العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 25-10-2020


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

سوريا: الدولة المتوحشة

حسين عبد العزيز

سوريا تي في

الثلاثاء 20/10/2020

لا تكمن أهمية كتاب "سوريا: الدولة المتوحشة" للفرنسي ميشيل سورا ـ الصادر عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر 2017 ـ في فضحه سياسة القتل التي اعتمدها نظام حافظ الأسد في زمن لم يكن فيه الإعلام مفتوحا، بل تكمن أهمية الكتاب في أنه وثيقة أنثروبولوجية وتاريخية تفسر الآليات والمبادئ الأولى لتأسيس نظام الأسد وعمله وأساليب حكمه.

النهج الخلدوني

اعتمد سورا على منهج ابن خلدون في تحليل نشأة الدول وانهيارها، ذلك أن الاستيلاء بالقوة على السلطة يتطلب الارتكاز على عصبية قبلية أو دينية ـ طائفية مع حامل أيديولوجي كغطاء لها، وصولا إلى الملك الذي يدوم باستمرار شحن هذه العصبية بشكل دائم.

وهكذا قامت بنية النظام على ثلاثية (العلوية: العصبية، البعث: الأيديولوجيا، الجيش: القوة)، اعتمادا على ثلاثية ابن خلدون (العصبية، الدعوة، المُلك).

يؤكد سورا على أن الجيش ظل المكان المهم لتوظيف العصبية المسيطرة، حيث سعى العلويون في السلطة مبكرا إلى تصفية كثير من ضباط السنة، وبذلك تمت السيطرة للأسد على ولاء القيادات العليا في الجيش، الأمر الذي يتيح لنا فهم عدم إمكانية الانقلاب عليه.

أما الحزب، فقد أصبح رهينة ضعيفة بيد أيديولوجيا الطائفة العلوية وإن كان يغلب عليها أسماء سنية.

لم يعتمد سورا على المنهج الخلدوني فحسب في دراسته للواقع السياسي السوري، بل اعتمد على مناهج البحث العلمي الغربي مثل التكافل الآلي عند دوركهايم، وبعض المفاهيم الغربية كأداة تساعد في عملية التفسير السوسيوسياسي للنظام السوري وآليات عمله.

الكتاب عبارة عن مجموعة من المقالات كتبت

يرى سورا أن الإخوان المسلمين جزء لا يتجزأ من المجتمع السوري، ولذلك رفض سردية حزب البعث بأن انتفاضة الإخوان مرتبطة بأجندة خارجية

في أوقات متفرقة، ثم جمعت ونشرت في كتاب صدر باللغة الفرنسية عام 2012.

يُعتبر سورا ـ اختطف من قبل منظمة الجهاد الإسلامي في بيروت عام 1985 وقتل في العام التالي ـ باحثا جادا، ملتزما بقضايا الديمقراطية والليبرالية ودولة القانون، ومناهضا للأنظمة الاستبدادية.

يغطي الكتاب الوقائع الدموية لإرهاب الدولة ضد الإخوان المسلمين، ويكشف تفاصيل مجازر جسر الشغور وحلب وتدمر، ومجزرة حماة في مطلع أيار/ مايو 1981، والتي وقع ضحيتها بين 200 و500 ضحية رميا بالرصاص أو عبر إعدامات جماعية في الشوارع، ثم مجزرة حماة الكبرى في شباط / فبراير 1982.

يرى سورا أن الإخوان المسلمين جزء لا يتجزأ من المجتمع السوري، ولذلك رفض سردية حزب البعث بأن انتفاضة الإخوان مرتبطة بأجندة خارجية، في وقت رفض فيه سردية الحزب الشيوعي الذي وجد في انتفاضة الإخوان مجرد صراع طبقي وخلاف حول السياسة الخارجية.

يبدأ الفصل الأول بكشف عورة الرؤية الغربية لما حدث في سوريا بين عامي 1979 ـ 1982، تلك الرؤية التي اتخذت موقفا شبه مؤيد أو حيادي لعمليات القتل التي قام بها النظام في حماة، استنادا إلى خوف الغرب من تكرار ظهور نموذج إسلامي في سوريا يشبه النموذج الإيراني من شأنه أن يهدد "الدولة العلمانية".

خلال هذه السنوات اكتشف سورا ميكانيزمات السلطة، وسياسة الجذمور التي اتبعها الأسد، ومصطلح الجذمور الذي استخدم لأول مرة على يد الفيلسوفين الفرنسيين جيل دولوز وفليكس غاتاري، يشير إلى غياب المركز في منظومة العلاقات، فالوسط ليس نقطة بين طرفين ولكنه اتجاه عمودي وحركة اختراقية تأخذ الطرفين في غمارها، وبذلك فالجذمور لا يبدأ ولا ينتهي، فهو موجود دائما في الوسط، بين الأشياء.

وبهذا، يشير مصطلح الجذمور إلى أن تنظيم العلاقات لا يتبع خطا تراتبيا متواصلا مع القاعدة، بل هو يتيح لكل عنصر أن يؤثر ويتأثر بكل عنصر آخر.

قام النظام بهدف مقاومة الحركة الشعبية، بتعبئة المنظمات من أجل وضع المجتمع في إطار بيروقراطي من النقابات والمنظمات الشعبية والاتحادات، وتعبئة القوى السياسية في جبهة واحدة، وتجميع الطائفة العلوية تحت غطاء جمعية طائفية، ثم اختراق العشائر في البادية.

 إرهاب الدولة

 إن أصالة الممارسة السياسية السورية تأتي من أنها ليست علامة على وجود دولة، بل هي في أغلب الأحيان علامة نفي للدولة، لأن العلاقة بين الدولة والمجتمع محكومة بالوحشية والعنف الأعمى، وما لجوء نظام الأسد إلى بناء منظومة شمولية إلا محاولة لإضفاء شرعية أيديولوجية على وجوده.

بعبارة أخرى، تتميز الأنظمة الشمولية مثل النازية والشيوعية بوجود أيديولوجيا تخترق نسيج الدولة والمجتمع معا وتحولهما إلى وحدة عضوية تنشد تحقيق الغاية العميقة للأيديولوجيا المطروحة.

هذا النظام الشمولي بنظر سورا لا يستقيم في الحالة السورية، لأن أساس الانضباط المجتمعي هو العنف وليس الأيديولوجيا، ولذلك يستعين سورا بابن خلدون للتمييز بين السلطة السياسية القائمة على العقل (المُلك السياسي) وبين السلطة الطبيعية القائمة على العنف.

إن الجماعة الحاكمة أو العصابة الحاكمة أو المماليك الجدد، كانت توظف الناس من المستويات كافة: الطائفية، المدينة / الريف، المدني / العسكري، والمستويان الأوليان (الطائفة، الريف / المدينة) يفسران حالة العنف الممنهجة ضد حماة في ثمانينيات القرن الماضي، الطائفة السنية المهيمنة مقابل الطائفة العلوية المستبعدة، المدينة الحاكمة مقابل الريف المهمش.

تؤدي الطائفة العلوية دور خط الدفاع والحماية الأول بين الطبقة المسيطرة والمجتمع، فمنذ استيلاء حافظ الأسد على السلطة، وهو يخصص كل سياسته لربط مصير الطائفة بمستقبله الشخصي.

 السكان والدولة والمجتمع

 عمل نظام حافظ الأسد على تخريب بنية المجتمع السوري، من خلال ترسيخ التباينات العامودية بين بنى المجتمع سواء على صعيد الطوائف أو على صعيد العلاقة بين الريف والمدينة، الأمر الذي أوقف صيرورة المجتمع نحو المواطنة واستعاض عنها بنكوص مجتمعي نحو الهويات الفرعية، فالبنى الريفية والبدوية ظلت قائمة، وما حصل هو ترييف المدن وليس انتقال الريف إلى التمدن، وأن البداوة انتهت كوظيفة على الأرض لكنها مستمرة كشبكة علاقات وولاء.

ويرى سورا أن استيلاء البعث على السلطة، وبالأحرى على الجيش، واقتلاع الفلاحين منه، كان بمثابة ثأر الأرياف التي استولت على المدن لتنزع منها امتيازاتها وإنهاء التقليد الخاص بمشكلات الاستغلال، وكان من نتيجة ذلك، أن ترييف المدن أصبح من السمات الأساسية لسوريا.

ثم جاء تطبيق الاشتراكية ليقضي تماما على ما تبقى من اقتصاد المدينة، لأن إلغاء الاشتراكية يعني تحويل كل الامتيازات السياسية والمالية والصناعية والتجارية إلى المدن، وتحديدا إلى المجتمع السني، وباختصار، تتيح الاشتراكية للنظام العلوي إفقار المدن بإعادة مستوى معيشتهم إلى القرويين.

يتابع سورا في الفصل الحادي عشر الذي حمل عنوان "الطبقة السياسية التقليدية أو المجتمع المفقود"، سلوك البعث في تدمير النظام السياسي التقليدي وانعكاساته على الصعيد الاجتماعي.

لم تكن سوريا سوى تعبير جغرافي، لم تشكل كيانا قوميا في ذاته، فتنوع المجتمع وتذرره يتجاوز عناصر التماسك التي يتطلبها الكيان القومي.

بعد الاستقلال، كانت إحدى مهام الدولة الفتية هي الحد من نظام التمثيل الطائفي، لكن التخلي عن النظام الطائفي استبدل بهيمنة طائفة الأغلبية، وليس كعلمنة حقيقية للحياة السياسية والاجتماعية.

ولم تتمكن النخب السنية الحاكمة من تصور برنامج سياسي قومي يتجاوز آفاق الإقطاعية، وفي حين كان الإقطاع السياسي يستمد موارده من الأرض، كان القادمون الجدد (ضباط في الجيش الفرنسي) وأساتذة جامعات ومحامون يملؤون المجتمع المدني.

وبعد وصول هؤلاء الضباط إلى الحكم، عمدوا إلى إعادة تشكيل المجتمع بحيث يصبح من المستحيل العودة إلى الواقع القديم، لكن نظام البعث فشل بعد خمس عشرة سنة من وصوله إلى السلطة في إنشاء سوريا جديدة، ذلك أن قضم المجتمع المدني لم يحصل على مستوى الانتماءات التقليدية، بل على مستوى التعبير السياسي والعقائدي لهذا المجتمع.

يعود التناقض الأساس للنظام إلى أن الدولة ليست محايدة اقتصاديا، من حيث الإنتاج وضبط الفائض وتوزيعه، وهذا النظام لا يمثل الامتداد البسيط للبنية الفوقية لطبقة مسيطرة على مستوى علاقات الإنتاج، بل يؤدي على العكس، دورا حاسما في عملية خلق الطبقات المسيطرة اقتصاديا انطلاقا من النخبة السياسية الحاكمة الجديدة، وهو تناقض، لأنه يوجد بذلك خطرا دائما يتمثل في انزلاق النظام نحو استفحال التناقضات الطبقية، وتطور ملازم للوجدان المعارض.

=========================

موقفنا : متضامن مع كل مظلوم

زهير سالم

مركز الشرق العربي

20 / 10 / 2020

متضامن مع كل سوري مظلوم مذلول مقهور ..

متضامن مع المظلومين تحت كل العناوين والرايات

متضامن مع المعتقلين في ظلمات الزنازين ..

متضامن مع المشردين في زوايا الخيام ..

متضامن مع المهجرين كيفما تصرفوا نبذوا ..

متضامن الجياع المقهورين على أبواب الأفران ترهقهم الذلة ..

متضامن مع إحداهن تقول : يصل أحدهم فيدخل من باب الفرن العريض ، فيملأ سيارته بالخبز ويخرج .. وأنا هنا منذ ثلاث ساعات من أجل ربطة خبز أطعم منها الصغار ..!!

متضامن مع الآخر يقول : ما دفعته للمواصلات أكثر من ثمن الخبز ، كل الأفران في منطقتنا مغلقة ... وأنا هنا منذ ساعتين !! وأقول له : وجدت فدفعت ، فكيف يفعل من لم يجد ..لا للخبز ..ولا للمواصلات ..

