العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 23-09-2018


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

قبل دقيقة واحدة فقط!

بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 20/9/2018

قال الروس إن الإسرائيليين لم يخبروهم عن العملية التي استهدفت مستودعاً لذخيرة قوات الأسد، قرب اللاذقية، إلا قبل تنفيذها بدقيقة واحدة. فلم تكن هذه الفترة كافية ليبعدوا طائرتهم العسكرية التي أسقطتها الدفاعات الجوية لنظام الأسد الكيماوي بالخطأ، أثناء تصديها للصواريخ الإسرائيلية التي استهدفت الموقع العسكري الأسدي.

ماذا يعني ذلك؟

يعني أولاً، أن مستوى الثقة بين تل أبيب وموسكو، في سوريا، هي من العلو مما يجعل الأولى لا تشعر بالحاجة لإبلاغ الثانية بنواياها العملياتية قبل فترة طويلة. وأن إسرائيل معها كرت أبيض من روسيا لضرب أي هدف على الأراضي السورية وقتما تشاء. هذا كله معروف سابقاً ويمكن استخلاصه من كل الضربات الإسرائيلية السابقة لمواقع إيرانية أو لحزب الله أو أسدية في سورية. لكن الجديد هو دخول الطائرة الروسية المنكوبة بركابها الخمسة عشر على خط مواجهة إسرائيلية ـ أسدية. كيف حدث أن إسرائيل لم تحسب حساباً لاحتمال من النوع الذي حدث، في منطقة قريبة من القاعدة الجوية الروسية في حميميم، حيث من الطبيعي أن يكون هناك تحليق متكرر للطائرات الروسية من وإلى القاعدة المذكورة. هل كانت مطمئنة من أن الدفاعات الجوية لن ترد على ضرباتها، كما يحدث غالباً؟ أم أن في الأمر تقصداً، وراءه رسالة أمريكية إلى روسيا، على ما ذهب بعض المعلقين؟

يتطلب الأمر اجتماع عدد من المصادفات ليصح الحديث عن «رسالة» وأمريكية فوق ذلك!. أي أن تعرف إسرائيل مسبقاً بتحليق الطائرة الروسية في ذلك الوقت، وأن تتوقع رداً من وسائل الدفاع الجوي الأسدية، وأن تخطئ هذه الهدف فتصيب الطائرة الروسية. لا يبدو هذا معقولاً، والأرجح أن ما شجع البعض على افتراض من هذا النوع هو توقيت العملية الإسرائيلية التي جاءت بعد تفاهمات سوتشي بين بوتين وأردوغان على خريطة طريق بشأن إدلب يستبعد العملية العسكرية التي كان يخطط لها الروس والنظام الكيماوي هناك.

من المرجح إذن أن الحادث غير مقصود من أي من الأطراف المعنية به، ما لم تسفر التحقيقات عن غير ذلك. وبهذا المعنى فهو يكشف استرخاءً روسياً، واستهتاراً إسرائيلياً، وتخلفاً تقنياً في سلاح الدفاع الجوي الروسي الموضوع في أيدٍ لا تتقن التعامل معها. أو على الأقل هناك فوضى غريبة يتشارك فيها الروس والأسديون والإسرائيليون أدت إلى هذا الهدف في «المرمى الصديق».

لكن الأهم من سقوط الطائرة الروسية، هو اتفاق سوتشي بين بوتين وأردوغان حول حل سلمي لموضوع إدلب، بعدما كان العالم كله يتوقع هجوماً ينهي آخر معاقل الفصائل العسكرية، ويؤدي إلى كارثة إنسانية كبيرة، قتلاً وتهجيراً للمدنيين. فما الذي حدث بين السابع من شهر أيلول حين رفض الروس، في قمة طهران، العرض التركي بوقف إطلاق النار، والسابع عشر من الشهر نفسه في اجتماع سوتشي، لكي يتراجع بوتين عن موقفه ويسلم لتركيا بحل عقدة إدلب بلا قتال؟

