

لذلك، بدل أن تدفع الدول الغربية التي تحكمت بمصير المنطقة وشعوبها، منذ تفكّك السلطنة العثمانية، إلى مساعدة المجتمعات على الاستفادة من ثروتها للقيام بتنميةٍ متكاملةٍ وشاملةٍ، تضمن لشعوبها التقدم والاندراج في دائرة الحضارة والديمقراطية والسلام، عملت كل ما تستطيع من أجل تقسيمها وفصل الثروة عن الكتل السكانية الأكبر، وتحطيم أي محاولةٍ لتوحيدها، وزرع الفتن والاختلافات في ما بينها طائفيا وإثنيا، حتى تبقى فاقدة السيطرة على نفسها، ومشغولة بنزاعاتها الداخلية والإقليمية. وقد وقف الغرب وحلفاؤه باستمرار في وجه أي تحولاتٍ إيجابية وثورات شعبية أو تعمل لصالح الشعوب في المنطقة، وكان التدخل العسكري، سواء بوضع القواعد الأجنبية أو بالمشاركة في القتال، هو الشكل الأبرز لممارسة الهيمنة الخارجية وفرض الخيارات التي تراعي أهداف الغرب ومصالحه في إخضاع المشرق وتقسيمه، وتفجير تناقضاته الداخلية، لتقزيمه وإفراغه من أي قوة ماديةٍ أو معنويةٍ يمكن أن تنمو فيه، وتحوله إلى رقم مؤثر على الصعيد الإقليمي أو العالمي.

من هنا، شهدت المنطقة، برعاية الغرب وتحت إشرافه، تخلق أكثر الأنظمة السياسية تخلفا وبدائية، وأكثرها إخفاقا في مشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وأشدّها إنفاقا على تجارة السلاح، وهدرا للموارد، وفي الوقت نفسه أقلها استقرارا ورضى شعبيا، وتفاهما داخليا وإقليميا، وأفشلها في بناء الدولة وإقامة حكم القانون وتوليد القيم الوطنية وروح التضامن بين أبناء البلد الواحد.

(2)

في هذه الغابة التي تسمى الشرق الأوسط، لم يكن من الممكن أن تعيش وتترعرع إلا الوحوش

"لن يتغير شيء لصالحنا، ما لم نبادر، نحن أنفسنا، إلى أخذ مصيرنا بيدنا" الكاسرة والثعابين والأفاعي السياسية والدينية والحيتان الاقتصادية، وأن يتحوّل المواطن إلى حشرة، أو ما يشبه الحشرة، التي تحتمي من عدوان الكواسر الضارية التي تتحكّم بالمنطقة بهزالها وانمحائها، حتى لا تكاد ترى ولا يشعر بها أحد. ومن بين هذه الكواسر نظم بدأت تتهاوى منذ بداية هذا العقد، تحت ضربات الشعوب المقهورة والمنتفضة، التي رمت بنفسها قاتلا أو مقتولا، في مواجهةٍ غير متكافئة.

لم تنشأ هذه النظم، من نظام العقيد القذافي في ليبيا إلى نظام صدام حسين في العراق ونظام بشار الأسد في سورية ونظام علي عبد الله صالح في اليمن، ونظام خامنئي البابوي في طهران، من عبث، ولا امتلأت قوةً وعنجهيةً في الفراغ

وهو موقفٌ يتفق تماما ويتكامل مع موقف الشلل والعطالة الذي اتخذته هذه الحكومات نفسها من انهيار الدول، وتمزّق الشعوب، وانتشار النزاعات والفوضى، منذ سنوات طويلة في بلاد المشرق، واليوم في سورية وليبيا والعراق واليمن، وما يمكن أن يجرّه هذا الوضع من مخاطر على بلدان المنطقة بأكملها

ليس بديل نظام الطغيان الوحشي الشرق أوسطي نظما ديمقراطية، تحترم الفرد وتقيم العدالة والمساواة وحكم القانون، وتُعنى بتحسين شروط معيشة السكان المادية والثقافية، وتحد من هدر الموارد والطاقات على الحروب والنزاعات الإقليمية والأهلية. البديل هو حكم المليشيات التي تضمن تقسيم البلدان وتمزيق الشعوب وعودة الاستعمار بشكل 

لذلك لم يكن الموقف المخزي من الكوارث التي قادت إليها الثورات المضادّة ناجما عن الخوف أو التردّد أو العجز أو الجهل بما يجري، ولكنه كان سياسة واعية وهادفة

هل يعني ذلك أنه لم يعد هناك أمل في الانتقال إلى نظمٍ جديدة، تعكس إرادة شعوبها، وتخدم مصالحهم، وتعبر عن هويتهم الممزقة؟ أبدا

"فقد الغرب الذي سيطر عقودا طويلة على المشرق المبادرة في منطقتنا، ولم تعد في جعبته خياراتٌ كثيرة للاحتفاظ بسيطرته" وبالتالي، من دون إعادة النظر في قواعد أساسية من عمل هذا النظام. لكن حتى يمكننا الاستفادة من أي مراجعةٍ محتملةٍ لقواعد عمل النظام الدولي القائم، ونواته السياسية المتمثلة بمجلس الأمن، ولن تكون قريبة، ينبغي أن نبدأ بأن نكون، نحن أنفسنا، ذاتا واعية، وفاعلا شريكا في إعادة النظر هذه، على الأقل في ما يتعلق بدورنا في الإقليم.

لن يتغيّر شيء لصالحنا، ما لم نبادر، نحن أنفسنا، إلى أخذ مصيرنا بيدنا، وننجح

فعلى الرغم مما نعيشه من أوضاع مأساوية، نقلت ثورات الربيع العربي الكرة إلى ملعبنا. ما نحتاجه اليوم، بعد الانتفاضة الشعبية التي قوّضت الأسس المادية لنظام القمع والقيد الخارجي، المادي والسياسي، هو ثورة روحية تنفض عن الوعي غبار الأوهام التي تكبله، وتزيل ركام التجارب السلبية الماضية التي ترهق العقل، وتخنق الوجدان، وتغلق الذاكرة. وهذا يعني أن مصادر الأزمة التي تعيشها مجتمعات المشرق اليوم، ولم تصل بعد إلى ختامها، لا تقتصر على العوامل الخارجية التي تمد جذورها في تاريخٍ طويل من الصراعات الدولية والتحولات العالمية الاقتصادية والاستراتيجية والفكرية

فقد الغرب الذي سيطر عقودا طويلة على المشرق المبادرة في منطقتنا، ولم تعد في جعبته خياراتٌ كثيرة للاحتفاظ بسيطرته. أما نحن فلم يعد لدينا الكثير مما يمكن أن نخسره، ولم يبق لنا من عالم الماضي ونظمه ما يستحق أن نبكي عليه.

==========================

إدارة التناقضات في الشمال السوري

مروان قبلان

العربي الجديد

الاربعاء 21/11/2018

لَم تَعُد مشاهد المدرعات الأميركية في شوارع القامشلي، وغيرها من مدن شمال شرق سورية، تعطي، ولو بصيص أمل للسوريين الكرد؛ فالتطمينات المطلوبة اليوم أكبر من ذلك بكثير. يوحي الاقتصار على الرسائل غير المباشرة هذه بأن وراء الأكمة ما وراءها، وسوى التصريح العلني، وسواه فقط، فلا معنى معتبراً لأي موقف أميركي. لَم يَعْتَد الكرد على وجود حليف، أو ظهير لهم في سِلمهم كما يتهافتون عليهم في الحروب، حين ينهال عليهم الدعم العسكري، والثناء على شجاعتهم في القتال، والإقرار بعدالة قضيتهم.

كانت الأعوام من 2014 إلى 2018 فترة ذهبية لكُرد سورية، إذ أقاموا إدارة ذاتية بصلاحيات شبه دولة، تقوم بأعمال إدارية وخدمية شبه تامة، وسياسية خجولة غير ذات جدوى.

لم تُقنع "قوات سورية الديمقراطية" أو عمادها الرئيسي "وحدات حماية الشعب" (الكردية الممزوجة بدماء عربية) المناوئين بأن مشروعهم وطني سوري، وليس انفصالياً كردياً، أو أن يرفع عن نفسه الصفة الكردية، والأوجلانية تحديداً، فقد بقيت فكرة ارتباطها بحزب العمال الكردستاني في تركيا الهاجس الأكبر لحلفائها قبل أعدائها.

قوى عسكرية وأمنية ومؤسسات رسمية، ومناهج دراسية خاصة، أشبه بدولة ضمن دولة، تنتظر مصيرها على طاولة الدول العظمى، وفي الغرف المظلمة.

أصبح كل لقاء بين الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، أو وزير خارجيته، أو أي مسؤول

"ربما ودّ الكُرد لو عادت العلاقة مع روسيا الاتحادية إلى أفضل حالاتها" عسكري أو أمني تركي، مع نظرائهم من الدول العظمى، أشبه بكابوس لسكان المنطقة؛ فالخوف من صفقةٍ على حساب الكرد يكون في أوجه حينئذ.

لا تبدو الخيارات كثيرة، فالعلاقة مع واشنطن كانت عنوان المرحلة السابقة، والتي اتسمت بالتحالف العسكري الوثيق، الذي لم يقابله سياسياً ما يشفع دماء الآلاف من أبناء المنطقة، إذ لم تعترف إدارة الرئيس السابق، باراك أوباما، ولا الحالية، بالإدارة الذاتية المعلنة أوائل عام 2014، ولا بالفيدرالية الموؤودة لاحقاً.

لا يبدو التحالف مع واشنطن بشكله الحالي الأمثل لسكان المنطقة، فالرئيس الأميركي، دونالد ترامب، كان قد دق ناقوس الخطر أوائل عام 2018، حين أعلن عن خطط لسحب جنوده من سورية. وما لم يتم التركيز عليه حينئذ حديث ترامب عن عدم النجاعة الاقتصادية للوجود الأميركي في المنطقة، أي أنها ( أميركا) تنظر إلى سورية بعيون اقتصادية وحسب، ولا مصلحة استراتيجية لها فيها.

يبدو هدف الولايات المتحدة في محاربة الهيمنة الإيرانية في المنطقة، ومنها سورية بالطبع، ليس من السهل على "سورية الديمقراطية"، أو أي فصيل كُردي القيام به، نظراً لعلاقة "الجمهورية الإسلامية" التاريخية مع تنظيمات كُردية عديدة، العسكرية منها والسياسية.

ويعني التعامل الأميركي التكتيكي مع المنطقة أنها عرضة للبيع في بازارات السياسة، وما أكثر من سوف يرضى بشراء الورقة، مثل روسيا التي تريد الحفاظ على سورية موحدة وحكومة موالية لها، وكذلك إيران والحكومة السورية اللتان تريدان تجنب أي مسّ بحدودهما الحالية.

الأكثر تحمساً لحصول انتهاءٍ من هذه "الورقة القضية" هي أنقرة، المستعدة للتضحية بالكثير في سبيل إجهاض أي مشروعٍ يكون لحزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي) كلمة الفصل فيه، وقد تدخلت بشكل مباشر مرتين في سورية، وكانت كلاهما لوأد المشروع الفيدرالي الكُردي في سورية، والوصول به إلى البحر. كانت أولاها أوائل عام 2016، وسيطرت به على جرابلس والباب وإعزاز، وأتبعتها بالسيطرة على عفرين أوائل عام 2018.

ربما ودّ الكُرد لو عادت العلاقة مع روسيا الاتحادية إلى أفضل حالاتها، فموسكو هي الأكثر تمسّكاً بوجودها في سورية، والرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، يعقد الصفقات تلو الأخرى مع تركيا وإيران من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى، ويقيم اتفاقاتٍ مع فرنسا وألمانيا وغيرهما من الدول لتثبيت "انتصاره" في سورية.

وحدها منطقة شرق الفرات بقيت خارج الملعب الروسي. وعليه، أصبحت الضغوط كلها

"وحدها منطقة شرق الفرات بقيت خارج الملعب الروسي" منصبة عليها، وسيكون على كرد سورية عدم التجرؤ، ولو بالتفكير، في تكرار سيناريو الحرب، والمفاضلة بين سيناريو كوباني (عين العرب)، وعفرين؛ فمن المفترض أنهم توصلوا إلى قناعة بأن أي معركةٍ ضد دولة كتركيا لا تشبه ألبتة حربهم ضد تنظيم الدولة الإسلامية، وبالتالي فنتيجة خيار أي صراع قادم محسومة.

ليست الجبهة الداخلية في الشمال السوري بذلك التي يمكن التعويل عليها؛ فالتنوع العرقي والديني، والسياسي حتى، لا يساهم، إلى الآن، في التماسك لمواجهة أي صراع قادم، سواء مع أنقرة أو دمشق، اللتين تحتفظان بأوراق سياسية ومجتمعية، واقتصادية، قد تستخدمانها في المرحلة المقبلة.

سيكون على الكُرد الاختيار بين مقاومةٍ نهايتها هزيمةٌ أشد مما كان عليه الحال في عفرين، وتسليم المنطقة للحكومة السورية، في مشهدٍ يعيد إلى الأذهان العرض الروسي الذي سبق حرب عفرين، والذي اقترحت موسكو بموجبه دخول القوات السورية إلى المدينة وعودة المؤسسات الرسمية، تجنباً لأي سيناريو غير محسوب العواقب، والذي قوبل برفضٍ كُردي آنذاك، وندم لاحق. أما السيناريو الآخر المتمثل بحوار أو تفاوض مع الحكومة السورية، يفضي إلى حلٍّ توافقي على قاعدة لا غالب ولا مغلوب، فيبدو أنه يضيق، ولم يعد متسع من الوقت لتنفيذه، وستكون الأيام المقبلة حبلى بما ينتظره أهالي المنطقة.

يتمتع الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بقدرات لافتة في إدارة التناقضات والفصل بين الملفات، ففي وقتٍ كان يخوض فيه صراعا كبيرا مع إيران في سورية خلال الأعوام 2011-2015، كانت علاقات بلاده التجارية معها تزدهر، لا بل تحوّلت تركيا إلى الرئة التي تتنفس منها إيران في ظل العقوبات الصارمة التي فرضتها عليها واشنطن دوليا، لإرغامها على تسليم برنامجها النووي. ومازالت قضية بنك خلق التركي، ورئيسه حاقان أتيلا، المعتقل في الولايات المتحدة منذ مايو/ أيار 2017، بتهمة مساعدة إيران في الالتفاف على العقوبات، تتفاعل بانتظار حلها.

لا تختلف علاقة الرئيس أردوغان بروسيا كثيرا، ففي وقتٍ كان يحتفل مع الرئيس بوتين بإنجاز المرحلة البحرية من خط السيل التركي لنقل الغاز الروسي إلى تركيا وأوروبا، ويعد بتعاون اقتصادي مديد مع موسكو، كان الخلاف محتدمًا بين الطرفين بشأن موضوع اللجنة الدستورية السورية، والتي يسعى كل طرف إلى تشكيلها بصورة تلائم مصالحه، فيما اتفاق سوتشي بشأن إدلب يكافح من أجل الصمود.

لكن قدرات الرئيس أردوغان هذه سوف تواجه، في المرحلة المقبلة، اختبارا كبيرا في الساحة الأهم بالنسبة الى تركيا، وهي سورية. هنا، وتحديدا في الشمال السوري، يواجه أردوغان معضلة إدارة مجموعة هائلة من التناقضات التي تتأثر، ليس فقط بتغير المصالح والسياقات، بل أيضا باختلاف الظرف والمكان.

ينقسم الشمال السوري إلى قسمين رئيسين، مناطق شرق الفرات، حيث تسيطر "وحدات حماية الشعب" الكردية (عدو أنقرة الرئيس) بدعم من الولايات المتحدة (حليف أنقرة الرئيس في حلف الناتو). ومناطق غرب الفرات حيث تسيطر تركيا مباشرة، أو عبر حلفائها في المعارضة السورية، على مناطق "درع الفرات" و"غصن الزيتون" التي تمتد من جرابلس، عند نقطة دخول نهر الفرات إلى الأراضي السورية، وصولا إلى محافظة إدلب (جنوب غرب).

كان وجود تركيا في مناطق غرب الفرات مرتبطاً دائمًا بموافقة روسيا، وحصيلة اتفاقات ثنائية بين الطرفين، إذ تمت عملية درع الفرات في شهر أغسطس/ آب 2016 مباشرةً بعد تحسّن العلاقات التركية - الروسية، إثر مساندة بوتين أردوغان في مواجهة المحاولة الانقلابية الفاشلة في منتصف يوليو/ تموز من العام نفسه. حصل الأمر نفسه في عملية غصن الزيتون، عندما وافقت روسيا على اقتحام تركيا منطقة عفرين مطلع العام 2018، وطرد قوات الحماية الكردية منها، مقابل تعهد تركيا "بإقناع" المعارضة السورية المشاركة في مؤتمر سوتشي "للحوار الوطني السوري". لكن الوضع في إدلب بدا مختلفا بعض الشيء، وعلى الرغم من أن اتفاق سوتشي لإنشاء منطقة منزوعة السلاح في إدلب جاء حصيلة تفاهمات روسية – تركية، إلا أنه ما كان ليتم، لولا الدعم الأميركي المفاجئ لتركيا في موقفها بخصوص إدلب، ذلك أن قمة طهران التي سبقت سوتشي بعشرة أيام كانت تشير إلى أن الأمور متجهة نحو معركة كبرى في إدلب.

بات معروفا اليوم أن واشنطن لعبت دورا رئيسا في كبح جماح عملية عسكرية واسعة النطاق في إدلب، ذلك أن مستشار الأمن القومي الأميركي، جون بولتون، ووزير الخارجية، مايك بومبيو، أجريا، بناء على طلب ترامب، اتصالاتٍ عاجلة بالروس، وأبلغوهم بالموقف الأميركي الرافض بقوة هجوما على إدلب. ترافق ذلك بتهديدات أميركية باستخدام القوة، في حال تم هذا الهجوم، واستخدمت فيه أسلحة كيميائية. فوق ذلك، طلبت واشنطن من أنقرة تعزيز وجودها العسكري في إدلب، لمنع إيران من السيطرة عليها، وأبدت استعدادا لدعمها في حال حصول مواجهة.

وفيما يبدو أن تركيا تعتمد على دعم أميركي للاحتفاظ بإدلب، يبدو المشهد مختلفا كليا في مناطق شرق الفرات. هناك تبدو تركيا أقرب إلى مواقف روسيا وإيران، اللتين تسعيان إلى إخراج الأميركيين من المنطقة. وتعج وسائل إعلام بتكهنات عن استعدادات تركية للتعاون مع خصومها في مناطق غرب الفرات، لجعل حياة حلفائها الأميركيين صعبة في مناطق شرق الفرات. كما تنظر تركيا في إمكانية المساعدة في عودة النظام إلى السيطرة على المنطقة، لقطع الطريق على الأجندات السعودية والإماراتية التي تشارك الأميركيين في دعم الأكراد! إذا نجحت تركيا في إدارة هذه التناقضات، تكون قد تعلمت الكثير، فينا.

==========================

القتل طريق الاحتفاظ بالسلطة في سوريا وإيران

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاربعاء 21/11/2018

لعل أهم القواسم المشتركة للنظامين السوري والإيراني، هو الاستخدام الواسع للعنف ضد الشعب. وطوال عشرات السنين من الحكم، لم يتأخر أحدهما في دفع آلته العسكرية - والأمنية للدخول في مواجهات عامة، أو القيام بعمليات خاصة ضد أفراد أو مجموعات قدر أنها تهدد النظام، أو رأى أن عملياته تمثل إجراءات احترازية في مواجهة تهديدات، يقوم بها سوريون أو إيرانيون هدفها تهديد النظام وتغييره، ولو بصورة غير مباشرة، وقد زاد النظامان إلى هذا القوس من العمليات الأمنية - العسكرية، أن نظما وقاما – ما دام تطلب الأمر - بعمليات في بلدان الجوار أو الأبعد منها بواسطة وحداتهما العسكرية - الأمنية أو من خلال ميليشيات وجماعات تتبعهما.

وأقام النظامان بنية عسكرية أمنية متقاربة، تعزز سيطرتهما على البلاد، وتكون قادرة على الحفاظ على السلطة، وهو ما يمكن ملاحظته في التركيبة العسكرية - الأمنية، التي تتضمن إضافة إلى الجيش، وحدات عسكرية نخبوبة، مثالها السوري الحالي الفرقة الرابعة، التي يقودها ماهر الأسد، ومثالها الإيراني الحرس الثوري الذي يقوده محمد علي جعفري، وفي الحالتين، فإن التشكيلين النخبويين بمثابة جيش موازٍ، هدفه الأساسي حماية النظام في البلدين.

وتتضمن البنية العسكرية - الأمنية وجود ميليشيات مسلحة، مثالها الأحدث في سوريا قوات الدفاع الوطني، والتي أقيمت مع ميليشيات أخرى في مواجهة ثورة السوريين بعد العام 2011، والنموذج الإيراني تمثله قوات الباسيج، التي تضم عشرات الميليشيات المحلية المنتشرة في أنحاء البلاد.

وتحظى أجهزة المخابرات باهتمام خاص، إذ هي محط اهتمام ورعاية رأس النظام، ويشرف على تنسيق نشاط كل منها مكتب الأمن الوطني في الحالة السورية ومجلس تنسيق المعلومات في إيران، ورغم تعدد مهماتها، فإن الجامع المشترك في أهدافها الحفاظ على النظام.

إن طبيعة التركيبة الأمنية - العسكرية المتقاربة لنظامي الأسد وملالي إيران، لا تجسد سعيهما من أجل حماية النظام القائم. فهذه المهمة قائمة في كل البلدان، لكنها تفسر طبيعة العمليات، التي تقوم بها تلك البنية في مواجهة الشعبين وقوى المعارضة أياً كانت بما فيها دعاة التغيير السلمي منظمات كانت أو شخصيات سياسية أو مدنية عبر استخدام كل الوسائل والأساليب بما فيها القتل العام في مواجهة التحركات الشعبية في البلدين، والتدخلات المسلحة في البلدان الأخرى، والقتل تحت التعذيب والاغتيالات للمعارضين والنشطاء، وإثارة الفتن وحبك المؤامرات سواء داخل البلاد أو خارجها بما في ذلك استخدام ودعم نشاط الجماعات الإرهابية المتطرفة، وكلها ممارسات ممتدة منذ استيلاء الأسد الأب على سوريا عام 1970 والملالي على إيران في العام 1979.

وتبدو عمليات القتل الواسع، التي قام بها النظامان في سوريا خلال السنوات الماضية، وأدت لموت مئات آلاف السوريين، تعبيراً لسياستهما المشتركة ونموذجاً لما فعله كل منهما في البلد الذي يحكمه. فنظام الأسد ارتكب عمليات قتل واسع في مواجهة مطالب السوريين للتحرر من سلطته على مدار عقد السبعينات، وصولاً إلى مجازر حماة وحلب وإدلب في العام 1980، وقتل فيها نحو أربعين ألفاً، والموازي الإيراني لسياسة نظام الأسد، عمليات قتل مئات المحتجين خلال الثورة الخضراء عام 2009، وقد كرر النظام عمليات القتل في الاحتجاجات الشعبية في السنوات التالية وأبرزها، ما جرى في أكثر من أربعين مدينة إيرانية بداية العام 2018.

ولم يقتصر القتل العام في سياسة النظامين على سوريا وإيران، بل امتد إلى دول أخرى عبر تدخلات مباشرة، أو من خلال قوى محلية ترتبط بالنظامين كما في العراق واليمن، ولعل ما قام به النظامان في لبنان مثال، حيث لم يكتف نظام الأسد وملالي طهران بإرسال قواتهما إلى هناك للسيطرة، ومنع قيام نظام يعارضهما، بل استعانا بميليشيات لبنانية وفلسطينية تتبعهما، شاركت في قتل لبنانيين وفلسطينيين، قبل أن يتشارك النظامان في اغتيالات أصابت نخبة من اللبنانيين واتهامهما باغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري.

ويشكل اغتيال الخصوم في لبنان جزءاً من سياسة اغتيال مارسها النظامان على نحو واسع ضد معارضيهما داخل البلاد وخارجها، وإذا كانت عمليات الاغتيال في الداخل تمت بصورة علنية في سوريا بما فيها اغتيال مسؤولين وضباط كبار منهم رئيس الوزراء الأسبق محمود الزعبي ووزير الداخلية الأسبق غازي كنعان وأعضاء خلية الأزمة، والشيخان معشوق الخزنوي ووحيد البلعوس، فإن أغلب الاغتيالات كانت سرية من جانب إيران، وهو أمر لم يكن ممكناً في حالة الاغتيالات الخارجية لمعارضي النظامين، وقد امتدت في الكثير من دول العالم، وكان من أبرزها بالنسبة لنظام الأسد اغتيال اللواء محمد عمران في لبنان عام 1972، واغتيال صلاح الدين البيطار في باريس 1980، واغتيال بنان الطنطاوي زوجة عصام العطار في ألمانيا 1981. وقد امتدت الاغتيالات الإيرانية بصورة أوسع في العدد والأماكن، والأكثر شهرة فيها اغتيال عبد الرحمن قاسملو زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني ومساعده عبد الله آزار في النمسا عام 1989. وشهبور بختيار آخر رئيس وزراء في إيران تحت حكم الشاه عام 1992. والأمين العام للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني صادق شرفكندي وبعض مساعديه في برلين عام 1992، وكان من أواخر أعمال إيران في مجال اغتيال المعارضين محاولة كان يديرها أسد الله أسدي قنصل السفارة الإيرانية في النمسا لتفجير مؤتمر «المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية» المنعقد بباريس أواسط عام 2018. ولعل الأهم في عمليات الاغتيال في الخارج، ضلوع سفارات البلدين في تنظيمها وتنفيذها، بما يعني تحول السفارات عن وظيفها الدبلوماسية لتكون وكراً لتصفية المعارضين.

