العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 24-01-2021


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

«الأسد إلى الأبد»: مطابخ التوريث الجملكي

رياض معسعس

القدس العربي

الخميس 21/1/2021

يصادف هذا العام مرور سنوات عشر على اندلاع الثورة السورية، والتحضير لانتخابات رئاسية لتنصيب رئيس النظام السوري بشار الأسد لولاية رابعة لمدة سبع سنوات أخر أشد عجافا من سابقاتها.

إذ تأتي هذه الانتخابات في ظل ظروف أقل ما توصف به كارثية على سوريا كدولة وما تبقى من شعب داخل سوريا. ولا مجال لذكر كل مآسي السوريين فقد ملأت الآفاق بما لا يطاق. (وللتذكير أن الانتخابات السابقة التي جرت في العام 2014 جاءت بعد مجزرة الغوطة بالسلاح الكيميائي التي اقترفها النظام وراح ضحيتها مئات الأطفال) الانتخابات السابقة تم تحضيرها بعناية في مطابخ النظام الجملكي، ليسبغ عليها شرعية «ديمقراطية» لرئيس تملأ صوره العملاقة جدران الأبنية، وآليات الجيش «الممانع» التي تقصف المدن والقرى السورية، تقتل منها ما تقتل وتهجر وتهجر الباقي.

مهمة «الكومبارس»

ففي انتخابات لا يفوز بها الرئيس بالتزكية كان لابد من مرشح منافس، فأوكلت مهمة «الكومبارس» لحسان النوري رئيس المبادرة الوطنية للإدارة والتغيير ليكون منافس الرئيس، فكانت النتائج المعدة سلفا فوز الأسد بنسبة 89/ مقابل 4/ للنوري. (وللتذكير أيضا أن الفترتين الرئاسيتين الأوليتين وكانا على شكل استفتاء فاز بهما الرئيس بنسب محببة للديكتاتوريات العربية وهي تباعا الأولى 99،7 في المئة، والثانية 97،62 في المئة).

يتساءل السوريون: كيف لرئيس أن يتقدم لانتخابات رئاسية لفترة رابعة بعد أن أوصل سوريا إلى مستوى ما تحت الحضيض على كل المستويات؟

في الواقع أن السوريين لم يعوا مليا معنى الشعار الذي رفعه الأب المؤسس للجملكية: «الأسد إلى الأبد» لاعتقادهم أن الأسد الأب سيتمسك بالحكم مدى الحياة، ككل زعماء الأنظمة العربية، وبعده ستبدأ مرحلة أخرى، لكن مطابخ التوريث كانت تعمل على قدم وساق لتحويل سوريا من جمهورية إلى «جملكية» (على نسق جملكية عائلة آل سونغ صديقة آل الاسد في كوريا الشمالية،) فتم التحضير لتوريث الابن الأكبر باسل الأسد بداية، لكن القدر شاء عكس ذلك فتوفي في حادث سير في العام 1994. لكن مشروع التوريث بقي قائما فانتقلت الوراثة إلى الابن الثاني بشار الذي بدأ حكمه بتعديل الدستور كي يتناسب مع عمره الذي كان أقل مما ينص عليه الدستور. (34 سنة).

وانتشرت صور الشاب الطبيب «المنفتح» مع حملة إعلامية تقتصر على كلمة واحدة وضعت تحت الصورة: «منحبك» (باللهجة الشامية) وتم تداول صورة السيدة الأولى أسماء وتلميعها عبر تسلمها مؤسسة الأمانة السورية للتنمية التي تقيم نشاطات اجتماعية واقتصادية،لكن هذه الصورة الوردية التي أعطت انطباعا أن عهد الأب قد ولى وبدأ عهد جديد مع وريثه، سرعان ما تغيرت، فبعد أشهر من تنصيبه رئيسا بإجماع سوري الذي وصلت نسبته إلى ما يقارب المئة في المئة حسب أجهزة النظام، قامت مجموعة من المثقفين (99 مثقفا) بالمطالبة بالإصلاح السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، وإلغاء قانون الطوارئ الساري المفعول منذ انقلاب 1963 فانطلقت حملات الاعتقال ورمي أبرز شخصيات ما سمي بربيع دمشق في السجون.

من ربيع دمشق إلى الربيع العربي

مع انطلاقة شرارة الربيع العربي من سيدي بوزيد في تونس، كان لا بد لنيرانها، التي ألهبت نفوس المقموعين، والمقهورين، والمهمشين، والجائعين، أن تصل إلى سوريا بعد أن مرت في ليبيا ومصر. فتحولت ثورة الشعب السوري، المطالب بالحرية أولا، إلى مجازر لم تشهدها سوريا في تاريخها، ولا في أي بلد عربي آخر مسته شرارة الحرية، وصار الشعب السوري من أفقر الشعوب في العالم، وأكثرهم قتلا، وتدميرا، وتشريدا، وهذا لم يمنع الوريث من تقدمه لانتخابات لولاية رابعة يتم التحضير لشخصية تلعب دور الكومبارس (ويبدو أن رجل الأعمال محمد عزت خطاب سيقوم بهذا الدور). لكن هذه الولاية محفوفة بالمخاطر، فسوريا ترزح اليوم تحت احتلالات متعددة الأطراف، وعقوبات اقتصادية خانقة بتطبيق قانون قيصر الأمريكي.

وهنا بدأت تكهنات أن مطابخ التوريث راحت تفكر في خطة «ب» في حال وصلت سوريا إلى طريق مسدود بعملية توريثية ليس لحافظ الإبن لكن للزوجة، السيدة الأولى، التي بدأت صورها تملأ المكاتب الرسمية، والجدران، والحملات الإعلامية التي تظهرها تقوم بنشاطات اجتماعية وتفقدية للمناطق النائية والمنكوبة. ظنا من النظام أن هذه العملية يمكن أن تحدث انفراجا سياسيا يرضي الغرب من ناحية، ويبقي بشار الأسد رئيسا خلف زوجته، خاصة أنها تظهر اليوم كمرأة حديدية انتصرت على أخطبوط الاقتصاد السوري، ابن خال الرئيس رامي مخلوف بعد أن استولت على كل شركاته، ثم بدأت الاستيلاء على شركات وأموال العديد من رجال الأعمال الذين كانوا مقربين من النظام بتهم الفساد لضخ هذه الأموال في خزينة الدولة المفلسة.

الدبلوماسية الأوروبية

ومن المحتمل جدا أن يمد يد التطبيع لإسرائيل، بوساطة روسية تتم في قاعدتها العسكرية حميميم في الشمال السوري باجتماعات ضم وفدين من الطرفين الإسرائيلي والسوري، في مقايضة لفك نير العقوبات الأمريكية وتعويم نظامه دوليا، كما حصل في السودان. لكن حسابات الحقل ربما لا تتطابق وحسابات البيدر، فعقوبات أوروبا شملت وزير خارجية النظام فيصل المقداد، كإشارة أن الدبلوماسية الأوروبية لن تفتح ذراعيها للدبلوماسية السورية، ومن الصعب أن تبارك لبشار الأسد بفوزه في انتخابات ولايته الرابعة المحسومة النتائج سلفا والتي ستكون مشابهة لسابقاتها، مع أن نصف الشعب السوري بات لاجئا ونازحا ولن يشارك بها، ومن هم تحت سلطة النظام يمضون وقتهم في طوابير الخبز، والبنزين، والغاز، والمازوت، ولن يقفوا في طوابير الانتخابات ليضعوا صوتا لن يقدم ولن يؤخر، والذي مهما كان لونه سيظهر في النهاية كما جرت العادة بلون الوريث الجملكي.

كاتب سوري

=========================

وجهة نظر : عندما تتفجر الموقوتات في الجسم الوطني !!! وهل زرعت إلا لتتفجر عندما يريدون الزارعون !؟

زهير سالم

مركز الشرق العربي

24/ 1/ 2021

ودعيت إلى أكثر من تجمع ، جعلوا عنوانهم " الدعوة إلى إسقاط الائتلاف " ولماذا لا نتجمع لتشكيل البديل ؟؟؟

وهل خلاصنا أو تخلصنا من الائتلاف الوطني ؛ خير صريح محض ، أو شر صريح محض ، ولا يقول نعم لأحد الجوابين إلا مستعجل .

يُدرك المتابعون للواقع السوري أن هذه الأجسام ، وقد أنشئت بقرارات فوقية، ما أنشئت إلا ليمرر على كواهلها هدف ، ومهما تكن نيات المشاركين فيها ، فإنها عندما يبلغ المنشؤون لها غايتهم فيها ، ستضمحل وتتلاشى كما المجلس الوطني من قبل .

