العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 24-12-2017


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

الآثار الاجتماعية للاعتقال السياسي في سورية .. علي العبدالله

العربي الجديد

الخميس 21/12/2017

لم يأخذ الاعتقال السياسي في سورية شكلا واحداً، أو يطاول أشخاصاً "مذنبين" فقط، ذلك لأن حالة الطوارئ والأحكام العرفية التي فرضت بشكل متواصلٍ عقودا، والمادة 16 من المرسوم التشريعي رقم 14 الصادر في 15/1/1969، الذي أنشأ إدارة المخابرات العامة، ونصها: "لا يجوز ملاحقة أي من العاملين في الإدارة عن الجرائم التي يرتكبونها أثناء تنفيذ المهمات الموكولة إليهم، أو في معرض قيامهم بها، إلا بموجب أمر ملاحقة يصدر عن المدير" (مدير إدارة المخابرات العامة)، أطلقت هذه المادة يد أجهزة المخابرات، خصوصا بعد مواجهات ثمانينات القرن الماضي بين السلطة وجماعة الإخوان المسلمين، واعتماد السلطة، بعد انتصارها في هذه المواجهة، سياسة أمنية صرفة، على خلفية اعتبار السياسة أمنا، في مواجهة كل أشكال الحراك الوطني، السياسي والاجتماعي، ومنحتها حرية التصرّف مع المواطنين، من دون قيد أو رقيب أو حسيب، لذا طالوت الاعتقالات السياسية ليس أشخاص المطلوبين فحسب، بل وذويهم وأقاربهم أيضا، إذ كثيرا ما اعتقل الأب أو الأم أو الأخ أو الأخت، أو جميع أفراد الأسرة، للضغط، نفسيا واجتماعيا، على مطلوبٍ هاربٍ أو موجودٍ خارج البلاد، أو لترويع المجتمع، أو للسببين معا. ناهيك عن حرمان دائرة المعتقل الأسرية من فرص العمل في مؤسسات الدولة وإداراتها، لأن التوظيف يتطلب موافقة هذه الأجهزة التي ترفض توظيف شخصٍ له أقارب معتقلون أو فارّون، ما لم يكن على علاقة جيدة مع السلطة، عضوا في الحزب (البعث) الحاكم، أو مخبرا لدى أحد فروع هذه الأجهزة، أو مستعدا لدفع ثمن الموافقة مبالغ طائلة، وتعرّضها (دائرة المعتقل الأسرية) لمساءلة ومضايقة، حتى الأصدقاء والجيران لم يسلموا من المساءلة والمضايقة والاعتقال التعسفي لاستكمال التحقيق، أو للابتزاز النفسي والمالي.

"ظهور شروخ أسرية واجتماعية في الوسط العائلي أو المحيط الاجتماعي أول نتائج عملية الاعتقال السياسي"

يمكن متابعة الآثار الاجتماعية للاعتقال السياسي، بدءا من الدائرة الضيقة للمعتقل، والانتقال بها إلى محيط أوسع، أول حلقاتها سحب المعتقل من شبكة علاقاته الاجتماعية (الأسرية والمحلية والمدرسية والوظيفية) فإن كان ابنا/ ابنة، زوجا/ زوجة، أبا/ أما، أوجد فراغا في مساحة اجتماعية تضم الأب/ الأم، الأخ/ الأخت، العم/ العمة، الخال/ الخالة، الجار/ الجارة، الصديق/ الصديقة، الزميل/ الزميلة... إلخ، وأحدث إرباكا معنويا ونفسيا في دائرةٍ واسعةٍ، تشمل الأهل والأقارب والأصدقاء وزملاء الدراسة والعمل، إرباكا يبلغ حد الرعب، خصوصا في ذروة حملة الاعتقالات التي شهدتها سورية في ثمانينات القرن الماضي، والتي طالت مئات الآلاف من المواطنين اعتقلوا لأسباب غير قانونية في الغالب: قرابة مع معتقل أو مطلوب فارّ، أو جار، صديق، زميل عمل على خلفية "عرف ولم يبلغ"، حيث كانت العلاقة مع معتقل، مهما كانت قريبة أو بعيدة تقود إلى المساءلة والاعتقال في أحيانٍ كثيرة. أما إذا كان المعتقل ابنا/ ابنة (غير متزوج)، فإن الصدمة المباشرة تقع على الوالدين اللذين يدخلان في دوامة مزلزلة، خصوصا أن معرفة سبب الاعتقال أو مكانه، أو زيارة المعتقل، أو الاطمئنان عليه، ممنوعة أو مستحيلة، تصبح ممكنةً بدفع مبالغ طائلة، هذا إذا لم يقد اعتقال الابن/ الابنة إلى اعتقال الوالدين أو أحدهما، أو إهانتهما وتعريضهما لتجارب قاسية: ترهيب، ابتزاز، خصوصا الأم التي ينزل عليها اعتقال الولد/ البنت ثقيلا، ثقل موت أحدهما عليها.

أما إذا كان المعتقل متزوجاً، وله أطفال صغار، فإن تأثير الاعتقال يطال أشخاصاً أكثر، خصوصا الزوجة التي ستفتقد الزوج والصديق والمعيل والمعين، سيما الزوجة ربة المنزل التي ستواجه موقفاً جديداً في حياتها يلزمها بتصرّف محدّد في حال كان والدا الزوج، أو والداها، غير قادريْن على مساعدتها مادياً: السعي على أطفالها، فتخرج للعمل، غالباً ما يكون عملها، بسبب عدم التخصّص والخبرة، وضيعا، عملا في المنازل أو في المعامل التي لا تحتاج إلى خبرات، حيث الدوام الطويل والأجر القليل، ناهيك ما تتعرّض له من مصاعب وإهانات، وكثرة القيل والقال من محيطها، من أهل الزوج، إذا كانوا ليسوا على وفاقٍ معها، حيث كثيرا ما حمّلوها مسؤولية الاعتقال نفسه، وشكّكوا بسلوكها بعد الاعتقال، هذا مع ما تتعرّض له من مضايقاتٍ من أجهزة المخابرات (استدعاءات، تطاول، إرهاق جسدي وضغط نفسي لكثرة الاستدعاءات والمراجعات... إلخ) أو من عناصر من هذه الأجهزة، من أجل الابتزاز المالي الجنسي. أما إذا اعتقلت الزوجة مع الزوج، وهي حالات حصلت كثيرا، فإن الصاعقة تقع على الجدّين، إن وجدا، وتحرم الأطفال من حضور الوالدين في حياتهم.

يبدأ الأثر الاجتماعي بالظهور في الدائرة الضيقة لأسرة المعتقل، بدءا بحالة القلق والرعب التي يعيشها والداه، إن كان أعزب/ عزباء، ووالداه وزوجه، إن كان متزوجاً لم ينجب بعد، ووالداه وزوجه وأولاده، إن كان له أولاد، وخصوصا الأولاد الذين سيحرمون من الأب أو الأم أو كليهما، وحرمانهم من حياةٍ أسرية طبيعية، وهذا سيورثهم مشكلاتٍ نفسية، بسبب حاجة الأطفال إلى وجود الأب والأم في حياتهم، كون الأب قدوة الولد والأم قدوة البنت، ما يجعل نموهم النفسي مشوبا بعُقد، تزيد وتنقص حسب العمر الذي كانوا عليه عند مواجهتهم تجربة اعتقال الأب أو الأم أو الأب والأم معا، وطولها ونتائجها المباشرة وغير المباشرة. وهذا سينعكس على تعليمهم، وعلى مستقبلهم بالتالي، ناهيك عن الحرمان المادّي نتيجة افتقاد المعيل الذي سيقود إلى تبديل في دورة حياة الأسرة من حياة عادية (تعليم، تخرّج، دخول سوق العمل) إلى "ولوج سوق العمل مبكرا من دون شهادات أو خبرات مهنية مناسبة"، تزيد سلبية المحيط العائلي

"زادت الآثار الاجتماعية السلبية للاعتقال السياسي كما ونوعا، بعد اعتماد النظام خيار القتل والتدمير، ردا على الثورة الشعبية" الواسع، أو الأسرة الممتدة، الوضع مأساوية، حيث كثيرا ما هزت التجربة أقارب الأسرة المباشرين (الإخوة، الأخوات، الأعمام، الأخوال، العمات والخالات ...إلخ )، لأن اعتقال قريبٍ لهم قد وضعهم في دائرة الخطر، وتحت سيف المراجعة والمساءلة والابتزاز والاعتقال التعسفي، فتبدأ، في حالات كثيرة، بقطع روابطها الشعورية والنفسية مع أسرة المعتقل، وفي حالات مقاطعتها اجتماعيا، ما يحاصر هذه الأسرة، خصوصاً الأطفال، شعورياً حيث يحسّون أنهم مرفوضون في محيطهم الأسري الممتد، وهذا يجعل حدود حياتهم اليومية وعلاقاتهم الاجتماعية ضيقةً ومحدودةً وعاجزة عن إشباع احتياجاتهم النفسية والاجتماعية، وتفريغ طاقات الأولاد، فيفرغونها بين بعضهم بالخلافات السخيفة، أو بالعنف المتبادل. فالخوف من المساءلة أو الاعتقال التعسفي يفرض على أشخاص كثيرين، وعلى أسر كثيرة، تحاشي "مواطن الشبهات"، ليس بسبب كراهية دفينة لشخص القريب أو الصديق أو الجار، أو زميل الدراسة والعمل، المعتقل أو أسرته وأولاده، بل بسبب خوف داهم اقتحم عليهم حياتهم الرتيبة في عالمٍ يتسم بضعف الوعي والهشاشة النفسية والسيولة الوجدانية والأخلاقية. لذا تشيع في هذه الأوساط الهشّة أسئلة تتكرّر: لماذا فعل ذلك؟ لماذا ورّط نفسه وورّطنا؟... إلخ. كل هذا قبل مواجهة رد الفعل في المحيط الاجتماعي الأوسع (الأقارب البعيدون، الجيران، زملاء الدراسة، زملاء العمل.. إلخ)، والتوتر والإرباك الذي تشهده العلاقة في مثل هذه الحالة، فالسلوك العام الذي ساد في المجتمع السوري عقودا، خصوصا بعد ثمانينيات القرن الماضي، مال إلى تجنب المشكلات والابتعاد عمّا يثير ريب السلطة وأجهزة مخابراتها، ما جعل رد الفعل العلني إدانة المعتقل، حتى قبل معرفة سبب الاعتقال، "خرجو الله لا يقيموا"، "عامل مناضل حضرتو"، عبارات قيلت تعليقا على حالات اعتقال ومعتقلين، وابتعاد أقارب وأصدقاء وجيران وزملاء المعتقل عن أسرته وذويه والأصدقاء المشتركين: تجاهل، مقاطعة، تنقير من الصديق أو الجار أو زميل الدراسة أو العمل، إن كان مواليا شكليا للنظام، وانتقاد وتوبيخ وإيذاء، إن كان الصديق أو الجار أو زميل الدراسة والعمل مواليا متحمسا، أو عقائديا، كل هذا من أجل تجنب الشبهة والمساءلة، ما يفرض على أسرة المعتقل وذويه انعزالا قسريا وتقوقعا لتجنب مشكلات إضافية، لا داعي لها.

قلة من الأهل، الأقارب، الأصدقاء، الجيران وزملاء الدراسة والعمل، واجهت الموقف بشجاعة استثنائية: مواجهة أجهزة المخابرات بحقائق دستورية أو قانونية تربط المسؤولية بالفعل والعقوبة بها والتمسّك بالروابط الأسرية والاجتماعية، في حين انكفأت الأغلبية، بسبب سيادة ثقافة الخوف التي عمّمها القهر والاضطهاد، على ذاتها تجتر مراراتها ووساوسها حول ما يمكن أن تتعرّض له بسبب هذا القريب، الصديق، الجار الزميل ...إلخ. لقد زوّدتنا التجربة المعاشة، خصوصا بعد التجربة القاسية التي عاشتها سورية في فترة ما بعد ثمانينات القرن الماضي، بأنباء عن أسر أعلنت البراءة من أبنائها الذين شاركوا في نشاطاتٍ سياسيةٍ أو نضاليةٍ، وتعرّضوا للاعتقال أو الفرار، خشية تعرّضها للمساءلة أو العقاب.

ظهور شروخ أسرية واجتماعية في الوسط العائلي أو المحيط الاجتماعي أول نتائج عملية الاعتقال السياسي، حيث يميل الناس إلى التخلص من مخاطر داهمة أو محتملة، مهما كان حجمها أو أثرها، لأن ثقافة الخوف التي سادت سورية، بعد المجابهة الدامية في ثمانينات القرن الماضي، التي دمرت وحطمت مجتمعات أهلية بكاملها، كرّست السعي إلى الخلاص الفردي

"أسر أعلنت البراءة من أبنائها الذين شاركوا في نشاطاتٍ سياسيةٍ أو نضاليةٍ، وتعرّضوا للاعتقال أو الفرار" والسلامة الأسرية، واتقاء شر الشبهة والمساءلة والتحقيق والاعتقال التعسفي. فقد ترتب على حالات الاعتقال السياسي، بأشكالها المتنوعة ومستوياتها المتعدّدة، خصوصا حالات العقاب الجماعي، حيث تعتقل أسرة بأكملها، تكريس لثقافة الخوف وسيادة السلوك الاغترابي بين المواطنين، وهذا قاد إلى ابتعاد السواد الأعظم من المجتمع السوري عن الاهتمام بالشأن العام، من 1980 إلى انطلاق ثورة الحرية والكرامة عام 2011، هجره وسلّم بالوضع السائد واستسلم للشروط السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي فرضتها السلطة القهرية، وانتقل إلى سلوك سلبي صرف، على الرغم من إحساسه العميق أنه بهذا السلوك يلحق الضرر بحياته الاجتماعية والاقتصادية، فقد تكيّف مع مختلف المظالم، لعله ينال سلامة شخصية وأسرية، وتقمص سلوك الخائفين بتجلياته المتعددة: الازدواجية (يظهر غير ما يبطن، يعلن غير ما يسر)، الكذب، التزلف، الوصولية، النفاق، العزلة، اللامبالاة.

وقد زادت الآثار الاجتماعية السلبية للاعتقال السياسي كما ونوعا، بعد اعتماد النظام خيار القتل والتدمير، ردا على الثورة الشعبية التي انفجرت في وجهه عام 2011 مطالبة بالحرية والكرامة، وإنهاء عقود من الظلم والقهر والتمييز، حيث غدا الاعتقال صنو الموت، فالداخل في أقبية المخابرات مفقود، والخارج منها مولود، وبات رد الفعل الأولي لدى ذوي المعتقل أنهم فقدوه وإلى الأبد. وقد تأكّد هذا الاستنتاج، بعد أن انتشرت صور وفيديوهات وروايات مرعبة عن صنوف التعذيب والقتل بدم بارد، والموت البطيء، مرضا أو جوعا، كانت مجموعة الـ 55 ألف صورة لجثامين شهداء التعذيب الـ 11 ألفا الذين تمت تصفيتهم في أقبية المخابرات التي سرّبها مصوّر في الشرطة العسكرية التابعة للنظام، وقد سمّى نفسه، لاعتباراتٍ أمنية، قيصر، بأجسادهم النحيلة والمشوهة وآثار التعذيب الظاهرة والأرقام التي تحملها قرينة أولية أو عينة على ما يمكن أن يحصل في أقبية أجهزة مخابرات النظام، وذروة مأساة ذوي المعتقلين شكلت رد فعلهم، وحدّدت المستقبل الذي ينتظرهم، ويستدعي استجابة قائمة على مواجهة الواقع، من دون انتظار نجاة ذويهم وعودتهم أحياء. هذا من دون أن ننسى المعاناة الخاصة التي تتعرّض لها المعتقلات على خلفية شيوع ممارسة الاغتصاب خلال فترة التحقيق والاعتقال، كآلية لتحطيم المعتقلات وذويهن، وبث الرعب في المجتمع، وما يترتب عليه من رضوض نفسية للمعتقلات، بسبب تعرّضهن للاغتصاب، اغتصاب لمرات، ومن أكثر من عنصر، مصحوبا بالعنف والإهانة والإذلال، ومعاناة اجتماعية عند إطلاق سراحهن، إن حصل، في مجتمعاتهن الضيقة التي ترفع قيمة البكارة عاليا، وتلوم، على خلفية الثقافة الذكورية السائدة، الضحية، ولا تدين الجلاد، بحيث تبقى، تحت ثقل نظراتهم وتلميحاتهم وتقوّلاتهم، هذا إن لم تواجه بقسوة وعنف، وقصة الشابة علوة التي قتلها ذووها على خلفية تعرّضها للاغتصاب في المعتقل عينة نموذجية لهذا الموقف البائس، ما دفع كثيراتٍ منهن إلى الانطواء والعزلة، أو الهروب بعيدا عن مجتمعهن الضيق، كي تتوازن نفسياً، وتتخفف من الطوق الاجتماعي الخانق.

========================

موقفنا : في الحديث عن علماء الإسلام ..الحديث عن النور أولى .. تعليقا على حلقة همام الحوت ... زهير سالم

22 / 12 / 2017

مركز الشرق العربي

سجلت ملاحظات عابرة على حلقة الفنان المبدع همام الحوت ، التي حاول فيها فضح علماء السوء ، وطرائقهم وأساليبهم ، ومداخلهم ومخارجهم ، وقلت الكلام فيه خلط وخبط وحبط ، ..

وسئلت من قبل بعض المعلقين أين وقع هذا حيث أن الرجل أكد أنه إنما يتحدث عن علماء السوء فقط واحتاط محسنا ، قبل أن يدخل في كل ما مثله وأداه من فضح أساليب بعض المنافقين .

ومن غير الدخول في التفاصيل أقول : في أي كفة يقع التقويم العام لهذه الجهد الفني ، أفي كفة المستبد بشار الإسلام الذي ظل جهده وأبيه من قبله تشويه صورة الإسلام ، وتحطيم صورة المسلمين وعلمائهم ، أم في كفة الثورة التي يحتاج ثوارها إلى من يشد عزائمهم ، ويستثير حميتهم ..؟! هذا هو التقويم

أتذكر في سياق التقويم العام لجهد الفنان همام الحوت رسالة صغيرة لأخينا المرحوم حسني الشيخ عثمان رحمه الله ، ربما كتبها منذ عشرين سنة عنوانها ( المشايخ والاستعمار ) تستحق القراءة لمن يجدها أو يلتمسها . مدارها على أن تشويه صورة علماء الإسلام هو مطلب استعماري قديم منذ دخل بونابرت مصر ، ووقفت في وجهه ووجه مشروعه قلعة الأزهر العظيم .

إن تشويه صورة الإسلام عقائده وشعائره وشرائعه مطلب وغاية ومنهج ، يعمل عليها أعداء الإسلام منذ أكثر من قرن . ولا أرى، مهما تكن نياتنا، أن ننخرط في هذا المشروع ، ونكون جزء منه ، وبعضا من جنوده ، في وقت أحوج ما نكون فيه إلى تقديم الأسوة والقدوة والأنموذج الصالح .

تذكروا صورة ( المأذون ) المعمم في السينما المصرية منذ ثلاثينات القرن الماضي إلى فيلم الإرهاب الكباب ، إلى صورة الموظف الذي يذهب ليصلي بوضوئه وقباقبه ، فيضيع أوقات المراجعين . المسلم المسخرة الذي يظل في الصورة المنفرة في الفيلم وفي المسلسل كنوع من الكيد الخفي الذي يجب أن يتنبه له الحكماء والعقلاء والمصلحون.

أعود إلى حلقة الفنان همام الحوت ، لأقول إن المشهد السوري اليوم بكل ما فيه من دم وألم وشتات يحتاج إلى التركيز على الدور الإيجابي لعلماء الشام ، دور البطولة الحقيقية لهؤلاء العلماء ، منذ أن سطر الشيخ سعيد الحلبي مقولته السائرة في وجه الطاغية إبراهيم باشا ( إن الذي يمد رجله لا يمد يده ) .

كانت إشارة الفنان البارع همام الحوت إلى شخصية الشيخ الداعية حسن حبنكة عابرة سريعة ، ولكن كم في سورية من عالم قدوة ثبت بطل تحمّل وأدى وقام بحق الله عليه..؟! كم خرّجت المدارس الشرعية التي لمز من قناتها همام الحوت الخسروية والكلتاوية والشعبانية والغراء وكلية الشريعة السورية من علماء أثبات ، قاموا بأمر الله ، وأدوا الأمانة بلاغا وتعليما وتثبيتا وحفاظا ...؟!

وإذا كان التلفزيون السوري يظل يعرض علينا صور المعميين الضالين ، أو المستضعفين ، وهؤلاء المعممون هم شريحة من أبناء المجتمع ، فيهم من يحكمه خوفه ، وفيهم من تحكمه ضروراته ، وهذا ليس اعتذارا عنهم ، فلماذا ننضم نحن إلى التلفزيون السوري بعرض الصور المقيتة السلبية نفسها وكأننا نضرب معه على وتر واحد ؟!

لماذا لا نخالف المنهج الأسدي في التركيز على الصور السلبية ، فنعرض الصور الجميلة الألقة للعلماء الأثبات الذين ظلوا طوال قرن يحمون في سورية العقيدة والشريعة ويذودون عن المستضعفين من الناس ؟!

هل يعلم الفنان همام الحوت عدد طلاب العلم الشرعي - العلماء - الذين استشهدوا في هذه الثورة المباركة ، وطمس تلفزيون بشار الأسد على أشخاصهم وصورهم وأسمائهم ، وطمست المعارضة التي تمكن من الفضائيات على بطولاتهم وأدوارهم وأسمائهم ؟!ألم يكن المنتظر من الفنان همام الحوت أن ينصفهم ، وأن يرفعهم مثالا طيبا لكل السوريين .

هل يعلم الفنان همام الحوت عدد طلاب العلم الشرعي وحملته الذين تم اعتقالهم ، وتعذيبهم ، وتصفيتهم وأخفى تلفزيون بشار الأسد آثارهم ؟! أو لم يكن الأولى بفنان بارع محترم أن يقدم للجمهور صورة هؤلاء ، ليتميزوا عمن يعرض بشار الأسد صورهم صباح مساء ، وبضدها تتميز الأشياء ..

هل يعلم الفنان همام الحوت عدد العلماء وطلاب العلم الشرعي الذين هُجروا وصودروا وحرموا من أبسط الحقوق المدنية والوطنية ؟! ثم ها نحن نشارك في لعبة الطمس والغمط والتغييب .

إن المشهد السوري بكل ما يحف به من بلبلة وتباين وضعف وظلمة ويأس كان بحاجة إلى جهد متألق منير ، كجهد الفنان همام الحوت ، يقدم للناس القدوة والأسوة من تاريخ سورية القديم والحديث ، تضع صورة علماء الشام الأبرار الأبطال في إطارها التاريخي الموضوعي . وتبرز للناشئة مكانة العالم الحق في بيان الحق ، وفضح الباطل ، والارتقاء بالوعي ، وتقديم المشروع الإسلامي الحضاري الوطني ، والدفاع عنه ، ودورهم في مقارعة الباطل من مستعمر ومستبد وفاسد وفي نصرة المستضعفين والمظلومين ..

أنا من جيل ، كانت كرته حين يلعب الكرة ، من ثوب مكور في جراب ، ولعبته حين يلعب من قماش محشو بقطن . وأقول لكل الذين يحاولون أن ينفخوا الروح في معارضة من خيطان ، انفخوا واستعينوا بمن ينفخ ، فما كان للخيط أن يصبح رجلا لا في ليل ولا في نهار ..

مع التحية والحب والاحترام لكل السوريين المخلصين الصادقين ..

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

===============================

هذه السنوات السبع .. سلامة كيلة

العربي الجديد

الخميس 21/12/2017

حريق حدث في جسد عامل في 17 كانون الأول/ ديسمبر أطلق حلماً جميلاً امتدّ في البلدان العربية، ولمس شعوب العالم. وأنهض آمالاً كان يبدو أنها انتهت منذ عقود "مداسة تحت أقدام" النهب الإمبريالي وسطوة النظم. وكسّر نمطيةً كانت تعمّم في الخطاب الإمبريالي، جوهرها اتسام المنطقة بالركود والتخلف وسيادة الأصولية الإسلامية والإرهاب، ومعاداة الديمقراطية.

لكننا الآن بعد سبع سنوات نغرق في الألم واليأس والشعور العميق بالفشل، فالوضع في تونس (وهو الأفضل) يراوح مكانه في تنازعٍ صامت، ومكبوت شعبي نتيجة تعمّق كل السمات التي صنعت الثورة: البطالة والفقر والتهميش. وفي مصر، باتت السطوة الشمولية أسوأ كثيراً، والانسحاق الشعبي توسّع كثيراً، والأمور تسير نحو الأسوأ على هذا الصعيد. واليمن يغرق في حرب أهلية وتدخل خليجي وحشي، وبات هذا التدخل هو المقرّر فيها. وليبيا مفكّكة بين "قبائل" وأحزاب، ومجموعات تتبع "الخارج"، وتعيش حرباً أهلية تخفت وتصعد. وطبعاً سورية باتت موقع صراع قوى متناقضة ضد الشعب، وتدخلات إمبريالية وإقليمية باتت تتحكّم في مسار الصراع، بعد أن جرى تدمير جزء كبير منها، وقتل مئات الآلاف وتشريد الملايين. والعراق الذي حاول أن يطوّر احتجاجاته أُغرق في دموية السلطة، ومن ثم "داعش" والتدخل الإمبريالي الأميركي.

هل من أسوأ من ذلك كله؟ من كان يتخيّل أن يقود اشتعال جسد شاب إلى ذلك كله؟

لنعُد إلى البداية، في 17 ديسمبر/ كانون الأول بدأ تحرّك شعبي دفاعاً عن الشاب محمد البوعزيزي الذي كان قد حرق جسده، توسّع بانسياب من سيدي بوزيد إلى تونس كلها، ليتمركز حول وزارة الداخلية مركز القمع الوحشي. حدثت ثورة، ثورة كبيرة، فرضت ليس رحيل بن علي فقط، بل "فتحت باب جهنّم"، حيث امتدت إلى البلدان العربية، سواء ثوراتٍ أو حراكاً شعبياً، لكأن هذا الوطن كان محتقناً، إلى حدّ أنه يحتاج فقط إلى شعلة. كان الحراك سلمياً واسعاً، وشبابياً بشكل كبير، وذا شعاراتٍ واضحةٍ تتعلق بالخبز (العيش) والحرية والعدالة الاجتماعية، بالحق في العمل والأجر المناسب والديمقراطية. وهي شعارات طبقات اجتماعية، لكل منها مصالحه، تلخصت في هذا الجامع، المعبّر والذي يظهر غير ما يعمّم في الخطاب الإمبريالي. إنها ثورات طبقية، وليست تمرّدات "إسلامية"، وتدعو إلى الديمقراطية والحرية، وليس إلى حكم الدين، وتمسّ النمط الاقتصادي الذي أوجد الفقر والبطالة.

