العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 24-06-2018


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

سورية.. اللجنة الدستورية والاحتلال الدائم .. عمار ديوب

العربي الجديد

الخميس 21/6/2018

حلّت بشأن سورية حكاية اللجنة الدستورية مكان النقاش عن الهيئة الانتقالية للحكم. تتناسب الأولى مع "انتصارات" روسيا ميدانياً، وقيادتها كلا من إيران وتركيا في سحق المعارضة، وتحجيم النظام، وضبط مشاريع الدولتين اللتين لم تعودا تفكران بمصالحهما، إلا في سياق العلاقات التحالفية مع روسيا. كانت حكاية الهيئة مطابقة سنوات الثورة الأولى، والتي كانت الكفّة فيها تميل إلى الثورة.

لا اعتراضات ذات قيمة من أميركا وحلفها على مشروع اللجنة الدستورية. يعزز ذلك ما ترسمه أميركا على الأرض السورية من نفوذ لها في شمال الفرات وشرقه وجنوب سورية، وتنسيق ميداني مع تركيا في منبج، ومع روسيا في كل مناطق سورية. صحيح أن أميركا لا تعلن تأييدها كاملاً لحكاية اللجنة هذه، وتُصرّح، بين الفينة والفينة، عن رفضها لها ورفض التجديد للرئيس السوري، لكن ذلك يأتي في إطار تدوير الزوايا مع روسيا والضغط عليها، وليس تعبيرا عن رؤية مختلفة للحل في سورية. بدقة أكثر: لا ترفض أميركا مشاريع روسيا للحل، سواء عبر طريق أستانة أو سوتشي، لكنها لا تعلن تأييدها كاملاً أيضاً. السبب تدوير الزوايا والضغط على روسيا لفكّ تحالفها مع إيران وطردها من سورية. لو فعلت ذلك، لحصلت على دعم الولايات المتحدة لخطة اللجنة هذه، لكن روسيا ستكون ضعيفة من ناحية أخرى، وستضطر حينها إلى إرسال قوات برية كبيرة إلى سورية، وهذا أمر معقد، نظراً لعقدة أفغانستان، وعدم وجود اتفاقيات مع أميركا تنظم احتلالها والسيطرة على سورية، وتلغي بالتالي ضرورة التدخل البري الواسع.

رسم مناطق النفوذ في سورية بين كل من أميركا وتركيا وروسيا وإيران يمنع تجدّد الحروب

"الاحتلالات وأدواتها المحلية السورية مشكلة سورية حالياً" الكبيرة، ويؤهل الأرض لمغادرة كل المليشيات، وقبلها التخلص من بقايا "داعش" وهيئة تحرير الشام في إدلب. وقد أعطى هذا الرسم لتركيا وظيفة ضبط الفصائل، ولأميركا التحكم بقوات سورية الديمقراطية (قسد)، ولروسيا إعادة تشكيل جيش النظام وحل المليشيات التي شكلّها إثر تقهقر الجيش واحتمالات خسارة العاصمة والعودة إلى الشريط الساحلي بعد العام 2012. منذ أتت روسيا بطلبٍ من إيران لمساعدتها في الحرب ضد الثورة وفصائلها، خسرت الأخيرة معظم مواقعها، وما لم تخسره أصبح تحت سيطرة تركيا وأميركا، والبقية تحت سيطرة روسيا وإيران معاً. تترافق هذه التطورات مع تطورات أخيرة تنقل بموجبها تل رفعت ومناطق في إدلب إلى تركيا، وربما تكون هناك صفقة تخص الجنوب السوري، ولا تضحّي بمصالح كل من إسرائيل والأردن وأميركا. ويتم بحث القضية الأخيرة مراراً وتكراراً، وجوهرها إنهاء أي وجودٍ لإيران، وإبقاء درعا منطقة خفض التوتر، وفتح طريق الأردن دمشق. وطبعاً موضوع إشكالي، نظراً إلى وجود فصائل قوية هناك، ولديه شرط مسبق، ويتحدد في إداراتها ذلك المعبر، أو تكون شريكة فيه، وهو ما يرفضه النظام وتصرّ عليه الفصائل.

النقاش الدولي بين الدول الضامنة للقاءات الأستانة، ولاحقا في 25 من شهر يونيو/ حزيران الحالي بين أميركا وحلفائها بشأن اللجنة، وآلية عملها، والتصويت فيها ومرجعيتها، وأعداد المشاركين فيها من المعارضة والنظام و"المجتمع المدني"، لا يعني هذا النقاش أبداً أن التوافق الدولي والإقليمي وصل إلى نهايته، وأن طريق الحل السياسي بدأ؛ فروسيا تعتمد بحلّها على الإصلاح الدستوري وانتخابات لاحقة للرئاسة ولمجلس الشعب، إي إعادة إنتاج النظام. بقية الدول لم تلغِ "جنيف 1"، ولا القرارات الدولية التي تُحمّل النظام مسؤولية ما حلَّ في سورية من كوارث. الاختلاف في الرؤى هذا يمنع القول إن حكاية اللجنة ستجلب إثر انعقادها حلاً سياسياً.

يخطئ من لا يربط بين فكرة اللجنة هذه والاحتلال الروسي الدائم من ناحية، وبينها وبين الاحتلالات المتعددة لسورية من ناحية أخرى. والسؤال: أية علاقة بينهما؟ ولا يلغي هذا السؤال فكرة تحكّم السوريين بمستقبلهم. وهنا أكرّر أن اتفاق "جنيف 1" كان بغياب النظام والمعارضة، فهل ستتشكل اللجنة بشكل مستقل، وبحضور الأطراف السورية؟ أعلن أحمد 

"ربما سيُعتَمدُ دستورٌ روسيٌّ لسورية، وربما يتم إصلاح الدستور الحالي الرديء" طعمة، رئيس حكومة معارضة سابق، ورئيس وفد المعارضة لمؤتمري سوتشي وأستانة أخيرا، أن تركيا هي من ستُسلم أسماء وفد المعارضة، وهناك إعلان عن اجتماعات للهيئة العليا للتفاوض لمناقشة قضية اللجنة الدستورية، وتعمُّ المعارضة "رؤية" تشمل التنازل عن أية مسبقاتٍ للتفاوض والمشاركة في أية أوراق أو اجتماعات تتشكل بخصوص سورية، وبالتالي ستذهب هيئة التفاوض والائتلاف الوطني وبقية المجموعات إلى النقاش في جنيف وسواها بخصوص اللجنة الدستورية. وهذا يعني أن المشكلة لدى المعارضة لم تعد في التمسك بهيئة الحكم الانتقالية كاملة الصلاحيات، ولا بتحديد مسبق لمصير الأسد، بل في كيفية النقاش في اللجنة الدستورية، والانتقال إلى الحل السياسي وفقها.

القصد أن المعارضة تلتحق تدريجياً بالرؤية الروسية للحل، وباعتبار الروس ينطلقون من مصالح النظام مع إجراء تغييراتٍ شكلية فيه، فالمعارضة ستناقش الدستور ومواده وفقاً لما يرتئيه الروس. ربما سيُعتَمدُ دستورٌ روسيٌّ لسورية، وربما يتم إصلاح الدستور الحالي الرديء، ولكن وفي كل الحالات، خسرت المعارضة كثيراً من نقاط قوتها، حينما تخلت عن شروط مسبقة، يفترض بالنظام وروسيا أن تقدماها قبل أي نقاش أو حوار أو لقاء، كالإفراج عن المعتقلين ومصير الأسد، والتمسك بإعلانٍ دستوري، وبالتأكيد أصبحت الهيئة الانتقالية للحكم خلف ظهرها.

سألت أعلاه: ما علاقة اللجنة الدستورية بالاحتلالات؟ هو سؤال إشكالي من دون شك، فكيف سيتم شرعنة هذه الاحتلالات في عصرنا هذا؟ كيف سيتمّ تضمين الدستور المزمع تشكيله بنوداً تتعلق بالاحتلالات هذه؟ هذه القضية هي ما يجب نقاشه في إطار المعارضة السورية، وكذلك لدى الشعب السوري؛ فالاحتلالات وأدواتها المحلية السورية مشكلة سورية حالياً، وهي من يقال إنها ستناقش قضية اللجنة الدستورية، وبالتالي أي حلٍّ سوريٍّ ستحمله معها؟

==========================

موقفنا : حول موضوع اللاجئين السوريين والتهديد بترحيلهم .. زهير سالم

١٨ /٦ /٢٠١٨

مركز الشرق العربي

اللاجئون وان كانوا يشكلون حالة إنسانية يحميها القانون الدولي ينظم طرائق التعامل معها ؛ إلا انها وفِي ظل عالم الْيَوْمَ وهواجسه تشكل ورقة سياسية ضاغطة وقوية لمن يحسّن التعامل معها وتوظيفها .

ومنذ الأشهر الأولى للثورة ومنذ بدأ بعض الناس يتباهون بازدياد عدد اللاجئين في المخيمات معتبرين ذلك ورقة ضغط على النظام كان لكاتب هذه السطور رأي مختلف وهو مكتوب ومنشور وموثق . وكان يطالب قيادات المعارضة بتبني دعوات للحد من الهجرة والتحذير منها .

ثم تبين أن التهجير كان مطلبا أسديا صفويا طائفيا انخرط فيه المعارضون وبعض أصدقائهم بقصر نظر وحسن نية . كان المجتمع المتجانس هدفا استراتيجيا للتحالف الطائفي بينما كان البعض يتباهى أو يئن من عدد اللاجئين المتزايدين .

ومع تصاعد عدد اللاجئين ووصولهم الى حدود الدول الغربية وبعد اكتشاف جثة الطفل ديلان

قدم كاتب هذه السطور ورقة عمل لقوى المعارضة اجمع تتضمن مبادرة لدعوة لعودة اللاجئين جميعا تتقدمهم قيادات وكوادر المعارضة عودة مدروسة مبرمجة هادفة تثقل ميزان قوى الثورة وقوى الإباء .

ولكن القيادات المستقيلة من الفعل المتشبثة بالكراسي رأت في هذه الدعوة لقمة اكبر من ماضغيها .

الْيَوْمَ ومع حجم المتغيرات ؛ نحن أمام مؤامرة مفضوحة لإعادة إعداد من اللاجئين في إطار  تثقيل كفة الأسد والتحدث عن حالة أمان واستقرار وهمي يسقط عن السوريين الحق في الاستفادة من القوانين الإنسانية .

الموقف يحتاج إلى مبادرة متكاملة تتحمل مسئوليتها قيادات المعارضة الراشدة تأسيسا وتوجيها .

لا يصلح لأحد أن يقول نحن ضد العودة .

ولا يصلح أن نكتفي بالقول نحن ضد الإكراه على العودة.

وإنما يجب أن نؤسس لمبادرة عملية تجعل العودة سهما من سهام الثورة

مثل هذه المبادرات مهما تكن صياغتها النظرية لن تنفع ما لم تتبناها قيادات معارضة ذات أجسام وأثقال .

السياسة في هذا الملف فعل مسؤول وليس قولا

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

================================

إيران وساعة الحقيقة .. علي العبدالله

العربي الجديد

الاربعاء 20/6/2018

تواجه إيران لحظة سياسية دقيقة وحساسة، في ضوء نشوء توافق إقليمي ودولي على تحجيمها، والحد من نفوذها الإقليمي؛ وتعرّضها لضغوط سياسية وعسكرية مباشرة، رداً على تدخلها في شؤون الدول المجاورة، ونشر الفوضى في هذه الدول، بإثارة انشقاقات مذهبية وحروب بالوكالة، خدمة لخطط وبرامج إيرانية صرفة.

تبنت قيادة إيران، بُعيد نجاح ثورتها عام 1979، إستراتيجية هجومية، رداً على الموقف الأميركي الذي رفض الاعتراف بالثورة، وقطع علاقاته الدبلوماسية معها؛ وتبنى سياسة مضادة، هدفها إسقاط النظام الجديد. ما دفعها إلى شن حملة ممنهجة ضد كل مظاهر التغريب التي عرفتها إيران خلال حكم الشاه المخلوع؛ بدءاً من الجيش، حيث أعدمت 800 جنرال في الأشهر الأولى للثورة، إلى التعليم والصناعة، وصولاً إلى الفن والأحزاب والنقابات، في الداخل، وإلى القطع مع موجبات النظام الدولي والقوانين الناظمة لعمله، في الخارج. وتعاطت مع الدول الغربية وسفاراتها بشك وخوف، على خلفية قناعتها أن هذه لن تترك الثورة الإسلامية التي رفعت شعار الاستقلالية عن الشرق والغرب تستقر، وتحقق أهدافها في إقامة نظامها الخاص، نظام الولي الفقيه، وإدارة شؤون البلاد وفق مقتضياته، وأنها ستحاول تكرار ما فعلته مع حكومة محمد مصدق عام 1953 بعد تأميمها الشركة الإيرانية للنفط، فكان هجومها على السفارة الأميركية، واحتجاز موظفيها (52 موظفاً أميركياً رهائن 444 يوماً من 4 نوفمبر/ تشرين الثاني 1979 حتى 20 يناير/ كانون الثاني 1981)، بمثابة ضربة استباقية، ودعوتها إلى تحرير فلسطين، والقضاء على دولة إسرائيل، أداة الغرب في إجهاض النهوض الإسلامي، وحدّدت تموضعها السياسي بشعارها العتيد "لا شرقية ولا غربية".

نجحت الشعارات الثورية في اجتذاب قوى سياسية، وقطاعات شعبية في دول العالم الإسلامي، العربية منها بخاصة، فقد لبت حاجةً نفسيةً لشعوب مقهورة ومستلبة، قبل أن تظهر سلبياتها

"لا تريد روسيا تحوّل سورية إلى ملعب لإيران تصعب السيطرة عليه"  (أحكام إعدام على المعارضين، بالآلاف، اضطهاد أبناء الأقليات الإثنية (العرب والكرد والبلوش والأذر) والمذهبية (السنّة والبهائيين والصوفية)، التمسك باحتلال الجزر الإماراتية الثلاث: طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، الإصرار على تسمية الخليج العربي بالفارسي، بدء التحريض على الأنظمة في الدول العربية والإسلامية، وعدم القيام بأي فعل ضد إسرائيل، كما كان منتظراً منها، في ضوء طردها السفير الإسرائيلي، وتسليم سفارة إسرائيل في طهران لمنظمة التحرير الفلسطينية؛ وحديثها المتواتر عن تشكيل جيش القدس المكون من عشرين مليون مقاتل لتحرير فلسطين، انفجار الحرب العراقية – الإيرانية، وما صاحبها من تهديد للدول الخليجية وللملاحة الدولية في الخليج؛ وانعكاس ذلك على تصدير النفط، المصدر الرئيس للدخل لدول المنطقة وشعوبها). حاولت احتواء ردود الفعل الرسمية والشعبية السلبية ضد ممارساتها وتدخلها في شؤون دول الجوار، باختراع شعار تحرير القدس يمر ببغداد تارة، وفي بيروت تارة، وفي الرياض تارة أخرى.