في " مزيج " الائتلاف الوطني ، عندنا جسم الائتلاف الأصلي الذي تشكل من معارضين أفراد وتنضم إليه كتل مثل جماعة الإخوان المسلمين وهيئة التنسيق ، والمجلس الوطني الكردي ، وهذا الجسم فيه ما فيه .. ثم هناك الملحقات من منصتي القاهرة وموسكو ، اللتين تقفان - مع الاحترام للشخصيات - من المشروع الثوري الوطني ببعده الشعبي الجماهيري على شمال بشار الأسد في رفضهم لمخرجات الديمقراطية ومقتضيات المساواة

من كل الفرقاء ؛ وفي أولئك وهؤلاء أجسام قابلة للانفجار ، عندما يطلب منها ذلك ، أو عندما تشعر أنه فاتها القطار .وهذا يشكل خطرا كبيرا على المشروع الوطني ببعديه الثوري والسياسي ..

السؤال الذي يجب أن نطرحه بشكل عقلاني : هل سيكون حال مشروعنا الوطني أفضل لو أُسقط هذا الائتلاف ، أو لو شاركنا بإسقاطه ، أو شجعنا على إسقاطه ؟؟؟ ومع أننا طالما انتقدنا أداء الائتلاف ، أو شجبنا ونددنا إلا أن الجواب الحق عن السؤال الصعب ، يحتاج إلى كثير من الريث والأناة .. وستزداد حاجتنا للأناة والريث أكثر ، عندما نعلم أن تجاوز هذه المؤسسة، على ما هي فيه ، أصبح مطلبا دوليا تعمل عليه بعض الدول عبر العديد من القنوات و الأدوات .

سيقول قائل : نسقطهم ونؤسس البديل . ونقول " نؤسس البديل " وستراهم يسقطون بدون إسقاط . ومن قبل قالت العرب " لئن ترد الماء بماء أحزم " " ولئن ترد الماء بماء أكيس " وقالت العامة "

ومع الأسف السياق الراهن في منحنى عام الثورة السورية سياق تفتت وتشرذم ، وليس سياق تجمع والتحام . ومن محنة المحنة ، أن لا تؤلف بيننا المحنة ، وأن ترانا شذر مذر ونزداد .. وشر الزنازين زنزانة ضيقة لا يسود بين نزلائها الانسجام .

 ومع الأسف عجز الناس - كل الناس - وعلى مدى عشر سنين عن تشكيل تجمعات وطنية حقيقية ، مع مسيس الحاجة ، وتوفر القناعات ..

وحالة الغوغائية الواتسابية تنبئنا عن كثير ، ولم تعد على السوريين لا بشيء من التعارف ، ولا بشيء من التآلف يجمعهم فظلوا في الحالة الفردية على النحو الذي تصوره العربي الأول حين تحدث عن أبيات من الشعر بلا ناظم فقال :

وشعر كبعر الكبش فرق بينه .. لسان دعيّ في القريض دخيلُ

ويقولون لك القصيدة العربية بلا سياق !!

ونعود إلى سياق الشرذمة والتفتيت الذي نعيش فنقول :حتى بعض الأجسام الكبيرة ذات العراقة التنظيمية ، بدأت تتشظى من داخلها ، على خلفيات إيدولوجية ، وأخرى عصبوية ضيقة ، أو ربما تحت مطارق المحنة ؛ ومن يعيش في الفضاء العام للحالة السورية ، يلحظ هذه الشروخ واضحة جلية في بنى كبرى الحركات، حيث نشهد ردة عن المشروع الوطني ، ومحاولات جديدة لركوب موجات الداعشية والتطرف ، كما حصل من قبل في تاريخ سورية القريب .ويتبدى هذا التشظي في كثير من الأنشطة والمحاضرات والمقالات .

والشعر صعب وطويل سـلمه .. إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه

زلـت به إلى الحضيض قدمه ..  يريد أن يعربـه فيعجمـه

وربما تنشئ الردة عن المشروع الوطني ، تعلقا بركوب الموجة الداعشية ، ومطرها الأسود .وأشد أنواع التدعش فتكا وخطرا حين يلبس ثوبا متحضرا في زي أهل الشام ، أو أهل مصر . ..فيرطن بقولهم أو يلحن بلحنهم .. وقديما قال الأول : وأعذب الحديث ما كان لحنا ، فيستهوي من الدواعش المكتومين العقول والقلوب

ثم بقاء الائتلاف الوطني يشكل بالنسبة للجمهور المختلف غير المؤتلف المشجب الذي نعلق عليه كل آثامنا وعيوبنا وتقصيرنا .. فهو بدوره هذا ا نافذة للتنفيس عن المكبوت السلبي في دواخلنا ، وتصوروا لأننا أصبحنا وليس في الفضاء السوري جهة ما نطالبها ونحاسبها ونتهمها فكيف سيكون الحال ؟!

لن أفرح بسقوط الائتلاف ، ولن أشارك في أي جهد لإسقاطه ، لأنه متساقط بنفسه ، أو ساقط بوكزة من أسسه ليبلغ عليه حاجة في نفسه ، وربما سنأسى عليه إذا سقط ، قبل أن نسبق جادين بتأسيس بديل وطني جامع، يجمع كل الذين يريدون التغيير للأفضل ، باتجاه أقانيم العصر الثلاثة : العدل والحرية والمساواة ...

العدل : ضد الظلم بكل صوره وأشكاله ، ضد الظلم السياسي الذي يتمثل في الاستبداد ، والظلم الاجتماعي الذي يتمثل بأنظمة الاستغلال والاحتكار، والظلم الذكوري الذي يتمثل في أشكال الطغيان التي يفرضها الرجال على النساء ..

والحرية ؛ بكل آفاقها وتجلياتها الإيجابية ، الحرية الدينية والفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية ..تحدد قطر دائراتها إرادة مجتمعية حرة للسوريين الأحرار ، نعيش فيها ، وننتمي إليها ...

والمساواة على قاعدة المواطنة لجميع المواطنين ، " ولك في هذا الوطن مثل الذي لي فيه" أو " ولي في هذا الوطن مثل الذي لك فيه "والمساواة في مرصوفة الحقوق والواجبات ، فلا استئثار ولا امتياز .. وحين نجتمع على مثل هذا .. يمكن أن يكون بشار الأسد وليس فقط الائتلاف الوطني قد صار خلف ظهورنا ..

___________

*مدير مركز الشرق العربي

=============================

المنطقة وأولويات التجديد

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاربعاء 20/1/2021

سجلت منطقة شرق المتوسط في السنوات الأخيرة حالة من انسداد الأفق السياسي، فلا تطورات مهمة في أحداث المنطقة، ولا تبدلات نوعية على صعيد أغلب بلدانها، والأمر في الحالتين لا يعكس عجز كيانات المنطقة وحكوماتها عن الفعل والتغيير فقط، بل إنه يكرس عجز القوى الدولية، ذات التأثير التقليدي في شرق المتوسط، عن الفعل والتغيير في المنطقة وفي بلدانها، سواء كان ذلك بسبب انكفاء تلك القوى نحو سياساتها الداخلية، كما فعلت الولايات المتحدة في سنوات ترمب، وفي عهد سابقه أوباما برفع شعار «أميركا أولاً»، وهو ما فعلته أوروبا من دون أن ترفع الشعار، أو نتيجة عجز عن القيام بما ينبغي، كما حدث لروسيا، التي يعد وجودها في سوريا، وسياساتها في الأخيرة وحولها، مثالاً لفشل الروسي نتيجة عدم تمكنه من فرض رؤيته، أو لعجزه عن تفاعل إيجابي مع أطروحات الأطراف الأخرى.

وبطبيعة الحال، فإن انسداد الأفق السياسي في المنطقة، لم يكن محصلة لمواقف وسياسات الدول فقط، بل كان في أحد جوانبه نتيجة أوضاع عامة سادت في المنطقة؛ أبرزها تداعيات وقوع بلدانها وشعوبها تحت تأثير فيروس كورونا، وفي الأهم مما سبق، تعميم الصراعات خصوصاً الدموية في أغلب بلدان المنطقة، ووصول الصراعات السياسية في بعضها الآخر إلى حدود الانفجار المسلح، كما حال لبنان، مع تنامي الاحتدامات البينية على أكثر من جبهة، وكلها جعلت المنطقة شديدة الهشاشة، أو قريبة من حالة السهل الذي قد تشعله شرارة واحدة.

واستمرار حالة انسداد الأفق السياسي، يفسر أغلب المواقف والسياسات والإجراءات، التي ظهرت هنا أو هناك، لكنها لم تتمكن من إحداث تبدلات في الواقع، فبقيت باعتبارها محاولات ليس إلا، وإلى هذا النسق، تنتمي المساعي العربية في مساعدة العراق للخروج من تحت السيطرة الإيرانية، ومساعي اللبنانيين لإحداث تبدلات في طبيعة النظام القائم ومكانة النخبة السائدة، وجهود نظام الأسد في التمدد الكامل إلى المناطق الخارجة عن سيطرته، ومساعي إسرائيل للضغط العسكري على الوجود الإيراني في سوريا، في إطار مساعيها لدفع إيران للخروج منها.

