العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 24-03-2019


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

ودخلت السنة التاسعة

نداء سوريا

 مجاهد مأمون ديرانيّة  

الخميس 21/3/2019

ما كان الطريق الطويل والمعاناة الهائلة مصيراً أردناه واخترناه، إنما أراد أهل سوريا أن يعيشوا بحرّية وكرامة وإنسانية وحسب، ولقد وَدّوا أنّ طريقاً غيرَ ذي شوك يوصلهم إلى الغاية التي يريدون، وشاء الله أن يُسلِكهم غيرَ ذاك الطريق، فسلكوا السبيل الشاق الطويل لأن التغيير كبير ثقيل، ولكنّ كل طريق لا بد له من نهاية، وكل ركب سيحطّ الرحال ذات يوم وإنْ طال الارتحال.

في أواخر سنوات الحرب العالمية الأولى الطويلة الكئيبة كان للمارشال فوش -القائد الأعلى لجيوش الحلفاء- سائق اسمه بيير، وكان زملاؤه كلما شاهدوه سألوه: متى تنتهي الحرب يا بيير؟ لا بد أنك تعلم بسبب علاقتك بالجنرال، فكان بيير يعدهم بأن يخبرهم إذا سمع من المارشال أيّ خبر، ثم جاءهم في أحد الأيام فقال: لقد تكلم المارشال اليوم، فسألوه باهتمام: وماذا قال؟ فأجابهم قائلاً: لقد نظر إليَّ وقال: وأنت يا بيير، ماذا ترى؟ متى تنتهي هذه الحرب؟

ثم جاء وقت انتهت الحربُ فيه، ولكنْ بعد موتٍ ودمارٍ غير مسبوقَين في تاريخ العالم، لم يَفُقْهما هولاً وبشاعة إلا الموتُ والدمار اللذان جاءت بهما الحرب الثانية التي تفجّر بركانُها بعد انتهاء الأولى بعقدين.

الحربان تركتا أوروبا أقرب إلى العصر الحجري، دمار ودماء وفناء في كل مكان، حتى إن دولاً فقدت واحداً من كل عشرة من سكانها، كألمانيا واليونان، ودولاً فقدت واحداً من كل سبعة، روسيا ولاتفيا ولتوانيا ويوغوسلافيا، أما بولندا فقد مُحيت من الخريطة بالكامل، وعندما عادت بلداً مستقلاً بعد الحرب كان واحد من كل خمسة من سكانها في عداد الأموات.

ثم نهضت تلك الدول واستعادت عافيتها وصارت واحات سلام واستقرار، وبات الوصول إليها أملاً للمشردين والمعذبين في أنحاء الأرض، فنحن اليوم نغبط سكانها على الأمان والرخاء اللذين يعيشون فيهما، كما غبطونا على النعيم يوم عاشوا هم في الجحيم، وعلى الرخاء يوم أنهكهم البلاء، يوم أحرقتهم نارُ الحربَين ولم يصلنا من شُواظها إلا أقل القليل.

يا أيها الناس: إنها عبرة التاريخ؛ الدنيا دَوّارة والأيام دول، يوماً ما ستنتهي هذه المأساة وتصبح أهوالها خبراً من أخبار الزمن الغابر، كما غدت أخبار الحربين العالميتين، يوماً ما ستعود بلدنا درّة بين البلاد وينعم أهلها بالحرية والكرامة والرخاء والأمان.

بالجِدّ والإصرار والصبر والصدق والإخلاص سنحقق ذلك كله بإذن الله، لن نحققه بالأمل والرجاء وحده ولا بالأمانيّ والأحلام، بل بالعمل الجادّ المخلص وبالتوكل الحقيقي على الله، سنحققه بمشيئة الله ولو طال الطريق.

===========================

موقفنا: أي كلام منمق جميل كان ينقص الشعب السوري .. حول مدونة : لا أحد بريء .. المعنونة بمدونة السلوك

زهير سالم

21/ 3/ 2019

مركز الشرق العربي

بعد عياط ومياط يزعمون أنه دام أكثر من عامين ؛ رفع المشرفون على مجموعة من السوريين طرف الستارة عن مدونة زعموا أنها مدونة سلوك للعيش المشترك . وأنها مدونة تم التوافق عليها بين سوريين وسوريين!!

وزعم الزاعمون أن عدد القائمين على المدونة يبلغ أربعين سوريا ، وأنهم من كل أطياف المجتمع السوري ومن المعارضة ومن الموالاة ، ومن الداخل ومن الخارج ، ومن أبناء السهل والجبل ، ومن أهل اليسار والفقر ، ومن أصحاب اليمين ومن أصحاب الشمال ..

المريب في الموضوع أن القائمين على طبخة المدونة يتسترون حتى الآن على أسماء الموقعين عليها لسبب لم تتضح بعد وجه المصلحة فيها . إلا أن العرب تقول : يكاد المريب أن يقول خذوني . وإن كان التسريب المتعمد لم يخف حقيقة " مَن ؟ " و " لماذا ؟ " و" كيف ؟ "

ليس من الحكمة أن يسارع العاقل إلى اتهام الناس ولا إلى لمزهم ولا إلى النيل منهم فما داموا يملكون شهادة ميلاد سورية فمن حقهم أن يجتمعوا " أربعين " .. وفي اجتماع الأربعين في بلد يحرم قانونه اجتماع الخمسة منذ أكثر من نصف قرن دلالة وأي دلالة ؛ وفي رمزية الأربعين عند الذين يعتبرون الأرقام رموزا للحقائق الكونية الكبرى ما يعجز عنه علم القاصرين . نقول من حق السوريين أن يجتمعوا ومن حقهم" أن " يفكروا " وأن " يقدروا " وإن كنا نظن أن الحوارات لو دارت في صالات دمشقية لكانت أولى بالدلالة وبالمصداقية وأولى بالإصغاء لمن يريد الحق وليس ابن عمه أو يريد أن يدير الخطاب على قاعدة ( تعا ولا تجي ) ...

من حق كل سوري ولو بالميلاد أن يدلي بدلوه ، وأن يعبر عن رأيه ، ولكن ليس من حق أي سوري أن يدّعي وليس من حق أي سوري أن يشهد على سوري آخر بالزور..أن يدعي أنه يمثله أو أنه يلزمه في شيء

وسأفترض أن المدونة قد خرجت للتو من أدراج " علي مملوك " أو " سهيل الحسن " أو حتى " قاسم سليماني " أو " لافروف " أو " من الضاحية الجنوبية " كل هذا لا يهم لأن من شأن العاقل أن يستمع للعقلاء ولغيرهم ، وللمحقين وللمبطلين على السواء ..ثم

لنقل إنه جميل كل ما في المدونة من كلام منمق جميل ..

ولكن متى كانت الحياة " القومية " أو " الوطنية " أو " السياسية " أو " الاقتصادية " أو" الاجتماعية " أو " الثقافية " في سورية ينقصها الكلام المنمق الجميل ..؟!

متى أعلن الطائفيون في سورية طائفيتهم دثارا مع أنها كانت دائما حسب لغة العرب شعارا يباشر الجسد ويلامس الشغاف ..

هل نقصهم يوما " بيان " أبلغ من كل ما في أخوية " المدونة " من بيان .. الوحدة القومية والوحدة الوطنية والوحدة الاجتماعية والتعددية السياسية والديمقراطية والتشاركية وحقوق الإنسان وعلمانية المفتي حسون وأنه مفتن لكل الأديان والمذاهب وليس للمسلمين وأهل السنة فقط ، فهو حسب ما تتطلبه المدونة المفتي العام مثله مثل الأمين العام ..

سورية الجمهورية الوراثية لم يكن ينقصها ديموقراطية ولا تعددية ولا وحدة وطنية قبل المدونة وما كان فيها أبلغ وأجمل من كل ما نمقه المنمقون..

التناسل الوراثي الجمهوري حيث الشعب ينتخب النطف التي لم تخلق بعد ، لم يكن في القصر الجمهوري فقط ..التناسل الديمقراطي الوراثي كان في سورية الأسدية في كل سرير وفي كل مؤسسة في القصر الجمهوري وفي وزارة الأوقاف وفي السفارة السورية الشكورية في باريس مثلا حيث ورثت لمياء اجوزيف على مرأى ومسمع من الديموقراطية التشاركية القومية الوطنية البروليتارية الاشتراكية التعبوية للصمود والتصدي والتوازن الاستراتيجي .. أليس هذا الكلام المأكول الذي يلوكه كل من يتحدث عن حل على طريقة أوباما وترامب وبوتين والولي الفقيه .

ماذا كان ينقصنا في سورية من دفء هذه الشعارات وحميميتها وتعبيرها عن "كلنا الوطني " الذي كان يعلق في كل أسبوع مائة شاب على أعواد المشانق على مدى عشر سنوات ؟! مائة شاب من المنغصين على الوحدة الوطنية المتمردين على مواضعات مدونة السلوك ؟! . الحقيقة أعلاه من اعتراف وإقرار وزير الدفاع المتباهي بعمليات الإعدام وليس من ادعاءات معارض طائفي مأزوم .. وزير الدفاع المنمق بفن الطبخ والمنمق بتعقب الجميلات .

الكلام المنمق الجميل المرصوف في المدونة يضحك به بعض من نمقه على بعض من تاه في بيدائه .. أما قول الزور المردود على أهله وعلى كل من قاربه وأقر به وشهد عليه . فهو زعم الموقعين على ما دُبج لهم أنه " لا أحد بريء" في المشهد السوري!!

لا أحد بريء .. لا أطفال درعا ..

لا أحد بريء لا حمزة الخطيب .. ولا هاجر الشرعي

لا أحد بريء ... ولا الأطفال الذين مزق رئاتهم السارين .. ومن ثم الكلور ..

لا أحد بريء .. ولا أولئك الذين قصفوا في حواضن خداجهم في المستشفيات ..

أو طمروا تحت أنقاض بيوتهم ..

لا أحد بريء .. ولا غياث مطر ولا صاحب الحنجرة المصطلمة لأنه غنى للحرية ..

لا أحد بريء ... ولا ضحايا البراميل المتفجرة للطيار الأسدي ..

لا أحد بريء .. ولا أولئك الذين دهمهم هوام الأرض في ديارهم ومساكنهم وقراهم وحقولهم يطالبونهم بثارات الحسين .. ثارت مشهد لم يعيشوه ودم لم يسفكوه ..!!

لا أحد بريء في المشهد السوري حتى أولئك الذين أخذ لافروف على نفسه عهدا منذ 2012 " أهل السنة " والتعبير له وليس لي وأنهم لن يحكموا سورية لأنهم يشكلون خطرا ..

لا أحد بريء ... ولا أولئك الذين جرب فيهم شويغو وزير الدفاع الروسي 361 سلاحا استراتجيا ..

لا أحد بريء ... ولا النساء المغتصبات اللواتي كانت جريمتهن الكبرى أنهن خلقن إناثا وفي عهد الوحدة الوطنية وعهد أصحاب مدونة السلوك الجميلة ..

لا أحد بريء .. ولا أحد عشر ألف إنسان وثق سيزر الجميل طرائق موتهم الجميلة ".. التي يحق لكل آدمي شهدها وامتنع عن وقفها وهو قادر أن يباهي بها ..

لا أحد بريء ...لا مئات الألوف من الشهداء الذين قتلوا ..ولا ملايين السوريين الذين هُجروا ..لا الأطفال تدمر مدارسهم ، ولا الأمهات يشردن من محاضنهم ...

لا أحد في المشهد السوري بريء ....

 حسب شهادة شهود" مدونة السلوك " الأجمل يوقع عليها ثلة من شهود الزور ... الأقبح في شهادة الزور على مر التاريخ ..

اللهم انزل سخطك وغضبك على الذين يبغون في الأرض بغير الحق ..على الذين يقتلون الناس .. وعلى الذين يعذبون الناس .. وعلى الذين يشردون الناس .. وعلى الذين يستعبدون الناس .. وعلى الذين يشهدون بالإفك والزور على الناس ..

________________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

إيران والأسد: مشكلة روسيا في سوريا

فايز سارة

الشرق الاوسط

الخميس 21/3/2019

تسجل مناسبة الذكرى التاسعة لثورة السوريين بدايةً لعام تاسع في وقوف موسكو إلى جانب نظام الأسد، وهو موقف قاد (إلى جانب عوامل أخرى) موسكو في أواخر عام 2015 إلى انخراط روسي أعمق في الوحل السوري، عبر التدخل العسكري المباشر، والانضمام إلى تحالف ثلاثي يجمع روسيا ونظام الأسد وإيران لمنع احتمالات سقوط الأسد وهزيمة إيران في سوريا.

غير أن مناسبة وقوف روسيا إلى جانب نظام الأسد لهذا العام لها طعم ونكهة مختلفة، بما تحمله من مشكلات تحيط بعلاقات روسيا مع نظام الأسد وحليفه الإيراني، تمثل الأهم في إطار مشكلات أحاطت بتدخل روسيا في سوريا، وأخذت في التفاقم والتصاعد بعد تدخلها العسكري وصولاً إلى اللحظة الراهنة. وإذ توزعت المشكلات بين داخلية وأخرى خارجية، فقد كان من السهل على موسكو معالجة مشكلاتها الداخلية، بل إنها وظفت بعض مشكلاتها الجديدة في معالجة مشكلات مزمنة.

وركزت في جانب آخر على إشارات منها لمجيء متطرفين من الشيشان إلى سوريا، فيما كانت تروج تقارير عن دور موسكو للتخلص منهم عبر تسهيل مرورهم. ومن الأمثلة أيضاً، أن جعلت موسكو تكاليف عملياتها العسكرية في سوريا جزءاً من ميزانية التدريب للقوات الروسية، وجعلت من تلك العمليات ميداناً للإعلان عن الأسلحة الروسية وترويجها في العالم، وحولت اتفاقاتها مع نظام الأسد، التي تعددت مجالاتها السياسية والعسكرية - الأمنية والاقتصادية إلى قوة داعمة لسياساتها، تساعد في استراتيجية تمدد روسيا شرق المتوسط.

وإذا كانت موسكو حولت مشكلات داخلية إلى إيجابيات، أو همشت تلك المشكلات، فإنها فعلت شيئاً قريباً في التعامل مع مشكلات خارجية تتصل بتدخلها في سوريا، وهذا ما حصل في معظم علاقاتها الدولية والإقليمية المتصلة. ففي العلاقة مع الولايات المتحدة، استطاعت موسكو الحصول على تفويض أميركي لسياستها السورية، ولم يكن يعيب هذا التفويض تصريح أميركي هنا أو هناك؛ اضطرت موسكو لمسايرته حيناً، أو الرد عليه، أو تجاهله في أحيان أخرى، لكنها في مطلق الأحوال حافظت على خط اتصال وتوافق مع واشنطن في الموضوع السوري. وقريباً من هذه السياسة، تواصلت سياسة موسكو مع الدول الأوروبية، التي لا شك أنها تربط سياساتها، خصوصاً في الموضوعات الساخنة، بالسياسة الأميركية، ولا تستطيع الانشقاق عنها، وإن كانت تأخذ لنفسها هوامش، فإن الهوامش المتصلة بمواقفها من السياسات الروسية في سوريا لم تكن كبيرة إزاء الموقف الأميركي.

وخلاف فكرة الليونة والوقوف في نقطة الوسط في التعامل مع المشكلات الناجمة عن تدخلها في سوريا مع الأميركيين والأوروبيين، فقد اتخذت موسكو موقفين حادين في تعاملها في المحيط الإقليمي. فمن جهة أولى خففت تلك المشكلات، وتجاوزت الساخن فيها مع كل من تركيا وإسرائيل، بحيث حولتهما إلى شريكين مدللين، رغم بلوغ مشكلات موسكو مع كل واحد منهما مرات حدود الانفجار العسكري، ودعمت مساعي تركيا لتعزيز وجودها ودورها في القضية السورية، وأطلقت يد إسرائيل العسكرية في سوريا. ورغم أن الأمر في الحالتين، لا يتعلق فقط بالموضوع السوري، فإنه لا يمكن إغفال الأخير في الموقف الروسي من السياستين التركية والإسرائيلية.

والموقف الروسي الإقليمي الآخر، يمثله تعامل موسكو مع البلدان العربية، التي اتخذت موقفاً مضاداً لنظام الأسد وللتدخل الإيراني، وقد اتخذت موسكو موقفاً متشدداً في تعاملها مع هذه البلدان، بل إنها رفضت مرات مناقشة مواقف وسياسات روسية مع تلك البلدان، قبل أن تلجأ موسكو مؤخراً إلى ترطيب علاقاتها الخليجية عبر الجولة الخليجية الأخيرة لوزير الخارجية الروسي لافروف في تمهيد لجولة رئاسية روسية في بلدان الخليج العربية، ما يمكن أن يبدل القواعد الروسية في التعامل مع مشكلات روسيا الخليجية.

وكما هو واضح، فإن أغلب مشكلات موسكو المتصلة بسوريا، تمت معالجتها، أو استيعابها، وربما تحويلها إلى إيجابيات، بخلاف مشكلات موسكو مع كل من إيران ونظام الأسد، التي أخذت مساراً مختلفاً، فاتجه معظمها للتفاقم، بل إن التعبير عن بعضها وصل إلى حد صراعات علنية ومباشرة.

ويمتد إطار المشكلات الروسية مع الحليفين في كل الاتجاهات؛ إذ هناك خلافات حول إطار حل الصراع في سوريا، واختلاف في الموقف من بقاء بشار الأسد على رأس النظام، وخلافات حول طبيعة النظام وعلاقاته الإقليمية والدولية، وخلافات حول عودة اللاجئين، وفي موضوع إعادة الإعمار، ووجود القوات الأجنبية على الأرض السورية. وثمة خلافات تتعلق بإعادة تنظيم القوى المسلحة والأمنية، وكله بعض من مشكلات تتسع وتتصاعد، رغم أن جهوداً مختلفة، خصوصاً من الجانب الروسي، تبذل لإبقاء الخلافات والصراعات في حدود، إن لم يكن بالإمكان معالجتها.

وطبقاً للوقائع، فإن من الصعب، بل من المستحيل، قيام روسيا المحكومة باعتبارها إحدى أكبر وأقوى الدول في العالم بجعل سياساتها تساير سياسات ملالي إيران ونظام الأسد، وأن تصبح أداة في أيديهم على نحو ما يرغبون، وهو العامل الأساسي الذي يباعد اليوم بين روسيا وحليفيها. والعامل الثاني، هو أن روسيا لديها رؤية حول القضية السورية وفق «آستانة» و«سوتشي»؛ تقوم على تفاهمات ومفاوضات وإجراءات مع أطراف مختلفة وصولاً إلى حلول سياسية، ولديها أيضاً بدائل تتشارك فيها مع قوى دولية وإقليمية على نحو ما هو «مسار جنيف»، لكن نظامي الملالي والأسد، يعارضان الإطارين، وليس لديهما سوى استمرار سياسة القوة والإرهاب لإخضاع السوريين، وفرض وجودهما على المجتمع الدولي، بل الأسد في أكثر من تصريح له، أكد أن الجميع سوف يقبلون به، وبعضهم «سوف يعتذر». ولعل هذا يبين جوهر مشكلة روسيا مع حليفيها الإيراني والسوري.

===========================

من الذاكرة، درعا أمّ البدايات!

حسان الأسود

سوريا تي في

الخميس 21/3/2019

"على هذه الأرض ما يستحقّ الحياة، أمّ البدايات وربّما أمّ النهايات"، ذاكرة تصنعنا ولا نصنعها، حلمٌ يحاول الهرب من بين ضلوعنا إلى قفصٍ آخر أقلّ اضطراباً.

كان يوماً معتاداً من أيام الربيع، بل كان أقرب إلى الرتابة لولا أن شاهد الصديقان حوّامات سوداء في السماء لأوّل مرّة بهذا الشكل الغريب، بسرعة أحصياها وكانت ثمانية، ما الخطب؟ ماذا يجري؟

كانا في جولة بسيطة على أطراف المدينة يتخيّلان ما يمكن أن ينتج عن تلك الهبّة السريعة لنار البوعزيزي في قلبيهما قبل ثيابه، وكيف كانت زيارتهما الأسبوع الفائت إلى ساحات دمشق لمقارنتها بميدان التحرير وما يصلح منها للمليونيّة القادمة إن تحقّقت الأمنيات.

لم يكّذبا خبراً وبسرعة استدارا باتجاه مركز المدينة علّهما يجدان ضالّتهما في الوصول إلى رأس النبع وهكذا كان، حرائق مشتعلة وأصوات هادرة آتية من الجنوب من جهة البلد.

يستذكران الآن خلال أحاديثهما المتقطّعة بين شهر وآخر أين كانت توقّعاتهما صائبة وأين كانت خائبة، أين حالفهما الحظّ وأين تعثّرت خطواتهما وكبت جيادهما.

قبل كلّ هذه الأحداث المتسارعة كان كاتب هذه السطور قد راجع فرع الأمن السياسي بناءً على استدعاء مهذّب قابلَ إثره نائب رئيس الفرع، ودار الحوار بكل الشكّ بين طرفيه عن مآلات الأحداث الجارية في المنطقة، من تونس إلى مصر مروراً بليبيا واليمن. كانت أجهزة أمن النظام تتحسّب على ما يبدو لحالة مشابهة لما حصل في دول الجوار أو لتحرّكات ما، وقد بادرت تلك الأجهزة إلى استدعاء كلّ من كانت عليه إشاراتٌ أو تحت اسمه خطوط ما تدلّ على إمكانيّة مشاركته أو قيامه بأدوار قياديّة أو تحريضيّة على الأقل في المستقبل.

جميع المصنّفين لدى المخابرات معارضين أو غير موالين لهم صلاتٌ بينيّة بشكل أو بآخر

كان أغلب الذين تمّ استدعاؤهم يعرفون بعضهم بعضاً، فجميع المصنّفين لدى المخابرات معارضين أو غير موالين لهم صلاتٌ بينيّة بشكل أو بآخر. لقد كانت الأحاديث بينهم وبين ضبّاط المخابرات متشابهة إلى حدّ بعيد، فالأسئلة كانت بمثابة استطلاعات للرأي وجسّ للنبض عند الناس، ومن جهة ثانية كانت رسائل تهديد واضحة للجميع بأنّهم تحت المجهر.

كان العديد من المحامين والمهندسين والأطباء وغيرهم من الشابّات والشباب يحاولون التجمهر والتجمّع في الساحة المقابلة للقصر العدلي بدرعا، وكانت محاولاتهم تبوء بالفشل بسبب كثافة الانتشار الأمني الذي كانوا يرونه بأعينهم.

مرّات عديدة فشلوا بالتجمهر، إلى أن أتى اليوم الموعود في 18-3-2011 بعد صلاة الجمعة، فمن مسجد الحمزة والعبّاس في درعا البلد انطلق المصلّون بعد انتهاء الصلاة باتجّاه المسجد العمري حيث لا تزيد المسافة عن الخمسمئة متر، والتقوا هناك ببقيّة المصلّين.

يا له من مشهد رهيب، كان الناس يهتفون بكلمات غريبة لم يعهدوها من قبل، بل كادت تنساها العقول والحناجر!

حرّيّة حرّية ... يا الله كم كان المشهد مهيباً وصاخباً، غريباً وحماسيّاً، مرعباً ومشجّعاً بنفس الوقت! لقد كان الناس يشعرون بأنفسهم في تلك اللحظات كمن يطير في الهواء بلا جنحين، بمجرّد الصراخ والهتاف، بمجرّد المسير في الشارع العام مجموعات غير مسوقة بعصى السجان ولا بمراسم السلطان، بل ضدّهما بكلّ وضوح وجرأة.

كثير من التفاصيل تغيب وتُمحى من الذاكرة بسبب الكم الهائل من الصور والأحداث، فما مرّ خلال هذه السنوات الثمانية شيء يفوق الخيال، بل إنّ الكثير من السوريين الذين تربط بينهم صداقة أو معرفة تراودهم نفس الخواطر بأنّ ما حصل ليس أكثر من كابوس أو حلم مزعج طويل لكنه سينقضي عندما يصحون من نومهم!

بعد التقاء الجموع في الشارع العام بدأت الأصوات تعلو أكثر فأكثر وبدأت الشجاعة تدبّ في قلوب الخائفين والمترددّين وبدأت المظاهرات تكبر والناس تلتحق بها من كلّ حدب وصوب، وما هي إلّا ساعات حتى بدأ الناس يتوافدون إلى ساحة المسجد العمري من أربع أنحاء المدينة ومن بعض القرى القريبة التي سمع أهلها بما حصل.

بعد مشاهد الدمار التي تنقلها شاشات التلفاز الآن، وبعد أن باتت سهول سوريا الواسعة ومدنها الجميلة مقطّعة الأوصال بفعل قوّات الجيش العربي السوري الباسل الذي عاد على جنحان القوى الفضائية الروسية وحراب الميليشيات الطائفية وأموال بعض دول الخليج وبإرادة الأمريكيين والإسرائيليين، يتساءل المرء عن جدوى كل ذلك، وهل كان الناس سيقدمون على هذا الفعل الخارق للطبيعة لو عرفوا أن ثمن الحريّة سيكون بهذا الحجم من التضحيات وبهذا القدر من ألم المخاض العسير الذي لم ينتج عنه سوى الدمار والتشرّد وعودة الديكتاتور منتصراً على بقايا السوريين وعلى حطام سوريّتهم؟

ما كان ليخطر على بال أيّ ممن شارك في مظاهرات ذلك اليوم أنّ الأمور ستنتقل إلى هذا المستوى المهول من العنف، وما كان ليدرك أحدٌ منهم - رغم الإحساس العميق والخوف الكبير من ذلك – أن العالم سيصمت بل سيشارك في هذا الهولوكوست السوري، وما كان ليخطر على بال أي كان أنّ الوريث الأهبل قادرٌ على اللعب على جميع الأوتار ومصالح دول المنطقة والدول الكبرى لضمان استمراره في الحكم دون أن يكون قادراً على التنازل قيد أنملة لمن يحكمهم بالوراثة عن أبيه دون أدنى استحقاق!

لم تكن مطالب المتظاهرين في ذلك اليوم محدّدة، بل مجرّد تعبير عن مكنونات الصدر الحبيسة منذ عقود. لم تكن صرخات حناجرهم لأجل استعادة الأطفال المعتقلين فحسب، ولا لمجرّد الوقوف بوجه جلاوزة النظام الذين استباحوا كل المحظورات وداسوا كل القيم والأعراف، بل كانت لاستعادة أصواتهم ذاتها التي غيّبتها سنوات القهر والاستعباد، لاستعادة حيواتهم ذاتها التي سلبتهم إياها مشيئة السفّاح وسياط الجلّاد.

خارت قوى عناصر الأمن وقوّات حفظ النظام وقوّات مكافحة الإرهاب التي استدعاها على عجلٍ وجاءت بالحوّامات، لكن قوى الصبايا والشباب المتقدين حماسة وعنفواناً لم تخُرْ، وبقيت شعلتهم تلك الليلة متّقدة في ساحة المسجد العمري. كان اليوم الأوّل مفجعاً بسقوط أوّل شهيدين في الثورة محمود الجوابره وحسام عياش، ولم تتوقف فجيعة الأمّهات السوريّات منذ ذلك اليوم وحتى اللحظة.

انقسم الناس فرقاً ومللاً، بين من يروي التفاصيل وبين من يخطّط ليوم غدٍ، بين من يحضّر الأكفان للشهيدين وبين من يشحذ الهمم للمضيّ قُدماً فيما بدأ اليوم في غفلة من عين الرقيب، بين من يهدّئ الحماسة من كبار السن ومن يوقدها من الشباب، بين الخائفين من المجهول والمقتحمين عباب هذا اللجّ العميق من المتعة والخوف والفرح والحزن والغبطة والألم.

كان يوماً لا مثيل له، عيونٌ مغرورقة بالدمع حزناً وأخرى متّقدة بالحماسة فرحاً وغيرها متوهّجة كالجّمر غضباً، هذا ما كان يشاهده الصديقان في تجوالهما بين الجموع المحتشدة وتنقّلهما عبر منصات الخطابة التي نُصبت في ذلك اليوم على عجل مستندة إلى جدار الجامع الحجري مطلّة على بقايا مدرّج روماني وآثار أقدم تجاوره عمرها آلاف السنين.

وفي طريق العودة من البلد إلى أحياء المحطّة حيث يسكنان لم يتوقّف قلباهما عن الخفقان كطائرين ذبيحين لا يعرفان ما يخبّئ لهما الغد المنتظر، لكنّهما بلا أي تردّد حسما أمريهما وحضّرا كلّ ما يلزم لتسجيل الأحداث في ذاكرة آلات التصوير وأجهزة الهاتف الجوال وتاريخٍ سيمتلئ كلّ يوم بملايين الصور والمشاهد المتعاقبة.

مع خلاصة هذا اليوم، يكون قدّ مرّ على هذه الأحداث ثمانيةُ أعوام، ومن قداسة هذا الدم المهراق خطّ "الصاعدون إلى حتفهم باسمين" صحائف جديدة في تاريخ سوريا والمنطقة، ورغم كلّ الخراب والدمار وتكالب "الأصدقاء" قبل الأعداء، مازالت هذه الصحائف تُكتب، وستبقى كذلك، لأنها باتت حجر الأساس لأبجديّة الشعوب التوّاقة إلى الكرامة والحريّة، وقبل أيام فقط عاد لتلك الساحة وهجُها، وتزيّنت حجارة العُمري بظلال شبابها، وصدحت كأوّل يوم حناجر من بقي من ثوّارها بهتافات اليوم الأقدس قبل ثمانٍ طوال، وها هي تجوب البلدان ليخطّ أخوةٌ لنا في الجزائر والسودان معنا بقيّة الحكاية. نعم، نحن من رفع شعلة البوعزيزي عالية وما زلنا، ونعلنها - نحن السوريّين الواقفين على خطوط الثورة- ملء الحناجر والأفئدة: لم نُهزم، ولن نُهزم، وستبقى جذوة الثورة فينا إلى أن نُنجز الكرامة والحريّة لكلّ السوريّين، حتّى من خاف منهم وتولّى.

===========================

الثورة السورية.. مواجهة المستحيل

علي العبدالله

العربي الجديد

الاربعاء 20/3/2019

مع دخول الثورة السورية عامها التاسع، كثرت القراءات والتقويمات التي كتبها كتّاب ومثقفون ممن لعبوا دورا في المعارضة ومؤسساتها؛ ركز معظمها على العامل الذاتي، وما اعتراه من نقاط ضعف وقصور على الصعيدين، السياسي والعسكري.

قراءة العامل الذاتي وتقويمه مطلوبان ومفيدان، لكن الاكتفاء بهما يقود إلى تقديم صورة ناقصة، على صعيد أسباب تآكل الثورة وتراجعها إلى حدود الفشل في تحقيق أهدافها؛ وإلى أحكامٍ قاصرة على صعيدي الواقع والخيارات، ما يحتّم قراءة العامل الموضوعي وتقويمه، والكشف عن الدور الذي لعبه في مسار الثورة وتطوراتها ومآلاتها، كي تكتمل الصورة، وتكون الاستنتاجات أقرب إلى الموضوعية.

انفجرت ثورة الحرية والكرامة في لحظة سياسية دقيقة وحرجة على المستويات، المحلي والإقليمي والدولي. على المستوى المحلي، كانت سورية عالقةً وسط متغيرات داخلية وعربية كبيرة وخطيرة: إجهاض ربيع دمشق، وعودة القبضة الأمنية الثقيلة؛ الانخراط في تحوّل اقتصادي نيوليبرالي، جفاف استمر سنواتٍ، قاد إلى انهيار قدرة الفلاحين على مواجهة تبعاته في ظل تجاهل السلطة معاناتهم، تبعات اغتيال رفيق الحريري، وما جره من عزلة سياسية، عربية ودولية؛ والانسحاب من لبنان تحت ضغط قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1559؛ مقاطعة خليجية، وحجب الدعم المالي، وتقييد دخول العمال السوريين، ما زاد الوضع الاقتصادي سوءا على سوء، ترتب عليها لجوء النظام إلى توثيق علاقاته بدول الجوار غير العربية: إيران، تركيا، ما فتح باب التنافس بينهما للسيطرة والهيمنة على البلد سياسيا واقتصاديا، وهذا، مع العامل الإسرائيلي، الحاضر بقوة في الحسابات المحلية والإقليمية والدولية، جعل المستوى الإقليمي خطرا على صعيدي الاستقرار والمردود السياسي والاقتصادي تحت تأثير صراع مثلث القوى: إيران وتركيا وإسرائيل، وغياب موازن موضوعي لانعكاساته السلبية في ضوء تآكل الوزن والدور العربيين.

وكان المستوى الدولي ينذر بتحولاتٍ ومخاطر جمة، في ضوء وجود عشرات القضايا الساخنة

"قاد الانخراط الإقليمي والدولي وتناقض المصالح إلى تعدّد الخيارات وتعقدها" والملفات العالقة: الغزو الأميركي لأفغانستان 2001 والعراق 2003 ونتائجه الكارثية على الدولتين، وعلى الدولة الغازية، 4000 قتيل و ثلاثة تريليون دولار، وتبعاته على السياسة الخارجية الأميركية: ميل إلى تقليص الدور الدولي، والعمل على صياغة ترتيبات إقليمية قائمة على توازنات قوى، وتوزيع أدوار يتيح التخفف من الالتزامات التقليدية في الإقليم، والاحتفاظ بالمصالح وحمايتها في الوقت نفسه، ارتفاع حرارة الصراع على القرار الدولي بين التحالف الغربي والقوى الدولية الصاعدة التي تسعى إلى تفكيك الهيمنة الغربية وإقامة نظام دولي متوازن ومتعدد الأقطاب: روسيا، الصين، منظمة شنغهاي، البريكس.

تجسّد الصراع في تسارع تمدد حلف شمال الأطلسي (الناتو) في دول شرق أوروبا لتطويق روسيا، الرد الروسي بالهجوم على جورجيا 2008، واحتلال أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية وفصلهما، العمل على محاصرة الصين اقتصاديا بـعقد "اتفاقية التجارة الحرة عبر الهادئ"، الرد الصيني بتعزيز حضورها في بحري الصين الشرقي والجنوبي، بمد حدود مياهها الإقليمية، ونشر قواتها في جزر اصطناعية، مجموعتي جزر سبارتلي وبارسيل، وتعزيز قدراتها البحرية ببناء حاملات طائراتٍ لمواجهة الضغط الأميركي، والتأثير على مواقف دول حليفة للولايات المتحدة، تطالب ببعض هذه الجزر، وترفض مد الصين إلى حدود مياهها الإقليمية؛ لأنه يعيق حرية التجارة، تمر به سلع قيمتها خمسة تريليونات دولار، ناهيك عما في قاعهما من نفط وغاز، تنفيذ مشروع "الحزام والطريق" الذي سيربط الصين بدول وقارّات للتخلص من الطرق البحرية التي تسيطر عليها الولايات المتحدة.

