العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 25-04-2021


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

كيف تدمر الأنظمة السلطوية فكرة المواطنة؟

رضوان زيادة

سوريا تي في

الخميس 22/4/2021

لم أستطع منع نفسي من البكاء على رحيل الصديق ميشيل كيلو، فقد كان من أوائل المعارضين الذين التقيتهم في دمشق ثم عملنا معا في لجان إحياء المجتمع المدني، وبعد الثورة تقاطع عملنا في أكثر من مؤسسة ومبادرة.

لقد تواصلت معه في اللحظات الأخيرة عندما كان في المشفى في باريس في محاولة منه الصمود في وجه هذا الفيروس القاتل وكان يكتب لي في أمور سوريا، كنت أسأله عن صحته وكان يجيب بالسؤال عن تطورات الأوضاع.

المهم كان ميشيل من أوائل من رفع لواء التركيز على فكرة المواطنة وواجب الدولة في مسؤوليتها في احترام حقوق إنسان مواطنيها.

لكن نظام الأسد أفلح في تطبيق سياسة العقاب الجماعي فتلك ميزة تنفرد بها السلطات الشمولية، معاقبة الجميع كي يرتدع الجميع، لم يكن ميشيل يوما في حياته انتقامياً أو ثأرياً رغم تعرضه للاعتقال أكثر من مرة، لقد كانت ولا زالت رغبته في أن سوريا تستحق مستقبلاً أفضل، وأن سياسة السلطة الشمولية لن تقودها إلى هذا المستقبل، بل إنها ستتجه بها إلى مزيدٍ من الانعزال والانحدار.

بمثل هذه المعاقبة تحوّل السلطة الشمولية علاقتك بوطنك من فكرة الدفع بالأفكار إلى صراعٍ شخصي، لقد تحول صراعنا ضد الأسد إلى أشبه بالصراع الشخصي، مع الإيمان أن من حق كل السوريين على اختلاف أرائهم المشاركة والتعبير من أجل التغيير وأن الإيمان بالوطن يعني الإيمان بوطنٍ يفتح ذراعيه للجميع كي يساهم فيه الجميع ويحلموا به وطناً لكل السوريين.

لكن تحويل الخلاف السياسي إلى صراع شخصي وعقاب عائلي، يحول المعنى النبيل من أجل التغيير إلى حقدٍ وانتقام، وربما هذا يفسر لماذا يتحول الصراع اليوم بين المعارضين السوريين في الخارج والنظام السوري إلى علاقة تقوم على الانتقام المتبادل أكثر من كونها خلافاً سياسياً، وذلك يعود بشكل رئيسي إلى سياسات العقاب والانتقام التي تستهدف الردع والعقاب.

تلك هي بداية التدمير الشخصي لمعنى الوطن داخل نفوس السوريين عبر تحطيم فكرة الوطن لديهم، وزرع الخوف والتشكيك وثقافة الثأر والانتقام. وتتابع هذه السياسة بشكلٍ طبيعي إلى تدمير فكرة المواطنية وتحطيمها داخل نفوس السوريين وفي طموحاتهم ورغباتهم وآمالهم.

=========================

انتخابات الأسد بوابة التقسيم

حسان الأسود

سوريا تي في

الخميس 22/4/2021

أعلن رئيس مجلس الشعب السوري حمودة صباغ قبل أيام فتح باب الترشّح للانتخابات الرئاسية في سوريا، وحدد يوم الانتخابات في 20 من أيار المقبل لمن هم غير مقيمين داخل سوريا وفي 26 من الشهر ذاته للمقيمين داخلها. إثر ذلك ترشّح عدد من السوريين والسوريات، من بينهم سيدة أعلنت أنّ هدفها من الرشّح ليس الوصول إلى سدّة الرئاسة، بل نيل شرف ذكر اسمها إلى جانب اسم بشار الأسد!

يعلم القاصي والداني أنّ هذه الانتخابات مجرّد إجراء شكلي لا أكثر، فالدستور المقرّ عام 2012 اشترط أن يكون المترشّح مقيماً في سوريا إقامة دائمة مستمرة لعشرة أعوام قبل الترشح، كما أنّ قانون الانتخابات الصادر عام 2014 يشترط أن يحصل المترشح على تأييد 35 عضواً من أعضاء مجلس الشعب، وهذان الشرطان لوحدهما كفيلان – من حيث القانون – باستبعاد أكثر من نصف السوريات والسوريين من ممارسة هذا الحق الدستوري، هذا إذا لم نأخذ بعين الاعتبار، باقي التفاصيل التي تتلخّص بسيطرة بشار الأسد شخصياً على مفاصل الدولة كاملة، من خلال أجهزة الأمن التي تدير هذه المسرحية الهزلية في الواقع.

رغم كلّ ما سبق ذكره، يتمسّك الأسد ونظامه بهذه الشكليات بوقاحة منقطعة النظير، وهو يستغلّ بهذا الأمر الرخصة الممنوحة له من المجتمع الدولي، باعتباره – رغم كل ما ارتكبه من جرائم بحق الإنسانية – لا يزال رئيساً معترفاً به وفق القوانين والأعراف الدولية. ولذلك نرى كيف بدأت السفارات السورية في بلدان العالم بالإعلان عن فتح أبوابها لاستقبال الناخبين لتسجيل أنفسهم وللمشاركة بالانتخابات لاحقاً، وهذا أمرٌ لا يمكن لأيّ دولة حسب القانون الدولي والأعراف الدبلوماسية أن تمنعها من القيام به. كذلك كان لحلفائه الروس محاولات عديدة لفتح كوّة في جدار العزلة الدولية من بوّابة استعادة سوريا إلى حضنها العربي، ووجوب عودتها إلى جامعة الدول العربية، وكان لوزير خارجيتها لافروف جولة مطولّة بهذا الخصوص، في دول الخليج العربي إضافة إلى جمهورية مصر العربية.

لم يقتصر تحرّك الحلفاء الروس على الحراك الخارجي، بل بدأ جنرالاتهم بالتواصل مع وجهاء المجتمعات المحلية في مناطق سيطرة النظام، لحثّهم على المشاركة بهذه الانتخابات، ووصل بهم الأمر لأن يطلبوا من وجهاء مدينة بصرى الشام قبل أيام الخروج بمسيرة تأييد للأسد، الأمر الذي رفضه أهالي المدينة رفضاً قاطعاً، وأيّدهم بذلك كلّ أهالي حوران. وما يفعله الروس في الجنوب لا بدّ وأنهم يفعلونه أو يخططون لفعله في باقي المناطق شرقاً وغرباً وشمالاً. يضاف إلى ذلك كلّه محاولتهم مع شركائهم الإيرانيين إمداد حكومة الأسد ببعض أسباب البقاء من محروقات ومواد غذائية لتجاوز هذه المرحلة الحرجة. كذلك لعب النظام على ورقة إطلاق سراح بعض المعتقلين هنا وهناك لتنفيس الاحتقان الشعبي الهائل ضده.

يتمسّك الأسد ونظامه بهذه الشكليات بوقاحة منقطعة النظير، وهو يستغلّ بهذا الأمر الرخصة الممنوحة له من المجتمع الدولي، باعتباره – رغم كل ما ارتكبه من جرائم بحق الإنسانية – لا يزال رئيساً معترفاً به وفق القوانين والأعراف الدولية

لقراءة المشهد بشكل كامل، لا بدّ من الالتفات إلى مناطق الحكم الذاتي شمال شرقي سوريا ومناطق سيطرة المعارضة السورية شمال غربها ومناطق سيطرة هيئة تحرير الشام في إدلب. فالمنطقتان الأخيرتان لا يُتوقّع أن يكون بهما أي نشاط انتخابي على الإطلاق، فلا وصول لنظام الأسد لهما من جهة، ومن جهة ثانية أبدى السوريون المقيمون هناك رفضهم لهذه المهزلة بشكل قاطع، من خلال مشاركاتهم الفعّالة بحملة "لاشرعية للأسد وانتخاباته" التي أطلقتها بداية هذا العام بعض القوى السياسية وعلى رأسها المجلس السوري للتغيير.

لكنّ الصورة غير واضحة بعد بالنسبة لمناطق سيطرة مجلس سوريا الديمقراطي أو الإدارة الذاتية، التي أعلنت على لسان نائب رئيس الهيئة التنفيذية فيها، حكمت حبيب، قبل أسابيع، عن إنشائها مفوضية عليا للانتخابات، تمهيداً لإجراء انتخابات شاملة خلال المرحلة المقبلة في مناطق سيطرتها. فالمؤشرات تدلّ على المساعي الروسية لدى هذه الإدارة بالسماح لحكومة الأسد بفتح مراكز الاقتراع في مناطق سيطرتها. يُضاف إلى ذلك ما تداولته وسائل إعلام مختلفة من تصريحات منسوبة للسيدة جيهان أحمد الناطقة الرسمية باسم قوات سوريا الديمقراطية، من عدم ممانعة قسد دخول الجيش السوري إلى منبج، لمنع تركيا من السيطرة عليها بعد الانسحاب الروسي منها، مضيفة أنّ علاقتهم بالنظام كعلاقة الأبناء بأبيهم، وأنّ المشكلات بينهم تُحلّ ضمن إطار الأسرة الواحدة. ورغم أنّ المذكورة قد نفت ما نسب إليها، إلا أنّ ذلك لا يقطع الشك باليقين، بل يزيد الطين بلّة كما يقال، حول الموقف الحقيقي للإدارة الذاتية من هذه الانتخابات، ولا شكّ لدينا بأنّ هذه الإدارة لن تضيّع الفرصة لكسب مزيد من الاعتراف بها من قبل النظام، ما لم يتعارض ذلك بالطبع مع توجيهات الإدارة الأميركية الداعم الأول والأكبر لها ولمشروعها في سوريا.