متضامن معهم كلهم ، متضامن مع ثالث : يخفي رأسه بين الرؤوس ويقول يكفي ذل وقهر وجوع ..!!

لا تقولوا هذا نتاج الثورة ، ولا تقولوا هذا من مخرجات الثورة ..ولا تقولوا هذا نتيجة الخنوع ، لا يقل لنا أحدهم هذا نتيجة تهوركم وقد حذركم الشيخ سعيد ، ولا تقولوا له هذا نتيجة خنوعكم وقد دعوناكم للثورة فأبيتم ..لا تقولوا هذا ولا ذاك ، بل اجعلوها لحظة للنتضامن جميعا في وجه الظالم من جديد .. ونحن في كل يوم بحاجة إلى صنع ميثاق للثورة جديد ..يضم فريقا ، ويستلحق بركبها آخرين ..

هذا الذي جرى ويجري وسيجري جزء من الاستراتيجية الحياتية المقررة للشعب السوري .. على مستوى التواطئ الدولي منذ قرن من الزمان ...

شعب يجب أن يقتّل ويصلّب ويعذّب .. ويشرّد ..ويظلم .. ويقهر .. ويجوّع حتى ...

هذا ما جاءت تؤكده يوما مادلين أولبرايت على الولد خيفة تقصير أبيه !! أتذكرون ؟! أتذكرون جوابها وقد سئلت : إن الرئيس بشار يعلم ما يجب عليه أن يفعل ..وقد فعل .

 ثم هذا ما جاء يضع لمساته منذ أيام المندوب الأمريكي " كاش باتيل " في زيارته الأخيرة ووصيته : حتى لو توقفتم عن القتل ، وعن التهجير ، وعن القصف بالبراميل ؛ فلا تتوقفوا عن التحريق والتجويع ...

مأساة عشنا مثلها على مدى نصف قرن ..

كنت في 1973 - 1974 في دمشق ..

وكان الدور على الأفران طاحنا . وكان القانون الجنتلمان المعمول به : طالب الأربع مرقدات لا يقف على الدور ... ومع أنني كنت في الخدمة العامة فكنا لا ينقذنا من هذه الورطة إلا ذلك القانون ..

ثم عشت الأزمة بعد في حلب ، كنت أصلي الصبح في المسجد ، وأمر على الفرن فإذا الدور طابور ، ويأتي إلى باب الفرن قبل الصلاة ، بعض الذين لا يصلون . ويصل صاحب اللاندروفر ، وكلنا يعرف من هو ، ويلوح على خلفيته الثورية الذي نعرف .. ، فيطلب من بعيد وبصوته الجهوري خمسة عشر كيلو ... أو عشرين ويملأ سيارته ويمضي ..ثم يصل ثان وثالث ...

والحكيم الذي يحشم نفسه ..

يدعو بعضهم منذ أيام إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه ، ومهمة المندوب الأمريكي الذي وصل إلى دمشق التوافق على تدمير ما بقي مما لم يتم تدميره ..

وأعود فأقول أنا متضامن مع كل سوري مظلوم مقهور مذلول ..ولست متضامنا مع الظالمين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون ، لست متضامنا مع الذين يذلون الناس . أينما كانت مواقعهم في الجغرافيا والديمغرافيا ...

لست متضامنا مع الذي يملأ سيارته بالبنزين أو بالخبز فوق رؤوس الناس ويمضي ..

. قرأت هذا الصباح سؤالا لبعضهم : هؤلاء الذين يعملون أدوات للنظام ، أليسوا يقبضون رواتبهم بالعملة السورية نفسها ، وتذكرت حكاية من الصف الثالث الابتدائي ، ذلك الذي ذهب إلى السوق ليشتري لنفسه حذاء ، ثم تذكر أنه نسي القياس مع الصبي ..

يا له من ذكي ؟!!!

__________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

إنقاذ سوريا والسوريين ليس مِنَّةً

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 19/10/2020

لا أدري إذا كان هناك بلد يشبه سوريا الطبيعية على كوكبنا. هي دُرَّة ما أُطلِقَ عليه اسم "الحزام الحي" على كوكب الأرض؛ حيث كل بضعة ألف عام- ولعوامل مناخية- كانت الحياة تنحسر أو تتوقف في قسمي الكرة الأرضية الشمالي والجنوبي بسبب الجليد؛ ولكن ذلك الحزام بقي واستمر كذاكرة ومعمل ومسكن وحركة وبقاء للنوع البشري، وخاصة في درّته.

عام 333 قبل الميلاد، عندما دخلها الإسكندر المقدوني، وخيّم عسكره الجرار في محيط أنطاكية السورية، وشرب من ماء نبع قريب؛ أطلق عبارة شهيرة بأن ماء ذلك النبع يذكّره بحليب أمه عندما كان رضيعا، وأن سوريا هي وطنه الثاني. ومن هنا ربما أتت عبارة "شارل فيرلو" قارئ النصوص المسمارية الأوغاريتية، ومكتشف مملكة ماري على الفرات السوري؛ حيث يقول: "لكل إنسان متحضر في هذا العالم وطنان؛ وطنه الأصلي، وسوريا".

هذا الوطن اخترع الدولاب منذ أكثر من خمسة آلاف عام، فحرّك الحياة؛ فكان التنقل والحركة، والإعمار، والاستقرار؛ ثم أتى اختراع المسنن مستنداً إلى مبدأ الدولاب؛ فرأينا الآلة. وتعمّق إنسان هذا المكان في التجريد، فأوجد "الصفر" كقيمة عددية عدمية، ليكون كل ما نشهده اليوم في عالم التقانات. وتطول قائمة ابداعات هذه الدرة في الطب والزراعة والموسيقا والقانون واللغة وعلم الاجتماع.

هذا الوطن العظيم، درة الحزام الحي، يكاد أن يلفظ أنفاسه الأخيرة الآن، ليس بفعل خارجي- كما جرت العادة تاريخياً- بل بفعل داخلي، ولمدة نصف قرن مستمر. قبل النصف قرن هذا، كان اقتطاع جنوبه الغربي انتقاماً من درة الحزام الحي، سوريا، وحلاً لعقدة غربية مع اليهود؛ فكان إنشاء الكيان الصهيوني، الذي صُمِّمَ وكأنه لإلغاء ذلك المركز العبقري.

تقاسمه المنتصرون في الحرب العالمية الأولى: الإنكليز وضعوا اليد على جزئه الجنوبي تهيئة لقيام الكيان الإسرائيلي، والفرنسيون وضعوا اليد عليه. وما خرجوا إلا بعد أن قطّعوا أوصاله من الموصل إلى كيليكيا وإسكندرون وفلسطين ولبنان والأردن، وأبقوا منه ١٨٥ ألف كم مربع، بتروا منها جولانه عام سبعة وستين من القرن الماضي. وأخطر

كان أمام سلطة الخمسين سنة الماضية مهمة تتمثل بتخريب المنظومة الذهنية والنفسية والأخلاقية لإنسان هذه الجغرافيا

ما عملوا به أنهم منذ خروجهم جعلوه ينام على انقلاب ليصحو على آخر، إلى أن تم توقيع بروتوكول مديد مع مخلوق اسمه حافظ الأسد، أراد تحويل الدرة إلى ملكية خاصة أبدية بمباركة منهم.

لا يكمن سر هذا المكان بالأرض فقط بل بإنسانه، الذي كان لا بد من كسره كي تتحلحل العُقَد، وتكون الهيمنة. ومن هنا، كان أمام سلطة الخمسين سنة الماضية مهمة تتمثل بتخريب المنظومة الذهنية والنفسية والأخلاقية لإنسان هذه الجغرافيا. فكان التجهيل والإفقار والإفساد والتصغير والإذلال وبث الكذب والكراهية والمذهبية. فبينما بنى أهل البلاد حياتهم على العيش والتعايش والتحمل والصبر مع هذه السلطة، بنت هي استراتيجيتها على المواجهة والإلغاء والعدمية ومبدأ "الكل أو لا شيء". ومن هنا رأيناها، عندما انتفض الشعب طلباً لجرعة من أكسجين الحرية والإصلاح، واجههم بالحديد والنار، وأطلق شعارات مثل "أحكمها أو أدمرها" و"الأسد أو نحرق البلد".

شعاراته تلك ونهجه التنفيذي راقت لذوي العُقَد، وخاصة للكيان الصهيوني، الذي أراحه نظام الأسد لكل تلك السنوات، فانسجم مع ذلك التوجه بأن يستمر النظام، أو أن تتحول سوريا إلى حالة كسيحة، لا تقوم لها قائمة؛ وكان الدعم والتدخل الخارجي، وكان تلظي الطغمة الحاكمة بـ "المؤامرة الكونية" والاستمرار بالقتل والاعتقال والتشريد والتدمير؛ لتتحول هذه الدرة بإنسانها إلى هذه الحالة الكسيحة التي نشهدها.

مَن يساهم في البناء الخيّر للحضارة البشرية لا يكره، ولا يدمّر. وهذا السوري ليس ضد اليهود، بل ضد الاستعمار وضد من يغتصب حقه وأرضه. هذه المنظومة الاستبدادية الخبيثة حقنته بكره تجاه اليهود، وجعلت شعار "المقاومة والممانعة" مقدساً؛ وها هو حليفه حزب الله بطريقه إلى التطبيع مع اسرائيل تمهيداً له لاتخاذ الخطوة ذاتها كي تحميه إسرائيل من شعبه.

لقد مرَّ على هذا الإنسان السوري غزاة من التتر والمغول، وتجاوز تلك المحن، وأعاد بلده إلى الحياة؛ لكن هذا النوع من الغزو الداخلي والخارجي تجاوز كل تلك الأنواع في الوحشية والخبث والدهاء والدموية. لقد عانى لأربعين عاماً، وتضاعفت معاناته مرات في العشرة سنوات الماضية؛ حيث نال القتل والدمار والتشريد والاقتلاع من الجانب الحسي فيه، ودمّر الظلم والقهر والإذلال والتخوين والتشويه كيانه وبنيانه النفسي والأخلاقي، وحتى المعرفي، بحيث تختلط كل القيم والمعارف والمسلمات لديه. لقد ذاق السوريون كل الأصناف السابقة خلال العقود الماضية؛ ولهذا ثاروا؛ ولذلك سينتصرون في رفع الحيف عن أجسادهم وأرواحهم وعقولهم. إنه قانون الطبيعة؛ وقانون الخالق أيضاً.

رغم سواد حالة الإحباط، إلا أن مجرد انتفاضة هذا السوري على عقود من التسلُّط والاستبداد والفساد والإفساد، دليل قاطع على أنه إنسان حيّ، يحتاج لدعم إقليمي ودولي وعربي خاصة. ولا منة لأحد في ذلك؛ فهو قد سلّف البشرية كثيراً وساهم بحضارتها؛ وهذا وفاء لدين له في عنق تلك الحضارة. فالحفاظ عليه وإنقاذه ليس حماية له فقط، بل إنقاذٌ لجزء مهم من الذاكرة الإنسانية الحضارية.

=========================

سوريا والانتخابات الأميركية..آمال معلقة

بشير البكر

سوريا تي في

الاحد  18/10/2020

يفصلنا عن الانتخابات الأميركية قرابة أسبوعين. ومثل بقية شعوب الأرض يتابع السوريون هذا الحدث الكبير، بل إن انشغالهم به يفوق باقي المهتمين الأجانب، نظرا للتأثيرات المرتقبة على المسألة السورية التي يبقى حلها رهن اتفاق واشنطن وموسكو قبل كل شيء. ولا عتب إذا بدأ السوريون يحسبون ويخمنون ويضعون السيناريوهات المحتملة في حال فوز أحد المرشحين، الرئيس الحالي دونالد ترامب ومنافسه جو بايدن نائب الرئيس السابق باراك أوباما. ومن دون شك لا يمكن بناء سيناريو صالح من دون أن يتم الأخذ بكل العناصر والمعطيات.