ولعله لا يحتاج إلى تأكيد، أن إحباط محاولات الخروج من حالة الانسداد في المنطقة وحولها، كان في جزء أساسي منه ناجماً عن الموقف الأميركي، وهو الموقف الذي هزته رياح الانتخابات الرئاسية، وأعطاه فوز جو بايدن بالرئاسة زخماً، يستمد قوته من اختلاف الرئيس الجديد عن سابقه في المزايا والإمكانات والطموحات، ومن اختلاف سياق السياسات، وتحوله من «أميركا أولاً» إلى «عودة أميركا»، التي يفترض أن سياسات بايدن ستتواصل على أساسها، وهو ما أتاح بدايات لدى كثير من دول المنطقة وأخرى مهتمة بالمنطقة لإطلاق مواقف وبدء سياسات سواء بمبادرة منها أو توافقاً مع احتمالات سياسات واشنطن في شرق المتوسط وما حولها، ما يجعلنا اليوم أمام مجموعة من احتمالات تجديد الأوراق في المنطقة وفي بعض دولها، وكلاهما بدا كأنه غير ممكن في المرحلة الماضية.

أول معالم التغيير والتجديد ما تم تحقيقه في القمة الخليجية بالمملكة العربية السعودية، التي كسرت حدة الخلافات بين دول مجلس التعاون الخليجي، ووضعت بلدانه أمام مصالح، تتجاوز زمناً طال من الخلافات، وسيمتد تأثير التحول الإيجابي على علاقات الإقليم الدولية، ومنها علاقاته مع الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي، وجميعها تحتاج إلى شركاء مستقرين في المنطقة.

والنقطة الثانية في معالم التغيير والتجديد، تتصل بالقضية السورية. ولئن كانت مؤشرات التغيير الأميركي حولها تزداد، ما يشيع جواً عاماً جديداً حولها، فإنه لا بد من تدقيق في سلوك طرفين أساسيين من أطرافها، وهما نظام الأسد وروسيا، وقد باتا أمام تحدي تجديد سلطة الأسد في انتخابات رئاسية، يفترض إجراؤها بعد أشهر وسط عقدة من عوامل فشل داخلية وخارجية؛ منها أن نظام الأسد غارق في مشاكل انهياره الاقتصادي والمعاشي، التي لن يستطيع جيش النظام ومخابراته التغلب عليها بالقوة، الأمر الذي فرض عليه تحركاً من شقين؛ أولهما تعزيز قدراته الداخلية، التي كان الاستحواذ على أموال وممتلكات رامي مخلوف إحدى خطواتها، والتوجه نحو حلفائه الروس والإيرانيين لطلب دعم مالي واقتصادي، يعطيه فرصة تجاوز مشاكله تلك أقله لما بعد الانتخابات الرئاسية.

لقد تعامل الإيرانيون على طريقتهم بالوقوف بين الموافقة والرفض، بقول نعم في موضوع مساعدة نظام الأسد، بانتظار معاينة الظروف والتدقيق بالتفاصيل لنيل أفضل المكاسب لمساعداتهم، فيما ذهب الروس إلى رفض معلن بالقول علناً، إن النظام ليس لديه ما يجعل الروس يقدمون له قروضاً ومساعدات في وقت يسعون فيه إلى تحصيل ديونهم، التي تراكمت في السنوات الماضية، وعملياً فإن الرد الروسي تعبير عن إحباط من سياسات نظام الأسد، ومن الانسدادات التي تحيط بالملف السوري في المستويين الداخلي والخارجي، التي لا شك أنها ستدفع موسكو إلى تفاعل أفضل مع أي مبادرات أو تطورات جديدة في المنطقة مثل المصالحة الخليجية التي رحبت بها موسكو، ورأت «أن نتائجها سوف تنعكس بشكل إيجابي على مسار تسوية الملفات المعقدة في المنطقة»، ومنها الملف السوري.

ومثلما الحال في معالم التغيير والجديد، التي حملتها قمة المصالحة الخليجية، واحتمال التطورات الجارية في الملف السوري وحوله، فإن ثمة معالم تغيير وتجديد أخرى، منها ما يتصل بالملف الإيراني والملف العراقي ومثله الملف اللبناني، والملف اليمني، وملف المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية، وفيها جميعاً مبادرات وجهود، تبذلها دول في المنطقة، وقوى دولية حاضرة فيها وأخرى متدخلة في ملفاتها من الولايات المتحدة إلى الاتحاد الأوروبي سعياً إلى تجديد أوراقها، وتنشيط سياساتها في شرق المتوسط، التي لا شك أن معالجة مشاكلها واحتداماتها، سوف تسهم في فتح آفاق نحو معالجة ملفات واحتدامات مناطق العالم الأخرى.

=========================

موسكو تبني جيشاً وطنياً وطهران تفضّله للنظام السوري

النهار

الاربعاء 20/1/2021

بانتظار التسوية السياسية الدولية للحرب في سوريا واتضاح أهداف الاشتباكات الجارية في شمالها وشرقها، تجري تطورات ذات دلالات في دمشق العاصمة تطاول مصير النظام والجيش السوري. تفيد معلومات دولة غربية على اطلاع منتظم على مسار الوضع السوري أن روسيا تعمل حاليًّا على إعادة تنظيم الجيش السوري على أسس مختلفة في ضوء تجربة الحرب واكتشاف نقاط قوة هذا الجيش ونقاط ضعفه. 

هذا التنسيق السوري الروسي يكشف تراجع الدور الإيراني تجاه الدور الروسي وحيرة النظام السوري بين الحليفين. وعلى العموم، يحظى الدور الروسي على رضى متفاوت من الدول الغربية إذ تتكل، عن خبث أو عن سذاجة، على روسيا لتحتوي الوجود الإيراني في سوريا وتحدَّ من تأثيره. فتستغلّ روسيا هذا الرضى وتستعمله في تنظيم الجيش السوري، بمنأى عن الإيرانيين، ورقةً لكسب تأييد الغرب لدورها في سوريا.

 وإذا كان النظام وافق على مضض على قرار روسيا، فإنه يسعى إلى عدم إغضاب الجانب الإيراني. ويبدو أن إيران، مع انحسار تأثيرها العسكري في سوريا أمام الروس، تركز على المجتمع السوري من أجل خرقه وتشييعه، وقد تقدمت خطوات هامة في هذا الإطار، لا سيما في الأرياف. وتشير معلومات ديبلوماسية غربية إلى أن "الشهر الفائت شهد اجتماعات سورية - إيرانية في كل من دمشق وطهران لإعادة تحديد دور إيران مستقبلًا في سوريا، بينما هذا المستقبل مجهول رغم هزيمة أعداء النظام بشكل كبير. وجاءت الزيارات الإيرانية السياسية إلى دمشق لتضفي على العلاقات الثنائية طابع القوة والعمق، علمًا أن المفاوضات الأساسية جرت بين القادة العسكريين للبلدين في كانون الأول الماضي". 

وتؤكد المعلومات أن "الجيش السوري حتى لو فقد من عديده آلاف الضباط والجنود طوال السنوات التسع الأخيرة، لا يزال على قدر من القوة بعد تجاربه القتالية في كل التضاريس الجغرافية وضد أعداء مختلفين توزعوا على جميع مدن ومناطق وجبال وسهول سوريا". ولا تنكر هذه المعلومات أن "الجيش السوري استفاد من المشاركة الإيرانية قبل العام 2016 ومن المشاركة الإيرانية والروسية بعدها، غير أن المشاركة الروسية أصبحت توجيهية وإدارية فيما تستمر قوات إيرانية مكونة من الحرس الثوري ومن #حزب الله في عمليات "تصريف الأعمال العسكرية" على الأرض بحكم افتقار الجيش السوري إلى العديد ليغطي الأراضي السورية كافة".

 وتشرف روسيا على مختلف النشاطات العسكرية وتزود النظام بما يحتاج إليه من سلاح.

 ويلحظ التقرير الغربي أن سوريا دربت جنودها في الحرب الحقيقية على الأرض أكثر مما اختبر جيشها أسلحةً متطورة، في حين أن الدول الغربية اليوم تدرب جنودها على حروب مجازية وتختبر أسلحتها المتطورة في الحروب الحقيقية. لذلك تركز روسيا في مشروع إعادة تنظيم الجيش السوري على وضع مفاهيم عسكرية جديدة. ويقارن التقرير بين مصير الجيوش في البلدان التي تدخلت فيها روسيا وتلك التي تدخلت فيها الولايات المتحدة الأميركية. فالتدخل الروسي في سوريا حافظ على الجيش وعززه، بينما التدخل الأميركي فشل في المحافظة على جيوش العراق وليبيا واليمن. لا بل إن روسيا تعمل الآن على أن يتمكن الجيش السوري من إعادة توحيد صفوفه تمهيدًا للعب دورٍ في توحيد سوريا سياسيًّا. لكنّ هناك اختلافًا بين روسيا وإيران على كيفية إعادة توحيد الجيش، كما أن مواقف أركان النظام السوري ليست متوحدة حيال الأمر أيضًا.

