العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 23-10-2016


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

فيتو روسي لإسقاط مجلس الأمن .. محمد جهاد نيعو

العربي الجديد

الاربعاء 19/10/2016

أصبحت جلسات مجلس الأمن الدولي في الأمم المتحدة أقرب ما تكون إلى مسلسل درامي منها إلى مجلس للبتّ في الخلافات التي تحصل في هذا العالم، والمحافظة على السلم الدولي. ويترتب على المشاهد، بعد ختام كلّ جلسة، وضع تكهنات وتوّقعات، نظراً لردّات الفعل والتشنجات التي تحصل داخل هذا المجلس. كما غدا المشاهد ينتظر المشهد المقبل الذي سيكون أكثر إثارة وتشويقاً من الذي سبقه. فبعد استخدام روسيا حق النقض (الفيتو) للمرّة الخامسة في الجلسة التي عقدت أخيراً لمجلس الأمن، وإفشال القرار الفرنسي الذي طالب بوقف الطلعات الجوية فوق مدينة حلب، أصبح كلّ من يهتم في الأحداث السورية، يتساءل: هل ستتخذ أميركا وحلفاؤها خطوات تصعيدية رادعة لوقف انتهاكات روسيا والنظام السوري، في ظل استمرار حصار المدن واستخدام سياسة الأرض المحروقة وتهجير الأبرياء وقتلهم؟ أم سيقف العالم مكتوف الأيادي، حيال ما آلت إليه الظروف الإنسانية في سورية عامة، وفي مدينة حلب خصوصاً؟

في وقتٍ كان يتحدث فيه المندوب الروسي الدائم في مجلس الأمن، فيتالي تشوركين، عن ضرورة محاربة الإرهاب، كانت الطائرات الروسية ترتكب مجزرة مروّعة بحق المدنيين في مدينة حلب، مستخدمةً أسلحة محرّمة دولياً. الفيتو الروسي الذي منع مجلس الأمن اتخاذ قرار يجبر النظام السوري وروسيا على وقف العمليات العسكرية التي من خلالها يستمر قتل المدنيين في حلب، يعطي النظام السوري رخصة جديدة، من أجل متابعة سياسته الإرهابية، ومحفّزاً على الاستمرار في ارتكاب المجازر المروعة والاستمرار في قتل مزيد من الأبرياء الذين يدفعون الثمن غالياً حيال الصمت الأممي عن جرائم الحرب التي ينفذها النظام السوري وروسيا في سورية.

يبدو أنّ جيش النظام السوري والمليشيات الطائفية التي تسانده، لم يلبّوا الطموحات الروسية، وخصوصاً، بعد خسائر تلقوها، وكان آخرها فكّ الحصار عن مدينة حلب، وتحرير عدّة قرى في الريف الشمالي لمدينة حماه، والاقتراب أكثر نحو الساحل والمناطق الموالية للنظام. واضطرّت روسيا إلى التدخل بشكل أكبر في الحرب السورية، من خلال تحويل حربها من سياسية، عبر تبرير جرائم النظام، إلى عسكرية بعد مشاركتها المباشرة في المعارك وضرب مراكز الجيش الحر من أجل إضعافه، بحجة أنّها مراكز تجمعات لتنظيم داعش الإرهابي. ويعدّ الخوف من تمدّد الإرهاب أحد المبرّرات التي تستخدمها روسيا لزيادة أعداد قواتها العسكرية في سورية، في وقتٍ تعمل فيه على إشعال حربٍ طائفية، يقودها النظام والمليشيات الطائفية الداعمة له، عبر تغطية جوية تؤمنها لهم المقاتلات الحربية الروسية في أثناء الهجمات الإرهابية ضد المدنيين في سورية.

بعد الجلسة الأخيرة لمجلس الأمن، أصبح المشهد أكثر وضوحا كالآتي: أصبحت روسيا تُقدّم نفسها القاضي والجلاد في آن واحد من خلال انتهاكها حقوق الإنسان واستعمال العنف المفرط ضد الشعب السوري، واحتلال أراضي سورية بقوة السلاح، فتدق آخر مسمار بنعش النظام السوري الذي لم يعد له أيّ سلطة أو رأي في تطورات الأحداث في سورية، وإنما أصبح أداةً لتنفيذ مطامع روسيا الرامية إلى تعزيز دفاعاتها العسكرية في منطقة الشرق الأوسط. والإعلان عن نيّة روسيا إنشاء قاعدة بحرية دائمة قبالة مدينة طرطوس الدليل الأنصع على نيات روسيا احتلال سورية بعد تدخلها العسكري، بحجّة إيجاد جو من أجل التوّصل الى حلّ سياسي. إنّ إدانة قادة الدول والقوى العالمية للجرائم الروسية بحق المدنيين في سورية غير كافية لوقف روسيا عن شن هجماتها الإرهابية ضد الشعب السوري، فالعجز الدولي الحالي عن ردع روسيا ووضع حد لهذا الجنون، سيدفعها إلى استخدام العنف بشكل أكبر من أجل القضاء على كلّ من يدافع عن أرضه ووحدتها، ويقول لا للاحتلال الروسي. ومن هنا، أهمية اتخاذ قادة الدول الداعمة للشعب السوري خطوة رفع الحظر عن أسلحة، من شأنها حماية المدنيين من بطش الاحتلال الروسي.

========================

موقفنا : إلى أعلام الموقعين أفيدونا بقول جامع وفتوى معتمدة "من حضر المصافّ فقد تعين" .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

21 / 10 / 2016

كنت إنسانا تسحره عبارة الأصوليين والفقهاء كما يسحره خيال الشعراء ، ولباب الحكماء . كنت رغم ما يقول البعض ،عن عويص عبارة الفقهاء وتعقيداتها ، أشعر أنني إزاءها أمام فن من الإبداع البياني ، وأجمل القول كان عندي حين يقول لك صاحب حاشية ( وأما قوله ... ) ثم يفيض بالشرح والتأويل والتمثيل وذكر الأوجه وتعداد الاختلافات ..

تصلني هذه الأيام نشرات دورية ، تحمل عناوين ضخاما ، أتوقع أن تحيي في ذاكرتي عبارات صاحب الفقهين والرسالة والأم والمبسوط والمجموع والبدائع والتحفة والحاشية واللباب والكفاية والمستصفى والمنخول وإرشاد الفحول .. فأُهرع ، أبتغي الذواق ، في عصر حلت فيه بالإسلام والمسلمين الأحداث الجسام ، واشرأبت فيه العقول والقلوب تلتمس نورا في الفردي والجماعي، وما يجب وما يندب وما يباح وما يكره وما يحرم ؛ فلا أفيء في الغالب إلا إلى مثل ما قال المعري، أو ما ذكره مولانا في تبدل حال اهل سبأ (( وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ )) .

أقدر أن بين ظهراني الأمة المسلمة ، وفي أهل الشام خاصة ، نخبة من العلماء الراسخين . وأقدر فيهم مع العلم والنبل وسمو المقصد رغبةً لا تخفى في أداء ما ( استُحفظوا ) ، وبيان ما اختلط على الناس من أمر دينهم ، أو ما أغلق عليهم منه ، فآثروا الصمت في زمان تختلط فيه الأصوات ، ويتعالى فيه الضجيج ، فلا يكاد يستبين فيه صوت الحليم ولا الحكيم . ولكن كل ذلك لا يعفي حامل المصباح من أن يسعي بين يدي الناس بنور ، يطفئ الفتنة ويبدد ظلمة الشبهة ، ويصدع بالحق في كلمة صريحة واضحة صارخة يجمع عليها من أهل الحق أحرصهم عليه . وقالوا وقد ضُرب الإمام مالك رحمه الله تعالى في فتواه أيام أبي جعفر المنصور ، وشُهر به ليعود عنها ، فظل يردد على رؤوس الناس : أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا مالك بن أنس أقول : إن طلاق المكرَه لا يقع .

جميل ما تصدره المجالس والروابط والهيئات والشرعية ، من بيانات ، تصاغ على منهج أهل السياسية في الخطاب العام المعوم فتصف كما يصفون : هذا جميل وهذا قبيح ، وهذا خير وهذا شر ، وهذا حق وهذا باطل . وجميل أن يعلن أصحابها على الطريقة نفسها : نستنكر وندين ونشجب أو نؤيد ونساند وندعم وندعو ونرغّب ، ولكن المطلوب الحقيقي من ( أعلام الموقعين ) فوق السقف الذي استظلوه ، و أعلى من النهج الذي انتهجوه . مطلوب منه توقيع عن الله على منهج : قال الله ..قال رسوله في دعوة واضحة إلى وجه للحق مبين .

المسلمون اليوم ، وفي سورية خاصة ، أحوج ما يكونون ، إلى الفتوى الشرعية المباشرة والمجردة ، تساق في حيثياتها ، وفي انعكاساتها . المسلمون في سورية اليوم ، بحاجة إلى من يجهر بحكمه تعالى (( هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ )) بفقهها وحقها ، لكي لا يضل أقوام وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا .

ولا يجوز أن تبقى حديقة الإسلام بلا سياج ، ولا يجوز أن يبقى أهل الشام بلا مرجع على نهج الفقهاء الواضح الثابت المنضبط الجماعي إن لم يكن الإجماعي ، وليس نهج الساسة ، والخطباء، وكتاب المقالات الذين يعلو موجهم ساعة وينخفض أخرى ...

اليوم وهذه الشام تفرّغ من أهلها ، ويرفع فوق رؤوس مسلميها تهديد مباشر ( تقتلون أو تخرجون ) ، وينتشر حولها الخذلان ، وتكثر من بعضهم الادعاءات ، ويسجل بعضهم نفسه في ديوان أهل الجهاد ، فيستأثر بسهم الفارس وما هو من أهل الساقة ، ثم تنطفئ مصابيح الفتوى وتزهر وصاويص الدعوى فلا يكاد وجه للحق بحق يستبين ..

في كتب الفقه الجميلة : ( من حضر المصافّ فقد تعين ) وشرحوا في الحواشي ، المصاف : لقاء الصفين ، وأضافوا ( من حضر ) ولو عابرا غير قاصد ، فلا ينبغي له أن ينسلّ ، وقالوا ، فقد تعين : فقد أصبح الثبات بحقه فرضا عينيا ثابتا ، وإن لم يكن كذلك قبل حضوره . وحذروا وإلا فقد شمله الوعيد (( وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ))

ففي أي مصافّ أهلُ الشام اليوم ، وما هو الواجب على الناس فيما يدور فيها ، أين هو قول الحق باسم شريعة ، لم تترك المسلمين فوضى ، ولم تقبل للدين أن يكون ( هوى ) ، (( أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلا )) ...

أفيدونا بقول جامع وفتاوى معتمدة جزاكم الله عنا كل خير ...

_________

مدير مركز الشرق العربي

=========================

عسكر روسيا يضع العالم على حافة الخطر .. غازي دحمان

الحياة

الاربعاء 19/10/2016

تتهم موسكو الديبلوماسية الأميركية بالوقوع تحت سيطرة عسكر البنتاغون، لكن الأمور تبدو عندها اعقد بكثير من عقدة واشنطن البسيطة والإفتراضية الى حد بعيد، ذلك أن روسيا وعلى رغم ما يظهر على سطح الحدث بأنها تدير سياساتها العالمية وفق خطة سياسية ومن خلال قرارات مركزية يتم اتخاذها في سياق إستراتيجية اوسع، هدفها إعادة بناء أمجاد روسيا واستعادة تفوذها الدولي، إلا ان الأمور لا تبدو على هذه الشاكلة في الوقائع الجارية.

على مستوى صناعة القرار بخصوص الإنخراط في الحرب السورية، ليس ثمّة تأثير كبير للديبلوماسية الروسية ولا لتطلعاتها وخططها، وهي قد تبدو معزولة، حتى وإن بدا أن وزير الخارجية سيرغي لافروف هو الذي يوجه السياسات الروسية في هذا الإطار، بل أن الرئيس فلاديمير بوتين نفسه واقع تحت تأثيرات جهات روسية أخرى، وكانت ظهرت تحليلات كثيرة تتحدث عن أثر كارتيلات النفط والغاز الروسية، وبخاصة شركة «غازبروم»، في صناعة السياسات الروسية، ووقوفها وراء التوجهات الأخيرة لروسيا وبخاصة لجهة التوسّع بما يتطابق وخطوط نقل الغاز إلى أوروبا، من سورية إلى أوكرانيا، وانطباق المشروع الجيوسياسي الروسي مع طموحات «غازبروم».

وفي الواقع، ومع عدم نكران أثر العامل الاقتصادي في تحريك السياسة الروسية والتأثير في توجهاتها، غير أن المعالجات الروسية لإدارة الصراعات في العالم لا تنسجم مع احتمال وجود خلفية إقتصادية تحرك المشهد، بخاصة أن روسيا استطاعت تسوية أغلب الإشكاليات المتعلقة باحكتارها أسواق الغاز في أوروبا، وأن مشكلة اوروبا معها ليست ذات علاقة بهذا الجانب من التعاون الإقتصادي ولا بمجمل بنود هذا التعاون، ولا حتى بطموحات روسيا بأن تكون شريكاً سياسياً في أوروبا وعلى مستوى العالم، بقدر ما له علاقة بإشكالية إجراءات روسيا العسكرية العنيفة والاستخباراتية التخريبية في الجوار الأوروبي، وفي عمق القارة من خلال دعمها للتيارات المتطرفة.

هل نحن بصدد خلطة من المؤثرات التي تصنع السياسة الخارجية الروسية الى درجة يصعب تفكيك خيوطها؟ من الناحية النظرية فإن سياسات الدول وتوجهاتها لا تخرج عن هذه الوصفة، حيث يمتزج السياسي والاقتصادي والعسكري في مركب واحد، غير أنه في السياسة الروسية يبدو العنصر العسكري الأكثر فعالية في صناعة السياسة الروسية، وتظهر العناصر الأخرى مكملة لهذا العنصر وبخاصة الجانب السياسي الذي يفترض انه المسؤول عن إدارة التوازنات داخل الدولة، وما يؤكد هذا التحليل فرضية أن المخرجات الإقتصادية والسياسية تميل بدرجة أكبر إلى العقلانية في إدارة العلاقات، نظراً الى قدرتها على الموازنة بين الموارد والإمكانات، وبالتالي فإنها تذهب إلى تقييم الأمور بأقل من إمكاناتها الحقيقية والتي تختصم منها مسبقاً تأثير التداعيات المحتملة على صيرورة تطورها، في حين أن حسابات الجانب العسكري تظل نظرية إلى حد بعيد وتميل إلى احتساب الخسائر التي يقدر على تحقيقها في الطرف الآخر ثم إضافتها إلى ميزان قوته، ولعل هذا ما يفسر ندم كثير من القادة العسكريين في التاريخ على خطأ حساباتهم العسكرية وطبعاً يحصل ذلك بعد وقوع الهزيمة.

يظهر تطوّر العقيدة العسكرية الروسية في شكل انقلابي خلال فترة لا تزيد على عقد من الزمان، وتحولها من الإلتزام بحماية الأمن القومي الروسي داخل الإطار الجغرافي لروسيا، إلى عقيدة ذات طابع هجومي تدعو إلى تحقيق تغيرات حاسمة في مواجهة توسع حلف الأطلسي، يظهر مدى تأثير العسكر في توجهات روسيا الصاعدة، وبعيداً من التحليل، ثمة معلومات مؤكدة عن إحتلال القادة العسكريين والاستخباراتيين هيكل صنع القرار في روسيا، من أمثال سيرغي ايفانوف، رئيس ديوان الكرملين الحالي، وهو رئيس سابق لجهاز الأمن والاستخبارات ووزير دفاع سابق، ونيكولاي باتروشيف، الذي خلف بوتين في رئاسة جهاز الأمن والاستخبارات، والسكرتير الحالي لمجلس الأمن القومي، وسيرغي شويغو وزير الدفاع الحالي، فيما يتم تهميش رئيس الوزراء ديمتري ميدفيديف، رغم أنه الثاني في تراتبية صنع القرار، بحكم رئاسته مجلس الوزراء، وذلك نظراً الى آرائه الليبرالية.