يبقى أهم ما في رصيد ترامب وصفه الشهير لبشار الأسد ب"الحيوان" بعد ارتكاب النظام مجزرة دوما في 7 إبريل/نيسان 2018، وقال الرئيس الأميركي في تغريدة إن "الرئيس الروسي، فلاديميربوتين، وروسيا وإيران يتحملون المسؤولية عن دعم الحيوان الأسد، والثمن سيكون باهظا". وفي تغريدة أخرى، هاجم ترامب سلفه باراك أوباما، وقال: لو أنه التزم بالخطوط الحمراء التي خطها على الرمال لانتهت الكارثة السورية منذ فترة طويلة.. الأسد الحيوان سيصبح شيئا من التاريخ". وتأتي ذروة مواقف ترامب في كتاب بوب وود ورد "خوف"، والذي يكشف أن ترامب طلب من وزير الدفاع السابق جيمس ماتيس اغتيال الأسد بعد الهجوم الكيمياوي على بلدة خان شيخون عام 2017. ونقل الكاتب عن ترامب مخاطبته لماتيس "دعنا نقتله، لنذهب إلى هناك ونقتله حيث هو، دعنا نقتل عددا كبيرا منهم"، فرد ماتيس على ترامب بالموافقة على طلبه، لكن بعد انتهاء المقابلة مع الرئيس أكد الوزير لأحد مساعديه أنه لن ينفذ شيئا مما طلبه ترامب.

أما في ما يخص بايدن فإن السوريين يحملون الكثير من الذكريات السيئة عن المرحلة التي كان فيها نائبا لأوباما الذي لا يختلف سوريان على أنه أحد الذين يتحملون قسطا كبيرا من مسؤولية المأساة التي حلت بالشعب السوري، والتي بدأت بخديعة أوباما وانتهت بالخيانة والتخلي. وتكمن الخديعة في إعطاء السوريين أملا زائفا في عامي 2011 و2012، فهو رفع السقف حين دعا لأول مرة الأسد للتنحي ومغادرة السلطة، كما أعلنت الإدارة الأميركية اتخاذ إجراءات عقابية جديدة ضد النظام، وكان ذلك في 18 آب 2011. واستمر الحال هكذا حتى تراجع أوباما عن الخط الأحمر حين ارتكب الأسد مجزرة الكيماوي في الغوطة الشرقية في 21 آب 2013.

 هناك من يعول على ترامب بأن ينفذ قراره باغتيال الأسد قبل الانتخابات، وبذلك يحدث انقلابا كليا في المشهد، وينقل العملية الانتخابية إلى مستوى آخر، وإذا لم يحصل ذلك في هذا الوقت، فإن احتمال حصول تغييرات أساسية في موقف ترامب مقارنة بموقفه الراهن لا يبدو كبيرا. ويرى خبراء السياسة الأميركية أن السقف الذي وضعه ترامب للتعامل مع النظام لن يتم التراجع عنه في حال فوزه بولاية ثانية، وخصوصا قانون قيصر الذي بدأ يفعل فعله في حصار النظام وداعميه.

 وفي ما يخص بايدن هناك من يأمل من السوريين أن يكون قد درس جيدا الآثار التي ترتبت على موقف أوباما من القضية السورية وانعكاساتها السلبية على العالم، وأن يكون مستعدا لإحداث تغيير جذري من منطلق أن ذلك يحسب له ويضعه في مصافّ الزعماء التاريخيين لأنه قدم حلا لواحدة من أعقد وأخطر أزمات العالم. ولكن هذا ليس أكثر من أماني وتخمينات بالنظر إلى الدرك المأساوي الذي بلغته المأساة السورية، والتي لا أفق لحلها من دون تحرك أميركي جاد يوفر ضغطا على روسيا بوصفها راعية نظام الأسد. وتناول خبراء أميركيون هذه النقطة في الأيام الأخيرة في معرض استشراف سياسات بايدن تجاه الشرق الأوسط، وسوريا تحديدا، وهناك شبه إجماع على عدم حصول تغيرات كبيرة على السياسات التي أرساها أوباما، مع الأخذ في عين الاعتبار بأن الشخصيات الأساسية في فريق بايدن ترى بأن الحل في سوريا يتطلب تعاونا مع روسيا لإخراج الأسد من السلطة، ولكن هذا يترتب عليه إشراك تركيا، في الوقت الذي يسود فيه الاعتقاد بأن العلاقة بين بايدن وأنقرة لن تكون على ما يرام. وفي جميع الأحوال لا يمكن تجاوز مسألة مهمة، سوف تبقى معلقة وهي مسألة إعادة الإعمار، ولا يتوقع الخبراء أن تقدما كبيرا في السياسة الأميركية سيحصل تجاهها بوجود الأسد سواء فاز أوباما أو بايدن.

والرهان الأكبر يبقى على مسألة حقوق الإنسان التي يوليها الجناح اليساري في الحزب الديموقراطي اهتماما كبيرا، وثمة تسريبات في الصحافة الأميركية تتحدث بأن يقدم بايدن تنازلات في هذا الميدان، ولكن المسألة ستبقى مرهونة بالسيطرة على المؤسسة التشريعية. وفي حال مالت الكفة لصالح الديموقراطيين ستكون لبايدن حرية تصرف كبيرة، وخصوصا في ما يتعلق بالعلاقة مع إيران، ولكن ليس إلى حد العودة إلى العلاقات المتميزة في أثناء حكم أوباما، أي إن التفاوض على الاتفاق النووي سوف يكون مطروحا من جديد، بحيث يشمل التزام إيران باحترام الأمن الإقليمي بما في ذلك تدخلها في سوريا.

=========================

مستقبل الجنوب السوري بعد اغتيال أدهم الكراد ورفاقه

منهل باريش

القدس العربي

الاحد  18/10/2020

اغتيال الكراد ورفاقه، سيؤدي في نهاية الأمر إلى ارتفاع وتيرة الاغتيالات وسيتحول الريف الغربي ومدينة درعا إلى منطقة منفلتة أمنيا.

دخلت محافظة درعا جنوب البلاد في حالة ارتباك شديد مع مقتل أدهم الكراد الذي شغل قيادة فوج الهندسة والصواريخ في الجبهة الجنوبية وأحمد المحاميد قائد لواء أحفاد الرسول وعدد من القادة العسكريين. وتعرض القادة إلى كمين محكم في مناطق سيطرة النظام، وهم عزل من السلاح.

وأكدت مصادر عسكرية مقربة من الكراد صحة ذهاب القادة القتلى إلى دمشق للاجتماع بضباط من النظام من أجل المطالبة بتسليم جثامين 33 عنصرا من فصائل الجيش الحر في درعا، قتلوا في هجوم على كتيبة الدفاع الجوي “الكتيبة المهجورة” في تشرين الأول/اكتوبر 2016. وتطل الكتيبة على طريق درعا- دمشق وتبعد عنه نحو 2.5 كم من الجهة الغربية وترصد من الجهة الغربية أيضا بلدتي ابطع وداعل، وشكلت الجدار الفاصل بين البلدتين والطريق، وحالت دون قطع الطريق وفصل مدينة درعا عن دمشق.

ويغلب الظن أن الكراد استدرج من قبل قائد فرع الأمن العسكري في المنطقة الجنوبية، العميد لؤي العلي، المتحكم والمشرف على الوضع الأمني بكل تفاصيله بجنوب سوريا.

ويعتبر الكراد أحد أبرز قادة اللجنة المركزية التي فاوضت الروس في تموز/يوليو 2018 وتوصلت إلى اتفاق التسوية، واشتهر الكراد بعبارة “تسقط موسكو ولا تسقط درعا” التي ترافقت مع الهجوم على درعا وجلسات المفاوضات مع اللواء الكسندر سلوفيتش في بلدة بصرى الشام شرق درعا.

ويمثل أدهم الكراد الخط الذي فضل البقاء في درعا ورفض الخيارين اللذين قدمتهما موسكو وهما، الانضمام للفيلق الخامس الذي شكلوه مؤخراً، أو التوجه إلى ادلب. حيث حاولت اللجنة المركزية للتسوية محاولة اللعب على الضمانة الروسية من أجل تخفيف الخسائر وامتصاص غضب النظام، واستيعاب الحالة النفسية المحطمة لنحو 20 ألف مقاتل بقيوا في المنطقة ورفضوا الانضمام إلى الفيلق الخامس تحت إشراف قائد فرقة شباب السنة وعضو الهيئة العليا للمفاوضات، أحمد العودة والذي تربطه بنائب رئيس الهيئة العليا السابق خالد محاميد علاقة مصاهرة. وقدم الأخير استقالته بعد أن قدمت الكتلة العسكرية في هيئة التفاوض طلبا للتصويت على عزل المحاميد بسبب دوره في “تسليم الجنوب” واتفاق المصالحة، ما أغضب المحاميد ودفعه لتقديم استقالته.

وقال رئيس دار العدل السابق في حوران، عصمت العبسي إن ما جرى “جزء من الصراع اليومي والتدافع بين الثوار والنظام من جهة وبين صراع المشروعين الروسي والإيراني”. وأشار العبسي في تصريح لـ “القدس العربي” أن الصراع الحالي “في أعتى مراحله، لكن الاغتيال ورغم قسوته وحجم خسارته لن يشكل انعطافة كبيرة للسياق اليومي الحاصل، فالاغتيالات بين الأطراف يومية ومستمرة”.

ودعا أبناء المنطقة الجنوبية إلى تظاهرات حملت أسماء “جمعة أدهم الكراد” خرجت في عدة مناطق في ريف درعا الغربي، رفع خلالها الشبان علم الثورة السورية وهتفوا ضد النظام السوري.

إن اغتيال الكراد ورفاقه، ورغم التوقعات بعدم انعكاسه على الواقع الميداني في درعا، سيؤدي في نهاية الأمر إلى ارتفاع وتيرة الاغتيالات وسيتحول الريف الغربي ومدينة درعا إلى منطقة منفلتة أمنيا. وسيقوم حزب الله والمخابرات السورية بمحاولة استهداف قادة اللجان المركزية وممثليها في كل مدن وبلدات حوران، وسترد الفصائل المسلحة بعمليات اغتيال لقادة وضباط في جيش النظام وأجهزته الأمنية، وهو ما سيرجح تحول تحرك النظام من مستوى الاغتيالات والاعتقالات إلى اللجوء إلى عمليات عسكرية كبرى يقوم من خلالها باقتحام المدن وفرض شروطه على الفصائل التي عارضت التسوية بشكلها النهائي ورفضت تسليم سلاحها.

من جهة أخرى، سيكون أحمد العودة قائد اللواء الثامن في الفيلق الخامس المدعوم روسيا أكثر المستفيدين من الفلتان الأمني في غرب درعا، حيث سيتوجه إليه عدد كبير من العناصر الذين يعتقدون أنهم أصبحوا بلا ظهر يحميهم مع اغتيال الكراد، أو بسبب الاعتقاد بأن مشروع اللجنة المركزية للتسوية قد انهزم وان الحل هو بالالتحاق بالفيلق الثامن، فهو على الأقل محمي روسيا وسيوفر لهم غطاء أمنيا يمنع النظام من اعتقالهم.

واستطلعت “القدس العربي” عددا من قادة فصائل الجبهة الجنوبية المهجرين في إدلب أو اللاجئين في عمان، وفضلوا عدم ذكر أسمائهم أو ربطهم بما يحدث على الأرض بسبب خصوصيته وحساسيته معا تاركين الأمر لأصحابه الذين يتنازعون مع النظام ويحاولون الخروج من المأزق الكبير. ويرى أغلب القادة أن اغتيال “أبو قصي الكراد” لن يغير في مجريات الأمور على الأرض. فالمؤمنون بمشروع البقاء في درعا لن يجبرهم اغتيال أحد على التخلي عنه، رغم “الكاريزما التي امتلكها الكراد” حسب ما قال أحد القادة المقيمين في إسطنبول.