تشير أغلب التحليلات الرائجة إلى ضغوط أمريكية ـ أوروبية على روسيا، ربما وصلت درجة التهديد، باعتبارها سبباً لهذا التغير في الموقف الروسي. ولكن إذا نظرنا إلى التصريحات الأمريكية والأوروبية، في الفترة الماضية، سنرى أنها كانت أدعى لتعزيز الاعتقاد بموافقة أمريكية ـ أوروبية على اجتياح النظام لإدلب بغطاء جوي روسي. فقد حذرت تلك التصريحات من استخدام السلاح الكيميائي، ولم تطالب روسيا بإلغاء العمل العسكري ضد إدلب. فكانت تلك الصيغة الشهيرة حول السماح باستخدام جميع أنواع الأسلحة باستثناء السلاح الكيميائي، وهو ما يعني موافقة ضمنية على العمل العسكري نفسه.

هل كانت «ورقة المبادئ» التي طرحتها واشنطن في اجتماع المجموعة المصغرة هي الحدث الفصل بين استرخاء وتسليم أمريكي لروسيا، وتشدد مستجد؟ أم أن «حكمة» بوتين دفعته إلى إرضاء تركيا للحفاظ على إطار آستانة ـ سوتشي الثلاثي. ذلك أن انفراط عقد هذا الثالوث من شأنه المخاطرة بعدم ترجمة الإنجازات العسكرية الروسية في سورية إلى نتائج سياسية.

حتى هذا التفسير لا يبدو مرضياً، لأن أبرز ما حدث في قمة سوتشي، كان غياب الرئيس الإيراني حسن روحاني عنه. فبدا الأمر وكأن ما تعذر الوصول إليه، في قمة طهران، بحضور إيران، بات ممكناً في غيابها في سوتشي. صحيح أن إيران ليست في وضع مريح يتيح لها تفكيك الإطار الثلاثي، بخلاف تركيا، لكن استبعادها عن القرار بشـأن مصير إدلب قد يشكل سابقة يبنى عليها بخصوص الوجود الإيراني في سوريا ككل، وهو الأمر الذي تشدد عليه واشنطن في إطار مواجهتها الشاملة ضد إيران.

يبقى أن مصير إدلب لا يمكن أن يخضع لتوقعات دقيقة، بسبب تعدد العوامل الفاعلة فيه، من جبهة تحرير الشام (النصرة سابقاً) إلى الفصائل المتحالفة مع تركيا، إلى الحراك المدني الذي شهد انتعاشاً كبيراً في الأسبوع الماضي، إلى العلاقة الدقيقة بين أنقرة وموسكو، إلى ما قد تريده واشنطن وتستطيع إرغام موسكو عليه، وصولاً إلى «العملية السياسية» التي يعمل عليها ديمستورا وغيرها من العوامل السيالة.

خريطة الطريق التي اتفق عليها بوتين وأردوغان تمتد زمنياً لتنفيذها إلى شهر كانون الأول. ما يعني أن الروس يراهنون على «حل تركي» لموضوع هيئة تحرير الشام، ثم للفصائل «المعتدلة»، بموازاة عملية ديمستورا السياسية بشأن الدستور. فبوتين يطمح لإنهاء الصراع في سوريا قبل نهاية العام. لننتظر ونرى ما إذا كان للأمريكيين رأي آخر.

٭ كاتب سوري

==========================

موقفنا : انتخابات المجالس الأسدية .. ندرة في المرشحين وغياب للناخبين ..فما الرسالة !؟

زهير سالم

17 / 9 / 2018

مركز الشرق العربي

جرت في الأمس/ 16/ 9 / 2018 / في مناطق سيطرة الميليشيات الأسدية من الأرض السورية انتخابات ما يسمى " المجالس المحلية " متأخرة عن موعدها الدوري المقرر قريبا من ثلاثة أعوام .

ما أراده بشار الأسد من هذه الانتخابات ، أن يرسل رسالة للعالم ، أن سيطرته "الرشيدة " على المناطق المنكوبة به مستقرة وديمقراطية وهي ذاهبة بهذه "السورية " ، لتكون على الأنموذج السويسري كما يبشر أحد الإعلاميين السوريين .