يستطيع المراقب للإعلام الروسي في هذه المرحلة اكتشاف مدى الدور الذي يلعبه العسكر في صناعة رأي عام مساند للتوجهات العسكرية عبر احتلالهم الدائم للبرامج التلفزيونية وحديثهم عن الأخطار التي تهدّد الأمن الروسي الى درجة دفعت بعضهم إلى وصف ما يعيشه العالم على أنه حرب عالمية ثالثة، في محاولة واضحة لإعطاء العنصر العسكري الدور الأساسي في قيادة البلاد وتوجيه الأحداث، وغالبية هؤلاء المحللين، وحتى أولئك الذين يحتلون هيكلية صنع القرار، هم إما جنرالات هُزموا في أفغانستان، أو عاشوا لحظة سقوط الاتحاد السوفياتي، وعدا كونهم ينظرون الى الحدث من زاوية انتقامية، فإن خبراتهم السياسية لا تتطابق مع العالم المتشكّل في القرن الواحد والعشرين.

الإشكالية أن عسكر روسيا يختبرون قوتهم حتى اللحظة مع لاعبين أصغر حجماً من مقاسات قوتهم، كما في أوكرانيا وسورية، ويعممون نتائج تلك الاختبارات في قياس مدى قوتهم الحقيقي في البيئة الدولية، ولا يهم إذا كان هذا المعيار ينطوي على قدر من التضليل، بقدر ما هو مهم قياسهم ردود الفعل الدولية تجاههم حتى اللحظة، والأرجح انهم لن يكتشفوا الحجم الحقيقي لقوتهم وترتيبهم في سلم القوى الدولي من خلال المقارنة النظرية لحجم وأصول قوة اللاعبين الكبار، حتى يختبروها عملانياً، وذلك لن يحصل من دون المغامرة بمصير العالم.

========================

السوريون بين الوطن والمنفى .. عبد الناصر خلف

العربي الجديد

الثلاثاء 18-10-2016

ثمّة عطب فكري، ناتج من مفارقة بين أطياف المجتمع السوري، متمثلة في تباين طرق التعايش بين هذه الأطياف على أرض الوطن من جهة، وفي المنفى الجبري أو الطوعي من جهة أخرى.

في الوطن، تزداد الهوّة اتساعاً بين السوريين، تستمد ديمومتها من بقايا قومية رثة، إرث ديني حُمّل أكثر من طاقته، أو حتى أفكار متقوقعة، تأبى التطوّر، وهي تجذّرت بين السوريين، إما بالتوّلد الفطري أو التراكم الواقعي أو التشرّب الفكري. أدى دخول هذه العوامل في مرحلة التسبّب المباشر للتمايز الفئوي بعد الأشهر الأولى للثورة إلى تشظي بنية المجتمع السوري، وبالتالي، تبدّد القوة المعوّل عليها في إحداث التغيير المنشود.

من هنا، يبرز الجانب الأوّل للمفارقة، وهو أنّ هذه المجاميع الفئوية أحدثت شروخاً حتى في الطيف الواحد، مستهدفةً، بالدرجة الأولى، مفهوم العيش المشترك الضامن للسلم الأهلي، والأمثلة كثيرة، منها التجاذب الكردي العربي والصراع السني العلوي.

طريقة تعايش المجتمع السوري المتمثّل في المنفيين السوريين الموّزعين على أرجاء المعمورة هو الجانب الآخر للمفارقة، حيث ينسى السوري الجانب الإيديولوجي والتمييزي للمسمّيات الطائفية والعرقية، مكتفيّا بكلمة سوري، ولا يرى حرجاً في التعامل مع أقرانه السوريين المختلفين عنه فكرياً وأيديولوجياً، متخذين من صدر بيت الشعر لزهير بن أبي سلمى (ومن يغترب يحسب عدواً صديقه) أساساً للتعامل.

تشكّل الأقلية من كِلا طرفي المفارقة عنصر التغيير ضمن الأكثرية، سلباً أو إيجاباً، فالأقلية الوطنية ضمن الأكثرية الفئوية لا تلقى آذانا صاغية في الداخل، لأنّ ركائز التصدّع المجتمعي، خصوصا بعد الثورة، تعمّقت أكثر في ظلّ مناخ خصب يُحصد نتاجه بمزيد من دماء السوريين.

أما في الطرف الآخر تلعب الأقلية الفئوية ضمن الأكثرية المنفية، وبهمّة من حملوا معهم مرض الاصطفاف الفئوي إلى المنفى، الدور الأسوأ المتمثّل في نقل ثقافة التصدّع إلى أبناء الوطن الواحد المنفيين.

وبهذا تعاني الأقلية الوطنية ضمن الأكثرية الفئوية، على أرض الوطن من منفىً معنوي، بينما تعاني الأكثرية المنفية، مع الأقلية الفئوية في المنفى، من منفىً مادي بالإضافة إلى المنفى الوجودي.

========================

نهج الإنكار الروسي .. عمر كوش

العربي الجديد

الثلاثاء 18-10-2016

يثير نهج الإنكار الذي يتّبعه المسؤولون الروس، في التغطية على ما ترتكبه قواتهم من جرائم في سورية بحق المدنيين في مناطق سيطرة المعارضة، استهجان معظم المتابعين للوضع السوري وساسة بعض الدول المعنية به واستغرابهم، حيث ينكر المسؤولون الروس، باستمرار، استخدام مقاتلاتهم وقاذفاتهم القنابل العنقودية والفوسفورية والارتجاجية وسواها في قصف المرافق المدنية، من مستشفياتٍ ومدارس وأسواق في مختلف المدن والقرى السورية، وخصوصاً في المناطق الشرقية من مدينة حلب، على الرغم من مئات الصور والفيديوهات التي تظهر استخدامها هذا النوع من الأسلحة غير التقليدية والمحرّمة دولياً.

ووصل الإنكار الروسي الرسمي لما يرتكبونه من فظائع إلى حدّ إنكار وزير الخارجية الروسي استهداف المقاتلات الروسية قافلة المساعدات الإنسانية في قرية أورم الكبرى في سورية، مدعياً أن المعارضة قصفتها، أو أنها تعرّضت لحريق، واتهم الطرف الأميركي بفشل الهدنة، الأمر الذي دعا إلى وصف وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، نظيره الروسي، سيرغي لافروف، بأنه "كاذب"، و"يعيش في عالمٍ مواز"، أي أنه منفصل عن الواقع، الأمر الذي يذكّر بنهج الإنكار الذي يتبعه رأس النظام السوري، المنفصل بدوره عن الواقع، مع أن تقارير مصورة وموثوقة عديدة تظهر بشكلٍ، لا لبس فيه، ارتكابهم جرائم حرب في سورية.

"أظهر أحد التقارير المصورة التي بثتها قناة روسيا اليوم الرسمية، عملية "تذخير" طائرة سوخوي 34 روسية بقنابل "RBK-500" العنقودية والمحرّمة دولياً"

ولا يصمد الإنكار الروسي أمام الوقائع على الأرض، حيث أظهر أحد التقارير المصوّرة التي بثتها قناة روسيا اليوم الرسمية، عملية "تذخير" طائرة سوخوي 34 روسية بقنابل "RBK-500" العنقودية والمحرّمة دولياً، لكن التقرير، حين أعيد بثه مرة ثانية، كان ناقصاً، وتمت إعادة "المونتاج" حذفت خلالها اللقطة التي تظهر فيها القنابل. وكانت مناسبة بث التقرير، في نسخته الأولى، زيارة وزير الدفاع الروسي، سيرغي شويغو، قاعدة حميميم في ريف اللاذقية، وظهر، في سياق التقرير، جندي روسي قرب طائرة سوخوي 35، وهي تحمل قنابل عنقودية، ثم تمّت عملية إعادة بث التقرير بعد حذف اللقطة التي تظهر فيها القنابل.

ومع بدء التدخل العسكري الروسي المباشر في سورية، أنكر الروس تدخلهم، وادّعوا أن مقاتلاتهم تقوم بعمليات "محدودة" فقط، وتستهدف ضرب مواقع تنظيم داعش، في حين أن عشرات التقارير الدولية أظهرت أن 80% أو أكثر من غارات المقاتلات الروسية تستهدف مواقع الجيش السوري الحر، أو ما تعرف بالمعارضة المعتدلة، مقابل أقل من 20% من الغارات الروسية التي تستهدف مناطق وجود عناصر داعش، وهي تصيب المدنيين في تلك المناطق، وليس مواقع عناصر التنظيم. وعلى الرغم من كل الأدلة، تصرّ روسيا على المضي في الإنكار في كل وسائل إعلامها.

وأظهرت صور ومقاطع فيديو للعالم أجمع استهداف المقاتلات الروسية المدنيين السوريين، واستشهاد مئات الأطفال والنساء بسبب الصواريخ الروسية، إلا أن المتحدّثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، تدّعي، على الدوام، أن كل التقارير عن قتلى بين المدنيين السوريين منحازة وملفقة وخاطئة، ولا أساس لها من الصحة، في حين أن المسؤولين الآخرين، بمن فيهم الرئيس فلاديمير بوتين ووزير خارجيته سيرغي لافروف، يصرّان على أن معلومات تلك التقارير مغلوطة، وتستند إلى معطياتٍ كاذبة، وأن مقاتلاتهم لا ترش سوى الأرز والورود على المناطق التي تقصفها.

وتوظف روسيا آلة دعايتها الكاذبة، لتدعيم نهج الإنكار لما تقوم به في سورية، مثلما استخدمتها في الحرب على أوكرانيا، حسبما تملي عليها مصالح الإدارة الروسية، وتسيّرها امتداداً للاتحاد السوفييتي السابق، وعلى المنوال نفسه، من دون أي تغيير في نهجه الإعلامي.

وتثير تصريحات المسؤولين الروس بشأن دور مقاتلات بلادهم في سورية سخرية المتابعين للوضع في سورية، لأن أكاذيبهم باتت تحتاج إلى موسوعة غينيس خاصة بحكام روسيا الذين اعتمدوا نهج الإنكار، منذ نجاح الثورة التونسية في إسقاط رأس النظام الاستبدادي في بلادها، حين لجأوا إلى إنكار وجود حالات التشابه بين الأنظمة السياسية العربية والنظام التونسي، وسارع الساسة الروس إلى القول إن تونس ليست مصر وليست ليبيا وليست سورية، وحاولوا إنكار وجود مظاهر الاستبداد والطغيان والفساد ومواطنها في هذه البلدان، على الرغم من أنها تشكّل في كل هذه البلدان، ومن لفّ لفها، القاسم المشترك الأعظم بينها.

وبعد هروب زين العابدين بن علي، وتنحّي حسني مبارك، بقيت الآلة الإعلامية الروسية متمسكةً بالنظام الليبي حتى مقتل العقيد معمر القذافي، بل وشعر الساسة الروس أن الغرب خدعهم في ليبيا. أما حين وصلت الثورة إلى سورية فقد كان الإنكار، سياسة ونهجاً، العنوان الرئيس لخطاب جميع المسؤولين الروس ومسؤولي النظام السوري، وتوحّدت أجهزة ووسائل الإعلام في البلدين في التمسّك بنهج الإنكار، بل وحاولت، تسويق مقولة فارغة، مفادها بأن الثورات التي أطاحت نظامي بن علي وحسني مبارك لأنهما من نظم الاعتدال، وعقاباً على سياسات الإذعان والسير في ركب المخطّطات الإمبريالية والصهيونية في المنطقة. وبالتالي، فإن نظم الممانعة والمقاومة عصية على الثورات الشعبية، لأنها نظم شعبية، وتقف في وجه الهجمات والمشاريع الأميركية والصهيونية.

واتخذ الإنكار أشكالاً متنوعة، منذ بداية الحراك الاحتجاجي السوري، جسّدتها ممارسات وسياسات تنفي وجود احتجاجاتٍ شعبيةٍ، سلمية الطابع، تطالب بالحرية والكرامة، وبتغيير النظام نحو دولة مدنيةٍ تعدديةٍ وديمقراطية. وتنفي كذلك حالات القتل والقمع والاعتقال والملاحقة. وراح ساسة النظامين، الروسي والسوري، يروّجون نظرية المؤامرة، بتصوير النظام هدفاً لمؤامرةٍ خارجية، واستتبع ذلك تصوير المحتجين بصورة المغرّر بهم، وتتلاعب

"يصدر نهج الإنكار عن عقلٍ جامد، شعبوي التفكير والأيديولوجيا، يسكنه هوس المؤامرة" بهم أيد خارجية، وعملاء لقوى لا تريد الخير لسورية، وأطلقوا عليهم تسميات مندسين ومهلوسين ومخدرين وصياصنة وعرعوريين وسلفيين وعصابات إجرامية وإرهابيين، وسوى ذلك.

وكان الميل إلى إنكار وجود أزمة سياسية في سورية واضحاً وعاماً، وسياسةً رسمية، بل طاول الإنكار وجود معارضة وطنية للنظام، ورميها بتهم الإرهاب والعمالة والخيانة والارتهان للخارج.

ويشير نهج الإنكار ليس إلى حالة متعددة المظاهر والمركبات فقط، بل إلى انتفاء السياسة ومصادرتها، واغتيال صوت العقل لصالح الجنوح إلى نهج الحسم العسكري الذي لا يعرف سوى التوغل في استخدام العنف المنفلت من عقاله، والذي حصد، ومازال يحصد، أرواح مئات آلاف السوريين، إلى جانب ملايين الجرحى والمفقودين، فضلاً عمّا يزيد عن تشريد وتهجير أكثر من نصف سكان سورية.

ويصدر نهج الإنكار عن عقلٍ جامد، شعبوي التفكير والأيديولوجيا، يسكنه هوس المؤامرة، ويرمي كل المشكلات والأزمات على الآخر، ممثلاً بالغرب الاستعماري، ودول النفط، ومعها القنوات الفضائية المغرضة التي تفبرك الأحداث في سورية، وتهوّل من حجم الكارثة. وهو عقل تآمري، يقسم الناس إلى قسمين، فسطاط معنا، وآخر ضدنا، ويبيح فعل أي شيء لإسكات الفسطاط الآخر وقمعه وتصفيته.

========================

هل تستعد الشام لحرب تحرير طويلة الأمد من الاحتلالين الروسي والإيراني .. د. أحمد موفق زيدان

العرب

الاثنين 17/10/2016

هل تستعد الشام لحرب تحرير  طويلة الأمد من الاحتلالين الروسي والإيرانيهل تستعد الشام لحرب تحرير طويلة الأمد من الاحتلالين الروسي والإيراني

حملت العملية النوعية التي أعلن عن تنفيذها فيلق الشام، باستهداف تجمع للقوات الروسية في حماة، التي أسفرت بحسب بيانه عن مقتل ستة من الضباط الروس، دلالات مهمة لا بد لكل متابع لشأن الثورة الشامية أن يتوقف عندها، فمجرد إعلان فصيل معتدل كفيلق الشام عن عملية استهداف لقوات الاحتلال الروسية، يعني أن الساحة مقبلة على مرحلة جديدة، مرحلة مواجهة مع الاحتلال الروسي، ولا يمكن للفيلق أن يقدم على هذا الإعلان دون قراءته للمشهد الإقليمي والدولي بدقة، وإلا فإنه يعرض نفسه ومفرده لحرب روسية وإيرانية، لاسيما أن ذلك أتى بعد إعلان هيئة التفاوض روسيا وإيران قوتي احتلال، وجاء بعد استهداف سفارة الاحتلال الروسي في دمشق، وهو ما يعكس أن الشام مقبلة على حرب مفتوحة مع الاحتلال الروسي، الذي سعى كذباً وزوراً للترويج على أنه وسيط بين المعارضة والعصابة الطائفية لفترة من الوقت، حتى تمكن وحجز لنفسه شرعية زائفة.

