العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 25-09-2016


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

مضايا المعتقل الكبير .. يمان دابقي

العربي الجديد

الخميس 22/9/2016

عام وثلاثة أشهر مرّت على حصار مضايا في الغوطة الغربية، وأكثر من مئة يوم مرّت من دون دخول أيّ مساعدات إنسانية بسبب إطباق الحصار على المدينة من نظام الأسد ومليشيا حزب الله وإيران، حتى بات الموت السريري يُهدّد أربعين ألف مدني، بسبب فقدانٍ كاملٍ لمقوماتِ الحياة، فأصبح سُكانها يخرجون قسرياً عبر الزمن، ويعودون إلى حياة مراحل الإنسان البدائية التي تكلّم عنها عديدون من فلاسفة اليونان قبل الميلاد، وكيفية أكل الإنسان العشب وأوراق الشجر واصطياد الفرائس البرية من الحيوانات المتوفرة آنذاك، من أجل الحفاظ على غريزة البقاء، فكان قانون الغاب هو السائد والحاكم والبقاء للأقوى.

المشهد التاريخي يستحضر اليوم في مضايا، ونقول يستحضر ولا يتكرّر، لأنّ التاريخ لا يعيد نفسه، بل يستحضر بأدوات جديدة، فأيّ لعنةٍ حلّت على الأهالي المحاصرين، وأيّ قدر كتب لهم، وفي أيّ سورية يعيشون؟

إنها لعنة الحصار التي فرضها نظام الأسد وحزب بالله بموافقة أممية، بعد أن نجحوا في اتفاق سابق في سبتمر/ أيلول العام الماضي على تحقيق اتفاق بإشراف الأمم المتحدة لوقف الأعمال العسكرية في كل من كفريا والفوعة المواليتين للنظام من جهة، والزبداني من جهة أخرى، والمفاوضات كانت بشكل مباشر بين مسؤولين إيرانيين وحركة أحرار الشام الإسلامية، ثم عقب ذلك، تنفيذ البند الآخر من الاتفاق بتبادل سكاني من مصابين وجرحى مدنيين من كلا الطرفين.

بعد هذا الإنجاز الاستبداي لنظام الأسد، أصبح المشهد الحالي في مضايا معتقلاً كبيراً، ومن تبقّى في داخله هم المجرمون، ذنبهم الوحيد أنّهم طالبوا بحقهم الطبيعي بهبة الحياة التي منحها الله لكل البشر على مرّ العصور، فكان العقاب جماعياً، فُرضه الأسد على أبناء شعبه، ولم يكن أبداً عقاباً جماعياً من الله، كما الواقعة التاريخية في قصص الأنبياء، والتي إذا عصى القوم حدوداً معينة يحق عليهم العذاب من السماء السابعة، أو يستبدل الله قوماً غيرهم يستخلفهم في الأرض، كما في قوم نوح وعادٍ وثمود، والواضح اليوم من حال مضايا، أنّه ينطبق عليها ما قاله الفيلسوف توماس هوبز في القرن السابع عشر، إنّ الإنسان ذئب لأخيه الإنسان، إذ يبدو أنّ الأسد هو الذئب الذي كشّر عن أنيابه على أبناء جنسه، لأجل تحقيق رغبات التملّك والتفرّد بالسيادة والسلطة والحفاظ على كرسي العرش، والذي بات يتسّع به في مركز وجوده بدمشق.

تحولت مضايا اليوم إلى رمز المآساة والكارثة الإنسانية في القرن الواحد والعشرين، فمن تبقّى فيها باتوا ينتظرون الموت في غُرف حجرية بعيدة عن المشفى الميداني في مضايا، لأنّ الوباء حلّ بهم بمرض السحايا الذي عشّش داخل المدنية، وأصاب الصغار قبل الكبار، وفي أقوى الظروف، وبعد حملات إعلامية ونداءات استغاثة عديدة، تحرّك الضمير الميت للأمم المتحدة، وأرسلت الهلال الأحمر ليتم إخراج إحدى عشرة حالة فقط، لأنها الأخطر، أما ما تبّقوا من المرضى، فما زالوا بمستويات الأولى من المرض، ولا يحق لهم الخروج.

المفارقة هنا أنّ هذه المحاولة الإسعافية الوحيدة ما كانت لتتم من دون إخراج حالات مرضية أخرى من البلدتين المواليتين للنظام من كفريا والفوعا، مستغلين بذلك الاتفاق المشؤوم، والذي ذكرناه أعلاه، فهم، بهذه الحالة، يطبّقون بنود الاتفاق متى يرغبون، ويجمدونه عندما تنتهي الحالة الحرجة ليعود الوضع على ما هو عليه، لا مساعدات ولا طعام ولا دواء، وإن استطاعوا لقطعوا الأوكسجين لأجل التحكّم في الزفير والشهيق.

مضايا اليوم هي غروزني، هي روما التي أحرقها نيرون، هي معتقل صنعه الأسد، وجعله ظاهراً على وجه الأرض، وإن اختلف عن غيره من السجون والمعتقلات، فالاختلاف هنا هو من حيث المنشأ، فنظام الأسد، وعبر سنوات الحرب الضروس، حوّل مراكز ومبان عديدة إلى سجون سرية تحت الأرض، يوجد فيها آلاف من المغيبين قسراً، ولا أحد من ذويهم يعلم عنهم أيّ شيء، وإن حاول شخص ما السؤال عن أي قريب له، فقد يلقى المصير نفسه.

الرسالة من قصة مضايا التي يُراد إيصالها إلى العالم بأسره، هي ليست هذه السطور، إنّما هي رسالة إنسان من داخل المعتقل، وهو متحدّث باسم المجلس المحلي، تحدّث ببضع كلمات كانت كفيلة لإيقاظ الضمير العالمي الغائب الشاهد على هذه الكارثة الإنسانية، حيث قال إنّنا نعيش في زمن الأموات الأحياء، ونطالب العالم بأسره أن يعاملنا معاملة السجين بتقديم كل الخدمات، كما في كل سجون العالم، وإن لم يوجد في هذا العالم ممن يهتم بحقوق الإنسان، فإنّنا نناشد من يهتم بحقوق الحيوان، لعلّ هذا المطلب يلقى من يستجيب له.

-**-**-**-**-**-**-**-**

موقفنا : يا أولي البقية من حملة علوم الشريعة اجعلوا لله فيما تقولون بقية .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

22 / 9 / 2016

هذا التطرف الأعمى الذي يضرب عالمنا الإسلامي ، بل العالم أجمع ، هو نوع من الجهل الساذج البسيط ينتجه ويدفع إليه جهل مركب ، تجسد في التاريخ الأوربي الوسيط بتحالف الكنيسة مع الإقطاع والسلطة ، فكان تحالفا خبيثا شريرا أنتج للإنسانية هذا الفصام الحضاري النكد على مستوى الفرد داخل النفس البشرية ، وعلى مستوى المجتمعات بكل ما تؤمن به وتسعى إليه ...

مضت القرون الأولى بأمة الإسلام ، ولم يستطع الحكام المسلمون على اختلاف دولهم ، وتباين التزامهم وتفاوت تقواهم ، أن يصادروا علماء الأمة فيوظفونهم في مجاراتهم ، ويجعلونهم في مكانة من يحرف كلمات الله ابتغاء مرضاتهم . وكما وجد في كل عصر من سماهم المسلمون عن وعي وبصيرة وهدى ( علماء السلطان ) فلم يخل عهد من عهود الإسلام ، ولا قطر من أقطاره من قائم لله بالحق ، لا تأخذه في الله لومة لائم ، صداع بالحق ، إذا كلم صاحب السلطة كلمه وسلطان الله نصب عينيه ، فيبقى كل جبار أمام جبروت صاحب الجبروت في سقفه لا يعدوه . وكان عامة المسلمين يعرفون أهل الصدق هؤلاء بما حباهم الله به ، فتقبل منهم وترد على من عداهم من الدون الأدعياء.

وظلت أمة الإسلام تفخر ، كما نفخر نحن اليوم ، أن تاريخ الإسلام لم يشهد هذا التحالف الأصم بين القصر والمسجد ، كما شهد المجتمع المسيحي ذلك الحلف بين الجبروت والكهنوت .

من حق علينا اليوم أن نذكّر بكل الحب والود والتقوى كل أولئك الذين اعتادوا وطأ ( البلاط ) احذروا الانزلاق . اذكروا من أنتم ، لا تبيعوا دينكم ، ولا تبيعوا مروءتكم ولا تبيعوا إنسانيتكم ..

لا تبيعوا فكل ما يدفع لكم أو إليكم قليل حقير .

ولقد شهدنا خلال قرن مضى ، من فرط عقد الدولة الجامعة من حياة المسلمين ، نشوء تحالف مريب خبيث مماثل لما كان في حياة الغربيين ، بين طبقة من حملة العلم الشرعي الإسلامي ، وبين أصحاب السلطان ، بكافة أهوائهم واهتراءاتهم. وقد أدى هذا التحالف على اختلاف طبقاته وتوجهاته ، إلى حالة من النفور والقطيعة العميقة بين أجيال من أبناء الأمة ، وبين حكامها ، ونخبها ، وموئل الإرشاد والإصلاح فيها . وتجسدت هذه القطيعة في حالة من التمرد الخشن أو الحاد امتدت شروره وآثامه إلى كل أطراف الأرض , وتأذى من شررها الكثير من الأبرياء من بني الإنسان .

وبدلا من أن يقوم هؤلاء الحكام ، وجلهم من الطغاة المستبدين الفاسدين الذين لا يصلحون لا لدين ولا لدنيا ، ولا لضيف ولا لسيف ، بمراجعة سياسياتهم ، والارتقاء بتكوينهم العلمي والفكري ، وتحسين سلوكهم ، ومراقبة تصرفاتهم ، واستصحاب الصالحين الناصحين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر من أهل العلم والنصح الصداعين بالحق ، من شعوبهم ، إن لم يفعلوا ذلك عن دين وتقوى فعن سياسة كياسة وحسن مدارة ؛ فإنهم أمعنوا في غيهم ، ولجوا في عدوانهم ، وبالغوا في الاستهتار بمشاعر مواطنيهم ، واستصحبوا الطغام والجهال وعبيد الدرهم من سفلة السفلة من الناس ، وحملوهم فوق رقاب الناس ، يسوّقون المزيد من الجهل ، ويجترون أكثر من روايات الزور والإثم ، ويجاهرون بالعداوة الله ورسوله وكتابه وصالح المؤمنين . ليزيدوا الشقة تباعدا ، والنار اشتعالا . وقد جمع أهل الختل والمكر هؤلاء بين قول الإثم وأكل السحت ، انتظارا منهم أن ينطلي ما يزينون على الناس . ...

يا أولي البقية من أهل الدين وحملة العلم ما لكم لا ترجون لله وقارا وأنتم ترون الإسلام يشوه وجهه الوضاح الجميل ، فتحرف عقائده ، وتنتقص شرائعه ، و يعدو عليه من شرار الخلق من لم يكن قادرا على الدفاع عن نفسه ..

يا أولي البقية من أهل الدين وحملة العلم أيرضيكم ما يجري على أمة الإسلام في العراق والشام واليمن ، ويقولون لك نتقي الفتنة ، ونقرا عليهم قول مولاهم (( أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ ..))

أصمتٌ حتى تصل النار إلى دياركم ، ويحملكم ويحمل من في أعناقكم السيل زبدا طافيا فيلقي بكم السيل في واد سحيق ..

يا أولي البقية اجعلوا فيما تقولون وتفتون وتقدرون وترجون لله بقية ..

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-**-**-**-**-**-**-**-**

هدنة "اللحظة الأخيرة" والفشل السياسي .. عمر كوش

العربي الجديد

الخميس 22/9/2016

على الرغم من سريان هدنة "اللحظة الأخيرة" في سورية، أو "وقف الأعمال العدائية"، فترة قاربت الأسبوع، إلا أن نظام الأسد اخترقها مرات عديدة، منذ دخولها حيّز التنفيذ، ولم يسمح بدخول قوافل المساعدات الإنسانية إلى الأحياء الشرقية في مدينة حلب، وفي المناطق المحاصرة الأخرى، مع العلم أن الاتفاق الروسي الأميركي طالب جميع الأطراف السورية بتسهيل وصول هذه المساعدات، فور بدء الهدنة التي إذا كانت قد نجحت نسبياً في إحداث تهدئةٍ عسكرية ميدانية، أدت إلى خفض العنف، وتقليل أعداد الضحايا السوريين، إلا أنها لم تؤسّس لمسار سياسي، خصوصاً وأنها لم تصمد طويلاً، لكي تؤسّس لمفاوضات سياسية، تؤدي إلى وضع القضية السورية على مسار التهدئة أولًا، ثم البحث في انتقال سياسي ثانياً، يوصل إلى حلّ سياسي منشود، يُنصف السوريين، وهو ما لا يبدو في متناول اليد، وغير واضحة ممكنات الوصول إليه، على الرغم من حديث الوزيرين، الأميركي جون كيري، والروسي سيرغي لافروف، عن مثل هذا الحل، بعد التوصل إلى اتفاقٍ بينهما في التاسع من سبتمبر/ أيلول الجاري.

وعلى الرغم من أن من المفترض ضمان وصول المساعدات الإنسانية والطبية إلى المدنيين كافة في مناطق الحروب والنزاعات المسلحة، حسب المواثيق والأعراف الدولية، إلا أن النظام الأسدي أراد أن يستخدمها وسيلة ابتزاز، تتسق مع استخدامه سلاح التجويع والحصار ضد كل المناطق الخارجة عن سيطرته، بما يرقى إلى جرائم حرب وضد الإنسانية.

وقد خوّل قرارا مجلس الأمن 2156 و2245 الأمم المتحدة بإدخال المساعدات الإنسانية إلى كل المناطق السورية المحاصرة، من دون أخذ إذنٍ أو موافقةٍ من النظام الأسدي. لكن، وبدلاً من تفعيل القرارات الأممية، رأينا المبعوث الأممي، ستيفان دي ميستورا، يستجدي موافقة النظام وإعطاءه تصاريح مرور قوافل المساعدات، ما يعني تخويله حق الوصاية على دخولها، ما يناقض القرارات الأممية، ويناقض ما أعلنه وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، الذي طالبت إدارته روسيا بالالتزام ببنود الاتفاق بينهما، والضغط على نظام الأسد لإدخال المساعدات إلى حلب. لكن، بدلاً من ذلك، سجل النظام وحليفه الروسي سابقةً خطيرةً في قصفهم قافلة مساعدة إنسانية في قرية أورم الكبرى، في انتهاكٍ سافر لكل الاتفاقيات الدولية، وارتكابٍ واضح لجريمة حرب نكراء، تستوجب إحالة المتورطين فيها إلى محكمة الجنايات الدولية.

"اكتفى الطرفان، الروسي والأميركي، بالتعهد في ممارسة الضغط على "حلفائهما" لإنجاح الهدنة، لكنهما لم يحدّدا آلياتٍ جدية، من شأنها إنجاح العملية"

ولعل من أهم حيثيات فشل الاتفاق الروسي الأميركي أنه لم يبن على تصورٍ سياسي، يهدف إلى إنهاء معاناة السوريين، إضافة إلى اختلاف مراد كلا الطرفين وأهدافهما من الاتفاق، فالطرف الأميركي أراد اتفاقاً في الحد الأدنى، لكي يقدمه الرئيس باراك أوباما للناخبين الأميركيين إنجازاً يساعد مرشحة حزبه الديمقراطي، هيلاري كلينتون، في الانتخابات الرئاسية المقبلة، فيما أراد الساسة الروس أن يسترجعوا بعضاً من شرعية نظام الأسد المفقودة، وهم يخفون سعيهم الأساسي من الاتفاق، المتمثل في الوصول إلى شراكةٍ عسكريةٍ مع الأميركيين في الحرب ضد تنظيم داعش وجبهة فتح الشام (النصرة سابقا)، وشرعنة ذلك، بالحصول على قرار من مجلس الأمن الدولي. لذلك، هدّد المسؤولون الروس، في أكثر من مناسبة، بنشر بنود الاتفاق بوثائقه الخمس التي تحدّث عنها لافرورف، فيما أصر المسؤولون الأميركيون على عدم نشر هذه البنود، بحجة حساسية المعلومات فيها.

وبالفعل، يمنح المعلن من بنود الاتفاق، وخصوصاً الجانب العسكري منه، مشروعية لجيش الأسد وكل المليشيات الإيرانية واللبنانية والعراقية والأفغانية التي تقاتل دفاعاً عنه، من جهة تحديد مناطق قتالها، بل ويسعى الاتفاق إلى إشراك النظام فيما تسمى الحرب على الإرهاب، ويجعل من الروس شريكاً أساسياً في هذه الحرب. لذلك، طالب الاتفاق جميع الأطراف بوقف المعارك وعمليات القصف والغارات الجوية من النظام، مع منحه استثناءاتٍ في ذلك، واكتفى الطرفان، الروسي والأميركي، بالتعهد في ممارسة الضغط على "حلفائهما" لإنجاح الهدنة، لكنهما لم يحدّدا آلياتٍ جدية، من شأنها إنجاح العملية، واكتفيا بدعوة المعارضة والنظام إلى الإبلاغ عن أي انتهاكاتٍ قد تحدث، من دون وضع آليات مراقبة، أو إجراءات رادعة لقوات الأسد وحلفائه، في حال خرق الهدنة، الأمر الذي منح النظام حرية القيام بانتهاكاتٍ متكرّرة، من دون عقاب أو رادع، وبالنهاية انهار الاتفاق، وعاد الوضع إلى تصعيد عسكري جديد.

وإن كان الاتفاق الروسي الأميركي قد رفض انفصال جبهة النصرة عن تنظيم القاعدة، فإنه سكت، في المقابل، عن وجود تنظيمات مصنفة إرهابية من الولايات المتحدة الأميركية وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، مثل حزب الله اللبناني والحرس الثوري الإيراني، التي تقاتل إلى جانب النظام السوري وحليفيه الروسي والإيراني ضد غالبية السوريين. وبالتالي، أفضى ذلك إلى تقوية نظام الأسد وحلفائه، في مقابل سعيه إلى شق صفوف المعارضة السورية، مع محاولة إضفاء شرعيّة على طرف، مع تجريم وافتراس طرف آخر، والأدهى محاولة طرفي الاتفاق إعادة تأهيل نظام الأسد، وتخلي الطرف الأميركي عن المطالبه برحيله، ما يعني تحويل القضية السورية المأساوية إلى مجرد قضية لاجئين ومساعدات إنسانية، وجعل ممكنات حلها تتجسّد في أولوية الحرب على الإرهاب.