أثارت تدخلاتها وسياساتها المذهبية هواجس هذه القوى والقطاعات ومخاوفها؛ فبدأ تراجع الانبهار والتأييد، ما دفعها إلى تغيير تكتيكها من الاستقطاب إلى الاختراق؛ باستثمار المظلومية الشيعية، وربط المواطنين الشيعة بها عبر المطالبة بحقوقهم المشروعة، وتقديم دعم اقتصادي كبير؛ وتوظيفه في كسب موطئ قدم في الدول التي ينتمي بعض مواطنيها إلى المذهب الشيعي الاثنى عشري، المذهب الرسمي في إيران، وتوظيف القدرات المالية الضخمة في تشييع مواطنين جدد، من أجل توسيع نفوذها وزيادة قدرتها على التأثير، واستثمار استتباعهم في إقامة كياناتٍ سياسيةٍ ومليشيات مذهبية، وتدريبها وتسليحها للعب دور مخلب قط في هذه الدول، والتركيز على دول جوار فلسطين، وتحويلها؛ هي والفصائل الفلسطينية التي استقطبتها عبر الدعم العسكري والمالي الضخم، إلى سيفٍ مسلط على الكيان الإسرائيلي من لبنان وغزة؛ ومحاولة تشكيل قاعدة مماثلة على الأرض السورية، بدأت بعد العام 1982، في إطار ردع الولايات المتحدة عن مهاجمتها وإسقاط نظامها، عن طريق التهديد بالانتقام من طفلها المدلل: إسرائيل.

أدّت هذه الإستراتيجية دورا كبيرا في الإنجازات التي حققها النظام الإيراني، اختراق أكثر من دولة عربية (يتباهى قادة إيرانيون بالسيطرة على: بغداد دمشق بيروت وصنعاء، وبعودة الإمبراطورية الفارسية وعاصمتها بغداد)، والسيطرة على جزء مهم من قرارها الوطني، واستخدامها ورقة في المساومات والمقايضات السياسية مع القوى الدولية. غير أن استمرار هذه الإستراتيجية وتحقيقها النجاح لم يعد ممكناً في ضوء السلبيات الكبيرة والكارثية التي أفرزتها، وانكشاف أهدافها الخبيثة من تبني مظلومية الشيعة والدفاع عن الحق الفلسطيني المسلوب، فمعطيات المشهد السياسي الإيراني والإقليمي والدولي تشي بتحولها إلى سبب لمحاصرة إيران، وضربها، وإخراجها من الدول التي نجحت في اختراقها عبر هدر قدرات بشرية كبيرة، خصوصاً خلال القتال إلى جانب النظام السوري منذ العام 2012، حيث قُتل 2000 إيراني، وفق المصادر الرسمية الإيرانية، بالإضافة إلى قتلى المليشيات الشيعية التي زجتها في القتال إلى جانب النظام: 1640 من حزب الله وحوالى 8000 عراقي وأفغاني وباكستاني، وموارد مالية ضخمة (قالت مصادر إصلاحية إيرانية إنه تم صرف مائة مليار دولار خلال 15 سنة لتمويل نشاطات الحرس الثوري الإسلامي ودعم الحركات الشيعية والفلسطينية، 30 مليار منها في سورية).

بدأ العد التنازلي لهذه الإستراتيجية بمحطات متتالية: هزائم عسكرية ألحقتها بها فصائل المعارضة السورية، ما دفعها إلى الاستنجاد بالقوات الروسية، لوقف الانهيار وتعديل توازن القوى، بالاعتماد على الأسلحة الروسية وسياسة الأرض المحروقة، تحولت روسيا إلى منافس يريد طردها من سورية، بدء انحسار تمدّد حركة أنصار الله (الحوثيين)، المدعومة منها في اليمن، بعد الهزائم والخسائر التي ألحقتها بها عملية عاصفة الحزم العسكرية التي أطلقتها 

"إيران مرتاحة لعدم توفر قدرة إسرائيلية على مهاجمة أراضيها" السعودية، بالاتفاق مع دول عربية، الضربات الجوية التي وجهتها إسرائيل لمواقع قواتها وقوات حلفائها في سورية، انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، وإعادة فرض العقوبات الاقتصادية عليها وتشديدها، واستعادتها هدفاً أميركياً قديماً: إسقاط النظام الإيراني، كان الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما قد تخلى عنه، حيث تبنى صقور الإدارة الأميركية الجديدة، وزير الخارجية، مايك بومبيو، ومستشار الأمن القومي، جون بولتون، مقاربة من طريقين لتغيير النظام، وفق ما نقله الأكاديمي الأميركي، ستيفن وولت، الباحث في جامعة هارفارد، في مقالة له في مجلة فورين بوليسي يوم 10/5/2018: ممارسة الضغط على إيران، على أمل حدوث انتفاضة شعبية تطيح حكم الملالي. دفع إيران إلى استئناف برامجها النووية، وهو ما يعطي واشنطن المبرّر لشن هجوم عسكري عليها. وأخيراً دعوة روسيا لها إلى الانسحاب من سورية، على خلفية تخوف روسي من انفجار حرب إسرائيلية إيرانية شاملة في سورية، في ضوء تحرك إسرائيل ضد الوجود العسكري الإيراني في سورية، ومطالبتها بانسحاب إيران من سورية، تحرك يلقى تأييد الإدارة الأميركية ودعمها، وهي التي تسعى إلى تكثيف الضغوط على إيران، كي تدفعها للقبول بالشروط الاثني عشرة التي طلبت منها تنفيذها، من أجل الاتفاق معها على بديل للاتفاق النووي المرفوض أميركياً، حيث من شأن انفجار حربٍ كهذه نسف كل ما حققته موسكو منذ تدخلها العسكري في الصراع في سورية.

وفّر الصراع في سورية وعليها فرصةً لإيران لإقامة مواقع متقدمة، بما في ذلك بنى تحتية لنشر قوات لمليشياتها، ونشر قوات قرب الجولان السوري المحتل، بالإضافة إلى العمل على تشكيل قوات محلية هناك، لردع الولايات المتحدة وإسرائيل عن مهاجمة الأراضي الإيرانية، غير أن نقطة ضعف هذه الإستراتيجية، كعب آخيل، ارتهانها للغطاء الجوي الروسي، فبقاء قواتها وقوات حلفائها يعتمد على قرار موسكو بتوفير هذا الغطاء أم لا، وقد عكس الاتفاق الروسي الإسرائيلي على إبعاد القوات الإيرانية عن حدود الجولان المحتل (إبعادها بين 60 و80 كيلومتراً)؛ وسحب الغطاء الجوي الروسي عن القوات الإيرانية ومليشياتها غرب نهر الفرات والبادية السورية، طبيعة الموقف الروسي من الوجود العسكري الإيراني في سورية، فروسيا لا تريد تحول سورية إلى ملعب لإيران، يصعب السيطرة عليه، وترغب في تسهيل الضغوط الإقليمية والدولية للجم النفوذ الإيراني، ومحاصرته تمهيداً لإخراجه، ما سيجعل فرص بقاء القوات الإيرانية في سورية، وخصوصاً قرب الجولان، مستحيلاً، حيث ستتكفل الغارات الإسرائيلية في تقويضه، ودفعه إلى التراجع والانحسار.

إيران مرتاحة لعدم توفر قدرة إسرائيلية على مهاجمة أراضيها، وتوجيه ضربة قاضية لبرنامجها النووي لكنها تعتبر خسارتها مواقعها في سورية، قرب الجولان المحتل خصوصاً، انتكاسة كبرى وضياعاً لإمكانات بشرية ومالية وجهود بذلت سنوات، وهذا يشعرها باقتراب الخطر إلى داخلها، في حال خسارتها أوراق المساومة على نفوذها الإقليمي.

==========================

علاقات تركية - أميركية معقّدة .. علي حسين باكير

العرب

الثلاثاء 19/6/2018

تشهد العلاقات التركية -الأميركية مزيداً من الصعوبات مؤخراً، فحجم الخلاف بين الطرفين كبير، كما أن مواضيعه متشعبة ومتداخلة، وتتراوح بين السياسية والأمن. ونتيجة لذلك، فإن العلاقات الثنائية بين البلدين آخذة في التحول بشكل سريع إلى علاقات مسمومة، لكن على الأرجح، فإنّ مرحلة ما بعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المتزامنة في تركيا، سترسم إلى حد بعيد ملامح العلاقات بين أنقرة وواشنطن حتى نهاية عهد ترمب.

يسيطر ملف مقاتلات (اف-٣٥) مؤخراً على أجندة الخلافات، ربما بسبب عامل الوقت. فالمشروعون الأميركيون يريدون حجب هذه المقاتلات عن تركيا لكي تطلق أنقرة روبنسن، القس الأميركي المحتجز لديها. في المقابل تشير أنقرة إلى أنّ الملف قانوني وأنّه من مسؤولية القضاء التركي وليست السلطة السياسية.

في خلفية المشاكل ذات الأبعاد الثنائية، هناك خلافات بين الطرفين ترتبط بالعلاقة مع دول ثالثة. المسؤولون الأميركيون يتصرفون وكأنهم استفاقوا فجأة على تعاون متزايد بين روسيا وتركيا متجاهلين أنّ السياسات الأميركية الخاطئة كانت العامل الأساسي في حصول مثل هذا التقارب مع موسكو. وبدلاً من أن تقوم واشنطن بتقديم الحوافز لأنقرة للتخفيف من اندفاعها باتجاه روسيا، تقوم باتباع أساليب ملتوية للضغط على تركيا، منها ما هو ذو طابع سياسي، ومنها ما هو ذو طابع اقتصادي وحتى أمنى.

على الصعيد الإقليمي، لا تزال الخلافات في وجهات النظر بين الطرفين قائمة. سوريا كانت بداية هذه الخلاف ولا يبدو أنّ الموقف من الأزمة الخليجية سيكون آخرها. صحيح أنّ ترمب كان قد عدّل موقفه مؤخراً في الأزمة الخليجية، إلا أنّه لا يزال يحول دون حصول حل حقيقي من خلال امتناعه عن ممارسة ضغوطات حقيقية على كل من الإمارات والسعودية لإنهاء الأزمة.

الملف الفلسطيني بدأ يبرز مجدداً، وهو لا يعقّد العلاقات التركية-الأميركية فقط، وإنما التركية-الإسرائيلية أيضاً. لا يوجد مؤشرات على أن أياً من هذه الأطراف سيتراجع عن موقفه الأساسي في ظل ما يقال عن صفقة القرن التي تتضمن أيضاً تحالفاً بين تل أبيب وكل من الإمارات والسعودية. وبالرغم من أنّ اتفاق منبج الأخير في سوريا يعدّ استثنائياً على السياق السلبي، إلاّ أنّه لا يمكن الاطمئنان بشكل كامل إلى أنّ الاتفاق فعّال قبل رؤيته على أرض الواقع، إذ سبق لواشنطن أن وعدت مراراً وتكراراً دون أن تفي بالتزاماتها.

من المتوقع أن يضع التصعيد الأميركي-الإيراني تركيا في موقع صعب للغاية خلال المرحلة المقبلة، وذلك لسببين، الأول يتعلق بالمواجهات التي تجري على الساحة السورية، والثاني يرتبط بانسحاب واشنطن من الاتفاق النووي. صحيح أنّ الضغط على إيران في سوريا سيكون مفيداً لأنقرة من الناحية الجيوبولتيكية، إلا أنّ اقتراب أنقرة من واشنطن في هذا الصدد قد يعقّد من علاقاتها مع روسيا. من الواضح أنه كلما اقتربت تركيا من روسيا كلما أثارت حفيظة الأميركيين، وفي المقابل، كلما اقتربت من واشنطن كلما أثارت حفيظة الروس، وسيكون عليها إيجاد حل لهذه المعضلة.

حتى نوفمبر المقبل، سيتم إعادة فرض كل العقوبات القديمة على إيران والتي كانت قد أعفيت منها بسبب الاتفاق النووي. سيتسبب ذلك بمشكلة لأنقرة في الوقت الذي تتزايد فيه الضغوط على اقتصادها المحلي، إذ سيكون عليها تخفيض وارداتها من النفط من طهران إذا ما أرادت تفادي الخضوع هي الأخرى لعقوبات أميركية. وعلى الرغم من أنّ واشنطن لن تقوم على الأرجح بعمل عسكري ضد طهران، إلا أن على المسؤولين الاتراك الاستعداد دوماً لمثل هذا الاحتمال.

==========================

موسكو ودمشق.. العقدة الإيرانية .. حسين عبد العزيز

العربي الجديد

الثلاثاء 19/6/2018

إذا كانت مرحلة الحرب هي مرحلة الوحدة والانسجام بين الحلفاء، فإن مرحلة السياسة هي مرحلة الخلافات والتباينات، هذه قاعدة أساسية في العلاقات الدولية. ومن هنا، يمكن فهم انتقال الخلافات الروسية  الإيرانية في سورية من القوة إلى الفعل، وانتقال روسيا وإيران من مرحلة الصمت والسكون إلى مرحلة العلن والتصرف. إذ تعلن موسكو صراحة ضرورة خروج إيران والقوات التابعة لها من سورية، على الرغم من المحاولات الروسية اللاحقة لتهذيب تصريحات الكرملين، وهكذا يرتفع منسوب الرد الإيراني.

قوبلت التصريحات الروسية الإيرانية أول مرة بخطوات عملية: بدأت موسكو مضايقة القوى التابعة لإيران (القصير)، وإيران تعيد ترتيب وجودها في درعا، عبر تغيير اللباس العسكري، ضمن مشهدٍ يحمل ما يكفي من السخرية تجاه روسيا. لكن هذا الشقاق يجب النظر إليه من داخل الوحدة التي تجمع المحور الروسي  الإيراني، لفهم مستلزمات العلاقة التي تجمع بينهما، وتمنع الآخرين من الانحدار وراء أوهام تربك التخطيط والفعل السياسيين لمواجهة إيران في سورية.

هناك خلافات بين الجانبين، بدأت أخيرا على المستوى السياسي، مع انعقاد مؤتمر سوتشي، والتباين الحاصل حيال ورقة المبعوث الأممي، ستيفان دي ميستورا، واللجنة الدستورية، ثم تجلت اقتصاديا مع العقود التي أبرمها النظام السوري مع روسيا، ثم استراتيجيا مع إلغاء موسكو اتفاقيات عسكرية واقتصادية كبيرة بين طهران ودمشق، منها إنشاء قاعدة عسكرية إيرانية في طرطوس، ومصفاة لتكرير النفط.

المشكلة التي تواجهها روسيا مع إيران في سورية تكمن في ثلاث مستويات: أن الحضور الإيراني في مرحلة "ما بعد المعارك الكبرى" ساهم في إدخال إسرائيل ضمن المعادلة السورية بقوة، بعدما كان حضورها مقتصرا على مستوى معين. الحضور الإيراني القوي في سورية أحد أهم الأسباب وراء انعدام التقارب الجدي بين موسكو وواشنطن. الحضور العسكري الإيراني والدعم المالي الذي تقدمه طهران لدمشق، والتماهي بين العاصمتين إزاء الحل السياسي، عوامل أضعفت قدرة روسيا على ممارسة ضغوط كبيرة على النظام.

ولمواجهة هذا الواقع، تحتاج روسيا إلى تعاون من الولايات المتحدة تحديدا، لن يجد سبيله إلى الأرض، من دون حصول تفاهمات واسعة في سورية. وتحتاج روسيا إلى تقديم إغراءات إلى الولايات المتحدة، لرسم مسار الحل في سورية. ولذلك يمكن القول إن تصريح الرئيس

"ليس لدى موسكو القدرة على إرغام إيران للخروج من سورية، ولا الحد من قوة إيران داخل الجغرافيا السورية" الروسي، فلاديمير بوتين، ومن ثم تفسيرات مبعوث الرئيس الروسي الخاص إلى سورية، ألكسندر لافرينتييف، تبدو موجهة إلى واشنطن، أكثر مما هي إلى طهران. والسبب أنه ليس لدى موسكو القدرة على إرغام إيران للخروج من سورية، ولا الحد من قوة إيران داخل الجغرافيا السورية.