لذا أحدث انفجار الثورة هزاتٍ زلزالية وارتدادات ضربت في العمق معادلات قائمة، استثمرت فيها قوى إقليمية ودولية؛ وأثارت هواجس هذه القوى ومخاوفها لما يمكن أن يحدثه المتغير السوري من انعكاساتٍ على خططها واستثماراتها، ما دفعها إلى التحرك، والتحكم بتطورات الحدث وتداعياته ومآلاته، فالنظام أدرك مغزى خروج المواطنين للمطالبة بالإصلاح، ثم بالتغيير الشامل، على شرعيته، وانعكاس ذلك على دوره وقواه ورعاته وحماته، فأطلق آلة القمع، لاستعادة المبادرة، وتثبيت المعادلة القديمة، وإنهاء الثورة، وإعادة المواطنين إلى بيت الطاعة. إيران وتركيا، اللتان دخلتا، في العقد الأخير، في صراع مباشر على سورية، عملتا، كل لاعتباراتها الخاصة، على دفع الأوضاع على الساحة السورية إلى خدمة مصالحهما، فإيران التي تتوجس من عودة الموجة الخضراء فيها، من جهة، وخوفها على استثماراتها في سورية ولبنان، من جهة ثانية، غذّت توجه النظام إلى رفض مطالب المواطنين؛ واستخدام القوة لسحق الاحتجاجات، قبل أن تلجأ إلى دفع منظماتٍ مسلحةٍ شيعيةٍ لخوض حرب بالوكالة (حزب الله اللبناني، لواء أبي الفضل العباس، عصائب أهل الحق، كتائب حزب الله العراقي، لواء بدر والحرس الثوري الإيراني)، دعما للنظام الذي ظهرت عليه عوارض الإنهاك والتهلل 

"أحدث انفجار الثورة هزاتٍ زلزالية وارتدادات ضربت في العمق معادلات قائمة" العسكري، متذرعةً بمشاركة حركات إسلامية سنّية تكفيرية وإرهابية. وقد سعت تركيا إلى إقناع النظام بالاستجابة لمطالب التغيير وإجراء إصلاحات تشيع الديمقراطية؛ بما في ذلك إشراك المعارضة في صياغة القرار الوطني، قبل أن تنخرط، ردا على رفضه نصحها، في دعم المعارضة لإسقاطه. إسرائيل التي لم تنس حالة الهدوء التي وفرها عقودا على حدود الجولان المحتل؛ ودوره في إضعاف الموقف الفلسطيني، في ضوء شقه لصفوف الحركة الوطنية الفلسطينية، اعتبرت التغيير كارثةً سياسية، فتبنت استثمار الحدث، لتدمير إمكانات الدولة السورية، ما يستدعي عرقلة الحسم لصالح أيٍّ من الطرفين، لذا وظّفت نفوذها الدولي، للإبقاء على المذبحة والتدمير مستمرّين. رأت دول الخليج في الثورة السورية فرصة وخطرا، فرصة للانتقام من النظام، على خلفية تحالفه مع إيران وتركيا، ودوره في اغتيال الحريري، ولإخراج إيران من سورية، وخطرا لاحتمال قيام نظام ديمقراطي في سورية، وانعكاسه على المستوى العربي وداخل دولها، فتحرّكت على مستويين: شراء النظام أو إسقاطه وتهجين الثورة (مد الثورة بالمال والسلاح والتحرّك سياسيا في خدمتها، واللعب داخلها لصياغة توازن قوى، يدفع بترجيح كفة قوى لا تتبنّى الخيار الديمقراطي). روسيا، الدولة التي تعاني من تبعاتٍ جغرافية سياسية؛ وتضييق غربي عبر تمدد حلف الناتو إلى حدودها الغربية، اعتبرت إسقاط النظام خسارة جسيمة لفرص وجودها في المياه الدافئة، وخطرا داهما قد يحرّك أحجار الدومينو في محيطها القريب، خصوصا في إيران ووسط آسيا، فاستنفرت إمكاناتها السياسية والتسليحية والخبرات التقنية لدعم النظام وتثبيته.

الغرب، بجناحيه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وجد نفسه في موقف حرج فهو مع استثمار ثورات الربيع العربي لتكريس القيم الغربية: الديمقراطية وحقوق الإنسان والسوق الحرة، وللضغط على إيران وروسيا، وضد التغيير في سورية خدمة لإسرائيل، وخوفا من تداعيات انتصار الثورة على مصالحه في دول الجوار (لبنان والأردن ودول الخليج)، ما دفعه إلى اللعب على الوقت والتناقضات، خصوصا انقسامات المعارضة وبروز جناح إسلامي داخلها، وآخر متشدّد وفد من خارجها، والعمل على استمرار الصراع لاستنزاف الخصوم (إيران، روسيا، الجماعات الإسلامية المتشددة) وعدم السماح بحسم عسكري في الصراع، بانتظار نضج شروط عقد صفقةٍ تحت سقف "لا غالب ولا مغلوب"، وإقامة نظام جديد في سورية، قائم على المحاصصة، بذريعة التعدّدية القومية والدينية والمذهبية، والخوف على الأقليات وحقوقها، نظام رخوي ضعيف التماسك، وسهل الانقياد والزعزعة، ما يجعل سورية في حالة ضعفٍ بنيوي دائم، في مواجهة التطورات الاقليمية والدولية.

قاد الانخراط الإقليمي والدولي وتناقض المصالح إلى تعدّد الخيارات وتعقدها، وإلى استمرار الصراع، وابتعاد فرص الحسم والحل. انعكس ذلك سلبا على المجتمع والدولة السوريين،

"غاية ما يمكن أن نصل إليه تحقيق بعض المكاسب على طريق مسيرة طويلة نحو الحرية والكرامة"  فعلاوة على مئات آلاف الشهداء والجرحى والمفقودين والمعتقلين، وملايين النازحين واللاجئين، والدمار الهائل في المدن والبلدات والقرى، وانهيار الصناعة والزراعة وتهتك البنى التحية والخدمية (مدارس، مشاف، كهرباء، مياه، نفط، معامل، طرق، جسور) والخسائر الاقتصادية الضخمة، قدرت بما بين 200 و400 مليار دولار، حرّك عوارض ضعف الاندماج الوطني، وهشاشة الوطنية السورية، برزت الخلافات القومية والدينية والمذهبية والولاءات ما دون وطنية، تجسّدت في تباين الرؤى والخيارات وتعددها في المجتمع، وداخل صفوف الثورة، ودعوات ومشاريع متضاربة من دولةٍ مركزية بخلفية إسلامية (دولة خلافة)، إلى دولة مواطنة وديمقراطية ومساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات إلى الفدرالية إلى اللامركزية الإدارية.

إذا كانت نتيجة كل صراع مرتبطة بميزان قوى، فنتيجة الثورة السورية، في ضوء توازن القوى المحلية والإقليمية والدولية، ومع تقديرنا العالي لبطولات الثوار وصمود الشعب وتضحياته الكبيرة، وأخذنا بالاعتبار الفوارق الايجابية التي كان يمكن حصولها، لو كان العامل الذاتي ناضجا وإيجابيا، لن يكون نصرا مؤزرا، وغاية ما يمكن أن نصل إليه تحقيق بعض المكاسب على طريق مسيرة طويلة نحو الحرية والكرامة.

===========================

السيادة السورية "المنقوصة"

رضوان زيادة

سوريا تي في

الاربعاء 20/3/2019

يعترف القانون الدولي وخاصة قرار مجلس الأمن الدولي رقم 242 بمرتفعات الجولان بوصفها أرضاً سورية محتلة من قبل إسرائيل، حيث يطالب القرار بـ "حدود آمنة ومعترف بها خالية من التهديدات أو أعمال القوة". كما أن المجتمع الدولي رفض مطالبات إسرائيل المستمرة بضم الجولان إلى حدودها، واعتاد على تمرير قرار في الجمعية العامة للأمم المتحدة بشكل سنوي ينص على سورية أرض الجولان ويطالب بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لها. بوصفها أرضاً سورية ذات سيادة.

وعلى الرغم من أن مرتفعات الجولان وهي المنطقة التي احتلتها

احتلت إسرائيل ثلثي مرتفعات الجولان الغربية وقامت بإدارتها، في حين بقي الثلث الشرقي تحت سيطرة الحكومة السورية

إسرائيل خلال حرب حزيران/يونيو 1967 وقامت إسرائيل بضمها فعلياً في عام 1981. حيث احتلت إسرائيل ثلثي مرتفعات الجولان الغربية وقامت بإدارتها، في حين بقي الثلث الشرقي تحت سيطرة الحكومة السورية، ووفق اتفاق فصل القوات الذي تم التوصل إليه في عام 1974 جرى الحفاظ على قوة للأمم المتحدة هناك بغية مراقبة فض الاشتباك في المنطقة العازلة التي تبلغ 266 كيلومترا مربعا تقريبا، وعندما أقرت إسرائيل قانون مرتفعات الجولان الذي مدد القانون والإدارة الإسرائيليتين في جميع نواحي المنطقة في عام 1981، أدان مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في قراراه رقم 497، والذي نص على أن "قرار إسرائيل بفرض قوانينها وولايتها القضائية وإدارتها في مرتفعات الجولان السورية المحتلة باطل ولاغٍ ومن دون تأثير." لكن المجتمع الدولي حافظ على موقفه برفض مطالبات إسرائيل بامتلاك الأراضي السورية في الجولان ويعتبرها أراضي سورية ذات سيادة".

منذ بداية الحرب السورية في عام 2012 تقريبا، أصبحت مرتفعات الجولان مسرحًا للمعارك المستمرة بين فصائل المعارضة المسلحة بما فيها جبهة النصرة والمقاتلون المنتمون إلى تنظيم الدولة الإسلامية وبين قوات النظام السوري وتراوحت السيطرة عليها بين الطرفين، مع حدوث بعض الحوادث الفردية في الاعتداء على قوات الأمم المتحدة الدولية الموجودة هناك، عندما احتجزت جبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة في آذار/مارس 2013  21 رهينة من أفراد الأمم المتحدة من دولة فيجي الذين كانوا جزءًا من قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك في المنطقة العازلة، كما تعرض حينها مقر الأمم المتحدة لأضرار وتم إجلاؤه بشكل كامل تقريبا، فيما بعد جرى إطلاق سراح موظفي الأمم المتحدة وجرى تأكيد الالتزام بوجود هذه القوات كما تم التجديد لوجود هذه القوات ولدورها في حفظ السلام في تلك المنطقة، كما لم يغير الوضع القانوني لهذه القوات بوصفها أراضا سورية محتلة من قبل إسرائيل.

لكن، ومع تصاعد الحرب في سوريا تصاعدت الأصوات الإسرائيلية خاصة تلك المصطفة على الجبهة اليمينية تطالب باستغلال هذه الفرصة لتعزيز إسرائيل إعلان سيادتها الكاملة

تتصاعد الأصوات داخل الكونغرس الأميركي للاعتراف بشكل كامل بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان بالرغم من الموقف الأميركي الرسمي الذي يعدّ الجولان أرضاً سورية بالكامل

على مرتفعات الجولان السوري بحيث يغير وضعها القانوني والسياسي الدولي وليس المحلي فقط، وهو ما دفع عدداً من الحكومات اليمينية مثل حكومة هاربر الكندية لعدم التصويت على مشروع سورية هضبة الجولان في الأمم المتحدة برغم من تصويت كندا التاريخي لهذا القانون وفيما بعد قامت حكومة حزب الشعب الهولندية بالأمر ذاته.

واليوم تتصاعد الأصوات داخل الكونغرس الأميركي للاعتراف بشكل كامل بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان بالرغم من الموقف الأميركي الرسمي الذي يعدّ الجولان أرضاً سورية بالكامل.

وقد قدمت مجموعة من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين القرار 567 في محاولة لتبني السياسة الأميركية الرسمية فكرة أن إسرائيل تتمتع بسيادة كاملة على ما يُعتبر أرضًا سورية محتلة في مرتفعات الجولان. وعلى رأس هذه المجموعة كان السناتور تيد كروز العضو في الحزب الجمهوري والمرشح الرئاسي السابق للبيت الأبيض، أما في مجلس النواب فيتزعم هذه الجهود عضو مجلس النواب عن الحزب الجمهوري أيضا مايك غاليغر من ولاية وسكنسن وفق مشروع القرار رقم 1372، وقد اكتسبت هذه الحركة زخماً في العام الماضي داخل الحزب الجمهوري بسبب مواقف ترمب المؤيدة لإسرائيل ضد حقوق الشعب الفلسطيني وعلى رأسها نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، ووقف التمويل للأونروا، وتخفيض تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن حتى إغلاق مكاتبها كلياً وأخيرا إلحاق شؤونها بالسفارة الإسرائيلية في واشنطن.

من المبكر القول إن مجلس الشيوخ أو مجلس النواب الذي يسيطر عليه الديمقراطيون سيوافق على مشروع القرار المقدم هذا، لكنه لابد من القول إنه للمرة الأولى يقدم مشروع قرار من هذا الشكل بحق الأراضي السورية المحتلة في الجولان بما يعتبر تشريعا للاحتلال فيما إذا ما وافق الكونغرس على مشروع القرار هذا.

لكن ما يمكن قوله هنا إن ادعاء الأسد الدائم بالحفاظ على السيادة السورية لم يعد يتعدى الشمال السوري والجولان وغيرها من الأراضي التي لن يستطيع الأسد الدفاع عنها أو الحفاظ عليها للأبد، فالأسد أنهى السيادة السورية للأبد عندما فقد الشعب السوري القدرة على الحفاظ على سيادة سوريا وحفظ كرامتها.

===========================

نطفئ شمعة لنوقد بركانًا آتيًا

 نزار السهلي

جيرون

الثلاثاء 19/3/2019

نطوي عامًا جديدًا من عمر الثورة السورية، واكبنا خلاله أحداثًا كبيرة وتطورات عديدة، رسمت مسيرة الشعب السوري وثورته، تفاعلات عميقة شهدتها الجغرافيا السورية والعالم من حولها، رسخت على ساحتها سيطرة وحشية دامية للأسد، وجعلت أنياب الدب الروسي ومخلبه تقطر دمًا، ومكّنت الاحتلال الإيراني فوق حطام السوريين، وإذا كان من المعترف به أن السوريين قدّموا أغلى التضحيات لمواجهة الطاغية وحلفائه، ومواجهة خذلان العالم كله، بما فيه خذلان من “واكب” تضحياتهم لفظًا؛ فإن الطموحات والهمم عالية جدًا، وما تزال أكبر من المنجزات التي حققها السوريون.

القضية الناشئة أمام الشعب السوري، وهو يودّع عامًا من التضحيات ويستقبل موجات قتل ودمار، أن النظام بدأ مع قوة الاحتلال الروسي رسم باقي اللوحة في الشمال السوري، لتكون مكتملة مع الحطام الكلي، وهذا يفسح أمام ثورتهم مجالات أوسع لدراسة بدائل كانت مطروحة منذ البداية، لكن وحشية النظام غطّت على كل شيء، من دون الشعور بالحاجة إلى اتخاذ قرارات من شأنها تضييق الخناق على السوريين أكثر، بعد افتضاح وحدة الجبهة المعادية لهم، عربيًا وإقليميًا.

في هذا المجال، يمكننا التقرير أن العالم أخذ يُدرك أنه لا يمكن تحقيق السلام بالعدل أو بغير العدل للسوريين، من دون معالجة جذرية لجرائم النظام التي ارتكبها بحق سورية والسوريين، جرائم هي منشأ الكارثة السورية التي بدأت قبل خمسة عقود، وشكّلت بديهة حقيقية منذ ثمانية أعوام، وصارت بالنسبة إلى بعض مراكز القضاء الأوروبي والضمير الإنساني، قناعة مستجدة ومسلّمة جديدة في التعاطي مع القضية السورية، مع اشتداد سيطرة الأسد بالحطام والنار والجثث.

يستتبع هذا بالضرورة أن كل محاولة يروّج لها المحتل الروسي، عن طريق آلة الدمار الأسدية، لإيجاد حل يتفق مع عقلية الإجرام المجربة في الأقاليم الروسية أو “السوفيتية” فوق الجغرافيا السورية للإخضاع التام، مكتوبٌ لها الفشل التام، لأسباب سورية بحتة نابعة من خصوصية وفرادة الجرائم التي ارتكبها النظام وحلفاؤه، وإذا عدنا لوقائع أعوام السوريين المنصرمة؛ وجدناها حافلة بأساليب مدموغة بالأسدية.

ثمانية أعوام، درجت معظم الدراسات على تناول جوانب مختلفة لمسلك النظام، ومنها الدعائية والأيديولوجية، لمحاولة إثبات بطلان وزيف حرية الشعب السوري، ذلك أن قياس منطق القانون وشرعة حقوق الإنسان، أو مئات الأدلة والبراهين التي تثبت انتهاك النظام للقانون الدولي وارتكابه لجرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية، هي من مظاهر المواجهة المقبلة مع النظام، وتتجاوز نظرة السوريين لأنفسهم، كمحامين يقومون بمرافعات حقوقية أمام محكمة كونية مطلقة الحياد.

وكما استثمر النظام كل مظاهر القوة والوحشية إلى أقصى حد ممكن، يجب استثمار كل مظاهر القانون الدولي والإنساني لمحاصرته وملاحقته لعدم الإفلات من العقاب، من خلال القدرة على تجنيد الطاقات إلى الحد الأقصى، وبعيدًا من التدخلات والتجاذبات التي كانت سببًا في إطفاء شموع السوريين في طريق معتم من مسيرتهم المستمرة.

عام جديد يطفئ فيه السوريون شمعتهم الثامنة، وأكثر من أي وقت مضى، يجدون أنفسهم أمام امتحان صعب يستوجب قرارات حاسمة وواضحة، قادرة على فضح الخديعة التي طالتهم، ومحاكمة النظام وأعوانه عن جرائم الإبادة الجماعية وتفريق السوريين وتهجيرهم وطمس شخصيتهم وإذابتها في مرآة الطاغية، امتحان يمكن تجاوزه في عالم اليوم، وعام الثورة الجديد، وبقدر ما أن الأمور والأحداث لم تجرِ وفق ما نرغب ونشتهي في الأعوام الماضية، لأكثر من سبب، فإن الراهن لا يجوز أن نتعامل معه وكأنه خالد وثابت وقدر لا يُرد.

أخيرًا، في عام السوريين الجديد، وفي هتافات أهل درعا ضد صنم الطاغية، يمكننا أن نجزم، وإن كان التحليل التاريخي لا يسمح بالجزم القاطع، بأن النظام في بداية التراجع والتقهقر، وهذا لا يعني أنه حقق بعض “السيطرة” وعرقل وأبطأ سرعة تقهقره وانهياره، كما لا يعني أن الثورة السورية ستكون بمنأى عن الانتكاسات المرحلية والطارئة، لكن ما تم تحقيقه هو أن التآكل البنيوي للنظام، على الصعيد الاجتماعي والثقافي والفكري والأيديولوجي والأخلاقي، نهش قلبه، حتى لو سحقت فاشيته شموع السوريين، فإنهم يتهيؤون لتثوير بركان آت لملايين الأسباب المقيمة بينهم.

===========================

جلد الثورة وأظافر الغرباء

عماد غليون

حرية برس

الثلاثاء 19/3/2019

ركزت معظم الدراسات والمقالات على وصف ومتابعة تحولات الثورة مع غياب  المعايير النقدية المنهجية وشيوع أساليب الهجوم والشتائم والتخوين بين أطياف المعارضة؛ ولم تنفع وسائل إعلام الثورة والمعارضة ولا شبكات التواصل الاجتماعي في خلق فضاء من التقارب في التشخيص، وطرح حلول جدية لمعضلة باتت مستعصية بعد تأصلها في الجسد الثوري.

بدأ تقبل التدخل الخارجي، لا بل طلبه وانتظاره منذ بدايات الثورة؛ ودفع لذلك مجريات ثورات الربيع العربي في تونس مع هرب بن علي، وفي مصر مع تنحي مبارك؛ حيث جاء ذلك تحت ضغط مظاهرات شعبية عارمة، وتلبية مطالب أمريكية مباشرة، وساد اعتقاد قوي في أوساط الناشطين والمعارضين بإمكان استنساخ التجارب نفسها في سوريا، مع انتظار إطلاق أوباما نداء الرحيل للأسد.

وقعت المعارضة في مطب استعجال تشكيل المجلس الوطني بناء على دفع الداعمين، في خطوة لاستنساخ التجربة الليبية في إسقاط القذافي؛ ثم جرى تحويلها نحو تشكيل الائتلاف الوطني لتبرير عملية تفاوضية مع النظام، تفضي كما قيل إلى عملية انتقال سياسي وفق جنيف 1، وجرى بعد ذلك تشتيت المعارضة في منصات تتبع داعميها؛ الأمر الذي مهد إلى تشكيل الهيئة العليا للمفاوضات وفق قرار مجلس الأمن 2254، وهو ما أدى إلى تحجيم صريح للمعارضة الممثلة للثورة، وتلا ذلك انطلاق مسار أستانا برعاية ثلاثية من روسيا وتركيا وإيران، ومشاركة فصائل عسكرية من الجيش الحر، ما منح النظام مكاسب ميدانية واسعة، وقزم العملية السياسية برمتها إلى حدود تشكيل لجنة دستورية.

ما تلام عليه المعارضة ليس مجرد التواصل مع دول وجهات خارجية، بل الجهل المفرط في منطق العلاقات الدولية القائم على المصالح الاقتصادية والقومية، بعيداً عن العواطف الإنسانية وحقوق الإنسان؛ وكان يفترض بها التعامل بندية لا تبعية مع الدول؛ من خلال مصالح مشتركة بما يضمن أهداف الثورة السورية والمصالح الوطنية السورية أولاً.

وقعت المعارضة في فخ استسهال إسقاط الأسد بدعم خارجي، من دون فهم الدور الوظيفي الذي لعبه النظام خلال عقود إقليمياً ودولياً؛ حيث استطاع النظام التخلص من عدة حالات حصار وإسقاط خارجي عبر تقديم تنازلات دراماتيكية في اللحظات الأخيرة، ضمن سياسة حافة الهاوية التي يجيدها، من أجل رفع الحصار الغربي.

في الثمانينات تحول النظام إلى التسويق لحرب الخليج الأولى ضد العراق، والمشاركة فيها إلى جانب قوات التحالف الأمريكي الغربي، كما استغل الملفات المخابراتية لتنظيمات القاعدة وفروعها التي قام باختراقها ثم المقايضة عليها مع الغرب بعد الغزو الأمريكي للعراق 2003، ويجهد في استغلال الملفات الأمنية لمواطني الدول الغربية في تنظيم داعش، في فك الحصار عنه وإعادة تأهيله والتطبيع معه، وهو الدور الذي يلعبه علي مملوك في اتصالاته السرية المكوكية.

لا يمكن إلقاء اللوم بالكامل على المعارضة وناشطي الثورة في التعامل مع جهات أو دول خارجية؛ فقد تعرضت الثورة بالفعل لمؤامرة وعمليات خداع وغدر منظمة من الداعمين الذين انقلبوا عن تأييدهم المعلن للثورة إلى البحث عن مصالحهم وحل خلافاتهم على حساب الشعب السوري ومصالحه الوطنية، ولم يكن هناك أي توقعات أو إمكان لإعادة تأهيل نظام الأسد، بعد كل هذه الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها بحق الشعب السوري.

رغم أنها كانت بهدف تحقيق أهداف الثورة، إلا أن وتيرة التدخلات الخارجية ازدادت نحو اغتصاب قرار الثورة واستقلاليتها، ما أدى إلى ظهور موجات واسعة من التشاؤم واليأس في صفوف الناشطين، وعزوف كثيرين منهم عن المشاركة في فعاليات ثورية، ولو أضيف ما قام به نظام الأسد من تشريع وجود قوات احتلال وقواعد عسكرية على الأراضي السورية، تبدو مهمة استعادة السيادة الوطنية والتملص من الارتباطات والضغوط الخارجية وعباءة الداعمين والممولين مهمة شبه مستحيلة في الوقت الراهن.

بداية الصحوة أن تقوم الثورة بتثبت قاعدة أساسية لا تحيد عنها، تقوم على حرمان الغرباء من مساس جلد الثورة  ونهشه، واقتصار ذلك على أبناء الثورة الأوفياء.

===========================

إيران تعاني...وأذرعها أيضاً

علي حسين باكير

سوريا تي في

الثلاثاء 19/3/2019

في كلمة له مؤخراً، اعترف أمين عام حزب الله اللبناني حسن نصرالله بوجود ضائقة مالية لدى الحزب بعد أن كان قد نفى سابقاً إمكانية حصول ذلك، مؤكّدا حينها أنّه ليس باستطاعة أي نظام مصرفي في العالم أن يشكّل عقبةً في وجه حزب الله أو يضطرّه إلى طلب أي دعم مالي.

في ذلك الحين، عبّر نصرالله عن ثقة بالغة لحزبه في تجاوز أي صعوبات مالية مفترضة مشيراً الى أنّه "طالما أنّ لدى إيران أموالاً فلا خوف على حزب الله". لكن سرعان ما انقلب الوضع، وطالب نصرالله أنصار حزبه وقاعدته الشعبية في كلمته الأخيرة بالمساندة وتقديم الدعم المالي وذلك للمساعدة الحزب على الاستمرار في أنشطته، مشيراً الى أنّه يجب التعاطي مع العقوبات ومع الجهود المبذولة لإدراج حزبه كحزب إرهابي على أنّها حرب لا بد من مواجهتها والثبات في وجه الضغوط التي تتأتّى عنها.

تمتلك إيران الخبرة الكافية لخرق هذه العقوبات لكن حجم الضغط وسوء الوضع الاقتصادي الداخلي قد يحرمها من الفرصة لالتقاط أنفاسها

اعتراف نصرالله جاء بعد سلسلة طويلة من المؤشرات التي كانت توحي بوجود مشكلة حقيقية لدى الحزب الموالي لإيران من بينها تخفيض المرتبات والمصاريف والاستغناء عن خدمات بعض المقاتلين وقطع الدعم الذي كان يقدّم للمصابين. علاوةً على ذلك، فقد تلقى الحزب ضربات مالية متعدّدة من إفلاس كبار تجّاره ومقاوليه إلى إغلاق العديد من منافذ تهريب و/أو تبييض الأموال الخاصة به في عدد من دول العالم وذلك بسبب تشديد الرقابة الأمريكية عليه.

لكن بالرغم من كل ذلك، فقد ظلّ الحزب يكابر ويتهرّب من الإقرار بالمشكلة آملاً في أن يستطيع الداعم الإيراني تغطية العبء المالي كما كان يحصل عادة، حيث تتكفّل إيران بالجزء الأكبر من موازنة الحزب التي تقدّر مؤخراً بحوالي مليار دولار سنوياً.

أزمة الحزب هذه تأتي في سياق تضييق الخناق عليه وإعادة فرض العقوبات على إيران، وهي دليل إضافي أيضاً على أنّ طهران تعاني من مشكلة حقيقية هذه المرّة وأنّ الخروج منها لن يكون بالأمر السهل. وتسعى إدارة ترامب إلى تشديد العقوبات على إيران في المرحلة المقبلة ومحاولة تخفيض ما تبقى من صادراتها من النفط بحدود ٢٠٪ إضافية. إذا ما نجحت واشنطن في مسعاها هذا فسيكون بمثابة كارثة اقتصادية حقيقية لإيران، وسيترك ذلك انعكاساته بالضرورة على أذرع طهران في المنطقة سواءً في لبنان أو العراق أو سوريا.

تمتلك إيران الخبرة الكافية لخرق هذه العقوبات لكن حجم الضغط وسوء الوضع الاقتصادي الداخلي قد يحرمها من الفرصة لالتقاط أنفاسها. ولهذا السبب بالتحديد، تأمل طهران أن تلعب دول مثل سوريا والعراق دوراً هاماً في تجاوز الأزمة ذلك أنّ قدرة واشنطن على مراقبة نشاطات طهران من خلال هذين البلدين محدودة قياساً بالدول الأخرى، لكن هذا الخيار يحمل معه كذلك تداعيات على هذه الدول، ويعرّضها هي الأخرى لعقوبات ليس لها قبلٌ بها.

يجب النظر إلى العقوبات الأمريكية على إيران من منظور أوسع يتجاوز الإطار الداخلي المتعلق بالوضع الاقتصادي الإيراني الى دور طهران الإقليمي

روحاني كان قد زار العراق الأسبوع الماضي ووقع البلدان اتفاقات اقتصادية وتجارية يعتقد أنّ الهدف الأساسي منها مساعدة طهران على تجاوز العقوبات. كذلك الأمر فيما يتعلق بسوريا، حيث تسعى طهران إلى توسيع نفوذها الاقتصادي في البلاد وإلى استغلال دمشق كبوابة لتجاوز العقوبات مع تزايد الحديث عن مساعي طهران لتحصيل ديونها على الأسد من خلال الاستحواذ على قطاعات حيوية من اقتصاد البلاد.

وبهذا المعنى، يجب النظر الى العقوبات الأمريكية على إيران من منظور أوسع يتجاوز الإطار الداخلي المتعلق بالوضع الاقتصادي الإيراني الى دور طهران الإقليمي. لكن خرق العقوبات شيء وتجاوزها أو تخطي آثارها شيء آخر مختلف تماماً.

في كلتا الحالتين، فإنّه من غير الممكن لإيران الاستمرار في دعم أذرعها الإقليمية بالشكل الذي كان عليه الوضع سابقا لاسيما إبّان الاتفاق النووي في عهد أوباما. ولذلك سيكون من المهم مراقبة تأثير هذه الانعكاسات على دور أذرع إيران الإقليمية في المنطقة لاسيما في كل من لبنان وسوريا والعراق.

 هناك من يعزو الإنسحابات التي تمتّ مؤخراً لميليشيات حزب الله من مناطق محددة في سوريا إلى الضائقة المالية، فإذا ما صح هذا الأمر فإننا سنشهد ربما انسحابات لميليشيات شيعية أخرى، وهو تطوّر مهم جداً على الساحة السورية له ما بعده لانّه سيكون قد انعكس على سلوك إيران الإقليمي وهو المطلب الأوّل والأساسي فيما يتعلق بدور إيران في المنطقة.

===========================

الثورة السورية من منظور المطلق والنسبي

منير الخطيب

الحياة

الثلاثاء 19/3/2019

تقوم الحياة العامة المعاصرة على تأسيس راسخ لثنائية: التعدد والتنوع والاختلاف في مجالات الحياة كافة من جهة، والوحدة في مجال الدولة من جهة ثانية. تنتمي الاختلافات الطائفية والإثنية والمذهبية والايديولوجية والسياسية إلى حيزات النسبي والجزئي والحصري، فيما تنتمي مفاهيم مثل: المجال الوطني، الدستور، الدولة، الأمة، المواطنة، إلى المجال العام أو الكلي الذي يتأسس بفعل إخضاع النسبيات إلى منطق وروح المطلق.

كذلك، يتولّد الاستبداد من جراء احتلال المجال العام من قبل إرادة خاصة، نسبية، جزئية، حصرية، لا تعترف بالتعدد والاختلاف والتنوع، أي تقوم بوضع نسبيّها في المشترك الاجتماعي العام، وتحاول فرضه تعسفياً وديموغجياً على أنه عام وكلي. وهنا من المناسب استحضار هذا النص للراحل إلياس مرقص: «المطلق والنسبي ليسا شيئين، انهما مفهومان وحدّان، المطلق مفهوم يحدُّ النسبي ومن ليس في روحه وفكره المطلق، يحوّل نسبيّه إلى مطلق وذلكم هو الاستبداد».

بهذا فرض حزب البعث إرادته الخاصة، التي غلفّت بدورها إرادة جزئية مذهبية أخرى، على المجال العام، مما أفضى إلى الإطاحة بالمفاهيم الكلية وأُسس الحياة العامة والفاعلية المجتمعية، وبالتالي أدى إلى سيطرة ثنائية، «مجتمع جماهيري/سلطة توتاليتارية».

كانت الثورة السورية في آذار (مارس) 2011 في احدى أهم مناحيها عبارة عن انفجار تاريخي كبير في مواجهة تلك الإرادة الخاصة الغاشمة التي احتلت المجال العام، والتي كان يُستدّل عليها بمصطلح «الدولة السلطانية المحدثة»، كما عبّرت إرادة الحرية، لدى الحراك الشبابي السلمي العارم عن نزوع صميمي لكسر احتكار المجال العام من قبل تلك الإرادة الاستبدادية.

لكن إرادة الحرية تلك، التي قدّم السوريون في سبيلها ما يكفي لإسقاط كل أنظمة الاستبداد في العالم، لم تستطع الوصول إلى تشكيل مجال وطني سوري، وذلك أساساً بسبب تراكب هذا الانفجار التاريخي الكبير وغير المسبوق، مع انفجار التأخر المجتمعي وانبعاث النسبيّات والهويّات الحصرية، التي توهمت على أنها هويّات عامة وكلية، فضاع الكلي والعام، وفشل السوريون في تقديم أنفسهم للعالم الخارجي كمواطنين عموميين، إذ قدّموا أنفسهم فصائل وميليشيات ومنصّات تنتمي إلى ثقافة وعلاقات القرون الوسطى، هذا بالطبع لا ينفي صحة ما قيل عن خذلان دولي لهم وانكفاء أميركي عن قضيتهم، وكذلك صحة ما قيل عن شراسة قهرية غير مسبوقة لدى النظام والإيرانيين والروس لكسر إرادة الحرية لديهم، لكن الأكثر صحة هو فشل السوريين في تشكيل مجال وطني سوري نتيجة غياب المطلق الأخلاقي وغياب العمومية في تصورات وأفكار تشكيلات طفت على السطح وعجزت عن مخاطبة العالم، مثل: المنصة والحزب الايديولوجي والفصيل المذهبي والميليشيا المذهبية، وجميعها كائنات مخرّبة لمفاهيم وأفكار تتصل بالمجال العام، وبوحدة الاختلاف، وبالهويّة كعلاقة مع الآخر المختلف، وبالتالي كانت كائنات فلكلورية، لم تعِ أهمية الارتباط الوثيق بين المسألتين الإنسانية والوطنية، وأهمية إنتاج الذات كونياً وإنسانياً.

لقد أصبح واجباً نقد «ثورات الربيع العربي» في ضوء النتائج والمآلات التي انتهت إليها، ومع انفجار الموجة الثانية من هذه الثورات في كل من الجزائر والسودان، ومن مداخل هذا النقد تصويب العلاقة بين مفهومي المطلق والنسبي بغية وضع الحدود على أوهام وخرافات الإرادات الجزئية، كإرادوية الإسلام السياسي وكإرادوية العروبة أو الكردية السياسيتين، وكإرادوية قوى «الممانعة»، فهذه إرادات مولدة للحروب ومحكومة بعدم القدرة على تشكيل حياة عامة ذات مضمون إنساني.

إن جعل المطلق مفهوماً يحدّ النسبي، ويقيم الحد على نزواته ورغباته، يجعلنا نقتنع عقلياً ومنطقياً أن الأديان الإبراهمية الكبرى الإسلام والمسيحية واليهودية، في طبيعتها العقيدية، هي أديان محلية غير كلية وتسييسها يؤدي إلى العصبية والعنف والتطرف، وإلى نشوء «دول» عنصرية عدوانية مثل «الدولة» المذهبية في إيران و«الدولة الإسرائيلية» والتنظيمات الإسلامية المتطرفة التي هي «دول» عنصرية عدوانية بالقوة.

وكذلك أن جعل المطلق حداً يحدّ النسبي، يدفعنا إلى رفع ألوية الكليات في مواجهة النسبيات، الحرية ضد الهوية، والنقد في معارضة النقد الثوري البنّاء، والمواطن الكلي حدُّ على مفهوم المواطن الصالح، والدولة في معارضة «الدولة» الدينية، والقانون في مواجهة تحديد مصادر التشريع له، والأمة كسيرورة تشكل حية دائمة و حاكمة على الملة كجثة قذفها جوف التاريخ إلينا، والكونية في مواجهة الخصوصيات الإقوامية.

مع مرور ثمانية أعوام على انفجار إرادة الحرية لدى السوريين، بات منطقيا وأخلاقيا ومعرفيا وضروريا، نقد ودحض المبادئ الإبستمية التي غذّت الإرادات الجزئية الخاصة، التي صادرت الروح العمومية للثورة، وغلفّت استكلابها الحصري بقداسة مستمدة من آيديولوجيات دينية وغير دينية، لم يعد يفوح منها إلا روائح الموت والخراب.