يقول بعض قادة الثورة الشامية، مفضلين حجب هوياتهم: إن روسيا أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أنها قوة احتلال رسمية، إن كان بقصفها وتدميرها للمدن الشامية، أو بتثبيت قواعدها بشكل دائم، وإصرارها على حماية عصابة طائفية مجرمة فتكت بالشعب السوري ولا تزال، ولذا فإن التعاطي معها على أنها وسيط وشريك مفاوضات خطل وجنون وحمق، وأي معارض سوري يصر على لقاء قادة الروس إنما هو شريك في تثبيت هذا الاحتلال، لا يقل تثبيته له عن تثبيت طاغية الشام وعصابته.

على هذه الخلفية تضيف هذه المصادر التي تحدثت إلينا، أنه لا بد للفصائل الشامية أن تعي خطورة المرحلة، وأنها لم تعد معنية فقط بإسقاط العصابة الطائفية، التي غدا إسقاطها لا معنى له ما لم يتم إدماء الاحتلال وإرغامه على الهزيمة، تماماً كما حصل مع كل احتلالات الأرض في القرون الماضية، وعليه فعلى الفصائل الشامية أن تُكيّف نفسها مع هذه المرحلة الجديدة التي تتطلب حرب عصابات طويلة الأمد تستهدف الاحتلال بشكل مباشر، فلا قيمة الآن لقتل جنود العصابة الذيلية.

ويعتقد قادة الثورة الشامية الذين تحدثنا إليهم، أن توفير الأسلحة وتخزينها في الأماكن الصحيحة، من أجل تلك المعركة سيوفر على الفصائل الكثير من الجهد والمال والنفس، وإذا خال الاحتلال أن إرغامه السوريين على الرحيل من دمشق وحلب وغيرهما إلى إدلب سيظهر أن الثوار والمجاهدين أن لا سيطرة لهم بالمدن الرئيسة، فهو واهم، فذلك سيدفعهم إلى حرب عصابات ستقض مضجعه، ومعلوم للقاصي والداني ممن قرأ تاريخ الاحتلالات وحروب العصابات، ألا شيء يكسر ظهر الاحتلالات مثل حروب العصابات، وهذا تبين في ثورة عبد القادر الجزائري والخطابي وعمر المختار وثورة الأفغان والفيتكونغ في فيتنام، وحروب العصابات هذه هي ما يُرغم الاحتلال على الرحيل، وكلفتها أعلى من كلفة قتال المدن.

الساحل السوري وجباله القريبة من قواعد الاحتلال الروسي، وكذلك المناطق المطلة على تواجده في دمشق، ينبغي أن تكون على رأس اهتمامات الفصائل الشامية في التحضير لاستهدافها على المدى البعيد، هذا ما خصلت إليه دراسة للفصائل التي تحدثنا إليها، وهذا ما يعمل عليه بعض قادة الفصائل، ولذا فهم يدعون الثوار إلى الاستعداد للمرحلة المقبلة، فإسقاط العصابة الطائفية في دمشق أمر تجاوزه الزمن مع الاحتلال الإيراني والروسي، وثمة نقاط ضعف خطيرة لا بد من استغلالها بنظر هؤلاء وهي المستوطنات الإيرانية في الفوعة وكفريا ونبل والزهراء، إذ لا بد من الضغط عليها وبقوة من أجل الضغط على الاحتلال الإيراني، فضلاً عن كسب الحاضنة السنية التي بدأت تتململ من تقاعس الفصائل عن استهدافها، في ظل التهجير والاقتلاع الممنهج لأهل السنة من ريف دمشق.

أخيراً مرحلة جديدة مقبل عليها الشام، وهي مرحلة مقاومة الاحتلال العسكري المعلن والصريح، وربما مواجهة شاملة بين القوى الكبرى، تتطلب تضافر جهود وتنسيق كبيرين لمواجهة الاحتلال، وليس مقاومة عصابة طائفية سطت على بلد اسمه سوريا.;

========================

دهشة غير مبرّرة .. سلام الكواكبي

العربي الجديد

الاحد 16/10/2016

شكلّ الانعطاف النسبي والواضح في موقف تركيا الرسمي لمعالجة الملف السوري مفاجأةً لبعض المراقبين والمتابعين، خصوصاً من السوريين، والذين كانوا قد وصلوا، في تحليلاتهم، "الاستراتيجية" إلى مرحلةٍ نقلوا فيها الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، من موقعه رئيس دولة إلى مكانةٍ مقدّسةٍ يكاد الاقتراب منها، ولو بنقدٍ حذر، كالمسّ بالذات الإلهية. وكاد بعضهم يرسم سيناريوهات "تحرير" المدنيين السوريين من مأساتهم على أيدي السلطان الجديد.

هذا التعلّق العاطفي أحياناً، والإيديولوجي غالباً، يمكن أن يُعتبر طبيعياً ومفهوماً ممن فقد كل أملٍ بالتفاتةٍ ما، إنسانيةٍ أم سياسية، من مجتمع سموّه دولياً، وهو يقف صامتاً متفرجاً وغير آبهٍ بمقتلةٍ سوريةٍ تركض يومياً بين من تبقى من أحياء، حاصدةً ما راق لها من أرواح مدنية أساساً. وهو أيضاً مفهومٌ بالنسبة لما يُقارب الملايين الثلاثة من اللاجئين/ الضيوف السوريين في تركيا الذين شعروا بدفء الاستقبال الرسمي والشعبي التركي، وذلك على الأقل في بدايات محنتهم. وقد تحسّب كثيرون منهم، عن حقٍّ ومشروعية، في أثناء الانقلاب العسكري الفاشل، مما يمكن أن يقع عليهم من ظلمٍ وارتداداتٍ، إن انتصر العسكر، أو من يلوذ بهم. كما أن "العشم" بديمقراطيةٍ محافظةٍ كان يملأ قلوب المحرومين من الديمقراطية ومن الإسلامية المتنوّرة، فوجدوا مزيجاً، ربما مغشوشاً، من كليهما في النموذج التركي بمرحلته الأردوغانية الأولى.

عندما توجّه أحد الباحثين في العلوم السياسية، غير المنخرطين في العملية السياسية، إلى بعض الجهابذة من بعض المعارضة السياسية السورية، بأن ينفتحوا على المجتمع المستضيف، وعلى مكوناته السياسية والنقابية، بمختلف أشكالها في المشهد التركي، تم رميه بنظرات الاستخفاف والتحسّر على "جهله" السياسي و"سذاجته" التكتيكية. وكان الجواب من البساطة بأن قيل له "إن فعلنا، سيغضب أصدقاؤنا في أنقرة". فما كان من هذا "الساذج" تكتيكياً و"الجاهل" سياسياً إلا أن حمل هذا التحسّب إلى أحد المقربين من قصر السلطان، والذي قال له فوراً "أرجوكم أن افعلوا"، فسيرى الله حسن تصرّفكم ويجزيكم الخير عليه، وستُنزلون عبئاً ثقيلاً من على أكتافنا لاستمرار الأحزاب اليسارية والنقابات العمالية بالتلويح أمام الحكومة بالملف السوري سلباً وانتقاداً. فعاد "ساذجُنا وجاهلنا" ناقلاً رسالة المُقرّب، فأتاه ردٌ استهزائي بامتياز تمحور حول ضحالة معرفته بالألاعيب والمماحكات. وقيل له إنك لا تفهم، ومن الأفضل لك أن تحصر اهتماماتك بكتبك المستعصية على الفهم، ونظرياتك في العلاقات الدولية ومصالح الدول.

أساءت "النخبة" السياسية السورية قراءة المشهد التركي الداخلي والإقليمي، بتعقيداته المتراكمة وبأبعاده المترامية. كما ارتمى أصحاب الأيديولوجيات المغلقة في حضن الأوهام، ونسجوا

"أساءت "النخبة" السياسية السورية قراءة المشهد التركي الداخلي والإقليمي بتعقيداته" الأحلام البعيدة عن الواقع والمنطق. ومن المُقلق أن يعمد هؤلاء أنفسهم إلى عكس مواقفهم نتيجة التحوّل الجزئي حالياً، والمنظور له بأن يكون أكثر وضوحاً في القريب، للسياسة التركية الإقليمية من حيث تحالفاتها المستعادة مع روسيا وإسرائيل وتوجهها شرقاً، إثر الإجحاف الغربي بخصوصها في إدارة الملف السوري، كما في ملف الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. أضحى الموضوع الأمني الشغل الشاغل، كما التنمية الاقتصادية بعد انحدار خطير في مؤشراتها. وما السبيل الى تحقيق ذلك، في ظل الإهمال الغربي، إلا في العودة الحذرة إلى أحضان الدب الروسي والتوجه شرقاً، مروراً بإيران، على الأقل مرحلياً، ريثما يصحو الغرب، ويعود عن ابتعاده الحذر عن أهم حلفائه الاستراتيجيين تاريخياً في المنطقة.

الصديق التركي المُقرّب، وفي إجابة على تساؤلي عن "سر" الانعطاف الذي برز، بداية في تصريحات رئيس الوزراء، على الرغم من تصحيحه، وتأكد أكثر إبّان زيارة بوتين إسطنبول منذ أيام، قال مستغرباً: "هل تعرف طريقاً مستقيمة إلى ما لا نهاية؟ هل لديك شهادة سياقة؟ هل لديك سيارة؟ الطريق، يا عزيزي، في مرحلةٍ فيها منعطفاتٌ متنوعة. كما وأن فيها إمكانية للعودة إلى نقطة الانطلاق. في الطرق المحلية، هذه العودة سهلة، على الرغم من خطورتها. يكفي أن تقف قليلا على اليمين، بانتظار فراغ المسرب، لتلتف راجعاً من حيث أتيت. أما في الطرق السريعة، فلديك تحويلاتٌ مدروسةٌ، يمكنك من خلال سلوكها أن تلتف إلى الوراء. ولكن، من خلال مسارٍ طويل يجتاز الطريق من الأعلى باتجاهيه، ويعود بك إلى طريق العودة أو الرجوع أو التراجع. أنصحك، يا صديقي، أن تجدّد شهادتك، وأن تعمد إلى التعوّد على السياقة من جديد".

لا يجدي انتقاد التحوّل التركي المرحلي، إلا على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي، لتفريغ شحنات الإحباط. في المقابل، على "خاصتنا أن يعلموا عامتنا" بأن ما حكّ جلدك مثل ظفرك، وانتظار الفرج من الآخرين ليس إلا إمعاناً في الضعف. وبعيداً عن نظريات المؤامرة والتآمر، تبقى تركيا جاراً مهماً لسورية، ولها مصالح متشابكة مع مختلف المكوّنات السورية، تصل في بعض أنواعها إلى العداء والمواجهة. وتُشكّل القضية الكردية التركية، بأبعادها السورية، أولوية لن يتم تجاوزها قبل حل القضية تركياً بشكل سلمي وعادل، ما سينعكس على الذراع السوري لحزب العمال الكردي، ويجعله إما جزءاً من الحل التركي الكردي، أو فاعلاً في إطار المشروع السوري الوطني، القائم على جميع المكونات وحقوقها المشروعة.

بعد انكشاف جزء من الأوراق، فلا المديح الأعمى أو الانتقاد الأعشى لسياسات أردوغان ينفع في المشهد السوري. وكان محقّاً من قال يوماً للمعارضة السورية: لا تضعوا بيضكم في سلة واحدة خشية الوقوع والانكسار. .. هل من استمع إليه؟

========================

أحاديث مملة .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاحد 16/10/2016

بصراحة، ملّ السوريون كلمات التعاطف الإنشائية معهم التي تصدر عن أميركا: القوة التي تستطيع وقف العدوان المتعدد الجنسيات عليهم، لكنها تحجم عن ذلك، وتستمتع بمتابعة مآساتهم. كما ملّ السوريون عواطف الأمم المتحدة: الجهة المؤثرة التي تعطل مدوّناتها القانونية، وتمتنع عن تفعيلها، والتي يمكن أن تحدث تبدلاً جدياً حيال القضية السورية، يطال مواقف دولٍ كثيرة، والرأي العام العالمي، أو تخلق بيئة سياسية/ إنسانية تنصفهم وتتفهم تطلعاتهم، وخصوصاً أنها تتفق أشد الاتفاق مع العهود والمواثيق الدولية المعتمدة من منظماتها الشرعية. لكن المؤسسة الدولية، المرجعية القيمة، اكتفت دوماً بالتعبير عن الأسف والحزن والقلق والرعب والاستنكار والاشمئزاز والقرف والألم، مما يستهدف السوريات والسوريين من أسلحة تفتك بمئات منهم يومياً.

ليس من اللائق أن نغلظ القول لرجل طيب غادر منصبه من يومين، هو بان كي مون، الأمين العام السابق للأمم المتحدة، الذي قيل يوماً إنه يتلقى راتباً ضخما (حوالي 45 ألف دولار) ليدير أسطوانة كلامية مملة عن حزنه واستنكاره المجزرة المنظمة التي تعصف بوجود شعٍبٍ اكتشف وزير دولة كبرى، أخيراً، أنه من صناع الحضارة البشرية، وليس داعشيا أو قاعدياً، ليستحق ما ينزل به من إبادة وتدمير.

قد يقول قائل: وماذا في وسع أمين عام الأمم المتحدة أن يفعل، إذا كان القرار الدولي ليس بيده؟ هذا القول صحيح في ما يتعلق بالقرارات الدولية التي تتخذها القوى الكبرى، لكنه ليس صحيحاً بالنسبة لطرق التأثيرعليها التي في حوزته، وللمداخل المتنوعة لتفعيلها حتى ضد هذه القوى، كأن يقرّر، مثلاً، زيارة منطقة داريا أمس، أو حلب أو دوما، أو أحد مخيمات اللاجئين في لبنان اليوم والأردن غدا، حيث تضفي زيارته طزاجةً إنسانيةً وفاعليةً سياسيةً حقيقية على كلماته، بعد أن أفرغها تكرارها البارد عن بعد من معناها، وجعلها تبدو كأنها صادرة عن شخص عاجز، تشبه مواقفه مواقف أي شخص "ينقّ"، لأنه عاطل عن العمل، أو لا يملك موارد يعيل أطفاله بواسطتها، لا خيار لديه غير البكاء والشكوى واستعطاف الآخرين. وفي حالتنا السورية، فشل بكاء بان كي مون على شعبنا في رد الأذى عنه، وعجز، في حالات داريا والمعضمية وحلب ودوما والزبداني ومضايا... إلخ، عن إيصال كيس طحين واحد إلى جياعٍ يواجهون الموت، فهل يجوز أن تفوت رؤية هذه القضية الخطيرة رجلا في موقعه، وأن لا تحرك لديه غير لسانه، بدل أن يراها انطلاقا من حسّه الإنساني الذي كان سيدفعه إلى تبني خياراتٍ يصعب على المجتمع الدولي رفضها أو التعامل معها بدم بارد، كأنها لا تعنيه.

لا بد من القول بصراحة للأمين العام الجديد، السيد المحترم جداً غويتريس، إنه من غير المقبول أن يتصرف، وهو مسؤول دولي يحتل أعلى موقع في تراتبية العالم السياسية، وكأنه بكّاء عاجز عن مد يد العون لمن يبكي عليهم، لأن سلوكه هذا سيضر بمؤسسته، وسيقدم انطباعاً سلبياً عنها يسيء إلى دورها في الأحداث الدولية، وإلى قيمتها بالنسبة للنظام الدولي والبشرية عموماً، فضلا عن أنه يخالف الأسس التي قامت عليها، وتلزمها بالعمل لوقف العدوان أسلوباً لحل المشكلات التي يواجهها العالم، وخصوصاً ذلك النمط من العدوان الذي يلحق ضرراً جسيما بالشعوب، كما هو العدوان الأسدي على الشعب السوري.