ولعل آخر ما يمكن الإشارة إليه في القتل كطريق مشترك للحفاظ السلطة في سوريا وإيران، يكمن في تحول سجون النظامين إلى مسالخ بشرية حسب التقارير الدولية، يتم فيها قتل وإعدام معارضي النظام، ورغم أن سجن تدمر، هو الأكثر شهرة في سوريا، فقد صار سجن صيدنايا في المقام الأول في السنوات الأخيرة، إذ قتل وأعدم فيه آلاف من المعارضين والنشطاء على نحو ما جرى ويجري في سجني إيفين ورجائي شهر الإيرانيين، حيث قتل وأعدم فيهما عشرات آلاف المعارضين والنشطاء.

خلاصة الأمر أنه لا الحوار ولا الإصلاح طريق لنظامي الأسد والملالي من أجل الاستمرار، وحدهما الدم والقتل طريقهما للبقاء بأدوات ووسائل متعددة وفي كل الأماكن والأوقات.

==========================

الحكومة السورية ومهزلة إعادة الإعمار

رضوان زيادة

سوريا تي في

الثلاثاء 20/11/2018

أقرت حكومة النظام في سوريا الموازنة العامة التقديرية لعام 2018 والبالغة نحو 3 تريليونات ليرة (6 مليارات دولار)، وفق سعر صرف 500 ليرة للدولار، وهو السعر المعتمد لموازنة العام المقبل. علماً أن السعر الحقيقي لليرة السورية مقابل الدولار يبلغ أضعاف هذا الرقم لكن أسباب عدة ما زالت تجعل سعر الليرة إلى الدولار يتراوح بين 500 و600 ليرة سورية.

المهم أن وزير المالية مأمون حمدان قدم عرضاً حول تقديرات الموازنة العامة للدولة للعام 2018 تتضمن الاعتمادات الجارية والاستثمارية والإيرادات وكشف أن قيمة الموازنة الإجمالية للعام القادم 2018 تزيد على 3 تريليونات ليرة (نحو 6 مليارات دولار أميركي) وهي تزيد على موازنة العام الجاري 2017 بنحو 15%، في قيم الدعم الاجتماعي والإنفاق الاستثماري والجاري. وتبجح بالقول إنها "أعلى موازنة "رقماً " بتاريخ سوريا" دون أن يشرح لنا كيف يمكن تعويض خسائر خزينة الدولة من نفط وضرائب وتمويل عجز الموازنات السابقة، فقد تحول النفط من أهم مورد للخزينة إلى أكبر مستنزف لها، كل هذه الأسئلة تبقى بلا إجابة بالنسبة للأسد وحكومته، التي اعتادت الكذب والتزوير في الأرقام والبيانات والموارد.

لكن المهم هنا هو أن حكومة الأسد رصدت مبلغ قدره 50 مليار ليرة سورية أي ما يعادل 9 مليون دولار فقط لإعادة إعمار ما هدمته، هذا الرقم يدعو للسخرية فهل تتخيل حكومة الأسد أنها تستطيع عودة المهجرين وتأمين النازحين وإعادة بناء ما قصفته ب 9 مليون دولار.

إدراج رقم كهذا يكشف عن النوايا الحقيقة لها أنها في الحقيقة لا ترغب بعودة اللاجئين ولا يعنيها تأمين عودة النازحين إلى بيوتهم وقراهم ومدنهم.

وهل تتخيل الحكومة أن إدراج رقم كهذا يكشف عن النوايا الحقيقة لها أنها في الحقيقة لا ترغب بعودة اللاجئين ولا يعنيها تأمين عودة النازحين إلى بيوتهم وقراهم ومدنهم.

بالتأكيد لا ترغب حكومة الأسد بالقيام بأي من ذلك، عن هذا الرقم الرسمي يكشف النوايا الحقيقية لنظام الأسد في إبقاء اللاجئين كمسألة دولية وليست سورية، إنهم لا يهمونها ولا يعنيها عودتهم.

فكل العوامل التي دفعت هؤلاء اللاجئين إلى اللجوء هي عوامل سياسية وما دامت هذه العوامل بقيت ذاتها لم تتغير فإن عدد اللاجئين الراغب بالعودة سيكون بالعشرات وليس أكثر من ذلك.

إن اللجوء السوري كان نتيجة طبيعية لسياسة القصف العشوائي والاستخدام المكثف للبراميل المتفجرة واستخدام الأسلحة الكيماوية والحصار وغير ذلك، وأكثر من ذلك عمل الأسد إلى تحويل السوري اللاجئ إلى مقيم دائم في بلد اللجوء المضيف ومنعه من حق العودة لبلده بسبب عدد أو ترسانة من القوانين والإجراءات الأمنية وتدمير الممتلكات التي تجعل من هذه العودة مستحيلة إلى البلد الأم سوريا.

فغالباً ما تتبع عملية تهجير السكان من المناطق المستهدفة قيام قوات النظام بالاستيلاء على أراضي النازحين ومساكنهم وممتلكاتهم، وجرى الحديث عن إنتاج الوثائق المزورة كناية عن تكتيك واسع الانتشار في نقل الملكية القانونية للممتلكات والأراضي من مالكيها الشرعيين إلى الموالين للنظام. كما ظهرت تقارير عن التدمير المتعمد للسجلات المدنية في حمص والمناطق التي كانت تسيطر عليها المعارضة سابقاً في ريف دمشق وحمص وحلب، فضلاً عن مصادرة الوثائق عند نقاط التفتيش.

كما يمتلأ الإنترنت بمقاطع فيديو مذهلة في وضوحها وفي دلالتها على ارتكاب الجريمة كفعل السرقة والنهب لممتلكات الآخرين تحت اسم ميليشيا الدفاع الوطني وغيرها من المليشيات الموالية للنظام أو أفراد من الجيش السوري التابع للنظام، كما قام النظام وبشكل علني بتدمير أبنية ومساحات كبيرة من الأراضي بحجة التنظيم، فقد وثقت منظمة هيومان رايتس ووتش أنه "اعتباراً من يوليو/تموز 2012 قامت السلطات السورية عن عمد بتهديم الآلاف من البنايات السكنية، وأحياء بكاملها في بعض الحالات، باستخدام المتفجرات والجرافات، في دمشق وحماة، وهما اثنتان من كبريات المدن السورية. وخلصت هيومن رايتس ووتش إلى أن سبع حالات من حالات الهدم واسع النطاق الموثقة في تقريرها تخالف قوانين الحرب، إما لأنها لم تخدم أي غرض عسكري ضروري وبدت وكأن المقصود منها هو معاقبة السكان المدنيين، أو لأنها تسببت في أضرار غير متناسبة للمدنيين. وتبين صور القمر الصناعي التي حللتها المنظمة أن السلطات السورية قامت منذ ذلك الحين بهدم ما يبلغ مجموعه 140 هكتارا ـ أو ما يعادل مساحة 200 من ملاعب كرة القدم ـ من البنايات السكنية في معظمها، في سبعة أحياء بحماة ودمشق. كان الكثير من المباني المهدومة عبارة عن عمارات سكنية ترتفع لعدة طوابق، وبلغ بعضها ثمانية. لقد فقدت آلاف العائلات مساكنها نتيجة لعمليات الهدم هذه.

اعتباراً من يوليو/تموز 2012 قامت السلطات السورية عن عمد بتهديم الآلاف من البنايات السكنية، وأحياء بكاملها في بعض الحالات، باستخدام المتفجرات والجرافات، في دمشق وحماة

هذه السياسة التي بدأتها الحكومة السورية في عام 2012 تحولت إلى سياسة الأرض المحروقة قولاً وفعلاً، لذلك من الطبيعي أن يصبح رقم 9 مليون دولار نكتة سمجة لما يمكن أن يدعيه النظام السوري عن إعادة الإعمار.

==========================


"سوريا الشعب" أم "سوريا الأسد"

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 19/11/2018

"أكنُّ احتراماً كبيرا لسوريا وشعبها العظيم" تلك عبارة أطلقها مؤخراً الرئيس الأمريكي "دونالد ترمب"، في معرض إجابته عمّا يمكن أن تفعله أمريكا تجاه سوريا.

ليكن موقفك وموقف العالم تجاه ترامب كيفما كان، إلا أن عبارة طيبة كهذه تجاه سوريا وشعبها من رئيس قوي لأقوى دولة في العالم لا بد أن تكون موضع تقدير، لأنها تعطي بعضاً من الأمل لبلد طالما أشاح الأقوياء الفاعلون الطرف عنه. وهنا، سيخرج على الفور مَن يقول: لقد سمعنا هذا الصنف من الكلام كثيرا؛ ولا زال صدى عبارة أوباما حول "الخط الأحمر"، وعبارات آخرين حول "أيام الأسد المعدودة"، وحتى عبارة ترامب ذاته في توصيف الأسد بـ "الحيوان"؛ في أذهان السوريين جعجعة بلا طحين؛ فكيف لعبارات ترامب الأخيرة هذه أن تكون مختلفة عمّا سمعناه سابقاً؟!

لا يَكمن اختلاف هذه العبارة عمّا سبقها من عبارات بأن ما سَلَف كان خلبياً؛ وأن هذه العبارة ستكون على درجة من الصدق والقوة، بحيث نشهد ترجمة فورية لها. لا، ليس هذا هو المقصود؛ الفرق يكمن باختلافها الفعلي عن كل ما سبقها، لأنها فعلاً تلامس جوهر القضية السورية. ترامب يتحدث عن /سوريا البلد/، /سوريا الأمة/، /سوريا الشعب/، /سوريا الدولة بمعناها الحقيقي. لأول مرة هناك مَن يتحدث عن ذلك الجوهري. أما تلك السورية التي تتحدث عنها سلطة الاستبداد وأبواقها والمسؤولون الروس والإيرانيون فهي "سوريا السلطة" و"سوريا الحكم" و"سوريا الأسد". هذه فقط التي يشير إليها السيد بوتين بـ "السلطة الشرعية". هذه السوريا هي التي أعطت بوتين

لأول مرة مسؤول دولي فاعل يطلق عبارة تلامس جوهر القضية السورية: هناك بلد عظيم اسمه سوريا، وهناك شعب يستحق الاحترام اسمه الشعب السوري

الإذن بالاحتلال، وتجريب أسلحته وإبداعاته وقدراته التدميرية، وهي التي أعطت ميليشيات إيران الموافقة على القتل والتدمير والتغيير الديمغرافي في سوريا الشعب وسوريا البلد وسوريا الدولة الحقيقية.

سوريا التي تحدّث ترامب عنها وعن احترامه لها واصفاً شعبها بالعظيم لم يأتِ بوتين على ذكرها يوماً. تلك سوريا العظيمة هي سوريا الشعب التي ثارت على منظومة الاستبداد. ومن هنا أتى القول بأنه لأول مرة مسؤول دولي فاعل يطلق عبارة تلامس جوهر القضية السورية: هناك بلد عظيم اسمه سوريا، وهناك شعب يستحق الاحترام اسمه الشعب السوري. هكذا لامس ترامب بعبارته هذه جوهر القضية التي فشلت القيادة الروسية ملامستها حتى الآن.

عندما يتحدث مبعوث إدارة ترامب للملف السوري السيد "جيمس جفري" عن إحصاءات سورية يذكر مليون سوري قضوا بهذه الحرب، وعن مئات آلاف السوريين الذين مازالوا في معتقلات النظام، وعن آلاف قضوا تحت التعذيب، وعن ملايين المهجّرين داخلاً وخارجاَ، وعن آلاف المختطفين والمفقودين، وعن أمهات حزنهن بلا ضفاف ثكلن أحبة، وعن أرامل تقطعت بهن السبل وأيتام بلا مأوى وجيل بلا مدارس؛ أي عن لحم ودم وأرواح بشر. أما السيد بوتين وشويغو ولافروف فيتحدثون عن ستة آلاف طلعة للطائرات الحربية، وعن ستمئة صنف من الأسلحة المجرّبة، والمليارات التي تحتاجها الدولة السورية، وعدد القوات العسكرية الإيرانية والأسدية والروسية؛ أي عن قتل وتدمير وسلطة.

هذا ليس للمفاضلة؛ فالكل آجر بالمأساة السورية. ويكفي أمريكا إدارة أوباما التي قتل صمتها وإدارة ظهرها والتغاضي عن الإجرام الإيراني والروسي. ولكن يشفع لها الآن أنها تنخرط بجدية بالقضية السورية، وعلى الأقل تتحدث عن شعب وعن بلد اسمه سوريا لا عن "الدولة السورية" بمفهومها الأسدي أوالبوتيني.

غير واضح إن كان الفعل الروسي أو المقاربة الروسية للقضية السورية بهذه الطريقة مقصودا أم عن جهل وجهالة. فإن كانت روسيا لا ترى في سوريا إلا "سوريا الأسد" أو/ "سوريا السلطة" (والتي تسميها "الدولة السورية" أو "السلطة الشرعية") كي تبرر لنفسها التدخل العسكري؛ فإن فعلها في سوريا أو مقاربتها للقضية ككل ستكون مدانة تاريخياَ وقانونياَ وأخلاقياَ؛ وبالتأكيد ستتم ملاحقة روسيا قانونياً وجزائياَ وإنسانياً، حتى ولو كانت عضواً في مجلس الأمن، وبإمكانها عرقلة أي محاسبة قانونية على الإجرام؛ ولكن منابر العالم ومحاكمه لمحاسبة المجرمين كثيرة.

كثيرة هي المرات التي قيل للروس بأنكم تاريخياً أصدقاء للشعب السوري؛ فلماذا تختارون العداء له والاصطفاف مع نظام يقتل هذا الشعب؟! ويكون الجواب عادة بالإنكار. وعندما يكون هناك

تلك القناعات والرؤى الخلبيّة والمزيّفة حرمت الروس من أي جنى سياسي حتى الآن

محاولات لمنطقة الأمور والمرافعة عن تلك السياسية منفصمة الرؤية، كان الروس يتحدثون عن "سلطة شرعية تواجه الإرهاب الذي يستهدف الدولة السورية". وغير معروف إذا كانوا يعلمون مَن وراء ذلك الإرهاب؛ أو إذا كان هذا الشعب السوري إرهابياً كما يقنعهم نظام الاستبداد. ومن هنا ربما لا يتحدثون عن شعب سوريا. تلك القناعات والرؤى الخلبيّة والمزيّفة حرمت الروس من أي جنى سياسي حتى الآن. لقد صرّح الروس أمام العالم بأنه خلال ثلاثة أشهر سينهون الوضع في سوريا. مضى على تدخلهم العسكري ثلاث سنوات ونيّف؛ ولم يتوصلوا إلى ما أعلنوه. والسبب واضح ويكمن بقناعات ورؤى خلبية ومزيفة تبتعد عن جوهر القضية السورية؛ وهذا الجوهر يقول إن الصراع في سوريا هو بين منظومة استبداد وشعب عظيم في بلد عظيم يريد الحرية؛ ولكنهم مصرّون ألا يروا ذلك.

عبارة ترامب: "أكنُّ احتراماً كبيرا لسوريا وشعبها العظيم"- وما تبعها من عبارات تتحدث عن ضرورة إيجاد حل يعيد سوريا إلى الحياة- لامست جوهر القضية السورية مباشرة؛ وهنا تكمن أهميتها؛ ومن هنا يمكن أن تكون الهداية إلى حل حقيقي؛ وبوقت لن يكون ثلاث سنوات أو ثلاثين سنة إذا استمرت المقاربة الروسية هي السائدة. لا بد لروسيا أن ترى بسوريا بلداً عظيما، وبشعبها شعباً كريما يستحق الحرية؛ هذا إذا أرادت أن تخرج من سوريا ببعض ماء الوجه.

==========================

خيبة مدير السجون العسكرية السورية

حسام جزماتي

سوريا تي في

الاثنين 19/11/2018

لم يكن بركات العش عقيداً على الدوام، لكن هذه الرتبة التصقت باسمه لأنها واكبت شهرته منذ أن تولى إدارة سجن صيدنايا منذ تأسيسه عام 1987، ثم سجن المزة حتى إغلاقه عام 2000.

تمر ثلاث رتب أُخَر بشكل عابر في سيرة العش التي نعرفها، وتغيب الأخريات تماماً. ففي حزيران 1980 سيسهم النقيب بركات في التهيئة لعناصر سرايا الدفاع القادمين إلى سجن تدمر لارتكاب المجزرة الشهيرة في حق المعتقلين هناك، عندما كان نائباً لمدير هذا السجن، الذي سيتولى إدارته لأشهر في صيف 1984، برتبة مقدم.

أما رتبة عميد فلن ينالها إلا مع إحالته على التقاعد بُعيد خروج سجن المزة من الخدمة. ولذلك ستغدو عديمة الفاعلية، ولن تستخدم إلا عند تقديمه للحديث في الاجتماعات الخدمية للحي الذي يسكنه في اللاذقية، مؤكداً على تشديد الرقابة التموينية وتنظيم العشوائيات وصيانة الطرق ومعالجة الفوهات المطرية..

كان طريق هذا اليافع، الذي يتحدر من أسرة آغوات وملاك علويين، سهلاً إلى ثانوية «جول جمال» الشهيرة التي يفخر، سراً وكلما أمكن، أن أستاذه لمادة الفلسفة فيها كان المفكر الماركسي إلياس مرقص

لم يكن «حي الأسد» حياً إبان ولادة بركات ونشأته في الخمسينات، بل قرية ملاصقة للمدينة، تحتفظ باسمها السرياني «دمسرخو». ونتيجة لهذا الموقع أتيحت لأبنائها متابعة الدراسة في اللاذقية مبكراً. فكان طريق هذا اليافع، الذي يتحدر من أسرة آغوات وملاك علويين، سهلاً إلى ثانوية «جول جمال» الشهيرة التي يفخر، سراً وكلما أمكن، أن أستاذه لمادة الفلسفة فيها كان المفكر الماركسي إلياس مرقص. غير أن عارفي العش يقولون إن هذا الأمر لا يعدو كونه صدفة مدرسية غير ذات تأثير، بما أن التلاميذ الحقيقيين للأستاذ ظلوا معتقلين ثابتين لدى طالبه في هذا السجن أو ذاك.

لا نعرف سبب اختيار الضابط الشاب لسلك الشرطة العسكرية، فلطالما كان هذا الجهاز في منزلة قلقة بين منازل عديدة. إذ لا يحوز هيبة الأجهزة الأمنية، وليست له سلطة على الناس المدنيين على العموم، وتقتصر سطوته على عسكريين من الجنود أو ذوي الرتب المنخفضة، لتسأل هذا عن الإجازة وتحاسب ذاك لعدم ارتدائه السيدارة أو البوط.

لا يمتلك ضابط الشرطة العسكرية سلطة مؤثرة إلا في حالات استثنائية كهذه، عندما يُفرز للخدمة في أحد السجون العسكرية المركزية الثلاثة، المزة أو تدمر أو صيدنايا، لأنها تحوي المعتقلين السياسيين في التاريخ السوري الحديث، بالعرف الذي رسّخه حافظ الأسد. وعند ذلك تصبح لضابط الشرطة العسكرية سلطة قد تفوق ما لدى ضابط الأمن، إذ يحوز صلاحيات واسعة يدخل من ضمنها، في الغالب، القتل الكيفي للمعتقلين، أو بيع المعلومات عن المغيبين لأهاليهم، أو منح فرصة الزيارة غير النظامية التي وصلت «تسعيرتها»، في بعض أيام تدمر السوداء، إلى كيلو من الذهب!

رغم ذلك، ينفي سجناء سابقون عن العش تورطه في قصص فساد. فيما يقول آخرون إن الأمر، لو وجد، فلن يتعدى حصة له، محددة ومحدودة، من الربح الذي تدرّه «الفاتورة». وهي ما يقوم به صف الضباط من تسوق لصالح السجناء، بأسعار تتعدى، كثيراً أو قليلاً، تلك الرائجة في السوق خارجاً. خاصة وأن العقيد اصطحب معه، من سجن تدمر، يده اليمنى المتمثلة في المساعد نزيه. وهو رجل حاذق شهدت سيرته تحولاً مدهشاً عند انتقاله إلى صيدنايا، بظهور علامات المكر والحس النفعي عليه، بعد أن كان هناك جلادٌ كالآخرين، وربما فاقهم في الدموية.

لا يتذكر سجناء تدمر العش كثيراً، طالما كان نائباً للمدير. أما في أشهر إدارته القصيرة فيروي البعض عنه انطباعات طيبة، من نوع أنه جمع المعتقلين في ساحة السجن وقال لهم: «ارفعوا رؤوسكم وانظروا إلينا»! وهو ما كان ممنوعاً، إذ على السجناء أن يظلوا دوماً مطأطئي الرؤوس أو مغمضي الأعين. لكن براء السرّاج يذكر، في كتاب «من تدمر إلى هارفارد» الذي سجّل فيه يومياته، أن هذا الحال لم يدم سوى شهر واحد حتى عاد المدير الجديد إلى طلب رؤساء المهاجع إلى مكتبه، قائلاً بحدة ودون سبب واضح: «أنتو ما بتنعطو وجه... أدنى استدعاء من شرطي يتطلب تحية عسكرية وخفض الرأس... العيون يجب أن تبقى مغمضة أثناء السير في الباحة».

شارك العش في تنفيذ حكم الإعدام شنقاً بستين على الأقل من معتقلي الإخوان المسلمين. وكما هو معروف، كانت هذه ممارسة مألوفة في سجن تدمر

يتذكر أحد سجناء صيدنايا العقيد: «بصراحة هو ما أساء لحدا شخصياً. كان يقول: أنا أمين مستودع، وأنتو أمانة عندي». لكن مفردة «الأمانة» يجب ألا تقودنا إلى أبعد مما ينبغي. إذ يروي السرّاج أنه في 18 تموز 1984، مثلاً، شارك العش في تنفيذ حكم الإعدام شنقاً بستين على الأقل من معتقلي الإخوان المسلمين. وكما هو معروف، كانت هذه ممارسة مألوفة في سجن تدمر، تتم بإشراف مديره، عندما يزوره ما يسمّى جهاز المحكمة.

يؤدي العقيد مهمته، إذاً، بالحفاظ على الأمانة إلى أن يقرر صاحبها الإفراج عنها أو قتلها... في رأيه أنه ليس من اعتقل هؤلاء الأشخاص، ولا من حقق معهم، ولا من أصدر الأحكام. إنه مجرد موظف في منصب عال.

يذكر أحد سجناء حزب البعث الديمقراطي (الشباطي)، وكان هؤلاء يحظون بمعاملة تفضيلية من العش، قصة تدل -في رأيه- على مناقبية الأخير. فبعد أشهر من النقل إلى صيدنايا استفحلت أعراض الفصام التي كانت قد بدأت مع أحد المعتقلين منذ تدمر وصارت حالة ظاهرة، فقام العقيد بـ«مساعدة» المريض بطلب لجنة مختصة لمعاينته. بعد ستة أشهر حضرت اللجنة، وبعد ستة أخرى قررت الإفراج عن الرجل الذي كان، أثناء ذلك، قد تحول إلى مجنون تام.

تنبع السمعة الطيبة النسبية التي يتمتع بها العش لدى بعض نزلاء السجون التي أدارها من انخفاض مريع في عتبة حقوق الإنسان في سوريا

وفي الحقيقة، ربما تفيدنا هذه الحالة في التمييز بين ما يصفه البعض بصقور الحكم في عهد الأسدين وحمائمه. فالأولون صانعو النظام ومشيّدو أركانه على الاستباحة الطلقة وعلى التوحش الذي لا يحده قانون ولا أخلاق، والأخيرون حلقات في هذه الماكينة، مؤمنون بها وليسوا حياديين، لكنهم لا يصنعون قوانينها بل ينفذونها.

في أحد الأيام الأولى لسجن صيدنايا دخل العقيد إلى مهجع ناشئ وألقى خطبة بعثية صماء. ثم سأل: «عندكن فكرة عن سجن صيدنايا؟»، فأجاب معتقل شاب من حزب العمل الشيوعي: «سمعنا إنو مصمم حسب المعايير الدولية، وإنو رح تتراعى فيه المواثيق العالمية لحقوق الإنسان...»، فقاطعه العش بسرعة ساخراً: «المواثيق الدولية؟ حقوق الإنسان!!!! هاي نحنا منستخدمها لنمسح فيها ط...».

قاطعه العش بسرعة ساخراً: «المواثيق الدولية؟ حقوق الإنسان!!!! هاي نحنا منستخدمها لنمسح فيها ط...».

يبدو أن رأي العميد لم يتغير رغم مرور السنوات. مات مرقص منذ زمن بعيد على كل حال. يقضي أبو بلسم وقته اليوم مقلّباً التلفزيون بين القنوات السورية و«الميادين» و«المنار» و«الجديد»، مطلقاً الشتائم المقذعة ضد خونة المعارضة وعاهراتها ممن تآمروا على البلاد لتدميرها. وهو يشكو لزواره القليلين، بين حين وآخر، قلة عدد كوّات المصرف التجاري وكثرة أعطالها وشدة الزحام عليها، مما يضطره إلى قضاء وقت طويل واقفاً في الدور كل شهر، لإنجاز المهمة غير القابلة للتأخير لاستلام راتبه التقاعدي، الذي لا يتجاوز 100$.

==========================

ملامح الدولة الأسدية الثانية

بكر صدقي

سوريا تي في

الاثنين 19/11/2018

تتواتر أخبار عن إلقاء القبض على أشخاص من جماعة "المصالحات"، وبعضهم يقتل ثم ترمى جثثهم على الملأ. كان هؤلاء من مسلحي المجموعات المسلحة التي تقاتل النظام، إلى أن "أثمرت" الخطة الروسية حول ما سمي بمناطق خفض التصعيد، فنزح من نزح منهم مع المدنيين باتجاه الشمال، واستسلم من بقي منهم وفق شروط المصالحات التي فرضت عليهم الانضمام إلى الميليشيات الأسدية. فقد آن أوان الثأر بعد المصالحة.