وفي الوقت الذي أعلنت فيه الأدوات المخرجة للمسرحية العجفاء ، عن إشراف قضائي ، ويمين قانونية للمشرفين على الانتخابات " النزيهة جدا" ، وعن نجاح تام لعملية الانتخابات ، أدى تحت ضغط الناخبين وإلحاحهم إلى تمديد فترة الانتخابات حتى منتصف ليل الاثنين ؛ فإن صور مراكز الاقتراع ، الخاوية على عروشها ، التي عرضتها وكالات الأنباء المسموح لها أن تتجول في المناطق الأسدية ، كانت تحمل أوضح رسالة على حقيقة الأمر ، بالطبع استطاعت وكالة سانا أن تجمع بعض الحشود الوقتية لالتقاط الصور التذكارية لللانتخابات الديمقراطية ..

لن نتحدث في السياق عن ثلث الأرض السورية المحررة ، وعن ثلث السكان السوريين المهجرين ولكن سنزيد أن حلفاء بشار الأسد وعملاءه من إرهابيي " قسد " رفضوا هم أيضا في أن تجري الانتخابات في المناطق التي يغتصبونها من الأرض السورية تحت الرعاية الأمريكية ، واعتبروا في إجراء هذه الانتخابات مساسا بسيادتهم الوطنية التي تنازل لهم عنها بشار الأسد ..والأخطر في الأمر أن ممثل السيادة " الوطنية " اعترف لهم بهذا الحق ؛ فاكتفى بفتح مقرين شكليين للانتخابات أحدهما في مركز مدينة الحسكة ، والآخر في مركز مدينة القامشلي ..

يتساءل المواطن السوري المنكوب تحت ظل الاحتلال الأسدي بهمس : لماذا الانتخابات ، ما دام كل شيء محسوما ومقررا ؟!

وحين يدعي مواطن آخر : سنحاول لنعطي فرصة للمرشح الأقل سوء ..أو للأكفء ..يجيبه الأول ، كما تنقل بعض الوكالات : كل المرشحين هم من أصحاب السمعة السيئة والكفاءة المتدنية . وإذا تنافسوا على شيء فلن يتنافسوا إلا على تقديم المزيد من الخدمات للمستبدين الفاسدين ، يعني أنهم سيتنافسون في الفساد وعلى خدمة الفاسدين .

وبعيدا عن القيل والقال ، وآراء المجموعات والأفراد نعود لنعرف حقيقة ما جرى في انتخابات المجالس الأسدية إلى الرقم الشفاف الذي لا يكذب أبدا ...ليس الرقم الذي سيعلن عنه القضاة المحلفون !! وإنما الرقم العملي الذي تم الإعلان عنه قبل الدخول في حمى التنافس " النزيه " :

لقد جرت العادة في عالمنا المنكوب أن يكون عدد المتنافسين على المقعد الواحد من 5 – 10 مرشحين ..

ماذا سيقول القضاة المحلفون حين يعلمون أن نسبة عدد المرشحين لعدد المقاعد الأسدية المتنافس عليها هي تقريبا 2/1 ..بمعنى أنه حتى الكلاب ظلت راغبة عن الجيفة الأسدية ، فهل من مدكر ...

وهل رسالة أوضح في أن عامة الشعب السوري تشعر بنوع من القرف والغثيان إزاء كل ما يصدر عن هذه العصابة كما إزاء كل ما يخرج منها..!!

ـــــــــــ

*مدير مركز الشرق العربي

=============================

كيف سيرد بوتين على عدوان إسرائيل؟

سهيل كيوان

القدس العربي

الخميس 20/9/2018

حمّلت وزارة الدفاع الروسية مسؤولية سقوط الطائرة الروسية ومقتل طاقمها إلى إسرائيل، ووصفت ما قامت به إسرائيل بالعمل غير المسؤول، وما دام هذا عملا غير مسؤول، فما هو العمل المسؤول إذن! إنه المتفق عليه، وهو تدمير أسلحة قد تصل إلى يد حزب الله، بمعنى أنه لولا سقوط الطائرة الروسية لكان الأمر عاديا ومسؤولا، ولا مانع من ضرب وتدمير ما تسميه إسرائيل مصانع ومختبرات تصنيع أسلحة في اللاذقية، قد تصل إلى يد حزب الله.