غادر بان كي مون موقعه قبل يومين. أليس من حقنا مطالبته بخطاب وداعيٍّ، يكشف فيه الاسباب التي حالت دون نجاح الأمم المتحدة في وقف مذابح النظام الأسدي ضد شعبٍ ينشد الحرية، وإزاحتها جانباً كي لا تقوم بواجبها في وقف أخطر كارثةٍ، وقعت خلال العقود السبعة الأخيرة؟. أرجو أن يلبي كي مون هذا المطلب المحقّ، لكي يترك بصمته على التاريخ، ولا يطويه النسيان؟

========================

أردوغان وبوتين: تدفئة على الغاز! .. صبحي حديدي

القدس العربي

الاحد 16/10/2016

كان في وسع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن يرسل وزيراً، أو رئيس الوزراء في أعلى تقدير، إلى مؤتمر الطاقة العالمي الذي احتضنته تركيا، في مدينة اسطنبول. ولو استقرّ على هذا الخيار، الذي لا يبدو خارجاً عن المألوف البروتوكولي في مؤتمرات مثل هذه، فإنّ معدّلات الدفء في العلاقات التركية  الروسية  التي دشنت انطلاقها زيارةُ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى سان بطرسبورغ، في آب (أغسطس) الماضي  كانت ستبقى على حالها، أو لا تتقدّم إلا وئيداً.

وأن يبدأ المرء، في تقييم محتوى زيارة بوتين التركية، من ملمح إنساني وشخصي بسيط، مثل لغة الجسد أثناء تواجد الرئيسين جنباً إلى جنب خلال افتتاح القمة وفي لقاءات ثنائية لاحقة، خلال المؤتمر الصحافي المشترك؛ فإنّ حرص بوتين على الحضور بنفسه حمل دلالات واضحة، حول عزم الكرملين على الذهاب أبعد في تدفئة العلاقات بين موسكو وأنقرة. ولِمَ لا يُعتمد مبدأ الدفء على الغاز، مثلاً؛ كأنْ يوقّع البلدان، بصفة نهائية، على اتفاقية أنبوب الغاز الروسي عبر تركيا، والذي لن يتيح لموسكو أن تصدّر الغاز إلى النمسا وإيطاليا وبلدان أخرى في أوروبا الغربية، فحسب؛ بل أن تحوّل التصدير إلى سلاح جيو  سياسي، إذا شاءت حجبه عن أوكرانيا، مثلاً، دون تعطيل الضخّ إلى زبائن آخرين.

وفي تاريخ العلاقات الدولية، ليس جديداً  ولن يتقادم، البتة!  ذلك المبدأ العتيق الذي يُعلي المصالح الاقتصادية، خاصة حين ترتدي صفة المصلحة القومية العليا، فوق كلّ اعتبار خلافي أو تنازعي؛ أو يجمّدها، في أقلّ تقدير، ريثما تُلبّى ضرورة الاقتصاد، أو تُترجم إلى اقتصاد سياسي كما يُقال. ولقد كان جلياً أن مجيء بوتين، بنفسه، إلى مؤتمر الطاقة العالمي كان يعني تفعيل ذلك المبدأ، وتطبيقه على المسائل الخلافية: تباعد الشقة في موقف موسكو وأنقرة من الملفّ السوري، عموماً، والقصف الروسي الذي يستهدف حلب على نحو وحشي غير مسبوق، أو المدّ والجزر في قراءة موسكو لعملية «درع الفرات» التركية في سوريا، وحصّة الأكراد في هذه القراءة؛ فضلاً عن عضوية تركيا في الحلف الأطلسي، وحساسية الوشائج التركية التاريخية مع الجمهوريات المسلمة داخل الاتحاد الروسي أو على تخومه.

وبعد أن انفضّ السامر، وعاد بوتين إلى موسكو؛ تماماً كما كانت عليه الحال قبل عودته، أثناء تواجده في اسطنبول؛ ظلّ الطيران الحربي الروسي يقصف حلب، بالوحشية ذاتها؛ وظلت عمليات «درع الفرات» قائمة، على قدم وساق؛ ولم يقصّر الرئيسان، أبداً، في التشديد على أنهما «أوليا وقتاً طويلاً للمشاكل الإقليمية»، حسب تعبير بوتين، وأنهما اتفقا على «وقف النزيف السوري»، رغم اختلافهما في كيفية بلوغ هذا الهدف… السامي والسلمي والنبيل!

وهكذا، فإنّ أعمال شقّ أنبوب الغاز لن تتأخر، ومثلها تصدير المنتوجات التركية إلى روسيا، وعودة السياحة الروسية إلى مواقعها الأثيرة على شواطئ البوسفور والمتوسط؛ دون أن يعني هذا، كله، أنّ موسكو دفنت نهائياً فأس البغضاء مع أنقرة (فهذه مسائل تاريخية وثقافية، لم تبدأ من إسقاط قاذفة ال«سوخوي» في تشرين الثاني (نوفمبر) 2015، ولن تنتهي مع لغة الجسد المسترخية لدى الرئيسين في اسطنبول)؛ ولا يعني، في المقابل، أنّ أنقرة مسحت من الذاكرة التركية سلسلة الحروب بين الإمبراطوريتين الروسية والعثمانية، التي امتدت على أربعة قرون، وشهدت ملاحم العزّة في الانتصار ومرارات المهانة في الانكسار.

هي دبلوماسية التدفئة، إذاً، بمدفأة تشتغل على الغاز، إذا جاز القول؛ حيث توضع ملفات الماضي الشائكة على رفّ مقتضيات الحاضر الملحّة، وحيث يُتاح للبلدين أن يغمزا من قناة الولايات المتحدة، وبعض دول الاتحاد الأوروبي أيضاً، وأن يوحيا بالخروج من العزلة إلى الفضاء الطلق.

========================

التنسيق الخليجي التركي: مفرق طريق في مستقبل المنطقة .. د. وائل مرزا

الشرق القطرية

الاحد 16/10/2016

"لو أدركت دول الخليج، ومعها تركيا، درجة الغيظ التي تسود في بعض دوائر صناعة القرار السياسي المعادية للعرب في واشنطن من اجتماعات التنسيق الخليجي التركي لربما تضاعف عدد هذه الاجتماعات". لخّصت العبارة المذكورة تعليقَ صديقٍ أمريكي يعمل في حقل مراكز الأبحاث، القريبة بدورها من أجواء صناعة القرار السياسي في العاصمة الأمريكية، على الاجتماع الوزاري المشترك الخامس للحوار الإستراتيجي بين دول مجلس التعاون وتركيا في الرياض الخميس الفائت.

"ثمة تفضيلٌ لسياسة التعامل مع كل دولةٍ على حدة"، تابع الصديق المخضرم قائلًا: "من السهل جدًا لمن يتحدث باسم أمريكا، أيًا كانت درجة مشاركته الفعلية في صناعة السياسة الخارجية المتعلقة بالشرق الأوسط، وتحديدًا البلاد العربية، الإيحاء بأن ثمة خصوصية للعلاقة مع هذه الدولة أو تلك حين تكون اللقاءات فردية مع ساسة المنطقة وقياداتها. إنه ببساطة المنطق المعروف منذ بدء الإنسانية: فَرِّق تَسُد"، يؤكد الرجل في تحليله للموضوع. مع التركيز على أنه "حين يتعلق الأمر بالسيناريوهات العديدة التي يتم تداولها فيما يخص مستقبل هذه البقعة من العالم، فإن التشاور الحقيقي والفعال بين قيادات الدول فيها يُصبح واحدًا من أكبر التحديات هنا. خاصةً إذا حصلت هذه الممارسة بين الدول القليلة التي لا تزال تملك إمكانات حقيقية للتأثير في وضع المنطقة، بعدما تم تحييد غالبية الدول الأخرى وعزلُها عن التدخل فيما يجري خارج حدودها"!

المؤكدُ أن الجهات ذات العلاقة في الخليج وتركيا ليست غافلةً عن هذه الحقيقة، لكن تأكيدها بهذه الصراحة من خبير متخصص يظل دافعًا لإعادة التفكير في دلالاتها الحساسة.

وفي معرض الاستفاضة عن مكمن "الغيظ" وسببه، يأتي الحديث عن "الواقعية السياسية" التي باتت تبدو في خلفية مثل هذه الاجتماعات. ففي حين أن مجرد حصول التنسيق والتشاور والتعاون يكفي وحده سببًا للغيظ المذكور، تزيد نسبتهُ حين يتبين من التحليل أن تركيا من جهة ودول الخليج من جهةٍ ثانية تمضي قدمًا في تفعيل التنسيق والتشاور بناءً على المصالح المشتركة، وعلى إدراكٍ متقدم لحقيقة استهدافها جميعًا، ثم على قناعةٍ منها بأن التنسيق والتشاور يعطيها معا أوراقًا إستراتيجية تتعلق بصناعة حاضر المنطقة ومستقبلها.

فمن مدخل الواقعية السياسية وإدراك المصالح المشتركة مثلًا، يبدو واضحًا تجاوزُ الهاجس المُبالغ فيه عن (تطلّع) تركيا للقيادة في المنطقة. ثمة مراجعاتٌ تركية في هذا الإطار تتعلق بدور بعض الجماعات والحركات الإسلامية خلال السنوات الماضية، خاصةً حين يتعلق الأمر بالمفارقة بين الشعارات من جهة، وتقويم درجة النضج السياسي والأداء المترتب عليه لدى تلك الجماعات من جهةٍ ثانية. بل إن ثمة مواقف صدرت من مسؤولين أتراك، منها ماهو علني، وأكثرُها هامس، تَطلب عبرها من الجماعات والحركات، وبعض رموزها، بألا تكون "ملكيةً أكثر من الملك" كما يقولون، حين يتعلق الأمر بتركيا ودورها في المنطقة، وألا يجري "تلبيسُها" بمواقع وأوصاف لا يفكر الأتراك في السياسة من منطِقها ولا بمُفرداتها.

من جهةٍ ثانية، تُسهِّلُ الواقعية السياسية التنسيق بين الطرفين عبر إدراك حتمية الاختلاف في وجهات النظر حول بعض القضايا الجزئية، مع الإقرار بأن مثل هذا الاختلاف لا يتضارب إطلاقًا مع ضرورة التعاون المشترك حين يتعلق الأمر بالقضايا (الوجودية) الكبرى.

من هنا، شمل البيان الختامي للاجتماعات توافقًا متقدمًا جدًا في مواقف الطرفين من قضايا المنطقة من العراق إلى ليبيا، ومن سوريا إلى اليمن. بل كان لافتًا مثلًا الاتفاق على إدانة محاولة الانقلاب الفاشل في تركيا ودعم إجراءات حكومتها ضد تنظيم "جولن"، وإدانة الاعتداء الإرهابي على السفينة الإماراتية في مضيق باب المندب والمطالبة بإعادة جزرها المغتصبة من إيران، مرورًا بتهنئة السعودية على نجاح موسم الحج ورفض تسييس الفريضة المتعلقة به، والدعوة لإطلاق المختطفين القطريين في العراق، وصولًا حتى إلى المطالبة بإعادة الأرشيف الوطني الكويتي من العراق، هذا فضلًا عن تسريع مباحثات إنشاء منطقة التجارة الحرة بين تركيا ودول الخليج.

وكان الموقف من إيران وسياساتها في المنطقة عنصرًا أساسيًا في التوافق الخليجي التركي، من باب الإدراك المشترك لحجم التهديد الذي تشكله تلك السياسات على المنطقة بشعوبها ودولها.

لاشك أن هناك رمزيةً سياسيةً عالية في مثل هذا التوافق الوارد في البيان الختامي. لكن التحدي الكبير أمام الطرفين يكمن في التنسيق العملي على أرض الواقع، خاصة في القضايا الحساسة والحاسمة كما هو الحال في سوريا. فالواقعية السياسية من جهة، والبحث عن الفعالية الحقيقية من جهةٍ ثانية، يقتضيان التركيز على ماهو أكثرُ تأثيرًا في القضايا الأخرى. وحين نجد أصابع إيران وراء غالبية القضايا المتفق عليها، ونعرف، بتصريحات قياداتها أن وجودها في سوريا هو محورُ سياساتها الإقليمية، يصبح طبيعيًا أن يكون التعامل معها هناك مدخلًا لتقليم أظافرها في باقي أرجاء المنطقة بالشكل المطلوب.

========================

عن أصدقاء شعبنا .. أكرم البني

الحياة

الاحد 16/10/2016

بديهي أن تنتشر اليوم عبارات الاستخفاف والتهكم المريرين بمواقف من يسمون أنفسهم أصدقاء الشعب السوري طرداً مع التفاقم المستمر لمأساة السوريين، ومع تكرار محطات التعاضد بين من يعتبرون أصدقاء النظام وآخرها إسقاط مشروع القرار الفرنسي حول الحرب الدائرة في مدينة حلب.

والحال، فإن أصدقاء النظام لم يترددوا أبداً، في استخدام الفيتو خمس مرات ضد مشاريع قرارات تطالب بتطويق العنف والقصف العشوائيين وإيصال المساعدات إلى المناطق المحاصرة، ولم يوفروا جهداً في تعطيل مختلف المبادرات السياسية لمعالجة احتدام الصراع وتفريغها من محتواها القائم على تغيير السلطة وإرساء مرحلة انتقالية تقوم على أسس ديموقراطية يحدوهم رهان على مزيد من التصعيد العسكري طلباً للحسم، في حين اكتفى أصدقاء الشعب السوري، بعقد مؤتمرات واجتماعات مخيبة للآمال، بدءاً من المؤتمر الأول في تونس عام 2012 حتى الاجتماع الأخير الذي عقد أخيراً في لندن، من دون أن يكلوا من تقديم مشاريع إلى مجلس الأمن للجم التمادي في العنف والتدمير، هي أشبه برفع العتب، ما داموا يعرفون مسبقاً أنها ستصطدم بالفيتو، وما داموا يجاهرون اليوم باحترام القرارات الأممية حتى لو أخلت بدورها البسيط في حفظ أرواح المدنيين وحمايتهم، مع أنهم لم يتوانوا عن التحرر من التزامات المجتمع الدولي حين تعارضت مع مصالحهم وسبل تعزيز نفوذهم في بعض بؤر التوتر العالمي.

لقد قرن أصدقاء النظام أقوالهم بأفعال وكانوا جادين في تقديم كل أسباب الدعم والمساندة، السياسية والعسكرية والمالية، لاستمراره، بينما ترك أصدقاء الشعب السوري صديقهم المنكوب وحيداً في الميدان، يتعرض من أطراف متعددة لمختلف أساليب الفتك والتنكيل، ولا يغير هذه الحقيقة تشديد هجومهم على السياستين الروسية والإيرانية الداعمة النظام، ولا مطالبة هذا الأخير بالرحيل، ولا تشديد العقوبات ضد بعض الشخصيات الحاكمة، ولا التهديدات الخلبية باللجوء إلى الخيار العسكري أو إلى خطط بديلة لا تزال طي الأدراج، بينما الثابت هو المزيد من السخاء في تدبيج عبارات الاستنكار المنددة بالقمع والعنف، ورفع الصوت عالياً، وبمختلف اللغات، للتعبير عن القلق والأسف لما يحصل من ضحايا وخراب وتشريد!

وبينما يقبل أصدقاء النظام السوري به على علاته، يدافعون عنه ويرفضون ما يكال له من اتهامات، ويتناوبون على تغطية كل ما يحصل على أنه مواجهة مشروعة ضد قوى إرهابية تهدد الاستقرار والسلم العالميين، لم يتردد أصدقاء الشعب السوري في نقد المعارضة السياسية جهاراً ونهاراً، وإلقاء اللوم على تفككها وتشتت مواقفها السياسية لتبرير انكفائهم وسلبيتهم، وأحياناً الادعاء بأنها ليست أهلاً للثقة في تشكيل بديل يقود سورية في المرحلة الانتقالية، وحين استجابت غالبية الطيف المعارض لأصدقائها الغربيين وجددت أطرها التنظيمية وووحدت قواها وخطابها، لم تقبض إلا الريح، فكيف الحال حين يمنح الأصدقاء الأولوية لمواجهة خطر صعود قوى إسلاموية تهدد استقرار المنطقة وحقوق الأقليات، ويغفلون حقيقة أن استمرار تلكؤهم وسلبيتهم تجاه تصاعد العنف، كان أحد العناصر التي أضعفت المعارضة السياسية ومكنت التنظيمات الجهادية من النمو واستجرار مختلف أنواع المتطرفين إلى سورية بصفتها الساحة والفرصة التي لا تعوض لوضع برنامجها الإسلاموي موضع التنفيذ، زاد الأمر سوءاً استبعاد المعارضة ذاتها من تشكيل التحالف الدولي المناهض لتنظيم «داعش».