ويفرض هذا الواقع على موسكو اتباع سياسة الخطوة خطوة، لتقليص الدور الإيراني في سورية، مع ما يتطلبه ذلك من ترتيب بعض الملفات بين القوى الإقليمية، بحيث تكون مقدمة لخطوات لاحقة.

لا تخرج عن ذلك التفاهمات المعلنة بين روسيا وإسرائيل حيال الجولان، وكذلك التفاهمات المضمرة بين روسيا والولايات المتحدة حيال درعا. ولا يخرج عن ذلك أيضا إلغاء موسكو تسليم دمشق منظومة صواريخ إس 300، وتصريح مستشار بوتين المكلف بالتعاون العسكري والتقني، فلاديمير كوجين: "بيع هذه المنظومة الصاروخية إلى سورية ليس من اهتمامات موسكو، ولدى الجيش السوري كل ما يحتاجه لمواجهة أعدائه". ويوحي هذا التصريح بأن التهديد الإسرائيلي لا يشمل النظام السوري، بقدر ما يشمل إيران.

وقد تنتهي الترتيبات التي تعمل عليها روسيا بانسحاب إيران من الجنوب السوري، وهذا ثمن بسيط قد تدفعه إيران، طالما ليس لديها وجود عسكري قوي في الجنوب، لكن الروس سيكتشفون مجدّدا حدود قوتهم في سورية، وأنهم غير قادرين على فرض أجندات كبيرة، من دون تعاون دولي، لا سيما من الولايات المتحدة التي تفتقد رؤية استراتيجية واضحة المعالم تجاه التعاطي مع إيران.

يعقد هذا الوضع جهود روسيا حيال إيران ويربكها، في ظل عدم استجابة النظام السوري للمطالب الروسية، وهو الذي بحاجة إلى روسيا أكثر من إيران سياسيا، لكنه بحاجة إلى إيران أكثر اقتصاديا. والأهم أن النظام يستفيد من بعض التباينات بين موسكو وطهران، فمثل هذه التباينات تعطيه هامشا من المناورة للاستفادة من الطرفين أكثر مما ينبغي، وهو يفضل وجود قوتين داعمتين له أكثر من قوة واحدة، لأنه عند ذلك سيصبح أسيرا لها.

قبل النظام المقاربة الروسية في الجنوب السوري إلى حد ما، خصوصا في ما يتعلق بوصوله إلى خط الاشتباك في الجولان، والوصول إلى الحدود الأردنية، لكنه يرفض مبدأ الانسحاب الإيراني من أية بقعة جغرافية لاعتبارات إقليمية. وقد يقبل النظام بضبط الحضور الإيراني وسلوكه، لكن مبدأ الانسحاب، وإنْ جزئيا، يجب أن يرتبط باعتبارات استراتيجية، والأهم أن يخضع لحاجة النظام، وليس لحاجة روسيا.

وكلام الأسد واضح، مع ما فيه من رسائل إلى روسيا "المعركة طويلة ومستمرة.. وهناك حاجة إلى هذا الحلف الثلاثي، أي السوري الإيراني الروسي..".

==========================

مأزق مزدوج .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الاثنين 18/6/2018

لا يبدو واقع الكرد أفضل من حال بقية السوريين بأكثريتهم العربية، والأمر في هذا يبدو طبيعياً وسط البيئة السورية العامة المتدهورة، بخلاف ما يعتقد البعض أو ما يروج له من قبل شخصيات وجماعات ما زالت تسعى إلى تكريس اختلاف الكرد عن بقية مواطنيهم، سواء كان الاختلاف سلباً أو إيجاباً.

ففي المستوى الشعبي، أصاب الكرد ما أصاب غيرهم من قتل وجرح واعتقال وتهجير ولجوء وتدمير لقدراتهم المادية، وتعرضوا لاضطهاد النظام وحلفائه، ولم يفلتوا من هجمات وإجرام جماعات التطرف والإرهاب الديني والقومي من «داعش» والنصرة، وصولاً إلى قوات الحماية الشعبية، التي يقودها حزب الاتحاد الديمقراطي المحسوب بين تنظيماتهم، وقد تساوت حالتهم مع بقية السوريين.

ولم تكن الحال أفضل في المستوى السياسي. فواقع الانقسام والصراع الكردي حقيقة واقعة، تماثل حال غيرهم، والاصطفافات تكاد تكون متقاربة، وقد فشلت كل محاولات جمع الجماعات الكردية سواء في إطار تنظيمي واحد، أو في بناء جبهوي على نحو ما حدث في اتفاقية هوليير لعام 2012 التي وقعها الطرفان الكرديان الأساسيان؛ المجلس الوطني الكردي ومجلس شعب غرب كردستان برعاية من إقليم كردستان العراق، وبدل أن تتحسن العلاقات ساءت وتردت إلى الحد الأقصى، بحيث ذهب كل طرف في اتجاه مخالف أوصلهما إلى تناقض سياسي وعسكري، طوره حزب الاتحاد الديمقراطي الذي يقود قوات الحماية الشعبية بحملات نفي واعتقال لقادة من المجلس الوطني الكردي ومصادرة ممتلكاتهم.

وبطبيعة الحال، فقد أدى ما أصاب الكتلة الشعبية الكردية إلى دمار المجموعة السكانية وتشتتها بين الداخل والخارج على نحو ما أصاب أكثرية السوريين، وصارت الأغلبية الكردية من اللاجئين موزعة في ثلاثة تجمعات رئيسية؛ القسم الأول منها في إقليم كردستان العراق، والثاني في تركيا، والقسم الثالث موزع في بلدان اللجوء الأوروبية وخصوصاً في ألمانيا، حيث الجالية الكردية الأكبر في أوروبا. فيما أكراد الداخل موزعون بين ثلاث مناطق؛ أولاها منطقة الجزيرة المحكومة بقوات سوريا الديمقراطية، التي يقودها حزب الاتحاد الديمقراطي وأرياف حلب الموزعة تحت سلطة قوات سوريا الديمقراطية في منطقة الشمال الشرقي، ومنطقة عفرين التي استولت عليها القوات التركية بعد حملة غصن الزيتون، التي هدف الأتراك من خلالها إلى طرد حزب الاتحاد الديمقراطي منها، والقسم الثالث من أكراد الداخل الموجودين في مناطق سيطرة نظام الأسد وأغلبيتهم موزعة بين حلب في الشمال ودمشق في الجنوب.

وترافق تشتت الكتلة السكانية الكردية مع تكريس انقسام سياسي كردي حاد. ففي الوقت الذي حافظت فيه أغلبية أحزاب المجلس الوطني الكردي على روابطها السياسية الهشة مع المعارضة المنضوية في الائتلاف الوطني السوري الوثيق العلاقة مع تركيا، سعى حزب الاتحاد الديمقراطي عبر تعبيرات سياسية - عسكرية إلى خط مختلف، يجمع تناقضات تحالفه مع الولايات المتحدة والعداء للسياسة التركية في سوريا، واستعداده للتفاهم والتسوية مع نظام الأسد.

ورغم ما يظهر من اتفاق سياسي كردي في الموقف من جماعات التطرف والإرهاب ولا سيما «داعش» والنصرة، فإن اختلافاً عميقاً، يظهر في الموقف السياسي من نظام الأسد. فطوال السنوات الماضية، تبنى المجلس الوطني الكردي موقف المعارضة من النظام وضرورة تحقيق حل سياسي في سوريا عبر جنيف، فيما أقام الاتحاد الديمقراطي علاقة قبول وتفاهم سياسي - عسكري مع النظام في منطقة الجزيرة، قبل أن يتحول بعد خسارته في معركة عفرين 2018 في مواجهة القوات التركية وحلفائها من تنظيمات المعارضة المسلحة إلى الإعلان عن قبوله حواراً غير مشروط مع نظام الأسد.

وكان من نتائج التشتت والصراع الكردي، خروج إجمالي تعبيراته السياسية/ العسكرية من خريطة الصراع في سوريا بعد تحوله إلى فاعلية وتأثيرات هامشية سواء بالنسبة للمجلس الوطني الذي فقد حاضنته الشعبية من جهة، وأصبح من جهة أخرى ملحقاً بالائتلاف الذي يعاني من ضعف ذاتي وتهميش من الفاعلين الأساسيين في القضية السورية أو لحزب الاتحاد الديمقراطي الذي ربط نفسه بالأجندة الأميركية، وصار أسير سياساتها السورية غير الواضحة، وأغرق نفسه في أتون صراع حاسم لتركيا، وأخذ يسعى لإيجاد مكان له في تسوية غير مشروطة مع نظام الأسد.

وكما هو واضح، فإن المسار السياسي للكرد السوريين، صار يعاني من مأزق مزدوج؛ جانبه الأول داخلي، يتعلق بالاختلافات والصراعات بين طرفيه الأساسيين، وذهب فيها إلى الحد الأقصى، وجانبه الثاني خارجي، ويتصل بجملة علاقاته مع الأطراف السورية والإقليمية والدولية المؤثرة بالقضية السورية، وفي الحالتين لا يتبين أفق واضح للخروج الكردي من هذا المأزق، ما يضيف مشكلات أخرى لمشكلات السوريين ودورهم في حل قضيتهم.

==========================

تمزيق الديموغرافيا السورية .. راجح الخوري

الشرق الاوسط

السبت 16/6/2018

عندما تم التوقيع في مؤتمر «آستانة - 4»، في الرابع من مايو (أيار) من العام الماضي، على مذكرة تفاهم بين الدول الضامنة الثلاث روسيا وإيران وتركيا، لإقامة مناطق «خفض التصعيد» في سوريا، ظن الكثيرون أن إقامة هذه المناطق قد تشكل تمهيداً للتهدئة توصلاً إلى حلول سلمية تنهي المأساة التي بدأت قبل سبعة أعوام!

لم يكن أحد يتصوّر أن خفض التصعيد سيتحوّل تصعيداً عنيفاً، يفتح الباب في النهاية على تغييرات ديموغرافية واسعة، من شأنها أن تؤسس لتمزيق النسيج الاجتماعي والمذهبي في هذه المناطق الأربع، وهي: الغوطة الشرقية - مناطق معينة من شمال محافظة حمص - مناطق معينة من جنوب شرقي سوريا - محافظتا درعا والقنيطرة - محافظة إدلب وأجزاء معينة من اللاذقية وحماة وحلب.

ما هو أكثر إثارة وأشد غرابة، أن تنتهي كل المعارك التي شهدتها هذه المناطق (باستثناء إدلب حتى الآن)، باتفاقيات محيّرة بين النظام وحلفائه، على توفير ملاذات آمنة للمجموعات الإرهابية بعد إطباق الحصار عليها وقصفها، إلى حد دفعها للقبول بالترحيل إلى مناطق أخرى، مثلاً إدلب تحديداً، خزّان جبهة المتطرفين الذي يتم إجلاؤهم إليه، وبادية الشام التي انتقلت إليها جماعة «داعش» مؤخراً من مخيم اليرموك وأحياء القدم والتضامن والحجر الأسود!

كان الأمر مثيراً للاستغراب والاستنكار، ومنطلقاً لكثير من الشكوك والظنون، على خلفية سؤال مشروع: كيف يسمح لجماعات إرهابية من القتلة أن تحصل بالتالي على الحماية، وتخرج آمنة إلى مناطق أخرى دون أن يتم القبض عليها ومحاكمتها وعرضها أمام الرأي العام، لكن حافلات النظام الخضراء، كانت تتولى دائماً نقل هؤلاء مع عائلاتهم إلى مناطق أخرى بعد اتفاقيات شاركت فيها إلى جانب النظام الدول الضامنة الثلاث!

في هذا السياق، ما زال السؤال قائماً أيضاً: كيف تم إخراج المسلحين الإرهابيين من الجرود اللبنانية بعدما طوّقهم الجيش اللبناني، وجاءت الحافلات الخضراء المكيفة لتنقلهم كل تلك المسافة إلى دير الزور وإدلب، بعدما هدد الأميركيون بقطع الطريق عليهم وقصفوا قافلتهم تحذيراً، كيف جرى ويجري كل هذا دون توافر أي صور لهؤلاء موقوفين أمام المحاكم؟!

ثم كيف يخرج 1600 عنصر من «داعش» مع أفراد عائلاتهم، قبل عشرة أيام، في عملية إجلاء منظمة وعلى متن 32 حافلة من مخيم اليرموك إلى بادية الشام، في حين تعلن وسائل الإعلام التابعة للنظام أن الجيش طرد عناصر تنظيم داعش؟!

لكن المرصد السوري لحقوق الإنسان، قد أعلن عشية عملية الإخلاء أن اتفاقاً لوقف النار عُقد بين قوات النظام و«داعش» مهّد لاتفاق على «إخلاء الإرهابيين من هذه المنطقة، وأن وقف إطلاق النار يشكّل مقدمة لإجلاء مقاتلي (داعش) إلى البادية السورية، استناداً إلى اتفاق تم التوصل إليه قبل بدء هجوم النظام»… غريب!

لن نجد جواباً واضحاً على ركام التساؤلات كيف تتم اتفاقيات الإجلاء والانتقال بين الإرهابيين والنظام، مدعوماً أحياناً من الروس وأحياناً من الإيرانيين، وأيضاً من الأتراك، الذين يديرون «خزان إدلب» من الإرهابيين الذين تم إجلاؤهم إليها، لكن نظرة بانورامية على الديموغرافيا السورية الراهنة، سرعان ما تبيّن أن الحرب وموجات النزوح والإخلاء وإسكان عناصر جديدة حتى من خارج سوريا، على ما جرى ويجري في محيط دمشق، أدت إلى ظهور معالم خريطة سكّانية جديدة في سوريا!

وكالة الصحافة الفرنسية سبق أن نشرت تقريراً يقول، إنه مع مواطنين هجّروا تحت ضغط المعارك، ومع اتفاقيات الإجلاء الشاملة أحياناً، ومع أقليات فرّت خشية التهديدات الطائفية، ومع مجموعات إثنية حلت في منازل وبلدات إثنيات أخرى، ومع مدن فُرّغت بكاملها من السكان، تبرز هذه الخريطة السكانية الجديدة في وقت لا يلوح في الأفق، كما تظهر استطلاعات أجريت بين السكان، أي أمل بعودة جميع النازحين واللاجئين البالغ عددهم 11 مليوناً داخل سوريا وخارجها.

ويضيف التقرير، إنه في تفاصيل الخريطة الجديدة أدت المعارك والتهديدات على امتداد سنوات الحرب، إلى طرد منهجي لمعارضي النظام وغالبيتهم من السنة من مناطق عدة، وتجمّعت الأقليات في مناطق أخرى، وباتت المناطق تقريباً من لون طائفي واحد، وفي ظل مآسي الحرب وذكرياتها المريرة، من الصعب تصوّر ما يمكن أن يعيد النسيج المذهبي إلى ما كان عليه.

ومنذ مدة يتفق عدد من الخبراء في الشؤون السورية على أن سوريا تعرضت في أعوام الحرب، إلى عملية تغيير ديموغرافية سياسية وإثنية، انطلاقاً من استراتيجية طرد المعارضين على قاعدتي الانتماء السياسي والطائفي؛ فالنظام حرص دائماً على طرد كل من يعتبرهم معارضين خوفاً من أن يشكّلوا في المستقبل منطلقاً لثورة جديدة!

وفي الواقع، كان عام 2015 محطة بارزة في التهجير المتقابل على أسس مذهبية، فبموجب اتفاق يومها بين النظام وفصائل المعارضة، نُظّمت عملية إجلاء الآلاف من أهالي قريتي الفوعة وكفريا الشيعيتين، اللتين كانتا محاصرتين من الفصائل السنيّة في إدلب، في مقابل إجلاء الآلاف من بلدتي مضايا والزبداني في ضواحي دمشق اللتين كانتا محاصرتين من النظام!

