العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 25-08-2019


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

ــ

إدلب بين القيصر والسلطان

بسام مقداد

المدن

الخميس 22/8/2019

يشبّه أحد الكتاب السياسيين الأتراك ، كما نقل عنه الموقع الروسي "Geopolitika"، العلاقات بين روسيا وتركيا ، بالعلاقة بين طائر وحيوان يتعاونان في تدمير قفير النحل أينما وجد ، ليأكل الطائر يرقات النحل ، ويأكل الحيوان ما تجمع به من عسل . يبحث الطائر عن القفير ولا يستطيع الإقتراب منه لخشيته من لسع النحل ، ويقود إليه الحيوان بالتنقل أمامه من غصن لآخر ، ليبلغا القفير ويدمرانه ويقيما وليمتهما على أنقاضه . ويقول الكاتب ، محمود برينتشيك، بأنه ليس المهم من هو الطائر في مثاله ومن هو الحيوان ، إلا أنه يسوقه للقول بأن العلاقات التركية الروسية تشبه العلاقة بين هذين المخلوقين ، اللذين لا يمكن أن ينتصرا في كفاحهما من أجل البقاء سوى بالعمل متضامنين معاً .

وبعد أن يقوم الكاتب بجولة تاريخية للدلالة على التشابه في التطور السياسي الإجتماعي بين الطرفين ، منذ إصلاحات القرن التاسع عشر ، مروراً بالثورات الكبرى مطلع القرن العشرين في كليهما والإصلاحات الإقتصادية الليبرالية في كليهما ، ليستنتج تشابهاً للتطور الإجتماعي في روسيا وتركيا في مطلع القرن الحادي والعشرين ، تماما كما كان عليه الأمر في عشرينات القرن الماضي . وهو يرى أن الدولتين تعانيان حالياً من الضغط الهائل ، الذي يمارسه الغرب عليهما ، وأن الأمن القومي لكليهما يواجه مخاطر شديدة الجدية .

يستخدم هذا الإقتصادي التركي والبوليتولوغ هذا الإغتصاب الواضح للوقائع التاريخية ليتوصل إلى القول ، بأن إدلب والضفة اليسرى للفرات في سوريا تشكلان جبهة واحدة . وهو يرى ان الحفاظ على وحدة الأراضي السورية هو السبيل الوحيد لمعالجة المسألة السورية ، وأن هذه الوحدة هي نفسها وحدة الأراضي التركية، وكل منطقة سورية تطيح بهذه الوحدة، هي بمثابة منصة تستخدمها الولايات المتحدة  ضد روسيا وتركيا معاً. وإذ يعتبر أن الولايات المتحدة تساند هيئة تحرير الشام في إدلب و"الإرهابيين" الأكراد في شرق الفرات، يرى أن على روسيا وتركيا النظر إلى إدلب وشرق الفرات كجبهة واحدة ، لأن وجود أية من المنظمتين "الإرهابيتين" في إحداهما ، لا بد وأن يغذي شقيقتها في المنطقة الأخرى . ويرى ان القضاء على أية من المجموعتين يشترط القضاء على الأخرى ، ولن تتمكن روسيا وتركيا من التخلص من هيئة تحرير الشام ، دون التخلص من المجموعات "الإنفصالية الإرهابية" في شرق الفرات .

ولهذا السبب يرى الكاتب ، أن القضاء على المجموعات الإرهابية في إدلب ، ليس مهماً بالنسبة لسوريا فقط ، بل هو مهم أيضاً لكل من تركيا وروسيا . والوضع الراهن في إدلب يلحق الضرر بعلاقات تركيا مع روسيا ، ويعزز مواقع عدو تركيا المتمثل في هيئة تحرير الشام وشركائها من حزب العمال الكردستاني. ويرى أن المجموعات الأخرى في إدلب عليها أن تلقي سلاحها مقابل العفو من دمشق ، وحينها سوف يكون من الممكن أخيراً فصل هيئة تحرير الشام عن المجموعات الأخرى ، والقضاء نهائياً على جميع بؤر الإرهاب بالتعاون بين كل من تركيا وروسيا وإيران وسوريا . وبموازاة ذلك سوف تعمل هذه الدول معاً على القضاء على البؤر "الإنفصالية الإرهابية" الكردية المتمثلة بحزب العمال الكردستاني في شرق الفرات . 

ويختتم الكاتب التركي كلامه عن إدلب والقضايا الأخرى في العلاقات التركية الروسية  ، بالحديث عن "تحالف تركي روسي استراتيجي" يمتلك أسساً راسخة ، وتدفع الحياة نفسها إلى اللقاء بين الطرفين ، اللذين لا يسعهما إلا أن يريا "كم نحن بحاجة لبعضنا البعض" . ويعتبر أن ضرورة التحالف الإستراتيجي بين الدولتين قد تخطت منذ زمن بعيد إطار العلاقات الثنائية ، واصبحت تطال مسألة الحفاظ على هوية المنطقة ككل ووجودها .

من جهة أخرى ، وفي مقالة بعنوان "إدلب وجيوسياسة تركيا" نُشرت الشهر المنصرم في صحيفة تركية بارزة ، ونقلها الموقع الروسي المذكور أعلاه ، يقول ألكسندر دوغين ، الأيديولوجي السابق للكرملين ، أن تركيا تعمل في سوريا بموافقة صامتة من روسيا، التي تريد التوصل إلى شراكة استراتيجية مع أنقرة ، وإجبار الأكراد على الخروج من تحت عباءة إسرائيل والغرب والتقرب من دمشق . ويقول هذا المنظر لمقولة الإتحاد الأوراسي بدل الإتحاد السوفياتي ، أن إدلب والمناطق المحيطة بها هي المشكلة الرئيسية الآن في سوريا ، وهي التي تتسبب بأكثر التناقضات في صفوف الحلفاء ، خاصة بين روسيا وتركيا . ويرى أنه بعد حل مشكلة إدلب ، يمكن الإنتقال إلى المرحلة النهائية في حل المسالة الكردية ، والمطالبة بالخروج النهائي للقوات الأميركية من سوريا، ومن ثم وضع اللمسات الأخيرة على التوافق على الصيغة السياسية المقبلة لسوريا .

وإذا كان الرئيس بوتين قد تحاشى ذكر تركيا في تصريحه من فرنسا بشأن حزم موسكو في دعمها "جهود الجيش السوري في القيام بعمليات محلية لتحجيم التهديدات الإرهابية" ، فإن إعلام الكرملين قد تحدث بدون مواربة عن "وقوف تركيا ضد مصالح روسيا في سوريا " ، وأن "تركيا بدأت تحارب ضد روسيا في إدلب" . تحت العنوان الأخير كتبت صحيفة "NG" ، الروسية تقول ، أن دمشق مهددة بحرب طويلة ، ليس مع المقاتلين فقط ، بل ومع أنقرة أيضاً . وتنقل الصحيفة عن جنرال روسي تصفه بالخبير قوله ، بأن تركيا سوف تنشط الآن أكثر في مجابهة هجوم القوات السورية في إدلب ، ويمكن توقع نشوب معارك حقيقة أكثر اتساعاً بين القوات السورية والتركية ، تؤجج المواجهة القائمة ، التي سبق أن انخرطت فيها القوات العسكرية الروسية .

ويرى هذا الجنرال الخبير، أن ثمة مخرجين من الوضع القائم ، يتمثل الأول منها في تصعيد العمليات الحربية من أجل "تنظيف" إدلب من المقاتلين المتشددين ، ويتمثل الطريق الثاني في وقف العمليات العسكرية والمباشرة بالمفاوضات . لكنه يستدرك ليقول بأن روسيا قد انتهجت الطريق الثاني منذ سنوات في منطقة إدلب ، لكن  "من دون جدوى" ، وتستغل أنقرة الهدنة لدعم المقاتلين ، على قوله. وهو يعتبر أن ليس من أحدٍ في روسيا يرغب في الشجار مع أنقرة ، ولهذا تحارب موسكو التنظيمات المسلحة غير الشرعية ، وكأنها لا تلاحظ الأعمال العدوانية من جانب تركيا .

من جانبها ترى صحيفة الكرملين "VZ"  أن تركيا بدأت تحارب مصالح روسيا في سوريا ، وأن من الصعب تفسير سلوك تركيا هذا من وجهة نظر المنطق . وتقول بأن تركيا تدرك أن هزيمة المجموعة الكبيرة من الجهاديين في شمال حماة وحول خان شيخون ، هي هزيمة حتمية ، ولذا تريد أن "تلتحق بالعربة الأخيرة من القطار" . لكن سلوكها في جميع الأحوال هو سلوك غير منطقي واستفزازي ، ولا ينسجم مع الإتفاقيات ، التي تم التوصل إليها سابقاً . وتنتهي الصحيفة إلى القول بأنها تأمل في أن مستوى التعاون على الأرض بين المراقبين الأتراك والروس متين لدرجة لا تسمح بالصدام المسلح مرة جديدة بين الجيش السوري ورتل عسكري تركي آخر .

إن ما يجري في إدلب الآن ، وما يرافقه من حديث عن تحالف استراتيجي بين تركيا وروسيا ، وعن اتهامات متبادلة  بين الطرفين حول الإتفاقات ومن يخرقها ، هو ليس في الحقيقة سوى عملية تحسين لشروط تقاسم سوريا بين السلطان والقيصر ، أو كما قال الكاتب التركي أعلاه ، تحسين شروط التحالف بين الطير والحيوان في تدميرهما للقفير السوري ، وتقاسم عسله ويرقات نحله . 

==========================

موقفنا : بيان الخارجية الأمريكية في الذكرى السادسة لمجزرة السارين .. "كلام له خبء"

زهير سالم

مركز الشرق العربي

23/ 8/ 2019

كل كلام سنكتبه في هذا الموقف يؤكد أننا ضد شرعنة الجريمة . وضد القتل خارج القانون ، بأي سلاح . وأننا ضد القتل بالرصاص وبالقصف وبالبراميل المتفجرة، والصواريخ الارتجاجية والقنابل الفراغية وبكل الأسلحة المرخصة أو المحرمة دوليا بما فيها السارين والكلور . ويؤكد على أننا ضد احتساب الجرائم على خلفيات مرتكبيها الدينية والمذهبية والعرقية . وأن من الإرهاب أن يحتسب الإرهاب على دين أو مذهب أو عرق ..

وبعد تأكيد كل هذا نقول إن الذين صمتوا عن جرائم بوتين الذي اعترف بتجريب أسلحته الاستراتيجية في أجساد السوريين ، وعن بشار الأسد وقصف مدفعيته وطائراته للمدنيين بما في ذلك استخدامه البراميل المتفجرة بكل عشوائيتها ، والغازات السامة بكل ما وصل إلى يديه منها ... قد شرعنوا الجريمة ، وجعلوا مما جرى ويجري في سورية سابقة على مستوى الحقوق الإنسانية كما على مستوى القانون الدولي ..ليس لهم بعد أن سكتوا عنه ، وأقروه عمليا أن يتنصلوا منه أو يتظاهروا أنهم يدينوه.

ونعود إلى البيان الذي صدر عن الخارجية الأمريكية الأربعاء 21/8/ 2019 والذي زعم بعد صمت عن الجريمة دام ست سنوات في ذكرى الهجوم الكيمائي الأكبر بغاز السارين على غوطة دمشق . الجريمة التي راح ضحيتها أكثر من 1600 إنسان نصفهم تقريبا من الأطفال دون العشر سنوات

يزعم بيان الخارجية الأمريكية أن الولايات المتحدة لا يمكن أن تتسامح في شأن تاريخ " النظام السوري " الوحشي في استخدام الأسلحة الكيمائية ضد شعبه أو أن تنسى ذلك ...!!

كيف وهي بإعادة الاعتراف به ، والاشتراك في إنتاجه قد كافأت المجرم على جريمته ، والمعتدي على عدوانه ؟!!

ويضيف بيان الخارجية الأميركية ..

إن واشنطن ستستمر في استخدام جميع الآليات والأدوات المتوفرة لديها لمنع استخدام الأسلحة الكيمائية في المستقبل ...!!

ويشدد البيان على أن الأسد وآخرين من أركان نظامه ممن يعتقدون أنه يمكنهم مواصلة استخدام الأسلحة الكيمائية مخطئون !!!

وفقرات البيان ، لمن يقرؤه قراءة سياسية ، توضح أن المقصود منه ليس إدانة جرائم الحرب الأسدية . وليس الوعيد في الأخذ على يد المجرمين لوقف الجريمة ؛ وإنما المقصود منه التماس البراءة التاريخية والمستقبلية للدولة الأمريكية من الاشتراك في جرائم الحرب المستدامة منذ تسع سنوات ضد الشعب السوري ، والتي انغمست فيها الولايات المتحدة بالصمت أو بالتواطئ أو بالاشتراك المباشر ..