ويواجه النظام السوري مشكلة حل الميليشيات العسكرية المناطقية التي شكّلها في المناطق للتعويض عن تقصير الجيش السوري في سنوات الحرب الأولى. لكن هذه الميليشيات تعاظمت وصارت تشكل خطراً على استقرار النظام وسلطته المركزية. فهناك نزعة لدى عدد من قادة الميليشيات للاحتفاظ بسلطاتهم على المناطق التي قاتلوا فيها، وبدأت تحصل اشتباكات بين الميليشيات ووحدات من الجيش. في هذا الإطار تفضّل روسيا أن يُصار إلى احتواء هذه الميليشيات داخل الجيش، وقدّمت إلى الأركان السورية مشروعًا بذلك.

حتى الآن نجحت روسيا في إعادة تنظيم وتكوين لواء قوات الأسد واللواءين الخامس والسادس. وتعمل هذه الألوية الثلاثة بإدارة روسية سورية مشتركة. وفيما تريد موسكو أن تكوّن جيشاً مركزيًّا يأتمر بالدولة السورية، تسعى إيران إلى تشكيل وحدات موازية لألوية الجيش المركزي تدين لها بالولاء. وقد نجحت إيران في عرقلة إعادة تنظيم اللواء الرابع من خلال "قوات الدفاع الوطنية" التابعة لها. 

بقدر ما يحتاج النظام السوري إلى روسيا لتزود الجيش بالسلاح الحديث وتضمن استمرار النظام تجاه القوى الخارجية، فإن أركان النظام يفضلون أن يبقى الجيش "جيش النظام" لا "جيش الدولة" بالمفهوم المتعارف عليه دوليًّا. ذلك أن قوّة النظام أتت أولاً من الجيش. وفي هذا المنطق تلتقي القيادة السورية مع الفكر الإيراني الذي يهمه النظام السوري أكثر من سوريا الدولة. وهكذا تصطدم روسيا في عملية إعادة تكوين جيش سوري غير عقائدي وغير مسيَّس برفض الفريق العلوي الحاكم، لأن وصول هذا الفريق إلى السلطة وبقاءه فيها هو بفضل هذا الجيش المسيس والذي هو جيش حزب البعث بالنسخة الأسدية العلوية. وإذا كان بشار الأسد بصفته رئيس الدولة السورية لا يغيظ الروس، فإن شقيقه ماهر يبدي ملاحظات للجنرالات الروس حول خصوصية الجيش السوري وعلاقته بالنظام.

 ووفق المعلومات، فإن "القيادة الروسية أصغت لماهر الأسد وأعطت تطمينات حيال بقاء النظام، لكنها أبلغته أن استمرار الدور الإيراني على ما هو عليه في سوريا يشكل عائقًا أمام النظام لاستعادة علاقاته العربية والدولية، وأمام رفع العقوبات الأميركية والأوروبية، وخصوصًا أمام تمويل إعادة الإعمار". وتابعت: "الدور الإيراني في سوريا لا يشجع الدول الغربية على المساهمة في إعادة إعمار سوريا، وهذا أمر يزعج روسيا التي لا تستطيع وحدها إعادة الإعمار، كما أن روسيا تعتبر أن ربط المناطق السورية بعضها ببعض يحيي الحركة التجارية والاقتصادية ويفيدها أيضًا". ولذلك، يهم روسيا أن تربط الساحل السوري بالداخل، خصوصاً بشرقي وشمالي سوريا وحلب، من أجل أن يكون لقاعدتيها العسكريتين في اللاذقية وطرطوس تواصلٌ وبُعدٌ.

من هنا تعمل روسيا على تقوية الجيش ليستغني النظام عن الوجود الإيراني فيتعدّل موقف الغرب. إنها لعبة معقدة وخطيرة وطويلة. في هذا الإطار يمكن فهم العودة الخليجية التدريجية إلى التعاطي مع النظام السوري والمساهمة في دعم النظام والإعمار، خصوصًا إذا تأكّدت صحة الاجتماع الذي عُقِد الأسبوع الماضي في قاعدة حميميم بين عسكريّين روس وسوريّين وإسرائيليّين.

=========================

ماذا بعد أوسع ضربة إسرائيلية لإيران في سوريا؟

العقيد عبد الجبار العكيدي

المدن

الثلاثاء 19/1/2021

تطرح الضربة الإسرائيلية الأخيرة لمواقع عسكرية إيرانية في شرقي سوريا تساؤلاً رئيسياً وهو: ما الجديد فيها شكلاً ومضموناً وما الدلالات المختبئة بين طياتها؟

بداية تميزت الضربة الأخيرة بمواصفات وتقنيات غير مسبوقة لجهة عدد القتلى والمواقع المستهدفة، أهميةً وعدداً، وكذلك التوقيت السياسي لتنفيذها والذي يتزامن مع ترقب وصول  الساكن الجديد للبيت الأبيض.

يمكن القول إن الضربات الإسرائيلية الأخيرة تُشكل ذروة الهجمات التي استهدفت المواقع الإيرانية والميليشيات التابعة لها، حيث شملت عملياً جميع المواقع الإيرانية في مدينة دير الزور والميادين والبوكمال حيث مركز ثقل التواجد الإيراني، والنافذة الأثيرة لطهران التي تأمل أن تصل من خلالها الطريق البري المرجو من طهران إلى بيروت.

وفوق كل ذلك فإن هذه الضربة سبقها هجمات تمهيدية استهدفت خط الدفاع المبكر (منظومة الإنذار المبكر ومواقع الحرب الالكترونية) بالقرب من مدينة السويداء والديماس لفتح طريق آمن وهذا لا يحدث إلا قبيل هجمات كبيرة ومكثفة، يدلل على ذلك مشاركة الولايات المتحدة لأول مرة في هذه الضربة، من خلال تقديم معلومات استخباراتية غاية في الدقة وطائرات السطع الالكتروني لتحديد الأهداف وتوجيه الطائرات الحربية مما أسفر عن إصابات محققة وتدمير أغلب الأهداف وقتل عدد كبير من القوات الإيرانية والميليشيات التابعة لها.

لا يمكن القول إن الهجمات ستتوقف عند هذا الحد بدليل التصعيد السياسي غير المسبوق من طرف واشنطن ضد إيران في الآونة الأخيرة، على الرغم من انشغالها العميق بمشاكل انتقال السلطة. ومن المؤشرات على هذا التصعيد تزامنه مع الحديث عن تقرير أميركي يُقال إنه سيكشف عن علاقة إيران بتنظيم القاعدة ومؤشرات لتحميلها مسؤولية هجمات 11 أيلول/سبتمبر وتكرار الحديث عن وجود قادة التنظيم الإرهابي فيها وإيجاد ملاذ آمن لهم والتنسيق بينهم وبين أجهزة الاستخبارات الإيرانية.

قاسم سليماني..ما قبله وبعده 

ولقراءة المشهد السياسي والعسكري بدقة لا بد من استعراض الأوضاع قبل مقتل قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الايراني قاسم سليماني وبعده.

سليماني الذي عمل مع أبو مهدي المهندس على هندسة تموضع القوات الإيرانية والميليشيات التابعة لها في شرقي سوريا، وخاصة منطقتي الميادين والبوكمال لقربهما من الحدود العراقية، بعد أن أدركا صعوبة إقامة وجود لها في مناطق غرب دمشق، تاركين لحزب الله اللبناني هذه المهمة، بسبب كثافة الغارات الجوية الإسرائيلية واستهدافها لمواقع تواجد قواتها والميليشيات التابعة لها هناك، في تسليم واضح بأن تموضعهم بالقرب من حدود إسرائيل كلفته باهظة جداً، بل وهو بند توافقت عليه موسكو وواشنطن وتل أبيب في مرحلة التسوية بجنوب سوريا.

في المقابل، بعد مقتل سليماني، قامت إيران بنقل الكثير من قواتها الى المناطق القريبة من الحدود العراقية السورية الخاضعة لسيطرتها، لتجعل من مدينة البوكمال قاعدة إيرانية ومعبر لقواتها الى سوريا، ومدخل المشروع الإيراني الممتد بين طهران-بغداد-دمشق-بيروت وصولاً الى البحر المتوسط، الحلم القديم المتجدد لطهران، على أن تبدأ من هناك العمليات العسكرية والاستراتيجية واللوجستية، حيث تُعتبر قاعدة "الإمام علي" أكبر قاعدة إيرانية في المنطقة وهي تغذي بقية القواعد الأخرى، مع إقامة بنى تحتية لتسهيل تحريك عناصرها وتعزيز عمليات التهريب بين العراق ولبنان.

التحركات أعلاه لم تغِب بطبيعة الحال عن أعين الجانبين الأميركي والإسرائيلي الذين تابعا التحركات الإيرانية عن كثب، مع إطلاع كافٍ على المعلومات التي تفيد بوجود مستودعات أسلحة تحوي مكونات قد تدعم البرنامج النووي الإيراني، وكذلك عمليات لتثبيت قواعد صاروخية في سوريا تطال إسرائيل.