هي ثوراتٌ ككل الثورات الكبرى في التاريخ إذن. لهذا لامست شعوب العالم في دول الجنوب، وحتى في البلدان الرأسمالية التي باتت تنظر إلى العرب من منظور يناقض إعلام دولها، وتلمس فيما جرى ما يجب أن تفعله، حيث أنها تعيش المشكلات ذاتها، والعديد منها. لهذا أصبح ميدان التحرير في القاهرة رمزيةً لكل ثوري في العالم، وبات الحراك الشعبي الكبير حلماً تسعى إليه طبقاتٌ وأحزاب. وكأن "باب جهنم" بات ينتظر الرأسمالية التي تغرق في أزماتٍ لم تعد قادرة على حلّها، وحيث أنها تدفع الشعوب والطبقات العاملة إلى مزيد من الفقر والبطالة. وبالتالي، يتملكها الخوف الشديد من عودة شبح الثورات التي جاهدت طويلاً للتخلص منه، وظنت أنها استطاعت ذلك بعد انهيار الشيوعية.

إضافة إلى عوامل عديدة، ما نحن فيه الآن هو نتاج الرد الذي قامت به الطبقات الرأسمالية في المراكز الإمبريالية والدول العربية والإقليمية، حيث كان يجب إغراق الثورات بالدم والوحشية والتدمير، لطمر الحلم الذي نشأ فجأة ببناء عالمٍ جديدٍ يحقق الشعارات التي رفعتها الثورات، وهي تمسّ كل شعوب العالم. إذن، هجمة مضادة وحشية هي التي أوصلت إلى الوضع الذي نحن فيه بعد سبع سنواتٍ من الحلم الذي كان يتراجع بتتالٍ.

حطام كثير أُهيل على الحلم، وعلى الأمل، لكنه لن يستطيع "طمره"، فالأهم أن الشعوب تحرّكت، والأزمات تفرض عليها الاستمرار، والتجربة تصقل أجيالاً من صانعي التغيير.

========================

النسخة الروسية للدستور السوري .. رضوان زيادة

الحياة

الخميس 21/12/2017

خلال محادثات وقف إطلاق النار التي عقدت في آستانة وزعت روسيا على المعارضة السورية المسلحة التي شاركت في المحادثات مسودة مقترحة لدستور جديد لسورية وضعته موسكو "لتسريع المفاوضات السياسية لإنهاء الصراع" وفقاً لمبعوث الكرملين.

ويبدو أن هذه النسخة ستظهر مجدداً مع انعقاد مؤتمر سوتشي الذي تريده روسيا لإنهاء الحرب في سورية على حساب الدم السوري ومن دون احترام المطالب الشعبية الذي دفع السوريون ثمنها كبيراً خلال الثورة السورية.

والسؤال هنا لماذا قررت روسيا أن تبدأ من نقطة بالغة الحساسية بالنسبة لأي أمة، فأي دستور لأي دولة يعكس قيمها الأساسية، وكررت روسيا منذ بدء الانتفاضة السورية في عام 2011 أن الأمر متروك للشعب السوري وأن الحل يجب أن يكون سورياً.

ثم كيف تقدم روسيا على صياغة "دستور سوري" وتسأل السوريين مناقشته والموافقة عليه. لقد أعد هذا الدستور من قبل "خبراء روس" من دون إشارة لوجود اختراق للتوصل إلى تسوية سياسية أوسع لإنهاء الحرب، ثم فجأة قررت روسيا عدم التركيز على تنفيذ وقف إطلاق النار في جميع أنحاء سورية الذي انتهكته حكومة الأسد كل يوم تقريباً، ولم تعد تركز على بنود الاتفاق بين روسيا وتركيا الذي قبلت المعارضة به على أمل أن يحدث فرقاً على الأرض من خلال التطبيق الكامل لوقف إطلاق النار، فضلاً عن قضايا أخرى تشكل أولوية للسوريين الوضع الإنساني، وعملت على صياغة دستور ووضعه تحت تصرف الشعب السوري.

مثل الاقتراح الروسي لدستور "سوري" مفاجأة، سيما أن الطريقة التي تم الإعلان عنها خلال محادثات آستانة بدت وكأنه شكل من أشكال الفرض الروسي على المحادثات، وكون روسيا هي الفاعل العسكري الأكبر في سورية فمنذ تدخلها العسكري في أيلول (سبتمبر) 2015 أصبحت هي المحرك العسكري والسياسي الرئيس، بحكم انسحاب الولايات المتحدة، بخاصة بعد مجيء الرئيس ترامب، الذي طبق سياسة أميركية انعزالية مع تركيز وحيد على محاربة "داعش" في سورية.

إن قراءة النص الروسي المقترح للدستور في سورية تعكس وجهة النظر الروسية للحل السياسي الذي تنادي به يومياً من دون الالتزام بمحدداته على الأرض.

تظهر المسودة المقترحة التي قال وزير الخارجية الروسي لافروف إنها أعدت من قبل "خبراء روس"، أنها صيغت بطريقة مماثلة لدستور الاتحاد الروسي الذي أقر في 12 كانون الأول (ديسمبر) 1993 فتوزيع الصلاحيات بُني على صلاحيات المؤسسات الروسية الشبيهة، لكن ما يجدر التوقف عنده هو كيف ينظر الروس إلى سورية الجديدة التي يقترحونها، وهنا سنركز على نقطتين بالغتي الأهمية في المسودة الروسية المقترحة، وهما التركيبة التعددية الطائفية والإثنية التي يشير إليها الدستور مراراً، ومركزية السلطات بيد السلطة التنفيذية التي تكاد تكون نسخة من مواد الدستور الروسي.

تشير الفقرة الثانية من المادة الثانية في المشروع المقترح، إلى أن "شعب سورية المتعدد القوميات والطوائف هو المصدر الوحيد لسلطة الدولة"، في إشارة واضحة إلى التركيبة الطائفية السورية، وعلى ذلك يبني الدستور هيكلية النظام السياسي المقترح لسورية، والسلطة التشريعية التي تتوزع بين ما تسميه المسودة "مجلس الشعب" أو "جمعية الشعب و "جمعية المناطق".

يعطي الدستور الروسي المقترح أفضلية واضحة للكرد في الدستور، بوصفهم الأقلية الأكثر عدداً، مع تجاهل الأقليات الأخرى، وتذكّر المادة الرابعة من الدستور في الفقرة الثانية بأن "تستخدم أجهزة الحكم الذاتي الكردي ومنظماته اللغتين العربية والكردية لغتين متساويتين" في إشارة إلى تأسيس ما يسمى "الحكم الذاتي الكردي" من دون إيضاحات جغرافية عن مكان هذا الحكم، أو أي إضافات سياسية عن صلاحيات حكم كهذا، بل تشير الفقرة الرابعة من المادة ذاتها إلى أنه "يحق لكل منطقة وفقاً للقانون أن تستخدم بالإضافة إلى اللغة الرسمية لغة أكثرية السكان إذا كان موافقاً عليه في الاستفتاء المحلي".

ينظر الدستور الروسي إلى السوريين على أنهم شعوب مختلفة مكونة من أكثريات وأقليات طائفية وعرقية وإثنية، لا يجمعهم سوى التواجد على الأرض السورية، ولذلك وفي المادة السادسة المستنسخة تقريباً من الدستور الروسي حرفياً "الاعتراف بالتنوع الأيديولوجي في سورية" وهي المادة الثالثة عشرة في الدستور الروسي، ليس واضحاً ما المقصود بالتعدد الأيديولوجي في سورية وكيف ستضمن الدولة هذا النوع من التعددية. أما الفصل الثاني الذي ينص على الحقوق وحريات الإنسان والمواطن ويمتد من المادة 18 إلى المادة 33، فتكاد تكون المواد ذاتها بحرفيتها من الدستور الروسي من المادة 17 إلى المادة 64.

وإذا أتينا إلى طريقة توزيع الصلاحيات والعلاقة بين مؤسسات الدولة المختلفة، نجد تشابهاً أكبر مع دون إدراك للحجم الجغرافي المختلف بين روسيا وسورية وبين تطور العلاقة بين المناطق المختلفة في روسيا الاتحادية وبين تطورها في سورية منذ الاستقلال عن فرنسا عام 1946.

تشير مسودة الدستور الروسي لسورية، إلى أن السلطة التشريعية في المادة 34 تتكون من "جمعية الشعب وجمعية المناطق" ثم تشير المواد اللاحقة إلى تعريف ما تقصده المسودة بجمعية الشعب، ففي المادة 35 تذكر أنه "يتم انتخاب نواب جمعية الشعب بالاقتراع العام والسري والحر والمتساوي وهم يمثلون شعب سورية بأكمله". وتتكون السلطة التشريعية في الدستور الروسي المقترح من غرفتين تطلق عليهما "جمعية الشعب" و "جمعية المناطق" وهي مقاربة شبيهة بالدستور الروسي حيث "تتكون الجمعية الاتحادية في الاتحاد الروسي من مجلسين: هما مجلس الاتحاد ومجلس الدوما" حيث "يكون نائبان من كل إقليم أو منطقة من أقاليم ومناطق الاتحاد عضوين في مجلس الاتحاد: أحدهما يمثل الجهاز النيابي والآخر يمثل الجهاز التنفيذي لسلطة الدولة".

وكما أن مجلس الدوما ينتخب لمدة أربع سنوات، فإن نواب جمعية الشعب السورية منتخبون لولاية مدتها أربع سنوات، أما جمعية المناطق المذكورة في المادة 40 من الدستور المقترح، فينتخب أعضاؤها لمدة أربع سنوات. ومن صلاحيات جمعية المناطق:

1- تؤسس لتكفل مشاركة ممثلي الوحدات الإدارية في العمل التشريعي وإدارة البلد.

2- تتكون جمعية المناطق من ممثلي الوحدات الإدارية.

3- يحدد القانون نظام تفويض ممثلي الوحدات الإدارية وعددهم ووضعهم ومدتهم".

لا يوضح الدستور المقترح ماذا يقصد بالوحدات الإدارية، لكن الواضح أن الممثلين في جمعية المناطق غير منتخبين، على عكس جمعية الشعب، وبرغم ذلك يمنحها الدستور المقترح صلاحيات مشابهة لجمعية الشعب بل صلاحيات أكبر، إذ كما في المادة 44 "تتولى جمعية المناطق: إقرار مسائل السلم والحرب، تنحية رئيس الجمهورية من منصبه، إقرار إعلان رئيس الوزراء حالة الطوارئ والتعبئة العامة وتعيين أعضاء المحكمة الدستورية العليا.

وهي صلاحيات كبيرة لمجلس تشريعي غير منتخب في حين أن جمعية الشعب المنتخبة تنحصر اختصاصاتها في: إقرار القوانين، النظر في مسألة تشكيل الحكومة وحجب الثقة عنها، إقرار خطة عمل الحكومة، إعلان الانتخابات الرئاسية، إقرار المعاهدات والاتفاقيات الدولية".

وبالتالي تبدو صلاحيات غرفة جمعية الشعب المنتخبة محدودة للغاية مقارنة مع صلاحيات جمعية المناطق غير المنتخبة وهذا خلل رئيسي في بناء النظام الديموقراطي الذي يقوم على إعطاء الصلاحيات الأكبر للجسم المنتخب بوصفه ممثلاً للشعب.

أما في المادة 62 فإنها تعطي جمعية المناطق المعينة من الرئيس صلاحيات عزله بناء على "أساس اتهام موجه من قبل جمعية الشعب بالخيانة العظمى أو ارتكاب جريمة كبرى".

أما صلاحيات رئيس الجمهورية المنتخب لمدة سبع سنوات فإنها تتراوح بين: المصادقة على مشاريع القوانين، تقديم اقتراح إلى جمعية الشعب والمناطق بتسمية رئيس وزراء جديد، تعيين ورفض نواب رئيس الوزراء والوزراء.

ويقوم رئيس الجمهورية بترشيح رئيس الوزراء وبالتالي يصبح شكل النظام السياسي المقترح أشبه بنظام رئاسي مطلق عبر صلاحيات الرئيس وصلاحيات جمعية المناطق غير المنتخبة.

بيد أن الخطورة الرئيسية في المشروع الروسي المقترح هي تعميق المحاصصة السياسية القائمة على الطائفية والإثنية، ففضلاً عن تضمينه إنشاء منطقة حكم ذاتي للكرد، فإنه ينص في مادته 66 على أن: "تتم تسمية المرشحين لمناصب نواب رئيس الوزراء والوزراء من قبل رئيس الوزراء وذلك بحسب التمثيل النسبي لجميع الأطياف الطائفية والقومية للشعب السوري وتحجز بعض المناصب للأقليات القومية والطائفية، ويحق لرئيس الوزراء التشاور بهذا الخصوص مع ممثلي جمعية الشعب وجمعية المناطق".

إن الدستور الروسي المقترح لسورية يقوم على فكرة تعددية الشعب السوري لينتهي إلى مبدأ المحاصصة الطائفية والقومية في المناصب الوزارية بما يذكّر بأنظمة سياسية شبيهة في لبنان والعراق وإرلندا الشمالية والبوسنة والهرسك، من دون أن تفلح أي من الأنظمة السياسية المذكورة في ضمان استقرار النظام السياسي أو تحقيق النمو الاقتصادي، فهي أنظمة قائمة على الشلل الطائفي بدل أن تفتح الباب لتحويل النظام السياسي إلى نظام ديموقراطي كامل.

========================

لغة الجسد.. ووجوه بلا ملامح .. د. أحمد موفق زيدان

العرب

الاربعاء 20/12/2017

ثمة وجوه بلا ملامح، لا تستطيع أن تقرأ فيها شيئاً. أحد هذه الوجوه الذي قد يكون أنموذجاً لدراسة حالة وجوه بلا ملامح، هو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وكان يُقال في حق رئيس النظام السوري الراحل حافظ الأسد الأمر ذاته، لكن التقت هذه المرة لغة جسد بوتين وبشار مع وجه بوتين الشمعي الذي لا يحكي شيئاً ولا تستطيع أن تفهم منه ما جرى أو يجري، في ظل تجمّده وارتدائه قناعاً شمعياً يحجب عنك قراءة ما تحته.

كثير من الصحافيين والإعلاميين -وحتى البشر- يعتمدون في تقييماتهم ونظرتهم إلى الآخر على لغة جسده؛ فهي أصدق من لغة الكلام. وكما قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: "ما أسرّ أحد سريرة إلا أظهرها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه". كل ما علمته وتعلمته عن لغة الجسد كنت أحاول استغلاله في تفكيك ما جرى في قاعدة حميميم بالساحل السوري منذ وصول الرئيس الروسي بوتين إليها محاطاً بجنوده وضباطه، بحضور رئيس النظام السوري بشار الأسد. الأعجب أن يتقدم ضابط روسي إلى طائرة بوتين ليقدّم له القاعدة العسكرية في غياب كامل لكل أشكال السيادة الوطنية السورية التي صدّعنا بها النظام السوري على مدى عقود. كان رئيس النظام السوري قد تم شحنه من دمشق إلى "حميميم"، تماماً كما تم شحنه سابقاً بطائرة روسية على عجل إلى روسيا ليلتقي بوتين وحيداً دون مساعدين، وسط ارتباك وفوضى بروتوكولية، ربما تصلح للتدريس في أكاديميات البرتوكول الرئاسي العالمي.

بالطبع، القاعدة العسكرية الروسية أرض روسية، بحسب الاحتلال الروسي للشام. وبالتالي، فبوتين قادم إلى هنا لغرض واحد، ولقاء الأسد تحصيل حاصل، ليس إلا من باب إظهاره ذليلاً تابعاً لهم وضامنين له، وإن كان هذا باعتقادي لا يعني أبداً أنهم تخلوا عنه أو وجدوا البديل له؛ فبوتين قادم لغرض واحد هو إعلان النصر العسكري على تنظيم الدولة؛ ليذكّر العالم بإعلان بوش وكل "منتصر" أو غازٍ بعد حركاته الاستعراضية. وإعلان هذا النصر يستلزم بالتأكيد أن يكون وحيداً؛ فالنصر لا يقبل الشريك، ولكن الأسد -جهلاً بالبرتوكول أم لأسباب أخرى نجهلها- سارع ليكون إلى جانب الرئيس الروسي الذي استلزم من الضابط المرافق إبعاده عن بوتين الذي يريد أن يعلن النصر لناخبيه في روسيا. ما زلت أتذكر الرئيس الأفغاني حامد كارزاي، الذي رفض أن يلتقي الرؤساء الأميركيين في قاعدة بغرام العسكرية الجوية الأفغانية، وكان يشدد على اللقاء في القصر الرئاسي بكابول. وقد ظهر غير مرة الرؤساء الأميركيون في قاعدة بغرام وحيدين دون نظيرهم الأفغاني، بينما العالم كله جعل من كارزاي مضرب مثل في التبعية وخدمة الوجود الأجنبي في بلاده، لكنه بدا أكثر احتراماً لنفسه وبلده من الأسد. بكل تأكيد، تعرّض رئيس النظام السوري إلى ضربة قوية إن كان على مستوى الخارج أو على مستوى الداخل. والمقصود به وسط أتباعه وشبيحته الذين يُنشدون: "الأسد أو لا أحد"! ولكن الأعجب هو تلك التبريرات والتفسيرات السخيفة وسط أتباعه، التي تابعناها على مواقع التواصل الاجتماعي، وإن كانت الغالبية -لا سيما من أقاربه ومقربيه- انتقدوه، بل وهاجموه على ذلك الظهور. كان بوسع الأسد أن يرفض المجيء إلى القاعدة، أو إرسال ضابط كبير من طرفه. ولكنه الإذلال، ويبدو أن العدالة الإلهية ستتم في الدنيا قبل الآخرة بإذلال كل من أذل شعبه، وها نحن نرى كيف ينتهي الأمر بعلي عبدالله صالح ببيته، وبالطريقة نفسها التي قضى بها على سلفه إبراهيم الحمدي. ولتكتمل العدالة الإلهية الدنيوية أمام أتباعها، رأينا كيف تم نشر زجاجات الخمر حول جثة صالح، تماماً كما فعلوا قبل 20 عاماً تقريباً حول جثة الحمدي.;

========================

حين تفاوض الثورة على خروجها .. غازي دحمان

العربي الجديد

الأربعاء 20/12/2017

يمكن تصنيف المفاوضات التي تحصل بين المعارضة ونظام الأسد في خانة أغرب مفاوضات، فقد جرت العادة أن الثورات تتفاوض إما على خروج الحاكم الذي حصلت الثورة ضده، وهي حالات نادرة، ذلك أنه في الغالب ما تجري محاكمته، أو التفاوض على خروج المحتل من البلاد، ولم يحصل أن فاوضت ثورةٌ على خروجها، كما يفعل من أطلقوا على أنفسهم اسم ممثلي الثورة بذريعة الواقعية، وكأن الواقعية لم يجر اكتشافها سوى في زمن الثورة السورية. وقبل ذلك لم يكن ثمة شيء اسمه واقعية، وبالتالي لم تضطر الثورات إلى التعاطي معها!

دعك من النيات وماذا تريد المعارضة، ومن البيانات المدبّجة، كلها لا تعدو سوى فواصل ترفيهيه في سياق أصمّ لا يسمع ولا يستجيب، وكل ما تفعله المعارضة هو تدوير الزوايا وتربيع الدوائر لمطابقة التفصيل (الماكيت) الأساس الذي يبدو أنه ليس لدى مصمميه أدنى استعداد للتنازل عنه، كيف وروسيا وإيران قد أعادتا هندسة الجغرافيا والديمغرافيا لتتناسبا أصلاً مع خريطة طريق مشاريعهما، وليس مع ما يريده السوريون، معارضة ونظاما.

ثم على ماذا يتفاوض السوريون، لا شيء بيد بشار الأسد يعطيه لهم، فلم يعد صاحب القرار، وليس مالكا للجغرافيا. في الأصل، حروب روسيا وإيران وأميركا وإسرائيل هي على الجغرافيا، وانتصاراتهم تالياً تقاس بحجم ما حققوه من مغانم جغرافية بيدهم.

ليس بشار الأسد سوى" فزّاعة طيور"، تضعها الأطراف المتخاصمة فوق الأرض المتنازع عليها، والتي لم يُحسم بعد من هي الجهة التي ستمتلكها. لا تغرّنكم كثيرا عنجهية بشار الجعفري، فهذا لا يملك في حقيبته أكثر من تذكرة الطائرة وجواز السفر، ويتقمّص سلوك النمس الذي يقوم بمناوراتٍ ليست من صنعه، وإن كانت بأدائه. وهي مناورات يقوم بتصميمها خبراء الكرملين، وليس فريق وليد المعلم الذي حولته أمراضه وقلة حيلته إلى مومياء، يتم إحياؤها بين فترة وأخرى، لأداء دور صغير، ثم يعود إلى العطالة بانتظار دور هامشي آحر، مثل فاروق الشرع الذي تم ركنه عقدا، وقد يؤتى به لحضور حفل افتتاح مؤتمر سوتشي، الموضوع قيد التداول.

"كان يجب أن تبادر المعارضة السورية إلى فكرة مؤتمر سوتشي، بالدعوة إلى مؤتمر وطني يمثل كل الفئات والشرائح الثورية"

ومع من نتفاوض؟ مع مجرم هاربٍ من العدالة بتهم القتل والاغتصاب، حوّل سورية إلى صرخات مكتومة من نسائها، وموت أطفالها وعيونهم مفتوحة إن لم يكن من الكيميائي فمن الجوع! يريد الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، إبقاء هذا المجرم بالقوة، بوصفه يمثل رمزاً لقدرته القاهرة. حسنا ليبقه، لكن من دون أن يكون ذلك بموافقة ممثلي الثورة، لا في فترة انتقالية ولا غيرها، وهذا ليس كلاما عاطفيا، بل قمة الواقعية، الارتكابات التي قام بها الأسد تجعل منه شخصا غير قابل للتفاوض معه، حتى لو كان على خروجه هو نفسه من سورية.

لم يحصل أن ثورةً فاوضت المحتل ووكلاءه على خروجها هي، وليس العكس. كل مضمون التفاوض الجاري مبني على هذا الأساس، بذريعة تغير موازين القوى والواقعية، وكأن السوريين عندما ثاروا وخرجوا بصدورهم العارية كانوا يتحكّمون بموازين القوة، والغريب أن المعارضة تحاول الالتفاف على هذه الخديعة بالتذرّع أن المفاوضات تجري من أجل قضايا المعتقلين والمناطق المحاصرة، وهي كذبة كبيرة، فلم يخرج معتقلون، منذ بداية الثورة، إلا نتيجة عمليات تبادل بعناصر إيرانيين وشيعة، ولم يتم فك الحصار عن مناطق إلا مقابل إخراج غالبية أهلها.

صدرت الأوامر الروسية إلى بشار الجعفري بأنه لا بأس من الذهاب إلى جنيف، ولا بأس من التمتع بأكل الجبنة السويسرية والتسكع في ردهات الفندق، المهم أن تورد نشرات الأخبار حضوره، والأهم أن يقطّع الوقت حتى يحين موعد لقاء سوتشي. هناك سوف يتم إحضار سماسرة وقبضايات أحياء وتجار حروب وضباط مخابرات ومخبرين، وسيتم تقديمهم أطياف الشعب السوري وتعدديته الجميلة التي توافقت على بقاء الأسد، للحفاظ على الوحدة الوطنية وعلى الدولة ومؤسساتها. وحينها سيقول وزير الخارجية الروسي، سيرجي لافروف، للمعارضة إن اللعبة انتهت، وكل ثورة وأنتم بخير، ألم يخبرهم دي، المبعوث الأممي، دي ميستورا، أن قطار سوتشي سيفرمهم؟

حينها سيتذكّر السوريون أن هذه المعارضة كانت سيئة كما عصابة الأسد، الفارق ريما أنها لم تقتل ولم تغتصب، لكنها ضيّعت ثورة السوريين وحقوقهم، وكان الأجدر بمن لا يجد لديه القدرة والكفاءه على تحصيل حق الثوار الاستقالة، لا الاستقتال على منصب ومهمة ومكافأة. لم تجترح هذه المعارضة أي فكرة خلاقة تستطيع دفع العالم على التمسّك بها. كان يجب أن تبادر المعارضة إلى فكرة مؤتمر سوتشي، بالدعوة إلى مؤتمر وطني يمثل كل الفئات والشرائح الثورية، وتشكل برلمانا وحكومة إنقاذ. نحن أمام معارضة لم تسمح بتشكل هيكيلية ثورية من هيئات ومجالس وجمعيات مجالس عسكرية ومدنية. فقط صنعت هيئة تفاوض، لا خبرة لها في التفاوض.

المعارضة التي تفاوض من أجل تسوية أوضاع بعض أفرادها لا يعوّل عليها، والمعارضة التي تفاوض لأجل تحقيق أفرادها مكاسب سياسية في حكومة تحت جناح الأسد ليست جديرة بالثقة، والمعارضة التي تفاوض على خروج الثورة من سورية، حتى وإن لم تفهم ما بين السطور، الأجدر بها أن تتقاعد.

========================

سورية في مهب الريح بعد فشل "جنيف 8" .. برهان غليون

العربي الجديد

الثلاثاء 19/12/2017

فشلت مفاوضات جنيف 8 السورية، وما كان من الممكن أن لا تفشل. وليس السبب أن وفد المعارضة قبل الذهاب إلى جنيف من دون شروط، أو بسبب نقص استعداده، ولا ضعف المرجعيات التي يتمسّك بها لتوجيه سير المفاوضات، ولكن لأن الطرف الذي يقف أمامه يرفض بكل بساطة أي سلام، ويضرب عرض الحائط بأي مفاوضات، سواء أكانت من أجل الاتفاق على مرحلةٍ انتقالية، أو تسوية سياسية وحل وسط، أو حكومة وحدة وطنية تشارك فيها المعارضة بمقاعد وهمية. ولن يقبل النظام عقد السلام، بل حتى الصلح، حتى لو تخلت المعارضة عن كل مطالبها، وقرّرت الانضمام إلى النظام ضد "الإرهاب"، أي ضد الشعب السوري الذي لا يرى فيه نظام الأسد سوى إرهابيين ومعادين للوطن وفلسطين والعلمانية والسيادة والتقدم والاستقلال، فالنظام ليس سعيداً باستمرار الحرب فحسب، إنما لم ينس لحظة واحدة، قبل الثورة وبعدها، أن حياته أصبحت معلقةً كلياً باستمرارها. ولو حصل، وتوصلت الدول التي تتصارع، من خلاله ومن ورائه، على تقاسم النفوذ في سورية، والسيطرة على المشرق، إلى تسويةٍ في ما بينها تقود إلى توقف الحرب، لما وفر وسيلةً يمكنه استخدامها لتخريبها، وإعادة إشعال نار الحرب وتسعيرها.