وتشير مصادر “القدس العربي” إلى حركة نزوح لمقاتلين ونشطاء سابقين مع عوائلهم من درعا باتجاه الشمال السوري، وأن تكاليف الرحلة أصبحت باهظة للغاية. حيث يدفع المطلوبون أمنيا مبلغ 3 آلاف دولار أمريكي للوصول من درعا إلى مناطق درع الفرات، عبر مناطق سيطرة النظام السوري  وبواسطة شبكات تهريب متعاونة مع النظام وحواجزه. فمصلحة النظام هي تفريغ محافظة درعا من المعترضين على التسوية والمصالحة، وفي نفس الوقت يعتبر خط التهريب أحد المداخيل الاقتصادية الكبيرة للنظام وتغذيه بالعملة الصعبة أيضا.

على المقلب الآخر، فان ما يحصل في ريف درعا الغربي والقنيطرة يعد خرقا للالتزامات الروسية أمام إسرائيل بما يتعلق بالشرط الإسرائيلي بإبعاد إيران مسافة 30كم عن الحدود والالتزام الروسي بذلك. فاستمرار الاغتيالات وتنصل الروس من مسؤولياتهم المتعلقة بالاتفاق، ستؤدي إلى مزيد من التغول لإيران وحزب الله قرب الحدود السورية مع الاحتلال الإسرائيلي، وسيؤدي مع الوقت إلى اختراق إيران للقاعدة الشعبية المناهضة لها أساسا، فالعمل مع إيران وحزب الله أصبح وسيلة أيضا للهروب من النظام في المناطق التي لا تتواجد بها روسيا.

ويتعين على الروس البحث عن حل أفضل لفصائل اللجنة المركزية التي رفضت الانضمام إلى الفيلق الخامس بقيادة العودة، الوكيل الحصري لهم في الجنوب. وربما يكون الاعتماد عليهم كقوة محلية دون إشراكهم في القتال على جبهات الشمال أحد المخارج التي تعيد موسكو إلى الالتزام باتفاق التسوية في الجنوب.

=========================

السلام مقابل الكرسي

فاطمة ياسين

العربي الجديد

الاحد  18/10/2020

في يوم زيارة أنور السادات إلى القدس قبل 42 عاما، وفي لحظة هبوط طائرته في تل أبيب، قطع التلفزيون السوري الرسمي مسلسل الغرب الأميركي الذي كان يُعرض، وخرج المذيع الرئيسي للأخبار، رجا فرزلي، ليعلق على الزيارة. قال من سمع التعليق إنه كان وصلة شتائم مطولة لشخص الرئيس المصري الذي انخرط آنذاك في خطةٍ اعتبرها كثيرون متهورة أو مجانية، بهبوطه في مطار بن غوريون ولقائه أعداء الأمس بشكل مباشر، والتحدّث علنا عن السلام، بينما أراض عربية كثيرة ما زالت تحت الاحتلال. وجاء قطع البث التلفزيوني السوري للتأكيد على فداحة الحدث الذي وُصِف بخيانة القضية العربية، وبدأ حافظ الأسد بعد ذلك خطوات سياسية ضد السادات، فتوجّه إلى مصالحة الفرع العراقي من حزب البعث، ليبدآ مرحلة قصيرة من العلاقات السعيدة، انتهت بمذبحة حزبية في قاعة الخلد العراقية، وإلى مزيد من التباعد العراقي السوري والانكفاء الداخلي. ومرت زيارة السادات إلى القدس، وبعدها مرت اتفاقات كامب ديفيد، ومر الكثير لاحقا من دون أن يقطع التلفزيون السوري برامجه مرة ثانية.

تبدو كلمة الممانعة مصطلحا مراوغا، ففي الأصل تم اشتقاقها من مقولةٍ راجت كثيرا في الشرق الأوسط على خلفية العداء العربي الإسرائيلي، لا حرب من دون مصر ولا سلام من دون سورية، وحين تبدّدت الآمال بالحرب بخروج مصر بعد زيارة السادات، بقي الشق الثاني الذي يفيد بأنه لن يتحقق السلام، فسورية تمانعه من دون أن تحصل على ما تريد، وهنا عانت السياسة من صداع مزعج مع عدم معرفة ما يريده حافظ الأسد. بعد زيارة السادات ثم حرب الخليج، عُقِد مؤتمر مدريد وتبعته اتفاقية إعلان المبادئ (أوسلو) بين منظمة التحرير وإسرائيل، واتفاقية وادي عربة بين إسرائيل والأردن على التوالي، وبقي حافظ الأسد قابضا على اللغز السوري، إلى أن عقدت المحادثات المباشرة السورية الإسرائيلية، وكان حينها إسحق رابين نجم "السلام" المتألق، ولكنه قضى مقتولا بيد متطرّف، وظلت المحادثات السورية الإسرائيلية فاترة، بدّد فيها حافظ الأسد عشر سنوات قبل أن يموت، من دون أن يعرف أحد سر لقائه الفاشل مع الرئيس الأميركي آنذاك بيل كلينتون.

بعد رحيل الأب وتوريث ابنه السلطة، تبين أن هناك حنينا لتركة رابين، فطفا على السطح ما يعرف بوديعة رابين، ولكن رابين كان قد قتل وسطع نجم بنيامين نتنياهو الذي أبدى عدم معرفته برابين نفسه، فضلا عن وديعته. وراوح كل شيء في مكانه، بينما الإعلام يلوك اسم الجولان وشواطئ طبريا والمناطق المعزولة، من دون أن تتحرك الحدود ملمترا واحدا، ومن دون أن يتحرّك النظام السوري بوريثه الجديد في تحسين نفسه شعرة واحدة، بل ازدادت سطوة الأمن والغرق المذهبي ونفوذ إيران. وفي هذا المناخ، نضجت مفردة الممانعة التي استثمر فيها النظام وحلفاؤه طوال العقد الأول من القرن الأخير، وبرزت بوقاحة فجة خلال الحروب التي أعقبت الربيع العربي.

تقفز إلى السطح الآن نظريات وتكهنات عن استعداد بشار الأسد "للسلام"، بعد تسابق دول عربية لتوقيع معاهدات الغزل مع إسرائيل. الشكل الخارجي لهذا الافتراض مطمئن لبشار، ويمكن أن يعتبر ضمانة وصيانة إضافية لحكمه فترة مقبلة، ولكنها قراءة متسرّعة، فالموقف الحالي في صالح اسرائيل، ويرسّخ القوانين الجديدة التي تبنتها بخصوص الأراضي السورية المحتلة وضم الجولان، وستجعل زيادة مدة الحرب السورية من هذه القوانين حقيقة راسخة. وكما كان الأسد الأب يميع الوقت ويضيعه، ويناور ويتاجر لتبقى شعاراته صالحةً للعمل، فإن الجانب الإسرائيلي الذي درس السيكولوجيا العربية وفهمها جيدا منذ محادثات الهدنة في صيف 1949، فهم استراتيجية الأسد الأب، وجاراه كل تلك المدة، لصالح الحفاظ على جبهة سورية صامتة. أما فيما يخص بشار، فإسرائيل تدرك أنه بطة مشلولة، والتوقيع مع شبه جثة أمر لا يمكن لقيادة إسرائيلية أن تُقدم عليه.

=========================

وما الحاجة للمفاوضات بين سوريا وإسرائيل؟

أكرم البني 

الشرق الاوسط

السبت 17/10/2020

في أمسية من أمسيات خريف 2011 وصل لأسماعنا صوت رصاص يطلق بكثافة في الهواء بما يشبه الاحتفال... كنا قد اعتدنا الاجتماع، بوصفنا مجموعة من المثقفين والسياسيين المعارضين، للتداول حول تطورات الحراك السلمي السوري واندفاعات النظام العدوانية للنيل من عزيمة المتظاهرين العزل... كان اللقاء في بيت يقع على مشارف حي ضاحية قدسيا، حيث تحاذيه أحياء عدة يسكنها كوادر وضباط السلطة من الأمنيين والعسكريين. لوهلة؛ بدا الأمر غريباً ومقلقاً، وساورتنا الشكوك بأن ثمة حدثاً جللاً قد وقع... لملمنا أوراقنا بسرعة وغادرنا المنطقة... كانت المفاجأة حين تقصينا سبب إطلاق ذاك الرصاص، أنه توجيه من السلطة للاحتفاء بوصول رسالة تطمينية من قادة إسرائيل بأنهم لا يزالون على عهدهم بتفضيل النظام القائم على ما عداه، ورفض إسقاطه أو تغييره!

قبل ذلك بعقود؛ عندما سألنا أحد زعماء «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»: لماذا لا تستثمرون حدود الجولان المحتل للقيام بعمليات فدائية ضد إسرائيل؟ جاء جوابه سريعاً وصريحاً، بأنه يمكن، ربما، لمرة واحدة، اختراق الرقابة الشديدة التي تفرضها القوات السورية هناك، لكن بعدها لن يتهاون نظام البعث في تشديد رقابته والنيل بقسوة ممن ينتهك ثوابته وحرمة حدوده مع إسرائيل، كما الفتك برفاقنا وكوادرنا حيث نوجد في سوريا ولبنان والأردن، ليقطع الطريق على كل من يفكر، ولو مجرد تفكير، في التسلل عبر الحدود السورية.

أدوار تبادل المنافع واضحة، لا غموض فيها ولا لبس، يحدوها رهان، ولنقل اتكاء، قديم للسلطة السورية على رضا دولة إسرائيل، لضمان بقائها واستمرارها، متوسلة تسويق نفسها بصفتها أفضل حام لاستقرار الحدود؛ مرة لتجنب حرب مباشرة قد تضعف ركيزتيها العسكرية والأمنية، ومرة ثانية، لأنها تدرك أن حكام تل أبيب يتحسبون من أي تغيير في سوريا قد يهدد مصالحهم وأمنهم، وأن لهم كلمة قوية في أوساط المجتمع الدولي حول مستقبل الأوضاع في بلد يجاورهم ويحتلون جزءاً من أرضه، ولا يغير هذه الحقيقة، تفعيل نظام دمشق، بين آونة وأخرى، أدواته السياسية والإعلامية، لإثارة موضوع الجولان المحتل وتنشيط العداء لإسرائيل، وتوظيف ذلك ورقةً لتمرير «شرعية وطنية» تمكنه من تسويغ سيطرته على اقتصاد البلاد والاستئثار بثرواتها، وأيضاً لتغذية اصطفافه مع ما يسمى «محور الممانعة» ولابتزاز بعض الدول العربية، والأهم لتسويغ قمعه وتطويعه؛ ليس فقط المجتمع السوري الذي عانى الأمرّين قهراً وتمييزاً من وطأة زيف الشعارات الوطنية، وإنما أيضاً قوى فلسطينية ولبنانية وتسخيرها لتحسين نفوذه الإقليمي، حتى وإن وصل الأمر، في بعض المحطات، لخوض معارك وحروب بالوكالة، في جنوب لبنان أعوام 1978 و1982 و1996 و2006، وفي غزة عامي 2008 و2012.

في المقابل؛ لاقى حكام تل أبيب على أفضل وجه، هذا الخيار للنظام السوري بصفته نظاماً مجرباً حافظ على جبهة الجولان آمنة ومستقرة طيلة عقود، وتحديداً منذ اتفاقية فصل القوات عام 1974، فلم يترددوا أو يتأخروا، في غير أزمة اعترته، عن دعم بقائه واستمراره؛ إنْ لتخفيف العبء العسكري والأمني الواجب عليهم لحماية الحدود وضمان استقرارها، وإنْ بدافع من مصلحتهم العميقة في استمرار الاستبداد والفساد وسيلةَ حكم في سوريا بما يلجم حضور المجتمع الحي في المشهد، يحدوهم عداء أصيل لقيام نظام ديمقراطي هناك يمكن أن يحدث تبدلاً استراتيجياً في الوضع القائم ويحمل فرصة النهوض بالبلاد وتعزيز قدرتها على المطالبة الجدية باستعادة الأرض المحتلة؛ الأمر الذي أشار إليه بوضوح أحد المسؤولين الإسرائيليين بأن ما جرى ويجري في سوريا لا يقدّر بثمن، وبأنه ليس ثمة ما يجعل السوريين ينسون الجولان المحتل ويغدو مصيره كمصير لواء إسكندرون، سوى أن يغرقوا حتى آذانهم في مثل ذلك العنف والتفكك والخراب!