ورغم أن الرئيس بشار الأسد قال يومها، إن هذه العملية هي «مجرد تهجير إجباري، لكن مؤقت»، غير أنها ستكون نموذجاً يحتذى في مناطق أخرى ولو من غير اتفاقيات، حيث يقول الخبير في الشؤون السورية فابريس بالانش، إن كل الأطراف تورطت في تدمير الخريطة السكانية الأصلية ونسجت خريطة جديدة، مشيراً إلى أن الفصائل المعارضة لم تتوانَ عن طرد علويين ومسيحيين من مناطق عدة باعتبار أنهم يوالون النظام!

تدمير الخريطة السكانية السورية مستمر باستمرار المعارك، وعلى سبيل المثال مع بدء الهجوم التركي على عفرين ذات الأغلبية الكردية في مارس (آذار) الماضي، فرّ أكثر من 140 ألف شخص إلى مناطق قريبة تقع تحت سيطرة النظام، أو ذهبوا شرقاً إلى المناطق الكردية، وفوراً حلّ مكانهم 40 ألف شخص كان النظام قد رتب إجلاءهم من الغوطة الشرقية، وفي السياق يتهم الأكراد تركيا بالتهجير العرقي ويتساءلون من سيسكن الغوطة غداً؟

أحد الأساتذة في جامعة عفرين الذي انتقل إلى كوباني يقول لوكالة الصحافة الفرنسية، نحن نخشى من فتنة عربية - كردية. صحيح أن العرب سوريون ومن ضحايا التهجير، لكن إذا كانوا سيستوطنون عفرين رغماً عن إرادة أهلها، فهذا سيفتح الأبواب على صراع قومي في النهاية.

وحتى هذه اللحظة، ورغم التوضيحات التي قدمها وزير الخارجية وليد المعلم حول القانون رقم 10 الذي صدر أخيراً، الذي يمنح مهلة محددة للسكان السوريين المهجرين لإثبات ملكيتهم، وخصوصاً في المناطق المدمرة تدميراً كاملاً، تحت طائلة مصادرة هذه الأملاك، تتضاعف المخاوف وتتعمّق، من أن يكون من المستحيل إعادة نسيج الخريطة الإثنية السورية إلى ما كانت عليه، بما يعني أن المجتمع السوري الممزق سيبقى دائماً عرضة للاضطرابات والمشكلات!

==========================

عن جديد أوجاع السوريين في العيد .. أكرم البني

الشرق الاوسط

الجمعة 15/6/2018

تتكشف في خصوصية العيد الصور الأكثر إيلاماً وغزارة عن شدة ما يكابده السوريون، جراء استمرار حرب دموية طالت وطاولت كل شيء في حيواتهم، مخلفة دماراً وخراباً هائلين، ومئات الآلاف من القتلى والجرحى، ومثلهم من المعتقلين والمفقودين، وملايين النازحين واللاجئين، ولا نحتاج إلى كثير من التأمل والتفكير كي نقدر المعاناة المضاعفة في يوم العيد للمقهورين والمشردين في شتى بقاع الأرض، ولأولئك الذين يستحضرون، صبيحة العيد، ملامح أحبتهم وأبنائهم من الضحايا أو المفقودين أو من المعتقلين والمغيبين قسرياً، لكن ما يزيد الطين بلة اليوم، تلك التبدلات الحاصلة في المشهد السوري والتي تعمق أوجاع الناس وتوجسهم من تفاقم هذا العذاب والخراب والضياع.

والبداية من ملايين السوريين الهاربين من أتون العنف والاعتقال، والذين يستقبلون العيد وقد كثرت أسئلتهم الحائرة والخائفة على مصيرهم، جراء ارتهان بقائهم وشروط حياتهم، ليس بواجب الحماية الإنسانية، بل بالتطورات السياسية التي تجري في بلدان الاغتراب. والأمثلة كثيرة، تبدأ بتنامي حالة من التوجس والخشية عند طالبي اللجوء في الغرب، مع تقدم وزن التيارات الشعبوية اليمينية التي لا توفر مناسبة لمحاصرتهم وتهديد وجودهم وشروط عيشهم، مروراً بالاندفاعات العدائية ضدهم التي تلت الانتخابات النيابية اللبنانية وتوجت بموجة من التصريحات تتعمد، زوراً وبهتاناً، تحميلهم مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية من تدهور وفساد، ربطاً بتشديد المطالبة بإعادتهم إلى بلادهم دون الاهتمام باستقرار الأوضاع الأمنية والسياسية هناك، وبما يمكن أن ينتظرهم من عمليات انتقام وإذلال واعتقال، وأوضح التجليات المعركة التي افتعلها وزير خارجية لبنان مع منظمات الأمم المتحدة المعنية بشؤون اللاجئين، ومطالبته بوقف منح الإقامة المؤقتة للعاملين فيها وللنازحين السوريين، تلتها دعوة رئيس الجمهورية وفداً برلمانياً غربياً للتعاون من أجل الحد من تدفق السوريين وتسهيل عودتهم إلى بلادهم... انتهاء بتضاعف نوازع خوف اللاجئين السوريين من عدم الاستقرار والأمان في المخيمات أو المدن التركية، ليس فقط بسبب هشاشة حياتهم وتراجع فرص العيش والتعليم مع تراجع المعونات المقدمة من منظمات الإغاثة الدولية ومع إحكام حكومة أنقرة رقابتها على شروط حياتهم وحركتهم، وإنما أيضاً خشية من مستجدات سياسية قد تنعكس عليهم مع اقتراب الانتخابات البرلمانية التركية، ليصح تفسير بعض الاندفاعات التمييزية التي بدأت تظهر ضدهم، وإن على نطاق ضيق، بوصفها محاولة يتبعها حزب العدالة والتنمية، لإرضاء وكسب أوساط من المجتمع التركي لا تحبذ احتضان هؤلاء اللاجئين أو متضررة من وجودهم، مثلما يصح فهم تنامي ظواهر الخوف والقلق عند اللاجئين السوريين من احتمال قدوم حكومة في أنقرة لا تجد فيهم المنفعة؛ بل تعدهم أحد مسببات مشكلات تركيا الاقتصادية التي بدأت تتفاقم مع تراجع قيمة الليرة وتعدد ظواهر الركود.

ومن المشهد، تلحظ في العيد، حين تقترب من الوجوه وتلمس الأيادي المرتعشة، ثقل المعاناة ووطأة العوز والحاجة عند الناس، جراء التدهور المريع للوضع الاقتصادي، وانهيار كثير من المنشآت والقطاعات الإنتاجية، وتهتك الشبكات الخدمية والتعليمية والصحية، مما أفضى إلى تردي شروط الحياة وصعوبة الحصول على السلع الأساسية، في ظل تراجع شديد في القدرة الشرائية وتفشي غلاء فاحش لا ضابط له، ربطاً بتدهور غير مسبوق في قيمة الليرة السورية أمام الدولار وغيره من العملات الأجنبية، وأفضى تالياً إلى ازدياد كبير وخطير في أعداد الأسر السورية العاجزة عن توفير أبسط مستلزمات العيش، كالغذاء والكساء والدواء، وعن التكيف مع شح الماء والكهرباء، وتراجع الفرص التعليمية والصحية، خصوصاً لمئات الآلاف من الأطفال، فكيف الحال أمام متطلبات العيد؟! وكيف الحال مع الملايين الذين باتوا بلا مأوى وفي حالة قهر وعوز شديدين وقد فقدوا كل ما يملكون أو يدخرون، ومنشغلين بلملمة جراحهم وتسكين آلامهم؟! وكيف الحال مع تفكك قطاع الدولة وتراجع دوره في تخفيف معاناة العاملين فيه، ولنقل فقدانه القدرة على ضمان ولائهم عبر رشوتهم بزيادة أجورهم وتأمين بعض مستلزمات حياتهم؟!

ويكتمل المشهد المأساوي بوقوف غالبية السوريين هذا العيد في حضرة ما يسميه النظام «انتصاراً» وقد تمكن بعد استجرار دعم عسكري خارجي واسع من استعادة كثير من المناطق التي خرجت عن سيطرته لسنوات، وحشر مختلف فصائل المعارضة المسلحة في الشمال والجنوب السوريين. والأمر لا يتعلق فقط بما يثيره الترويج المستفز لهذا الانتصار الزائف؛ بل بما يرافقه من ممارسات ابتزازية وانتقامية ضد المجتمع السوري الذي تجرأ وثار على رعاته وسادته... كذا! فأي عيد للسوريين وقد تكرس القمع المنفلت وتشرعن وباتت لحظة خلاصهم بعيدة؟ وأي عيد مع هذه العودة المقززة لأساليب الماضي القهرية والتمييزية، لكن بأشكال أكثر احتقاراً وإذلالاً للإنسان وحقوقه؟ وأي عيد في ظل شيوع حالة رعب عامة جراء انحسار شروط الأمن والسلامة، وانتشار مراكز قوى وجماعات سلطوية غير منضبطة، تأمر وتنهى وتتحكم في الأرض وتقرر بقوة السلاح ما يحلو لها بمصائر البشر وممتلكاتهم، من دون أن يطال المرتكبين أي حساب أو عقاب؟ وتتواتر يومياً الحكايات عن حجم تعديات المسلحين وتنوع تجاوزاتهم ضد حيوات الناس وحقوقهم... عن مواطنين أبرياء يتعرضون، ولأسباب تافهة، للإذلال والابتزاز والأذى وللتنازل مثلاً، عن أراضيهم أو بيوتهم أو سياراتهم... عن تحسر عائلات على فشلها في تأمين «الفدية» لاسترداد أحد أبنائها المخطوفين!

والحال، في زحمة هذا المشهد المؤلم، أنه لن تخدعك جوقات صغيرة من السوريين تصطنع فرح العيد، وتبالغ في إظهار سعادتها وبهجتها، منهم ربما من لا يعنيهم ما حصل من خراب وضحايا ما داموا قد سلموا برؤوسهم وأموالهم، ومنهم من يريدون أن يهربوا من كوابيس مرعبة تحفزها ذاكرة مكتظة بصور التعذيب الشنيع والمجازر والتدمير والقتل المعمم، ومنهم من قد يتقصدون من وراء تعظيم هيصة العيد تفريغ انفعالات يحكمها الأسى والتشتت ومغالبة أرواحهم الحزينة والضائعة.

==========================

روسيا والعقدة الإيرانية في سورية .. علي العبدالله

الحياة

السبت 16/6/2018

لم تتوقف القيادة الروسية منذ إعلانها الأول عن تحقيقها النصر في سورية عن السعي للحصول على إقرار الدول الفاعلة في الملف السوري (الولايات المتحدة، إيران، تركيا، إسرائيل، الأردن، السعودية، قطر) بانفرادها في التقرير على الأرض السورية والتسليم لها بصياغة الحل السياسي الذي يعبر عن هذا «الواقع».

وقد أخذ تعبيرها عن هذه الرغبة أشكالاً وصوراً ديبلوماسية وسياسية وعسكرية، من عرقلة مفاوضات جنيف ومنع تحقيق تقدم فيها إلى تشكيل مسار موازٍ في آستانة، ووضع مسودة دستور بديل للدولة السورية والعمل على تسويقها، وعقد مؤتمر حوار في سوتشي والعمل على تمرير نتائجه عبر الأمم المتحدة، مروراً بحماية النظام من المحاسبة والمعاقبة في مجلس الأمن الدولي باستخدام حق النقض (الفيتو) 12 مرة، واستخدام قوة نيران كبيرة وسياسة الأرض المحروقة للقضاء على المعارضة المسلحة وتهجير المواطنين ودفع المعارضة السياسية إلى القبول بما يملى عليها، وعقد اتفاقات على مناطق خفض التصعيد من دون العودة إلى النظام أو إشراكه في صياغتها، وفرض اتفاقات عسكرية عليه (اتفاقيتين حول القاعدة البحرية في طرطوس والجوية في مطار حميميم) واقتصادية (استثمار النفط والغاز والفوسفات واحتكار إعادة الإعمار)، وصولاً إلى صور إعلامية فجة من النوع الذي حصل في قاعدة حميميم بمنع رئيس النظام من التقدم مع الرئيس الروسي نحو المنصة، أو دعوته إلى القاعدة ليفاجأ بأنه أمام وزير الدفاع الروسي، أو حمله إلى روسيا في طائرة عسكرية وحيداً أكثر من مرة لمقابلة الرئيس الروسي، الذي سيقدم له أركان جيشه الذي حقق النصر على «الإرهاب» في سورية، ويبلغه بقراراته حول الشأن السوري.

صحيح أن القيادة الروسية حققت نجاحاً مهماً عبر صياغة تفاهمات وتحديد أدوار ومناطق نفوذ مع الدول الفاعلة على الأرض السورية، لكنها توهمت أن ما حققته قد حسم الصراع على سورية، بعد «إنهائها» الصراع في سورية بين النظام والمعارضة بإضعاف المعارضة السياسية واختراقها وسحق المعارضة المسلحة بفرض تسويات مناطقية ومصالحات مذلة عليها والسيطرة على مساحات شاسعة كانت تحت سيطرتها، وأنه بات في مقدورها فرض رؤيتها وصيغتها للحل على الدول الفاعلة، بمن في ذلك حليفتها في القتال إلى جانب النظام: إيران.

لقد وجدت القيادة الروسية، بإعطاء موافقتها على طلب إسرائيل إبعاد القوات الإيرانية والميليشيات التابعة لها مسافة 60 إلى 80 كيلومتراً عن حدود الجولان المحتل، نفسها في موقف حرج وخطر في ضوء رفض إيران وميليشياتها الشيعية لتفاهمها مع إسرائيل، وانكشاف هشاشة التوازنات السياسية والميدانية التي صاغتها، حيث عبرت ردود فعل إيرانية، سياسية وميدانية وإعلامية، عن رفض الاتفاق الروسي الإسرائيلي، رفضت إيران، بصيغ مباشرة وغير مباشرة، دعوتها إلى الخروج من جنوب سورية بالإعلان عن عدم وجود قوات إيرانية في الجنوب، ما يفقد الاتفاق الروسي الإسرائيلي مبرراته، وهو ما دفع القيادة الروسية إلى رفع سقف مطلبها بدعوة كل القوات الأجنبية، وتسمية القوات الإيرانية وحزب الله ضمن قائمة القوات المدعوة إلى الخروج من سورية. وردت إيران بالإعلان عن عدم وجود قوات إيرانية في سورية، مجرد مستشارين عسكريين، وبررت وجودهم بدعوتهم من قبل السلطة الشرعية فيها، وعرضت وسائل إعلامها وتصريحات مسؤوليها حجم مساهمتها في الصراع في سورية: الأموال (30 مليار دولار أميركي) والأسلحة والذخائر والميليشيات والقتلى (2000 قتيل إيراني و1640 من حزب الله وحوالى 8000 عراقي وأفغاني وباكستاني)، وبإلقاء قفازات التحدي في وجه القيادة الروسية بالإعلان عن رفض الانسحاب من سورية (إعلان أمين عام حزب الله، حسن نصرالله، «أن عناصره لن يغادروا سورية حتى لو اجتمع العالم ضدهم»)، وهذا دفعها إلى الرد بنشر قوات لها على الحدود السورية اللبنانية في محافظة حمص في منطقة القصير، لإجبار قوات حزب الله هناك على الانسحاب، وفي القلمون ومعبر جوسية.