نظام الحرب الأهلية الدائمة

ولد النظام في سورية في الحرب، وعاش فيها ومارسها نظام سيطرة وإكراه وإخضاع، خلال أربعة عقود، قبل أن يضطر إلى إعلانها شاملةً مع انطلاق أول شرارة لثورة مارس/ آذار 2011، ومع خروج أول تظاهرات شبابية إلى الشارع. ولهذا لم يقبل يوماً، قبل ذلك، وقف العمل بقانون الطوارئ الذي هو إجراء حربي بامتياز، بل الإطار القانوني للحرب الأهلية المعلنة من جانب واحد. وخاض، من دون تردد، حروبه ومجازره المتكرّرة، في حماة

"ولد النظام في سورية في الحرب، وعاش فيها ومارسها نظام سيطرة وإكراه وإخضاع، خلال أربعة عقود، قبل أن يضطر إلى إعلانها شاملةً مع انطلاق أول شرارة لثورة 2011" 1964، وفي أكثر مناطق سورية عام 1973، وفي المدن الرئيسية منذ عام 1979، ومنذ إعلان ربيع دمشق عام 2001. وحل، في هذا الإطار، جميع مجالس النقابات شبه المنتخبة، وعين بديلاً لها من صنعه، وقضى من الجذور على أي حرياتٍ مدنيةٍ لا سياسية فحسب، فصارت أجهزة المخابرات، أي أجهزة العنف والإكراه والقهر والابتزاز، هي المسؤولة المباشرة عن تعيين دور المواطنين وعملهم، وعن محاسبتهم على أقوالهم وأفكارهم وانتماءاتهم، أو عن تردّدهم في إعلان خضوعهم وإذعانهم. وشكل بناء السجون وتوسيعها الاستثمار السياسي الأكبر، إن لم يكن الوحيد للنظام خلال نصف قرن، إلى جانب أجهزة الجيش والأمن والإعلام المتخصص في الكذب والدس والتشهير والتحريض والتسميم الإعلامي الذي أتقن فنه، كما لم يحصل لأي نظام سابق، وربما لاحق. وهو لم يكفّ، منذ إعلانه الحرب الشاملة على مؤامرة الشعب "الكونية"، عن قطع أي طريق للإصلاح أو المصالحة أو حتى الاستسلام على خصومه، أملاً بأن يبيدهم، ويقضي عليهم بالمطلق. ولم يحترم، في أي وقت، اتفاقات المصالحات ووقف التصعيد التي أجبر عليها في بعض المواقع، وكذلك تحت ضغوط بعض حلفائه الأكثر مرونةً وحنكةً سياسية، لكنه استخدمها لخداع معارضيه، والإيقاع بهم، لقتلهم أو سجنهم وتعذيبهم. وتقصّد، في كل مرةٍ فرضت عليه الظروف والدول الحليفة الدخول في جولات مفاوضاتٍ شكلية، أن يفرط في استخدام العنف وزرع المناطق التي لا تخضع لسيطرته بالمجازر والموت بكل أشكاله، حتى يدفع معارضيه إلى اليأس وفقدان الأمل، ويجعل من مشاركتهم في المفاوضات عاراً عليهم. وعلى الرغم من ضمانات الروس والأميركيين والترك والإيرانيين والمصريين، لم يتردد لحظة في تقويض اتفاقات خفض التصعيد التي جهد الروس لتمريرها، من أجل تحييد فصائل في المعارضة المسلحة، وتجميد الجبهات لتوفير مزيدٍ من القوى المتحرّكة للنظام. وفي يوم افتتاح مفاوضات جنيف 8، حرص على تصعيد القصف بشكل جنوني على المدنيين، ومنع قوافل الأمم المتحدة من إدخال المساعدات للمحاصرين في الغوطة الشرقية لدمشق، ليؤكد إرادة الحرب، ورفضه الانصياع لأي مطلب آخر سوى مطلب الإجهاز على خصومه، واستكمال مشروع الإبادة الجماعية والتجويع والتهجير القسري، مهما كان الثمن. وسواء بقيت سورية دولةً، أم تحولت إلى مزرعة تعيث فيها مليشيات وعصابات محلية وأجنبية فساداً، وتتحكّم بأجزائها جيوش الاحتلال الأجنبية.

نهاية الحل السياسي

لا ينبغي على المعارضة أن تضحك على نفسها. نظام الحرب لا يمكن أن يتحول، بقدرة قادر، إلى نظام سياسة ومصالحة وتسوية وسلام. ولن يغير من هذا الواقع الذي يعزّزه انتصار إيران في المواجهة الإقليمية، التمسك بقرارات مجلس الأمن، ولا قبول ما تسمى المنصات المعتدلة أعضاء في وفد المعارضة، ولا تأكيدها الدائم حسن نياتها وسعيها، بأي ثمن، وراء الحل السياسي، ولا حتى تنازلاتها في أستانة، وربما قريباً في سوتشي. يمكن لاعتدالها، الشكلي أو الفعلي، أن يستدر لها شفقة المجتمع الدولي، وربما احترام بعض العواصم الخائفة وتقديرها، لكنه لن يحرّك أي إحساس، ولن يضمن لها التقدّم على أي مسار.

وتكذب المعارضة على نفسها، إذا اعتقدت أن روسيا تسعى إلى الحل، لأنها لا تريد أن تغرق في "المستنقع السوري"، أو أن الولايات المتحدة الأميركية مسكونة بهاجس قطع الطريق على التمدد الإيراني، أو أن إسرائيل أكثر ميلاً إلى وضع حد للحرب، بعد أن حققت أكبر أغراضها في تحويل الدولة السورية إلى حطام، أو أن إيران وحدها تتمسك بحالة الفوضى والتقسيم والاقتتال، لتحقق حلمها الامبرطوري الألفي، بالوصول إلى مياه المتوسط وفك عزلتها الدولية. لن يتوقف أي طرفٍ من هذه الأطراف عن القتال، ولا عن المخاطرة باستخدام أكثر الأسلحة فتكاً إذا احتاج الأمر، ما لم يحقق أهدافه، ليس في سورية فحسب، ولكن خارجها ومن حولها وبواسطتها. فالحرب مستمرة في سورية وعليها، ومن خلالها، طالما لم يكن هناك بعد إمكانية لتفاهم الأطراف، لا على تقسيم سورية ومناطق النفوذ فيها، ولا على بقائها موحدة وحيّة. موت سورية الحقيقي كما نشاهده اليوم هو المحصلة الطبيعية لغياب إمكانية التفاهم وتباين، إن لم يكن تناقض، أجندات جميع الأطراف. وليس لبقاء الأسد وحياته أو الإبقاء عليه وظل حكمه ونظامه سوى وظيفة واحدة، هي التغطية على هذا الموت السريري وتمديده في الوقت نفسه. بشار حي، وسيبقى حياً طالما بقيت سورية ميتة وجثة هامدة. ووجوده أكبر ضمانة لغيابها.

"سيبقى الوضع السوري فترة طويلة في حالة استعصاء، خارج إمكانية الحلين، السياسي والعسكري، معاً، أي في حالة اللاحل. وهذا يعني تكريس الوضع القائم"

يبحث الروس عن حلٍّ بالتأكيد، لكنه الذي يضمن لهم تحقيق رهاناتهم وأهدافهم، لا ذاك الذي يضمن الحد الأدنى من العدالة للسوريين، ولا من باب أولى عودة الحياة إلى سورية المستقلة الحرة المزدهرة. والإيرانيون يرون السلام في تمكّنهم من بسط نفوذ مليشياتهم الكامل على جميع الأراضي السورية، وفي كل مستويات حكمها ونظامها. والأميركيون لا طموح لهم سوى الاحتفاظ بالقواعد التي أقاموها، والمناطق التي انتزعوها، بدعم مليشيات محلية أو من دونها، ضمن استراتيجية سيطرتهم الإقليمية، بصرف النظر عن مصير سورية. والإسرائيليون لا يهمهم سوى إبعاد الصواريخ الإيرانية قليلاً عن "حدودهم"، أما الأتراك فليس لهم قضية اليوم سوى الدفاع عن أمن تركيا وحرية حركة قواتها ضد أي خصوم محتملين، داخليين وخارجيين.

وجود بشار الذي لا يعني شيئاً لأيٍّ من هذه الأطراف، وهو ليس مهمّاً لما يمثله سياسياً، وإنما لأنه الضامن الوحيد لتقسيم سورية الراهن بين قوىً لا يمكن أن تتفق أو تتفاهم على أجندة واحدة، سورية أو إقليمية أو دولية. إذا ذهب بشار، سوف يخسر الجميع المكاسب الاستراتيجية الكبرى التي حققوها على حساب الشعب السوري، ويضطرون إلى التفاوض عليها مع حكومة وطنية، ذات شرعية فعلية، وبالتالي حق بالسيادة والاستقلال. ليس تعطيل مسار السلام إرادة أسدية اليوم، بمقدار ما هو إرادة جماعية للدول المستفيدة من تقاسم إرث نظامه المحطم على أشلاء الشعب السوري. وليست إرادة القتال التي لا يكفّ النظام وممثلوه عن إظهارها في جنيف، وعلى الأرض السورية، بعكس ما يحلو لبعضهم الاعتقاد، إلا التعبير الرسمي عن إرادة الاحتلال التي تسكن الوحوش المتعدّدة التي تتجمع حول الفريسة السورية، والتي يقدم لها بقاء الأسد بين الموت والحياة، الذريعة لالتهام ما تستطيعه منها. وبالمثل، ليس تسويقهم لانتصار الأسد سوى تأكيد لانتصارهم هم على سورية، وشعبها الأبي.

لا يعني ذلك أن على المعارضة السورية أن تهجر الساحة السياسية، فمن دونها لن تستطيع أن تحافظ حتى على ظل وجودها، لكن المفاوضات الحقيقية لن تكون مع الأسد، وإنما مع أسياده الحقيقيين، أعني الدول التي يشكل حكمه الهمجي اليوم ضمانتها الوحيدة لشرعنة احتلالها، وتكريس مكتسباتها والبقاء في البلاد. وفي جميع الأحوال، لا ينبغي على المعارضة أن تراهن على تناقضات المصالح بين الوحوش الضارية التي تتكالب على الفريسة السورية للوصول إلى حل، فالتناقضات القائمة، والحقيقية في أكثر الأحيان، هي تناقضات مصالح وتنافس على اقتسام الغنائم. ولا يمكن أن تصل إلى مستوى التناقضات الاستراتيجية، طالما أن احتفاظ كل منها بمكاسبه لا يتحقق إلا بالتفاهم على تحييد السوريين، وإخراجهم من المنافسة، وقطع الطريق، بكل الوسائل، على عودة سورية دولة مستقلة وواقفة على قدميها. وليس اتفاقها جميعاً على بقاء الأسد سوى عنوان التسوية القائمة اليوم في ما بينها، وأساس التفاهم على قتل سورية وتقاسم أشلائها.

هذا يعني أنه، بعكس ما يردّد جميع الفاعلين، بما في ذلك الأمم المتحدة وممثلوها، كالببغاء منذ أكثر من ست سنوات، وهم يعرفون أنهم كاذبون تماماً، لا يوجد حل سياسي للمسألة السورية. طريق الحل السياسي مسدود تماماً، وهذا لا يعني أن طريق الحل العسكري هو المفتوح والمتاح، فلن تسمح أي قوة كبرى لغيرها بأن تبسط سيطرتها الأحادية على سورية مهما كان الثمن. سيبقى الوضع السوري فترة طويلة في حالة استعصاء، خارج إمكانية الحلين، السياسي والعسكري، معاً، أي في حالة اللاحل. وهذا يعني تكريس الوضع القائم، وبالتالي المزيد من التعفن والدمار والوهن والانهيار.

خيارات المعارضة

لا يضير هذا الوضع النظام في شيء، بل إنه يوافق مصالحه وهواه. فهو الوضع المثالي الذي يسمح له بالبقاء والتمادي في القسوة والوحشية وإظهار عدم مسؤوليته واستهتاره بحياة الناس والمجتمع معاً، أي بتحقيق ذاته نظام حرب أهلية دائمة. لكن هذا الوضع يدمر صدقية المعارضة، ويخرجها من أي حساب، ويجعلها مجالاً للسخرية والاستهزاء. وهذا ما يسعى إليه النظام أيضاً من خلال جرجرة المعارضة إلى مفاوضاتٍ فارغة من المعنى، وتقصُّدُه المبالغة في العنف والقصف الوحشي، خلال المفاوضات. وفي ما وراء ذلك تحطيم المجتمع وزرع اليأس والإحباط عند السوريين، وتحويل حلم التحرّر والانعتاق الذي جسّدته الثورة إلى كابوس لا يطاق. من مصلحة المعارضة وحدها أن تكسر هذا الاستعصاء، حتى لا تتحول إلى ألعوبةٍ في يد المجتمع الدولي أو الأمم المتحدة، أو إلى كرةٍ تتقاذفها الدول المتنازعة والنظام. وليس أمامها في نظري سوى خيارين.

الأول أن تعيد تنظيم قواها العسكرية المتبقية لتجعل منها قوة مقاومةٍ وطنيةٍ، تعمل تحت قيادة سياسية واحدة، لكسر هذه الحلقة المفرغة والقاتلة معاً، وتوفير ذراع عسكرية تعطي لوجودها السياسي ومفاوضاتها ثقلاً ومعنى، وتضمن من خلالها الحفاظ على المطالب الشعبية وتطلعات السوريين نحو الحرية والدولة الديمقراطية التعدّدية، وتحرم نظام الحرب الاهلية، وحليفه المتجسد في الاحتلالات الأجنبية، من أي أمل في الحصول على شرعية الأمر الواقع. وهذا يقتضي تفاهماً بين أطراف المعارضة المسلحة والسياسية، على برنامج عمل وطني واستراتيجية متكاملة.

الخيار الثاني هو انتزاع فكرة المؤتمر الوطني من الروس، وقلب الطاولة على مؤتمر سوتشي الذي يسعى الروس من خلاله إلى استثمار ما يعتقدون أنه نصرهم الكبير، والعمل، بالتشاور مع الدول المختلفة التي ليست ذات مصلحة في الحفاظ على الوضع القائم في سورية، على تنظيم مؤتمر وطني، سوري بالفعل، تعدّ له لجنة تحضيرية سورية، تحظى بثقة جميع الأطراف، وتشرف على تحضير وثائقه، وتحديد جدول أعماله، ووضع قائمة المشاركين فيه من جميع الأطياف السياسية والاجتماعية السورية، يعقد تحت إشراف الأمم المتحدة وقيادتها، وربما في مقرّها أيضاً. وينبغي أن يكون، بعكس مؤتمر سوتشي الذي تتحكّم بكل شيء فيه موسكو، وتريد منه أن يكرّس مكاسبها الاستراتيجية في سورية، مؤتمراً مفتوحاً حتى التوصل إلى تفاهم وحل سياسي بين السوريين.

"أثبتت السنوات الست الماضية أنه لا توجد مصلحة لأحد غير السوريين في حل سياسي"

وحبذا لو أمكن الجمع بين الخيارين: إعادة تشكيل الفصائل المقاتلة في صيغة مقاومة وطنية فوق الأرض وتحت الأرض، وهذا ما يحول دونه تبعية فصائل كثيرة لدول الاحتلال، والعمل على تنظيم مؤتمر وطني سوري بمبادرة سورية، وبرعاية الأمم المتحدة وإشرافها وتحت مسؤوليتها، يقطع الطريق على موسكو وغيرها في احتكار المبادرة للتوصل إلى حل سياسي، تحول دونه، منذ البدء، مصالحها القومية وتناقضها مع مصالح الأطراف الأخرى.

باختصار، أثبتت السنوات الست الماضية أنه لا توجد مصلحة لأحد غير السوريين في حل سياسي، ولا إمكانية لإنهاء النزاع العسكري، قبل أن يحصل تفاهم دولي حول مناطق النفوذ وأشكاله، بل، أكثر من ذلك، حول مصير سورية نفسها. وهذا مما لا يزال صعب المنال. لكن، في المقابل، تشكل زعزعة المخططات القائمة والحيلولة دون تكريس وضع الاحتلال وتقسيم سورية إلى مناطق نفوذ، المهمة الرئيسية التي على المعارضة السورية أن تُعنى بها اليوم قبل المفاوضات وأي تفاهمات أخرى. ولا سبيل لديها لتحقيق ذلك سوى إحياء روح المقاومة الوطنية، وتظهير إرادة السوريين وتوحيدها.

وعلينا وحدنا، أعني السوريين، تقع مسؤولية انتزاع المبادرة على الجانبين.

========================
بشار الجعفري ودبلوماسية البلطجة .. يحيى العريضي

العربي الجديد

الثلاثاء 19/12/2017

في جولة جنيف (التفاوضية السورية) الثامنة التي زاد امتدادها على العشرين يوماً؛ حضر رئيس وفد النظام منها بضع ساعاتٍ، أمضاها صمتاً ثم نطق كفراً بالمبعوث الأممي، ستيفان دي ميستورا، وبمن أرسله وبمن أتى لـ "مفاوضتهم"، والأكثر بأهل سورية الذين طالما تحدث باسمهم زوراً وبهتانا. كان نطقه نسخةً وترجمة لسبع سنين من الانفصام عن الواقع وتزييفه. وكما البلطجة والإجرام بحق سورية وشعبها طوال تلك السنين، كانت سرديته كذلك، لا بشهادتنا، بل بشهادة معظم من سمعه. ما ميّز أداءه في أثناء هذه الجولة هو ارتفاع منسوب التوتر والصفاقة والفُجر والتحدّي، حتى للأمم المتحدة ومبعوثها؛ وكأنه كان على علم بالتصريحات الوقحة البلطجية لزميله الروسي في الأمم المتحدة، وشروطه الخمسة "للحل السياسي" في منتجع سوتشي.

كان في وسع بشار الجعفري توسيع طيف الحديث "الوطني" الذي طالما سطا عليه واستخدمه "متحدثا باسم سورية"؛ وأن يضيّق من /الشخصنة/ التي ادّعى، في مرافعته، أنه لا يستخدمها؛ إلا أنه أثبت حِرَفيّته ومهنيته ردّاحا شتاما كذوبا. فحتى اللحظة، وعلى الرغم من ثماني جولات في جنيف للبحث في حل سلمي لسورية، ما زال الجعفري يتمترس عند تسمية مَن يقول "لا لمنظومة الاستبداد" التي يمثلها بـ "المجموعات الإرهابية المسلحة"؛ وإن أراد أن يكون ناعماً

"ما أرادت منظومة الاستبداد التي يمثلها الجعفري، ولا آمنت، يوماً بحل سلمي للقضية السورية" ودبلوماسياً يدعوهم "عملاء مأجورين ومشغّلين من الخارج". حقيقة لا بأس بذلك؛ فإن كان سيده على هذه الدرجة من الانفصام عن الواقع، فلا عتب إن نطق زوُراً كلما تنفس.

لا حاجة للتذكير بأنه مع كل استحقاق سياسي، ومع كل جولة مفاوضات، يوقت "النظام" الذي يمثله الجعفري بفعل إرهابي، لكي يبعد اهتمام العالم عن الاستحقاق ذاته. ولكن الجعفري، في جولة جنيف هذه بالذات، ألبس ذلك الفعل للمعارضة ذاتها بأنها هي التي توقّت الاستحقاق بفعل إرهابي، مستعيراً خطابها الصادق، كي يلبسها فعل نظامه.

لم يكترث الجعفري لتوثيقات الأمم المتحدة التي تسجّل رسمياً كل وثيقة تُقدَّم إليها، فتحدّاها بكل فجور، قائلاً إنه سلّمها ثلاثأ وعشرين وثيقة. ذلك ممكن، إن كان الجعفري يعتبر تلك الورقة المأخوذة من "كتاب القومية" للمرحلة الإعدادية وثيقة؛ وإن كان يعتبر الاثنين وعشرين تأنيباً وتوبيخاً للمبعوث الأممي وثائق للعملية السلمية.

عندما يقول بشار الجعفري إنه "لا يريد لمسار جنيف أن يفشل"، فإنه محقّ؛ لأنه لا يريده أن يفشل، بل أن يُلغى من الوجود، كما تمنى أو أراد معلمه، وليد المعلم، أن يلغي أوروبا من الخريطة العالمية. ومعروفٌ أن نظام الجعفري ما ترك حجةً أو ذريعة كي لا يأتي إلى جنيف؛ فمنبر "نيويورك" بيئة أفضل لتسويق سرديات الادّعاء والتزييف بوجود المندوب الروسي صاحب الشروط الخمسة والأحد عشر فيتو. هناك، يمكنه، بكل بلطجية، أن "يحدّد ولاية المبعوث الدولي"، كما جاء في تصريحاته في جنيف. هناك ربما، وبوجود البلطجية الروسية، يمكن أن يكون شريكاً لروسيا بعضويتها الدائمة في مجلس الأمن.

عندما يقول الجعفري إنه "لا عواطف ولا مشاعر في السياسة"، كان يحاضر على العالم، كما حاضر على المبعوث دي ميستورا في الجغرافيا السورية في قاعة المفاوضات؛ وسجلها أحد مرافقيه بكل صفاقة ووقاحة وتحدٍّ للأمم المتحدة. حقيقة كان على الجعفري، لو كان للصدق مكان في حياته، أن يضيف، إلى "لاءاته"، "لا مشاعر ولا عواطف"، لا صدق، لا أدب، لا احترام، لا إنسانية...؛ وبذا يعكس تماماً صورة "النظام" الذي يمثل وسلوكه ومنهجيته. ومن غير المستغرب أن يبوح الجعفري بذلك يوماً؛ ولكن الأمل يبقى ضعيفا جداً.

أخيراً، وليس آخراً. منذ البداية، أراد الجعفري، ومن يمثل، أن يفصّل لهم العالم معارضةً كما يرغبون وكما يشتهون. وآخر طلب لهم كان أن يفاوضوا وفد معارضة واحداً. فكان لهم ما أرادوا. لكن حجتهم الآن أن البيان الذي أخرجته وتبنته المعارضة الواحدة يجب أن يُسحَب؛ ويجب ألا يكون فيه ذكرٌ لسيده. واضحٌ أن الجعفري، ومن خلفه زميله الروسي في نيويورك، لا يريدان سحب البيان، بل سحب واستئصال كل من يقول لا للأسد ومنظومته الإجرامية. ولكن هذين الشخصين لا يعلمان أنه لو سُحبَت رقبتاهما ورقبة الذي يدافعان عنه؛ لن يُسحَب ذلك البيان؛ لأنه منسجمٌ مع القرارات الدولية، ومع إرادة شعب سورية. يكفي المندوب الروسي أن يتذكّر أن بلده قالت إن السوريين يقرّرون مصير بلدهم، والآن يشترط عدم بحث مصير بشار الأسد.

"ما ميّز أداء الجعفري في جولة جنيف 8  ارتفاع منسوب التوتر والصفاقة والفُجر والتحدّي، حتى للأمم المتحدة ومبعوثها"

ما أرادت منظومة الاستبداد التي يمثلها الجعفري، ولا آمنت، يوماً بحل سلمي للقضية السورية؛ ولا تزال تتمترس مع إيران ومليشياتها عند شعار "أحكمها أو أدمرها"، حتى لو استلزم ذلك استدعاء احتلال أجنبي لسورية، وبيعها بالرخيص في مقابل كرسي الدم. وهذا ما بات يعرفه السوريون والعالم.

ما حدث في "جنيف 8" كان فضحاً وكشفاً، لا للمنظومة التي يمثلها الجعفري فقط، بل لروسيا المحتلة لسورية؛ وهو برسم الشعب السوري الذي لا يعبأ به، أو له، نظام فاشي قتل شعباً وشرّده ودمر بلداً عندما طلب جرعةً من الحرية. ما حدث في جنيف برسم روسيا التي انكشفت تماماً منظومة دكتاتورية محتلة. إنه برسم الأمم المتحدة التي يمرّغها الجعفري بالتراب. عملياً، لا ندري كيف تسمح هذه الأمم المتحدة بدخول مخلوقٍ كهذا إلى مبناها؛ وهو لا يزال يرافع عن قتل نصف مليون سوري ودمار نصف بلد وبيعه للاحتلال!

========================

سوريا عصية على التقسيم .. د. طيب تيزيني

الاتحاد

الثلاثاء 19/12/2017

"إذا لم يتم السلام سريعاً وقريباً في سوريا، فسيتم تقسيمها"! نعم، هذا ما صرح به المبعوث الدولي دي مستورا! وبهذا التصريح وضع الجميع أمام حالة إشكالية قصوى، أي أمام موقف ظهر سابقاً في التاريخ السوري أثناء بروز محاولة تقسيم سوريا على أيدي المستعمرين الفرنسيين. وحين نفكك الأحداث التاريخية المعنية هنا، فإننا نكتشف أن التاريخ يظهر مرتين اثنتين أو أكثر: حين يسجّل حدثاً ما في سياقه، ويكون ذلك متوافقاً مع واقع الحال التاريخي البشري؛ وحين يعود هذا الحدث ليظهر ثانية، ساخراً مِمَن يعنيهم هذا، ومحذّراً إياهم من حدوثه مرة أخرى بإبقاء هذه الحال مفتوحة! وحين ذلك، تكون المأساة قد سجلت لنفسها انتصاراً على مَن يهمهم الأمر. وإن لم يرعوِ هؤلاء عن أخطائهم، فهذا ينذر بالكارثة.

وفي هذه الحال، ينبغي أن نوضح أن التاريخ لا يأتي حسب رغبات البشر، وإنما وفق قوانينه الخاصة، التي يكوّن البشر المعنيون هم أنفسهم حقلاً من حقولها. ولكن الدراما التاريخية المأساوية تتصاعد وربما تكتمل عمقاً وسطحاً، دون تدخّلهم في ذلك عجزاً أو غباءً أو خيانة.. وأحياناً تكون أسباب ذلك هي كل تلك الحالات الثلاث مجتمعةً، وربما بالإضافة إلى مضاعفات أخرى تأتي من الداخل الوطني والخارج الأممي؛ وتكون عوامل الغباء والاستغباء والأنانية والقصور والخوف، وغيرها مما يدخل في خانة سدّ الآفاق أو انسدادها.

ونعود إلى أطروحة دي مستورا. فقد وضعنا هذا الرجل أمام خطر كبير، إن لم يتم السلام في سوريا قريباً، ويعني به خطر الانقسام. وهنا نستنبط أمرين اثنين كلاهما مرّ. الأول يتمثل في تباطؤ الوصول إلى السلام بعد اندلاع حرب عبثية تركت نتائج خطيرة تتمثل في اغتيال السلام، بعد رفضه وعدم الاستجابة لمطلبه، ومعه عدم الاستجابة لحلول إصلاحية ضرورية وممكنة في بداية الأحداث الموجِعة والمكلفة بما يفوق الوصف. لقد خُيّبت الحكمة السياسية الوطنية على نحو مُكلف بأشكال خطيرة ومؤسفة. والأمر الثاني نجم عن عدم الاستجابة لتلك الضرورة فكان من دواعيه المؤسفة أن قوى أخرى من العالم (ومنها إيران وروسيا وأطراف أخرى)، استغلت الموقف وواقع الحال باتجاه تعقيده، حيث دخلت سوريا وأوجدت لنفسها مواقع فيها ذات طابع عسكري أولاً، وذات طابع يقترب من التأبيد ثانياً؛ إضافة إلى ابتداع حلول الهجرة والتهجير في الداخل السوري، كما باتجاه العالم الواسع.

لقد كان ذلك مؤلماً ومحبطاً ربما حتى الثمالة، إضافة إلى اضطرابات داخلية أثرت على وحدة الشعب السوري بكل أطيافه وأجزائه. وكانت حركة الهجرة والتهجير قد عصفت بنصف السوريين بافتقاد أبنائهم وتعرضهم للمجاعة والمذلة، وخصوصاً منهم من بقي من الأطفال والنساء والقاصرين. ومع هذا جاء الأغراب من مناطق متعددة، يحملون أطماعهم ورغباتهم الأنانية. واختلط الحابل بالنابل، ليخلق أحوالاً فظيعة في حياة الناس، من الجوع وافتقاد الحدود الدنيا من الحاجات. إنها حالة قد تكون فريدة في حالات الحروب والنزاعات، وربما الأكثر حضوراً في مرحلة الوحشية البدائية.