وبالفعل، يظهر صراع القوى الإقليمية والدولية على الأرض السورية أن التفاهمات والاتفاقات التي عقدها الروس والأميركان مجرّد صفقات سياسية، لا تقتصر فيها القوى الفاعلة على الحفاظ على نفوذها في سورية فحسب، بل في إضفاء بعدٍ آخر للصراع، يتمثل في جعل عملية الانتقال السياسي أكثر صعوبةً وتعقيدًا. ولا تعني فظاعة المشهد الإنساني للقضية السورية وقساوته، بعد تجاوز عدد الضحايا ستمائة ألف قتيل، وتشريد أكثر من نصف السوريين داخل سورية وخارجها، وتدمير بنية البلاد، فضلاً عن جرائم التهجير والتغيير الديمغرافي على أساسٍ مذهبي. لا يعني ذلك كله في المعيارية الروسية، وربما الأميركية أيضاً، سوى ورقة للمزايدة والوصول إلى تفاهماتٍ وتوافقاتٍ، تناسب مصالح كل قوة كبرى وفاعلة في الملف السوري، الأمر الذي لن يؤسس مطلقاً لمسار سياسي تفاوضي، يمكنه أن ينقل البلاد إلى وضعٍ جديدٍ وأفضل، ومرد ذلك، في قدر كبير منه، إلى مسار التراجع والخذلان الأميركي الذي لخصه الاتفاق الروسي الأميركي حول سورية.

-**-**-**-**-**-**-**-**

سورية المحتلة والسوريون الضائعون .. عمّار ديّوب

الحياة

الخميس 22/9/2016

حين تمتلئ سماء سورية بطائرات عسكرية أجنبية، وأرضها بأسلحة وبمقاتلين من دول عدة، وحين تصبح لروسيا ولأميركا ولإيران وتركيا قواعد عسكرية في المدن السورية كافة، حين يحصل كل ذلك نجزم بأن سورية أصبحت محتلة.

طلب النظام من روسيا حمايته في مجلس الأمن ومؤسسات الأمم المتحدة، منذ 2011، وكذلك فعلت المعارضة حينما طلبت كل أشكال الدعم والتدخل العسكري لتخليص سورية من المجزرة. لكن لا روسيا استطاعت إنهاء الثورة ولا أميركا نصَرَتْها. تطور الأحداث كان يَخضع للشروط الإقليمية والدولية، وكان لأميركا ولروسيا دور مركزي في تأجيل الحل السياسي وإدامة الحل العسكري، بقي الأمر كذلك حتى انهارت سورية بالكامل وأصبحت إمارات متقاتلة! دُمرت مدنُها وقُتل مئات ألوف الناس، وشُرد الملايين ونُهب الاقتصاد وأصبحت خسارتها أكثر من 250 مليار دولار.

بعد الهدنة الأخيرة، حدثت لقاءات بين كيري ولافروف وكُتبت وثائق، ومنها ما ظل سرياً، ورفضت القيادة الأميركية إعلانها، وهي بالتأكيد ستُعلن في وقت قريب. لكن هذا السلوك الامبريالي، الذي وافقتها روسيا عليه على رغم رغبتها في إفشاء السر، وبغياب المعارضة والنظام عنه، يؤكد مجدداً أن سورية محتلة.

النظام، ومنذ بداية الثورة، شعر أنها ستطيحه لا محالة كما حدث في تونس ومصر، فكانت الضرورة هذه تستدعي طلب التدخل الإقليمي والدولي. المعارضة أيضاً طالبت به، بسبب رؤيتها المشوشة للتموضعات الدولية والإقليمية، وأوهامها عن أن أميركا تريد نظاماً سورياً جديداً وبما يُكرر تجربة التدخل في العراق وليبيا، وبالتالي المعارضة والنظام أصبحا أدوات بيد الخارج. متانة الثورة وضخامة التدخل لمصلحة النظام، هما ما جمّد الوضع وأبقيا النظام، وفي مرحلة لاحقة لعبت أميركا دوراً مركزياً في ضبط كل العمليات العسكرية المناهضة للنظام.

أيضاً قوة الثورة، وعلى رغم كل أخطاء المعارضة، دفعت النظام والدول الإقليمية والعظمى لتسهيل دخول ألوف الجهاديين إلى سورية. وفي المقابل، فإن تلاشي قوة النظام العسكرية دفعه إلى الاستعانة بالميليشيات الطائفية التي تقودها إيران. عنف النظام ورداءة تحليل المعارضة للثورة والوعي الديني الشعبي هي ما سمح للجهاديين وللسلفيين بالوصول من الخارج أو الانبثاق من الداخل، وهذه فئات معادية للثورة أولاً، وللنظام ثانياً، وقد خاضت معاركَها بعد أن تمكنت من الشعب، أي قضت على منظماته السياسية والمدنية والإعلامية والإغاثية المستقلة، وبنت سلطتها الشمولية. والدقة تدفعنا للقول إنها خاضت معارك ضد النظام، وهي تُمكِن نفسها، لكنها ظلت معارك أقرب إلى صد هجوم قوات النظام، أو التدخل حينما تُنهِك فصائل الجيش الحر تلك القوات كما حدث في مناطق كثيرة في سورية.

الجهادية والسلفية ليستا من الثورة بشيء، وكذلك فالقوى السياسية المعارضة الحداثية لم تكن هي من أطلق الثورة، لكنها تساوقت مع بعض أهدافها وحاولت تسييد أهداف أخرى تراها ممثلةً للثورة. يعنينا هنا السلفية والجهادية، فهما تعلنان أن ثورتهما ليست من أجل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، بل من أجل دولة إسلامية متخيَّلة ومن أجل استعادة المجتمع الإسلامي الذي هويته من هوية الأكثرية الدينية. أهدافهما هذه مناقضة لأهداف الشعب، الذي كرّر طيلة 2011 و2012 أن الشعب السوري واحد، أي أن أهداف ثورته هي من أجل كل السوريين.

في مطلق الأحوال، تمكنت الجهادية والسلفية من الثورة، وبالكاد نجد في 2016 تنظيمات عسكرية مستقلة أو سياسية، كما كانت في الأعوام الأولى للثورة، فأغلبيتها أصبحت خاضعةً لهذه التنظيمات.

على العموم، الدور السوري انتهى الآن، وسورية محكومةٌ بالتوازنات الإقليمية والدولية، وما يُعد من هُدنٍ أو اتفاقات علنية وسرية ليست لمصلحة السوريين. نعم كان السوريون ثائرين ضد النظام، والآن، أصبحت مهمّتهم الثورة ضد الاحتلالات المتعددة الأشكال.

ربما هذه المرحلة لم يحن وقتها لغياب أي دور فاعل للسوريين الوطنيين، لكن حينما تهدأ الجبهات سيجد السوريون أنفسهم مكبلين باتفاقات تضرّ بمصالح النظام والمعارضة معاً.

بكلمة واحدة، قاد الاستبداد البلاد إلى الاحتلال، وساعدته المعارضة الانتهازية في ذلك.

* كاتب سوري

-**-**-**-**-**-**-**-**

الفخ «السوري» واغتيال الضحية .. زهير قصيباتي

الحياة

الاربعاء 21/9/2016

قمة البؤس أن تنتهي قمة اللاجئين والنازحين بمجرد إعلان نيات في نيويورك، قد لا يُنقذ خمسة في المئة من 65 مليون إنسان، هُجِّروا من أوطانهم أو منازلهم، وبينهم 24 مليون لاجئ.

هؤلاء هم ضحايا الاستبداد وحروب إبادة يفرّون منها بقوارب الموت، ويطاردهم الإرهاب وعصابات تهريب البشر والإتجار بهم.

ومع انهيار الهدنة في سورية، سيزداد القتل والتهجير القسري، والنزوح، ويُتم الأطفال الذين ارتُكِبت في حقّهم أبشع جرائم يعرفها البشر... هؤلاء الذين لم يميّز النظام في دمشق ولا قاذفات الروس، بينهم وبين الجماعات «الإرهابية»، سيبقون عاراً لإدارة الرئيس باراك أوباما وهو يودّع قادة العالم من على منبر الأمم المتحدة، بكلام طنّان عن مطاردة «داعش» والإرهاب، وجبن الإرهابيين.

...لكن عينه لن تنام قبل تحرير الموصل من أنياب «داعش». هذا ما قاله فيما كانت «الأشباح» تطارد قافلة إغاثة للسوريين المنكوبين بالحصار الإرهابي.

التنكيل بأطفال سورية سيبقى عاراً لا يُمحى على نظام عالمي جديد، يريده قيصر الكرملين على مقاس طموحات إمبراطورية، هي إمبريالية روسية من طراز معولم... فحيث يتراجع الخصم وينكفئ، تصبح الساحات والأوطان ملاعب شاسعة لاختبار الأسلحة الجديدة، وتدمير المدن والجيوش، تمهيداً لعقود الإعمار والتسليح والتدريب، وزرع القواعد العسكرية بين البحار والمحيطات، وتنصيب الحلفاء المخلصين، ورعايتهم بمظلة الحماية.

قبل سنوات، كان السوريون وأطفالهم ضحايا الاستبداد، ثم باتوا أعداء لحلفائه الذين مدّدوا عمر المجازر، ثم أصبحوا مجرّد أرقام، على هامش «المعركة ضد الإرهاب».

عليهم، اتفق الروس والأميركيون، فتحت سقف تلك المعركة تُبرّر موسكو للنظام كل ما يرتكب، لكن السؤال بعد قتل الهدنة، هو مَنْ الذي اغتالها ولأي هدف؟ قبل سقوطها الذي مهّد له الكرملين بإطلاق يد النظام السوري لأنه «وحده التزم وقف النار»(!) ظن الرئيس فلاديمير بوتين أنه يحشر أوباما في زاوية فضيحة تعهُّد إدارته عدم استهداف قوات النظام، قبل بدء التحالف غاراته. الرئيس الذي لا ينام لأن «داعش» يخطف الموصل، «صُعِقت» إدارته بقصف قافلة إغاثة قرب حلب. دمشق نعت الهدنة بعد التقاطها الرسالة الروسية، وإن كان النظام المستفيد الأول من طيّ صفحة الاتفاق الروسي- الأميركي، إذ يبدّد هواجس وريبة من مرحلة ما بعد الهدنة، فموسكو ستجد ذريعة جديدة لمتابعة مشروع تصفية كل الفصائل المعارِضة المقاتلة.

يظن أوباما أن ما يرتكبه الروس في تأمين مظلة الحماية لنظام يواصل حرب إبادة، سيبرّئه من وصمة التردُّد والعجز اللذين تجاوزا خطوط الفضيحة، منذ جولات وجولات من استخدام النظام أو أنصاره الغازات السامة. وإذا كان الغزو الأميركي للعراق، والذي سهّل ولادة «داعش» لاحقاً، أم الفضائح في تاريخ الديموقراطية الأميركية ودفاعها عن حقوق الإنسان، فإن نقيضه، أي التفرُّج على كوارث سورية، لا يبرّئ الديموقراطيين ولا الجمهوريين في الولايات المتحدة من عمى مريب، ربما نجم عن فيروس الاستسلام للوبي الصهيوني.

أوباما يودّع قادة العالم، قريباً يغادر البيت الأبيض... وهو ودّع العرب بأكبر صفقة تضمن أمن إسرائيل، ربما خوفاً على مصيرها من أطفال سورية وفلسطين. فالاحتلال ربيب الاستبداد، تعايشا لعقود بسلام، كل منهما يتاجر بالآخر شعاراً ليطيل عمره... المعركة قومية ضد الاحتلال، اركَع للنظام ليقاوم، والمعركة مصيرية لإسرائيل في محيط معادٍ لـ «ديموقراطيتها».

سقط أوباما وبوتين في لعبة الفخ المتبادل في سورية، كلاهما راهن على الوقت. أُبيدت آلاف أخرى من البشر الذين يتفرّج العالم على مآسيهم، كأنهم مجرد فيلم «مزعج».

أوروبا تتخبّط بأزمة هويتها، بات المهجّرون واللاجئون على مقصلة يمينيتها. أميركا تتفرّج على المذبحة الكبرى في سورية، وروسيا مازالت تجد هامشاً زمنياً واسعاً للمناورة.

-**-**-**-**-**-**-**-**

سوريا ومأساة الاستعمار الجديد .. د. طيب تيزيني

الاتحاد

الثلاثاء 20/9/2016

ثمة حالة ربما ليست فريدة في تاريخ سوريا، ولكنها تمثل الآن الدرجة الأكثر وحشية وإشكالية في هذا التاريخ، وخاصة في ظل وحشيتها وإشكاليتها وصعوبة فك الارتباط بين الفاعلين فيها على تنوع اتجاهاتهم السياسية والأيديولوجية والأخلاقية، هذا أيضاً دون إغفال هويات ومواقع ما يعتبر أطرافاً أخرى تقدم نفسها بمثابتها محايدة، مثل المنظمات الدولية، وفي مقدمتها الأمم المتحدة وما يرتبط بها من منظمات ومؤسسات محلية وعالمية، وخصوصاً منها تلك التي تقدم نفسها باعتبارها هياكل تعنى بحقوق الإنسان وبالدول المستقلة وذات السيادة الوطنية.

لقد نقلنا في مقالة سابقة ما قدمه الفيلسوف الألماني كانط وعالم الاجتماع العربي ابن خلدون، من آراء حول أولئك الذين يتدخلون في شؤون دول ومجموعات بشرية أخرى، فلاحظنا أن فكرة «التدخل» تتضاءل إلى فكرة «الزيارة أو الاستضافة» لدى دولة ما، مع احترام كامل للنظام القائم في البلد المعني. أما فكرة التدخل العسكري وما يلحقها على الأصعدة المتعددة، فهي حالة من العداء والتصرف اللاقانوني إزاء البلد المتدخل فيه، وتصل إلى مستوى «الحرابة والتدخل القسري»، وقد تطور ذلك إلى صيغة «الحروب الاستعمارية» الرامية إلى احتلال هذا البلد أو ذاك.

إن ذلك كله وضع بعض الدول المستقلة في حالة شائكة ومتحركة، وخصوصاً في المرحلة الراهنة المعيشة، فها هنا تجد القرار في أيدي الآخر، ويصبح الصراع مفتوحاً في أيدي هذا الأخير، فيحتار الباحث والمحلل في أي اتجاه يقود بحثه، فالحالة التي نعيشها نحن الآن هي نمط من الصراع بين «الكبار» على رقعة الصِّغار، وهذا نموذج أصبح ذا مشروعية في إطار «العولمة» وصُنّاعها الذين يعتبرون العالم سوقاً تمحى فيها الهويات والخصوصيات، لتستبدل بمنظومات سلعية مالية، ما يحدث انقلاباً في المجتمع، وقد يصل الأمر إلى تعريض ما يعتبر ثوابت تاريخية، إلى كونها حالات قابلة للتغيير والتبديل، مثل الهويات الوطنية والإنسانية، فالوطن يتحول إلى طائفة، والإنسان يعود إلى مرحلة «التوحش».

لقد تعاظم الأمر، بحيث أصبح هذان الطرفان الدوليان الكبيران هما المخولان بالتحدث في سوريا وعنها، وازدادت هذه الحالة على نحو تعاظم الخلاف والصراع فيه على سوريا، بحيث ظهر إلى العلن، وراحت المسألة السورية تختزل شيئاً فشيئاً إلى المهاترات بين الأميركي والروسي، وذلك على نحو غابت فيه المنظمات الدولية، وخصوصاً منها الأمم المتحدة، ناهيك عن غياب الطرف السوري نفسه، صاحب العلاقة، كما يفترض، وهذه حالة تدعو إلى الأسى وإلى الشعور بالاستفراد، وكأنها حالة تشي بعلاقة تبعية بين سيد ومسود، كما ظهرت في كتابات عدد من «المستشرقين»، الذين تحدثوا عن ثنائيات «الإبداع والتقليد»، و«السادة والأتباع». وقاد أحدهم ذلك إلى حالة كونية شاملة، حين تحدث عن «الشرق والغرب، اللذين لا يلتقيان»! وإذا كان «كيبلنج»، صاحب هذه الثنائية، قد أوصل المسألة إلى حدودها القصوى بين ذينك الفريقين، فقد أراد أن يحسم المسألة بالقطع بين الشرق والغرب، أو بين الغرب وبين كل العالم. وهكذا يقودنا هذا الخطاب الاستشراقي إلى تسويغ لما يحدث على صعيد الأميركيين والروس من طرف، والغربيين والشرقيين من طرف آخر.

إن ذلك الخطاب الاستشراقي الغربي يفضي بنا، على الصعيد السياسي، إلى الانصياع لما يتردد في بعض الوسائل الإعلامية العامة، وخصوصاً السورية والعربية، حين تتحدث عن المأساة السورية. ويبدو الأمر كأنما هو قائم على العلاقة بين الطرفين الغربيين، وكلاهما استعماري النزعة والسلوك. أما مادة التحدث والحوار بين الفريقين الغربيين، فأمر يخرج من يد أصحاب هذه المادة.

وكما يلاحظ، فإن الحوار بين الفريقين المذكورين لم ينجز سوى الاضطراب والتعقيد، وذلك على نحو يتفقد فيه المعنيُّ بموضوع ذلك الحوار، الوضوح أولاً، والمصداقية، السياسية والأخلاقية ثانياً! وماذا يمكن ذلك أن يعني في مرحلة تبدو برأي البعض وكأنها تبشر بما قد يفضي إلى انتداب أو هيمنة استعمارية، يصر عليها الفريقان المتحاوران؟ إنه قد يعني العودة إلى ما يريده البعض متمثلاً أو قريباً من مشروع سايكس- بيكو الشهير، ذلك المشروع الذي كان يلح على تقسيم سوريا الأم أرضاً وشعباً.

لقد تكلمنا عما أصبح عصياً على الآخرين. إلا أن اتفاقات الفريقين المتحاورين حول الهدنة في سوريا وما يساورها من الأوهام، تدعو أبناء الشعب السوري، بكل أطيافه وتجلياته الطائفية والعرقية والإثنية والعرقية وغيرها، لأن يكونوا حقاً أوفياء لأجدادهم، أمثال يوسف العظمة، وصالح العلي، وسلطان باشا الأطرش، وغيرهم كثير من أمثال خيرو الشهلي وفارس الخوري، ومن ثم أوفياء للوطن الكبير، سوريا العربية الأم، فالمرحلة معقدة أشد التعقيد، فعليهم أن يرتفعوا إلى مستوى الحدث الجلل، وأن ينتجوا وطناً حراً ديموقراطياً، وشعباً سعيداً، وهكذا، تواجه الأمور بتحدياتها الكبرى.

-**-**-**-**-**-**-**-**

الشام والعراق والصراع الصفوي العثماني بين الماضي والراهن .. د. أحمد موفق زيدان

العرب

الاثنين 19/9/2016

أقرأ هذه الأيام كتاب يوجين روجان بعنوان» العرب من الفتوحات العثمانية إلى الحاضر» وهو كتاب مهم لفهم ما يجري على أرض العراق والشام هذه الأيام، فحين يُعيينا فهم الحاضر لا بد من نبش الماضي لنفهم حاضرنا، فكما أن المستقبل يولد من رحم الحاضر فإن الأخير يولد من رحم الماضي، ولذا فمقولة البعض هذا جزء من الماضي خطيرة في كثير من الأحيان كونها تقطع الأجيال عن بعضها، وتفصم حلقات التاريخ عن بعضها بعضا.