وبناء على ذلك، ثمة عامل لا يمكن بأي حال من الأحوال تجاهله، وهو موسكو، خصوصاً في ظل وجود اتفاقية مع التحالف الدولي، ومن خلفه واشنطن، تتعلق باستخدام الأجواء السوريّة، أي أن الضربة الأخيرة قطعاً جرت بالتنسيق مع روسيا، وهو ما يستدعي سؤالاً رئيسياً، يتعلق بالهدف أو الأهداف المشتركة بخصوص التواجد الإيراني بين روسيا والولايات المتحدة وإسرائيل؟

من الواضح أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تسعى من خلال هذه الهجمات الى تصعيد الموقف مع الإيرانيين إلى ذروته لتسليم خليفته جو بايدن ملفاً ساخناً وبحالة تجعل مهمة الأخير بما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني أكثر تعقيداً، ومحكومة بقيود الحرب لا السلم التي لا يمكن التحرر منها بسهولة، وبالتالي تصبح مهمة الرئيس الأميركي الجديد أكثر صعوبة في صياغة اتفاق جديد مع إيران، ناهيك عن رفض إيراني مُعلن لإعادة التفاوض، بمعنى العودة إلى الاتفاق الحالي أو لا اتفاق.

الموقف أعلاه صاحبة المصلحة الأكبر فيه هي إسرائيل الحريصة على تقويض أي تقارب أو اتفاق أميركي-إيراني، في ظل مخاوفها الجدية من تغير محتمل في سياسة بايدن تجاه إيران، يعزز هذا التوجه مأزق نتنياهو نفسه ومحاولته الهروب من أزمته السياسية والحزبية وملاحقته بقضايا الفساد وضغط احتجاجي مستمر أكثر من ثلاثين أسبوعاً. ويبدو أن نتنياهو يعمل على تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب في اللحظات الأخيرة من حكم ترامب، وتشكيل جبهة مفتوحة وتعاون بين إسرائيل والتحالف الدولي وتكثيف الضربات العسكرية الإسرائيلية على المواقع الخلفية لإيران وميليشياتها في سوريا.

تسعى إسرائيل من كل ذلك إلى ضرب الآمال الإيرانية في تحويل سوريا إلى قاعدة مستقرة لها، بتحطيم قدرتها على بناء قواعد ثابتة وتقليم أظافرها وتقطيع أوصال مواقعها، مستفيدة من طبيعة المنطقة الصحراوية المكشوفة.

هذه الطبيعة الجغرافية، حتى تنظيم "داعش" لم يفوت فرصة معرفته الدقيقة بتفاصيل تضاريسها لتوجيه ضربات قوية لطرق الإمداد وقوافل الدعم العسكري القادم من إيران الى قواته في سوريا وحزب الله في لبنان، وهذا ما يفسر تغاضي قوات التحالف عن تحركات داعش الأخيرة في البادية السورية بحرية واستعادة نشاطها وازدياد عملياتها العسكرية الخاطفة ضد قوات النظام والميليشيات الايرانية.

 

ما الذي تريده موسكو؟

يبدو أن مساعي روسيا للاستفراد بالكعكة السوريّة وحدها تستلزم تحييد إيران بعد أن انتهى دورها الوظيفي في مواجهة قوات المعارضة، وربما المرحلة الراهنة تستدعي مصلحة روسيّة أكبر للتنسيق مع الجانبين الأميركي والإسرائيلي، ومعهما الدول الإقليمية لإبعاد إيران عن سوريا، أو على أقل تقدير إضعافها، وذلك قبل رسم ملامح الحل النهائي في سوريا بتوافق الدول الفاعلة في هذا الملف.

ودليل ما سبق، انسحاب روسيا قبل ساعات من مواقع الضربات ومنع النظام من استخدام منظومات الدفاع الجوي "إس-200" وإس-300"، وتزويد الجانب الإسرائيلي بمواقع واحداثيات القوات الإيرانية، وهذا ما عزز دقة الضربات التي أوجعت على ما يبدو الإيرانيين.

قاسم سليماني نفسه تحدث قبل مقتله مطلع العام 2020، عن هذه الجزئية حين أشار إلى أن المعلومات المتوفرة لإسرائيل لا يمكن الحصول عليها فقط من خلال وسائط التجسس المختلفة، في إشارة إلى الطائرات الأميركية.

والآن، ما هي خيارات إيران أمام ما يمكن وصفه بمعسكر الأعداء، الولايات المتحدة وإسرائيل، والأصدقاء الأعداء، أي روسيا؟

تبدو طهران مضطرة في هذه الآونة لامتصاص الموقف وتحمل كل الضربات دون أن تغامر برد، سواء في الجولان أو جنوب لبنان، قابضة على جمر ما بقي من أيام إدارة ترامب، على أمل أن تخرجها الإدارة الأميركية الجديدة من مأزقها، عازمة في تلك المرحلة على اللعب بأوراق الميليشيات التابعة لها أو المتحالفة معها في سوريا واليمن ولبنان والعراق، وكذلك حركتي حماس والجهاد الإسلامي الفلسطينيتين، إضافة إلى ملف قدراتها الصاروخية، في إطار العودة إلى الاتفاق النووي، لإنقاذ اقتصادها المتهاوي على أقل تقدير.

وهنا، هل نحن حقاً أمام خطة استراتيجية متكاملة وغطاء سياسي أميركي لزعزعة المشروع الإيراني في المنطقة، أم هو مجرد غضبة من ترامب في أيامه الأخيرة لصنع مشهد تكتفي الإدارة القادمة بالبناء عليه لتقليم أظافر إيران وترويضها وإخضاعها في ملفات عدة على رأسها البرنامج النووي الإيراني؟

سؤال تبقى الإجابة عنه محكومة بتطورات الأيام القليلة القادمة، خصوصاً بعد التصريحات الإسرائيلية الأخيرة التي توعدت بتكثيف الضربات ضد المواقع والميليشيات الإيرانية في سوريا لتصبح مرة على الأقل كل ثلاثة أيام.

=========================

الأسد متجاوزاً المجتمع الدولي

سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاثنين 18/1/2021

إرادة المجتمع الدولي جزء من ماضٍ تجاوزه نظام الأسد، ووضع لها بدائل ومحدّدات وشروطا. ويدرك المجتمع الذي صدّر عشرات القرارات "الهشّة"، من دون القدرة على تنفيذها، أنه حاصر نفسه، بدل أن يحاصر الأسد بوصفه نظاما ديكتاتوريا، ما جعل تلك القرارات تسكن أدراج الأمم المتحدة، وتمنح الأسد مساحةً جديدة للانقضاض على السوريين، ومتابعة سياسة التجويع تحت غطاء العقوبات الدولية، وهو الأمر الذي مارسه المجتمع الدولي نفسه على أنظمة ديكتاتورية عديدة، ومنها إيران، حيث منحت تلك القرارات غير الفاعلة الأنظمة القدرة على الاستمرار والمتابعة في قهر شعوبهم وإذلالها، ما يضعنا أمام تساؤلٍ عن السبب الذي يدعو إلى اتباع السياسات الفاشلة نفسها في معاقبة الأنظمة الديكتاتورية، بل يأخذنا إلى السؤال بشأن حقيقة أسبابها في اللجوء إلى قرارات العقوبات على الدول، إذا كانت لا تنتج إلا مزيدا من الديكتاتوريات، وتقلل من فرص النجاة للشعوب؟

مرور عشر سنوات على إمعان النظام السوري في هتك تلك الإرادة، أو ما سميت القرارات الأممية المساندة للثورة السورية منذ عام 2012، والتي تهدف، في مضمونها، إلى نزع شرعيته، وإقامة حكم انتقالي بديل، وإعادة بناء سورية، دستوريا ونظاما وبنية، يؤكّد عدم توفر الجدّية في تنفيذ القرارات، وهي عملية إجرائية روتينية، تتم في أروقة الأمم المتحدة لرفع العتب ليس إلا، وهي على السياق نفسه مع سابقاتها في دولٍ أخرى، منها إيران وعراق صدام حسين وليبيا معمر القذافي، وزيمبابوي روبرت موغابي، وكوبا كاسترو. وعلى الرغم من أن العقوبات حملت أسماء الرؤساء أو الدول، إلا أنها جميعها وجدت طريقها لمحاسبة شعوبهم وإفقارهم، وتمكين أنظمتهم من شدّ وثاق عبوديتهم، ما يعني أن النظام السوري الذي تعامل مع العقوبات بحرفية، ليحوّلها إلى نقمة على شعبه، اعتمد في ذلك على تجارب سابقة لأشباهه، ونجح كما فعلوا في تحقيق النتائج ذاتها، وأكثرها إيلاماً.