ذلك كله حوّل سوريا إلى "قصْعة" يتقاتل الطامعون والمجرمون والمحرومون حولها. وفي سياق ذلك وما أنتجه من أمراض عضوية ونفسانية ومن تدمير للمؤسسات والبيوت والممتلكات، نشأت أطراف ممّن أُرغموا بحكم العجز، على البقاء، تُمثّل مشاريع محطّمين، ولكن دون فت إرادتهم الوطنية ومن دون أن يُصابوا بمرض الاستقواء بالآخر، فظلوا مناضلين من أجل وطنهم، بعيدين عن التأثر بالأغراب وبادعاءاتهم بتقديم المساعدة لهم، في كيفية ما، للحفاظ على وطنهم. فلم ينغمسوا مع الآخر المنافق، ناهيك عن الأطراف الاستعمارية.

لقد ظهر ذلك الموقف وتجسّد في تاريخ الشعوب العربية، وضمنها الشعب السوري، أثناء محاولاتها تحقيق استقلالاتها الوطنية. ويمكن أن نستلهم مواقف كثيرة لعدد من المناضلين في سبيل أوطانهم، برغم الخطاب الاستعماري المنافق. أما ما يخص الموقف السوري فيظهر جليّاً في مواقف القادة الوطنيين في مرحلة تحقيق الاستقلال من الاستعمار الفرنسي.

والآن، نعيش حالة فظيعة من الاضطراب السياسي والأخلاقي يعمل أصحابها على أن يعودوا إلى القرن التاسع عشر باسم استقلال الأوطان والجماهير والطوائف لاختراق سوريا. ولكننا نرى ونؤمن بأن شعباً قدّم هدية للعالم تمثلت في الأبجدية، أي بالرؤية الوثابة لأهمية اللغة الوطنية والبحث التاريخي في الشعوب وخصائصها ونضالاتها، سيبقى عصياً على التقسيم والتقزيم، وسيبقى نجماً ساطعاً في علاقاته مع الآخرين، بكثير من الحكمة، ولكن كذلك بالكفاح!

========================

سورية ومرحلة تفكيك التحالفات .. غازي دحمان

الحياة

الثلاثاء 19/12/2017

بإعلانه الانسحاب من سورية، لم يقصد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الخروج المادي لجيشه، بقدر ما كان القصد رمزياً، أو كناية عن إعادة تموضع في المسألة السورية، وليس في جغرافيتها، ذلك أن وجود روسيا في الجغرافية السورية أصبح خارج النقاش، وإنما بوتين يطرح ، في سوق السياستين الإقليمية والدولية، عناصر معينة من القضية، بهدف صيانة علاقات روسيا، وإعطاء دورها الشرق أوسطي زخماً جديداً.

أراد بوتين القول إن روسيا التي كانت قبل سنتين في سورية، تنسحب لتحل مكانها روسيا جديدة تتناسب مع طبيعة المرحلة والتي بدورها تحتاج الى آليات مختلفة غير الطائرة والمدفع، بقدر ما تحتاج إلى تفاهمات إقليمية ودولية جديدة.

على ذلك، فإن هذا التموضع الروسي لا يأتي ترفاً بل تجد روسيا نفسها مجبرة على فعل ذلك، وإلا فإن كل ما حققته سينتهي بالفشل وكل ما استثمرته في سورية والإقليم سيتحوّل إلى ثقب أسود يبتلع كل الرصيد السياسي المتحقق لروسيا، ويدرك الكرملين أن ما بين النجاح والفشل شعرة صغيرة تتعلق بحسن إدارة المرحلة الانتقالية، انتقال روسيا من الحرب إلى التسوية، وليس هناك أفضل من هذا الوقت لإدارة العملية قبل أن تتغير الشروط والمعطيات.

المرحلة تبدأ إذاً بإعادة هيكلة التحالفات أو أقله إعادة صياغة التفاهمات، فمع انتهاء العمل العسكري انتهت الأهداف المرحلية ذات الصلة بنجاح هذا العمل من خلال الانتصار على معارضة الأسد وجلبها إلى طاولة المفاوضات وفق لائحة الشروط الروسية، والآن ثمة قضيتان مهمتان في سورية، نجاح عملية السلام، وإعادة الإعمار، ولهاتين العمليتين حلفاؤهما والجهات القادرة على إنجازهما.

التفارق بين روسيا وإيران أصبح واقعاً تفرضه الوقائع والمصالح، ذلك أن مشروع روسيا في سورية بات يشترط وقف الحرب لاستكمال بقية عناصر المشروع، بخاصة بعد أن تكشّف أن الاقتصاد والاستثمارات والسيطرة على إنتاج الغاز وخطوط نقله ستتحوّل إلى روافع لاستمرار المشروع الروسي، على رغم الأهمية الجيوسياسية التي حققتها قاعدة حميميم وميناء طرطوس عسكرياً، لكن روسيا بحسابات الربح والخسارة ليست في حاجة الى نقاط حراسة لمراقبة أمواج البحر المتوسط، بقدر حاجتها الى استثمارات تضخ الأرباح لخزائنها ولحسابات النخبة الموسكوفية المحيطة ببوتين.

أما إيران، فإن مشروعها لم يكتمل بعد، وما زالت في حاجة الى حروب ومعارك قد تستهلك العقد القادم كله لتثبيته، فهو ليس مجرد طريق لا تزال إيران في طور تصميم رسمه ولا تزال تعترضه قطوعات كثيرة ويحتاج الى ترتيبات أكبر من ظهور قاسم سليماني في هذه البقعة أو تلك، ما زال لديها عمل كثير لتطويق إسرائيل من جنوب سورية ووصل مناطق القلمون بسلسلة جبل لبنان الشرقية، وضمان عدم عودة اللاجئين نهائياً لتحقيق التوازن الديموغرافي المستحيل. ما زال مشروع إيران أو الجزء المهم منه على الورق وحتى الجزء المنفذ يحتاج الى حروب أطول وزمن أكبر حتى يستقر.

وروسيا غير معنية بانتظار إيران ولا مشاركتها صراعاتها القادمة. وبالتأكيد، تدرك موسكو أن هذا المشروع غير عقلاني ويستحيل إكماله وبالتالي هي تخرج نفسها منه، وعند هذه اللحظة تبرز الفوارق وتتعمق بين روسيا وإيران، اللتين دمجتا في مرحلة سابقة قواتهما البرية والجوية لإنجاز مهمة السيطرة على الأرض السورية، حينذاك كانت إيران بالنسبة الى روسيا شريكاً مهماً لديه الجرأة على التضحية بآلاف الجنود، وهو أمر لم تكن روسيا المرعوبة من شبح أفغانستان قادرة على الإقدام عليه.

وأهم تلك الفوارق أن روسيا بلد له عقلية استعمارية تخضع سلوكها العسكري لحسابات الربح والخسارة، كما تمثل الرشاقة في إنجاز المهام معياراً لتحقيق النجاح فيها، يضاف إلى ذلك تحررها من الأحمال الأيديولوجية التي قد تثقل حركتها وتكبل مرونتها، في حين أن إيران بلد متخلف تحكمه أيديولوجيا رجعية لا تقاس النجاحات لديه بمعايير السرعة والربح بل إن دوام الحروب واستمرارها فرصة لتوليد الفوائد التي غالباً ما تؤدي إلى إخضاع المجتمع المحلي الإيراني وتدمير الجوار.

المهمة الروسية في الجزء الأكبر منها انتقلت إلى المجال السياسي، بما فيها تثبيت بشار الأسد في السلطة، أقله إلى حين إيجاد البديل من داخل النظام، وذلك سيتطلب خلق ديناميكيات سياسية جديدة، ويحصل ذلك في مناخ أقل توتراً ما قد يشكل عاملاً مساعداً في إنجاح قيام شبكة أو شبكات علاقات جديدة بين اللاعبين المختلفين.

وحتى تستطيع روسيا تسويق طرحها السياسي في سورية ستضطر إلى تكييف شروطها كي تتمكن من بناء مصالح مشتركة مع اللاعبين المؤثرين، إقليمياً ودولياً، مع وجود احتمال دائم بإمكان تعقّد الحل واستمرار حال اللاحرب واللاسلم في سورية فترة زمنية طويلة، إذا أصرت روسيا على فرض الحل وفق رؤيتها وبشروطها، فليس ثمّة أطراف مضطرة لإنقاذ بوتين وحليفيه نظام الأسد وإيران.

========================

ترتيبات الحل الروسي بين الواقع والممكنات .. حسام ميرو

الخليج

الاثنين 18/12/2017

بعد معركة حلب، قبل عام تقريباً، والتي حسمها التدخل الروسي، وعدّت فيما بعد نقطة فارقة في الواقع الميداني، أصبحت موسكو أكثر وضوحاً في تفضيلها حلولاً بعيداً عن المرجعية الأممية، وقد ترجمت رؤيتها بداية عبر مفاوضات أستانة، التي سعت من خلالها إلى تخفيض الصراع العسكري، ورسم الحدود بين الأطراف المتقاتلة، وتخفيض عدد الفصائل المسلحة المعارضة، وقد نجحت عبر اتفاق "خفض التصعيد" إلى حدٍّ كبير فيما سعت إليه، وبالفعل شهد عدد الفصائل انخفاضاً كبيراً، حيث اضطر بعضها إلى حل نفسه، وبعضها الآخر ذهب نحو الاندماج مع فصائل أخرى، وهو ما سهل إلى حدٍّ كبير إمكانية التفاوض مع الفصائل، والوصول إلى تسويات.

كانت روسيا منذ بيان "جنيف 1" في 30 يونيو/ حزيران 2012 رافضة لفكرة الانتقال السياسي بوصفه نقلة واحدة على رقعة الشطرنج، وهو ما جعل الخلاف في تفسير البيان يسود على طول الخط مع الإدارة الأمريكية، بالإضافة إلى الخلاف مع الدول العربية والأوروبية الداعمة آنذاك للمعارضة السورية، وبقيت موسكو تروّج لفكرة انتقال سياسي يقوم على خطوات عديدة، ليس من بينها استلام وتسليم للسلطة، وأصبح موقف موسكو أكثر وضوحاً بعد دخولها العسكري المباشر، الذي أحدث فرقاً نوعياً في سير المعارك، وعزز من رؤيتها إلى الحل، والتي تقوم على نقطتين أساسيتين، هما: كتابة دستور جديد، وإجراء انتخابات، مع ترك الباب مفتوحاً أمام الأسد للترشح.

وعلى الرغم من وجود مرجعية أممية، ممثلة بقرار مجلس الأمن 2254، الذي نصّ على "تشكيل حكومة انتقالية، وإجراء انتخابات برعاية أممية"، إلا أن موسكو لم تدعم فعلياً مفاوضات جنيف، والتي وصلت إلى نسختها الثامنة من دون أي تقدّم يذكر، ولم تقم بأي ضغط جدي على النظام السوري، فمجريات الجولات كافة تشير إلى مراوغة وفد النظام، ما يعني فعلياً أن موسكو نفسها غير راغبة بأن تكون مفاوضات جنيف ذات مغزى، لمصلحة مسار آخر تخطط له موسكو، وتنسق بشأنه مع الدول الإقليمية، من أجل فرضه كأمر واقع.

تعتقد موسكو بأنه لا يمكن ضمان مصالحها في سوريا إلا من خلال المحافظة على بنية النظام القديم، وأن المحافظة على ما تبقى من الدولة يقتضي المحافظة على بعض أهم رموز النظام، وبالتالي فإن تصميم أي حل يجب أن يضمن فعلياً بقاء عدد من الرموز، ومشاركتهم في المستقبل السياسي والإداري لسوريا المستقبل، وهو ما لا يمكن أن يتم فعلياً عبر مفاوضات جنيف، وبالتالي فإن مؤتمر سوتشي، والذي لم يحدد له موعداً بعد، هو الآلية التي تعتقد موسكو بأنها كفيلة بإنتاج حل سياسي على مقاييس مصلحتها ورؤيتها.

إن طيفاً واسعاً من المعارضة السورية بات مقتنعاً بدور موسكو المحوري في رسم الحل السياسي، وقدرتها على إلزام مختلف القوى به، خصوصاً مع التوافقات التي أجرتها موسكو مع أنقرة وطهران، لكي تساعدانها على إعادة هيكلة قوى المعارضة والقوى المجتمعية من أجل تأمين مشاركتها في مؤتمر سوتشي، وهو ما ظهرت بعض ملامحه من خلال مؤتمر العشائر الذي أنهى أعماله مؤخراً في إسطنبول.

لكن، ومع كل الوقائع السياسية التي تؤكد محورية موسكو في الحل السياسي، وإمساكها بأوراق داخلية وإقليمية، إلا أن ما يجري من تحضيرات لمؤتمر سوتشي توضح بأن موسكو لا تأخذ بالحسبان أن منطق المحاصصة الذي تسعى إليه لا يمكنه القفز عن عدد هائل من المعضلات في الواقع السوري، فثمة ملفات كبيرة يجب التطرّق إليها قبل أي حل، وتوضيح موقف موسكو منها، وما هي الخطوات العملية لتحقيق انفراجات مهمة فيها، فعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن ملف المهجرين في دول الجوار (هناك حوالي 6 مليون لاجئ سوري في دول الجوار، تركيا، ولبنان، والأردن، والعراق)، يشكل أحد الملفات الإشكالية في الواقع السوري، وليس واضحاً كيف يمكن إعادتهم إلى مدنهم وبلداتهم، كما أن ملف الميليشيات والفصائل غير السورية التي قاتلت إلى جانب النظام ما زال مسكوتاً عنه من قبل موسكو، وهو الآخر سيقف حجر عثرة في استعادة الحياة السياسية والمدنية في سوريا.

إن امتلاك موسكو القوة يجعلها لاعباً حاسماً في الحل السياسي، لكن القوة وحدها من دون خريطة طريق حقيقية تغدو فاقدة لأي مغزى. وربما من المفيد الاستفادة من التجربة العراقية، فقد امتلكت أمريكا قوة هائلة في العراق لكنها لم تمتلك رؤية صائبة، فهل تسير موسكو اليوم على خطى واشنطن في العراق، أم ثمة استفادة من دروس الأمس القريب؟

========================

سوريا بعد فشل جنيف8 .. د. سمير صالحة

المدن

الاثنين 18/12/2017

يستعد المبعوث الأممي إلى سوريا، ستيفان دي ميستورا، لتقديم تقريره الى مجلس الأمن الدولي حول أسباب فشله اللامعلن في جنيف8. سيحاول ان يكون متوازناً ومنصفاً في توجيه الاتهامات وتحميل المسؤوليات للنظام والمعارضة، حول دورهما في عرقلة المفاوضات وعدم الخوض في خطته التي تقوم على مناقشة 12 بنداً للتسوية في الملف السوري.

يقول رئيس وفد النظام السوري، بشار الجعفري، أن الحكومة السورية لن تقبل الدخول في حوار بوجود أي شرط مسبق، وطبعا نحن نعني بذلك أن بيان الرياض2 يمثل شرطاً مسبقاً للمحادثات. في المقابل، اتهم رئيس "هيئة التفاوض السورية"، نصر الحريري، وفد النظام بإضاعة الوقت وعدم الجدية خلال الجولة الحالية. أما دي ميستورا، فيكتفي بإبداء أسفه لعدم حصول "مفاوضات حقيقة" بين الطرفين، ويعلن أنه سيبادر الى توجيه الدعوات لجولة جديدة من المفاوضات في كانون الثاني/يناير2018. وهو لن يستطيع الحصول على قرار أممي توافقي جديد يمنحه تفويض الضغط والمساءلة في اجتماع جنيف المقبل، لكنه لا يملك الشجاعة أيضاً لمفاجأتنا بطلب إعفائه وقرار التنحي عن الاستمرار في مهمته التي تزداد تشابكاً وتعقيداً.

الرهان على فشل محادثات جنيف8، لم يكن صعباً قبل اسبوعين، لأن الهدف الحقيقي للقاء لم يكن إنجاح المؤتمر وتنفيذ المطلوب منه بعد 7 لقاءات فاشلة أخرى، بل تكريس مقولة انتهاء دور المنظمة الأممية ووساطتها واستبدالها بحلول الأستانة وسوتشي ومؤتمر الحوار الوطني، والتي أصبحت تلخص مسار فتح الطريق أمام استراتيجية "تنازلات ما قبل التسوية" في ملف الأزمة السورية.

جنيف8 ساعدنا حتى الآن في فهم العديد من النقاط العالقة:

موسكو تدعو أنقرة لإنهاء ما كلفت به في الأستانة حول تواجدها في إدلب وتترك موضوع عفرين إلى التسويات السياسية النهائية في الملف السوري، بينما تتمسك تركيا بإسقاط ورقة عفرين من يد البعض ضدها. في المقابل، تواصل روسيا تحركها الإقليمي وباتجاه القاهرة تحديداً، حيث يدور الحديث عن محاولة إقناع عواصم عربية بالدخول المباشر على خط الأزمة عبر إرسال قوات فصل تتمركز على الجبهات السورية. هل يعني هذا أن موسكو تتراجع عن تعهداتها السابقة لأنقرة في إطار تفاهمات الأستانة والسماح بإقامة نقاط مراقبة تركية في إدلب؟ قناعة تبرز رويداً رويداً، تقدم قوات النظام السوري نحو الحدود الإدارية لإدلب لا يمكن سوى تلقيها على أنها رسالة روسية إلى تركيا حول أن صبر موسكو يكاد ينفد وأن العملية العسكرية ستتم بشكل أو بآخر ومع تركيا أو من دونها هناك.

التحرك العسكري لمجموعات داعش نحو إدلب لم يكن سوى مبرر لإطلاق يد النظام وقواته هناك لمحاصرة داعش و"هيئة تحرير الشام" على السواء، ودفعهما نحو الانتحار العسكري والسياسي، وفتح الطريق أمام سيناريو آخر مشابه في عفرين هذه المرة. هذا، من دون التوقف مطولاً عند الرسائل الأخيرة التي وجهها بوتين الى أنقرة عبر طهران التي تطالب دائماً بانسحاب القوات غير الشرعية من سوريا!

أنقرة اليوم، وإلى جانب كل هذه المطبات، أمام تقاطع مراجعة مواقفها في موضوعي تمثيل "قوات سوريا الديموقراطية" ورحيل بشار الأسد قبل انطلاق المرحلة الانتقالية واحتمال أن يشعل ذلك أزمة بينها وبين حلفائها في المعارضة السورية.

إدارة دونالد ترامب ما زالت تجد صعوبة فائقة في مسعى إضعاف النفوذ الإيراني في سوريا وفي خطة التمسك بجنيف كبديل وحيد للتسوية هناك. كما أنه، من دون تفاهمها مع موسكو مباشرة، لن يكون هناك حل دائم في سوريا.

تقدم احتمال قبول موسكو بالعودة الأميركية العسكرية الى الملف السوري وقرار إشراكها سياسياً في التسويات هذه المرة، في مقابل تخليها عن موقف أن جنيف هو المسار الوحيد لحل الصراع السوري. هل تضحي واشنطن بجنيف في مقابل إشراك حليفها المحلي الكردي في طاولة الحوار الوطني؟

- "وحدات حماية الشعب" تبحث عن مكان جديد لها بين موسكو وواشنطن، وهي تشيد بنتائج التنسيق العسكري معهما والدعم الجوي واللوجيستي الذي تحصل عليه، والذي يفتح الأبواب، كما ترى قيادات عسكرية كردية، أمام تشكيل هيئة أركان وغرفة عمليات مشتركة بهدف رفع وتيرة التعاون.

الإبرة ما زالت تميل نحو تبني مسار حل وتسوية، يعتمد على الكثير من مقترحات المبعوث الدولي إلى سوريا، ستيفان دي ميستورا، لكن ليس تحت إشرافه، أو في جنيف، بل بضمانات المظلة الأممية فقط. التفاهمات النهائية قد تتم في المؤتمر الوطني السوري.

خيار الحوار حول الطاولة البديلة التي تطرحها موسكو، في جمع غالبية كيانات وشرائح الشعب السوري لتكون نواة هيئة الحوار الوطني، لا بد أن تسبقه تفاهمات ورزمة إصلاحات سياسية ودستورية واضحة ومحددة في سوتشي، لتترجم الى خطة تحرك ميداني في الاستانة تطلق يد منصة الحوار السوري-السوري التي سيتم تشكيلها.

الموقف الروسي أوجزه بوتين، مرة أخرى، على هامش لقائه برأس النظام في سوريا في قاعدة حميميم. العملية السياسية ستبدأ انطلاقاً من انتهاء الحرب على "داعش"، وبدء تفكيك "جبهة النصرة"، واستناداً إلى عملية احتواء الصراع الداخلي المسلح في مناطق خفض التصعيد. رسالة بوتين هي أمام بشار الأسد، لكن المعنيين فعلاً هم حلفاء وشركاء موسكو وخصومها، إذا ما كانوا راغبين في إنجاز التسوية السياسية في سوريا على الطريقة الروسية.

ثمة حقيقة أخرى، وهي أن قوى المعارضة السورية التي ترفض أي دور للأسد في المرحلة الانتقالية، والتي كررت موقفها هذا في البيان الختامي لقمة الرياض2 الأخيرة، تواجَه بالتصلب الروسي الذي يقول أن الأسد باقٍ في المرحلة الانتقالية. وها هي تستعد لسوتشي آخر، وهي تعرف تماماً أنها ستُطالَب بترك شروطها المسبقة عند باب قاعة المفاوضات، فكيف ستتصرف؟

الطرف الأكثر تراجعاً في مشروع التسويات السورية، هو المنظومة العربية، التي فشلت في فرض نفسها وسط تشرذم وتشتت مستمر حول إنقاذ الموقف والدور. وهي نتيجة سياسية واستراتيجية ليست الأولى من نوعها في العالم العربي في العقود الأخيرة.

أولويات قيادات "حزب العدالة والتنمية"، في سوريا، تتغير تماماً، بالمقارنة مع ما كانت تفعله وتقوله قبل 7 سنوات عند انطلاق الثورة. وصول السياسة التركية إلى طريق مسدود في الخطط والحلول التي اقترحتها، دفعها إلى التحول نحو روسيا وإيران للتنسيق معهما في سوتشي والاستانة، وغداً أمام طاولة المؤتمر الوطني السوري، رغم معرفتها أن ذلك قد يتعارض مع سياستها الغربية الأميركية والأوروبية والأطلسية وربما العربية أيضاً.

========================

المعارضة السورية بين جنيف وسوتشي .. يمان دابقي

العربي الجديد

الاثنين 18/12/2017

في الأمس القريب، أطل الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، من قاعدته الروسية في حميميم غرب اللاذقية، وألقى خطاب النصر بإعلانه نهاية العمل العسكري، بعد القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية في سورية بشكل نهائي. وتبع القرار إيعاز روسي بسحب القوات الروسية من سورية، باستثناء الأسطول البحري في شواطئ المتوسط، تحسباً لأي تنام لتنظيم داعش بشكل مفاجئ.

ما جرى هو أيضا رسالة إلى واشنطن، مفادها بأن روسيا أصبح لها موطئ قدم في مياه المتوسط، وهو إنجاز طبيعي لها بعد عامين من تدخلها في سورية، بيد أنّ إعلان روسيا والنظام بالنصرعلى الإرهاب كان مجرد ضربة استباقية، لإظهار ما هو بعد الإعلان من تعزيز بوتين رؤيته السياسية في سوتشي.

وبينما كان الرئيس بوتين يتنقل بين سورية ومصر وتركيا، كانت مفاوضات جنيف، بجولتها الثامنة، تشهد حالة متعسرة ومخاض ألم عسير، أصاب مفاصل المعارضة، سببها الضربات التي وجهها وفد النظام برئاسة بشارالجعفري، إذ كانت اللامبالاة سيدة الموقف في تعنت النظام بعدم الدخول في مفاوضات مباشرة مع وفد المعارضة، برئاسة نصرالحريري، ورفضه بيان مؤتمر الرياض 2، بما عنى ذلك من فشل ذريع.

وقد أعلن المبعوث الأممي، دي ميستورا، عن خيبة أمله، عقب نهاية الجولة التي لم ترق إلى مستوى المفاوضات، بل اقتصرت على المشاورات، موجهاً أصابع الاتهام إلى وفد النظام، والذي أظهر رغبة مبيتة لإفشال مسار جنيف كلياً، ونسفه من الجذور والاستعاضة عنه بمؤتمر سوتشي المزمع عقده مطلع العام 2018، فيما نصر الحريري عبّر عن استيائه، مضيفاً أنّه لا يتوقع أي تقدم في الجولات المقبلة، إذا استمر الوضع على ما هو عليه من دون ممارسة الأمم المتحدة دورها بشكل رئيس، بالضغط على النظام، وهو الأمر الأهم إذا ما أرادت الحفاظ على مصداقية الأمم المتحدة في إحلال السلام.

نجح النظام عبر مبعوثه بشار الجعفري في إفشال جولة جنيف، لترتفع بذلك أسهم "سوتشي"، وعلى الرغم من تأكيد واشنطن أن مسار جنيف وحده المسار النهائي للحل السياسي السوري، إلا أن هذا يعد بمثابة كلام كالهشيم في الهواء، من دون إرفاقه بخطوات عملية، وهي الغائبة إلى يومنا هذا في ظل عدم وجود نية أميركية قريبة المدى لأي حل في سورية.

غياب الإرادة الأميركية جعل روسيا تستفرد أكثر فأكثر، بالضغط على المعارضة، فبعد يومين من نهاية جنيف، كشفت مصادر عن شروط روسية تفرضها على المعارضة قبل أي حل سوري، تتمثل في التزام المعارضة بمحاربة الإرهاب وجبهة النصرة، والحفاظ على مناطق خفض التصعيد، وسحب بيان "الرياض2"، والتنازل كلياً عن مطلب رحيل الأسد، وعلى الفور جاء الرد بالرفض من وفد المعارضة، فالمتحدث باسم وفد المعارضة، يحيى العريضي، قال متهمكاً: هذا جنون وضرب من الخيال.

لو نظرناً أخيرا إلى حال المعارضة، بعيداً عن الشروط الروسية التي لا تعدو كونها ممارسة مزيد من الضغط، فإن المعارضة السورية بوفدها الحامل ألغاما داخلية، إلى جانب فشل جولة جنيف، هي بهذا الصدد في أصعب حالاتها، وهي أمام خياراتٍ لا وجود لأحسنها في قاموسها، وهو نتاج منطقي للتنازلات المقدمة.

علاوة على ذلك، لا وجود لخيارات أمام المعارضة، حتى تفضل إحداها على الآخر، فإن حسمت أمرها وذهبت إلى سوتشي، مع التأكيد على ثوابت الانتقال السياسي ورحيل الأسد، فلن ينفعها هذا أمام الحديث عن إقرار دستور وانتخابات في سوتشي.