من هذه القناة يمكن النظر إلى تحذيرات صريحة أثارها قادة إسرائيل حول مخاطر انتصار الثورة السورية على أمن دولتهم، وإلى نصائح قدموها للبيت الأبيض لتخفيف الضغط على النظام وتركه لشأنه، وللجم الاندفاع نحو تقديم دعم عسكري نوعي للمعارضة السورية يمكنه تعديل موازين القوى، وأيضاً إلى مسارعتهم لإعلان تأييدهم الكامل التدخل العسكري الروسي، وقبله غض نظرهم عن الدور الإيراني وعن الدخول الكثيف لـ«حزب الله» في الصراع السوري، ولا يغير هذه الحقيقة؛ بل يؤكدها، رهانهم على النزاع المذهبي في النيل من أهم كوادر «حزب الله» والإجهاز على ما تبقى من سمعته السياسية كحزب مقاوم، كما لا يغيرها التفاتهم نحو تحجيم نفوذ إيران في سوريا بعد تنامي الوزن العسكري الروسي، عبر ضربات جوية طالت أهم مواقع «الحرس الثوري» في أرياف دمشق ودرعا وحمص واللاذقية، لمحاصرة تمدده، ومنع وصول أسلحة متطورة إلى «حزب الله» قد تبدل «الاستاتيكو» القائم.

لا دخان بلا نار، وربما هو خبر صحيح ما أثير حول حدوث مفاوضات سرية بين إسرائيل وسوريا، أو وجود ضغط من موسكو على دمشق لفتح ملف التفاوض مع تل أبيب، وربما صحيح أيضاً أن النظام السوري الضعيف والمحاصر، يحتاج اليوم؛ أكثر من أي وقت مضى، لطرق البوابة الإسرائيلية بوصفها مدخلاً سريعاً ومضموناً لتخفيف الحصار وتمهيد الطريق للانفتاح على الغرب وإعادة تأهيله دولياً، لكن الصحيح أيضاً أنه في ضعفه وارتهانه لا يزال يحتاج إلى الديماغوجية الوطنية لتسويق نفسه شعبياً ولتمرير اصطفافه المريب مع إيران وارتكاباته الشنيعة بحق الشعب السوري، مما يفسر تحريك معاركه الإعلامية ضد التسويات المنفردة، والعودة للتشديد على الحل الشامل ومبدأ الأرض مقابل السلام؛ شرطاً للتطبيع.

يدرك الجميع أنه لا أفق لتسوية تعيد الجولان لسوريا، فإسرائيل لن تعطي النظام في ضعفه ما لم تعطه وهو في أوج قوته، كما أن ميلها للتطبيع معه بوصفه بوابة للانفتاح على العالم العربي قد فقد اليوم كثيراً من قيمته، بعد الإعلان عن بدء ترسيم الحدود مع لبنان، وإذا أضفنا حقيقة أن ليس ثمة ما يشي بحدوث تبدل في التوافق الضمني بين حكام دمشق وقادة تل أبيب، وفي عراقة تبادل المنافع بينهم، فلا يجانب الصواب من يسأل: ما الحاجة إذن للمفاوضات بين سوريا وإسرائيل؟!

===========================

ما الذي جناه العلويون من حكم آل الأسد؟

 د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 17/10/2020

إنها من المرّات القليلة والنادرة جداً، أن يترجل بشار الأسد من عليائه وينزل من برجه العاجي ويشارك الشعب السوري المنكوب والمكلوم همومه وآلامه وواحدة من أكبر الفواجع التي ألمّت به، وقد ذهب بنفسه للإطلاع على أحوالهم عقب حرائق غير مسبوقة ومفتعلة اندلعت على طول الشريط الساحلي من غربي حمص وسط البلاد، وحتى رأس البسيط شمالاً، فقد اعتاد هو ورموز نظامه الفاشي الإرهابي الدموي المجرم، تجاهل وإنكار وعدم المبالاة والاستهتار بكل ما يعانيه الشعب السوري من أزمات معيشية خانقة وجوع وفقر وبطالة وندرة وشح بالمواد بعدما تم نهب البلاد على نحو ممنهج لخمسين عاماَ بالتمام والكمال، وبالكاد ترى وتسمع له، كما للمقبور أبيه من قبله، كما ينسحب هذا على معظم رموز حكمهم الفاشي وأبواقه، كلمة تعاطف ومواساة مع الشعب السوري أو استجابة لأي من مطالبه، فهو يعتبرهم مجرد قطيع من البهائم و«الطرش» والأملاك الخاصة التي ورثها عن أبيه مع المزرعة و«عزبة» العصابات والمافيات الأسدية التي كانت تسمى ذات يوم «سوريا» والتي فتكت بالأرض والزرع والضرع وأحرقت الأخضر واليابس على مدى خمسة عقود، وعلى نحو أفظع بكثير من حرائق الأسبوع الماضي.

وحقيقة لم تتأتَ هذه الخطوة والمبادرة «البشارية» الغريبة واليتيمة من فراغ، أو بحسن نية وصحوة ضمير مفاجئة من الغلام القاصر المهرج المعتوه، «القائد العام» للجيش والقوات المسلحة التي حولها لدمى، قدر ما كانت نتيجة لضغوط شعبية هائلة وظهور بوادر تمرد وغضب عارم تجتاح قلب حاضنته الشعبية العلوية بدأ يتحسسها وتظهر على لسان وفي كتابات كبار مؤيديه وما تسمى بـ«الموالاة» وباتت تطرق مسامعه وتقرع أبواب مكاتب القصر الجمهوري الموصدة، وتنتشر كالنار في الهشيم على صفحات مواليه ومؤيديه السابقين بمن فيهم النخب الإعلامية والفكرية والفنية التي رفعت سقف النقد اللاذع والسخرية من سياساته الصبيانية الطائشة الهوجاء وتصرفاته الرعناء وقراراته الخنفشارية وسياساته المضحكة وانتخاباته المسخرة وحكوماته المهزلة التي نصَّبت، وفي سابقة، لأول مرة في تاريخ البشرية، طبيب بهائم وتيوس وحمير على وزارة تربية، (وللعلم فهو قريب من سيدة الجرجير ومن الأقلية التركمانية) ما عزز الاعتقاد السائد، بصفوف السوريين، حول نظرته، واعتباره للشعب السوري كمجرد قطيع من البهايم والحيوانات، مستهتراً بمشاعر وعقول وكرامات البشر، وضارباً عرض الحائط بكل القيم والأعراق والأسس الأكاديمية والمهنية والقانونية التي يعرفها ويتعامل بها الناس.

وثمة همس كثير، وتساؤلات كبرى باتت تدور على كل لسان في الشارع السوري عامة، وفي الحاضنة العلوية، خاصة، حول الملكات العقلية للرجل، الذي يفتي وينظّر ويساجل في السياسة والاقتصاد والاستراتيجيا والعلوم والفنون التطبيقية والذرة والفضاء والمعلوماتية والعلوم الإنسانية وحتى الشريعة والفقه الإسلامي لم يسلم من شروره وفذلكاته وتهريجه، وقد تحول إلى خطيب وداعية وعالم دين ومفت يتناول الشريعة وأصولها ويحاضر الفقه بكبار مشايخ البلد ويرعى منظمات دينية شبابية ونسائية و«يوجههم» رغم أنه لا أحد يعلم «قرعة» أبيه من أين، ولا أحد يعرف عن أصوله شيئاً ولا عن انتمائه الديني والعرقي أو الطائفي ومن أين أتى لسوريا، مع سلالته الدموية المجرمة، عندما استقر جدّه «الوحش» في الجبال الساحلية.

 

باتت مدن الساحل المنكوبة واحدة من أفقر بقاع العالم واكتظاظا بالسكان والشباب العاطلين عن العمل، ما دفع كثيرين، قسراً، إما للهجرة والهرب، أو «التطوع» في عصابات القتل والإجرام والالتحاق بالميليشيات التي أنشأها للفتك بالشعب السوري الأعزل؟

 

وناهيكم عن كل تلك المبهمات والغموض الذي يكتنف تاريخ وأصول هذه العائلة المجرمة والذي بدأت تظهر للعلن مع اعترافات جميل الأسد لوفد كردي عن أصول العائلة غير المسلمة ولا العربية أو حتى العلوية، فثمة علامات استفهام لا تحصى حول دوره الوظيفي الواضح الذي يقوم به في مشروع دمار وخراب سوريا وإذلال وامتهان السوريين وتجريدهم من إنسانيتهم وعملية القضاء الممنهج والمدروس على الجيش السوري، وضرب المكونات السورية بعضها ببعض وإشعال فتيل حرب أهلية ومواجهات طائفية وتحويل سوريا إلى ملعب ومسرح للاعبين وساحة صراع للطامعين، وإفقار وتجويع وقهر واضطهاد ونهب و«تشليح» التي طالت حتى المغتربين بفرض جزية وخوّة المائة دولار على السوريين، وامتهان كرامة السوريين ونهبه لثرواتهم وتهريبها للخارج بالتواطؤ مع عصابة آل مخلوف سابقاً، ومع نجوم وحيتان النهب والسرقات «الذكية» حالياً من عصابات ومافيات ولصوص ومصاصي دماء الشعب الجدد آخر طبعة للصوص العصر من آل الأخرس والدباغ، أولاد خالة سيدة الكرسنة والشعير التركمان من غلمان وارثة المزرعة الأسدية التي باتت تتدخل بكل شاردة وواردة بالشأن السوري وتشارك السوريين كل حبة أرز ورغيف خبز يأكلونه ولها حصة و«نسبة» وسهم فيه وهذا، للحقيقة والتاريخ ما لم تفعله عصابات وحرامية وآل مخلوف الشهيرة، لكن السؤال الأكبر والأدهى والأشد مرارة وحسرة ولوعة على لسان أبناء الطائفة العلوية، هو ما الذي استفادوه من حكم ونظام هذا الطاغية الأرعن المغرور التافه الكاذب الوضيع؟

وما الذي جنوه من حكم الأسدين عبر خمسين عاماً، وبعدما قتل منهم الأسدان الشقيان مئات الألوف من الشبان بعمر الورود وزجهم بمواجهة بقية المكونات السورية في معارك لا ناقة لهم ولا جمل بها، وهذا ما لم يفعله أي طاغية ومجرم بهم على مر العصور ولا في كل المذابح التي تعرضوا لها أو في حرب السفر برلك، وبعدما زجّ هو وأبوه بخيرة شبابهم في السجون لاسيما في أكبر حملة اعتقالات في ثمانينيات القرن الماضي، وتحويل مدن الساحل إلى مدن مهجورة معدمة مهملة فقيرة بائسة بلا أية استثمارات ولا مشاريع ولا منشآت حيوية ولا ماء أو كهرباء وغاز ولا حتى معامل ومصانع وبلا أية خدمات أو بنية تحتية وحيث تنتشر الفوضى والقذارة والقمامة ويعربد «الشبيحة» بالشوارع، ويعتدون على المارة وعابري السبيل ويبتزونهم وينتهكون أعراضهم، وباتت مدن الساحل المنكوبة واحدة من أفقر بقاع العالم واكتظاظا بالسكان والشباب العاطلين عن العمل، ما دفع كثيرين، قسراً، إما للهجرة والهرب، أو «التطوع» في عصابات القتل والإجرام والالتحاق بالميليشيات التي أنشأها للفتك بالشعب السوري الأعزل؟

كما لفظه العالم أجمع، وبات وحيداً لا يزوره إلا معاون رئيس قسم الصرف الصحي في بلدية أصفهان، ها هو المجتمع العلوي، يتحرك ويتذمر ويدرك حقيقة هذا اللص المراوغ الماكر اللعين ويلفظه كما لفظه المجتمع الدولي، وبات، حقيقة، في وضع لا يسرّه، أبداً، ولم يعد يحسد عليه، وقريباً جداً، وطبقاً لقانون الكون الطبيعي، إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم، إلى مزابل وقمامة التاريخ، أسوة بغيره من الطواغيت والقتلة والجلادين المجرمين.