دولياً أعلنت القيادة الأميركية وقيادة الاتحاد الأوروبي عدم اعترافهما المسبق بنتائج هذه الانتخابات، كما أعلنتا صراحة عن ارتباط مساهمتهما في عمليات إعادة الإعمار بتطبيق القرارات الدولية والبدء بعملية الانتقال السياسي وإنشاء هيئة الحكم الانتقالي. لن يكون بمقدور حلفاء النظام إعادة إعمار ما دمّرته حربهم، ولن تستطيع دول الخليج تقديم الدعم بهذا الشأن لاعتبارات كثيرة، لعلّ أهمها أنّ ذلك سيصبّ لا محالة بمصلحة عدوّها الأول إيران، كما أنّ إسرائيل لن تقبل أن يتمّ ذلك قبل التأكد من إخراج إيران من سوريا نهائياً، لكنها تخشى بكل وضوح من انعكاسات المفاوضات الجارية حول الملف النووي الإيراني على هذا الأمر، وهذا ما لمسناه جليّاً من خلال منشورات مراكز الدراسات الإسرائيلية خاصّة تلك المدعومة من الاستخبارات، والتي تؤكد على وجود تغيّر ملحوظ برؤية إسرائيل وموقفها من نظام الأسد برمّته.

على صعيد المعارضة الرسمية أعلن الائتلاف الوطني وهيئة التفاوض موقفهما الرافض لهذه الانتخابات، لكنّ ذلك لا يكفي، فالأسد ماضٍ على طريق إنجاز انتخاباته مهما كلّفه الأمر. ويقتضي الموقف والحال هذه من جميع قوى الثورة والمعارضة، توحيد خطابها ومواقفها لمواجهة هذا الاستحقاق الوطني المهم، فإجراء الانتخابات يعني التمديد للأسد سبع سنوات عجاف قادمة، وهذا يعني من جهة أخرى تثبيت التقسيم الحالي لسوريا وفق خرائط السيطرة الحالية ووفق حسابات الدول الراعية لقوى الأمر الواقع. يجب أن تتواصل القوى السياسية والثورية المختلفة مع قيادات الأمر الواقع في شمال شرقي سوريا لمنعها من الانجرار وراء مصالح ضيقة والذهاب مع النظام في مسرحيته الهزلية. علينا جميعاً – كلّ في موقعه – القيام بما يلزم لمنع الاعتراف بهذه الانتخابات الحاصلة لا محالة، وهذا أقلّ ما يمكننا فعله، وإلا علينا جميعاً ألّا نتفاجأ بعد عدّة أعوام من تقسيم سوريا إلى عدّة أقاليم فاشلة محكومة بالفقر والإرهاب والتبعيّة للخارج.

=========================

بشار الكيماوي وانتخاباته الرئاسية

بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 22/4/2021

قبل كل شيء يسجل لـ«موسم» الانتخابات الرئاسية في سوريا أنها جعلتنا نعرف اسم رئيس مجلس الشعب، حمودة الصباغ الذي لم تستطع حتى وكالات الأنباء العالمية تجاهله. والحال أن الصفحة المخصصة للرجل في موقع ويكبيديا يخبرنا بمساره الصاعد في مراتب الحزب والدولة الأسديين، وصولاً إلى موقعه الحالي، في مؤشر لا تخطئه العين إلى إخلاصه الشديد للنظام منذ مطلع الثمانينيات حين كان عضو قيادة رابطة شبيبة الحسكة، وإلى الخدمات الخفية التي يحتمل أنه قدمها للأجهزة المختصة. وتدرج الرجل بعد ذلك في مراتب الحزب وصولاً إلى قيادته القطرية ولجنته المركزية، وفي الدولة وصولاً إلى رئاسة مجلس الشعب. وفي مطلع العام 2019، اتهم الحملات الانتقادية للحكومة بسبب تردي مستوى الخدمات العامة أو انعدامها بأنها «تدار من الخارج» فتلقى انتقادات حادة من الرأي العام الموالي بصدر رحب عربوناً لتفانيه في الإخلاص للنظام.

حمودة الصباغ هذا أعلن، إذن، عن وصول ستة طلبات ترشيح إلى رئاسة مجلس الشعب للنظر في صلاحيتها قبل إقرارها، بينها طلب من بشار الأسد الذي تأخر عن زملائه الراغبين في المنصب ليرفع من منسوب التشويق لدى الرأي العام. وهو تشويق متلف للأعصاب في البيئة الموالية التي ترى فيه المنقذ. ماذا لو استنكف عن ترشيح نفسه؟ ما هو مصير البلد إذا خيب آمال عشاقه واكتفى بالسنوات الواحدة والعشرين التي أمضاها في تحمل العبء الصعب؟ في وقت تصحرت فيه سوريا ولم يبق لبشار أي بديل قادر على حمل عبء المسؤولية؟

بشار الأسد قد حقق ثورةً كوبرنيكية في سوريا التي حولها إلى خرابة، وتغييراً ديموغرافياً ثورياً تخلص بموجبه من السكان الفائضين عن الحاجة

إذن تنفس الموالون الصعداء لأن بشاراً لم يتخل عنهم وعن سوريا في هذا المنعطف المصيري، ووافق على الاستمرار في إنقاذ البلد إلى الأبد. أما فوزه في الانتخابات المتوقع إجراؤها بعد نحو شهر من الآن فهو مضمون بالنظر إلى شعبيته الجارفة وإنجازاته التاريخية في العقدين المنصرمين، كما بالنظر إلى منافسيه المحتملين الذين لا يعرفهم أحد. لذلك فلا خشية على مستقبل سوريا ما دام بشار يرتضي الاستمرار في حكمها.

ولكن، ما دام الأمر كذلك، لماذا إذن كل تلك الاشتراطات في الترشح لرئاسة الجمهورية؟ ما المغزى من اشتراط حصول طالب الترشح على تزكية 35 من أعضاء مجلس الشعب؟ لا بد أن سبب ذلك هو تعزيز الحيثية التمثيلية للمرشح وتقوية حظوظه في «السباق الرئاسي». وما معنى اشتراط أن يثبت المرشح أنه كان مقيماً بصورة متواصلة في سوريا طوال السنوات العشر السابقة على ترشحه؟ هل ثمة خشية من أن يرشح سوري «من الخارج» نفسه للرئاسة؟ وماذا لو فعل؟ فهو لن يحظى بتزكية 35 من أعضاء مجلس الشعب على أي حال. أي أن أحد الشرطين السابقين كاف لوحده لقطع الطريق على أي ترشيح غير مرغوب فيه. وضع الشرطين معاً يشبه أن يهرب المرء من المطر إلى داخل البيت ويفتح مظلته أيضاً، فلا شيء يضمن ألا يتسرب المطر من خلال السقف الاسمنتي، على رغم وجود عدة طوابق فوق البيت.

أضف إلى ذلك أنه حتى النازحين السوريين في «لبنان الشقيق» سيحظون بممارسة حقهم الانتخابي، كما رأينا في الانتخابات السابقة في العام 2014، هذا لكي لا نتحدث عن ملايين الناخبين الذين سيصوتون لبشار داخل مناطق سيطرة النظام. فلا خشية عليه من التعثر في السباق في جميع الأحوال. ما يثير الاستغراب إنما هو كل تلك الاحتياطات المتخذة لضمان فوزه على رغم أنه مضمون. ترى هل الغاية من ذلك هي إثارة التشويق ليقال إن هناك تنافساً حاداً بين المرشحين، الأمر الذي يعني إضفاء كساء ديمقراطي على عملية لا علاقة لها بإرادات الناخبين؟ أي اكتساب شرعية ديمقراطية تضاف إلى شرعيته الشعبية والثورية؟ (فالرجل قد حقق ثورةً كوبرنيكية في سوريا التي حولها إلى خرابة وتغييراً ديموغرافياً ثورياً تخلص بموجبه من السكان الفائضين عن الحاجة).

لا غرابة في كل ما سبق، فهذا هو نظام الأسد كما يعرفه العالم ويقبل به، بل يعمل لإنعاشه من غيبوبة الموت. لكن هذه الانتخابات المفعمة بالتفاصيل السوريالية التي أشرنا إلى بعضها فقط، تعني أيضاً أن النظام يمد لسانه ليس فقط للسوريين الذين اكتووا بناره، بل أيضاً للمجتمع الدولي، فيقول لهما: هذا أنا وليس لديكم خيار آخر غير القبول بي كما أنا. لتبلوا قرارات مجلس أمنكم وتشربوا ماءها.

كاتب سوري

=========================

ميشال كيلو يترك الباب مفتوحاً

النهار العربي

فايز سارة

الاربعاء 21/4/2021

عرفت ميشال كيلو قبل نحو خمسين من وفاته، كنت شاباً صغيراً، يخطو خطواته الأولى نحو العمل العام، عرفته في حينها كاتباً صحافياً، أتابع كتاباته، وذهبت معرفتي به الى شكل واقعي في التسعينات، وصرت زميلاً في الصحافة والكتابة من دون التخلي عن متابعته بصفته كاتباً وصحافياً، تعجبني مقالاته، ويعجبني ما عرفته عنه من سخونة موقفه في معارضة النظام، والتي كان أحد أثمانها اعتقاله المعروف عام 1979 لانتقاده المباشر والعلني لنظام الأسد الأب في لقاء عام على مدرج جامعة دمشق.