ومن جهة أخرى تم قتل عائلات كاملة عادت من لبنان، بعد سنوات أمضتها في أسوأ الشروط بالقياس إلى لاجئين إلى دول أخرى، وفق ما أعلن وزير المهجرين اللبناني معين مرعبي. وفضلاً عن الشروط المذكورة، ومنها تحريض عنصري ضدهم من مرجعيات حكومية وغير حكومية، فالأخبار تتواتر عن إرغامهم على العودة من قبل الأمن العام أو جهات سياسية حليفة للنظام الكيماوي في دمشق. والقتلى مدنيون لم يحملوا السلاح يوماً. لكنه أوان الثأر.

وقام رئيس المخابرات الجوية جميل الحسن، أحد أبرز المجرمين التنفيذيين لدى النظام الكيماوي، بجولة على بعض

 "إعادة الإعمار" وفقاً للمفهوم الأسدي الذي هو إعادة بناء جدار الخوف، أو صنم العبادة القديم – الجديد، وليس إعادة إعمار ما خربته آلة الحرب الأسدية.

بلدات محافظة درعا، مهد الثورة السورية، فالتقى بوجهاء المنطقة، متوعداً إياهم بالثأر لعناصره الذين تمت إبادتهم، في إحدى العمليات العسكرية، في زمن سابق. أما عن سؤال الوجهاء عن أبنائهم المعتقلين فقد أجاب مكرراً القول الشهير لعاطف نجيب، في ربيع 2011، رداً على مطالبة الأهالي بأولادهم: "انسوهم!"

أضف إلى الوقائع السابقة إعادة نصب تمثال مؤسس النظام حافظ في مدينة دير الزور، وسط الخرائب المحيطة به، في مشهد معبر عن "إعادة الإعمار" وفقاً للمفهوم الأسدي الذي هو إعادة بناء جدار الخوف، أو صنم العبادة القديم – الجديد، وليس إعادة إعمار ما خربته آلة الحرب الأسدية.

هذه هي أبرز ملامح الدولة الأسدية في "إصدارها الثاني" بالاستعارة من حقل التكنولوجيا الحديثة. وذلك إذا قسمنا تاريخ هذا النظام إلى حقبتين، تمتد الأولى من التأسيس (1970) إلى انطلاق الثورة السورية (2011)، في حين أن الثانية ما زالت قيد التأسيس. أما ما بينهما فهي فترة الثورة والحرب.

هي قيد التأسيس، أولاً، لأن الحرب / الحروب، في سوريا وعليها، لم تنته بعد. شائع لدى المراقبين من الخارج أن الحرب ماضية نحو نهايتها، ونتيجتها "انتصار" النظام على "معارضيه" أو على الثورة أو على الإرهاب، وفقاً لمنظور كل مراقب. ويستعجل المحتل الروسي تسجيل هذا الانتصار الذي يرى أنه هو الذي حققه، مطالباً المجتمع الدولي بالاعتراف بذلك، وبمكافأته عليه متمثلاً بتمويل إعادة إعمار ما دمره سلاح طيرانه. تنافسه على أبوة "النصر" إيران المتغلغلة في مفاصل السلطة المتحكمة بقراراتها في الشؤون الأكثر عمقاً مما يهتم به الروس: وأعني بها ما يتعلق بالتغييرات الديموغرافية والقواعد العسكرية البرية وملكية الأراضي والقطاعات الاقتصادية، أي كل ما يتعلق بالأمور ذات الأثر المديد.

وهي قيد التأسيس، ثانياً، لأن ما بعد "انتصار" النظام المفترض لن يكون كما قبل آذار 2011، في عهدي الأب والابن معاً. بل سنكون أمام حالة أشبه بالزومبي (الميت الذي يتغذى على لحوم الأحياء، ولا يصل حالة الإشباع أبداً). في لقائه "المشهدي" مع أهالي مخطوفي السويداء "المحررين"، لم يسع الدكتاتور الصغير أن يمرر فرحة هؤلاء الأهالي من غير أن يطالبهم بالثمن. مع أنه قد قبض الثمن سلفاً بتلك العراضة التهريجية المخصصة لتمجيد القاتل، لكنه لقنهم درساً من كيسهم أيضاً: (تساءل البعض أين هو الجيش في المنطقة الشرقية التي هاجم منها داعش؟ والجواب: الجيش في المنطقة الغربية!) (تريدون للجيش أن يحميكم؟ إذن أرسلوا أولادكم إلى الخدمة العسكرية في جيشي! حتى يقاتلوا الإرهابيين، ليس في منطقة الجبل فقط، في أي منطقة من سوريا!). بهذه الوقاحة

سنكون أمام مشهد بلد محتل ونظام عميل، قد يكتفي، فوق ذلك، من سوريا ببعض أقسامها التي يسيطر عليها الروس والإيرانيون فقط

رد الأسد الزومبي على تبجيله التهريجي من قبل أولئك "الجبليين". هذا هو دستور الدولة الأسدية في طبعتها الثانية. أعطوني أولادكم ليموتوا دفاعاً عن حكمي، كي لا أفلت عليكم مسلحي داعش!

وهي قيد التأسيس، ثالثاً، لأننا سنكون أمام مشهد بلد محتل ونظام عميل، قد يكتفي، فوق ذلك، من سوريا ببعض أقسامها التي يسيطر عليها الروس والإيرانيون فقط. أما الأقسام الأخرى التي تسيطر عليها تركيا والولايات المتحدة، فقد تبقى كذلك لزمن غير معروف، وأمرها مرتبط بتوازنات دولية لا تأثير للنظام عليها.

وهي قيد التأسيس، رابعاً، لأن السلطة المركزية للنظام الكيماوي، من المرجح ألا تستعيد السيطرة على القيادات الميدانية من أمراء الحرب في مناطقه، ويرغم على تقاسم السلطة المحلية معهم، وفقاً لكل منطقة. وقد تبقى ميليشيات أجنبية إضافة إلى منظمات الشبيحة المحليين. وكل ذلك يتوقف على إرادات دول أخرى، وبمعزل عن إرادة النظام.

وهي قيد التأسيس، خامساً، لأن مصير النظام، وبخاصة مصير رأسه، في أيدي الآخرين، وما يعنيه ذلك من احتمال ألا يكتمل التأسيس من أساسه!

==========================

عن اليسار السوري المشلول

راتب شعبو

العربي الجديد

الاثنين 19/11/2018

يدفع الفشل الديموقراطي العلماني المتراكم في سورية إلى مراجعة تاريخنا القريب بما نستطيع من موضوعية، ذلك أن الجيل السوري الشاب اليوم، ينفعل بآثار أمراض سياسية/ نفسية قادمة إليه من فتراتٍ لم يعاصرها، ولا يستطيع فكّ شيفرتها، منها العلاقة غير السوية بين رابطة العمل الشيوعي والحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي، والتي لم تزل مفاعيلها حتى اليوم.

إضافة إلى الهويات المعهودة، أكانت دينية أو إثنية أو قومية، برزت في سورية هوياتٌ سياسية، ليس بمعنى الخط أو التوجه السياسي العام، بل بمعنى تحوّل الانتماء السياسي إلى هوية، بكل ما تحمل الهوية من انغلاقٍ ونهائية وديمومة. في فترة ما بعد الاستقلال، شهدت سورية تبلور هويات سياسية، بمعنى التوجه السياسي العام المعبر عن مصالح قطاعاتٍ معينةٍ من المجتمع، ظهر هذا في العلاقة بين حزب الشعب والحزب الوطني مثلاً، تعبيرا سياسيا عن التباين بين مصالح بورجوازية حلبية وحمصية وحموية، تميل إلى الشرق (العراق) ومصالح بورجوازية دمشقية، تميل إلى الغرب والجنوب (مصر والسعودية).

"مصالح طبقية تنعكس في مواقف وسياسات، وهذا يعطي للسياسة تعريفها وحيويتها، ويبقيها على صلةٍ بأرض الصراعات وتقلباتها"

هنا، نحن أمام مصالح طبقية تنعكس في مواقف وسياسات، وهذا يعطي للسياسة تعريفها وحيويتها، ويبقيها على صلةٍ بأرض الصراعات وتقلباتها، لكن ما شهده العمل اليساري المعارض في سورية بعد انقلاب 16 نوفمبر/تشرين الثاني 1970 هو بروز هوياتٍ سياسيةٍ، لا تقوم على مصالح طبقات اجتماعية، بل بالأحرى على تباين الاجتهادات السياسية واختلاف التصورات والأفكار والظنون، وأكاد أقول السمات الشخصية. المثال الأبرز على هذه الظاهرة المرضية هو العلاقة السياسية التي تحولت إلى علاقة "هوياتية" بين رابطة العمل الشيوعي (صار اسمها حزب العمل الشيوعي) والحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي (صار اسمه حزب الشعب الديموقراطي).

ظلت الرابطة، كما المكتب السياسي، تنظيمين نخبويين، على الرغم من تفاوت درجة النخبوية. وعلى الرغم من كفاحية أبناء التنظيمين، فقد ظلا جسديْن مقطوعيْن إلى حد كبير عن القاعدة الاجتماعية التي يتصوّران أنهما يمثلانها. أضعف هذا مما يمكن تسميتها الحساسية الطبقية، أي ربط السياسة والتوجه بالمصلحة الطبقية الحية التي يكافحان لتمثيلها سياسياً، فلا تغدو المواقف السياسية مجرّد مواقف ذهنية. لا يتحمّل أيٌّ من هذين التنظيمين مسؤولية هذا الواقع، إنهما بالأحرى ضحيتاه. تقع المسؤولية على عاتق القمع الرهيب المستمر الذي استهدفهما، وعلى عاتق تطور اقتصادي اجتماعي معاق في هذه البلدان، لكن ما يتحملان مسؤوليته هو استسلامهما لهذا التحول الهوياتي الذي ترك أثره على "العمل اليساري المعارض" العقيم في سورية حتى اليوم.

انتقال العلاقة السياسية من المستوى السياسي إلى المستوى النفسي يفسد المستويين معاً. الخلافات السياسية التي تتخذ لها، في بيئاتنا، أبعاداً شخصية وتحرّض في النفوس غريزة الإلغاء والتدمير بدلا من غريزة الاجتماع تترسب، مع الوقت، على صعيد نفسي وشخصي، وليس سياسيا فقط، وتعيق العمل المشترك. ثمة عامل مُطلِق لهذه الآلية، وغالباً ما يكون تقديراً خاطئاً أو سوء ظن أو استجابة غير مسؤولة لنزوع شخصي عند أشخاصٍ مؤثرين، لكنه يبقى عاملاً تافهاً إذا ما قورن بمدى الأثر الذي يتركه على مجمل الحياة السياسية في البلاد، ومن هنا منبع اللامسؤولية.

في البحث عن لحظة التأسيس الهوياتية بين التنظيمين المذكورين، يمكن التوقف عند حقيقة أن نشوء تنظيم الرابطة (رابطة العمل الشيوعي) كان مزامناً لعملية الانشقاق المديد للمكتب السياسي عن الحزب الأم بزعامة خالد بكداش (بين المؤتمر الثالث في يونيو/حزيران 1969- وأول مؤتمر مستقل للمكتب السياسي، في ديسمبر/كانون الأول 1973)، ومزامناً بداية نشاط المكتب السياسي حزبا مستقلا. كانت الحلقات الماركسية، خلال هذه الفترة، والتي صارت لاحقاً إلى رابطة العمل الشيوعي، في أغسطس/آب 1976، تنتقد "المكتب السياسي" من اليسار في أدبياتها، ولا يكفّ أعضاؤها عن محاورة أعضاء المكتب السياسي، في محاولة كسبهم سياسياً أو تنظيمياً. وكان لهذا السلوك "التوسعي" تأثير سلبي على صورة الرابطة لدى قيادة المكتب السياسي التي اتخذت، في ربيع 1977، قراراً رسمياً يمنع كل أعضاء الحزب من الدخول في أي حوارٍ مع الرابطة، بحسب محمد سيد رصاص، أحد قياديي المكتب السياسي حينها.

وفي حين كان "المكتب السياسي" ينتقل بحذرٍ إلى مواقع معارضة للنظام، ببنيةٍ تنظيميةٍ مكشوفةٍ لا تحتمل المواجهة الأمنية التي تترتب على اتخاذ مواقف حادّة، كانت الرابطة أكثر استعداداً للمواجهة الأمنية، وقد دخلتها من دون تردّد، وبطريقة تبدو انتحارية، في مواجهة التدخل السوري في لبنان 1976، فتلقت ضربةً أمنيةً شديدةً ومفاجئة في مارس/آذار 1977، كادت تكون قاصمة، بعد أقل من ستة أشهر من تأسيسها. وعلى إثر الحملة الثانية في مايو/أيار 1978، ناقشت الرابطة الاندماج مع المكتب السياسي. تباينت الآراء بين متحمّسٍ للاندماج الفردي، معولاً على أن يكون الجسم التنظيمي للمكتب السياسي حاضنة وحاميا له، ومن وافق على الاندماج، ولكن ككتلة تنظيمية لها استقلاليتها، بينما لم يمانع آخرون في الاندماج أفرادا، شريطة وجود مجلة داخلية لنشر الآراء والاجتهادات التي قد تتباين مع خط الحزب، لكن لم تلق هذه الأفكار موقفاً إيجابياً من الحزب الشيوعي، وما وضع حدا لهذا الاجتهاد أن الرابطة استطاعت أن تتماسك تنظيمياً مجدّداً، وتكمل مسيرتها الخاصة.

أمام التماسك التنظيمي الذي حققته الرابطة، على الرغم من حملات الاعتقال المتواصلة، والسمعة النضالية التي اكتسبتها، وسعة الانتشار التي حققتها ومواظبتها على إصدار أدبياتها، شعر المكتب السياسي كما لو أن هذا يتحقق على حسابه، كما لو أن هذا الزخم الشبابي الذي يرفد الرابطة مسروق منه، أو كما لو أن الرابطة شكلت حاجزاً بين الشباب والمكتب السياسي. الأمر الذي أدخل الرابطة في دائرة الظنون الأمنية للمكتب السياسي أنها "صنيعة المخابرات السورية"، على الرغم من أن الرابطة كانت ضحية قمع متواصل، وكان محمد عبود، من الرابطة، أول شيوعي يُقتل تحت التعذيب في سورية البعثية. وفي المقابل، واصلت الرابطة نقد المكتب السياسي من اليسار بوصفه "إصلاحياً" و"مخيباً للأمل". وهكذا راحت القشرة الخارجية للهويتين تتكلس وتتصلب، إزاء بعضهما بعضا، وتستقل عن السياسة.

لم يكن الموقف السياسي من الحراك الشعبي الذي استجرّه الصعود العنيف لجماعة الإخوان المسلمين، في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، سبب التباين بين التنظيمين، فقد كان الاختلاف بينهما قد غادر منذ مدة مجاله السياسي، ليستقر أساساً في نفوس أبناء التنظيمين، وإنْ بدرجةٍ متفاوتةٍ، كانت، في الحقيقة، أعلى لدى المكتب السياسي. في ذلك الوقت، كانت كل زهور الأمل بعمل مشترك بين التنظيمين قد سقطت من دون أن يتبقى أمل بانعقاد أي ثمرة.

رأى المكتب السياسي أن الصراع يدور بين النظام الديكتاتوري والشعب، ما يستدعي تصويب النيران إلى النظام أساساً أو فقط، ورأت الرابطة أن الصراع يدور بين قطبين من طبيعة واحدة، هما النظام والإخوان المسلمين، وأن الخلاص يكون بالنضال ضد الطرفين، وسحب الكتلة الشعبية من تحت تأثيرهما بتشكيل قطبٍ شعبيٍّ ثالث، ما يستدعي توجيه النيران إلى الطرفين (النظام والإخوان).

"انتقال العلاقة السياسية من المستوى السياسي إلى المستوى النفسي يفسد المستويين معاً"

بدا موقف الرابطة في عين المكتب السياسي مهادناً للنظام، باعتبار أن الرابطة لا ترى البعد الشعبي في الصراع، وتركّز على الإخوان المسلمين، وأعمالهم العنيفة ذات الطابع الطائفي (نموذجها مجزرة المدفعية في يونيو/حزيران 1979)، على الرغم من أن الرابطة كانت، في الواقع، توجّه نيرانها الأكثف ضد النظام، وكان التنظيم اليساري الوحيد، حينها، الذي تبنّى شعار إسقاط السلطة الديكتاتورية البعثية في اجتماع مركزيته في سبتمبر/أيلول 1979، قبل أن تجمّد هذا الشعار في أغسطس/آب 1980، حين لاح لها الإخفاق في بناء التحالف الشعبي الذي يمكن أن يكون أداة إسقاط السلطة، فيما بدا لها أن ما كنت تسمّيه "الحلف الرجعي الأسود" كناية عن الإخوان المسلمين وحلفائهم، يتقدّم بخطى ثابتة للاستيلاء على السلطة.

في المقابل، رأت الرابطة أن المكتب السياسي يهادن "الإخوان" على الرغم من أعمالهم وارتباطاتهم وبرنامجهم، ويتخلى بذلك عن مهمته التاريخية نقيضا لطرفي الصراع. واعتبرت أن المكتب السياسي سمح لنفسه أن يكون ملحقاً بالإخوان، كما سمح خالد بكداش لنفسه بأن يكون ملحقاً بالنظام. مع ذلك، استطاعت الرابطة أن تحاور فيما بعد بكداش، على الرغم من قسوة نقدها له، لكن هذا لم يكن ممكناً مع المكتب السياسي، لأسبابٍ نفسيةٍ أكثر منها سياسية.

تشكّل التحالف اليساري، في ديسمبر/كانون الأول 1976، باسم "التجمع الوطني الديموقراطي"، واستبعدت الرابطة من التحالف، باعتراضٍ من المكتب السياسي، كما نقل إلى قيادتها رئيس التجمع، جمال الأتاسي. لا نظن أن هناك من يجادل في أن هذا الاستبعاد كان خسارة للجانبين. ونسبة كبيرة من المعارضين السوريين الديموقراطيين والعلمانيين اليوم كانوا، أو ما زالوا، منضوين في صفوف الحزبين، ونظن أن الغالبية منهم يحملون موقفاً نفسياً صادّاً تجاه الآخر، يعرقل الرؤية الموضوعية والعمل المشترك. الأخطر أن هذه المواقف النفسية تديم ذاتها بالانتقال إلى أجيالٍ لم تعشها أصلاً، فتزيد من الانقسامات في الصف الديموقراطي السوري الذي تحوّل إلى مجرد شاهدٍ مشلولٍ على ما يجري حوله.

==========================

هل يسقط اتفاق إدلب؟

حسين عبد العزيز

العربي الجديد

الاثنين 19/11/2018

إذا نُظر إلى اتفاق سوتشي بشأن إدلب في سورية من منظار عسكري محض، فلن يكون الاتفاق عندها سوى مقدمة لكارثة ستحل بفصائل المعارضة، ذلك أن ثمة منطقة حدودية آمنة خالية من السلاح الثقيل للمعارضة، ما يجعلها عرضةً سهلة لأي اختراق من النظام، كما حدث في العملية العسكرية التي شنها النظام قرب قرية الزلاقيات جنوبي إدلب. ولكن إذا نُظر إلى الاتفاق من منظار استراتيجي، فإن الرؤية ستختلف، فتركيا لم يكن لها لتقبل بهذا الاتفاق، الذي يشكل إضعافا للمعارضة، في مقابل عدم شن النظام والروس معركة عسكرية ضد إدلب.

بعبارة أخرى، لم ير هذا الاتفاق النور كي ينتهي بعد أشهر قليلة، وإنما هو اتفاق طويل الأمد، يسمح ببقاء فصائل المعارضة في إدلب وبقاء الحضور التركي. ويدرك هذه المعادلة النظام السوري و"هيئة تحرير الشام" جيدا، وهما لا يستطيعان خرقها، لكنهما يعملان على تصعيد عسكري، من أجل تحقيق أهدافهما المختلفة. وليس القصف المتبادل بين النظام والهيئة خلال الأسبوعين الماضيين مجرد فعل ورد فعل فحسب، بقدر ما هو تخطيط مسبق من الطرفين في محاولة لفرض وقائع جديدة:

أولا، بالنسبة للنظام، يشكل اتفاق سوتشي حول إدلب الموقع في 17 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي صفعة قوية له، في إطار جهوده الساعية إلى السيطرة على كل الأراضي، خصوصا التي تخضع لسيطرة فصائل المعارضة، فالتهديد الدائم بالنسبة لدمشق يأتي، بالدرجة الأولى، من بوابة المعارضة، بسبب أجنداتها السياسية. وتقوم مقاربة النظام على أنه لا بد من إنهاء سيطرة المعارضة على المحافظة، وإخراج التنظيمات الإرهابية منها، ومن شأن حصول ذلك أن يعطي النظام مكاسب استراتيجية، تكمن أولا في نقل المعارضة إلى عفرين و"درع الفرات" الخاضعتين للسيطرة التركية، وهاتان المنطقتان أنشئتا لأغراضٍ تتعلق بالأمن القومي التركي في مواجهة النزعات الكردية، وليس لمحاربة النظام. بعبارة أخرى، يعني انتقال فصائل المعارضة إلى هاتين المنطقتين انتهاء دورها القتالي ضد دمشق.

"تركيا ستكون أول المتدخلين، في حال تصرّفت المجموعات الإرهابية في محافظة إدلب بشكلٍ مخالفٍ لاتفاقية سوتشي"

وتكمن المكاسب الاستراتيجية ثانياً في أن خروج التنظيمات الإرهابية إلى هاتين المنطقتين يعني رمي كرة الإرهاب في حضن الأتراك الذين سيجدون أنفسهم، بحكم التفاهم مع روسيا، مضطرين إلى القضاء على كامل تلك التنظيمات، ما سيُدخل تركيا في حروبٍ محلية، ويضعف حضورها في الشمال الغربي من البلاد، غير أن احتمالية هذا السيناريو تبقى بعيدة عن التحقق، بسبب حاجة روسيا لمثل هذا الاتفاق، وكانت التصريحات الروسية المشيدة بسير الاتفاق رسالة واضحة إلى دمشق التي أعلنت، أكثر من مرة، أن تركيا لم تلتزم ببنود الاتفاق.

لا يعني ذلك أن روسيا راضية تماما عن خطوات تنفيذ اتفاق سوتشي، لكن هذا الاتفاق يبقى الحل الأمثل لها، من أجل موازنة العلاقة بين تركيا والنظام السوري، ويحول دون انفلات الأمور وخروج أنقرة عن السيطرة، ويعطي موسكو وقتا زمنيا لمواجهة الهجوم السياسي الأميركي. ومع ذلك، يسعى النظام إلى إعادة تدوير الاتفاق، من دون أن يؤثر ذلك سلبا على المصالح التركية استجابة لروسيا، بمعنى أن النظام سيقبل بجوهر الاتفاق بشأن إدلب شرط ألا يكون ريف حماة الشمالي، وأجزاء من ريفي اللاذقية الشمالي وإدلب الجنوبي من ضمن الاتفاق. وأغلب الظن أنه سيحدث ترتيب عسكري جديد، بعد إنهاء تركيا تنفيذ اتفاق سوتشي، فالمناطق الثلاث المذكورة ذات أهمية كبيرة لدمشق، من حيث أنها عمق استراتيجي لمعاقلها، ولأنها تمنحها الهيمنة على أجزاء من الطريق الدولي حماة ـ حلب (خان شيخون، معرّة النعمان، سراقب) والطريق الدولي اللاذقية ـ حلب (بداما، جسر الشغور، أريحا، سراقب).

ثانيا، على عكس النظام، لا تسعى هيئة تحرير الشام إلى إفشال اتفاق سوتشي، فهي تدرك أن أية محاولة لتدمير الاتفاق ستعني مواجهة عسكرية كبيرة، ليس مع النظام والروس فحسب، بل أيضا مع الأتراك الذين سيسرعون مع فصائل المعارضة إلى تدمير الهيئة، من أجل قطع الطريق العسكري على النظام والروس. وقد أعلن وزير الخارجية التركي، مولود جاووش أوغلو، صراحة أن تركيا ستكون أول المتدخلين، في حال تصرّفت المجموعات الإرهابية والراديكالية في محافظة إدلب بشكلٍ مخالفٍ لاتفاقية سوتشي. وبالتالي، يجب النظر إلى التصعيد العسكري للهيئة من منظار بنيتها العسكرية والأيديولوجية من جهة، وطبيعة العلاقة مع تركيا من جهة ثانية. وجل ما تسعى إليه الهيئة هو تحسين شروط التفاوض الداخلية مع تركيا، لجهة عمليات الانتشار وعمليات السيطرة، ولمنع حدوث انشقاقاتٍ داخليةٍ، تهدد وضعيتها وقوتها، في ظل وجود تيار قوي فيها، يرفض الاتفاق، أو أية محاولة لتغيير وجهة الصراع.

==========================


الثورة المفوّتة ... والنقدُ المفقودُ

أسامة محمود آغي

سوريا تي في

السبت 17/11/2018

تحدث الثورة في المجتمع البشري في بلد ما حين يشكّل النظام السياسي الحاكم جدار صدٍ في وجه تطور المجتمع ومنعه من تحقيق حاجاته المادية والروحية. والثورة السورية التي تفجّرت في ربيع عام 2011 أتى تفجّرها على هذه الأرضيّة، وهذا اتضح مع المظاهرات السلمية التي نادت بضرورة إجراء إصلاح بنيوي للدولة السورية، ونقلها من واقع "الدولة الأمنية" إلى واقع "الدولة الديمقراطية".