«الصديق وقت الضيق» هو أشهر الأمثال الشعبية التي تؤكد معنى الصداقة وضرورتها في المصاعب والمحن، فهل ثمة معاناة أشد اليوم مما يعانيه الشعب السوري المنكوب كي تتحرك جهود أصدقائه والإرادة الدولية لوقف مشاهد الخراب المروعة ونزيف الدم المستمر؟! وهل من لحظة تلح فيها حاجته للدعم والمساندة أكثر من اللحظة الراهنة؟!

فأية صداقة هذه، حين يستمر هذا الصمت العالمي المريب، شعبياً ورسمياً، تجاه فتك وتنكيل يتعرض لهما الشعب السوري ولا يعرفان حدوداً؟ وأي أصدقاء هؤلاء، الذين يتركون صديقهم يذهب لمصير مرعب ولا يكترثون لما يحصل له من فظائع وأهوال، كأنهم بشعوبهم وحكوماتهم يتفرجون على تصاعد العنف اليومي، من دون أن يتحركوا لمنعه، أو على الأقل للتخفيف منه؟! والأنكى حين يعلنون خطوطاً حمراً ويحذرون النظام وحلفاءه من تجاوزها، ثم يتناسونها بعد حين، لتذهب أدراج الرياح. فماذا جنى السوريون من خطوط أوباما الحمر، إن استخدمت أسلحة محرمة أو تكررت المجازر، ومثلها خطوط أردوغان، إن تجاوز عدد اللاجئين السوريين في تركيا عتبة المئتي ألف، وإن تكررت أحداث مدينة حماة؟

ثم ماذا تعني الصداقة حين تتأفف بعض الحكومات من زيادة أعداد اللاجئين على أراضيها مستسهلة معاملتهم معاملة لا تليق بالبشر، أو حين يغدو المواطن السوري غير مرغوب فيه في مجتمعات «أصدقائه» وتحاصره عيون المواطنين هناك بالشك والارتياب. والمؤسف أن لغة الأرقام تتحدث عن أعداد لا تتجاوز الآلاف المحدودة من اللاجئين، إذا استثنينا ألمانيا، تم قبولهم في أهم دول أصدقاء الشعب السوري، وأقلهم عدداً في الولايات المتحدة الأميركية!

خمس سنوات ونصف من انطلاق الثورة ليست فترة قصيرة لاختبار صدقية من يسمون أنفسهم أصدقاء الشعب السوري وجديتهم، وللتأكد من عجزهم وتقصيرهم عن لعب دورهم الأممي والإنساني البسيط في حماية أرواح المدنيين، خمس سنوات ولا يزال أصدقاء الشعب السوري يحاولون، ربما إقناع أنفسهم قبل إقناع الآخرين، بأنهم على كثرتهم وما يملكونه من نفوذ لا يستطيعون محاصرة منطق القوة والغلبة ومواقف حلفاء النظام وفرض حل ينهي العنف ويكرس المعالجة السياسية!

والحديث ليس دعوة إلى المقارعة والتصعيد، بل تذكير بالواجب الأممي لمحاصرة الصراع وإخماده، وتسخير ما راكمته شدة المحنة السورية من ضغط أخلاقي لعزل المستهترين بالمعايير الإنسانية في معالجة بؤر التوتر، يحدوه رهان بأن لا يفضي خضوع النخب السياسة للمصالح الأنانية والباردة إلى موت الضمائر والدوافع الأخلاقية تجاه مأساة بحجم المأساة السورية!

========================

سوريا وامتحان مجلس الأمن .. رياض نعسان أغا

الاتحاد

السبت 15/10/2016

هل أصبح «الفيتو» في مجلس الأمن عائقاً حقيقياً أمام البشرية لإيقاف شلال الدم المتدفق منذ أكثر من خمس سنين في سوريا والعالم يتفرج على هدم مدن كبرى كانت مؤسسة في الحضارة الإنسانية مثل حمص وحلب؟ وهل يقبل العالم كله أن يكون مصير مئات الآلاف من المدنيين السوريين مبرماً؟ وموسكو اليوم تصعّد قصفها على حلب وإدلب والغوطة، كأنها تعلن التحدي أمام كل مَن صوّتوا للقرار الفرنسي الذي أصرت موسكو على إسقاطه؟

لقد بدا مجلس الأمن في جلسة التصويت على القرارين الفرنسي والروسي يخوض امتحانه الأصعب، وقد سقطت خياراته الإنسانية أمام حق «الفيتو» الذي بات نوعاً من التسلط المشروع على حقوق الشعوب، وانحيازاً مطلقاً إلى منطق القوة أمام منطق الحق، ولعل دول العالم كله بدأت تضيق أخلاقياً بهذا «الفيتو» الذي منح حق الاعتراض والإجهاض لأي قرار تعترض عليه إحدى الدول الخمس التي شرعت لنفسها حق قيادة العالم بعد الحرب العالمية الثانية! وكان هذا التشريع حلاً لتداعيات تلك الحرب وترضية لكل الأطراف، ولكن المتغيرات الدولية الكبرى خلال سبعين عاماً تقضي بأن يعيد العالم تشكيل مجلس الأمن وضم دول أصبحت كبرى وذات قوة تؤهلها للمشاركة الدائمة في عضوية المجلس مثل ألمانيا واليابان والبرازيل والأرجنتين والهند وباكستان، وأن تكون للجامعة العربية عضوية دائمة لكونها تمثل مساحة كبرى في قلب العالم. وقد انتقدت دول كثيرة في العالم بِنْية مجلس الأمن، وكانت أولاها السعودية التي رفضت قبل أعوام عضوية المجلس الدورية، وحتى فرنسا انتقدت ما يسمى حق «الفيتو»، وقد استخدمت الولايات المتحدة حق الاعتراض «الفيتو» أكثر من 80 مرة، واستخدمته روسيا نحو 140 مرة، واعترضت الولايات المتحدة على 33 قراراً لمصلحة القضية الفلسطينية! ومنذ بداية القضية السورية اعترض المندوب الروسي على كل القرارات التي حاولت فيها الأمم المتحدة وقف القتال في سوريا، وكان أول «فيتو» لروسيا عام 2011 حين اعترضت على مشروع قرار يعاقب النظام! وفي عام 2012 عطلت روسيا مشروع قرار يحمّل رأس النظام السوري مسؤولية إراقة الدماء، وفي عام 2012 أيضاً اعترضت على قرار عقوبات على النظام السوري لأنه لم يتوقف عن قتل شعبه. وفي عام 2014 عطلت مشروع قرار بإحالة الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية لمحاكمته بارتكاب جرائم حرب. ومؤخراً في 8/10/2016 عطل «الفيتو» الروسي مشروع القرار الفرنسي الإسباني الذي يطالب بوقف إطلاق النار، وقد صوّت 11 بلداً لمصلحة القرار وامتنعت الصين عن التصويت.

وكانت روسيا قد حمت النظام السوري من المحاسبة يوم استخدامه الكيماوي، ثم دخلت قبل عام بقوى عسكرية ضخمة لتقاتل بشكل مباشر، ثم استصدرت قراراً من مجلس «الدوما» بشأن ديمومة بقائها العسكري في سوريا. وصارت سوريا ملحقة بموسكو، ومنحت إيران حق المشاركة، وأفسحت المجال للتنظيمات الإرهابية التي تفوق «داعش» في عدد الجرائم التي ارتكبتها، وفي عدد ضحاياها مثل «حزب الله» والميليشيات الطائفية العراقية والأفغانية والمرتزقة كي تشارك في قتل السوريين، وتغزو الشعب مذهبياً. ومع إصرار روسيا على استخدام القوة وحدها وتعطيلها القرار الدولي 2254 الذي وافقت عليه مضمرةً أن تفسره على طريقتها، توقفت مسيرة الحل السياسي، لتُبقي أحد خيارين أمام الشعب السوري، إما الاستسلام، وإما الموت! وهي حين تسمح للمقاتلين وللسكان المدنيين بالخروج الآمن إلى إدلب التي يتم تجميع المعارضة المسلحة فيها، فإنها تخطط لتضييق مساحة الحضور العسكري على المعارضة المسلحة بحيث يسهل عليها حصارها وإبادتها بعد أن تنتهي من حلب، ويبدو أنها لا تستهدف مناطق «داعش» لأن أعداء «داعش» منذ تأسيسها هم الجيش الحر والمعارضة المعتدلة.

ونحن في هيئة المفاوضات السورية على رغم حالة التعثر الراهن نشعر أن جلسة مجلس الأمن كانت امتحاناً آخر لصالحنا، فقد عبّر فيه أصدقاؤنا عن وفائهم للقضية السورية، وفضلاً عن مواقف الدول العربية المعلنة إلى جانب الشعب السوري مثل السعودية والإمارات وقطر والأردن وسواها من الدول الشقيقة ومواقف تركيا وألمانيا نثمّن موقف فرنسا، وتقدُّم الموقف الإسباني، والدور البارز الذي تؤديه بريطانيا في الحكومة الجديدة، وننظر بارتياح إلى تطور موقف الصين التي امتنعت عن التصويت، وهي خطوة نقدرها للخارجية الصينية ونرجو أن تراجع رؤيتها للقضية، وأن تكون نصيراً للشعب السوري في محنته، مثلما نرجو أن تراجع الولايات المتحدة مكانتها الدولية التي تنتهكها روسيا. ونجد أن العالم كله مطالَب اليوم بأن لا يستسلم للسقوط في امتحان «الفيتو» في مجلس الأمن، وقد آن له أن يعتمد مبدأ الديموقراطية التي تتغنى بها الدول الكبرى، بينما يستمر العمل في مجلس الأمن بديكتاتورية «الفيتو».

========================

فيتو العار الروسي .. بشير البكر

العربي الجديد

السبت 15/10/2016

صورة المندوب الروسي في مجلس الأمن الدولي، فيتالي تشوركين، وهو يرفع يده بإشارة فيتو ضد مشروع القرار الفرنسي الإسباني بخصوص معاناة حلب، لن ينساها السوريون، ومهما طال الزمن، وتغيّرت الأحوال، فإنها لن تسقط بالتقادم، بل ستبقى محفورةً في الذاكرة، شاهدا على إمعان الروس في قتل السوريين مع سبق الإصرار.

حسب الحسابات كافة، لا يوجد أي سبب يدفع الروس إلى اتخاذ هذا الموقف ضد شعبٍ أعزل محاصر، يعاني الموت جوعاً ومرضاً، لا يجد الماء ولا الدواء، وهناك 100 ألف طفل بلا حليب منذ عدة أشهر، حسب تقارير الأمم المتحدة التي أكدت أن من سوف يبقى من هؤلاء على قيد الحياة سيكون في وضعٍ صحيٍّ هش، وعرضةً دائمةً للأمراض.

يتحجّج الروس بأن الفيتو الخامس الذي اتخذوه، ليل السبت الماضي، ضد مشروع القرار الفرنسي الإسباني، هو من أجل محاربة الإرهاب. ولنفترض أن هذه الحجة صحيحة، فهل يبيحون لأنفسهم قتل 300 ألف مواطن في حلب، وتدمير المدينة من أجل معاقبة 900 من جبهة النصرة، حسب الأرقام التي أوردها مبعوث الأمم المتحدة ستيفان دي ميستورا؟. إذا كانت دولةٌ عظمى تمتلك حق الفيتو، مثل روسيا، تعطي نفسها حقّ التصرف على هذا النحو البلطجي، فهل يستقيم القانون الدولي، ويسري على الجميع، أم أنها ترتكب سوابق خطيرة، عن سابق تصميم، تجعل من المرجعيات الدولية لعبةً بيد من يمتلك القوة؟ وبالتالي، لا أهمية لأي قانون أو عدالة دولية، ولا مكان لأي أخلاق في حسابات البشر، ولا حاجة للأمم المتحدة، طالما أن قوة مارقة وضعت نفسها فوق كل مقياسٍ ومرجعيةٍ وحساب.

يقدّم الروس في سورية نموذجاً غير مسبوق على عدة مستويات، خصوصا في العنف الذي أوصلوه إلى مصاف من الوحشية، يتفوق على جرائم "داعش". ويكشف منهج القتل والتدمير الاستعراضي في حلب عن عقليةٍ اجراميةٍ يقف العالم حيالها مصدوماً، حتى أنه يجد مقارنتها بالنازية أمراً لا يشفي الغليل، وقد أصبحت هذه القضية، منذ عدة أسابيع، الشاغل الأول للصحافة والمنظمات الإنسانية العالمية، فالمقارنة بين حلب وغروزني صارت منتشرةً على نطاق واسع، ونشرت الصحف العالمية بورتريهات لرئيس الأركان الروسي، فاليري غيراسيموف، الذي يطبق في حلب منهجه الذي استخدمه في غروزني، حين كان قائداً للحملة الروسية لإخضاع المدينة الشيشانية، وهو منهجٌ يقوم ببساطة على إلحاق أكبر قدر من الدمار بالمدينة، وضرب البنى التحتية، واعتبار كل ما يتحرّك على الأرض هدفاً عسكرياً، ووصفته صحيفة الفيغارو ب"البارع في أساليب القتل البدائية".

وتقود أسلحة القتل البدائية إلى مسألة أخرى، لا تقلّ فداحةً من القتل، وهي احتقار الروس الشعب السوري، من خلال العمل على إعادة تمكين بشار الأسد وعصابته من حكم سورية، بعد أن كان قد أصبح خارج الحساب منذ عام على الأقل، وبدلاً من أن يُساق هؤلاء إلى محاكم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، تقوم روسيا بإعادة تعويمهم، وكأن شيئاً لم يحصل، غير عابئةٍ بأرواح قرابة 600 ألف قتيل ومليوني معاق وعشرة ملايين نازح ومهجّر. لا يمكن وصف ذلك بأقل من مشاركة للنظام في الجريمة. ولذا بات السوريون يضعون فلاديمير بوتين بمصاف الأسد، ويتعاملون مع روسيا قوة احتلالٍ بدأت، في الأسبوعين الأخيرين، بتعزيز وجودها العسكري باتفاقاتٍ، وبناء قواعد بحرية وجوية، لتستمر إلى أمد طويل.

اللافت أنه ليس جهاز بوتين السياسي والعسكري وحده من يبدو مصمماً على قتل السوريين حتى النهاية، بل تقف إلى جانبه ترسانة من المحللين السياسيين الروس على الفضائيات العربية، أغلبهم ضباطٌ سابقون في جهاز كي جي بي، إلى حد أننا نجد أنفسنا أمام نسخةٍ جديدةٍ من الاتحاد السوفييتي السابق الذي كان حليفاً للأنظمة الاستبدادية في العالم.

========================

إلى أهل حلب الأبطال : أنتم على ثغر .. وأنتم في رباط .. وأنتم تغترفون من فضل الله فاصبروا ... وصابروا .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

19/10/2016

الأهل .. الأخوة والأخوات .. الأبناء والبنات ...

في حلب الصمود والشموخ وعلى كل الأرض السورية

يعرض عليكم ، عدوكم هذه الساعات ، خطة خسف ، ومؤامرة مجدولة من خديعة ومكر ، ظاهرها فيه الذلة والخسف وإعطاء الدنية في الدين وفي الكرامة، وباطنها فيه التهجير واغتصاب الديار ، والتمكن من رقاب من بقي على أرضكم من أخيار وأحرار .