ملف إعادة الإعمار، هو الأكثر حيويةً للنظام، ولداعميه روسيا وإيران، وضمن ذلك ما يعنيه رفع العقوبات تدريجيا عنه، وإعادة العلاقات الدبلوماسية معه

وعلى ما تقدّم، يمكن أن نقرأ موقفا جديدا من خلال ما ذهب إليه التقرير البحثي لمركز كارتر الأميركي، بما سماها مساراتٍ ضروريةً لتحقيق التسوية، وضمنا يتحدّث عن تنازلاتٍ مطلوبة من الأطراف السورية، ولعل في مقدمتها التنازل عن تغيير النظام أو محاسبته على جرائمه، لأن المحفزات التي يمنحها المجتمع الدولي نفسه للنظام، فيما إذا ذهب إلى خيار تنفيذ قرار مجلس الأمن 2254، تتضمن الاعتراف به من جديد، والمساعدة في إعادة الإعمار، وهو الملف الأكثر حيويةً للنظام، ولداعميه روسيا وإيران، وضمن ذلك ما يعنيه رفع العقوبات تدريجيا عنه، وإعادة العلاقات الدبلوماسية معه.

ليس على الأسد أن يأخذ القرار 2254، بما يحمله من مضمون إنهاء نظامه، حسب قراءة المعارضة له، وإنما فقط التعامل مع ما ورد في بنود بناء الثقة واستبدال ما سمّي الانتقال السياسي إلى ما "اصطلحه" بحث كارتر الإصلاح السياسي، إضافة إلى شرط واشنطن الأساسي، فيما يتعلق بالملف الكيماوي، والسماح لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية بالدخول إلى مواقع الإنتاج والتخزين، وكذلك تنفيذ الشرط الرئيسي، وهو إخراج القوات الإيرانية من سورية، وهو تبعاً للمطالب الإسرائيلية، صاحبة الحظ الأوفر حالياً بفرض شروطها على الأرض، وتنفيذ رغباتها بالقوة مرّات (القصف المتكرّر لمواقع النفوذ الإيراني في سورية)، وبالتفاوض مرّة، وفق أنباء عن جولتها التفاوضية الأخيرة مع النظام، وبرعاية روسيا في قاعدة حميميم داخل الأراضي السورية.

نحن أمام استدارة دولية تبحث عن استقرار ديكتاتوريات المنطقة، لا إنهائها

يؤكّد البحث أن موافقة النظام على عودة اللاجئين، وهي المرتبطة ببحث ملف المعتقلين ومعرفة مصائرهم ووقف الاعتقال للعائدين، وتوفير البيئة اللازمة لدخول المساعدات للمدنيين والعائدين إلى الوطن، سيمنحه فرصة الوصول إلى المكتسبات السابقة، بينما ترك الباحثون ملف وقف إطلاق النار في إدلب إلى الاتفاق التركي الروسي الذي انعقد في مارس/آذار 2020، معولين على قدرته في إنتاج حوار ينهي الإرهاب الموجود على الأرض، وكأن الولايات المتحدة الأميركية ليست طرفا في سورية. ما يعني أننا أمام قراءة أميركية جديدة للقرار 2254 المبني أساساً على بيان جنيف 1 عام 2012، والذي اعتبر، وفقاً لتصريحات وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون بعيد إصدار البيان، أنه يعني اتفاقا على رحيل الأسد من خلال تشكيل هيئة حكم انتقالية، تملك صلاحيات الرئيس والحكومة وقوى الأمن والجيش، وهو ما نفاه وزير خارجية روسيا، سيرغي لافروف آنذاك، وهو المفهوم الرائج لدى كيانات المعارضة (أو التي تحاول ترويجه لتبرير استمرارها في التفاوض غير المجدي مع النظام)، عند قراءة إنشاء هيئة حكم انتقالية تخوّل سلطات تنفيذية كاملة في القرار، إلا أن تقييد ذلك البند بشرط الموافقة المتبادلة من الطرفين حول القرار إلى مجال لقراءات "مرنة"، يمكن أن تحول دون تنفيذه نهائياً، وهو ما استفاد منه مبعوث الأمم المتحدة السابق، ستيفان دي ميستورا، حين ألغى تراتبية القرار 2254، واعتمد خطة السلال الأربع التي لم يبق منها إلا سلة الدستور المتعثرة.

يقدّم البحث جملة من المسارات التفاوضية، والتي تمرّ جميعها من تحت نفوذ الأسد وتبرّر بقاءه، ولا يتجاهل وجود تنازلاتٍ من الأطراف السورية جميعها، لكن أهم هذه التنازلات تقع على عاتق المعارضة التي عليها أن تقبل بأن يقود الأسد عملية الإصلاح السياسي. وبذلك تنتفي فكرة إنشاء هيئة حكم انتقالية، أو الحديث عن مصير بشار الأسد، وهذا يتطابق تماما مع القراءة الروسية لبيان جنيف 1 والقرار 2254، ما يعني أننا أمام استدارة دولية تبحث عن استقرار ديكتاتوريات المنطقة، لا إنهائها. وفي المقابل، إعادة الاعتراف بالنظام السوري والاستثمار معه في إعادة الإعمار مقابل تنازلات منه بالسماح للسوريين بالعودة إلى ديارهم آمنين من أجهزته الأمنية، ومستسلمين لفشل ثورتهم في إنجاز نظام ديمقراطي تحميه دولة قانون. نعم، لقد تجاوز الأسد إرادة المجتمع الدولي، وربما بسنوات الحرب العشر قادهم من جديد إلى نقطة الصفر، الأسد ولا أحد.

=========================

الأسد بين جويل ريبورن وسيرغي لافروف

بشير البكر

سوريا تي في

الاحد 17/1/2021

بشرّنا المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا جويل ريبورن بإمكانية انهيار النظام السوري. وقال في مقابلة على قناة الحرة قبل أن يستقيل من منصبه مطلع هذا الأسبوع "لا يجب أن يتفاجأ الجميع إذا بدأ النظام السوري بالانهيار بسرعة.. قدرته على الاستمرار أصبحت أضعف". لم يجزم المسؤول الأميركي، لكنه لا يتكلم من فراغ، فهو على اطلاع على الملف السوري بحكم موقعه منذ عام 2018 كمساعد للمبعوث السابق جيمس جيفري الذي ذهب إلى التقاعد منذ حوالي شهرين. ومن اللافت جدا أنه قدم جردة صريحة عن الموقف في سوريا، وسبقه إلى هذا جيفري بعد أن ترك منصبه، حيث أدلى بحديث إلى موقع المونيتور لم يترك فيه جانبا غامضا في المسألة السورية.

قليلا من الأمل بانهيار سريع للنظام السوري لا يضر، بل هو مطلوب لملايين السوريين الذين صار مستقبلهم مرتبطا برحيل هذا النظام

عادة، يتحدث المسؤولون الأميركيون بقليل من الصراحة حين يتحللون من ثقل المسؤولية ويغادرون مناصبهم، وما فعله جيفري وريبورن هو أنهما ذهبا بعيدا في الصراحة حتى إنهما تجاوزا خطوط الديبلوماسية. وحين يقول ريبونرن إن "النظام السوري بدأ يتعامل من ابن بشار الأسد كولي للعهد، كما تحولت زوجته أسماء من رمز للموضة إلى ما يشبه زعيمة المافيا هي وعائلتها"، فإنه بذلك لا يطلق تقييما دبلوماسيا أو يرد على سؤال صحفي، بل هو يقول ما يتردد على ألسنة السوريين الذين شردهم هذا النظام ودمر بيوتهم وصادر أرزاقهم. كلام ريبورن ليس تشخيصا للحال، بقدر ما هو عزاء وتعاطف مع الشعب السوري الذي تخلى عنه المجتمع الدولي.

قليلا من الأمل بانهيار سريع للنظام السوري لا يضر، بل هو مطلوب لملايين السوريين الذين صار مستقبلهم مرتبطا برحيل هذا النظام الضالع بالجرائم ضد الإنسانية، وصار ثابتا أن لا أحد من السوريين الذين غادروا سوريا أو لجؤوا إلى مناطق أخرى في الداخل، لديه استعداد أن يرجع إلى بيته إلا إذا رحل هذا النظام الذي لم يترك جريمة إلا وارتكبها. وإذا نظرنا إلى سكان المخيمات في دول الجوار وداخل سوريا، سنجد أن هناك إجماعا على قبول أقسى الظروف، مقابل رفض قاطع للعودة والحياة في ظل نظام الأسد.