المظاهرات التي عمّت أغلب مناطق البلاد لم تستطع بلورة حالةٍ تنظيمية ثورية موحدة، بحيث يتمّ بناء قيادة موحّدة للحراك الثوري، ولم تستطع قوى الثورة المنخرطة فيها من رسم مسار سياسي واضح الأهداف لكلَ السوريين، فهذا المسار السياسي ينبغي أن يحافظ على درجةٍ من الوطنية، يرفض الانجرار وراء دفع النظام الأسدي لقوى الثورة إلى مربع مواجهةٍ ذات طابع طائفي. لكنّ القوى الحيّة في الثورة السورية ذات الرؤية الاستراتيجية لم تستطع البقاء في مربعها الوطني، مما سمح للنظام الأسدي بلعب أوراقه الأمنية من خلال إطلاق سراح مجموعات متهمة بالانتماء لتنظيم القاعدة الدولي، والذي شكّلت داعش أحد وجوهه، حيث ستلعب هذه المجموعات دوراً تخريبياً للجهد الثوري، الذي يطالب بدولةٍ مدنية ديمقراطية تعددية في سوريا.

قوى الثورة السورية لم تستطع التقاط حالة الحاضنة الشعبية التي يتمترس خلفها النظام الأسدي

قوى الثورة السورية لم تستطع التقاط حالة الحاضنة الشعبية التي يتمترس خلفها النظام الأسدي، فالخطاب الديمقراطي كان ينبغي أن يجد حوامل حقيقية له لدى الحاضنة المحسوبة على النظام، كما ينبغي أن يكون حامله الثوري على قدرة تنظيمية فكرية سياسية واضحة البرنامج والأهداف، بحيث تشكّل قاعدة تلتف حولها كل قوى المجتمع المعنية بالتغيير الديمقراطي.

قوى الثورة السورية لم تستطع أن تلجم الخطاب الذي حاول تصوير الأمر وكأن الصراع في سوريا هو صراع طائفي بين طائفة صغيرة تسيطر على الحكم في البلاد وطائفة كبيرة يتمّ حكمها بطريقة تعسفية قهرية.

عدم لجم قوى الثورة السورية لهذا الاتجاه الذي ساد لاحقاً، ساهم في هدم أية إمكانية للتغلغل ضمن نسيج حاضنة النظام من بوابة القوى الوطنية الديمقراطية فيه، بحيث كان المطلوب إشراك هذه الحاضنة أو أجزاءٍ منها متضررة من النظام في الثورة. هذا الأمر كشف عن غياب رؤية استراتيجية لدى قوى الثورة في فهم طبيعة النظام وتكوينه، وفي فهم آليات عمله، وكذلك في فهم طبيعة الثورة وبرنامجها وأدواتها، مما أضعف القدرة على اختراق بنية حاضنة النظام الشعبية، والتي هي الأخرى متضررة من الصراع السياسي بين النظام الأسدي الذي يبحث عن تأبيد وجوده رغم استنفاذه لدوره التاريخي وبين فئات الشعب المختلفة والمتضررة اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً من بقاء واستمرار نظام الحكم، الذي يعرقل كل إمكانية لتطور بنى المجتمع السوري.

قوى الثورة السورية لم تقم حتى اللحظة بإجراء مراجعة نقدية لبنيتها الذاتية، وإجراء مراجعة نقدية لبرنامجها السياسي، وهذا يمكن اكتشافه من خلال عدم قدرة هذه القوى على بلورة موقفٍ ثوري يمثّل تطلعات الشعب السوري في إنجاز مهام ثورته، وتحديداً في ترسيخ حرياته والعمل على بناء دولته الديمقراطية.

إنّ غياب النقد لدى قوى الثورة السورية سمح لقوى إقليمية ودولية بلعب دورٍ حاسمٍ في اتجاهات الصراع السياسي السوري، إذ استطاعت هذه القوى الإقليمية والدولية على تحويل سوريا إلى ساحة صراع عسكري وسياسي بينها، في الوقت الذي تراجعت فيه مطالب الشعب السوري وأهداف ثورته إلى درجة متدنية.

إنّ الوضع الذي وصلت إليه الثورة السورية بعد سبع سنوات لا يبعث الطمأنينة لدى السوريين، فملف الصراع السياسي بينها وبين النظام الأسدي لم يعد ملفاً خاصاً بهما، بل أصبح هذا الملف يخضع للصراعات الدولية بين الدول المنخرطة في الصراع السوري.

هذه الحالة تجعلنا نقول أن الثورة السورية في مرحلتها السابقة هي في حالة ثورة مفوّتة، لم تستطع إنجاز مهامها ولو بالحدّ الأدنى، الذي يفتح آفاق تطور البلاد على بناء دولة القانون والمؤسسات الديمقراطية.

المهام التاريخية التي قامت لأجلها الثورة السورية لم يتم إنجازها

ولكن هذا لا يعني أنّ الثورة تلاشت أو ماتت، فالمهام التاريخية التي قامت لأجلها الثورة السورية لم يتم إنجازها، وبالتالي هي مهام ما تزال قائمة، ما دام نظام القهر والاستبداد يقف حائلاً دون تحقيقها.

المهام التاريخية التي تضغط شروط التطور من أجل تحقيقها ليست مجرد رؤية سياسية تصيب أو تخطئ، بل هي تعبير عن درجة تطور موضوعي في الأنساق السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تخصّ تطور بنى المجتمع السوري. هذه المهام ضرورة تاريخية، فإن عجزت قوى الثورة بصيغتها السابقة عن إنجاز تحقيق هذه الضرورة، فهذا لا يعني انتهاء مبرر وجود الضرورة، بل يعني انتفاء أداة تنفيذها، إذ أن الحامل الثوري لهذه الضرورة لم يستطع استكمال بناء بنيته المتكاملة لإنجاز مهامه، ولكن هناك حاجة لاستكمال بناء هذه البنية، وهذا يتطلب صيغةً جديدة للحامل الثوري، تختلف بنيوياً عن الصيغة الأولى، وتكون أكثر وعياً لدورها التاريخي، وأكثر ارتباطاً بواقعها، بحيث يمكن تحويل دور الخارج إلى معادل قوة، وليس معادل تخريب وهيمنة وسيطرة كما جرى.

الثورة السورية بصيغتها الحالية هي ثورة مفوّتة مرحلياً، وتحتاج بالضرورة إلى عملية نقدٍ واسعةٍ وعميقةٍ على المستويين الذاتي والموضوعي. فهل تتمّ عملية النقد أم أننا سنحتاج إلى ثورة أخرى تصحح مسار ثورتنا الحالية.

==========================


لم يبق غير العَلم

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 17/11/2018

أخيرا، وصل الإرهاب إلى عَلم الثورة السورية، بعد أن اجتاز رحلة طويلة أزهق خلالها روح الحراك السلمي، وثورة الحرية، والمقاومة الشعبية، والجيش الحر، ومئات آلاف الضحايا الذين فارقوا الحياة، ومثلهم من كانوا سيفضلون لو أنهم فارقوها على عيشٍ هو الموت الزؤام.

ليس من أسموا أنفسهم "مهاجرين"، وزعموا أنهم لم يكونوا بحاجةٍ إلى دعوة من الثورة أو الشعب السوري، ليهرعوا لنصرة شعبها، غير مشبوهين أتوا لتنفيذ مهمة محدّدة، هي ذبح أكبر عدد من سكان المناطق التي خرجت الأسدية أو أخرجت منها، ونهب ثرواتها، وتهريب آثارها، وانتزاع ممتلكات أبنائها، وخطف فتياتها وشبانها، وانتهاك حرماتهم، وسلبهم حريتهم، والقضاء على بصيص الحرية الذي كانوا قد انتزعوه من أشداق وحش دمشق، في الفترة بين إخراج جيشه من مناطق الثورة، ووصول "المهاجرين" المزعومين إليها، الذين ما لبثوا أن تفرّغوا للغدر بالسوريين، وكتم أنفاس الذين شاركوا منهم في ثورة الحرية، وإقناع العالم بأنهم ليسوا طلاب حرية وكرامة، بل حلفاء لإرهابيين لا يستحقون الحياة. لذلك: الأسد أفضل لأمن البشرية وسلامها منهم، وإلا ما معنى أنه لم يبق في "مناطقهم المحرّرة" غير إمارة الجولاني المسمّاة "هيئة تحرير الشام"، التي ترفض الاعتراف بأي هيئة أو مؤسّسة سبق أن محضها السوريون ثقتهم، أو اعترف المجتمع الدولي بها ممثلا لهم، وأنها تعرّض مواطني الشمال السوري للقتل المجاني، بأيديها وأيدي روسيا وإيران والأسدية، وتعلم أن إمارتها الإرهابية لن تكون إطلاقا بديل الإمارة الأسدية، بقرار دولي من عالمٍ يعرف أنها بديل شعب وثورة سوريَين، وأن عبثية وجودها بين ظهراني الآمنين لن تنتج غير مزيد من التضحية بهم، بحجة مكافحة إرهابها الذي ينعم بالأمان؟

لم يكن ما ارتكبه "المهاجرون" من جرائم بشرية وسياسية أمرا عرضيا، بل كان خطةً نفذوها بإحكام، وإلا ما معنى نشر قواهم الرئيسة في مناطق الثورة وحدها، وعدائهم ثورة الحرية، وإقامة دولةٍ لتنظيم داعش وإمارة إسلامية لجبهة النصرة، شكلت "حكومة إنقاذ"، و"جمعية تأسيسية" قرّرت اختلاق بديل لعلم الثورة، حذفت نجومه الحمراء التي تذكّر بدماء الشهداء، واستبدلته بآخر تتوسطه كتابةٌ دينية، ليس لأن الإمارة تحترم الإسلام، وإنما لإثبات أنها القوة التي تنفرد بالسيطرة على الشمال السوري. وتستطيع تحدّي تركيا، ومن يفكرون بإخراجها من المنطقة، وأن الأمر لا علاقة له بإعلاء شأن الدين ورفع رايته، ولو كان هذا هدفها لاحترمت حرية المسلمين وإرادتهم، ولما قضت على خمسة عشر تنظيما من الجيش الحر، كانت تقاتل الأسدية وتدافع عن السوريين، ولما قتلت الأبرياء وزجّت آلافا منهم في سجونٍ أين منها أسوأ سجون الأسد، وفنون التعذيب التي تمارس فيها وتعرّض لها ملايين السوريين، إناثا وذكورا، وتنافسها الإمارة في كل ما له علاقة بالتعذيب والتجويع والإذلال والموت بالجلطة؟

رفضت جبهة النصرة علم الثورة، لأنها لم تنتم إطلاقا إليها، ولو يوما واحدا. وقرّرت إخبار السوريين أن ثورة المليون شهيد انتهت، وأن علمها، آخر ما هو باقٍ من آثارها، لم يبق له ما يرمز إليه، ولذلك استبدلته بعلم الإمارة، رمز انتصارها عليهم الذي سيرفرف فوق قبر حريتهم، ويزفّ بشرى لطالما انتظرتها الأسدية، هي أن المهمة نفذت، والثورة التي كانت سفينة نجاة السوريين قد أغرقت بيد جبهة النصرة، كما تغرق سفينة، ويكون علمها آخر ما يغيب منها.

هل سيسكت السوريون على إمارة يقول علمها لهم بازدراء: إنها هزيمتكم. ويقول للأسد: نبقى عند حسن ظنكم، سيدي، أعلنوا انتصاركم، فقد نفذت المهمة!

==========================

موقفنا : يرقص للقرد في دولته ... وما يزال الشعب السوري ينزف

زهير سالم

١٨/١١/٢٠١٨

مركز الشرق العربي

تتم الثورة السورية عامها الثامن عن قريب ، والشعب السوري ما زال ينزف بصمت ؛ كل المنابر مشغولة بترهات الخرافة وأساطير المجد الكذوب .

الشعب السوري البطل ما زال في السجون من أبنائه عشرات الألوف من النساء والأطفال والرجال يذوّبون بأنواع من التعذيب مما لم يخطر على قلب بشر من سلخ وذبح وصعق وجلد كل ذلك محفوفا بسياسات من الانتهاك والتجويع والتعطيش ؛ كل العالم يشهد ويشاهد وليس عند هذا العالم حيال ما يتم على الشعب السوري إلا اللامبالاة إن لم نقل الدعم والتأييد من كل شائه الوجه ألعبان اللسان ..

وما زال تحت الخيام المهترئة ملايين البشر يستعدون لاستقبال شتائهم الثامن بكل عواصفه وثلوجه وأمطاره بصمت وصبر وعيون حيرى ترمق عالما طالما تغنى بالديموقراطية والحريّة وحقوق الإنسان.

في وطني سورية ما زال في الخنادق خَيل تعلك لجمها ، تنتظر القائد الذي يطلق تكبيرات سعد على قواعدها وأصولها ليصنع فجر قادسية جديد تضع حدا لغطرسة الخرميّون الجدد ، وتطيح بباكهم عن صدور العرب والمسلمين .

ما زال الشعب السوري ينزف دون أنين . حتى الذين تخصصوا منذ بداية الثورة في " عد العصي " التي كانوا جزء منها ملوا من العد أو تشاغلوا عنه بسفاسف الأحاديث..

في كل صباح نقلب نشرات الأخبار ،نصغي إلى بكاء طفل يطلب رضعته ، وإلى نشيج مكتوم لامرأة تبكي جرح كرامتها ؛ وإلى رجل أراد صنع الحياة بالموت فحال بينه وبين ذلك مئات المتصدرين الأدعياء الذين يخافون الموت ولا يقدرون على الحياة .

وما يزال في سورية شعب ينزف ؛ ورغم أنهم قد تواطؤوا جميعا على طمس الصورة ، وكتم الصوت ، وتنحية الخارطة عن عالم الجغرافيا ، وإسقاط الإنسان من إحصاء الديمغرافيا فما يزال في سورية شعب يريد الحرية ويعشق الكرامة ويستعد للانقلاب على كل ما مكروا وأحكموا .

 في زمن الانحدار والتسفل تتقدم حكاية الفرد على حكاية أمة وشعب ؛؟ ويعاد تقديم المجرم السفّاح على أنه البطل الأصيل المغوار . في زمن التسفّل والانحدار " يرقص للقرد في دولته " هكذا أراد وضاع الحديث لهذه الأمة !! فهل علمنا لماذا قامت تلك الحملة المنظمة المبرمجة لوضع هذا السيل من الأحاديث على سيدنا رسول الله الذي علمنا العزة والكرامة ونهانا عن كل أنواع الرقص !!

يقولون لك حكم المحدث على الحديث " يرقص للقرد في دولته " أنه موضوع أي أنه من الإفك المكذوب المفترى على سيدنا رسول الله ... ثم تنظر فترى أكبر القوم وأكثر القوم في العرضة يرقصون ويدبرون في حضرة القرد المتعالي على كل ما دبجوا وقالوا . وليس في سورية الجريحة وحدها يرقص الناس للقرود .

وفي سورية من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب شعب ينزف وسيتحول نزيفه قريبا إلى طوفان ، طوفان دم يجرف كل الأعداء والمتواطئين والمتهاوشين وكل أعداء الإنسان .

______________

*مدير مركز الشرق العربي

============================

رسائل هامة من شبيحة سوريين نادمين

د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 17/11/2018

كما توقعنا وقلنا مراراً، فإن وقت الحرب في سوريا كان أسهل على النظام بألف مرة من وقت انتهاء الحرب. لقد حاول المستحيل إطالة أمد الصراع في البلاد كي يتهرب من استحاقات ما بعد الصراع، وخاصة أمام مؤيديه الذين كانوا ينتظرون النهاية كي يحصلوا على جوائزهم ومستحقاتهم بعد أن دفعوا مئات الألوف من القتلى فداء للأسد. لقد كان بشار يتذرع دائماً بمحاربة الإرهاب والإرهابيين، وخاصة الدواعش عندما كان يطالبه مؤيدوه بدفع فاتورة دفاعهم عنه وعن نظامه. وكلما كان أحد المؤيدين يطالب بأبسط مستحقاته، كان النظام يتحجج بالصراع مع الإرهابيين كي يتهرب من دفع المستحقات التي لا يملكها.

أما اليوم، وقد أنهى الروس الحرب في سوريا رغماً عن النظام، فقد بات الأسد وعصابته مكشوفين أمام المؤيدين قبل المعارضين. وهو الآن في وضع أسوأ من وضع الحرب بألف مرة، لأنه لا يستطيع أن يقدم شيئاً لمؤيديه سوى ساعة حائط أو رأس ماعز أو سحارة برتقال درجة عاشرة.

لقد بدأ المؤيدون يكتشفون الآن أنهم كانوا مجرد وقود في معركة لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وأنهم انخدعوا طويلاً، فلا هم استرجعوا أحباءهم، ولا هم سيحصلون حتى على جوائز ترضية بعد أن أخذوا يشاهدون أن عصابة الأسد والمقربين منها هم الذين استفادوا من الحرب، وجمعوا المليارات على حساب دماء المؤيدين قبل المعارضين. حتى في الساحل السوري حيث قاعدة النظام راح الناس يرفعون أصواتهم عالياً مطالبين بتوزيع الثروات التي تجمعت في أيدي العائلات المقربة من الأسد وعصابته.

وسأنشر الآن رسائل وصلتني من شبيحة سوريين بدأوا يشعرون أن النظام خذلهم وتركهم يلعقون جروحهم لوحدهم. ومن المضحك أن مؤيدي بشار الأسد صاروا الآن يرفعون الكثير من شعارات الثورة، وخاصة شعارات المطالبة بالحقوق وتوزيع الثروات ومحاربة الفساد ولقمة العيش النظيفة…بعد أن خذلهم النظام الذي صفقوا له وتركهم جائعين معدمين يعيشون على الفتات ولا يجدون ثمن حبة الدواء ولا الغذاء.

سؤال برسم كل شاب سوري مطلوب للجيش: من أجل من تموتون وتخسرون أرواحكم، يتساءل أحد المؤيدين سابقاً؟ «هل أنت ذاهب للخدمة العسكرية فعلاً وتأدية واجب مقدس وعظيم للوطن وسوريا فعلاً وتحريرها من عشرات الاحتلالات الروسية والإيرانية والتركية والإسرائيلية والأمريكية والإرهابية وللحفاظ على كرامة وسيادة سوريا وشعبها وحمايتها وتحقيق الازدهار والنهضة والتقدم الرفاهية للشعب والعدالة الاجتماعية وحماية دستور البلد، أم أنت ذاهب لحماية مصالح لصوص وحرامية وزعران ومافيات نهب الثروة الوطنية وأموال الأسد وشاليش ومخلوف (أودع محمد مخلوف خال النظام 77 مليار دولار في روسيا من لقمة وحق وثروة الشعب السوري الذي بات اليوم واحداً من أفقر شعوب الأرض)، وسرقتها وتهريبها وحرمان الشعب المنكوب من التمتع بخيرات بلده التي سطا عليها واحتكرها لجيوبهم هؤلاء الضباع والمافيات واللصوص؟»

ويضيف المؤيد لبشار سابقاً: «أيها الشاب السوري، هل رأيت ما حل بأقرانك من الشباب من خيرة وزهرة شباب سوريا كيف قضوا بالمجان ممن دفعوا حياتهم وشبابهم وعمرهم في هذه الحرب كيف فعل بهم النظام ورماهم وعوّض أهاليهم بساعة حائط و«صحارة» حمضيات معفنة ودون أن يعوض لهم بشيء ودون أن يقدم أو يصدر أية قرارات لصالح الشعب، بل غدر بالشعب وبدأ بسلسلة إجراءات انتقامية ضد الجميع وأنت غداً على موعد حرمانك من الاتصال مع أبيك وأمك بعد أن يحجب الأسد وعصاباته المافيوزية وضباعه النهمة الشرسة التي لا تشبع ولا تكل ولا تمل من مص دماء السوريين وإفقارهم وتجويعهم وقهرهم وإذلالهم خدمات الاتصال المجانية من الواتس والفيس والفايبر والمسنجر انتقاماً منك، وكله من أجل أن ينهب محمد مخلوف والأسد والشاليش المليارات ويهربونها لروسيا وإيران، ويأتيك واحد «مفعوص» فاسد وحرامي وصبي مافيات مثل ابن الفوز ليلعب بالمليارات ويسيطر على ثروتك الوطنية وحقك بها ويحرمك منها وتموت أنت بالنهاية بالمجان من أجل هؤلاء؟»

 

أودع محمد مخلوف خال النظام 77 مليار دولار في روسيا من لقمة وحق وثروة الشعب السوري الذي بات اليوم واحداً من أفقر شعوب الأرض

 

ويقول أحد الشبيحة الذي خسر أربعة من أفراد عائلته فداء لبشار: «أنظروا لزملائكم وأقرانكم الذين فروا ونفدوا بريشهم من جحيم النظام الأسدي كيف ينعمون بالمزايا والتعويضات والضمان الاجتماعي ويتقاضون الرواتب الشهرية بالعملة الصعبة في دول الغرب الإمبريالية ويعيشون بسلام واطمئنان ويحققون أحلامهم فيما ترمي لك عصابات القرداحة 10 دولارات راتباً شهرياً ثمنا لحياتك الرخيصة التي لا تساوي أي شيء عند هذه العصابات والحثالات القذرة الحقيرة المنحطة التي سطت على ثروة البلد وحقوق ومصائر البشر».

ويضيف شبيح آخر: «كذّبوني لشوف: هل هذه سوريا الأسد؟ من كم يوم هجمت عصابات المحافظة بريف دمشق وهم كلهم مع المحافظ قشة لفة من عصابات الأسد وصبيان مخابرات بشار ويأتمرون بأمرتهم هجموا بكامل عتادهم الحربي المدجج بالأسلحة على مخالفة صغيرة بمنطقة عش الورور ارتكبها عسكري مقعد وجريح من الجيش من مدينة طرطوس وهو علوي بالمناسبة على أساس يعملها ورشة خياطة يتعيش منها هو ومرته وهالكم طفل من عياله بعد ما أصبح عاجزاً تماماً وفقد القدرة على الحركة، ويومها طبلت مواقع التواصل بالحادثة حتى الشيخ المهرج وكبير شبيحة الفيس والموالاة جنرال المخابرات والسفير السابق أبو المجد استنفر ووقف مع الرجل العاجز وكتب هالشي على صفحته متضامناً معه وضجت صفحات الشبيحة بالقصة مستنكرة ما قامت به عصابات وكلاب النظام ضد عسكري فقير علوي جريح وعاجز وقامت الدنيا وما قعدت واجتمعت القيادة القطرية وحكومة خميس لاتخاذ اجراءات صارمة بحق هالفقير الدرويش العاجز المعتر وتأديبه هو وكل من تسول له نفسه أن يعيش بشرف بكرامته ويكسب من عرق جبينه بسوريا الأسد….يعني ورشة صغيرة لفقير علوي دفع دمه منشان هالعصابات الحقيرة، الدولة كلها قامت عليه وقالت ممنوع يشتغل ويعيش بكرامته ويشبع الأكل بسوريا ولاحقين المواطن المعتر الفقير على الدعسة ولقمة العيش، فهلق يعني بدكم تقنعونا أن دولة الأسد صارت كتير متسامحة وقلبها طيب و«بزنس» وتشجع وتدعم رجل الأعمال السني سامر فوز وتسمح له ببناء المدن والضواحي الحديثة وتصدر له القوانين الخاصة لذلك كالقانون رقم 10 وتعديلاته وتطلق يده بعشرات مليارات الدولارات التي لا يعرف أحد من أين حصل عليها، والكل بسوريا وخارجها من الكبير للصغير والمقمط بالسرير يعلم أنه مجرد واجهة لبشار ورامي وبني شاليش الكرام العظام..»..

وفي رسالة أخرى يقول أحد الشبيحة السابقين: «اضحكوا مع عصابات الأسد مخلوف شاليش: «سامر فوز ملياردير الغفلة بسوريا الذي ظهر على السطح فجأة في زمن الحرب والفقر والدمار وتوقف الأعمال ينشئ ويبني إمبراطورية مالية واقتصادية وعقارية ذهبية في قلب سوريا الأسد في دمشق عاصمة المملكة الأسدية وتحت أنظار عصابات الثلاثي أسد ـ شاليش ـ مخلوف التي تطارد فقراء سوريا على «صندوق بويا» وتمنعهم من العمل كبويجيه وتطاردهم على كشك فلافل وبسطة جرجير وفجل لأنها توهن نفسية الأمة وتقاسم المواطن رزقه وتبتز الفقراء بعيشهم ورزقهم بضرائب باهظة وستمنع عنهم قريبا الواتس آب والمسنجر والياهو والفايبر وتنهب السوريين وتجوعهم وتمص دمهم قال اليوم تسمح لهذا بتكديس المليارات الخرافية وعلى أساس «ما حدا شايفه» وأن أبو سمرا الفوزاني رجل عصامي وبنى ثروته بعرق جبينه وعشرات مليارات الدولارات التي يرشها هنا وهناك هي من شغله وتعبه وكد عرقه وجبينه بوظيفته بالريجيي والعمل بوزارات الدولة الفقيرة الجائعة المفلسة وأن دولة المخابرات والجنرالات اللصوص الحرامية تسمح للمواطن السوري بتكوين الثروات واللعب بالمليارات دون تدخل منها».

«فعلا أنه شو هالسر بسوريا»، يضيف آخر، «أن المقاومين وأدعياء الوطنجية والممانعين الكبار كلهم مليارديرية ومن أصحاب المليارات والثروات والقصور والسيارات الفارهة والعقارات التي لا تأكلها النيران والفقراء المعترين و المثقفين الشرفاء والكتاب والإعلاميين المعارضين يُتهمون من الممانعين بالجاسوسية والعمالة للصهيونية والاستعمار»؟

وفي رسالة من مؤيد في الساحل السوري يقول: «يا حرام يا سوريا: غياب القانون والمؤسسات وسيطرة العصابات والمافيات، لا توجد دولة… أفراد هم من يديرون البلد ويتحكمون بكل شاردة وواردة ورقاب ولقمة عيش المواطن فلان وعلان هم سوريا والبلد لهم وآكلين البيضة وقشرتها والباقي لهم الفضلات، والشعب كله لا قيمة ولا وزن له أمام واحد من السلالات القدرية التي تقبض على الثروة وحقنا كلنا نكله مصدية هذا اذا لقينا مين يشتري شوية جوعانين وفقرا ومنتوفين… خوش مقاومجية والله».