عندما بدأ ربيع دمشق يشق الطينة الصلبة لنظام الأسد الوريث، بدأ شوط جديد من علاقتي بميشيل كيلو، حيث أضيف إلى ما سبق نكهة الرفقة، التي لم تكن مجرد رفقة على نحو ما يتصوّر البعض، بل رفقة بالمعنى العميق الذي كنت أصف المصنفين في حلقتها بأنهم آخر وأهم الأصدقاء لما تبقى لنا في الحياة.

 وسط تلك الرفقة ذهبنا مع رفاق آخرين في تجربة لجان إحياء المجتمع المدني، التي ألقت حجارتها في المستنقع السوري الآسن الذي خلقه نظام الأسد، يحيط به حياة السوريين، وانتقلنا منه الى المشاركة النشطة في إعلان دمشق للتغيير الوطني الديموقراطي إطاراً لتحالف واسع للمعارضة ضد نظام الأسد، ثم قمنا بالتشارك مع مثقفين وكتاب وأكاديميين لبنانيين بإطلاق إعلان دمشق - بيروت بيروت - دمشق من أجل أنسنة العلاقات السورية اللبنانية وتصحيحها شعبياً ورسمياً، بعدما استباحها نظام الأسد وأدواته اللبنانية، ودمّر أخوة الشعبين وتجاور البلدين.

لم أشارك ميشال ورفاقاً آخرين المبادرات، التي وصفها كثيرون بأنها "مهمة" وغيرها من الأوصاف الكبيرة فقط. بل تشاركنا ألم الاعتقال نحو عامين ونصف عام انتهت أواسط عام 2010، وتشاركنا معاناة التغريبة السورية شتاتاً في فرنسا وتركيا، ثم عشنا معاً في "التجربة المرة" في الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، التي سعى كثيرون عن قصد أو من دون الى خرابها وإفشالها، وخرج كل واحد منا من التجربة في وقت متقارب، من دون أن نتشاور في ذلك، بل كنا نعاني "أزمة علاقات بينية" بسبب الائتلاف ونتائج تجاذباته وصراعاته، كما خضنا معاً تجربة ولادة الهيئة العليا للمفاوضات قبل أن نغادر الائتلاف بعيداً عن علاقات التبعية واستسهال مسار العمل الوطني، وإلحاقه بما تيسّر من أجندات إقليمية ودولية بحجج واهية ولا معنى لها. 

في السنوات الخمس الأخيرة، وكما درجت علاقاتنا، كانت الهموم المشتركة محور علاقاتنا، وفيها لقاءات ومبادرات وأفكار وأوراق هنا وهناك، كان الهمّ الرئيس في كل ما سبق، تقييم ما جرى، واستخراج دروسه، ودراسة الواقع في أبعاده المحلية والإقليمية والدولية، ووضع تصوّر لما ينبغي القيام به من خطوات للوصول الى حل سوري يحقّق السلام، ويخلّص السوريين من الاستبداد والدكتاتورية والدم مجسدين بصورة نظام الأسد، حل يوفر الحرية والعدالة والمساواة لكل السوريين.

 وإذ يغادرنا ميشيل في موته، فإنه يترك تلك المهمة بين يدي الأصدقاء والرفقة القريبين والمقربين للعمل عليها، ليس فقط وفاءً لذكراه وسيرته، بل للضرورة التي تمثلها في حياة السوريين وبلدهم اليوم وفي المستقبل.

=========================

حلب تتحرر.. هجوم النظام المعاكس لاستعادة حي صلاح الدين

العقيد عبد الجبار عكيدي

سوريا تي في

الاربعاء 21/4/2021

تستحضرني كل يوم قبل موعد الإفطار تلك الأيام الرائعة من شهر رمضان صيف عام 2012 عندما دخلنا مدينة حلب، وكيف استقبل الأهالي فصائل الجيش الحر وفرحتهم الكبيرة بأبنائهم الفاتحين المحررين، وموائد الإفطار والسحور على الأرصفة التي كان الحلبيون يقدموها لنا، نشوة بالنصر والتحرر من رجس عصابات الأسد وشبيحته.

لم يكن يعكر صفو هذه الأجواء في ذلك الوقت سوى هدير الطائرات وأزيز الرصاص وأصوات المدافع التي تدك الأحياء المحررة. جموع من الشباب الثائر كانت تأتينا إلى غرفة العمليات في مدرسة القنيطرة بحي صلاح الدين تريد التسلح والانضمام لفصائل الجيش الحر، فالنظام يحشد باتجاه حي صلاح الدين الذي يعتبر المعقل الرئيس للثوار وخط التماس الأول، والمواجهة فيه تعتبر معركة كسر عظم، حيث أطلق النظام على معركته اسم "أم المعارك".

أكتب مقالي هذا وشريط الذكريات العامر بمواقف العزة والكرامة يمر كأنه الآن، شوارع صلاح الدين والشباب المتحمس، أصواتهم المطالبة بأي قطعة سلاح، بندقية صيد، كلاشينكوف، مسدس، المهم أن يدخل المعركة في مواجهة الآلة العسكرية للنظام، ذاهبين إلى الموت كأنه نزهة.

لم يكن لدينا من السلاح والذخيرة ما يكفي، لو ذكرنا كميته الآن بعد حوالي تسع سنوات لن يصدق إلا من عاش تلك المرحلة من عمر الثورة، فقد كان يتناوب كل ثلاثة أو أربعة مقاتلين على قطعة سلاح خفيف، بينما لم يكن في جعبة أي منهم أكثر من مخزن أو مخزنين في أحسن الأحوال. 

في المجلس العسكري كنا نوزع ما يأتينا من سلاح وذخيرة على قلتها من خلال الضباط الموجودين في غرفة العمليات (النقيب مصباح عجان الحديد والنقيب حسام صباغ)، وبعد عشرة أيام من دخولنا المدينة توقف الإمداد لفترة طويلة، وكما قال لي سفير إحدى الدول الداعمة: "مررنا لكم قليلا من الرصاص فأوشكتم أن تحرروا حلب، لو سلحناكم أكثر لأسقطتم النظام خلال شهر"!!

كانت أولى محاولات النظام في 29 آب عندما استقدم رتلاً كبيراً من الكليات العسكرية لاقتحام شارع 10 وشارع 15، المواجهين لأوتوستراد الحمدانية

اختار النظام محور هجومه الرئيسي على حي صلاح الدين الذي تكمن أهميته، لقربه من الكليات العسكرية (المدفعية، التسليح، المدرسة الفنية الجوية)، وإطلالته على حي الحمدانية الذي يقطنه غالبية ضباط النظام، كما أنه مجاور لأكاديمية الأسد للهندسة العسكرية التي تعتبر بوابة حلب إلى الريفين الغربي والجنوبي.

كانت أولى محاولات النظام في 29 آب عندما استقدم رتلاً كبيراً من الكليات العسكرية لاقتحام شارع 10 وشارع 15، المواجهين لأوتوستراد الحمدانية، ورغم قلة سلاح الثوار وشح ذخيرتهم واجهوا النظام بمقاومة عنيفة وكبدوه خسائر كبيرة في أول معركة حقيقية لهم، سقط فيها عشرات من جنوده بين قتيل وجريح تاركين أسلحتهم فارين بأرواحهم، وهنا أذكر تماماً كيف أن سائقي دبابات النظام ومن شدة خوفهم دعسوا كثيرا من جرحاهم أثناء الهروب.

كثف النظام قصفه على أحياء حلب المحررة مركزاً نيرانه على حي صلاح الدين، الذي أمطره بوابل من قذائف المدفعية والهاون وصواريخ طائراته الحربية والمروحية، في مؤشر على اقتراب هجوم واسع على الحي.

بالحماس والاندفاع ونشوة الانتصار، وبدافع تخفيف الضغط عن الحي، وتحديدا في الثالث من شهر آب، وسع الثوار مناطق سيطرتهم باتجاه الأحياء المجاورة لصلاح الدين، منها سيف الدولة والأعظمية والزبدية والإذاعة وأحياء أخرى، حيث خاضوا معارك عنيفة، وفي ذات اليوم حرروا حاجز بريد سيف الدولة الذي كانت تتحصن فيه قوات النظام وشبيحته، وقسم شرطة الزبدية وقسم السكري.

في اليوم التالي بدأت قوات النظام هجومها البربري على حي صلاح الدين بعد أن استقدمت أكثر من مئة دبابة ومدرعة يرافقها آلاف من قوات النخبة في الحرس الجمهوري والقوات الخاصة والفرقة الرابعة، وأعداد هائلة من الشبيحة.

دارت معارك كانت هي الأقوى والأشرس، استخدم فيها النظام كل صنوف الأسلحة ولأول مرة يستخدم فيها طيران الميغ 21، استبسل فيها الثوار دفاعاً عن الحي، وارتقى كثير من قادات وعناصر الجيش الحر، وأوشكت بعض المجموعات على الفناء لكثرة الشهداء والمصابين فيها.

أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر كتيبة نور الدين الزنكي، وسرية أبو عمارة، وكتيبة التوحيد والجهاد التي تعرض قائدها أبو حيدر لإصابة بالغة أدت إلى شلله، وكتيبة سيوف الله الأحرار التي لم يتسنَ لقائدها صقر أبو قتيبة المشاركة في تلك المعارك، بسبب إصابته وفقْده لعينه في مواجهات مع عناصر الأمن قبل يومين من دخول الجيش الحر إلى الحي.