لقد تدارت الولايات المتحدة في 21/ 8/ 2013 في سورية على جريمة هي جريمة حرب أولا ، وساومت عليها لتحقيق مكاسب ذاتية ثانيا ، وحين محا أوباما بوصفه رئيسا للولايات المتحدة خطه الأحمر ، لم يحاول أن يتحقق للحظة من جدية الثمن البخس الذي باع الأرواح الطاهرة للأطفال السوريين به ..من سمع عن عملية تفتيش عن جدية التنازل عن الأسلحة الكيماوية ، كما فعلت الولايات المتحدة من قبل في العراق ؟!

ثم لم تلبث الإدارة الأمريكية أن أعادت الاعتراف عمليا بمرتكب الجريمة وما زالت تفاوضه وتفاوض عليه ثالثا ، وهي في كل هذا تمنحه الرخصة المفتوحة للاستمرار في الجريمة بكل أسلحتها والتي ما تزال مستمرة حتى الساعة التي أعد فيها موظفو الخارجية هذا البيان ..

الولايات المتحدة المثيرة للشفقة والتي لم تجد على مدى ست سنوات من عمر من الأدوات المتوفرة لديها ما تأخذ به على يد المجرم ، أو تقطع سياق الجريمة تحاول في هذا البيان أن تبرأ من جريمة كانت بصمتها جزء منها ، وبتواطئها شريكة فيها . ولن تستطيع بمثل هذا الكلام الملفوف أن تنأى بنفسها الجريمة أو عن المجرمين . بل سيظل الهولكست الأسدي المستدام عالقا بصانعيه والمشاركين فيه والمتواطئين عليه ، على مدى التاريخ ..

يجب أن نذكّّر ساسة الولايات المتحدة وخبراءها وقانونيها وأصحاب القرار الأمني فيها أن واجب الدول الأول هو منع وقوع الجريمة ، قبل محاسبة المجرم على جريمته.

إن استرسال المجتمع الدولي وفي مقدمة دوله الاتحاد الروسي شريكا مباشرا والولايات المتحدة متواطئا مع سياق الجريمة الأسدية في سورية هو بحد ذاته جريمة مستقلة تضع ما يسمى القانون الدولي في مربع الاستخفاف ، وتجعل من المواثيق الحقوقية عرضة للاستهزاء في الضمير الجمعي لكل الضحايا المألومين والمسحوقين .. وتضع سؤال : لماذا يكرهوننا على كل شفة في قلوب المستضعفين المعذبين ؟!

وحين تتكشف المواقف الدولية المستعلنة عن ازدواجية في استنكار الجرائم أو في الأخذ على يد مرتكبيها على خلفيات دينية أو عرقية ؛ فإن الحضارة الإنسانية التي لم تكد تنتصر على آخر معاقلها العنصرية في العالم : الولايات المتحدة ( ستينات القرن الماضي ) وجنوب أفريقية في ( تسعيناته ) تكون قد ارتكست من جديد في مستقعات العنصرية البغيضة المتجاوزة لحق الحياة وحق الوجود تحت طائلة التأديب بالسارين والكلور والبراميل المتفجرة .

ثم حتى لو صح قول من الحاكي ...

فما هو المعنى العملي أن يترك الشرطيُ المجرمَ يمعن في ارتكاب جرائمه ، ويتفنن في القتل والتدمير ، ويترك له الحبل على الغارب على مدى عشر سنوات ، بل لعله يمده ويؤازره ويغذيه ..حتى إذا أشبع السادي نهمته السادية في القتل ، وأشبع " البصبوص " نهمته في التلذذ بصور الضحايا المشبوحين والمجرومين والمغتصبين أو حتى لم يبق في الفضاء المستهدف حيٌ يُقتل ، ولا شجرة تُقطع ، ولا عامر يخرب، أمسكه زاعما أن سيوقع به أشد العقاب ..!!!

وما جدوى بعد كل الذي جرى ويجري العقاب ..إن كان عقاب ؟!

نقول للإدارة الأمريكية نحن كان عندنا شاعر جميل . شاعر جميل من مدينة معرة النعمان الجميلة ، التي يقصفها اليوم شريككم الروسي ، وعميلكم الأسدي ..كان شاعرنا الجميل هذا ، يقول عن مثل بيانكم هذا : هذا كلام له خبء,

هذا كلام له خبء .. معناه ليست لنا عقول

ــــــــــــ

*مدير مركز الشرق العربي

=================================
حين يُشكل التضليل والكذب الرأي العام؟

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الخميس 22/8/2019

‏كإعلامي عاش عقوداً من الزمن في مهنة تعد الأخطر من حيث تشكيل الرأي العام العالمي، ومن حيث صياغة وصنع السياسات، لا أعتقد أن العالم مرّ في تاريخه بمرحلة كالتي نعيشها اليوم، مرحلة أساسها وباختصار الكذب والتضليل كمدماك رئيسي في تشكيل الرأي العام، وبالتالي يتم بناء السياسات على أساسه، مما يعني قتلاً وتدميراً وخنقاً للحريات وكبتاً لأنفاس الشعوب، آثاره لن تكون فقط مباشرة، وإنما الآثار غير المباشرة أخطر وأشد.

‏تراجع تأثير الإعلام الغربي، ومعه تراجع نفوذ الساسة الغربيين، فلم نعد نرى انسجاماً أخلاقياً بين الأقوال الغربية وأفعالها، وهو ما انعكس بالتأكيد على التغطيات الإعلامية الغربية، وانسحب ذلك حكماً على مصداقية العالم الغربي، هذا التراجع كان لصالح الدعاية الشرقية، وتحديداً الدعاية الروسية، فرأينا وكالة "سبوتنيك" -التي تعني بالمناسبة باللغة الروسية وكالة الصواريخ- تتقدم على صحف غربية عريقة، فهل سمع الإعلام من قبل من يتسمّى ويفتخر بأن يكون صحيفة الصاروخ، أو تلفزيون الصاروخ، أووكالة الصاروخ، في حين يعرف الجميع -وتحديداً من يعمل بهذا الحقل الإعلامي- أن مهمة الإعلام هي التوعية، وينسلك كل ما يقوم به الإعلامي والصحافي في إطار الثورات الناعمة لا الثورات الخشنة التي هي من مهمة الجيوش وأسلحته من صواريخ، ودبابات، ونحوها.

‏ندفع اليوم في العالم العربي ثمناً باهظاً لتسييس الإعلام وتحزيبه وتجريمه، وهو ثمن باهظ بالمناسبة، ثمن كان ولا يزال دماءً وأشلاءً، ومعه خراب أوطان وهجرة وتشريد، وبقاء لأنظمة استبدادية شمولية ديكتاتورية لم يعرف التاريخ لها مثيلاً، يحدث هذا في ظل تقاعد العالم الغربي عن قيمه، وبيعها في سوق نخاسة دولي، فلم يعد الغرب معنياً بعبارات معسولة لطالما صدّع رؤوسنا بها من حوكمة وديمقراطية وحقوق إنسان وحرية تعبير وتداول للسلطة، فكان من الطبيعي أن يملأ الفراغ الذي خلفه هذا التراجع الغربي تقدم روسي شرقي استبدادي مؤيد وحليف للديكتاتورية، فانكشفت الشعوب وانكشف معه ربيعها وحريتها وتوقها للخلاص من العبودية، فلم يعد معها حليف إلا نفسها.

‏تشكيل الرأي العام بشكل عام لم يعد مقتصراً على العالم العربي فقط، وإنما انسحب على العالم الغربي، ألا نرى ما يجري من اللعب في حمضهم النووي الشعبي، عبر هجرة بعض إعلامييهم ورموزهم ونجومهم إلى مؤسسات إعلامية روسية، وهوما دفع بعض حكومات العالم الغربي إلى الحجرعلى هذه المؤسسات الروسية، وتم معه تغريمها مالياً وطرد بعض مراكزها من عواصم غربية، بينما لو كان الإعلام الغربي يقوم بدوره حقيقة وفعلاً، لما تقدم الإعلام الروسي ولا شبيهه، ولكن آثر الإعلام الغربي التقاعد عن مهمته وفضح الاستبداد وحلفائه في ليبيا، وسوريا، والعراق، واليمن، وغيرها، وهو يرى حلفاءه في هذه الدول يقومون بأفعال يندى لها جبين الإنسانية. ‏المطلوب اليوم من كل من تعنيه مسائل وقضايا الرأي العام ومخاطر تزويره وتضليله، إن كان على مستوى الشعوب العربية، أوعلى مستوى العالم كله، أن يفهم ويدرك الأبعاد الخطيرة لهذا النهج، وبالتالي يدرك معه أن ما يجري من تضليل للرأي العام هو فيروس لن يقتصرعلى العالم العربي، وإنما سيمتد خطره إلى العالم كله، وحينها لن ينفع الندم، فالفيروس لا يعرف حدوداً، كان الفيروس مرضاً جسدياً أو مرضاً فكرياً لا فرق.

===========================


سوريا: من الثورة اليتيمة إلى الشعب اليتيم

  بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 22/8/2019

نشر زياد ماجد، قبل سنوات، كتاباً عن الثورة الشعبية في سوريا حمل عنوان «الثورة اليتيمة». من منظور اليوم قد يمكننا القول: ليتها كانت كذلك أو بقيت كذلك! ليت عديد الدول والقوى ما دون الدولة تركت تلك الثورة لبراءتها الأولى ويتمها، ولم تتنطح لأبوتها، فأدخلتها في مسارات غريبة عن منطلقاتها.

ولكن ألم يكن من شأن تركها يتيمة أن يقضي عليها النظام في مهدها؟ نعم، على الأرجح. ربما هذا ما جعل أكثرية جمهور الثورة أو «شعبها» يغض النظر عن تدخلات الدول وتسللات الجهاديين والسيطرة المتدرجة للخطاب الإسلامي وانتشار السلاح، من جهة لأن التطورات المذكورة كانت خارج سيطرة شعب الثورة وبمعزل عن إرادته، ومن جهة ثانية لأن هذا الشعب أمل أن تسرع تلك التدخلات والتسللات من عملية سقوط النظام، كفاتحة لا بد منها لمرحلة جديدة مفتوحة على الاحتمالات.

أما أقوياء العالم فكان لهم رأي آخر. لا أحد يمكنه أن ينسى ذلك الكلام المهين بحق الثورة الذي صدر من رئيس الدولة العظمى الوحيدة في عصرنا: «إنها ثورة فلاحين وأطباء أسنان!» قال باراك أوباما بكل صلف الرجل الأبيض المختبئ تحت جلده الداكن. لا نعرف ما هي المهن المقبولة بالنسبة لهذا الرجل ليقوم أصحابها بإطلاق ثورة ضد نظام بهيمي شعاره تدمير البلد الذي يحكمه.

أما روسيا فقد وضعت كل ثقل أسلحتها الفتاكة للحفاظ على مجرم من عيار بشار الأسد وعصابته في موقع حكم بلد يكرهانه ويكرهان سكانه إلى درجة استسهال إبادته. وبلغ الأمر بالأمم المتحدة أنها تعامل تلك العصابة المجرمة معاملة «حكومة شرعية» فتعتمدها قناةً وحيدة لإيصال المساعدات إلى المنكوبين بسببها! حكومة شرعية على رغم إدانتها باستخدام السلاح الكيماوي مراراً وتكراراً لضرب التجمعات السكنية للمدنيين!

الثورة اليتيمة لم تترك لشأنها لتنتهي يتيمة، بل تعدد آباؤها وأعداؤها معاً. منذ بعض الوقت، وعلى وقع الهزائم الأخيرة للفصائل المسلحة، والتحاق قسم منها بالأب التركي، تصاعد سجال بين الإسلاميين والعلمانيين، فاتّهم الأولون الثانين بعدم فعل شيء من أجل الثورة، ناسبين اليتيمة المذكورة لأنفسهم، من غير أن يخطر لهم مجرد خاطر محاسبة أنفسهم على ما فعلوه بها بسبب شهوتهم الجامحة إلى السلطة التي أعمتهم عن شيء يسمى بالمصلحة العامة أو الوطنية.