ومن الطبيعي بما أن جنيف، وعلى مدار 20 شهرا، لم يُحدث فيه أي نقاش في الانتقال السياسي وآلية تطبيق قرارات مجلس الأمن 2254، فمن البديهي أن هذا لن يحصل في سوتشي، لا سيما أنّ روسيا هي من شتّتت جهود المعارضة، وسخّرت جهود المبعوث الأممي، دي ميستورا، لخدمتها في مقابل أن لا يتم التطرّق للحديث عن جوهر العملية السياسية في جنيف، فيما خيارعدم الذهاب إلى سوتشي قد تم التنبؤ بنتائجه، من خلال تهديدات مبطنة، قذفها دي ميستورا، وسرعان ما تراجع عنها في جنيف، وقدم اعتذاراً للمعارضة عن سوء الفهم، عندما قال لهم بما معناه: إما نجاح "جنيف" أو تلاشيكم في "سوتشي"؟ وهو ما أخذ على محمل الجد داخل الأوساط المعارضة، بمعنى أن مؤتمر سوتشي سيكون إقرار للحل النهائي لسورية، والإخراج الشكلي له في جنيف.

ذهاب بعض الوفد من منصتي القاهرة وموسكو بشكل مستقل إلى سوتشي سينعكس سلباً على كامل وفد المعارضة، وسيُحسب دولياً أنها ذهبت حتى لو تم حضور شخص واحد، هذا بالمنظورالروسي. ولا شك أنها ستستغله لشرعنة رؤيتها، وتقليص أكثر لبقية وفد المعارضة التي تجد نفسها أمام خياراتٍ، أحلاها مر.

========================

ليس مجرّد فيلم عن سورية .. ميسون شقير

العربي الجديد

الاثنين 18/12/2017

يعرف صانع الأفلام، جون غريسون، الفيلم الوثائقي بأنه "العلاج الإبداعي للواقع"، أو أنه "إمكانية السينما من مراقبة الحياة وتصويرها، بحيث يمكن استغلالها في شكل جديد للفن". وقد يكتشف العالم له تعاريف جديدة، وأكثر رعبا، حين يسقط الطغاة المنتصرون، وحين يسمح للضوء، وللكاميرا، بالدخول الى ما تحت الأرض، هناك حيث الموت لم يزل يربي صغاره جيدا، وحيث الحياة/ الأم/ تغتصب أمام قلوب أبنائها، وتضرب مدار الساعة، مدار القهر، وحيث تموت الحياة تحت التعذيب.

"الصرخة المكتومة" فيلم وثائقي فرنسي عرضته القناة الفرنسية، قبل أيام، وصعق الرأي العام الفرنسي كما كتبت الصحافة. وذكرت "لوموند" أن الشعب الفرنسي لم يكن يعرف شيئا عن مدى فظاعة ما يحدث في سجون النظام في سورية، وأن الفيلم جعلهم يسمعون صوتا لم يتخيلوا أنهم قد يسمعونه يوما، بعد أن انتهت الحرب العالمية الثانية، وانتهت معها سجون النازية ومعسكرات الاعتقال والمحارق البشرية. ولكن كيف يكون الفيلم صاعقا إلى هذه الدرجة؟ وكأن العالم لم ير الصور التي نشرها "القيصر" لأحد عشر ألف معتقل ماتوا تحت التعذيب، ولم يسمع قصص اللاجئين الذين وصلوا إلى أوروبا، ولم ير آثار التعذيب على أجسادهم وقلوبهم.

كيف تصف الصحافة الفيلم صادماً؟ وكأن العالم الذي لم ير نظاما يقصف مدناً بالبراميل، ولم يشاهد أقدم مدن العالم وقد صارت مدناً للخراب والموت، ولم يعرف نظاماً يقتل في سجن صيدنايا وحده خمسة عشر ألف معتقل، ويخفي قسريا ما يزيد عن ستين ألف اسم. كيف لا يعرف العالم ما يحصل في سورية، مع أن منظمة العفو الدولية، والمنظمات الدولية لحقوق الإنسان، تقدّم للعالم كله تقاريرها المرعبة عما يحصل في سورية سنويا؟

""الصرخة المكتومة" فيلم وثائقي فرنسي عرضته القناة الفرنسية، قبل أيام، وصعق الرأي العام الفرنسي كما كتبت الصحافة"

هل كان الرأي العام الفرنسي، والعالمي، بحاجة إلى هذه "الصرخة المكبوتة" كي يسمع صوت قطرات المطر على زجاج واجهة السيارة في بداية الفيلم، والأضواء البعيدة القادمة، طريقة التصوير الذكية، الموسيقى التصويرية المؤثرة؟ كل هذه تقنيات تنم عن مهنيةٍ وحسّ عاليين، مثلما تنم عن قدرة إخراجية حقيقية، لكن البطل الذي جعل الفيلم ينجح، وجعله يدخل البيوت والقلوب من دون جواز سفر، هو الصوت الصادق الطالع من الكبد، والذي بدأ منذ أكثر من ست سنوات في الساحات، قويا، أخضر، واثقا، مفاجئا، شغوفا، والذي خانته السماء، وخانه العالم، وخانته الحناجر، لينتهي في الفيلم صوتا ذليلا، مخذولا، كصراخ امرأةٍ ثائرةٍ تغتصب.

هذا البطل الذي أخذ دور البطولة اليوم للمرة الأولى، في فيلم وثائقي عن الصوت، قد يكرّمه العالم ويعطيه جوائز، ليصبح الوجع السوري من جديد صياد الجوائز الماهر. وقد تكرّم المخرجة المشكورة على حقيقية سعيها وتحدّيها، وتكرم الصحفية التي سعت إلى إنجاز المقابلات، ويكرّم منسق الموسيقى التصويرية، والمصور. ولكن من يكرّم مريم؟ من يعيد إليها نفسها التي سقطت منها؟ ومن يعيد لتلك الأم الباقية المقتولة/ الناجية من مجزرة الحولة، ملامحها وأبناءها الذين دفنتهم في التراب؟ والأهم من هذا كله، هل سيستطيع هذا البطل أن يكون بطلا، ويخرج امرأة، أو شابا، أو طفلا واحدا، من الثلاث مائة ألف معتقل ومعتقلة الذين لم يزالوا هناك، والذين، في كل لحظة، بكل ما بقي فيهم من صوت، يصرخون؟

استطاع "الصرخة المكتومة" الصراخ الحقيقي عالياً، حتى حدود السماء التي آن لها أن تكسر صوت "مريم" ممرضة الإغاثة الجميلة، ذات العيون الواسعة والقلب المثقوب، مريم التي رمتها الثورة في قلب مشفى ميداني، كي تنقذ ما تبقى من الأرواح، وكان عليها أن تدفع روحها عقابا لما اقترفته من جرم إنقاذ الحياة. كان صوتا قادما من أعماق بئر سقط دلوه فيه، وانقطع الحبل، ولم يبق منه غير صدى السقوط، صوتها وهي تعيد تفاصيل ليلتها الأولى في المعتقل، بكل ما يحمله من رجفات الحقيقة، ومن تهدّج قسوتها، بكل ما فيه من أنوثة مكسورة، ومن كبرياء طافح بالوجع، استطاع صوتها هذا اختراق كل القلوب التي سمعتها، واستطاع ثقبها، وصفها نفسها، ولصديقتها، وهي عارية تغتصب اغتصابا جماعيا حيوانيا. أما عيون الأم القادمة من الحولة، والتي قتل أولادها أمام عينيها وقلبها، الأم التي تصفع بعيونها، وهي تبكي، كل جباه البشرية، والتي غنت في نهاية الفيلم أغنية مسننة الحوافّ، جرحت أصابع العدالة، وفقأت عين التاريخ الباقية.

هل سيستطيع أحد، أي أحد، أن يواجه هذه العيون، وأن يخيّب ظن مريم التي قالت إنها تعرف أن الفيلم لن يغير شيئا، وأن الجميع سوف يشاهدون، ثم يحزنون، ساعة أو أكثر قليلا، ثم ينسون كل شيء. ويتركون الإنسانية وحدها هناك، تغتصب اغتصابا جماعيا، كل ليلة.

========================

من يوميات سوري في مدرسة فريدلاند لإعداد المهاجرين في ألمانيا .. ميسرة بكور

القدس العربي

الاثنين 18/12/2017

لست الشخص الأول ولن أكون الآخير، الذي مر وسيمر على "مدرســة فريدلاند"، لإعداد المهاجرين أو اللاجئين الجدد من القارات الثلاث، الذي يضم أكثر من 600 مهاجر أو ملتمس اللجوء في ألمانيا، في هذه اللحظة التي أسرد فيها لشخصكم الكريم ما أعايشه على أرض واقع التجمع.

ولست أخفيكم أنني لم أكن أعلم عن المكان شيئًا.

سمعت الكثير من أقوال القائلين أو المتقولين حول المجمعات التي يتم سوق اللاجئين إليها وحشرهم فيها، وبعضهم قال عليك بالصبر والمصابرة فهي كفيلة في امتصاص ما قد تشعر به من خيبة أمل أو بعض عوارض الإقامة في المجمع، وقد أصدروا حكمًا غير قابل للنقض بأننا سنواجه خلال فترة إقامتنا في المجمع المحكوم عليه سلفًا بأنه غير مريح.

فترة إقامتنا في التجمع، قد تواجه صعوبات وأمورًا كثيرةً ربما لا تسركم، مثلًا الإقامة مع مجموعة من الشبان أصغر منك سنًا أو الاستحمام في حمام مشترك ومطبخ يشترك في استخدامه الجميع، ومشاركة العائلات سكن الشبان العزاب.

القارئ الكريم، ما أريد إخبارك به أنني خططت سطوري هذه من داخل تجمع "فريدلاند" ولاية هانوفر، سكسونيا السفلى وأنا من نزلائه، ما زلت أعيش تفاصيله اليومية الاعتيادية منها والعاصفة الثلجية المتجمدة، والمتجددة مع إشراقة كل يوم جديد، وقصصها الإنسانية متعددة الجنسيات التي استوعبتها بصدق أحضان وأجنحة مدرسة فريدلاند برعاية نبيلة ذات عمق وبعد إنساني التي إن دلت على شيء إنما تدل على سمو ورفعة أخلاق القائيمن والعاملين في ما أصر على تسميته مدرسة فريد لاند لإعداد المهاجرين.

 

أهلا بكم في مدرسة فريدلاند

 

في صباح يوم الخميس 8 كانون الأول/ديسمبر 2017، أقلعت طائرة الإيرباص التابعة لشركة مصر للطيران من مطار القاهرة الدولي البوابة F2 التي كانت تقلني مع حوالي 260 شخصًا آخرين من مخـتلف الجـنسيات.

كانت الوجهة مطار هانوفر في سكسونيا السفلى، حيث كان الموظفون ينتظروننا برفقتهم عدد من المترجمين والمسؤولين في الإدارة الاتحادية وقسم الهجرة، بعد إجراءات الدخول تم مرافقتنا عبر ممر خلفي إلى قاعة الانتظار، وقبل أن ندخلها وجدنا مجموعة من الناشطات يحملن هدايا وينتظرن قدومنا بابتسامة مشرقة، ويسرعن ويقدمن الهدايا في مشهد لم أشهده لا في مطارالقاهرة الدولي ولا مطارالمملكة علياء الدولي في الأردن.

بعد أن جلسنا في القاعة المذكورة كانت المفاجأة الثانية بعد مفاجأتنا بالهدايا وقاعة الانتظار والبوفيه الذي كان يعج بأنواع الشكولاته والبتيفور وزجاجات المياه وغيرها من أسباب الضيافة، فكان أن دخل علينا في القاعة مسؤولون من المكتب الاتحادي للهجرة وشؤون اللاجئين وبعض المعنيين برفقة مترجمين وبدأوا بالترحاب بنا بما يشبه حفل استقبال قمة في الإنسانية، حيث قالت المسؤولة هكذا: "نحن سعداء لأنكم موجودون الآن بيننا.. نعلم حجم معاناتكم السابقة"، هذه الكلمات كانت بمثابة ناقوس قرع وجداني وحركني باتجاه المتحدثة لأقول لها: "بل نحن ازددنا شرفًا بأن منحتمونا فرصة أن نكون مواطنين ألمانا ونرجو أن نستطع أن نخدم ألمانيا ".

بعد حفل الاستقبال، تم نقلنا بحافلات إلى مجمع فريد لاند حيث نستقر حوالي أسبوعين هي بمثابة دورة تأهيلية في اللغة والاندماج والتعارف والثقافة والفن معطرة برحيق إنسانية الإنسان المتحضر المتسامي على اللون والطائفة والجنس وما يحـط من القيم الإنسانية النبيلة.

"فريدلاند" الواقع في اقليم هانوفرعاصمة ولاية سكسونيا السفلى غرب ألمانيا، لم يكن مجمع للمهجرين أو ملتمسي اللجوء متعددي الجنسيات والأعراق، بل كان مدرسة حقيقية بكل ما تحمله هذه الكلمة من معانٍ وعبارات لإعداد المهجرين من أجل مشاركة فعالة واندماج سريع في المجتمع الآلماني.

في سبيل هذه الغاية، سخّرت إدارة المجمع "المدرسة" كادرًا متخصصًا في الاستشارات القانونية والاجتماعية وقوانين العمل والهجرة والاندماج بالتعاون مع منظمات حقوقية تدعم المهاجرين مثل منظمة كاريتاس.

المجمع الذي تم تأسيسه أثناء الحرب العالمية الثانية من قِبَل الجيش البريطاني تحول عبر عقودٍ طويلةٍ لكوكب مصغر تمكن من جمع طيف واسع من المهجرين والنازحين من قارات العالم من عام 1945 وجنود الحرب العالمة الثانية مرورًا بمهجري تشيلي وفيتنام ومهجري القرن الحادي والعشرين، وقد تم توثيق معظم مراحل استقبال المهجرين خلال فترة الحرب العالمية الثانية وما بعدها في متحف "فريدلاند"، حيث تم تحويل مبنى قديم لمحطة القطارات إلى متحف خاص بفريدلاند في مارس 2015، وعندما نقول متحف هذا لا يعني أنّنا سنشاهد فيه التماثيل والمعدات إنما هو متحف "صور" ووثائق وكتب، يضم حوالي 10 آلاف صورة، تم تجميعها من شهود عيان ومن المعنيين بالقضية بشكل شخصي، خلال عشر سنوات من المتابعة والتدقيق كما أخبرتنا سماح الجندي، سورية وهي موظفة قسم "بيداغوجيا" في المتحف، وكذالك فعل منذر خلوص الموظف في المتحف وهو أيضًا سوري، كما يرافقهم مجموعة من الموظفين الألمان ومن عرقيات متعددة منهم فتاة من أصول إيرانية.

متحف فريد لاند، يضم نخبة من الموظفين كان لنا شرف الاستماع إليهم وهم يعملون على جسر العلاقات بين المتحف ونزلاء فريد لاند من المهجرين، والوفود السياحية والثقافية التي تزوره بشكل يومي من كل بقاع الأرض، هذا الفريق المميز بأسلوبه وأدواته التفاعلية ونبض احساسه الذي يلامس ما عايشه ابناء تلك الحقبة من تهجير ونزوح وينقلونك عبر آفاق الزمن لتعيش تلك اللحظة المأساة الإنسانية بأبعادها كافة.

بالإضافة لمعالم البناء العتيقة وهندسته العمرانية وسقفه الخشبي المميز الذي ينبض بمشاعر تلك الصور المخزنة بين جدرانه واروقته الممتدة من عام 1945 حتى مأساتنا اليوم في سوريا والمنطقة العربية.

فريد لاند "المدرسة".. التجمع هو في الأصل قرية ألمانية تتبع لولاية هانوفر غربي ألمانيا، تحولت لنزل للنازحين منذ الحرب العالمية الثانية وإلى يومنا هذا، وهو كلتة عمرانية أكبر مبانيها طابقية هو المسشفى أو المستوصف، وهو مكون من ثلاث طبقات ويتسع لعشرات الأسر، ويقدم خدمات الطوارئ والإسعافات العاجلة.

 

المطعم ودار المناسبات

 

يوجد مطعم ودار مناسبات تتسع لأكثر من 600 شخص في آن واحد، وتقدم لنزلاء المجمع كافة وجبات الإفطار والغداء والعشاء بمواعيد صارمة، مع فرض انضباط دقيق في الوقوف بالصف واستلام الطعام المخصص لكل شخص.

يقام في المطعم فعاليات وأنشطة ثقافية واجتماعية ومناسبات أبناء المنطقة من احتفالات وأعياد ميلاد والمهجرين النزلاء في الجوار مرحب بهم من قبل أهالي المنطقة في مناسباتهم العامة.

كل الكتل السكنية لها أرقام وجهاز فني وإداري غاية في الانضباط والنظافة، مع مراعاة الالتزام بالقوانين، حيث لا يمكن التهاون في تطبيقها مهما كانت الظروف، فالطعام في وقته والنوم والنهوض منه في وقته المعلوم.

النظافة شيء مقدس، كل يوم في الصباح وبعد العصر يأتي عمال النظافة لتنظيف أروقة السكن الخاص بالمهاجرين وتبديل أكياس النفايات ورميها، كما يوجد فريق مختص بصيانة المياه والحمامات يقوم بتدقيقها بشكل يومي، في كل نزل من منازل المجمع التي بالمناسبة يطلق عليها اسم دار، كما أن هناك فريقًا مختصًا بنظافة الأسرة وفرشها، والوقت والنظام في مدرسة فريدلاند أمر لا يمكن التهاون به، كما لا يسمح بحال من الأحوال للنزلاء إشعال سيجارة في الغرف أو النزل "الدار".

يوفر التجمع للمهاجرين كل هذه الأشياء بشكل مجانٍ، ويقدم لهم بعض الثياب التي يتم جمعها من المتبرعين بسعر رمزي جدًا، وخلال فترة إقامة المهاجر في المجمع، يحصل على دورة اندماج متخصصة لشرح كل ما يمكن أن يطرحه المهاجر من تساؤلات من المدرسة إلى العمل وقانون المرور والجامعات والتأمين والتدريب.

كما يقدم دورة تأسيسية في مبادئ عامة في اللغة الألمانية كمدخل لتعلم اللغة بعد أن يتم فرز المهاجر إلى المقاطعة التي سيقيم فيها، ويوجد دار لتعليم اللغة والاندماج يشرف عليها أساتذة مختصون، كلٌ في مجاله، فضلًا عن مدرسين محترفين للغة والعلاقات المجتمعية، وقد عايشت ذلك بنفسي.

تم توزيع العائلات على الدور وبعض العائلات الصغيرة تم دمجها مع أخرى من بلدان مختلفة، كذلك فعلوا مع الشباب العازبين حيث جمعتنا غرفة واحدة ستة أشخاص من سوريا والعراق والسودان وإرتيريا، بهدف اندماجنا مع بعض كخطوة أولى لاندماجنا في المجتمع الألماني.

توفر دور السكن الإنترنت مجانًا، الأمر الذي جعل زملاء الغرفة ونزلاء "الدور" ينشغلون ويشتغلون في الإنترنت ووسائل تواصله المختلفة عن الغاية المنشودة وهي الانخراط بعلاقات جديدة يتم من خلالها التكاتف والتعرف على ثقافات الآخرين والاستفادة من تجاربهم التي مروا بها وما يحملون من أفكار وتطلعات لمستقبل مشرق في ألمانيا.

الشكر والاحترام كله لإدارة التجمع "المدرسة" وللعاملين فيها والمشرفين عليها.. لقد أدخلتم البهجة لقلوبنا، ولست مضطرًا بعد الآن أن أبحث عما يجب أن أقوله في حديث إعلامي أو ندوة أو الرد على تساؤلات المتسائلين عن احتياجات المهاجرين وأحوالهم، لأنني أعتقد أنّ نزلاء التجمع من المهاجرين "المستوطنين" لا ينقصهم شيء بل أنهم تعلموا سلوك وقواعد الانضباط، وفتحت لهم أبواب ألمانيا على مصراعيها، والبقية تقع على عاتقهم ومهاراتهم واستعدادات كل منهم لفرض نفسه في المجتمع الألماني.

 

كاتب وباحث سوري

========================

القمع في سورية .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاحد 17/12/2017

الأصل في العقوبة أن تلي وقوع فعل جرمي مخالف للقانون، أو الشروع فيه. هذه هي القاعدة في البلدان التي يحكمها القانون، ويتمتع فيها بمحاكمة علنية، وقانونية، كل من يقوم أو يعتزم القيام بأفعال تهدد النظام العام، وتتوفر أدلة قاطعة على ما ارتكبه أو اعتزم ارتكابه. أما الحالات التي يتعرّض فيها أشخاصٌ بعينهم لمعاملة وقائية، فهي نادرة وخاضعة بدورها للقانون ووقتية. في المقابل، يعتمد النظام السوري العقوبة عملا وقائيا/ استباقيا، لا يلي فعلا مخالفا للقانون أو مهدّدا للنظام العام، فالعقاب هنا ردعي وموجه أيضا إلى المجال العام في كليته، حتى عندما يكون موضوعه المباشر أشخاصا يعتقلون لأنهم معارضون، أو معرّضون لتهمةٍ يخضعون بسببها للتحقيق، الذي له دوما هدف محدّد لا يحيد عنه، ينطلق من فكرة مسبقة هي أن المعتقل أو المتهم مذنب، وإن لم تتوفر أدلة على ذلك، وأن مهمة التحقيق انتزاع اعتراف منه بجميع وسائل التعذيب وأساليبه، يؤكد التهمة الموجهة إليه والفعل المنسوب له، بما أن الاعتراف، لا الدليل، هو هنا سيد الأدلة، فلا بد منه، وإن كان هدفا أدى انتزاعه إلى موت المعتقل تحت التعذيب، الذي لا يعد فعلا جرميا، ما دام يرسل تحذيرات ترعب بقية المواطنين، تردعهم ليس فقط عن القيام، وإنما كذلك عن التفكير في أي نشاط عملي، وأي تداول لفظي يخالف ما تعتمده السلطة، وعلى المجال العام الالتزام به. بدلالته التخويفية العامة، الموجهة إلى الفضاء العام، يفاجأ كل من يسجن في سورية بعدد الذين لا يعرفون سبب اعتقالهم، ولا يتذكّرون أنهم قاموا بما، أو قالوا ما، يستوجب العقاب، والذين نفوا خلال التحقيقات الأولية ما وجه إليهم من تهم، اعترفوا فيما بعد بصحتها تحت التعذيب، وأقروا بما نسب إليهم من علاقاتٍ مع أشخاصٍ، لا يعرفونهم في حالات كثيرة، ينتمون إلى دوائر سياسية أو دينية، تتهمهم أجهزة القمع بالتعاطف معها. هذا النمط من القمع العام والوقائي يخضع لآلية ونتائج، منها:

"لا بد من وجود قرار دولي يضع النظام الأسدي تحت رقابة دائمة تحمي مواطنيه، وتمنعه من البطش بهم، وتصفية عشرات الآلاف منهم في السلام، وقتلهم الجماعي من دون عقاب في الحرب"

أولا، اعتبار اعتراف المعتقل النتيجة التي لا بد أن يؤدي تعذيبه إليها. لا أهمية، في هذا السياق، لما إذا كانت اعترافاته صحيحة أو كاذبة، ما دامت تؤدي الغرض الإرعابي والردعي المطلوب منها، وستعتمد في تحديد الفترة التي يقضيها المعتقل في السجن، بقرار من جهاز القمع الذي اعتقله وعذبه وانتزع اعترافاته، حتى عندما يقدم في حالات جد نادرة إلى المحاكمة. وتكون هذه الاعترافات غالبا تلقينية، وبالتالي ملفقة من ألفها إلى يائها، يوقع المعتقل عليها، تجنبا للتعذيب والابتزاز الذي قد يطاول أسرته، وتنتزع منه في جميع الأحوال وبجميع الوسائل. من المألوف أيضا أن يرغم المعتقل على توقيع أوراق بيضاء، تملؤها الجهة التي اعتقلته بما يحلو لها من معلوماتٍ تؤكد قيامه بفعل جرمي، سياسي الطابع غالبا. في هاتين الحالتين، يباغت قضاة المحاكم بعجز من يقدمون إليهم عن تذكر ما أدلوا به من معلومات واعترافات، وينكرون دوما ما كتبه الجهاز الأمني في الأوراق، إلا إذا أبلغهم القاضي بها باعتبارها اتهامات يفترض أنهم أكدوها في اعترافاتهم، بينما يقسم هؤلاء أغلظ الأيمان أنهم لم يقولوا شيئا مما يسمعونه، ولم يفعلوا ما ينسب إليهم أو يتهمون به.

ثانيا، يصنف الأمن المعتقلين إلى فئات ثلاث: من يتهمون بعضويتهم في تنظيم معارض، ويسمون اختصارا "تنظيما". من هم على صلة بعضو أو أكثر في تنظيم معارض، ويسمون "صلة". من ليسوا أعضاء في تنظيم، ولم يقيموا صلات مع منظمين، لكنهم "قد" يشكلون حاضنة تتفاعل معهم أو تتأثر بهم، أو تقدم لهم حماية أو مساعدة ما، ويسمون "بيئة".

بعد عام 1980، تقرّر معاملة الأصناف الثلاثة بطريقة واحدة، تعتمد أقصى قدر من الشدة، انطلاقا من وجهة نظر "رئاسية"، قالت إن التنظيم يشبه السمكة في الماء، وإن القضاء عليه يتطلب تجفيف الماء، وبالتالي قطع جميع أنماط صلاته بالأفراد والجماعات وتجفيف بيئته التي يجب أن تتعرّض لقدر من العقاب، يعادل ما يحل بمن هم على صلةٍ بالتنظيم أو أعضاء فيه. من الأمثلة على هذه الممارسة الاستباقية الرادعة التي تكرّرت عشرات آلاف المرات بعد عام 1980. ومن ذلك أن طالبيْن في الجامعة تصادقا خلال أعوام دراستهما في كلية الحقوق، من دون أن يكون لأي منهما أي اهتمام أو نشاط سياسي. بعد تخرجهما، ذهب أحدهما إلى درعا في أقصى جنوب سورية، والآخر إلى البوكمال التي تبعد ألف كيلومتر عنها، وتقع في أقصى الشرق السوري، وبمرور الوقت ومتاعب الحياة انقطعت صلاتهما. وبعد ثمانية أعوام من افتراقهما، اعتقل الذي في درعا بتهمة الانتماء إلى تنظيم شيوعي. عندما سئل في التحقيق عن معارفه وذكر اسم صديقه القديم، اعتقل هذا أيضا بتهمة أنه "بيئة". ومع أنه لم يخضع لأي تحقيق، فقد سجن مع رفيق الدراسة اثني عشر عاما أمضاها في سجني المزة وتدمر الرهيبين.