===========================

الذكرى الثامنة لانطلاق الثورة – العمل المسلح: الإخفاقات والنتائج

 خالد المطلق

جيرون

الاثنين 18/3/2019

ثلاث سنوات أزهر فيها الربيع السوري انتصارات، أثلجت صدور التواقين إلى الحرية والحالمين بالتخلص من الاستبداد والظلم، ثلاث سنوات حررت سورية من الخوف الجاثم على صدور شعبها طوال أربع عقود، ثلاث سنوات حررت أغلب الأراضي السورية من نير الاستبداد الأسدي، ثلاث سنوات كانت مشرقة في تاريخ سورية الحديث وتاريخ الإنسانية، بانتصارات “الجيش السوري الحر” وسطوع أحلام كادت أن تصبح واقعًا ملموسًا، فمَن كان يحلم بأن ينتفض الشعب السوري، ويخرج من قمقمه على أعتى نظامٍ في العالم، يملك من أدوات ردع لشعبه ما لم يمتلكه العالم بأسره؟ نظام عمد طوال فترة حكمه إلى التحضير لمثل هذه الساعة، على المستويات العسكرية والأمنية، خاصة المؤسسات التي كانت ترفع راية “المقاومة والممانعة” كغطاء لها، فالأسلحة التي تم شراؤها من جيوب الشعب السوري لم تُطِلق طلقًة واحدًة في وجه من يفترض أنه عدو هذا الشعب، وإذا بحثنا قليلًا ودققنا في صفقات الأسلحة التي عقدها الأسد الأب والابن من بعده؛ وجدنا أن جُل هذه الأسلحة تقليدية، لا يمكن لها أن تواجه تقدم وتطور الأسلحة التي يمتلكها عدو الشعب السوري التاريخي، ويمكن أن نقول إن سبب ذلك واضحٌ للعيان، ولا حاجة إلى توضيحه، من خلال المواقف التي اتخذها الكيان الصهيوني بعد انطلاق الثورة السورية، وهي تكشف حقيقة العلاقة الوثيقة، بين الصهاينة وعائلة الأسد، والدور المحوري الذي لعبته تل أبيب في بقاء الأسد في سدة الحكم، وهذا هو أحد أهم الأسباب التي حولت انتصارات الثلاث سنوات الأولى من عمر الثورة، إلى هزائم أدت إلى إعادة سيطرة الأسد على أغلب المناطق المحررة، فالسنوات الأربع الأخيرة من عمر الثورة لم تكن إلا كوارث متتالية على الشعب السوري وثورته، خاصة على الصعيد العسكري والأمني الذي كان أحد أهم أسباب وصول الثورة إلى ما هي عليه الآن.

إذا أردنا أن نبحث في الأسباب التي أدت إلى ذلك، من الناحية العسكرية والأمنية؛ فسنجد أن كثيرًا منها أسباب داخلية وأسباب خارجية، وأعتقد جازمًا أن أهم الأسباب الداخلية التي غدرت بالثورة يتعلق بقادة الفصائل ومن حولهم، ويمكن أن نقول، على أقل تقدير، إن هؤلاء لم يكونوا بمستوى الثورة وإرهاصاتها، نتيجة عدم امتلاكهم المؤهلات الفكرية والعلمية التي يمكن أن تجاري متطلبات الثورة، من حيث عدم استيعابهم لمسألة تقاطع مصالح الشعب السوري مع مصالح أصحاب القرار في العالم، ولهذا تم احتواء هؤلاء وتدجينهم. ويمكن أن نقول أيضًا إن أحد أهم الأسباب التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه الاختراقات الأمنية التي أصبحت ظاهرة على نطاق واسع، ابتداء من أصغر فصيل بالثورة، وصولًا إلى رأس هرم الثورة ومؤسساتها الرسمية السياسية والعسكرية والإغاثية، وهناك المئات من الأمثلة والحوادث التي تثبت ذلك، ويمكن أن نقول إن السبب الرئيس هو عدم وجود جهاز أمن خاص بالثورة، يقوده مختصون في شؤون الأمن والاستخبارات، ومع الأسف، نجد أن مَن عارض تشكيل هذا الجهاز موجود الآن على رأس مؤسسات الثورة، وقد ثبت فشله، وثبت أن رفضه لتشكيل جهاز كهذا لم يكن صدفة إنما كان لأسباب شخصية وحزبية، إذ لا يريد هؤلاء ترك أي إثبات على ما يقومون به من تجاوزات سياسية وأمنية ومالية، بحق الشعب السوري وثورته، وليتفردوا في قرارات الثورة السورية، بحسب مصالحهم الخاصة والحزبية، ومع الأسف كان هؤلاء الخنجر المسموم الذي أصاب الثورة في مقتل من صدرها، نتيجة انشغالهم بمصالحهم عن علم ودراية كاملة، بل كانوا جزءًا أساسًا من السيناريو الذي تم تنفيذه، واستُخدموا كغطاء للقرارات التي تُتخذ، نتيجة الصفة التي يحملونها كممثلين رسميين لمؤسسات الثورة.

أما الأسباب الخارجية التي حرفت مسار الثورة، وأضاعت جهد ودماء وإنجازات ثلاث سنوات من الكفاح، فيمكن أن نلخصها بوصول أصحاب القرار في العالم إلى قناعة -بعد الأعوام الثلاثة الأولى للثورة، وبعد الدراسات والتجارب والغربلة على جميع الشخصيات والكيانات، ممن تصدروا المشهد في الثورة عسكريين وسياسيين- بأن هذه الثورة ليس لها قيادة حقيقية، ومن يقودها لا يملك الإمكانات التي تؤهله لقيادة دولة مثل سورية، بموقعها الجيوسياسي الخطير، ومن حاولت بعض الدول الاعتمادَ عليه، لامتلاكه هذه المؤهلات، أسقطه من احتكر مؤسسات الثورة على مبدأ: “أنا ومن بعدي الطوفان”، وهذا ما رسخ قناعة هؤلاء بأن بقاء الأسد ونظامه إلى حين، يمكن أن يحافظ على سيطرتهم على الدولة السورية ومؤسساتها، ريثما يتم تحضير البديل الملائم الذي سيحكم هذا البلد، ومن هنا بدأ المطبخ الدولي يحضر لسيناريوهات تتلاءم مع مصالحه، متجاهلًا مصالح الشعب السوري وثورته، وبدأت الثورة السورية بمرحلة التراجع، من بداية العام الرابع لانطلاقها، وفق مخطط شارك الجميع فيه، فظهرت الفصائل الراديكالية التي تم تحضير قادتها وشرعييها في أقبية سجون مخابرات الأسد ومالكي العراق ونظام الملالي في إيران الوثيق العلاقة مع تنظيم القاعدة، ومن بعد زج هؤلاء في الساحة السورية بوجههم القبيح؛ انبرى الأسد وحلفاؤه إلى إعلان الحرب على الإرهاب الذي يمثله هؤلاء، وتماهى مع ذلك كثيرٌ من الأطراف الإقليمية والدولية، حتى أصبحت هذه الفصائل تسيطر على أغلب المناطق المحررة، إلى أن شُكل التحالف الدولي لمحاربة هذه التنظيمات، وخاصة (الدولة الإسلامية في العراق والشام/ داعش) التي انسحبت من المناطق التي سيطرت عليها، بعد تدميرها وتهجير سكانها، وبهذا تكون هذه التنظيمات المصطنعة قد أدت الدور المطلوب منها في وأد الثورة، بانتظار آخر فصل من فصول هذه التنظيمات التي لم يتبق منها إلا ما يسمى (هيئة تحرير الشام/ النصرة).

خلاصة القول إن المراحل التي مرت بها الثورة السورية، وبخاصة السنوات الأربع الأخيرة التي كانت أشد وطأة وأكثر وبالًا على الشعب السوري، لم تأت من فراغ بل خُطط لها بدقة متناهية، وشارك في تنفيذها بعض أصحاب المصالح الضيقة، من عسكريين وسياسيين متسلحين بغطاء التقية تارة والوطنية الزائفة تارة أخرى، وقد ساعدهم في ذلك عدم وجود جسم متماسك لقيادة الثورة، عسكريًا وسياسيًا، وهذا بدوره أدى إلى عدم وجود مؤسسة أمنية وعسكرية موحدة للثورة السورية، التي يبدو أنها تشارف على مراحلها الأخيرة، إن بقي من يتصدر المشهد دون حساب أو عقاب رادع، ومن الممكن أن يعيد الثورة إلى طريقها ومسارها الصحيح. وأعتقد بأن هذا لن يحدث إلا إذا هبّ الشعب الثائر مرة أخرى، لعزل هؤلاء ومحاسبتهم، وإعادة الثورة إلى أصحابها الحقيقيين، ومن خلال ذلك يمكن رسم الخطط والاستراتيجيات التي تخدم الثورة السورية وانتصارها، ويمكن أن نقول إن أحد أهم هذه الاستراتيجيات هي المقاومة الشعبية التي يجب أن تنطلق من كل بيت وحي وقرية ومنطقة، معتمدة على سواعد أبناء الثورة، مبتعدين من التبعية والاستزلام للداعمين، ويمكن بهذا أن نحقق النصر الذي طالما حلمنا به ودفعنا الغالي والنفيس من أجل تحقيقه.

===========================

موقفنا: في الذكرى التاسعة للثورة الأعظم .. سنة تاسعة ثورة .. ثورة "ما لنا غيرك يا الله" .. التحية والتجلة والإكبار للثورة السورية وثوارها العظام!! .. وظنها مجرم الحرب بوتين " سياحة ثلاثة أشهر.."

زهير سالم

18 / 3 / 2019

مركز الشرق العربي

وتدخل ثورة شعبنا في هذه الأيام عامها التاسع . وفي هذه الذكرى المباركة التي رفعت الشعب السوري الحر بثباته وجهاده وتضحياته وصبره ومصابرته عاليا شامخا أنموذجا ونبراسا لكل المستضعفين في العالمين .. " لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ " " وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ "

 تدخل ثورة شعبنا الحر الأبي في هذه الأيام عامها والتاسع لتثبت للعالم أجمع أنها كانت " جمرة الثورات " بحق ، وأنها ظلت تتقد ولم تنطفئ ولن تنطفئ بإذن الله ، وها هو شررها يتواصل حتى استطار فكان ما نرى ونسمع اليوم في عواصم العالم من حكايات الشعوب المتلفعة بأزهار النرجس الصفراء ..

تدخل ثورة شعبنا الصعب المراس عامها التاسع وقد أحاط بها عدو ، ويئس منها طامح ، وانفض عنها طامع ، ولم يبق في ميدان جهادها وكفاحها ونضالها إلا الذين كانوا الأحق بها وأهلها ، وهل تزرع إلا منابتها النخل ..؟!

فالتحية والتجلة والإكبار لكل سوريّة وسوري ما زالوا ممسّكين بعرى الثورة الأولى ؛ عدل وحريّة وكرامة إنسانية لكل السوريين في مجتمع قام على قاعدة أن الناس كل الناس تلدهم أمهاتهم أحرارا ..

والتحية والتجلة والرحمة والمغفرة لكل شهيد سوري قضى نحبه على طريق العزة والكرامة والإباء . وعهد وفاء يقطعه من بقي لمن مضى أننا على الطريق ماضون ، ولن نبدل بإذن الله ولن نغير ، ولن نهون ولن نذل ..

التحية والتجلة والإكبار لكل معتقل سوري ذاق في أتون الهولكست الأسدي ما ذاق على عين من مجتمع إنساني يزعم أنه متحضر !! ويزعم أن عهد النازية والفاشية والستالينية قد ولى ، وأن الإنسانية قد صارت إلى حقبة " نهاية التاريخ " ..

التحية والتجلة والإكبار والإعظام لنساء سورية الحرائر المجاهدات الماجدات الطاهرات العفيفات ..

التحية للأم السورية الثكلى ...

وللزوجة السورية الأرملة ...

وللمعتقلة السورية في قرارة المعاناة ؛ وفي زفرة كل واحدة منهن .. شهادة حق على الجريمة ومنفذيها والمشاركين فيها والصامتين عليها وهم على منعها قادرون ..

تحية وتجلة ورحيق قلوب مضمخة بعطرٍ وبدمٍ لكل أطفال سورية اغتالتهم يد الإثم أو شردتهم من ديارهم ، أو قصفت مدارسهم أو ما تزال تحاول استعبادهم في منظمات الطلائع المقيتة ومؤسسات البعث الكريهة..

التحية والتجلة والإكبار للأيتام وقد كبروا وعلموا وأيقنوا ..

ولو كان لي على مناهج التعليم طريق لما علمت أطفال سورية إلا من قتل آباءهم ، ومن أهان أمهاتهم وأخواتهم ، من قصفهم بالسارين ، وبالبراميل وبالفسفور والنابلم ومن جرب في أجسادهم الغضة أسلحته الاستراتيجية ..

 علموا أطفال سورية وأيتامها من نقلهم من محاضنهم وغرسهم في الخيمة وفي الوحل والطين ...

قولوا لهم في الذكرى التاسعة للثورة إنه بشار الأسد وزمرته وحلفاؤه من روس وصفويين وبقية الصامتين ..

* * * * * * * *

في مدخلنا للعام التاسع للثورة المجيدة المباركة التي رفعت وسترفع الشعب السوري بأصالته وتضحياته ونبله وصبره أنموذجا ألقاً للعالمين ؛ نكتب قطعا لألسنة كل الشاكين المشككين ، اليائسين الميئسين ؛ لنعيد رصد ملامح العظمة والجلال والجمال في بنية الثورة الحية الباقية المنتصرة بإذن الله ؛ التي يلوك عرضها وعرض ثوارِها الأحرار الأماجدِ ، الأفاكون المفترون بأحاديث هي رواية مسيلمة عن سجاح .

تسع سنوات مضت على إعلان الشعب السوري ثورته في حلقتها الأخيرة ، على الظالم المستبد حبيب الفناء عدو الحياة ..وما يزال هذا الشعب في الساح ، في الساح تعصف به رياح مجرمي العالم من يمين ويسار ..

ولم تكن ثورة هذا الشعب ، الذي يحاول البعض اليوم أن يقرضه بمقاريض الحقد والضغينة أو الأستذة العفنة المدعاة ، إلا ثورة عفوية لشعب مستضعف خرج على خوف وضعف وقلة ؛ ينادي بالعدل والحرية مؤملا الخير في كل أدعياء العدل والخير . وربما كان هذا هو خطأ الشعب السوري الأكبر أو خطؤه الوحيد ؛ أنه حسب الشحم فيمن شحمه ورم من أبناء الأفاعي من دعاة الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان الكاذبين المتلونين . كان خطؤه الأكبر أنه ظن فيمن يجلس في المنتديات الدولية بياقاتهم البيض خيرا ولم يدرك أنهم كانوا جزء من محنته وبليته ، وأنهم في البدء كانوا شركاء المجرم الظاهر المتولي كبر الجريمة التي تدار على حضارتهم وثقافتهم ووطنهم وأنفسهم منذ عقود .. ظن المجرمون الشركاء طبقا عن طبق أنهم سدوا على سورية وأهلها كل المنافذ ، وأخذوا عليها وعليهم كل الأقطار وذهلوا عندما فوجئوا أن هذا الشعب الحر الأبي يكسر القيود ويقتحم السدود ويثور ..!!

يثور فيفضح كذبهم وادعاءهم وتلونهم ، ويكشف خلفياتهم المؤسسة على الحقد والضغينة بواسطة عميلهم الوظيفي ...وقد ظنوا أن الفراشات في فضاء الكراهية الذي أغلقوا لن تطير .. ...

الله أكبر ...

وانتفض البركان ، وثار الشعب السوري المستضعف الأعزل في الجبل والسهل في الأرياف والمدن ..ثمانية أشهر والثائر السوري بلا عصا ولا حجر يظل يردد : سورية بدها حرية . ويبدئ ويعيد : واحد .. واحد الشعب السوري واحد ..

ثمانية أشهر على الثورة المباركة بلا عصا ولا حجر ...

ومجرم الحرب في جريمته المرخصة دوليا ماضيا في جريمته وفاتورة القتل اليومية التي كان يتحملها الشعب الحر الأبي الجريء الجميل تزيد على مائة إنسان ..

مائة إنسان يوميا لم يهتم بهم أحد .. لم يتوقف عند جريمة اغتيالهم أحد .. ثم يحدثك المدعون الأفاكون عن عنف وعن تطرف وعن إرهاب ..

في سورية وحدها نكتب توثيقا للجريمة الدولية .. لم يستخدم المجرم المعتمد عالميا العصا في تفريق المتظاهرين ولا الغاز المسيل للدموع ، ولا خراطيم المياه ، ولا الرصاص المطاطي، ولا حتى إطلاق الرصاص على الأرجل دون الرؤوس والصدور ..!!!

ثم تقرأ وتسمع من يتهم الشعب السوري والثوار السوريين بالعنف والتوحش والبربرية .. لعل بعض هؤلاء ينحون مراياهم جانبا حين يتحدثون عن العظماء في هذا الشعب العظيم ..

وهزت ثورة المستضعفين البسطاء جذور أخبث شجرة على وجه الأرض غرستها يد الأشرار ..

وانتصرت ثورة الشعب السوري . انتصرت منذ 2012 الثورة التي يقدح بها القادحون ، ويشمت بها الشامتون ، ويتندر على أبطالها المتندرون ..

انتصرت الثورة أيها المخذلون الخاذلون .. فأفٍ لكم ولما تدعون

الله أكبر ...

وتزج قوى الطغيان العالمي بقوى خط دفاعها الثاني في المعركة ضد شعب مستضعف أعزل ..

فيتحرك الجنود الأتباع بإمرة " قم الشر " من كل حدب لهم فيه جنود ينسلون ، من الضاحية الجنوبية ، ومن معقل الأشرار في العراق ، ومن إيران ، وباكستان، وأفغانستان، ومن بقع بشرية ظلت تنتشر على خارطة ثوبنا الجميل ....كل هؤلاء الأشرار يزحفون جهارا نهارا تحت شعار : " يا لثارات الحسين "

" يا لثارات الحسين " الشعار يرتفع في القرن الحادي والعشرين .. وأهل الحضارة والمدنية وثقافة حقوق الإنسان يسمعون ويرون بل يؤيدون ويباركون ..

وتحتدم المعركة من جديد ، وتفتك قطعان الذئاب بما يقف في طريقها من لحوم الأطفال الأحياء وأجساد النساء الطاهرات .. كل هذا وعناوين المدنية والحضارة وثقافة حقوق الإنسان تبارك الجريمة والمجرمين بالدعم المباشر أو بالصمت المريب الذي ينتهك كل القوانين والمواثيق ..

ومرة ثانية وربما ثالثة تنتصر أنت ..

تنتصر أنت أيها الشعب السوري العظيم ..

تنتصرون أنتم أيها الثوار الأبطال النبلاء العظماء ..

ولعلكم اليوم وأنتم تسمعون قصائد هجائكم ، والنيل منكم ، والعدوان عليكم ، والاستهانة بكم ، والتشنيع بأدائكم يظن بعضكم بنفسه أو بطريقه الظنون .. ولا والله ما جبنتم ولا نكصتم ولا تخاذلتم ..بل انتصرتم .. انتصرتم .. وكان نصركم عزيزا مؤزرا خافه كل الأشرار وتآمرت عليه كل قوى الشر في هذا العالم الكئيب ..

الله أكبر ..

وبعد نصركم الثاني أيها السوريون الأحرار الأبرار الشرفاء على أعتى قلعة للشر في قلب منطقتنا . على القلعة الصفوية المتحالفة دهورا مع أعداء هذه الأمة ثم مع القلعة الصهيونية .. انتصرتم حتى سمع العالم صوت " تصويت " المهزومين يفضحهم على روس الأشهاد .. ولى نصر الشيطان كما يولي الشيطان عندما يسمع الأذان .

كان نصرنا .. على الصفويين من أصحاب رايات يا لثارات الحسين عظيما . وسيظل لنا فخره ومجده وعاقبته . وسيظل يذكره المجرمون كما يجب عندما يعيدون حساباتهم إن بقيت لهم حسابات . ويجب أن يذكره أهلنا وشعبنا وذرياتنا أبدا ما بقينا .. ما كان منهم وما كان منا .

ثم هُرع فريق الشر العالمي مرة ثالثة ليزج في ساحة المعركة قوى دفاعه من خندقه الثالث وليس الأخير ..

فتدخل على الخط ، لمواجهة ثورة شعب أعزل مستضف ، قلعة الشر العالمي في صورة الاتحاد الروسي بكل ثقلها وخيلها ورجلها ..

وأنتم أيها الأبطال الأحرار الثوار منذ أربع سنين تصاولون ...!!

ولو أن الاتحاد الروسي بما يملك من عتاد وعدة استهدف أي دولة من دول العالم ، قل ناصروها وكثر خاذلوها كما حصل معكم أيها الأبطال السوريون لما صمدت في مواجهته أربعة أشهر وليس أربع سنين ..

فأي نصر ..كان نصركم ؟!! وأي فخر .. كان فخركم ؟!

أيها السوريون الأحرار دعونا نعيد وضع الأمور في نصابها ..

فعندما خرجت المظاهرات الأولى في درعا أو في دمشق أو في حمص أو في إدلب ، كان كل عقلاء العالم يتساءلون : كيف يجرؤ السوريون على التظاهر !! وكان السؤال مطروحا من واقع المعرفة بحجم الإغلاق والإحكام .

الثورة السورية هزت شجرة الشر العالمي من جذورها . وتصدت لها في عقر دارها ..وهذا الذي يجعلكم اليوم وسيجعلكم غدا سادة من ثار وأول من علّم الناس قيمة الحرية والكرامة ..

الله أكبر ...

وعندما قرر بوتين في الشهر التاسع من 2015 أن يدخل الساحة السورية مباشرة . بعد أن سمع زعيق بشار الأسد وحسن نصر الله والولي الفقيه قال ، وكل العالم يسمع ، إن رحلته إلى سورية التي باركها البطرك الأرثوذكسي الكبير سوف تنتهي بثلاثة أشهر .. ثلاثة أشهر فقط كان وعدا .. ثم انتصرتم على المجرم بوتين حتى نكث ..

ثم خرج على العالم بعد سنة يعلن أن نصره قد تم وأن مهمته قد انتهت .. ثم رددتم عليه إفكه بنصر حتى انتكس ..

وها هو اليوم وبعد أربع سنوات ما يزال عالقا في شراك ثورتكم العظيمة لا يعرف كيف يتقدم ولا كيف يتأخر ، وكيف يتعامل مع من حولكم عن يمين وشمال أفليس هذا نصرا عظيما للثوار العظماء ..؟!!!!!

الله أكبر .. ونقول لأعداء الحرية والكرامة الإنسانية في عالمنا العربي من كل خائن وعميل ومرجف وجبان وصياد مصلحة ما زال يتاجر بالدين وبالعقل وبالعرض ..

ألا كفاكم إرجافا وتشكيكا وتثبيطا ...

إن ما جرى في سورية وعلى الشعب السوري ليؤكد على ضرورة هذه الثورة بل هذه الثورات لو كنتم تعلمون ...

وليؤكد على أولوية هذه الثورة وهذه الثورات من الوهن ومن الهوان ومن الذلة والمسكنة التي يضربها الله بحقها على الخانعين المستكينين .

الله أكبر ..

وما يزال السوريون الأحرار الأبطال ينازلون قطب العالم الأعظم ، ينازلونه منفردين .. بلا نصير ولا معين ..

وراء ثورة فيتنام كان قطب شر ضد آخر . ما جرى في أفغانستان كان قطب شر ضد آخر . وفي كل ما يدندن حوله المدندنون كانت أقطاب الشر متواجهة متضادة .. إلا في سورية وعلى الشعب السوري فقد تحالف كل الأشرار واجتمع كل الأضداد ..

في سورية وعلى الشعب الأعزل زجت روسية الدولة العظمى والإحصاءات من تصريح لوزير الدفاع الروسي ..

بأكثر من 63 ألف إرهابي مقاتل ..

منهم 434 جنرال أي ضابط برتبة لواء

منهم 25738 ضابطا دون اللواء

منهم 4349 ضباط متخصصون في جريمة القتل الصاروخية ..

وزجت روسية دولة المافيا والجريمة وقطب العالم ضد " أولاد حارتنا " على كل الأرض السورية

83 سفينة

86 سفينة حربية

14 غواصة

ونفذت 189 حملة عسكرية ودائما مع وزير الدفاع الروسي المجرم

ضد ثورة الشعب الأعزل .. شباب المساجد يخرجون من أبوابها طلبا الحرية بعد صلاة كل جمعة ..

شنت الدولة الروسية بالتواطؤ مع قطب العالم الآخر ضد أطفال سورية ضد مستشفياتهم ومدارسهم ومساكنهم 39000 تسعة وثلاثون ألف طلعة جوية .. منها 20000 عشرون ألف طلعة في الليل والأطفال في فرشهم هاجعون ، وبمعدل 100 طلعة جوية في اليوم .

وبلغ عدد الطلعات الجوية أي الغارات المحملة بأحدث أسلحة الفتك العالمية : 139 غارة جوية .. في بعض الأيام هذا عدا غارات البراميل لصاحب البراميل !!

واستخدم المحتل الروسي 25000 طلعة لطائرات بدون طيار ضد أطفال سورية العظام ونسائها الحرائر الماجدات ..

واختبر العدو الروسي حسب تصريح وزير الدفاع الروسي 316 سلاحا استراتيجيا حديثا " ثلاث مائة وستة عشر سلاحا " . تم تجريبها في المشافي والمساكن وعلى لحوم الأطفال والنساء ... احفظوا الرقم ولا تنسوه . وأرسلوا نسخة عن الإحصاء إلى مؤتمر المجرمين العرب المنعقد في تونس السبسي تحت عنوان المحامين العرب !!

ويقول لك موتور أو مذهون أنتم لم تنتصروا لأنكم ... ولأنكم .. ولأنكم والكل يهذي كما يهذون .. ونقول للعالم أجمع سيكتب التاريخ أن " أولاد حارتنا " بإيمانهم وعقولهم وقلوبهم وسواعدهم كانوا في المعركة ضد تحالف الشر العالمي الأقوى وسيظلون الأبقى ..

وأي نصر أعظم من أن تنتصر في الشعوب الإرادة والعزيمة والمضاء ، وأي فخر أكبر من أن يكون العدو الذي تحاربه "عالم الشر" مجتمعا تواجهه كفاحا طبقا عن طبق ؛ طبق أسدي .. يعلوه طبق صفوي .. يعلوه طبق روسي... يعلوه طبق أمريكي .. يعلوهم الطبق الصهيوني الذي تعلمون ..

ثورتنا فخرنا .. نصرنا .. عزنا .. غد أجيالنا ..

ألا أيها المستضعفون في كل جنبات الأرض ويحكم هبوا ..

والله أكبر .. وما لنا غيرك يا الله

_____________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

الثورة السورية بعامها التاسع.. تحوُّل المشهد من الصراع في البلاد إلى الصراع عليها

محمود عثمان

الأناضول

الاثنين 18/3/2019

بدأ الحراك الشعبي السوري في 15 آذار من عام 2011 مُطالِباً بالحرية والكرامة، وأخذ طابعاً جماهيريّاً، سرعان ما انتشر ليشمل الجغرافيا السورية بأكملها، خلال مدة قصيرة لا تتجاوز ستة أشهر، لكن نظام الأسد الاستبدادي واجه الحراك الشعبي السلمي بالقمع والقتل والاعتقال والتعذيب الوحشي.

بدأت الثورة السورية إثر أحداث مدينة درعا، حين قام أمن النظام بقيادة "عاطف نجيب" ابن خالة بشار الأسد باعتقال خمسة عشر طفلاً، وتعذيبهم بطريقة وحشية، بسبب كتابتهم شعارات تنادي بالحرية وتطالب بإسقاط النظام على جدار مدرستهم بتاريخ 26 فبراير/شباط 2011.

استمرت الثورية السورية في نهجها السلمي الجماهيري ما يقارب العام، إلى حين قيام النظام بدفعها للعسكرة، وجرها نحو العنف، من خلال إنزاله الجيش لمكافحة التظاهرات وحصار المدن، حيث رفض عدد كبير من ضباط الجيش وجنوده تصويب أسلحتهم على أهلهم وشعبهم، فبدأت الانشقاقات التي قادت إلى تأسيس الجيش الحر، وإطلاقه سراح أعضاء الحركة السلفية المعتقلين في سجن "صيدنايا"، ليقوم هؤلاء بتأسيس حركة مقاومة اتخذت طابعاً أيديولوجيّاً دينيّاً، رفعت شعارات تراثية إسلامية، معلنين رفضهم للديمقراطية والدولة المدنية.

رفض نظام الأسد جميع النصائح العاقلة من تركيا والدول العربية، التي دعته للاستجابة لمطالب شعبه ولو بشكل تدريجي، واختار السير في ركاب إيران التي أشارت عليه ودفعته إلى إغراق الساحة بالمتطرفين لكي يقدم الدليل على أن ما يحدث هو حركة تمرُّد إرهابية، ثم ساعدته القوى الدولية بفتح المجال أمام الإرهاب العابر للحدود مثل "القاعدة" و "داعش" وأخواتها، فأصبح على العالم أن يختار بين نظام حكم علماني وبين خلافة إسلامية ذات "طابع إرهابي".

الصراع الدولي على سوريا

شهدت الساحة السورية خلال الأعوام الماضية سلسلة من التحولات السياسية والمتغيرات الميدانية، بتأثير العوامل الخارجية والفواعل الدولية والإقليمية، جعلت طرفَي الصراع، نظام الأسد والشعب السوري الثائر، الحلقة الأضعف في عملية آلية القرار السوري، فتحوَّل السوريون إلى مجرد عامل ثانوي مكمل للمشهد لا أكثر.

رغم كل شيء فإن المعطيات تشير إلى أن الصراع في سوريا لن يتوقف دون تحقيق نوع من الانتقال السياسي، الذي يضمن تغيير طبيعة نظام الحكم، فيزيل الطابع الأسري للحكم المطلق، ويفتح الباب أمام عودة السوريين في الداخل والخارج لوطنهم وبيوتهم، ويطمئنهم على إمكانية العودة من جديد إلى الحياة الطبيعية، ووقف الحرب الأهلية التي فجرها النظام.

المُقارَبة الأمريكية للأزمة السورية

إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المفاجئ سحب قوات بلاده من سوريا، تسبب في خلط الأوراق واختلال الموازين، ليس في الساحة السورية وحدها بل في منطقة الشرق الأوسط عموماً، حيث بدأت الدول المعنية والقوى الدولية والإقليمية مرحلة إعادة الحسابات والتموضع بناء على المعطيات الأمريكية الجديدة.

الإدارة الأمريكية تركت عملية الانسحاب من سوريا ضبابية لفترة طويلة نسبياً، لكي تؤدي إلى ارتفاع حدة التجاذبات بين الأطراف الفاعلة في الساحة السورية، لكن بوادر خطة عسكرية أمريكية جديدة بخصوص الانسحاب وإدارة منطقة شرق الفرات بدأت تتبلور مؤخراً.

تتضمن الخطة العسكرية الأمريكية مشاركة الحلفاء الأوروبيين إدارةَ شؤون منطقة شرق الفرات وتمكين ميليشيات الحماية من إنشاء منطقة حكم ذاتي بعيدة عن الحدود مع تركيا، رغم معارضة "أنقرة" الشديدة.

وتقضي الخطة الأمريكية بنشر 1500 عسكري أوروبي، مقابل نشر 200 مقاتل أمريكي لتقديم الدعم الاستخباراتي وعمليات القيادة والسيطرة، والقيام بمهمة الفصل بين ميليشيات الحماية والمنطقة الآمنة، بهذه الطريقة تحافظ واشنطن على بعض النفوذ في شمال شرقي سوريا، وتخفف من تبعات القرار المفاجئ بسحب قواتها من المنطقة.

في الوقت ذاته، تستمر إدارة ترامب في سياسة إضعاف إيران في سوريا والعراق، سواء من خلال استهداف الطيران الإسرائيلي المتكرر للمواقع الإستراتيجية الحساسة التابعة لإيران وحزب الله اللبناني في سوريا، أو من خلال إحكام الحصار الاقتصادي على دمشق.

واشنطن استخدمت الفيتو ضدّ محاولات إعادة النظام لشغل مقعد سوريا في الجامعة العربية، كما أجهضت جهود بعض الدول العربية الرامية لتعويم نظام الأسد، وتمويل مشاريع إعادة الإعمار، بهدف الضغط على النظام للقبول بإجراء إصلاحات سياسية، وفرض مزيد من العزلة السياسية على إيران.

المُقارَبة الروسية للأزمة السورية:

كشف الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" بتاريخ 28 فبراير 2019 عن ملامح خطة عكف على إعدادها مستشاروه منذ مطلع عام 2019 ، أكد فيها سعي موسكو إلى: "إنشاء مجموعة عمل دولية تشمل جميع الأطراف المعنية، وبالدرجة الأولى القيادة السورية، وربما المعارضة ودول المنطقة، وجميع المنخرطين في النزاع، وستتولى المجموعة مهمة الاستقرار النهائي بعد القضاء على جميع بؤر الإرهاب" ، وأضاف بوتين أن الخطة تتضمن: "سحب جميع القوات الأجنبية من الأراضي السورية واستعادة مؤسسات الدولة السورية مع الحفاظ على وحدة أراضيها".

بعد الإعلان عن تلك الخطة بادرت موسكو إلى تكثيف دبلوماسيتها لحشد التأييد الإقليمي، لكن محاولات الروس إقناعَ الدول الخليجية بتوفير التمويل اللازم لنظام الأسد مقابل تعهُّد موسكو بكبح النفوذ الإيراني في سوريا باءت بالفشل.

كما تواجه الخطة الروسية عقبات دولية تتمثل في عزم واشنطن ملء الفراغ الناتج عن انسحابها بترتيبات بديلة تتضمن عدم استئثار موسكو بالنفوذ، وتعمل في الوقت نفسه على إذكاء الصراع بين موسكو من جهة وأنقرة وطهران من جهة أخرى، حيث تثور الشكوك عن حقيقة نوايا بوتين الذي يعمل على إقصاء حلفائه تحت بند ”خروج القوات الأجنبية“ بهدف الاستئثار بغنائم المعركة، وخاصة فيما يتعلق بالثروة النفطية.

 إيران.. تصعيد في سوريا لتخفيف الضغوط الأمريكية

يسود الاعتقاد في طهران أنه بات من الضروري نبذ السياسات التصالحية مع الغرب التي تبناها الرئيس "روحاني" ووزير خارجيته "ظريف"، وتبني إستراتيجية شبيهة بالنهج الكوري الشمالي الذي فرض فيه "كيم جونغ أون" نمطاً مغايراً للتعامل مع واشنطن من خلال سياسة تصعيدية في مجال تطوير البرامج النووية والصاروخية.

ويرى مرشد الثورة الإيرانية "علي خامنئي" والمحيطون به ضرورة سلوك النهج الكوري في عملية التوصل إلى تفاهُمات مع الغرب عَبْر اللجوء إلى إستراتيجية الردع، حيث تستطيع إيران تهديد المصالح الأمريكية في الخليج العربي والبحر الأحمر، وكذلك في العراق وسوريا، بالإضافة إلى إسرائيل التي يرى قائد ”فيلق القدس“ قاسم سليماني ضرورة نشر منظومات صاروخية في مواجهتها جنوب سوريا وغرب العراق للتفاوض من موقع قوة.

وعلى وقع الجهود الميدانية الروسية لتقليص النفوذ الإيراني في دمشق؛ تتنامى الشكوك الإيرانيةُ فيما يُنظر إليه على أنه محاولات روسية لتجاوُز إيران التي دفعت ثمناً باهظاً لإبقاء بشار الأسد، والاستئثار بامتيازات الغاز والنفط ومناجم الفوسفات، حيث كانت إيران ترغب بالحصول على حقوق التنقيب على النفط والغاز في المنطقة الممتدة من جنوب شاطئ طرطوس إلى محاذاة مدينة بانياس وحقل قارة في حمص، لكن النظام عدل عن تعهداته لإيران ومنحها للشركات الروسية.

الاتهامات المتبادلة بين موسكو وطهران وصلت ذروتها عندما اتهم رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، "حشمت الله فلاحات بيشه"، الحليف الروسي بالتواطؤ مع الهجمات الإسرائيلية ضد المواقع العسكرية الإيرانية في سوريا.

الرد الروسي على الاتهامات الإيرانية لم يتأخر، حيث صرح نائب وزير الخارجية الروسي، "سيرغي ريابكوف"، لقناة "سي إن إن" موضحاً: "أن روسيا ليست حليفة إيران في سوريا"، وأن الطرفين يعملان معاً في إطار مباحثات أستانا فقط، مؤكداً أن: "إسرائيل تعتبر أولوية لروسيا"، ومنتقداً، في الوقت ذاته، "أجندة إيران المعادية لإسرائيل".

التجاذبات الإيرانية الروسية لم تقف عند حدود التصريحات، بل تعدتها للمواجهات العسكرية بين وكلاء الطرفين في سوريا، حيث وقعت مواجهات عسكرية تمثلت في اشتباك الفيلق الخامس الموالي لروسيا مع الفرقة الرابعة المدعومة من إيران، مما دفع طهران لتحريك نحو عشرة آلاف مقاتل من ”الحشد الشعبي“ باتجاه الحدود العراقية-السورية لتعزيز وجودها جنوب غربي البلاد.