 لقد سئم الجميع من السوريين! لكنهم لا يظهرون البرم ذاته من النظام الذي دفعهم للهرب، بل يبحثون عن سبل لـ»إعادة تأهيل» الوحش الذي لا يمكن تأهيله. فالسأم من الضحية أقل كلفة، على ما يبدو، من السأم من الوحش

أما شعب الثورة فهو يتيم فعلاً، سدت في وجهه جميع الأبواب. طوردوا وقتلوا وهجروا وعفشت ممتلكاتهم وتفرقت السبل بأفراد أسرهم في شتى البلاد. وها هم في منافيهم ومهاجرهم وملاذاتهم، وقد ضاقت بوجودهم صدور أهالي تلك البلدان وحكوماتها. منذ سنوات والحدود مغلقة في وجوه من تبقى منهم في الداخل، فراحوا ينزحون من منطقة إلى أخرى لا يستقر بهم مقام حتى تلاحقهم القنابل والبراميل فيهربون من جديد. أما أولئك «المحظوظون» ممن سبق ولجأوا إلى بلدان الجوار فقد بدأت موجات الكراهية تتصاعد ضدهم ويضغط عليهم لكي يعودوا إلى بلد لم يعد بلدهم، ولا يريدهم فيه نظام البراميل والكيماوي. أما الدول الأوروبية فهي اكتفت بمن وصل إليها قبل سنوات، ولم تعد تستقبل المزيد منهم. بل لدى كثير منها خطط لإعادتهم من حيث جاءوا. حتى أن منقذي المهاجرين من الغرق في البحر المتوسط باتوا يحاكمون أمام محاكم بلادهم.

لقد سئم الجميع من السوريين! لكنهم لا يظهرون البرم ذاته من النظام الذي دفعهم للهرب، بل يبحثون عن سبل لـ»إعادة تأهيل» الوحش الذي لا يمكن تأهيله. فالسأم من الضحية أقل كلفة، على ما يبدو، من السأم من الوحش. هل هو تعبير عن عنصرية فحواها أن السوريين كائنات دنيا لا تستحق الحياة كبقية البشر، وأن حكم هذا الوحش لهم هو «من طبيعة الأمور»؟ ربما لا أحد يعبر، صراحةً، عن هذه الفكرة. لكن مسالك الدول والمجتمعات تجاه المشكلة السورية لا يمكن تفسيرها إلا بهذا الشكل: نعم، نحن نعرف أن نظام بشار الكيماوي هو وحش غير قابل للتحوّل. ولكن كفاكم شكوى منه، أنتم لا تستحقون أفضل منه. فغادروا بلادنا واتركونا بسلام، ثم تدبروا أموركم مع وحشكم كما تشاؤون. والأفضل أن تخضعوا له وتقبلوا به كي لا يدفعكم للهرب نحو بلادنا الوادعة مرة أخرى. حتى حين انتفضتم ضد ظلمه كانت ثورتكم «ثورة فلاحين وأطباء أسنان». فلا تتوقعوا منا أن نساعدكم في شيء، ولا أن نستقبل ملايينكم الهاربة من الجحيم. إنه جحيمكم أنتم، فابقوا فيه!

ليس اللاجئون السوريون وحدهم يتامى هذا العصر الذين ضاقت بهم مجتمعات وحكومات دول اللجوء، بل مثلهم سوريو الداخل الخاضعين لشتى الاحتلالات التي لا يعنيها السكان في شيء، وأولهم الاحتلال الأسدي الذي ينظر إلى من تبقى من السوريين تحت سيطرته بوصفهم مجرد خزان للتجنيد ومشاريع للموت على جبهات القتال، ويتعامل مع أي احتجاج على سوء الخدمات الأساسية بقسوة بالغة تحت وصف الخيانة الوطنية. ويمكن قول الشيء نفسه بالنسبة لسلطات الأمر الواقع الأخرى كقسد في شرقي الفرات، والفصائل الجهادية في إدلب وجوارها، وفصائل الارتزاق والتعفيش في الجيوب التركية.

انتهت الثورة اليتيمة بفضل أبوة فرضت عليها من قوى متعددة، ولكن هل يمكن القضاء على الشعب السوري اليتيم أو فرض أبوات متعددة عليه؟

٭ كاتب سوري

===========================


مخاوف بوتين وأوهامه

مروان قبلان

العربي الجديد

الاربعاء 21/8/2019

على خلاف العادة، لم يأت شهر أغسطس/ آب هذا العام بأخبار سارة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي لطالما استغل فترة العطلة ليفاجئ العالم بقرارات وإجراءات تضيف لرصيده الداخلي، وتعزّز سلطاته التي باتت "قيصرية" في الداخل، ومكانته في الخارج. على العكس تماما، جاء آب هذه السنة صعبا ومقلقا للرئيس الذي يأخذ استطلاعات الرأي العام بأقصى درجات الجدّية والاهتمام. وبخلاف الانفجار النووي في قاعدة عسكرية روسية في البحر الأبيض، شمال البلاد، في الثامن من الشهر الجاري، وقال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنه ناتج عن فشل تجربة إطلاق الصاروخ "سكاي فول الأسطوري"، شهدت موسكو أوسع احتجاجاتٍ شعبية ضد نظام الرئيس بوتين منذ احتجاجات العام 2011، والتي جاءت حينها بسبب تزوير الانتخابات التشريعية التي فاز بها حزب روسيا الموحدة الذي يقوده بوتين.

شارك في احتجاجات موسكو أخيرا التي تسبب بها التضييق على المعارضة الليبرالية، ومنعها من الترشح لانتخابات برلمان موسكو المحلي، نحو 60 ألف متظاهر. وبمقدار ما أعادت الاحتجاجات الروح للمعارضة التي بدا وكأنها دخلت حالة موات منذ قرار بوتين غزو القرم في فبراير/ شباط 2014، ثم التدخل العسكري في سورية في سبتمبر/ أيلول 2015، والتي رفعت شعبيته الى مستويات غير مسبوقة (84%)، فقد صدم حجم المشاركة فيها السلطات في المقابل.

وضاعف حجم القلق أن هذه المظاهرات، فضلاً عن أنها جرت في موسكو، أخذا بالاعتبار ما للعاصمة من مكانة ورمزية لدى أنظمة الحكم المركزية، جاءت في سياق انهيار شعبية الرئيس التي بلغت أدنى مستوياتها منذ صعد إلى السلطة مطلع العام 2000 (43%). كما أنها تأتي في فترة بلغت فيها العلاقات مع الغرب، وخصوصا مع الولايات المتحدة، أسوأ حالاتها منذ نهاية الحرب الباردة، حتى أنه يمكن وصف علاقات موسكو بواشنطن بأنها في حالة انهيار تام، خصوصا بعد انسحاب الأخيرة من معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية القصيرة والمتوسطة المدى، وتمديد الاتحاد الأوروبي عقوباته الاقتصادية على موسكو لعام آخر، بسبب الأزمة الأوكرانية، والانخفاض النسبي في أسعار النفط.

وهناك فوق ذلك كله تغييران آخران ينبغي التنبه إليهما عند الحديث عن الوضع الداخلي الروسي: الأول مرتبط بالتطور الذي طرأ في تفكير الشعب الروسي، وأخذ ينعكس في سلوكه الجمعي، فلطالما عُرف عن الروس، أو هكذا جرى "تنميطهم"، بأنهم مستعدّون لتحمل القهر والاستبداد وشظف العيش في سبيل أن يروا بلادهم قوية ومؤثرة على الساحة الدولية، وقد استثمر حكام روسيا منذ أيام بطرس الأكبر (1682-1725) في هذا "الميل الجمعي" الروسي لتحقيق أحلامهم الإمبراطورية على حساب طموحات شعبهم في حياة حرة كريمة. والواقع أن روسيا هي الدولة الأوروبية الوحيدة التي لم تعرف حياة ديمقراطية حقيقية عبر تاريخها الممتد من أيام قيصرها الأول إيفان الرهيب (1547-1584)، إلا إذا اعتبرنا أن سنوات حكم يلتسين (1991- 1999) كانت ديمقراطية. يبدو من مظاهرات موسكو، ومن نسب التأييد المنخفضة للرئيس بوتين، أن هذا الأمر صار من الماضي، وأن الشعب الروسي بات يهتم اليوم بأن يحيا حياة حرة كريمة، كغيره من شعوب الأرض، أكثر مما يهتم بامتلاك شعور خادع بالأهمية على الساحة الدولية، محسومة من رفاهه وازدهاره.

التغيير الآخر المهم يأتي في الاتجاه المعاكس، ويتصل بطريقة إدارة الرئيس بوتين نفسه للسياسة الخارجية الروسية، فالرئيس بوتين، وعلى الرغم من أن سنوات نشأته الأولى كانت أيام الاتحاد السوفييتي، وتربى في أجهزة استخباراته، إلا أنه تبنى، منذ توليه السلطة، سياسة خارجية تقوم على أسس نفعية خالصة، لا مكان فيها للأيديولوجيا. بدأ هذا الأمر يتغير في السنوات الأخيرة، إذ بات بوتين مهووسا بصراعه مع الغرب، ومستعدا لمقارعته في كل مكان تقريبا، حتى ولو جاء ذلك بأثمان كبيرة، وفوق طاقة روسيا الاقتصادية المتواضعة على تحمله. من الواضح أن العداء للغرب بدأ يتحول عند بوتين إلى دين وأيديولوجيا باتت تتملكّه حتى استحوذت عليه، إذ راح يرى في كل شيء تقريبا مؤامرة غربية تستهدفه، حتى يظن المرء أنه أمام النسخة الروسية من ملحمة "دونكيشوت" الإسبانية، بقلم فلاديمير بوتين، وبنهايتها المأساوية المعروفة.

===========================

شرق الفرات.. سيولة سياسية

علي العبدالله

العربي الجديد

الاربعاء 21/8/2019

جاء استخدام مصطلح "شرق الفرات" في التصريحات السياسية والتغطيات الإعلامية للتعبير عن موقف سياسي من واقع "المنطقة" الراهن، وللإيحاء أنها في حالة سيولة، ما يعني عدم الموافقة على الوضع القائم، فواقعها السياسي محط تجاذب محلي وإقليمي ودولي، أطرافه: المحلية؛ قوى سياسية ومجتمعية سورية، العرب، معارضة وموالاة، والكرد، بمختلف توجهاتهم السياسية، والآشوريون السريان والأرمن والشيشان، من جهة، والنظام السوري، من جهة ثانية. والإقليمية، تركيا وإيران والسعودية والإمارات وقطر وولايات "داعش" الأمنية. والدولية، أميركا وروسيا، ولكل منها تصوّراتها لمستقبل "المنطقة"؛ وتطلعاتها الجيوسياسية وخططها القريبة والبعيدة لتحقيق أهدافها.

ترتبط سيولة "المنطقة" سياسيا بتعدّد القوى؛ وما بينها من تحالفات، وصراعات وتنافس؛ وما تتبنّاه من أهداف وخطط، تتقاطع وتتعارض، وما تعكسه من توازن قوى وما تنطوي عليه من مصالح، في ظل غياب توافق على "المنطقة"، ومستقبلها وسورية ومصيرها. فالقوى المحلية، بتعدّدها القومي والديني، وتوجهاتها السياسية، تعيش حالة تمزق واختلال في توازن القوى؛ فالعرب، وهم أكثرية عددية، في أضعف حال نتيجة انقسامهم أفقيا بين معارضة وموالاة، وانقسامهم عموديا وفق الانتماءات القبلية والعشائرية التي لها عند الغالبية الريفية أولوية على الانتماءات الأخرى، وافتقارهم أطرا تنظيمية موجهة تحدّد الخيارات وتأخذ القرارات، ما رتب حالة تنافس غير صحي بين قواهم وتشكيلاتهم الاجتماعية وتذرّرهم المدمر.