دخل الصراع الصفوي-العثماني مراحل حاسمة في التاريخ القديم وكان الصراع على العراق بعد أن حسم السلطان سليم ياوز» الشرس» خياره بدخول حلب عام 1516 وسط ترحيب من أهلها ثم أهل دمشق، وألحق هزيمة منكرة بالمماليك وصلت صداها إلى القاهرة، فكان الصراع الصفوي العثماني منحصراً لفترة طويلة بالعراق، وعانت الخلافة العثمانية على مدى تلك الأيام المريرة من طعنات نجلاء بالظهر وهي على أبواب فيّنا، مما أرغمها على التراجع عن فتوحاتها لتتفرغ إلى طعنات الصفويين، لكن الأهم من ذلك كله ما نقرؤه في بطون التاريخ من أن الكنيسة الأرثوذكسية التي يتفاخر بها بوتن اليوم ويعتمد عليها بشكل كبير في مغامراته بالقرم وسوريا مهووسة باستعادة اسطمبول كونها رمزها، بالإضافة إلى طموحها باستعادة شواطئ البحر الأسود والأناضول كونها معقل كثير من الأرمن الموالين لروسيا.

باعتقادي أن أكبر فارق بين الصراع العثماني الصفوي قديماً وحديثاً هو أن القوى الأجنبية الغربية والشرقية حسمت خيارها هذه الأيام في ألا تدع الصراع الصفوي-العثماني أن يظل ثنائياً بينهما، لأنه سيُحسم بالتأكيد لصالح العثماني بسبب قوته الجغرافية والديمغرافية ومحيطه السني الذي يواجه جزيرة صفوية طائفية لا تقوى على الصمود أمامه، ولذا دخل الروس على السريع إلى جانب إيران ومليشياتها الطائفية في إلحاق الهزيمة بمشروع الثورة الشامية الذي هو امتداد للمشروع العثماني ومشروع الأمة بالتخلص والانعتاق عن الهيمنة الغربية والشرقية، وكان ثمة إخوان لهم يمدونهم بالظاهر والباطن تجلى ذلك بالمحاولة الانقلابية التركية الفاشلة المدعومة أميركياً، ثم الاتفاق الأميركي-الروسي المستهدف لتصفية الثورة الشامية.

مثلما انشغل الأرمن في تركيا بالانحياز إلى روسيا والتجسس على الخلافة العثمانية أيام الحرب العالمية الأولى، كانت النخب العربية تأمل خيراً بالإنجليز والفرنسيين مما سهل على أعداء الأمة يومها ابتلاع أراضيها وتجزئتها وتمزيقها، واليوم بحجج واهية من أسئلة الهوية وحقوق الأقليات والاثنيات وغيرها يلتفت إخواننا الكرد إلى الغرب والشرق باحثين عن رداء يتغطون به، ولن يحصلوا عليه، وقد ثبت ذلك بعد أن باع غلاتهم الأميركيون والروس في أول صدام أو مواجهة مع تركيا.

لم يسقط الأميركيون والروس يوماً حساب الدين من حساباتهم السياسية، ولذا فإن الطموح الروسي والأميركي والإيراني مدفوع دينياً، ولا يخجلون من ذلك بينما لا يزال يعمل بعضنا على إبعاد العامل الديني من الصراع، والحل هو بمواجهة العدو بعقيدة أصلب من عقيدته وحشد الطاقات العربية والتركمانية والكردية وغيرها تحت راية الإسلام والدين فهو ما يجمعنا، وإلا فإننا سنُؤكل فرادى كما فعلوا بنا يوم سقطت الخلافة العثمانية، وهذا يتطلب جرأة نخب بكافة شرائحهم، فمن يعلق الجرس؟;

-**-**-**-**-**-**-**-**

هدنة أم إعادة ترتيب مسرح الجريمة؟ .. غازي دحمان

العربي الجديد

الاثنين 19/9/2016

في معرض تبريره توقيع اتفاق الهدنة في سورية مع روسيا، يقول وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، إنه من دون ذلك الاتفاق كان سوريون كثيرون سيذبحون أو يضطرون للفرار من بلادهم، وفي ذلك اعتراف صريح أنه، في القرن الواحد والعشرين، جل ما يستطيعه العالم المتحضر هو إنقاذ من بقي حياً من المذبحة، إلى حين، في مقابل التنازل، ليس عن حقوقهم السياسية والمدنية، والآدمية بالتأكيد، بل وعدم ضمان ألا يجري ذبحهم، بعد أن يتم إطفاء الأضواء عن المذبحة ومغادرة المسرح، وترك العصابة تسرح في العتمة.

هي أكثر من مكافأة يجري تقديمها لنظام الأسد، ومن خلفه مليشيات القتل المذهبية، وداعميه من الروس والإيرانيين، بل يمكن تصنيفها بجدارة بوصفها معادلة جديدة في العلاقات بين الشعوب والكيانات الدولية، مفادها بأنه كلّما قتلت المزيد حصلت على منافع استراتيجية وامتيازات جيوسياسية. المهم أن يكون لديك شعار صلب، وليس مهماً مدى صدقيته، مثل الحرب على المؤامرة أو مساندة الحكومات الشرعية، أو حتى تطبيق قواعد القانون الدولي، وأن تملك الآليات المناسبة لإنجاز هدفك، وإقناع العالم أنك طرف موجود في المعادلة بحكم الأمر الواقع، من أسلحة فتاكة ومرتزقة ومليشيات. حينذاك، يصبح غضّ النظر عن جرائمك، والرضوخ لطلباتك في توسيع النفوذ والسيطرة على الشعوب وإخضاعها، نوع من الذكاء السياسي "براغماتية" وواقعية يحتّمها فهم القاعدة الأم في السياسة بأنها فن الممكن.

لكن، حسناً، ثمّة من يقول، وقوله صحيح، إن الوجدانيات لا تصلح أبداً في قراءة الوقائع السياسية، كما إنها تقصّر في فهم الظواهر السياسية. وفي الحالة السورية، ثمّة معطيات حاكمة هي التي صنعت المخرجات السياسية الممثّلة بالهدنة في شكلها الذي ظهرت عليه موازين القوة ومعادلات الميدان، ما يستدعي إنتاج معادل موضوعي لها، يتمثّل بالرضوخ للأمر الواقع، وتحصيل الممكن والمعبّر عنه هنا بعدم الجلوس في مكان المتفرّج، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أرواح البشر، على ما يذهب كيري أيضاً في سرديته التبريرية.

"ثمّة ما يستوجب التساؤل، وباندهاش، عن المتغيّر الذي يمكن أن تحدثه هدنة آنية منزوعة القوة والفعالية، ولا يملك الطرف الآخر فيها، الولايات المتحدة، سوى الأماني في أن تمر بسلام"

وثمّة ما يستوجب التساؤل، وباندهاش، عن المتغيّر الذي يمكن أن تحدثه هدنة آنية منزوعة القوة والفعالية، ولا يملك الطرف الآخر فيها، الولايات المتحدة، سوى الأماني في أن تمر بسلام، من دون ربطها بمشروع سياسي يقارب الأزمة الأساسية، وهي استباحة نظامٍ شعب سورية لم يعد نظاماً، بل مجرد تشكيلات مافياوية، ترفده مليشيات ذات لون ووظائف طائفية وأنظمة حكم فاقدة للشرعية في بلادها! في هذه الحالة، ألا يصبح الأمر مجرد إعادة لترتيب مسرح القتال، وترسيم مناطق القتل التي يتطلب توجيه فعاليات تلك القوى إليها، مقابل "الثمن" تقويت المناطق "المربعات" الأخرى، حتى يتم التفرغ لها، بعد انتهاء وظيفة الهدنة الأخيرة، وإنجاز مهمة تصفية الثغر الأكثر مقاومة. أليست تلك عملية تبويب حربية، الهدف منها ترتيب الأولويات القتالية؟

المذهل في صناعة السردية الأميركية عن هذه الهدنة إصرار رواتها على الخيط الملحمي الإنساني المتحقق في هذا النسق "الإنجاز" المعجزة، حيث يذهب أحد مهندسي السياسة الأميركية في سورية (روبرت فورد)، وهو السفير السابق في دمشق، إلى أن "اتفاق الهدنة إذا دام ولم ينفرط عقده سيخفف من المعاناة الإنسانية في سورية"، وهو ما يعتبره "أمراً حسناً". والواضح أن السياق التبريري للسياسة الأميركية المتهافتة يجري بناؤه على هذه الركيزة الهشة. لكن، ومن دون القصد بالدخول في مساجلةٍ مع هذه التبريرات، سوف تستمر المعاناة الإنسانية في سورية وتزيد، طالما لم يتم تفكيك البنية الأساسية التي تنتج هذه المعاناة، والمتمثلة من دون شك، باستمرار عصابة الأسد في الحكم، وبقاء إيران ومليشياتها على أرض سورية، واستمرار مشاريعها في التطهير والتجريف الطائفي، ذلك أن المعاناة الإنسانية في سورية ستستمر، وإن بأشكال وأساليب أخرى، ليس منها القصف بالبراميل المتفجرة ولا بغاز الكلور.

أما عن المعاناة في سورية فهي حصلت في خمس سنوات، كان كل يوم فيها يمر على الشعب السوري بحجم سنين، وكل إضافة على هذه المعاناة بمثابة الضرب على الجرح الملتهب. وقد دمرت هذه المعاناة نسيج مكونٍ محدّد، يسمى الأكثرية في سورية، حيث جرى عمداً، وعن تصميم وتخطيط واع، تحطيم خريطته الاجتماعية، وإضعاف مرتكزات وجوده، بحيث يسهل إعادة تشكيله والتحكم فيه إلى مدىً بعيد عبر نزع الجزء الفاعل فيه، قتل الشباب وتهجيرهم، وإخفاء الناشطين وقتلهم، وترهيب أصحاب الرأي وإجبارهم على المغادرة عبر تحويل بقائهم في سورية نوعاً من الانتحار المجاني، في مقابل تطويع أصحاب النفوس الضعيفة من رجال الدين والكتبة والمرتبطين في شبكات الفساد واستعمالهم واجهاتٍ لتبرير المذبحة بحق الأكثرية، والقول إن الحرب ليست ذات بعد طائفي.

يتفق اليوم أعداء الأكثرية السورية، المنخرطون ضمن تحالف روسيا وإيران وأميركا، على إجراء هدنةٍ تحقق للطرف الأول مكاسب سياسية، تعزّز مكاسبهم الميدانية التي حققوها بالفوسفور والكيماوي والقتل الطائفي على الهوية. وتعفي الطرف الثاني من التزاماته التي يرتّبها القانون الدولي، بوصفه القوة المفترض أنها حارسةٌ لقيم هذا القانون، ولا عزاء لذوي الشهداء اللهم سوى أنهم، منذ بداية سيرهم على طريق الجلجلة، كانوا يصرخون يا وحدنا، ولا زال صدى صوتهم يتردّد مثل موجاتٍ هائلةٍ في الفضاء، بوصفه الحقيقة الوحيدة في القرن الواحد والعشرين.

-**-**-**-**-**-**-**-**

"الإخوان" السوريون بين الثأر والوطنية .. عمار ديوب

العربي الجديد

الاثنين 19/9/2016

أرسل الإخوان المسلمون إلى الرئيس السوري، مع بدء الثورات في مصر وتونس، رسالة يقولون فيها إن الثورة قادمة إلى سورية كذلك، ويمكننا أن نشكل قيادة مشتركة، ونتفادى الكثير، ونغلق باب الثمانينيات ونتحكم بالشعب سوية. رفض النظام كعادته، وقد أصبحت البلاد له، منذ الثمانينات وربما بفضل "الإخوان"، وألغى كل أشكال الحريات وأحكم قبضته على البلاد، ووضع اليسار واليمين في السجون، وأصدر نصاً دستورياً بإعدام كل من ينتمي لجماعة لإخوان المسلمين. ومع رفض النظام الرسالة، كما كتب حمزة المصطفى في مقالته في "العربي الجديد، 14/9/2016" (إخوان سورية: ضرب على طبلة قديمة). بدأ "الإخوان" يعدّون العدّة لمواجهة النظام وللسيطرة على الثورة؛ فكان لهم دور بارز في صفحة "الثورة السورية ضد بشار الأسد" الإلكترونية، والتنسيق مع دول إقليمية عديدة، وتجديد صلاتهم مع الساسة الأوربيين ومع الأميركان.

""الإخوان" معنيون بالتخلص، ليس فقط من الانتهازية، بل وكذلك من التطييف الذي عملوا له، منذ بداية الثورة خصوصاً، وشاركوا بقسطهم الكبير مع النظام بذلك"

قبل ذلك كله بسنوات، وحينما اتفقت أقسام كبيرة من المعارضة السورية على إعلان دمشق 2005، وتحمّلت هذه المعارضة عسف النظام والسجن في الداخل، ودعت "الإخوان" ليكونوا جزءاً من الإعلان، تركوه، حينما انشق عبد الحليم خدام وشكلوا جبهة الخلاص 2006 ضد النظام، ولاحقاً امتنعوا عن إبداء أي موقف ضد النظام، حينما وقف مع غزة ضد إسرائيل 2008، وكانت تركيا تلعب دور الوسيط بينهما، ليتجاوز النظام موقفه المتشدّد ويتقبل "الإخوان"، غير أنه بقي على موقفه، على الرغم من كل محاولاتهم التفرّد معه بالسلطة، وعلى حساب بقية القوى السياسية المعارضة والشعب.

عقد "الإخوان" اجتماعهم الخاص في 2011، ثم اشتركوا مع "إعلان دمشق" نفسه، والذي وثق بهم مجدّداً، في المجلس الوطني السوري، وساهموا في إفشال تشكيل هيئة تشمل كل القوى السياسية، فتشكلت هيئة التنسيق، والتي كان لها دور أيضاً في إفشال تشكيل هذه الهيئة. ودخلوا كل مؤسسات الثورة تحت أكثر من مسمى، أو بتحالفات ضمنية، ليشكلوا هم وشركاؤهم القوى المسيطرة على تلك الهيئات. وفي الوقت عينه، شكلوا منظماتهم الإغاثية وفصائلهم العسكرية، وقدموا دعماً مالياً كبيراً، وساهموا في تحويل مؤسسة الثورة الشعبية إلى مؤسساتٍ سياسيةٍ إسلامية. وبذلك، تلاقوا مع النظام في تطييف الثورة، وفي القول إنها إسلامية.

وحينما رفض الشعب السوري العسكرة في بداية الثورة، وقد حاول النظام ذلك من دون كلل، عمل "الإخوان" من أجل العسكرة. ولاحقاً، ومع اشتداد القمع الممنهج من النظام، شكل الشعب فصائله المحلية والوطنية لحماية المظاهرات، وعمل "الإخوان" بعقلية الانتقام من النظام، فهو من أجهز عليهم في الثمانينيات، وهو من رفض كل محاولاتهم للحوار معه وإشراكهم في السلطة، كما حال مصر والمغرب والأردن. كانت العسكرة خياراً للدفاع عن النفس، لكنها بالنسبة لـ "الإخوان" كانت ضرورية من أجل جلب التدخل الخارجي وإسقاط النظام، كما تم في ليبيا والعراق وهكذا؛ أي لم يثقوا بقدرات الشعب لإسقاط النظام.

لم تكن أميركا يوماً بصدد التدخل العسكري في سورية، وتخوفت تركيا من تدخل واسع، من دون غطاء أميركي، وقد رفضت وصول صواريخ مضادّة للطيران، وحذرت السعودية وتركيا وقطر بشأن ذلك، ما سمح للنظام ليأخذ وقته، ويُدخل إيران وحزب الله ومليشيات طائفية كثيرة، وحينما فشل في منع تقدم المعارضة واحتمال سقوطه، ولا سيما في أغسطس/ آب 2015، تدخلت روسيا. وبذلك أصبح من أكبر الأوهام أن الثورة ستنتصر، فلم يعد من خيار آخر لسورية إلا الحل السياسي؛ وهذا وفقاً للرؤية الروسية التي هي في عداءٍ مستحكم ضد أي مشروع إسلامي مستقل عنها. وبالتالي، هناك خسارة كبيرة في أي حل سياسي للإخوان المسلمين، عدا أن دولاً ومنظمات سورية كثيرة لا مصلحة لها بالحل السوري وفق الرؤية الروسية. يريد "الإخوان" الاستثمار هنا؛ فالشعب أيضاً لن يتقبل حلاً سياسياً لا ينصفه، وإن تقبل بسبب همجية الحرب وكوارث التهجير وأسباب كثيرة، فإن ثورته ستتجدّد، حالما تبدأ مرحلة الاستقرار، فروسيا وكل من سيكون له دور في تشكيل النظام المقبل لن ينصف أهداف الثورة السورية. وبالتأكيد، سيتم استبعاد حقوق الشعب الثائر من كعكة النظام المقبل.

يقرأ "الإخوان"، كما اعتادوا اللعب، اللحظة السياسية جيداً. وسواء فشلت الهدنة أو صمدت وجلبت خلفها مفاوضاتٍ وحلاً سياسياً، فإنهم أعلنوا، أخيراً، التفكير بالانسحاب من كل مؤسسات الثورة. وبذلك، يهيئون أنفسهم للعب دور مستقبلي شعبي أكبر، ويعوّضوا خساراتهم التي مُنيوا بها، بسبب ظهور قوى إسلامية منافسة، وأقوى من حركتهم، مثل حركة أحرار الشام وجيش الإسلام وفصائل عسكرية إسلامية بعيدة عنهم، وكذلك وجود جهاديات تكاد تكفرّهم. إذاً هناك تخطيط سياسي لمستقبل ما بعد المرحلة الانتقالية، فتركيا وروسيا ستنسقان مع أميركا من أجل الحل، وهذا سيهمش "الإخوان"، حيث لن يقبل الروس وجوداً قوياً لهم، ومن جهة أخرى سيسمح بدعم جزئي سري لهم من تركيا أو أميركا أو دولة أخرى.

"حينما رفض الشعب السوري العسكرة في بداية الثورة، وقد حاول النظام ذلك من دون كلل، عمل "الإخوان" من أجل العسكرة"

إذاً، سيكون "الإخوان المسلمون"، وحينما ستبدأ المفاوضات، خارج المعارضة السورية، وسيتركون الأخيرة تغمّس أيديها في حبر نصوص المفاوضات والاتفاقيات السياسية، والتي ستكون ظالمةً للثورة وللسوريين، وتتجاهل أنهار الدماء. سيبدو "الإخوان" بانسحابهم وكأنهم هم من بقي مع الثورة، ولم يفرّطوا في حقوق الشعب؛ هذا اللعب صحيح في السياسة، وهو حق لكل قوة سياسية. مشكلة هذا التنظيم أنه يتوهم أن هناك أكثرية شعبية ستصطف معه، حالما تبدأ مرحلة الاستقرار. وبخصوص هذا الأمر، يحسن أن يسمعوا أن الشعب عايش كل سياسات "الإخوان" من تسليح وتمويل وإغاثة، وكانت جميعها مشروطة، ومن أجل تشكيل أتباع وحراك يقطفون ثمنه في السياسة. لم يثر السوريون من أجل "الإخوان"، وكانوا ينتظرون دعماً غير مشروط، وبتحقق الدعم المشروط، فإن هناك كراهية عميقة ضد ليس النظام فقط، بل وكل الحركات الإسلامية والجهادية والتدخل الإقليمي والدولي.