في وقت تسود سوريا حالة من اللاحرب حاليا، فإن ذلك لا يعدو أن يكون استراحة بين جولتين تعطي فيها موسكو الأولوية لمعركة الانتخابات الرئاسية

وأمام رؤيا ريبورن التي قد تبدو حالمة، ولكنها مشروعة، هناك البروباغندا والدعاية لإعادة تأهيل النظام. هذا ما ينشره الروس كل يوم على ألسنة ديبلوماسييهم الذين يقودهم محترف التزوير وزير الخارجية سيرغي لافروف، الرجل الذي تطوع منذ بداية الثورة السورية للدفاع عن نظام الأسد، وصرف هذا المتعهد خلال عشر سنوات 50 % من جهده الدبلوماسي على الدفاع عن الأسد. وهذا أمر ليس بغريب من نظام استثمر في الأسد بلا حدود. صرف عدة مليارات من الدولارات لتعزيز اقتصاده المنهار، وهو ينشر جيشه على امتداد الجغرافيا السورية. كل هذا سيتبخر في اللحظة التي سيغادر فيها الأسد الحكم، ولن تخسر روسيا فقط رصيدها الراهن في سوريا، بل كذلك المستقبلي، ولن يتخلى السوريون عن مقاضاتها أمام المحاكم الدولية، بوصفها مسؤولة مباشرة عن كل الدمار الذي حصل في سوريا منذ تدخلها العسكري في أيلول 2015. وتذهب موسكو اليوم في الإعداد لانتخابات رئاسية في سوريا في منتصف هذا العام من أجل التمديد للأسد في ولاية رئاسية جديدة، وهي تتحدى بذلك إرادة السوريين، وتقفز فوق اللجنة الدستورية والقرار 2254. ومن المفروض أن تجري الانتخابات المرتقبة وفق دستور جديد وعلى أساس القرار 2254.

وفي وقت تسود سوريا حالة من اللاحرب حاليا، فإن ذلك لا يعدو أن يكون استراحة بين جولتين تعطي فيها موسكو الأولوية لمعركة الانتخابات الرئاسية، والتي ستكون محطة مفصلية في القضية السورية.

=========================

أفقرُ السوريين في مناطق الأسد.. لماذا؟

إياد الجعفري

المدن

الاحد 17/1/2021

تداولت صفحات محلية سورية، في اليومين الأخيرين، مقارنةً بين متوسط الأجور الشهرية في المناطق السورية الثلاث المُقسّمة في الداخل، حسب تبعية السلطات التي تسيطر عليها.

ورغم أن المنشورات التي تناولت تلك المقارنة اعتمدت أرقاماً غير دقيقة، أو تناولت شرائح محددة من أصحاب الدخول، إلا أن فكرة المقارنة ذاتها، كانت دقيقة، وربما هي مفارقة لا يدركها الكثيرون في سوريا، وهي أن أدنى الأجور نجدها في مناطق سيطرة نظام الأسد. وبالمقارنة مع تكاليف المعيشة في المناطق الثلاث، مناطق سيطرة نظام الأسد التي تشمل أكثر من 60% من الجغرافيا السورية، ومنطقة "شرق الفرات" التي تسيطر عليها "قوات سورية الديمقراطية"، ومنطقة شمال غرب سوريا (ريف حلب الشمالي، وإدلب) التي تسيطر عليها فصائل جهادية أو معارضة وسط نفوذ تركي كبير، فإن أدنى مستوى معيشة للسوريين في الداخل، نجده في مناطق سيطرة نظام الأسد، الذي من المُفترض أنه يتمتع بمؤسسات "دولة" مستقرة نسبياً، مقارنة بحالة الفوضى المؤسساتية التي تعيشها المناطق الأخرى.

وبعيداً عن الأرقام التي تداولتها تلك الصفحات، نجد بالاستناد إلى تقارير ميدانية متقاطعة، رصدت الواقع المعيشي للسوريين على مدار العام 2020، أن الفارق بين متوسط الأجور في مناطق سيطرة النظام، وبين نظيره في منطقتي "شرق الفرات" و"شمال غرب سوريا"، يصل إلى الضعف.

إذ يبدأ الحد الأدنى للأجور، على مستوى عمال اليوميين، في مناطق سيطرة النظام، من وسطي 20 دولار شهرياً. ويرتفع مع فئة الموظفين إلى 30 ومن ثم 40 دولار شهرياً. ليصل في أقصى حدوده في فئة موظفي القطاع الخاص إلى 70 دولار شهرياً. والرقم الأخير يشكل فقط 67% من الحد الأدنى للكفاف، لعائلة من 5 أشخاص في مناطق سيطرة النظام. 

فيما يبدأ الحد الأدنى للأجور في إدلب وفي القامشلي كمثالين عن منطقتي "شمال غرب سوريا"، و"شرق الفرات"، من 40 دولار شهرياً، ليرتفع إلى 60 دولار وفي أقصى الحدود إلى 150 دولار. وفي بعض الحالات المحدودة، يصل الأجر الشهري إلى 1000 أو 1500 دولار لموظفي المنظمات الإغاثية الدولية.

يتضح من هذه الأرقام، أن متوسط الأجور في إدلب وشرق الفرات، أعلى بمعدل الضعف، مقارنة بنظيره في مناطق سيطرة النظام. وهذا الفارق لا ينفي حقيقة أن كل السوريين في الداخل يعيشون حالة فقر أو يقتربون منها، وفق آخر تقرير صادر عن وكالات تتبع للأمم المتحدة في حزيران 2020،  والذي يقول إن 90% من سوريي الداخل باتوا تحت خط الفقر البالغ دولارين يومياً.

لكن كان اللافت في بيانات الأمم المتحدة تلك، الإشارة إلى أن العدد الأكبر من المحتاجين للمساعدات يوجدون في حلب ومن ثم ريف دمشق، أي مناطق خاضعة لسيطرة النظام. ومن ثم يأتي على القائمة أولئك الموجودون في إدلب.

تلك المفارقة، حيث لا قصف أو براميل متفجرة، نجد أفقر السوريين، فيما نجد أوضاع نظرائهم في مناطق مستهدفة عسكرياً بشكل دوري، أفضل نسبياً، تطرح تساؤلاً حول سبب ذلك. فالنتيجة الأولية التي تقودنا إليها تلك المفارقة، هي أن الإدارة الاقتصادية من جانب نظام الأسد، هي الأسوأ مقارنة بتلك الإدارات الاقتصادية القائمة في شمال غرب سوريا، و"شرق الفرات".

وهنا، يجب الإشارة إلى أن هذه المفارقة، لا تنفي سوء الإدارة الاقتصادية من جانب سلطات الأمر الواقع في "شمال غرب سوريا"، وفي "شرق الفرات"، حيث تتضح جلياً مظاهر الفشل المؤسساتي، والفساد والمحسوبية، وتغول السلطات على مصادر الرزق، وموارد الخاضعين لسلطتها. إلا أن المقارنة في "سوريا الداخل"، تبدو بين سيء وأسوأ. وفي هذه المقارنة، فإن إدارة نظام الأسد هي الأسوأ.

 أما ما أسباب الوصول إلى هذه المفارقة؟ فالإجابة تتعلق بمدى تدخل سلطات الأمر الواقع في حياة السوريين الاقتصادية، وتحكمها بموارد الرزق واحتكاره لصالح المحسوبين عليها، في المناطق الثلاث آنفة الذكر؟ إذ يمكن من خلال الرصد والمتابعة لحياة السوريين الاقتصادية، في المناطق الثلاث، أن يتضح لنا بصورة جليّة، أن هامش حرية النشاط الاقتصادي، في مناطق "شمال غرب سوريا" و"شرق الفرات"، أوسع من ذلك الهامش المتاح في مناطق سيطرة النظام، الذي يتحكم بكل مفاصل حياة السوريين الاقتصادية، ولا يترك أي نشاط أو مصدر رزق أو مورد، من دون أن يحتكره لصالح المتنفذين المحسوبين عليه. 

ويكفي أن نذكر كمؤشر لذلك، قضية "دولار الحوالات"، التي تشكل مصدر الحياة الرئيس لفئة واسعة من السوريين في الداخل، والذي يصرّ نظام الأسد منذ أكثر من 8 سنوات، على تحديده بأقل من نصف سعر الدولار في السوق السوداء، حيث يخسر أي سوريّ يتلقى حوالته بالطرق النظامية، نصف قيمة ما يصله من مساعدة من أقاربه المغتربين في الخارج، لصالح خزينة المصرف المركزي، أو لصالح مكاتب وشركات صرافة، تتبع في جلّها لمتنفذين محسوبين على النظام. وفيما يحدد نظام الأسد "دولار الحوالات"، في الوقت الراهن بـ 1250 ليرة للدولار الواحد، يتراوح "دولار السوق السوداء" ما بين 2870 و2900 ليرة. في هذه الأثناء، يتلقى السوريون في شمال غرب سوريا وشرق الفرات، حوالاتهم من الخارج، بأسعار قريبة جداً من سعر السوق السوداء. وهذا أحد العوامل الرئيسة، في فروق مستوى المعيشة بين هاتين المنطقتين من جهة، وبين مناطق سيطرة نظام الأسد، من جهة ثانية. من دون أن ننسى الإشارة إلى عامل آخر، يتمثل في انتهاج النظام سياسة انتقامية من سكان مناطق المصالحات معه، كمثال في ريف دمشق ودرعا، حيث نجد أكثر الفئات حاجةً للمساعدة، وأكثرهم اضطهاداً على صعيد تضييق سبل تحصيل الرزق.

=========================

موقفنا : الروس: يقدمون أنفسهم كضامنين للسلوك الإيراني والأسدي في سورية .. فهل يقبل بهم الصهاينة الإسرائيليون ؟؟؟

زهير سالم

مركز الشرق العربي

19 / 1/ 2021

أوضح لافروف وزير الخارجية الروسية أن بلاده حاولت في 2020 أن تضع حدا للعدوانات الصهيونية على الأراضي السورية .