==========================

هيمنة العسكري على السياسة

أحمد عيشة

سوريا تي في

الخميس 15/11/2018

كما ذكر كلاوزفيتز (مؤرخ ألماني ومنظر إستراتيجي للحرب) في كتابه الشهير (عن الحرب): "الحرب استمرارٌ للسياسة ولكن بوسائل أخرى"، بمعنى إذا كانت الحرب وسيلة فالسياسة هي الغاية، أي من الضروري توظيف الحرب كآلية سياسية عبر القنوات المعروفة لتحقيق الهدف.

بالتأكيد، ليست الثورة السورية حربًا، وإن اتخذت في مرحلةٍ ما شكل الصراع العسكري، عندما تحولّت إلى كفاح مسلح ضد عدوان النظام البشع على الشعب. كما لا يمكن تصنيفها حرباً أهلية، فالسلطة بكاملها كهيكلية أمنية وعسكرية ما زالت طرفاً في قمع الناس، رغم الانشقاقات الفردية الكثيرة التي حدثت، ورغم اكتساب الصراع العسكري شكلاً من الصراع الطائفي، بسبب سياسة النظام الطائفية ودخول التنظيمات الجهادية الإسلامية عنوة للبلاد، كونها أصبحت ساحة تغويها في تحقيق مشروعها.

تحولت طبيعة المعركة مع النظام، من تظاهرات ونضالات سلمية شتى إلى معركة عسكرية، بعد تأسيس الفصائل العسكرية تحت أسماء كثيرة، والتي ظهرت في بدايتها لحماية المتظاهرين من عدوانية قوات النظام، لكن النظام رفع مستوى العنف أكثر وانتقل إلى مرحلة أكثر توحشاً باستخدام صنوف جديدة من الأسلحة: (الصواريخ والبراميل والطيران).

سارعت الدول الإقليمية والدولية إلى التقاط تلك اللحظة التي وجدتها فرصة لتوظيف الثورة تحقيقاً لمصالحها، فاحتضن كل طرف فصيلاً أو عدة فصائل، من خلال التمويل والتسليح، ومن ثمّ استخدمه كأداة من أدواته لتحقيق أغراضه السياسية.

بالتأكيد، ليست الثورة السورية حربًا، وإن اتخذت في مرحلةٍ ما شكل الصراع العسكري، عندما تحولّت إلى كفاح مسلح ضد عدوان النظام البشع على الشعب

مع بدايات انطلاقة الثورة، تأسست الهيئات السياسية التي هدفت إلى تمثيل الثورة وطرح أهدافها أمام العالم، لكنها بتوهّم منها وبضغط خارجي، خضعت بشكل ما إلى الأجندات الدولية، التي لا يهمها سوى القبض على قوى الثورة أياً كانت، وتوظيفها لخدمة أهدافها السياسية والمصلحية.

مع غلبة الطابع العسكري على ثورة السوريين؛ تراجع النضال السلمي كثيراً، رغم تمسك الكثير من الفصائل العسكرية بالهدف الذي قامت من أجله الثورة، وهو إسقاط النظام، وذلك في تعدٍّ صارخ على مهمة السياسي والسياسة، تحت ذريعة أنهم من يصمد على الأرض، وأنهم من حرّر الأرض، وأنهم من يمنحون الشرعية لأي جهة سياسية أو مدنية، مما خلق جبهتي صراع بين قوى الثورة، بدلاً من أن يكون التنسيق على الأقل بينهما، طالما لم يتحقق التسليم بمجال لكل منهما.

التقط النظام وداعموه روسيا وإيران تلك النقطة، وعملا على تعميق الفجوة، من خلال خلق التعارض أكثر بين الداخل والخارج (كون هيئات المعارضة أغلبها في الخارج)، وعملت في مرحلة تالية على عقد صفقات منفردة مع بعض الفصائل على حساب أخرى، كما شجعت عمليات الاقتتال الداخلي.

المرحلة الأكثر خطورة، والتي أصبحت السائدة، هي التي أتت بعد الانكسارات العسكرية التي تلقتها الفصائل، وأولها وأكثرها أهميّةً ما حدث في حلب، بالدعوة إلى مفاوضات دولية طرفها السوري: الفصائل العسكرية، وذلك في آستانا مطلع عام 2017، تلك الاجتماعات التي تحوّلت، بحكم الأمر الواقع والدول الراعية لها، إلى مسار سياسي بديل لمسار جنيف (رغم ادعاء الأطراف كلها بأنه ليس بديلاً وإنما مكمل لها)، وكانت تلك الفصائل نتيجة لعلاقاتها الإقليمية والدولية بمثابة الدمية لا أكثر، وقدمت تنازلات لم يقدمها المفاوضون في جنيف رغم كل الظروف. 

لربما هناك اتجاه دولي عام في عسكرة السياسة، وخاصة في الأنظمة الدكتاتورية والفاشية، وهو ما نشهده حتى في دول كبرى مثل روسيا بوتين، وأميركا ترامب، ناهيك عن سورية الأسد

الجانب الآخر لهيمنة العسكري على السياسي، ما يحدث في الداخل، وفي المناطق المعروفة بالمناطق المحررة، ففضلاً عن غياب النشاطات المدنية والسياسية، سارعت تلك الفصائل كل على حدة، إلى تأسيس قوتها الأمنية، ومحاكمها الشرعية أو المختلطة، وإلى سجونها الخاصة، وغير ذلك من النشاطات، مما خلق منها قوة خارجة على جسد الثورة، وفي بعض الأحيان كانت قوة قمع ساهمت في ابتعاد الجمهور عنها وعن الثورة، مما سهلّ أكثر من إخضاعها، وعرّض الثورة لانتقادات كبرى أخلاقية.

لربما هناك اتجاه دولي عام في عسكرة السياسة، وخاصة في الأنظمة الدكتاتورية والفاشية، وهو ما نشهده حتى في دول كبرى مثل روسيا بوتين، وأميركا ترامب، ناهيك عن سوريا الأسد القائمة أساساً على هيمنة المخابرات والعسكر على مختلف المفاصل الأساسية، ومصر السيسي، وسعودية ولي العهد، فمن يحدد مهمة الدبلوماسية والسياسة الخارجية هم الأجهزة الأمنية ووزراء الدفاع وقادة الأركان الذين التي لا يراها العسكريون أبداً، ويصرّون على دمغها بأبيض أو أسود.

الخطير، أن الفصائل العسكرية وقعت في نفس المستنقع، أي شغلت مهمة السياسي، مما أوقعها في مطبات كبرى، وهو الأمر الذي أضاف تعقيداً إلى إمكانية عودة السياسة وجعله أمراً صعباً، ولكنه بالتأكيد ليس مستحيلاً، وعودة التظاهرات مؤخراً إلى المناطق المحررة التي تصدح بأهداف الثورة يمكن أن تكون البداية، إن استمرت، وتمكنت من نزع هيمنة العسكر عن الإدارات المدنية.

على الرغم من أن واقع الحال في المناطق المحررة صعب للغاية، فلا بد من العمل على أمل خلق حياة سياسية حرة، يكون للناس الكلمة الفصل في تقرير شؤون حياتهم، وللعسكريين دورهم في حماية الناس والبلاد، وفي حال استمرارية الحال على ما هو عليه (سيطرة العسكر على السياسة)، فليس أمامنا سوى المزيد من الانكسارات

==========================

أحد عشر شهيداً حياً

محمد برو

سوريا تي في

الخميس 15/11/2018

يطالعنا نظام الأسد دائما. بفيوضاته المدهشة، فيرسل قاضي الفرد العسكري، وبشكل معلن ليبلغ أحد عشر معتقلاً. في سجن حماة، بقرار محكمته القاضية بإعدامهم.

 ليشهد العالم مدى التزام هذا النظام، بالإجراءات القانونية، حتى خلال تنفيذه لأحكام الإعدام، متجاهلا معرفة المجتمع الدولي أولاً، وسائر السوريين تالياَ بالمجزرة المستمرة، التي تجري تحت سمع العالم وبصره، في أعتى المسالخ البشرية في العالم، "سجن صيدنايا العسكري" وغيره كثير، من أقبية التعذيب المكتظة، بألف حرة وحر، حيث يُعدَم خمسون مواطناً سورياً كل أسبوع، ناهيك عن العشرات الذين يقتلون جوعا، وشيّاَ بأسياخ الحديد المحماة، وسلقا بمياه

تدمى قلوبنا وأرواحنا، حزناً على هؤلاء المعتقلين، ونظرائهم الكثيرين، ونناشد هذا العالم الأصم، أن يوقف هذه المهزلة المرة، وينقذ ما تبقى من أرواح

المراجل التي لا تنطفئ، وسحقا بالأقدام وبالأبواب الحديدية، علاوة عن العشرات الذين يريحهم المرض والتجويع والإهمال، من عناء الاستمرار في هذه المذبحة، التي ستبقى وصمة عارٍ في جبين الإنسانية.

كل هذا يجري، ونظام الأسد يُريدنا أن ننشغل اليوم بإحدَى عشْرةَ ضحيةً وحسب، ونتجاهل المجزرة المستمرة، التي لا تحتاج لقضاء عسكري ليكمل إخراجها، فالنظام تجاوز عتبة الخشية من المساءلة، ولو حصلت فإنَ مُساءلته عن قتل مئة ألف سوري، لن تختلف عن مساءلته عن قتل مليون، كلاهما يفضي إلى ذات النتيجة،

تدمى قلوبنا وأرواحنا، حزناً على هؤلاء المعتقلين، ونظرائهم الكثيرين، ونناشد هذا العالم الأصم، أن يوقف هذه المهزلة المرة، وينقذ ما تبقى من أرواح.

ولكن متى كان نظام الأسد بحاجة لإعلان أحكامه؟ فهو منذ خمسين سنة يصفي معارضيه بكل صنوف القتل داخل وخارج سوريا دون أن يكترث لأية مُساءلة، وإن أبسط متتبعٍ للوقائع والجرائم التي ارتكبها نظام الأسد الأب والابن، سيجد دون عناءٍ أن هذا النظام يتمتع بحمايةٍ دوليةٍ، تخولّه المضي والاستمرار في القتل المنهجي، دون رادعٍ ودون أدنى تردد.

في مطلع الثمانينات من القرن المنصرم، شهدت ساحات تدمر، سلسلة طويلة من المحاكم الميدانية، بين عامي (1980-1995) والتي كان يترأسها، الرائد سليمان الخطيب، يعاونه كاتب من رتبة رقيب، حيث كانت المحكمة تنعقد أسبوعياً تقريباً، بعد وصولهم من دمشق بطائرة الهيلوكوبتر، التي كنا نسمع هدير محركها صباحاً، فيتجهز المعتقلون لمجزرة آتية لا محالة.

تدوم المحكمة زهاء ساعة ونصف، على الأغلب فيتم الحكم خلالها على مئة وثمانين معتقلاً، تتراوح أحكامهم في الغالب، بين العشر سنوات والإعدام، حيث تبلغ نسبة أحكام الإعدام فيها، ما يزيد عن سبعين بالمئة، وتكون هذه الأحكام مصدقة أصولاً، بختم وزير الدفاع مصطفى طلاس، قبل تقديم المتهمين للمحكمة.

ولمراتٍ عديدة، تم تنفيذ أحكام الإعدام، أثناء انعقاد المحكمة، أي دون فاصل زمني بين تبليغ الحكم وتنفيذه.

وتجدر الإشارة هنا إلى نقطتين:

الأولى أنّ آلاف الأوامر، بالقتل والإعدام والتصفية، كانت تصدر مباشرةً من رأس السلطة حصراً، وبشكل شفهي، وهكذا يجري الأمر، لدى جميع الأنظمة الاستبدادية، حيث لا يمكن لأية رتبة، من رتب السلطة، أن تنفرد بقرار قتل أو تصفية، دون أن يكون هذا صادراً حصراً عن رأس الهرم، وكل توهم خلا ذلك محض هراء.

الثانية أنه وخلال خمسين سنةٍ، من هذه الممارسات المجرمة، لم تحصل مراجعةٌ واحدةٌ، أو مساءلةٌ لضابطٍ أو مسؤولٍ، قام بقتل معتقلٍ، وثبت أن هذه الضحية قتلت خطأً.

باستثناء حالة واحدة، شهدتها بعيني في سجن تدمر، في صيف عام 1980، حين هدد رئيس السجن أحد مرؤوسيه، (بعقوبة حلاقة الشعر إن هو كررها ثانيةً) عندما قتل معتقلاً خلال التعذيب.

بل الأدهى من ذلك، أن هناك قانوناً ينص على براءة العنصر، الذي يقتل معتقلاً خلال التحقيق.

كل هذا كان يتم تصويره، ونقله للقصر الجمهوري، فحاكم سوريا العسكري، لا يثق بأحد، ويريد التحقق من تصفية خصومه ورعاياه شخصياً.

هذا كان يجري، والأمن مستقر لحافظ الأسد، بعد إحكام قبضته

جزار سوريا، يرتكب جميع جرائمه، والعالم أجمع ينظر ويسمع، ويتشاغل ويتجاهل، ويبتكر التعليل إثر التعليل، لتبقى المحرقة السورية مستمرةٌ، تقتات من دمائنا نحن السوريين

الحديدية على سوريا بعد عام 1982، فكيف بنظام الابن المسعور، وهو يخوض حرباً ترهقه.

ولتتويج هزليته السمجة، فقد خرج علينا من أسابيع قليلةٍ، بتبليغ مئات العائلات السورية، بوفاة أبنائهم قضاءً وقدراً، في مسالخه البشرية التي شهدها العالم أجمع، وظل صامتاً.

لقد استطاع هتلر حرق الآلاف المؤلفة من اليهود، لكن هذا جرى في غفلة من العالم، المنشغل في حرب عالمية، دمرت شطراً كبيراً من مدن أوربا، لكن جزار سوريا، يرتكب جميع جرائمه، والعالم أجمع ينظر ويسمع، ويتشاغل ويتجاهل، ويبتكر التعليل إثر التعليل، لتبقى المحرقة السورية مستمرةٌ، تقتات من دمائنا نحن السوريين.

سيذكر السوريون هذا طويلا، وستخلده حكاياتهم المرة، لأجيال ستأتي، أنهم ظلوا سبع سنين أو يزيد، يقتلون ويذبحون، وتهدم مدنهم ومساكنهم، ويشردون في الأرض، على مشهدٍ من العالم أجمع، دون أن يحرك أحدهم إصبعا بالرفض، بينما تتحرك الأساطيل والمدمرات، إذا ما هددت ناقلة نفطٍ، أو أنبوب غاز.

==========================


سيناريوهات لنظام جديد للشرق الأوسط

بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 15/11/2018

من زاوية نظر القوى العظمى، تبدو المأساة السورية المديدة مجرد قطعة «بزل» في لوحة مفككة يراد إعادة تركيبها وفقاً لموازين القوى الفاعلة في الإقليم. أضف إلى ذلك أن الجغرافيا السورية نفسها هي لوحة بزل جزئية في اللوحة الأولى، لم يكتمل رصف قطعها بعد، وما العمليات العسكرية والسياسية الجارية، فيها وبشأنها، إلا محاولات للانتهاء من تركيبها، ليتسنى وضعها في مكانها المناسب في لوحة البزل الكبيرة. وتضم هذه الأخيرة، إلى سوريا، لبنان والعراق والأردن واليمن والمنظومة الخليجية معاً، إضافة إلى القسم الآخر الشمال إفريقي المكمل للقسم الآسيوي.

الصراعات الدائرة الآن في هذا الإقليم الكبير هي، أساساً، للسيطرة على، أو المشاركة في، وضع أسس نظام شرق أوسطي جديد يفترض أن يحل محل القديم. ويعود هذا الأخير إلى نهاية الحرب العالمية الثانية، حين انتهى الاستعمار الأوروبي التقليدي لبلدان المنطقة، وتم إنشاء دولة إسرائيل، وتوزعت الدول العظمى مناطق نفوذها. حدثان مفصليان جعلا إعادة النظر في النظام الإقليمي ممكناً وضرورياً من زاوية نظر القوى العظمى، هما الاحتلال الأمريكي للعراق (2003) وموجة ثورات الربيع العربي (2011). بدا التمدد الإقليمي الإيراني كما لو كان عرضاً جانبياً للحدث الأول، تحول، لاحقاً، إلى مشكلة تستوجب الحل لكي يعود النظام القديم إلى استقراره. لكن ما حدث في الواقع هو إفساح المجال أمام إيران لمد نفوذها باطراد، وصولاً إلى إلحاق 4 عواصم عربية وغزة بمركز القرار في طهران. لقد خلخل هذا التمدد أسس النظام الإقليمي، وكان من المحتمل تقبل هذا «التعديل النسبي» في النظام ليستمر في أساسه كما كان في السابق، لولا موجة ثورات الربيع العربي التي أطاحت بالاستقرار المديد للنظام، وجعلت إعادة بنائه على أسس جديدة برنامج عمل القوى العظمى الفاعلة، وبعض القوى الإقليمية الطموحة.

قامت سياسة الولايات المتحدة في عهد باراك أوباما على ترك القوى الإقليمية الكبيرة أو المتوسطة تتصارع فيما بينها على السيطرة على الإقليم، مع مراقبة تلك الصراعات وضبط إيقاعها من بعيد، بدون تورط عملي فيها. وكان رهان أوباما على إيران هو أن تستكمل مشروعها الامبراطوري لتشكل القطب الإقليمي المواجه لإسرائيل ليتحقق التوازن فالاستقرار، وما ينطوي ذلك على اعتبار الدول العربية مجرد موضوع للهيمنة الإقليمية.

جاء انقلاب ترامب على سياسة سلفه في الموقف من إيران، ليتحول من المراهنة على هيمنتها إلى محاولة وقف تمددها وصولاً إلى إعادتها إلى داخل حدودها القومية. وهذا ما يشكل أحد أبرز وجوه السياسة الأمريكية في الإقليم اليوم. أما وجهها الآخر فهو تمكين إسرائيل من خلال ما يسمى بصفقة القرن العربية ـ الإسرائيلية، ومقدمتها إنشاء «ناتو شرق أوسطي» في مواجهة إيران يضم تحالفاً بين إسرائيل وعدد من الدول العربية.

 

الصراعات الدائرة الآن في هذا الإقليم الكبير هي، أساساً، للسيطرة على، أو المشاركة في، وضع أسس نظام شرق أوسطي جديد يفترض أن يحل محل القديم

 

من جهته، نشر عالم الاجتماع والمؤرخ التركي تانر آكجام، قبل أشهر قليلة، مقالة مطولة يقترح فيها قيام تحالف إقليمي ينهي الصراعات في المنطقة ويجلب إليها الاستقرار، تقودها دولتان هما تركيا وإسرائيل! تقوم فكرة أطروحة آكجام المتحدر من تاريخ ماركسي، على أساس أن سبب الصراعات الدائمة في هذا الإقليم إنما هو التدخلات الخارجية التي قد تصنع، من حين لآخر، استقراراً ظاهرياً، لكنها لا تحل مشكلات المنطقة البنيوية. وتدور الصراعات هذه على الهيمنة على المنطقة، وهو ما تفشل أي دولة منفردة في تحقيقه، فتلجأ الدول والمجموعات الإثنية أو الدينية المفتقدة إلى دول، في كل مرة، إلى مساعدة خارجية من دول عظمى، وهو ما يفاقم الصراعات بدلاً من إيجاد حلول لها. في حين أن قيام ائتلاف إقليمي بقيادة تركية ـ إسرائيلية من شأنه أن يحل المشكلات المزمنة ويصنع استقراراً مستداماً، حسب رأيه. ويسوق آكجام عدداً من المسوغات لأطروحته الغريبة، لا يتسع المجال هنا لعرضها أو تلخيصها.

صحيح أن الحكومة التركية لا تتخذ مقترحات آكجام أساساً لسياستها الإقليمية، لكن غرابة الأطروحة جديرة بالتأمل.

وأول ما يخطر في البال، تعليقاً عليها هو أنها مصممة، جزئياً، على ضوء التوجهات الأمريكية الجديدة، وبخاصة فيما يتعلق بدور إسرائيل في المقاربة الترامبية الخاصة بفكرتي «الناتو الشرق أوسطي» و«صفقة القرن». في حين أن ضم تركيا إلى إسرائيل تبدو بعيدة كل البعد عن التوجهات الأمريكية، بل إن السائد، حالياً على الأقل، في العلاقات التركية ـ الأمريكية هو التوتر.

وثاني ما يخطر في البال، بشأن أطروحة آكجام، هو النظرة إلى العالم العربي كمجال هيمنة، أي كطرف ضعيف بحاجة إلى وصاية من قوة هيمنة إقليمية. والحال أن المشهد العربي الراهن لا يكذّب هذه النظرة التي يتشارك فيها الأمريكيون والأوروبيون والروس وإسرائيل وإيران معاً، أي جميع القوى الدولية والإقليمية القادرة على رسم مصائر منطقتنا. لكن تركيا بالذات هي الطرف الأضعف بين القوى القادرة المذكورة، فضلاً عن الضغوط الأمريكية والأوروبية (والروسية من جهة أخرى) التي تتعرض لها للحد من فاعليتها. وربما كان وعي آكجام لهذا الواقع التركي هو الرائز الأساس لأطروحته، أعني إخراج بلده من خانة الضعفاء ومنحه موقع الهيمنة الإقليمية بالاشتراك مع إسرائيل. هذه الشراكة المقترحة هي أيضاً على مقاس حدود القوة التركية. لأن إسرائيل المنبوذة في محيطها الإقليمي، ستبدو كـ»الأخ الأصغر» بالنسبة لتركيا القادمة من إرث امبراطوري عربي ـ إسلامي، ومقبولة أكثر من الجوار العربي بسبب الدين المشترك والثقافة المتقاربة.

القصد من الحديث عن مقالة المفكر التركي هو أن اقليمنا مفتوح، في اللحظة الراهنة، على «الاقتراحات» والسيناريوهات في غياب دولة مركزية عربية تشكل قطب قوة إقليمية يحسب لها حساب في التوازنات الدولية. ومقابل أفول الدور الإيراني المتوقع، بعدما أخذ فرصته كاملة وفشل فشلاً ذريعاً، ثمة فقط إسرائيل وتركيا. أما مصر والسعودية التي ترشحهما امكاناتهما للعب دور مركزي، فنحن نرى، منذ سنوات، كيف فعلت قيادتاهما كل ما من شأنها إضعاف دورهما وتهميش فاعليتهما الإقليمية المحتملة.

 

كاتب سوري

==========================


ترانسفير العصر.. تهجير السوريين برعاية أممية

عماد غليون

حرية برس

الاربعاء 14/11/2018

عندما غادرت مدينتي حمص قبل سبع سنوات كنت أظن أن غيابي لن يمتد سوى بضعة أشهر تنتهي مع سقوط نظام الأسد؛ وفي الواقع كان هذا حال معظم السوريين وقتها.

يتكشف لي الآن من مراجعة الأحداث وتدقيقها أنني كنت واحداً من ملايين السوريين ممن تم إبعادهم ونفيهم وتهجيرهم بطرق شتى وبشكل ممنهج.

رشح مع بداية الثورة السورية تصريح محمد سعيد بخيتان الأمين المساعد لحزب البعث يبدي فيه العزم على تصفية من يقف في وجه النظام حتى لو أدى ذلك لإزهاق ملايين الأرواح والرجوع بعدد سكان سورية لما كان عليه عند استيلاء البعث على السلطة عام 1963.

في خطابه الأول أمام مجلس الشعب في 30 آذار 2011 أعلن بشار الأسد في ذلك الوقت المبكر شن حرب طويلة ستمتد لسنوات؛ وجاء تصور الأسد المسبق غريباً حيث لم يكن سياق الأحداث وقتها يوحي بذلك بتاتاً.

مع ازدياد ضغط الثورة لإسقاط النظام وجه رامي مخلوف رسالة علنية لإسرائيل تتضمن طلباً صريحاً بالحفاظ على النظام لارتباط أمن إسرائيل ببقاء النظام؛ واستناداً للوقائع لا يمكن تفسير حرب النظام بالوكالة على الشعب السوري دون الوقوع في فخ نظرية المؤامرة؛ وتشارك النظام مع جهات إقليمية ودولية بشكل مباشر وغير مباشر وحتى الأمم المتحدة نفسها ساهمت بذلك؛ ويؤكد ذلك التواطؤ ضد الثورة ومنع سقوط النظام ومن ثم تلميعه وتعويمه.

تخلّت الأمم المتحدة عن مسؤولياتها الأخلاقية والقانونية تجاه حماية الشعب السوري؛ وتوقفت بشكل غريب عن إحصاء وتوثيق أعداد الشهداء السوريين مع تجاوز الرقم 250 ألفاً؛ والغريب أنها استمرت في إحصاء اللاجئين رغم الصعوبات العملية حيث بلغ عدد اللاجئين السوريين المسجلين لديها في آخر إحصاء ستة ملايين وثلاثمائة ألف وهي النسبة الأعلى في العالم.

في كتابه صدام الحضارات حول مستقبل الصراعات الدولية بعد سقوط محور الاتحاد السوفييتي يضع صاموئيل هنتيغتنون العامل البشري من الأسباب المولدة للنزاعات؛ وبحسب الإحصائيات التي أوردها تتمتع سورية بمعدلات نمو سكاني مرتفعة وتتفوق على الدول الأخرى في معدلات نسبة الشباب ودخولهم في سوق العمل؛ وهو يرى أن سوء الأوضاع الاقتصادية يدفع الشباب للضغط باتجاه الحدود والسعي للهجرة نحو الدول المتقدمة وإحداث مشاكل فيها؛ وجاء تصنيفه الإسلام السني في رأس سيناريوهات الصراع ليشير نحو سورية مركزاً للصراع القادم وتفتيت نسبة الشباب المرتفعة فيها وتحويلها لبؤرة جذب واستقطاب.