يعرض عليكم ، القتلة والمجرمون وعملاؤهم من أولياء الشيطان ، عرضهم في ساعة عسرة ، بعد أن جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم، وخذلكم فيها من أملتم نصره ، وظننتم بره ؛ وانتظرتم رفده ، ليستردكم مولاكم إليه ، لكي لا يكون تكلانكم واعتمادكم إلا عليه ، ولكي لا تكون ثقتكم إلا به . أحبكم فاصطفاكم ، وأحب أن يستخلصكم ويقتينكم فاتخذ منكم شهداء ، ومحص من بقي منكم للأبقى والأجمل وللتي لا عين رأيت ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ...

الأهل الأبطال ..الأخوة والأخوات .. الأبناء والبنات ...

والنداء موصول من الشهباء الصامدة التي تحاصر الجبابرة والطغاة والخاذلين والمتخاذلين والمفرطين والمتشاغلين إلى كل مواقع الملاحم على أرض الشام الحبيب ، في الغوطة وبلداتها ن وحمص وأحيائها ، وإدلب وحواضرها ، والرقة المثخنة ، ودير الزور الجريح ، والحسكة وأخواتها ثم إلى كل حي وقرية وبلدة ومدينة سورية أصبحت تطاول في بهائها وجمالها أكبر وأغنى عواصم العالم زينة منخورة وترفا كاذبا ؛ إن خطط الخسف التي تعرض علينا ، تحت عناوين ( الهدن ) و ( المصالحات ) و ( الخروج المؤقت ) سيكون لها ما بعدها في تاريخ أمة الإسلام ، وتاريخ الإنسان ، وتاريخ الأوطان ؛ فثبت الله رجلا واسى بنفسه ، ونذر وجوده تحت قول أبيه إبراهيم عليه السلام (( قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ )) فانذروا لله أنفسا تعتصم بحبله ، وتأبى النزول على حكم عدوه ، واحتسبوا عند الله في صمودكم أهلا وأطفالا وديارا ، قد تخلى عنها ، وخذلها كل من هو دون الله على هذه الأرض . تحصنوا بقوله تعالى (( فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ))

أيها الأهل والأحبة والأخوة والأخوات والأبناء والبنات ...

إن المؤامرة التي تحيط بنا ، بإيماننا ، وإسلامنا ، وعقيدتنا ، وشعبنا ، وحاضرنا ، ومستقبلنا ؛ أكبر من أن تختصرها بها أسطر في نداء ، وهي على ذلك تبدو كالحة مكشوفة بينة ، لا يماري فيها إلا من في بصره زيغ ، وفي قلبه ريبة ، وقد اختاركم الله في مواقعكم ، لتكونوا على ثغرة ، فأروا الله من أنفسكم خيرا . جالدوا دون ( بيضة الدين والإسلام والحسب ) . لقنوا عدوكم دروس الصبر والثبات . فأنتم والله أمام إحدى الحسنين ، ما كَذبنا ولا كُذبنا ، وإن تتولوا جعلكم الله فوق الذين تولوا وأدبروا وترددوا، (( وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ )) . (( وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّه كِتَابًا مُّؤَجَّلاً وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ )) .

أيها الأهل والأحبة والأخوة والأخوات والأبناء والبنات ..

من جرب المجرب حلت به الندامة . احذروا إغراءات السمسار والنخاس ، احذروا ألسنة أحلى من العسل وقلوبا مثل قلوب الذئاب ، والله ما يقال لكم إلا كما قيل لإخوانكم في فلسطين من قبلكم ( أيام وتعودون ) .

لا يخادعكم أحد اليوم عن عدوكم . القاتل المجرم بشار الأسد وزبانيته وفصيله عدو مبين لليوم والغد وإلى يوم الدين . القاتل المجرم بوتين وحكومته عدو مبين لليوم والغد وإلى يوم الدين . القاتل المجرم علي خمنئي وأشياعه وأتباعه عدو مبين لليوم والغد وإلى يوم الدين ، ثم لا تعتقدون أنّ لكم على هذه الأرض من دون الله وليا ولا نصيرا ، فقد تساقطت الدعاوى ، وقامت على الأدعياء حجة الله البالغة ، وأسفر الصبح لذي عينين . ولم يعد لمتعلل علة ، ولا لمتذرع ذريعة ...

أيها الأهل والأحبة والأخوة والأخوات والأبناء والبنات ..

وربما تلقي شياطين الإنس والجن على في العقول والقلوب تعليقا على هذا النداء كلمات ممزوجة بالتثبيط والتخذيل والتزيين والتعيير ؛ وإنما تُدعون – أيها الصامدون الصابرون - إلى الأجمل والأكمل والأتم والأحسن والأرضى لله ولرسوله ولصالح المؤمنين . وكل ميسر لما خلق له . ومن حضر المصافّ فقد تعين . لا والله لا نعتذر للمثّاقلين والمبطئين والمعوقين والمصادرين على الراغبين في سبيل الله سبيلهم ، والصادين عن سبيل الله ، وإنما لا نملك إلا أن نقول فيهم ، والله مطلع على ما في العقول والقلوب: حسبنا الله ونعم الوكيل ...

أيها الأهل والأحبة والأخوة والأخوات والأبناء والبنات ..

أيها المسلم في كل بقعة على ثرى الشام الطهور ، يا ابن الشهباء ..يا ابن الفيحاء يا ابن حمص وحماة وإدلب واللاذقية ودير الزور والرقة والحسكة وحوران كل شيء اليوم أمام أعيننا مفضوح مكشوف .آن لك أن تعلم أنك أنت دينك وعرضك ونفسك ومالك المقصود من هذه الحرب الملعونة التي يشنها عليك المعتدون ...

أيها المسلم في كل بقعة على ثرى الشام الطهور .. آن لك أن تعلم أن مخططهم فيك كما كان مخطط أهل الشرك في قائدنا رسول الله من قبل : أن يثبتوه سجنا واعتقالا ، أو يقتلوه ، أو يخرجوه ..يخرجوك من ديارك ليحلوا محلك فيها ، فلا تمكنهم – أيها المسلم - مما يريدون . وليكن كل حي وقرية في شامنا الكبير بالنسبة لأهله منا حمى مقدسا ، لا يمكن التنازل عنه ، ولا المبادلة عليه ..يفدى بالأرواح والمهج ..

أيها المسلم في كل بقعة على ثرى الشام الطهور ...وهذا الرافضي اللعين ينصّب من بلاد بعيدة ليفتننا عن ديننا ، وينتهك حرماتنا ، ويقتل أطفالنا وينازعنا أرضنا ، ويسلبنا ، ديارنا ، ، فيقتل ويُقتل ولا يبالي !!! فلا يكن صعلوكهم على باطلهم وخزيهم وعارهم أجرأ منا وأصبر منا ، مع حقنا وشرف مقصدنا ، واسبقيتنا إلى كرامة ربنا ..

يا ابن الشهباء اليوم يومك ..

فاثبت فديتك لا تقامر ..فاثبت فديتك لا تراهن ..فاثبت فديتك لا تغادر ..

(( تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ))

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

================================

لماذا تعثّر البديل السوري أميركياً؟ .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 15/10/2016

لم يتعثّر البديل السوري روسياً وحسب، بل تعثر أميركياً أيضاً. وعلى الرغم مما كانت أميركا قد تعهدت به من جعل حقوق الإنسان أحد البنود التي ستلزم سياستها الخارجية بها، فإنها اتخذت، منذ البداية، موقفاً متوجّساً من الثورة، على الرغم من أنها التزمت ببناء دولةٍ ديمقراطيةٍ، لمجتمعٍ ذي سويةٍ ديناميةٍ وثقافيةٍ حديثة، لأن قيام دولةٍ كهذه يهدّد إسرائيل التي تحتل أراضي سورية، وتفتقر إلى قدراتٍ مماثلةٍ لقدرات الشعب السوري، وستواجه مصاعب جدية، بمجرّد أن يفعل النظام الديمقراطي العتيد ديناميته التي عطلها الاستبداد، فإن أصابت عدوى الديمقراطية العالم العربي، صار الخطر على إسرائيل وجودياً، ووقعت في ورطةٍ ستلزمها بتغيير حساباتها تجاه العرب، وستغيّر حسابات العالم تجاهها، وهي التي لم تتخلص إطلاقاً من مشكلاتها الوجودية مع الفلسطينيين، فإنْ نال هؤلاء استقلالهم، وأقاموا دولتهم الحرّة والسيدة، في حاضنةٍ عربيةٍ ديمقراطية وحديثة، تعرّضت لتحدياتٍ ستجهض مشروعها التوسعي/ الاستيطاني، وتضعف مجتمعها الهش الاندماج، ولن يبقى لها من خيار غير العيش، بدلالة الظرف العربي الجديد، والإقلاع عن فرض إرادتها على جيرانها، وإرغامهم على العيش تحت سطوة قوتها التي سجنتهم، مذ تأسّس كيانها في قلب منطقتهم، داخل مأزق تاريخي، عزّزه تأخرهم، وتخلف نظمهم الأيديولوجية والسياسية التي ستحرّرهم ثورة الحرية منها، وستقلب صفحتها، وتفتح صفحة جديدة يبدأ معها تاريخ عربي/ إنساني جديد.

في حساباتها الواقعية، بنت واشنطن مواقفها على المفردات التي اعتمدتها موسكو، وتتلخص في رؤية الحدث السوري، على ضوء المصالح الخارجية والعلاقات والتوازنات الدولية، والامتناع عن تحديد موقفها منه، انطلاقا من مطالبه وأهدافه السورية، وإن كانت تشبه، في شكلها ومضمونها، ما هو قائم من أوضاع ومعتمد من قيم في بلدان الغرب. يفسر هذا التشابه بين سياستي الدولتين لغة النفاق التي اعتمدتها إدارة أوباما تجاه الثورة، لإيهام السوريين بأنها ملتزمة باحترام حقوق الإنسان معياراً لسياستها الخارجية، وعازمة على التقيد بها في الحال السورية أيضاً، بينما ركّزت خططها الحقيقية على إيجاد بيئةٍ، تسمح بتفكيك سورية وإعادة تركيبها، في سياق تفكيك دول المنطقة الأخرى وإعادة تركيبها الذي كانت كوندوليزا رايس، وزيرة خارجيتها الأسبق، قد بشّرت بها، ودشّنتها في العراق، خطوةً أولى تحقّق ما سمته "الفوضى الخلاقة": الوسيلة التي ستحول دون بقاء الأمور على حالها الراهنة، ودون قيام نظام ديمقراطي ترفضه أو إسلامي، لأن إسرائيل ترفضهما وتؤيد، في الوقت نفسه، إطالة أمد الفوضى، أقله إلى أن يكمل الأسد تدمير آخر معقل لمقاومتها: مجتمع ودولة سورية.

"تعتبر واشنطن وجود المعارضة السورية المعتدلة ضامناً لتوازن القوى بين النظام والثورة، وبينها وبين الطرف الروسي، وتضع كسره تحت بند المحظورات"

على العكس من موسكو التي تخاف على النظام السوري، استخدمت واشنطن الحرب التي يشنها ضد شعب"ه"، لتحقق أهدافاً استراتيجية لها ولإسرائيل، أهمها انتزاع السلاح الكيماوي من النظام الأسدي مقابل الإبقاء عليه، ووقف البرنامج النووي الإيراني مقابل إدراج الملالي في سياقات استراتيجية جديدة، عابرة للحدود، فيها وظيفةٌ إنقاذية وجديدة لنظامهم. بما أن بلوغ هذين الهدفين كان مستحيلاً، من دون حربٍ ضارية وطويلة، فقد جعلت من جرّ البلدين إليها، وإطالة أمدها، هدفين متلازمين، حرصت على تحقيقهما بواسطة تدخلات يومية، حافظت على قدرٍ من التوازن بين النظام والمعارضة، حال دون انتصار أو هزيمة أي منهما، ومن دون وقفها، وفي الوقت نفسه، خروج أي متدخل أجنبي منها، بما أنها أزمة يتوقف النجاح في إدارتها على التحكّم بقواها، وعلى حسن إدارتها.

ثمّة معيار آخر حكم الموقف الاستراتيجي الأميركي من المسألة السورية، هو الحرب ضد الإرهاب الذي زاد من انعدام ثقة أميركا بالثورة وفرص نجاحها، وامتناعها عن إسقاط النظام قبل توفر شرطين، التقت واشنطن مع موسكو فيهما، هما: إيجاد بديل مستقر له، حالت سياساتها دون تشكله، ومنع القوى المتطرفة والإرهابية من احتلال موقع حاسم في أي وضع راهن أو بديل. التقت سياستا واشنطن وموسكو على هذين الهدفين اللذين شكلا أرضيةً مشتركةً بينهما، اتسعت، بمرور الوقت، إلى أن قرّبت موقفيهما، وإنْ في فترتين زمنيتين متفاوتتين، الأمر الذي يفسر أحد جوانب عدم اعتراض البيت الأبيض على الغزو الروسي لسورية، والاعتراض النسبي على التصنيف المعتمد روسياً للتنظيمات الإرهابية الذي استهدف ما تسميها أميركا "القوى المعتدلة" بالدرجة الأولى، تلك التي تعتبر واشنطن وجودها ضامناً لتوازن القوى بين النظام والثورة، وبينها وبين الطرف الروسي، وتضع كسره تحت بند المحظورات، خشية أن يفضي اختلاله إلى انفراط عقد الجيش الحر، وانفراد النظام والإرهاب بالساحة العسكرية، وما يرتّبه ذلك على أميركا من ضغوطٍ قد تستغلها موسكو لإرغامها على تغيير موقفها، نحو اتجاهٍ تحدّد هي خياراته.

بالوضع الذي وسم حال المعارضة، اقتربت واشنطن تدريجياً من موقف موسكو حيال النظام، وخشيت أكثر من الروس، ما اعتبرته فراغاً ستملؤه تنظيماتٌ إرهابية، ستجر الغرب إلى معركةٍ كبرى، وستتمكّن من توسيعها تدريجيا، ليس فقط داخل سورية، وإنما في بلدانه ومراكزه أيضاً. بذلك، صارت المعارضة، بجمودها وعجزها عن التفاعل بإيجابية مع البيئة العسكرية والسياسية، وبخلافاتها، جزءاً من معضلةٍ دوليةٍ، تتخطى الوضع السوري وصراعاته، وزاد طينها بلةً رفضها القبول بسياسة واشنطن حيال الحرب ضد الإرهاب، وامتناعها عن وقف جهودها على هذه الحرب، واشتراطها أن تتلازم مع مواصلة الصراع ضد النظام. بهذا كله، دخلت علاقات البيت الأبيض مع المعارضة في نفقٍ ردّ عليه بقرارين كبيرين، هما: البحث عن بديلٍ لقواتها تحارب بمعونته الإرهاب الذي تصاعد وانتشر بسرعةٍ، مع صعود "داعش" العاصف، وانتزاعها مناطق واسعة من الجيش الحر شمال سورية، ونجاح "القاعدة" في وضع يدها على إدلب ومواقع مهمةٍ في المحافظات السورية الأخرى، واستيلائها على مواقع استراتيجية للنظام، خزن فيها كمياتٍ ضخمة من الأسلحة والذخائر، بينما تقلص وجود الجيش الحر عدداً وانتشاراً، وتلقت قوات حزب الاتحاد الديمقراطي (البايادا) الكردي، دعماً أميركياً جوّياً، عزّزه دعم بري، ضم مستشارين ووحدات نخبة، أسهموا بدور مهم جداً في طرد "داعش" من مواقع مهمة، وقلصوا مناطق سيطرتها في الشمال السوري، حيث بدأت تتخلق نظرة أميركا إلى مستقبل سورية. وقال مسؤولوها الكبار إنها لن تكون كسورية الحالية التي زالت ولن تعود، ولن يقوم فيها نظامٌ ديمقراطيٌّ مركزيٌّ، يتولى تنظيم أوضاع مختلف مكونات

"تبدّلت مفردات دولية وإقليمية وعربية ومحلية عديدة، تتصل بالصراع ومواقعه، وأخذت تلعب دوراً وازناً في إحداث تغيرات مفصلية" الجماعة الوطنية السورية وحقوقها، بل وتلاشت فرص قيام هذا النظام، بسبب تزايد خلافات القوى الخارجية، المتحكّمة بمصير سورية، وتعاظم تبعية القوى المقاتلة للخارج، ولغرف تحكم وسيطرة أميركية، ودخلت بلادنا مرحلةً سيرتبط مصيرها فيها بما سيقرّره الكبار لها وللمنطقة العربية، وبما سينجم عن صراعات هؤلاء وتفاهماتهم عليها، بعد أن غدت أوضاعها جزءاً من حالٍ تتخطّاها، ولم تعد معالجتها تتم على أساس أن أوضاعها قائمة بذاتها ومستقلة عن غيرها.