على "الإخوان" التخلص من الانتهازية السياسية، فهم كانوا أساسيين في كل تشكيلات المعارضة السورية، والمساهمة في كل ما تتعرّض له المعارضة، ائتلافاً وهيئة تفاوض، رفضاً للضغوط أو موافقة عليها، أو موافقة ووضع اشتراطاتٍ تخص المفاوضات والحل السياسي. "الإخوان" معنيون بالتخلص، ليس فقط من الانتهازية، بل وكذلك من التطييف الذي عملوا له، منذ بداية الثورة خصوصاً، وشاركوا بقسطهم الكبير مع النظام بذلك. وربما ستحولهم محاولاتهم المرغوبة هذه إلى حركةٍ وطنيةٍ، كحال حركة النهضة في تونس، وهي تحاول أن تفصل بين الدعوي والسياسي والتحالف مع القوى السياسية الأخرى في إنقاذ تونس من الجهادية والسلفية. .. هل يعي "الإخوان" ما فعلوه بسورية، وما يجب أن يفعلوه ليصبحوا حركة وطنية لا حركة ثأرية. الإجابة مفتوحة.

-**-**-**-**-**-**-**-**

أميركيون لا تعنيهم المأساة السوريّة .. أكرم البني

الحياة

الاحد 18-9-2016

أن يتساءل غاري جونسون، المرشح المستقل للرئاسة الأميركية: وما هي حلب؟! في رده على سؤال عن موقفه مما يجري في تلك المدينة المنكوبة!… أن يستفسر أميركيون كثر: وما هي سورية، خلال استطلاعات للرأي حول سياسة حكومتهم من الصراع المحتدم هناك، ولا يستدلون عليها إلا بصفتها بلداً يجاور إسرائيل أو العراق!… أن لا تهتم الشاشات الفضائية وكبريات الصحف الأميركية بالأحداث السورية إلا كأخبار عامة وتعليقات عابرة أسوة بكل الصراعات والأزمات التي يشهدها العالم!… هي حقائق تظهر حدود اهتمام الرأي العام الأميركي بالمأساة السورية، على رغم ما يثار عن القرية الكونية الصغيرة وثورة الاتصالات، وعلى رغم مرور أكثر من خمس سنوات على عنف دموي منفلت في البلاد، ثم دخول واشنطن في حرب معلنة ضد تنظيم «داعش» على الأرض السورية. ولا يغيّر هذه الحدود الضجيج الإعلامي الذي يرافق عادة تعرُّض أحد الأميركيين للأذى في سورية، كحالة ذبح الصحافي جيمس فولي على يد تنظيم «داعش»، أو الاندفاع الموقت لمشاعر التعاطف الإنساني في حال فاض المشهد السوري بصور لا تُحتمل، كالمناظر المؤسفة لغرق نساء وأطفال سوريين هاربين من أتون الحرب، أوضحها صورة آلان الكردي الذي لفظه البحر على أحد الشواطئ اليونانية، وآخرها الطفل المصدوم عمران دقنيش بعد إخراجه حياً من بين الأنقاض!.

صحيح أن ثمة استراتيجية أميركية لإدارة الأزمات الدولية، ترسمها مؤسسات راسخة وتفرضها محصلة مصالح أهم النخب الاقتصادية والسياسية، في سياق حفاظهم على وزن واشنطن المهيمن ودورها الريادي، وصحيح أن ثمة اهتماماً عالمياً بالانتخابات الأميركية وبنتائجها ربطاً بما تملكه الولايات المتحدة، من قوة نافذة، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، تضعها في موقع اللاعب الأول وأحياناً المقرر، لمصير كثير من الصراعات الوطنية والأزمات الإقليمية. لكن الصحيح أيضاً، أن للرأي العام الأميركي دوراً مهماً في تحديد أولويات هذه الاستراتيجية وطرائق تنفيذها، بخاصة عندما يتعلق الأمر بحالات تؤثر بشدة في أمن الأميركيين وحياتهم وسمعتهم وشروط عيشهم.

ونسأل: ألم يناصر المزاج الأميركي جورج بوش في الوصول إلى سدة الرئاسة ويمكّنه من شن حروبه الاستباقية للانتقام من تنظيم «القاعدة» بعد أحداث أيلول (سبتمبر) 2001؟! وقبلها، في الماضي الأبعد، ألم يشجع المزاج ذاته الرئيس فرانكلين روزفلت على الانخراط في الحرب العالمية الثانية رداً على تدمير الأسطول الأميركي في بيرل هاربر؟

ثم مَن ينسى كيف أفضى تبدُّل الرأي العام الأميركي بعد الهزيمة والأعباء التي تحمّلتها واشنطن في فيتنام إلى إكراهها على الانسحاب من هناك؟ وتالياً كيف أجبر الرأي العام نفسه، بعد حصاد مرير، كل مرشح للرئاسة على تبني خيار الانسحاب العسكري من أفغانستان والعراق ووقف السياسة التدخلية النشطة في الصراعات الدولية، كي يكسب أصوات الناخبين؟.

والقصد، أن الأميركيين الذين خرجوا من حروب خاسرة فاقمت أزمتهم الاقتصادية والاجتماعية، باتوا أكثر ميلاً اليوم الى الاهتمام بأوضاعهم الداخلية، بدليل أنهم في غالبيتهم لا يزالون يؤيدون بشدة سياسة أوباما التي أنقذتهم من ورطات الحروب والدور العسكري، ويُرجّح أن يقترعوا لمن يتبنى برنامجاً يلبي مطالبهم في تحسين ظروف حياتهم ومعالجة تنامي ظواهر التفرقة العنصرية بينهم، وليس لمن يثير مآسي الغير وآلامه، أو لمن يرغب في صرف أموال ضرائبهم في صراعات خارجية لا تؤثر في صورة مباشرة في أمنهم ومصالحهم.

واستدراكاً، من الوهم الرهان على نتائج الانتخابات الأميركية في إحداث تغيير سياسي نوعي تجاه سورية، فليس ثمة ما يؤكد في ظل المزاج القائم، أن مواقف أي رئيس جديد في البيت الأبيض ستختلف نوعياً عن مواقف أوباما، بل هنالك ما يشبه التصميم الأميركي الجمعي، على تجنُّب أي تدخل عسكري مباشر في الصراع السوري، وإدارة اللعبة من بُعد، وتكثيف الجهود لتحريك ملف إخماد العنف والمعالجة السياسية، أياً تكن التنازلات. وتحدو هذا التصميم أسباب كثيرة ومتضافرة، منها أن هناك مشكلات وأزمات عالمية أهم أمام البيت الأبيض ولا يمكن تأجيلها، أوضحها أولوية ردع أخطار صعود الصين كمنافس اقتصادي ومنازع على موقع الريادة، ومنها الحرص على عدم الدخول في مواجهة مع روسيا أو إحداث قطيعة مع إيران، بل توظيف حضور هذين الخصمين في المنطقة، كبعبع في مواجهة الكتلة العربية، لتطويعها وضمان استمرار حاجتها إلى واشنطن. فكيف الحال إن كانت هذه السياسة تتلاقى مع المصلحة الإسرائيلية في هتك المجتمعات المحيطة بها وتفكيكها، وتفيد في استنزاف الخصوم وإغراقهم في صراعات مفتوحة ومكلفة، واستثمار قدرات الجميع للنيل من الإرهاب الجهادي بعد تحوّل الساحة السورية إلى بؤرة جاذبة للقوى الإسلاموية المتطرفة؟

النتيجة أن ليس ثمة حل سحري للصراع السوري مع الرئيس الأميركي المقبل، ولن تخدع أحداً تصريحات المرشحين حول ذلك، والتي عادة ما تذهب أدراج الرياح بعد أن يعتلي أحدهم كرسي الرئاسة، ويكون مصيرها كمصير وعود أميركية كثيرة أطلقت حيال المحنة السورية، وذهبت كلها هباءً منثوراً.

وما دامت السياسة الأميركية تُبنى استناداً الى موازين القوى ومصالحها وضغط الرأي العام، لا تبعاً للرغبات والأمنيات، يفترض بالطامحين الى تفعيل الجهود الدولية وإنضاجها لتخفيف المأساة السورية، العمل لبناء عناصر داعمة، إن عبر بلورة بديل ديموقراطي مقنع ويحوز الثقة للمشاركة في وقف العنف وقيادة عملية التغيير، أو عبر إبداع خطط مثابرة لتعميم معاناة السوريين وتحويل ما يتراكم من تعاطف إنساني إلى وسيلة ضاغطة على صناع القرار، في رهان على شعوب تشاطرنا العديد من الهموم والقيم الإنسانية، ولها حقوق يمكن أن تقرر في بلدان تستند إلى إرادة الناخب في اختيار حكامها وإجبارهم على تغيير سياساتهم… شعوب لعبت دوراً مهماً وأحياناً حاسماً في نصرة قضايا كبيرة في الجزائر وفيتنام وجنوب أفريقيا وغيرها.

-**-**-**-**-**-**-**-**

"شيشنة" سورية .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاحد 18-9-2016

لم يتوقف الروس والإيرانيون يوماً عن إعلام كل من تواصل معهم من السوريين بأنهم غير مهتمين بالأسد. كلما كان سياسي أو ناشط سوري يزور موسكو، كان يسمع تأكيداتٍ جازمةً بأنها لا تتمسك بالأسد، ولا تبني مواقفها من الصراع السوري على الرغبة في إنقاذه، فإن كانت لا تطرح موضوع مستقبله، فلأنها لم تجد في العالم من يقبل إيواءه أو استضافته، بعد مغادرته الحكم.

أضمر هذا الكلام الذي تكرّر في تصريحات معلنةٍ "قطبةً" خبيثةً، أوحت بأن روسيا تبحث عن ملجأ لرجلٍ فقد مكانه في وطنه، وأنها تخلت بدورها عنه. وإذا كانت لا تطرح موضوعه مع محاوريها، فليس لأنها متمسكة به، بل لأنه لم يعد محل اهتمام لديها. بذلك، كان العائدون من موسكو يؤكّدون أن الأسد صار من الماضي، وأن الروس تخلوا عنه، حتى إنهم ما عادوا يستحسنون فتح سيرته، ربما بسبب تطابق موقفهم، وإن بصور غير معلنة، مع موقف الأميركيين الذين يصرح رئيسهم، بالفم الملآن، أن ايام الأسد رئيساً صارت معدودة، وأنه راحل لا محالة، في وقت قريب. وإذن، الأسد انتهى وباعه الروس.

في الحقيقة، لم يمتنع الروس عن التطرّق إلى مصير الأسد لأنهم تخلوا حقا عنه، بل لأنهم أرسوا "أولوية استراتيجية"، ترجموها طوال سنوات الصراع، من خلال وقائع سياسية وعسكرية/ ميدانية عملت لصالحه، وجعلت منه "رجل القدر بالنسبة إلى روسيا" الذي يعني الدفاع عنه تثبيت نظام الاستبداد الذي أسهمت بدورٍ رائدٍ في بناء مؤسسته العسكرية/ الأمنية، وتقاسمت معه مواقف أيديولوجية، وأيدت قمعه. ويعني التخلي عنه، في المقابل، ضياع قرابة ثلاثة أرباع القرن من حضورها السياسي/ العسكري في موقع سورية الاستراتيجي والحاسم، وثبوت عجز الكرملين عن حماية نفسه وحلفائه من نتائج، لا شك في أنها ستكون جد خطيرة، سينتجها انتصار الثورة وطرد الأسد ونظامه من الحكم، فلا عجب أن يفصح الروس اليوم عن موقفهم من الأسد، بعد أن احتلوا سورية، وأقاموا فيها حضوراً عسكرياً يسمح لهم بمطالبة المعارضة بالموافقة على بقاء بشار الأسد في الرئاسة "بادرة حسن نية" منها.

هكذا إذن، وبعد قرابة ستة أعوام من النفي والإنكار، يطلب الروس من السوريين التخلي عن حقٍّ أعطتهم إياه وثيقة جنيف وقرارات دولية عديدة، وافقت موسكو عليها، هو ترحيل بشار الأسد عن الرئاسة، بحجة إبداء حسن نية تجاهه، كأنه كان خلال الأعوام الستة الماضية منكبّاً على خدمتهم والدفاع عن حريتهم، ولم ينصرف إلى قتل الملايين منهم وتعذيبهم وتشويههم وجرحهم، الى جانب تهجير اثني عشر مليونا آخرين وتشريدهم.

يؤكد هذا الطلب الروسي غير القابل للتصديق أن "شيشنة" سورية تحتم إيجاد "قديروف" سوري، وليس هناك أحد أفضل من الأسد يستطيع لعب دوره، بتجربته في الرقص على قبور بنات الشعب وأبنائه، بينما تمسك موسكو بالخيوط التي تبقيه على المسرح، بإدارة المخرج القدير فلاديمير بوتين وتوجيهاته، وهو الذي يحلو له أن يلعب هو نفسه دور كبير القتلة المحترفين على المسرح الدولي، تحت أضواء خبراء البيت الأبيض ووزارة خارجية واشنطن.

بطلبها قبول الأسد، بعد ساعات من قيام شراكة بينها وبين أميركا في الحرب ضد الإرهاب، يسقط بصورة نهائية حل جنيف السياسي، ويدخل الصراع في سورية وعليها مرحلةً تتخطاه، ستقرّر القوة وحدها نتائجه، بعيداً عن أي سلام دولي متوازن ومنصف، بعد أن تحوّلت الأرض السورية إلى مركز تتجمع فيه قوى متنوعة الجنسيات والأهداف، وأدرجت حقوق شعبها تحت حيثيّة الحرب ضد الإرهاب، حيثيّة الحرب التي تشن ضده، باعتباره المتهم الوحيد بممارسته.

-**-**-**-**-**-**-**-**

حلب الكواكبي وطرابيشي والإسلام المنفتح .. مرح البقاعي

الحياة

الاحد 18-9-2016

من نافلة القول أن الدولة الوطنية التي تشكّلت في غير بلد عربي بُعيد الحرب العالمية الثانية والاستقلال، لم تنعم إلا بفترات قصيرة جداً بحكم وطني مستقل، مدني وتعدّدي وديموقراطي، قام على أيدي مستنيريها من النخب. ففي سورية مثلاً، لم ترَ هذه الدولة الوطنية النور إلا لفترة وجيزة جداً إثر الاستقلال عن الانتداب الفرنسي، وهي فترة حكم شكري القوتلي التي أطاحها انقلاب العقيد حسني الزعيم عام 1949، وهو الانقلاب الأول في سورية والثاني في العالم العربي، والذي شكّل سابقة نوعية، ومهّد لسلسلة انقلابات وصلت في عام واحد إلى ثلاثة متوالية، وأسست لحكم العسكر وسلطة الجزمة في غير بلد عربي.

في هذا السياق لا بد من طرح الأسئلة ورسم المشهد العام للخريطة الفكرية والسياسية التي شكّلت إرهاصات الوعي الديموقراطي الأول وأجّجت الحس الوطني المخدَّر، في القرنين التاسع عشر والعشرين، من أجل أن نرصد أعلام ذاك المشهد من المثقفين المستنيرين، ونرسم الصورة الواقعية لدورهم ومدى تأثيرهم الذي نجمع حصيده اليوم.

وتحضرني في هذا المقام شخصيتان سوريتان تركتا بصمات لافتة على تطوّر حركة النهضة العربية الحديثة هما عبدالرحمن الكواكبي في القرن التاسع عشر، وجورج طرابيشي في القرن العشرين. وللمصادفة فالعالمان يشتركان في مسقط الرأس: مدينة حلب، عاصمة الشمال السوري التي ترزح اليوم تحت قمع أعتى أشكال التوحّش الديني والعنف المتطرّف.

فالمفكر عبدالرحمن الكواكبي من أهم أعلام الفكر العربي ومن الآباء المؤسسين لدعائم الفكر الحداثي في المنظومة السياسية العربية لما بعد الاحتلالات الأجنبية (العثمانية ثم الأوروبية)، وأحد أبرز الذين صـــاغوا الفكر القومي العربي، وصاحب «طبائع الاستبداد ومصارع الاستـــعباد» الذي يــعتبر من أمهات الكتب التي تحلّل ظاهرة الاستبداد السياسي وتعالجها. إلا أن الاستبداد بصيغته السياسية التي اختصّ الكواكبي بتشريحها والتأسيس لإسقاطها، كان تفاقم في غياب حركات للإصلاح الفكري، عريضة ومتّصلة، تغطي شريحة مجتمعية متجانسة شابّة وقادرة على تشكيل حركات شعبية تؤثر في المسار السياسي، وتساهم في تغيير منحى انجرافه نحو استبداد الدولة، ثم إرهابها الممنهج، كما يحدث في سورية الثورة منذ 2011.

فالفكر التنويري الذي حمله الكواكبي كان أقرب إلى الفضاء المفتوح الذي عليه أن يستوعب التيارات السياسية. ذلك أنه فكر جامع يُفترض أن يستوعب الكل، فكرٌ يطلق الحريات لعنان العقلاني المتحرر من لوثات الأصوليات السياسية والدينية، فكرٌ يؤسّس لحراك سياسي داخل المجتمع يهدف إلى تحرير الإنسان - الفرد من القيود السلطوية كافة، ومن الخطاب الديني الانعزالي وليس من النص الديني المفتوح واجتهاد المجتهدين.

والفكر التنويري للمثقفين المعاصرين، يُفترض أن يعترف أولاً بالتنوع الديني، ويهيِّء المناخ لأتباع الديانات كافة للتعايش بسلام في ظل مجتمع مدني يشدد على حرية الرأي والعقيدة، ويلتزم رعاية حقوق المواطنة، ويشجع الممارسة السياسية، ويدفع باتجاه نظم ديموقراطية برلمانية يرسم ويقيّد صلاحيتها الدستور، ويمكّن الإصلاحات الاجتماعية ودور المرأة في مجتمعها.

أما في الاقتصاد فالفكر التنويري يشدد على المنافسة الحرة، والسوق المفتوحة، وحق الملكيّة والشروع في الأعمال التجارية من دون قيود ومعوقات. فالحريتان السياسية والاقتصادية وجهان لعملة واحدة. وإن كان دين الدولة هو الإسلام فلا غضاضة في أن تنفصل العقيدة الإسلامية عن العمل السياسي، بل إن هذا الفصل يشدّد على علو الإسلام وينزهه عن الممارسات السياسية الملتوية والمتقلبة مقابل الثابت والأزلي في العقيدة الدينية.

كل ما تقدّم لم يمكن أن يتحوّل إلى فعل سياسي في ظل هيمنة الرجل المريض العثماني الذي كان يخطف بلاد الشام والرافدين تحت عباءة إمبراطوريته المترامية. كما لم تكن البيئة مهيأة لنشوء تيارات سياسية مواكبة لتلك الفكرية بسب القمع الذي كان يطاول أي ريح تهبّ لتحرّك الراكد اليومي. وهكذا مضت الشعوب العربية من استعمار إلى انتداب، وسط عزلة تامة للفكر الذي ولد بأعظم صوره وأبهى مرجعياتها.