 تركيا .. وحدة سوريا صمام الأمان لأمنها الإستراتيجي

لا تبدو التطمينات التي تقدمها واشنطن لأنقرة كافية لبناء الثقة بين الطرفين، حيث لم يقدم الطرف الأمريكي أيَّ سيناريو من شأنه إزالة مخاوف أنقرة حول مصير الأسلحة الثقيلة التي تم تسليمها لميليشيات الحماية، كما أنه لا يوجد اتفاق حول هوية وطبيعة وحجم القوات التي ستتولى مهمة حفظ الأمن في المنطقة الآمنة المُزمَع إنشاؤها في الشريط الحدودي بين تركيا وسوريا.

"أنقرة" تؤكد على ضرورة أن تكون المنطقة الآمنة في سوريا بعمق ٣٠ كيلومتراً من الحدود مع تركيا، وبإشرافها وإدارتها، ولن توافق على منح السيطرة على هذه المنطقة لأي جهة أخرى.

تشعر "أنقرة" بالغضب والشك إزاء رفض بوتين طلب الرئيس "أردوغان" السماح بدخول القوات التركية إلى الشمال السوري، فضلاً عن التصعيد الروسي في "إدلب" وضغطها على "أنقرة" لإحياء اتفاق ”أضنة“ بهدف منع تمرير مشروع المنطقة الآمنة من جهة، وحمل تركيا على إرجاع العلاقات مع نظام دمشق من جهة ثانية.

وفيما يتلاشى الدور التوافقي لأستانا على وَقْع خلافات الضامنين، يسود القلق لدى "أنقرة" من إمكانية توافُق واشنطن وموسكو على خطة مشتركة لشرق الفرات وغربه في معزل عنها، الأمر الذي دفعها لتنسيق مواقفها مع طهران، حيث أعلن وزير الداخلية التركي "سليمان صويلو" عن شنّ عملية عسكرية بالتعاون مع إيران ضد منظمة "بي كا كا" الإرهابية، وقد تشهد الأيام المقبلة مزيداً من التقارب "التركي-الإيراني" لمنع مشروع الحكم الذاتي الانفصالي، وتحجيم طموحات موسكو بإبعاد شركائها عن المشهد السوري.

لا سلام في سوريا إلا عَبْر الانتقال السياسي

انحسار العمليات القتالية، وتراجُع قوى الثورة ميدانياً، لا يعني انتهاء الثورة السورية، ولا يعني هزيمة مؤسساتها أو انتصار النظام عليها، بل يشير إلى الانتقال من مرحلة لها طبيعتها وأدواتها، إلى مرحلة أخرى مختلفة عنها، لها معطياتها وأدواتها، حيث يتحول المشهد السياسي للثورة من مرحلة ”الهدم“ إلى مرحلة ”البناء“، في حين يواجه نظام الأسد تحدياتٍ سياسيةً واقتصاديةً ودبلوماسيةً لم يشهدها من قبل.

المشروع الروسي لإعادة تأهيل النظام، محكوم بالفشل حتى لو اعترفت به بعض الدول، لأن نظام الأسد لم يعد نظام حكم، فهو لا يملك أيّ عنصر من عناصر الدولة والسلطة الوطنية والقانون، فقد تحول إلى تجمُّع "مافيات" مسلحة متنازعة، نزاعها مرشح للزيادة بسبب تضارُب مصالحها.

لا تشير المعطيات الحالية إلى تغيير دراماتيكي يمكن أن يحصل في الأشهر القادمة، حيث التجاذبات حول تشكيل اللجنة الدستورية قائمة، والجهود مستمرة لإيجاد حل سياسي بين النموذج الذي تريده موسكو ويضمن لروسيا السيطرة الكاملة على سوريا والإشراف الكامل أيضاً على الحل السياسي فيها، سواء ببقاء الأسد أو بتغييره، لكن بشروط تضمن له الخروج الآمِن مع الحفاظ على نظامه مع بعض التعديلات التجميلية، وبين النموذج الذي يهتدي بالقرارات الدولية التي تفضي إلى انتقال سياسي يغير من النظام القائم، سواء بإعادة توزيع السلطات بين المؤسسات السورية وفي مقدمتها سلطات الرئيس، والاعتراف بحدّ أدنى من الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وبالتالي ضمان الحدّ الأدنى من حكم القانون والقضاء العادل والحريات الأساسية والمشاركة الشعبية في الحكم.

لا سلام في سوريا ولا استقرار إلا عَبْر الانتقال السياسي، الذي يقتضي بالضرورة نهاية مرحلة وبداية أخرى، وهذا معناه نهاية حكم عائلة الأسد إلى الأبد.

===========================

الثورات السورية المتعددة في آذار 2011

حسام جزماتي

سوريا تي في

الاثنين 18/3/2019

يبدو تشريح الأيام الأولى للثورة أمراً شديد الإغراء، بعد أن اعتدنا على تناولها مجملة بوصفها محض درجات متصاعدة في انطلاقة ستعم البلاد. وتأتي أهمية تفحص تلك المدة من اكتنازها بالدلالات التي ستنمو في ما بعد وتشكل روافد في نهر مصطخب ومتنوع لا يصح النظر إليه بوصفه جدول مياه معدنية منسجمة.

بدأت الثورة بمظاهرة سوق الحميدية في دمشق، ظهيرة يوم الثلاثاء الخامس عشر من آذار. نظّم هذه المظاهرة شبان وشابات في العشرينات، مدنيون بأفق ديمقراطي، بعيدون عن السياسة بمعناها الحزبي وإن اقتربوا، إلى هذه الدرجة أو تلك، من تيارات متعددة فلم يكونوا من لون معين. كما تعددت أصولهم المناطقية والطائفية، وهو ما حرصوا على إظهاره في تسجيل مشهور.

سيغادر معظم هؤلاء البلد تباعاً، بعد أن صاروا خميرة طلائع التنسيقيات وبعد أن تعرضوا للاعتقال، عدة مرات أحياناً، وللملاحقة التي لم يستطيعوا التكيف مع ظروفها القاسية من التخفي ومتابعة تنظيم الاحتجاجات في الوقت نفسه. في منافيهم الأوروبية الآن يشعرون بالمرارة التي سيعبّر عنها بعضهم بالجملة الشائعة: «سرقة الثورة».

في اليوم التالي ستنظم شخصيات معارضة وناشطون حقوقيون اعتصاماً أمام مبنى وزارة الداخلية للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين السياسيين وبنود أخرى. لم تكن تلك المحاولة الأولى لهذه المجموعات، متعددة الآراء السياسية كذلك، لتنظيم وقفة احتجاجية، لكنها كانت الأنجح بتأثير مناخ الربيع العربي. فقد شاركت فيها أعداد أكبر، منهم كتاب وفنانون معروفون، ومنهم بعض ذوي السجناء بمن فيهم من الإسلاميين. ستصب الفعالية في صالح هؤلاء الأخيرين بشكل رئيسي، لا لسبب تآمري «خبيث» كما جرى قول متداول بشدة، وإنما ببساطة لأنهم أكثرية المعتقلين السياسيين. كان سجنا تدمر والمزة قد أغلقا، وكان معظم سجناء الرأي والأعضاء في المجموعات المعارضة المختلفة في سجن صيدنايا، وكانت أكثرية هؤلاء إسلامية، وكانت أكثرية التهم تنتمي إلى السلفية الجهادية.

صار بإمكانهم توكيل محامين فاعلين والحصول على قسط محدود من العدالة و«الاستفادة» من فساد القضاء

أجرى النظام بعض الحلحلة في هذا الملف، كما يجدر بأي نظام يواجه احتجاجات. فأنهى احتجاز بعض الموقوفين عرفياً لصالح الأمن دون إدانة، وأدرج السياسيين، كسواهم من المساجين، في سياق الإفراج بعد إسقاط ربع مدة الحكم، وحوّل ملفاتهم من محكمة أمن الدولة إلى المحاكم العادية حيث صار بإمكانهم توكيل محامين فاعلين والحصول على قسط محدود من العدالة و«الاستفادة» من فساد القضاء. نتيجة ذلك خرج مئات المعتقلين السياسيين بعد أيام، ولحقهم معظم زملائهم تباعاً ووفق أضابيرهم، وفيهم ديمقراطيون ويساريون وأكراد، لكن الغلبة العددية للجهاديين وبروزهم العسكري والقاعدي جعلا أسطورة «سجناء صيدنايا» تقتصر عليهم.

يوم الجمعة اللاحق، ودون النظر إلى ما جرى في العاصمة يومي الثلاثاء والأربعاء على الأرجح، سيخرج أهالي درعا في احتجاج أساسه «الفزعة»، أي تكاتف العائلات والعشائر، للمطالبة بأبنائهم المعتقلين، ورداً على غطرسة رئيس فرع الأمن السياسي، كما هو معروف. ستؤسس هذه المظاهرة شعبية الثورة، بل إنها ستؤسس الثورة نفسها لدى من يصرّون على تأريخها بيوم 18 آذار. سيعطي الاحتجاج الواسع الأول هذا زخماً لما سيليه في نقاط تظاهر أخرى، وسيرسم شكلها غير الأيديولوجي، المتركز محلياً، التضامني على أسس أهلية. دون أن يغيب الأفق الوطني السوري العام ولا يتصدر المشهد.

في الوقت نفسه، وفي بقعة أخرى من البلاد كان يجري احتجاج واسع آخر. في بانياس تجمّع عدة آلاف في جامع الرحمن بناء على تنسيق مسبق، وبعد صلاة الجمعة انتظروا حتى سمعوا الصيحة التي ستصبح تقليدية: «الله، سورية، حرية وبس». لن يمكن فصل أي احتجاج في الساحل عن التوتر الطائفي الكامن الظاهر. سيتوجه المحتجون إلى مقر أمن الدولة حيث سيقدمون قائمة مطالب ذات صلة بالتناحر السنّي العلوي تتضمن العدالة في توزيع الوظائف، وعزل مدير الميناء، والفصل بين الجنسين في مدارس البالغين، وإعادة المدرسات المنقبات إلى أعمالهن، فضلاً عن إلغاء قانون الطوارئ وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين على المستوى الوطني.

لن يمر هذا دون بوادر احتكاك طائفي سيتطور في اليوم اللاحق إلى حافة الصدام عندما سيقدم شبيحة غاضبون على إطلاق الرصاص في الهواء من سياراتهم المسرعة التي تردد ميكروفوناتها العالية: «الله، سورية، بشار وبس». سيستعد الآخرون بالأسلحة البيضاء وبنادق الصيد، لكن الأمور ستنتهي بسلام، مؤقتاً.

السلطات عازمة على ملاحقة هذه العصابة التي تروع المدنيين

فجر الأربعاء القادم ستهاجم قوات الأمن والجيش الجامع العمري الذي صار مركزاً للاعتصام بدرعا، ستقتل عشوائياً وتعدم ميدانياً. سيحضر التلفزيون ويصوّر أسلحة ورزم نقود وجوازات سفر، كعادته عند الإعلان عن ضبط مجموعة إرهابية. ستنشر وكالة «سانا» الرسمية أن عصابة مسلحة اعتدت على طاقم سيارة إسعاف مما أدى إلى «استشهاد» رجل أمن، مبشرة السوريين بأن السلطات عازمة على ملاحقة هذه العصابة التي تروع المدنيين.

تختصر الأيام الثمانية الأولى المعروضة هنا ما سيمر خلال ثماني سنوات، بينما تتوالى تنويعات الثورة/الثورات هذه وتتبادل التأثير وتتنافس وتتناقض. راود الكثيرين أمل أن تكون الأمور أكثر ضبطاً، لكن هذه الأمنية نابعة من تصور مثالي وغير واقعي للثورات، فهي زلزال تلحظ بدايته ولن تعرف متى سينتهي ولا أين سيضرب بالتفصيل.

أما النظام فكان ولا يزال مخزن الجمود والبلادة، يوم ولد ويوم يموت، ويوم لن يُبعث حياً...

===========================

شعلة لا تنطفئ

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 18/3/2019

في الذكرى السنوية لثورة سوريا، سألته صحفية مستعجلة: "ماذا نقول للسوريين في الذكرى الثامنة لثورتهم؟" قال: ليتهم كتلة واحدة لنطلب أو نتوقّع منهم شيئا واحدا. هم أكثر من فريق، ولكن رغم ذلك لابد أن يتيقنوا أنه مهما اختلفت أهواؤهم فإن ثورة حقيقية قد قامت في سوريا رافضة الاستبداد ومصممة على هزيمته؛ وهذه الصرخة- مهما تعرضت لانتكاسات- لا شبيه لها إلا الطلقة التي تخرج من فوهة بندقية، ولا تعود لغرفة النار أو تتراجع، حتى تصل هدفها.

يا سيدتي، ليس فقط أهل الثورة كالقابض على الجمر لثمانٍ عجاف في التشرد والاعتقال والاغتصاب في حضرة عالمٍ أغلق الكثير من بوابات عقله وغرف ضميره- ووقِف إلى جانب هذا الشعب بحياء ومن باب رفع العتب فقط- بل إن مَن بقي تحت رحمة منظومة الاستبداد لم يكن بأحسن حال؛ فها هي تلك الذرائع من "مؤامرة كونية إلى داعش إلى الإرهاب" قد بدأت تتكشف له؛ والتي من خلالها قتل إخوتهم السوريين واعتقلهم وشردهم في أربع أصقاع الأرض. وكل ذلك لمجرد قولهم /لا/ للاستبداد.

من هنا، على مَن ثار أن يزيد جرعة صبره قليلا؛ فمن شَرِبَ البحر، لا يغصُّ بالساقية؛ وحتماً، لن يرى أو يعيش ما رأى أو عاش في ظل الإجرام. وعلى من لا زال مضطراً أو خائفاً أو خانعاً أو قانعاً في ضفة منظومة الاستبداد أن ينظر فقط في سجل يوم واحد من حياته وما فيه من عوز وخوف وإهانة واستكانة؛ والأهم حالة العدمية في كل شيء حوله، ليعرف ما حلَّ به.

وليعرف الجانبان أن هذه المنظومة على درجة من الهشاشة والخواء والاعتمادية على احتلالين أساسيين أضحيا في حالة تنازع على الصلاحيات؛ وإن هما غابا فجأة، فنهايته محتمة بساعات

وليعرف الجانبان أن هذه المنظومة على درجة من الهشاشة والخواء والاعتمادية على احتلالين أساسيين أضحيا في حالة تنازع على الصلاحيات؛ وإن هما غابا فجأة، فنهايته محتمة بساعات. يكفي أن يرى السوري مشهد "رئيسه" في قاعدة حميميم مهانا بلا قيمة، والأرض سورية. ويكفي أن يراه مشحوناً بصحبة القاتل "قاسم سليماني" إلى آلهته في طهران، لسحبه من البراثن الروسية؛ ليقتنع أن السيادة أضحت في خبر كان، والكرامة وقيم أخرى أمور لا عهد له بها. حتى وإن استمر أيٌ من الحضورين الروسي أو الإيراني؛ فإن فاعليتهما ستضمحل لمجرد أن تأخذ العملية السياسية أبعادها الحقيقية.

مأخوذة بالخطاب "الغوبلزي" للنظام وأعوانه عن /الانتصار/، قالت الصحفية المجتهدة إنه بسيطرته على الجغرافيا وبإعادة الإعمار وعودة اللاجئين يستطيع النظام أن يعلن نصره المبين على ما سماه المؤامرة الكونية، ناسية أن هذه الأمور بالذات يستخدمهما النظام كجزء أساسي من عدة النصب المتعلقة بإعادة تأهيله؛ وكأن شيئاَ لم يكن أو حدث في سوريا. بداية الجغرافيا إنسان قبل أن تكون ترابا وحجرا؛ وهذا الإنسان لم يعد تحت السيطرة. ثانياً ليس هو من يسيطر على الجغرافيا بل أجانب ومحتلون. وبخصوص إعادة الإعمار واللاجئين، نسيت الصحفية أنه يسعى ويدفع بداعميه من أجل إعادة الإعمار فقط بطريقته ليرضي جشعه ومصالحهم في استرداد ما أنفقوا من ثمن أسلحة ورواتب عصابات وميليشيات استقدموها لذبح السوريين. فالروس يريدون استيفاء بعض الديون وأجرة طائراتهم وثلاثمئة نوع من الأسلحة جربوها على الأرض والإنسان السوري؛ وهكذا الإيرانيون الذين يقولون على الملأ الآن بأن ديونهم على دمشق يجب أن توثق قانونيا. فأي إعادة إعمار هذه التي تفسح في المجال لمن دمَّر مرة أن يعيد الكرة، متى قيل له: "لا"؟؟!!

أما عن عودة اللاجئين- والتي يركز عليها الروس خاصة؛ فهي بالنسبة لمنظومة الاستبداد عبء لا يُطاق. وإن كان "نتنياهو" يريد لفلسطينيٍّ أن يعود إلى فلسطين، يمكن أن يصدِّق أحدٌ أن نظام الأسد يريد لسوريٍّ خرج من سوريا أن يعود. لقد كان أحد ضباط الأسد صادقا وساذجاً عندما نصح السوريين بعدم العودة؛ ليدفع حياته إثر ذلك. معروف أن قلة من السوريين قد خرجوا من سوريا بمحض إرادتهم، وقلة بسبب داعشي. خرج السوريون مرعوبين، مهانين؛ وفضلوا أحياناً الموت في عرض البحر على ألا يبقوا تحت ربقة ظلم وإجرام النظام ووحشيته.

فالروس يريدون استيفاء بعض الديون وأجرة طائراتهم وثلاثمئة نوع من الأسلحة جربوها على الأرض والإنسان السوري؛ وهكذا الإيرانيون الذين يقولون على الملأ الآن بأن ديونهم على دمشق يجب أن توثق قانونيا

كثيرون بدؤوا حياة في الخارج أثبتوا فيها أنهم حالات وظواهر إنسانية ومجتمعية وثقافية واقتصادية فاعلة حيثما حلوا. باختصار ازدهرت أو تردّت حياتهم في الخارج، لا يمكن أن يعودوا، وهذا النظام موجود أو كما هو. لا زال هؤلاء يذكرون ما حلَّ بهم؛ وكذلك يذكرون عبارة رأس النظام عندما تحدث عن "مجتمع متجانس". إضافة إلى ذلك، لا ينفك المجتمع الدولي عن الحديث عن بيئة آمنة محايدة؛ وهذا ما لا يمكن لهذا النظام أن يوفره. إن مجرد وجوده هو نفي لتلك البيئة بالمطلق.

في عيدها الثامن، تستمر ثورة سوريا بتفردها؛ ما فكّر أحدٌ يوماً بإمكانية ولادتها، ولكنها وُلدت من دم ودموع ووجع يملأ المحيطات؛ وبلا معين؛ فلا ترى نورها يخبو قليلا حتى يعود ويتوهج؛ وكأنها صناعة سماوية؛ إنها شعلة لا تنطفئ، وهكذا خلق يصعب هزيمته.

===========================

من يحاصر تركيا في إدلب.. روسيا أم أميركا؟

سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاثنين 18/3/2019

هيأت هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) من جديد الظروف الملائمة لروسيا لإعلان حربها على إدلب (في شمال سورية)، وسلمت لها، عن سبق إرادة، الذرائع اللازمة لإنهاء اتفاقات التهدئة التي تعني ضمان حياة أكثر من ثلاثة ملايين سوري يعيشون في منطقة خفض التصعيد الرابعة، حسب اتفاقات بين شركاء أستانة الثلاثة، والتي أجلت المعركة سابقاً، لكنها لم تعمل، حسب الاتفاقات، على إزالة أسباب عودة التلويح بها، لتعود إلى الواجهة، تتصدّر عناوين حفلة الشواء التي تقيمها روسيا وإيران بلحم السوريين، وسط صمت الشريك الثالث "التركي" الذي يبدو كأن النار المشتعلة تحمل، بلهيبها، رسائل موجهة له من جهتين: الروسي الذي يعلن الحرب على منطقة نفوذ حليفه في مساري آستانة وسوتشي، والأميركي الذي يقف متفرجاً، وصامتاً أمام مجزرةٍ تستهدف السوريين أنفسهم الذين يعتقد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، حسب تغريدته في سبتمبر/ أيلول 2018، أنه حماهم من "خطأ إنساني فادح كانت سترتكبه كل من روسيا وإيران".

وعلى ذلك، المعركة التي تعلن روسيا عنها في إدلب أنها بالتوافق مع تركيا تعني، في حقيقتها، وضع نقطة النهاية على الاتفاق السابق الذي يمنح تركيا إدلب بوصفها منطقة نفوذ، لتعود الدول الثلاث إلى طاولة تفاهماتٍ جديدة، لن تكون الولايات المتحدة الأميركيةً بعيدة عنها، أو أن ما تريده من الحرب المفترضة، والمسكوت عنها حتى الآن دولياً، ليس على جدول أولويات روسيا، اليد العليا في المفاوضات المقبلة، التي تتحرّك وفق معيار تحقيق مصالحها ضمن تنفيذ 

"حفلة الشواء التي تقيمها روسيا وإيران بلحم السوريين تتصدر العناوين، وسط صمت الشريك الثالث "التركي"" أجندة أميركا الدولية في المنطقة، فهي تتولّى التفاهمات من جهة مع إسرائيل محور الاهتمام الأميركي في الحرب السورية، والتي تتضمن تقليص النفوذ الإيراني في سورية من ناحية. ومن جهة أخرى، إعادة تموضع الجانب التركي وفق خريطةٍ لا تتجاوز فيها تركيا حدودها الجغرافية مع ضمانات أمنها الإقليمي، أي إعادة ترتيب التحاصصات الدولية في سورية، فروسيا التي لم تتوان للحظة عن تأكيد رغبتها في استعادة سيطرة النظام على إدلب، وقد ضمنت ذلك في اتفاقات خفض التصعيد التي أعلنت منذ توقيعها على أنها مؤقتة، وفعلياً أعادت كل المناطق إلى نفوذ مؤسسات النظام التنفيذية، عبر عمليات مصالحة مناطقية، أو يمكن اعتبارها: استسلاما عسكريا من الفصائل المسلحة "المحسوبة على المعارضة" التي التزمت بتوقيع الاتفاق بداية، من دون العودة إلى المعارضة السياسية "المفترض أنها تمثل الكيان التفاوضي"، وبعد ضرباتٍ وحشيةٍ روسية، استهدفت مناطق التهدئة نفسها، سواء في ريف دمشق أو حوران (محافظة درعا)، حيث أعلنت تلك الفصائل الاستسلام بعد اتفاقاتٍ تضمنت مصالح شخصية لقادة المسلحين، وترحيل إجباري إلى إدلب لأهالي المناطق التي كانت تحت سيطرة الفصائل، والرافضين تسوياتٍ غير مضمونة دولياً، أي أنه لا جديد في سياسة روسيا في إدارة مناطق خفض التصعيد، ومنها منطقة إدلب، منطقة خفض التصعيد الرابعة (وقعت في 15 سبتمبر/ أيلول 2017)، وعادت كل من روسيا وتركيا إلى تدعيم الاتفاق بعد توتر الأوضاع ميدانياً، في اجتماع (17 سبتمبر/ أيلول 2018) ضم رئيسي البلدين في منتجع سوتشي لإنتاج ما سمي آنذاك "اتفاق إدلب" أو "اتفاق إنشاء منطقة منزوعة السلاح في إدلب" التي أعلنت روسيا بضرباتها انتهاء مفاعيلها واستعادت السيناريو المتبع لها في ذلك، حيث تستبق المفاوضات على تغيير تبعية المناطق بضرباتٍ جويةٍ حارقة، تساند فيها المليشيات البرية متعدّدة الجنسيات التي تقف إلى جانب النظام، من لبنانية وإيرانية وغيرها.

وعلى ذلك، تخرج إدلب اليوم بوصفها ورقة قوة من تركيا، بعد أن نفدت الفرص الزمنية المتاحة لها، وفي وقتٍ تقف فيه الولايات المتحدة متحفزةً ضد التصريحات التركية بشأن معركةٍ في شرق الفرات، ما استدعى تغيير المخطط الأميركي من انسحاب سريع وكامل من سورية 

"استعجال المعركة التي كان يُفترض تأجيلها إلى ما بعد انتهاء الانتخابات البلدية في تركيا كان ضمن أجندة التوافق الروسي الأميركي والروسي الإسرائيلي" إلى انسحاب جزئي، وإعادة ترتيب المصالح مع روسيا، ضمن ما يمكن التكهن فيه بشأن نتائج الاجتماعات العسكرية التي جرت في فيينا (4 مارس/ آذار الجاري) بين رئيسي هيئتي الأركان في أميركا وروسيا، لتصبح ورقة مساومة روسية على مستويين، الأول ضمن محور ضامني آستانة، أي مع تركيا، التي يفترض أن تعيد الطرق الأساسية بين إدلب والعاصمة دمشق مروراً بالساحل إلى العمل تحت سيطرة النظام، وأن تسمح بدخول الجهات التنفيذية إلى كامل إدلب لإعلانها منطقة خالية من الإرهاب، وهو الأمر الذي لا تعارضه الإدارة الأميركية التي صرحت مندوبتها في الأمم المتحدة سابقاً، عبر تغريدة لها، بموافقتها على خوض معركة إدلب "شرط عدم استخدام السلاح الكيماوي".

أما على المستوى الأميركي الإسرائيلي، فتمضي روسيا إلى آخر معاركها العسكرية بعد اللقاء الذي جمع بين الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، ورئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو (فبراير/ شباط الماضي)، والذي خلص إلى اتفاقٍ بيني "يتضمن إخراج القوات الأجنبية من سورية، وتشكيل طاقم مشترك يعمل على تحقيق الهدف، بمشاركة جهات أخرى"، ما يعني استخدام إيران والمليشيات التابعة لها أدوات قتل للسوريين، قبل العمل على استبعادها من سورية، وفق الاتفاق مع نتنياهو، أي أن استعجال المعركة التي كان يُفترض تأجيلها إلى ما بعد انتهاء الانتخابات البلدية (نهاية مارس/ آذار) حسب الرغبة التركية، كان ضمن أجندة التوافق الروسي الأميركي (في فيينا)، والروسي الإسرائيلي (في موسكو).

ومن هنا، يمكن وضع التساؤلات بشأن حقيقة الجهة التي أرادت أن تحاصر تركيا في إدلب؟ ولماذا أرادت أن تسحب منها ورقة قوتها؟ وبذلك هل تسقط معها المعارضة التي قبلت بمسار آستانة بوصفه حلا انشقاقيا على مسار جنيف؟ ما يتيح من جديد العودة إلى الحديث عن اجتماعات جولات جديدة تمنح فيها الولايات المتحدة الأميركية، من جديد، روسيا حرية الحركة، ضمن حدود إنشاء نظام سوري جديد، يضمن انتهاء النظام السابق، شكلاً ومضموناً، من دون إعلان هزيمته أو موته حفظاً لماء وجه بوتين تحت مسمى الحل السياسي المشترك، الذي تبني من أجله موسكو اليوم مؤسساتٍ بديلةً وعميقةً تتولى عملية الانقلاب على النظام من داخله وبأدواته.

===========================

«أصنام» الأسد وعبادة الشخصية

  رياض معسعس

القدس العربي

الاثنين 18/3/2019

يعود نظام عائلة الأسد إلى سابق عهده وكأنه لم يتعظ من ثورة الشعب السوري ضده خلال ثماني سنوات، ومقتل نصف مليون إنسان، وتدمير سوريا، وتهجير ثلث سكانها، واحتلال أراضيها من قبل قوى اقليمية ودولية. فبالأمس ثار أهل درعا البلد، مهد الثورة السورية، ضد تنصيب «صنم» لحافظ الأسد، وقبلها أعيدت « أصنامه» إلى مدن أخرى. كإمعان من النظام في إذلال المدن التي انتفضت ضده، وإعادة تثبيت أركانه التي ثار السوريون ضدها أصلا.

المفهوم اللغوي

في المفهوم اللغوي لكل كلمة دلالتها فإن «كلمةصنم» هي ما تلائم هذه الحالة. فكلمة صنم هي منحوتة تأخذ شكلا معينا مخصصة للعبادة، وكلمة تمثال هي كلمة تدل على منحوتة فنية لها شكل، وكلمة وثن هي منحوتة لا شكل لها مخصصة للعبادة. وهذه «الأصنام « المنتشرة في أرجاء المدن السورية هي جزء من سياسة عبادة الشخصية التي اتبعها حافظ الأسد نفسه وجسدها بكل مظاهر «التأليه» لشخصه، فمصطلح « عبادة الشخصية» فيه شيء من التأليه، وهي الوجه الجديد لتأليه الحاكم كما كان يوهم ملوك الأمس أن دمهم أزرق لأنهم من أبناء الآلهة.

تأليه الحاكم

وقد ظهر هذا المصطلح لأول مرة في العام 1956 عندما استخدمه الزعيم السوفييتي السابق نيكيتا خروتشيف في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي ضد السياسة الستالينية في تأليه الذات. ومنذئذ بات هذا المصطلح ينطبق على كل حاكم يرغم شعبه على عبادة شخصه، ومن مظاهر عبادة الشخصية نصب « الأصنام» في كل ساحات المدن، ونشر البروباغاندا بأعمال الحاكم « الخارقة»، عبر وسائل الإعلام المسخرة كليا لتمجيده، إقامة التظاهرات المختلفة المجيرة لشخصه، وضع اسمه على كل صرح من صروح الدولة، إقامة العروض العسكرية والشعبية، استخدام الملصقات، والصور الكبيرة على واجهات المباني، تسخير وسائل الإعلام وخاصة السمعية البصري والأفلام والمسلسلات، وشراء ذمم الصحافيين والكتاب.

وإضافة لقب إلى إسمه يلازمه دائما كلما ذكر، فعلى سبيل المثال ادولف هتلر كان يلقب بالفوهرر ( القائد)، وبونيتو موسوليني بالدوتشيه ( القائد)، وستالين بالأخ الأصغر للشعب، وماوتسي تونغ القبطان ( الذي يدير دفة السفينة)، ونيكولاي تشاوشيسكو بعبقري الكربات ( نسبة إلى جبال الكربات في رومانيا)، وكيم إيل سونغ بالرئيس الأبدي..وفي عالمنا العربي على سبيل المثال لا الحصر كان يكنى عبد الكريم قاسم بالزعيم الأوحد ( ماكو زعيم إلا كريم)، ومعمر القذافي بملك ملوك إفريقيا، وقس على ذلك..

تشابه مع كوريا الشمالية

ولكن إذا أخذنا الحالة الأسدية نجد أن فيها الكثير من أوجه التشابه مع الحالة الكورية الشمالية، بل حتى التماثل في أكثر من وجه: التوريث السياسي من الأب للإبن، ثم الحفيد، كيم إيل سونغ الرئيس الأبدي، وحافظ الأسد إلى الأبد، الأصنام العملاقة في كل مكان، صور الزعيم، الاستعراضات الكاذبة التي توحي أن البلاد في أحسن حال، والسعادة هي السمة العامة على الوجوه..إطلاق إسم الأسد على معظم المنشآت: مكتبة الأسد، بحيرة الأسد، جامعة الأسد، مستشفى الأسد، بل بدلت أسماء شوارع ومنشآت ثقافية كانت تحمل أسماء مثل المتنبي، وأبي الفداء، وابن رشد، والزنكي لتصبح جميعها باسم الأسد وكأن هو الذي أنشأها، والأنكى من ذلك أن حتى اسم ابنه باسل الذي توفي بحادث سيارة وضعت عدة منشآت باسمه كمطار باسل الأسد، ونادي باسل الأسد للفروسية.. وحتى سوريا كاملة باتت باسم «سوريا الأسد».

البروباغندا البعثية

توظيف وسائل الإعلام والهيئة العامة للسينما في خدمة البروباغندا البعثية القائمة على مصطلح خلبي للاستهلاك المحلي: الصمود والتصدي والممانعة في وجه إسرائيل مع أن منذ حرب تشرين الأول/أكتوبر في العام 1973 لم تطلق رصاصة واحدة على الحدود في الجولان المحتل، واليوم تصول طائرات العدو الإسرائيلي وتجول في سماء سوريا وكأنها في فسحة لتقصف متى تشاء وأي هدف تشاء ونظام الممانعة والصمود والتصدي لا يمانع ولا يتصدى. أما المانشيتات في الصحف الرئيسية (البعث والثورة وتشرين) يجب أن تكون مرتبطة بنشاطات الرئيس وصورة له. وفي نشرات الأخبار الإذاعية والتلفزيونية يحتل دائما الخبر الأول.

ويشترك الأسد مع الزعيم شاوشيسكو بلقب الرفيق القائد الملهم. حتى أنه عندما أعدم شاوشيسكو في العام 1989هناك من جاء ليلا وكتب بالخط العريض على أحد أصنام الأسد عبارة: شام شيسكو، وعجزت أجهزة المخابرات عن اكتشاف الفاعل. أما صور الرفيق القائد فكانت، كما هي صور وريثه اليوم، في كل زاوية، وكل ركن، وكل محل تجاري، وفي الساحات العامة بالحجم الكبير، ولم يكن أي وزير يجرؤ أن يتحدث لوسيلة إعلامية، أو يلقي كلمة دون أن يذكر أفضال الرئيس القائد.

عبادة الشخصية

عبادة الشخصية هي بكل بساطة البديل الضروري لكل طاغية فقد الشرعية. اليوم تعاد الأصنام منصوبة في مدن منكوبة فخلفية كل صنم أبنية مهدمة ببراميل وريثه المتفجرة، وإلى جانبها المقابر الجماعية لمجازر ارتكبتها ميليشياته الطائفية، وليس بعيدا مخيمات النازحين يموت فيها الأطفال جوعا وبردا، وينظر الصنم إلى الأفق البعيد رافعا يده ليحيي إنجازات وريثه وكل هؤلاء الذين جاؤوا من كل فج عميق لنجدته. وعلى مرمى حجر أو مرميين على جدار مدرسة في درعا كتب أطفال عبارة الشعب يريد إسقاط النظام، طمسها شبيحة النظام وكتبوا تحتها: الأسد أو نحرق البلد

كاتب سوري يقيم في باريس

===========================

في الذكرى الثامنة للثورة السورية

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الاحد 17/3/2019

شلال الدم المتواصل منذ ثماني سنوات في الشام لا يزال على حاله، ويتواصل معه نزيف الخيانات والمؤامرات المستمر على الشعب السوري وثورته، ومع دخول الثورة السورية عامها التاسع، لا يبدو في الأفق القريب نهاية للمآسي والفظائع التي قد تتخذ منحى جديداً، قد يكون فيه الصراع بين القوى الدولية أوضح وأكثر دموية، لكن بالمقابل ثمة إصرار أسطوري للشعب السوري على نيل حريته واستقلاله وكرامته، من احتلالات داخلية وخارجية متعددة، ونحن على أعتاب السنة التاسعة، يجدر بنا أن نضع بعض العلامات والإرشادات المهمة التي خرجت بها الثورة خلال تلك الفترة، لتسترشد بها وتتعلم منها، في ظل التآمر الرهيب عليها وعلى الوصول إلى نتيجتها المنطقية، وهي انتصار إرادة الشعب على إرادة الطغيان والاحتلال:

يحاول البعض أن يشيع أن الحرب قد انتهت، وبالتالي فإن الطاغية انتصر مع كل ما جلبه من احتلالات أجنبية وميليشيات طائفية لقتل السوريين وأحلامهم، ولكن يجهلون أن الجرح العميق الملوّث هو الطاغية ذاته، وأن ما يسمونه بالنصر، ما هو في الحقيقة إلا شاش أو لاصق يغطي جرحاً ملتهباً ومتقيّحاً، لن يقتصر تأثيره وخطره على الجسم ذاته، وإنما سيتمدد ويتوسع على الجسم الكبير، وما على الدول الأخرى والعالم إلا أن تستعد لدفع الثمن، وهو ثمن قد يكون باهظاً وخطيراً، إن لم تتم معالجة الجرح نفسه، وهو بقاء طاغية بحجم الأسد في السلطة.

كشفت مراكز دراسات واستطلاعات رأي معتبرة أخيراً، أن 89% من السوريين المشردين خارج سوريا يودون ويرغبون في العودة إلى وطنهم، ولكن بعد تهيئة الظروف ورحيل الطاغية، فهم لا يرون سوريا في أمان في ظل احتلال داخلي مدعوم باحتلال أجنبي، وفي ظل أجهزة أمنية قمعية رهيبة، رأى العالم كله ما فعلته وتفعله بالسوريين، من خلال الـ 55 ألف صورة التي سرّبها العميل قيصر للعالم كله.