أعرب نتنياهو عن أسفه للحادث وقدم تعزيته، واعتبر أن ما حدث هو مأساة، ولكنه أكد على حقه في محاربة الوجود الإيراني في سوريا ومنعه من التموضع العميق، وقال إن الصواريخ السورية انطلقت بعد دخول الطائرات الإسرائيلية إلى شمال فلسطين، وحمّل المسؤولية لجيش النظام.

إذن كيف يمكن لبوتين أن يرد على العمل غير المسؤول وما هي حساباته؟

لقد حقق بوتين مكاسب كبيرة في سوريا جوّا وبحرا وبرّا، وفرض نفسه قوة عظمى في الشرق الأوسط، بعد استفراد أمريكا في المنطقة لحقبة طويلة، وذلك من خلال تعلّق نظام بشار الأسد فيه بشكل مطلق، فلم يعد قادرا على الاستغناء عنه، وبات من مصلحة بوتين بقاء الوضع القائم، هذا الوضع يسهم الجانب الإسرائيلي في بقائه، فهو يملك قدرة التلاعب في الأوراق والتخريب والتنغيص على بوتين. العلاقة بين إسرائيل وروسيا عميقة أكثر مما يبدو على السطح، وهناك التزام روسي بعدم تعريض أمن إسرائيل لأي خطر كان ومن أي طرف كان، وتلتزم بعدم تزويد أي طرف معاد لإسرائيل بأسلحة نوعية متقدمة، وخصوصاً في مجال الدفاع الجوي. بوتين ينظر إلى إسرائيل كحليف قوي يمكن الاستفادة منه في عدة قنوات، فهو نافذة جيّدة على أمريكا وبعض الدول الأوروبية وحتى العربية، ويفيده في داخل روسيا نفسها، بينما ينظر إلى نظام الأسد كمتذيّل له، عاجز عن الحياة بدونه. هناك مئات آلاف المواطنين في إسرائيل يحملون جنسية مزدوجة روسية وإسرائيلية، ويعيش في فلسطين حوالي مليون إنسان من أصل روسي. اللغة الروسية لها مكانة خاصة ولها حضور رسمي وشعبي، وهي منتشرة في كل شارع ومتجر، وتوجد صحف وقنوات روسية، وهي حاضرة في معظم الإعلانات ونشرات المواقع والمؤسسات.

هناك اتفاقيات تبادل ثقافية روسية إسرائيلية، وما هو مشترك بين هذه الثقافات أكثر بكثير من المشترك بين ثقافة العرب والروس عموما، إضافة للقادمين من شرق أوروبا المتأثرين بالثقافة الروسية. يقام في كل عام مهرجان للموسيقى الروسية في وسط تل أبيب يحضره عشرات الآلاف، منذ عام 2000 حتى يومنا هذا، كتعبير عن قوة الحضور الثقافي الروسي، إضافة لمئات العروض المسرحية والفنون بكافة أشكالها باللغة الروسية في معظم المدن والتعاونيات الإسرائيلية.

في الحرب ضد الشيشان وقفت إسرائيل إلى جانب روسيا، وقدّمت لها الخبرة في مجال ما يسمى مكافحة الإرهاب – الإسلامي طبعا- وما زال هذا التعاون مستمرًا.

هناك أبحاث علمية مشتركة وتعاون في مجال التكنولوجيا الدقيقة، وبالذات في ما يسمى، النانو تكنولوجيا. هناك تعاون في المجال الفضائي، حيث أطلقت إسرائيل أقماراً صناعية بمساعدة روسية.