والإسلام دين منفتح على كل التجارب والحضارات الإنسانية والعصور، وخير مثل دولة بني أمية في الأندلس وقد عمّرت وازدهرت في جنوب إسبانيا لما يقارب خمسة قرون. لكن فهم الإسلام تاريخياً من طرف الاستبداد الرسمي والظلامية التكفيرية هو الذي أساء إلى صورته، وسعى إلى تحويله أداة لتكريس الشمولية وقتل الاجتهاد.

-**-**-**-**-**-**-**-**

السوريون بين «فتح الشام» واتفاق كيري لافروف .. وائل مرزا

المدينة

الاحد 18-9-2016

السوريون بين «فتح الشام» واتفاق كيري لافروف أسوأ أنواع الحصار أن تُحاصرَ نفسك. هذا ما تفعله شرائحُ من السوريين بنفسها اليوم. وهي إذ تفعل ذلك لا تكتفي بأن تحشر نفسها في زاوية، وإنما تُدخِلُ حاضرَ سوريا ومستقبلها في مأزقٍ كبير، لا داع له أساسًا.

منذ أسبوع، خرج علينا الروس والأمريكان بما أسموه مشروع «اتفاق هدنة». وفي هذا الإطار، أرسل المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، مايكل راتني، رسالةً إلى هيئات وفصائل المعارضة السورية تخاطبهم بعبارات مثل «نحتاج من المعارضة» و»ينبغي على المعارضة»، فيما يتعلق بقرارهم تجاه الاتفاق المذكور.

الرسالة، باختصار، مُهينة. ومن الغريب ألا ينتبه لهذا دبلوماسيٌ مثل راتني، يُفترض أن يكون مُحنكًا، وأنه صار خبيرًا بالشأن السوري وحساسياته. يكفي حجم الاستغباء للسوريين الموجود، مثلًا، في هذه العبارة منها، حيث يقول راتني: «لقد كان التعامل مع روسيا صعبًا للغاية، إذ من الصعب جدًا إجراء هذه المباحثات مع الروس حتى وهم يقتلون السوريين بشكل يومي. تسألنا المعارضة باستمرار: (كيف يمكن لروسيا أن تظل راعية للعملية السياسية بينما تتصرف في الوقت نفسه كطرف أساسي في الصراع). ونحن نسأل أنفسنا هذا السؤال كل يوم»!..

أما الاتفاق المذكور، فلا تكفي كلمة «الإهانة» لوصفه. فهو، فوقَ ما فيه من تجاهلٍ لحقائق الواقع وازدواجية المعايير، لا يحمل الحد الأدنى من الانسجام مع مقتضيات القانون الدولي، بل ومع مقتضيات المنطق الإنساني الأخلاقي السليم، أيضًا في حدِّهِ الأدنى.

أوجه المشكلة في الاتفاق كثيرةٌ، وباتت معروفة. وصدقَ الزميل عبدالوهاب بدرخان حين وصفه بأنه (اتفاق هدنة بشروط روسيا ولمصلحة الأسد وإيران).

رغم كل هذا، لم يكن ثمة تناقضٌ أبدًا بين صدور موقفٍ سلبي من الاتفاق من ناحية، وبين كون صدورهِ، من ناحيةٍ أخرى، فُرصةً للقيام بخطوةٍ لا مفر منها، سياسيًا وثقافيًا واجتماعيًا، تتمثل في إلغاء أي وجودٍ لتنظيم القاعدة في سوريا، بات يتمثل الآن في جبهة «فتح الشام».

في هذا الإطار، حصل حَراكٌ كبير في أوساط الفصائل المسلحة بعد إعلان الاتفاق والرسالة كليهما، بحثًا عن قرارٍ صائب، كونَهما يحملان تهديدًا باستهداف الجبهة، ويُطالبان الفصائل بـ»المفاصلة» معها. وكتب الدكتور مازن شيخاني، الذي كان مستشارًا سياسيًا لكبرى الفصائل في أيام نشأتها، رأيًا أرسَلهُ إلى الفصائل التي طلبت منه الرأي، يقول فيه: «نعم نحن في مأزقٍ حقيقي وخطير، ويحتاج جرأة أخلاقية كبيرة، وموقفًا إسلاميًا أصيلًا... لو أن سوريا والشعب السوري هم المُقدَّمونَ على مصلحة الفصائل مهما قَدَّمَت، وأيًا كان نصيبُها من العمل، فهناك مخرجٌ وأي مخرج. على القاعدة أو فتح الشام، لا فرق، وأيضًا أشباهها من الفصائل أن تحلَّ نفسها نهائيًا، وتترك الشباب ليلتحقوا بباقي الفصائل، وتختفي من المشهد السوري نهائيًا، بخطابها وكل رموزها. وتتخلى الفصائل الإسلامية عن مشاريعها الوهمية، وتعلن أن كل جهدها مُنصبٌ فقط على الجانب العسكري، الذي يهدف إلى إسقاط النظام، وحماية الشعب السوري، كل الشعب السوري، وحماية قراره وحريته في شكل الدولة بعد الثورة، وأن مستقبل سوريا السياسي يحدده الشعب... وإن أصرَّت فتح الشام على تعنُّتها مع من يشبهها من الفصائل، وظلت أسيرةً لثقافةِ أزمتها، متذرعةً بما قَدَّمَت وضَحَّت، فهي رسالةٌ واضحةٌ منها أنها ومشاريعها أهمُّ من كل الشعب السوري، حتى لو استمر نزيف الدم، وقَضى على ملايين الناس، ودمَّر البلاد والعباد...».

لم تستمع سوى قلةٌ من أصحاب الرأي والقرار لهذا الرأي الحكيم، والاستراتيجي. وأصرَّ كثيرون على أن يحاصروا أنفسهم وثورتهم وأهلهم وبلادهم، وأن يعتبروا رفضَ الاتفاق والرسالة يؤديان بالضرورة لرفض «استهداف جبهة فتح الشام». هذا تفكيرٌ بطريقة ثنائيات «إما، أو» المتناقضة. وهو منهجٌ لا يوفر فُسحةً لتفكيرٍ خلاق يستفيد من كل الأوراق المتوفرة. أين المشكلة في رفض الاتفاق المجحف من جانب، والتفكير بشكلٍ واقعيٍ واستراتيجي من جانبٍ آخر، ومطالبة الجبهة بأن تحلَّ نفسها كليًا؟ وإذا غاب التفكير السياسي الاستراتيجي، ألا يقضي الواجب الديني وضعَ مصلحة الجماعة الكبرى، متمثلةً بالشعب السوري، فوق مصلحة أو سمعة أو اسم أي فصيل، كما أوضح الدكتور شيخاني في رأيه بشكلٍ لا يحتاجُ لمزيدِ بيان؟

يقول البعض: إن استهداف الجبهة سيكون مقدمةً لاستهداف فصائل أخرى تُعتبر الآن «معتدلة». هذا احتمالٌ قائم، لكن التعامل معه يتطلب حسابات دقيقة لترجيحَ مصالح كبرى وعامة ومستقبلية على مصالح صغرى وخاصة وعاجلة. وهذا ترجيحٌ يحتاجه السوريون بإلحاح، لأنه وحده الذي يُحررُ من الإصرار على مثالياتٍ موهومة، ليس لها نتيجةٌ سوى الهلاك أو الانتحار الجماعي.

-**-**-**-**-**-**-**-**

ما بعد الاتفاق الروسي ـ الأميركي في سوريا .. فايز سارة

الشرق الاوسط

السبت 17/9/2016

يمثل الاتفاق الروسي - الأميركي مرحلة جديدة في القضية السورية؛ إذ هو الأبرز في توافق الدولتين المؤثرتين في قضية، كانت ولا تزال، أحد مصادر التناقض العميق في سياسة البلدين، رغم أنه من الصعب تقدير مدى التوافق في اتفاق غير معلن، يصر طرفاه على إبقائه طي الكتمان. لكن المعلن فيه يكفي للقول إنه يعكس توافقًا في نقاط، لعل الأهم فيها نقطتان؛ الأولى هي الهدنة، والثانية تحريك مسار الحل السياسي للقضية السورية، مع تأكيد الفارق في رؤية كل جانب لكل واحدة من النقطتين.

الروس في الاتفاق مع الأميركيين، لا يرون في وقف القتال والذهاب إلى المفاوضات إلا فرصة من أجل تحسين الأوضاع السياسية والميدانية للحلف الذي يشاركونه مع نظام الأسد وإيران وأدواتهم من الميليشيات الشيعية اللبنانية والعراقية والأفغانية وغيرها، وهم في هذا الجانب، يريدون أن يظهروا للعالم، حرصهم ومساعيهم لوقف الصراع المسلح والذهاب إلى حل سياسي بالتشارك مع الولايات المتحدة، التي يؤشر لها باعتبارها الأقرب إلى الطرف الآخر في الصراع السوري وحول سوريا، وهذه كلها تعطيهم مزايا سياسية، تعزز وضعهم ووضع حلفائهم، فيما تتواصل المجريات الميدانية من أجل تعزيز قوة حلفهم على الأرض بجلب مزيد من العتاد والمقاتلين من جهة، والعمل من جهة أخرى على إضعاف وتفكيك قوة الطرف الآخر بطرق وأساليب متعددة، لعل الأبرز فيها فصل جبهة فتح الشام (النصرة سابقًا) عن تحالفها مع تشكيلات المعارضة المسلحة في إطار جيش الفتح.

الأميركيون من جانبهم، لا يرون في الاتفاق سوى منجز سياسي أخير للعهد الأوبامي قريب الانتهاء في قضية كارثية، شغلت العالم وكانت متواصلة في عهد أوباما الذي فشل في تحقيق أي تقدم فيها، أو معالجة لأي من جوانبها الكثيرة، إن لم نقل إنه ساهم في تردياتها ومزيد من تداعيات إقليمية ودولية خطرة، أصابت كثيرًا من دول العالم بما فيها حلفاء واشنطن بآثارها الكارثية، ولأن الأمر على هذا النحو، فمن غير المستغرب أن يقدم الأميركيون للطرف الروسي تنازلات، وهو الأمر الذي قد يفسره التحفظ الأميركي على كشف تفاصيل الاتفاق.

النقطة الروسية - الأميركية المشتركة في الاتفاق، هي توافقهما في الحرب على الإرهاب، وبالتخصيص على «داعش» وجبهة فتح الشام، والتشارك في تلك الحرب. رغم الإشكالات، التي يثيرها الجمع بين «داعش» وجبهة فتح الشام في صفوف المعارضة السورية، فإن هذه النقطة تكشف توافقًا آخر بين الطرفين، وهو السكوت عما تقوم به الميليشيات الشيعية في سوريا من عمليات إرهابية، لا تقل بشاعة عن ممارسات «داعش»، الأمر الذي يعني في المشترك الروسي - الأميركي، أن ثمة ميلاً واضحًا لمصلحة الطرف الأول وتحالفه، وميلاً لإخراج القضية السورية من سياقها الأساسي، باعتبارها ثورة شعب ضد نظام مستبد وقاتل، وبناء مستقبل آخر، لجعلها قضية حرب على بعض الإرهاب، لا الإرهاب كله، خصوصًا أن حزب الله مصنف في أكثر من قائمة باعتباره جماعة إرهابية، تنبغي محاربتها.

وسط تلك الصورة من محتويات الاتفاق الأميركي - الروسي ومصلحة موقعيه، لا بد من قول إن السوريين يمكن أن يستفيدوا منه، إذا تم تنفيذ الهدنة ووقف القتل والتهجير، وجرى الذهاب إلى مفاوضات جدية على أرضية التوافقات الدولية ومرجعياتها، وخصوصًا بيان جنيف لعام 2012، غير أن أمرًا كهذا، سيكون مستبعدًا في ظل ثلاث حقائق معروفة.

أولى الحقائق، أن تجربة التوافقات والاتفاقات الأميركية - الروسية حول القضية السورية، افتقدت إلى الجدية، وغلب عليها الطابع السياسي والإعلامي أكثر بكثير من نزوعها نحو التطبيق، ليس فقط لأنها لم تتضمن برنامجًا تنفيذيًا، بل لأنه لا تتوفر لدى الطرفين إرادة عملية وسياسية لتطبيق ما تم الاتفاق عليه، وفي التقدير أن الاتفاق الأخير لن يكون أحسن حالاً مما سبقه.

الحقيقة الثانية، تتمثل في عدم توفر رغبة حقيقية من قبل نظام الأسد وحلفائه في الذهاب إلى حل سياسي، وأن الحل العسكري ما زال يحكم سياساتهم وتصرفاتهم العملية، وإن جرى تحولهم باتجاه الحل السياسي، فلا بد أن يكون الحل ناتجًا عن إملاءات ميدانية على نحو ما يجري في التسويات المحلية، ومنها اتفاق التسوية الأخير في داريا، الأمر الذي يعني أن حلاً عامًا، ينبغي أن تكون نتيجته الكلية في مصلحة النظام وحلفائه، ولا تكون فيه المعارضة إلا متلقية للنتائج، لا مشاركة في صنعها، طبقًا لما يعنيه حل سياسي، يكون ناتجًا عن توافقات تأخذ بعين الاعتبار مصالح المشاركين، وترضي الأطراف المنخرطة فيه.

الحقيقة الثالثة، وأساسها استغلال النظام للهدنة والحديث عن الحل السياسي، لخلق وقائع جديدة في الواقع الميداني، عبر القيام بخروقات لوقف إطلاق النار في مناطق ذات حساسيات مثل المناطق المحاصرة، والمماطلة إلى حد منع دخول المساعدات الغذائية والإنسانية أو تقييدها على نحو ما جرت الأمور، ولا يستبعد في هذا المجال، أن يقوم الطيران الروسي بضرب بعض تشكيلات المعارضة المسلحة بدعوى ضرب مواقع جبهة فتح الشام، وفي الطريق يضربون التشكيلات الموصوفة بـ«المعتدلة».

خلاصة القول في موضوع الاتفاق الأميركي - الروسي وما سيأتي بعده، إنه من غير المنتظر حصول تطورات مهمة بالاستناد إليه، سواء على الصعيد السياسي أو الميداني أو حتى الإغاثي، بحيث ينقلب الوضع إلى أفضل مما كان عليه قبل الاتفاق، غير أنه وفي كل الأحوال، ليس أمام السوريين إلا الانتظار، والأمل والعمل من أجل تغييرات تقودهم وبلادهم نحو سلام وحل لقضيتهم.

-**-**-**-**-**-**-**-**

علاقة روسية أمريكية إسرائيلية في سوريا .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 17/9/2016

عندما تتحالف إسرائيل وروسيا في سوريا، وعندما يؤكد الوزير الإسرائيلي الشهير ليبرمان على أن التنسيق بين الإسرائيليين والروس في سوريا على مدار الساعة، سبعة أيام في الأسبوع، وعندما يزور نتنياهو روسيا مرات ومرات خلال أشهر لتنسيق الجهود الإسرائيلية الروسية في سوريا، فلا أحد يحدثنا عن صراع أمريكي روسي على سوريا. بعبارة أخرى، عندما يتفق الإسرائيليون والروس على الأرض السورية، فإن الموافقة الأمريكية على الدور الروسي في سوريا تصبح تحصيل حاصل. لا عجب إذاً أن قال أحد المعلقين ساخراً: إن وزير الخارجية الأمريكي فيما يخص الشأن السوري ليس جون كيري، بل سيرجي لافروف. لهذا لا بد أن لنا أن نضحك على أتباع ما يسمى بحلف الممانعة والمقاومة عندما يصورون الصراع في سوريا على أنه معركة كسر عظم بين روسيا وأمريكا، وذلك كي يبرروا تبعيتهم لروسيا والنوم معها في فراش واحد، مع العلم أن اللعبة باتت مفضوحة إلى أبعد الحدود. وبما أن الروس والأمريكيين والإسرائيليين على قلب رجل واحد في سوريا، فإن الممانعين المزعومين صاروا في الخندق الإسرائيلي بشكل مفضوح. لقد بات الروس والإسرائيليون ينسقون عملياتهم في سوريا من غرفة عمليات واحدة، حتى بالتعاون مع النظام وحلفائه «الممانعين».

لا أدري لماذا يصر القومجيون والناصرجيون والمقاومجيون العرب وبقايا اليسار الهزيل على تصوير الصراع في سوريا على أنه صراع بين الشرق والغرب، كما لو أننا في ستينات القرن الماضي حيث كانت الحرب الباردة بين الاتحاد السوفياتي وأمريكا في أوجها. صحيح أن الرئيس الروسي يحاول استعادة أمجاد الاتحاد السوفياتي البائدة بعقلية وأيديولوجية ومعطيات جديدة، لكنه ليس أبداً في وارد التصادم مع أمريكا في الشرق الأوسط. ولا نصدق أيضاً أن الروس يملؤون الفراغ الذي بدأت تتركه أمريكا في المنطقة، كما لو أن الأمريكيين انهزموا أمام الزحف الروسي.

لا علاقة للتدخل الروسي السافر في سوريا أبداً بضعف الجبروت الأمريكي، ولا بصعود الجبروت الروسي، بل الأمر برمته مرتبط بمصالح إسرائيل في سوريا خصوصاً والمنطقة عموماً، وطبعاً بمصالح أمريكا وروسيا المشتركة.

ولو عدنا إلى الساحة السورية، لرأينا التدخل الروسي قد حدث بعد مداولات إسرائيلية روسية على أعلى المستويات السياسية والعسكرية والاستخباراتية. لقد التقى بوتين ونتنياهو مرتين خلال أسبوعين قبل التدخل الروسي. ثم قام بزيارات مكوكية عديدة لموسكو للقاء صديقه بوتين. وقد اعترف سامي كليب أحد أبرز كتاب ما يسمى بمحور الممانعة أن الرئيس الروسي بوتين هو أفضل حليف لإسرائيل في تاريخ روسيا. وقد اعترف وزير الخارجية الإسرائيلي الأسبق جوزيف ليبرمان بأن التنسيق الروسي الإسرائيلي في سوريا يجري على مدار الساعة سبعة أيام في الأسبوع.

حتى الأطفال الصغار يعلمون أن من يحدد السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط عموماً هي إسرائيل وليس وزارة الخارجية الأمريكية. وإذا كانت تل أبيب هي من ترسم السياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة، فمن الطبيعي أن تكون أمريكا راضية تماماً عن التدخل الروسي في سوريا عندما يكون بمباركة وبضوء أخضر إسرائيلي.