أطلقت الدعوة الروسية إلى انسحاب كل القوات الأجنبية من سورية، باستثناء القوات الروسية التي تتمتع وحدها بشرعية البقاء، مواقف محلية وإقليمية ودولية عكست رفض التقديرات الروسية حول الصراع على سورية والتصورات السياسية والميدانية المرتبطة بها. فقد وجد النظام الفرصة سانحة للتعبير عن تحفظه بالإعلان عن شرعية الوجود الإيراني على الأرض السورية وحصر الحق في دعوتها للخروج بالنظام، حق سيادي، واستثمار تركيا اللحظة السياسية بالضغط من أجل الحصول على ضوء أخضر لدخول تل رفعت، وعقد اتفاق مع الولايات المتحدة حول منبج، وتصعيد الضغط الأميركي والإسرائيلي على روسيا لتنفيذ دعوة رئيسها إلى خروج القوات الأجنبية بإخراج القوات الإيرانية، صعدت إسرائيل ضغطها بإجراء مناورات برية ضخمة في الجولان المحتل وتدريبات جوية فوق اليونان شملت كيفية التعامل مع صواريخ أس 300 الروسية خلال القصف، مكّنتها اليونان، التي تمتلك منصات منها منصوبة على أراضيها، من تحقيق ذلك، وعرقلة الإدارة الأميركية للتحرك الروسي لإعادة بسط سيطرة النظام على الجنوب السوري، عبر الإعلان عن تمسكها باتفاق خفض التصعيد وتحذيرها من القيام بعمل عسكري هناك. ربطت القيادة الروسية التصعيد الإسرائيلي بالتحريض الأميركي على ضرب إيران وإخراجها من سورية، تنفيذاً لتهديداتها التي تلت انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي معها، ما رفع توترها، لأنها ترى في انفجار حرب إسرائيلية- إيرانية في سورية نسفاً لكل ما حققته فيها، فشنت حملة ديبلوماسية وإعلامية ضد الولايات المتحدة اتهمتها بدعم «داعش»، والتخطيط لاستفزاز جديد عبر القيام بعملية تفجير مواد كيماوية سامة في محافظة دير الزور لتبرير هجوم جديد على النظام السوري.

لقد خلط الاتفاق الروسي- الإسرائيلي على سحب القوات الإيرانية بعيداً عن حدود الجولان المحتل الأوراق وفتح، من جديد، باب المساومات والمقايضات على ترتيبات بديلة للتفاهمات القائمة، كانت القيادة الروسية قد اعتبرتها راسخة ونهائية وقابلة للتوظيف في التقدم إلى الإمام على طريق فرض الشروط الروسية وتنفيذ التصور الروسي للحل في سورية، وقد رفع حدة حرج موقف القيادة الروسية كونها ما تزال تحتاج التحالف مع إيران وتوظيف الانتشار البري الإيراني في حماية مناطق سيطرة النظام، لأن البديل نزول قوات روسية وتحقيق هدف أميركي في استدراجها إلى مستنقع جديد، في إعادة للتجربة الأفغانية، تهزم فيه، أو دفعها إلى الاتفاق مع واشنطن على تفاهم على مستقبل المنطقة بالشروط الأميركية، ما وضعها بين نارين: بلع الإهانة الإيرانية والاحتفاظ بالتحالف معها ريثما تنجز تفاهمها مع واشنطن، وهذا ينطوي على خطر تحويل سورية إلى ملعب لإيران يصعب السيطرة عليه لاحقاً، أو القبول بالشروط الأميركية والاصطدام مع إيران لإخراجها من سورية وخسارة ورقة من أوراق القوة بتحالفها مع إيران.

==========================

دولنة الفوضى السورية .. سميرة المسالمة

الحياة

الجمعة 15/6/2018

تعيد الدول المتصارعة على النفوذ في سورية تأسيس دولة سورية -ما بعد الصراع-، من خلال هيمنتها على الواقع الميداني عسكرياً، وعلى الأطراف الداخلية المتحاربة (النظام والمعارضات) سياسياً، وذلك بتحويلها أطراف الصراع المحليين إلى مجرد أدوات، تارةً تنفيذية لرغبات الدول»التعطيلية» لأي حلول محتملة، وأخرى أدوات «تحريكية» لإنشاء مسار تفاوضي يؤسس لدولنة شتات سورية ما بعد حرب السنوات السبعة، أي لتنظيم صناعة مرحلة الفوضى المحتملة، وفق معايير تناسب في المرتبة الأولى الموقع الجغرافي لها، وتضبطه لما يحمله من حساسيات إقليمية خارجية، وكذلك لتوظيف الاحتقانات الداخلية وتوجيهها وإدارة صراعاتها بما يخدم معادلة الفوضى «الخلاقة للفوضى» في المنطقة.

والأسئلة هنا كثيرة قبل الحديث عن صياغة دستور لسورية يفقد الشعب السوري أحد حقوقه المنصوص عليها ضمن كل القوانين الدولية، حيث لا نعرف هل نحتاج إلى دستور ينظم الدولة، أم نحتاج بداية إلى وجود الدولة بأدواتها المجتمعية الآمنة قبل صياغة الدستور؟ والسؤال الذي لا مهرب منه، هل سورية اليوم تملك مقومات قيامتها كدولة حديثة من جديد؟ أي هل هي قادرة على لملمة مجموع إرادات القوى المحلية المهيمنة عليها تحت سلطة «دولة»؟ أم أن هذه الدولة المأمولة هي تنظيم نفوذ هذه القوى المحلية، ضمن معايير التحاصص على مستوى القيادات (أمراء الحرب)؟

أي أننا أمام تساؤلات تتعلق بالدور المجتمعي في إقامة الدولة السورية من جديد، هذا الدور الذي تم إقصاؤه منذ المراحل الأولى لتطور الصراع بين النظام والثائرين عليه، ليغدو بين النظام وداعميه الدوليين من جهة، ضد المعارضين المسلحين غير المتآلفين، وأصحاب الأجندات المتعارضة فيما بينهم، والجهات الدولية الداعمة لهم، من جهة مقابلة، أي تم نزع العامل المجتمعي السوري منذ بداية تحول الاحتجاجات على النظام، ومصادرة الثورة السياسية لمصلحة الصراع المسلح المدعوم خارجياً لكل الأطراف، على جانبي الصراع. ما يعني أن سورية تمر الآن بمرحلة ما قبل الدولة الحديثة من جديد، بفعل تقسيمها خلال هذه الحرب الطويلة إلى مجتمعات بثقافات ومرجعيات طائفية وقومية متنازعة على أدورها، وتوظيفاتها التاريخية والمستقبلية، بعد أن كانت سوريا تمثل خلال ثورتها في عامها الأول نظاماً ومؤيدين وثواراً ومعارضة تقليدية كل شرائح المجتمع ومكوناته، على اختلاف موقفهما من النظام والثورة ضده، أي أن الثورة لم تنشأ على أسس التناقض المذهبي، أو الامتيازات القومية (على رغم وجودها بما يتعلق بالكرد السوريين)، أو المرجعيات الأيديولوجية والتبعية الإقليمية التي تتحكم اليوم بالتجمعات البشرية كقوى مهيمنة، والتي أعاد التهجير القسري رسم خارطتها الديموغرافية.

وإذا كان من المفهوم أن تعمل الأطراف المستفيدة من استمرار الحرب على تهميش وقرصنة دور السوريين، إلا أنه من غير المقبول أن تمارس الأمم المتحدة عبر المفاوضات الجارية في أروقتها، تشكيل اللجنة الدستورية لصياغة دستور سوري، يراعي مقاس الأطراف المتفاوضة بالنيابة «الشكلية» فقط عن الجهات الدولية التي تمثلها هذه الأطراف المحلية، ما يعني أن السوريين الذين تحملوا عبء الحرب التي لا ناقة لهم فيها ولا جمل، هم الخاسر أيضاً من الحلول المقترحة، التي تكافئ أطراف الحرب الظالمة وتعاقب من جديد ضحاياها، وتحول أمراء الحرب إلى ساسة يتقاسمون سورية وفق قرارات أممية تنظم هذه الفوضى تحت ما يسمى «دستور لجنة سوتشي».

إن إعادة إنتاج التجربة الصومالية في سوريا من خلال المراهنة على تفاهمات ومحاصصات بين قوى عنفية (النظام وقادة الفصائل ذات الأجندات الخارجية)، من شأنه أن يسمح من جديد بقيام نظام قمعي، لكن متعدد المساهمات، حيث تشاركه القوى المسلحة مسؤولية ضبط أمن السلطة، وليس الشعب، كما هو حال النظام الأمني الحاكم لسورية، ما يعمق الشروخ المجتمعية التي صنعتها قادة الحروب، ويدخل البلاد في مرحلة الفشل الكامل التي تعيق تنميته وتحوله إلى دولة، وعلى الرغم من أن الحالة السورية على رغم النزاعات الأهلية تحمل في مفاهيم شعبها افتراقاتها عن الحالة الصومالية، حيث الوعي الاجتماعي الشعبي ما زال يفوق وعي القيادات الحاكمة له على الطرفين، ويسعى لكسر الحواجز الطائفية، ونزع ألغام الخلافات الأيدلوجية، التي يعتبرها أدوات الأطراف المدعوة إلى صناعة مستقبله تحت شعار التوافق على صياغة دستوره، من خلال لجنة تحاصصية غير تمثيلية عن الشعب السوري، إلا أن المخاوف المجتمعية كبيرة ما يحدث الآن من انقلاب على أولويات الحل السياسي، وهو يمهد لسعي دولي تقوده دول (روسيا، إيران، تركيا) صاحبة المسار الانقلابي (آستانة) على التفاوض السياسي إلى دولنة الفوضى السورية بل وشرعنتها.

لم يستطع النظام السوري خلال خمسين عاماً تحويل سلوكه العنفي إلى سلوك مجتمعي عام، وهو ما بدا واضحاً خلال انتفاضتهم عليه، واحتجاجاتهم التي تحولت إلى ثورة سلمية في عامها الأول، حيث قابلوا الرصاص الحي بهتافات الحرية والوحدة المجتمعية «واحد واحد الشعب السوري واحد»، ما يظهر قدرة السوريين الكبيرة على التعايش السلمي البيني ونبذ العنف والطائفية، في الوقت الذي أنتجت فيه حرب السنوات السبعة أشد التنظيمات العنفية في سوريا، والعالم، ما يعني أنها صناعة فوق مجتمعية وغير شعبية، وتمت على مستويين داخلي وخارجي بهدف تحويل الصراع إلى نزاع غير محلي، يسهل تلاعب القوى الخارجية به، وفي ذات الوقت يبرر لأجهزة النظام سبغ الثورة بكل مكوناتها بالعنف والإرهاب، واستخدام أقصى درجات العنف ضد السوريين تحت ذريعة محاربة الإرهاب والتطرف، ما يعني أننا أمام أطراف قد تتساوى بمسؤوليتها عن كل الدمار مع النظام الديكتاتوري، ما ينزع حجة الوسيط الدولي بقبولهم كأطراف فاعلة في مستقبل سورية، ويمكنها أن تسهم في صياغة دستور يعيد للسوريين دورهم الإنساني والحضاري.

إن التعاطي مع مسألة الانتقال السياسي يفرض بالضرورة وجود مبادئ دستورية عامة، لا يمكن تجاوزها خلال مرحلة ما قبل الدستور، وخلال صياغته، من قبل لجنة منتخبة وفق الأسس والمعايير الوطنية، حيث لا يمكن لأطراف تتنازع فيما بينها على السلطة، أن تصنع دستوراً لدولة ديموقراطية يقوم على المساواة والتعددية والعدالة، ما يضع اللجنة الدستورية التي نص عليها مؤتمر سوتشي أمام خيارين: إما أن يمارس أعضاؤها لعبة التعطيل على بعضهم بعضاً، أو القبول بمبدأ التحاصص في السلطة، وفي كلا الخيارين تتحول الأمم المتحدة من مؤسسة للحفاظ على الأمن والسلم الدوليين وحفظ حقوق الإنسان، إلى هيئة تشاركية في الحرب على الشعب السوري، وانتزاع حقه في تقرير مصيره ومستقبله، ويجعلها شريكة في دولنة فوضى إمارات الحرب وأمرائها، عبر صناعة دستور على مقاس المتفاوضين ومنح أدوات الحرب المشتعلة فرصة النجاة من العدالة الانتقالية تحت مسمى واقعية الحل التحاصصي.

==========================

"تخلص".. عندما تتحرّر سورية من الاستبداد .. يحيى العريضي

العربي الجديد

الجمعة 15/6/2018

عرْضُ ساحة الأمويين في دمشق والمباني المحيطة بها، ونافورة الماء فيها، والحافلات تملأها، والمذيعة العفيَة بصحتها، المزيَنة بثيابها الأنيقة، وضيفها الفيلسوف على شاشة تلفزيون نظام الأسد، ذلك كله وغيره، لا يلغي الساحات والمباني المدمًرة في معظم سورية، ولا شتم الأمويين أو اللطم الإيراني في مسجدهم، ولا انقطاع الماء في سورية وغرق السوريين هرباً في المياه الدولية، ولا حافلات "داعش" التي كانت تحميها مليشيات قاسم سليماني وحسن نصر الله في أثناء عبورها سورية من غربها إلى شرقها، ولا صورة المذيع المليشياوي الذي يبشَر مناطق الحصار والتجويع بالباصات الخضر، ولا صحة المعتقلين الذين تحولوا إلى ركام من العظام في معتقلات الأسد، ولا ما تبقى من ثياب رثة عند الأسر السورية المعوزة المغصوصة، ولا فلسفة الضيف تمتُ إلى أي سرديةٍ سوريةٍ لها علاقة بواقع الحال السوري البائس.

بعد بضعة أسابيع على انتفاضة أهل سورية على الاستبداد، أشاع نظام الأسد مفردة "خلصت". مرَ عام بعد عام على ثورة السوريين، وبقيت المنظومة الاستبدادية منفصمةً عن الواقع، متجاهلة، في خطابها وسياساتها، ما يحصل في سورية. والآن، تعود الأسطوانة المزيّفة ذاتها، ولكن على نطاق أوسع. تتصوّر أنها أوصلت السوريين إلى درجةٍ من اليأس والإحباط، لكي يسلموا بما تسميه "الأمر الواقع"، وما يسميها أبواقها "الواقعية السياسية". إنها ترى الأمور جغرافيا، لا نفساً وروحاً وإرادةً وموقفاً وقراراً بالخلاص مما كان قائماً. خرجت ثلاثة أرباع سورية من ربقة الاستبداد في وقت من الأوقات. كان الفاعل بالنسبة لمنظومة الاستبداد الإرهاب والمؤامرة الكونية، ولم تعترف يوماً بأنها روح شعب سورية، ونفسه وإرادته، وموقفه الرافض لاستبدادها والخلاص منه. استدعت له إيران، وبعدها روسيا ل "تحرّر" أرض سورية من أهلها. استلزم "التحرير" حصاراً لم تقم به النازية، ودماراً لا يشبه إلا ما حدث في غروزني.

شرّد فِعْلُ منظومة الاستبداد نصف سكان سورية داخلاً وخارجا، هدّم نصفها، أفقر معظمها،

"ستعود سورية إلى سكة الحياة؛ ولكن حرة من الاستبداد والاستعباد والتزييف"  خرّب النسيج الاجتماعي، حوّل الدولة إلى وقيع تتقاذف سيادته، وتستبيحها أكثر من عشر قوى. ولا يتوقف قادة منظومة الاستبداد عن التشدّق بالسيادة المتهتكة. قالها الإيرانيون والروس إنه لولاهم لسقطت تلك المنظومة. ذلك لا يهمهم؛ وتابِعوهم يشترون سرديتهم بكل وضاعة، وينعتون الروس والإيرانيين بالأصدقاء والحلفاء الذين يحاربون معهم الإرهاب.