وفي الوقت نفسه، تبدّلت مفردات دولية وإقليمية وعربية ومحلية عديدة، تتصل بالصراع ومواقعه، وأخذت تلعب دوراً وازناً في إحداث تغيرات مفصلية في علاقات قوىً شرعت خلافاتها وتوافقاتها تصير عربية وإقليمية ودولية، وتذهب في اتجاهاتٍ متنوعةٍ، قد لا يعبّر عن حالها النهائية التفاهم الأميركي/ الروسي المتعاظم حول مفردات حلٍّ، يبقي على النظام الأسدي ورئيسه، ويحتجز أكثر فأكثر فرص نجاح الثورة، ويُرغمها على قبول تسوياتٍ جزئيةٍ هنا، تدريجية هناك، إن كانت تريد أن لا تخرج صفر اليدين من أوضاع وتفاهماتٍ دوليةٍ، تطوي فكرة حل سياسي شامل، يطبق وثيقة "جنيف1" والقرارات الدولية المرتبطة بها، والمتفرّعة عنها، وتستعيض عنه بحلٍّ متدرج، لا يلبي مطالب المعارضة أو يزيل النظام، ويضع سورية على سكة تغيير جزئي ومديد، يحفظ مؤسسات النظام العسكرية والأمنية، وإن قيد وظائف القمعية منها.

هذا الاحتمال ممكن الحدوث، ما لم تفشل واشنطن في فرض وصايةٍ دوليةٍ على بلادنا، وتنتصر روسيا وإيران، وتنقذا النظام الأسدي، برموزه وأركانه كافة، أو تقرّر واشنطن أن زمن وقف الصراع لم يأتِ بعد، وإن توسيعه يتطلب تعميقه محلياً ونشره إقليمياً، بهدف تغيير أوزان الدول في المنطقة وجوارها، وتأسيس تحالفاتٍ جديدة فيها على حساب وجود العرب وأدوارهم، تنجز تنسيقاً إسرائيلياً/ إيرانياً تحت إشراف أميركا، وتطوى صفحة العرب، فلا يفيقوا من غفلتهم وينهضوا من نومهم الشتوي الطويل، ويقرّروا استئناف معركة الحرية التي خاضها الشعب السوري بقوةٍ واقتدار، ولعب تخليهم عنه دوراً خطيراً في عدم تحقيق أهدافها.

========================

فلاديمير بوتين حبيب هوليوود لا يمكن أن يكون عدو أمريكا .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 15/10/2016

إذا أردت أن تتعرف على أعداء أمريكا الحقيقيين فيجب أن تنظر إلى صورتهم في أفلام السينما الأمريكية، فمن عادة السينما الأمريكية أن تشيطن الأعداء وتحتفل بالحلفاء في أفلامها الهوليودية. ومن المعلوم أن «هوليوود» هي أقوى سلاح إعلامي في أيدي المؤسسة الحاكمة في أمريكا منذ عقود وعقود، فهي ليست أبداً شركة ترفيهية تجارية ربحية كما تروج لنفسها، بل هي الذراع الإعلامي الفني الأخطر للولايات المتحدة. وقد لعبت الشركة على مدى تاريخها أدوراً رهيبة في شيطنة أعداء أمريكا وخاصة أيام الحرب الباردة بين أمريكا والاتحاد السوفياتي.

وقد نجحت هوليوود في إقناع الغالبية العظمى من الأمريكيين والغربيين عموماً بأن روسيا الشيوعية شيطان رجيم يجب على الغرب أن يفعل كل ما بوسعه لإسقاطها بكل السبل والوسائل. وقد كانت هوليوود تصور الشيوعيين في أفلامها على أنهم أسوأ رموز الشر في العالم.

ولا ننسى كيف عمل السيناتور الأمريكي الشهير جوزيف مكارثي على ملاحقة أي مشتبه يتعاطف مع الشيوعيين في أمريكا، ولم يسلم من المكارثية حتى الممثل البريطاني الشهير تشارلي تشابلن وقتها. وقد سخر بعض الأدباء الأمريكيين كالمسرحي الراحل آرثر ميلر من ذلك الهوس الأمريكي بملاحقة المتعاطفين مع الشيوعيين من خلال مسرحيته الشهيرة «البوتقة» التي تناولت ما أسماه «صيد الساحرات» كناية عن الشيوعيين وأتباعهم. باختصار شديد، فقد كانت شركة هوليوود الأمريكية رأس الحربة في الحرب الإعلامية الأمريكية ضد الاتحاد السوفياتي.

كيف نصدق الآن إذاً أن أمريكا دخلت في صراع جديد مع روسيا إذا ما علمنا أن هوليود بدأت تعد العدة الآن لإنتاج فيلم كبير عن حياة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ربما يكون من بطولة الممثل الهوليوودي الشهير ليوناردو كابريو بطل الفيلم العالمي «تايتانك». إن الحديث عن وجود صراع روسي أمريكي ينذر بحرب عالمية ثالثة انطلاقاً من الساحة السورية لا يستقيم أبداً مع التوجه الهوليوودي الجديد للاحتفال بالرئيس الروسي سينمائياً، ولا يستقيم أبداً مع لغة الغزل التي يستخدمها مرشح الرئاسة الأمريكية دونالد ترامب مع بوتين، فقد صرح المرشح أكثر من مرة بأنه معجب بشخصية الرئيس الروسي ويتطلع إلى التعامل معه فيما لو فاز في انتخابات الرئاسة الأمريكية المقبلة.

لو كانت أمريكا قد دخلت فعلاً في حرب باردة جديدة مع روسيا كما يشيع بعض أبواق المماتعة والمقاولة، لكانت هوليوود أول من بدأ بشيطنة روسيا ورموزها الجدد، ولما كان قد التقى الممثل الأمريكي الشهير دي كابريو الرئيس الروسي ليعبر عن رغبته في تجسيد شخصيته في الفيلم الهوليوودي الجديد.

وفي تعليق لصحيفة Welt am Sonntag الألمانية قال دي كابريو، «إني مستعد وبكل ترحيب للعب دور الرئيس بوتين في أي عمل فني، فذلك سيكون ممتعاً جداً بالنسبة لي!». وأعاد دي كابريو إلى الأذهان أنه كان قد حظي بشرف لقاء بوتين شخصياً في مدينة سانت بطرسبورغ خلال فعاليات منتدى إنقاذ نمور سيبيريا قبل بضع سنوات. وبحسب وكالة الأنباء «نوفوستي»، وفي معرض التعليق على روسيا وانطباعاته عنها، جدد دي كابريو التأكيد على إعجابه الشديد بها. وختم بالقول، إن «لعب دور الزعماء الروس مثل لينين وراسبوتين، من شأنه أن يكون ممتعاً للغاية، وأرى أنه ينبغي تصوير كم أكبر من الأفلام التي تحكي تاريخ روسيا.

هذا وقد أعلنت إحدى شركات صناعة السينما العالمية لتصوير فيلم «بوتين» ومن المنتظر أن تبدأ شركة «كنايتس بريدج انترتيمنت» للصناعة السينمائية قريباً، بتصوير فيلم روائي بطله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ولم تعلن الشركة التي يقع مقرها في الولايات المتحدة الأمريكية، اسم الممثل الذي سيقوم بدور البطولة في هذا الفيلم، مشيرة إلى أن هنالك 4 مرشحين كل منهم يتمتع بنجومية من الدرجة الأولى في العالم للعب دور بوتين في فيلم ينتجه مخرج يحوز على جائزتي «أوسكار».

ولا ننسى أيضاً أن المخرج الأمريكي ذائع الصيت أوليفر ستون قد أخرج فيلماً وثائقياً عن فلاديمير بوتين. وصرح المخرج الروسي إيغور لوباتيونوك الذي ساعد أوليفر ستون على إنتاج وإخراج فيلم «سنودن»، ل»سبوتنيك»، أنه لا بد أن يستأثر الفيلم الذي أخرجه أوليفر ستون باهتمام الجمهور وخاصة الجمهور الأمريكي. وكان أوليفر ستون أعلن منذ عامين نيته لتصوير فيلم وثائقي عن الرئيس الروسي، لكي يعرض للأمريكيين وجهة نظر مغايرة حيال أهم أحداث العالم.

عندما توافق هوليوود ومثيلاتها الأمريكية على الاحتفال بالرئيس الروسي سينمائياً، يجب أن نفهم أن الروس والأمريكيين باتوا حلفاء يتقاسمون منطقتنا وخاصة سوريا بمحبة ووئام. لا عجب إذاً أن بوتين كان أيضاً شخصية العام 2015 في إسرئيل.

كيف نصدق إذاً أن أمريكا وروسيا أعداء في سوريا ويمكن أن تدخلا في حرب عالمية ثالثة إذا كان ممثلو هوليود يتسابقون على تجسيد شخصية بوتين، وإذا كانت إسرائيل تعتبر الرئيس الروسي أفضل حليف لها في تاريخ روسيا؟

========================

القبعات البيضاء في حلب .. د.خالص جلبي

الاتحاد

السبت 15/10/2016

عندما سئل بشار الأسد عن ذوي القبعات البيضاء في حلب كان جوابه أنه لم يسمع بهم، والواقع أن العالم جميعاً سمع بهم إلا هو. في القرآن الكريم تعبير مدهش عن أمثاله: (لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْين لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا).

صهري في كندا قال يجب أن تراهم فقد صدر عنهم فيلم يروي بطولتهم في حلب، وهي تحت القصف في قناة «النت فليكس»، وهي قناة رائجة جداً في مونتريال يتلقفها الناس باشتراك شهري بعشرة دولارات. لقد رشحوهم لنيل جائزة نوبل للسلام. وجلست أنا لمدة ساعة خلف التلفزيون أتعرف عليهم في فيلم صدر حالياً، يمكن لأي مشاهد في العالم أن يراه. وأهم ما في هذه المجموعة في حلب أنها تنقذ حياة الناس من ويلات القصف، بعد أن ترمي عليهم الطائرات القاصفة القنابل الحارقة والبراميل المتفجرة.

في الفيلم رأيناهم وخوذهم البيضاء جاهزة مع أدوات إسعافهم البسيطة، فإذا حلقت الطائرات بصوتها المخيف فوق منطقة «الهولك» في حلب مثلًا تركت المجموعة الطعام والشراب وهرعت إلى مكان الهدف للإنقاذ. لقد أنقذوا الطفل محمود وسموه طفل المعجزة لأنه كان طفلًا رضيعاً لم يبلغ الشهر بعدما رسا تحت الأنقاض وهم يقرعون الجدران ويصغون لكل همسة عسى أن ينقذوا روحاً جديدة! وأخيراً وصل إلى سمعهم بكاء طفل رضيع من بعيد! وهكذا تابعوا الحفر، حيث الأنين الخافت لينقذوا الرضيع محمود بعد أن بقي تحت الركام 16 ساعة! لقد رأيناهم وهم يقبلونه بعد أن أصبح عمره سنة ونصف السنة، أما مقدار الناس الذين رأوهم مقطعي الأوصال، أو في حشرجة الموت، أو يلفظون أنفاسهم الأخيرة تحت أثقال الحجارة وأعمدة الإسمنت؛ فعن عددهم حدّث ولا حرج.

وأجمل ما في هذه المجموعة الحلبية المتضافرة أنها تعتمد الآية القرآنية الكريمة (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً). أحدهم يودع ابنته كل صباح ويقول لزوجته ربما لن تريني مجدداً، فهم يهرعون إلى بؤرة الحدث حيث القصف، وحين يرون الطائرات النفاثة المغيرة من بعيد وهي تزمجر يتوقعون أن يكون القصف في المكان الفلاني، فيهرعون بسيارتهم إلى مكان الحدث وبأيديهم ما اعتادوا حمله من أدوات إطفاء النيران ومعاول الحفر وجرافات التنقيب.

إنهم أبناء حلب المثاليون. يقول رئيس المجموعة «أبو عمر» لا يهمني من يقاتل ومن يقتل، فقط يهمني أن أنقذ من تحت الأنقاض من يقترب منه الموت ويلامسه.

وحول عقيدته في الموت والحياة يرى أن الأجل ليس بيد أحد بل هو ملك الرحمن الرحيم الذي كتب على نفسه الرحمة وهو الذي يحيي ويميت.

هؤلاء المنقذون مهنتهم إنسانية وهم معرضون للموت مع كل قصف وتفجير، فالقنابل العنقودية تقصف الأرواح وتخطف النفوس، في دفعات من صناعة إبليسية. لقد مات منهم في عمليات الإنقاذ حتى صدور الفيلم الذي أبرز تضحياتهم الإنسانية 132 شخصاً، ولكنهم أنقذوا 58000 إنسان.

معركة حلب مع كتابة هذه الأسطر تذكرني بأمرين بالمثل الشعبي الذي يقول بعد خراب بصرة! كما يذكرني باجتياحها من قبل تيمورلنك قبل أن يدمر العثمانيين في معركة سهل أنقرة في عام 1402م، وفي هذه الفترة المضطربة كان ابن خلدون يجتمع بالطاغية، ويحاول ألا تستباح دمش كما استبيحت حلب. مع كل هذه الحلكة، فإن أصحاب الخوذات البيض يبعثون بالأمل في ظلمات الاضطراب السياسي الذي تعيشه المنطقة.

في عهد الخليفة المعتمد، انفجرت الأوضاع في ثورة شعبية هي ثورة الزنج ما يشبه «المجالدون» في روما وسبارتاكوس، حتى انطفأت في عام 270 هجرية، بعد أن قتلوا معظم أهل البصرة في رقم يقترب من 300 ألف ضحية، وفي عهد ابنه المعتضد انفجرت الأوضاع من جديد في ثورة القرامطة الذين وصلت أيديهم إلى حجر الكعبة. دروس التاريخ مفيدة، أليس كذلك؟

========================

حلب... طريق ترامب الى البيت الأبيض! .. سليم نصار

الحياة

السبت 15/10/2016

أثناء استقباله البطريرك الماروني بولس المعوشي في 29 آب (أغسطس) 1962، سأله الرئيس الأميركي جون كينيدي عن أسباب تعثّر تجربة الحكم المستقل في لبنان. وقبل أن يجيب البطريرك، شرع الرئيس في مراجعة فقرات من تقرير وزارة الخارجية، الذي يشير بالحبر الأحمر الى انتكاسات 1955 (سقوط بشارة الخوري) و1958 (الثورة ضد كميل شمعون) و1960 (تشكيل حكومة رشيد كرامي الثالثة).

واختصر البطريرك تعليقه بالقول إن جهاز الحكم المستقل يعمل في صورة دستورية منذ 1943، لكن الانتكاسات السياسية التي استحوذت على قلق وزارة الخارجية الأميركية هي نتاج رغبات الرؤساء الطامحين الى تجديد ولايتهم. وكثيراً ما تؤدي تلك الرغبات الى الصدام مع نواب المعارضة، أو مع الشعب.

ولفت الرئيس كينيدي نظر البطريرك الى عملية إنزال قوات المارينز على شاطئ بيروت في 15 تموز (يوليو) 1958.