منذ حروب وجرائم النازية، لم يتم توثيق جرائم ومجازر وانتهاكات كما يتم توثيقها اليوم ضد طاغية الشام، كاستخدام الصواريخ البالستية ضد المناطق الآمنة المأهولة بالسكان، واستخدام المروحيات والطيران الحربي ضد مدن عريقة آهلة بالسكان، واستخدام براميل متفجرة تعود إلى القرون الوسطى عمياء تماماً لا تفرق بين طفل وامرأة ومقاتل ومدني، واستخدام الكيماوي والسارين، وفوق هذا صمت العالم كله على احتلال بلد عضو في الأمم المتحدة من قبل دول متعددة الجنسيات وميليشيات طائفية عابرة للحدود، ومع هذا لا يزال المجرم القاتل طليقاً يتمتع بالامتيازات الدولية كافة، بينما الضحية هو المتهم وهو الذي يُعاقَب ويدفع الثمن.

الواضح أن العالم لا يريد مساعدة طاغية الشام على إعادة الإعمار، ولا أدري كيف يمكن مجرد التفكير بالأمر مع من دمّر وخرّب وقتل وهجّر؟! ولكن مع هذا فإن العالم ذاته هو الذي يرفض إسقاط الطاغية والتخلي عنه، فالناتج الوطني السوري الذي كان قبل الثورة 60 مليار دولار، لا يتعدى اليوم في ظل بقاء الطاغية في السلطة 300 مليون دولار فقط، فهل عصابة تحكم بهذا الشكل، والثقة بها بهذا المستوى، يمكن أن يتم التعامل معها لإعادة الإعمار؟! وكأن المطلوب عالمياً الآن هو إبقاء الجرح المفتوح في الشام، ليكون بمثابة صندوق بريد بين قوى دولية تصفّي حساباتها ومشاكلها، لكن في أرض الشام وعلى حساب الدم الشامي.

الشيء الوحيد الذي يعني الثورة والثوار هو الاستمرار بمهمة اختاروها بأنفسهم قبل ثماني سنوات، وعلى الرغم من الخيانة التي تعرضت لها مناطق الثورة الأخرى بتآمر خارجي رهيب، فإن هذه المدن تنتفض من جديد، ونرى ذلك في درعا والرستن وغيرهما اليوم، ونرى معه عودة العمليات العسكرية المستهدِفة لقطعان الطائفيين والمجرمين من المخابرات الجوية، التي لا ترقى إليها جرائم «الجستابو» الألمانية و»الكي جي بي» الروسية، الثورة لن تنتهي بالنسبة لمليون شهيد، وراءهم ملايين ممن أقسموا على الانتقام والثأر لدمائهم وتضحياتهم، وثمة الملايين الذين ينتظرون أحباءهم ممن يقبعون في سجون الطائفيين، يسمعون أخبار تعذيبهم ومعاناتهم بين الفينة والأخرى، وسط شعور عالمي خشبي لا تعنيه شيئاً كل هذه المعاناة والعذابات السورية، وكما قال من خرج في مظاهرات الأمس في درعا: «لم يعد هناك ما نخسره، فالأحباء تحت التراب، وآخرون وراء القضبان، ونحن نعيش حياة البهائم دون أي اعتبار لبناء مساكننا، أو توفير أبسط خدمات البشر لمن عادوا»، في حين أن العصابة في دمشق مشغولة بإعادة بناء تماثيل الطاغية المؤسّس، ونشرها على المناطق التي استعادتها بدعم الخونة والاحتلالات متعددة الجنسيات.

===========================


إدلب بعد اتفاق سوتشي

 فاطمة ياسين

العربي الجديد

الاحد 17/3/2019

استطاع المفاوض التركي تجنيب إدلب (المدينة السورية شمالا) هجوماً كاسحاً من قوات النظام بمواكبة روسية وإيرانية، في اتفاق سوتشي الذي أحاط المدينة بحلقاتٍ منزوعة السلاح، على حساب مناطق تسيطر عليها المعارضة.. لم يحمِ الاتفاق إدلب من مرمى النيران، وهي المكان الذي يقطنه حوالي ثلاثة ملايين شخص، هم من بقوا من سكانها الأصليين، مع أعداد كبيرة من مهاجري أرياف حلب وحماة واللاذقية، بل وضعها في حالةٍ متأرجحةٍ ما بين الحرب والسلم، وهي حالة مؤقتة، جرى فيها هجوم قوات النظام فترات متقطعة، شكلت قلقاً من انهيار هذا الاتفاق، وفق متغيرات كثيرة، دخلت في معادلة التعامل بين كل الأطراف الموجودة في المنطقة، من روس وإيرانيين وكرد وقوات دولية، وأخرى تركية، وآخرين بدون هوية. وقد شهدت مناطق إدلب خلال الفترة الماضية بالفعل هجمات متقطعة على مناطق الداخل، وبعض المحاور التي يعتبرها النظام تحمل قيمة عسكرية، كمدن اللطامنة وكفر زيتا ومحور قلعة المضيق، وسقط خلال هذه الهجمات مدنيون، واستعملت خلالها أسلحة متنوعة، بعضها محرّم.

كل الهجمات التي نفذت خلال وقف النار قامت بها مجموعات النظام والمليشيات التابعة له، فيما يمكن تفسير هذا الهجوم المتقطع، والذي يستهدف المدنيين، بشعور النظام وإيران بالامتعاض حيال اتفاق سوتشي، حين كانا يهيئان هجوما آخر، يشبه ذلك الذي كسبا فيه الغوطة والمناطق الجنوبية، ولكن الاتفاق أوقفهما في اللحظة الأخيرة..

هجوم يوم الأربعاء قامت به طائرات روسية، وهو تغيير في القواعد المتبعة منذ توقيع اتفاق سوتشي، ما يعني أن هناك تعديلا ترغب به روسيا. وبمراجعة سريعة لاتفاق سوتشي، هو يتضمن جانبين رئيسيين: الأول تتراجع فيه المجموعات المسلحة في إدلب مسافة خمسة عشر إلى عشرين كيلومتراً، وتسمى هذه المناطق منزوعة السلاح، ويراقبها طيران مسيَّر من تركيا وروسيا وإيران. في الجانب الثاني، يتم فتح طريق اللاذقية-حلب، وطريق حلب-حماة، ويضمن الجميع حركة المواطنين وأمنهم، ويلتزمون محاربة الإرهابيين. يؤجل هذا الاتفاق الفضفاض كل شيء، ولا يضع تصوراً لحل نهائي، وما حدث في الواقع كان تراجع المجموعات المسلحة في إدلب، وبعد ذلك حدث انحسار لبعضها لصالح بعض آخر، مع ظهور أكبر لحركة تحرير الشام، أما الطرق فلم يدع النظام للأمن الفعلي أن يستتب بها، علماً أنه يمتلك حلولاً طرقية بديلة مؤمنة له بدرجة كبيرة.

وجد النظام نفسه خاسراً في اتفاقيةٍ جمدت قواته حول محيط إدلب، وقد كان يمنّي النفس بمعركة سريعة تعيدها إلى "حضنه"، وتلمست روسيا أن رغبتها في تعويم الأسد لم تلقَ التجاوب المطلوب، فاقتصر الأمر على دولةٍ وحيدة، افتتحت علنا خط التعاون الدبلوماسي مع دمشق، كما أن جهود إعادة الإعمار باءت بالفشل، بعد أن سوّقتها روسيا طويلاً، وجديد الجهود المبذولة في هذا الاتجاه كان الجولة الروسية في الخليج التي لم يبدر عنها ما يفيد بأن هذه الدول معنية بالموضوع. وهناك فيتو أميركي معلن، وصل إلى حد تراجع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، عن سحب كامل قواته من سورية، فهو لا يرغب ببدء أي عملية إعمار، قبل أن يرى إيران خارج سورية، أو على الأقل يطمئن إلى انحسار نفوذها بشكل كبير في دمشق. أما الصين، وهي مرشح قوي لإعادة الإعمار، فعلى الرغم من مشاركتها الواسعة في معرض دمشق الدولي أخيرا، والحفاوة التي أبداها النظام السوري وإعلامه بهذه المشاركة، لم تبدِ الصين حماساً كبيراً، وهي تملك شركاء استراتيجيين في الخليج، يرفضون حتى الآن جهوداً كهذه. في هذه الأجواء، تريد روسيا إعادة ضبط اللعبة بهجوم مبرمج، وبأهداف ذات رمزية قوية، كان أحدها قصف سجن يضم كثيرين من أنصار الأسد، وداعمي إيران، أرادت فيه أن تحرّك الركود الذي يواجه النظام، لكن الفشل في هذه المحاولة شبه مضمون.

===========================


الثورة السورية الجرح المفتوح

بشير البكر

العربي الجديد

السبت 16/3/2019

سورية جرحٌ مفتوح على اتساعه، بعد مرور ثماني سنوات من الثورة. سقط أكثر من مليون قتيل، وتهجّر حوالي عشرة ملايين، وتدمّر ثلث العمران. هل يمكن أن يكون هناك ما هو أكثر وقعاً من الأرقام؟ إذا تركنا الأرقام تتحدث وحدها، فلن يجد السوري أمامه فسحة أملٍ، في ظل تخلٍ عربي ودولي عن المسؤولية السياسية والأخلاقية تجاه هذا البلد وأهله. ولكن الثورة لا تقاس بالأرقام، لأنها حركة الشعب في التاريخ، وهي مستمرة، طالما أن الأهداف لم تتحقق.

بات في حكم العادة في كل سنة، إجراء جردةٍ للسنوات التي مضت، ومحاولة استشراف ما تحمله السنة المقبلة. في كل وقفةٍ، هناك شعور يخامر السوريين بأن السنة الآتية ربما تكون مختلفةً عن بقية السنوات التي انقضت. وعلى أرضية هذا الأمل، يبدأون ببناء أحلام بشأن اقتراب الفرج وخاتمة المأساة التي طالت، ولم تتوقف تداعياتها الكارثية، إلا أنه في كل سنة تمر ينخفض سقف الطموحات. والثابت اليوم أنه لم يعد أحد يضع في حسابه نهاية تامّة للكارثة. وهناك إجماع بين السوريين على أن استعادة سورية كما كانت أمر مستحيل، ولكن هذا لا يمنع من الأمل بنهاية الحروب على الأرض السورية أولاً، وبعد ذلك على السوريين انتظار نوافذ أخرى، يمكن أن تنفتح على حلول. ومهما حصل، ليس أمامهم سوى استيعاب الدروس التي تعلموها على دروب النكبة. ومن هنا، فقط، يمكن لهم أن يؤسّسوا لمستقبل بلدهم.

وفي ظل الحال القائم على الأرض، لا أحد من السوريين يتوهم أن موازين القوى تبشر برحيل النظام قريباً، وذلك ليس لأنه نظامٌ تجاوز آثار الحرب، وبدأ يستعيد عافيته، وإنما لأن له وظيفة مرسومة، عليه أن يؤديها، وهذا الدور يحدّده له الروس الذين يمتلكون أوراق القوة، ويتحكّمون بمفاتيح النظام الأمنية والعسكرية والسياسية، فهم يحمون الأسد، ويؤمنون له الغطاءين، المحلي والدولي. وسبب دفاعهم عنه هو استعادة رأس المال الذي صرفوه، من أجل إعادته إلى المشهد من جهة، ومن جهة ثانية استخدام سورية قاعدة لهم، في ظل التجاذب مع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي. ويكفي هنا تصريح وزير الدفاع الروسي، سيرغي شويغو، بأن وزارته جربت 360 سلاحاً في سورية. وفي جميع الأحوال، لا يمكن مقارنة حجم التأثير الروسي بنظيره الإيراني الذي بات في الدرجة الثانية من حيث النفوذ، ويتراجع تبعاً للحصار الاقتصادي المضروب على إيران.

إلى ذلك، لا أحد من السوريين يصدّق أن النظام سوف يعود إلى ما كان عليه قبل ثماني سنوات. وحتى لو عادت الأجهزة التي كان يعتمد عليها، لن يكون في وسعها أن تمارس السطوة نفسها التي كانت تتمتع بها قبل الثورة، لأن السوري كسر جدار الخوف من جانب، وعلى الجانب الآخر لم يعد لدى النظام الأدوات اللازمة لتركيز أدوات الاستبداد من جديد، وفي الوقت ذاته، لن يسمح له الروس بأن يعود إلى ماضي عهده، ومثال ذلك ما حدث في درعا أخيراً، حين حاول النظام أن يعيد نصب تمثال لحافظ الأسد في درعا البلد، وكانت النتيجة أن أبناء درعا نزلوا إلى الشارع، وهم يردّدون هتافات الثورة في أول أيامها، حين انطلقت شرارتها الأولى من حوران عام 2011. وكان جديراً بالملاحظة أن الشرطة العسكرية الروسية هي التي قامت بتهدئة الموقف، وهذا ما يحصل في المدن الأخرى.

مضت ثماني سنوات على الثورة، ولكن النظام لم يتغير ويستوعب ما حصل. ومع أنه انكسر، فقد تراجع إلى الخلف نحو زمن حافظ الأسد، في حين أن السوريين يدركون أن الحل ليس بيدهم، ولكن أي حلٍ لن يكون على هوى الأسد وروسيا وإيران.

===========================

بائع سورية

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 16/3/2019

يقول اللسان الشعبي: "اللي بتنخزو شوكة بيحس فيا". والشوكة التي تحسّ الأسدية بوخزها منذ سلمت الجولان لإسرائيل عام 1967 هي شوكة الوطنية. لذلك تلح عليها باعتبارها هوية حصرية لها، لا يجوز أن يشاركها أي سوري فيها، وتدّعي أنه لا شغل لها غير الدفاع عن الوطن، وحمايته، والموت في هواه، والبقاء في السلطة من أجله، بينما تتهم بالخيانة أي طرفٍ أو شخص يذكّرها بدورها في تاريخه الحديث، أو يتحفظ على ما يتعلق به من مواقفها وتصرّفاتها.

بعد ثورة الحرية عام 2011 التي كان أحد أهم أهدافها استعادة الوطن إلى صاحبه الشرعي: الشعب السوري، اختلقت الأسدية جملة أكاذيب لتبرير حربها ضده، باعتبارها دفاعا عن الوطن، ولأن أحدا لا يصدّق أن الشعب يمكنه أصلا خيانة وطنه، ويعلم جميع خلق الله أن الأسدية تبيد شعبها بسبب تمرّده عليها ورفضه عبوديتها، فقد فبركت مؤامرةً كونيةً ضد سورية، انخرط الشعب فيها، بدعمٍ خارجي، لذلك تشن الأسدية الحرب عليه، لتمنعه من تدمير وطنه.

استدعت الأسدية، بذريعة حماية الوطن من شعبه، تدخلا أجنبيا متنوعا إلى سورية، واستقدمت مرتزقة من أحط أصناف العالم السفلي، لحمايتها من مواطنيها، وفتحت وطنها أمام حرس إيران الثوري، وما تحت تصرفه من قتلةٍ محترفين في لبنان والعراق وأفغانستان وباكستان... إلخ، قبل أن يستدعي هؤلاد بدورهم روسيا التي قامت بغزوٍ منظم، صحبه احتلال للأرض السورية، وتوضعت فيها بطرقٍ توحي بأنها لن تغادره إطلاقا، بينما تحول من غزو وطنه، من دون أخذ الإذن منه إلى جثةٍ سياسية هامدة، وفقد كرامته رئيسا إلى درجةٍ غدا معها من المألوف أن تراه واقفا كأي ذليل وراء جندي روسي، أمره بالبقاء بعيدا عن سيده بوتين، وهو يستعرض، في مطار حميميم السوري، قوات الاحتلال الروسية، أو منزويا كالمنبوذ قرب جدار، بينما يرحّب بوتين بضابط سوري، يفترض أنه ينتمي إلى الجيش الذي يأتمر بأمره باعتباره قائدا عاما للجيش والقوات المسلحة السورية، ويعلن ناطقٌ باسم موسكو أنها ستحمل الأسد كامل المسؤولية عن أي سوء يتعرّض له عميلها.

عن أي وطن يدافع من سلّم سورية للغزاة والمرتزقة الإرهابيين، وساندهم، وهم يرتكبون قرابة أربعمائة مذبحة ضد آمنيها، ويتصارعون على كل شبرٍ من أرضها وجنديٍّ في جيشها، ثم لا يخجل من الحديث عن وطنٍ أفقده عداؤه لشعبه الحق في أن يكون من أبنائه، كما أفقدته هذا الحق طلقة البندقية الأولى على متظاهرٍ سلميٍّ طالبه بالحرية، ولقمة الطعام التي يحتاج إلى موافقة الغزاة وحثالات العالم السفلي على أكلها الذين شطروه إلى نصفين، ليس فيهما أثر لسورية أو للوطن: أحدهما في موسكو، والآخر في طهران التي زارها مشحونا بطائرة نقل عسكرية، من دون حرّاس أو مترجمين أو مرافقين، واستقبله ولي أمره خامنئي، بالطريقة المذلّة التي دأب بوتين على استقباله بها: من دون علم، ومن دون إشارة تدل على هويته ومنصبه، وسرّب خبرا يقول إن الرابطة التي ستشده إلى إيران، من الزيارة فصاعدا، هي الرابطة المذهبية التي تجمعه بالجمهورية الإسلامية، وأقسم يمين الطاعة والولاء لمرشدها الذي صار مرشده هو أيضا، بعد أن عيّنه قاسم سليماني رئيس مليشيا تابعة للحرس الثوري، مقابل حمايته من ... بوتين والثورة، وغضب حرس الملالي.

لن تعود سورية إلى هويتها وطنا، ما لم يسقط بائعها وأتباعه، ويخرج الغزاة الذين استقدمهم لحمايته من بناتها وأبنائها، ويستعيد شعبها حريته: الرصيد التأسيسي لوطنية جديدة تليق بثورته العظيمة.

باع الأسدان، الأب والابن، سورية وطنا: الأول ليصل إلى السلطة، والثاني ليحافظ عليها، فألغت الثورة عقود البيع بدمائها وتضحياتها، ويا درعا حنا معاكي للموت.

===========================

في ذكرى الثورة السورية

حيّان جابر

العربي الجديد

السبت 16/3/2019

سبقت الثورة السورية مرحلة مهمة، لا بد من العودة إليها من أجل تحليل طبيعة عمل المعارضة الداخلية في حينه، وطبيعة التفاعل الشعبي معها، بغرض تبيان تأثير ودور هذه المرحلة التي اتسمت بتقييدات أمنية هائلة، تحاصر جميع الأنشطة السياسية والاجتماعية والثقافية، ذات الطابع المعارض، أو المختلف، والمغاير لما يروجه النظام الحاكم. إذ يمكن وصف جميع المحاولات الاحتجاجية المعارضة في تلك المرحلة بالخلاقة، وإن كانت أهدافها المعلنة محدّدة، وسيلة للتحايل على قبضة النظام الأمنية؛ مثل النضال من أجل حقوق المرأة والطفل، وحقوق الأكراد السياسية والثقافية، حرية الإعلام والتعبير والعمل السياسي، معارضة الانفتاح الاقتصادي المتسارع في ظل حكم الأسد الابن، والتحذير من تبعاته الكارثية على المجتمع والاقتصاد السوريين، المطالبة برفع حالة الطوارئ، فصل السلطات، وقضايا تفصيلية يومية وقانونية وسياسية أساسية كانت بمثابة إعلانٍ عن رفض مجمل سياسات السلطة الحاكمة وتوجهاتها، وتحميلها كامل مسؤولية الانهيار الاقتصادي والثقافي والسياسي.

لكنها ظلت مطالب فئوية صغيرة ونخبوية عموما، على الرغم من أهميتها، بسبب قيود ووحشية النظام التي قطعت جميع سبل التواصل مع الشعب، عبر البيانات أو المحاضرات أو الإعلام، وهو ما حدّ من توسع رقعة الاحتجاجات أو الأنشطة المرافقة؛ التي كانت تشهد حضورا أمنيا 

"لم يتمكّن النظام السوري من التحايل على الحركة الثورية، عبر إحداث تغييراتٍ تلامس مطالب الشارع" كثيفا، يفوق أعداد المحتجين بأكثر من ثلاثة أضعاف، كما أدى إلى تذييل العرائض الاحتجاجية بالأسماء نفسها مهما كانت القضية؛ نسوية، كردية،...إلخ، حتى أصبحت أسماؤهم معلومةً ومحفوظةً لدى جميع الفروع الأمنية. وبالتالي، تطلبت معارضة النظام السوري، في تلك المرحلة، شجاعة كبيرة والجرأة على الإشهار، وعزيمة وإصرارا من أجل المعرفة والبحث العلمي في أسباب التخلف والدمار والاستبداد، وصبرا وتحمّلا لتجاوزات القوى الأمنية، وتدخلاتها السافرة في جميع تفاصيل الحياة اليومية، من العمل إلى السفر، وأحيانا حتى الزواج؛ طبعا إذا ما استثنينا الاعتقال والإهانة والضرب، وتبعات النبذ الاجتماعي نتيجة تخوف المجتمع من تحمل تبعات التعامل مع المعارضين، ونتيجة نجاح النظام في حرف وعي المجتمع، وتصوير المعارضين له عملاء للخارج، أو مهووسين بحب الظهور والاختلاف والاعتراض الأجوف والعبثي.

وعليه، اتسمت المعارضة، قبل الثورة، بالندّية والعلنية، على الرغم من محدودية أعدادها، لأنها كانت صرخات ترفض الاستسلام، وتسعى إلى بث بذور الخوف داخل قلب النظام، وتحاول الحفاظ على الأمل بغد مشرقٍ ومختلف، كان يراه بعضهم عبر التدخل الخارجي؛ وهم ممن اندفعوا سريعا بعد الثورة إلى استجدائه، واللهاث خلفه، وترويج حتميته، واستحالة التغيير من دونه، وإشاعة الأخبار التي يعتقدون أنها تمهد الطريق لحدوثه. كما لم يخل الوسط المعارض من بعض الدخلاء من أصحاب الأجندات الخاصة الذين يتربصون أي تغييرٍ في العلاقات الدولية، أو في داخل النظام، يؤهلهم لتبوّء مناصب حكومية هامشية، ونيل حصة مقبولة من مكتسباته المادية الفاسدة، وهم ممن رفض الثورة، ودافع عن النظام، داعيا إلى إصلاحاتٍ شكليةٍ فقط، لا تمس العصابة الحاكمة، وفي مقدمتها شخص الرئيس. وهناك من كان يؤمن بالتغيير الشعبي، ويحلم به، ويعمل من أجله، وهم من أوائل المنضمين للثورة، والمنخرطين في غالبية فعالياتها ونشاطاتها، وهم ممن حاولوا التعبير عن صوت الشارع، وتسييس مطالبه، لذا خاضوا الثورة بجميع تفاصيلها.

لا يعنينا الآن التعمق في توجهات المعولين على الخارج، أو الساعين إلى مشاركة الأسد في حكم سورية، نظراً إلى حجم الكتابات والتحليلات الكبيرة والكثيرة التي تناولت هذه الفئات تحديداً، بقدر ما يعنينا تناول المجموعة الأخيرة من المجموعات المعارضة التي اعتادت على مواجهة النظام من الثورة، لأنهم من المؤمنين بقدرات الحركة الشعبية وإمكاناتها على التغيير، وهو ما دفعهم إلى الانخراط في الثورة منذ يومها الأول، بكل جرأة وحماسة وإخلاص. إذ حاولوا قولبة الثورة السورية، وفق تفاصيل الثورتين التونسية والمصرية، وخصوصا الأخيرة، معتقدين أنهم بذلك يخطون درب الانتصار السوري، فقد اعتقدوا، في حينه، أن إسقاط رأسي النظامين، التونسي والمصري، هو انتصار الثورة، وبأن الثورة السورية يجب أن تحاكي هاتين التجربتين حتى تتمكن من إسقاط الأسد. فغابت عنهم مفاهيم الدولة العميقة، وتأثير التباينات الشكلية والجوهرية بين بنية النظام الأسدي والنظام المصري، أو بين الخبرات السياسية والنضالية الشعبية السورية شبه المعدومة، وبين نظيرتها المصرية التي تمكّنت على وقع انتفاضة 1977 من انتزاع بعض المكتسبات النضالية، وإن كانت محدودة، وهو ما كان ينعكس في العمل النقابي، وحركة الإضرابات العمالية والطلابية والمهنية الدورية شبه الأسبوعية، إن لم نقل شبه اليومية.

لقد خبرت المعارضة السورية، عبر نضالها الطويل من خلال مواجهة آلة القمع والاستبداد الأسدية، حجم تماسك بنى النظام الأمنية والاقتصادية والسياسية وتداخلها، حتى يكاد يصعب الفصل بين أي منها، وهي نتيجة قناعة النظام بقدرته على أسر المجتمع السوري، وتكبيله 

"خبرت المعارضة السورية حجم تماسك بنى النظام الأمنية والاقتصادية والسياسية وتداخلها" سنوات عديدة مقبلة، لذا كانت الثورة بمثابة الصدمة والصفعة التي وضعته أمام خيارين، لا ثالث لهما، إما البقاء كتلة واحدة عبر تجاوز الثورة وهزيمتها، أو السقوط المدوي والنهائي. وعليه، لم يتمكّن النظام السوري من التحايل على الحركة الثورية، عبر إحداث تغييراتٍ تلامس مطالب الشارع، ولا تمس جوهر بنيته الحاكمة، كما حدث في مصر إبّان تنحّي حسني مبارك، بل كان صداماً مباشراً ودموياً عنيفاً، ولا هوادة فيه، في ظل دعم المجتمع الدولي وصمته عن هذا النظام.

وعليه، كان من الخطأ ترويج إمكانية خرق بنية النظام سريعا، عبر تنحّي الأسد، أو إبعاده على وقع الاحتجاجات الثورية، كما حدث في مصر؛ بدلاً من تأسيس حركةٍ ثوريةٍ طويلة الأمد، ومتشعبة ومتعددة الأقطاب، مستفيدين من قوة الزخم الشعبي، ومن وعيه الذي اكتسبه عبر ممارسته الحالية، تقوم على تعرية النظام وتفكيكه، وتحليل بنيته وعلاقاته، وأسباب تماسكه وأسباب وحدة مصيره، وتعزّز انخراط الناشطين والمثقفين الجذريين وتفاعلهم مع الحركة الشعبية ومطالبها، من أجل تطويرها أو تأطيرها، كي تصبح عماد برنامج الثورة السياسي الذي يحرّكها وينظم عملها، ويحميها من الانتهازيين والمتسلقين. وهو ما فشلنا جميعا في تحقيقه حتى الآن، لكننا ما زلنا مطالبين بذلك، تقديراً واحتراماً لتضحيات جميع السوريين الأحرار، والتزاما بأهدافنا وتطلعاتنا العادلة والمحقّة، وإكراما للأرض السورية، وإخلاصا للمواظبين على الخط الثوري الوطني والإنساني في درعا وإدلب ودمشق والسويداء، وسائر المدن والبلدات السورية المحتلة من قوى داخلية وخارجية.

===========================

في تجربتي الثورتين الفرنسية والسورية

حسين عبد العزيز

العربي الجديد

السبت 16/3/2019

إذا كانت جميع الثورات العالمية تشترك في هدف واحد، هو استبدال أنظمة الحكم الديكتاتورية بنظم حكم ديمقراطية، فإن مسار الثورات يختلف اختلافاً كبيراً فيما بينها، بسبب اختلاف طبائع العمران (ابن خلدون)، أو اختلاف نظام الحكم وظروفه التاريخية (مونتسكيو). هكذا كانت في أوروبا ثورتان كبيرتان: الأولى إنكليزية عام 1688 سلمية الطابع، ولم تحمل أية تكاليف، والثانية كانت فرنسية عام 1789، حملت طابعاً عنيفاً منذ بدايتها، إلى أن وصلت إلى عهد الرعب مع روبسبير واليعاقبة. وفي العالم العربي، تراوحت الثورات بين النموذجين، فكانت الثورة التونسية كناية عن الثورة الإنكليزية، في حين كان النموذج السوري قريباً جداً من النموذج الفرنسي.

وبسبب قوة الملكية المطلقة، لم تكن في فرنسا مؤسسات فاعلة اجتماعياً وسياسياً، لا طبقة نبلاء ولا برلمان قادران على مواجهة الحكم الملكي المطلق، وكان من نتائج ذلك مجتمع يواجه مشكلات كبيرة في تكيّفه مع المشاركة السياسية. وقد طوّر الفلاسفة الفرنسيون الذين كانوا غير فاعلين في الحياة السياسية، بسبب الاستبداد الملكي، أيديولوجيات مثالية مفارقة للواقع، باسم العقل والحقوق والطبيعة والحرية والمساواة.. إلخ، وطبعت هذه الأيديولوجيات التنوير الفرنسي بطابعها: فولتير يدعو إلى إعلان الحرب على الكنيسة، وديدرو يدعو إلى قتل الملك، وآخرون يجاهرون بالإلحاد، ويضعون الدين في مرتبةٍ دونية مع العامة. وهكذا تمت ردكلة المفاهيم السياسية، وباسم هذه الأيديولوجيات ستكشف الثورة عن أنيابها، وتنجب عهد الرعب الفرنسي في أثناء الثورة.

في ظل ملكية القرن السابع عشر، لم تكن البرجوازية الفرنسية رأس حربة التحديث التي تأخذ الريف معها إلى عالم الرأسمالية الصناعية، بل كانت خاضعةً للتنظيم الملكي، وموجّهة نحو 

"على غرار فرنسا، كان لعنف النظام دور في تحويل الثورة السورية إلى مسارها العسكري" إنتاج السلاح والكماليات، من أجل زبائن محدّدين. وللحد من هيمنة الطبقة الإقطاعية، زاد اعتماد الملك على البرجوازية الصاعدة، بإدخالهم في المؤسسة البيروقراطية للدولة، وكان من نتيجة ذلك أن هذه الطبقة الجديدة بدأت تتبنّى مقولات الدولة، وتتسم بسماتٍ مشابهةٍ لسمات الإقطاع، وهذه ممارسةٌ ميزت فرنسا عن إنكلترا.

وإذا كان بيع المناصب، في المراحل الأولى من نمو الملكية، قد ساعد على حشد الطبقة البرجوازية، من أجل هجوم الملك على الإقطاع، فقد كشف اللجوء المستمر إلى تلك الحيلة عن إضفاء السمات الإقطاعية على الطبقة البرجوازية، يؤكد أستاذ التاريخ المقارن بارنغتون مور.

هنا تلاقت مصالح البرجوازية البيروقراطية وتباعدت في الوقت نفسه مع مصالح الإقطاع، وكان أساس الخلاف في طبيعة العلاقة مع الدولة، وأدّى عدم التفاهم بينهما إلى عدم استقرار شمولي للمسار السياسي الفرنسي. ولذلك خاضت الديمقراطية الفرنسية صراعا عنيفا مع إقطاع رجعي، ودولة ذات صلة وثيقة بقوىً تحاول الحفاظ على الوضع الاجتماعي وتثبيته، وفي مقدمتها الكنيسة التي لم تشهد أي حركة إصلاح، وهو ما يفسر سبب الحركة العنيفة المناهضة للدين والكهنوت. وكان لرد الفعل الملكي، أو الثورة المضادة، الدور الرئيسي في تحويل انتفاضة جماهيرية محدودة إلى ثورة انتفاضة واسعة، ثم الثورة، حيث أدّت عملية محاصرة باريس بالجنود إلى دفع فقراء المدينة إلى اقتحام سجن الباستيل، للحصول على السلاح للدفاع عن أنفسهم، وقد شكل سقوط الباستيل بداية التحرير، لكنه شكل بداية الاتجاه الراديكالي للثورة الذي سيعبر عنه في عدة محطات: اجتياح قصر تويليري عام 1792، وإعدام الملك لويس السادس عشر وزوجته ماري أنطوانيت في 21 يناير/ كانون الثاني 1793، وانتفاضة باريس الكبرى نهاية مايو/ أيار عام 1793.

ويُرجع الفيلسوف والمؤرخ، إريك هوبسبام، ضعف الاتجاه الثوري المعتدل، وطغيان الاتجاه الراديكالي، ممثلا باليعاقبة، إلى غياب طبقة قادرة على أن تطرح نفسها بديلا اجتماعيا، في وقتٍ لم يستطع الفلاحون في الريف طرح مبادراتٍ، واكتفوا بالبقاء قوة مسكونية رديفة، وبالتالي لم يكن أمام البرجوازية إلا اللامتسرولون الذين كانوا القوة الضاربة للثورة، ورمز يساريتها.

وكان من نتيجة طابع الحكم المطلق، وغياب الإصلاح الحقيقي في الدولة، أن أمسكت القوى الشعبية بمسار الثورة على حساب قوة الأفكار لدى الفلاسفة الذين لم يستطيعوا التأثير في مجرى السياسة، وكل ما قاموا به هو التفكير الجريء والخيالي، لأنهم كانوا أقل حريةً في استشارتهم، أو تقديم النصيحة.

مع اختلاف التجربة التاريخية، ثمّة تقاطعات مهمة تجمع التجربتين، الفرنسية والسورية، أولهما الحكم المطلق، بغض النظر عن المرجعيات السياسية أو الإبستيمولوجية أو الدينية المؤسّسة للشرعية.

بدأ نظام البعث بطموحات اجتماعية كبيرة، واستطاع تكوين نخبة حاكمة، عبر ائتلاف عابرٍ

"أصبحت المؤسستان، العسكرية والأمنية، من توابع السلطة، لا من توابع الدولة" للطوائف، ولها قاعدة اجتماعية متنوعة طائفيا أيضا، إلا أن فشله في تحقيق تقدم اقتصادي حقيقي من جهة، وطبيعة النظام الشمولي من جهة ثانية، قد أدّيا إلى إهمال الروابط المؤسساتية مع المجتمع، والاستعاضة عنها بولاءات بدائية وزبائنية، واستيعاب مصالح بيروقراطية عابرة للطوائف في جهاز الدولة عبر الأيديولوجيا الشعبوية الممأسسة في الحزب الحاكم.

وقد أحدث حافظ الأسد، بوصوله إلى السلطة، قطيعة مع المراحل السابقة التي شهدتها البلاد منذ الاستقلال، إن كان على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو حتى الاجتماعي، فمعه بدأت مرحلةٌ لها قواعدها ونظمها الحاكمة التي أنهت مرحلة الانقلابات والاضطرابات السياسية، وأنهت معها أيضا إمكانية أي حراكٍ سياسي مستقبلي، لقد تطلب الأمر تغيير منظومة التحالفات السائدة، لجعل الاستقرار السياسي إمكانية حقيقية.

عمد الأسد، بدايةً، إلى تأسيس منظومة حكم قائمة على علاقةٍ، تداخلية/ تخارجية في آن معا، للمؤسستين العسكرية والحزبية، بدأ أولا بتعزيز قاعدته العسكرية في الجيش، وهي قاعدة متنوعة طائفيا، لتحقيق هدفين متكاملين: ضمان ولاء الجيش له وفصل الجيش عن الحزب من أجل التخلص من ضغوطه الأيديولوجية الراديكالية، ثم اتجه إلى تعزيز مجموعة من الضباط العلويين الموثوقين في المناصب الحساسة، للتخلص من ضغوط المؤسسة العسكرية، الأمر الذي أعطاه قدرةً أكبر على التحرّك في السياسة، بمعزل عن ضغوط المؤسسة العسكرية التي وسمت تاريخ سورية الحديث.

هكذا أصبحت المؤسستان، العسكرية والأمنية، من توابع السلطة، لا من توابع الدولة، فيما أصبحت أيديولوجيا البعث أداة للهيمنة الفكرية للسلطة. وكان حصيلة ذلك تدمير البرجوازية السورية الحقيقية، وإلحاق ما تبقى منها بمؤسسات النظام، نوعا من الرشى السياسية والاقتصادية، فتقاطعت مصالحها مع مصالح النظام.