عادةً، يختلف اللصوص؛ وها هم "الأصدقاء والحلفاء" يختلفون. منظومة الاستبداد بين المطرقة والسندان؛ إذا بقوا، لا سيادة ولا قيمة لهم، وإن خرجوا، السقوط المحتّم مصيرهم. إن خرج أحدهم، وإيران المرشح الأوفر حظاَ، زاد استعباد الروس لهم، وانفضحت كذبة السيادة أبدياً، والسقوط الحتمي هو المصير. هذا في السندان، أما في المطرقة، فأميركا تضع يدها على سورية المفيدة فعلياً، وتركيا على حدود الشمال؛ وحدود الجنوب والشرق لا تنفع معها بروباغندا التحشيد أو الاستسلام عن طريق "المصالحات".

تستمر مكابرة منظومة الاستبداد؛ فبعد التعنت وعرقلة أي فرصةٍ لحل سياسي، وبعد اضطرار روسيا لنوعٍ من الحصاد السياسي بعد ثلاثة أشهر من التدخل (تحولت إلى ثلاث سنوات)،

"تخلص فقط عندما تخلصون؛ وستخلصون. ملفات الإجرام تنتظركم في لاهاي" وبعد تحايل روسيا على القرارات الدولية، وسعيها إلى تفصيل حل بمقاسها ومقاس المنظومة، تراها أخيرا مأزومةً على حل عبر تكوين لجنة دستورية تجاوبت معها منظومة الأسد مرغمة بعد سحبها القبول من فم الأسد أمام كاميرا بوتين في سوتشي... بعد كل ذلك الانسحاق، تشيع منظومة الاستبداد مفردة "خلصت" للمرة المئة.

لا أيتها المنظومة؛ ما خلصت؛ وكي تخلص لا بد من رسم دستور جديد، ينهي تحكم فردٍ بالبلاد والعباد، يخلق البيئة الطبيعية المحايدة المناسبة، ليختار شعب سورية مَن يريد أن يتعاقد معه لحمل مسؤولية الحكم الخالي من الاستبداد والظلم والإجرام.

منظر الشاشة الباهر، وخطاب المحبَطين والمحبِطين واليائسين والميأسين، وهراء إعادة الإعمار عن طريق دول السلاح والفقر، والقانون رقم عشرة، والمجتمع المتجانس، و"أنصاف الرجال"، والخطف، وأخذ الرهائن والأتاوات ممن تبقى من "جيش حماة الديار"، وتحكّم الشرطة العسكرية الروسية بمليشيات "الدفاع الوطني" وحلها، واستدعاء رئيس المنظومة إلى سوتشي، وهذر وليد المعلم، والشبيحة الذين تسللوا إلى أوروبا، وإسرائيل التي تريد أن تثبِت ضمها الجولان واستهدافها عصابات إيران في سورية، ومضافة امتحانات الثانوية، وحال "داعش" المتلاشي وجبهة النصرة المكشوف؛.... لا يشي ذلك كله بأنها خلصت. تخلص فقط عندما تخلصون؛ وستخلصون. ملفات الإجرام تنتظركم في لاهاي. صور التعذيب حتى الموت التي نقلها سيزر (القيصر) حاضرة. بيوت سورية ومشافيها وأسواقها المدمرة حاضرة جداَ. لا يزال مفعول السلاح الكيميائي حاضراَ جداَ جداَ، حتى عند أرواح من استخدمه.

الأهم من ذلك كله أن هناك من لا يزال مصمما على الخلاص، طالما عقله ونفسه يعملان. س"تخلص" وستعود سورية إلى سكة الحياة؛ ولكن حرة من الاستبداد والاستعباد والتزييف والبيع الرخيص من أجل بقاء الطغمة. هذا ليس تفكيراً رغبوياً؛ إنه المسار الطبيعي للتاريخ؛ حتمي، حتى ولو طال الزمن.

==========================

موقفنا : الحرب على شريعة الإسلام بين نباشي الفتاوى ومتفقهي العناوين .. ( إقرار المتغلب ) أنموذجا .. زهير سالم

20 / 6 / 2018

مركز الشرق العربي

حرب عالمية ساخنة وباردة تشن على المسلمين كما على الإسلام العقيدة والشريعة ومنهج الحياة . وتتستر هذه الحرب بذرائع متكاثرة يأتي في مقدمتها الحرب على الإرهاب والحرب على التطرف والحرب على التشدد والحرب على الانغلاق والحرب على الجمود  والحرب على العادات والتقاليد والحرب على الهوية بكل تجلياتها ، رجاء أن يتحول الإنسان إلى هلام أو هيولى بلا لون ولا طعم ولا رائحة يروق منظره ومخبره لأعداء الإسلام والمسلمين ..

وفي سياق هذه الحرب المتعددة الجبهات ، ابتلي المشهد الإسلامي بأناس من بني جلدتنا وممن يتكلمون بألسنتنا وظفوا أنفسهم في مشروع الآخر ، أو انساقوا معه بلا وعي ولا تمييز،  فسلكوا طريق ( تدمير الذات ) ، وكان جل همهم ، وأكبر جهدهم ، أن ينبشوا عن فتاوى ( ظرفية ) كانت لها سياقاتها الاجتماعية أو السياسية ، فيعيدون بثها بعد تأطريها وإذاعتها بالمانشيت العريض . طلبا للتشويه والتشويش والإثارة والإغراب وقديما قال سلفنا الصالحون : شر العلم الغرائب.

وآخرون ما زالوا يخطفون الخطفة من عناوين مسائل الشريعة  ، أو من أفواه علمائها ، فيطيّرونها في الآفاق تنديدا أو تشويها ، أو يراكمونها جهلا على جهل ، أو يجعلون من الفتوى المنبتة عن سياقها مركبا إلى الشهوة ، كل ذلك رغبة في شهرة ، وحرصا على أن يقال ( مفكر ..أو مجدد ..أو حداثي ...) وما أشقاهم  يوم يقال لواحدهم إنما فعلت ليقال ( ...) وقد قيل ..!!!

فتاوى ومسائل كثيرة كانت مطوية في كتب الفقه ، لها مبادئها ولها مقدماتها ولها مساقاتها ، ولها حيثياتها ، ولها مستنداتها ، ولها حجمها ، ولها مكانها ومكانتها حتى إذا وقعت بيد أحد هؤلاء ( المشنعين ) على الإسلام وشريعته وأهله فما أسرع ما يحولها إلى عنوان تشويه ، ومانشيت إثارة وتسفيه ؛ وكم  سمعنا جميعا في السنوات الأخيرة من هذه العناوين الطيارة ، ما يضطر للإعراض عنه الحليم ، والتحذير من مثله الحكيم ...

وكان من أكثر ما وقع التشنيع عليه من مسائل الفقه الإسلامي ، بعد التشنيع المستدام على قانون العقوبات ، قضية إقرار الفقهاء المسلمين لولاية المتغلب ، إقرار مندمجا بسياق ، مقيدا بمقدمات ، معقبا عليه بما يجوز فيه من احتمالات ..وقد غدا التشنيع على هذه المسألة  تشنيعا تمارى فيه السفهاء ، ودب في بعض الأحيان إلى أقلام الجادين على سبيل المجاراة طورا ، والمشاكلة حينا ..

حتى اعتبرت المسألة أم الخبائث السياسية ، ومفتاح التعليل والتحليل والتقويم ، فكل الشرور منها بدأت وكل الشرور إليها تعود !!

 وأصبحنا حيث يممنا نجد أشخاصا إذا كتبوا في التاريخ أو في السياسة أو في الشريعة أو التبصر بأحوال المسلمين ، وما ينزل بهم من بلاء ، أو يحيط بهم من مكر ؛ مالوا على العنوان المذكور فحملوه آثام القرون ، وتراكمات الوهن والقنوط ، وقرروا أن كل ما تعيشه الأمة من مبتداه إلى منتهاه  إنما سببه النظرية الفقهية في ( إقرار ولاية المتغلب ) التي لم يدرك منها كثيرون من الذين يتكئون عليها غير عنون مجتزئ مبتسر منفصل عن سياقه وعن أصله . 

وتبلغ بالبعض الجرأة على الله وعلى الناس ، فمدوا أعينهم من الجرأة على الأحكام إلى الجرأة على الأئمة الأعلام ، والفقهاء الأثبات ؛ مستصغرين من علماء هذه الأمة كل جهبذ قوال بالحق ، شاهد عليه لا يخاف في الله لومة لائم ..فيرمونهم ببعض سخيمة أنفسهم ، ويعكسون عليهم بما في مرايا ذواتهم ..

بعض الناس  -مثلا- إذا ذكر الإمام (الماوردي ) ، الإمام الفخم الضخم صاحب الأحكام السلطانية ، استخف بلسانه ، وزوى حاجبيه ، ومط شفتيه ، وتمعر وجهه ، وأشار بيده هكذا ، كأنه يذب عن وجهه ذبابا ؛ وما درى ، هذا المسكين ، من هو الماوردي...من هو صاحب الحاوي ، ومن هو الماوردي سفير أهل الإسلام إلى أباطرة الروم ، وما درى من هو الماوردي العالم الثبت القائم بالحق والشاهد عليه والذي أخذ على     ( نظام الملك ) السلجوقي أن يتلقب بملك الأملاك ، وخرج من مجلسه غاضبا لحديث رسول الله ( إن أخنع الأسماء عند الله رجل تسمى ملك الملوك أو ملك الأملاك ) . خرج الماوردي من مجلس نظام الملك مستعدا ليدعى إلى النطع والسياف ، ولم يعط الدنية في فتوى تخالف حديث رسول الله ..

لسنا ندعي العصمة لسلف هذه الأمة ، ولا لعلمائها وفقهائها وإنما ندعو كل من يريد أن يقارب ويعيد النظر أن يقترب من بساط العلماء بوقار العلماء وبمنهجهم وعلى طريقتهم ..

ثم نعود للحديث المجمل على ما زعموا واجتزؤوا أن مدرسة الفقه الإسلامي قد أقرت تسلط المتغلب على الأمة ، وطالبت بطاعته ، والخضوع له ، وحرمت الخروج عليه ، وإن أكل مالك وجلد ظهرك كما زعموا ..

لنقول إن عرض المسألة بهذا الشكل فيه اجتزاء مخل ، وفيه ما يدعو إلى حمله على سوء الظن ، ومن تتبع المسألة في مظانها في كتب السياسات الشرعية المفردة ، وفي مجاميع الكتب الفقهية للمذاهب الأربعة لوجد أن الفتوى مقترنة في أكثر السياقات بالقدرة خوف اجتثاث المسلمين أو اصطلامهم حسب تعبير صاحب الغياثي ، أو الوقوع في فتنة انتهاك الدماء والأعراض والأموال دون قدرة على الرد والحفاظ ..

ويذهب صاحب الغياثي إلى أكثر من ذلك ، مفتيا بأن على كل صاحب نجدة أو كفاية في الأمة التي تغتصب إرادتها أن يتقدم فيجمع الناس، وأن على كل مسلم حوله أن يطيعه وينضم إليه ، وأن ينصره  ليتعاون الجميع على إسقاط المتغلب الكافر أو الفاسق الذي غلب على أمر المسلمين على غير مشورة منهم ، ..

ونعود للقول إن اجتزاء عناوين المسائل الفقهية في أبواب الفقه الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي هو جزء من حملة ظالمة ممنهجة تسعي إلى النيل من الشريعة الإسلامية ، والتنفير منها ، وتشويه مرتسمها في أذهان الجيل المسلم ل، لا يجوز لمسلم عاقل صادق أن يخوض فيها مع الخائضين .

وإن الذي ندين الله بها وندعو كل العقلاء إليه أن فتوى إقرار المتغلب على ولايته في إطارها في الفقه الجمعي لعلماء الأمة واعتبار أقولهم مكملة لبعضها من غير اجتراء ولا اجتزاء ولا تحريف ، ولا موقف مسبق رغبة في الإدانة ، وحبا في الارتفاع على أنقاض الآخرين. دعوة علمية منهجية تنتهي بنا إلى استخلاص نظرية الفقهاء المسلمين في التعامل مع واقع سياسي قاس دام كل ما فيه ..

ستؤكد لنا الدراسة أن الفقهاء قد أناطوا الموقف العام بالقدرة ، وأنهم دعوا إذا فقدت القدرة إلى تحصيلها ، والتعاون عليه ، وأنهم ميزوا بين حال متغلب ومتغلب ..

كثيرون يراودهم حلم طوباوي وردي جميل عن ديمقراطية حالمة توفرها آمال وأماني وينسون ونحن في القرن الحادي والعشرين وفي أعتى ديموقراطيات العالم ..ما يزال رأس المال هو المتغلب الأول بمخالبه الناعمة ومداخله الخفية ..

ينسى هؤلاء أن نظرية الإقرار الأولي للمتغلب ، وليس المستدام ، هو نوع من الواقعية السياسية ..استبدل بها آخرون نظرية ( التقيّة ) التي تدرجوا بها من السياسة إلى الاجتماع إلى الاعتقاد فوجدوا أنفسهم في قاع فتنة عمياء .

هلموا ندرس ، ونتعلم ، ونتفقه بعقل واع ، وقلب مفتوح ، ورغبة في الخير . وإن يكن في مقررات بعض الفقهاء هنات أو ثغرات أحدثها تغير العصر واختلاف ظروف الزمان ، أو بعض النقص والضعف الذي لا يخلو منه إنسان فهذا مما ينبغي أن يقارب بكل الأناة والحلم والعلم والوقار والاحترام ..

ليس في شريعتنا ما يعاب ، ولا في قواعد ديننا ما نستحي منه ، ومن درس عرف ، ومن اختطف أو انتبذ ضل وأضل ..

" وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ".

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

==========================

برّي وتحرير السوريين! .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 16/6/2018

باغتنا رئيس مجلس النواب اللبناني، نبيه بري، بتصريح قال فيه إن إيران وحزب الله باقيان في سورية إلى أن يتم تحريرها. ومصدر المباغتة أننا كنا نتوقع صدور تصريح على هذا القدر من الخفّة عن طهران وحزب الله، وليس عن رجلٍ كنا نأمل أن لا يكون ضالعاً في خطط إيران ضد العرب ودولهم، ومغامرات حزب الله بما تحمله من تهديد لشعب لبنان، ولشيعته قبل غيرهم.