يثير الريبة التركيز الإعلامي المبكر على فتح ملف اللاجئين مع بدايات الثورة؛ حيث فتحت حدود الدول المجاورة دون أي رقابة؛ وجرى إعداد مخيمات نموذجية في المناطق الحدودية التركية؛ وبقيت الكاميرات تنتظر طويلاً قبل أن يتحول تدفق اللاجئين إلى واقع؛ وأحدث ذلك تأثيراً نفسياً سلبياً تحريضياً في تقبل فكرة اللجوء؛ وينبغي البحث هل كان الإعلام يسعى لتبيان الحقائق أم السبق الإعلامي؟ أو هل كان ضمن نشاط مبرمج سلفاً؟

ولا يمكن النظر بحسن نية إلى طريقة تعامل دول الجوار التفضيلي للاجئين في البداية ومن الجانب التركي تحديداً الذي قدم تسهيلات واسعة جعلت تركيا مركز جذب للكثيرين وتحولت مركزاً لنشاطات المعارضة؛ ويؤكد الشكوك حول نوايا دول الجوار التغير الحاد في طريقة تعاملها مع اللاجئين.

أحدثت حرب التحالف الدولي على تنظيم داعش من خلال قوات سورية الديمقراطية وبقيادة الولايات المتحدة مزيداً من التدمير والتهجير وموجات جديدة من النازحين واللاجئين عن المناطق الشرقية من البلاد.

قامت تركيا بفتح الحدود أمام اللاجئين باتجاه أوروبا مما أدى لموجات واسعة من اللاجئين استقطبت ألمانيا الحصة الأكبر منهم؛ ورغم استغلال اليمين المتطرف قضية اللاجئين سياسياً إلا أن واقع الإحصاءات الرسمية يظهر تراجع أعداد سكان ألمانيا مليوناً ونصف مقارنة مع ربع قرن سابق؛ ويمكن تسخير نظرية المؤامرة لاعتبار ذلك سرقة ضخمة مبرمجة لثروة بشرية جاهزة.

تورطت الأمم المتحدة بشكل مباشر من خلال دعم ورعاية اتفاقيات موجات التهجير القسري باتجاه الشمال السوري؛ وكذلك الإشراف على عمليات إعادة التوطين وإبعاد اللاجئين باتجاه أمريكا وكندا وأوروبا؛ والأسوأ دعمها النظام بتسليمه الأموال المخصصة لدعم اللاجئين.

بات أكثر من ثلث الشعب السوري بين لاجئ ونازح ولم يقفل الملف حتى الآن؛ ولا يزال هناك مخاوف حقيقية من موجات لجوء ضخمة في حال تفجر الأوضاع في إدلب.

لا يتوقع عودة اللاجئين من أوروبا وأمريكا؛ بينما يمكن عودة كثير من اللاجئين في دول الجوار فيما لو تحقق الانتقال السياسي فعلياً.

لا يدري السوريون كيف سيتم استغلال ملف اللجوء سياسياً؛ هل يكون ذلك بتقسيم سورية؟ أم تحويلها دولة فيدرالية؟ وفي حال عودة الدولة المركزية هل سيتم مراجعة عمليات التوطين والتجنيس وإبعاد الغرباء عن سورية لإعادة التوازن الاجتماعي.

==========================


عن الذاكرة في المشهد السوري

نجيب جورج عوض

العربي الجديد

الاربعاء 14/11/2018

تناقلت وسائل تواصل الفضاء الافتراضي أخبارا عن بدء النظام في سورية عمليات إعادة إعمار محدودة، على مساحة البلد الجغرافية. يلفت الأنظار أنَّ أول ما بدأ النظام بإعادة إقامته في ساحات بعض المدن السورية، خصوصا التي وقفت مع الثورة، تماثيل لحافظ الأسد تم تحطيمها. قد يبدو الخبر عابراً لا يستحق الانتباه أبداً في خضم الحالة المأساوية والدمار والبؤس والنهليستية الشاملة التي تمحو سورية من الوجود ببطء، إلا أنَّ ما تحمله خطوة إعادة تنصيب تماثيل رمز النظام الأول في ساحات مدن سورية، لو صح هذا الخبر، من دلالات ومؤشرات سوسيولوجية يستحق التوقف عنده والتأمل فيه.

تبدأ قراءةٌ هنا لدلالات هذه الخطوة من مقولةٍ شائعة، تتردّد وتُكتَب، ويقولها معارضو النظام وشارع الثورة الشعبي في سورية منذ بدأت الثورة، وهي "لن ننسى، لن نسامح". قال الشعب الثائر هذه العبارة، صرخة عدم استسلام وإصرار على حلم؛ ركَّز على فكرة "لن ننسى"، وكأنه يقول إنه لن يسمح لذاكرته عن الموت والدمار والقمع والعنف والوحشية التي تعرّض لها أن تُمحى. ستبقى ذاكرة جمعية حية ودائمة، تُشكِّل وعي الأجيال القادمة، ورؤيتها ذاتها، وتحيي في هذا الوعي تذكّراً لا يموت للقاتل والمجرم الذي دمر حياتها، وحاول محوَها من الوجود. "لن ننسى" باتت في سيكولوجيا (ووعي) أجيال كاملة، من أبناء الثورة والحرب في سورية وبناتهما ورجالهما ونسائهما، حجر الزاوية في ذاكرةٍ جمعيةٍ ستُشكِّل هوية ملايين السوريين، وبنية فهمهم ذاتهم ووجودهم بوصفهم سوريين، بل ربما باعتبارهم بشرا أيضا، في العقود المقبلة. هنا، تتحول الذاكرة الجمعية قيمة ماهيويةً، أساسها عدم النسيان وعدم الإنكار، بل النقل من جيل إلى آخر، ومن زمن إلى آخر، كعامود علاقة السوريين بالمستقبل وبالمصير.

لو قُيّضَ لتلك الذاكرة الجمعية القائمة على عدم النسيان أن تحظى بديمومةٍ في فكر الشعب السوري ووعيه ذاته، فهذا سيشكل تهديداً عميقاً لمستقبل النظام، أي نظام، يقف أمام هذا الشعب بصفته مصدر عذاباته. يدرك النظام في دمشق هذا الأمر كما يبدو، ويعلم تبعاته المجتمعية والشعبية عليه في مستقبل نجاته من العقاب. ولهذا، اختار أن يواجه الذاكرة الجمعية المذكورة بصناعة، أو بإعادة إحياء، ذاكرة جمعية بصرية مضادة، لطالما اعتمد عليها في استبداده بالبلد، وهي الذاكرة الجمعية المقترنة بتماثيل وصور ونُصُب عامة، لطالما ملأت ساحات سورية وشوارعها، وحتى أماكن عمل السوريين، لصانع نظام الاستبداد وأبيه، ومُلهِم ماهية هذا النظام وأدائه وذهنيته وصورته. وكما أن النظام أجبر الشعب السوري يوماً على ترداد "إلى الأبد إلى الأبد يا حافظ الأسد"، ها هو اليوم يعيد فرض الشعار تعبيرا بصريا بإعادة تماثيل المؤسِّس وصور الوريث إلى خبرة السوريين اليومية؛ محولاً ذلك إلى أداةٍ لإيجاد ذاكرة جمعية مضادّة،

"قرار إعادة تماثيل رمز النظام واستبداده ،على المستوى المجتمعي والجماعي السوري، هو ذاكرة جمعية في مواجهة ذاكرة جمعية مضادة. وهنا خطورة المسألة العميقة" تبقي الشعب السوري في دائرة الطاعة والخنوع، لا بل وتدفعه سيكولوجياً وسوسيولوجياً للتخلي عن الذاكرة الجمعية القائمة على قرار عدم النسيان وعدم المسامحة. ما يمثله قرار إعادة تماثيل رمز النظام واستبداده ،على المستوى المجتمعي والجماعي السوري، هو ذاكرة جمعية في مواجهة ذاكرة جمعية مضادة. وهنا خطورة المسألة العميقة.

يتحدّث أفلاطون، في كتابه "السياسة"، عن الذاكرة الجمعية ودورها في إيجاد مخيال شعبي ودولتي عن الذات، وعن الهوية، في وعي أبناء الدولة السياسية. ويشرح كيف أنَّ المستبدين يستخدمون لعبة "التذكّر - المحاكاة"، لكي يقيموا في وعي محكوميهم سرداً أسطورياً جمعياً، وكيف أنهم يحولونه، من خلال مناسبات احتفالات، طقوس ونُصُب وأبنية وتماثيل، شعبية عامة، إلى عناصر تعريفية تذكُّريِّة تحوّل الأسطورة في وعي الناس إلى ذاكرة متكرّرة التذكُّر، ودائمة الحضور، إلى درجة تجعل الأسطورة تصبح تاريخاً، بل وتأريخاً. يفرض بعدها المستبد على الناس التماهي مع هذه الذاكرة - التاريخ الجمعية (على الرغم من أسطوريتها) وتعريف أنفسهم بدلالتها. بسبب هذا، يدعو أفلاطون، في كتابه، إلى نبذ الذاكرة الجمعية تماماً من أي دولة، لأنها تجبر جماعات الدولة المذكورة وأفرادها على أن يفكروا بشكل نمطي جمعي، أحادي النسق والطبيعة، بماضيهم وحاضرهم (أو قد تجبرهم على عدم التفكير بهذا الماضي بالمرة وتمنعهم عن ذلك بالقوة)، ما يمنع الناس من فهم واقعهم، وصناعته كما يريدون، وكما عاشوا هذا الواقع بكل أوجهه. في نظامٍ سياسي كهذا، يقول أفلاطون، لا يلعب الزمن وسيرورة الوجود أي دور في حياة المواطنين ووعيهم.

في ما بقي من سورية المدمّرة اليوم، وما بقي من شعبها في البلد، لدينا نظامٌ مجرمٌ مُستَبِد أفلت من العقاب، وتمت تبرئته من جرائمه وبربريته، يحاول منذ الآن أن يقتل ذاكرة السوريين الجمعية عن الدمار والقتل والتشريد والإجرام التي ارتكبها في حقهم في السنوات الماضية، من خلال إيجاده، وإعادة إحيائه، ذاكرة جمعية مضادة تستبدل الذاكرة الجمعية القائمة على "لن ننسى، لن نسامح" بذاكرةٍ جمعيةٍ بديلةٍ قائمة على "الأسد إلى الأبد". إن نجح النظام في هذا، فلن يقتل فقط الذاكرة الجمعية لحاضر السوريين، وعلاقتهم بالواقع، بل سيقتل فيهم إنسانيتهم، إذ إن الإنسان بلا زمن وعلاقة بالواقع التاريخي ميت، بلا وعي، بلا عقل وبلا ذاكرة. إن حدث هذا، نخرج من مرحلة القتل الجسدي للشعب السوري، وندخل (مرة أخرى) في مرحلة قتل الوعي، وقتل الذاكرة، أي مرحلة تصفية الكينونة البشرية الماهوية في إنسانية السوريين، وتحويلهم رسمياً إلى مجرد أشياء وأدوات وعناصر.. في وجه هذا، سنقول "لن ننسى، لن نسامح".. ذاكرتنا هي بشريتنا وسوريّتنا.

==========================


أما آن لهذه الكارثة السورية أن تنتهي؟

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاربعاء 14/11/2018

احتفل العالم بالذكرى المئوية لنهاية الحرب العالمية الأولى، وكانت المناسبة فرصة لقاء كثير من قادة وزعماء العالم في باريس، وتم القيام بفعاليات من مستويات شعبية ورسمية بالمناسبة، وصدرت كتب ودراسات، وكتبت مقالات في الصحافة، وكلها تناولت تلك الحرب في أسبابها ونتائجها، وما سببته من قتل ودمار وهجرات، ترافقت مع معاناة بشرية فظيعة، وخسائر مادية جسيمة، لم تدمر قدرات وإمكانات دول وشعوب فحسب، إنما حدَّت من تطور العالم عقوداً.

ومثل تلك الحرب، كانت الحرب العالمية الثانية، التي لا يبعد الاحتفال بمناسبة نهايتها المئوية إلا سبعة وعشرين عاماً، يتكرر عندها بأقل أو أكثر احتفال العالم بمناسبة نهايتها، فيلتقي زعماء وقادة، وتقام فعاليات وأنشطة، ويكتب الكتاب والصحافيون عنها وما سببته من معاناة وخسائر، شملت شعوباً، ودمرت بلداناً بصورة كلية أو جزئية، ضمن نتائج فاقت بكثير شقيقتها الأولى.

بين الحربين وما بعدهما، لم يتعلم العالم دروس ما جرى في أسبابه ومقدماته ونتائجه، بل اكتفى بمقاربتها، وقرر سياسات وقام بإجراءات رأى أنها كافية لمواجهة أخطار الحرب، وتقييدها، ومنع انفلات الصراعات المحلية والإقليمية والدولية إلى حرب شاملة، لكن نتائج ما تم القيام به لم تمنع اندلاع حروب وصراعات أشد قسوة مما شهده العالم في الحربين الأولى والثانية، بل كثير من تلك الحروب والصراعات، كما في حروب الهند الصينية وحروب الشرق الأوسط، وضعت العالم مرات على عتبة حرب عالمية ثالثة، كان يمكن أن تكون أكثر كارثية من شقيقتيها الأولى والثانية، وغالباً فإنها ستكون نهاية العالم.

ولأن عجزت السياسات والإجراءات الدولية، التي تتحكم فيها الدول الكبرى، في مواجهة احتمالات حرب عالمية، فإن أبقت أبوابها مفتوحة عبر حروب وصراعات محلية وإقليمية، وحولت الشكلين إلى نموذج مصغر من حرب عالمية، ولعل الصراع الجاري في سوريا وحولها، أحد أبرز تلك النماذج.

ففي معطيات الصراع السوري، أنه انطلق في بلد صغير لا تتجاوز مساحته الـ185 ألف كيلو متر مربع، وسكان لا يزيد عددهم عن 23 مليون نسمة، بعد موجة من الاحتجاجات قابلها نظام الأسد بأقصى قدر من العنف والإرهاب خوفاً من سقوطه، ومن المواجهة الأولى كرت التطورات اللاحقة: تدخلات إقليمية ودولية واسعة، لم تشمل القوى الكبرى، وبينها روسيا والولايات المتحدة فقط، بل قوى أخرى طالما كانت على هامش الشرق الأوسط، وتدخلت فيها غالبية دول الإقليم، بما فيها دول متصارعة متعادية، وتنوعت التدخلات وتعددت مستوياتها بحيث لم يبق مجال أو ميدان لم يتم التدخل فيه على المستويات السياسية أو العسكرية - الأمنية، أو في المجال الاقتصادي - الاجتماعي وغيرها.

ولم يقتصر واقع التدخلات على الدول، فاندفعت جماعات الإرهاب والتطرف للتدخل في الصراع السوري، سواء بمبادرة منها، أو نتيجة تشجيع ومساعدة من دول، رأت أن حضور تلك الجماعات في الصراع يخدمها ويعزز موطئ قدمها على مسرح الصراع، ويقوي أوراقها فيه، بل إن بعض الأطراف المتدخلة أسست وأدارت جماعات تتبعها بصورة كلية، أو دفعت بما لها من جماعات للدخول إلى سوريا، والانخراط في صراعها. ولأن تمحور الصراع في سوريا بين النظام ومعارضته في الشقين السياسي والعسكري، كما تبلور بعد أشهر من انطلاقته في مارس (آذار) 2011، فإنه تمدد لاحقاً ليشمل أطرافاً أخرى، دخلت الصراع، أبرزها إيران وميليشياتها، ثم روسيا وشركاتها الأمنية، إضافة إلى تركيا والولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، والمدخل الرئيس لتدخل الجميع كان محاربة الإرهاب والتطرف الذي بدا شعاراً واسع الطيف، لكنه كان قريباً من الجاذبين الأساسيين للصراع السوري، وهما النظام والمعارضة، مع توافق معلن على أن التدخل في مواجهة «داعش» و«النصرة» - بكل مسمياتها - بما هي فرع لـ«القاعدة» في سوريا.

ولم تكن التدخلات بعيدة عن تحولات فرضت نفسها في الصراع السوري، خصوصاً لجهة نمو نزعات دينية وقومية ومناطقية وأخرى وظيفية. فالكثير من السياسات، ومنها سياسات روسيا والولايات المتحدة، غذَّت نزعة الأكراد السوريين نحو بلورة سياسات تخصهم على نحو ما فعل «حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي» (PYD)، الذي أصبح بتنظيمه «وحدات الحماية الذاتية» رقماً في المعادلة السورية، ومثل إيران في تمددها الذي لا شك أنه صار حاضراً في جملة الأوراق السورية، ومثل تركيا التي حولت التركمان السوريين إلى وجود متمايز، خلافاً لما كان عليه من اندماجهم في إطار الجماعة الوطنية.

ولم تقتصر مجريات ونتائج الصراع في سوريا وعليها على ما سبق، بل شملت تطورات نوعية أخرى، كان أبرزها تمزيق الكيان السياسي والبنيان الاجتماعي للدولة، فصارت البلاد منقسمة إلى خمس مناطق: منطقة تمتد على طول الساحل والمنطقة الوسطى إلى الجنوب، يديرها نظام الأسد تحت سلطة مشتركة روسية - إيرانية، وأخرى في الجزيرة إلى حدود حلب - إدلب، تحكمها بدعم أميركي ميليشيات «حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي» (PYD) تحت مسمى «قوات سوريا الديمقراطية»، ومنطقة في دير الزور ممتدة عبر البادية نحو الجنوب السوري، تسيطر عليها بقايا «داعش»، ورابعة في منطقة ريف حلب الشمالي والغربي، تسيطر عليها تركيا، وتمتد المنطقة الخامسة في إدلب وجوارها من أرياف حماة وحلب واللاذقية، وتديرها التشكيلات المسلحة وأكبرها نفوذاً «جبهة تحرير الشام» المتطرفة.

ويكمل تدهور البنيان الاجتماعي جانباً من نتائج الحرب. فالسوريون إضافة إلى انتشارهم تحت سلطات الأمر الواقع، غادر نحو نصفهم للخارج لاجئاً في بلدان الجوار والأبعد منها، أو مقيماً، والمهجرون من مدنهم وقراهم يقاربون نصف الباقين في البلاد، التي قتل خلق كثير من سكانها، واعتقل أو اختفى بصورة قسرية كثيرون غيرهم، وتعطلت مناحي حياتها الاقتصادية والخدمية.

ترى أي نتائج كارثية وقعت في واحدة من الحربين العالميتين على بلد مثل سوريا بمساحتها وسكانها؟ وتقديراً، لم يصب أي بلد بصورة منفردة ما أصاب سوريا. وبدل أن يحتفل العالم بالذكرى المئوية لنهاية الحرب العالمية الأولى، كان على العالم وقادته التفكير بوضع حد لحرب، تستمر أمام عيونهم، ويشاركون في استمرار كارثتها الرهيبة، التي لم تكن تداعياتها بعيدة عن بلادهم ومعظم العالم.

==========================

سياسات العدالة الانتقالية في سوريا

رضوان زيادة

سوريا تي في

الثلاثاء 13/11/2018

بغض النظر عن الطريقة التي ستؤول لها أمور الحرب في سوريا، سيبقى مفهوم العدالة يشكل مطلباً رئيسا للملايين من الضحايا السوريين، ومطلب العدالة هذا لن يتعلق فقط بتحقيق وتطبيق مبدأ المحاسبة على عدد من مجرمي الحرب في سوريا ممثلين برئيس النظام وعصبة قادة الأجهزة الأمنية التي أعطت الأوامر العليا بالتعذيب والقتل وإلقاء البراميل المتفجرة بحق المدنيين السوريين، بل عن ذلك يشمل الألوف من الشبيحة ورعاتهم الذين مولوا العنف والقتل الجماعي بحق الشباب السوري وأشرفوا على التعذيب والكثير من الممارسات السادية التي يكاد المرء يصعق لوجودها اليوم في القرن الحادي والعشرين في زمننا اليوم.

لكن معنى العدالة الانتقالية اليوم هو أشمل وأعم، إنه يمثل مجموع السياسات التي يجب تطبيقها لإعادة تأسيس شرعية الدولة من جديد على أسس جديدة تكفل الأمن والعدالة والمساواة لكل مواطنيها.

ولذلك يدور جدل كبير بين الباحثين حول تاريخ مفهوم العدالة الانتقالية، بيد أن الربط بين ضمان تحقيق إجراءات تتعلق بالعدالة خلال فترات الانتقال السياسي يعد الأصل التاريخي الذي يعود له المفهوم في تطبيقاته التاريخية المختلفة.

ولقد جرى صياغة هذا المصطلح في وقت مبكر من تسعينيات القرن الماضي عندما أصبح العلماء يهتمون بشكل متزايد في كيفية انتقال دول الموجة الثالثة للديمقراطية في تصالحها مع ماضيها السلطوي.

تعتبر روتي تيتيل أن مفهوم العدالة الانتقالية مر بثلاث مراحل، المرحلة الأولى تركز بشكل كبير على العقاب الجنائي أو القصاص. حيث تستند العدالة على القناعة القائمة على أنه يجب على مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان أن يعاقبوا في المحاكم أو على الأقل الاعتراف علنا بجرائمهم ومن ثم طلب الصفح أو السماح، أما المرحلة الثانية فقد ترافقت مع الموجة الثالثة للديمقراطية حيث تم التخلي عن العدالة الجزائية إلى حد كبير لصالح العدالة التصالحية. فبدلا من التركيز على معاقبة المجرم أصبح التشديد يقوم على المصالحة واستعادة العلاقات بين الضحايا والجناة.

معنى العدالة الانتقالية اليوم هو أشمل وأعم، إنه يمثل مجموع السياسات التي يجب تطبيقها لإعادة تأسيس شرعية الدولة من جديد على أسس جديدة

أما المرحلة الثالثة فبدأت في منتصف التسعينات وتميزت من خلال "توسيع تطبيق العدالة الانتقالية" خاصة مع التحولات التي شهدها العالم بعد سقوط الاتحاد السوفيتي حيث بدأ التفكير كيف يمكن التعامل مع إرث الانقلابات العسكرية، والحروب الأهلية، والإبادة الجماعية، والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. وتميزت المرحلة الثالثة ببعدها الدولي حيث تأسست المحاكم الدولية والهجينة والأجنبية.

وتبلور بعدئذ المفهوم من خلال عدد من المصطلحات التي تدخل ضمنه من مثل إعادة البناء الاجتماعي، المصالحة الوطنية، تأسيس لجان الحقيقة، التعويض للضحايا، وإصلاح مؤسسات الدولة العامة التي غالبًا ما ترتبط ﻬا الشبهات أثناء النزاعات الأهلية الداخلية المسلحة مثل الشرطة وقوى الأمن والجيش.

فمع حدوث التحول السياسي بعد فترة من العنف أو الحرب الأهلية التي يمر بها مجتمع من المجتمعات. تجد الحكومة الانتقالية والمجتمع المدني والمحلي أنه أمام تركة صعبة من انتهاكات حقوق الإنسان، ولذلك تسعى الدولة إلى التعامل مع جرائم الماضي رغبة منها في تعزيز العدالة والسلام والمصالحة، ويفكر المسؤولون الحكوميون ونشطاء المنظمات غير الحكومية في انتهاج مختلف السبل القضائية وغير القضائية للتصدي لجرائم حقوق الإنسان الواسعة الانتشار.

ويمكن تحقيق ذلك عبر عدد من المناهج أو الإجراءات أولها ما يسمى معرفة الحقيقة أو "الحق في الحقيقة" فللجمهور السوري اليوم أن يعرف الحقيقة كاملة فيما يتعلق بالأشخاص المتورطين عن إعطاء أوامر القتل بحق السوريين بالطرق المختلفة، وذلك يجب عن طريق هيئة أممية لتقصي الحقائق، فهي لجنة يجب أن تقوم بتحقيقات رسمية في أنماط الانتهاكات التي وقعت في الماضي على الأقل منذ عام 2011 لوضع سجل تاريخي دقيق لما وقع من الأحداث، كما حدث في عدد من البلدان مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية، وغواتيمالا، وجنوب إفريقيا، وبيرو، وسيراليون، والمغرب.

فللجمهور السوري اليوم أن يعرف الحقيقة كاملة فيما يتعلق بالأشخاص المتورطين عن إعطاء أوامر القتل بحق السوريين بالطرق المختلفة، وذلك يجب عن طريق هيئة أممية لتقصي الحقائق

وكانت قد تشكلت على المستوى العربي وفي المغرب هيئة الإنصاف والمصالحة وأحدثها في تونس هيئة الحقيقة والكرامة، لتتبع مسار الانتهاكات الحقوقية في الماضي ووضع توصيات تجنبها في المستقبل، إن مسؤولية العدالة الانتقالية في سوريا تقع على عاتق الأمم المتحدة اليوم، يجب أن يضم مسار جنيف اليوم مساراً خاصا بالعدالة الانتقالية وليس فقط الدستور أو الانتخابات، العدالة اليوم هي المدخل الوحيد لإعادة ثقة السوريين اليوم بسوريا بلدهم الوحيد.

ومع فشل النظام السوري في تطبيق الحد الأدنى من إجراءات العدالة الانتقالية يبقى من الأهمية أن تكون الأمم المتحدة هي من يقود هذه الإجراءات ووضعها في صلب العملية التفاوضية ومن مسؤولية المعارضة السورية أن تكون في صلب مطالبها وجوهر تركيزها خاصة مع ولادة الكثير من الحركات الحقوقية والمطلبية التي تهدف إلى إعادة الاعتبار للضحايا والمعتقلين السياسيين الذين يصرخون من أحكام الإعدام التي تنفذ بحقهم كل يوم، يجب أن يدرك الأسد أن سوريا لن تكون مقبرة للضحايا فقط وإنما ستكون مثالاً للعدالة اليوم وفي المستقبل.