الكرد، وهم القوة الثانية عدديا، لا يوجد إحصاء رسمي لعددهم؛ على الرغم من التعدد السياسي الصادم وغير المفهوم أو المبرّر لحركة تحرّر لمجموعة قومية صغيرة نسبيا. أكثر من ثلاثين حزبا سياسيا هم القوة المسيطرة عسكريا وسياسيا، يقودهم حزب الاتحاد الديمقراطي، حزب ماركسي يتبنّى المجالسية في إدارة المجتمع سياسيا واقتصاديا واجتماعيا تحت شعار "الأمة الديمقراطية"، جسّدها في "الإدارة الذاتية" القائمة على مجالس الأحياء والقرى والبلدات. استثمر "الحزب" قتاله ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وتحوله إلى قوة محلية في

"القوى المحلية، بتعدّدها القومي والديني وتوجهاتها السياسية، تعيش حالة تمزق واختلال في توازن القوى" التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، وهذا منحه فرصةً كبيرة لتلقي الدعم الأميركي، والتسلّح والتدرّب، وتشكيل جيش كبير وقوي، عدده حوالى 60 ألف مقاتل، فبسط سيطرته على "المنطقة". ركز معارضوه، العرب والكرد والترك، على تعاونه مع النظام، لإبعاد الكرد عن ثورة الحرية والكرامة؛ وارتباطه بحزب العمال الكردستاني، الكردي التركي. نقد غير واقعي، في جزئه الأول، لأن "الحزب" تجاوز حالة التعاون إلى المعارضة، وإن على خلفية خاصة، وغير مقبول، في جزئه الثاني، في ضوء القاعدة الحقوقية التي تلزم الإنسان بالإقرار للآخرين بالحقوق نفسها التي يقرّها لنفسه، فنقاده مرتبطون بأحزاب ومشاريع قومية خارج سورية. الكرد مع أحزاب كردية عراقية، البارزانية خصوصا، والعرب يتطلعون إلى وحدة عربية من المحيط إلى الخليج، والأتراك يتطلعون إلى وحدة طورانية، تشمل الأمة التركية التي تنتشر من تركيا إلى الصين. علما أنه يعاني من نقاط ضعف قاتلة، يمكن التركيز عليها، مثل استئثاره بالسلطة السياسية، وفرض مشروعه السياسي على قوى "المنطقة"، المجتمعية والسياسية، وتطلعه إلى فرضه على سورية بأكملها، وسيطرته على آلية اتخاذ القرار، ودفع الأطراف الأخرى المتحالفة معه إلى مباركة قراراته بالاستناد إلى فارق القوة الكبير لصالحه؛ وقمعه القوى السياسية المعارضة، من كل القوميات، بما في ذلك الكرد، واستحواذه على معظم ثروات المنطقة، النفطية والغازية والزراعية والحيوانية، والتصرّف في عائداتها، وتغييره التركيبة السكانية لبعض المناطق، بطرد سكان عرب وتركمان من بيوتهم ونسف قرى بشكل كامل، وفق تقارير حقوقية دولية، ومنع النشاطات السياسية والمدنية المستقلة وقمعها، وقسر السكان على الانخراط في جهده العسكري في إطار ما سماه "الدفاع الذاتي"، وهو أمرٌ غير مقبول؛ ليس لأنه يتم بالقوة والقسر فقط، بل ولأنه يجند مواطنين لخدمة أجندة سياسية لا يوافقون عليها.

صحيحٌ أن مرحلة المواجهة تبرّر ممارسات ومواقف ناشزة؛ وتفهّم الحاجة إلى تجميع أوراق قوة، لكن تبريرها وتفهمها ليس مفتوح المدى، ما كان يستدعي تعديل سياسات ومواقف وممارسات كثيرة، بعد انتهاء المواجهة مع "داعش"، بترجيح سياسة التوافق واحترام تطلعات قوى "المنطقة" وخياراتها السياسية والاجتماعية، وإشراكها في إدارة "المنطقة" فعليا، وفي صياغة سياساتها وقراراتها وعائداتها المادية، وعدم حصول ذلك أسّس لحالة تنافر وعداء، مع العرب خصوصا، قابلة للتحول إلى صراع دامٍ.

ينطلق الآشوريون السريان من أن "المنطقة" أرضهم القومية. ثمّة معلوماتٌ عن توجه غربي إلى تكريس الطابع المسيحي للجزيرة السورية، وهذا يجعلهم خصما قوميا لحزب الاتحاد الديمقراطي ومشروعه السياسي، ويجعل الخلاف بينهما جوهريا والصراع حتميا. الأرمن والشيشان أقليتان صغيرتان، ما جعلهما غير فاعلتين أو مؤثرتين في المشهد السياسي "للمنطقة". أما النظام فحضورُه في "المنطقة" محدود بمربعين أمنيين في مدينتي الحسكة والقامشلي وقوات عسكرية صغيرة العدد، موزعة بين جبل عبد العزيز في ريف مدينة الحسكة والمطار وجبل طرطب في القامشلي، وقوة صغيرة من مليشيا الدفاع الوطني وكتائب "البعث"، مع علاقة مع بعض العشائر العربية.

ليست القوى الإقليمية بالحضور نفسه، أكثرها حضورا تركيا وإيران، عبر الحشد على حدود

"ثمّة معلوماتٌ عن توجه غربي إلى تكريس الطابع المسيحي للجزيرة السورية"  "المنطقة". تركيا في منطقتي "درع الفرات" و"غصن الزيتون" وعلى الحدود المشتركة، بدءا من نهر الفرات حتى الحدود العراقية. وإيران على الضفة الغربية لنهر الفرات، من مدينة دير الزور إلى مدينة البوكمال، حوالي 140 كيلومترا، وسعي كل منهما إلى اختراقها عبر التواصل مع القوى السياسية والاجتماعية، القبائل والعشائر خصوصا، والعمل على إغرائها بالدعم المادي والمساعدات العسكرية واللوجستية، مع تباين في التوجه والتطلع، في حين تعتبر تركيا الكرد عموما وحزب الاتحاد الديمقراطي، وجناحه المسلح وحدات حماية الشعب، وكيانه الصوري، قوات سورية الديمقراطية (قسد)، خصوصا، خطرا قوميا يجب استئصاله، على خلفية ارتباطه بحزب العمال الكردستاني، الكردي التركي، لأن الأخير يستمد قوة من نجاح الأول، ويتحرّك لنقل التجربة من شرق الفرات إلى شرق تركيا. أما إيران، فترى إمكانية التفاهم مع "الحزب" وتوظيفه في حماية الممر الذي تعمل على إقامته من غربها إلى البحر الأبيض المتوسط، كما ترى فيه شوكةً في خاصرة منافستها الإقليمية: تركيا، ما دفعها إلى العمل على مد الجسور، وربط خيوط التعاون معه في انتظار حسم الصراع على سورية، بإخراج الأميركيين، أو انسحابهم لحسابات ذاتية. السعودية والإمارات ليستا قوى فاعلة، إنما جاءتا بدعوة أميركية لمحاصرة تركيا، ولمساعدتها على استقطاب العشائر العربية في المنطقة، وتحمّل القسم الأكبر من العبء المالي لوجود القوات الأميركية، ولعملية إعادة إعمار "المنطقة". أما خلايا "داعش" النائمة وولاياته الأمنية في "المنطقة" فعنصر إزعاج، وضرب استقرار وعرقلة.

أميركا تريد تثبيت دورها على المسرح السوري، وتحقيق أهدافها القريبة، إخراج إيران من سورية، والحفاظ على مصالحها الحيوية شرق الفرات بحماية "المنطقة"، عبر تعزيز انتشار قواتها فيها؛ وبناء قواعد عسكرية جديدة، مؤشّرا على تمسّكها بها، وحماية "قسد"، ما وضعها 

"أميركا تريد تثبيت دورها على المسرح السوري، وتحقيق أهدافها القريبة، إخراج إيران من سورية، والحفاظ على مصالحها الحيوية"  في موقفٍ مضاد للموقف التركي، ودفعها إلى معارضة أي هجوم تركي على "المنطقة"، والعمل على طمأنة تركيا بإقامة منطقة أمنية، أو ممر سلام، وفق التوصيف الجديد، مع تقييد حركتها بالاتفاق معها على خطة عمل قائمة على توازن مصالح بينها وبين "قسد"، وإشراك قوات أوروبية، فرنسية وبريطانية، في مراقبة المنطقة الأمنية، وتعزيز قدرات "قسد" بتزويدها بعتاد جديد وكبير، بالإضافة إلى تعزيز الحضور العسكري الأميركي في نقاط التماس بين القوات التركية و"قسد"، قاعدة أميركية قرب تل أبيض، والضغط على "قسد" للقبول ببعض مطالب تركيا، إن لجهة الانسحاب من نقاط حدودية، أو لجهة إبعاد السلاح الثقيل مسافةً كافيةً تجعله غير مجد في قصف الأراضي التركية، والعمل على فصل حزب الاتحاد الديمقراطي عن حزب العمال الكردستاني والدفع بنقل تجربة إقليم كردستان العراق إلى سورية.

أما روسيا فتنطلق من فرضياتٍ مغايرة، أولها ضرورة بسط سيطرة النظام السوري على كل الأراضي السورية. وثانيها عدم شرعية الوجود الأميركي على الأراضي السورية. وثالثها بلورة الحل السياسي النهائي فيها، وفق تفسيرها القرارات الدولية وعلى قاعدة انتصار النظام وهزيمة المعارضة. تعمل على محاصرة الوجود الأميركي في "المنطقة"، وعزله ورفض فكرة المنطقة الأمنية؛ ما جعلها ترى في الاتفاق الأولي بين أميركا وتركيا على إقامة منطقة أمنية ضربةً لتصورها وإجهاضا لخططها سينعكس سلبا على تعاونها مع تركيا في سورية، وقد ربطت تقديراتٌ سياسية بين الاتفاق والتصعيد الروسي الحالي في إدلب.

مشهد معقد، وينطوي على مخاطر كبيرة تجعل السلام والاستقرار بعيدي المنال، ما لم تدرك القوى المحلية أهمية النظر إلى الموقف، بدلالة الوطن المشترك، سورية، والتحرّك لاستعادة المبادرة والجلوس على طاولة التفاوض، للاتفاق على حل وطني، مبني على قواسم مشتركة حقيقية، ووضع برنامج عمل للوصول بالبلد إلى الاستقرار والازدهار، في كنف دولة الحق والقانون والحرية والكرامة لجميع مواطنيه.

===========================


المخدّرات: أكبر صادرات نظام الأسد!

علي حسين باكير

سوريا تي في

الثلاثاء 20/8/2019

في يونيو الماضي، ضبطت السلطات اليونانية سفينة شحن بحمولة بلغ وزنها أكثر من ٥ طن تحتوي على حوالي ٣٣ مليون قرص مخدّر من نوع "كبتاغون، واصفةً هذه الشحنة بأنّها "أكبر كمية من المخدرات تتم مصادرتها عالميا"-دفعة واحدة-، وتقدّر قيمتها بما يزيد عن ٦٦٠ مليون دولار. وترجّح السلطات اليونانية بأنّ تكون الصين هي الوجهة النهائية لهذه الشحنة التي تمّت تعبئتها وشحنها من ميناء اللاذقية في سوريا.

ليست هذه المرّة الأولى التي يتم فيها ضبط مخدرات قادمة من سوريا. فعلى سبيل المثال لا الحصر، ضبط خفر السواحل اليوناني في ديسمبر الماضي سفينة شحن في البحر الأبيض المتوسط تحمل اسم "نوكا" وترفع علم نظام بشار الأسد، على بعد 50 ميلا عن جزيرة "كريت"، محمّلة بأطنان من حشيش القنّب وحوالي ٣ مليون حبّة مخدّر كان من المفترض ان تذهب إلى ليبيا. ثمة الكثير من الوقائع التي تقول إنّ تجارة المخدرات في سوريا آخذة في الازدياد بشكل مهول في السنوات الخمس الماضية. وحتى ندرك حجم ما نتكلّم عنه، فإنّ الشحنة الأخيرة التي ضبطتها السلطات اليونانية تساوي وحدها تقريباً من الناحية المالية حجم كل صادرات سوريا من السلع المختلفة في العام ٢٠١٧.

آخذين بعين الاعتبار التراجع الضخم في الناتج المحلي الإجمالي للبلاد -منذ إطلاق النظام حملته لقمع الشعب السوري قبل ما يزيد عن ثماني سنوات-، والحاجة إلى مصادر دخل الآن للتعويض عن بقاء الموارد الأساسية لسوريا تحت أيدي ميليشيات (بي واي دي الكردية) وإيران وروسيا، يصبح من الممكن فهم الكيفية التي يعمل بها النظام وأتباعه ومن بينها الاعتماد على مداخيل تجارة المخدّرات. ما يميّز حبوب الكبتاغون بالتحديد هو أنّ كلفة إنتاجها منخفضة للغاية، واذا ما قورن بسعرها عند البيع، فإنّ حجم الأرباح عادة ما تكون هائلة، وهو ما يجعل من تجارتها أمراً مغرياً للغاية.

لكن ثمّة ما يثير الشكوك أيضاً في كون هذه التجارة ليست محصورة بنظام الأسد وأنّ النظام السوري ربما يكون مجرّد وسيط فقط في هذه العملية و/أو يعمل لصالح إيران وميليشيات حزب الله. من المعروف أنّ حزب الله وعصابات تجّار المخدّرات في لبنان المحسوبين عليه و/أو المتعاونين معه يتعاملون في تجارة الكبتاغون (صناعة وبيعاً) منذ سنوات طويلة، وهناك من يرجعها الى العام ٢٠٠٦، حيث يعدّ هاشم الموسوي، شقيق النائب في حزب الله حسين الموسوي أحد أكبر مصنّعي ومهرّبي حبوب الكبتاغون على الإطلاق، وكان قد أنشأ مصنعين في لبنان واستغل الحسينية كغطاء لأعماله.