مجموعات صغيرة بأعدادها، عظيمة بأفعالها، ضعيفة بإعلامها، كان لها الدور الأكبر في صمود تلك الأحياء، ويحتاج عدها جميعا إلى مجلدات، ولكن أحاول استحضار الذاكرة ما أمكن، فكيف لي أن أنسى الأبطال من كتيبة سيوف الشهباء، وأمجاد صلاح الدين، شهداء صلاح الدين، درع الشهباء، سرايا الفتح، لواء شهداء الأتارب والملازم مصطفى عكوش الذي تعرض لإصابة في معارك حي الإذاعة أدت إلى إصابته بالشلل، الملازم بلال الذي أتى بمجموعته من قرية سرمين في ريف إدلب، وكتيبة أبو العلمين من حلفايا، التي بترت يد قائدها سامي رحمون في تلك المعارك، ومجموعات من حفسرجة، وحزانو، وريف المعرة الشرقي، وجبل الزاوية، والعديد من المناطق الأخرى.

بعد أيام من الكر والفر والمعارك الضارية وتحت الضغط الشديد وقلة السلاح ونفاد الذخيرة، وبتاريخ 8 آب 2012 بدأ الثوار بالتراجع تدريجياً والانسحاب التكتيكي من الحي بعد أن أوشكوا أن يقعوا في الحصار، واستطاع النظام إحداث خرق من جهة ملعب الحمدانية عبر الشوارع الطولانية والعرضانية ومن جهة حارة الحشكل جنوب الحي، وبعد أيام من انسحاب الثوار وصلت قوات النظام إلى دوار صلاح الدين، معلنة يوم 11 آب سيطرتها على كامل الحي.

دخلت قوات النظام وشبيحته الأحياء التي هجرها أهلها مع اشتداد المعارك، وعاثت بها فساداً وإجراماً وتعفيشاً، انتقاماً من أهلها الذين كانوا نِعم الحاضنة الشعبية لأبنائهم المدافعين عن كرامتهم، الذين فضلوا النوم على الأرصفة وفي مداخل الأبنية على أن يفتحوا بيتاً أو محلا.

أيام قليلة واستوعبت فصائل الجيش الحر هجوم النظام وأعادوا ترتيب صفوفهم وتجميع قواهم وتوافدت المؤازرات من الأرياف والأحياء الأخرى منها كتيبة مصعب بن عمير بقيادة معتصم عباس، وكتيبة فجر حلب بقياد الشهيد أبو علاء منغاني، وكتيبة ذو النورين بقيادة عبد الله لولة، الذي استشهد أولاده الثلاثة وأزواج بناته الثلاث في معارك العز والشرف، ومن لواء الفتح المشكل حديثا، يتقدمهم القيادي أيمن عليطو، الذي ارتقى شهيداً مدافعاً عن حي صلاح الدين، ومن لواء التوحيد بقيادة العقيد أبو الفرات، ومضر نجار، وكتيبة أبو بكر الصديق من مدينة الباب بقيادة بطلين استُشهدا على يد تنظيم داعش الإرهابي فيما بعد هما (الشيخ رئاب) وهو الاسم الحركي للشيخ زاهر شرقاط آنذاك، و ياسر أبو الشيخ، ومجموعات من أرياف إدلب وحماة، وبدأت المعارك على كل الجبهات لدحر قوات النظام.

حمي الوطيس وبدأ الكرارون معركتهم بمعنويات عالية وإصرار الليث في الدفاع عن عرينه بوجه الضباع. كانت البداية بتاريخ 11 آب من الكازية العسكرية في حي العامرية القريبة من الكليات العسكرية حيث دارت رحى معركة قاسية، قتل فيها قائد الكازية العقيد حبيب جامع شقيق اللواء المجرم جامع جامع، وارتقى فيها لنا شهيدان هما عبدالقادر شاشو، ومجد ترمانيني.

توسعت جبهات القتال لتشمل بالإضافة لحي صلاح الدين جبهات سيف الدولة، الإذاعة، الأعظمية، العامرية، ودارت معارك لم تشهدها جبهات حلب قط، استمرت حتى منتصف الشهر التاسع من نفس العام، استخدم فيها الثوار تكتيكات جديدة من خلال فتح (الخراقيات) ضمن الأبنية والتسلل والاشتباك المباشر مع العدو، ليتمكنوا من استعادة ثلثي حي صلاح الدين والإذاعة وسيف الدولة، حيث امتدت هذه المعارك إلى دوار الكرة الأرضية والهجرة والجوازات ومبنى الإذاعة والتلفزيون.

خمسة وثلاثون يوماً والمعارك الطاحنة لم تتوقف لحظة واحدة، خسر النظام فيها مئات من قواته

معارك سيسطّرها التاريخ ويخلد أسماء قادتها سواء ممن قضى نحبه أو ممن ينتظر .. أذكر منهم (الشهيد أبو علي الصليبي، أبو الصادق، مهنا جفالة، أبو الحسنين، عمر سلخو، ربيع دعبول، الشهيد النقيب محمد دشو، النقيب مالك إدريس ابن مدينة خان شيخون، الملازم أول أبو يعرب ابن مدينة القريتين، الملازم أول أحمد الحلو، أبو أدهم خليفة، الشهيد أحمد الدبيح، أبو محمد الإدلبي).

خمسة وثلاثون يوماً والمعارك الطاحنة لم تتوقف لحظة واحدة، خسر النظام فيها مئات من قواته في محاولة يائسة لطالما روج لها عبر إعلامه الكاذب أنه سوف يستعيد كامل المدينة من خلالها، ولكنه فشل، وسلّم بأن حلب أصبحت خارج سيطرته، فتراجع تحت الضربات القوية للثوار مركزاً جهده الرئيسي على حماية أوتوستراد الحمدانية ودوار الكرة الأرضية وإبعاد الثوار عن قصر الضيافة ونادي الضباط.

معارك عز وكرامة ارتقى فيها خيرة شبابنا شهداء، أذكر آخرين منهم من باب الوفاء والعرفان لمن قدم التضحيات: أبو علي خضرو، الشهيد أبو العباد، الشهيد الطالب الجامعي زاهر دندل، الطالب الجامعي أيهم عكيدي الذي لبى نداء استغاثة النقطة الطبية التي حوصر فيها المسعفون والمسعفات بعد انسحاب المجموعات في العاشر من شهر آب فاقتحم الصفوف بسلاحه الخفيف مسرعاً لإنقاذهم فنال شرف الشهادة الذي كان مبتغاه.

هذه النقطة الطبية التي أنشأها المهندس عز الدين سالم المشهور بأبو سمير طبية ومعه حرائر ماجدات ممن شاركن في الثورة السلمية من بدايتها، أذكر منهن بيان وحنان التي استشهد شقيقاها في تلك المعارك، ومن ثم زوجها أبو خالد عزيزة، وعد الخطيب، وبنات الشهيد أبو ماجد كرمان اللواتي كن من الشجاعة والثبات بمكانة ما تفوق شجاعة الرجال، كيف لا، ووالدهن شهيد وعمهن شهيد وشقيقهن الوحيد شهيد، وزوج إحداهن شهيد.

رُسمت خطوط التماس في الأحياء الغربية على هذا الوضع حتى سقوط حلب نهاية عام 2016.

عن أسباب توقف وفتور المعارك في الأحياء الغربية ورسم خطوط التماس فيها، ودور الجماعات الإسلاموية، والدعم المسيس، وانتقال المعارك إلى جبهات أخرى وبمنحى وشكل مختلفين سيكون مقالي القادم.

=========================

وحدة مصير المشرق العربي

مروان قبلان

العربي الجديد

الاربعاء 21/4/2021

لأسباب مفهومة، كان السوريون يسخرون، خلال التسعينيات من القرن الماضي، من المقولة التي أطلقها نظامهم عن "وحدة المسار والمصير" بين سورية ولبنان. مطرح السخرية أن النظام كان يبتغي من ورائها منع لبنان من أن يسلك طريق الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية في الانفراد بتوقيع معاهدة سلام مع إسرائيل، قبل أن يتوصل هو إلى تسوية معها. لكن تهافت الأسباب لا يمنع صحّة المقولة التي باتت تصدق اليوم في عموم المشرق العربي أكثر من أي وقت مضى. ولأسباب جيوسياسية وتاريخية يضيق المجال بشرحها، يرتبط مصير دول المشرق العربي ببعضها إلى حدٍّ يصعب معه تصور حصول تطور في إحداها لا ينعكس بصورة مباشرة على الآخر، كما يصعب فهم تاريخ جزء منها من دون ربطه ببقية الأجزاء. وقد يكون من نافل القول إن تاريخ المشرق العربي خلال النصف الثاني من القرن العشرين هو فعليًا تاريخ فلسطين والصراع مع إسرائيل حولها. كذلك الأمر، لا يستطيع المرء أن يفهم تاريخ سورية الحديث، خصوصا بمعزل عن تاريخ العراق وأوضاعه السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

وبخلاف أن سورية كانت تاريخيًا نافذة العراق على العالم، وهو أمرٌ سيصير أوضح بعد ترسيم الحدود واكتشاف النفط، يمكن أن يُلاحظ أيضا كيف أن فيصل الأول انتقل ليصبح ملكًا على العراق بعد أن فشل في الحفاظ على مُلكه في سورية أمام الفرنسيين. الانقلابات العسكرية السورية الأولى (خصوصا انقلابي حسني الزعيم وسامي الحناوي) ارتبطت بقوة بمشاريع أنابيب النفط التي كان مقدّرا لها أن تنقل نفط العراق إلى المتوسط. أما الانقلابات المتأخرة فقد ارتبطت بصراع العراق مع مصر والسعودية حول من يظفر بسورية. وكان لافتًا أن سقوط الهاشميين في العراق على أيدي ضباط الجيش (يوليو/ تموز 1958) جاء بعد خمسة أشهر فقط من قيام الوحدة السورية المصرية (فبراير/ شباط 1958). أما انقلاب حزب البعث في سورية (8 مارس/ آذار 1963) فقد جاء بعد شهر فقط من انقلابه في العراق (8 فبراير/ شباط 1963). ومع عودة "البعث" إلى الحكم في بغداد عام 1968 بعد سقوطه على أيدي الناصريين في أكتوبر/ تشرين الأول 1963 (فشل انقلاب الناصريين على "البعث" في سورية في يوليو/ تموز 1963)، صار تاريخ المشرق العربي تاريخ الصراع بين جناحي "البعث" في سورية والعراق، خلاف المحاولة الوحدوية الفاشلة بينهما عام 1979، ردّا على توقيع مصر معاهدة السلام مع إسرائيل.