إذاً من العيب أن نسمع بعض السوريين واللبنانيين والإيرانيين المؤيدين للنظام السوري وهم يتفاخرون بالدور الروسي في سوريا كما لو كان في مواجهة الدور الإسرائيلي أو الأمريكي. ما أسخفهم عندما يقولون إن روسيا جاءت لتطهير سوريا من الإرهابيين المدعومين أمريكياً وإعادة الاستقرار إليها، كما لو كانت روسيا جمعية خيرية لمساعدة المحتاجين. ليس هناك ما يثبت أن روسيا تصارع الأمريكيين في سوريا. وفي أحسن الأحوال ربما تكون عملية تقاسم مصالح بين الروس والأمريكيين، إن لم نقل إن الروس يسمسرون للأمريكان في سوريا، كما فعلوا من قبل عندما ضغطوا على القيادة السورية لتسليم سلاحها الكيماوي الاستراتيجي نزولاً عند رغبة إسرائيل وأمريكا. من يجرد سوريا من سلاحها الاستراتيجي لصالح إسرائيل لا شك أنه أقرب لإسرائيل منه إلى النظام السوري. وعلى المطبلين والمزمرين للتدخل الروسي في سوريا أن يتذكروا «اتفاق كيري-لافروف» الذي وصفه البعض لاوقتها بأنه بمثابة سايكس-بيكو جديد وربما أخطر، على صعيد تقاسم النفوذ والثروات وتمزيق المنطقة بين الأمريكيين والروس. وقد اعترف السيناتور الأمريكي الشهير ليندسي غرايام في استجوابه الشهير لوزير الدفاع الأمريكي قبل فترة بأن أمريكا باعت سوريا برضاها لروسيا وإيران ضمن لعبة تبادل المصالح.

إذاً: مهما تبجح جماعة الممانعة والمقاومة بعلاقتهم وتحالفهم الاستراتيجي مع روسيا، فمن المعروف أن التحالف الروسي الإسرائيلي يبقى أقوى بعشرات المرات لأسباب كثيرة. فلا ننسى أن اليهود الروس الذين يزيد عددهم على المليون في إسرائيل هم من يحرك السياسة الإسرائيلية، وهم على ارتباط وثيق بروسيا. وكلنا يتذكر صورة الرئيس الروسي بوتين وهو يرتدي القلنسوة اليهودية وهو يزور موقع حفريات «الهيكل» تحت المسجد الأقصى، ويبارك الحفريات التي ستهدم ثالث الحرمين الشريفين في يوم من الأيام. ولو لم تكن أفعال روسيا في سوريا تروق للكبير الأمريكي وتابعه الإسرائيلي، لما تجرأت روسيا أصلاً أن ترسل طائرة ورق إلى سوريا. ولو أرادت أمريكا أن تعرقل التدخل الروسي في سوريا لأعطت المعارضين السوريين عشرة صواريخ مضادة للطائرات فقط لإسقاط الطائرات الروسية في الأجواء السورية، فذهبت هيبة روسيا أدراج الرياح، وتحولت بين ليلة وضحاها إلى مهزلة دولية.

ولمن لا يعرف معنى كلمة «ماناجاتوا» Ménage à trois الفرنسية التي وردت في عنوان المقال، فهي تعني علاقة بين ثلاثة أشخاص، وهذا النوع من العلاقات ينطبق حرفياً على التحالف الروسي الإسرائيلي الأمريكي في سوريا. ثلاثة في فراش واحد.

٭ كاتب وإعلامي سوري

-**-**-**-**-**-**-**-**

اتفاق الهدنة وخيارات "فتح الشام" .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الجمعة 16/9/2016

  بقرار أميركا وروسيا اعتبار جبهة النصرة، أو جبهة فتح الشام بمسماها الجديد، تنظيماً إرهابياً تجب محاربته والقضاء عليه، يصير قيام نظام إسلامي في سورية ضرباً من الاستحالة، مهما وفّرت "الجبهة" له من قوى ميدانية، بشرية وسلاحية، وناصرتها التنظيمات "المعتدلة" أو شاركتها القتال من أجلها. بهذا القرار، تكتمل أيضاً حلقة المبادرين إلى رفض الدولة الإسلامية من العرب ودول الإقليم، الذين لم يتأخروا في الإفصاح عن موقفهم منها، كالأميركيين والروس، بل أعلنوا، في مرحلةٍ مبكرة من الثورة السورية، موقفهم حيالها، واعتبروها تهديداً خطيرا لأمن المنطقة ولنظمهم واستقرارها.

إذا كان هذا التقدير صحيحاً، وهو صحيح، يكون من العبث الانضمام إلى "جبهة فتح الشام" في مقاتلة الروس والأميركيين، بالنظر إلى نتائجه الصفرية سياسياً التي تجعل تأسيس دولة إسلامية في سورية محظوراً عربياً ودولياً، ولأن الانضمام إليها سيجر التنظيمات المقاومة الأخرى، والصراع في سورية، إلى حال أفغانية، ستغوص بسببها في حربٍ لا نهاية لها، مرتفعة التكلفة إلى حد خطير، قد يقوّض مقومات وجود سورية واستمرارها دولةً ومجتمعاً، في حين يستطيع الأميركيون والروس التعاون على التعايش مع هذه الحرب إلى أن يتم القضاء على فرص قيام النظام الإسلامي العتيد، إن هو نجح في السيطرة على البلاد، أو إذا أعلنت بعض فصائل المقاتلين إقامته التي لن تبدّل الأمور، لأنه سيشبه نظامي "طالبان" و"داعش"، الموجودين افتراضياً، لكنهما لا يشكلان دولتين بمعنى الكلمة، ما دام حملتهما مقاتلين أفرادا جوّالين، وما دامتا تفتقران إلى ما يميز الدول من مؤسساتٍ، ويسمها من شمولٍ وعلانية، وتتمتع به من ولاء المواطنين لها وقبولهم بها.

ليس تخلي جبهة فتح الشام عن هويتها القاعدية تنازلاً تقدمه لأحد، بل هو تدبير عقلاني تمليه الواقعية والحكمة: الواقعية التي يجب أن تكون من صفات قادتها، وتتركّز حول استحالة قيام النظام الإسلامي الذي يقاتلون من أجله، من جهة، وجسامة ما سيقدم من تضحيات مجانية في سبيله ستدفع الشعب إلى الانفكاك عنهم، ورفض مشروعهم من جهة أخرى، والحكمة التي ترى أن للواقع تجليات متنوعة، لا تقتصر على شكل وحيد قائم، إن تشبث قادة أي تنظيم سياسي أو عسكري به، ورفضوا بدائله الأفضل، كانوا مجموعة حمقى، وفشلوا في آنٍ معا في المحافظة على تنظيمهم وقضيتهم التي لا تنتصر، كأية قضية أخرى، إن لم تعرف كيف تتكيّف بنجاح مع تحولات الواقع، وبالأخص منها التي لا يمكنها تحدّيها ناهيك عن تخطيها، ويترتب على رفضها ثمن باهظ إلى درجةٍ تنتفي معها فرص النجاة والاستمرار.

إذا كان من المحال أن تنجح "الجبهة" في إقامة نظام إسلامي، مهما قدّم الشعب السوري من

"ليس تخلي جبهة فتح الشام عن هويتها القاعدية تنازلاً تقدمه لأحد بل تدبير عقلاني تمليه الواقعية والحكمة"

 تضحيات، وكان التشبث بانتمائها إلى القاعدة يهدّد بتقويضها هي، وبقية الفصائل المسلحة التي ستتعرّض للضرب مثلها في حال تحالفت معها، وستفقد قوتها الوازنة والمؤثرة في حال نأت بنفسها عنها. وستواجه، في الحالة الأولى، وضعا دولياً معادياً، وسيتناقص اهتمامه بها في الحالة الثانية، بسبب ما سيصيبها من تراجعٍ وضعف، علما أن العالم سيعتبرها، في حال التهاون مع الجبهة، تنظيمات إرهابية مثلها، وسيحول بينها وبين المشاركة في أي حل سياسي قادم، وسيزيل عنها صفة الاعتدال التي تؤهلها لأن تكون بديلاً محتملاً للنظام الأسدي. لن تربح "الجبهة" سياسياً من تحالف الفصائل معها، لاستحالة قيام نظام إسلامي في بلادنا، بينما ستخسر الفصائل قوتها أو أجزاء منها، وهويتها التي تجعلها شريكاً دولياً مقبولاً، فماذا يبقى، في ضوء هذه الحسابات التي أعتقد أنها واقعية وعادلة، غير فكّ علاقة "الجبهة "بالقاعدة، والانتماء إلى ثورة الشعب وعلمها، وإلى الجيش الحر وفصائله، لا سيما أن هذه الخطوات تمكّنها من الحفاظ على قوتها الوازنة في مواجهة النظام، وتحمي قوى الجيش الحر والفصائل، وتقلّص فرص إضعاف الثورة اليوم والتخلص منها غداً، وتوفر على شعبنا تضحياتٍ جسيمة، لا عائد سياسياً أو عسكرياً يسوّغها، وتعيد إلى الحراك الشعبي هويته الأولى، المعادية للاستبداد ولنظامه الأسدي، وتؤسس وضعاً سيقلب ميزان القوى تدريجياً لصالح شعب سورية، وسيجبر الدولتين الكبريين على الحد من تلاعبهما بمصيره، وتصارعهما بدمائه، بينما سيبعث الأمل بالخلاص في نفوسٍ كثيرة أصابها اليأس من الانتصار والعودة إلى الوطن، وسيحفظ وحدة دولتنا ومجتمعنا، أو يجعل تهديدها ضرباً من العبث.

تقدّم التطورات فرصةً تاريخية "للجبهة"، إن اهتبلتها أنقذت شعبها وصانت حقوقه. عندئذٍ، سيدافع السوريون عنها بالأرواح والمهج، لأنها غلبت أمنهم ووجودهم وانتصار ثورتهم على حساباتها التنظيمية الضيقة.

هل يُقدم قادة "الجبهة" على ما يلزمهم واجبهم تجاه أهل الشام بفعله، وتنتظره منهم قطاعاتٌ واسعةٌ منهم، أم يركبون رؤوسهم، ويضعون حساباتٍ حزبيةً وتنظيميةً فوق مصالحهم وأمنهم، فيهلكوا ويهلك معهم عدد غفير من المقاتلين من أجل سورية، وأبرياء بلا عدد ثاروا من أجل الحرية والحياة والكرامة، ولم يثوروا لكي تقتلهم الحسابات الخاطئة والأنانيات التنظيمية والمشاريع الوهمية والمستحيلة.

-**-**-**-**-**-**-**-**

سورية.. الهدنة أو التقسيم .. بشير البكر

العربي الجديد

الجمعة 16/9/2016

وضعت الولايات المتحدة وروسيا السوريين أمام خيارين لا ثالث لهما: الهدنة أو التقسيم. وبات الاتفاق الذي توصل له وزيرا الخارجية، جون كيري وسيرغي لافروف، بعد أكثر من خمسين اجتماعاً كأنه خلاصة نهائية، لا قبلها ولا بعدها.

حتى الآن، تبدو الهدنة صامدةً على نحوٍ نسبي، بما يفوق حسابات حتى الأطراف التي سعت إليها، وذلك عائدٌ، في صورةٍ أساسيةٍ، إلى الضغط الكبير الذي مارسته موسكو وواشنطن على النظام والمعارضة، من أجل ضبط النفس، ووقف الأعمال الحربية.

مصلحة أميركا من الهدنة أقلّ مردوداً مما تطمح إليه روسيا، وقبل كل شيء، تريد واشنطن من اتفاق اللحظة الأخيرة في عمر إدارة باراك أوباما أن تبرّئ ذمتها من وزر التقاعس والتواطؤ حيال الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها النظام السوري خمس سنوات، وعدم قيامها بأي رد فعلٍ من أجل مساعدة شعبٍ أعزل يتعرّض للإبادة والتجويع والتهجير من وطنه، ليس على يد نظام مجرم فقط، بل بمشاركة إيران وروسيا ومليشيات طائفيةٍ لبنانيةٍ وعراقية وأفغانية وباكستانية.

والأمر الثاني الذي تراهن عليه واشنطن، كمكسب من الاتفاق، ضرب جبهة النصرة التي تعتبرها تنظيم القاعدة، ولا يفيد في ذلك تغيير اسمها، أو حتى جلدها.

من منظور موسكو، فتح الاتفاق الباب لرفع العقوبات الغربية عن روسيا، ولحلٍّ في أوكرانيا، وهذا ما كانت روسيا تصرّ عليه في الكواليس، وهو يعد أحد الأسباب التي جعلتها تندفع بقوة نحو الملعب السوري، وتدرك روسيا أن تفاوضها مع الولايات المتحدة وأوروبا، بخصوص شبه جزيرة القرم وأوكرانيا والدرع الصاروخي، مختلف كليا عنه في حال لم تجهز هذه الحملة العسكرية التي حققت نجاحات كبيرة، منها على وجه الخصوص منع نظام الأسد من السقوط، وتوجيه ضربة جسيمة للمعارضة السورية المسلحة التي بات ظهرها إلى الحائط، الأمر الذي جعل خياراتها محدودةً، وهامش المناورة أمامها شبه معدوم.

ويفيد هنا التوقف أمام جملة وزير خارجية النظام السوري، وليد المعلم، الشهيرة "ما لم يؤخذ بحد السيف لن يعطى على طبقٍ فوق طاولة المفاوضات"، وهو يقصد بذلك رحيل بشار الأسد الذي تتمسّك به المعارضة شرطاً أساسياً لأي حل. وستكون هذه النقطة، كما جرت العادة، الأولى على جدول مباحثات الطرفين، وسيتم البدء منها في أول جولة تفاوض مرتقبة في مطلع الشهر المقبل. وهناك معلومات متداولة في الكواليس تقول إن الملاحق السرية في الاتفاق الأميركي الروسي تعطي له الحق في الترشح من جديد، وكذلك الإبقاء على رؤساء الفروع الأمنية الذين ارتكبوا مجازر بحق الأبرياء، وتقع عليهم مسؤوليات قتل قرابة نصف مليون، وتهجير ثلثي الشعب السوري، وتدمير أكثر من خمسين في المائة من سورية.

الهدنة هي الفرصة الأخيرة. هذا ما ردّده كيري ولافروف، ما يعني أن فشلها سوف يقود إلى ما هو أسوأ. وهذا ما أفصح عنه الوزير الأميركي، حين طرح عليه سؤالٌ حول البديل عن الاتفاق، واعتبر أنّ من دونه "كان العنف سيزيد بدرجةٍ كبيرة، وكان سوريون كثيرون سيذبحون، أو يضطرون للفرار من بلدهم. كانت حلب ستتعرّض لاجتياح بالكامل. وكان الروس والأسد سيواصلون قصفاً عشوائياً عدة أيام، فيما نحن نجلس هناك، ولا نفعل شيئاً". واستنتج من ذلك "أنّ الاتفاق فرصة أخيرة للإبقاء على سورية موحدة".

سيقود تفاقم الوضع إلى هذا الحد حكماً إلى الخيار المشؤوم، أي التقسيم. وهذا أمر يطمح إليه النظام والإيرانيون الذين ارتكبوا مجازر، ومارسوا سياسات التجويع، من أجل تهجير مناطق كاملة من سكانها الأصليين، بهدف إقامة ما تسمى "سورية المفيدة" التي هي كناية عن كانتون النظام برعاية طهران.

لا خيارات أمام السوريين. هدنة كاذبة أو طربوش أميركي روسي للتقسيم.

-**-**-**-**-**-**-**-**

عندما تتخذ المقاومة غطاءً لذبح المسلمين في سوريا .. الطاهر إبراهيم

القدس العربي

الجمعة 16/9/2016

عندما تختلف الممارسة عن المبادئ، بل تناقضها، فاضرب بالمبادئ عرض الحائط. وإذا كان المثل الشامي عبر عن ذلك فقال: «الدين المخبأ بابوجة»، فلأن الناس لا تتعامل إلا مع الصريح الواضح. فلا يمكنك أن تمسك بالبصل ثم تزعم أنه تفاحة. وإلا ضاعت المسميات وأصبحنا لا نعرف شيئا يعرض علينا طالما أننا قد نفاجأ باسم له يزعم الزاعم بغير ما تواضع عليه الناس.

يوم استولى حافظ الأسد على السلطة في تشرين الثاني/نوفمبر 1970، أمر بأن يغفل دين الدولة في سوريا، فكتب بالدستور دين رئيس الدولة الإسلام. بهذا أصاب حافظ الأسد عصفورين بحجر واحد، كيف؟

علماء الإسلام يعترفون بأن الشيعة مذهب من مذاهب المسلمين، رغم ما يتقوله آيات مذهبهم على بعض الصحابة الكبار مثل أبي بكر وعمر وعثمان والسيدة عائشة رضوان الله عليهم. حجة العلماء بذلك أنهم ينطقون بالشهادتين. لكنهم لا يعتبرون العلويين مسلمين لأن العلويين يقولون إن عليا رب. وعندما تم الاستفتاء على حافظ الأسد رئيسا للدولة، فيكون أدرج اسم حافظ الأسد في قائمة المسلمين، لكنه لم يكتب أن دين الدولة هو الإسلام، فلا يكون الإسلام مصدرا للتشريع.

نستطرد فنقول:إن اعتبار العلويين غير مسلمين لا يتناقض مع اعتبارهم سوريين. لأن المواطنة اكتسبوها من كونهم عاشوا عبر مئات السنين فوق أرض سورية. الجدلية هذه عاشتها سوريا طوال حكم حافظ الأسد، وتسببت في قتل عشرات آلاف المسلمين السنة، وتم اعتقال عشرات الآلاف وتهجير مئات الآلاف خارج سوريا.

لم يدخر حافظ الأسد وسعا لتثبيت أسس نظامه. فرغم أنه قد خاض حربين مع إسرائيل وانهزم فيهما (حرب عام 1967 وحرب عام 1973). فقد زعم أن إسرائيل فشلت في اسقاط البعث في الأولى، وزعم في الثانية أنه استعاد القنيطرة، لكن بعد توقيع معاهدة فصل القوات التي فبركها هنري كيسنجرعام 1974، وقد قضت هذه المعاهدة بترك هامش سوري بعمق 20 كم على طول الحدود تمتنع فيه الدبابات السورية من السير على جنازيرها، وإذا كان ولابد فتحمل فوق حاملات الدبابات. مع ذلك فإن اسرائيل لم تطلب تطبيق هذا القيد عندما قامت دبابات بشار بداية الثورة بقصف قرى درعا، وبعضها كقرية «الحارة» التي لا تبعد سوى كيلومتر واحد عن إسرائيل.

خلال30 عاما من حكمه لم يطلق جيش حافظ الأسد رصاصة واحدة على إسرائيل. مع ذلك رفع راية عداوة إسرائيل. وجاء من بعده وريثه بشارالأسد، فالتزم الخطوط الحمر التي التزمها أبوه من قبل مع كيسنجر. وقد اقتضت الظروف تقسيم الرايات، فقد رفع حسن نصر الله راية المقاومة في جنوب لبنان، واكتفى بشار الأسد براية الممانعة من دون أن يبين للناس ما تعنيه هذه الممانعة.

عاش اللبنانيون الكذبة الكبرى التي سوّقها عليهم حسن نصرالله عندما زعم أنه يقاتل إسرائيل في جنوب لبنان لتحرير الجنوب. فقد كان القياس أن يضم حسن نصر الله ميليشياه إلى الجيش اللبناني بعد انتهاء مهمته التحريرية في جنوب لبنان. وعندما لم يفعل فقد تحقق اللبنانيون أنه كان يعمل لحساب أجندة أخرى غير تحرير الجنوب في لبنان. وأن مقاومة إسرائيل لم تكن إلا حلقة في مشروع الولي الفقيه الذي لم ينكره حسن نصر الله في يوم من الأيام.