الأدوات الأساسية اللازمة لتصنيع الكبتاغون دخلت أوّل مرة إلى لبنان عبر إيران

هناك من يشير أيضاً إلى أنّ الأدوات الأساسية اللازمة لتصنيع الكبتاغون دخلت أوّل مرة إلى لبنان عبر إيران، ومن ثمّ بدأت يتم استقدام أدوات تصنيع مشابهة من دول مختلفة. المخدرات بشكل عام تعتبر باباً من أبواب الحصول على دخل بالنسبة إلى حزب الله، وهي كذلك بالنسبة إلى النظام الإيراني وكلاهما يتمتعان بعلاقات قوية مع شبكات التهريب والعصابات التي تنشط عبر الحدود في عدد كبير من الدول. ومع تزايد حجم الضغوط الدولية على الطرفين مؤخراً ولاسيما العقوبات المالية والاقتصادية، يتزايد اللجوء إلى تجارة المخدرات للتعويض.

ما يدعم مثل هذه الفرضية بالنسبة إلى الحالة السورية، هو استخدام ميناء اللاذقية كنقطة انطلاق لتهريب المخدرات إلى الدول الأخرى. هذا الميناء بالتحديد، كان الإيرانيون قد حصلوا على حقوق إدارته من نظام الأسد حينما اصطحب قاسم سليمان بشار الأسد معه إلى طهران في ٢٥ فبراير الماضي. وبالرغم من أنّ الميناء يخضع لإدارة مشتركة بين شركتي "سوريا القابضة"، وشركة أخرى فرنسية حيث من المفترض أن تنتقل حقوق الإدارة إلى الجانب الإيراني في أكتوبر القادم، إلاّ أنّ عدّة تقارير - من بينها تقرير للتايمز في مارس الماضي تحت عنوان "طهران تنظر إلى ميناء اللاذقية السوري كبوابة دخول لمنطقة الشرق الأوسط"-، أكّدت بالفعل أنّ الحرس الثوري الإيراني قد بدأ باستخدام الميناء بالفعل للالتفاف على العقوبات الأمريكية المشدّدة وشحن البضائع من خلاله حتى قبل أن يدخل العقد حيّز التنفيذ.

أيّاً كان المستفيد سواءً نظام الأسد أو حزب الله أو إيران، فإنّ الأكيد أن سورياً لم تعد ممرّاً فقط للمخدّرات اليوم وإنما أصبحت كذلك مجالاً خصباً لتصنيع واستهلاك المخدرات. وعندما تصبح حجم الشحنة الواحدة من مادّة الكبتاغون أكبر من حجم كل صادرات سوريا في العام ٢٠١٧، فهذا مؤشر كافٍ على حجم الكارثة التي ألحقها نظام الأسد بالبلاد لا لشيء إلاّ من أجل البقاء في الحكم!

===========================

تركيا وروسيا في سوريا.. ما الجديد؟

مجاهد مأمون ديرانيّة         

نداء سوريا

الثلاثاء 20/8/2019

أغربت التفسيرات والتحليلات المتعلقة بالتدخل التركي الأخير وذهبت مذاهبَ شتّى ذات اليمين وذات الشمال، والسؤال الجوهري في هذا المقام هو: هل غيّرت تركيا إستراتيجيتها وأعادت ترتيب أولوياتها في سوريا أخيراً؟

رغم أن المواقف السياسية تتسم بالتقلّب المستمر الذي تفرضه الوقائع المتغيرة والمصالح المتبدلة، إلا أن الإستراتيجيات الكبرى للدول لا تتغير جذرياً بين يوم ويوم، وليست تركيا استثناء من هذه القاعدة، ولن يحتاج أيّ مراقب إلى قدرات استثنائية ليدرك أن خياراتها الإستراتيجية لا تزال اليوم كما كانت قبل خمس سنوات على الأقل، وهي ترتكز على ثلاث ركائز أو ثلاثة مبادئ أساسية:

المبدأ الأول هو تجنب الحرب الشاملة، لأن حرباً من هذا النوع من شأنها أن تدمر الإنجازات الاقتصادية والعمرانية التي حققتها تركيا خلال العقدين الأخيرين وتتسبب في خسارتها لمكانتها الإقليمية والدولية، وقد سيطر هذا المبدأ بصورة حازمة على قرارات تركيا العسكرية منذ بداية الثورة السورية، وأعيدَ تأكيده بشكل قاطع بعد إسقاط طائرتها في البحر قبل سبعة أعوام، ويبدو أن القيادة التركية ستستمر في تبنّي هذا الخيار على المدى المنظور.

المبدأ الثاني هو تأمين حدودها الجنوبية بمنطقة عازلة آمنة تمتد في الأراضي السورية من المالكية إلى عفرين؛ وذلك لتحقيق هدفين إستراتيجيين:

(1) إبعاد الميليشيات الكردية الانفصالية عن الأرض التركية ومنع أيّ احتمال لتواصل جغرافي بين دُويلة كردية سورية وأكراد تركيا على المدى الطويل.

(2) توفير منطقة آمنة قادرة على استيعاب ملايين المهاجرين السوريين في تركيا، على الأقل من يرغب منهم بالعودة الطوعية إلى بلادهم المحررة.

المبدأ الثالث هو تثبيت الوضع العسكري في الشمال وعدم السماح بسقوط المناطق المحررة في يد النظام وميليشياته، وقد تبلور هذا التوجه الإستراتيجي بصورة واضحة في اتفاق سوتشي الذي عُقد بين بوتين وأردوغان في أيلول 2018، وعلى إثره جرى الإعلان عن منطقة منزوعة السلاح تمتد بطول خطوط التماس بين القوى الثورية وقوات الاحتلال الأسدية الروسية الإيرانية في إدلب وأرياف حماة وحلب واللاذقية، ولتكريس هذا الاتفاق وحمايته أنشأت تركيا بضع عشرة نقطة مراقبة في تلك المناطق ثم بدأت بتسيير دوريات عسكرية فيها في أوائل آذار الماضي.

وقد وضع المبدأ الإستراتيجي الثاني تركيا في مواجهة مباشرة مع أمريكا ووضعها الثالث في مواجهة مباشرة مع روسيا، ومنذ خمس سنوات لا تزال تركيا ترقص على الحبال في توازن صعب استخدمت فيه كل الأدوات المتاحة، وما صفقة الصواريخ الروسية إلا مثال في هذا السياق.

التدخل التركي الأخير الذي بدأ فجر اليوم يُقرأ في هذا السياق العام، والباقي تفاصيل.

الرسالة المهمّة حتى الآن: تركيا مُصرّةٌ على تنفيذ اتفاقها مع روسيا على ظاهره واعتباره اتفاقاً نهائياً ومنع روسيا من اعتباره إنجازاً مرحلياً للقفز منه إلى سيناريو أفضل لها وللنظام، ومصرّةٌ على تثبيت الجبهات وخرائط النفوذ ومنع انتقال مزيد من الأراضي من سيطرة الثورة إلى سيطرة النظام.

إنها رسالةٌ مُطَمْئنة وتدعو أهلنا في الشمال إلى التفاؤل والصمود، ولكنها أيضاً تعيد التذكير بحقيقة طالما أكدتها الأحداث في سوريا وطالما وثّقتها صحائف التاريخ: إن أحداً لا يستطيع أن يساعد مَن لا يساعد نفسه، وإن صمود أهل الأرض هو المفتاح الأول والأخير في تحديد مصائر الشعوب.

النتيجة التي تهمنا بعيداً عن كل أنواع التحليلات التي ازدحمت بها المواقع والصفحات: لولا صمودُ الثورة الأسطوري، شعباً وفصائل، ولولا ثباتها في معارك ملحمية ذكّرتنا بمعارك الحربين العالميتين، لولا ذلك لما تحرك لنجدتنا أحدٌ ولما اهتم بمصيرنا أحد، فليس لنا خيار في هذا اليوم سوى الخيار الذي كان في يوم الثورة الأول: الصبر والصمود والاعتماد على الذات بعد الاعتماد على الله، ولسوف يكون لهذه الأيام ما بعدها، وسوف تُضاف هذه الجولة إلى أيام عظيمة سبقتها في هذه الثورة لتأخذ مكانها الذي تستحقه في ألبوم المجد والفخار.

على أرض إدلب الخضراء ستنكسر موجة العدوان الآثم الجديد بإذن الله، وبإذنه تعالى ستنطلق منها موجة جديدة من معارك العز والشرف والتحرير.

===========================


"أنت لاجئ .."

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 19/8/2019

في حديث له بعنوان /أنت لاجئ/، يخاطب الدكتور الشهم [معن القطّامين]  الإنسان السوري؛ الذي اقتُلع عُنوة وظلماً من وطنه، وتبعثر في أصقاع الأرض الأربعة؛ يخاطبه بعبارات تُثلِج الصدر، وتشيد بشرفه ورفعته وكبريائه وعظمته. يطلب الدكتور معن من هذا الإنسان السوري ألا يتحسس من عبارة "لاجئ"؛ ويرى أن لجوءه عار على أخوته من العرب والمسلمين، لا عليه؛ فهو لم يقبل الظلم والاستبداد والدمار؛ ولكن قبِل تذوق الوطن من بعيد، بدلاً من تذوق الخوف والرعب والإهانة في الوطن.

جميل ومقدّر هذا الموقف الخيّر الطيب العاقل من أخ عربي شهم يتفهّم حالة وموقف هذا الإنسان السوري، الذي وجد نفسه بين ألف مطرقة وألف سندان؛ وكلها من نار. فالبقاء في وطن تخونه سلطة تدّعي الشرعية؛ فتبيعه، وتشتريه، وتؤجره؛ وتدعو الاحتلال لحماية كرسيّها، كي تنفذ شعارها بحكمه أو تدميره- أمرٌ كارثيٌّ؛ والرحيل ليس أقل كارثية. في الحَدَث السوري الأخير- بمجمله- لم يكن الرحيل طوعياً، بل قسراً ورعبا وإرهاباً على يد نظام كان غضب البحر، ومهانة التشرد، ومواجهة الموت أهون منه.

على صعيد عاطفي وأخلاقي، كل ما ذُكِرَ جميل؛ ولكن واقع الحال أعقد من ذلك؛ صديقي معن. فالسوري خارج بلده- مهما ارتفع شأنه- يبقى مخلوقاً غير مكتمل الإنسانية. فالمثل القائل بأن "من يخرج من داره يقلُّ مقداره"، لم يُقَل عبثاً. وهذا المقدار الذي "قَلَّ" مدعاة للتشوّه البشري

لم يختلف على السوريين الحال، يا أستاذ معن؛ فخلال أكثر من قرن كان عدد السوريين خارج سوريا أكثر من عددهم داخلها على الدوام: من الاحتلال العثماني، مروراً بالاحتلال الفرنسي، وصولاً للاستبداد الأسدي. وسوريا ربما تسجل أعلى رقماً عالمياً بالرحيل منها، واللجوء والتبعثر في بقاع الأرض. صحيح أن السوريين أبدعوا بغربتهم، إلا أنهم تعبوا- حتى ولو كانوا أنبياءً، ينتشرون في الكرة الأرضية لهدايتها وتعليمها؛ أو ملحاً، يجعل طعام العالم قابلاً للأكل؛ أو زينة، تحلّي مبسم العالم.

أما عن حال مَن تشرد خلال حرب منظومة الاستبداد الأسدية على السوريين، فالمرارة والوجع فوق التصور. إضافة إلى الجراح والتمزق قبل الرحيل بفقدان أحبة، أو اعتقال، أو اغتصاب، أو دمار مسقط الرأس؛ هناك عذابات الرحلة وما يرافقها من رعب؛ وصولاً إلى المستَقَر المؤقت، وما يرافقه من إحساس بالدونية والعوز. إنه إحساس بأبدية المأساة لا تقل عن الإحساس بأبدية الاستبداد، التي كانت. من هنا تجد أن أكثر السوريين يريد أن يخرج- بما في ذلك ما يُسمى "حاضنة النظام"- للالتحاق بأخوتهم السوريين إلى حيث القانون والحرية والكرامة.

لقد قام هذا السوري بانتفاضته على طغمة كتمت أنفاسه؛ وما أراد أن يتنفس في مكان آخر، أكان في بلد لجوء، أو في جنة. قامت ملايين سوريا لتزيح ذلك الطغيان؛ وإذ بهذه الطغمة القاتلة- مستعينة بقتلة الأرض وبقوى طغيان أخرى- تساهم وتساعد طغمة الاستبداد في إزاحة الملايين، والإبقاء على عشرات الطغاة.