وعلى الرغم من أن حكم "البعث" في سورية والعراق كرّس بشكل مطلق حدود الدولة الوطنية (خلاف ادّعاءاته الوحدوية)، إلا أن ذلك لم يُضعف قط ارتباط مصير العراق بالشام. ففي عام 1991، ارتبطت هزيمة العراق أمام التحالف الدولي الذي قادته الولايات المتحدة لتحرير الكويت بانطلاق مسيرة التسوية بين دول بلاد الشام وإسرائيل، بعد أن فقد العرب، بتدمير آلة العراق الحربية، خيار المواجهة العسكرية نهائيا. ولم يكن ممكنا في عام 2003 تخيّل انهيار نظام الرئيس صدام حسين بفعل الغزو الأميركي من دون أن تكون لذلك تداعيات جوهرية على سورية وعموم المشرق العربي. إذ خرجت إيران بانهيار العراق من القمقم الذي حبسها فيه العرب بعد ثورة 1979، وسرى نفوذها في جسد المشرق العربي حتى كادت تفتّته. خلال العقدين الأخيرين، تحول مشروع إيران الإمبراطوري القائم على ولاية الفقيه إلى أكبر تحدٍّ يواجه الدولة الوطنية المشرقية الحديثة، بسعيه إلى ربط الشيعة العرب والأقليات الأخرى القريبة منها بمرجعية دينية تتجاوز حدود الدول الوطنية التي بات تفكيكيها وإنشاء سلطات موازية لها جوهر المشروع الإيراني. جاء رد الفعل على ذلك عبر مشروع آخر عابر للحدود، مثّله تنظيم الدولة الإسلامية (دعش) الذي نشأ في العراق، ثم انتقل إلى سورية مع اندلاع ثورتها، ليعود وينطلق منها للسيطرة على الموصل والأنبار، وليعلن إنشاء دولته في سورية والعراق.

في مواجهة مشروعي إيران و"داعش"، غدا مصير المشرق العربي الممتد من البصرة إلى بيروت خلال العقد الماضي مترابطا أكثر من أي وقت مضى. الغريب أن خصوم المشروعين لا يرون الأمور بهذه الصورة. ولذلك نراهم يفتقدون أي شكل من التواصل والتعاون، في حين تتعامل إيران و"داعش" مع المشرق العربي باعتباره مسرحا واحدا، وتتحرّكان عبره من دون اعتبار للسيادة والحدود السياسية الفاصلة بين دوله. خلاصة القول، لن تنتصر انتفاضتا تشرين العراقية واللبنانية، ولن تستعيدا الدولة "المخطوفة" إلا إذا انتصرت إرادة التغيير في سورية. ولن تنتصر إرادة التغيير في سورية، إلا إذا غلّب العراقيون واللبنانيون والسوريون انتماءاتهم الوطنية، وأفشلوا مجتمعين المشاريع العابرة حدود أوطانهم.

=========================

عفواً آباء الاستقلال.. سامحونا!

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 19/4/2021

17 نيسان ذكرى جميلة في خاطر كل سوري؛ لكن حال سوريا الحاضر يضفي حزناً 0على الذكريات الجميلة؛ لهذا ما كُنتُ أفكر، بالحديث عن ذكرى تستحضر أوجاعاً في الروح السورية، لولا حدث تم بالأمس في "حميميم" السورية، التي تحوّلت إلى قاعدة للاحتلال الروسي في سوريا.

في حميميم، وللمفارقة الغريبة العجيبة الوقحة، يحتفل المحتل الروسي بذكرى جلاء الفرنسيين عن سوريا؛ وكأن وجود الروس في سوريا رسالة في الحرية والديمقراطية والقانون وتضميد الجراح السورية!

حاول الاحتلال تقسيم البلاد، وبث أمراض الطائفية وسياسة "فرّق تسد"؛ ولكن الوطنيين السوريين أفشلوا مخططاته

مثل الأمس قبل ثلاثة أرباع القرن، كان جلاء آخر جندي فرنسي عن سوريا. دام الاحتلال قرابة ربع قرن؛ ما ارتاح الفرنسيون خلاله لحظة. انطلقت ثورة السوريين الكبرى عام ١٩٢٥؛ وما توقفت إلى عند الاستقلال. حاول الاحتلال تقسيم البلاد، وبث أمراض الطائفية وسياسة "فرّق تسد"؛ ولكن الوطنيين السوريين أفشلوا مخططاته. وفي النهاية، كان نصر الحرية والاستقلال ووحدة الأرض والشعب.

تَبِعَ الخروج الفرنسي حكمْ وطنيٌ لقرابة عقد من الزمن: حرية، دستور، برلمان، انتخابات، وقانون، وانطلاقة مزدهرة. وفي غفلة من القانون والأخلاق، بدأت سوريا تنام على انقلاب عسكري، لتصحى على آخر.

واستمر الحال إلى منتصف ستينيات القرن الماضي، عندما بدأت "الأسدية" تغرز مخالبها في الجسد السوري المنهك. كان التعميد الأول للأسد، بدفع قطعة من سوريا للمحتل الإسرائيلي عام سبعة وستين؛ وكانت مقدماً أوصله الى السلطة؛ ليتحول بعدها الى حاكم مطلق أو حاكم بأمره. وبعدها قتل الفلسطينيين وقضيتهم، وانفتح على ملالي طهران، وساهم بإنشاء "حزب الله" ليحمي بتبعيته حدود الكيان الصهيوني الشمالية.

على صعيد عربي، ساهم بجعل العرب عُرْبان تحت يافطة "الوحدة" و "التضامن العربي"؛ وفي الداخل السوري، كانت السيطرة المطلقة على مقدرات سوريا، وكان سحق العلم والثقافة، وتمزيق النسيج الاجتماعي، وتجفيف الحياة السياسية بالمطلق؛ لتصبح زيارة ضريح قائد الثورة السورية الكبرى سلطان الأطرش جريمة. ومع نفوق مؤسس الاستبداد، كان تتويج الوريث لتتحوّل سوريا إلى جمهورية وراثية ولتُثبَّت كنيتها الجديدة: "سوريا الأسد".

 دام ذلك حتى عام 2011؛ وانطلقت ثورة الحرية والاستقلال من جديد؛ ليجد السوريون أنفسهم يقاومون أكثر من احتلال، وعلى رأسها الاحتلال الأسدي. وجدوا أنفسهم يقاومون ميليشيات إيران و"حرسها الثوري" كاستعمار استيطاني يغيّر ديموغرافياً، ويهتك النسيج الاجتماعي السوري بنشر المخدرات والدعارة والتشييع؛ واحتلال روسي ينشر الدمار والقتل والتشريد والحماية السياسية لمنظومة الاستبداد. وبوقاحة يحتفل هذا الأخير في قاعدة عسكرية بعيد استقلال سوريا.

الجلاء ذكرى غالية على قلوب السوريين. يجعلها نظام الاستبداد وحماته الروس مقيتة وثقيلة على هذه القلوب

الأغرب والأوقح من كل ذلك، وبمناسبة ذكرى الاستقلال، لازال التبجح بوحدة وسلامة وسيادة أرض سوريا وشعبها من قبل الاحتلال الأسدي والاحتلالات الأخرى. ولكن للأسف في وحدة الأرض، سوريا الآن خمسة إقطاعات، وشعبها خمسون قطعة؛ وفي السلامة، نصفها مدمر، واقتصادها منهار، وأهلها تبعثروا في أربع أصقاع الأرض، ومن بداخلها يعيش رعباً وعوزاً ومذلة؛ أما في السيادة، فلرئيسها كذا رئيس وآمر يتحكمون حتى بتنفسه؛ والمواطن متروكة حياته ومصيره لجملة من الاحتلالات لتقررها. إنه "استقلال" الاحتلال في بلد سلطته داست كرامته.

لم تكن ثورة سوريا الكبرى على الاحتلال الفرنسي عام خمسة وعشرين بلا دم أو تضحيات ومواجع؛ وما كانت القدرات المعرفية والمادية والبشرية عند أهل سوريا كما كانت عام 2011؛ ولا يمكن مقارنة الاحتلال الداخلي وما جلبه من احتلالات بما كان من الاحتلال الفرنسي؛ ولكن مقاومة الحالتين كانت العنوان. الاحتلالات الحاضرة ارتكبت كل محرَّم. ويبقى الاحتلال احتلالاً، وخارج إرادة أهل البلاد، ولكن ومن باب المقارنة البسيطة، إذا كان الفرنسيون بنوا مدارس ومشافي، فالاحتلال الروسي بنى قواعد عسكرية ودمر المدارس والمشافي؛ وإن كان الاحتلال الفرنسي قد أوجد قانوناً ومحاكم وقضاء، فالاحتلال الروسي عمل بقانون الأرض المحروقة، وحكم على شعب سوريا بمزيد من الاستعباد والركوع.