في سورية الأسد: القمع استباقي، وغرضه اجتثاث التنظيمات والأفكار المعارضة، أو التي لا ترضى السلطة عنها، لدى المواطنين العاديين والمعارضين. لذلك، يكون المطلوب من "الحملات الأمنية" القضاء على أي تنظيم معارض، وإلا فإصابته بالشلل والتعطيل، وقطع صلاته بالمجتمع، الذي يجب أن يخوف إلى درجة ينبذه معها، ويتنكّر لأعضائه أو يشي بهم. بالتصنيفات المعتمدة للمعتقلين، وأهداف "الحملات الأمنية"، يتم دوما اعتقال أضعاف عدد المنخرطين في أي تنظيم أو تجمع. وبما أن مهمة أجهزة القمع "احتواء المجتمع"، كما كتب ذات يوم أحد أبرز ممثليه، اللواء بهجت سليمان، فإن جزءا رئيسا من عملها يكرس لاختراق المواطنين والمجتمع، ولغمرهما بحضور ردعي/ قمعي كثيف، يطاول مختلف مكونات المجال العام وتجلياته، ويخرجهما من السياسة، ويدخل في روعهما أن سلامتهما ترتبط بالإقلاع التام عن الاهتمام بها، ويزيد من غرس هذا الخوف فيهما، من خلال موجات اعتقالات غامضة، تقوم بها جهاتٌ مجهولةٌ، تستخدم سياراتٍ تحمل علامات مؤسسات خدمية، كالماء والكهرباء، أو لا تحمل أية علامات على الإطلاق، ينقض عناصرها على أشخاص عاديين يسيرون في أماكن مزدحمة، ويعتقلونهم بطرق جد عنيفة، ويتعمدون إهانتهم وضربهم على مرأى من الناس ومسمعهم، لإلقاء الرعب في قلوب من يشاهدون الحدث، وتخويف من لا يشاهدونه من قول أو فعل، ما قد يجعلهم ضحايا اعتقالات غامضة، كالتي تصير موضوع أحاديث المجتمع،

"لم يتنكر النظام الأسدي يوما لما يفعله جهازه القمعي المتشعب الذي غطى جميع مسامات المجتمع، بل وأقام مجتمعا أمنيا موازيا لمجتمع المواطنين" والشائعات التي تنطلق في كل اتجاه، ويطلقها غالبا أتباع النظام، وتركز على فداحة الثمن الذي يدفعه دوما المعتقلون. ويشمل مصادرة الممتلكات والتسريح التعسفي، والاختفاء القسري لبعض أهليهم أو المقرّبين منهم، والمراقبة الدائمة لأسرهم، حتى بعد اعتقالهم، وإثارة الذعر لدى بيئتهم، بما تتعرض له من تحرّش، وإهانات، واعتداءات جسدية، وأخذ الرهائن.

كان هناك عام 1982 في سجن المزّة فتى من حماة عمره ستة عشر عاما، أدخل السجن رهينة وهو في سن السادسة، وتقرّر إبقاؤه فيه إلى أن يسلم والده "الإخواني" نفسه للمخابرات، علما أن الوالد كان قد فرّ إلى الأردن، ومات هناك بعد عامين من اعتقال طفله. كما كان هناك في سجن فرع التحقيق العسكري عشرات الفتيات اللواتي أخذن رهائن، وتعرّضن لاغتصاباتٍ أدّت إلى إنجابهن أطفالا في حالات عديدة. وقد أجرى بعض الأصدقاء عام 1990 استطلاعا إحصائيا حول غمر المجتمع بالمخابرات والمخبرين، جعلوا ميدانه بلدة صغيرة في شرق اللاذقية اسمها "الحفة"، فتبين أن فيها 540 عنصر "أمن" ومخبرا مقابل 240 شخصا يمكن أن يهتموا بالسياسة والشأن العام، أو يصيروا معارضين، بينما لم يوجد فيها بالفعل غير ثلاثة أشخاص منضمين للمعارضة، وكانوا في السجن.

لم يتنكر النظام الأسدي يوما لما يفعله جهازه القمعي المتشعب الذي غطى جميع مسامات المجتمع، بل وأقام مجتمعا أمنيا موازيا لمجتمع المواطنين، تكفّل بمراقبة حركاته وسكناته، ورصد تطوراته، تحت غطاء من مراسيم سرية وتعليمات شفهية مخالفة للدستور الذي أصدره الأسد نفسه، بنيت على حالة الطوارئ والأحكام العرفية التي لم يجد أعضاء لجنة قانونية راجعوها، كلفها النظام الأسدي بتعديلها عام 2012، أي مستند أو مرجعية أو وثيقة مكتوبة تسوّغ فرضها، وأي قرار رسمي يشير إلى الجهة الحكومية التي فرضتها، مع أنها استخدمت لاعتقال مئات آلاف السوريين، وتصفية ملايين منهم، وتشريد وتهجير، طوال نيف وخمسين عاما، لكنها عثرت، في المقابل، على مادة إذاعية من سطر واحد، بثت يوم انقلاب 8 آذار عام 1963: "تفرض حالة الطوارئ في أراضي الجمهورية العربية السورية إلى إشعار آخر".

هكذا، سوغت الأسدية بهذا السطر ما مارسته من انتهاك لحقوق السوريين نصف قرن، بفضل أحكام عرفية غير قانونية، وهكذا داست على القانون والدستور السوريين، والقوانين والأعراف الدولية، وأوصلت الانتهاك إلى حدّ أنه أفقد المواطن السوري حقه في الحياة، وحماية شخصه وأسرته وممتلكاته، وعرضه للقتل والتصفية والتعذيب والاغتصاب والاعتقال التعسفي المفتوح زمنيا، فضلا عن جميع أنواع التخويف والإرعاب والإذلال الجسدي والمعنوي والاعتقال والتعذيب والإخفاء والتشريد والحرمان من الجنسية. وقد سمعت عام 1982 ضابطا في "فرع التحقيق العسكري"، اسمه يوسف عبد الله، يخاطب معتقلا بالجمل التالية: "إذا كنت مصرّا أن لا تعترف، سأقوم بتصفيتك، وأخذ جثتك القذرة إلى قريتك في إدلب، حيث سأعلم أهلك الكلاب أنك سقطت في معركة مع العدو الإسرائيلي، وسأضع باقة من الزهور على قبرك، وأعطيهم ألف دولار مكافأة من القيادة على إنجابك، وسيشعرون بالامتنان للسيد الرئيس، أما أنت فستكون قد مت ميتة كلب، ولن يشعر بك أحد".

 

*** *** ***

تتعامل المؤسسات الدولية المعنية بحقوق الإنسان مع الأوضاع السورية، وكأنها قائمة على احترام القانون والتقيد بتطبيقه، أو كأنها تلزم أجهزة قمعها به، وتحاسبها إن هي خالفته أو فعلت ما يتعارض معه. هذه النظرة التي تستند إلى نموذج الحكم في البلدان الديمقراطية ليس لها أي انعكاس في النظام السوري الذي يعتبر الأمن مرادفا للقمع، ويضع سياساته ومؤسساته جميعها في خدمته، ويرى فيه حقلا لا بد أن يملأ المجتمع والحياة العامة بالرعب والعنف، شكل السياسة الوحيد الذي ينظم علاقات سلطته بالخاضعين لها، ولا بد من استخدامه الدائم في المجال العام لكسر شوكة المواطن السوري: عدو النظام الذي يفقد سيطرته على البلاد إذا عجز القمع عن إبقاء الخاضعين له في قبضته، وأسرى الخوف منه، ولم ينجح في ردعهم ومنعهم حتى من مجرد التفكير في عملٍ قد يخالف مصالح الممسكين بالسلطة وسياساتهم وآرائهم، أو يغريه بالاقتراب من معارضيها، أو يثير تعاطفه معهم.

"النظام السوري يعتبر الأمن مرادفا للقمع، ويضع سياساته ومؤسساته جميعها في خدمته، ويرى فيه حقلا لا بد أن يملأ المجتمع والحياة العامة بالرعب والعنف"

بعد اعتقالي، سألت منظمة العفو الدولية أسرتي عن اسم الضابط الذي اعتقلني، والجهاز الذي يتبع له، والمكان الذي نقلت إليه، وكم مرة زارتني في المعتقل، والمساحة المخصصة لي في السجن، والكتب التي أقرأها والمقالات التي أكتبها، والتهمة التي أبلغتني الجهة المعتقل فيها، وتاريخ محاكمتي واسم المحامي الذي عينته للدفاع عني... إلخ. ما حدث أن رجال الأمن العسكري اقتحموا بيتي، وبنادقهم موجهة إلى صدري، وصدر زوجتي. عندما طلبت من الضابط إبراز أمر قضائي باعتقالي، تطبيقا لنص الدستور الذي أصدره النظام نفسه، قال لي: "دستور شو ولا (...)، شو نحنا بسويسرا". وحين حاولت زوجتي الاعتراض على عبثهم بالمنزل، هدّدها بالاعتقال. بعد أيام، حاول أحد أصدقائي معرفة مكاني وتهمتي، من صديقٍ له يعمل في المخابرات، فزجره وهدّده بالاعتقال، إن هو كرر غلطته، وذكر اسمي على لسانه، أنا الذي اعترفت في التحقيق أنني جاسوس إسرائيلي. أخيرا، أمضيت فترة سجني، من دون أن أعلم شيئا عن أسرتي أو تعرف شيئا عني، ومن دون أن تزورنى أو تتواصل معي غير مرة واحدة. وبما أنني حاولت محو أمية بعض السجناء، سجنت في زنزانةٍ منفردةٍ وعذّبت شهرا، بتهمة تعليم من يريد النظام إبقاءهم جهلة، كما أخبرني مدير السجن ساخرا. لم أقدّم إلى محاكمة بطبيعة الحال، وحين أعطاني الفرع الذي سجنت فيه ورقة تقول إنه لم يجد أدلة كافية لإدانتي، سألت عن سبب بقائي معتقلا أكثر من عامين، فشتمني رئيس الفرع وأعلمني أن تكرار سؤالي سيوصلني إلى سجن تدمر الصحراوي، ثم طلب مني إرسال برقية شكر لحافظ الأسد، لأنه عفا عني، مع أن الورقة التي تثبت براءتي كانت في يدي.

لا تتفق المنظومة القمعية المعتمدة في سورية مع أي نموذج معتمد في أغلبية بلدان العالم الساحقة، إنه نموذج مركب، يعتمد ما يمكن تسميته "القمع الشامل": الاستباقي غالبا، واللحاقي عندما يتطلب الأمر، والإرهابي في جميع الحالات، المكون من خلطة ستالينية/ هتلرية/ فاشية، هدفها إخراج كل مواطن سوري، ذكرا وأنثى، من المجال العام، ومنعه حتى من التفكير بغير الرضوخ الأعمى للأمر القائم، وإطفاء وعيه بالحاجة إلى أية منظومة قيمية أو سياسية مغايرة لما يقدمه له، عبر مواقف لحمتها وسداها قمع وحشي ومستمر، ولا يعرف الرحمة، وسياسة تحولت إلى عنف يغطي كل شيء.

لا بد، أخيرا، من وجود قرار دولي يضع النظام الأسدي تحت رقابة دائمة تحمي مواطنيه، وتمنعه من البطش بهم، وتصفية عشرات الآلاف منهم في السلام، وقتلهم الجماعي من دون عقاب في الحرب. بغير ذلك، لن يعرف الشعب السوري الأمان، حتى إن قبل الخضوع المطلق والذليل لقتلة يحكمونه، ويرون فيه شعبا معاديا، لا مفر من سحقه.

========================

"داعش" الثالثة: أي رصيد؟ أي توحش؟ .. صبحي حديدي

القدس العربي

الاحد 17/12/2017

 إذا جازف المتفائلون، وبينهم لا ريب بعض السذّج المزمنين، فصدّقوا الإعلانات المتعاقبة التي تبشّر بدحر "داعش"، في العراق وسوريا معاً؛ فإنّ صدمة اكتشاف مقادير الأوهام، في بشائر أمثال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الإيراني حسن روحاني ورئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي… لن تتأخر كثيراً، للأسف.

وليست هذه الخلاصة وليدة قراءة واقعية، أو حتى تكهنية، تستند إلى المعطيات الملموسة على الأرض السياسية والعسكرية، فحسب؛ بل هي استئناس بسيط، لكنه مسلّح بحيثيات صلبة ودامغة وحاسمة، بتجارب الماضي القريب، في العراق ذاته، الحاضنة الأمّ التي شهدت صعود الداعشية خلال سنوات 2006 ـ 2008، ثمّ انكسارها وإعلان دحرها، وصولاً إلى عودتها مجدداً في العراق وسوريا معاً، وانتشار عقيدتها وأنصارها في أصقاع مختلفة، لا تبدأ من الموصل وتلعفر ودير الزور والرقة، ولا تنتهي في باريس ولندن ومدريد وبروكسل

ثمة حقيقة أولى تخصّ المجتمعات المدنية، والأحرى الحديث عن تجمعات السكان، التي سددت أفدح الأثمان نتيجة استعجال هذه البشائر حول هزيمة "داعش". ففي الموصل، كما في الرقة، على سبيل اثنين من الأمثلة الأبرز، لم ينسحب التنظيم الإرهابي إلا بعد أن دفع خصومه ـ من التحالف الأمريكي إلى جيوش الأنظمة، ومن "قوات سوريا الديمقراطية" إلى "الحشد الشعبي"… ـ إلى أن يعيثوا قتلاً وتدميراً وتخريباً بالبشر والحجر. وإلى جانب المآسي الكثيرة، على مستوى عشرات الآلاف من العوائل والأفراد، ترسخت أحاسيس عداء مريرة، ليس ضدّ "داعش" التي تنهزم وتنسحب فقط؛ بل أيضاً ضدّ "المحررين"، الذين لم يميزوا بين جهادي إرهابي ومدني بريء، أو تعمدوا التمييز بين سنّي وشيعي أو عربي وكردي.

هذا رصيد معنوي مخيف وخيم، لن تتردد النسخة المقبلة من "داعش"، أو تنويعاتها أياً كانت، في استغلاله وتوظيفه واستثماره؛ حيثما كانت المعاقل التي ستلجأ إليها نُسَخ المستقبل، وأينما استفاقت الخلايا النائمة عن سابق قصد، أو تلك التي تقصّد التنظيم إخفاءها تحت الأرض استعداداً لمواجهات آتية. فإذا صحّ الافتراض بأنّ التنظيم انطلق أصلاً في صيغة ميليشيات جهادية متشرذمة، بقرار لوجستي وتكتيكي، في مكامن صحراوية وعرة وشاقة المنال؛ ثمّ تطور إلى ما يشبه الألوية المنظمة والجيوش المصغّرة، التي نجحت في احتلال مدن كبرى كاملة؛ فإنّ العودة إلى الصيغة الأولى ليست عسيرة بالطبع، مع فارق أنّ في الإعادة فوائد كثيرة، وخبرات تكتيكية، وطاقات تجنيدية، وتسلّح نوعي

مرجح، إذن، واستناداً إلى منطق تجارب الماضي، أنّ أرض "داعش" الثالثة قد لا تنأى كثيراً عن مواضعات أرض 2006 وأرض 2014، من حيث تكتيكات الهجوم المضاد والانقضاض المباغت والقضم البطيء؛ ولكن طبائع توظيف الرصيد المعنوي، العقائدي والتجنيدي، قد يتحوّل نحو طرائق أكثر ذكاء، وبالتالي أكثر توحشاً، في تجذير أحاسيس السخط والمرارة والخيبة لدى الجهاديين الجدد المتطوعين. ثمة جرائم الأنظمة في العراق وسوريا، ومعها جرائم التدخل الأمريكي والروسي والإيراني، في الرصيد "الكلاسيكي"؛ ولكن ثمة، في المستجدات، قرار ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ومجازر التحالف السعودي في اليمن متضافرة مع قبائح الحوثيين، واستفحال الممارسات الطائفية للميليشيات المذهبية

وما تكشف، حتى الساعة، عن عجائب التواطؤ الأمريكي في إخلاء مقاتلي "داعش" من المدن والبلدات والقرى التي كانوا يحتلونها، ليس سوى رأس جبل الجليد؛ الذي يتكامل مع اتفاقيات أخرى معلنة عقدها "حزب الله" في عرسال مثلاً، ولن يطول الوقت حتى تُترجم آثارها مباشرة، وربما على الأرض الثالثة المقبلة إياها. هذا إذا تأجلت، إلى حين فقط، عواقب عودة المئات من جهاديي أوروبا إلى بلدانهم الأصلية، هناك، حيث يُستثمر الرصيد على النحو الأكثر هولاً وعاقبة.

========================

لماذا يرفض النظام السوري تسوية على مقاسه؟ .. أكرم البني

الحياة

الاحد 17/12/2017

حين تتنازل المعارضة السورية وتعلن جهوزيتها للتفاوض المباشر مع ممثلي النظام من دون اشتراطات مسبقة، وحين تسعى روسيا لفرض خطة جديدة للتسوية السياسية لا تمس أركان الحكم القائم، وتتوسل نتائج اجتماعات الآستانة ومؤتمر واسع للسوريين يزمع عقده في سوتشي في شباط (فبراير) المقبل، وحين يغض النظر عن استخفاف النظام بمفاوضات جنيف، عن استهتاره بالمواعيد الأممية، عن مناكفاته لتمرير اشتراطاته ورفض أي لقاء مباشر مع ممثلي المعارضة، ثم تفننه بتسخير ما يمتلكه من خبرات لتمييع تلك المفاوضات وإفراغها من محتواها، حينئذٍ يمكن تفسير حيرة من يتساءلون، لماذا يرفض النظام السوري ويعرقل تسوية سياسية ترسم على مقاسه وتضمن استمراره؟!

ربما لا يخطئ من يعتبر المشهد مجرد تبادل أدوار بين النظام السوري والأطراف الداعمة له، فبينما تظهر موسكو بمظهر الحريص على الحل السياسي والمشجعة على تقديم التنازلات، يترك للنظام ومن خلفه إيران مهمة التشدد والتصعيد، والهدف المضمر هو ربح الوقت لتعزيز التقدم العسكري وقضم المزيد من المناطق الخارجة عن السيطرة، بما فيها تلك الخاضعة للتهدئة وخفض التوتر، ما يفسر صمت موسكو، إن لم نقل تواطؤها، تجاه الاختراقات المتكررة للهدن من قبل قوات النظام والميليشيات الإيرانية، ثم تصعيدها معهم، مع اقتراب كل جولة تفاوض، للقصف والحصار والعمليات العسكرية التي اتسعت هذه المرة وشملت أرياف حماه وحمص ودرعا وإدلب والفوطة الشرقية، وفي الطريق يمكن لروسيا توظيف تشدد النظام وإيران، لاستنزاف وتحجيم المعارضة السورية وتطويعها سياسياً وعسكرياً وزيادة عزلتها شعبياً وعالمياً، وأيضاً لانتزاع ما يلزمها من تنازلات من قبل أطراف دولية وإقليمية لا تشغلها مأساة السوريين وما يكابدونه بمقدار ما تشغلها مواجهة بقايا الإرهاب الإسلاموي، بما يمكن موسكو من الالتفاف على بيان جنيف (2012) وقرار مجلس الأمن 2254 وتسخير الملف السوري في صراعها التنافسي على النفوذ.

وربما يصيب من ينظر إلى المشهد من زاوية مغايرة جزئياً، ويرى مصلحة جدية لقادة الكرملين في الإسراع بإنجاز تسوية سياسية، ربطاً بتزايد خشيتهم من الغرق في صراع سوري مفتوح على مختلف التدخلات الخارجية، قد يستنزفهم مع الزمن، ويجهض ما حققته قواتهم من نتائج عسكرية، ويفقدهم القدرة على التحكم بخيوطه، وربطاً بإدراكهم صعوبة محاصرة الوجود العسكري الإيراني في سورية وتخفيف مخاطره على حدود إسرائيل، وأيضاً صعوبة تشجيع الدول الغربية والعربية للمشاركة بإعادة الإعمار، إن لم يبادروا لخلق مستوى مرضٍ من الاستقرار والتوازن السياسيين، وأخيراً ربطاً بحاجة داخلية تتعلق بتوظيف دورهم في تخميد الصراع السوري ومعالجته سياسياً، كورقة قوة مع اقتراب موعد الانتخابات.

وبين الاستجابة لرغبات الحليف الروسي وضغوطه لتمرير حل سياسي وبين الميل للاستقواء بالنهج الحربي الإيراني، تتأرجح مواقف النظام السوري وتتلون، فإلى جانب موافقته الشكلية على التسوية والمفاوضات إرضاءاً للمنقذ الأكبر، لا يدخر أي جهد، عملياً، لإفشالهما، ولا يضيع فرصة للسير قدماً نحو تحقيق الغلبة والحسم النهائيين، يغريه ما يسميه انتصارات واسعة تحققت على الأرض والدعم غير المحدود من حكومة طهران وحرسها الثوري، اللذين باتا يعتاشان على مناخات الفوضى الأمنية والشحن المذهبي، ويتحسبان جيداً من أن تفضي التوافقات السياسية إلى تعريتهما ومحاصرة ما راكمتاه من نفوذ قهري في المشرق العربي.

وأخيراً، ربما لا يجانب الصواب من يربط رفض النظام السوري لأية تسوية سياسية، بالبنية التكوينية لهذا النوع من الأنظمة الذي يخشى السياسية ولا يعرف غير القمع والتنكيل طريقاً لضمان استمراره وسطوته، والقصد أن تغييب الحقل السياسي هو عادة أصيلة عند سلطة معجونة بتاريخ طويل من القهر والغلبة، يعززها نهج أنتجته وفرة من تجاربها القمعية، بأن العمل المجدي لدوام سيطرتها ليس الاستجابة لمطالب الناس ومعالجة مشكلاتهم ونيل ثقتهم بل الاستمرار في إرهابهم واذلالاهم وشل دورهم، وإذا أضيف تحسب بعض رجالاتها من دور أي تسوية سياسية في تقريب ساعة المسائلة والحساب والعقاب، بخاصة أولئك الذين أوغلوا في ارتكاباتهم، وأضيفت أيضاً، حقيقة أن السلطة القائمة هي خير من يعرف أن القطيعة بينها وبين قطاع واسع من المجتمع وصلت إلى نقطة لا رجعة منها جراء ما أباحته من قمع وقتل وتدمير، وتدرك تالياً، حتى وهي في موقع القوة، أخطار الإجراءات المرافقة للحقل السياسي، حتى الشكلية منها، المتعلقة بصياغة دستور جديد وخوض انتخابات رئاسية وبرلمانية وتشكيل هيئة حكم انتقالي، إن لجهة هتك هيبتها وسطوتها، وإن لجهة تحريض الخلافات في بطانتها وبين مراكز قوى متباينة المصالح والأهداف تشكلت في آتون الصراع، وإذا أضيف أخيراً ما قد يكشفه المسار السياسي عن دورها ومسؤوليتها في المشاكل الناجمة عن الحرب وتداعياتها، كالتهتك والتردي الاقتصاديين والأوضاع المعيشية المزرية ومعضلات الخراب والأمن والتفكك الوطني والفساد وقضايا اللاجئين والمعتقلين والمغيبين والمشوهين، يمكن الوقوف عند أهم الأسباب البنيوية التي تؤكد عجز السلطة السورية عن خوض معركة سياسية ومدنية مكشوفة، وشدة تحسبها من أن يفضي ذلك لتفكيك بنيتها وسطوتها، وتالياً عمق دوافع رفضها الامتثال لقواعد الصراع السياسي.

والمشهد المحزن: مفاوضات تراوح في مربعها الأول، ووفد معارض يناشد النظام كي يكون شريكاً له في التفاوض... والمشهد المؤلم: سلطة تدعي الانتصار وتتبختر فوق هذا الركام، لا مكان في دنياها للسياسة، أباحت البلاد أمام مختلف أدوات الفتك والتنكيل كي تئد حلم الشعب بالحرية والكرامة... والمشهد المؤسف: وسيط أممي يصارح المعارضة اليوم، بأنها لا تمتلك أي سند دولي يشجعها على الذهاب إلى مؤتمر سوتشي، ولكن يعدها شخصياً بأنه سيبقى وفياً لسلاله الأربع ولبيان جنيف وقرارات مجلس الأمن، بينما يهز رأسه عاجزاً ومتهرباً من مفاتحة النظام بمأساة المعتقلين والمفقودين والمحاصرين والمعذبين!

========================

موقفنا : أخطر ما قاله ديمستورا على الإطلاق : تعديلات دستورية وإصلاحات انتخابية .. زهير سالم

20 / 12/2017

مركز الشرق العربي

في إطار تقريره إلى مجلس الأمن ، والذي حمّل فيه نظام بشار الأسد المسئولية عن تعثر المفاوضات ، في جنيف 8 ، صرح ديمستورا أنه سيوصي المجتمع الدولي بإجراء إصلاحات دستورية وفي قانون الانتخابات في سورية ، للذهاب إلى مشروع الحل في سورية ..

هذا الكلام هو الصدى المباشر لكلام طاغية الشام : نقبل أي حل وأي انتخابات تحت إشراف دولي إذا كان ذلك في ظل السيادة السورية.

هذا التناغم الدولي – الأسدي ، تنضم إليه مباشرة ، تصريحات الرئيس الفرنسي : نحن سنتعامل مع بشار الأسد ، وعلى الشعب السوري أن يحاكمه على جرائمه ؛ ندرك بلا شك الدور العبثي الذي يعمل عليه المفاوضون  في جنيف وغيرها، بكل منصاتهم  ومسمياتهم وداعميهم ..

إن ثورة قدمت مليون شهيد ، وتسببت في تشريد نصف سكان سورية الحقيقيين ؛ ما يكون لها أن تقبل بأن تكون طرفا في لعبة دولية قذرة ، وقذر كل ما فيها .

وإنه ليثير الإشفاق المعارضون الذين يظلون يرددون – لن نقبل ..- - لن نتنازل عن ثوابت الثورة –  وهم في وضع لا يسمح لأحدهم أن يتنفس إلا بإذن مجهزي المنصات ، ومفصلي بدلات التفاوض !!

يثير الإشفاق هؤلاء المفاوضون الذين لم يتأملوا جيدا لماذا استقال أو أقيل السيد رياض حجاب ومن معه ، ولمصلحة من كانت الاستقالة أو الإقالة ..

يثير الإشفاق هؤلاء الذين لم يدركوا بعد أسرار إصرار الأمريكي والروسي في جنيف على وفد – ممزوج – وليس متحدا  ، ما أسرع ما تتفكك وحداته وذراته عندما يريدون ، ليكون التصويت على وثيقة الهزيمة والاستسلام ، وتحمل المسئولية التاريخية عن الكارثة الإنسانية حاضرا عندما يريد المدبرون والمستفيدون ..

ندرك بكل الحزن والأسى والموضوعية والواقعية حقيقة ما تعيشه الثورة السورية من مؤامرة وخذلان وضياع ..

ولكننا ما زلنا نجد في المشهد العملي أوراق قوة حقيقية يملكها الشعب السوري ، وثواره الأوفياء ، وسيهيئ الله لهذه الأوراق رجالا حقيقيين ، يمسّكون بها ، ويقومون بحق الثورة على وجهه ..

كل الذي ننتظره ونرجوه من هؤلاء الذين نشفق عليهم ، وبتنا نخاف منهم ونحذرهم ، ألا يعطوا ديمستورا ولا الروسي ولا الأمريكي ولا الإيراني شرعية يحلمون بها منهم ..

ألا يقروا بالهزيمة ، وألا يوقعوا على الاستسلام ، وأنا أؤكد لهم أنهم فاعلون ، إن استرسلوا في طريق لعبة ( مزيج المنصات ) . لقد علمنا ربنا علم الحساب ، ومن علم الحساب أن تحسبوا حساب الكمائن تنفجر بكم في لعبة عد الأصوات ..

توقفوا عن العبث نرجوكم ، واقدروا ما أنتم فيه حق قدره ، وإن الذين يذهبون إلى أي مفاوضات على خلفية أنهم : لا خيار لهم غير المفاوضات ، لا يذهبون ليفاوضوا وإنما ليستسلموا ..توقفوا نرجوكم وما نظنكم مستجيبين ..