لقد أراد هذا السوري مجرد هوية تشعره بكرامته في وطن آمن عفيّ بأهله وبجهده وعبقريته؛ يريد وطناً حصيناً بحريته، لا احتلال ولا استبداد ولا رعب فيه؛ يريد وطناً بلا براميل الأسد ومخابراته، ولا "سوخوي" بوتين ووزير خارجيته العنصري؛ ولا سلطة وليّ فقيه مجبول على الحقد.

أخيراً وليس آخراً، أخي معن؛ تعْلَم ونعْلَم أنه بخروج هذا السوري من وطنه؛ انتهت سوريا التي نعرف، وبقي شيء اسمه "مزرعة الأسد" أو "سوريا الأسد"؛ ولكن تزويراً ما زالوا يسمونها "الجمهورية العربية السورية"؛ إلا أنها ليست بجمهورية، ولا عربية، ولا سورية

نعم أستاذ معن؛ لقد خرج هذا السوري لاجئاً إلى بلاد الله؛ ولكن جسده هو الذي خرج؛ وروحه بقيت هناك في الوطن، في مسقط الرأس. وحتماً إن تهيأ لهذا السوري أمانا، ونظاما يعرف القانون والحق والواجب، لتراه على استعداد للعودة إلى بيته المدمر، ململماً بقايا أحجاره، واضعاً سقفاً من صفيح، ومنطلقاً بحياة حرة كريمة. ولكنه في الوقت ذاته، لا يريد عودة على طريقة "جبران باسيل" أداة "حسن نصر الله" وسيده في "قُم"، ولا على طريقة بوتين التجارية.

أخيراً وليس آخراً، أخي معن؛ تعْلَم ونعْلَم أنه بخروج هذا السوري من وطنه؛ انتهت سوريا التي نعرف، وبقي شيء اسمه "مزرعة الأسد" أو "سوريا الأسد"؛ ولكن تزويراً ما زالوا يسمونها "الجمهورية العربية السورية"؛ إلا أنها ليست بجمهورية، ولا عربية، ولا سورية. أراد السوري وما زال يريد سوريا الوطن، سوريا الحق والواجب، سوريا الحرية والكرامة؛ عندها يكون إبداعه وعبقريته. في اللجوء صحيح أن هناك حق وحرية وكرامة تحتضن الجهد والإبداع، وصحيح أن وطن الإنسان حيث كرامته وحقه وحريته؛ ولكن العنصر المفقود هو الجغرافيا والتاريخ والحنين؛ والأهم الروح التي لم تغادر الجغرافيا ولا التاريخ. وسيعود السوري؛ وستكون عبقرية سوريا التي نريد معاً.

===========================

بين الميداني والسياسي: من باع إدلب؟

حسام جزماتي

العربي الجديد

الاثنين 19/8/2019

يا شباب مدايا عدو...

منفي...

أخي سقطت منذ قليل...

ما زال جيش النظام في مقبرة البلدة ولم يدخلها...

تم التأكيد، مدايا صديق الآن، الساعة الثانية ليلاً...

للأسف، مدايا عدو منذ الفجر...

الثوار يستعيدون السيطرة على مدايا...

مصدر عسكري على الأرض، مدايا عدو...

هيئة تحرير الشام تستهدف قوات النظام في مدايا بعربة مفخخة يقودها استشهادي...

يمثل تبادل السيطرة، خلال ساعات، على هذه البلدة الصغيرة في ريف إدلب الجنوبي نموذجاً عن المعارك العنيفة التي دارت الأسبوع الماضي وأسفرت عن تقدم النظام.

يقول المقاتلون وإعلاميوهم إن ما جرى هو نتيجة عسكرية مفهومة لعوامل مرجّحة لجانب الأسد وحلفائه. ففضلاً عن سياسة الأرض المحروقة التي تتبعها الطائرات «السورية» والروسية وكثافة نيرانها؛ زجّت القوات المهاجمة بعناصر بشرية جديدة في المعركة التي لم تستطع التقدم فيها جدياً خلال مئة يوم، ومن هؤلاء مقاتلو شركات خاصة روسية بعتاد وتدريب مميزين، وكوادر ميليشيوية موالية لإيران من حزب الله وغيره. كما أن قوات النظام البرية لم تعد تتركز في الفيلق الخامس وقوات النمر بل تعدتها إلى الفرقة الرابعة ووحدات أخرى.

هل يبدو الأمر منطقياً؟ نعم. لكنه مخيّب لقطاعات من الناس أبرزهم، بالطبع، السكان الذين تتسارع حركة رحيلهم وكثافتها مع كل خسارة، في ظروف بالغة الترويع والقسوة وغموض المصير وصعوبة النزوح، ويعاني هؤلاء كارثة إنسانية موجعة كما يرى الجميع في الإعلام. غير أن سيرة المعارك التي نقلنا طرفاً من تواترها الواقعي مخيّبة أيضاً للخيال، وهو ما يبدو أنه حاجة ماسّة للكثير من «محترفي» التحليل السياسي والميداني المزعوم على الشاشات أو هواته في المقاهي الحقيقية أو الافتراضية.

ينطلق هؤلاء أولاً من «الهواجس المشروعة» للتساؤل عن «صفقة ضمنية» تمت بين «الأطراف الدولية» المشاركة في اجتماع أستانا 13، لأن ما جرى بعده قد «أعطى انطباعاً» أن اتفاقاً «لم تعلَن تفاصيله» جرى بين «الدول الضامنة»، ربما أشار إليه صحافي روسي نقلاً عن مصادر «لم يسمّها»، يقضي بتبادل السيطرة بين إدلب وشرق الفرات أو غرب الدلتا أو عدن!

لا معنى إذاً لكل المعارك التي تجري، فهي مجرد «مسرحيات» غريبة لتسليم الأرض. ولا اعتبار لمن يُقتل فيها، فالنظام مجرد طغمة حاكمة و«لا تهمه قواته»!! أما في ضفتنا فالتفسير هيّن كذلك؛ إن كان الضحايا من الفصائل الإسلامية فيرجع ذلك إلى أنه «خلص دورهم» وصدر أمر تصفيتهم من الدول التي صنعتهم، وإن كانوا من الجهاديين فلأن الجولاني يزجّ بهم في الصفوف الأولى ليقضي عليهم ويتخلص من معارضتهم المتشددة لمساره، وإن كانوا من فصائل الجيش الحر فالأمر أيسر بعد أن «اتضح للجميع» أن هذا المقاتل الوطني المخلص الشريف هو هدف «المؤامرة» التي يشارك فيها العالم بأسره للقضاء على الثورة!!

الحقائق غير مهمة، ولكل مصادره الغامضة، والغلبة للصوت الأكثر شعبوية. بإمكانك الحديث عن توقف الدعم متجاهلاً من يؤكد استمراره. تستطيع نسبة كل الإنجازات للانغماسيين المجاهدين إن كان فصيلك إسلامياً، ويمكنك الزعم أن الجيش الحر «من أبناء الأرض» هو وحده من يقاتل بضراوة، في حين تمتنع هيئة تحرير الشام عن الزج بقوة تتناسب مع حجمها وسلاحها الثقيل. تقدِر أن ترمي تهم الخيانة وتنفيذ «الإملاءات الخارجية» في أي اتجاه: إن سكت الائتلاف فهو شريك في الصمت الدولي وإن تكلم فما نفع البيانات؟ الجبهة الوطنية للتحرير حتى لو كانت معلوماتك عن مشاركتها ناقصة. الجيش الوطني سواء أتى متأخراً أو لم يأت، فهو مرتزق على كل حال. ليس عليك إلا أن تصرخ بأعلى صوتك منادياً بفتح الجبهات، ولا سيما الساحل. اشتم من لا يوافقك من الفصائل وتغزّل ببطولات مقاتلين يناسبون توجهك، يرابطون على الثغور ويسرقون لحظات من النوم لماماً!

باختصار... كن أي شيء إلا خبيراً سياسياً أو عسكرياً كما تقول صفتك المعلنة؛ مغنياً... شاعراً... رادوداً... خطيباً... أكثر من الحديث عن «البيع» فهي كلمة جاذبة... اهجس بالتآمر... لمّح... عرّض... هاجم... حرّض... تباكَ.

من المؤسف فعلاً أن الثورة لم تحظَ بمحللين أفضل وهي تواجه القيامات المتتالية دون دليل ولا بصيص رؤية. ومن المحزن أن تتحول قراءة الواقع الميداني وسياقه السياسي واستشراف المستقبل إلى مهنة سهلة للكثيرين لا تتطلب سوى مزيج العلاقات و«البريستيج» والمعلومات المضطربة المتناثرة، دون جهد نزيه يستحق قاطنو المناطق المحرّرة أن يُبذل ليقدم لهم ما يعينهم على فهم التيه الذي يعيشونه منذ سنوات ويزداد تعقيداً يوماً بعد يوم، حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا.

===========================

موقفنا : الذكرى السادسة لمجزرة السارين وهولكست السوريين المستدام !!

زهير سالم

مركز الشرق العربي

21/ 8 / 2019

يصادف اليوم الذكرى السادسة لمجزرة السارين في غوطة دمشق رمز الإباء والعنفوان . المجزرة الجريمة التي راح ضحيتها أكثر من ألف وست مائة إنسان جلهم من الأطفال الأبرياء . المجزرة التي ارتكبت على عين من دول العالم أجمع فكان فيها بين مشارك ، ومتواطئ .

وحين يتحدث البعض عن المجزرة بوصفها جريمة حرب لبشار الكيماوي ، ولزمرته الأسدية الطائفية العفنة ؛ فإن الجريمة البشعة ، والحق أحق أن يتبع، كانت جريمة دولية بامتياز ، ارتكبت ضد القانون الدولي والإنساني وتحت غطائهما في الوقت معا .

لقد كان الهولكست النازي المستنكر والمدان الذي طال مجموعات بشرية متعددة منها اليهود والغجر فعل مجرم حرب اسمه هتلر وبشراكة حركة عنصرية اسمها النازية؛ بينما الهولكست الذي ما زال يدور على الشعب السورية منذ تسع سنوات ، والذي كانت مجزرة الغوطة بكل عنفها وقسوتها وتماديها محطة من محطاته تتم إدارته بإرادة دولية جماعية ، بشراكة بعض وبتواطئ وصمت آخرين .

لا يجوز أن تتحول ذكرى مجزرة الغوطة بالنسبة إلينا نحن السوريين إلى محطة للتوجع والتأوه مع فظاعة الألم وعمق الجراح ..وإنما يجب أن تكون محطة حقيقية لاقتناص الدروس والعبر ، وطرح التساؤلات ، واستنباط القواعد والأحكام ..

ولعل أهم سؤال يطرحه سوري على نفسه : لماذا يجتمع أشرار العالم على كراهيتنا رغم أننا لا تجمعنا بهم حدود ولا تربطنا بهم قيود ؟!

ماذا يضر بعض الدول التي ما تزال تصوت ضدنا في المحافل الدولية أن ينال الشعب السوري حريته ويتمتع بحقوقه ؟!

لماذا لا يزال هؤلاء وأولئك مصرين على استكمال الهولكست البشع ضد شعبنا بكل عناد متجاوزين كل ما يدعون إليه من قيم وحقوق إنسانية ..؟!

والأهم من كل ذلك : كيف نواجه وكيف ندافع عن وجودنا الذي يريدون استباحته ، وعن حقوقنا التي يريدون مصادرتها ؟!

هل نرد على الكراهية بالكراهية ؟! وعلى البغي بالبغي ؟! دون أن تكون لنا تبصرة بكل ما يجري ؟! وقدرة على وضع كل الحدث ، وكل حدث في سياقه القيمي والأخلاقي والإنساني ؟!

إن الدعوة إلى الفهم وإلى العمل المبصر ليست دعوة إلى التخاذل أو إلى إهدار الحقوق أو التخلي عنها كما يتصوره البعض وإنما هو دعوة إلى الرشد المنتج الذي يقودنا من نصر إلى نصر .

كل التساؤلات التي سبقت تضع على " سراة السوريين " وأولي الأحلام والنهى منهم مسئولية أكبر في تفهم السياقات واقتراح السبل للتعامل معها . يجب أن لا نمل من تكرار أن المقدمات الخاطئة لا تنتج نتائج صائبة أبدا ..

وقبل أن نغادر محطة الذكرى الفاجعة الأليمة لا بد أن نذكر ..