لا تمر بضعة أسابيع، حتى يزور وفد عسكري روسي رفيع هيئة الأركان في تل أبيب، للتباحث حول التعاون والاستشارات العسكرية المتبادلة، مثل محاربة «الإرهاب»، والمقصود في هذه الحالة المعارضة السورية، كذلك فإن إحدى الغارات الإسرائيلية على قوات إيرانية في سوريا نُفذت قبل فترة وجيزة أثناء وجود وزير الدفاع الروسي في تل أبيب، كتوقيع وتأكيد على تنفيذ الاتفاقات.

كثيرا ما استخدَم ويستخدم الطيران الروسي أجواء شمال فلسطين والجولان المحتل للإغارة على مواقع المعارضة السورية، وهذا بتنسيق تام واتصال مباشر بين الطيارين الروس والدفاعات الجوية الإسرائيلية. كما توجد علاقات تجارية متنامية بين البلدين، خصوصا بعد العقوبات الأمريكية والأوروبية على روسيا، الأمر الذي أتاح لرجال أعمال إسرائيليين المزيد من الفرص في روسيا.

ما ينطبق على سوريا ينطبق أكثر على إيران، فروسيا ترى بإيران حليفا وعميلا تجاريا، ولكن من مصلحتها عدم السماح لهذا الحليف بتطوير أسلحته وقدراته العسكرية، كي يبقى معتمدا أكثر على السلاح الروسي. كذلك فهي حريصة على أن تكون هي القوة الأولى في سوريا وصاحبة القرار الأخير، ولهذا لا يقلقها ضرب إسرائيل لأسلحة وقوات إيرانية على الأرض السورية.

تخشى روسيا من مواجهة جويّة مع طيران إسرائيل وتتحاشى هذا، لأنها النتيجة قد تمس بهيبتها التي حققتها على الساحة السورية بعد عشرات آلاف الغارات على المدن والقرى السورية، وقد تؤدي المواجهة إلى تنفيس بالون دفاعاتها الجوية وقدراتها، وهذا قد يؤدي إلى خسارة مليارات الدولارات. ما يحدث في سماء سوريا يقول بأن السيطرة الإسرائيلية على الأجواء مستمرة رغم تهديدات روسية سابقة، طالما أنها تلتزم بعدم المساس بالقوات الروسية، وتقدم تبريرا «معقولا» في كل عدوان على قوات النظام، ولا حاجة لتقديم تبرير للغارات على القوات الإيرانية. بالتأكيد لن يتغير شيء في العلاقات والتعاون بين الطرفين في شتى المجالات، وقد يُنشر استنتاج يبرّئ إسرائيل تماما من التسبب في سقوط الطائرة الروسية ومقتل طاقمها، وأغلب الظن أن الإجراءات التي يتحدث عنها بوتين تعني زيادة التعاون والتنسيق العسكري بين روسيا وإسرائيل.

كاتب فلسطيني

==========================

إدلب وحسابات سوتشي

مروان قبلان

العربي الجديد

الاربعاء 19/9/2018

باتت مدينة سوتشي الروسية، والتي غدت عاصمة صيفية لزعماء الكرملين منذ عام 1954، مرتبطةً في ذاكرة السوريين بقضايا الحرب والسلم في بلادهم أكثر من أي مكان آخر في العالم، ذلك أن المدينة الواقعة على البحر الأسود، والتي انتزعتها موسكو من جورجيا مع نهاية الحرب الأهلية الروسية (1917-1922)، شهدت على مدار السنوات الخمس الماضية أهم النقاشات، واتخذت فيها أهم القرارات التي حدّدت مصير الصراع السوري واتجاهاته. جديد سوتشي هذه المرة هو الاتفاق الروسي - التركي على إنشاء "منطقة منزوعة السلاح" في إدلب.