عاش حسن نصر الله ثلاثة عقود وهو يزعم أنه عدو لإسرائيل وأمريكا.

ويوم اجتاحت واشنطن العراق لم يخف فرحه بإطاحة صدام حسين،مع أن الذي انتصر هو الشيطان الأكبر أمريكا، وأن الذي انهزم هو الجيش العراقي العربي.

عندما اندلعت الأحداث في سوريا أظهر نصرالله موقفه المناصر لبشار الأسد المعادي لأهل السنة. اعتقد أن الشعب السوري لن يجرؤ على مناصبة بشار الأسد العداء، وأن البعثيين على الأقل سيقفون إلى جانبه. لكن المحافظات السورية كافة قامت بالتظاهر لإسقاط بشار الأسد ونظامه، ولم تقف مع بشار.

بدأ بشار الأسد حرب إبادة ضد المسلمين السنة لدرجة أنه لم يعد يعتبر أن البعثي السني تقيه بعثيته من حرب الإبادة، ما اضطر من كان بعثيا من أن أهل السنة أن يغادر إلى أرض الله الواسعة، ولم يبق في صف بشار إلا من هانت عليه نفسه ورضي بالفتات يرميها إليه بشار مثل مصطفى طلاس وحكمت الشهابي.

مع أن سجل حزب الله مليء بالاغتيالات يوم أن كانت طهران تعادي واشنطن على أنها (الشيطان الأكبر)، حتى بذلك الوقت كانت تتعامل مع واشنطن من تحت الطاولة مثلما حصل في صفقة سلاح الكونترا، نقول إن الحزب كان يقوم بالاغتيالات لحساب طهران في أوروبا،وما جهاد مغنية ومصطفى بدر الدين إلا مثلين صغيرين على ذلك. وإن الهجوم على السفارة الأمريكية في بيروت وقتل 250 أمريكيا في ثمانينات القرن العشرين مثل فاقع على ما نقول. فإن هذا السجل لم يجعل واشنطن تحاسب حزب الله على أنه راع للإرهاب، لأنها كانت تحتاجه في حرب أهل السنة، وهو أولوية عندها، تحقق ذلك عندما أدخل نصر الله عناصره ليحارب المسلمين السنة في سوريا.

وقد بلغ الشطط بحسن نصرالله أن اعتبر قتاله إلى جانب بشارالأسد في سوريا هو قتال للتكفيريين الذين تدعمهم واشنطن، وأن هذاالقتال سوف يصب في خانة المقاومة التي تقاتل إسرائيل. وعلى هذا الأساس زعم أن قتال نصرالله في مدينة حلب هو جزء من المقاومة التي تحرر فلسطين.

لكن نصر الله لم يقل لنا فيما إن كانت الطائرة الأمريكية بدون طيارالتي قتلت القائدين الكبيرين من جيش الفتح يوم الأربعاء 8/ 9/2016 في ريف حلب الجنوبي، ابو عمر سراقب وأبو مسلم الشامي عما إن كانت الطائرة قتلت القائدين لدعم المقاومة (إياها)؟ أم أنها كانت حقيقة تقاتل إلى جانب نصر الله وإيران؟

حسن نصر الله يتبجح ويقلب الحقائق وهو يعلم في قرارة نفسه أنه يكذب وأنه جندي عند واشنطن وعند الولي الفقيه اللذين اتفقا على ذبح المسلمين السنة أينما كانوا، كل حسب الأجندة التي يعمل عليها، وهذه الأجندات لم تعد تخفى على أحد.

-**-**-**-**-**-**-**-**

هل تنجح الهدنة في سوريا؟ .. د. رياض نعسان أغا

الاتحاد

الجمعة 16/9/2016

منذ اليوم الأول للهدنة تم اختراقها أكثر من عشرين مرة، وفي اليوم الثاني وصل عدد الاختراقات إلى خمسة وخمسين اختراقاً، وقصف النظام منطقة الشقيف في حلب بأربعة براميل متفجرة وشاركت الحوامات الروسية بقصف العديد من المناطق، وبدأت تظهر للعلن خلافات روسية أميركية حول تفاصيل الاتفاقية، وقال لافروف إن واشنطن لا تريد كشف تفاصيل الاتفاق، وكان قد أشار إلى حزمة وثائق وإلى خمس خطط لم يفصح عنها، والمفارقة أن الخلافات حولها وصلت إلى الإدارة الأميركية في تصريحات مفاجئة بين وزيري الخارجية والدفاع، كل ذلك والسوريون لا يعرفون حقيقة الاتفاقات الدولية التي تدور حولهم، ونحن في الهيئة العليا للمفاوضات لم نطلع بعد على شيء من هذه التفاصيل، مع أننا من حيث المبدأ نطالب بوقف شامل وكامل لإطلاق النار وبخاصة على المدنيين، وقد طالبنا الأمم المتحدة مرات عديدة بحماية المدنيين الذين هم الغالبية العظمى من ضحايا القصف الروسي والإيراني وقصف النظام ومليشياته الطائفية، ولابد من هدنة مديدة توفر جدية للتوجه نحو حل سياسي عادل، فمن الصعب أن تبدأ مفاوضات في جنيف والدم السوري ينزف والمدن تقصف وتهدم، وقد كان النظام يفشل اللقاءات في جنيف عبر تصعيد قصفه للمدنيين مع بدء كل جولة من جولات التفاوض، وعلى رغم تهرب النظام عملياً من متابعة المفاوضات وطرحه لحلول تخالف بيان جنيف وقرارات الأمم المتحدة، فقد أعلنا تمسكنا بالحل السياسي، وقدمنا في مؤتمر لندن الأخير بشفافية مطلقة رؤية تقنية لتفاصيل الحل ومجرياته (من وجهة نظرنا) وقد لقيت هذه الرؤية ترحيباً من عدد من دول العالم.

وقد قدمنا في رؤية الهيئة للمرحلة الانتقالية تصورنا عن طرق مواجهة الإرهاب بكل فصائله وتنظيماته، حيث لا يجوز الاكتفاء بمحاربة فئة واحدة ومنح البراءة لإرهابيين لا يختلفون في شيء عن «داعش» مثل «حزب الله» والمليشيات الطائفية.

  وبما أن روسيا والولايات المتحدة تضعان الحرب على الإرهاب خارج اتفاقية الهدنة، فلابد من سؤال لهاتين الدولتين الكبيرتين، عن الطرق التي ستتبعانها لحماية المدنيين، وقد رأينا ما فعلت روسيا في سوق للخضار في إدلب بعد بضع ساعات من مؤتمر كيري ولافروف، وقد طلبت عبر وسائل الإعلام من لافروف شخصياً أن يقدم للمجتمع الدولي اسم إرهابي واحد بين الذين قتلوا في سوق شعبية في إدلب، على سبيل المثال.

إن عدم وجود منطقة آمنة يلجأ إليها المدنيون سيجعل الحرب على الإرهاب قصفاً عشوائياً سيكون ضحيته المدنيون وحدهم، حيث بوسع من صنفوا إرهابيين أن يجدوا مهرباً لكن (إلى أين يذهب المدنيون؟).

ولم تذكر الاتفاقية شيئاً عن إيران وعن «حزب الله» وعن شبيحة النظام والمليشيات التي تقتل السوريين فهل سيشملهم اتفاق الهدنة، وهل سيكون لهم عقاب إذا اخترقوها؟ وما عقاب النظام إذا اخترق الهدنة أم أن العقاب للمعارضة وحدها؟ ثم إن الاتفاق يتحدث عن إدخال مساعدات للمناطق المحاصرة وكان أولى أن يتحدث عن فك الحصار، ونستغرب كيف تجاهل الفريقان القرار الدولي 2254 وهما الموقعان عليه وهو يفرض أن يكون الطريق إلى الحل السياسي عبر تنفيذ البنود الشهيرة من القرار، وهي فك الحصار، وإطلاق سراح المعتقلين، وحماية المدنيين وبناء مرحلة الثقة.

وكان ينبغي أن يشير الجانبان الروسي والأميركي إلى خطر جرائم التهجير القسري الذي ينتهجه النظام لإحداث تغيير ديموغرافي كما فعل في درايا وكما يفعل في المعضمية والوعر، فاستمرار التهجير يعني إفشال الهدنة، وقد بدأ السوريون يعتقدون أن هناك خطة لإبادة أهل السنة عبر تجميعهم في منطقة واحدة، وبدأ بعضهم يخشى أن تكون هناك خطة للتقسيم بعد هذا الفرز الطائفي الذي يصر عليه النظام.

إننا نخشى رغم الهدنة من أن تتحول الحرب على الإرهاب إلى حرب على أطفالنا ونسائنا وشيوخنا ومرضانا، وأن يكون من نتائجها مزيد من التدمير للبنى التحتية وتشريد البقية من السوريين. ولا يخفى على أحد أن مزيداً من الظلم والعنف والقصف العشوائي سيولد مزيداً من الإرهاب، ونرجو أن تدرس الجمعية العامة للأمم المتحدة في اجتماعاتها القادمة هذا الوضع الإنساني الكارثي المعقد الذي يعاني منه شعبنا السوري منذ خمس سنوات ونيف، وأن يحث مجلس الأمن على إيجاد حل حاسم يلبي مطالب الشعب، وألا يضحي بشعب مقابل حاكم مستبد، فالشعوب لا تقهر.

-**-**-**-**-**-**-**-**

سيناريو التمدد الروسي في المنطقة .. ميشيل كيلو

البيان

الجمعة 16/9/2016

في وعي وتصريحات الرئيس الروسي بوتين الكثير من الشوق إلى الاتحاد السوفييتي، ومن الرغبة في استرجاع مكانته الدولية كند لأميركا وقوة عظمى لها انتشار ايديولوجي / عسكري عالمي، يغطي حضورها المباشر ونفوذها الكرة الأرضية، ومعسكراً من الدول التابعة.

بما أن روسيا بوتين لا تمتلك أيديولوجية الاتحاد السوفييتي واقتصاده وانتشاره الاستراتيجي والسياسي الكوني، وتمتلك بالمقابل قوة عسكرية كافية للسيطرة على مناطق داخل مجالها الإقليمي القريب منها، فقد شرعت تستخدم بعضها من أجل تأسيس نطاق خارجي واسع مرتبط بها، بقرار اعتمدته بعد إخراجها صفر اليدين من ليبيا، يرى أن القوة الناعمة ليست كافية لضمان سيطرتها على بلدان أخرى، ولا تقاس بما لدى بلدان الغرب منها، إلى جانب قواه الخشنة المنتشرة في كل مكان، والتي تفتقر روسيا إلى ما يعادلها، ويمكنها من احتواء تفوقها وقدرتها على الشروع الفوري بالأعمال التي تريد القيام بها.

لهذا كله، يبدو أن الكرملين قرر استخدام قواه الخشنة، لتنفيذ سياساته في مناطق الصراع القريبة من روسيا، وتحديداً منها قواه القادرة على التدخل السريع، وعلى ممارسة درجة عالية من العنف أثناء تنفيذ ما يوكل إليها من مهام، مثلما تفعل في سوريا، بدءاً من المناطق الأقرب فالأبعد، أسوة بما سبق للسوفييت أن طبقوه في المجال غير الأوروبي، وخاصة مناطقه غير المحمية غربياً أو المعادية للغرب، التي لا يمثل العمل فيها بالضرورة تحدياً يستفزه ويجبره على الرد.

وبالفعل، بدأت روسيا مشروعها بدخول سوريا عسكرياً، ثم حاولت الانطلاق منها إلى بقية بلدان المنطقة، بالتعاون مع دول وقوى تابعة لها تصارع الغرب، وتتعامل مع شعوبها وكأنها معادية لها ومنحازة إلى أميركا.

من المعروف أن الاتحاد السوفييتي كسر عامي 1954 / 1955 طوق عزلته الدولية عبر اختراق المنطقة العربية من البوابة سوريا، وبعدها بقليل من البوابة المصرية - الناصرية، التي بدأت علاقاتها بها من المجال العسكري، فهل تستعيد روسيا اليوم التجربة السوفييتية، ولكن من البوابة الإيرانية وتشابكاتها الإقليمية والمحلية؟.

 وهل تستخدم صراع إيران مع أميركا ونزاعاتها المحلية لتحقيق مقاصد استراتيجية تغطي القضايا المختلف عليها بين طهران وواشنطن، إن نجحت موسكو في استغلالها اخترقت محورا متنوع البلدان يمتد من مزار الشريف في أفغانستان إلى جنوب لبنان مروراً بالعراق إلى جانب سوريا، وربما نجحت أيضاً في إقامة علاقات مميزة مع الأردن بمعونة إسرائيل، بعد أن تصالحت مع تركيا: المعنية بالدعم الروسي في صراعها ضد الإرهاب عامة ومخاطر قيام كيان كردي في سوريا من شأنه آن يصعد ضغوط المسألة الكردية داخل مجالها الوطني.

ماذا سيحدث إذا كان هذا السيناريو واقعياً وكتب له النجاح ؟. سيفاقم الحضور الروسي الصراع المستعر في عموم المنطقة، وسيمد روسيا بأدوات وقدرات محلية سيبدل استخدامها بنجاح بنية المنطقة وعلاقاتها بالعالم.

قال بسمارك ذات يوم: السياسة هي فن الممكن، والممكن، كما هو معلوم، احتمالات يتحقق منها ما ترجحه تطورات الواقع على سواه، فهل ترجح مفردات التحول التاريخي، الذي تمر منطقتنا الاحتمال الذي يتحدث عنه هذا النص؟.

وهل يؤيده ما تفرع عن الصراع على سوريا وفيها من تشابكات محلية وإقليمية ودولية، تنحو في معظمها إلى تأسيس واقع جديد في بلدان المشرق والمنطقة العربية، كما في الدول الإقليمية المجاورة لها، يختلف عن واقعها الراهن، ويجعل توطن موسكو فيها احتمالاً قوياً ضعيفاً وقابلاً للتحقيق، في ظل سلبية أميركا، والخطة التي ينفذها الجيش الروسي بعنف لا مثيل له في جميع الحروب التي عرفناها، ويبدو وكأنها بدأت تعيد موسكو إلى المجال العربي/ الإقليمي من بوابتيه السورية والإيرانية.

تتخلق في أيامنا بيئة سياسية محلية دولية بتعاون روسي - ايراني، يراد لها أن تنتشر في المنطقة بحجة محاربة الإرهاب تارة، وحماية الأمر القائم تارة أخرى، يرجح أن تقرر نتائج الصراع الدائر فيها اليوم، وان يعبر قيامها عن تأسيس شبكة علاقات ومصالح يعني توضعها في منطقتنا تشكل حاضنة جديدة لصراعات دولية وإقليمية ومحلية اشد ضراوة مما عشناه إلى اليوم، لن يبقى معها شيء على ما هو عليه اليوم!.

-**-**-**-**-**-**-**-**

تنظيم الحرب في سورية والخلاف في لبنان .. وليد شقير

 الحياة

الجمعة 16/9/2016

يُخشى أن ينزلق بعض الفرقاء اللبنانيين إلى قراءة خاطئة للوضع الإقليمي والدولي في سعيهم إلى تحقيق طموحاتهم السياسية والسلطوية، عبر تضخيم خلفيات الأزمة السياسية التي يعيشها لبنان فوق ما هي عليه، بتصويرها على أنها أزمة «وجودية» لفئة من اللبنانيين يتم حرمانهم من حقوقهم وإلغاؤهم.

من الطبيعي أن تنطبق الخشية هذه، على اندفاع تيار العماد ميشال عون نحو ربط دور المسيحيين وموقعهم في السلطة بتوليه هو، من دون غيره، الرئاسةَ الشاغرة منذ ما يقارب السنة ونصف السنة، وإلا يهدد بإعادة النظر بالعيش المشترك. واقع الأمر أن سبب الشغور الرئاسي وتصاعد الأزمة الداخلية لا علاقة له باستهداف المسيحيين ومصالحهم، بل بالأزمة السورية والمعادلة التي سترسو عليها، على رغم أن النتيجة العملية الناجمة عن هذا الشغور تصيب بالضرر الموقع المسيحي الأول في التركيبة الهشة أصلاً.

سبق للعماد عون أن قرأ المحيط الإقليمي في شكل معاكس لطموحاته عام 1989 عندما أصر على تولي الرئاسة بالتحالف مع أخصام سورية في حينها، فجاءت النتيجة لمصلحة حلفاء دمشق، على رغم الصمود الذي أظهره عون وعناده تحت شعار أن «العالم يستطيع أن يسحقني لكنه لا يستطيع الحصول على توقيعي». وهذا ما حصل. وتكرر الأمر في العام 2008 حين راهن عون على التفوق العسكري لحليفه «حزب الله» الذي احتل بيروت، لكن إيران ومعها بشار الأسد اضطرا للقبول بتسوية مع الدول العربية والغرب حول رئاسة العماد ميشال سليمان في حينها.

أما اليوم، فإن خيار عون لملء الشغور الرئاسي الذي طال لفترة قياسية تهدد المؤسسات وتنذر بانهيار الدولة، محفوف بالمخاطر والغموض نتيجة التعقيدات المتصلة بأفظع حرب كارثية في سورية وعليها وبنتائجها غير المسبوقة على الصعد الإنسانية والجيوسياسية، منذ الحرب العالمية الثانية.

وإذا كان ترجيح رئاسة العماد عون للجمهورية مرتبطاً بتفوق المحور السوري-الإيراني-الروسي، يستحيل على المحور المقابل، العربي، أن يقبل بها، في ظل الحرب التي تمارسها طهران على المملكة العربية السعودية، في غير ساحة، وصولاً إلى إطلاقها الصواريخ الباليستية على الأراضي السعودية من اليمن. والحال هذه، كيف يمكن فريقاً من اللبنانيين أن يقبل بسلطة تراعي طهران وطموحاتها، فضلاً عن أن جزءاً من المحور الذي يفترض البعض أنه يرجح عون، أي الروس، لم يعودوا يشاركون الضلعين الآخرين من هذا المحور، أي إيران ودمشق في هذا الخيار. وأبسط الموانع في هذا الخيار هو عدم قدرة «الرئيس اللبناني ميشال عون» على اتخاذ موقف بالدفاع عن السعودية والمصالح العربية في مواجهة العدائية الإيرانية، كما حصل حين تجنب وزير الخارجية جبران باسيل حضور الاجتماع الأخير لوزراء الخارجية العرب لإدانة حملة طهران على المملكة في شأن موسم الحج. وسيكون الأمر سابقة تاريخية تتصل بأصل تكوين لبنان وموقعه في المعادلة العربية، إذا انحاز الرئيس اللبناني إلى الجانب الإيراني، وقد يشهد عندها الوطن الصغير انهياراً لا يقاس بما يشهده الآن في ظل الشغور، ناهيك بالصراع في سورية. وفي المقابل سيحصد هذا الرئيس العداء الإيراني، إذا انحاز إلى الموقف العربي، مع كل مترتبات ذلك على الصعد الأمنية والسياسية والاقتصادية. هذا غيض من فيض عن الأمثلة التي تربط رئاسة «الجنرال» بتفوق مفترض للمحور المذكور.