أن بعض الجماعات البشرية التي تأذت من جحيم الهولكست النازي ظلت تلاحق مجرميه على مدى عقود طويلة ..ومن هنا يجب على أصحاب القرار الوطني من السوريين أن يوثقوا الجريمة ، بل كل الجرائم التي ارتكبت ضدهم ، بكل تفاصيلها . وأن يصدروا قائمة العار لكل الضالعين فيها من المجرمين المحليين والدوليين ولاسيما الذين شاركوا في الجرائم عمليا ، والذين غطوا على هذه الجرائم بقراراتهم ومواقفهم وسياساتهم ، دون أن ننسى صاحب الخط الأحمر في موقفه الكالح الكئيب .

نقف خاشعين اليوم في رحاب الذكرى الأليمة الفاجعة

نترحم على شهدائنا ..

ندعو لأطفالنا الذين مزق السارين رئاتهم : اللهم اجعلهم فرطا وذخرا ..

نسأل الله أن ينزل على قلوب أمهاتهم وآبائهم السكينة وأن يلهمهم حسن العزاء ...

ونجدد العهد مع الله الذي أكرمنا بآدميتنا ..

ومع كل الأحرار من أبناء شعبنا ومع كل محبي الخير في العالم ..

أن لن نقبل عن إنسانيتنا وحريتنا وكرامتنا بدلا ..

أيها السوري الحر النبيل

( فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ ).

ـــــــــــ

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

هل تلتزم أميركا بمبادراتها عن سورية؟

سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاثنين 19/8/2019

ليست المرة الأولى التي تعلن فيها الولايات المتحدة عن مبادرة أو خطوة لحل الصراع في سورية، على مستوى كامل الأراضي السورية، أو جزئية مناطقية، كاتفاق خفض التصعيد في الجنوب، والذي أنهى النظام مفاعيله، من دون أي عقبات أو عواقب تذكر من صانع الاتفاق الأميركي، ما فتح المجال لروسيا أن تأخذ طريقها إلى صناعة ما تسمى عملية تسوية الجنوب، انتهت بتسليم الجنوب لقوى النظام السوري الخدمية، ولاحقاً الأمنية، وتحجيم دور الفصائل وتدويره بما يخدم السياسات الروسية في سورية. ومن ضمن المساعي الأميركية، يمكن الحديث اليوم عن اتفاق "ممر أو حزام أمان" حسب التسمية الأميركية، أو "المنطقة الآمنة" حسب الترويج التركي للاتفاق الذي أعلنت عن البدء بتنفيذ استحقاقاته منذ نحو أسبوع مضى مع الجانب الأميركي، بتشكيل غرفة عمليات مشتركة على الحدود التركية السورية، على الرغم من أن سرد الوقائع من الطرفين لا يزال يعبر عن هوةٍ في الوصول إلى توافق كلي حول أهداف

"من ضمن المساعي الأميركية، يمكن الحديث اليوم عن اتفاق "ممر أو حزام أمان" حسب التسمية الأميركية، أو "المنطقة الآمنة"" المنطقة وعمقها، وحتى تسميتها.

وباعتبار أن من المبكر الحكم حول ما يمكن أن ينتج عن الاتفاق الأميركي – التركي من انعكاساتٍ على الوضع الأمني في المنطقة، وهل تستطيع من خلاله إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، حقيقة ضبط الحماسة التركية في التوغل في الأراضي السورية إلى عمق 35-40 كلم كما ترغب، وحماية حلفائها "قوات سورية الديمقراطية" التي أعلنت تركيا مراراً وتكراراً عن قرب بدء عمليتها العسكرية ضدها؟ وعلى الطرف المقابل، هل يتمكّن الرئيس التركي، أردوغان، من تحويل الاتفاق الذي يبدو "هشاً"، حتى اليوم، إلى نقطة ارتكاز في تعزيز العمل المشترك مع القوات الأميركية في منطقة شرق الفرات، ما يجعل من تركيا حليفاً بديلا ووحيداً لضمان المصالح الأميركية، وسد الطريق على إيران من جهة الحدود العراقية، وانتزاع دور القوات الكردية وإنهاء حلم الأكراد بربط مناطق نفوذهم المجاورة لحدودها؟

في كل الأحوال، اتفاقية الحزام الأمني مبادرة أميركية جديدة في "تسكين" ملف الصراع في سورية، وهي تفتح الباب على تساؤلاتٍ فيما إذا كان الجانب الأميركي يحاول تهدئة الأوضاع الميدانية مقدمة للبدء في استكمال مسار مبادرته السياسية التي تشكلت عبر ما سميت "المجموعة الدولية المصغرة" حول سورية، والتي ستعقد اجتماعها على مستوى الخبراء والمبعوثين الدوليين في 12 سبتمبر/ أيلول المقبل، أي بعد يوم فقط من انتهاء قمة أنقرة التي تجمع بين رؤساء الدول الضامنة لمسار أستانة العسكري، ما يوحي أن توزيعاً للأدوار بين

"اتفاقية الحزام الأمني مبادرة أميركية جديدة في "تسكين" ملف الصراع في سورية"  مريدي المسارين العسكري والتفاوضي (في جنيف)، حيث جاء ذلك على شكل الصمت الأميركي على العمليات العسكرية الروسية في إدلب وحماة (مخرجات أستانة 13)، يقابله التزام روسي – تركي - إيراني باستكمال لجنة الدستور للبدء بأعمالها في جنيف، ومن مستلزماتها أيضاً نزع فتيل الحرب التركية على كرد "قوات سورية الديمقراطية"، وانتهاء دول مسار أستانة من عملياتهم العسكرية، وتحديد خطوط التماس وتقاسم النفوذ بينهم شرق الفرات وغربه.

وعلى ذلك، تعيدنا التحضيرات لاجتماع على مستوى وزراء المجموعة المصغرة بشأن سورية على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في 23 سبتمبر/ أيلول، يعيدنا إلى طرحها الأول الذي عبرت عنه في ما سمته "اللاورقة"، حيث كانت نقطة انعطاف ملموسة باتجاه التعاطي مع تفاصيل الحل السياسي، وما يمكن أن ينتج عنه من شكل سورية الجديدة ومضمونها، ما أوحى بأن هذه المجموعة (الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، السعودية، الأردن وانضمت لهم مصر) قد استبدلت مساعيها بإسقاط النظام عسكرياً، ليحل مكانها إسقاطه دستورياً، وهو ما عبرت عنه مخرجات اجتماع باريس في 24 يناير/ كانون الثاني 2018، والتي رسمت معالم جديدة لخطوات الحل السياسي، تمثلت أهم نقاطها:

إنهاء مسلسل الجولات العبثية لمسار جنيف والدخول في عملية مستمرة ومحدّدة الهدف

"المبادرات الدولية المطروحة منذ ثمانية أعوام مجرد تجارب لإعادة هيكلة علاقات الدول مع بعضها" والمضمون. النص على تقليص صلاحيات الرئيس، وتوزيعها على الحكومة والبرلمان. إعطاء صلاحيات موسعة لرئيس الحكومة الذي لا يأخذ قرار تعيينه أو إقالته من رئيس الدولة. اعتماد النظام البرلماني المشكل من غرفتين، تختص إحداهما بتمثيل الأقاليم أو المحافظات، ما يعني نظاما برلمانيا لا مركزيا. وضع حد لإفلات أجهزة الأمن من العقاب، والتزامها الدستور وحقوق الإنسان، وضمناً إصلاحها وضمان الرقابة عليها.

بالمختصر، كانت المبادرة "المعطلة" تعني قلب نظام الحكم عبر عملية دستورية ملزمة لكل الأطراف، وهو ما يتقاطع، في الرؤية العامة، مع مقترحات دستورية قدّمتها سابقاً روسيا إلى المعارضة التي ادّعت رفضها، ثم سارعت إلى قبول مخرجات مؤتمر سوتشي (الحوار الوطني) الذي روج إنشاء لجنة دستورية أصبحت أساس العملية السياسية في جنيف، إن لم تكن هي كل العملية، حيث يسعى النظام حالياً إلى أن تكون سلاحه في إجهاض كل ما أشارت إليه اللاورقة، من تغييراتٍ جوهرية في شكل النظام السوري الجديد ومضمونه، وهو ما يضع روسيا على المحك بين أن تكون شريكاً للمجتمع الدولي في استخلاص حل سياسي لا يعيد سورية إلى ما قبل عام 2011، أو تكون شريكاً للنظام السوري، تتحمل كامل أعباء استمراره مع شريكته إيران في المنطقة.

لعله في ظل ضعف الأطراف السورية المتحاربة، واستنزافها لقواها القتالية، وحتى الشعبية الوطنية، وارتهاناتها لدول حمايتها، سواء على جانب النظام أو المعارضة، تبقى المبادرات الدولية المطروحة منذ ثمانية أعوام مجرد تجارب لإعادة هيكلة علاقات الدول مع بعضها، ولا تحمل عوامل جدّيتها والتفاتها إلى قضية السوريين على أنها قضية سياسية حقوقية، قبل أن تتحول إلى قضية إنسانية، بسبب تراخي المجتمع الدولي عن مسؤولياته في إقرار خطة تنفيذ القرارات الدولية، بدءاً من بيان جنيف1 وانتهاء بالقرار الأممي 2254.

===========================


إدلب.. ماذا بقي للجنة الدستورية؟

فاطمة ياسين

العربي الجديد

الاحد 18/8/2019

أوقف النظام في سورية فجأة ما كان قد أعلنه سابقاً عن تهدئة حملته العسكرية على إدلب، بعد أن انصرف المجتمعون في أستانة بيومين، وعاد إلى تطبيق خطة عسكرية وحيدة لا يعرف سواها، بالانقضاض على الخواصر في أطراف مناطق المعارضة، كي يفصلها عن محيطها، فيرمي عليها حممه بالقصف الجوي، ثم يتقدّم إليها فارضاً سيطرته، قبل أن يسمح لوسائل إعلامه بالتصوير ونقل التقارير. تتخلل هذا السيناريو فترات شد وجذب بين الهجوم والهجوم المضاد، قبل أن تُستنزف قوات المعارضة بالكامل، وتنسحب إلى مناطق أخرى. السيناريو المذكور يطبق حالياً على محور خان شيخون، بغرض عزل مثلثٍ رأسُه في جنوب إدلب عند اللطامنة وقاعدته من الأعلى في خان شيخون والتمانعة أو ما يجاورهما. وحسب قدرات قوات المعارضة المنتشرة في المنطقة على المقاومة والصمود، سيحصل النظام على ما يعادل 12 كيلومترا من الطريق الدولي الممتد من دمشق إلى حلب والمسمّى 5M، وسيتبقى في يد المعارضة، فيما إذا نجحت حملة خان شيخون، 95 كيلومترا على أوتوستراد 5M، وهي المنطقة بين خان شيخون وتخوم مدينة حلب الشرقية قرب حي الحمدانية. السيناريو العسكري إياه سيتكرر لاقتطاع المزيد، ولكن الوصول إلى هذه النقطة اقتضى أكثر من أربعة أشهر منذ بداية أبريل/ نيسان الماضي، عقد خلالها اجتماعان في أستانة، وستكون نتيجة هذه الحملة مطروحة بقوة وفاعلية أمام القمة التي ستجمع الرؤساء الروسي بوتين والإيراني روحاني والتركي أردوغان في النصف الأول من شهر سبتمبر/ أيلول.

عنوان هذه القمة هو "اللجنة الدستورية". وهذا يفترض أن تكون هذه القمة أحد الفصول الأخيرة للحرب، خصوصاً بعد صدور إشارات بهجة من كل الأطراف بالاتفاق على معظم الأسماء، مع الاختلاف على ستة فقط. اللجنة مقسومة على ثلاثة، للنظام وللمعارضة وللمجتمع الدولي. تملك المعارضة ثلث الأمر فقط، وهي أسماء ممثليها في اللجنة الدستورية، أما على الأرض فلديها 94 كيلومتراً من الطريق الدولي دمشق حلب، بالإضافة إلى 75 كيلومتراً من الطريق الدولي الآخر اللاذقية حلب، وهذا يلتقي بذاك في مفترق جغرافي مهم، هو سراقب.