وأوحى من وراء استذكار ذلك العمل العسكري، بأن تكراره في المستقبل قد يكون صعباً في حال اندلعت أزمة مماثلة. ويؤكد المؤرخون أن عملية الإنزال تمت بسبب انقلاب عبدالكريم قاسم في العراق، ومخاوف الولايات المتحدة من توقف تصدير النفط. وليس كما صوّرها الرئيس كميل شمعون، بأنها محاولة إنقاذ، انتهت برفع الحصار المضروب حول مقر الرئاسة، وانتخاب قائد الجيش العماد فؤاد شهاب من باب البرلمان.

المهم من هذا كله، أن منصب رئيس جمهورية لبنان كان دائماً الشغل الشاغل للعواصم الإقليمية والدولية، تماماً مثلما هو اليوم.

والعبرة من وراء استعادة الأحداث المتعلقة برمزية هذه الرسالة، هي أن البلد الصغير أصبح وحده يحمل إرث مذاهب مسيحية أصبحت في مرحلة الانقراض البطيء، بدءاً من حدود العراق... حتى شواطئ ليبيا. من هنا حاجة المطالبين بإعتاق الرئاسة الأولى من الأسر قبل أن يصبح قصر بعبدا مثل الأديرة المهجورة.

حجة المعرقلين أن خطوط الحدود لم يرسمها بعد مهندسو العالم فوق خريطة الشرق الأوسط الجديد، الأمر الذي يؤخر انتقاء رئيس جمهورية يصلح لملء الفراغ بعد مرور أكثر من سنتين. علماً أن اتفاق الطائف جرّده من كل صلاحياته الدستورية، وأبقاه رمزاً بروتوكولياً يُستشار إنما لا يُطاع... ويتولى قيادة القوات المسلحة الخاضعة لسلطة مجلس الوزراء!

صباح كل يوم، يذكرنا البطريرك الماروني بشارة الراعي بضرورة انتخاب رئيس خوفاً على الوجود المسيحي في بلد لم يعد غيره في العالم العربي يحمل هذه الرسالة المعنوية.

ويكرر مجلس المطارنة الموارنة خلال كل فترة نداء البطريرك، مع الحرص على تحديد مواصفات رئيس مستقل في قراراته... غير منحاز في مواقفه... حارس للوحدة الوطنية، تماماً مثلما حددت دوره المادة 49 من الدستور.

وتلبية لتلك النداءات، أجرى بعض السياسيين محاولات عدة دشنها الرئيس سعد الحريري بإعلان ترشيح النائب سليمان فرنجية. وتوقع الاثنان أن تجد هذه الصيغة الصدى المستحب، خصوصاً بعدما عجز مجلس النواب عن انتخاب مرشح «حزب الله» العماد ميشال عون.

بعد مرور فترة قصيرة، فاجأ رئيس حزب «القوات اللبنانية» الدكتور سمير جعجع، الجمهور اللبناني بتبني ترشيح العماد عون، باعتباره الأكثر حظاً في المرحلة الراهنة. وفسر المراقبون بادرة جعجع بأنها عملية خطف لصيغة فرنجية - الحريري، خوفاً من وصول ابن الشمال الى قصر بعبدا.

وهكذا بقيت مسألة رئاسة جمهورية لبنان رهينة المراوحة والتأجيل، الى أن أربكتها وعطلتها الحرب في سورية، وأصبحت جزءاً من حل يصعب تحديد موعده. وهذا ما لخصه في تعليقه رئيس المجلس التنفيذي ل «حزب الله» الشيخ نبيل قاووق، الذي رأى «أن مصير لبنان متعلق بمصير المعركة في سورية مع المشروع التكفيري». وقال: «إن انتصار الحزب في سورية على هذا المشروع هو انتصار للبنان».

واشنطن تخالف هذا التحليل، وتدّعي أن روسيا لا يهمها طرد «داعش» و»القاعدة» من سورية. والسبب في رأي إدارة أوباما، أن القضاء على الجماعات التكفيرية يلغي تلقائياً دور بشار الأسد، الأمر الذي يساعد روسيا وإيران على التخلّي عن الرئيس في سبيل إتاحة المجال لفرص التسوية السياسية ونشر السلام.

مطلع هذا الشهر، كثّفت روسيا غاراتها على حلب، فيما باشرت طائرات النظام السوري في قصف الأهداف المدنية والقوافل الإنسانية والمستشفيات والأفران. وعلى رغم الانتقادات الواسعة، واصلت موسكو تعميق المأساة في حلب دونما اكتراث بالشريك الأميركي، الذي طالب بتغليب الجهود الديبلوماسية قبل أن يهدد بالانسحاب من الشراكة.

في تحليل لشبكة «أن بي سي» ذكر أن العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا وصلت الأسبوع الماضي، الى أخطر نقطة منذ دخول السوفيات الى أفغانستان سنة 1979. والسبب أن مجلس الأمن القومي في واشنطن طرح سيناريوات عدة تتعلق بقصف أهداف لنظام الأسد بصواريخ عابرة، إذا واصلت طائراته تدمير حلب وطرد سكانها.

وترى واشنطن - كما العواصم الأوروبية - أن البراميل المتفجرة التي تُلقى على السكان في حلب وسواها تهدف الى استنزافهم، وخلق موجات هجرة للاجئين الى أوروبا. ومن المؤكد أن هذه الهجرات تزعزع الاستقرار في دول الاتحاد.

مقابل التهديد الأميركي، ردت موسكو بإعلان نشر صواريخ أرض - جو متقدمة من نوع «أس - 300» في سورية، يمكنها إسقاط الصواريخ العابرة. كذلك، أعلنت عن إرسال سفينة كبيرة من الصواريخ الى مرفأ اللاذقية، بعدما جمدت تطبيق الاتفاق مع واشنطن حول تفكيك البلوتونيوم، الذي تم التوقيع عليه بين الدولتين سنة 2000.

وكان من الطبيعي أن يثير الاندفاع الذي بلغ حد التهور، تساؤلات تتعلق بتوقيت الهجمات التي تقوم بها القوات الروسية والسورية والإيرانية و»حزب الله».

المصادر العسكرية في موسكو عزت حدة الهجمات الى الانكفاء الذي تبديه الولايات المتحدة على مختلف الجبهات. لذلك، كان الرهان على استغلال الفترة المتبقية من ولاية أوباما، الى حين انتخابات الرئاسة (في 8 تشرين الثاني - نوفمبر)... أو الى حين دخول الرئيس الجديد الى البيت الأبيض (في 20 كانون الثاني - يناير).

هذه الفترة الزمنية يجري استغلالها من روسيا والنظام السوري، مع تجاهل كل قوانين الحرب، بهدف خلق حقائق جديدة على الأرض.

يوم الأربعاء الماضي، أجرت كريستينا أمانبور (سي أن أن) حديثاً مع وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف. وفي نهاية المقابلة، نقلت إليه ادعاءات الإدارة الأميركية بأن موسكو تتدخل في انتخابات الرئاسة لمصلحة المرشح الجمهوري دونالد ترامب. وردّ عليها بالقول: إن هذه الادعاءات مضحكة لا تستحق التعليق.

وحقيقة الأمر، أن أوباما مقتنع بأن بوتين يهدد إرثه السياسي في ضمان انتخاب هيلاري كلينتون، وأنه يعتقد أن فوزها يشكل خصومة صلبة في منطقة الشرق الأوسط. وعليه، قرر محاربتها، ومنح منافسها دونالد ترامب فرصة الفوز من طريق إحراج الحزب الديموقراطي الحاكم وشلّ نشاطاته داخل الولايات المتحدة وخارجها.

اليوم السبت، يعقد اجتماع في لوزان دعي إليه وزير الخارجية الأميركي جون كيري، ونظيره الروسي سيرغي لافروف، إضافة الى دول إقليمية معنية بالشأن السوري. وبرزت شكوك من بريطانيا وفرنسا تطعن في الجدوى المرتجاة من هكذا اجتماعات، ما دامت المقاتلات الجوية الروسية تمطر شرق حلب بالقنابل الفوسفورية والعنقودية من النوع الذي استُخدِم في الشيشان.

بعد مرور سنة تقريباً على التدخل الروسي في سورية، حققت موسكو أهدافاً أمنية عدة، بينها: إعادة سيطرة بشار الأسد على دمشق في طريقة أبعدت نفوذ الثوار الذين أعلنوا الحرب على النظام قبل خمس سنوات.

ثانياً - فرضت روسيا نفسها لاعباً إقليمياً ودولياً، يصعب على الولايات المتحدة اجتراح تسوية مقبولة في سورية من دونها. وهي حالياً ترسِّخ هذا الدور عبر مئات المستشارين والمحاربين، بكلفة لا تزيد عن ثلاثة ملايين دولار يومياً. وهذا المبلغ هو جزء قليل جداً من الموازنة العسكرية الروسية، ومقدارها 55 بليون دولار سنوياً.

ماذا تفعل الولايات المتحدة لمقاومة عودة النظام الذي تدعمه روسيا مع حلفائها الإقليميين؟

يدرس الكونغرس حالياً، تشريعاً باسم «قانون قيصر». أي نسبة الى موظف الاستخبارات السوري الذي يحمل اسماً مشفراً هو «قيصر». وقد هرب الى الولايات المتحدة مع 11 ألف صورة تعذيب في أقبية النظام.

ويبدو أنه لم يعد للكونغرس الأميركي من عمل انتقامي ضد النظام السوري سوى إعادة نشر الصور التي التقطها قيصر...

========================

الخوذ البيضاء وجه آخر للسوريين! .. فايز سارة

الشرق الاوسط

السبت 15/10/2016

لم تكن صدفة أن يسخر بشار الأسد من فريق الدفاع المدني السوري، المعروف أعضاؤه بذوي الخوذ البيضاء، عشية ترشيحهم لجائزة نوبل للسلام، واحتمال حصولهم عليها، وذلك في معرض إجابته عن أسئلة مقابلة صحافية أجرتها معه وكالة «أسوشييتد برس»، في سبتمبر (أيلول) 2016، مبديًا اعتراضه على ترشحهم، منكرًا أهمية ما يقومون به من أعمال لإنقاذ السوريين من تحت أنقاض تسببها طائراته وطائرات حلفائه الروس.

السبب الرئيسي لموقف الأسد هو أن فريق الخوذ البيضاء يفشل أهدافه، وما يسعى إليه حلفاؤه من قتل مزيد من السوريين، وتدمير حياتهم وممتلكاتهم، وفق معطيات مؤكدة. فقد أنقذ هؤلاء في السنوات الثلاث التي مرت على تجربتهم نحو 62 ألف شخص من تحت الأنقاض التي سببتها غارات الطيران، خصوصًا بالبراميل المتفجرة.

الخوذ البيضاء جماعة مدنية تطوعية تشكلت في عام 2013، على خلفية الحاجة لمواجهة تداعيات الصراع المسلح، وغارات الطيران على المدن والقرى السورية الخارجة عن سيطرة النظام وجماعات الإرهاب، وضمت بين صفوفها فئات مختلفة من السوريين، عمالاً وحرفيين وطلبة ومهندسين وعاطلين عن العمل، وغيرهم ممن أخذوا على عاتقهم مهمة مساعدة الناس على نحو ما هي عليه مهمة فرق الدفاع المدني المعروفة في العالم، الملتزمة بمبادئ منظمة الدفاع المدني الدولية في «الإنسانية والتكافل والحيادية».

ووسط ظروف الصراع المسلح الصعبة، وجد أصحاب الخوذ البيضاء أنفسهم في مواجهة تداعيات الغارات الجوية التي تنفذها حكومة النظام، ويواجهون في الوقت ذاته نيران القناصة، ليصلوا إلى جثث جنود النظام، ويدفنوها بشكل لائق، وزادوا إلى أعمالهم المشاركة في تقديم خدمات عامة للسكان في المناطق التي يوجدون فيها، والتي يسكنها نحو سبعة ملايين نسمة، ومنها توصيل الكابلات الكهربائية، وتأمين المباني السكنية، وتقديم خدمات الإرشاد والسلامة للأطفال. ووسط مسؤولياتهم وأعمالهم، وفي أثناء تنفيذها، سقط نحو 150 منهم ضحايا، بينهم عشرات قتلوا بغارات الطيران التي استهدفت مقارهم بصورة مباشرة.

بسبب أعمالهم الخطرة، اقتصرت عضوية الخوذ البيضاء على الرجال، وقد بلغ عددهم قرابة ثلاثة آلاف رجل، غير أنه في ضوء الاحتياجات الميدانية والظروف الاجتماعية، أُنشئ فريق نسائي متطوع قارب عدده المائة شابة في 2016، دُربن على القيام بأعمال الرعاية الطبية، وعمليات البحث والإنقاذ في مجتمع محافظ، يعارض بعض الرجال فيه قيام عمال الإنقاذ الرجال تقديم المساعدة للنساء والفتيات، مما يتطلب تدخل متطوعات في تلك العمليات.

وتؤثر الأوضاع الاقتصادية الصعبة على تمويل أعمال الخوذ البيضاء، مما يجعلهم يعتمدون على أدوات بسيطة وبدائية في عمليات الإنقاذ غالبًا، مما يعني نقصًا في المعدات والأدوات الحديثة وسيارات الإسعاف التي يتطلب تأمينها تآزرًا دوليًا للمساعدة عبر تبرعات تشارك فيها دول ومنظمات مدنية ومتخصصة وأفراد يؤمنون بأهمية إنقاذ الأرواح في زمن الصراع المسلح وتداعياته.

صورة أصحاب الخوذ البيضاء، وأعمالهم الجبارة والصعبة والإنسانية في آن معًا، كانت سببًا في ترشيحهم لنيل جائزة نوبل للسلام، وهو ما سعت إليه حملة دولية أطلقتها مجموعات سورية، لاقت دعمًا ومساندة في المستوى الدولي، وشارك فيها عدد من الممثلين والمخرجين العالميين الذين وقعوا عريضة للمطالبة بمنح الجائزة لأصحاب «الخوذ البيضاء»، بينهم المخرج ريدلي سكوت، والنجم جورج كلوني، وجاستن تيمبرلايك، وعزيز أنصاري، وبن افليك، ودانيال كريغ، وزوي سالدانا، وأليشيا كيز، فيما قامت شبكة «نيتفليكس» بإنتاج فيلم وثائقي باسم «الخوذ البيضاء»، رصد يوميات ثلاث مجموعات من الدفاع المدني السورية، والصعوبات العملية والنفسية التي يواجهونها في عملهم اليومي في إنقاذ أرواح الناس، وانتشال الجثث من تحت الأنقاض، وسط أخطار الضربات الجوية المزدوجة التي تقوم بها الطائرات الحربية على المكان نفسه، وسط إيمان لخصه أحد أعضاء الفريق بالقول: «عندما أبادر لإنقاذ حياة أحدهم، لا يهمني إذا كان عدوًا أو صديقًا، ما يهمني هو الروح المعرضة لخطر القتل».

فريق الخوذ البيضاء ومهمته وأهدافه، ربما هو التعبير الأبرز لروح السوريين الذي أشاعته ثورتهم على نظام الأسد الاستبدادي في عام 2011، يوم أطلقوا شعار الحرية، وكرسوا وحدتهم وتضامنهم في وجه سياسة القتل والتدمير والتهجير، مطالبين بإقامة نظام سياسي جديد يوفر حرية وعدالة ومساواة لكل السوريين. ولئن لم يحصل الفريق على جائزة نوبل للسلام، فإن وصول صورتهم وصوتهم إلى العالم في بلد صارت صورة الحرب والدمار هي المعروفة عنه، والأكثر شهرة فيه إرهابيون ومتطرفون موزعون بين نظام الأسد وحلفائه الروس والإيرانيين وأدوات قتلهم من الميليشيات الطائفية، إضافة إلى إرهاب «داعش» و«القاعدة» وأخواتهما من الجماعات المتطرفة، فيما تكاد تغيب صورة وأصوات المطالبين بالحرية والحريصين على الحياة والسلام، أمثال فريق الخوذ البيضاء.

========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com