الجلاء ذكرى غالية على قلوب السوريين. يجعلها نظام الاستبداد وحماته الروس مقيتة وثقيلة على هذه القلوب، عندما يقيمون مهرجاناً خطابياً في قاعدة حميميم بهذه المناسبة. ما أوقح تلك المخاليق، وكم هو واجب مقاومتها. وما فعله السوريون قبل قرن سيفعلونه ثانية لنيل حريتهم واستقلالهم ليس من الاحتلال الروسي فقط، بل ممن تمسك أجداده بالاحتلال يوماً. بئس "دولة عظمى" كروسيا العظيمة أن تُحكَم من قبل دكتاتور أصدر بالأمس قراراً بأن يحكم أبدياً، ويريد تكريس ذلك في بلادنا. وهذا لن يكون؛ سيحقق السوريون استقلالهم، ويطردون كل الاحتلالات ومَن جلبها. وبهذه المناسبة، نطلب السماح والمغفرة من آباء استقلال سوريا الأول؛ وتحية مقدماً لأبطال استقلال سوريا الثاني القادم.

=========================

لن تختفي سوريا

رياض نعسان أغا

الاتحاد

الاحد 18/4/2021

تصريحات عديدة تحذر من اختفاء سوريا (الدولة)، ومن خروجها من التاريخ والجغرافيا، ومن تمزقها إلى كيانات عرقية أو طائفية أو مناطق نفوذ دولية، فالطامعون بها كثر، ومن حضر قسمتها سيقتسم، لاسيما بعد أن غادرها نصف شعبها قسراً باحثاً عن الأمان، وبقي نصفه الآخر فيواجه ظروفاً غير إنسانية، ويبحث عن أدنى متطلبات العيش، وقد استباحت البلاد قوى إقليمية، وسيطرت جيوش وميليشيات متصارعة على امتلاك سوريا، وتم نهب ثرواتها، والقبض على قرارها ومصيرها.

ولاشيء في الأفق المنظور ينبئ بوجود حل سياسي جاد وحقيقي يخرج سوريا من هذا المستنقع، وقد أصبحت القرارات الدولية قشة يتعلق بها الغارقون، وسراباً من ماء يتراءى في صحراء قاحلة، وقد يبقى هذا الحال المفجع سنين طويلة، كما بقيت قضية فلسطين معلقة منذ عقود.

وأرجو ألا يفهم القارئ من حديثي أنني يائس، فأنا من المؤمنين بأن الليالي حبالى تلدن كل عجيبة، وما بين طرفة عين وانتباهتها، يغير الله من حال إلى حالِ، لكنني أتحدث عن الواقع الراهن، وأجد المجتمع الدولي لايملك إرادة جادة في تنفيذ القرار 2254 ولو أنه يمتلكها لتم تنفيذ هذا القرار الذي حظي بإجماع دولي يوم صدوره، ولاسيما أن روسيا التي سيطرت على الموقف العسكري هي التي صاغت القرار، وما تزال تتمسك به ولاتنكره، وإن كانت رؤيتها في تفسيره تختلف عن رؤى الآخرين، وقد قبلت المعارضة السورية بهذا القرار وبأمثاله من قرارات مجلس الأمن، وباتت هذه القرارات سلاحها الوحيد للحفاظ على سوريا، وقد أصبحت القضية السورية اليوم أكبر بكثير من الصراع بين السلطة والمعارضة، فالفريقان منهكان متداعيان، وهما يريان الأرض تسحب من تحت أقدامهما، وأنهما باتا في فراغ.

فالسلطة السورية ممثلة في الحكومة تواجه ظروفاً حياتية للشعب لاتملك استجابة لها، وهي أكبر من طاقتها، وأخطر وأشد من طاقة الشعب على التحمل، كما أن المعارضة تواجه تمزقاً وشتاتاً هو نتاج ما حولها من صراعات دولية وإقليمية، ونتاج حالة التخلي الدولية عن معونتها للوصول إلى حل سياسي وهو دون أهدافها المعلنة ولكنه في إطار المتاح يمكن أن يحقق تسوية تضمن انتهاء الظلم، ويؤسس لبناء عقد اجتماعي جديد على أسس المواطنة، ويوفر ظروف عودة آمنة للمشردين والنازحين واللاجئين، لبناء سوريا الجديدة.القضية اليوم هي الخوف الخطير من اختفاء سوريا (الدولة) عبر تقاسم النفوذ الذي هو مجرد ستارة تخفي التقسيم الحاصل، ونداؤنا الصارخ للحفاظ على تراب سوريا ووحدة شعبها، وعلى حماية حدودها ومطالبتنا بخروج كل الجيوش والقوى الأجنبية من بلادنا، يتلاقى حوله كل السوريين (معارضة وموالاة ورماديين)، وهذا يستدعي عملاً وطنياً خالصاً، ينقذ سوريا من الانهيار، وعلى صعيد وطني أجد القرار بيد السوريين جميعاً قبل فوات الأوان للسمو فوق كل الاعتبارات، والارتقاء فوق الايديولوجيات والنعرات العرقية والاختلافات المذهبية، فإن فقدنا الوطن وفقدنا السيادة فستصبح هذه الصراعات المقيتة في فضاء إلكتروني نوعاً من الأوهام والأحقاد. والمسؤولية الكبرى تقع على عاتق الأطراف التي لم تنفذ إلى اليوم ما سمته القرارات الدولية حسن نوايا، وجعلته فوق التفاوض مثل الكف عن ملاحقة المعارضين، والتفريق بين المعارض السياسي وصاحب الرأي المختلف والرافض للحل العسكري، وبين الإرهابي الطارئ على مجتمعنا، والقادم من وراء الحدود لتدمير المجتمع السوري.

لابد من مؤتمر سوري وطني جامع برعاية عربية ودولية يتحمل مسؤولية إنقاذ سوريا وفقاً للقرارات الدولية، ولن تحل المشكلة بحوارات سفسطائية حول الدستور بين وفد تدعمه الحكومة دون أن يمثلها، وبين وفد معارضة متعارضة، ولن ينهي القضية إعلان دول شتى أنها لن تعترف بشرعية الانتخابات الرئاسية القادمة، حيث سيبقى الشعب السوري في المنافي والشتات، وستبقى سوريا في الطريق إلى مزيد من الانهيار، وتبقى السيادة السورية مستباحة. وأطالب روسيا بمراجعة عادلة لمواقفها، وبيدها نسبة كبيرة من القدرة على إيجاد حل، ولابد من كف يد القوى الطامعة عن العبث بمصير سوريا والأمة العربية، ونأمل بأن ينهض الموقف العربي بقوة لمنع اختفاء سوريا.

* نقلا عن "الاتحاد"

=========================

سوريا الفشل بعد الفشل

بشير البكر

سوريا تي في

الاحد 18/4/2021

لا يأتي تقرير الاستخبارات الأميركية (سي آي أيه) الأخير عن الشرق الأوسط بجديد عن سوريا، سوى أنه يؤكد على أن الدولة المفككة التي صار عليها هذا البلد تتناسل فشلا ينمو، ويكبر مع الوقت، لتصبح معه مسألة العودة إلى الوضع الطبيعي ضربا من المستحيل. وهذا أمر بات بديهية يدركها الجميع، وصدرت حولها تقارير محلية ودولية كثيرة شخّصت الشأن السوري بكل جوانبه، ولم تترك مجالا إلا درسته بالتفاصيل المملة. وفي كل مرة يصدر تقرير على مستوى عال من الأهمية، يتم الوقوف عند الأسباب والنتائج نفسها مع بعض الإضافات التي تمليها مصلحة الجهة التي عملت على التقرير. والأمر اللافت في التقرير الأميركي الاستخباري الذي نتحدث عنه هنا هو أنه أعطى اهتماما بالوضع السياسي، وأكد على الاتجاهات الحالية التي تتحكم بالوضع، ولخصها في عدة نقاط أهمها استمرار الصراع والأزمات الإنسانية والتدهور الاقتصادي خلال السنوات القليلة المقبلة. ورجح أن يمتنع نظام الأسد عن الدخول في مفاوضات سياسية جدية، في حين سيواصل اعتماده على دعم روسيا وإيران، وقال التقرير إن "رئيس النظام بشار الأسد سيعاني لاستعادة السيطرة على بقية الأراضي الخارجة عن سيطرته". أما بالنسبة للمناطق الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، فذكر التقرير أنها سوف تواجه ضغوطاً من النظام وروسيا ومن تركيا.

التقرير يميل إلى بقاء القوات الأميركية شمال شرق سوريا، والبديل عن ذلك أي في حال الانسحاب، "تزايد الضغوط مع تدهور الأوضاع الاقتصادية والإنسانية". ولكن التحديات التي ستواجه هذه القوات تتمثل في تهديدات من إيران والميليشيات الموالية لها ولنظام الأسد، من خلال شن هجمات عليها. وقدّر التقرير أن "التنظيمات الإرهابية" ستحاول شن هجمات على قوات التحالف من ملاذاتهم الآمنة في سوريا. ورغم أن التقرير أضاء على الجوانب التي جرت العادة للتركيز عليها، فإنه خرج بخلاصتين تستحقان التوقف أمامهما مطولا. الأولى هي، استمرار الصراع والأزمات الإنسانية والتدهور الاقتصادي في سوريا خلال السنوات القليلة المقبلة. والثانية هي، قد يؤدي تزايد القتال أو الانهيار الاقتصادي إلى موجة هجرة جديدة من البلاد. وهاتان الخلاصتان لا تشكلان مفاجأة لأحد، في وقت لا تعيران اهتماما بالأطروحات التي تسوقها بعض الأطراف حول إمكانية الذهاب في طريق حل المسألة السورية عن طريق المسارات المعتمدة، مثل اللجنة الدستورية وأستانا.