تصحّرت الحياة السياسية بالكامل في سورية، واستحال إجراء أي إصلاحٍ جدّي قادر على تغيير البنى السياسية والاقتصادية، الأمر الذي حال دون تشكل كتلة تاريخية سياسية، قادرة على ممارسة ضغوط على السلطة، سيما في ظل اتسام البرجوازية بشكل عام، والسنية بشكل خاص، في دمشق وحلب، بسمات إقطاعية، كما كان الحال في فرنسا، ولم تنشأ طبقة برجوازية ذات حامل سياسي حداثي، لها مطالب وطنية، لأن البرجوازية، على العموم، لا تنظر إلى المجتمع من منظار طبقي، وإنما من منظار تجاري، وهي لذلك ليست ملتزمة بالتغيير الثوري، وهذا ما جعلها دائما عائقا أمام الحداثة وعاملا مساعدا للنظام القائم، يقول الكاتب صقر أبو فخر.

وكما فرنسا، لم توجد في سورية مؤسساتٌ فاعلةٌ اجتماعيا وسياسيا، ولا برلمان فاعل، وكان

"تصحّرت الحياة السياسية بالكامل في سورية، واستحال إجراء أي إصلاحٍ جدّي قادر على تغيير البنى السياسية والاقتصادية"  من نتائج ذلك إقصاء المجتمع عن المجال السياسي. ومع اندلاع الثورة، عمل النظام سريعا على تجاوزها بقوة السلاح، وبقوة علاقاته الاجتماعية مع المنظومات الطائفية المتنوعة. وعلى غرار فرنسا، كان لعنف النظام، أو الثورة المضادة، دور في تحويل الثورة من مسارها السياسي إلى مسارها العسكري. وعلى غرار فرنسا، عشية الثورة وفي أثنائها، لم توجد في سورية قوى اجتماعية ـ سياسية قادرة على تأطير الثورة، وتحريك مساراتها، ومن ثم تكثيفها، ولم توجد قوى اقتصادية قادرة على دعم الحراك الجماهيري، وممارسة ضغوط على السلطة، وهذا ما يفسّر خروج قيادة الشارع من الذين تغلبت عليهم صفة الحداثة، والانتماء إلى المجتمع المدني.

ومع انتقال الثورة من جانبها السلمي إلى جانبها المسلح، بدأت الشخوص الفاعلة تتغير، وبدأ يتغير معها خطاب المعارضة الذي أصبح أكثر جرأةً، وأكثر تعاليا عن الواقع، عبر محاولة دفع عجلات التاريخ إلى الأمام، واستلهام تخيلات سياسية لا تقبلها الوقائع التجريبية، وكان من نتيجة ذلك عدم حصول انسجام بين الفكر والواقع، فظل الأول متعاليا على الثاني. لكن الفرق بين التجربتين أن القوى الثورية الفرنسية نجحت في تعديل مسار الثورة، وإبعاد القوى الراديكالية (اليعاقبة) وإحلال الأفكار المعتدلة مع الجيرونديين، وبدأت الأفكار الفلسفية والقانونية تأخذ مجراها في نسيج السياسة. أما في سورية، فكان لمصالح المجتمع الدولي من جهة، وهيمنة التنظيمات الإسلامية المتطرفة من جهة ثانية، دور في انزياح الثورة عن أهدافها، واستحالة تصحيح مسارها.

===========================


إدلب... في مرمى نيران سوتشي

أحمد عيشة

سوريا تي في

الخميس 14/3/2019

لم يبقَ من مناطق خفض التصعيد، المتفق عليها في اجتماعات آستانا وسوتشي بين الدول الضامنة الثلاث، سوى إدلب ومناطقها، إضافة إلى ريف حلب الغربي، وهي مناطق تسيطر عليها الفصائل المعارضة بما فيها هيئة تحرير الشام المصنفة كتنظيم إرهابي، حيث كُلفت تركيا بالترتيبات اللازمة للحفاظ على وقف إطلاق النار أولاً، وخلق الظروف المناسبة لإعادة فتح الطرق الدولية بين حلب دمشق، وحلب اللاذقية ثانياً.

نادراً ما عاشت إدلب ومناطقها يوماً من دون قصف مدفعي أو صاروخي من النظام، رغم التزام جميع الفصائل فيها بعدم قصف مناطق سيطرة النظام، وقد نجحت تركيا في إبعاد الأسلحة الثقيلة من البلدات الواقعة على جانبي الطريق الدولي إلى المسافة المُتفق عليها بين الدول الضامنة (حوالي 15 كم) واستبدالها بنقاط عسكرية تركية، لكن فرض هيئة تحرير الشام سيطرتها على هذه المدن والبلدات، بداية العام الحالي، أضاف تعقيداً من نوع جديد، لكونها تنظيماً مصنفاً ضمن قائمة الإرهاب، حتى من قبل تركيا، ناهيك عن وجود فصائل صغيرة متشددة ترفض اتفاقات آستانا وسوتشي وما يترتب عنهما، وبالتالي فهم مستبعدون من وقف النار، لا بل مطلوب الخلاص منهم.

تشكّل إعادة فتح الطرق الدولية بين حلب ودمشق، وحلب اللاذقية، قضية مهمة للأطراف الضامنة كلها، وهي من القضايا التي نوقشت منذ تشرين الأول 2017 في آستانا بين النظام والمعارضة، بإشراف الدول الضامنة الثلاث، وتم الاتفاق عليها فيما بعد في الاجتماع بين الرئيسين بوتين وأردوغان في أيلول 2018، حيث ورد في أحد بنود الاتفاق: ستجري استعادة طرق نقل الترانزيت عبر الطريقين إم 4 (حلب -اللاذقية) وإم 5 (حلب -حماة) بحلول نهاية عام 2018. وبالتالي صار واضحاً أن قضية فتح الطرق مسألة وقت وترتيبات.

وتأتي أهمية فتح الطرق هذه بالنسبة إلى روسيا في المرتبة الأولى، نظراً لما يمكن أن تشكله من معنى لما تبحث عنه جاهدة كنتيجة سياسية لعملها العسكري المستمر منذ أيلول 2015، ولما تفتحه من إمكانيات تعاون اقتصادي وتجاري مع الدول المجاورة تساهم في إعادة تأهيل النظام، وهو الأمر الذي تضغط روسيا على العديد من الدول وخاصة العربية منها، لإعادة نظام الأسد إلى دوائرها. أما بالنسبة إلى تركيا، فأهميتها مرتبطة بفتح طريق غازي عنتاب حلب، ممّا يسهل العمليات التجارية والترانزيت مع الدول المجاورة، ويعطي أهمية خاصة للاتفاق، ولتعهد الطرفين الالتزام به.

بعد أكثر من عام من الاتفاق -حوالي 15 شهراً- لم تُفتح الطرق، على الرغم من تحقيق بعض الخطوات في ذلك الاتجاه، ويعود ذلك جزئياً إلى أن تركيا مشغولة أكثر بالترتيبات لمعركة شرق الفرات، بعد إعلان ترامب سحب قواته من المنطقة، وما نجم عنه من مشاكل ينبغي حلها بين تركيا والولايات المتحدة، من جهة، ومع روسيا من جهة أخرى، التي تمارس ضغوطاً شتى على تركيا من أجل إعادة العلاقات مع نظام الأسد، بحجة إضفاء شرعية على الوجود التركي في سورية.

المدن والبلدات الواقعة على جانبي الطرق المطلوب فتحها، هي سراقب ومعرة النعمان وخان شيخون، وصولاً إلى أطراف مورك التي تتبع محافظة حماة على طريق حلب -دمشق، أما على طريق اللاذقية فهناك أريحا وجسر الشغور، وجميع هذه المدن واقعة تحت سيطرة هيئة تحرير الشام منذ بداية العام الحالي، وتتعرض للقصف اليومي من قوات النظام.

مع اقتراب إعلان الولايات المتحدة عن الهزيمة العسكرية لتنظيم الدولة الإسلامية في سورية والعراق، تأتي الهجمات الأخيرة على مناطق إدلب وحماة التي يشنها النظام وداعموه وكأنها تكملة لتنفيذ ما اتفق عليه في اجتماعات آستانا وسوتشي من جهة، لكنها في جوهرها ضغط على تركيا بهدف تقديم مزيد من التنازلات وأهمها إعادة العلاقات مع النظام، ولو تحت صيغة اتفاقية أضنة، والاتفاق على ترتيبات شرق الفرات، ومن جهة ثانية محاولة روسيا تصفية هيئة تحرير الشام المصنفة كتنظيم إرهابي، بعد أن سيطرت على معظم محافظة إدلب فضلاً عن الريف الغربي لحلب والفصائل الأخرى الصغيرة المتشددة، وبالتالي الإعلان النهائي عن خلاص سورية من التنظيمات الإرهابية، وهو ما يمهد الطريق نحو البدء بترتيبات الحل النهائي.

ضمن هذا السياق، تندرج دعوة بوتين لتشكيل مجموعة عمل حول سورية، التي ظهرت للعلن بعد زيارة نتياهو لموسكو والتنسيق معه بخصوص شكل الحل في سورية، حيث تُفرض فيها رؤية روسيا للحل القائمة على إعادة تأهيل النظام الأمني غير المشروط بوجود بشار الأسد.

جميع الدول المتواجدة على الأراضي السورية تسعى لتأمين نفوذها ومصالحها

لم يعد التصارع على سورية وفيها أمراً مخفياً، فجميع الدول المتواجدة على الأراضي السورية تسعى لتأمين نفوذها ومصالحها، وما سيجري في إدلب اليوم أو غداً، باسم فتح الطرق الدولية والخلاص من التنظيمات الإرهابية يأتي ضمن هذا التصارع. وقد سعت تركيا وما تزال لتجنيب إدلب أي عمل عسكري من النظام وروسيا، يجنب المدنيين المزيد من الخسائر والنزوح، وبالتالي تدفق المزيد من السوريين نحو تركيا، التي تعاني بالأساس من مشاكل اجتماعية وسياسية نتيجة التواجد الكثيف للسوريين على أراضيها.

تكمن مصالح السوريين، وخاصة في المناطق الواقعة خارج سيطرة النظام، وفي إدلب تحديداً، بالتنسيق الجيد مع تركيا، كونها الأقرب للسوريين، ومن يسعى لحمايتهم من الهجمات الروسية، من خلال تفهم العلاقات الدولية والاتفاقات التي تبرمها الدول، وإيلاء مصالح ومطالب السوريين أهمية أكبر، وبالتالي الاهتمام بتوفير إمكانيات مواجهة من نمط آخر مع النظام وداعميه، تقوم على تأسيس كيان مدني موحد لإدارة كافة المناطق الحالية (من إدلب حتى جرابلس) بشكل يؤسس لحكم مستقبلي لسورية، وجهاز قضائي مستقل، ونظام تعليمي بعقلية منفتحة، والخلاص من حالة التشرذم الفصائلي الضار، والتصارع بين "الحكومتين".

===========================

دور المخابرات الإيرانية في سوريا (2)

  خالد المطلق

سوريا تي في

الخميس 14/3/2019

إن فشل استراتيجية الأسد في القضاء على الثورة دعا إيران إلى تقديم المساعدة للميليشيات الموالية للأسد من أجل أن يبقى الأسد حيًا، وهذه الاستراتيجية جاءت منسجمة مع استراتيجية طهران التي طبقتها في العراق ولبنان سابقا حيث أسست الميليشيات الشيعية لضمان حماية مصالحها حتى في غياب الدولة ومؤسساتها، ومن هنا ازداد أهمية هذه الميليشيات في سوريا بالنسبة لطهران في ظل تدهور القدرات العسكرية لجيش الأسد، والذي يمكن أن تكون هذه الميليشيات الضامن الوحيد لديمومة النفوذ الإيراني في سوريا والمنطقة.

أما من الناحية الاستخباراتية ونتيجة الحاجة الماسة لأجهزة مخابرات الأسد لابتكار أساليب وطرق لقمع الثورة، استعانت

لم تكتفِ قوات فرض القانون في إرسال المستشارين والموظفين بل قدمت الدعم المادي لإدارة المخابرات العامة السورية "أمن الدولة"

بالاستخبارات الإيرانية منذ البداية حيث أرسلت طهران مجموعات من قوات فرض القانون لتقديم المساعدة والمشورة لمخابرات الأسد، بل وللأسد نفسه ومن حوله في القصر الجمهوري، وكان على رأس هذه المجموعات نائب قائد هذه القوات "العميد أحمد رضا رادان" الذي التقى مع الأسد ومن ثم أجهزته الأمنية، وقدم خبراته وتعليماته للمساعدة في قمع الشعب الثائر، ولم تكتفِ قوات فرض القانون في إرسال المستشارين والموظفين بل قدمت الدعم المادي لإدارة المخابرات العامة السورية "أمن الدولة"، وقد اعتمدت هذه القوات على خبراتها التي اكتسبتها في قمع الاضطرابات الشعبية التي انطلقت في أعقاب الانتخابات الإيرانية عام 2009، وأصبحت هذه القوات القوة الضاربة لأجهزة الأمن في إيران وقد رُكبت هذه التجربة بشكل جيد ليتم تنفيذها في دعم جهود الأسد للسيطرة على الثورة بوقت مبكر، ولعل ذكرنا لقوات حفظ القانون التي تتبع تنظيميا لوزارة الداخلية الإيرانية وتحت سيطرتها وليست تحت سيطرة الحرس الثوري أو القوات المسلحة الإيرانية، وهذا يثبت بأن إيران قد صاغت استراتيجيتها في سوريا على مستوى الدولة الإيرانية وأجهزتها بالكامل، ويتم تنفيذها من قبل القيادة الإيرانية وعلى أرفع المستويات، وفق تسلسل قيادي محدد يبدأ من إشراف المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني على جميع الأجهزة الأمنية الإيرانية، وهذا المجلس يقدم تقاريره ومقترحاته إلى المرشد الأعلى الذي يصادق عليها ويأمر بتنفيذها وهذا يؤكد بأنّ هناك خطةً لدعم الأسد قد تمّ وضعها من قبل المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، وقد وافق عليها المرشد الإيراني ويتم تنفيذها، ووجود ضباط من حفظ القانون في سوريا يدل وبشكل واضح على أن استراتيجية الحكومة الإيرانية بكاملها الداعمة للأسد في سوريا يتم قيادتها والتحكم بها بشكل مباشر من قبل المرشد الأعلى الخامنئي وليس سليماني أو الحرس الثوري الإيراني، أو أي كيان آخر في إيران كما يتبادر لذهن الكثيرين من المتابعين للشأن الإيراني، وتأكيدًا لهذا لابد أن نعرف بأن قوات حفظ القانون ليست المؤسسة الأمنية الإيرانية الوحيدة التي تقدم المعلومات الاستخباراتية والدعم التكنولوجي لمخابرات الأسد بل هناك مجموعات كثيرة ومتنوعة من الكيانات الإيرانية التي قدمت

أخطر شخصية مخابراتية إيرانية لعبت دورا كبيرًا في سوريا وقبلها في إيران هو رئيس جهاز استخبارات مؤسسة الحرس الثوري الإيراني

خدماتها للأسد ومخابراته ومن هذه الكيانات منظمة الاستخبارات للحرس الثوري الإيراني والذي يرأسها حجة الإسلام حسين طيب، وأيضًا وزارة الاستخبارات والأمن الإيرانية وشركة صناعة الإلكترونيات (IEI) التي وقعت عقودًا دائمة مع الجيش الأسدي لتزويده بمعدات اتصال بما فيها أجهزة تشويش من نوع VHF / ascii85HF وأجهزة مراقبة الأنترنت وتعطيله وطائرات بدون طيار غير مسلحة للمراقبة.

ويمكن أن نقول : بأن أخطر شخصية مخابراتية إيرانية لعبت دورا كبيرًا في سوريا وقبلها في إيران هو رئيس جهاز استخبارات مؤسسة الحرس الثوري الإيراني والذي لا يُعرف عنه الكثير، وهو الذي كُلف في الكثير من المهام المعقدة الداخلية والخارجية ولا يظهر على العلن مطلقًا وهو الجنرال "حسين طائب" الذي تم إرساله إلى سوريا في بداية الحراك السلمي للثورة وعقد الصفقات مع جهاز أمن الدولة السوري وقد كان اللواء "محمد ناصيف" هو المكلف من قبل الأسد بعقد هذه الصفقات نظرًا لباعه الطويل في العمل الأمني، وقربه من الأسرة الحاكمة وفعلاً قام ناصيف بعقد عدة اجتماعات مع الجنرال الإيراني في دمشق وطهران واتفقوا على إنشاء مجمع عسكري جديد ومستودع للإمدادات في مطار اللاذقية، وهذا ما فسّر على أن الإيرانيين قد بسطوا سيطرتهم على جهاز أمن الدولة "إدارة أمن الدولة" أحد أهم الأجهزة الأمنية في سوريا، وبدأت تتصرف هذه الإدارة وكأنها القناة الرئيسة للدعم الاستخباراتي الإيراني للأجهزة الأمنية السورية.

موجز القول:

 إن ما قدمته أجهزة الاستخبارات الإيرانية بكافة مسمياتها للأسد وأجهزته الأمنية كان لها الدور الفعّال الذي أبقى الأسد على سدة الحكم ومنعت سقوطه بالوقت الذي فشل الدعم العسكري في تحقيق أي إنجاز لصالح الأسد على الرغم من الإمكانيات الهائلة بالعتاد والعدة الذي فاق كل التوقعات، وهذا يدل وبشكل واضح بأن العمل الاستخباراتي هو أقوى من كل الخطط العسكرية والأسلحة والأساطيل والتي ثبت أن جميع هذه القوات وقوتها لم ولن تستطيع أن تهزم شعب ثار على جلاديه إلا بالخديعة والخديعة هي عمل استخباراتي مُتقن من يستطيع التخطيط له وتنفيذه بشكل جيد سيحقق النصر ولو بعد حين.

===========================


عن بوتفليقة وصنم الأسد

بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 14/3/2019

واجه النظام الحاكم في الجزائر موجة الاحتجاجات الشعبية الرافضة لـ«العهدة الخامسة» بمناورة سياسية من أجل كسب الوقت وترتيب البيت الداخلي، أي التوافق على مرشح رئاسي جديد. الجزائريون أدرى بأمورهم، ولسنا في موقع تقديم الدروس لهم، سيعرفون كيف يتعاملون مع الوضع الجديد الناجم عن تأجيل الانتخابات الرئاسية وتشكيل الحكومة الجديدة وبقية بنود الصيغة التي قدمها النظام. ولكن يمكن تسجيل انتصار أولي حققه الجزائريون على نظام الأبد الخاص ببلدهم، وسنرى ما سيبنونه على هذا الانتصار.

ما يهمنا هو نظام الأبد الأسدي في سوريا الثمل ـ ظاهرياً ـ بـ«انتصاراته» وبقنابل الفوسفور التي يلقيها طيرانه والطيران الروسي على بلدات «خفض التصعيد» في إدلب وجوارها. فقد تلقى صفعة مدوية في درعا البلد وطفس حيث خرج الأهالي في مظاهرات تحد بطولية رفضاً لنصب تمثال مؤسس النظام عندهم، بالتزامن مع استعادة السوريين لذكرى انطلاق ثورتهم من نفس المكان قبل ثماني سنوات.

بطولية لأنها تجري في مناطق استعاد النظام السيطرة عليها قبل أشهر، وشكلت مفاجأة كبيرة، طيبة للمعارضين ومشؤومة بالنسبة للنظام والموالين. حتى لو كانوا بعيدين اليوم عن متناول العصابات الأسدية، فقد خرجوا بوجوه مكشوفة أمام الكاميرات، مجسدين شعارهم المعروف الذي انطلق من الحناجر قبل ثماني سنوات: «الموت ولا المذلة». مذلة أن يحكم السوريون بصنم من حجر لشخص شبع موتاً لكنه يواصل احتلال السلطة من قبره، بواسطة واجهة تافهة ومجرمة مرتهنة للروس والإيرانيين، تحميها عصابات مرتزقة متعددة الجنسيات.

لا يمكن تأهيل نظام يحكم من القبر بواسطة الإرهاب الذي يشكو منه الغرب المنافق. لن ينتهي خطر الإرهاب العابر للحدود قبل تغيير هذا النظام، ولن يعود اللاجئون السوريون إلى أرض الخراب ما دام النظام.

رفض الجزائريون أن يستمر بوتفليقة في حكمهم، وحققوا هدفاً في مرمى النظام الذي يختبئ خلفها. ورفض أهالي حوران أن يحكمهم تمثال الأسد، كما فعل السوريون في كل مكان منذ العام 2011، وقد حققوا الكثير، على رغم التضحيات والآلام الكبيرة.

لقد شهدت الثورة، خلال السنوات الماضية، تحولات كبيرة أبعدتها عن أهدافها وتطلعاتها، وربما هزمت كحركة شعبية واسعة بفعل التفوق الناري القاهر للنظام وحلفائه، لكن روحها ما زالت، جمرةً تحت الرماد، تشع كل حين وآخر، فلا تترك النظام المأزوم يشعر براحة المنتصر.

يمكن قراءة غارات النظام بالقنابل الفوسفورية على بلدة التمانعة، ليل الاثنين ـ الثلاثاء، بوصفها رد النظام على إسقاطه في درعا البلد وطفس، فهذا ما يجيده نظام الحرب الدائمة، من غير أن نغفل المرامي «الاستراتيجية» لهذا الهجوم الذي يأتي في سياق الضغط لإنهاء اتفاق سوتشي الموقع بين تركيا وروسيا في أيلول/سبتمبر 2017. كما يشكل ضغطاً روسياً على شريكته في الاتفاق المذكور تركيا لكي «تفي بالتزاماتها» على ما يتذمر الناطقون الروس.

هذه هي حال جزء من اللوحة الكارثية التي يريد النظام وحلفاؤه أن يبيعوها للعالم بوصفها انتصاراً حققه النظام: هذا الجزء الذي يقول إن الأرض السورية تحولت، منذ سنوات، إلى ساحة لتصفية الحسابات بين دول، بين خصوم تارة، وبين شركاء تارة أخرى. يتفقون في سوتشي ويتصارعون على الأرض السورية. كذلك يتحدث الجزء نفسه من اللوحة عن صراعات دموية بين فصائل مسلحة للهيمنة على الأرض والتحكم بالسكان، أو مجموعات مرتزقة مرتهنة لدول أخرى تحترف السلب والنهب، كحال منطقة عفرين هذه الأيام، أو مجموعات ارتهنت لأجندة الولايات المتحدة في محاربة الإرهاب، وتشعر الآن بخطر التيتم بعد القرار الأمريكي بالانسحاب من سوريا. في حين أن إسرائيل تبدو الرابحة الوحيدة من الدول المنخرطة في الصراعات على الأرض السورية، لها ظهير أمريكي ثابت، وشريك روسي متفهم وحريص، تضرب متى شاءت وفي أي مكان من أراضي «جمهورية» الأسد الوراثية الساقطة.

وإذا كان مفهوماً أن يسعى الروس والإيرانيون إلى تسويق فكرة انتصار الأسد، فلا يمكن فهم مواقف الدول الأخرى التي تردد كل يوم أن الواقعية تقتضي التسليم بانتصار نظام الأسد، والتعامل معه على هذا الأساس، أي على أساس أنه باق برغم قرارات مجلس الأمن التي تنص على «الانتقال السياسي». وكأن الانتصار لا يعني سوى القدرة على التدمير وعلى مواصلة الحرب بصورة مستمرة.

لن ينجح هذا التدليس. لا يمكن تأهيل نظام يحكم من القبر بواسطة الإرهاب الذي يشكو منه الغرب المنافق. لن ينتهي خطر الإرهاب العابر للحدود قبل تغيير هذا النظام، ولن يعود اللاجئون السوريون إلى أرض الخراب ما دام النظام.

===========================


أمراء الحرب وتجّار المعاناة

حسان الأسود

سوريا تي في

الاربعاء 13/3/2019

في مشهد تمثيلي لا يخلو من التصنّع، وفي تفاعل متكلّف من هيئة التحكيم المشرفة على تقييم المواهب، وضمن أجواء معلّبة بكلّ معنى الكلمة، صفّق جمهور من المشاهدين - الغائبين أو المغيّبين عن سياق الأحداث في سوريا - للفنّان نزار علي بدر، الذي يلقّب نفسه بجبل صافون السوري الأوغاريتي، بعد أن رسم لوحة أسماها: "الهجرة السوريّة".

لم يستطع هذا المشهد أن يحرّك فيّ نفس كاتب هذه السطور، أيّاً من مشاعر التعاطف أو أي إحساس بصدق العمل وصاحبه، وذلك لمجرّد أنّ بطله قد نطق بتعريفه لهذه اللوحة تحت عبارة "الهجرة السوريّة"، وكأنّ الهجرة كانت جرّاء ملهاة لعبها السوريّون بمرحٍ في أجواء من الفانتازيا العبثيّة، أو كأنّها قصّة عشق سافر فيها سكّان مدن وقرى بأكملها بحثاً عن أماكن للاستجمام مع عشّاقهم ومعشوقيهم، أو كأنها أعراسٌ جماعيّة انتقلت إثرها العرائس إلى منازلها الجديدة في قارّات أخرى بعيدة في عوالم مجهولة!

في جانب آخر محايث زمانيّاً، وقفت كاميرا المخرج طلال ديركي لتربح الترشّح إلى مسابقة جائزة الأوسكار على ما انتقته قبل أعوامٍ من لحظات الزمن لتوثّقها وتزرعها في ذاكرة السينما. يتحدّث طلال في فيلمه المسمّى: "عن الآباء والأبناء"، عن جزء صغير من لوحة كبيرة واسعة الامتداد، أفقيّاً عبر كامل مساحة سوريا، وعموديّاً عبر سنوات ثمان مضت منذ انطلاق الثورة في عام 2011. لكنّ طلال لم يرَ من اللوحة الكبرى – على ما يبدو - إلاّ المشهد الذي يدعم ترشّح فلمه إلى الأوسكار، ولم لا، فبضاعة الإرهاب رائجة ومكافحتها واجب إنساني، ولو بومضات سريعة أو بإضاءات متناثرة بين حبّات زيتون إدلب!

في مشهد رمزيّ آخر أقلّ انتشاراً وأقلّ شهرة لكنّه أكثر إيلاماً، راح أحدُ الناجين من معتقلات ومسالخ أجهزة المخابرات السوريّة، يستعرض بطريقة مسرحّية معاناته وبطولاته، أمام حشد من الضحايا السوريين الناجين مثله، وأمام عدد من ممثلي بعض الدول وبعض المنظمات الحقوقيّة، في إحدى عواصم الشمال الاسكندنافي. كانت هزالة المشهد وتصنّعه، وركاكة التعبيرات وضحالتها، وانعدام التعاطف والتأثير بالحضور، كافية لإيصال القناعة بأنّ هذا الشخص – الضحيّة – قد امتهن تمثيل المعاناة وأدمن الاتجار بآلامه وآلام غيره ممن لم ينجوا من براثن الموت والتعذيب فقضوا صبراً هناك، أو ممن نجوا ولم تُتح لهم فرصة التعبير عن آلامهم بطريقة إنسانية بعيدة عن الإسفاف والابتذال.

قبل هذه المشاهد كلّها، كان هناك من يملأ الدنيا صراخاً وتحدٍّ، ويعلن أن جحافل الغزاة لن تستطيع اقتحام الغوطة وستتكسّر على أعتابها رؤوسهم ورؤوس داعميهم، ومثله من تجنّد بالسلاح وتزنّر بالجعب، ووضع على يمينة قائد جيوشه، وعلى شماله رئيس أعلى مجلس قضائي أنتجته مؤسسات الثورة في عهود سيطرتها الميمونة على أجزاء من أراضي جنوب سوريا. وكان أن فرّ الجمعُ بعد أن أخذ قادتُه ما خفّ حمله وغلا ثمنه وارتفعت قيمته من دولارات وملفّات.

يستأسد بأصنام أبيه، على من تبقّى من هياكل عظميّة وأرواح هائمة في تلك البقعة المسمّاة سوريا

وبين هذا وذاك وهاته وتلك، يقبع رئيسٌ ما تبقّى من السجون وأجهزة المخابرات والجيش الباسل المغوار، حبِيسَ الخطوط الصفراء لسيده الأعلى، ورهينة عمامة داعمه الأكبر، يستأسد بأصنام أبيه، على من تبقّى من هياكل عظميّة وأرواح هائمة في تلك البقعة المسمّاة سوريا، ويوزّع عليهم من خطاباته العصماء وضحكاته البلهاء ما يكفيهم عن الطعام أسابيع من شدّة القرف والتقزّز.

بالنظر إلى تعريف نزار عن نفسه من خلال تعريفه لجنود الجيش السوري بأنّهم الأنبياء الذين صانوا أرض سوريا، ومن خلال وصفه لمشاهد احتضان الجيش السوري العظيم للأهالي الخارجين من أوكار الضباع. وبالنظر إلى تعريف طلال عن نفسه من خلال قوله بأنّه قد توجّه لتصوير الفيلم إلى "أرض الرجال التواّقين إلى الحرب في مقاطعة إدلب الواقعة تحت سيطرة تنظيم القاعدة، جبهة النصرة".

وبالنظر إلى تعريف الضحيّة عن نفسه بأنّه رمز لكل المعذّبين في الأرض، مستعملاً لهجة غريبة وأسلوباً فوقيّاً في حديثه وكأنّه بذلك اقتنص الفكرة واللحظة الزمنيّة الفارقة، وبالنظر إلى صفاقة ووضاعة وجبن وتخاذل من تنطّح لقيادة المشهد العسكري ممن كان محسوباً على الثورة، ومن أودى بها وبالناس موارد التهلكة جرّاء ضيق أفقه وغبائه، وارتهانه لكلّ شيء عدا مصلحة الثورة والوطن والناس.

وبالنظر إلى ما اتخذه هذا المهبول وزمرته المقرّبة من قرارات وما سلكوه من طرق لتثبيت حكمهم، على أشلاء وطنٍ أرهقوه وأدموه ببراميلهم الغبيّة وبارتهانهم لكلّ شذّاذ الآفاق وقطّاع الطرق والطامعين.

بالنظر إلى كلّ ما سبق، تبدو اللوحة قاتمة أمامنا، ويبدو المشهد سوداويّاً إلى أبعد الحدود. لكن، هل يعفينا ذلك من طرح الأسئلة اللازمة ومن محاولة الإجابة عنها؟

لماذا وصلت بنا الأمور إلى هذه النهايات المفجعة، أين أخطأنا، ماذا كان علينا أن نفعل ولم نفعل، وكيف يمكننا أن نعاود النهوض بعد هذه الكبوة؟

أسئلة كبرى تحتاج إلى مراجعات لا بدّ منها، وهي مهمّة كلّ واحد فينا، كلّ سوري مهما كان اصطفافه ومهما كان انتماؤه.

هل كانت الثورة ضرورة حتميّة، هل كانت قدراً لا رادّ له، ألم يكن هناك طريق آخر لو سلكناه لوفّرنا دماءنا وأرزاقنا ومستقبلنا من همجيّة هذه العصابة المجرمة؟

إن كانت الثورة ضرورة حتميّة ولا سبيل لتفاديها في ظروف اندلاعها في تلك الأيام من بدايات موجة الربيع العربي، فهل كانت وسائلها وأدواتها كافية لإحداث النتيجة المطلوبة؟

هل كان خيار السلميّة أفضل من خيار العسكرة، وهل كان بالإمكان تفادي اللجوء إلى حمل السلاح في مواجهة جيشٍ وأجهزة مخابراتٍ وميليشياتٍ معدّة منذ خمسين عاماً لهذه اللحظة؟

هل كانت ثورتنا مُحقّة ومشروعة، وهل استطعنا أن نكون على قدر أحقيتها ومشروعيتها؟

هل كانت ثورتنا وطنيّة، وهل استطعنا أن نحافظ على طابعها الوطني، أم إننا قبلنا الارتهان لمن ادّعى وصلاً بنا وحبّاً لنا وأخوّة معنا؟

هل استطعنا أن نفرز أفضل ما عندنا من طاقات ومن قياديّين وممثلين عن حراكنا الثوري؟

هل ننام الآن ملء جفوننا، وهل ضمائرنا مرتاحة؟ هل لدينا ما نقوله لمعن العودات ويحيى الشربجي وبشير العاني، هل تسامحنا مي سكاف وراوية الأسود وفدوى سليمان، هل لدينا ما نرويه لأبي فرات وعبد القادر الصالح، هل لدينا جواب لأسئلة الأمّهات والآباء عن فلذات أكبادهم حمزة وهاجر وأمل ويوسف..، هل لدينا جواب لأبناء الشهداء عن دماء ذويهم؟

على الجانب الآخر من الوطن الممزّق، هل استفاقت الحواضن الشعبيّة للنظام على هول الكارثة؟

وعلى الجانب الآخر من الوطن الممزّق، هل استفاقت الحواضن الشعبيّة للنظام على هول الكارثة، أم تحتاج إلى براهين أكثر وأعمق وإلى دروس أبلغ وأكثف، لتعرف من أوصلنا وإيّاهم جميعاً إلى هذا الحضيض المتردّي من الجحيم؟

الحقيقة أنّ هذه الأسئلة أكبر وأعقد من أن يجيب عليها فردٌ أو مقال، إنها أسئلة الاستحقاق الذي لا مفرّ منه، فبعد كلّ هزّة تتعرض لها أية أمّة، وبعد كل محنة يتعرّض لها أيّ شعب، يجب أن تكون هناك وقفة مع الذات، يجب أن يكون هناك مراجعة حقيقيّة لكلّ ما حصل، ودون ذلك سيندمل الجرح على القيح والعفن، مما يعني أنّه سيعاود الانفجار مجدّداً.

فلننظر إلى رواندا، تلك الدولة الصغيرة في وسط إفريقيا، والتي قتل أهلها من بعضهم 800 ألف شخص خلال 100 يوم فقط عام 1994 أثناء حرب الإبادة الجماعيّة بين قبيلتي التوتسي والهوتو. الزائر لرواندا الآن يظنّها سنغافورة أو ماليزيا، وعاصمتها كيغالي تصنّف بين أنظف مدن العالم مع وارسو وستوكهولم، وشعبها الذي قتل بعضه بعضاً قبل أعوام، يفرّغ يوم السبت من آخر كل شهر ليساهم في التنظيف الطوعي لمدينته، حتى أنّ السياح يشاركون المواطنين بهذه الحملات.

لم يقفز الشعب الرواندي على المشكلة التي حصلت بين مكوناته القبلية، بل واجهها، وطرح الأسئلة على نفسه، وأجاب عليها، لذلك ينعم الروانديون الآن بثمار التعقّل والحكمة والتسامح. لكنّهم لم يتركوا الجناة بلا محاسبة، وقد ساعدتهم الأمم المتحدة بمحاسبة كبار المجرمين من خلال إنشاء المحكمة الجنائية الدولية الخاصة في رواندا، إضافة إلى ذلك فقد أنشؤوا نظاماً يحتوي على 11000 محكمة مجتمع (مجلس حكماء) وتم من خلالها توجيه التهم لحوالي خمس سكان البلاد، وبعد ذلك تمّت عمليات المصالحة والإدماج في المجتمع الجديد.

علينا أن نبدأ بالبحث عن تفسير لحالات الانحطاط المرافقة لهذه الهزّة الكبرى التي عصفت بنا، فلم تستثن من تبعاتها أحداً

من هنا، علينا أن نبدأ بالبحث عن تفسير لحالات الانحطاط المرافقة لهذه الهزّة الكبرى التي عصفت بنا، فلم تستثن من تبعاتها أحداً. الفنّ ليس شيئاً منفصلاً عن الواقع، كذلك السياسة والعمل الإنساني والعمل الحقوقي. كل ما قمنا به يحتاج إلى مراجعات حقيقيّة، يحتاج إلى وقفة شجاعة مع الذات، يحتاج إلى عقل نقدي لا يغضّ الطرف عن الأخطاء، بل يكشفها ليجد الطريق القويم إلى الخلاص بعد حلّها. وبالتأكيد لن يكون لكلّ ذلك أية قيمة ما لم يحصل التغيير الحقيقي في سوريا، ما لم يدرك المجتمع الدولي المتحكم بقضيتنا أنّ الاستقرار السياسي والأمني لن يكون إلّا بزوال نظام الاستبداد، وبالانتقال إلى نظام ديمقراطي يحفظ كرامة الإنسان. هذا المجتمع الدولي الذي كان أكبر عقبة أمامنا في تحقيق طموحاتنا، يجب أن يصل إلى تلك القناعة الفعلية بعد أن اكتوت مجتمعاته بمفرزات حرب نظُم الاستبداد على الشعوب المطالبة بالحرية.