==========================


معارضة سورية بعقل السلطة

سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاثنين 12/11/2018

ينتابني شعور بالمسؤولية بضرورة الاعتراف العلني بصوت أعلى من أصوات أصحاب الاتهامات "أنني لست من المعارضة السورية"، وهي حقيقة ليس من بد أن أذكرها، وأعود إلى حقيقة الأمر كما أفهمه، مسؤولة عن خياراتي السابقة والحالية واللاحقة، وإذا كان بعض المشككين بولائي للنظام سابقاً، وأنا في عملي في صحيفة تشرين، كان نتيجة إخلاصي لواجبي إعلامية، وهو ما تسبّب بأن يتخذ مجلس الشعب قراره بصرفي من العمل في سبتمبر/ أيلول من عام 2009، ثم يعود عن قراره في الجلسة نفسها، حسب التوجيهات التي تعوّد أن يتلقّاها، مجلسا ليس من بينه أعضاء يعرفون النظام والدستور الذي يحكم عملهم، وبلادهم، وهو اليوم كحال المشكّكين بالأمر في جهة الثورة، والذين ما زالوا يردّدون على مسامعي ما قلته، وأنا رئيسة تحرير "تشرين"، بما يتعلق بعلاقتي بالنظام، متناسين أنني كامرأة حملت رأسي على كتفي، وقرّرت المواجهة وأنا داخل دمشق، ولست هاربة بعيداً عن حدودها، أو موقعة لعقد بيع، أو صفقة منصب على الضفة المواجهة، ولأي جهةٍ داعمة.

وفي العودة إلى البدايات، أي إلى مشهد الثورة كما كنت أراه من داخل النظام، ربما يسهل الأمر في تداعي الأحداث لاحقاً، وتحديد موقعي الجغرافي فيها، بناء على منظومة قيمية وأخلاقية، وليس على تنافسٍ وتصارعٍ على السلطة التي كانت أقرب إلي من يوم غد.

"التنازع بين النظام والمعارضة على السلطة لم يكن المحرّك الأساسي للثورة السورية"

وفي مصارحة علنية، أقول لو كان هدف الثورة، حين انطلقت، استلام السلطة بما لها وعليها، كما حال واقع المعارضين الذين يتصدّرون الآن المشهد السياسي، من دون مشروع وطني بديل يحملونه، في مواجهة ما ثار عليه السوريون من ظلمٍ وقمعٍ واستعبادٍ لهم، لكنت اليوم ألوم نفسي في ما أخذتني إليه. ولكن، ليقيني أن الثورة كانت ضد آليات الحكم الفاسد وأدواته، كان على مثلي ألا تتأخر في اصطفافها مع الثورة واستمرارها، سواء كانت بين قياداتها أو على قارعة الطريق فيها، حتى وأنا التي كنت قلت، يوما في معرض إيماني "المضلّل" بمشروع إصلاحي للأسد الابن، أنني وأولادي سأكون معه، لو كان انتصر للثورة المحقّة التي أقر هو بها بداية، لجنّب سورية والسوريين هذه الحرب التي أودت به قبل غيره إلى جحيمها، لكنه هو من تخلّى عن السوريين، ليقدّمهم وقوداً وقرباناً لمنصبٍ لن يستطيع الحفاظ عليه، مهما امتدت الأيام وخدمته الظروف، من دون إرادتهم.

بدايةً، لا بد من التوضيح أن التنازع بين النظام والمعارضة على السلطة لم يكن المحرّك الأساسي للثورة السورية، وبالتالي أعود لأكرّر ما كتبته، وأنا في دمشق، في 13 مارس/ آذار 2012 لـ بي بي سي، بمناسبة الذكرى الأولى لانطلاقة الثورة: "الرصاص الذي قتل الخوف وبعبع الصمت هو الرصاص ذاته الذي أنتج حراكاً لم يهدأ، ولن يهدأ، إلا بتحقيق أهدافه كاملة، دون أن يتقاسمها متمسكٌ بالسلطة من هنا، أو موعودٌ بها هناك. حراك لن يستطيع أحد ادّعاء قيادته، أو تمثيله، أو شرف التخطيط له، لأنه شعبي ولد من رحم الصبر، ودفع هذا الشعب أثماناً باهظة حتى أشعل بداخل النفوس جذوته". وبناء عليه، ما زلت لا أراهن على صفقات التسوية بين النظام والمعارضين، حيث يتقاسمون السلطة من دون تغيير مبناها ومعناها ووظيفتها ودورها.

وهنا لا بد من لفت الانتباه إلى أن النظام الذي يفاوض اليوم ليس كالمعارضة التي تجلس إليه، مستسلمة إلى ما يقودها إليه ممولوها، فهو لا يؤمن بالمصادفات والمفاجآت، ولايترك الريح تتلاعب فيه كحال كيانات المعارضة التي تتنقل من كنف دولة إلى سواها. وعندما صرّح وزير خارجية النظام، وليد المعلم، إنه سيغرق العالم بالتفاصيل، فهو فعلياً ينقل ما استعدّ له منذ انطلاقة ثورات الربيع العربي، السابقة للثورة السورية، بل بدأ نشاطه ضد الثورة المحتملة، قبل قيامها من خلال تكثيف رقابته، وإحكام قبضته على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث حظر موقع فيسبوك، وشدّد الرقابة على الاتصالات، وعلى حركة تنقلات ناشطين سوريين. وزاد على ذلك دراسة مواقف بعض الإعلاميين والمثقفين من الثورات العربية، التي انطلقت تباعا في تونس ومصر وليبيا واليمن، حتى عندما كانت تلك المواقف تتطابق مع الموقف الرسمي للنظام. كما شكل خلايا متعدّدة، أمنية وعسكرية وبحثية وإعلامية، للبحث في معالجة مقدّمات الثورة المحتملة، وكان الهدف منها جميعها تقديم سيناريوهات لمعالجة الخطر القادم من رياح الربيع العربي المتناثر في الأرجاء، إلا أنه لا بد من التذكير هنا بأن أي بحثٍ في ظل الخوف لن يقدّم نتائج يمكن الاعتماد عليها في حل المشكلة المستهدفة، فالمقدمات التي كان يعرضها المجتمعون، (كنت من المشاركين فيها) لم تكن تحمل كل الحقائق، لتوضع على طاولة البحث، وذلك لوجود عناصر الأمن تحت أسماء مستعارة حيناً (لخديعة الباحثين)، أو بصفاتهم الرسمية

"النظام الذي يفاوض اليوم لا يؤمن بالمصادفات والمفاجآت، ولا يترك الريح تتلاعب فيه كحال كيانات المعارضة التي تتنقل من كنف دولة إلى سواها" المعروفة في أحايين أخرى، ما توجب منا دائماً الحذر في أمرين: عدم الإفراط في تقديم المعلومات تفادياً للمساءلة عن مصدرها، وهذا يعني دراسة أنصاف الحقيقة، وارتداداتها على الواقع والمستقبل. عدم التعامل مع المسؤولين الحقيقيين عن التقصير أو الفساد، نتيجة قربهم أو تقاطع مصالحهم مع من يعقد تلك الاجتماعات. وبالتالي، السيناريو الذي سيخرج من هذه المعطيات يشبهها تماماً، بحيث يقترب من المشكلة ولا يلامسها، ويتعامل بمعايير مزدوجة مع مشكلات المجتمع السوري، حسب قرب المسؤول عنها أو بعده من السلطة السياسية والأمنية.

ولكن ما تقدم لا ينفي حالة الذعر التي كانت تخيم على النظام في أعلى مستوياته من تداعيات الربيع العربي، خلافاً للتصريحات التي أدلى بها بشار الأسد آنذاك، معتبراً أن الدول التي اجتاحتها رياح الربيع العربي هي التي تقاربت مع إسرائيل، بعلاقات تطبيع يرفضها الشعب العربي، وذلك في متابعة استغلال القضية الفلسطينية، واعتبارها القضية المعيارية في تقييم الشعوب لحكامها من جهة، ومحاولة للهروب من استحقاقات مرحلة التغيير العربي من جهة ثانية. ولعل واقع علاقات الأنظمة العربية مع إسرائيل الذي ظهر على السطح يزيل عنا شبهة اللبس في وجود صراع عربي إسرائيلي أساساً، أي أنه كان صراعاً ضد الشعوب، وكنا، نحن الإعلاميين، مبتوري النظر أدواته التجميلية ليس أقل، وليتنا كنا ليس أكثر.

ومن خلال تجربة الخوف المبرّر من طرح القضايا على حقيقتها عند النظام، يمكن تفسير النقد غير المقنن بشأن واقع المعارضة وأخطائها، بل وجرائم المحسوبين عليها، وحتى حول مآلات الثورة وعثراتها وسباتها، ما يدفع بعض قيادات المعارضة التي تعمل بعقل السلطة (النظام البديل) لترى في النقد الموجّه لها مبرراً لانتقاص وطنية أو ثورية قائله، والعودة لنبش تصريحاتٍ لا أنكرها، بل أنطلق منها في نصفها الذي يغيّبه "هؤلاء"، وهو الولاء للمشروع الإصلاحي الذي كان "شعار بشار الأسد" ثم تهاوى، وبقي الأمل في شعار الثورة "الحرية والعدالة والمواطنة"، وهو ما يبدو صعبا على جهتي التفاوض اليوم بالتساوي، لشدّة ما يمكن أن يصيبهم منه.

==========================


الأسطوانة الدولية المشروخة وخَدَر المعارضة

سهير الأتاسي

سوريا تي في

الاحد 11/11/2018

في المؤتمر العام للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية في أواخر حزيران من هذا العام، 2018، والذي ينعقد سنوياً "تضامناً مع الشعب الإيراني والمقاومة الإيرانية في نضالهم لأجل تحقيق الحرية والديمقراطية في إيران واستتباب السلام والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، وتعميق العلاقات مع الدول العربية المتضررة من نظام الملالي"، والذي اكتسب حينها أهميّة خاصة بعد اندلاع الانتفاضة الإيرانية في أكثر من 140 مدينة بجميع أنحاء إيران، كان مشهد ارتفاع وتيرة الخطابات الرنّانة لدول صنع القرار، بالنسبة لنا نحن السوريين، مشهداً مكرّراً مُستَهلَكاً، خَبرناه في بداية الثورة السورية في آذار عام 2011.

في بداية المشهد يدعموننا، يناصروننا، من خلال كلمات وخطابات تخدّرنا وتُطربنا، وتكاد تعيد لنا الثقة بأن صنّاع القرار حول العالم يؤيّدون حقاً مطالبنا وحقوقنا بمبادىء الإنسانية والديمقراطية والكرامة والخلاص من السفّاحين ومجرمي الحرب ومنتهكي حقوق الإنسان، ثم تبقى تلك الكلمات رهن ورهينة المنابر دون أي سعيٍ عَمليٍّ لتنفيذها، لتصبحَ بعد ذلك بعيدةً عن أقلّ قدر من المصداقية. ويشارف المشهد الدولي في بوادر نهاياته على الخوض في "بازارات" وتسويات تضمن المصالح الدولية المتقاطعة على حساب حقوق الشعوب.

كرروا العبارة السحرية: أن "لا مستقبل لنظام ولاية الفقيه في إيران"

في اليوم الأول من المؤتمر، شاركت شخصيات أمريكية وأوروبية في منصات أربع لندوة بعنوان: "الانتفاضة من أجل التغيير في إيران"، ومنهم لينكولن بلومفيلد المساعد السابق لوزير الخارجية الأمريكي في الشؤون العسكرية، ليندا تشاوز مديرة العلاقات العامة السابقة للبيت الأبيض، لوئيس فري المدير السابق لمكتب التحقيقات الفيدرالي FBI، روبرت جوزف السفير والمبعوث الأمريكي الخاص لعدم انتشار الأسلحة النووية حتى عام 2007، ستروان استيفنسون الرئيس السابق للجنة العلاقات مع العراق في البرلمان الأوروبي. أجمع خلالها المشاركون، وخصوصاً الأمريكيون، على ضرورة دعم الانتفاضة الإيرانية والمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، وكرروا العبارة السحرية: أن "لا مستقبل لنظام ولاية الفقيه في إيران"، وأن "العقبة الرئيسة أمام السلام والاستقرار في الشرق الأوسط ليست سوى الدكتاتورية الإيرانية القاتلة في طهران"، إذْ "طالما كان النظام الإيراني الراعيَ الرئيس للإرهاب في العالم".

كانت تمثّل تلك الفترة منعطفاً هاماً وكاشفاً لنا نحن السوريين، فقد كانت درعا، مهد الثورة السورية، ترزح تحت وطأة عروض الاستسلام والهزيمة المفروضة من قبل الاحتلال الروسي الذي يحاول جاهداً أن يتلبّس لَبوس "الضامن" لما يُسمى ب "اتفاقيات خفض التصعيد"، بينما يجسّد هو واحتلال نظام الملالي، الضامنَين الأساسيَين لبقاء مجرم الحرب بشار الأسد على رأس السلطة. كانت فترة كاشفة وحاسمة حيث صمتت الولايات المتحدة الأمريكية، بل ورفعتْ يدها، وتخلّت عن اتفاق خفض التصعيد الذي كانت حجر الأساس فيه، على الرغم من انتشار الميليشيات الإيرانية وتجذّرها بثوب قوات الأسد هناك في جنوب سوريا.

المشهد المكرر ذاته، والخطابات الطنّانة نفسها، ويعلو التصفيق ويشتعل الحماس لدى أصدقائنا في المقاومة الإيرانية، ونحن السوريين الذين خضنا هذه التجربة، تجربة بيع الأوهام ثم التخلّي، لا يمكن أن نصمت دون أن ندقّ جرس الإنذار. لم يكن فعلُ التحذير الذي قرّرنا العمل به للوفاء لتحالفنا الطبيعي مع المعارضة الإيرانية، فعل استسلامٍ لليأس والإحباط، بل كان فعل دعوةٍ إلى ضرورة الاعتماد على القوى الذاتية دون التعويل المطلق على المجتمع الدولي، وذلك لأجل ضمان الاستمرارية في طريقٍ لا يمكن الرجوع عنه: طريق الحرية والديمقراطية لبلادنا وشعوبنا.

كان التحذير واجباً خصوصاً في ظلّ وضوح المؤشرات المتناقضة التي خَبرتها المعارضة السورية في خطابات دول صنع القرار، حيث يحدّثون عن العقوبات، مجرّد عقوبات على الحرس الثوري الإيراني يعتبرون أن من شأنها أن تُرغم نظام الملالي على التفاوض، في الوقت الذي أثبتت فيه التجربة السورية أن العقوبات الدولية لم تأتِ يوماً بنظام الأسد إلى طاولة المفاوضات طيلة السنوات التي استمرّ فيها بارتكابه المجازر وجرائم التهجير والإخفاء القسري والكيماوي بحقّ الشعب السوري.

يؤكّد ما سبق، على سبيل المثال، حديث روبرت جوزف (المبعوث الأمريكي الخاص لعدم انتشار الأسلحة النووية): "هذه العقوبات ليست الطلقة الذهبية للقضاء على هذا النظام في ظلّ قدرة شركات الحرس الثوري على التأقلم معها"، ثم يستأنف: "ليس هناك خيار سوى العقوبات، لكن بنفس الوقت لم تؤدّ تلك العقوبات إلى إضعاف النظام، ولذا يجب أن يتمّ التغيير في إيران بشكل آخر"! ويتمثّل هذا الشكل الآخر حسب رأيهم ب "دعم المعارضة الإيرانية لإحداث التغيير داخل إيران". وبالطبع لا يمرّ هذا الدعم دون البدء بوضع العراقيل والشروط التعجيزية، الواحدة تلو الأخرى، في وجه المعارضة، فيلمّحون إلى "وجود نزاعات داخل المعارضة الإيرانية فرّقتها، وهناك تيارات أخرى داخل إيران يجب التعامل معها". إذاً هي نفس الدعوة إلى ضرورة توحيد المعارضة التي سبق وخرموا آذاننا بها في مؤسسات قوى الثورة والمعارضة السورية حتى جاؤوا بمنصّات تتبع للاحتلال الروسي لتصبح جزءاً من الوفد الممثّل للثورة السورية، وتدفع باتجاه حلّ المحتلّ الحليف لنظام الأسد.

يضربون عرض الحائط بحقّ الشعوب في قطع الطريق أمام استمرار حكم مجرمي الحرب بل وحقّها في محاكمتهم

ومن الحديث عن "ضرورة ردع شرّ النظام الإيراني وعن انعدام الحلّ إلا بإسقاطه"، إلى التصريحات المناقضة المتكررة والمستمرة والأخيرة حول مجرّد العمل على "الحدّ من سلوك هذا النظام"، وفي أحسن الأحوال توقّع المزيد من الخيارات لمواصلة الضغط من أجل "تغيير سلوكه". حديثٌ يتناغم مع التصريحات والتسريبات الأمريكية الحالية التي تقول بالاستعداد للقبول بالأسد مقابل شروط ينبغي عليه تنفيذها، ومنها: "عدم رعاية الإرهاب أو توفير ملجأ آمن للإرهابيين، وإزالة جميع أسلحة الدمار الشامل، وقطع العلاقات مع النظام الإيراني وميليشياته ومغادرتها الأراضي السورية، وعدم تهديد الدول المجاورة"، بل ويزيد جيمس جيفري، مبعوث أمريكا لسوريا: "نحن بحاجة إلى حكومة لا تستخدم الأسلحة الكيماوية ولا تلقي البراميل المتفجرة وتتوقف عن محاولة قتل شعبها. إذا كان الأسد قادراً على خدمة حكومة مماثلة، فليتابع في الحكم، ولكنني أشكّك جداً في ذلك. إذاً يستند ذلك إلى شروط وليس إلى الشخصية"! وبمثل هذه التصريحات، يضربون عرض الحائط بحقّ الشعوب في قطع الطريق أمام استمرار حكم مجرمي الحرب، بل وحقّها في محاكمتهم، فيتركون الأبواب مواربة غير موصدة في وجه السفّاحين، لزوم عقد الصفقات وإقامة البازارات.

لا بدّ أن نتخلّص من الخَدَر الذي يصيبنا كلما عاودت الأسطوانة الدولية المشروخة العزف على مسامعنا، وأن نعيد الاعتبار لأولوية توحيد جهودنا وتنسيق قوانا وتجميعها والاعتماد على أنفسنا في مواجهة تحالفات الأنظمة الحاكمة، تلك الأنظمة التي تمارس الابتزاز على المجتمع الدولي من خلال وضعه أمام خيارَين: الإرهاب أو الحفاظ على صيغة استقرار حكم هذه الأنظمة القائمة على الاستبداد والترويع وجرائم الحرب. فيختار المجتمع الدولي الخيار الأسهل، ويتخاذل ويتواطأ، ويصبح لزاماً علينا الحذر والمواجهة عند الوصول إلى مرحلة استخفاف وتمادٍ تختزل قضايانا إلى تقاسم سلطات كما فعل مع القضية السورية عندما اختزلها إلى قضية إصلاحات دستورية وانتخابات، فيما المطلب الأساسي هو التأسيس لهيئة حكم انتقالي، لا مكان للأسد ومجرمي الحرب فيها.

يليق بنا فعلاً أن نؤسّس لجبهة موحَّدة، تُعمّق الوعي بضرورة رفضنا لأنصاف الحلول ولإعادة تأهيل الأنظمة المغتصبة للسلطة، والمجاهرة بجذرية أهدافنا وثباتنا على طريق واحد لا بديل عنه، هو طريق التحرير وإقرار العدالة والحق في محاكمة مجرمي الحرب وعلى رأسهم منظومة الأسد ونظام الملالي.

==========================


سورية ومبعوث أممي جديد

فاطمة ياسين

العربي الجديد

الاحد 11/11/2018

غير بيدرسون هو المبعوث الرابع الذي تعيّنه الأمم المتحدة في سورية. ومن ضمن مهمات هذا المبعوث العمل بدوام كامل في البحث مع "الجهات المهتمة" لحل الكارثة السورية، وتقديم تقارير دورية بالمستجدات إلى مجلس الأمن، عبر الأمين العام.

بدأ عهد المبعوثين بكوفي عنان، ولم تكمل الثورة عامها الأول، حتى قدّم عنان خطة من ست نقاط، تقضي إحداها بسحب القطع العسكرية التابعة للنظام من التجمعات السكنية، والإفراج عن المعتقلين، والسماح لمنظمات الإغاثة بالعمل. توحي هذه المطالب بمقدار عربدة النظام في ذلك الوقت المبكر، وتغوّله العسكري القارح. بعد ستة أشهر، نفض عنان يده من الوضع، متهماً كل الأطراف بعدم الجدّية، ومنهم مجلس الأمن.

جاء الأخضر الإبراهيمي مكانه وبمهمةٍ مطابقة، لكنه اعتمد التنقل بين العواصم، مشدّداً على أنه لا يملك خطة، ثم قدم استقالته بعد عامين، مع اعتذار للشعب السوري، لأن أحداً لا يبدو مهتماً بوضع هذا الشعب. وهذه خلاصة مطابقة للخلاصة التي خرج بها عنان بعد مهمته القصيرة. بعد الإبراهيمي، جاء ستيفان دي ميستورا الذي واجه تغيراً طفيفاً، فقد كان المسمى الوظيفي لكل من عنان والإبراهيمي مبعوثاً مزدوجاً لجامعة الدول العربية والأمم المتحدة، فيما اقتصرت مهمة دي ميستورا على منصب المبعوث الأممي. وهو الذي أمضى أربع سنوات في المنصب، عاصر خلالها أمينين عامّين للأمم المتحدة، وكان شاهداً على دخول القوات الجوية الروسية إلى سورية، ومعارك حلب وغوطة دمشق والجنوب، وشهد جانباً من المواقف الفيتوية الروسية. وها هو يغادر من الباب نفسه الذي دخل منه، ولكن "لأسباب عائلية"، فخرج متأبطاً ملفاتٍ ازدادت سماكتُها، ومن المتوقع أن يسلّمها، بحجمها الجديد، إلى المبعوث الجديد، وتحوي عنواناً ديمقراطياً ملحِّاً هو "اللجنة الدستورية" التي أكد عليها اجتماع رباعي، ضم روسيا وألمانيا وفرنسا، إضافة إلى تركيا. ولا يحتاج هذا الملف مبعوثين، بخبرةٍ دوليةٍ عريضة، فهو مجرد مناقشة داخلية، تجري بين مجموعة أعضاء محليين، لإقرار بضعة بنود تحدّد هيكل الدولة، وخطوط شخصيتها الرئيسية. وقد تبدو استحقاقا حقوقيا بسيطا، يمكن إنجازه بسرعة في حال توفرت الرغبة بذلك، وهذه الرغبة هي العامل الذي نوّه به اثنان من المبعوثين الدوليين إلى سورية.

في حال غض النظر عن البَدَلات النقدية الضخمة وأذونات السفر ورحلات السياحة المبطنة، يبدو منصب المبعوث الأممي مدعاةً للرثاء، فهو ظرفي، يتوقف نجاحه على عوامل لا يستطيع هذا المنتدب التحكم بها، ولا حتى معرفتها أحياناً، فمقرّرات جنيف الأول التي عُقدت برعاية كوفي عنان لم يعد يذكرها أحد، وجنيف 2 الذي عقد بحضور الإبراهيمي أصبح في مهب الريح. وخلال السنوات الأربع التي قضاها دي ميستورا راكضاً بين جنيف وسوتشي ودمشق وطهران تأزمت أوضاعه العائلية، حتى اضطر إلى الاستقالة، وجيء مكانه بمندوبٍ جديد، وقبل أن يبدأ هذا الجديد بتقليب أوراق الملف، يمكن التنبؤ بما سيحدث بعد وقتٍ، يطول أو يقصر.

لم يعترف العالم، خصوصاً جانبه الديمقراطي، بحقيقة ما يحدث في سورية، وبأن هناك شعباً يحاول التخلص من كابوسه الديكتاتوري الطويل، والالتفات إلى بناء نفسه من جديد، وأن مسألة التطرّف التي كانت من الأعراض الجانبية لما حدث يمكن معالجتها بالتوازي مع معالجة المشكلة الأساسية التي أحدثت هذا الركام من المشكلات، وأن المسائل الإنسانية الأخرى عَرَضٌ جانبي آخر لما حدث، وهذه يمكن حلها بعد تصفية المشكلة الأساسية، وعشرات من المشكلات الجانبية التي نبتت على مستنقع المشكلة الأم. وحتى مسألة المبعوث الأممي لا تعدو كونها منصباً له شكل الأعراض الجانبية للمشكلة الأساسية، ويمكن توفير دولاراتٍ كثيرة على صندوق المنظمة الدولية، في حال كانت هناك رغبة حقيقية في إرساء الحلول التي تبدو حالياً بعيدة المنال.

==========================

نهاية الثورة السورية

خطيب بدلة

العربي الجديد

الاحد 11/11/2018

نجح ابنُ حافظ الأسد، وسقطنا نحن الثوار. كانت خطتُنا، منذ البداية، أن نفضح إجرامَه، ونقول للعالم: يا عالم، يا متحضّر، يا رعاةَ حقوق الإنسان، انظروا إلى هذا المجرم كيف يقتل الشعب الأعزل. وكان الناشطون الثوريون يركضون من مكان إلى آخر، متأبّطين أجهزة الموبايل، متحيّنين الفرص لالتقاط صور لإجرام النظام، صور حقيقية، ليست مفبركةً بالفوتوشوب، أو في استوديوهات الجزيرة.

أذكر، في بداية الثورة، 2011، وكنت أعيش في مدينة إدلب، أنه جاءت لجنةٌ عربية برئاسة رجل يُدعى محمد الدَابّي. اجتمعنا، نحن الثوار، يومئذ، في أحد مقرّاتنا، وتبادلنا التهاني باقتراب سقوط النظام، وقلنا: ها هي لجنةٌ مرسلة من جامعة الدول العربية قد جاءت خصيصاً لكي تأتي بأَجَلِ نظام الأسد، والمهم في الموضوع الآن، يا شباب، أن نتعاون مع اللجنة، ونزوّدها بكل ما يلزمها من أجل هذا الغرض العظيم.