في ضوء الحشد والاستعداد للحرب، مثّل الاتفاق مفاجأة لكثيرين، على الرغم من أن احتمالاته كانت تتزايد كل يوم، مع تكثف الاتصالات الروسية - التركية بعد فشل قمة طهران. وقد ساهمت مجموعة من العوامل في إقناع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بقبول العرض التركي في التوصل إلى تسوية سياسية في إدلب، بدل اللجوء إلى حلها بالقوة، أهمها أن عملية عسكرية كبيرة كانت ستؤدي بالضرورة إلى انهيار مسار أستانة، وقد غدت الورقة السياسية الوحيدة التي تملكها روسيا، في هذه المرحلة من الصراع، في مواجهة مجموعة الخمس (الولايات المتحدة، فرنسا، بريطانيا، السعودية، والأردن)، والتي تحوّلت إلى سبع بانضمام ألمانيا ومصر إليها. وقد عادت هذه المجموعة إلى النشاط أخيرا بإصدارها مجموعة المبادئ حول حل الصراع في سورية، في مواجهة المقاربة الروسية القائمة على ثنائية الدستور والانتخابات. بيّن اتفاق إدلب أهمية تركيا روسيًا، وأوضح مقدار حاجة بوتين إليها، واستعداده للتراجع، حفاظًا عليها شريكا في الحل السياسي السوري.

في إطار استراتيجي أوسع، بدا للرئيس الروسي أن عملية عسكرية كبيرة في إدلب ستؤدي، بالضرورة، إلى تبديد كل جهوده لانتزاع تركيا من حضن الغرب، والمستمرّة منذ المحاولة الانقلابية الفاشلة في يوليو/ تموز 2016، بما في ذلك مساعيه لربط تركيا بروسيا باتفاقيات حول التجارة والطاقة، وحتى تزويدها بمنظومة صواريخ إس 400 التي رفض إعطاءها لإيران. وقد نجح الرئيس التركي، أردوغان، في إيضاح أهمية إدلب لمصالح بلاده، من خلال المقاومة الصلبة التي أبداها لمنع هجوم عليها؛ إذ لم تكتف تركيا بإعلان معارضتها الهجوم على إدلب، كما فعلت إزاء تصفية بقية مناطق خفض التصعيد، بل وفّرت كل وسائل الدعم للمعارضة السورية، استعدادا لمواجهة كبرى محتملة. وحشدت فوق ذلك عشرات الآلاف من قواتها داخل منطقة خفض التصعيد، وعلى الحدود معها، وكأنها تقول إن إدلب خطها الأحمر.

وقد تكون التحذيرات الدولية المتعاظمة من وقوع حمام دم في إدلب ساهمت أيضا في دفع روسيا إلى القبول بالتسوية، ذلك أن سقوط مدنيين بأعداد كبيرة كان سيضع ضغطا كبيرا على الرئيس بوتين الذي لا يهتم عادة بهذا الشأن، لولا أن استراتيجيته أخيرا أخذت تتمحور على إعادة اللاجئين وإعادة الإعمار. وقد يكون لتصاعد النبرة الأميركية المحذّرة من هجوم كبير على إدلب دور أيضا في إعادة النظر في حسابات روسيا الميدانية.

فوق ذلك، قدّم الرئيس أردوغان عرضا يصعب على بوتين رفضه، ذلك أنه يحقق له وللنظام السوري جزءا مهما من الأهداف التي كانا يسعيان إليها من عملية عسكرية، إنما من دون قتال؛ فإنشاء منطقة منزوعة السلاح، بعمق يتراوح بين 15-20 كلم، وإبعاد فصائل المعارضة إلى الشمال يوفران الحماية لقاعدة حميميم الجوية الروسية. النظام السوري هو الآخر حصل على ما يريد، أي فتح الطريق الدولي بين اللاذقية وحلب وبين حماة وحلب. أما أردوغان فقد حصل على إقرار روسي بنفوذ تركيا في إدلب، وحفظ مصالحها فيها، سواء المتعلقة بمنع تهجير مئات آلاف اللاجئين، أو المحافظة على فصائل المعارضة، باعتبارها قوة مهمة للضغط باتجاه الحل السياسي. العامل الأخير والمهم الذي ساهم في التوصل إلى اتفاق هو غياب الطرف الإيراني، وقد أثبتت التجارب السابقة أن روسيا وتركيا تتفاهمان أفضل، عندما لا تكون إيران موجودة، حصل هذا في اتفاق حلب في ديسمبر/ كانون الأول 2016، وفي اتفاق خفض التصعيد في إدلب في سبتمبر/ أيلول 2017، وفي مناسبات عديدة أخرى. السؤال الكبير الآن: هل يصمد الاتفاق؟ الإجابة نعم، إنما حتى تتغيّر الظروف والحسابات وموازين القوى.