ملاحظة: هذا المقال مكتوب بالتعاون مع ضابط سوري علوي على رأس عمله في دمشق

كاتب واعلامي سوري

falkasim@gmail.com

===========================

شرف البندقية السورية

بشير البكر

العربي الجديد

السبت 17/10/2020

درجت في الآونة الأخيرة أخبار تتحدّث عن مشاركة مقاتلين سوريين في نزاعات عربية ودولية، مثل ليبيا وناغورني كاراباخ. وخرج الأمر من إطار التسريبات الصحافية إلى تصريحات رسمية، صدرت من شخصيات سياسية دولية، مثل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي تحدّث عن "مقاتلين سوريين من مجموعات جهادية انتقلت عبر غازي عنتاب للوصول إلى مسرح العمليات في ناغورني كاراباخ". ونسبت معلومات صحافية إلى ماكرون أن عدد هؤلاء يصل إلى 300. وكان قد سبق كلام الرئيس الفرنسي بيان عن وزارة الخارجية الروسية جاء فيه أن "مقاتلين من جماعاتٍ مسلحةٍ غير شرعية، خصوصا من سورية وليبيا، يتم نشرهم في منطقة النزاع في ناغورني كاراباخ "، وغير بعيد عن القضية، ولكن من زاوية أخرى، كان موقف المجلس الإسلامي السوري الوحيد الذي جرى تسجيله في معرض تحريم قتال السوريين خارج بلدهم.

لا يبدو أن بيان المجلس الإسلامي السوري من فراغ، فهو يرفع المسألة إلى درجة المحرّم، ومع أنه لم يدخل في التفاصيل، فإنه يشكّل محاولة لتسجيل موقفٍ حيال التسريبات الصحافية التي لاكت سمعة السوريين. وبرز أن هناك ماكينة إعلامية تعمل على تشويه سمعة البندقية السورية الثورية، وما تشكّل لها من رصيد أخلاقي. وحتى لا يكون الحديث في العموميات، ننقل ما جاء على لسان رئيس النظام السوري، بشار الأسد، في حديثه مع وكالة سبوتنيك الروسية. ووفقًا له، لا دلائل على وجود مقاتلين، لكن هناك "قرائن"، متهمًا تركيا بنقل المقاتلين إلى ليبيا "وبالتالي من البديهي أن تنقل المسلحين إلى أذربيجان".

المرور على هذه المواقف ليس بغرض الإثبات أو النفي، لأن القضية تجاوزت هذا الحد، وما يهم هو صورة السوري التي تتعرّض للتشويه بطريقة مبتذلة ورخيصة. ويبدو من السياق وعرض الوقائع أن التركيز الإعلامي على المسألة ليس بريئا، ولا يخلو من أهدافٍ صريحةٍ ومعلنة، وتكفي مشاركة الأسد في العملية وحدها لتبيان الهدف المقصود، والذي يذهب نحو التوظيف السياسي.

ومهما يكن من أمر، وبعيدا عن صحّة الأمر من عدمه، هناك مسألة غير قابلة للنقاش بالنسبة للسوريين الذين ثاروا ضد نظام آل الأسد في عام 2011، أن البندقية السورية التي ارتفعت في أول الثورة للدفاع عن المدنيين السوريين في وجه توحّش النظام ليست محلّ مساومة، وممنوع على أي كان، مهما كانت صفته، وضعها في المزاد أو توجيهها إلى غير الوجهة الصحيحة. وسواء انتصرت الثورة أو تعرّضت لانتكاسة كبيرة، فإن هذه البندقية التي كانت رديفا لسلمية الثورة تظل أحد مقومات رواية الثورة عن نفسها. ومهما واجهت من محاولات تشويه، فإنها تحظى بالتفاف غالبية السوريين الذين لا يزالون ثابتين عند أهداف الحرية والكرامة. وحتى لو قامت فئة من السوريين بتأجير نفسها وسلاحها، ذلك يُلزمها وحدها، ولا يمثل الثورة. وليس من العدل بمكان حساب كل السوريين على هذه السلوكيات، ويجب عدم تعميم الأمر على السوريين والبندقية السورية ككل. ومن المعيب أن يتم الصمت حين تجري عملية تشويه مدروسة للثورة السورية، وتدمير ما بنته من رصيد أخلاقي، بفضل التضحيات الكبيرة التي قدمها الشعب السوري، بوجه حرب الإبادة التي يشنها عليه نظام الأسد وروسيا وإيران، ومن حق الشعب السوري أن يحظى بكلمة حق بوجه حملة التشويه، فهو قام بثورة من أنبل الثورات وأعظمها في التاريخ.

وفي الختام، الموقف من محاولات تشويه سمعة السوريين لا يعني تبرير ممارسات الارتزاق باسم البندقية السورية ممن يمكن وصفهم بأمراء الحرب، وهذا أمر ليس جديدا خلال مسار الثورة السورية، فقد حصل اختطاف البندقية السورية عدة مرات، وجرى توظيفها ضد الأهداف التي ارتفعت من أجلها في بداية الثورة.

===========================

قضية ملحّة

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 17/10/2020

بعد تحول القضايا الكبرى للثورة السورية إلى شؤون دولية وإقليمية، لم تعد خاضعة لإرادة السوريين على جانبي الصراع الدائر منذ نيف وعشرة أعوام، تبدّلت أهمية (وأدوار) مسائلها التي يتصدّون لها، وتحوّلت من مسائل كانت لها أولوية في خططهما، إلى قضايا تخلي مكانها لغيرها من المسائل التي كانت تعتبر أقل أهمية منها، بل ومرتبطةً بها وستحسم من خلالها. 

كي لا أطيل، أبادر إلى القول إن إسقاط النظام كان أولويةً أخضعت لها جميع مهام العمل العام الثوري، إلا أن تحقيق هذا الهدف خرج من أيدي طرفي الصراع السوريين، وحل محله هدفٌ لا يقل اليوم أهمية عنه، هو إنقاذ الشعب السوري أينما كان، بالنظر إلى الحال الكارثي التي آل إليها، وتجعل لإنقاذه أولوية مطلقة، ما دام مسار الثورة قد غيّر أوضاعها بصورة جعلت انتصارها رهناً بإرادات خارجية لا ترى فيه أولويتها، بينما تتراجع قدرة السوريين على إنزال هزيمة قريبة ونهائية بالأسدية وروسيا وإيران، لأسباب منها وضعهم الراهن.

لم يعد ممكناً تجاهل حدوث التحول الخطير الذي يجعل إيلاء الأولوية لوضع شعبنا مهمة إنقاذية عاجلة، تخرجه من الكوارث التي مزّقته، وأودت بحياة الملايين منه، وبمقومات وجوده المادي، بعد أن اقتلعته الأسدية وداعموها من جذوره، وأخرجته من بيئته التاريخية التي عاش فيها طيلة مئات، إن لم يكن آلاف، السنوات. وها هو اليوم مشتّتٌ بين الدول والقارات، يعيش، منذ أعوام كثيرة، في خيام لا تردّ عنه البرد أو تقيه الحر، بينما حرم مئات آلاف من أطفاله من الدراسة، والطبابة، والرعاية الأسرية المنظمة، وتجاهل المجتمع الدولي مأساته المرعبة، التي أسهمت بعض أطرافه فيها، فلا عجب أن تعمدت تعطيل مؤسسات النظام الدولي الشرعية، واستخدمتها أدوات مساعدة في ارتكاب جرائمها. لذلك، ليس من المبالغة القول إن الشعب السوري صار مهدّداً في وجوده، سيما وأن هدف المجرمين كان تقويض قدرته على مواصلة ثورته وإحباط انتصارها، فضلاً عن جني بعض ثمارها التي أصبح طعهما مرّاً إلى درجةٍ تجعل من الصعب تذوقها، إن بقي هناك من قد يكون راغباً في ذلك! بقول أوضح: لن تستمر الثورة أو تنتصر إلا بقدر ما تعمل لإنقاذ الشعب السوري من محنته، وتلتزم برعايته في كل ما يتصل باحترام مساواة وكرامة وحرية بناته وأبنائه، أقله في مناطق سيطرة الفصائل، حيث تنتهك يومياً على نطاق واسع، على الرغم من أنه كان قد نزل بالملايين إلى الشوارع، وقدّم أغلى التضحيات من أجل تحقيقها، وها هو يجد نفسه خاضعاً لأسديةٍ منحطةٍ تذيقه الأمرّين، ولا تلتزم حتى بحقه في الحياة الذي ثار لانتزاعه من الأسد، وفقده هنا، فهو كمن انتقل من تحت الدلف إلى تحت المزراب، كما يقول اللسان الشعبي عن حالاتٍ كهذه. 

إذا كان الشعب هو حامل الثورة وحاضنتها، وكانت هذا حاله، هل يمكن أن نتحدّث بعد عن ثورة حرية، من دون تحصينه ضد الجرائم التي ترتكب ضده، كل يوم وساعة؟ ثم، عن أي ثورة حرية نتحدّث، إن كان لا هم للسوري غير الجري وراء رغيفٍ يعجز أكثر فأكثر عن اللحاق به، بينما يسحق روحه منظر أطفاله وهم ينتظرونه وقد فغروا أفواههم، علّه يأتيهم بلقمة تسدّ رمقهم، وتردّ عنهم غائلة الجوع المستشري.

بعد ثورة الحرية، قرّرت الأسدية تدمير حاملها: المجتمع السوري، لإدراكها أن إسقاطها يغدو ضرباً من الاستحالة، إذا ما مزّقت كيانه الموحد بسلاحي الحرب والإذلال. تُرى، أما حان الوقت لوقف انهيار شعبنا السوري، ولإنقاذه، بعد أن بلغ حافة هاوية الهلاك، وسقطت ملايينه فيها، وتكاد الثورة تصبح كلمة جوفاء بالنسبة له هنا، ومثلها كلمة الانتصار بالنسبة لأسرى السجن الأسدي هناك؟

===========================

عندما تمثلنا تغريدة "سوريا تحترق"

شفان إبراهيم

العربي الجديد

السبت 17/10/2020

اندلعت الحرائق من جديد في سورية التي باتت تحترق منذ 2011، بعد أن كان المواطن السوري، قبل ذلك التاريخ، يعيش أزمات متلاحقة من الفقر والعسف السياسي والحرمان ... إلخ. عادت الحرائق، هذه المرة، لتُتمم ما أتت عليه قبل فترة من ابتلاع الغابات التي حرقت معها حيوات الأهالي وذكرياتهم ومروياتهم. هذه المرة هي بالنسبة للسوريين تفصيل جديد، يكبر مع الهموم التي حملوها منذ 2011، فأضيف حرق الغابات امتداداً لكل التفجيرات والتهجير والموت الذي لفح السوريين ممن بقوا في الداخل أو من هاجروا وهربوا من الموت إلى الخارج.

لم تبق موبقة إلا ومورست على رؤوسنا، نحن السوريين المبتلين بداء انتظار اتفاق "الدول العظمى"، الدول التي تهتم باقتصاداتها على حساب دماء الأبرياء، رُبما هي تفصيلة العولمة التي تُشيئ الآخرين، تحديداً بلدان العالم الثالث، نحن الذين لا نستحق العيش وفق المخيال العولمي لتلك الدول، فلا يكترثون لحالنا، ولا أحد يخجل من تمزيق الأرواحِ في سورية وقتل شعبها، فها هي الحرائق تحول الخضَار والبيئة التي كانت محطة استقطاب لأغلب الدول العربية للسياحة والاستجمام، حوّلتها إلى صحراء بائسة مفتوحة على كل الاحتمالات. 