قد تعود بارقة الأمل إلى نفوسنا المتعبة، بعد أن رأينا مجدّداً مظاهرات أهالي درعا البلد يوم الأحد الماضي في 10-3-2019 ومظاهرات أهالي مدينة طفس يوم الإثنين الفائت، أي قبل أيام قليلة على الذكرى الثامنة لانطلاق الثورة. وقد يستطيع أهالي بقيّة المناطق التي استرجعها النظام - بالقوّة الروسية الغاشمة وبالدعم الأمريكي والغربي- التعبير كأهالي درعا عن موقفهم الرافض للعودة إلى ما قبل العام 2011.

لإن ماتت في نفوس البعض قيمُ الكرامة والحق والحريّة والشرف والإنسانيّة، إلّا أنّ هذا الشعب حيّ لا يموت، وسينهض من تحت الركام كعنقاء الرماد مجدّداً.

===========================

موقفنا : الإخوان المسلمون .. عن .. الشراكة الوطنية .. والمنطقة الآمنة .. وأمور أخرى

زهير سالم

11 / 3 / 2019

مركز الشرق العربي

أثار البيان الذي أصدرته جماعة الإخوان المسلمين عن المنطقة الآمنة في الشمال السوري ، وعن شروط أمنها والأدوار الدولية المرفوضة والمطلوبة فيها ، وكذا عن أهمية دور الثورة السورية .. ردودَ فعل متباينة ومتكاثرة على الساحة الوطنية السورية ..

تفهم بعض أولي الرأي البيان وضرورته والباعث عليه والحاجة إليه . وغاب وجه الحكمة عن آخرين فقالوا أو تقولوا فكشفوا فيما قالوا وتقولوا عن ثغرات في ثقافتهم الاجتماعية وفي ثقافتهم السياسية وفي فهمهم لمبادئ العمل السياسي والشراكة الوطنية .. ليس كل من تخالفه الرأي خائن وعميل للامبريالية والصهيونية ... اصح يا صاح !!

وإنما أسقط بعض النخب من أعين الناس هذا الاستعلاء والادعاء والأستذة على الناس !!

 إن الدرس الأول في العمل السياسي ، الدرس الذي لا يغيب عن الوطنيين الأصلاء ، أن الاختلاف في تقدير المواقف السياسية أصل . وأنه أي الاختلاف حق .. ، شرطه أن يعرف صاحبه كيف يخالف ، وإلى أين ينتهي به سقف الاختلاف . فلا تكفير ولا تخوين ولا تهوين بين المتخالفين . وأقصى ما قاله مسلم لمخالفيه على مستوى الدين : لكم دينكم ولي دين " . وأجمل ما قال : " قُل لّا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ."

يثير العجب أن تجد بعض الناس يتحدثون عن الوطنية وعن شراكتها وكأنها عباءة ورثوها عن آبائهم ، شأن بشار الأسد ، بل على الذي هو أقبح . فيبسطونها على من شاؤوا ويقلصونها عمن شاؤوا وكأنهم أهلها والأحق بها دون المواطنين أجمعين ، وفي عنوانها أوضح الدلالة على حقيقتها ..!!

إن ألفباء الشراكة الوطنية أن السهم فيها ، سهم يكتسبه كل مواطن مع لحظة ولادته. لا يمنحه إياه أحد ولا ينزعه عن صاحبه أحد . إن ما يخرج الإنسان من دائرة الشراكة الوطنية فقط هو نكرانه لحق الآخرين فيها . وهو ما تفعله الزمرة الأسدية وظلها وتظلها في الحياة السياسية السورية منذ نصف قرن.

 وحين يقصر عقل البعض أو فهمهم أو تقتضيهم مصالحهم الشخصية والفئوية ، أن يضيقوا هذا الرحب الوطني السابغ بكلمات تدعي الغيرة على الوطن ، والتخوف على السيادة الوطنية ، وقاموس معجم الادعاءات الكاذبة التي مجها شعبنا بعد أن ملها من الأفواه الأسدية ..فلا نملك أن نقول لمثل هؤلاء إلا : أولى لكم فأولى ..ثم أولى لكم فأولى.. وإنها لدعوة عريضة أن يدعي الفرد أو الفئة أنه مالك الوطن ، أو المتحكم في شراكته ، أو المهيمن على قراره أو على مواقف الشركاء فيه ، بله عن السيطرة على عقولهم وقلوبهم وضمائرهم ... دعوى نستعيذ بالله منها ونعيذ منها من كان في رأسه مسكة من عقل أو في قلبه بقية من يقين .

لقد كانت جماعة الإخوان المسلمين منذ تأسيسها ركنا ركينا في العمل الوطني . تجتمع على الخير العام مجلبة للمصالح مع كل من يمد للخير يدا ، وتنأى عن الشر الكالح درأ للمفاسد مع كل من خاف الشر وحذره ، وشواهد التاريخ أكثر من أن يحيط بها مقال .. ولعل هذه الشواهد تكون عنوانا لمقال قادم يؤصل ويفصل ويضع الحقائق بين يدي طلاب الحق من أولي الألباب ..

وظل سهم جماعة الإخوان المسلمين في قاعدتها الوطنية العريضة ممهورا بجهود قادتها ومؤسسيها ، حتى إذا وقعت سورية في قبضت الاستبداد مهرت الجماعة سهمها بدماء أبنائها وتضحياتهم وصبرهم ومصابرتهم . فأحقية الجماعة في سهمها الوطني لا يمن به عليه أحد ، كما أنها تأبى أن تمن على أحد في سهمه وفي حقه . ولكل قوم هاد .

والحقيق من أخلاق هذه الجماعة ونبلها أننا لا نرد على النكران بنكران ، ولا على الاتهام باتهام ، ولا على السفاهة بمثلها ، ونقول للذين سبقتهم ألسنتهم هونا ما على أنفسكم ، ونقول لصيادي الجوائز اذهبوا فاقبضوا جوائزكم ....

أما بيان جماعة الإخوان المسلمين عن المنطقة الآمنة ..

فقد صدر تعبيرا عن مصلحة وطنية عليا ، حقٌ للجماعة التعبير عنها . حقٌ لا يصادر حق الآخرين ، ولا يمنعه ، ولا يستهين به لو عبروا عن غيره ، ولا يتهمهم إن خالفوا . كما لا يمنع الجماعة من تأييد أي موقف جماعي سديد تقتنع بها لو بادر إلى ذلك من أمسك بزمام المبادرة .

بيان جماعة الإخوان المسلمين انطلق في لحظة زعم فيها الأمريكي أنه وشركاءه أولى بالمنطقة الآمنة ، وادعى فيها الروسي أن شرطته العسكرية أولى بالمنطقة الآمنة على الطريقة التي أمنت فيها هذه الشرطة شرق حلب والغوطة وحوران !!

وبدا فيها الظهير والجار التركي ، الذي ثبت خلال سني الثورة الطوال أنه الأقرب مودة للشعب السوري ، والأكثر حرصا على مصالح المستضعفين من السوريين يؤويهم ويحميهم ويرفق بهم ويدفع عنهم. ولا يمنع أن يكون كل ذلك على قاعدة المصالح المشتركة .. التي هي جزء من القاعدة الربانية في دفع الناس بعضهم ببعض .

لقد بني بيان جماعة الإخوان المسلمين على :

أولا – أن المنطقة الآمنة لن تكون آمنة في ظل الاحتلال الأمريكي وعملائه ..

ثانيا – أنها لن تكون آمنة في ظل الاحتلال الروسي بكل ما ارتكبه بحق السوريين ..

ثالثا – وأن المنطقة الآمنة لن تكون آمنة في ظل الاحتلال الإيراني المفضي إلى تسليم المنطقة للمستبد الأسدي ..

رابعا وركز البيان على أن حقائق التاريخ والجغرافيا والمشترك الحضاري ، والواقع الجيوسياسي ينشئ تحالفا استراتيجيا بين الشعب التركي والشعب السوري . تحالف يرتكز على الحضارة والتاريخ والثقافة والمصلحة المشتركة . ولا ينكر مدخلات هذا التحالف وآفاقه ومحدداته إلا قاصر أو مريب .

إن لوك الكلمات الجوفاء عن الوطنية والسيادة والاستقلال هي المضغة التي تلقفها البعض ممضوغة من فم بشار الأسد . بشار الأسد الذي لم يجد وضاعة وهو يمسك بخناق الدولة السورية أن يجلب إليها الروسي والإيراني ..ثم يدعي كما يدعون ، ويهذي كما يهذون .

إن الشعب السوري اليوم أحوج ما يكون إلى المنطقة الآمنة وبأوسع مدى من الجغرافيا والديمغرافية ..

المنطقة الآمنة التي لا تكون مدخلا لتقسيم فوحدة الأرض السورية والمجتمع السوري هي من مقدسات هذه الثورة ومحرماتها .

ورسالتنا إلى الجار التركي وإلى الشقيق التركي – وإن رغمت أنوف – هي أن هذه المنطقة لن تكون آمنة إلا بالتعاون بيننا على أسس وخلفيات قد لا ترتقي إلى أفقها الأبصار الكليلة للذين لا يبصرون .. !!

وقد أكد بيان الجماعة بكل الوضوح أن إقامة هذه المنطقة هي حق لهذا الجار بحكم الجيوسياسي وهي واجب عليه بحكم علائق الحضارة والثقافة ومقتضيات الغد القريب .

بيان جماعة الإخوان المسلمين فيما أقدر لم يكن رسالة إلى الجار التركي فقط وإنما كان أيضا رسالة لكل المحتلين الذين يزعمون أن بشار الأسد قد شرعن وجودهم على الأرض السورية ، أو أن قوتهم تعطيهم الحق أن يصادروا على الشعب السوري إرادته .. وأن يقسموا جغرافيته وديموغرافيته .

إن ادعاء الطهورية الوطنية الكاذبة هو نوع من التهرب من تحمل المسئولية التاريخية إزاء ما يجري على الوطن وعلى مواطنيه الحقيقيين. وإن من حق السوريين كل السوريين في محنتهم التي يعانون أن يطلبوا العون من كل الشرفاء الذين يحيطون بهم من عرب ومن مسلمين .

وإن جماعة الإخوان المسلمين في هذه المرحلة الصعبة من تاريخ الأمة التي تنشب فيها الصراعات العربية – العربية ، والعربية الإقليمية لتحب أن تؤكد أنها فوق كل أشكال هذا الصراع . وأن ثلاثية خطوطها الحمر هي مع المستبد الأسدي وزمرته من شركاء حرب الإبادة تنفذ ضد الشعب السوري . ثم مع المشروع الصهيوني المحتل للأرض المهدد للوجود ، ثم الخط الأحمر الثالث مع المشروع الصفوي بأبعاده السياسية والمذهبية والاقتصادية ..

وحين يتوجه النداء للجار التركي في الشمال ، فإن هذا لا يغني عن جهود بقية الأشقاء على كل الجبهات الأخرى . فالمشهد السوري بحاجة إلى مؤازرة كل الأشقاء العرب الذين هم السند والحاضن والظهير . الأشقاء الذين ننتظر منهم أن يعتبروا التطبيع مع جزار سورية مهددا للقومي الأمني العربي كما التطبيع مع كل المجرمين والمحتلين .

كلمة أخيرة أختم بها هذا المقال أوجهها لهؤلاء الذين انطلقوا في حملتهم ضد جماعة الإخوان المسلمين على غير وعي وبلا ريث : لماذا بشار الأسد لم ينس في أي خطاب من خطاباته منذ انطلاقة هذه الثورة أن يوجه الاتهام إلى هذه الجماعة دون غيرها من قوى المعارضة السورية ، كما تفعلون أنتم تماما .. حذو القذة بالقذة كما تقول العرب .

هل هو لا يراهم ..

أو أنهم ... وكيف ينطق من في فمه ماء

_______________

*مدير مركز الشرق العربي

==============================

عن خلافات روسية إيرانية في سورية

عمار ديوب

العربي الجديد

الاربعاء 13/3/2019

نتج عن زيارة رئيس حكومة إسرائيل، بنيامين نتنياهو، أخيرا إلى روسيا، رغبة الأخيرة في تشكيل مجموعة دولية لمتابعة الشأن السوري، وتقديم مبادرة جديدة، تستجيب للشروط الدولية، وللتغيرات التي حدثت في الواقع، أقلّهُ منذ صدور قرار مجلس الأمن 2254، في أواخر عام 2015، وبما ينسجم معه، وبالتالي هناك جديدٌ يتعلقُ باتساع فجوة الخلاف بين روسيا وإيران، وعودة روسيا إلى القرار المذكور، وعدم الاعتماد على مسار سوتشي وحده.

يدعم الأفكار السابقة الخلاص من تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وقبله من الفصائل كافة، و"ضبط" المتبقية منها تحت سيطرة تركيا، شريكةِ روسيا في مسارات أستانة وسوتشي واتفاق إدلب، وكذلك المصالح الروسية التركية القوية، بغضّ النظر عن الوضع السوري. تنفتح أمام روسيا بذلك فرصة العمر، حيث لا أطماع أميركية كبرى في سورية، وغيّرت أميركا من طبيعة وجود قواتها نحو حفظ السلام بين حلفائها الأتراك والأكراد. وهناك القرارات الأميركية المتتالية ضد إيران. تتحرّك تركيا ضمن آلية التنسيق مع روسيا، وكذلك إسرائيل، والأخيرة 

"غيّرت أميركا من طبيعة وجود قواتها نحو حفظ السلام بين حلفائها الأتراك والأكراد" تبني سياساتها إزاء سورية بالتنسيق مع روسيا؛ إذاً هناك فرصة تاريخية لدى روسيا في احتلال سورية، فهل يعي الروس كل هذه الأوضاع، ويَفصلونَ بين سياساتهم الدولية وسورية، والخلافات في تلك السياسات مع أوروبا وأميركا، ويتجهون نحو مبادرةٍ جديدةٍ جديّة، تضمن مصالح الدول المتدخلة بالشأن السوري، ويفوزون بسورية!

تزداد الآن الفجوات بين روسيا وإيران، ويقف ضد الأخيرة العالم بأكمله تقريباً، حيث شمل التنسيق الروسي الإسرائيلي إخراج القوات الأجنبية (الإيرانية)، وأعطيت إسرائيل الحق بقصف كل المناطق التي توجد فيها القوات الإيرانية، وربما تعدّ إسرائيل الآن عمليةً عسكريةً ضخمةً ضد مواقع إيران في سورية خصوصا، وهناك عقوبات أميركية شديدة على إيران، وكذلك هناك محاولات أميركية لتشكيل حلف عسكري واسع ضدها، وهو ما يُعلن عنه عبر التنسيق المستمر بين بعض الدول العربية وأوروبا وأميركا، وتتالى المبادرات حول ذلك. تقول هذه التطورات إن هناك موقفا دوليا وإقليميا لتحجيم إيران. تراقب الأخيرة ذلك كله، وتتحرك إقليمياً ودولياً من أجل التخفيف من سرعة تلك الأحلاف المناهضة لها. أعاق تقدّم تحركاتها إيقاف تعويم النظام السوري عبر جامعة الدول العربية، حيث جمّدت أميركا التحركات المصرية والإماراتية نحو ذلك، ولم تسحب قواتها، والتي من أهدافها قطع الطريق البري لمرور الأسلحة الإيرانية إلى سورية، ومراقبة التحرّكات الإيرانية في كل سورية والمنطقة. لا يتوقف الرد الإيراني الإعلامي عن التنديد بسياسات أميركا في المنطقة، وقد استدعت الرئيس السوري للتشاور بخصوص خطر التقارب الروسي الإسرائيلي عليه، وبخصوص تعاظم التنسيق الروسي التركي، سيما بعد تسيير دورياتٍ متوازيةٍ لكل من تركيا وروسيا، وتشمل كل محيط إدلب وحماه وحلب، وهذا يعني شطب مبرّرات بقاء القوات الإيرانية، وتدعيم اتفاق سوتشي، ومناطق غصن الزيتون وعفرين والوجود التركي في سورية، وكذلك خطر بقاء القوات 

"لا يتوقف الرد الإيراني الإعلامي عن التنديد بسياسات أميركا في المنطقة" الأميركية، ودعمها القوات الكردية.

تشمل الخلافات بين روسيا وإيران كل قضايا الحكم والاقتصاد في سورية، وهذا مهم، لجهة دفع روسيا نحو إخراج القوات الإيرانية من سورية، وتحجيم المصالح الإيرانية في سورية. لدى روسيا مشكلة حقيقية في سورية، فبقاؤها والاستثمار فيها ونهب اقتصادها يقتضي بالضرورة التمويل، والأخير سيأتي من أوروبا أو الخليج، حيث لن تصعّد الصين خلافاتها مع أميركا بمعركةٍ جديدة في سورية. أوروبا والخليج، تبنيان سياساتهما إزاء سورية وفقاً للشروط الأميركية، وما تسمح به وما ترفضه، أي ليس من أموال لإعادة الإعمار قبل تحقيق هذه الشروط، والتي تتجاوز أهداف بقاء قوّات أميركية في سورية، فهناك عقوبات اقتصادية على النظام، ويمكن أن تنفذ على أية دولة أو شركة تقيم علاقات معه، وهناك رفض أميركي لكل مسار سوتشي كما يريده الروس، ودفع الأخير للعودة إلى القرار 2254، وكذلك هناك شرط أميركي، يَقرنُ تدفق الأموال بالحل السياسي. وتجد روسيا إزاء المعطى الأميركي، والخلاف مع إيران والتنسيق مع إسرائيل، نفسها مضطرةً للبحث عن "مجموعةٍ دوليةٍ" من أجل الانتقال بالوضع السوري نحو توافقاتٍ سياسيةٍ جديدة. ومبعوث الأمم المتحدة إلى سورية، غير بيردسون، يُقارب الوضع السوري واللجنة الدستورية، انطلاقاً من القرار نفسه.

وتتحرّك تركيا ضمن أفقٍ رافضٍ بقاء قوات حزب الاتحاد الديمقراطي وفروعها، وتأخير تفكيك قوات هيئة تحرير الشام، لعقد صفقةٍ تتضمن حل قوات الطرفين معاً. هذا ليس جديدا، ولكن زوال "داعش"، وضبط الفصائل يدفع نحو ذلك. تركيا هنا، تناور بسبب "الخفّة" الأميركية في التعامل مع الشأن السوري، وتستفيد من العلاقات القوية مع روسيا؛ أقصد أنّ الخلافات بين تركيا وروسيا ليست كالخلافات بين روسيا وإيران، والخلافات الأخيرة هي ما يعيق تطبيق اتفاق سوتشي (بين الرئيسين التركي أردوغان والروسي بوتين) كاملاً، وهناك معارك تندلع باستمرار بين قوات روسيا وإيران معاً، وهناك أوامر إيرانية لقوات النظام بقصف مناطق إدلب بشكل مستمر، وبقصد تخريب الاتفاق بين روسيا وتركيا.

في كل الأحوال، يشكّل تسيير الدوريات الموازية، وتحديداً التركية، والتي ترافقها قواتٌ من فيلق الشام، رسالة واضحة إلى روسيا، أن تركيا عازمةٌ على التطبيق الكامل لاتفاق سوتشي، 

"تتحرك تركيا ضمن أفقٍ رافضٍ بقاء قوات حزب الاتحاد الديمقراطي وفروعها، وتأخير تفكيك قوات هيئة تحرير الشام" والبدء بفتح الخطوط الدولية "4 و5"، وتفكيك هيئة تحرير الشام مستقبلاً، وكذلك قتال حراس الدين وبقية الجهاديين، وأن إدلب لم تعد تشكّل خطراً، وفي هذا تراقب روسيا الاتفاق جوياً، وبرياً. وبالتالي، يجب إنهاء أي "عبث إيراني من أجل خلط الأوراق" في إدلب، وهذا سيعني تصعيد الخلاف الروسي الإيراني، واحتمال تطوّرات جديدة بينهما على الأرضي السورية.

ستجتمع المعارضة السورية في تركيا غدا الخميس (14 /3/ 2019). وطبعاً لن تخرج بأية مبادرة أعلى من سقف سوتشي والاتفاقات الروسية التركية، لكنها قد تُصعد ضد هيئة تحرير الشام والجهاديين، وهذا سيصب في مصلحة تركيا، ليبدو وكأنها تتحرّك ميدانياً وسياسياً، ضمن اتفاق سوتشي، وهذا سيُجبر روسيا على إنهاء القصف المتتالي على إدلب.

إذاً هناك جملة معطيات، قد تدفع روسيا إلى تقديم مبادرة تتجاوز "ثرثرة" اللجنة الدستورية، والمماطلة إزاء التغييرات المطلوبة في بنية النظام السوري، لتتدفق الأموال. وبالتالي، هل حان الأوان لتطبيق قرار مجلس الأمن 2254، والذي يستند إلى كل القرارات الدولية المتعلقة بسورية، ومنذ جنيف 2012، وبما يؤدي إلى تشكيل هيئة حكم انتقالية، وبما لا يفكّك النظام بشكل كامل، كما تمَّ في العراق وليبيا، ولكنه لا يبقيه كما هو، وهذا سيفجّر الخلافات مع إيران بالضرورة. فهل سنشهد سيناريو روسيا جديدا؟ إنّه السيناريو الذي انتظره العالم بأكمله منذ إصدار القرار 2254.

===========================


من الصراع في سورية إلى الصراع عليها

شمس الدين الكيلاني

العربي الجديد

الثلاثاء 12/3/2019

فتحت الثورة السورية في مارس/ آذار 2011 الآفاق الواسعة أمام احتمال إمساك الشعب السوري بمصيره ومصير بلده، يُعيد فيها ترتيب دور سورية الاستراتيجي في محيطها الإقليمي، وينظم إدارة الحكم والخيارات الإقليمية والدولية بطريقةٍ حديثةٍ عقلانية، ويقيم علاقاته في الإقليم العربي على أساس التكافل والتضامن على حساب سياسة النظام التي ارتكزت على إرعاب دول الجوار وابتزازها، بدلًا من أن يقيم علاقة توازن مصالح معها، فعمل من أجل ذلك، على تنمية قدرته المخابراتية وعلاقاته الواسعة مع قوى الإرهاب والمنظمات المتطرّفة، لتوظيفها في مجال تخريب مصالح دول الجوار والأمن القومي، إذا لم تقدّم ما تيسر لتجنُّب شروره. هذا ما فعله نظام الأسد الابن والأب في الأردن ولبنان والعراق، ومع الفلسطينيين أيضًا، فحتى بعد أن رحل ياسر عرفات إلى داخل فلسطين لم يتخلّص من تهديده وتآمره، فحوَّل سورية إلى حاضنة للتطرّف والإرهاب، بارتكازه على صناعة القوى التخريبية، وامتداد علاقاته بها في بلدان عديدة، حتى غدت دمشق محطة لقوى إرهابية كثيرة لها عداواتها مع دول الجوار.

ارتكز هذا الدور الاستراتيجي الإرعابي لنظام الأسد في المحيط، أساسًا، على نهج ثابتٍ للإرعاب والسيطرة في الداخل السوري على الشعب ومقدّراته، فليس من العبث أن أحد المفكرين السوريين أطلق على بلده اسم "مملكة الصمت". ويقصد مملكة القبور، فقامت الثورة السورية ضد هذا النمط التسلطي الإرعابي للسلطة، وعلى استراتيجيتها الإقليمية القائمة على التآمر والتهديد الإرهابيين، لا على التعاون الأخوي وتكافؤ المصالح، فرفعت الجموع، في مارس/ آذار 2011، شعار الحرية والكرامة، وقدمت باسم "التنسيقيات" مشروعًا للتحول الديمقراطي، غير أن السلطة ردَّت بالنار على المتظاهرين وشعاراتهم، ورفضت أي تسويةٍ تفضي إلى التغيير الديمقراطي، فانفتح الباب على مصراعيه أمام صراع عارم (على سورية)، 

"ليس من العبث أن أحد المفكرين السوريين أطلق على بلده اسم "مملكة الصمت". ويقصد مملكة القبور" بين نهج الثورة الذي يهدف إلى تغيير قواعد السلطة وتحويلها باتجاه الديمقراطية ونهج تسلطي يهدف إلى إبقاء الحال على ما هو عليه. وقد جنَّد النظام كل أدواته في القتل والاعتقال والتعذيب والتشريد، مستخدمًا كل الأسلحة المتاحة لديه، وقوة تحالفه المستقر مع إيران، المستند، في أحد وجوهه، إلى نزوع طائفي استبدادي، واسترجع رصيده الكبير من العلاقات مع "الجهاديين المتطرّفين" الذين استخدمهم سابقًا في لبنان (شاكر العبسي مثلا)، وفي العراق بكثافة، وأطلق بعضهم من السجون، في محاولةٍ منه، كي يطغى صوتهم الطائفي التكفيري على صوت الثورة الديمقراطية. وسلح في الوقت نفسه الحزب الديمقراطي الاتحادي (الكردي، من جماعة أوجلان) ليقف ضد الثورة، وسلّمه مفاتيح الإدارة في محافظة الحسكة. ووقفت روسيا بالتعاضد مع الصين (احتياط الاستبداد العالمي) جاهزتين لنجدته سياسيًا، قبل أن تنجده عسكريًا. وهكذا، سخَّر النظام تحالفاته الإقليمية والدولية في استخدام القوة الطليقة ضد السوريين، وسهّل السبل أمام السلفية الجهادية لتعزّز قوتها واختراقها مناطق سيطرة قوى الثورة المدنية، وذلك لتقويض قوة الثورة المدنية، ولتصبح الهيمنة للقوى الطائفية الإرهابية، ولتشوه وجه الثورة المدني، وليصبح الإرهاب والتكفير وجهها البارز. لقد حارب النظام على هاتين الجبهتين، فكان يومًا أسود على السوريين في نهاية عام 2012، عندما أعلن أبو محمد الجولاني تبعية جبهة النصرة لزعيم تنظيم القاعدة، أيمن الظواهري، ويومًا أبيض ناصعًا على النظام وحلفائه، فبدأ الغرب تشكّكه في الثورة ومستقبلها، بذريعة ذلك. وثابرت إسرائيل على دفاعها عن بقاء النظام المجرّب لديها نصف قرن!

وفي المقابل، لم تجد قوى الثورة المدنية ذات التوجه الديمقراطي المدني التي عانت من مشكلات القيادة، والتشتت والدعم، من يساندها دوليًا بشكل فعال، يوازي الدعم الذي يلقاه النظام، إذ كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها يبغون تغيير "سلوك النظام" لا النظام نفسه. ولا تريد إزعاج إيران من أجل صفقة النووي، فتركت إدارة الرئيس الأميركي، باراك أوباما، المجال أمام صعود دور إيران الإقليمي، ودور روسيا في سورية والعالم. وقد حافظت إدارة الرئيس دونالد ترامب على هذا النهج ونمّته. وكان النظام مشجّعًا ومساندًا لتطور الموقف التدخلي لهذه الدول، تحت شعار محاربة الإرهاب، فشرعت موسكو بحرب إبادة للسوريين، في بداية عام 2015 (مُطمئِنة السعودية وبعض الدول العربية ببضع كلماتٍ لفض العتب بشأن

"الولايات المتحدة وحلفاؤها كانوا يبغون تغيير "سلوك النظام" لا النظام نفسه"  تحجيم دور إيران)، مستعينة بطائراتها في السماء، تعاضدها المليشيا الشيعية - الإيرانية على الأرض، إنقاذًا للنظام الذي بدأ بالتقهقر والانهيار، ما لبثت أن انفتحت شهية الولايات المتحدة على الجزيرة السورية، معتمدة على المليشيا الكردية، بعد أن ألصقت على اسمها الديمقراطية!

كان شعار الحرب على إرهاب تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الصوت الجامع للتدخل الدولي السافر في سورية، للعب على مصيرها ومستقبلها. روَّج الروس الفيدرالية، واتفاقات تربط مستقبل سورية بها أمدا طويلا، وأعلنوا صراحةً، على لسان وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف (وهو النسخة المعدّلة على نحو أكثر بشاعة من وزير الخارجية الأبدي للاتحاد السوفياتي، أندريه غروميكو)، ما يقوله الغرب بالسر: لا لحكم الأكثرية السنية لسورية (وهو يعادل القول لا حكم للأرثوذكس لروسيا)، فلافروف يفضل لهذه الأكثرية البقاء في القمقم. وفي المقابل، وضعت إدارة ترامب الجزيرة السورية والرقة، بما فيهما من بترول، تحت سطوتها، وعملت، على غرار النظام، على تقاسم السلطة مع مليشيا فاشية كردية (أتباع أوجلان) تقوم تلك المليشيا، طبقًا لهذا، بإدارة المسائل اليومية، والهيمنة على سكان الجزيرة العرب، وأن تتولى الولايات المتحدة مسائل السيادة والإدارة العليا، مستغلة تعب الناس من إدارة "داعش" المتوحشة، ومن احتمال قدوم النظام والمليشيات الإيرانية، أما حق تقرير المصير للشعب، فيتلاعب به الجميع، قبل أن يستفيق السوريون للإمساك بمصيرهم.

هكذا، قاد النظام وحلفاؤه، في حربهم على الثورة السورية، وعلى السوريين، سورية نحو حرب تدخلية دولية وإقليمية، صارت فيها سورية موضوعًا لها، بعد أن طبَّق، بنجاح، شعاره الكارثي 

"لا تزال نسماتٌ ربيعيةٌ تهلُّ في الأفق الغربي لبلاد العرب من السودان حتى الجزائر، حاملةً معها البشائر" منذ بداية الثورة: الأسد أو نحرق البلد. .. وفعلًا، حرق البلد ودمره، وشرّد سكانه داخل الحدود وخارجها، تسانده في ذلك إيران وروسيا، بكل ما أوتيتا من قوة ومصالح رخيصة، وانعدام للأخلاق، وركوب متجدّد على الطائفية. وقد برزت أخيرا علاماتٌ تشير إلى أن الدول التي أصبحت لها اليد الطولى على مصير البلد، قد شرعت بتنافسٍ رخيصٍ على تقاسم الحصص، لتتربع فوق السوريين جميعًا، روسيا وأميركا وإيران، متجاهلة ومنكرة حقيقة أن الشعب السوري ما زال في الميدان، على الرغم من الجراح والدماء والتهجير. ولم تتعظ من تجربة الربيع العربي، كما تصرّ على تجاهل حقيقة أن قصة الربيع العربي لم تنته بعد، فلا تزال نسماتٌ ربيعيةٌ تهلُّ في الأفق الغربي لبلاد العرب من السودان حتى الجزائر، حاملةً معها البشائر، مؤكدة بإصرار أن هذا الربيع اليانع لا يزال يبث رياحينه في أرض العرب، وبين ناسها، تشد العزائم وتعزِّز الأمل بالآتي، ولا تزال أصوات الحرية تضج أصداؤها في الميادين والحواري، تحوم كالشبح فوق رؤوس أنظمة القمع والطغيان، وقادة الثورة المضادة من دول وتنظيمات! ولتتلو على الجميع نبوءة أن ما حدث في السنوات الماضية ليس سوى فاتحة لكتاب التحوّل العربي الكبير نحو الديمقراطية والسيادة.

===========================

السوريون ومحرقة الحل السياسي

أحمد سلوم (سورية)

العربي الجديد

الثلاثاء 12/3/2019

ما بين تصريحات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، النارية ومؤتمري سوتشي ووارسو يضيع الشعب السوري يوما بعد آخر، وما من حلول واضحة قد تنجيه من القتل والتشرد في المستقبل القريب.

عادت تجربة الثمانينيات اليوم بشكل أفظع مما فعله الأسد الأب الذي دمر وحرق محافظة بأكملها، حيث تفوّق الابن على أبيه بتدمير وتهجير سورية كلها. وما بين الأب والابن المبررات واحدة وجاهزة لتقديمها للرأي العالمي الذي تغاضى عن كل الحقائق، وصدّق مقولة الإرهاب. إذاً ما هو الإرهاب من وجهة نظرهم؟ عندما يطالب شعب بحريته يعتبرون ذلك إرهابا، وحين يريد الشعب التخلص من القيود والظلم، عندها تنطلق الطائرات من كل بقاع الأرض، لإخماد هذا الصوت بحجة الكلمة السحرية، أي الإرهاب.

استغل بشار الأسد تلك الكلمة، ولعبها بشكل صحيح، وساعدته الظروف التي صنعها بنفسه، من خلال اختلاقه للفصائل الإسلامية التي أرعبت العالم، كتنظيم داعش الذي بات المسؤول الأول عن أي عمل إجرامي في كل العالم، من دون النظر إلى الداعشي الأكبر، قاتل الأطفال والنساء والشيوخ، أي بشار الأسد.

ثماني سنوات مرت على الشعب السوري الذي طالب بحريته، فكشر العالم عن أنيابه، واستغل فرصته لتدمير وسحق حضارة عمرها أكثر من أربعة آلاف عام. وفي ظلّ التكهنات السياسية، والتصفيات الكبرى بين زعماء العالم، للفوز بكأس الخمر المعتق من دماء السوريين، يبقى القاتل متزعما كرسيه وسط دمشق في قصره العاج، ولا يأبه لأحد، وذلك لمعرفته المطلقة بأنه صنيعتهم، ولن يتنازلوا عن شخصٍ قدم لهم سورية وخيراتها على طبق من فضة، فما فشلت فيه كل الاحتلالات فيما مضى نالوه الآن، وهم في بلادهم يرقصون على أجساد أطفال سورية وعجائزها، فرحين باغتصاب النساء، ليعقدوا مؤتمراتهم البهلوانية في دعم المرأة السورية، ويستقبلون شبابها لاجئين ومواطنين درجة عاشرة.

ولو تساءلنا: لماذا العالم يغض بصره عن جرائم تقشعر لها الأبدان، جرائم تقع يوميا في الشرق الأوسط عامة، وفي سورية خاصة؟

لو أردنا الإجابة على هذا التساؤل، علينا أن نقرأ مذكرة بنرمان، والتي تتلخص بما يلي: أن الخطر الذي يهدد إمبراطورياتنا الأوروبية يكمن في البحر المتوسط الذي يشكل همزة الوصل بين الغرب والشرق، وفي حوضه نزلت الديانات السماوية ونشأت أعرق الحضارات، خصوصاً في شواطئه الجنوبية والشرقية، ففي طول ساحله الجنوبي من الرباط في مراكش إلى غزة جنوب فلسطين، وعلى الساحل الشرقي من غزة حتى أضنة، وعلى الجسر البري الضيق الواصل بين أسيا وإفريقيا، ويمر فيها شريان أوروبا، قناة السويس، وعلى جانبي البحر الأحمر، وعلى امتداد ساحلي الهند وبحر العرب حتى خليج البصرة، حيث الطريق إلى الهند في هذه البقعة الشديدة الاتساع، يعيش شعب واحد، تتوفر له مقومات وحدةٍ لا تتحقق لغيره من شعوب الأرض، كوحدة الدين واللسان والآمال، إضافة إلى نزعات تحرّرية، وثروات لا حدود لها وتناسل عظيم.. كل هذا يشكل أسباب قوة وتحرّر ونهوض، فكيف يمكن أن يكون وضع هذه المنطقة إذا توحدت فعلاً، وقامت على أرضها دولة واحدة قوية، تتجه باتجاه واحد؟ وكيف يكون الحال فيما إذا حصلت هذه الدولة على مكتسبات الثورة الصناعية الأوروبية، وانتشر العلم، وتجذرت الثقافة في أوساط هذا الشعب؟ وماذا سيغدو الأمر، لو أن هذه المنطقة تمكّنت من السيطرة على ثرواتها الطبيعية واستثمرتها بشكل وطني؟

تجيب المذكرة عن هذه التساؤلات فتقول: عند ذاك ستحل الضربة القاضية حتماً بالإمبراطوريات الاستعمارية، وعندها ستتبخر أحلام الاستعمار بالخلود، فتتقطع أوصاله، ثم يضمحل وينهار كما انهارت إمبراطوريات الرومان والإغريق، لذلك على كل الدول ذات المصالح المشتركة أن تعمل على استمرار وضع هذه المنطقة، المجزأ والمتأخر، وعلى إبقاء شعبها على ما هو عليه من تفكك وجهل وتأخر وتناحر، وعلى هذه الدول أن تحشد كل قواتها، لمحاربة وحدة هذه الجماهير، أو ارتباطها بأي نوع من الارتباط الفكري أو الروحي أو التاريخي، وإيجاد الوسائل العملية القوية لفصلها عن بعضها ما أمكن. وكوسيلة إسعافية، دعت المذكرة إلى فصل الجزء الإفريقي من هذه المنطقة عن جزئها الآسيوي بإقامة حاجز بشري قوي وغريب على الجسر البري الذي يربط آسيا بإفريقيا ويربطهما معاً بالبحر المتوسط، بحيث يشكل في هذه المنطقة، وعلى مقربة قناة السويس قوة صديقة للاستعمار وعدوة لسكان المنطقة.