أما إذا كان الإصرار على رئاسة عون متصلاً بالافتراض القائل إنه وسيلة لتعليق قيام السلطة بانتظار اتضاح المعادلة في سورية (وليس التزاماً به)، لتقرر بعدها إيران الإفراج عن الرئاسة أو لا، وفق ما تربحه أو تخسره هناك، فإن الانسياق وراء شعار «الرئيس القوي»، أسوة بالرئيسين القويين الشيعي في البرلمان، والسني في الحكومة، لا يفعل سوى تأجيج الصراع الطائفي، من دون أفق. فالشغور سيطول على وقع الاتفاق الأميركي - الروسي على الهدنة وسيلةً لتنظيم الحرب السورية وإدارتها، بين الدولتين العظميين، وبين القوى الإقليمية التي تتقاطع مصالحها مع موسكو أو واشنطن، تارة، وتتناقض أحياناً أخرى. يكفي التنبه إلى أن إطلاق القذائف على الجولان المحتل، هو ترجمة لتحفظ طهران عن الاتفاق، لترد إسرائيل بقصف الطيران... مع ما يحمله ذلك من مخاطر وصل «حزب الله» جبهة الجنوب اللبناني بالجولان. هذا من دون الحديث عن استمرار عبء النازحين، ومخاطر الإرهاب.

مواكبة «تنظيم الحرب» في سورية قد تتطلب رئيساً للبنان ينظم الخلاف فيه بدل «القوي». واستغناء أحد الرؤساء الأقوياء، سعد الحريري عن رئاسة الحكومة، قد يفتح باباً لتسوية ما، على رغم الشكوك بقبول «حزب الله» بها.

-**-**-**-**-**-**-**-**

موقفنا : أسرار (لافروف – كيري) أشد خطرا مما تقدرون .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

21-9-2016

في سَوْرة الغضب الروسي – الأمريكي ، بعد قصف التحالف الأمريكي لوحدات من جيش بشار الأسد وما ترتب عليه ، خرج الحوار بين طرفي الشر العالمي إلى حد الشجار ، وأفضى إلى أن كشف المجرمون بعض أسرارهم بل أضغانهم ، وكان الجزء الذي كشف ، أخطر مما كنا نظن او نقدر ..

ويبدو عامل الريبة أكبر في مواقف وسياسات ، مؤسسات المعارضة السورية ، المحسوبة على تمثيل الثورة ، بعد انكشاف هذين البندين الخطيرين ، في إطار ما يسمونه الحل السياسي المزعوم . الذي ما يزال البعض يرتبط به ، وساقاه حتى الركب منغمسة في دماء الأبرياء ...

 إن إصرار طرفي الشر ( الروسي والأمريكي ) على الاحتفاظ ببروتوكولات سرية للاتفاق ، بين تحدي الكشف والرفض ، حتى الآن يجعل من ترحيب من رحب ، وتأييد من أيد ، وموافقة من وافق على هذا الاتفاق ؛ في دائرة الشك والريبة والتآمر على دماء السوريين ، حاضرهم ومستقبلهم . بل إن الصمت على هذا الاتفاق من كل من ينتظر منه بيان ، هو نوع من الشراكة في الجريمة الآثمة على سورية والسوريين .

إن ما أفصح عنه مندوب روسية في الأمم المتحدة تشوركين : من بنود الاتفاق الروسي – الأمريكي ، وإن كان قليلا ومحدودا إلا أنه جدير بأن يعطي فكرة عن الدور الذي يتهيأ له شريكا الشر ، ومنهم الشريك الأمريكي الذي يدعي صداقة الشعب السوري ، وتمثيله ، والذي يبدو ملهوفا للحصول على الاتفاق بأي ثمن .

فحين يقرأ تشوركين من الملفات السرية العبارة التالية : ( تعتزم روسية والولايات المتحدة بذل جهود مشتركة خاصة في حلب بما يخدم تطبيع الوضع في سورية )

لا بد لكل عاقل مهتم بالشأن السوري، متحمل لأمانة القرار السوري ، أن يسأل عن حقيقة ما يريد الروس من ( جهود مشتركة خاصة في حلب تخدم تطبيع الوضع في سورية ) ، غير إخضاع حلب ، وكسر إرادة بنيها ، عن طريق القصف والحصار ، الذي ما زال الروس يمارسونه ضد هذه المدينة منذ ستة شهور ...

 إن المقصود من هذه العبارة ، كما يترجم عمليا اليوم ، بالضبط هو إعادة إخضاع حلب لاحتلال الأسديين المجرمين الآثمين . وهذا قرار خطير في أبعاده وتداعياته ، وأبسط ما يمكن أن يقال فيه ، في ظل واقع الثورة اليوم ، وما تمثله حلب بالنسبة للثورة ، برمزيتها وثقلها الاستراتيجي ( البشري – الثوري – الجغرافي ) ، إنه قرار يهدف إلى تصفية الثورة السورية ، وكسر عمودها الفقري. فهل يمكن لمن يزعم أنه ممثل أو قائد للمعارضة السكوت على مثل هذا القرار أو الاسترسال فيه ؟!

 وربما لا يكون هذا القرار الخطير ( قرار إعادة احتلال حلب ) جديدا على مسامع المتابعين ، فقد سبق لراتني المبعوث الأمريكي إلى سورية منذ ستة أسابيع أن هدد الفصائل والمعارضين ، بأنهم إذا رفضوا العروض الأمريكية ، فإن حلب ستضيع ، وستعود لسيطرة المجرم بشار. ثم بعد هذا الانذار مباشرة ، تابعنا عملية فرض الحصار الأول على حلب، حيث بدا ، أن الجميع من الأعداء والأعدقاء كانوا متفاهمين أو متواطئين عليه . وربما لا يجوز أن يغيب عن متابع ، أن الروس زاوجوا يومها بين إعلان فرض الحصار على حلب وبين إعلانهم فتح أربع قنوات للطرق ( الآمنة ) التي تسمح لأبناء المدينة بالهجرة ، دون أن يحدد الشريران الروسي والأمريكي إلى أين الهجرة تكون ؟

وبعد أن استطاعت الفصائل بفضل توحدها أن تكسر الحصار ، وتنتصر عليه ، شاركت أيدي عديدة ، منها ما هو دولي ومنها ما هو إقليمي في إعادة فرض الحصار على حلب ، تمهيدا لحصارها وتجويعها وتهجير أهلها ومن ثم إخضاعها ، وإعادة احتلالها واستعمارها من قبل عصابة الجريمة والشر . وهذا هو الذي نتابعه أمام أعيننا اليوم

إن إصرار القوى السورية المهيمنة على قرار الثورة السياسي بكل تراتبيتها على تجاهل المعلومات والمعطيات ، ومن بينها هذا التسريب الخطير ، والتعامل معه بالجدية الذي يستحق ، يعني شيئا واحدا فقط هو أن هؤلاء ( المهيمنين ) هم شركاء في المشهد ، ضالعون في المؤامرة ، وأقل ما يمكن أن يفسر به هذا الصمت هو الرضا والقبول أو التخاذل والإذعان ..

والتسريب الثاني الذي أفصح عنه الروسي تشوركين في ملفات الاتفاق الروسي الأمريكي ، هو أن من بنود هذا الاتفاق هو قراءته من البرتوكولات النص الانتقائي التالي والذي يحدد أولوية عمل الشريكان الشريران على الأرض السورية ( تكمن الأولوية في الفصل ما بين المناطق الخاضعة لسيطرة الدولة الإسلامية وجبهة النصرة وتلك التي تسيطر عليها المعارضة قوى المعارضة المعتدلة المسلحة إضافة إلى الفصل بين المعارضة والنصرة )

 أنه وبعد تشكيل غرفة العمليات المشتركة بين الطرفين ، تتجسد أولوية عمل الشريكين والعمل في قتل من يسمونهم الإرهابيين . دون أن يذكر في عداد هؤلاء مائة ألف إرهابي يجثمون على صدر الشعب السوري ويهددون وحدته الديموغرافية والجغرافية للخطر . ومن هذا الخلل في تحديد في فرز الإرهابيين ، ومن تحديد الأولويات بدا لافروف وبوتين ملهوفين ، على كشف المستور ، والشروع في تنفيذ المؤامرة الجريمة لمصلحة بشار الأسد ، وهكذا يتضح أن شريكا الإثم والشر قد قررا وضع قدراتهما مباشرة في خدمة مشروع الجريمة والفساد والاستبداد ، ثم نجد من يزعمون أنهم ثوار ومعارضون يميلون مع الأشرار حيث يميلون .

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-**-**-**-**-**-**-**-**

اللاجئون كضحايا كارثة طبيعية .. حسام عيتاني

الحياة

الجمعة 16/9/2016

الخلاصات التي توصلت إليها ورشتا العمل اللتان عقدتهما «الرابطة المارونية» في شأن النازحين السوريين في لبنان لا تختلف كثيراً عمن يريد أن يطرب لصوته. لقد قال المشاركون ما يرغب المنظمون في سماعه من دون الانتباه الى وجهات نظر ومعطيات ووقائع لا يريد منظمو الورشتين سماعها أو التعامل معها.

أول الغائبين هم اللاجئون أنفسهم. فصوت أصحاب القضية وضحايا اللجوء والتهجير لم يكن مسموعاً ولم تحضر معاناتهم الإنسانية ولا رحلات البؤس والتجارب التي مروا بها كبشر في أعمال الورشتين اللتين اختتمتا بمؤتمر حمل عنوان «النازحون السوريون... طريق العودة». يصلح التصور الذي حملته الكلمات التي قيلت في المؤتمر لمجموعة من الناس نبتت فجأة في لبنان من دون أي دور لسكان هذه البلاد في التعامل معهم سوى في التأفف من عبئهم والاكتظاظ الذي جلبوه الى ربوعنا وتآمر العالم على إبقائهم وتوطينهم عندنا.

إذا نحينا جانباً الدور المثبت للمقاتلين اللبنانيين الذين يزيد عددهم على عشرة آلاف مسلح من التنظيمات الموالية لنظام بشار الأسد، وفي مقدمها «حزب الله»، في تهجير اللاجئين وتدمير منازلهم وموارد رزقهم ودفعهم خارج «سورية المفيدة» في سياق عملية تغيير ديموغرافي صريحة، يبقى أن وجود اللاجئين السوريين في لبنان، قد تداخل وتشابك مع البيئة اللبنانية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية واستكمل التداخل السابق على الثورة السورية وعززه.

وعليه، تبدو المشكلة التي يواجهها عقل مؤيدي الأبارتايد ثم الترانسفير في لبنان، أكبر بكثير من مسألة إعطاء هويات لبنانية للاجئين السوريين بحيث تتكرس الكثرة الإسلامية على القلة المسيحية. في الواقع هذه أصغر المسائل التي سترتفع في وجه أنصار النقاء العرقي اللبناني.

فهؤلاء الذين برروا قمع السوريين على أيدي نظامهم وقدموا شتى صنوف الدعم لمنع انتصار الثورة ولتحويلها إلى اقتتال طائفي وحرب تدخل دولي، ينظرون الى اللاجئين كضحايا كارثة طبيعية حان وقت عودتهم إلى بلادهم التي اجتاحها طوفان أو ضربها زلزال. وفي مناخ أقرب إلى الهلوسة، يقترح أحد المتحدثين إعادة 34 في المئة إلى منطقة آمنة ستنشأ في شمال سورية، فيرد آخر مصححاً أن في الوسع اليوم إعادة 47 في المئة. العودة التي يشق المؤتمر المذكور طريقها، ستكون إلى مناطق المعارضة وليس إلى تلك التي جاء اللاجئون منها والواقعة الآن تحت سيطرة النظام وحلفائه اللبنانيين والعراقيين والإيرانيين... الى آخر اللائحة. ألا يشكل هذا انحيازاً إلى الطرف المسؤول أولاً عن مأساة اللجوء؟

أما إذا قربنا العدسة قليلاً إلى الواقع اللبناني، فهل يستطيع المشاركون في المؤتمر وضع آلية لاستبدال مئات الآلاف من العمال السوريين الذين يحركون عجلات كثيرة في الاقتصاد المحلي ويعتمد عليهم أرباب العمل كأيد عاملة محرومة من كل أنواع الضمانات الاجتماعية والصحية وبرواتب تقل عن العمال اللبنانيين؟ هؤلاء العمال الذين نصادفهم في المخازن والأبنية والمطاعم والذين يجنون الثمار من الحقول والبساتين والعمال الأكثر تعلماً وكفاءة الذين ينتشرون في قطاعات صناعية ومالية وسوى ذلك، كيف يفكر المشاركون في «مؤتمر طريق العودة» في تعويض الوفر الذي يقدمونه الى الاقتصاد اللبناني مقابل شظف عيشهم في ظروف مزرية. كان هؤلاء لاجئين. لكنهم أصبحوا جزءاً من الروافع التي تحول دون انهيار الاقتصاد. روافع من لحم ودم وألم.

في هذا المؤتمر، تتجدد المقاربة السطحية لظواهر شديدة التركيب والتعقيد. وينحو المشاركون إلى التعامل الفوقي مع مشكلة ساهم بعضهم في تشكيلها لكنهم يرفضون الاعتراف إلا بوجهة نظرهم الضيقة والجزئية لمسألة لا تتحمل هذا النوع من الخفة.

-**-**-**-**-**-**-**-**

«خيانة» أميركية للثورة السورية .. حسان حيدر

الحياة

الجمعة 16/9/2016

يلخص الاتفاق الأميركي - الروسي الجديد حول سورية مسار التراجع التدريجي الذي أجبرت الثورة السورية على سلوكه، بعدما واجهت عنف النظام في بداياتها، واضطرت إلى اختيار الولايات المتحدة سنداً، لأنها كانت القوة الدولية الوحيدة القادرة، لو أرادت فعلاً، على لجم دمشق، ولأن العرب عجزوا عن تقديم دعم فاعل، فيما حشدت حليفتا بشار الأسد، إيران وروسيا، كل ما في قدرتهما لمساعدته في مواجهة شعبه.

كانت مواقف الأميركيين منذ البداية تعكس ارتباكهم وانقسامهم بين الرغبة المبدئية في مساعدة السوريين على التغيير وبين أولوية قرارهم بالانسحاب من بؤر التوتر الإقليمية، وفي مقدمها الشرق الأوسط. وكي يتفادوا الإحراج المتعلق بدورهم كقوة عظمى وحيدة، صاروا يقولون غير ما يفعلون، ثم ركزوا على بناء شراكات متعددة في المنطقة تعفيهم من تحمل المسؤولية كاملةً عن كل نزاع مهما كبر حجمه أو صغر، واختاروا الروس في سورية.

أطلق الأميركيون في البدايات شعارات مغرية وفضفاضة عن ضرورة رحيل بشار الأسد، وثمة في المعارضة من يعتقد بأنهم كانوا في وقت ما يعنون ما يقولون، لكنهم أخضعوا ذلك للضرورات التكتيكية في علاقتهم مع القوى الأخرى في المنطقة، ثم للاستراتيجيات التي تخدم رؤيتهم إلى تقليص دورهم في أقاليم غير مجدية، والتركيز بدلاً من ذلك على استشراف التهديد الآتي من الصين المتعاظمة الدور والطموح.

الجمعة 16/9/2016ومنذ انعقاد مؤتمر جنيف الأول والفشل الذريع في فرض آلالجمعة 16/9/2016ية لتطبيقه، بدا واضحاً أن واشنطن في طريقها إلى التخلي تدريجاً عن أهدافها وجر المعارضة معها إلى هذا التراجع. وجاء جنيف الثاني ليسجل رسمياً هذا التراجع عن مسار التغيير في سورية، وسط دعوات إلى «العقلانية» واقتناص «الممكن». ولم تُجد المقاومة التي أبدتها المعارضة، وسط ازدياد انقساماتها بفعل التذبذب في الخيارات والوسائل. وما لبثت الأهداف السياسية التي رعتها أميركا أن تقلصت وتراجعت من تسوية شاملة للوضع السوري إلى التركيز على التفاصيل في كل جبهة مواجهة على حدة، وطفت على السطح نغمة التفاهمات الموضعية التي أغرقت فيها المعارضة رغماً عنها، بسبب تراجع قدرتها على الصمود وحرصها على إنقاذ ما أمكن من مقاتليها أو من المدنيين، وأيضاً بسبب ربط القوى الداعمة استمرار دعمها بخضوع المعارضة لرغباتها السياسية.

وسرعان ما طغت التفاهمات التفصيلية على المفاوضات بين الأميركيين والروس، بحيث هبطت إلى مرحلة أقل أهمية الدعواتُ إلى تغيير النظام وصارت مجرد لازمة عند كل تراجع جديد.

وجاء الاتفاق الأخير تتويجاً لسلسلة التراجعات الأميركية التي أعادت انتفاضة السوريين إلى نقطة الصفر تقريباً، وصوّرتها كأنها صراع بين قبضايات الأحياء الذين يمكن للوسطاء إقناعهم بتقاسم النفوذ، وليست ثورةً تهدف إلى إنصاف شعب يعيش منذ نصف قرن تحت عسف نظام دموي قاتل. وصار الأميركيون يحذرون من أن عدم قبول ما يوافقون عليه يعني تقسيم سورية، في ابتزاز مفضوح للمعارضين.

شكلياً، ألغى الطرفان المتفاوضان دور حلفائهما، لكن مثلما هو بيّن عملياً، فإن الروس يلتزمون في شكل حاسم دعم نظام الأسد، أكثر مما يلتزم الأميركيون دعم المعارضة، ولذا سارع النظام وحلفاؤه الإيرانيون إلى قبول ما يعرض عليهم، بينما يتردد المعارضون. وتأكد أن واشنطن الغارقة في أولوياتها تعطي الروس دوراً أكبر مما يفترض، وربما أكثر مما يستطيعون، لأنها ترغب في حل سريع يريحها ويسمح لها بمتابعة هدف «القضاء على الإرهاب» الذي يشكل أساس تفاهمها مع موسكو.

نجح الروس مع الوقت في دفع الأميركيين إلى الاختيار بين القضم المتدرج للمدن والمناطق الحرة، وبين القبول بالفصل بين «المعتدلين» و «المتطرفين»، أي نقل المشكلة إلى داخل معسكر معارضي النظام، وأدخلوهم في تفاصيل معقدة أنستهم الهدف الفعلي للمفاوضات التي تحولت إلى مساومة على تقاسم النفوذ. وسواء صمدت الهدنة الجديدة أم لم تصمد، فإن الثمن الذي ستدفعه المعارضة في المراحل اللاحقة سيكون مرتفعاً جداً. فإذا قبلت «خيانة» الأميركيين مساراً، لن تستطيع الإفلات من التنازلات التدريجية المطلوبة التي تعني عملياً طي صفحة الثورة، وإذا رفضت ستواجه منفردةً كل عنف النظام وحلفائه.

-**-**-**-**-**-**-**-**


 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com