في جزئية مريبة، أو لنقل كارثية، يستشفي بعضهم، أو في أفضل حالاته لا يكترث لِم أتت عليه الحرائق من كل الأفعال. علماً أن لا تجزئة للمواقف من الديمقراطية والحريات والأسى والإنسانية. بالأمس، أحرقت وجرفت وقطعت أشجار الزيتون في عفرين على يد فصائل المعارضة السورية التي استباحت عفرين، بموافقة ضمنية من روسيا. ثم قُطعت المياه عن مليون سوري في الحسكة السورية، وأيضاً بفعل من فصائل المعارضة السورية في سري كانيه (رأس العين) التي تلذذت بطرد الأهالي المحليين، وقبلها قصفت إدلب بالبراميل والطائرات الروسية، واليوم غاباتنا وقرانا تحترق، الهمُّ والضحية والشهيد واحدٌ لا غير، همُ السوريون وحدهم. الشوارع والساحات أصبحت بيوتاً للمواطنين المتروكين وليمة سائغة في الفراغ الذي يعيشون فيه، ويدورون حوله

الشوارع والساحات أصبحت بيوتاً للمواطنين المتروكين وليمة سائغة في الفراغ الذي يعيشون فيه، ويدورون حوله، عاجزين عن انتشال ذكرياتهم وأحلامهم من بيوتهم، وتتمحور كُل جهودهم حول إنقاذ بيوتهم بالمشاهدة والتأمل، وحمل عُقدٍ نفسية ستتناقلها الأرواح إلى الأجيال القادمة وما بعدها. ببساطة، كان المواطنون يشاهدون حرق منازلهم ومزارعهم وحقولهم عبر شاشات التلفزة. وفي أحسن الأحوال، عبر المشاهدة المباشرة بالقرب من الحدث، وهل ثمّة ما هو أكثر بشاعةً وقسوةً وحملاً لإرثٍ من المظلومية من أن يتحوّل انهيار الأرزاق والأملاك الخاصة إلى مجرد تفصيل صغير لمالكيها، عبر المشاهدة وفقط المشاهدة، تماماً كحال الأهالي في عفرين الذين أجبروا على دفع جزيةٍ فاقت الألف دولار لقاء بقائهم في منازلهم، وتماماً كحال السوريين الفارّين من جحيم الحرب والقصف الذي طاول أغلب المدن السورية.

في أيام دراستنا الجامعية، نحن المتمتعين بالدراسة في الفروع النظرية، والتي كان الالتزام بالمتابعة الفيزيائية للمحاضرات تحصيلاً حاصلاً فيها، كانت غابات مصياف وجبال الكُرد، وعموم الساحل السوري، قبلتنا الشهرية أو النصف الشهرية، حيث التركيبة البشرية البسيطة والحُب وحسن الضيافة. أقمنا في ريف مصياف في منزل أحد الأصدقاء. حجم التفاف الجيران وأبناء الحي كان كافياً لنتعرّف على فقرهم واكتفائهم بالزراعة ومزارع الفاكهة مصدراً للدخل والعيش، كحال مُعظم الفقراء والبسطاء من الساحليين وأبناء الريف الذين اكتووا بنار الفقر والحرمان، في مقابل نمطية الثراء والسلطة التي كانت مسيطرةً على ذهنياتنا عنهم.

الإشكالات والكوارث لا تتمحور حول الحرائق حالياً فحسب، وإنما تتجاوز الدائرة لتكبر وتشمل أربعة عوامل متداخلة، تؤثر في مستقبل المناطق المحترقة، وتأثيرها على المستقبل السياسي والجغرافي لسورية. 

الحرائق تدفع باتجاه تعميق الأزمة الغذائية، نتيجة لضعف الإنتاج الزراعي في المنطقة الساحلية، ما سيؤدي، بالضرورة، إلى الاعتماد على الاستيراد أكثر

أولها الأمن المجتمعي: حُرقت منازلهم. النقطة الفصل وجود أعداد ضخمة من أبناء المجتمع المحلي، ومن مختلف الانتماءات السياسية والدينية، أصبحت في العراء، حيث لا موارد ولا مكان يأتون إليه. وهو ما يساهم في إشاعة مزاج عام جديد، وتغيير في الأولويات والتوجهات، إذ ستنحصر الأولويات في الانتماء لجهةٍ تؤمن لهم قوتهم اليومي، ومع تشعب السيطرات ما بين "الجيش السوري، الإيراني، الروسي" في تلك المناطق، فإن خيارات الأهالي ستنحصر في الحصول على أيّ تفصيل أمني يتمكنون به من العودة إلى منازلهم، والحصول على مساعداتٍ لإعادة الترميم، هذا إن عادوا ولم يستقروا حيث لجأوا إليه، أو أكملوا خط سير نزوحهم الداخلي، صوب الهجرة الخارجية، وهو ما يعني أن تلك المناطق التاريخية أصبحت أمام تغيير في نمطية التركيبة السكانية، ورُبما نجد من يأخذ مكانهم مستقبلاً.

ثانيتها الأمن الغذائي: حيث الاعتماد شبه الكلي للمجتمع المحلي على الزراعة وأشجار الفاكهة والحقول المختلفة، والتي كانت جزءاً من تغطية حاجة الأسواق المحلية لمختلف المحافظات السورية، ما يعني أننا في اتجاه تعميق الأزمة الغذائية، نتيجة لضعف الإنتاج الزراعي في المنطقة الساحلية، وهو ما سيؤدي، بالضرورة، إلى الاعتماد على الاستيراد أكثر. 

وثالثتها الثروة الحيوانية: حيث احتراق مساحات ضخمة من الأشجار والحراج ينتج ظروفاً جديدة صعبة جداً لأصحاب المواشي، عدا عن نفوق أنواع مختلفة من الحيوانات البرّية التي كانت تشكل عنصراً فعالاً في استقطاب السياح، ومع تضرّر قطاع المواشي بسبب الحريق وعدم توفر مساحات غير محترفة كافية للرعي في البرّية، وتأثيرها على السكان الفقراء في تلك المناطق، فإن مورداً آخر للأهالي فُقد، وهو ما يضخم من الفقر والحاجة.

الثابت الوحيد أن تغريدة "سوريا تحترق" المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي هي عمقنا ومآسينا جميعاً.

رابعتها الأمن البيئي: الثابت في علم الأرصاد الجوية والجغرافية، وبحسب المختصين الزراعيين، أن المناخ يؤثر على زيادة معدل حرائق الغابات، وأيضاً هو يتأثر بحرائق الغابات، فالحرائق تتسبب بإطلاق كميات هائلة من الغازات المتسببة بالاحتباس الحراري، ومن أسوأها غاز أول أكسيد الكربون، وثاني أكسيد الكربون والميثان وأكسيد النتروجين. بينما تتسبب الغازات الناتجة عن حرائق الغابات والغبار الكربوني في انخفاض جودة الهواء، وتساهم الرياح في حمْل هذه الملوثات إلى مسافاتٍ بعيدة، وهو ما يؤثر على الصحة العامة، ويسبب أنواعاً مختلفة من الأمراض الصدرية والتحسّسية والسرطانات. كما أن حرائق الغابات تزيد من الزحف الصحراوي إلى المناطق الخضراء، وتفني مساحات شاسعة من التشجير في الغابات والأشجار، والتي تعتبر مصدراً أساساً لتأمين الأوكسجين في الطبيعية، إضافة إلى تسبب الحرائق في فقدان تماسك التربة، وزيادة حاميتها.

رُبما لا ربط مباشراً بين ما حصل العام الفائت من احتراق آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية في المنطقة الكُردية وما يحصل من غُبنٍ ونسفٍ لكل القيم الأخلاقية والإنسانية وانتهاكات فظيعة ضد المدنيين في سري كانيه وعفرين، ومأساة أهالي إدلب وريفها، مع ما يحصل في الغابات والجبال والسهول السورية من حرائق ضخمة. لكن الثابت الوحيد أن تغريدة "سوريا تحترق" المنتشرة بكثافة على وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة هي عمقنا ومآسينا جميعاً.

===========================

موقفنا : التدافع سنة الله الماضية في صنع التاريخ الإنساني .. فلنجعل تدافعنا راقياً وجميلاً

زهير سالم

مركز الشرق العربي

16/ 10 / 2020

يسميه القرآن الكريم التدافع ( وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا )

ويجعل القرآن الكريم غاية التدافع إحقاق الحق ، وإزهاق الباطل : ( بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ) ( لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىَ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ )

ويسميه الفلاسفة : الصراع ، الصراع الوجودي والحضاري والسياسي والاجتماعي والاقتصادي . إنه نوع من تزاحم الأضداد ، وتناقض المصالح . وضرب النقيض بنقيضه ليخرج الثالث الأجمل منهما كما يقول بعضهم ..

وكل ذلك من بعض عوامل السيرورة أو الصيرورة الإنسانية . على الغذاء تتصارع حيوانات الغابة " ماركس " أو على " الإناث " فرويد " أو على أمور كثيرة ، لن يسهل علينا حصرها وتعدادها. ولسنا في سياق الحديث عن " على ماذا نختلف أو نتصارع أو نتدافع " بل في سياق الحديث عن " كيف نختلف أو نتصارع أو نتدافع " ؟؟ وهذا هو هدف هذا المقال .

التفكير الساذج ، أو التفكير الوردي الحالم ، طالما غرر بنا ، أو أردانا ، أو دفعنا إلى طريق يُكره السيرُ فيه . نريد مجتمعا ورديا راقيا لا يختلف فيه مختلفان !!

ولقد كره شعبنا من طريقة بشار الأسد ادعاءه أن الحق كل حق في يمينه أو على لسانه . وأظن من حق أن نتفق أن كل واحد فينا ، فرادى أو جماعات ، يكره أن يكون مثل بشار الأسد أو على طريقته ، لو تأتى له ذلك ، ويرفض أن يكون مثله ولو قدر على ذلك .

وجميل أن نتفق ابتداء على نبذ سياسات الادعاء ، ادعاء ملكية الحق والصواب والوطنية ، ونبذ سياسات الإقصاء والاتهام وإصدار الأحكام ، وان نقبل بسنة التدافع ، أو بعلاقات الصراع ، على أسس من قواعد الحياة المدنية ، في أطرها الإنسانية الأسمى والأرقى .

ثم جميل أيضا أن نتفق على طوباوية الحلم الماركسي في الصيغة النهائية للمجتمع الشيوعي الذي يتماهى فيه النقيض مع النقيض ، أو سذاجة من رأى في صيرورة الديموقراطية – الرأسمالية ، نهاية التاريخ والدخول في عصر السبات الحضاري.

وجميل أن نؤمن ثالثا أن سنة التدافع ستبقى ماضية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها . سيبقى هذا التدافع وهذا الصراع ماضيا ؛ حق يدفع باطلا ، وباطل يزاحم حقا ، ليستمر الحراك ، ولنتوقف عن الحلم بالماء الراكد الآسن . ومن جميل ما جاءت به شريعتنا أن الماء الجاري لا يحمل الخبث . بينما الماء ولو كثيرا يأسن ويخبث إذا غلب الخبث على أحد أوصافه من طعم أو لون أو ريح ..

لن تتحول المجتمعات البشرية في كل دوائر وجودها إلى نوع من الجنان ( لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً ) وسكانها ( لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا )

بل ستمضي سنن التدافع إلى غايتها ، وفي أطر أكثر من أن نحصيها ، منها ما هو فكري ، ومنها ما هو هوياتي ، ومنها ما هو سياسي ، ومنها ما هو اجتماعي ، ومنها ما هو اقتصادي ..وسيكون التدافع في دوائر متعددة ، وعلى جبهات مختلفة فلنقبل بذلك ، ولنعترف به ، ثم لنرتقي في أسبابه ، فنقومه ونأنسه ، ونجعله دائما على قاعدة ( بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) .