لم يفهم السوريون ما قصده الرئيس بري ب"التحرير". إذا كان يقصد تحريرها من شعبها فقد قطع بشار الأسد وحسن نصر الله شوطاً طويلاً على هذه الطريق، وهما ليسا بحاجة إلى دعمه، بعدما استقدما إلى حربهما ضد سورية أعداداً كبيرة من مجرمي العالم السفلي في بلدان مجاورة وبعيدة، موّلها وسلّحها ودرّبها ملالي يرتكبون جرائم لم يسبق أن عرف تاريخ منطقتنا العربي/ الإسلامي ما يضاهيها في الفظاعة، بدعم من عسكر روسيا الذي غزا سورية لإنقاذ سفاحٍ أوهم نفسه أن باستطاعة قلة إخضاع كثرة، على الرغم من إرادتها وإلى الأبد، ولم يفهم أن عاقبة القمع والتخويف ستكون وخيمة عليه، وعلى مواطني سورية إناثاً وذكوراً، وأن هذا الشرق الذي ننتمي إليه، شرق السلطات التي لا تعترف بالمواطن والإنسان أو بحقوقهما، ولا تستند سلطاتها إلى عقد سياسي أو ميثاق مع مجتمعاتها، ولا تعرف القانون ودولة المؤسسات، وغيَّب حكامه رحمانية دين حوله فقهاؤهم إلى أيديولوجية سلطة مستبدة وغاشمة... إلخ، عرف على امتداد تاريخه تمرّداتٍ وانتفاضاتٍ وهبّات مظلومين ضد عالمهم الظالم، وضعوا خلالها دماءهم على أكفّهم ومضوا إلى نهاية شوط التمرّد، على الرغم مما تكبدوه دوماً من خسائر علي يد جلاديهم، كما يفعل شعب سورية اليوم، وسيظل يفعل إلى أن ينهار عالم البطش والفساد الأسدي الذي يقتل السوريين، ويدمر مقومات وجودهم المادي وعمرانهم. أعتقد أنك، أستاذ بري، تعلم أنه لم يعد لدى السوريين كثير مما يخسرونه. وفي المقابل، لم يعد لدى الأسد ونظامه فرصة حقيقية للبقاء، بعد أن غدا مجرد "شخشوخة" في يد من باعهم سورية، وأدت سياساته إلى إبادة من كان يحكم بهم، وأن من استجلبهم لقتل السوريين لن يختلفوا عن "وصيف وبغا"، قتلة الخلفاء اللذين سيلتهمان لحمه نيئاً، مثلما كانا يلتهمان من سبقوه، كلما جاعا إلى سلطتهم.

لا أعرف لماذا أحسست أنك ستصدر تكذيباً لما نُسب إليك، لاعتقادي، الذي أتمنى أن يكون صحيحاً، أنك ترى الأمور من منظور فيه بعض رحابة الحس الإنساني الذي يجعلك لا تصدّق أن شعباً معروفاً باعتداله الديني وحسّه المدني وعيشه المشترك، وخرج ينادي بالحرية لجميع السوريين، بمن فيهم الذين كانوا يطلقون النار عليه، صار إرهابياً بين ليلة وضحاها، وأن قتلته يحرّرونه من تطرف يهدد ايران المسالمة المسكينة، التي أرسلت آلاف القناصة إلى سورية قبل أسابيع من ثورتها، ثم أرسلت حزب الله إليها، وفي يدي مقاتليه قوائم بأسماء إرهابيين يهدّدون العتبات والمراقد المقدسة، فقتل بمحض الخطأ نيفاً وألف سورية وسوري غيرهم، وطرد ثمانين ألفاً من القصيريّين من بيوتهم ومواطنهم، قبل أن يلحق بهم إلى عرسال، ليحرّض جيش لبنان عليهم، كإرهابيين/ تكفيريين، على الرغم من أنهم عزل وجياع ويعصف بخيامهم حقد حزبٍ لم يجد أحداً ينسب نفسه إليه غير الله!.

دولة الرئيس بري: ينتظر السوريون أن تقوم بما ليس لديك اليوم ما هو أكثر أهمية منه: نفي أنك تنطق باسم إيران، وتؤيد حزباً يقتلهم ليحرّرهم مما يستحيل انتزاعه منهم: تصميمهم على حريتهم وحقهم فيها.

==========================

إدلب في عيدها.. رهينة المحبسين .. د. أحمد موفق زيدان

العرب

الاثنين 18/6/2018

إدلب التي لعبت دوراً محورياً ومفصلياً في الثورة السورية، فكانت إحدى محافظتين كاملتين تم تحريرهما، وكانت المدينة الكبرى الثانية التي تحررت من قبضة العصابة الطائفية إلى جانب مدينة الرقة، هذه المدينة تعيش اليوم رهينة للمحبسين، محبس العصابات الطائفية التي تتوعدها، وتقصفها بشكل شبه يومي مع سدنتها المحتلين، ومحبس الدواعش الذين صبوا عليها جام غضبهم وحقدهم، متسلحين بتسهيلات العصابات الطائفية، الذين أعادوهم إليها دعماً وتسليحاً، من أجل نشر الفوضى الأمنية، ومع هذا كله، تصرفت الفصائل الثورية المسلحة وكأنها بعيدة كل البعد عن واجبها ومسؤولياتها في تحصين الأمن في المدينة، والانتقال إلى مشروع ثوري حقيقي، يحفظ رأس المال، لينتقل مستثمراً هذه النخب الضخمة التي احتضنتها إدلب ومن كل سوريا، بسبب التهجير والتشريد.

واقع مرير، وتحديات كبيرة، إن لم ترتق الفصائل إلى مستواها فستضيع المدينة والمحافظة، ويضيع معها موروث الحرية، التي دفع الجميع ثمناً باهظاً للوصول به إلى هذه المرحلة، وقبل الولوج إلى معرفة التحديات، لا بد من سبر الواقع، فعلى المستوى الداخلي، أعلن زعيم هيئة تحرير الشام أبومحمد الجولاني عن عزمه تشكيل جيش وطني، للتهرب من تصنيفه الأميركي الأخير كمنظمة إرهابية، لكن المشكلة ليس بتشكيله هو، بقدر طمأنته الأطراف الثورية الأخرى التي دخل وإياها في حروب عبثية طوال الفترات الماضية، من أحرار الشام، إلى صقور الشام، وقوات الزنكي، وقبلها فصائل الجيش الحر، وبالتالي، ما لم يتم طمأنة هذه الفصائل وإقناعها بالدخول في مشروع وطني يكون تشاركياً فعلياً و واقعياً وعملياً، بعيداً عن الهيمنة والسطوة والغلبة والتغلب، فإن الواقع سيكون كما يقول المثل الإنجليزي «زجاجات جديدة بخمر قديم».

بالمقابل، فإن الفصائل الثورية الأخرى عليها مسؤوليات كبيرة، أن تتقدم وتطرح مشروعها الوطني بعيداً عن الفصائلية، بحيث يكون مدعوماً من النخب والقوى المجتمعية الحية، لتشكل عامل ضغط على كل الفصائل، وإلاّ، فإن إيثار اللا فعل وانتظار الآخر ليقوم بالفعل -وهو ما درجت عليه طوال السنوات الماضية- سيكون قاصمة لها، وقاصمة للثورة.

الواضح أن تركيا آثرت التركيز على ريف حلب، وتحديداً المناطق التي حررتها من العصابات الكردية، وإن كانت تفتقر على ما يبدو لفصائل حقيقية وواقعية مدعومة مجتمعياً، لذا، كل ما تستثمره من فتح جامعات ونحوه سيذهب أدراج الرياح، إن لم تعتمد على قوى ثورية حقيقية لها ثقل في المنطقة، ولها دعم مجتمعي، وبالتالي، صمت تركيا على المجازر الأخيرة التي ارتكبها الضامن الروسي المحتل في ريف إدلب يشير إلى مرحلة قد تكون خطيرة، عنوانها التغاضي عن مجازر روسية أكبر، وربما اجتياح لا سمح الله، وبالتالي، فما لم تلتفت الجماعات الثورية الحقة إلى الأمر وتستعد له، فإن الواقع سيكون خطيراً، وخطورته ستكون على المدى المتوسط والبعيد على تركيا، كونها ستفقد حاضنة ثورية حقيقية في إدلب، ما يجعلها ساحة للعب الكبار إن انهارت إدلب لا سمح الله، تماماً كما كانت باكستان ساحة لفوضاهم بعد سقوط حركة طالبان الأفغانية، ولم تستطع معالجة الأمر إلا بعد أن استثمرت في حركة طالبان الأفغانية، ما جعلها لاعباً قوياً في أفغانستان دفع القوى الكبرى والصغرى إلى أخذها بالحسبان في حالتي الحرب والسلم. يمر العيد على إدلب، حيث غدت سوريا المصغرة تجمع أهلها من شرقها إلى غربها، ومن شمالها إلى جنوبها، وهي بأمس الحاجة إلى صحوة الفصائل من سكرة انعزاليتها، ومن العقلية الخطرة التي تتهددها، وتهدد الثورة، فلا يزال البعض يجيش ويحرش على البعض، ولا يزال البعض يعبث بأمر عظيم، بعيداً كل البعد عن الهم الأكبر، وبعيداً عن هم الملايين من المشردين والمقيمين في المحافظة، وما لم يفق هؤلاء من سكرتهم فإن المحافظة في خطر عظيم، وعلى رأسه خطر الدواعش، نشراً للفوضى، وفتحاً لباب التدخلات الخارجية قصفاً وتدميراً، كما فعلوا من قبل في الجزيرة، حيث انتشارهم في المعسكرات والمدن والبلدات، ما يهدد المحرر كله، ولا حل له إلا بتكاتف الجهود كلها من أجل اقتلاعهم، فلا فصيل قادر على اقتلاعهم لوحده، ولا مصلحة للقوى المحتلة وعملائها الطائفيين في اقتلاعهم، ما داموا يلعبون دور القوادة العسكرية والسياسية لهم.;

==========================

لماذا انقلب الغرب على تركيا باختصار؟ .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

الاثنين 18/6/2018

منذ إنهاء الخلافة العثمانية في مارس/آذار 1924 لم تشيُطن تركيا من قبل الغرب رغم اجتياحها لقبرص، ونزاعها مع اليونان، لأنها كانت تحت حكم أنظمة وظيفية تؤدي أدواراً مطلوبة، بل حاول الغرب جعل النموذج التركي العلماني مثالاً للمنطقة، فضلاً عن استخدام تركيا قاعدة متقدمة عسكرية في الصراع مع المعسكر الشرقي .

لم يعترض الغرب على الانقلابات التي كان يقودها الجيش، والتي كانت تمنع عودة تركيا لشخصيتها الإسلامية أو للتقارب مع محيطها الإسلامي. وتم عزل نجم الدين أربكان لأنه أعلن عن تأسيس دول السبع الإسلامية. وقد وصل حزب العدالة إلى السلطة في أسوأ أوضاع تركيا الاقتصادية، فقد كانت تقبع في المرتبة 111 وكانت تقديرات الاتحاد الأوروبي أن اقتصادها يحتاج 150 مليار دولار للنهوض بها، وهي دولة غارقة بالفساد وغياب الشفافية، ومدينة للبنك الدولي. وهذا يعني أن نجاحات حزب العدالة الاقتصادية مسموح بها ما دامت في الإطار المحلي وعدم تحول تركيا إلى أنموذج إسلامي .

بدأت الحرب الحقيقية على تركيا بعد ثورات الربيع العربي وتأثر شعوب المنطقة بالنجاح الاقتصادي التركي وكذلك السياسي، وبمعنى أدق فإن المشروع البديل للحكم العسكري سيكون الحكم المدني من أصحاب التوجه الإسلامي، وهذا يعني أن المنطقة من مراكش حتى اسطنبول ستكون تحت أنظمة حكم متشابهة، وهذا سيؤدي لنهضة تلغي معادلة الغرب مع المنطقة بجعلها حديقة خلفية له يُمنع عليها النهوض والتقدم.

نجاح أردوغان حطم ما صاغه الغرب عبر السنوات الماضية من تخويف شعوبه بالإسلاموفوبيا، ولذلك كان لا بد من إيجاد تنظيم متوحش يتموضع في أهم منطقة حضارية «سوريا العراق»، ويعطي صورة سلبية عن الإسلام، وقد لعب تنظيم «الدولة» (داعش) هذا الدور المرسوم على أكمل وجه.

عملت الأنظمة العربية الوظيفية على دعم الثورات المضادة، ورأت أن نهاية الربيع العربي لا تكون بنهاية الثورات وإعادة انتاج الأنظمة الاستبدادية، بل لا بد من إنهاء النموذج الملهم لها «تركيا»، وهذا يتسق تماماً مع الرغبة الأمريكية .

بدأ التدخل في الشأن الداخلي التركي وتضخيم ما يحدث منذ أحداث ساحة تقسيم 2013 والتي عمل الإعلام التابع لبعض الدول العربية على تصويرها على أنها ثورة ضد أردوغان، ثم جاء دعم التنظيم الموازي، وعلاقة غولن ببعض الدول العربية، فضلا عن إقامته في أمريكا، ثم كان الانقلاب 2016. ومن المعروف أن الانقلابات العسكرية هي إحدى أساليب وكالة الاستخبارات الأمريكية السي آي إيه والسلاح الذي تهدد به أمريكا خصومها. وقد بدا الإعلام التابع لمدبري الثورات المضادة في العالم العربي داعماً لذلك الانقلاب ومبشراً بنهاية أردوغان! وعندما فشل الانقلاب كان لا بد من ورقة أخرى، ورقة الأكراد ودعم البككا (حزب العمال الكردستاني) في سوريا بالمال والسلاح وصناعة جيب انفصالي جنوب تركيا، ومن ثم استنزاف تركيا والعمل على تقسيمها لإنشاء دولة كردية ضمن رؤية البككا .

ثمة حقيقة يجب عدم إغفالها تتمثل بوجود دولة سنية قوية تشكل مرجعاً للسنة أو شعوراً بالحماية. وهذا أمر مرفوض، فأمريكا تخوض حرباً ضد السنة، ولكنها تعتمد على الوكلاء السنة في تلك الحرب.

بعد الثورة السورية وسحب صواريخ الباتريوت التابعة لحلف شمال الأطلسي من تركيا، اتجهت أنقره للصناعة العسكرية، وباتت الآن تنتج نحو 65 في المئة من سلاحها، وتصنع معدات عسكرية تضاهي السلاح الغربي، وهذا خط أحمر في تغيير المعادلة المتبعة منذ نحو مئة عام في احتكار صناعة السلاح !

من ينظر إلى ما أوردناه أعلاه سيجد أن ثمة قاسماً مشتركا بين الحلف المعادي لتركيا تتمثل بنقاط عدة :منع تركيا من النهوض والعودة لقيادة العالم الإسلامي .أمريكا تحارب الديمقراطية في العالم العربي والإسلامي وتفضل الحكم الاستبدادي. إنهاء الثورات العربية هو مطلب أمريكي لأن نجاحها يعني انهيار البناء العربي الرسمي وكذلك الإقليمي، وهذا ما ترفضه أمريكا . نجاح التجربة التركية في دولة لا تملك نفطاً ولا غازاً، وكانت متخلفة اقتصادياً، وذلك بسبب الحرية السياسة والشفافية يؤثر على الأنظمة العربية الخليجية حيث الثروة الهائلة مع ضعف التنمية وغياب الحريات ووجود الفقر .وآخر وأهم أهداف الحلف المعادي لتركيا طبعاً شيطنة أردوغان والعمل على إنهائه قبل أن تعود تركيا دولة كبرى في العالم، وعندها لا يكون أمام أعدائها مزيد من التآمر أو الحرب العسكرية بعد فشل الحرب الوكالة والحرب الاقتصادية والانقلاب العسكري.

==========================

محاكم التفتيش وتطبيقاتها في سورية الأسيرة ؟!! .. يحيى حاج يحيى

كتب أحد الأكاديميين السوريين مقالة في مجلة خليجية تحت عنوان (محاكم التفتيش هل يمكن أن تعود ؟

ومع كل فقرة أوردها الكاتب ،يحس من عاصر وتابع الأحداث في سورية في عهد أسدهم الراحل وأسدهم الذي سيرحل ، أن هذه المحاكم قد بعثت فوق تراب الشام وأن ضحاياها هم أهله وبنوه ..