يركز التقرير في صورة أساسية على أن الدولة السورية باتت في حساب الماضي، وليس هناك أي إمكانية لاستعادتها

لا يتحدث التقرير عن فشل رهانات روسيا حول إمكانية حصول مرونة أميركية أوروبية من أجل إعادة الإعمار، وهي المسألة التي تؤرق موسكو أكثر من غيرها، بل يركز في صورة أساسية على أن الدولة السورية باتت في حساب الماضي، وليس هناك أي إمكانية لاستعادتها. وهذا الاستنتاج يؤكد على خلاصات انتهت إليها تقارير ودراسات حول إعادة الإعمار التي تحتاج إلى أرقام فلكية، بسبب حجم الدمار الذي عرفته سوريا، والخسائر التي لحقت باقتصادها، وتقدرها بعض الجهات الدولية المختصة بنحو 400 مليار دولار. والمفارقة التي نقف عندها في هذا التقرير هي ذاتها التي رافقت كل التقارير المتعلقة بالمسألة السورية منذ بداية الثورة في آذار/مارس 2011، ومفادها أن التقارير التي تصدر عن جهات رسمية أميركية وأوروبية لا يتم توظيفها من قبل المؤسسات الرسمية ـ وتبقى بين أصحاب الاختصاص مثل تلك التي تصدرها مراكز الأبحاث والدراسات لأغراض علمية. وما يثير الكثير من إشارات الاستفهام هو الموقف الروسي. وبعدما استثمرت روسيا عسكريا وسياسيا في النظام منذ أيلول/سبتمبر 2015، لا تبدو أنها تحت ضغط استعادة استثماراتها، وإلا لكانت اتبعت نهجا مختلفا يقوم على أمرين. الأول هو الحفاظ على الدولة السورية وعمل كل ما يمنع انهيارها. والثاني هو البحث عن صيغة حل سياسي، لا يكون فيه التمسك بالنظام هو الأساس.

=========================

الوطنية السورية في ذكرى الجلاء!

أكرم البني

الشرق الاوسط

السبت 17/4/2021

غداً، في 17 أبريل (نيسان)، تمر الذكرى الـ75 لجلاء آخر جندي فرنسي من الأرض السورية، وتدشين رحلة تبلور هويتها الوطنية المستقلة، لكن رغم قيمة هذه المناسبة التاريخية، فهي لم تعد اليوم موضع اهتمام وتقدير عند غالبية السوريين؛ حيث عاد الاحتلال لبلدهم من أطراف كثيرة، ولا يزال يكويهم منذ 10 سنوات عنف وقهر لم يشهد التاريخ الحديث له مثيلاً، ولم يفضِ فقط إلى مشهد مفزع من الدمار والضحايا والمعتقلين والمشردين، بل إلى تخريب البنية الوطنية، وإحداث انزياحات واسعة في منظومة القيم الجامعة وأسس العيش المشترك.

فأي روح وطنية تبقى عند سوريين منكوبين يتعرضون لقمع تمييزي ويرون بأعينهم، كيف لجأت السلطة الأنانية إلى أشنع وسائل الفتك والاستفزازات المذهبية لوأد تطلعاتهم المشروعة نحو الحرية والكرامة، واستسهلت حفاظاً على تسلطها وامتيازاتها الاستقواء بمن هبّ ودبّ، ما جعل البلد مسرحاً لتنازع النفوذ وعرضة للتقسيم الجغرافي ولأدوار عسكرية خارجية تتنافس على تطويع مكوناته واستثمار الصراع الدموي فيه لتحقيق مراميها؟! وأي قيمة تبقى للهوية السورية، حين تنجح أطراف الصراع في جرّه إلى الحقل الطائفي البغيض، وفرض الأفكار السياسية ذات الطابع الديني والشعارات الإسلاموية على حساب شعارات الحرية والمواطنة والكرامة، وبالتالي حين يندفع الصراع الدائر إلى صراع وجود، وتتنامى الاستقطابات الثأرية والإقصائية، ويتحول الشعب الواحد إلى فئات متنابذة وجبهات متناحرة؟!

لكن، كل ما سبق ما كان ليفضي إلى هذا الدرك من تفكك روابط السوريين وانحسار دوافع مفاخرتهم بالانتماء للوطن وتعريف أنفسهم به، لولا عوامل موضوعية، ولنقل، مياه كثيرة جرت خلال عقود ما بعد الجلاء، ساهمت إلى حد كبير في تسهيل هتك الوطنية السورية وتهشيمها.

أولاً، صحيح أن السوريين في ريعان تطور اجتماعهم الوطني قد أفشلوا مشروع الاستعمار الفرنسي بتقسيم بلادهم إلى 5 دويلات، وحافظوا عليها كياناً واحداً تحت الانتداب، وصولاً إلى الاستقلال، وحاولوا من خلال دولتهم الموحدة بلورة شخصية وطنية جامعة، متجاوزين اختلافاتهم حتى ما أظهروه من ميل وتعاطف قوميين وحنين إلى دولة عربية واحدة بعد اندفاعهم السريع لإقامة الوحدة مع مصر، لكن الصحيح أيضاً أن الدولة السورية هي دولة حديثة العهد، لم يُتَح لها الوقت والفرصة، والأهم سلطة وطنية، كي تكرس في المجتمع هوية قوية جامعة تستند إلى عقد ديمقراطي يعترف بخصوصية مختلف المكونات ويضمن حقوقها.

ثانياً، لم توظف السلطات المتعاقبة، وخاصة الاستبدادية منها، أي جهد لتنمية اللحمة الوطنية، بل على العكس لجأت إلى التفرقة وقهر المختلفين عنها، عرقياً ودينياً وسياسياً، وتقصدت، حفاظاً على تسلطها وامتيازاتها، تشويه الهوية الوطنية والانتكاس بالمجتمع إلى هويات تفكيكية ما قبل مدنية، متوسلة أساليب القمع والتمييز والروابط المتخلفة، الطائفية والعشائرية، ومكرسة مفاهيم مريضة جوهرها وضع إشارة مساواة بين الوطن والسلطة، ومنح الأخيرة الأولوية والأفضلية، حتى لو أدى ذلك إلى تدمير الوطن وخرابه، كما حصل في السنوات الأخيرة! ربطاً بإخضاع الدولة ومؤسساتها وتحويلها من سلطة عمومية إلى أداة لحماية الفئة الحاكمة وتمكينها، ناشرة الفساد والإفساد لتدمير خلايا التجدد والتشارك في المجتمع، زاد الطين بلة تقدم دور الجيش في الحياة السياسية؛ حيث لم تمضِ سنوات قليلة من يوم الجلاء حتى انتزعت قيادة الجيش دوراً رئيساً ومتفرداً في الحياة العامة، وفي تقرير مصير بلاد شهدت سلسلة من الانقلابات العسكرية، قبل أن تستقر بصورتها الاستبدادية الأخيرة، فيما عرف بالحركة التصحيحية عام 1970.

ثالثاً، الميل السائد والطاغي في حياتنا السياسية والثقافية هو الاتكاء على آيديولوجيا تريح النفوس وتخمل العقول، وأكثرها حضوراً آيديولوجيا وصائية لا تكترث بتنمية الوطنية السورية بل ترسم أهدافاً وأحلاماً أكبر من حدود الوطن وأبعد منالاً، انعكس ذلك بتوالد أحزاب لم يكن شغلها الشاغل تنمية الروابط الوطنية والهوية الجامعة، فكان الوطن عند القوميين من بعثيين وناصريين وغيرهم مجرد محطة طارئة نحو الأمة العربية الواحدة، وشكّل عند الشيوعيين عنواناً مؤقتاً للمفاخرة بانتمائهم الأممي الأقوى والأوسع، بينما بدا عند من يفتنه الإسلام السياسي ويقدس الرابطة الدينية مجرد نقطة عبور صوب مشروع الخلافة! كل ذلك حفر عميقاً في المجتمع السوري وباعد بين ثقافات طالما تعايشت وتسامح بعضها مع بعض، ليغدو أمراً مألوفاً ظهور استقطابات وتخندقات طائفية وعرقية وآيديولوجية تفرق بين المواطنين حسب المرجعية الفكرية أو المنبت القومي أو الديني أو المذهبي.

رابعاً، شيوع ثقافة ترى الانتماء الوطني مجرد شعارات وعواطف وأناشيد حماسية، وليس دولة مواطنة وروحاً إنسانية تستمد قوتها من شعور البشر بالعدل والمساواة، ومن ثقتهم بأن حقوقهم في وطنهم مصونة ولا يستطيع أحد أياً كان التعدي عليها، وبديهي أنه من دون هذه الحقوق لا يمكن حض المكونات التعددية للمجتمع السوري على تجاوز حساباتها الضيقة وجعل الانتماءات الطائفية والإثنية هي الأضعف أمام انتماء أقوى وأرقى هو الانتماء إلى الوطن.