وأصحاب الأحلام الوردية ، في المجتمعات الطوباوية الخالصة ، التي يحلمون بها تنام على أيديهم ، وتستيقظ على أغانيهم لا يصلحون لهذا..!!

والذين يستعينون على الانتصار لآرائهم بالعصا والحجر ، أو بما فوق العصا والحجر من رصاصة ودبابة وطائرة وبرميل لا يصلحون لهذا .!!

والذين يظنون أن بإمكانهم أن يستعينوا بعصبية جيرانهم من مشير وسفير ووزير ..لا يصلحون أيضا لهذا !!

والمجتمعات التي يُقصى عنها بعض بنيها ، بفعل فاعل ، ومكر مكار ، هي مجتمعات صماء عمياء بكماء .. ولا يصح لها ولاية لا على النفس ولا على الغير ..!!

لقد خلقنا الله مختلفين ..

مختلفين طبقا عن طبق . حالا بعد حال ..

وعلينا أن نقبل بهذه الحقيقة ..

ثم نعمل على تجسير ائتلافنا على أساسها .. ومهما يكن عسر المخاض فسيكون المولود من بعده جميلا..

كل عمليات

____________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

سيرة جيمس بيكر: المطرقة الفولاذية وصحن الحمّص

 صبحي حديدي

القدس العربي

السبت 17/10/2020

جلسات حافظ الأسد مع وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جيمس بيكر بلغت 11 جلسة خلال العام 1991 وحده، أقلّها زمناً استغرقت خمس ساعات وأطولها امتدت على تسع ساعات و46 دقيقة؛ وهي في عداد أطرف طرائف كتاب « الرجل الذي أدار واشنطن: حياة وأزمنة جيمس إ. بيكر الثالث» الذي صدر مؤخراً في نيويورك عن منشورات دبلداي، بتوقيع بيتر بيكر وسوزان غلاسنر. على سبيل المثال، في ذروة الجولة الأطول لوّح بيكر بمنديل أبيض وخاطب الأسد: «أنا أستسلم! أريد الذهاب إلى الحمام!». طرفة أخرى تقتبس بيكر يقول للاسد: «تعرف أيها السيد الرئيس نحن في تكساس نقول إنه لو امتلك الضفدع الكبير أجنحة لما اضطرّ إلى حكّ مؤخرته بالأرض» فاضطرب مترجم بيكر جمال هلال وقال لرئيسه: «لا أستطيع ترجمة هذه العبارة إلى الإنكليزية، فكيف بترجمتها إلى العربية!». وحين ألحّ الأسد على معرفة ما قاله بيكر، عدّل الأخير معنى العبارة هكذا: «أتذكّر ما كان يقوله والدي حين كنت صغيراً، من أنّ الكلب لو توقف عن الركض فإنه ما كان سيصطاد الأرنب». وهكذا حدث أنّ إدوارد جرجيان، السفير الأمريكي في دمشق، ارتبك واضطرب، إلى درجة أنه غمس يده في وعاء مليء بالحمّص!

الكتاب، بمعزل عن طرائفه الكثيرة، طافح بكلّ ما يجمّل شخصية بيكر، وتدرّجه في مناصب مختلفة خلال عهود العديد من الرؤساء: من مدير حملة انتخابية (جورج بوش الأب لعضوية مجلس الشيوخ، وجيرالد فورد للرئاسة) إلى نائب وزير تجارة، فرئيس أركان البيت الأبيض، فوزير تجارة، ثمّ خارجية. وفي سطور الكتاب الأولى يذكّر المؤلفان بأنّ كلّ رئيس جمهوري، على امتداد ربع قرن، احتاج إلى خدمات بيكر: لترؤس حملته، أو إدارة البيت الأبيض، أو مقاربة العالم بأسره؛ حيث نجح بيكر في «تمكينهم من السلطة، أو مساعدتهم في الحفاظ عليها، فضلاً عن توجيههم خلال حوادث عصيبة لاحقة. لقد كان رجل واشنطن الذي لا غنى عنه». وعلى وجه الخصوص، في رئاسة رونالد ريغان الثانية، تولى المالية رغم أنه لم يحمل في الاقتصاد إلا درجة جامعية متدنية، وتمكّن من إعادة كتابة مؤشر الضرائب الأمريكي من القاعدة إلى القمة…

إنه، باختصار مجازي، «المطرقة الفولاذية» أو «رجل المعجزة» أو «كاشف البراز» كما تسير سلسلة ألقابه التي تنقلها فصول الكتاب؛ وأكثر ما يجعله يستشيط غضباً هو أن أن يتراجع أحد عن تعهد قطعه أمامه، أو أن يفعل هذا هو نفسه، حسب شهادة دنيس روس في الكتاب. ومع ذلك، ثمة وقائع عديدة تؤكد أنه لا يتراجع كثيراً عن وعوده وتعهداته فحسب، بل يفعل ذلك بسهولة مدهشة وسرعة مفاجئة؛ على غرار حكايته مع بنيامين نتنياهو، حين كان الأخير مجرّد مساعد لوزير خارجية دولة الاحتلال الإسرائيلي. وكان نتنياهو قد صرّح لأحد الصحافيين أنّ سياسة البيت الأبيض تجاه الفلسطينيين قائمة على الأكاذيب، فقرر بيكر حظر دخول نتنياهو إلى مبنى وزارة الخارجية؛ إلى حين، بالطبع، إذْ توجب أن يتراجع سريعاً فيعود نتنياهو إلى المبنى من بوّاباته الأعرض. وفي الفصل الذي يحمل عنوان «في السوق» In the Souk، ويكرّسه المؤلفان لجولات بيكر المكوكية في الشرق الأوسط بعد اجتياح العراق وقبيل الترتيب لعقد مؤتمر مدريد سنة 1991؛ ثمة وقائع أخرى مماثلة تخصّ الانقلاب على العهود والوعود والمواثيق، خاصة حين تتصل الأمور بدولة الاحتلال.

لعلّ سيرة بيكر حافلة على صعيد ربع قرن من الحياة السياسية الداخلية في أمريكا المعاصرة، وأمّا العالم خارج المحيط فقد تكون أوضح خلاصات دبلوماسية بيكر هي السفارة الأمريكية في القدس المحتلة، أو إقرار ضمّ الجولان المحتل إلى الكيان الصهيوني

الفصل 29 من الكتاب يتناول التقرير الشهير حول أوضاع أمريكا في العراق ما بعد «عاصفة الصحراء» والذي أعدته «المجموعة الدراسية عن العراق» بتكليف من الكونغرس في آذار (مارس) 2006، برئاسة بيكر وزميله الديمقراطي لي هاملتون. وهو فصل يسعى، هنا أيضاً، إلى تجميل صورة بيكر وتضخيم دوره ومهاراته الدبلوماسية؛ لكنه، بذلك، يجمّل التقرير ذاته ويختزل مفاعيله الأمريكية والعراقية والإقليمية على نحو فاضح. على سبيل المثال، التوصية رقم 15 التي تحثّ إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن على فتح حوار مع النظام السوري بصدد حلّ مشكلات العراق؛ تطالب النظام بتنفيذ ما يلي، ونقتبس حرفياً: 1) التزام سوريا التامّ بقرار مجلس الأمن الدولي 1701 لشهر آب (أغسطس/آب) 2006، والذي يؤمّن الإطار لاستعادة لبنان سيطرته السيادية على كلّ أرضه.؛ 2) تعاون سوريا التامّ في كلّ التحقيقات الخاصة بالاغتيالات السياسية في لبنان، خصوصاً اغتيال رفيق الحريري وبيير الجميل؛ 3) الإيقاف الفعلي للمساعدة السورية لـ «حزب الله» واستخدام الأراضي السورية لنقل الأسلحة والمساعدات الإيرانية إلى «حزب الله» (وهذه الخطوة سوف تساعد كثيراً في حلّ مشكلة إسرائيل مع «حزب الله»)؛ 4) على سوريا استخدام نفوذها لدى «حماس» و«حزب الله» من أجل إطلاق سراح جنود قوّات الدفاع الإسرائيلي المختطفين؛ 5) الإيقاف الفعلي للجهود السورية الرامية إلى نسف حكومة لبنان المنتخَبة ديمقراطياً؛ 6) الإيقاف الفعلي لشحنات الأسلحة من سوريا، أو عبر حدودها، إلى «حماس» وسواها من المجموعات الفلسطينية الراديكالية؛ 7) التزام سوريا بالمساعدة في الحصول من «حماس» على اعتراف بحقّ إسرائيل في الوجود؛ 8) بذل سوريا جهوداً أكبر لإغلاق حدودها مع العراق.

والمرء يتساءل، بادئ ذي بدء، أية مهارة دبلوماسية هذه التي قادت إلى تلك الشروط التعجيزية غير القابلة للتطبيق، شاء النظام أم أبى؟ وهل هذه ثمرة موافقة حافظ الأسد على المشاركة العسكرية في «درع الصحراء» حتى يُكافأ وريثه بشار بهذا العرض شبه المستحيل؟ وهل، حقاً، ذهبت هباء تلك الساعات الطوال من حوارات الأسد الأب مع بيكر في دمشق؟ ولو أنّ النظام وافق على تنفيذ نصف تلك الاشتراطات، فما الذي سيميّزه عن الأنظمة العربية التابعة علانية للولايات المتحدة، والتي لم يتوقف إعلام النظام عن هجائها، وأطلق الأسد نفسه على زعاماتها صفة «أنصاف الرجال»؟ ثمّ، في نهاية المطاف، وبالنظر إلى أنّ النظام «ليس جمعية خيرية» كما ردّد رجاله مراراً، ما الحوافز التي ستمنحها أمريكا في المقابل؛ خصوصاً وأنّ مجموعة بيكر ـ هاملتون اعتمدت مبدأ الترغيب والترهيب، في آن معاً؟ تلك سلسلة أسئلة لم تنتهِ إلى إجابات تنفع النظام السوري، بالطبع، رغم زيارات أمثال جون كيري ونانسي بيلوسي ووليام برنز وسواهم من ساسة أمريكيين زاروا دمشق بمهام رسمية أو مبطنة.

ولعلّ الخلاصة الأكثر دراماتيكية في التقرير، وبالتالي في حصيلة «سوق» الشرق الأوسط التي تجوّل بيكر فيها، إنما تتجسد في هزال توصيات التقرير حول موجة التبشير الديمقراطي التي عصفت بالمحافظين الجدد وانتقلت على نحو آلي إلى رجال الإدارة الأمريكية ونسائها؛ إذْ بدا وكأنّ تقرير المجموعة لم يعد يرى العراق فردوساً للديمقراطية، أو مُصدِّر جرثومتها المعدية إلى الجوار والمنطقة بأسرها. العكس هو الذي اتضح بين السطور، سيما تلك التي تتحدّث عن حوار مع سوريا النظام وليس مع سوريا الشعب أو المجتمع المدني (كما تعالت بهذا عقيرة وزيرة الخارجية الأمريكية الأسبق كوندوليزا رايس ذات يوم)؛ وعن حوار مع إيران الإمام الخامنئي ومبدأ ولاية الفقيه، وليس مع إيران الإصلاح وإيران التمدّن.

ولعلّ سيرة بيكر حافلة على صعيد ربع قرن من الحياة السياسية الداخلية في أمريكا المعاصرة، وأمّا العالم خارج المحيط فقد تكون أوضح خلاصات دبلوماسية بيكر هي السفارة الأمريكية في القدس المحتلة، أو إقرار ضمّ الجولان المحتل إلى الكيان الصهيوني، أو حتى مآلات اتفاقيات التطبيع المصري والأردني والإماراتي والبحريني؛ حيث يبيع السوقُ «السلام» وصحن الحمّص… معاً!

 

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

===========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com