بالغرور أخرج إبليس أبويكم من الجنة (( فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ )) (( وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ))

-------------

*مدير مركز الشرق العربي

=======================

هل بدأت نهاية الوجود العسكري الأجنبي في سورية .. مأمون كيوان 

الوطن السعودية

الاحد 17/12/2017

أفضت ظاهرة العولمة وانعكاساتها على العلاقات الدولية إلى تقلص مفهوم سيادة الدولة إلى حدود ضيقة، وكذلك حال مفهومي الحدود السياسية والشؤون الداخلية أو المحلية

منذ استقلالها لم تعرف سورية وجوداً عسكرياً أجنبياً على أراضيها باستثناء الوجود العسكري الإسرائيلي في الجولان الذي يحمل صفة الاحتلال. وحالات أخرى من الوجود العسكري الأجنبي الشرعي الذي اقتضته اتفاقات التعاون العسكري بين سورية والاتحاد السوفيتي السابق وروسيا الفيدرالية من جهة، ومن جهة أخرى مقتضيات الصراع مع إسرائيل التي دفعت سورية إلى استضافة قوات عسكرية تابعة لدول عربية وأجنبية صديقة وحليفة لفترة مؤقتة.

وحدثت طفرة في الوجود العسكري الأجنبي في سورية خلال الفترة 2011-2017 وذلك على خلفية الأزمة السياسية الكبرى التي ضربت البلاد، وأتاحت مجالاً رحباً للتدخلات الخارجية الدولية والإقليمية والعربية وعلى نحو خاص منها التدخلات العسكرية التي لم تقتصر على تزويد الأطراف المحلية للصراع الداخلي السوري بالسلاح والعتاد والخبرات والمساعدات اللوجستية، بل تجاوزت ذلك إلى المشاركة العسكرية في الأعمال القتالية، وإقامة منشآت وقواعد عسكرية دائمة أو مؤقتة لا تحظى غالبيتها بالصفة القانونية أو الشرعية.

ومن أبرز الدول المشاركة في الصراع في وعلى سورية عسكرياً: روسيا الاتحادية والولايات المتحدة الأميركية وإيران وتركيا. ومن أهم القواعد الروسية في سوريا: قاعدة طرطوس البحرية، فمنذ عام 1971، تنتشر القوات الروسية (القوات السوفيتية سابقاً) في ميناء طرطوس البحري، في قاعدة تعتبر الوحيدة لروسيا على ساحل البحر المتوسط. وعام 2005، جددت روسيا هذه القاعدة، وأدخلت إليها معدات بحرية وبوارج، بعد أن أعفت سورية من دفع ديون تراكمت من عمليات بيع أسلحة لها. وتُعد قاعدة طرطوس ممراً حيوياً لتصدير السلاح الروسي إلى سورية، كما تُستخدم في تصدير أسلحة لبلدان أخرى.

وفي سبتمبر 2015، بنت روسيا قاعدة جوية خاصة في حميميم، في اللاذقية، وتنشر روسيا في حميميم مجموعة منوّعة من الطائرات المقاتلة ومنظومة صواريخ إس 400 الدفاعية المتطورة ومنظومة الصواريخ إسكندر-أم.

ومن هذه القاعدة العسكرية الدائمة أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مؤخراً، إنجاز مهمة القضاء على الإرهاب. وأمر بسحب الجزء الأكبر من القوات الروسية في سورية. وأكد أنه تمت تهيئة الظروف للتسوية السياسية في سورية. بل و"تم الحفاظ على سورية كدولة مستقلة ذات سيادة. ويعود اللاجئون إلى منازلهم. وتمت تهيئة الظروف للتسوية السياسية برعاية الأمم المتحدة".

وكان قد نشر بين 4 و5 آلاف جندي روسي في سورية خلال العامين الماضيين غالبيتهم في قاعدة حميميم. وتشير الأرقام الرسمية إلى مقتل 40 عسكرياً روسيا في سورية منذ بدء التدخل العسكري في 2015.

وسبق لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف القول في كلمة ألقاها في مؤتمر "منطقة حوض البحر المتوسط: حوار روما" الدولي الثالث: "نعتقد أنه بعد الانتصار على داعش، يجب على جميع القوات الأجنبية التي تنشط في البلاد من دون دعوة الحكومة الشرعية للدولة العضو في الأمم المتحدة، ومن دون تفويض مجلس الأمن الدولي، والذي كما نعرف لا وجود له في هذه الحالة، عليها الانسحاب".

بالمقابل، أعلنت فيه الولايات المتحدة أن القوات الأميركية باقية في قواعدها في سورية حتى بعد انتهاء داعش، وربطت وجودها بالحل السياسي في سورية، مدعية أن هناك تفسيرات لقرارات مجلس الأمن 2253 و2254 تعطيانها شرعية في وجودها.

وأعلن وزير الدفاع الأميركي جيم ماتيس أن هدف الوجود العسكري الأميركي طويل الأمد في سورية يكمن في الحيلولة دون ظهور نسخة مطورة من "داعش" مستقبلاً، وأن التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن لن يغادر سورية والعراق طالما أن مفاوضات جنيف، لم تحرز تقدماً، وأن مهمة القوات الأميركية، ستتركز في القضاء على "داعش" وتوفير الظروف المواتية للتسوية السياسية للأزمة السورية.

ويُعتقد أن ثلاث نقاط يعتمدها موقف الولايات المتحدة في أي مفاوضات تتعلق بسورية، هي: حدوث انتقال سياسي ذي مغزى؛ ووجود دور مهم للأكراد؛ وخفض الدور الإيراني في سورية.

وتبقى الإجابة على السؤال التالي: متى سينتهي وجود القوات الأجنبية في سورية؟ رهناً بتطورات الأزمة السياسية السورية الأساسية التي عمقتها التدخلات الخارجية، وليس فقط بالتمييز بين وجود عسكري أجنبي قانوني وشرعي ووجود عسكري غير قانوني وغير شرعي ويمثل قوات محتلة.

لقد أفضت ظاهرة العولمة وانعكاساتها على العلاقات الدولية إلى تقلص مفهوم سيادة الدولة إلى حدود ضيقة، وكذلك حال مفهومي الحدود السياسية والشؤون الداخلية أو المحلية. أي أن فرص التدخلات الخارجية ولاسيما التدخلات العسكرية في شؤون الدول باتت بلا حدود، وهذا ما جرى في سورية ودول أخرى.

========================

هل انتصر بوتين؟ .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 16/12/2017

أعلن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في لقاء سوتشي الذي جمعه بالرئيسين التركي أردوغان والإيراني حسن روحاني، أن مستلزمات الحل السياسي السلمي في سورية غدت متوفرةً، بعد قضاء جيش بلاده على "داعش"، وخفض التصعيد في أربع مناطق. ويبين هذا الإعلان ثقة بوتين بأن جميع خيوط الصراع غدت في يده، بما في ذلك خيط أميركا التي حذّرها سياسي روسي من أن قوة جويةً رادعةً ستبقى في سورية، لمنع واشنطن من تهديد نظام الأسد.

هل سينجح الرئيس الروسي في فرض حلوله المخالفة لوثيقة جنيف التي كانت بلاده قد وافقت عليها، وشاركت في صياغتها ووافقت عليها في مجلس الأمن. ثم أخذت روسيا ترى الحل انطلاقا من هذه الصراعات التي بلورت استراتيجية جديدة للانخراط فيه، عبر إعادة بناء قواتها المسلحة واستخدامها لتحقيق أهداف سياستها الخارجية في الساحة الدولية، ردعت بها جارتها جورجيا، وتوسعت في أوكرانيا، حيث استولت على شبه جزيرة القرم، وغزت سورية، من ضمن خطةٍ أعلنها بوتين، لاستعادة مناطق نفوذ الاتحاد السوفييتي السابقة، وإجراء تسوياتٍ مع أميركا، تضع حدا لخلافاتٍ كبرى معها، تستعيد روسيا من خلالها مكانتها دولة عظمى في نظام دولي جديد هي قطبه الثاني.

منذ الغزو الروسي لسورية، تركزت سياسات موسكو على بلورة قراءة للقرارات الدولية، تقوّض ما أعطته للشعب السوري من حقوق، وفي مقدمها التخلص من الأسدية، شخوصا ونظاما، وتستبدلها بقراءة مجافية لها نصا وروحا، تفرضها قوة متفوّقة ترابط في قواعد عسكرية سورية، تساعدها لاحقا على بناء نظام أمن إقليمي، لن يكون من السهل إقامته، في حال نافستها دول أخرى، اقليمية أو عظمى، على سورية، أو تمكنت من تقييد دورها فيها.

والحال إن هذه المنافسة قائمة، وتمارسها إيران وأميركا: الأولى بما تنتهجه من سياسات توسع إقليمي، سورية أهم حلقاته، وتمتلكه من قوات عسكرية كبيرة فيها، جيدة التسليح والتدريب، تتوضع في مناطق واسعة منها وبجوارها، وتتوسع نحو مقربةٍ من حدود الجولان. والثانية بوجودها العسكري البري والجوي في الشمال السوري الذي يعادل الوجود الروسي في سورية، إن لم يتفوق عليه.

لا تكفي ثقة بوتين الكلامية بقدرته على اللعب بخيوط إيران وأميركا، والانفراد بالغنيمة السورية. هناك وقائع ميدانية تؤكد أن التطور لن يذهب في الاتجاه الذي يريده، وأن عقد لقاءاتٍ مع قيادات إيرانية لا يعني أنها استسلمت له، والدليل تدفق قوات من الجيش الإيراني على سورية، بعد نهاية الحرب ضد "داعش"، وصدور تصريحاتٍ عن أعلى المستويات الأمنية في طهران، تؤكد أنها التي هزمت "داعش"، ولن تفرّط بانتصارها ودلالاته المذهبية فوق السياسية، ولن تتخلى عنها أو تفرط في حمايتها، بصفتيها الدينية والدنيوية، المتجسدتين في منجز سورية الذي يعد حلقة حاسمة في معركة تاريخية، حلقتها القادمة ضد الصهاينة الذين يستحقون العقاب، لأنهم يحولون دون عودة صاحب الزمان!

في الشمال، احتلت واشنطن قرابة 30% من أرض سورية، وأقامت في جنوبها الشرقي قواعد أقامت فيها وجودا عسكريا، قال أحد جنرالاتها إنه سيستمر من عشرين إلى ثلاثين سنة. لم تضايق واشنطن موسكو في فترة الصراع العسكري، لكنها لن تسهل مهمتها في مرحلة الحل السياسي، إن كانت تريد الانفراد بها. وبالفعل، فقد أعلنت أنه لن تتم إعادة إعمار سورية، ما دام بشار الأسد في السلطة، لن تنسحب من سورية إذا لم يتفق الحل الروسي مع مصالحها.

بهذه التطورات، ينتقل الصراع من المجال السوري، ويتحول إلى مشكلة إقليمية/ دولية تختلف حساباتها جذريا عن حسابات الغزو الروسي لسورية، وأنماط الصراع التي ستشهدها، بينما يميل الأسد مرة إلى موسكو ليرفع ثمنه إيرانيا، ومرات إلى طهران، ليرغم روسيا على التمسك به في جميع الأحوال والظروف.

كيف سيخرج بوتين من وضع يضمر فخاخا ستستخدم ضده: إيرانيا، إذا حاول إخراج طهران من سورية، أو انحاز إلى سياسات واشنطن ضدها، وأميركيا عندما سيتفاوض بوتين مع واشنطن، ويكتشف أنه لم يمسك بخيوطها، وما لديه من خيوط تعتمد على قوته العسكرية لا تمكّنه من الانفراد بحلٍّ ليست تعقيداته وتشابكاته طوع بنانه، وأن عليه تقديم تنازلاتٍ كي لا تنهار خطته في المنطقة والعالم، بينما لن تتنازل واشنطن عن شيء، أو تدعوه إلى تسوياتٍ، تجعل منه ندّا لها، أو قوة عظمى، بموافقتها.

كانت مرحلة الحرب الأسهل لروسيا. مع الحل السياسي ستبدأ متاعبه التي ستكشف ما إذا كان قادرا على القفز حقا عن خياله، كما يحاول إيهامنا.

========================

رسائل حميميم الروسية .. حسين عبد العزيز

العربي الجديد

السبت 16/12/2017

إذا كانت زيارة بشار الأسد المفاجئة إلى مدينة سوتشي الروسية، في العشرين من نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، تحمل أبعاداً سياسية مرتبطة بالملف السوري، فإن زيارة الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، إلى قاعدة حميميم في اللاذقية، تحمل أبعاداً سياسية مرتبطة بالشأن الروسي أولاً، ثم السوري.

ولم يكن بوتين بحاجة إلى تكلف عناء الذهاب إلى قاعدة حميميم في سورية، لإعلان سحب جزء من القوات العسكرية الروسية، وليس ثمّة ضرورة سياسية تقتضي ذلك، بعد لقاء سوتشي الثنائي، لكن طريقة الزيارة ومخرجاتها الفنية ترمي إلى تحقيق بروباغندا إعلامية، جمهورها الشعب الروسي، وليس الشعب السوري.

وإذا كانت الحرب الروسية في سورية قد رفعت من أسهم بوتين أمام شعبه، كونها أعادت إحياء نزعة القوة لدى شعبٍ طالما امتلك مقوماتها خلال القرن الماضي، فإن إعلان بوتين انتهاء هذه الحرب من داخل القاعدة العسكرية الروسية في سورية سيضاعف من رصيده الشعبي، وهو مقبل على الاستحقاق الانتخابي. وهو الذي أراد أن يظهر أمام شعبه وكأنه الرجل الوحيد القادر على صنع السلام في بلدٍ تخطت أزمته حدود المعقول، بعدما كان الرجل الوحيد على الساحة الدولية الذي استطاع تغيير مجريات الأمور في سورية. ولكن الزيارة تتجاوز أيضاً قضايا الداخل الروسي، فهي تحمل رسائل عدة إلى مختلف الفرقاء بما فيهم الحلفاء:

الأولى تؤكد أن قاعدة حميميم أرضٌ روسية وليست سورية، وأن الأسد هو الذي جاء للقاء بوتين وليس العكس، وأن روسيا باقيةٌ في هذه القاعدة وقاعدة طرطوس إلى أجل غير مسمى، بشكل غير مرتبط بتداعيات الأزمة السورية. الثانية، ذهاب بوتين إلى حميميم بدلاً من دمشق وإعلانه سحب عددٍ من القوات الروسية يؤكد أن القرار الاستراتيجي في سورية يصدر من حميميم، ترميزاً جغرافياً لموسكو، ولا يصدر من دمشق. الرسالة الثالثة هي إلى الغرب، وتحديداً واشنطن، أن موسكو هي صاحبة اليد الطولى في سورية، مع ما يعنيه ذلك من أن استحقاق السلام يجب أن يمرّ عبر بوابة الكرملين. الرسالة الرابعة هي إحراج للبيت الأبيض

"على الرغم من رسائل القوة التي حملتها زيارة بوتين إلى قاعدة حميميم، فإنها حملت رسالة ضعف أيضاً" بضرورة سحب قواته العسكرية من سورية، أو على الأقل تسليط الضوء على عدم شرعية هذا الوجود. فإذا كانت روسيا التي دخلت إلى سورية بطريقة شرعية، بالاتفاق مع حكومة دمشق، قرّرت سحب قواتها بعد هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية، فالأَوْلى بالقوات الأميركية أن تفعل ذلك.

فهمت واشنطن الرسالة، فسارعت إلى التشكيك في جدوى الإعلان الروسي بالقول، عبر الناطقة باسم مجلس الأمن القومي التابع للبيت الأبيض، "نعتقد أن الإعلان الروسي عن هزيمة داعش سابق لأوانه... رأينا مراراً في التاريخ الحديث أن أي إعلانٍ عن النصر سابقٍ لأوانه، يعقبه فشل في تدعيم المكاسب العسكرية، واستقرار الوضع، وتهيئة الظروف التي تحول دون إعادة ظهور الإرهابيين". وما قالته الناطقة باسم مجلس الأمن القومي مواربةً، أعلنه البيت الأبيض بوضوح، حين أكد أنه لا ينوي سحب القوات العسكرية من سورية. ولا تقتصر رسائل سحب القوات على الجانب الأميركي فقط، بل تشمل إيران أيضاً، فإذا كانت روسيا القوة الضاربة في سورية قد سحبت جزءاً من قواتها، فالأَوْلى بإيران أن تفعل ذلك أيضاً. وتدرك موسكو أهمية الحضور الإيراني في سورية وقوته، وأن استمرار هذا الحضور بهذه الطريقة سينعكس بالسلب على الجهود الروسية في الحل السياسي. وهناك رسالة إلى النظام السوري، أن مرحلة العسكرة انتهت من الناحية الاستراتيجية، وأن مرحلة التسوية السياسية بدأت.

وعلى الرغم من رسائل القوة التي حملتها زيارة بوتين إلى قاعدة حميميم، فإنها حملت رسالة ضعف أيضاً، فروسيا غير قادرة وحدها على إنفاذ سياسات القوة بمفردها، وهي بحاجة إلى تعاون مع شركاء كثيرين، مثل الولايات المتحدة وإيران وتركيا في المقام الأول، والسعودية وقطر ومصر في المقام الثاني، وهذا ما يفسر الانفتاح الروسي على قطر والسعودية.

اكتشف صناع القرار في الكرملين أنهم غير قادرين على إنجاز حل سياسي، في حدوده المعقولة، من دون الآخرين القادرين على عرقلة المشروع الروسي في سورية، حتى النظام السوري نفسه، وعلى الرغم من ضعفه الشديد، ما زال يمتلك أوراقاً داخلية، تمكّنه من امتصاص الضغوط الروسية، إذا ما تجاوزت الخطوط الحمراء.

تشكل زيارة بوتين إلى حميميم فاصلاً بين مرحلتين، ستكون الثانية أكثر صعوبةً واختباراً حقيقياً لمدى قدرة موسكو على إظهار قدراتها السياسية في تنفيذ رؤيتها.

========================

مؤتمر سوتشي هل يمهد لإنهاء حكم الأسد تكتيكياً ؟ .. سميرة المسالمة

الحياة

السبت 16/12/2017

تقف المعارضة السورية، في دراسة خياراتها من مؤتمر سوتشي، على مفترق طرق، أحدها يهمّشها، وآخر يحدث شرخاً في علاقة أطياف المعارضة المشاركة في الوفد الموحد لها، وثالث يمكنه أن يكون سبباً في غضب شعبي بين أوساط حاضنة الثورة، من المتشددين في رفض الدور الروسي كملاذ لحل الصراع السوري.

وبين الخيارات الثلاثة المؤلمة، في العمل الديبلوماسي والسياسي، لوفد يشقّ أولى خطواته في العمل الوطني المشترك، لفرض خريطة طريق، يفترض أن تؤسّس للانتقال السياسي إلى ما بعد النظام الاستبدادي، يمكن مناقشة معطيات وتحولات الصراع السوري من خلال الوقائع الميدانية على الأرض، ومن خلال الاصطفافات الدولية المتحركة تبعاً للمعطى الأول، والظروف المحلية الخاصة بهذه الدول، وآثار استمرار هذا الصراع على المنطقة والعالم، الذي قطف الثمار، أو التداعيات، المرّة لتأخير الحلّ في سورية، من خلال موجات اللاجئين، أو من خلال انتشار الإرهاب والتـطرف، وتعميم وحشيته حيث أمكن له ذلك. هكذا، وفي مناقشة الخيارات المذكورة، يمكن ملاحظة الآتي:

أولاً، إن تخلي المعارضة عن دورها رسمياً، عبر المشاركة في مؤتمر سوتشي، المزمع عقده في مطلع العام القادم، يعني الانكفاء إلى دور المتفرج، على حدث يمكنه قلب الموازين داخل منظومة المعارضة نفسها، بحيث يصبح خيارها محدداً بالالتزام بمخرجات منصّة جديدة ("سوتشي")، والتي قد تُفرض لاحقا على المعارضة، ضمن مساع دولية تشبه ماحدث قبيل الاجماع على القرار2254، الذي يعتبر اليوم مرجعية رئيسة في العملية التفاوضية. ومعلوم أن مؤتمر القاهرة الذي انتج منصة القاهرة، واجتماع موسكو الذي أنتج ما سمي منصّة موسكو، على رغم رفض المعارضة، المتمثّلة بالائتلاف الوطني آنذاك المشاركة بكلا الحدثين، أديا إلى النص عليهما في القرار الأممي ليصبح ضم هاتين المنصتين إلى وفد المعارضة التفاوضي، بمثابة محور للقرار 2254، وهو ما أنتج اليوم مؤتمر الرياض 2، الذي عقد مؤخراً، ومن ثم الوفد الموحد المشارك في الجولة الثامنة من جنيف. وأقصد هنا أن تجاهل الوفد السوري المعارض للمؤتمر ("سوتشي") لا يعني بالضرورة امكانية تجاهل نتائجه، وهو الأمر الذي يجب أن تتنبه له الهيئة العليا بإحداث بدائل مقنعة، وليس بخطابات إعلامية شهدنا مثيلاتها في السنوات السابقة على أحداث متشابهة، من دون أن تفيد شيئاً.

ثانياً، في حال انقسام المعارضة بين مؤيد للمشاركة في مؤتمر سوتشي ورافض له، على رغم أنهما شريكان في وفد واحد، فإن ذلك يعني أننا أمام سيناريو مكرر لمؤتمر آستانة، الذي رعته كل من روسيا وتركيا وإيران، والذي رفضته أطياف كثيرة من المعارضة السياسية، واعتبرته مؤامرة روسية للتشويش على مسار جنيف الأممي، إلا أنه على رغم ذلك أصبح اليوم متمماً، وفي كثير من الأوقات قائداً في نتائجه الميدانية لمسار جنيف السياسي، وأحيانا متقدماً عليه في الطروحات والتنفيذ. ومع كل هذا فإن تخصصه في الجانب العسكري والميداني/ المتعلق بالإرهاب والحرب عليه جعله، على رغم التجاهل الأميركي له، جزءاً أساسياً في العملية التفاوضية الكلية، إذ بات يتم البناء على مخرجاته داخل جنيف وخارجها، من خلال الاتفاقات الثنائية الروسية الأميركية، أو الروسية مع الأطراف المحلية، وكان يمكنه أن يتطور ليأخذ دوراً سياسياً، بيد أن التدخل الأميركي حال دون ذلك، لأسباب منها: واقع الوجود الأميركي، وشراكاته مع الطرف الكردي غير المشارك حتى اليوم بالمسارات التفاوضية جميعها.

ثالثاً، يبقى خيار المشاركة في "سوتشي"، وهذا ربما يضفي عليه بعضاً من "الشرعية" التي تبحث عنها موسكو من جهة، بيد أن وفد المعارضة في هذا الخيار يواجه احتمالية فقدان حاضنته الشعبية التي يمتلكها من جهة مقابلة، وهذه هي المعادلة الصعبة التي تواجهها المعارضة في اتخاذ قرارات مصيرية، بعيداً من حال التهييج الشعبي التي تمارسها أطراف خارج الوفد. والقصد أن هكذا قرار يفترض أن يتم تحصينه بنوع من الاجماع، في المعارضة، وبالتمسك بالسقف التفاوضي، ضمن رؤيا واضحة تجرى باتقان شديد فوائد المشاركة من عدمها، وتبقي القرار النهائي بيد جهة تمثل فعليا هيكلية جديدة لآلية اتخاذ القرار الشعبي، بعيداً عن المحاصصات، وضمن خيارات مصلحة السوريين وحاجتهم إلى الإنتقال من الفعل الإعلامي إلى الحل الميداني بقرار شعبي مسؤول.

ولتحديد هكذا رؤيا لا بد من وضع السوريين بصورة جدول أعمال أو أجندة سوتشي وفق رؤية موسكو التي تفترض، أو تعتزم:

إنشاء لجنة لصياغة مسودة دستور يتوقع أن تقلص صلاحيات الرئيس، وأن تضبط عدد مرات الترشح لهذا المنصب، بمرتين متتاليتين بمفعول رجعي، وهو ما يعني استبعاد الأسد من التسوية الجديدة تكتيكياً، وفق النصوص الدستورية الجديدة الذي يجرى عليها استفتاء شعبي خلال مدة أقصاها ثمانية أشهر.

إنشاء لجنة حوار وطني متعددة المناطق تتبادل المشورات والمعطيات والمشتركات مع اللجنة السابقة، وتفيد بالوصول إلى تفاهمات شعبية مع السوريين داخل سورية وخارجها.

تبلور المفاوضات، في مسار جنيف، آلية للعمل على تفاصيل الملفات العسكرية والسياسية والقضائية.

وضمن هذه الأجندة فإن النجاح في هذه البنود يعني، على الأرجح، الوصول إلى تفاهمات حول شخصية سورية لقيادة المرحلة الإنتقالية، من داخل النظام ولكن ضمن شروط المعارضة، التي تفرض ألا تكون هذه الشخصية شاركت بسفك دم السوريين، قراراً او فعلاً، وهذا تحديداً ما جعل من فاروق الشرع الشخصية الأكثر قبولاً من غيرها، وهيأ لبروز اسمها كشخصية توافقية شعبية ودولية، من دون أن يعني ذلك أن الأسد أو رموز حكمه وافقوا على هذا الخيار، أو أن "الشرع" طرف في اتفاق حصل بين الروس والدول الراعية "لسوتشي" المقبل على مهل.

وعلى هذا يمكن البحث في مشاركة المعارضة من عدمها في المؤتمر، من خلال السؤال عن إمكان المشاركين في كسب معركة التفاوض في سوتشي، وإمكان صياغة مخرجاته بما يخدم تنفيذ القرارات الدولية من جنيف 1 و2118 و2254، بما يفرض التنفيذ الفعلي وخاصة مايتعلق بالفقرات 13و14 و15 من القرار 2254 المتعلقة باجراءات بناء الثقة، التي تتحدث عن إطلاق سراح المعتقلين وفك الحصار عن جميع المناطق ووقف العمليات القتالية؟

وهذا يقود إلى سؤال آخر عن نقاط القوة في رفض المشاركة، وانتظار ما ستؤول إليه النتائج، التي يتم إقرارها بعيداً من المعارضة وفي غيابها، وبما لايضمن مصالح الثورة في إنهاء النظام الحالي، والانتقال إلى مرحلة بناء سوريا جديدة، وفق الأسس التي قامت عليها القرارات الدولية المشار إليها، للبدء في عملية إعمارها وهو الشرط اللازم لذلك؟

إن البحث في خيارات المعارضة في هذه المرحلة يحتاج من الوفد، ومن رئيسه نصر الحريري من موقعه في المسؤولية، إلى أكثر من قبوله الرؤية المحاصصية، والتي تجعله على شفا حفرة من الانهيار المحتوم، بسبب آلية تجميعه القسرية من جهة، والقرارات الضمنية المسبقة حول المؤتمر، لكل مكون من مكونات الوفد المعارض من جهة أخرى، ما يسمح لنا بالعودة إلى الحديث عن ضرورة انعقاد مؤتمر وطني سوري، يتيح مشاركة كل الشرائح السورية المعارضة باتخاذ قرار يقوي الوفد، ويدعم مواقفه سواء الرافض للمشاركة أم القابل بها، بعد أن أصبح هذا من الوفد دون أي مساندة دولية حقيقية تذكر، وأصبح لا يملك ترف الاختيار أصلاً، لأن كل ما يتعرض له اليوم يصب في خانة إما أن يكون موجوداً، أو يتم تصنيع البديل، وعن أي بديل نتحدث؟

========================

الطاغية ولعنة الدم !؟

بقلم: يحيى حاج يحيى 

 أشعل اللفافة الخامسة ، و راح ينفث دخانها بشرهٍ و عصبية ، فتذكر أن أطفاله النائمين يضرهم الدخان المنبعث منها ، فنهض و أغلق الباب ..