وأنها قدمت عرضا لقيادة الكيان أنها تتفهم مخاوفها ، ومستعدة أن تزيل سبب أي شكوى تصلها من الطرف الصهيوني، يقدم عليها الأسدي أو الإيراني ..ومعنى هذه الضمانة أن الروسي يعترف أن الإيراني والأسدي في سورية تحت الإبط الروسي ، يصيّره كيف يشاء . ويأمره فيطيع ، ويكفله في السراء والضراء ، والصحة والمرض ، والقوة والضعف ، والفقر والغنى ...

يقول لافروف ، ورغم مرور زمن على العرض الروسي ، إلا أننا لم نتلق جوابا من الطرف الصهيوني !! وكانت الولايات المتحدة أثناء مفاوضات كامب ديفيد قد عرضت على الصهاينة ضمانة أمنية من نوع مماثل ، لتسيير تقدم الحل فكان رد شامير يومها ، إن الدولة الصهيونية ترفض أن تضع المسئولية عن أمنها بيد أحد ..

دولة الولي الفقيه التي تسمعونها ، تطول وتقصر ، في الحديث مع الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة الأمريكية ، تعرف جيدا البعد المسرحي التمثيلي في موقفها هذا . وهي لا تقع في حالة الازدواج التي وقع فيه السيد " كين " من مسرح سارتر ، فالسيد كين ظل يمثل دور الملك ، حتى اختلط عليه الأمر بين حياته على المسرح وحياته الواقعية ..

ملالي طهران لا يقعون في هذا الازدواج أبدا ,,,,فهم يعلمون أن اشتراكهم في قتل السوريين وتدمير بلادهم وتهجيرهم هو دور حقيقي واقعي يومي ، قد كلفوا به من قبل أسيادهم ، فيستمدون من الوفاء به قوتهم ، ويشبعون به نهمتهم السادية السوداء .. ويعلمون أيضا أن حديثهم عن المقاومة والممانعة هو حديث الخرافة - يا أم عمرو - يسقط حيث يقال ..

والدليل على صحة ما ندعي هو أن عشرات بل مئات العدوانات الصهيونية ، وقعت على أهداف إيرانية على الأراضي السورية وعلى الأراضي العراقية ومنها مقتل المجرم قاسم سليماني ، و في قلب العاصمة طهران في مقتل علماء إيرانيين ... وأي من هذه الأعمال لم يواجه ببعض ما تقتضي دلالة الخطاب التعبوي الوفاء ببعضه . ولا يستحيي الملا الصفوي أن يجعل ثأره كصاحب جحره رهين الانتظار ..

وكذا فإن تصريح لافروف بالأمس عن تنصيب روسية نفسها بمكانة " ولي الأمر الكافل " للإيرانيين والأسديين " على مرأى منهم ومسمع ، دون أن يعني ذلك لهم شيئا .. يثبت على الطرفيين ما وصفه سيدنا علي رضي الله عنه بالتدييث بالصغار " وهكذا ديّث القوم بالصغار ..

أقوى موقف سمعناه من " , ظريف دولة الولي الفقيه" في الاستعداد لاستقبال بايدن .. تصريحه أن إيران لن ترفض العودة إلى الاتفاق النووي ، ولكن ليس على طريقة الخلعة الواحدة ..بل على طريق الخلع المتبادل ، خلعة بخلعة يعني قطعة بقطعة ، .. ويبقى السؤال المحير من الذي سيخلع القطعة الأولى .. أو القطعة الأخيرة أولاً ...؟!

____________

*مدير مركز الشرق العربي

========================

ما لم ينتظره أصدقاء النظام السوري

فاطمة ياسين

العربي الجديد

الاحد 17/1/2021

شهدت الحرب في سورية طوال السنوات الماضية منحنياتٍ حاسمة، وباتجاهات متضاربة، عكست قوة التأثير الخارجي، فتحوّلت الثورة العفوية إلى تنظيماتٍ متفرّقة ساهم النظام بتقطيع أوصالها، وصارت المناطق التي خرج منها النظام مساحاتٍ شاسعة، تخللتها جزر شكلت حواجز للنظام بين مناطق المعارضة. في تلك الفترة، ظن كثيرون أن سقوط النظام قد أصبح واقعا قريبا، ولكن التوازنات الدولية أتاحت لروسيا التدخل بتدرّج مدروس وموجه، فساندت النظام في وصوله إلى الوضع الحالي، مع شبه استقرارٍ في السيطرة الجغرافية للنظام على المناطق الساحلية والجنوبية حتى نهر الفرات الذي شكل حاجزا طبيعيا مع القوات الكردية. وفي الشمال، احتفظت تركيا بمنطقة جغرافية واسعة من جرابلس حتى عفرين، وبعمق كاف، مع محافظة إدلب.. كان النظام، ومن خلفه روسيا، يرغب بضم هذه المنطقة له أيضا، ولكن التوازنات أجّلت المشروع، وربما ألغي، أو تم الاحتفاظ به حتى نضوج الصفقة الجديدة.

أدارت روسيا الحرب منذ لحظة دخولها الأرض السورية، واستخدمت إيران في أوقات الحاجة، وأظهرت نفسا طويلا في التعامل مع القضية، وهي تنظر إلى لحظةٍ تتوقف فيها الحرب، ولكن ما استطاع النظام تجنبه أو التخفيف منه طوال سنوات الحرب ظهر في الفترة الأخيرة بأقسى صورة، من دون أن يتمكّن الروس أو الإيرانيون من فعل شيء، فتقوّضت كل إجراءات النظام الاقتصادية وانهارت موارده أو انعدمت بشكل كامل، وطفا العجز على السطح من دون أي أفق للحل، وظهر الارتباك على وجه مسؤولي النظام وهم يقدّمون تصريحاتٍ مضطربةٍ، زادت من نقمة الشارع الذي تدنت قدرته على الشراء إلى مستوىً لم يكن متوقعا. وفي اللحظة التي توقع فيها الروس أن عائدا اقتصاديا سيبدأ بالتدفق مع توقف الحرب، حدث العكس، فقد غرق النظام اقتصاديا، وهو قابع في قواعده العسكرية في حميميم أو طرطوس، ولم يعد لديه إلا الانتظار مع خيبة الأمل.

تمهيدا للحظة جني الأرباح، عقد الروس والإيرانيون معاهداتٍ اقتصادية طويلة الأمد مع بشار الأسد الذي كان سعيدا بالتوقيع، وهو يعرف أن ثمن توقيعه سيكون مزيدا من العون العسكري. وتنظر كل من روسيا وإيران إلى أفق واسع من الريع الوفير الذي سيأتي مع بداية الإعمار، فوقعت وزارة الطاقة الروسية عقودا طويلة الأمد لاستثمار مناجم الفوسفات في خنيفيس، وعقودا أخرى للاستثمار في بناء السكك الحديدية ومحطّات الطاقة، وركّزت أكثر على مصانع الإسمنت التي ستنتعش بقوة عند بدء عمليات البناء.

وبدا الجانب الإيراني مهتما بشبكات الهاتف المحمول والاتصالات. وأبدت الصين اهتماما بالسوق السورية، وبدأت بالتحضير للهجوم على القطاع الذي تفضله وهو النقل، ضمن مشروع إقليمي وعالمي كبير تخطّط له الصين تحت اسم الحزام والطريق، تبني فيه طرقا سريعة وجسورا مربوطة بعضها بعضها الآخر، تشغلها الصين وتتكفل بكل نفقاتها. وعلى الرغم من ماضي روسيا والصين الشيوعي، إلا أنهما ما زالتا تفكّران بالربح، لكن رأس المال يبحث عن أرضٍ مستقرّة يستثمر فيها، وهذا غير متوفر في سورية، فعلى الرغم من انخفاض حدّة الحرب، إلا أن الاستقرار السياسي ما زال بعيدا، ما جعل أحلام الاستثمار والثروة تتبخّر.

وبعد تردّد ترامب في سحب قواته، من المتوقع أن يستمر الوجود الأميركي مدة، بما يعني الإبقاء على معدلات التوتر، كما أن التمسّك الإيراني بالجبهة السورية، وتمسّك النظام بإيران، على الرغم من التباس الموقف الروسي من هذا التمسّك، يجعل الفضاء السوري مشرعا لهجماتٍ مستمرّة ضد إيران. وهناك محاولات النظام السيطرة على منطقة إدلب الواقعة تحت سيطرة قوات معارضة قوية مدعومة من تركيا، تمنع أميركا النظام من الاقتراب منها، كل هذا التوتر، مع تمسّك النظام ببقائه في السلطة، يجعل الوضع الاقتصادي مرشّحا للانحدار بشكل أكبر وأكثر خطورة، والوقت الذي يمضي يزيد الخناق الاقتصادي على رقبة النظام الذي لن تنقذه تمثيلية هزيلة لإعادة انتخاب بشار.

=========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com