والحال، إذ نعترف بأن الروح الوطنية وشعار الشعب السوري الواحد، اللذين ألهبا جموع المتظاهرين من مختلف قومياتهم وأديانهم وطوائفهم، لم يصمدا أمام فتك النظام وتعمده، بالتواطؤ مع القوى الإسلاموية وأصحاب النزعات القومية المتطرفة، تشويهَ الصراع ودفعه من بعده السياسي إلى أبعاد متخلفة طائفية وإثنية، ونعترف أيضاً بأن الهوية السورية تقف اليوم على مشارف منحدر خطير أمام حالة الخراب والتشظي، بعد أن فقد أبناؤها الثقة بها وبعضهم ببعض، لا بد أن نعترف بأن ذخيرة السوريين التاريخية في التسامح والتعايش، ووحدة معاناتهم المتفاقمة اليوم، أينما وجدوا، وشدة عذاباتهم، كما تشاركهم التوجس والخوف من حاضر مذرٍ لا يطاق ومن مستقبل غامض ومفتوح على الأسوأ، هي حوافز موضوعية لإعادة بناء الثقة بالوطنية السورية، لكنها لن تثمر إن لم تجد نخبة سياسية وثقافية تدرك أن طرق الخلاص من مزدوجة الاستبداد والاحتلال لا تزال جمعياً ووطنياً، ولا تتأخر عن الارتقاء بمسؤوليتها لبلورة رؤية إنسانية وحضارية لمفهوم الوطنية، تنأى عن بساطة الانتماء الجغرافي وتتألق بقيم الحرية والعدالة، بما يؤسس لوطنية سورية جاذبة وراسخة تستند لعقد اجتماعي، يمنح دولة المواطنة والديمقراطية دورها العمومي في إدارة البلاد وضمان أمنها وإعادة إعمارها.

=========================

تضارب المصالح بين موسكو وطهران في سورية

عمار ديوب

العربي الجديد

السبت 17/4/2021

دولتان، إحداهما إقليمية، إيران، وأخرى عالمية، روسيا، تقتسمان المناطق الواقعة تحت سيطرة النظام، وهما اللتان منعتا سقوطه، وتوسعتا في أرض المعارضة، فصارت "للنظام" أغلبية سورية. مناطق الدولتين جزء من المشهد السوري. وهناك تركيا وأميركا. ولتكتمل المأساة، هناك المناطق التي تحتلها إسرائيل. إذاً، سورية بأكملها محتلة. على الرغم من ذلك، هناك عقوبات مشدّدة على النظام، وضد حُماته، روسيا وإيران. تمنع العقوبات موسكو من التمتع بالاستثمارات التي عقدتها مع النظام. وكل الدول المتدخلة في الشأن السوري تعزّز مناطق نفوذها، وإذا كانت تركيا تؤمن احتياجات المناطق الواقعة تحت سيطرتها، وأميركا وإسرائيل تفعلان ذلك، فإن روسيا وإيران تعاقَبان كما النظام، وحالة مناطق الأخير هي الأسوأ. وقد بدأت الحالة تُقلِق روسيا التي فعلت المستحيل لإعادة تعويمه قبل 2015 وبعده، والآن. الاشتراطات الأميركية والأوروبية واضحة إزاء روسيا. فعلى روسيا تهميش الوجود الإيراني في سورية، وبعدها يمكن إجراء تسوياتٍ معها، كالخطوة خطوة أو تسوية معينة ترضى موسكو. ويتضمن ذلك بقاء النظام الحالي فترة، ومن ثم إجراء إصلاحات فيه تؤدّي إلى انتقاله نحو نظامٍ جديد، يفتح الأفق نحو الدمقرطة، وتمكين السوريين من حكم أنفسهم.

بدت مؤشرات جديدة على خلافاتٍ عميقة بين روسيا وإيران وحزب الله، وتجلّت عبر عدم وجود إيران في منصة الدوحة، واستدعاء وفدٍ من حزب الله إلى موسكو، وتسريباتٍ تؤكّد ضرورة دمج الفرقة الرابعة بالحرس الجمهوري، أي التخفيف من سطوة ماهر الأسد في الجيش والسلطة، والطلب من حزب الله إعادة الصواريخ الدقيقة إلى إيران، والانسحاب من سورية، وطلبات أخرى في السياق ذاته، سياق التخفيف من الوجود الإيراني، وهذا مطلب إسرائيلي أميركي، ولكنه حاجة روسيا لتتفرد باستثماراتها وتتمركز في سورية، وهذا غير قابل للتحقق مع الوجود الإيراني الكبير، والفاعل في السلطة السورية، الذي يرى نفسه الحامي الحقيقي للنظام، والمانع سقوطه، وهناك فئات في السلطة تابعة تبعة كاملة لإيران. هنا يصبح الخلاف كبيراً؛ فروسيا تعتبر نفسها منقذة النظام، وتتخوّف من تفكّك أركان الدولة، بينما إيران تعتبر أنها من استدعت روسيا، وأغرتها بالاستثمارات المستقبلية، بشرط أن تظل هي المهيمنة على النظام السياسي، وهذا غير ممكنٍ في عرف الدول العظمى، وبالتالي يُشطَب.

منطق الدول العظمى إضفاء الهيمنة الكاملة على الدولة المحتلَّة، أو إشراك دول أخرى، لغاياتٍ محدّدة، ولأسباب معينة. الأخيرات يجري التراجع عنها، حينما تزال عقباتٌ كانت تمنع تلك الهيمنة، فكيف وتركيا وأميركا وإسرائيل مجمعاتٌ على ضرورة تهميش الوجود الإيراني. عدا ذلك، هناك إشكالية متصاعدة، تتعلق بإمكانية "تفكّك الدولة السورية"، كما نُقِل عن لافروف. وبالتالي، لا يمكن روسيا المخاطرة بما فعلته منذ 2011 في سورية، وهذا يقتضي تحقيق الشروط الإسرائيلية والأميركية والأوروبية، والمتعلقة بتخفيف الوجود الإيراني، لتُسلَّم سورية لروسيا.

الأزمة الاقتصادية الاجتماعية العميقة في النظام السوري، وبوادر شعبية للاحتجاج ضده، ينذران روسيا بالتحرّك نحو مداخل جديدة لاستمرار احتلالها وضمان مصالحها المستقبلية. إيران تعي التحليل أعلاه، وتعلم أنها مرفوضةٌ من دولٍ كثيرة، ومن أكثرية الشعب السوري، ولكنها أيضاً لن تغادر سورية سريعاً كما فعل النظام بمغادرة لبنان بليلة وضحاها عام 2005. عدم مغادرة إيران يستدعي تفاوضاً جديداً بينها وبين روسيا، ومماحكات على الأرض السورية، وربما تصفيات معينة في قلب السلطة ذاتها. لا تريد إيران الاقتراب من هذه اللعبة، فهي ستفتح على جولات وجولات، وكذلك لا تريدها روسيا. إيران معنيةٌ بالتخفيف من وجودها في سورية، ولم يعد ممكناً الاختفاء ضمن تشكيلات الجيش السوري أو ألاعيب أخرى؛ فالفرقة الرابعة قد تُدمج بالحرس الجمهوري أو تُفكك، وهي رسالة روسيّة إلى إيران.

قدرة روسيا على منع تفكّك الدولة السورية، مرتبطة بتنفيذ حلٍّ سياسيٍّ يبدأ من قرار مجلس الأمن 2254، وإعادة الشعب المهجّر إلى بلاده وأملاكه

مشكلة إيران أن استمرار وجودها الفاعل في لبنان مرتبطٌ بسورية، وهناك سردية قدمتها للشعب الإيراني عن سبب وجودها في سورية، والتخفيف "وربما الخروج العسكري" سيكون بداية الانحسار الإقليمي لها. مشكلتها أنّها تلعب بمنطقةٍ أصبحت تتحرّك فيها الدول الأقوى عالمياً، كروسيا وأميركا وخلفها أوروبا، وهناك الصين، وهناك حظ إيران السيّئ بسبب عدائها الشديد مع إسرائيل. الخلاف بين روسيا وإيران ليس جديداً، والمماحكات ليست جديدة، لكنها وصلت إلى لحظةٍ حرجة لروسيا ولمستقبل وجودها في سورية، وهذا يستدعي سياسةً جديدةً روسية، مفتاحها التخفيف من الوجود الإيراني في سورية، وإجبار النظام على تقديم تنازلاتٍ حقيقيةٍ للمعارضة، وقد تنتهي بالتخلي عنه تدريجاً. النظام وإيران يعيان أنهما غير قادرين على الحفاظ على السلطة في سورية، إذا هَددت روسيا بانسحابها، وبالتالي ليس في حوزتهما إلا الخضوع للروس، إن قرّروا إجراء تسوية مع الأطراف الدولية. ليس سهلاً تحليل اللحظة الراهنة في سورية، وأية خيارات ستَشق طريقها نحو المستقبل، وتكون منسجمةً مع حركة التاريخ وضمان مصالح لروسيا، وهذا غير ممكن من دون ضمان مصالح الشعب السوري.

مدخل روسيا إلى الطلب الجاد من الأميركان وتركيا وإسرائيل مغادرة سورية يفترض إخراج إيران ومليشياتها؛ وقدرة روسيا على منع تفكّك الدولة السورية، مرتبطة بتنفيذ حلٍّ سياسيٍّ يبدأ من قرار مجلس الأمن 2254، وإعادة الشعب المهجّر إلى بلاده وأملاكه، وحينها يمكن أن تبدأ أميركا وأوروبا بالمساهمة في النقاشات عن إعادة الإعمار، كما أكدت ذلك أوروبا في مؤتمر المانحين في بروكسل أخيراً.

يبدو أن روسيا صارت تفكر في هذا المدخل جدّياً، وليس واضحاً كيف سيتصاعد الخلاف بينها وبين إيران، وكيف سيستجيب قادة النظام للشروط الروسية، ولا سيما أن سياسات القادة تكاد تهدّد بقاء أركان الدولة السورية.

=========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com