عاد إلى الفراش ،ليضع رأسه تحت الوسادة كما يفعل كل ليلة ، وقد تناول جرعة مضاعفة من دواء وصفه له أحد الأطباء يستجلب النوم ، و يخدر الأعصاب !

لم يمر وقت طويل على إغماض عينيه ، حتى أفاقت زوجته ، و هو يردد كلمات بصوت أجش ، كأنه المخنوق .. أشعلت النور بجوار السرير ، فتأكدت أنه نائم ...

فراحت تنظر إليه تارة و إلى غرفة الأطفال تارة .

و إلى شاشة التلفاز المغلق ،فارتسمت أمامها صورة أطفال غوطة دمشق في أكفانهم وقد أرداهم الغاز السام ؟!!

تحركت عاطفة الأمومة في داخلها ، فأحست أنها بحاجة لأن تضم أطفالها الثلاثة إلى صدرها ..

سحبت الغطاء حتى رأسها ، و أدارت ظهرها مبتعدة عنه و هو لا يزال يردد كلمات مبهمة  بصوت مخنوق

- 2-

كان للأقراص المضاعفة التي تناولها اليوم أثر في جعله ينام قليلا ! و لكن أحلاما مزعجة مرعبة كانت تتوالى و كأنها شريط سينيمائي يُـرغم على مشاهدته !

أطفال ملفوفون بأكفان بيضاء مخضبة بالدم ينهضون من قبورهم ، و يشيرون إليه بأصابعهم الصغيرة ، محدقين في وجهه ، مرددين : يا قاتل !!

مياه النهر و قد تحولت إلى اللون الأحمر تغيّـر مجراها ، لتصل إلى بوابة القصر ، و تتجاوز الطابق الأول فيهرب منها إلى الثاني .. فتلاحقه و تضطره إلى الصعود إلى الطابق الثالث .. و هو يحاول في كل مرة أن يرتفع إلى طابق أعلى .. أصعدته إلى السطح ، و أحاطت به و قد ازدادت تدفقا و حمرة !

أراد أن يتكلم .. أن يصيح .. ففتح عينيه مذعورا و انقلب إلى الطرف الآخر !؟

الضحايا من الرجال يقتربون منه ، و قد خلعوا الأكفان ليصنعوا منها حبلا ثخينا !!

تراجع إلى الخلف .. تقدموا نحوه .. تراجع أكثر .. لم يعد بينه و بين حافة الشرفة إلا القليل .. أحدهم تقدم ليضع الحبل المصنوع من الأكفان في رقبته .. رجع .. ثم رجع .. ثم هوى في بركة دم ؟!!

الضحايا من البنات الصغيرات يملأن القصر ؟! فهن على السلالم .. فوق الأسِرّة ... عند الأبواب ! يتجهن إلى غرفة أطفاله ، يجرجرن أكفانهن ، و يهدرن بصوت واحد : نريد اصطحاب أبنائك معنا ؟! انقطع صوته و هو يصرخ : لا .. لا .. إنهم !

 فرمته إحداهن  بلفافة قطن مخضبة بالدم ، كانت تلف رقبتها ، وهي تصرخ : و كذلك كان لنا آباء يحبون أبناءهم !!

- 3 -

لم يعد يدري أهو في حلم أم يقظة ؟! أغمض عينيه ، و لف رأسه بيديه ، و ماهي إلا إغفاءة حتى عاودته الأحلام....... ركب سيارته ، و انطلق باتجاه المطار بسرعة فائقة .. لم يقف عند أي إشارة .. سيارات بلون الدم تتابعه ! كلما أسرع أسرعت .. غيّـر الطريق .. لم يعد ينظر ما أمامه و كلما أراد أن يصعد جسرا وجد رجالا و أطفالا ملفوفين بالأكفان يسدون عليه الطريق ...

تذكر أن الجسر الخامس الموصل إلى المطار مفتوح كما سمع في نشرة الأخبار ، فاتجه إليه ، حتى إذا وصل إلى نهايته وجده مغلقا ، و على بعد أمتار منه نار حمراء كأنها الدم !!

- 4 -

أوقف السيارة ، و انطلق إلى السور ، و رمى بنفسه !

أفاقت زوجته مذعورة وقد كاد ينقلب عن السرير...

نظر كل منهما إلى الآخر دون أن ينبسا بكلمة .. أغمض عينيه ، محاولا أن يجد سبيلا إلى النوم ، من غير أحلام ثقيلة ، و كوابيس مقلقة ، و دم يلاحقه من مكان إلى مكان!!

========================

هل انتهى مسار جنيف؟ .. رياض نعسان أغا

الاتحاد

السبت 16/12/2017

لم يفاجئنا انسداد الأفق أمام الجولة الثامنة من المفاوضات، فقد تكرر هذا الأمر في سبع جولات سابقة، كان النظام فيها يلاعب المعارضة، بينما هو يمضي سريعاً في الحسم العسكري معتمداً على قوى روسيا وإيران والميليشيات الطائفية وعلى الشبيحة الذين بالغوا في الإجرام. ولم يظهر المجتمع الدولي اهتماماً جاداً في دفع المسار السياسي، رغم ما كان يبديه بعض سفراء الدول الصديقة من تعاطف مع قضيتنا، وكان إبطال روسيا لقرارات مجلس الأمن قد بلغ حداً غير مسبوق في عدد المرات التي استخدمت فيها "الفيتو"، ولم يبد أعضاء مجلس الأمن الباقون أكثر من التعبير عن الأسف!

وأما الولايات المتحدة، وهي الدولة الأقوى في العالم، فقد أبدت لفترات طويلة حالة من التخلي عن القضية السورية مفوضة روسيا باتخاذ ما تراه من إجراءات، وقبل أول جولة قامت بها الهيئة العليا للمفاوضات تردد الزملاء أعضاء الهيئة في الذهاب إلى جنيف، حيث لا شيء يوحي بإمكانية إيجاد حل سياسي مع النظام الذي صعد يومها هجومه الوحشي على الشعب، ولم يبد أية استجابة نحو التفاوض. يومها تدخل جون كيري، وزير الخارجية الأميركي، بتقديم ما يشبه الضمانات في رسالة دعم وتعهد أرسلها إلى الهيئة، وهو يحثنا على المشاركة، ولم نلحظ أي دعم يذكر! وحين كنا نوقف التفاوض احتجاجاً على تصاعد العدوان والحصار -كما حدث يومها في مضايا- كانت تهرع إلينا دول الأصدقاء تطالبنا بألا نضيع الفرصة! وكان النظام لا يقبل بأي حديث سوى مكافحة الإرهاب، وقد تمكن من أن يقنع العالم بأن القضية هي صراع بين نظام شرعي وبين تنظيم "داعش" وما يشبهه! وكان يقول إن وفد المعارضة لا يمثل كل أطيافها.

كان الروس يومها ينظرون إلى الجيش الحر وإلى المعارضة على أنهم إرهابيون، وتمكنا عبر الفائدة الوحيدة من الذهاب إلى جنيف من أن نري العالم أن المعارضة ليست إرهابية، وأن القضية هي مطالب الشعب بالحرية والكرامة وبناء دولة ديمقراطية، وكانت الإفادة من ساحة جنيف الإعلامية كبيرة لأنها حظيت باهتمام شعبي عالمي.

وأذكر في لقائنا الأول مع دي مستورا قوله لنا: "إن تشكيل الوفد المفاوض هو امتيازكم وحدكم" وبعد حين قال: "لا بد من إشراك منصتي القاهرة وموسكو"، ودرسنا الأمر بإيجابية لسد الذرائع، ووافق دي مستورا على أن يضم الوفد ممثلاً واحداً عن موسكو وآخر عن القاهرة. وأجرينا حوارات مع المنصتين، ولم يوافق الطرفان رغم ما أبداه فريق القاهرة من استجابة مبدئية، ثم فوجئنا بطلب ضم المنصتين بتمثيل أوسع. وكان لقاؤنا معهما في الرياض جاداً، حيث وضعنا القبول ببيان الرياض1 أساساً لتوحيد المعارضة، ورفض وفد موسكو، واعتبرنا متشددين، وعقد مؤتمر الرياض الثاني وفوجئ الجميع بأن أكثرية الوفد الجديد تتمسك بمطالب الشعب. وربما كان دي مستورا ينتظر أن يقابل وفداً مائعاً يفتتح الجلسات بترديد شعارات النظام، ويعلن التمسك به، ولهذا طالب وفد النظام بالتخلي عن بيان الرياض2، ولم يقبل مناقشة سلال دي مستورا. وأصر على أن يناقش موضوع الإرهاب، وأعلن أن سوريا ما تزال مهددة بالإرهاب. والحقيقة أن الإرهاب موجود تحت الطلب، فهو الذي مكن النظام من أن يبيد شعبه بذريعة مكافحة الإرهاب، وحقاً "داعش" اليوم تزحف نحو إدلب مع قوات النظام، وما تزال لها جيوب في أطراف دمشق وأطراف درعا أو في البادية، حيث سمح لها بالتمدد خفية بعد أن تبخرت دون قتلى أو أسرى أو معتقلين.

والسؤال الآن: هل حقاً تخلى أصدقاء الشعب السوري عنه؟ وهل سيقبلون بأن تبقى القضية السورية معلقة كما علقت قضية فلسطين؟؟ فالجميع يعلمون أن سوتشي قد تقدم حل إذعان، وربما مراضاة مؤقتة ببضعة مناصب وزارية في حكومة موسعة يقودها الأسد، والسوريون يعلمون أن هذا فخ للإيقاع بالمعارضة التي ستلقى عقاباً قد يدوم عشرات السنين، وقد يضطر النظام لبناء عشرات السجون في تصفية معارضيه، ولا توجد أية بارقة ثقة تدعو المشردين واللاجئين للعودة إلى فروع الأمن لتسوية أوضاعهم كما يخطط النظام.

وحتى لو عقد سوتشي وجاء بأفضل من التوقعات المتشائمة، هل سينسى السوريون ما ذاقوه من عذابات مريعة على يد النظام فيقبلون يده من جديد؟ وهل ستطلق سوتشي مثلاً أحكام الغفران نيابة عن الشعب على جرائم قتل مليون شهيد وإصابة مليوني معاق، فضلاً عن الجرائم التي ترتكب بحق المعتقلين، وفوق ذلك كله جرائم التهجير القسري وتدمير المدن والأرياف وهدم ملايين المنازل والمدارس؟ وهل ستنتهي مأساة العصر الكبرى بعد سبع سنين من شلالات الدم المستباح دون محاسبة للمجرمين ودون الخلاص من الديكتاتورية؟

========================

آذار وبحار الدم - (الحلقة 37) مجزرة جسر الشغور .. محمد فاروق الإمام

في أوائل عام (1980) كانت انتفاضة الشعب السوري ضد النظام الاستبدادي في أوج تقدمها، وارتبك النظام في سورية، وظهر ذلك واضحاً في خطاب حافظ الأسد يوم (8/3/1980م)، وعندئذ طلب النظام من الخبراء السوفييت المتخصصين في قمع الشعوب، والذين ساعدوا ستالين على ذبـح ملايين المسلمين، طلب منهم حافظ الأسـد دراسة الحالة السورية، وتقديم النصائح للنظام، ووصل عدد من هؤلاء الخبراء، وتجولوا في حماة وحلب وغيرهما، وتعرفوا على أوقات وأماكن اغتيال عناصر السلطة؛ الذي كان يومياً في حماة وحلب، وبعد تفهم الموقف من قبل هؤلاء قدموا نصيحتهم وهي:

أن يقتل النظام خمسين مواطناً على الأقل في المكان والزمان الذي تقع فيه حادثة الاغتيال، فلعل القاتل يكون أحد هؤلاء الخمسين. وبدأ النظام الديكتاتوري يطبق هذه النصيحة السـتالينية اعتباراً من نهاية الربع الأول من عام (1980م) . ومن تطبيقاته لها ما فعله في جسر الشغور :

تقع بلدة جسر الشغور في نهاية سـهل الغاب، قبل أن يدخل نهر العاصي لواء اسكندرونة، وتتوسط المسافة بين حلب وحماة واللاذقية، ويمتاز أهلها بالمحافظة على دينهم وعاداتهم العربية الإسلامية، وقد هبت هذه البلدة مع حماة وحلب وإدلب وحمص في آذار (1980م)، حيث انتفضت هذه البلدان سلمياً تعلن رفضها لنظام الأسـد، وتؤيد الانتفاضة الشعبية التي أنهكت وحدات الأمن الأسـدية أنذاك، قبل أن يتسلم الجيش العقائدي المهمة من وحدات الأمن ويخمد انتفاضة الشـعب بالدبابة والصاروخ والمدفع.

أضربت بلدة جسر الشغور يومي السبت والأحد، وفي يوم الاثنين (10/3/1980م) خرجت مظاهرة بدأها طلاب المدرسة الثانوية، وانضم إليهم عدد كبير من المواطنين، فجابت الشارع الرئيسي في البلدة يهتفون (يا أسـد مانك منا، خذ كلابك وارحل عنا).

هاجمت المظاهرة المؤسسة الاستهلاكية رمز الجوع والحرمان في النظام الأسدي، وحرقتها، ثم توجه المتظاهرون إلى مكتب حزب البعث ففـر البعثيون وتركوا أسلحتهم التي كانوا يرهبون بها الشعب، وكذلك فر شرطة المخفر تاركين أسلحتهم. (ولابد من القول أن الإخوان المسلمين ليس وحدهم كانوا المحركين لهذه الأفعال، وإنما حركها معهم عدة تيارات من الشعب كالناصريين والشيوعيين والبعثيين القوميين) فكانت انتفاضة عامة من الشعب في جسر الشغور.

ومع العصر وصلت أكثر من خمس وعشرين طائرة عمودية محملة بجنود الوحدات الخاصة يقودهم العميد علي حيدر، ويعاونه عدنان عاصي، قائد مخابرات إدلب، وتوفيق صالحة، محافظ إدلب وصلت هذه الطائرات المحملة بالرجال والعتاد إلى جسر الشغور، ولما أقلعت هذه الطائرات اتجهت شمالاً، وكان المفروض أن تتجه جنوباً نحو العدو الصهيوني.

نزلت الطائرات حول البلدة (في معمل السكر، والثانوية، وطريق حمام الشيخ عيسى، وساحة البريد، ومحطة القطار...)، ونامت البلدة بعد أن طوقتها الوحدات الخاصة وفرضت منع التجول.

مذابح الليلة الأولى:

وبدأت الوحدات الخاصة تعتقل كل من تصل يدها له وتقتله في الحال، دون معرفة شيء عنه، وهكذا قتلوا قرابة خمسين مواطناً مسلماً ومسيحياً وكل من وقع في يدهم خلال الليلة الأولى. كما أنهم أحرقوا قرابة ثلاثين محلاً تجارياً للمواطنين بعد أن نهبوا ما فيها من البضائع، ومنها محلات الذهب، ومحلات الأقمشة ومحلات الأدوات الكهربائية، ومكتبة داسوا مصاحفها ومزقوها قبل حرقها، في الشارع الرئيسي للبلدة.

مذابح اليوم الثاني:

بدلت الكتيبة الأولى بعد أن ذبحت خمسين مواطناً، لا ذنب لهم سـوى أنهم من أهالي جسر الشغور، واستلمت كتيبة ثانية صارت تعتقل الرجال من البيوت وتجمعهم في أماكن تمركز الوحدات الخاصة، ثم يسومونهم أقسى أنواع التعذيب كالضرب بالكابلات الحديدية، ويحرقون لحاهم، ويصعقونهم بالكهرباء ...إلخ.

وكانوا يسألون الرجال المعتقلين من هم من طلاب الجامعات، فيقتلونهم حالاً دون تحقيق معهم، وكأن جريمتهم أنهم من طلاب الجامعات، وقد استشهد قرابة خمسة عشر طالباً من طلاب الجامعات.

وشكل النظام محكمة ميدانية جعلت من مكتب البريد مقراً لها، وشارك فيها كل من:

ناصر الدين ناصر (وزير الداخلية)، وعلي حيدر (قائد الوحدات الخاصة)، وتوفيق صالحة (محافظ ادلب)، وحمدو حجـو (رئيس فرع الحزب)، ومحمد أنيس (ريئس شعبة الحزب الجسر).

وأصدرت هذه المحكمة حكم الاعدام على كل من مثل أمامها.

ومرت على جسر الشغور ثلاثة أيام عصيبة لم تشهدها من قبل ولا حتى أيام الاستعمار الفرنسي ولا في عهود الديكتاتوريات العسكرية التي مرت على سورية، ومن جرائمهم التي يندى لها جبين الإنسانية :

1-شـق جسم طفل لا يزيد عمره عن ستة أشهر إلى قسمين، أمام أمـه، التي سقطت ميتـة من هول المنظر.

2-قتـل فتـى ارتمـت أمـه عليه لتحميه من القتل، فقتلوها معه.

3-التمثيل بجثث بعض الضحايا لإرهاب المواطنين.

4-حـرق عدة بيوت.

وفي اليوم الثاني أو الثالث قامت الجرافات بتحميل الجثث من الشوارع ودفنوها في حفر جماعية بدون كفن أو صلاة جنازة.

حفلة الوداع قبل نقل الرجال إلى إدلب:

وبعد التحقيق المبدئي، والتعذيب الرهيب نقلوا عدداً كبيراً من رجال الجسر إلى إدلب، وبعد تحميلهم في السيارات مكبلة أيديهم وأرجلهم بالأسلاك الشائكة، يضربونهم ضرباً شديداً وكأن الوحدات الخاصة تودعهم قبل أن تسلمهم للمخابرات العسكرية لتكمل معهم التحقيق. ويصل الضرب إلى حد الإغماء فيظنون أنه مات لذلك يتركونه وينشغلون بغيره.

مجزرة سرمدا

25/7/1980

كانت تعيش بلدة سرمدا الأثرية المشهورة بعواميدها الأثرية حياة آمنة مطمئنة يأتيها رزقها من الأرض التي يكدح أهلها الفلاحون بحراثتها وزرعها.

ففي يوم 25 /7/1980 طوقتها قوات الوحدات الخاصة ثم داهمتها وفتكت بنسائها ورجالها الذين جمعت ثلاثين منهم في ساحة القرية ثم أطلقت نيران الرشاشات على 15 ثم ربطت بعض شباب القرية بالسيارات والدبابات وسحلتهم أمام الناس وتركت الجثث الأخرى في القرية لإرهاب السكان.

يتبع

==========================

آذار وبحار الدم - (الحلقة 38) .. مجزرة المشارقة البشعة بحلب 11/8/1980 .. محمد فاروق الإمام

خفض القانون (49) عقوبة الأفعال التي توجب الإعدام لمن يسلم نفسه إلى الأشغال الشاقة لمدة خمس سنوات على الأكثر، إلا أنه استثنى من هم قيد التوقيف أو المحاكمة من الاستفادة من هذا القانون.

 وأدى صدور هذا القانون الفريد من نوعه إلى قيام عدد قليل من الإخوان في إعلان انسحابهم على صفحات الجرائد المحلية، في حين فر الآلاف خارج البلاد سواء من أعضاء التنظيم أو أقربائهم.

لم يتوقف العنف الثوري عند النظام بإصداره هذا القانون الجائر بل تمادى إلى أبعد من ذلك، حيث أقدم على ارتكاب مجازر فظيعة وشنيعة في مدينة حلب توجها بالمجزرة البشعة (مجزرة المشارقة). وهذه رواية شاهد عيان لهذه المجزرة الدموية:

بينما الناس يتزاورون ويهنئون بعضهم بعيد الأضحى المبارك إذ بالمقدم هاشم معلا "قائد الوحدات الخاصة" يأمر رجاله بتطويق حي المشارقة وإخراج الاهالي من بيوتهم ثم يأمرهم بإطلاق النار عليهم فقتلوا أكثر من 100 شخص معظمهم من الأطفال والعجائز، ويقول أحد الضباط الشهود على المجزرة ما يلي:

"هاشم معلا طلب مني بالحرف الواحد عدم التجمع في أيام العيد لأن الدولة قررت أن تقوم بمجزره في حلب لإرهاب أهل حلب وفعلا نفذ معلا ما بيته لأهل حلب، فقد كنا نقوم بزيارة اقربائنا بمناسبة العيد كل منزل بمنزله وفجأة سمعنا صوت إطلاق رصاص غزير عندها جاءت عناصر من الوحدات الخاصة وتدق على البيوت وتأخذ الشباب والأطفال والرجال الشياب لحجة أن الضابط يريد التحقيق معهن وإذا بعناصر من الوحدات الخاصة ومعهم أربجيهات ورشاشات كبيره ودبابات أمام البيوت وطلبوا مننا أن ندخل بيوتنا وإلا سوف يدمرونها فوق رؤوسنا ولاندري ماذا يحدث في هذا الحي بأول ايام العيد وكلنا بثياب العيد وبعد ساعات وقف إطلاق الرصاص وانسحب بعض العناصر من الوحدات الخاصة والدبابات من شوارع حي المشارقة وفتحنا باب المنزل وإذا بأحد الجرحى قال اذهبوا لقد قتلوا أهل الحي جميعا، فعلاً أرسلنا شخص ليسعف هذا الجريح وذهبنا لموقع المجزرة واذ 85 شهيد من شاب وعجوز وطفل فوق بعضهم البعض فبدأنا نقلب الجثث فعثرنا على جريحين لم يفارقوا الحياة بعد لأنه كان فوقهم جثث كثيره وكانت إصاباتهم بالغه وكان منفذ هذه المجزرة الوحشية العقيد هشام معلا والنقيب غدير حسين من أهالي اللاذقية ومعهم بعض المرتزقة وكانوا يطلقون الرصاص الكثيف على ال 85 شهيد ودعسوا فوقهم باقدامهم ويطلقون عليهم طلقات الخلاص وبعدما انتهوا من قتل الشهداء بدأوا يربطون بعض الجثث من رجولهم ويسحبونهم بشوارع حلب ويرموهم على مداخل مدينة حلب حتى يرهبوا أهل حلب وفعلا بعض الشهداء لم نراهم الا باليوم الثاني بالطبابة الشرعية حيث كانت دوريات النجدة تجمع الجثث المرماة في مداخل المدينة وتنقلهم إلى الطبابة الشرعية فعلا لقد نفذ وعده بهذه المجزرة الوحشية العقيد هشام معلا والنقيب غدير حسين ومعهم بعض المرتزقة ارضاء لأوامر سيدهم المجرم الكبير حافظ الأسد".

وللتاريخ أدلي بشهادتي:

"كنت عند وقوع المجزرة في مدينة حلب أعمل موظفاً في الجمارك، وقد روى لي أحد الزملاء الذي كان بصحبة العقيد "طاهر سلطان" رئيس الضابطة الجمركية بحلب عند قيامه بزيارة المقدم هاشم معلا "قائد الوحدات لخاصة" في مكان إقامته في الملعب البلدي بمناسبة العيد لتقديم التهنئة له.. روى لي ما جرى من حديث بين المقدم هاشم معلا والعقيد طاهر سلطان:

العقيد طاهر: لقد ارتكبتم خطأ كبيراً في القيام بهذه العملية (يقصد مجزرة المشارقة)!

المقدم معلا: أردنا بهذه العملية تأديب أهل حلب وتخويفهم.

العقيد طاهر: لكن هذه العملية كانت ذات حدين: تأديب أهل حلب وإخافتهم كما تقول، ولكنها بنفس الوقت تسيء للنظام ولشخص الرئيس حافظ الأسد.

المقدم معلا: والله أنا هيك اجتني التعليمات من القائد – يقصد العقيد رفعت الأسد شقيق حافظ الأسد – فقد وجه لي كتاباً يأمرني فيه بالقيام بخمس عمليات بحلب تشمل خمسة أحياء شعبية كان من بينها حي المشارقة انتقاماً لما حدث في مدرسة المدفعية.

العقيد طاهر: ولكن ما قام بمجزرة المدفعية عصابة كما أعلنتم، أما ما تقومون به فهو عمل دولة وهذا لا يجوز.

المقدم معلا: أنا عسكري وأنفذ الأوامر.

العقيد طاهر: أنت معذور فيما قمت وأرجو أن تحقق هذه العملية الأغراض المرجوة منها، وتتوقف العصابات عن جرائمها".

للعلم فإن العقيد طاهر سلطان هو "علوي" من منطقة السلمية ومتزوج من حلبية سنية وكان في مطلع حياته العسكرية مديراً لسجن المزة العسكري، وقد أمضيت فيه نحو سنة معتقلاً لأسباب سياسية ملفقة لا علم لي بها أيام إدارته للسجن وكان برتبة ملازم أول. بعدها نقل إلى إدارات مدنية ومنها مديراً للسياحة في حلب قبل أن يتسلم قيادة االضابطة الجمركية بحلب سنة 1976. وكان على صداقة مع الشيخ محمد الشامي.

لقد ارتكب النظام مجازر متتالية بحق أهالي حلب بعد مجزرة المشارقة وكان منها:

*مجزرة سوق الاحد يوم 13/7/1980: أكثر من 192 قتيل

*مجزرة بستان القصر يوم 12/8/1980: 35 قتيل

*مجزرة الكلاسة: 35 إلى 110 قتيل

*مجزرة تحت قلعة حلب ويقال عن قتلى بآلالف ودفن جماعي ويقدر عدد القتلى: 1600 ألى 1900 قتيل وجرحى دفنوا وهم أحياء.

*مجزرة أقيول: إعدام أكثر من 2000 شاب على مدى عامين في ساحة الألمجي مجرد أن مسؤول تنظيم الاخوان المسلمين عن حلب مصطفى قصار من هذا الحي.

*مجازر أخرى متفرقة ومخفية في حلب

سلسلة مجازر ارتكبها النظام في بعض المدن السورية:

مجزرة (حماة الأولى):

بتاريخ 5-12/4/1980 نفذ النظام الأسدي مجزرة حماة الأولى، حيث مشّطت قواته المدينة بفرقة مدرعة بكتيبتين مدرعتين من الوحدات الخاصة، قطعت المدينة عن العالم الخارجي، كما قطعت عنها الماء والكهرباء، وفتشتها بيتاً بيتاً مع الضرب والنهب، وقتلت عدداً من أعيان المدينة وشخصياتها، كما اعتقلت وقتلت المئات، من أبناء المدينة.

مجزرة ساحة العباسيين - دمشق

وفي دمشق في 18 آب 1980م، داهمت القوات المسلحة في حكومة حافظ الأسد ساحة العباسيين، وهاجمت المنازل المجاورة بالقذائف المكثفة وكانت الحصيلة مقتل 60 شخصاً وجرح 150 آخرين وتدمير ثلاث بنايات.

مجزرة الرقة:

جمعت القوات السورية 400 شخص كمعتقلين في مدرسة ثانوية بمدينة الرقة شمال البلاد في منتصف أيلول 1980م وأشعلت النيران في المدرسة في ليلة ممطرة حيث قتل الجميع ولم ينج منهم أحد.

يتبع

===========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com