بعد هذا، نستطيع أن نعلم قليلا السر المجهول المعلوم وراء ما يحدث، خصوصا في أيامنا هذه، ولا يمكن تصديق ما يزعمونه بالحل السياسي، فكل ما يتم تداوله ممكنا، ولكن من مصلحة من أن يتم إنهاء الحرب في سورية؟

يعلم الكل أنّ الحرب في سورية مصدر رزق كبير لدول كثيرة، عبر تجارة الأسلحة والأعضاء البشرية والنفط السوري الذي يباع بأبخس الأثمان، وغير ذلك من الفوائد التي تعود لدول كثيرة.

===========================

هل فرضت أنقرة أمرًا واقعًا على موسكو في تسيير دورياتها في إدلب؟

 يمان دابقي

جيرون

الاثنين 11/3/2019

تشهد المنطقة العازلة في محيط إدلب تطبيق مرحلة جديدة من اتفاق سوتشي المبرم بين أنقرة وموسكو، في 17 أيلول/ سبتمبر الماضي، حيث قامت أنقرة، الجمعة 8 مارس/ آذار الحالي، بتسيير دوريات في عمق المنطقة منزوعة السلاح، في النقطتين السابعة (قرب تل طوقان شرقي سراقب) والثامنة (قرب الصرمان شرقي معرة النعمان). وذكرت مصادر تركية أن الجانب التركي سيقوم بإنشاء خمسة مخافر في المنطقة الواقعة بين تل السلطان وسراقب، وأن نقاط المراقبة ستصل خلال 72 ساعة إلى خان شيخون ومورك بريف حماة. وأكد العقيد فاتح حسون، لإحدى وسائل الإعلام، أن الروس سيعملون على تسيير طائرات استطلاع، كمشاركة في مراقبة المنطقة العازلة، في إشارة إلى تماهي موسكو مع التوجهات التركية، في المرحلة الحالية.

وبموازاة الخطوة التركية، قال وزير الدفاع التركي خلوصي أكار: “إذا استمرت الهجمات في إدلب وبدأت الهجرة؛ فإن لجوء 3.5 مليون شخص لن يكون إلى تركيا وأوروبا وحسب، بل إلى الولايات المتحدة الأميركية”؛ ما يشي بنوع من التهديد المبطن، بوقوف أميركا إلى جانب تركيا في حماية اتفاق إدلب، واستمرار مواصلة الضغط على نظام الأسد وإيران لوقف الاستفزازات.

اللافت أن الخطوة التركية جاءت بعد وصول حلفاء أستانا إلى طريق مسدود، في تحقيق أي تقدم مشترك في الملفات الخلافية التي تصدرت واجهة الرأي العام، بعد قرار الرئيس دونالد ترامب الانسحاب من سورية، إذ شهدت محافظة إدلب عودة لهيب النار من جديد، على وقع فشل قمة سوتشي الأخيرة، بين الرئيسين رجب طيب أردوغان الروسي فلاديمير بوتين، في 23 كانون الثاني/ يناير الماضي، ذلك أن بوتين أراد نزع مكسب سياسي جديد من تركيا في ملف شرق الفرات، برغبته في بسط السيطرة على بعض المناطق، كخطوة استراتيجية روسية تُحرج الموقف الأميركي، وتجبره مستقبلًا على الخروج من سورية، بذريعة أن وجوده غير شرعي. بهذا المنطق أراد بوتين تحقيق مقايضة جديدة مع نظيره التركي، فرمى له بورقة المحافظة على إدلب، مقابل تفعيل “اتفاق أضنة” الأمني مع النظام السوري 1988 وإدخال ملحقات جديدة عليه، إلا أن رجب طيب أردوغان امتنع حينذاك عن إبداء أي موافقة، وترك الباب مفتوحًا للروس لإعادة التفكير، وفُهم ذلك على أنه رفض من تركيا على مقترح موسكو الذي يُعد غير مناسب لتلبية ما تطمح إليه في إنشاء منطقة آمنة، تنهي حلم قيام أي دولة كردية على حدودها الجنوبية، إضافة إلى تأمين ثلاثة مليون لاجئ سوري في منطقة آمنة، كانت تركيا أول من طالبت بها الأميركيين في 2013.

بعد الرفض التركي أمام موسكو، وإبقائها في موضع المُرواح في المكان؛ عادت واشنطن لتسخين درجة التوتر بين حلفاء أستانا، عبر ممارسة ضغوطات على إيران وموسكو وتركيا، بهدف توسيع دائرة الفجوة بينهم والعودة إلى نقطة الصفر، فأقدمت على إفشال خطط روسيا في إعادة النظام لحضن الجامعة العربية، وأوعزت لحلفائها في أوروبا بفرض عقوبات جديدة على النظام، وعسكريًا تراجعت عن موضوع الانسحاب من سورية، وأعلنت مؤخرًا -على لسان مسؤولين أميركيين- أن الانسحاب غير مرتبط بجدول زمني، وسيكون مرهونًا بالقضاء على تنظيم الدولة (داعش) إضافة إلى إبقاء 400 مقاتل موزعين بين شرق الفرات وقاعدة التنف، وأكد ذلك شكوك موسكو في عدم تنفيذ قرار ترامب، ومعنى ذلك عدم السماح لها بنيل استحقاقات جديدة في سورية توظفها في مسار التسوية الكلية، فزادت الضغط على حليفها التركي عبر ذراعها بشار الأسد، الذي ارتكب خلال شهر شباط/ فبراير العديد من المجازر في عمق المنطقة الممتدة على الطرق الدولية أم 4 وأم 5، لكن ذلك لم يجدِ نفعًا أمام إصرار تركيا على عدم تقديم تنازلات تمس سيادة أمنها القومي، وشهدت العلاقات لأول مرة أوج توترها بين حلفاء أستانا، على خلفية التوترات الأخيرة، أعاد فيها الجميع مراجعات لمحدداتهم البراغماتية، وبدا المشهد وكأنه إنذار أخير، قبل إطلاق الرصاصة الأخيرة على مسار أستانا، من جراء حالة الاستعصاء وعدم تنازل الجميع أمام الآخر، فصعدت موسكو عبر وزير خارجيتها سيرغي لافروف، الذي اتهم تركيا بأنها عاجزة عن إتمام اتفاق سوتشي وتقوم بمحاولة صفقات مع “هيئة تحرير الشام”، وزاد عليها ديميتري بيسكوف بالإفصاح عن نيّات روسيا بإنهاء كامل للإرهاب في إدلب، بعمليات عسكرية واسعة النطاق. وسياسيًا ظهرت عملية التفاف روسية على حساب شريكيها تركيا وإيران، من خلال إعلانها إنشاء آلية مشتركة دولية لعملية شاملة في سورية، بعد اللقاء الذي جمع بين نتنياهو وبوتين، مطلع الشهر الحالي، كذلك أبدت موسكو انزعاجها من زيارة الأسد لطهران، وهي الزيارة التي أعطت دلالات محاولة تفضيل الأسد بين الحليفين، ولا سيما أنهما أظهرا خلافاتهما إلى العلن، بعد التنافس الواضح في بسط السيطرة على مناطق النفوذ ومقدرات البلاد.

من جانب آخر، تطرقت الصحف الروسية وعلى رأسها (نيزافيسيمايا غازيتا) إلى موضوع انزعاج بوتين من حليفه الأسد، ووصفت زيارته لإيران بالضربة القوية للكرملين، ليأتي الاتفاق الروسي مع “إسرائيل” كنوع من التهديد على إخراج إيران، ولعل زيارة لافروف إلى الخليج جاءت في سياق حشد موقف عربي مناهض لإيران في سورية، كالمملكة العربية السعودية التي أعلنت عن اتفاق مشترك مع موسكو حول خطة شاملة للحل في سورية.

كما أن دعوة لافروف المعارضة السورية إلى إعادة تفعيل المسار السياسي، ودعم مسار المفاوضات والحل في سورية، وفق قرارات الأمم المتحدة، واجتماعه مع الأميركيين في فيينا، جميعها تدخل في رغبة موسكو في إنشاء مسار مواز مع أستانا للتخلي مستقبلًا عن الشركاء المحليين، في حال ارتفعت حدة التوترات وتناقضت مع ما ترمي إليه في تحقيق معادلة توزان كلية أمام الغرب في منطقة الشرق الأوسط.

على الطرف المقابل، لم تتوانَ تركيا عن إجراء مناورات منفردة بعيدة من شريكها الروسي، من خلال إعلانها إجراء عمليات مشتركة مع إيران، ضد حزب العمال الكردستاني في سورية، وإعادة خط التنسيق والمفاوضات مع حليفتها واشنطن بحلف الناتو، بما يتعلق بتنسيق ترتيبات عملية الانسحاب من سورية، والدفع بملف منبج نحو الأمام، فالمبعوث الأميركي جيمس جيفري كان قد أجرى محادثات مع نائب رئيس الخارجية التركي، الأسبوع الماضي، وأعلن الطرفان التوصل إلى نتائج إيجابية.

جملة المعطيات دفعت حلفاء أستانا إلى إجراء مناورات فردية، أوصلتهم جميعًا إلى تجاوز الخط المسموح به، ومنحوا أميركا مزيدًا من الوقت لإحداث مناورات انعكست عليهم سلبًا، فعلى سبيل المثال، لم يعد الحديث واردًا عن شن تركيا عمليات عسكرية في شرق الفرات، ولم يعد بمقدور موسكو اجتياح إدلب بشكل منفرد، وليس باستطاعة إيران والنظام التقدم في شرق الفرات، كل هذه المعطيات دفعت تركيا إلى اتخاذ موقف حازم في إدلب، من خلال فرض أمر واقع لوضع حد لتمادي النظام في إدلب، فأقدمت على تسيير دوريات في المناطق المستهدفة لوقف التهديد، ويبدو أن موسكو هي التي تنازلت لتركيا في هذا المقام، بعد فشلها في إقناع تركيا بتسيير دوريات مشتركة في شرق الفرات، لإنشاء المنطقة العازلة أو الأمنية، وفشلها في إعادة تدوير النظام وإعادته للمحور العربي، وعدم تأمين أموال إعادة الأعمار، وعلى الرغم من أنها لا ترى في اتفاق سوتشي إلا أنه مؤقت، ولم تكن راضية عنه منذ البداية، ووقعت عليه مكرهة، لكن يبدو أنها أجبرت على تطبيق اتفاق سوتشي، خشية من خسارات أخرى قد تفقدها السيطرة على ضبط التوازنات مع حلفائها.

لكن ذلك لا يعني أن موسكو ستقبل بالوضع القائم كما هو، صحيح أن الخطوة التركية ستحد من أعمال النظام الإجرامية وستجبر موسكو على الضغط عليه لاحترام الاتفاق، لكن ذلك لا يعني وقفًا نهائيًا لإطلاق النار؛ فما تزال إدلب رهن الاتفاقات المؤقتة والبديلة، وستبقى كذلك ريثما تنضج حالة توافقية كلية على تسويات كبرى تنهي بشكل كامل حالة الاستعصاء الحالي، لكن الثابت في انتقال أطراف الاتفاق لمرحلة جديدة من تطبيق بنود الاتفاق يعني خسارة النظام وإيران، ومنعهما من إعادة إدلب تحت كنف النظام، إضافة إلى توسيع حالة الشرخ بين موسكو وطهران، كما أن المسائل الخلافية في اتفاق سوتشي كملف المهاجرين، وتفكيك هيئة تحرير الشام ستبقى ماثلة ورهن التجاذبات التركية الروسية، وهو ما يشير إلى أن ليس هناك توافق دائم على إدلب، ولا خلاف شامل في الوقت نفسه.

إن نزول موسكو عند رغبات تركيا، في تسيير دوريات في المنطقة العازلة، يأتي بعد ضمانها إصرار أنقرة على إتمام صفقة (إس 400) وقد يبدو التفسير المنطقي الوحيد، بالنسبة إلى موسكو، هو القبول بتوجهات تركيا في إدلب، مقابل نزع انتصار عسكري بصفقات السلاح على حساب واشنطن التي تبدي استياءها من هذه الصفقة، وتهدد بتوقيف صفقات طائرات إف 35 مع تركيا، وهذه النقطة الأخطر في الموضوع، وهي تفسر مسايرة موسكو تركيا في إدلب حتى إنجاز الصفقة كليًا مع تركيا، ثم العودة بعد ذلك للتسخين من جديد في مناطق التأثير: إدلب وشرق الفرات، وهذا ليس غريبًا على موسكو التي لم تلتزم بكامل وعودها في سورية منذ تدخلها في 2015.

===========================


1963.. تاريخ نكبة الشام

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الاحد 10/3/2019

تصادف هذه الأيام ذكرى نكبة الشام التي جرت في الثامن من مارس عام 1963 يوم سطا حزب البعث العربي الاشتراكي على السلطة في الشام فحولها إلى مزرعة له، ثم مزرعة لعصابة أسدية دفعت الشام منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم ثمناً باهظاً ولا تزال، ولم يقتصر دفع الثمن على الشام وأهلها وإنما المنطقة كلها تدفع الثمن، وأول من دفع الثمن فلسطين وأهلها الذين تآمر نظام البعث مع كل أعدائهم وخصومهم فكانت مجازر تلد مجازر، ومآسي تلد أخرى منذ نكبة يونيو عام 1967، ومروراً بنكبات المخيمات من تل الزعتر والكرنتينا والبداوي وطرابلس، وأخيراً بنكبة الشعب السوري الحالية التي لا توازيها نكبة فلسطين ولا غيرها، بعد أن جلبت العصابة الأسدية البعثية كل شذاذ آفاق الأرض من مليشيات واحتلالات، من أجل وأد ثورة الشام العظيمة اليتيمة.

أواخر السبعينيات، تعرضت العصابة الأسدية البعثية لانتفاضة، لكن جوبهت بالحديد والنار، وفقد الشعب السوري خيرة أبنائه وبناته ممن نكلت بهم عصابة الأب حافظ، وبعدها بسنوات خرج علينا أحد مؤسسي البعث وهو صلاح الدين البيطار بمقال ناري خاطب فيه الشعب السوري بعنوان: «عذراً شعب سوريا العظيم»، يعتذر فيه عما جرّه البعث وجره غباؤهم عليه من تسلط عصابة طائفية، لكن لم تمهل العصابة الأسدية الأستاذ البيطار طويلاً، حتى أرسلت له من يقتله في باريس، بينما كانت مجموعة أخرى من العصابة مشغولة بقتل سليم اللوزي رئيس تحرير صحيفة الحوادث في لبنان، في حين كان الأستاذ ميشيل عفلق قد غادر مبكراً واستقر به المقام في بغداد هرباً من عصابة طائفية مجرمة أدرك المؤسسون خطرها عليهم وعلى البعث والشعب السوري.

كان الأستاذ منيف الرزاز -الأمين العام للقيادة القومية لحزب البعث- قد أدرك خطر العصابة مبكراً، فخرج أوائل الستينيات بكتابه المميز: «التجربة المرة» يحكي فيه طائفية العصابة الأسدية، وما فعلوه بالجيش السوري وبقيادة الحزب، وكيف سرّحوا المئات من الضباط المهنيين المحترفين من الجيش ليحل محلهم ضباط بعثيون طائفيون، وهو ما كان أكبر سبب لنكسة يونيو، وقد جرّ ذلك من مخاطر ومصائب وكوارث على الشعب السوري لا يزال يدفع ثمنها يوماً إثر يوم، ولحظة إثر أخرى.

دفع الشعب السوري الأثمان الباهظة لسطو البعث على السلطة، فقد قضى البعثيون على مؤسسات أعرق بلد عربي ديمقراطي، كانت الانتخابات الرئاسية والتشريعية تعقد فيه بشكل حضاري وراق وعلى مقاسات عالمية وبشكل دوري، وكانت الصحافة ووسائل الإعلام مفخرة من مفاخر العرب لتعدديتها ورقيها ومهنيتها، بينما كانت جامعة دمشق تعد سوربون العالم العربي، فضلاً عن مشافي دمشق الراقية، والخدمات العامة المعروفة بجودتها، والمساءلات التي يتعرض لها الرئيس وغيره، كلها تعد مفخرة للعرب والديمقراطية والإنسانية، حتى أتت عصابة البعث الذين لم يروا خيراً في حياتهم، لينتقموا من السوريين ومن حضارتهم وتاريخهم.

اليوم أينما اتجهت إلى الشام تجدها في آخر الركب، بل وتجد أهلها في آخر بلدهم، بينما في المقدمة العصابات والمليشيات الأجنبية الآمرة والناهية في البلد، أما أهل البلد إما في القبور أو في المعتقلات أو ممن هام على وجهه لا يلوي على شيء بعد أن فقد كل شيء، وهو يرى الاحتلال الأجنبي هو من يقرر وهو من يحكم، في حين يُعامل طاغية مجرم مثل بشار الأسد كعميل رخيص في زياراته القصيرة والمعدودة إلى بلاد أسياده.

لكن ومع هذا كله، لا يزال الشعب السوري يقدم القرابين تلو القرابين، ويصر على نيل حريته وكرامته، ولعل انتفاضة الثمانينيات وثورة اليوم تكملان بعضهما بعضاً، ولا تزال الأسود في إدلب وأرياف حلب وحماة والساحل مصرة على مواصلة الطريق، مدعومة من سوريا المصغرة كلها في الشمال المحرر التي احتضنت كل الأحرار ومن كل سوريا، شعارهم الإصرار على انتزاع حريتهم وكرامتهم، والخلاص من نكبتهم التي بدأت عام 1963، فقد آن لليل أن ينجلي.

===========================


دفتر استدراج العروض الروسي في الخليج والشرق الأوسط

د. خطار أبودياب

العرب اللندنية

الاحد 10/3/2019

عشية جولته الخليجية التي يفترض أن تمهد لأول جولة تاريخية للرئيس فلاديمير بوتين لم يسبق لرئيس سوفييتي أو روسي القيام بها، أعرب وزير الخارجية الروسي، سيرجي لافروف، عن “غضبه” إزاء زيارة الرئيس السوري بشار الأسد إلى طهران حسبما ذكرت مصادر روسية.

بالفعل لا شيء مضمون في هذه المنطقة من العالم حيث الرمال المتحركة والتحالفات المهتزة. لذلك أتى الداهية لافروف إلى ضفاف الخليج العربي، وهو يدرك أن لعبة المصالح والصراعات هناك ليست عزفاً يجيده على أوتار الغيتار ولو بتجهم ورصانة، بل هي أقرب إلى نقلة حجارة على رقعة الشطرنج يحاول رئيسه كسبها استناداً لمهارته في الجودو وخلفيته الأمنية في إدارة الصراعات.

أياً كانت نقاط القوة والضعف قي أداء موسكو، يمكن القول إن “القيصر الجديد” انطلاقاً من البوابة السورية نجح في أن تصبح روسيا لاعبا لا يمكن الالتفاف عليه في الإقليم. ولهذا يعتبر الخليج العربي مركزيا في الحسابات الروسية لفرض تقاسم للنفوذ مع واشنطن، وفي هذا المضمار تبدو اللعبة مفتوحة ومرتهنة بعوامل أخرى ولاعبين آخرين إقليميا ودوليا.

على صعيد أشمل، لعب سيرجي لافروف دورا مهما على المستوى الدولي ويعتبر من وزراء الخارجية الروس الأكثر كفاءة وخبرة تجاه القضايا الإقليمية، سواء المتعلقة بسوريا أو ليبيا أو الملف النووي الإيراني أو غيرها، وكان له باع طويل ولمسات في اتخاذ القرارات والمناورات حيال هذه الأزمات.

من الدوحة إلى الرياض والكويت وأبوظبي، ركّز الضيف الروسي مع القادة الخليجيين على الصلات الثنائية والشأن السوري بشكل خاص مع التطرق لباقي القضايا الإقليمية، وبالطبع إلى الأزمة داخل البيت الخليجي التي اندلعت في يونيو من العام 2017، مجددا دعم بلاده لجهود الوساطة الكويتية لحل الأزمة، من دون الذهاب إلى أبعد من ذلك، لأن الهدف الأساسي لجولة لافروف هو التمهيد والتهيئة لجولة الرئيس فلاديمير بوتين للمنطقة خلال العام الجاري، والتي لم تتحدد مواعيدها حتى الآن وعدا المملكة العربية السعودية لم يتم حسم الدول الأخرى التي ستشملها الجولة.

وحسب مصادر في واشنطن، تضع الدبلوماسية الأميركية تحت المجهر تطور العلاقات بين موسكو والرياض منذ تلك المصافحة الشهيرة بين الرئيس الروسي وولي العهد السعودي على هامش قمة العشرين في الأرجنتين، في نوفمبر الماضي تبعاً للتعاون المحكم بين روسيا والسعودية في سوق النفط.

ويبدو أن واشنطن أرسلت إشارات أشبه بالتنبيه إلى كل دول مجلس التعاون الخليجي عن مغبة الانفتاح الواسع على موسكو وتأثيره على صلات هذه الدول مع واشنطن، أي أن هناك تحذيرا ضمنيا بأن الخروج من الفلك الأميركي “غير متاح وله عواقبه”.

بيد أن المتابع لجولة لافروف يلمس أن الرياض، بالذات، لا تولي لهذه التحذيرات الوزن الذي تتوقعه واشنطن وتثمّن موقف موسكو “الحيادي” في الملف اليمني.

ويشبه مصدر خليجي ما يجري بأنه لعبة تشبه استدراج العُروض بين القوى العالمية التي يزداد اهتمامها بالخليج وثرواته وموقعه الإستراتيجي وإمكانياته الاستثمارية في الاتجاهين، ولهذا ليس من الضروري أن تكون العلاقات التي تُنسج مع روسيا والصين والدول الأوروبية والآسيوية الأساسية على حساب العلاقة المركزية مع الولايات المتحدة، بل تعزيزاً للموقع التفاوضي في المقام الأول وتنويعا تفرضه المتغيرات في سوق الطاقة، حيث يتركز التصدير إلى آسيا وكذلك التحولات السياسية العالمية وضرورة عدم الخضوع لابتزاز قوى دولية بعينها.

هكذا تنهمك روسيا والدول العربية في الخليج في اكتشاف بعضهما الآخر، وأبعد من استكشاف النوايا وبعض التوثب، يذهب التركيز إلى تقاطع المصالح وإمكانيات العمل المشترك، إذ تدرك الدول الخليجية، أكثر فأكثر، وزن روسيا الإقليمي والدولي تبعا للاختراق الروسي في سوريا وشرق البحر المتوسط ومواطئ القدم من مصر إلى ليبيا والسودان والجزائر، ومما لا شك فيه أن التخبط الأميركي في عهد إدارة الرئيس دونالد ترامب والكسوف الأوروبي السياسي والإستراتيجي وعدم إعطاء الصين أولوية لدور سياسي دولي، يفتح الباب أمام موسكو لتعزيز مواقعها وعدم الاكتفاء بعروض بيع السلاح أو بصفقات في الطاقة فحسب، بل تطرح نفسها ندّا للولايات المتحدة يمكن التعويل عليه في اللحظات الصعبة، ولا يتخلى عن حلفائه كما يتم اتهام واشنطن غالبا.

من جهتها، تقر موسكو بأهمية دور المملكة العربية السعودية العربي والإسلامي وفي سوق الطاقة، وتعتبر أن دول مجلس التعاون الخليجي أخذت تلعب دورا أساسيا في صنع القرار العربي ولذا ركزت جولة لافروف على رصد مواقف دول الخليج تحديدا في موضوع إعادة دمشق لجامعة الدول العربية وكذلك إعادة الإعمار بسوريا.

لكن زيارة الأسد إلى طهران المثيرة للجدل عطلت، عن قصد أو عن غير قصد، الطموح الروسي حيث لم يتمكن لافروف من إحراز تقدم حاسم في الموضوع السوري، حيث تتمركز القضايا الخلافية على طبيعة الحل السياسي ومستقبل الرئيس بشار الأسد، وكذلك الدور الإيراني ونفوذ طهران بالمنطقة.

وعلى الرغم من اتهام مصادر روسية لواشنطن بكبح جماح الاندفاع العربي للتطبيع مع دمشق، فإن هذه المصادر تعترف بأن إيران المتمسكة باستحواذها على قسم كبير من الورقة السورية تتعمد إفشال السيطرة الروسية على مجريات إدارة الأزمة في سوريا، لكن موسكو التي تتفاهم مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على “وجوب إخراج القوات الأجنبية من سوريا” تقوم من خلال مسار أستانة بتكريس لهذا الوجود. ولذلك أعرب أكثر من محاور خليجي لسيرجي لافروف عن وجوب إيجاد تفاهمات أوسع للخروج من المأزق في سوريا، وبالطبع كان يعني ذلك تلميحاً باستحالة تحقيق أي تقدّم حاسم في الملف السياسي، أو في ملف إعادة إعمار سوريا من دون حد أدنى من التفاهمات الروسية – الأميركية.

بقيت الكثير من الأمور معلقة أو غامضة خلال مباحثات لافروف غير المعلنة في ما يخص الدورين التركي والإيراني في الإقليم، وعملية السلام الفلسطينية – الإسرائيلية ومجمل الأمن الإقليمي. لكن وضع أسس الحوار والتعاون الاقتصادي والسياسي بين الفريقين كان إشارة إيجابية ضمن دفتر استدراج العروض الروسي.

لم يعد الخليج العربي ينظر إلى روسيا بمنظور الخصم، أي منظور الحرب الباردة السابقة، بل أخذت تتدرج لتكون شريكا ومنافسا دوليا موثوقا.

===========================

 


فالج لا تعالج

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 9/3/2019

ما إن قام الحرس الجمهوري بانقلاب عسكري أطاح من آلت الرئاسة إليه دستورياً، وفرض بشار الأسد وارثاً عرش أبيه الميت، حتى تنكر جلالته لوعد الإصلاح، ولمن طالبوا به داخل سورية وخارجها، وأعلن تمسّكه بسلطة "القائد الخالد"، لقب أبيه الميت الحي، وبعلاقاتها القمعية بالسوريين. وكان وارث العرش الأسدي قد وعد بالتغيير، فالإصلاح، فالتطوير والتحديث، ثم أعلن قبيل الثورة: إن النظام أشبه بسيارة قديمة إن قادها سائقها بسرعة تفكّكت، لذلك سيأتي الإصلاح، ولكن بعد أجيال. بدل أن يصلح سيارة النظام المتهالكة، نسب الرئيس الأرعن المسؤولية عن عدم أهلية نظامه للإصلاح، متناسياً أن أباه انفرد بالحكم ثلاثين عاماً، اتخذ خلالها ما أراده من قراراتٍ أوقعت الشعب في كوارث، فاقمها ابنه بالإصرار على إبقاء نظامه من دون تغيير، وتحويل وعد الإصلاح إلى تلاعب سياسي رخيص بالوطن والشعب، لعب دوراً حاسماً في انفجار مجتمعي، لم يطلب المنخرطون فيه، سلمياً ومدنياً، غير الإصلاح، على الرغم من تعرّضهم لإطلاق نار قاتل بأسلحة أجهزة السلطة وجيشها، ومرتزقة إيران الذين استجلبهم محب شعبه إلى سورية قبل الثورة، لمساعدته على سحق مواطنيها.

واليوم، وبعد "الانتصار" الإيراني ــ الروسي ــ اللبناني ــ الأفغاني ــ الأوزبكي ــ الباكستاني.. والذي ينسبة الأسد لنفسه، لم تعد حليمة إلى عادتها القديمة وحسب، بل إلى ما هو أسوأ منها بكثير. لذلك وسعت سياساتها القمعية ــ الإبادية ضد من عادوا إلى "حضن الوطن"، ومارستها وسط صمت دولي مقلق، لاجتثاث عشرات آلآف الثائرين الذين ألقوا السلاح. لكن الأسدية قرّرت أن جرثومة الحرية التي دفعتهم إلى الثورة، لم تبارح صدورهم، وإن عليها القضاء عليهم، وإلا بقي انتصار النظام ناقصاً، وكانت عودتهم إلى بيت الطاعة الأسدي حافلةً بالمخاطر. لذلك لا يجوز أن يكون توقف الثائرين عن القتال نهاية حرب الأسدية ضدهم، وإنما هي إحدى مراحلها، تتواصل خلالها بصيغ أخرى غير قتالية، قد تأخذ صورة هدنةٍ تعد بالسلام بقدر ما تحقق الأهداف التي كان تحقيقها رهناً بالمدافع والدبابات والطائرات. هذا النمط من مواصلة الحرب الذي يتجلبب بسلام تجلبه الهدن والمصالحات الوطنية، مع أن عليه ألا يكون أقل فتكاً بالبشر من نمطها القتالي، بما أنه يأتي ضحاياه من حيث منحهم الأمان، وطمأنهم على حياتهم، بيد أنه يواصل البطش بهم وبأسرهم وجيرانهم وبيئتهم الاجتماعية وأصدقائهم، حسب تحديدات أعلنها بشار الأسد في واحدةٍ من خطبه حول هوية العدو الداخلي الذي تجب إبادته.

تتوارد أنباء مرعبة عن مصير سكان المناطق الذين استدرجوا إلى "الهدن والمصالحات الوطنية"، وأنباء معاكسة عن تجدّد المقاومة ضد الأسدية، تتصل بدفاع عشرات آلاف السوريين عن أنفسهم، ممن كانوا قد خدعوا بوعود إنهاء الحرب واستئناف حياتهم الطبيعية، لكنهم وجدوا أنفسهم عرضة للاعتقال، والقتل، والموت تحت التعذيب، والاغتيال، والإخفاء القسري، والاغتصاب، ومصادرة الممتلكات، والتشرّد، والتجويع، أو سيقوا إلى أجهزةٍ مارست بالأمس إرهاب الدولة عليهم، وتكلفهم اليوم بممارسته ضد شعبٍ كانوا جزءا منه، ودافعوا عنه إلى الأمس القريب.

تواصل الأسدية ما تتقنه: إرهاب الدولة، وتقمع وتقتل السوريين في مناطقها "الآمنة" خصوصاً، وتستهدف الذين ألقوا سلاحهم، بعد أن خدعت أغلبهم بوعد السلام وإنهاء الحرب، التي تتجدّد هذه الأيام بالسياسات عينها، التي أدت إلى انفجار الثورة، وستشعل ثورات جديدة، إن واصلت الأسدية تدمير دولة سورية ومجتمعها، ورفض الإصلاح، والتنكر لحقوق شعبٍ خرج عن طاعتها، واعتمدت حياله الإرهاب سياسةً لم يسبق أن تبنّت غيرها حيال مواطنٍ يعي أنه يفقد إنسانيته، بقدر ما يفقد حريته وكرامته.

===========================

دوريات إدلب وجبهة النصرة

بشير البكر

العربي الجديد

السبت 9/3/2019

شرعت أنقرة يوم أمس بتسيير دوريات في المنطقة العازلة في إدلب التي حددها اتفاق سوتشي في 17 سبتمبر/ أيلول الماضي، الأمر الذي يعدّ كسراً للجمود الحاصل على هذه الجبهة. وعلى الرغم من أن أطراف الاتفاق؛ تركيا وروسيا وإيران، عقدت أكثر من اجتماع على مستوى عالٍ منذ الخريف الماضي، فإن الوضع لا يزال جامداً في مكانه، ومثال ذلك قمة سوتشي في 14 فبراير/ شباط الماضي، وجمعت الرؤساء، التركي رجب طيب أردوغان، والروسي فلاديمير بوتين، والإيراني حسن روحاني، وانتهت إلى عدم اتفاق الأطراف الثلاثة بشأن الوضع في إدلب.

وتكثفت الاجتماعات، منذ ذلك الحين، على مستوى عسكري بين روسيا وتركيا، لحل عقدة المنطقة المنزوعة السلاح، وسط تجاذبٍ واختلاف ظاهر بين الطرفين، فروسيا تذهب أحياناً في التصعيد إلى حدّ اعتبار الاتفاق مرحلةً مؤقتةً تؤول بعدها محافظة إدلب للنظام السوري، على غرار بقية مناطق خفض التصعيد في الغوطة ودرعا، وهذا أمرٌ لا تقرّه تركيا التي تتحمّل تبعاتٍ كبيرةً من تداعيات التدهور السوري، وتتخوّف من موجة نزوح جديدة تتجاوز المليون إذا سيطر النظام على إدلب. ويمكن اعتبار تسيير دورياتٍ تركيةٍ أمس، في المنطقة العازلة التي تم إنشاؤها حسب اتفاق سوتشي، إشارة مهمة إلى أنها تغطّي أرياف إدلب وحماة وحلب التي بدأت المليشيات الإيرانية عملياتٍ عسكريةً ضدها منذ أكثر من شهر، وذلك ضمن توجّه إلى اجتياحها عسكرياً، وهناك معلوماتٌ تتحدث عن حالات نزوحٍ واسعةٍ من المنطقة، كما هو الحال في خان شيخون التي باتت فارغةً من أهلها. وفي إحصاءاتٍ متداولة، وصل عدد النازحين منذ أوائل فبراير/ شباط الماضي إلى نحو 100 ألف. والأمر الثاني الذي يستحق الاهتمام أن تسيير تركيا الدوريات يأتي بعد عودة الحديث عن الفصل بين المعارضة المسلحة وجبهة النصرة المصنفة إرهابية، وهنا تكمن العقدة الأساسية، خصوصاً أن تصريحات المسؤولين الروس في الأيام القليلة الماضية، وفي مقدمتهم وزير الخارجية، سيرغي لافروف، اعتبرت أن هذه المسألة من اختصاص تركيا.

وتفيد أوساط إعلامية قريبة من تركيا بأن الأجهزة التركية المعنية تولي هذا الملف أهمية كبيرة، وهي تتابعه، سواءً لأنه يقع ضمن اتفاق سوتشي أو لا، لكون جبهة النصرة تشكل عقدةً لتركيا لا تقل خطراً عن الأطراف الأخرى. ولكن يبدو أن أنقرة ليست في وارد القيام بعملية ضد "النصرة" من باب تنظيف غسيل الآخرين، وإذا كان لا بد من ذلك فلتكن العملية في سياق. والرسالة التركية موجّهة إلى روسيا كما إلى الولايات المتحدة، وهي متعلقةٌ لا بترتيبات إدلب، بل بشرق الفرات والمنطقة الآمنة التي ستحدّد مستقبل القوات الكردية. وتقول الأوساط إن لدى تركيا وصفة جاهزة لتفكيك جبهة النصرة، وتلقى تجاوباً من المعارضة السورية، بشقّيها السياسي والعسكري، ويرى هؤلاء أنها قابلة للتطبيق بأقل الخسائر من دون حربٍ واسعة. ويبدو أن الطرف التركي غير مستعجل لرمي هذه الورقة، ولا يعتبرها أولوية، وينتظر حتى يتضح الموقف الأميركي من أمرين. الأول، الانسحاب الأميركي من سورية لجهة التوقيت، وتمركز القوات الباقية والمهام التي ستوكل إليها. والثاني، الموقف الأميركي النهائي من أطروحة المنطقة الآمنة. ومن الواضح أن هذه المسألة غير محسومة، وهي مثار شدّ وجذب بين أنقرة وواشنطن، ويمكنها أن تتعقد أكثر مع إعلان أنقرة عزمها أخيرا المضيّ بصفقة صواريخ أس 400 مع روسيا، وتسلم الدفعة الأولى في يوليو/ تموز المقبل.

تسيير الدوريات في المنطقة العازلة يمكنه أن يوقف هجوم المليشيات الإيرانية على أرياف حلب وحماة وإدلب مؤقتاً، ولكن لا يبدو أنه الحل المنتظر لعقدة جبهة النصرة.

===========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com