1. " أن المتهم مذنب حتى تثبت براءته ، ومن الأفضل أن يحكم على مائة بريء من أن ينجو من العقاب مذنب واحد "

التطبيق : في الاعتقالات الجماعية والعقوبات الجماعية التي كانت تجري في شوارع المدن الكبرى حلب إدلب –حماة –وحتى القرى الصغيرة وفي أخذ الرهائن من أهل و أبناء وفي سجن الأصدقاء لكونهم يعرفون المتهم ولأنهم وجدوا رقم هاتفه في دفتره ( الرياضي العراقي هلال نموذجا)

2.تكتفي المحكمة بشهادة واحد أو اثنين من المخبرين السريين لتوجيه تهمة (الهرطقة) يقابلها (معاداة النظام في سورية ويذكر أن حافظ الأسد ردد هذه الكلمة في سلسلة خطاباته في 1980 م وطلب استعمال القسوة والعنف ضد معارضيه )إلى أي إنسان حتى ولو كان الشاهد من أصحاب السوابق

التطبيق : في تجنيد الآلاف ممن ليس لهم ذمة ولا خلق ، ودفعهم إلى مراقبة أنفاس المواطنين ، واعتبار تقاريرهم شهادات لا تقبل الرد ، بدءا من مذبحة 18 تموز 1963 ضد الضباط الوحدويين وليس انتهاء باعتقال العائدين من الحج والعمرة لكونهم رفعوا أيديهم بالدعوة على الظالمين .

وإحساس المخبر المرافق أنهم يقصدون الجهة التي يعمل فيها ! وفي المحاكمات التي جرت لنخبة من شباب سورية ، وقد تزيد تطبيقات النظام المتهالك في سورية عليها كما في الحجز الاحتياطي لمن يمكن أن يظهر منه مستقبلا معارضة له ..

3."تطل أسماء المخبرين سرية ويتقاضون مكافآت مادته من أموال ضحاياهم وروحية حيث وعدتهم الكنيسة بدخول الجنة .

التطبيق: زرع العشرات من المخبرين في صفوف العلماء والضباط و حتى البعثيين ، وإرسال من يتباكى على الوطن والمواطن إلى خارج القطر ليندس في صفوف المعارضة ، ثم حصول هؤلاء على أموال طائلة ، ومراتب حكومية أو حزبية لا يستحقونها كما في مصطفى التاجر وجاهد دندش وغيرهما .

4." كان التعذيب مرحلة مهمة من مراحل التحقيق ،وتقشعر الأبدان مما ترويه المصادر عن أشكاله وأدواته ، بل كانت تزهق أرواح الكثيرين منهم تحت التعذيب نتيجة الألم والخوف والإرهاق ".

التطبيق : وهذه تفوق بها نظام العصابة في دمشق فعلى امتداد أربعين عاما وعلى امتداد التراب السوري الحزين شهدت المدن والقرى والسجون والشوارع ما تقشعر له الأبدان فبعد التعذيب والقتل يكون السحل كما حدث لنخبة من شباب سرمدا وعلى رأسهم الشيخ أمين خطيب جامع القرية وللمدرس محمد حجّار في جسر الشغور والنقيب إبراهيم اليوسف في حلب

5."كانت ذرية المحكوم تتحمل تبعات جريمة حيث يحرم أبناؤه وأحفاده من وظائف ومهن كثيرة ، كما تصادر أملاكهم ويعيشون حياة العوز بل كان بعضهم يمارس الدعارة للحصول أحيانا على لقمة العيش في حين يتمتع الملك ورجال المحكمة بممتلكاته الموروثة"

التطبيق : أبناء المعتقلين أو الشهداء أو الملاحقين يحرمون من التطوع في الجيش ومن التوظيف ومن دخول بعض الكليات الجامعية أحيانا لأنها محجوزة لأبناء الجلادين و أتباعهم .

وأما مصادرة الأملاك فتشهد له اللاذقية و إدلب وحلب وغيرها ، و اعتبار أموال المحكوم أو الملاحق نهبا مباحا ، والوقائع أكبر وأكثر من مساحة هذه المقالة

وزاد النظام العصابة في دمشق على المحاكم التفتيش أنه أفقر مجمل الشعب السوري ماديا وفكريا وأخلاقيا ، وأصبح للدعارة سماسرة ومواقع ثابتة ومتحركة ، وبعضها تحت حماية رجالات النظام وجلاديه العظام

6. ومن غرائب قوانين هذه المحكمة أنها لم تكتف بمحاكمة المتهمين الأحياء ، وإنما كانت تعاقب الأموات أيضا فإذا اكتشفت أن أحد الأموات كان يمارس الهرطقة في حياته (يقابلها في سورية التوعية وتبصير المواطنين بما سيكون عليه مصير البلاد إذا استمر حكم مثل هؤلاء ) فإنها تقوم باستخراج ما تبقى من جثته في القبر وتحرقها في احتفال ديني وتصادر ممتلكاته و تحرم ورثته منها

وكان يمنح الوشاة الذين بلغوا عن الهراطقة الموتى نسبة عالية من هذه الممتلكات مكافأة لهم

التطبيق : يشترك في محاكمة المعارضين للنظام إعلامه و أبواقه ومؤسساته وأذنابه

فكل من دعا إلى محاربة الظلم وحث على الفضائل هو عدو له لأن النظام يقرأ التاريخ العربي و الإسلامي و السوري الوطني قراءة خاصة من خلال منظار شعوبي حاقد، فهو يشجع على طمس معالم التاريخ القريب بمسلسلاته (ويعف القلم هنا عن ذكرها ) ويقوم بعملية تجهيل الأجيال برموزها الوطنية والمحلية ، وهو هنا يخالف محاكم التفتيش في نبش عظام الأموات حين يعمد إلى إهالة أطنان من تراب النسيان عليها فكثيرون جدا يجهلون من هو فارس الخوري وهاشم الأتاسي وكثيرون لا يعرفون شيئا عن شاعر الإنسانية المؤمنة (عمر بهاء الأميري ) ولا عن صاحب سفر التربية الإسلامية المعاصرة (عبد الله علوان ) وقد رأيت مثل هذه النماذج من مدرسين ومثقفين .

بينما يعمد إلى تلميع شخصياته الباهتة ، وفتح الباب على مصراعيه أمام رموزه الجاهلة ليضيفوا إلى أسمائهم لقب دكتور وهم أجهل من أن يعرفوا مضمون الرسالة التي كتبها بعض المنتفعين لهم

7."كانت العقوبات التي تفرضها محكمة التفتيش الإسبانية على المتهمين تختلف حسب الإثم المرتكب ومن أبسطها السجن لمده محدودة مع الغرامة إذا كان الذنب خفيفا أو التجديف مدى الحياة بالسفن إلى القارة الأمريكية أو السجن المؤبد مع مصادرة الممتلكات وكانت أشد العقوبات الإعدام بحرق المتهم حيا في احتفال عام يتم في ساحة المدينة ، ويشهد الاحتفال كبار رجال الدين بأثوابهم الرسمية ، وكان بعض الملوك من هواة حضور هذا الاحتفال عادة بحيث يتزامن مع الاحتفال باعتلاء العرش أو زيارة الملك أو زواجه ،وكان يهرع  الشعب إلى ساحة المدينة لرؤية موكب المحكوم عليهم ، وهم في طريقهم إلى المحارق ،و أحيانا كانت تنفذ هذه العقوبة بشكل جماعي مهما بلغ عدد المدانين ..

التطبيق : وفي نظام تحديث التوريث في دمشق ليس هناك مدة محدودة لكثير من السجناء فهم لا يعرفون التهمة ولا يدرون متى يخرجون وقد يمتد بهم السجن إلى خمس وعشرين عاما والوقائع كثيرة

وكذلك يتم إبعاد المواطن عن وطنه ولا يجد إلى العودة سبيلا وهو نوع من أنواع سجن الغربة الذي برع فيه نظام أسد ، فعشرات بل مئات بل آلاف الشخصيات السورية ومن جميع الاتجاهات كان مثواهم الأخير خارج بلدهم مثل أكرم الحوراني /ناظم القدسي / عبد الفتاح أبو غدة / عبد الحق شحادة / شريف الراس /سعيد حوى / محمد سليمان الأحمد / معروف الدواليبي / و قائمة طويلة لا يتسع المجال لذكر أسمائهم! إنني ومن خلال هذه السطور أدعو المهتمين بحقوق الإنسان في سورية إلى إعادة قراءة جرائم محاكم التفتيش و إلى قراءة الواقع السوري خلال أربعين عاما ، ليروا أي جريمة ارتكبت بحق الوطن والمواطن في بلدنا الأسير ، وأقول لكاتب المقال في مجلة العربي عدد نوفمبر 2007 م حين تساءل (محاكم التفتيش هل يمكن أن تعود ؟ )

أقول نعم عادت وما جرى ويجري في سورية نموذج لها :

فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة    و إن كنت تدري فالمصيبة أعظم

=================================

موقف الإخوان من وفاة الأسد وثورة الشعب - الحلقة (1) .. المراقب العام للجماعة يعلق على وفاة الأسد .. محمد فاروق الإمام

تعليقاً على وفاة حافظ الأسد، أدلى المراقب العام للإخوان المسلمين في سورية الأستاذ علي صدر الدين البيانوني بالتصريح التالي: لا شماتة في الموت، وهو غاية كل حي. لقد أفضى الرجل إلى ما قدم وهناك سيجد جزاء عمله، فمهما طالت حياة الإنسان فلابد من هذا المصير. فليتعظ بذلك الأحياء، وليتوقف عن غرورهم الأقوياء.

نسأل الله أن يجعل عاقبة ذلك للأمة والوطن خيراً، وأن يعقد لشعبنا وأمتنا أمر رشد، يعز فيه أهل الطاعة والبر، ويذل فيه أهل المعصية والفساد، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر.

وأضاف البيانوني قائلاً:

إن جماعتنا جماعة الإخوان المسلمين في سورية ومن موقع المسؤولية الوطنية الصادقة، وبعد ثلاثين عاماً من حكم فردي شمولي، لتدعو إلى التحام وطني عام، يعيد لسورية وجهها الحر الأبي، في إطار من التعددية السياسية، والحريات العامة التي تكفل تداولاً سليماً للسلطة، واختياراً شعبياً حراً للحاكم، وتحفظ للمواطن أمنه وكرامته، وترفع عنه ألوان الظلم السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وترص الصف الوطني في مواجهة التحديات الخارجية.

كما أعربت جماعة الإخوان المسلمين في سورية عن أملها في عهد جديد من الديمقراطية والاستقرار في سورية، وعودة المشاركة الشعبية في السلطة. وقال المراقب العام للجماعة المحامي علي صدر الدين البيانوني في حديث مع وكالة (قدس برس) إن جماعته تعتقد أن السياسات التي كانت قائمة طوال 30 عاماً من حكم حافظ الأسد في سورية آن لها أن تُراجع.

وأضاف يقول: إن وفاة الرئيس فرصة تتيح لمن يتولى القيادة الآن أن يفتح صفحة جديدة، لاسيما وأننا أصبحنا في مرحلة لم تعد فيها الأنظمة الشمولية مقبولة لا دولياً ولا اقليمياً، ولم يعد ممكناً أن تستمر سياسة الحزب الواحد القائد، ومصادرة الحريات العامة وعدم المشاركة الشعبية الحقيقية.

وأوضح البيانوني أن الإخوان المسلمين يعتقدون أن وفاة حافظ الأسد فرصة لفتح صفحة جديدة والسير بالبلاد نحو وضع ديمقراطي ولو بشكل تدريجي، لاسيما وأن هناك شعاراً معلناً بأن عملية إصلاح سياسي ستتم على يد خليفته.

وقال المراقب العام للإخوان المسلمين إنه إذا كان الممسكون بزمام الأمور في دمشق لديهم رغبة حقيقية في الإصلاح فنعتقد أنها فرصة مناسبة. لكنه قلل من مستوى الآمال في تحول ديمقراطي في سورية على المدى القصير في ظل التطورات الأخيرة.

وقال: حتى الآن لا يبدو أن ثمة مبشرات في هذا الاتجاه. واعتبر البيانوني تعديل الدستور السوري بالسرعة التي تم بها وبالأسلوب الذي تبناه مجلس الشعب (البرلمان) سابقة في غاية الخطورة، وأضاف يقول: أنا أستغرب كيف يمكن لنظام يحترم نفسه أن يتم فيه تعديل الدستور بمثل هذه الطريقة، خلال دقائق تُعدل المادة وتناسب سناً معينة وشخصاً معيناً، وشدد على أن هذا أمر خطير جداً وسابقة لا أعتقد أن لها مثيلاً في أي دولة أخرى، لا في منطقتنا ولا في غيرها.

وحول إن كان ما فعله مجلس الشعب السوري بتعديل الدستور تصرفاً عفوياً من النواب يعبر عن الرغبة الشعبية في انتخاب بشار الأسد خلفاً لوالده. قال البيانوني:

المشكلة أن مجلس الشعب في بلدنا ينفذ ما يُملى عليه، ليس هناك شخصية حقيقية مستقلة ولا ممثلة لهذا المجلس، وإلا هل يُعقل أنه من بين كل النواب لا يطرح واحد منهم فكرة مناقشة هذا الاقتراح – التعديل، ومدى انعكاسه السلبي على سمعة البلد. أنا أعتقد أنه ليس فقط شيئاً مرتباً، مجلس الشعب ليس هو صاحب القرار، وإنما هو يصدر ما ينبغي عليه أن يصدر، أي ما يُملى عليه.

ويقول البيانوني: إن موقف جماعة الإخوان المسلمين وثوابتها لن تتغير برحيل حافظ الأسد، أو بتولي نجله بشار السلطة، لأن موقفنا من النظام السوري في الأصل متعلق بالسياسات والنهج الاستبدادي الذي ينهجه، نحن لا نعارض أشخاصاً وإنما نعارض سياسات.

وأشار البيانوني إلى أنه إذا استمر النهج السابق في مصادرة الحريات وإقصاء الشعب وقواه الحقيقية عن دائرة اتخاذ القرار، وبقيت الأوضاع تسير كما هي فليس عندنا جديد. أما إذا بدا أن هناك تحولاً حقيقياً عن هذا النهج باتجاه إيجابي فنحن مع هذا التحول.

ونفى البيانوني أن تكون جماعة الإخوان المسلمين في سورية قد تلقت أي رسائل من الحكم في دمشق خلال الأشهر الأخيرة من حياة الأسد، وقال: إن الأمر لم يتجاوز الشائعات التي تحدثت عن أن بشار الأسد بدأ بمكافحة الفساد وينوي القيام بعمليات إصلاح جذرية.

وتعليقاً على احتمال تولي بشار الأسد السلطة، قال المراقب العام للإخوان المسلمين: سورية بلد نظامها جمهوري، ولا يجوز أن تتحول إلى نظام ملكي أو نظام وراثي، وهذه كما قلت سابقة تحدث لأول مرة في المنطقة، أن يوصي رئيس نظام جمهوري بالخلافة لولده، فمن حيث المبدأ هذا الأمر غير دستوري.

وحول التصور العملي الذي يطرحه الإخوان المسلمون للمستقبل يقول البيانوني: لا نتصور أن الوضع في سورية بعد عشرات السنين من الحكم الفردي الشمولي يتحول بين لحظة وأخرى إلى حكم ديمقراطي، لذلك نرى أن بالإمكان أن تكون خطوات متدرجة باتجاه الديمقراطية والتعددية، ويضيف قائلاً: عندما تظهر خطوات من هذا النوع ولو كانت تدرجية باتجاه الديمقراطية فنحن نرحب بذلك ونعتبره إيجابياً، وبالطبع فإن إطلاق الحريات العامة وإطلاق سراح السجناء السياسيين ومعتقلي الرأي الذين يعدون بالآلاف، من أهم مظاهر التحول نحو الحرية والديمقراطية.

يتبع

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com