الجبهات على طريق اللاذقية حلب هادئة، ولكن هذا لا يعني أنها لن تتحرّك فجأة في محاولات جديدة للنظام للاقتراب أكثر، أو قد تحرّكها المعارضة للتخفيف عن المحور الآخر. نتائج الحملة على هذا الطريق تحدّد الخطوات اللاحقة، وعين النظام على خان شيخون والمعارك حولها مستمرة. ومؤكّد أن إدلب المدينة ستبقى في يد المعارضة في الفترة المقبلة. ولن يعقد مؤتمر القمة وليس بيد المعارضة أي نقطة قوة تفاوض عليها. ويتعلق الأمر أيضاً بقوة الفصائل في المنطقة، ولن يكون التسليم رخيصاً، والفصائل ذات تنظيم جيد ورغبة قوية بالمقاومة. شهر وينعقد المؤتمر، وقد يحاول النظام، عن طريق روسيا، تأجيله لكسب مزيد من المناطق، وتقليل المساحة المتاحة للمعارضة، وهو بذلك يتيح لممثليه الروس والإيرانيين مزيداً من الهوامش، فحلمه بالعودة بالأوضاع إلى ما كانت عليه قبل مارس/ آذار 2011 قوي، ويعتقد أنه اقترب من ذلك كثيراً، وفي رأيه أن الاستحواذ على ما تبقى من الطرق الرئيسية يقرّبه أكثر، متناسياً العامل الديموغرافي، وفي إدلب ثلاثة ملايين سوري مصيرهم مهدّد جرّاء المعارك العسكرية. هؤلاء لا يهمهم وضعية طرق الاقتصاد الرئيسية القادمة من اللاذقية، أو الذاهبة إلى دمشق. ليس فقط هؤلاء، فما ينطبق عليهم ينطبق على ملايين أخرى في الداخل، أو الموزعين في الشتات لديهم تصور دستوري محدّد يختلف كلياً عن عقلية ما قبل انطلاق الثورة، وهذا ما لا يعرف النظام التعامل معه.

===========================

الحملة على إدلب: مجزرة للنظام والنصرة تعرقل تعزيزات "الجيش الوطني"

جلال بكور

العربي الجديد

الاحد 18/8/2019

استمرت المواجهات العسكرية، ومعارك الكرّ والفر، أمس السبت، بين قوات المعارضة السورية من جهة، وقوات النظام المدعومة بالمليشيات الأجنبية والمحلية، والطيران الحربي الروسي، من جهة أخرى، على محاور ريف إدلب الجنوبي، شمالي سورية، في ظلّ مواصلة النظام السعي للوصول إلى مدينة خان شيخون الاستراتيجية، وإطباق الحصار على ريف حماة الشمالي.

وبحسب ما أفادت به مصادر من "الجبهة الوطنية للتحرير" التابعة للمعارضة السورية المسلحة، فقد توزعت المعارك، أمس، على محاور عدة، إلا أن أعنفها شهده محورا شرق وغرب خان شيخون، حيث تحاول قوات النظام التقدم شرقاً من محور السكيك إلى التمانعة، وغرباً من محور مدايا إلى النقير.

وأوضحت المصادر، لـ"العربي الجديد"، أن فصائل المعارضة تقوم بعمليات عكسية بهدف وقف تقدم النظام، إذ قامت بتفجير عدد من المفخخات، آخرها في بلدة مدايا، ما أسفر عن إلحاق خسائر بشرية ومادية بصفوف قوات النظام.

وتتبع قوات النظام السوري سياسة الأرض المحروقة قبل التقدم البري، إذ تعتمد تكثيف عمليات القصف الجوي من قبل المقاتلات الحربية والطيران المروحي، والقصف براجمات الصواريخ والمدفعية الثقيلة، قبل التحرك بالدبابات والمدرعات، وهو ما جعلها تتمكن من التقدم في المحورين خلال الأيام الماضية.

في هذه الأثناء، تحدثت المصادر لـ"العربي الجديد"، عن وصول مجموعات من "الجيش الوطني السوري" التابع للمعارضة، والذي يتلقى دعماً تركياً، إلى جبهات إدلب وريف حماة، قادمة من منطقة ريف حماة الشمالي، وذلك بعد ارتفاع وتيرة المعارك وتقدم النظام بشكل كبير في محيط خان شيخون.

بدوره، أكد القيادي في "لواء المعتصم"، المنضوي في صفوف "الجيش الوطني"، مصطفى سيجري، وصول مجموعات من "الجيش الوطني" إلى جبهات إدلب وحماة، لكنه لفت إلى أنها "محدودة"، نظراً للمعوقات التي تفرضها "هيئة تحرير الشام"، التي تسيطر على المعابر الواصلة بين إدلب ومناطق سيطرة "الجيش الوطني" في ريف حلب.

وشدد القيادي على أن "تحرير الشام لا تزال تمنع وصول بعض الوحدات من الجيش الوطني، كما تمنع إدخال السلاح وخاصة الثقيل".

وحول أسباب المنع، أشار سيجري إلى أنها "محاولة لإفراغ مشاركة الجيش الوطني من مقاصدها الحقيقية، وعدم إحداث تغيير جوهري في سير المعارك، ومخافة هيمنة الجيش على المنطقة، وتعرية دور (جبهة) النصرة فيها"، معتبراً في الوقت ذاته أنه "بالنظر لمسيرتها السابقة (في إشارة إلى تحرير الشام)، وتعاطيها مع القوى الثورية (الإسلامية وغير الإسلامية)، فإننا نجد ما تقوم به اليوم طبيعياً".

ونفى سيجري أن تكون "تحرير الشام" قد عرضت السلاح على "الجيش الوطني" لدى دخول قواته للمشاركة في معارك ريف إدلب، خصوصاً أن قوات النظام باتت على أبواب خان شيخون.

وتأتي أهمية مدينة خان شيخون (شرقي مدينة إدلب بنحو 65 كيلومتراً، وجنوبي مدينة حلب بنحو 100 كيلومتر)، من كونها تقع على الطريق الدولية التي تربط بين حلب ومدينة حماة، كما تعتبر طريق الإمداد الوحيدة لمناطق سيطرة المعارضة و"هيئة تحرير الشام" في ريف حماة الشمالي. وتعني سيطرة النظام عليها سقوط ريف حماة الشمالي كاملاً، أو وقوعه تحت حصار مطبق.

وتمنح السيطرة على خان شيخون النظام فرصة للتقدم على الطريق الدولية نحو مدينة معرة النعمان، كما تمنحه فرصة التقدم نحو مدينة كفرنبل التي تعتبر رمزاً من رموز النضال السلمي في الثورة السورية ضد النظام السوري.

وبينما تستمر قوات النظام في محاولات التقدم على الأرض، واصل الطيران الحربي الروسي حصده لأرواح المدنيين في المنطقة، إذ أسفرت غاراته خلال الساعات الـ48 الماضية عن مقتل 25 مدنياً على الأقل، وإصابة 60 آخرين، جلهم من الأطفال والنساء، وفق ما أفادت به مصادر من الدفاع المدني السوري لـ"العربي الجديد".

وكان معظم الضحايا قد سقطوا جراء قصف الطيران الحربي تجمعاً للنازحين في بلدة حاس، أسفر عن مقتل 16 شخصاً، من بينهم أربعة أطفال وسيدتان، فيما أدى القصف الروسي إلى مقتل سبعة مدنيين من عائلة واحدة في بلدة دير الشرقي.

وقال مصدر من الدفاع المدني السوري لـ"العربي الجديد"، إن الطيران الحربي الروسي شنّ غارة بصواريخ شديدة الانفجار على منازل المدنيين في قرية دير الشرقي، جنوب إدلب، ما أدى إلى مقتل سبعة مدنيين، موضحاً أن فرق الدفاع المدني عملت على انتشال القتلى من تحت أنقاض أحد المنازل المدمرة، ليتبين أن الضحايا كلهم من عائلة واحدة، وأن بينهم أطفال.

وتسعى قوات النظام وحليفها الروسي من خلال عمليات القصف لإفراغ المنطقة من سكانها قبل التقدم البرّي، حيث نزح مئات الآلاف إلى مناطق تعتبر أكثر أمنا في شمال إدلب ليبيت معظمهم في العراء بين الأشجار وعلى الطرقات.وقال فريق "منسقو استجابة سورية" إن عدد الضحايا من المدنيين منذ توقيع اتفاق سوتشي في سبتمبر/ أيلول 2018 تجاوز 1291 مدنياً، مضيفاً أن عدد النازحين منذ بدء الحملة تجاوز الـ131354 عائلة، ووصل إلى 853416 نسمة، في أكبر موجة نزوح تشهدها سورية حتى الآن.

===========================

الطاغية ولعنة الدم !؟ - قصة قصيرة

بقلم  : يحيى  حاج يحيى

أشعل اللفافة الخامسة ، و راح ينفث دخانها بشرهٍ و عصبية ، فتذكر أن أطفاله النائمين يضرهم الدخان المنبعث منها ، فنهض و أغلق الباب ..

عاد إلى الفراش ،ليضع رأسه تحت الوسادة كما يفعل كل ليلة ، وقد تناول جرعة مضاعفة من دواء وصفه له أحد الأطباء يستجلب النوم ، و يخدر الأعصاب !

لم يمر وقت طويل على إغماض عينيه ، حتى أفاقت زوجته ، و هو يردد كلمات بصوت أجش ، كأنه المخنوق .. أشعلت النور بجوار السرير ، فتأكدت أنه نائم ...

فراحت تنظر إليه تارة و إلى غرفة الأطفال تارة .

و إلى شاشة التلفاز المغلق ،فارتسمت أمامها صورة أطفال غوطة دمشق في أكفانهم وقد أرداهم الغاز السام ؟!!

تحركت عاطفة الأمومة في داخلها ، فأحست أنها بحاجة لأن تضم أطفالها الثلاثة إلى صدرها ..

سحبت الغطاء حتى رأسها ، و أدارت ظهرها مبتعدة عنه و هو لا يزال يردد كلمات مبهمة  بصوت مخنوق

- 2-

كان للأقراص المضاعفة التي تناولها اليوم أثر في جعله ينام قليلا ! و لكن أحلاما مزعجة مرعبة كانت تتوالى و كأنها شريط سينيمائي يُـرغم على مشاهدته !

أطفال ملفوفون بأكفان بيضاء مخضبة بالدم ينهضون من قبورهم ، و يشيرون إليه بأصابعهم الصغيرة ، محدقين في وجهه ، مرددين : يا قاتل !!

مياه نهربردى  و قد تحولت إلى اللون الأحمر تغيّـر مجراها ، لتصل إلى بوابة القصر ، و تتجاوز الطابق الأول فيهرب منها إلى الثاني .. فتلاحقه و تضطره إلى الصعود إلى الطابق الثالث .. و هو يحاول في كل مرة أن يرتفع إلى طابق أعلى .. أصعدته إلى السطح ، و أحاطت به و قد ازدادت تدفقا و حمرة !

أراد أن يتكلم .. أن يصيح .. ففتح عينيه مذعورا و انقلب إلى الطرف الآخر !؟

الضحايا من الرجال يقتربون منه ، و قد خلعوا الأكفان ليصنعوا منها حبلا ثخينا !!

تراجع إلى الخلف .. تقدموا نحوه .. تراجع أكثر .. لم يعد بينه و بين حافة الشرفة إلا القليل .. أحدهم تقدم ليضع الحبل المصنوع من الأكفان في رقبته .. رجع .. ثم رجع .. ثم هوى في بركة دم ؟!!

الضحايا من البنات الصغيرات يملأن القصر ؟! فهن على السلالم .. فوق الأسِرّة ... عند الأبواب ! يتجهن إلى غرفة أطفاله ، يجرجرن أكفانهن ، و يهدرن بصوت واحد : نريد اصطحاب أبنائك معنا ؟! انقطع صوته و هو يصرخ : لا .. لا .. إنهم !

 

 فرمته إحداهن  بلفافة قطن مخضبة بالدم ، كانت تلف رقبتها ، وهي تصرخ : و كذلك كان لنا آباء يحبون أبناءهم !!

- 3 -

لم يعد يدري أهو في حلم أم يقظة ؟! أغمض عينيه ، و لف رأسه بيديه ، و ماهي إلاإغفاءة حتى عاودته الأحلام....... ركب سيارته ، و انطلق باتجاه المطار بسرعة فائقة .. لم يقف عند أي إشارة .. سيارات بلون الدم تتابعه ! كلما أسرع أسرعت .. غيّـر الطريق .. لم يعد ينظر ما أمامه و كلما أراد أن يصعد جسرا وجد رجالا و أطفالا ملفوفين بالأكفان يسدون عليه الطريق ...

تذكر أن الجسر الخامس الموصل إلى المطار مفتوح كما سمع في نشرة الأخبار ، فاتجه إليه ، حتى إذا وصل إلى نهايته وجده مغلقا ، و على بعد أمتار منه نار حمراء كأنها الدم !!

- 4 -

أوقف السيارة ، و انطلق إلى السور ، و رمى بنفسه !

أفاقت زوجته مذعورة وقد كاد ينقلب عن السرير...

نظر كل منهما إلى الآخر دون أن ينبسا بكلمة .. أغمض عينيه ، محاولا أن يجد سبيلا إلى النوم ، من غير أحلام ثقيلة ، و كوابيس مقلقة ، و دم يلاحقه من مكان إلى مكان!!

===========================

 

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com