استاجرت اللجنةُ التي أفرزت للعمل في نطاق محافظة إدلب منزلاً في حارة بستان غنوم، وصرنا، نحن الثوار، نمشي إليها منتصبي القامة مرفوعي الهامة. هل كنا نخاف؟ أبداً؛ ومم نخاف؟ إن مَنْ يجرؤ على الخروج في مظاهرة احتجاج بعد أربعين سنة من حكم الديكتاتور، ويهتف مطالباً ابنَ حافظ الأسد بالرحيل، يستحيل أن يخاف حتى من الرصاص الحي.. بل إننا تعرّضنا أكثر من مرة، للرصاص، ولم نخف، مع أننا، والله، أمضينا القسم الأول من حياتنا قبل الثورة ونحن نخافُ من خيالاتنا، ونخافُ من عنصر المخابرات الذي يأتي من عمق الزقاق حاملاً في يده دفتر مذكّراتٍ، لا بد أنه اغتصبه من إحدى الدوائر الحكومية.

كنا نقعد مع أعضاء اللجنة، ونحكي لهم عن الاعتقالات اليومية، والمداهمات، وقمع المظاهرات بالقوة، وعن لواء المشاة المدرّع الذي اجتاح جبلَ الزاوية، انطلاقاً من قرية الرامي، وفرض سيطرته عليه. توقف المراقب العربي عند هذا الكلام، وقال: لا قيمة لأي معلومةٍ غير موثقة تقدّمونها لنا. هل ترافقوننا إلى هناك؟ قال أكثر من ثائر، في آن واحد: طبعاً.

في قرية عين لاروز، على ما رُوِي لنا، قال أحد ناشطي الثورة لعضو اللجنة العربية: انظر هنا، تحت الأرض، يوجد مستودع كبير، خبأوا فيه دباباتٍ وأسلحة ثقيلة متنوعة. ثم فتح موبايله، والتقط صورة للمصفحات المخبأة. وبلمح البصر، خرج ضابطٌ بلا رتب، من بين المصفحات، وأمسك الناشط بقوة، وبطحه أرضاً، وبدأ يعجقُه بيديه ورجليه، ويعضّه بأسنانه، وتَدَخَّلَ بضعةُ عساكر، وراحوا يؤازرون معلمهم، ويشاركون في تعجيق الناشط، وأخذوا منه الموبايل، ووضعوه على حجر، ودقوه بالحجارة، حتى صار مثل الطحين، وحينما أبدى عضو اللجنة العربية دهشته وتعجبه مما حصل، قال له الضابط:

- عفواً يا أخ.. أنت جئت إلى هنا بصفة مراقب، أما هذا الكلب الواطي فهو من أهل بلدنا، يعني هذا شأن داخلي، لا يخصّك. أنت تستطيع أن تفعل شيئاً واحداً؛ وهو أن تسجل عندك ما حصل، وترفعه إلى معلمك الدابّي.

تعلمون، أعزائي، أن نظام ابن حافظ تخطّى، يومئذ، عَقَبة اللجنة العربية، وصار إعلامه يستهزئ بجامعة الدول العربية، وبالعرب. وبعد حين من الزمان، أخرج مصفحاته من المخابئ، وراح يمطر المدن والبلدات بالقنابل، ثم حرّك سلاحه الجوي، وصار يحصد أرواح الناس بالجملة، وأنزل سلاح البراميل إلى الميدان، وصار يضربنا بالبالستي والكيميائي والعنقودي، وصارت دول العالم تتفرّج، والمنظمات الحقوقية تراقب وتسجل وتحصي، والدول الراعية لحقوق الإنسان تشجب وتستنكر. وبين حين وآخر، يجتمع قادة بعض الدول في مكانٍ ما، ويتحدّثون عن ضرورة إيجاد حل للقضية السورية. أما زعماء روسيا وإيران فيبحثون عن حلٍّ يقضي بالإبقاء على بشار الأسد، ومساعدته في الحصول على شوية مليارات بحجة الإعمار، ليضيفها إلى أرصدته المودعة في بنكٍ ما من بنوك العالم، مفترضين، أو متوهمين أن الثورة انتهت.

==========================

سورية مأزق الجميع وهم مأزقها

يحيى العريضي

العربي الجديد

الاحد 11/11/2018

لو سألت مسؤولاً روسياً عمّا تبغيه بلاده من سورية؛ أو كيف يرى الحل، أو السبيل إلى خروج سورية من النفق المظلم الذي تمر فيه، والعودة إلى سكة الحياة؛ لقال إن روسيا تريد لسورية أن تكون دولة مستقلة ذات سيادة؛ وإن الحل سوري - سوري. وإذا استطرد، سيكرّر النقاط الاثنتي عشرة التي تم التوافق دولياً عليها مقدمة للحل. وإذا تم طرح السؤال على مسؤول إيراني، أو أميركي، أو حزبلاتي، أو تركي، أو أوروبي، أو حتى من كوكب مجاور؛ فإنه سيقدم مطالعة مشابهة. ويبقى السؤال الأهم: لماذا لا يتم التوصل إلى حل في سورية، مع وجود هذا التوافق إلى حد التطابق؟ قد يسارع مجيب، ويقول إن النظام هو الذي يعرقل الحل، ويريد حلاً على مقاسه؛ ولذلك يحدث الاستعصاء. وقد يبادر آخر بالقول إن بديل بشار الأسد لم يتوفر بعد؛ ولهذا يستعصي الحل. وسيقول ثالث إن تشابك المصالح وتضاربها هما ما يعرقلان الحل.

صحيحٌ أنه من المستحيل أن تجد منظومة مطابقة لمنظومة الأسد في سورية لتكون البديل المناسب؛ إلا أن تغيير الأنظمة عندما تكون أدوات وظيفية غاية في السهولة. ونظام هشٌّ كهذا، لا حول له ولا قوة، لا يفصّل حلاً، وما بيده البقاء دقيقة، لحظة صدور قرار إنهاء مهمته. وقالت علناً جهات عدة إنه لولاها لانتهى النظام. ومن جانب آخر، ليست هناك مقولة أكثر خداعاً من عبارة "الحل السوري - السوري" التي يجمع المتدخلون في الشأن السوري على استخدامها. وكانت لحظة دخول مليشيات حزب الله إلى سورية عام 2012 أول هتك لهذا

"لا يمكن الإبقاء على سلطةٍ تقتل شعبها، ولا سيادة أو هيبة لدولة يدمر فيها النظام البشر والحجر، كي يبقى" الحل،. تَبِعه الهتك الإيراني، فدخول التحالف، فالتدخل العسكري الروسي، الى آخر السبحة؛ حتى لم يعد هناك أي احتمال أن يكون الحل سورياً- سورياً. ولا بد من الاعتراف هنا بأن النظام أطال بحياته بتيسيره حال كهذا؛ فلا يمكن أن تكون هناك حياة لمنظومة استبدادية إجرامية تقاوم ثورة شعبية؛ ولا يمكن أن تضيع قضية شعب إلا إذا وضعته في مواجهة العالم المتكالب على مصالحه؛ والتي لا يمكن تحقيقها إلا بتمزيق جسد هذا الشعب وأرضه وافتراسهما، وهذا ما كان في سورية فعلياً.

تشابكات القوى المتدخلة بالشأن السوري هي التي تحول دون إيجاد حل، فكل واحدة من تلك القوى تتشابك مع الجميع؛ فإذا كان عدد القوى المتدخلة ستة، فعدد التشابكات ستة وثلاثون، وإن سبعة فاثنان وأربعون، وهكذا. وإذا أخذنا روسيا مثلاً، فلا بد من حلول مع تركيا وأميركا وإيران وإسرائيل والاتحاد الأوروبي؛ وينطبق الأمر نفسه على كلٍ من الأعضاء الآخرين تجاه البقية. لا بد لروسيا ان تأخذ شيئاً من أميركا في مسائل العقوبات وأوكرانيا والقرم؛ ومن تركيا انزياحا من حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والتفافات على العقوبات، وموقفا من أميركا؛ ولا بد لإيران كي تحلحل أن تأخذ من تركيا تخفيفا من وطأة العقوبات الأميركية، وترتيبات في حلب، واستثمارات متبادلة. وينطبق الأمر على كل المتدخلين بنسب متفاوتة، بحسب حجوم القوة، وبحسب غرس الأنياب والمخالب في الجسد السوري؛ وفِي أجساد الآخرين.

ولما كان الحال هكذا، ما الحل لسورية أو في سورية؟ وهل يمكن أن يصدّق أحد مقولة الحل السوري السوري؟ هل يمكن الاستناد إلى نيات طيبة، أو ما يقال احياناً بضرورة توفر إرادة دولية لإيجاد حل؟ وهل الدول مؤسسات خيرية مبنية على النيّات الطيبة، والسهر على مصالح الشعوب الأخرى وحقوقها؟ ألا يمر عالمنا في حقبة من الشراسة واللاإنسانية وضياع حقوق الإنسان تتجاوز أي فترة مرَّ بها؟! ألا يذكّر حالٌ كهذا من الاستعصاء والاصطفاف المَرَضي بحقبٍ سبقت حروباً عالمية؟ هل نحن في خضم حرب عالمية ثالثة بنسخة جديدة ملطّفة؟

الحل في سورية، بحكم تدويل القضية السورية، لا يمكن أن يكون إلا دولياً. وعلى هذه القوى المنخرطة في الشأن السوري، أن تتيّقن من أنه لا يمكنها تحقيق كل مصالحها، ولا يمكن أن تسحق بالمطلق حق الشعب السوري في شيء من البقاء الحر الكريم؛ وأنه مهما سعت إلى نصرة نظام على شعبه، تحت يافطة حماية سيادة الدولة، وذريعة الحفاظ على هيبة السلطة، فإنه لا يمكن الإبقاء على سلطةٍ تقتل شعبها، ولا سيادة أو هيبة لدولة يدمر فيها النظام البشر والحجر، كي يبقى. المكان الطبيعي لنظام كهذا هو محاكم الإجرام. وإذا كانت روسيا مصرّة على ابتزاز العالم في سورية، فهذا خشية من أن يطاولها حساب الجرائم التي ارتكبتها في سورية؛ وهو ما يسجله عليها أعضاء الفريق المتدخل في الشأن السوري. ومن هنا الأفضل للجميع الولوج الفوري بحل دولي يخلّص البلاد من طغمتها الاستبدادية الحاكمة صورياً؛ ويساعد السوريين، عبر الأمم المتحدة، في إيجاد بيئة آمنة، كي يقرّروا مَن يحكمهم، ويضعوا أقدامهم على سكة الحياة ثانيةً. هكذا يكون الحل سورياً سورياً، وتكون سورية دولة حرّة مستقلة ذات سيادة.

==========================


لا للعقوبات على الدول: نعم لإسقاط الطواغيت إذا كنتم صادقين!

 د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 10/11/2018

يتبجح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وأفراد إدارته بأنهم فرضوا على إيران أقسى العقوبات في تاريخها، وخاصة العقوبات المفروضة على بيع النفط الشريان الحيوي للاقتصاد الإيراني. لكن قبل أن يصفق أحد لهذه العقوبات كنوع من الشماتة بإيران، لا بد أن يتساءل: ألا تخضع إيران للعقوبات الأمريكية والغربية منذ وصول الخميني إلى السلطة عام 1979؟ متى ارتاحت إيران من بعض العقوبات إلا بعد الاتفاق النووي مع الغرب قبل مدة وجيزة فقط، ثم ما لبثت أمريكا أن أعادت بعض العقوبات؟ هل يا ترى تأثر النظام الإيراني بالعقوبات المفروضة عليه منذ حوالي أربعين عاماً، أم إنه استطاع تحت العقوبات أن يقيم مشروعاً نووياً وبرامج عسكرية عملاقة؟ ألم تتمكن إيران من احتلال أربع عواصم عربية وهي ترزح تحت العقوبات الأمريكية؟ فكيف، لا سمح الله، لو لم تكن تحت العقوبات؟

لا شك أن الشعب الإيراني عانى كثيراً في لقمة عيشه بسبب العقوبات الأمريكية منذ عقود. ولا شك أنه سيعاني أكثر جراء العقوبات الجديدة التي دمرت العملة الإيرانية، وخفضت من قيمتها بنسبة تفوق الثمانين في المئة، بحيث أصبحت مدخرات الشعب الإيراني بلا قيمة إذا ما أراد أحد أن يستبدلها بعملات صعبة كاليورو والدولار. لا شك في ذلك مطلقاً. من الضحية إذاً في العقوبات الغربية على مدى التاريخ الحديث؟ الشعب أولاً وأخيراً، بينما تستمر الأنظمة كما هي تنعم برغد العيش. هل تأثر الحرس الثوري الإيراني الحاكم الحقيقي للبلاد بالعقوبات؟ هل تأثرت الطبقة الحاكمة؟ أم إنها استمرت في التهام ما لذ وطاب من المأكل والمشرب، بينما تحولت الحياة إلى جحيم بالنسبة لغالبية الإيرانيين؟ هل انتفض الشعب على النظام بسبب العقوبات؟ ربما حاول عام 2009 بتحريض خارجي، لكنه لم ينجح، واستطاع النظام المدجج بالقوة والسلاح أن يخمد الشعب ويعيده إلى حظيرة الطاعة كي يستمر في معاناته من قمع الداخل وعقوبات الخارج.

ألم تفرض أمريكا عقوبات أقسى ألف مرة على العراق بعد غزو الكويت؟ ألم تمنع عنه حتى أقلام الرصاص والأدوات المدرسية على مدى ثلاثة عشر عاماً؟ ألم تستخدم برنامج النفط مقابل الغذاء لتركيع العراق وإسقاط نظامه؟ لكنها مع كل تلك العقوبات الشيطانية، ظل النظام صامداً، وظلت القيادة تدخن السيجار الكوبي الفاخر، بينما كان الشعب يموت من الفقر والجوع. لقد فشلت العقوبات في تركيع النظام، لهذا تدخلت أمريكا وبريطانيا عسكرياً بكل قواتهما البرية والجوية لإزاحة صدام حسين عام 2003 بعد ثلاثة عشر عاماً من التعذيب المنظم للشعب العراقي دون غيره.

 

من الضحية إذاً في العقوبات الغربية على مدى التاريخ الحديث؟ الشعب أولاً وأخيراً، بينما تستمر الأنظمة كما هي تنعم برغد العيش

 

هل تأثر النظام الليبي بقيادة القذافي من العقوبات الأمريكية على مدى سنوات وسنوات؟ بالطبع لا، فقد ظل القذافي وحكومته تنعم بما لذ وطاب من الملذات، بينما تضرر الشعب كالعادة. وعندما قررت أمريكا وشركاؤها إسقاط النظام، تدخلوا بمئات الطائرات. وهذا يعني أن العقوبات كانت لإيذاء الشعب فقط.

هل تضرر النظام السوداني من العقوبات الأمريكية على المستوى الرسمي؟ بالطبع لا، بل ظل الرئيس السوداني المطلوب لمحكمة الجنايات الدولية يجوب العالم ضارباً عرض الحائط بالعقوبات الأمريكية والدولية. أما السودانيون كشعب فقد عانوا الأمرين جراء العقوبات على المستوى المعيشي والاقتصادي.

هل توقف الرئيس السوري وعصابته عن تناول أغلى أنواع الأسماك واللحوم والكافيار والمشروبات الكحولية على مدى السنوات الثماني الماضية بسبب العقوبات على نظامه؟ بالطبع لا، لا بل إن الرئيس السوري كان يتفاخر بأنه يمارس حياته الطبيعية، ويستمتع بها على أكمل وجه، بينما كان الشعب السوري يدفع ثلاثة أرباع راتبه على الأكل والشرب بسبب ارتفاع الأسعار وندرة السلع بسبب الحصار على سوريا.

هل أسقطت العقوبات النظام الكوبي بقيادة فيديل كاسترو على بعد ضربة حجر من الحدود الأمريكية، أم ظل نظام كاسترو صامداً حتى الآن رغم مئات العقوبات التي لم يتضرر منها سوى الكوبيين كشعب، بينما ظل النظام يتحدى أمريكا ويتبجح بمواجهتها.

ما فائدة العقوبات الغربية إذاً على الأنظمة؟ لا شيء أبداً، فلا يتضرر من العقوبات سوى الشعوب والأوطان، بينما تستمر الحكام والحكومات في ممارسة حياتها الاعتيادية وطغيانها الوحشي على الناس، وكأن شيئاً لم يحدث. والسؤال الأهم: لماذا تفرض أمريكا عقوبات لعشرات السنوات على بعض الأنظمة، ثم تتدخل عسكرياً بعد طول انتظار لإسقاطها بالقوة؟ ألم يكن من الأفضل أن تفعل ذلك في وقت مبكر كي توفر العذاب والمعاناة على الشعوب إذا كانت فعلاً تريد معاقبة الأنظمة القذرة وليس الشعوب، أم إن العقاب الحقيقي ليس للطغاة كلاب أمريكا، بل للشعوب والدول، وأن هؤلاء الطواغيت ما هم سوى أدوات في عملية التدمير الغربي المنظم لبلادنا؟ إذا كانت أمريكا والغرب عموماً جاداً في معاقبة الأنظمة التي يعتبرها مارقة وديكتاتورية، أليس التخلص منها بالقوة واستبدالها بأنظمة ديمقراطية أقل تكلفة بكثير على الشعوب والدول من العقوبات الشاملة التي تدمر حياة الناس والبلدان، بينما يبقى الطواغيت جاثمين على صدور الشعوب، فتصبح الشعوب بين مطرقة عقوبات الخارج وسندان الطغيان الداخلي.

هل فعلاً تعادي أمريكا الأنظمة المستبدة في بلادنا وتعاقبها، أم إنها تستخدمها كأدوات تدمير وابتزاز لأوطاننا فقط، ولا تتخلص منها إلا بعد أن تكون قد أدت مهمتها التدميرية والتخريبية على أكمل وجه؟

==========================


مرحلة إعادة ترتيب الشرق الأوسط

غازي دحمان

العربي الجديد

السبت 10/11/2018

يشي الزخم الدبلوماسي والسياسي الذي تشهده المنطقة، وكذلك التحرّكات العسكرية المتسارعة، وشبكة التفاهمات الهائلة التي تبنيها القوى الفاعلة، بأن الأمور تسير باتجاه إعادة ترتيب المنطقة التي دخلت في وضع فوضوي منذ بداية العقد الحالي، نتيجة الثورات والثورات المضادّة، والخلافات والتوترات السياسية، إلى أن وصلت الأوضاع إلى مرحلة بات فيها الجميع في حالة إنهاك، بعد استنزاف مديد.

لا خطة واضحة، حتى اللحظة، لترتيب المنطقة، والسبب أن القوى الفاعلة ليست على اتفاق بعد في هذا الخصوص، بل إن طابع العلاقات بينها تنافسي صراعي، لا يتيح المجال لها للتوافق على مشروعٍ بحجم ترتيب هذه المنطقة المغرقة في الفوضى، وإنما تنطلق عملية الترتيب من تحديد حصة كل طرف، وطبيعة التزاماته والأدوار الموكل له القيام بها.

في المشهد المصغّر لهذه العملية، تبدو سورية بمثابة البؤرة التي يدور حولها النشاط الإقليمي والدولي، الهادف إلى إعادة ترتيب المنطقة، وتوجد لهذا الخصوص ورشتان، ورشة أستانة المتشكّلة من روسيا وتركيا وإيران، وورشة المجموعة المصغّرة، أميركا ودول أوروبا الغربية، وقد سعت المجموعتان إلى استكشاف سبل البحث عن خيارات جديدة، عبر قمة إسطنبول التي جمعت اثنين من كل مجموعة.

وثمّة تقديرات تشير إلى احتمالية تأسيس ورشة ثالثة، ومسار جديد، عبر اجتماع جماعة أستانة 

"الجميع يشارك بطريقة أو أخرى في ورش بناء ترتيبات الشرق الأوسط" مع المجموعة المصغرة، والذي بدأت تباشيره في قمة إسطنبول الرباعية، لكن هذا الأمر يشترط حصول توافقاتٍ وتفاهماتٍ حول قضايا كثيرةٍ لا تزال محل خلاف بين الطرفين، وتحتاج تالياً إلى أفكارٍ من خارج صندوق التعاطي الحالي، حتى يكون ممكناً الدفع بهذا المسار.

وثمّة ورشة أخرى، في مسقط، تعمل بهدوء، ولكن بإمكانات استخباراتية ودبلوماسية كبيرة، وغالباً ما يجري تنشيط هذه القناة عندما تكون هناك إرادة مشتركة للأطراف المتصارعة في الرغبة بالوصول إلى حل ما، وقد أظهرت هذه القناة فعاليتها في أثناء التفاوض الأميركي – الإيراني بشأن الملف النووي، وتشي زيارة رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، إلى مسقط بوجود ترتيب معين في سياق الترتيبات التي تشهدها المنطقة.

وبالتوازي مع هذه الترتيبات، تجري محاولات بناء تحالف عسكري عربي، تحت مسمّى " الناتو العربي"، والهدف الظاهر له إعداد قوّة إقليمية تستطيع تحمل عبء المحافظة على الاستقرار وحماية الأمن في بعض المناطق العربية، وتخفيف العبء عن الطرف الذي طالما تولى القيام بهذه المهمة، وهو الولايات المتحدة الأميركية، غير أن بناء هيكل هذه القوّة ربما يتأخر إلى حين تبلور صورة الهيكلة التي ستبدو عليها المنطقة، والهياكل التي ستتشكل في إطارها.

لكن، لماذا نفترض وجود مثل هذا الترتيب الآن في الشرق الأوسط، وخصوصا أنه سبق أن جرى الحديث، قبل سنوات، عن ترتيباتٍ لم يتسنّ تظهيرها وإبرازها للوجود، من نوع " الشرق الأوسط الجديد" و"الشرق الأوسط الكبير" و"الهلال الشيعي" و"الفوضى الخلاقة"، وسواها من طروحاتٍ ومشاريع أراد أصحابها من خلالها أيضاً إعادة ترتيب الشرق الأوسط. تُرى، ألا يعتبر الوضع الحالي للمنطقة، وعلى الرغم من طابعه الفوضوي أكثر فائدة للقوى الخارجية التي تديره، ألا تحمل فكرة إعادة الترتيب مخاطرة لهذه القوى؟

تدل المؤشرات الصادرة عن صراعات المنطقة أن هامش المناورة الذي استفاد منه اللاعبون

"ثمّة تغييرات كبيرة ستطاول هياكل الدول في منطقتنا" الكبار "الإقليميون والدوليون" في الفترة السابقة استنفذ تماماً، إما بسبب إنهاك الوكلاء وعدم مقدرتهم على الاستمرار بممارسة أداء أدوارهم القديمة، أو أن الأمور وصلت إلى مرحلةٍ تتطلب إعلان اللاعبين الكبار توضيح حدود مصالحهم وخطوطهم الحمر والهوامش القابلة للتفاوض والمساومة. وهذا يتطلب كشف خرائط المشاريع الجيوسياسية بوضوح، بما يستلزم ذلك من إعادة ترتيب للفوضى، وضبط للجغرافيا، ولملمة اللاعبين الصغار المتسكّعين على مفارق خرائط الصراع.

وإذ يبدو أن الدولة، الكيانات السياسية، قد نجت، في هذه المرحلة، من مصير التشظي الذي لامسها مراتٍ عديدة، فذلك ليس بسبب قوتها وديناميكيتها، بل لاكتشاف اللاعبين الخارجيين أن ثمّة مهامّ ما زال مطلوبا إنجازها في هذه المرحلة لصالحهم، لكن المؤكّد أن ثمّة تغييرات كبيرة ستطاول هياكل الدول في منطقتنا، ولن يتوقف الأمر عند حد البنى والمؤسسات الإدارية والسياسية، بل سيتعداها إلى البنى الاجتماعية والثقافية.

إلى أين ستفضي هذه الترتيبات، ذلك ما لا أحد يعرفه. الجميع يشارك بطريقة أو أخرى في ورش بناء ترتيبات الشرق الأوسط. الجزء الواضح والمعلن عنه حتى اللحظة طرفان: إيران المطلوب تشذيبها وإعادتها قوّة داخل حدودها وإنهاء مرحلة تفلتها، والتنظيمات واللاعبون من غير الدول بعد انفلاشها بكثافة، وعلى مستوى الإقليم برمته، ذلك أن وجودها بات يهدّد استثمارات اللاعبين الكبار في المنطقة، كما يهدّد خططها وبرامجها المستقبلية.

على أن ذلك لا يعني أن جهاتٍ أخرى قد تنجو من هذا الترتيب، وخصوصا النخب الحاكمة في المنطقة، وحتى الدول نفسها، وإذا كان التركيز، في هذه المرحلة، يقتصر على إيران والمنظمات المختلفة، فلأنه ضرورة للتعاطي مع ملفاتٍ أخرى في مرحلة ثانية. وينطلق ذلك كله من قاعدة أن المنطقة فقدت قرارها وقدرتها على تسيير أمورها، تماماً مثلما فقدت مجتمعاتها القدرة على مواصلة العيش المشترك بدون صيغ وترتيبات جديدة.

==========================

إلى زميلي المسافر ، وقد استبد به الشوق إلى أمه !!

يحيى حاج يحيى

أخي محمد ، أشكرك على عواطفك الصادقة ، كنت أتابع ماتكتبه لأمك حفظها الله ، فأشعر بالدفء والحنان ، وبروعة البر وبهجته ! مع أنني فقدت أمي من زمن طويل ، وحال بيني وبينها أفاعي اللؤم والشؤم في بلدي الجريح ، حتى وافتها المنية ، وأنا في اغترابي الذي يعادل نصف عمري ، فإنني أذكرها في دعائي وصلاتي ( رب اغفر لي ولوالدي ، رب ارحمهما كما ربياني صغيراً ) أغبط كل من له أم وأب يبرهما !

رافقتك السلامة ، وحفظ مصر العزيزة وأهلها ، ولا تنسنا ياأُخي من دعائك !!

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com