==========================

مظاهرات إدلب.. الحكاية من البداية

بشير البكر

العربي الجديد

الاربعاء 19/9/2018

خرجت محافظة إدلب، وأجزاء من محافظتي حلب وحماة في مظاهرات حاشدة يوم الجمعة (14 سبتمبر/ أيلول الحالي)، وهذه هي المرة الأولى التي يتمكّن فيها الحراك المدني من العودة إلى التظاهر بحرية، بعيدا عن قمع التنظيمات الإرهابية، مثل داعش وجبهة النصرة، اللذين هيمنا على المشهد منذ بدايات عام 2013، وحرفا الثورة، تدريجيا، عن هدفها الأساسي ومشروعها الوطني الديمقراطي.

أعادت المظاهرات مشاهد 2011، حين نزل السوريون من أقصى الجنوب في درعا حتى أقصى الشمال في القامشلي، وهم يهتفون "الشعب يريد إسقاط النظام"، وكان ذلك قبل أن يدخل السلاح في المعادلة بتخطيط من النظام، وشارك في إحدى مظاهرات يوم الجمعة حوالي ثمانية ملايين.

يبالغ كثيرا كل من يحسب أن مظاهرات إدلب ستعيد الموقف إلى ما كان عليه في 2011، لكن لا يمكن التقليل من أثرها السياسي المباشر، فهي عكست نفسها على قمة الرئيسين، التركي والروسي، رجب طيب أردوغان وفلاديمير بوتين، يوم الاثنين الماضي، ولعبت دورا في تجنيب المحافظة عملية عسكرية واسعة، كانت ستنتهي إلى ضحايا ودمار وتهجير.

وجاءت المظاهرات، لترد على الزعم القائل إن الثورة انتهت كليا، وأصاب الشارع السوري اليأس والإحباط. وأيقظ الشعار الذي رفعه المتظاهرون "لا بديل عن إسقاط النظام" نوعا من النوستالجيا لدى السوريين. ومع أنهم يعرفون أنه بات مستحيلا أن تتجدد الثورة اليوم، وهي تواجه الحرب الروسية الإيرانية ضدها، فإنهم أرادوا أن يعبروا عن رفضهم عودة نظام الأسد إلى المناطق التي لا تزال خارج سيطرته، لا سيما أن إدلب استقبلت، عدة أعوام، جميع الرافضين للمصالحة مع النظام، والذين نزحوا إليها من جميع المناطق، ويشكل هؤلاء، مع أهل إدلب، أكثر من ثلاثة ملايين.

أما في ما يخص التنظيمات الإرهابية، وفي مقدمتها جبهة النصرة، فقد اختفت من مسرح المظاهرات، ولم تقم بما يمكن أن يقمعها، جريا على عادتها في الأعوام الماضية، حيث منعت رفع راية الثورة، واعتقلت الناشطين الذين ينادون بالسلمية والانتماء للجيش الحر. ولا يمكن تفسير هذا الموقف بأنه من باب مكارم الأخلاق، أو صحوة في لحظة مفصلية في مصير هذه المنطقة، بل هو خوف من رد الفعل الشعبي تجاه هذه الجماعات التي سمّمت حياة الناس، وساهمت بسلوكياتها في تمهيد الأرض من أجل عودة النظام.

يشكل هذا الموقف مناسبةً من أجل العمل على عزل هذه المجموعات، ومنعها من إفشال الاتفاق التركي الروسي، ومن تقديم ذريعة جديدة لروسيا وإيران للهجوم الواسع على إدلب والتنكيل بها، مثلما حصل في حلب والغوطة ودرعا. وفي هذه الحالة، ليس من مصلحة أهل إدلب إيجاد مخرج لجبهة النصرة وأخواتها من التنظيمات الإرهابية، فهؤلاء ركلوا عشرات المبادرات التي تم تقديمها لهم، كي يحلوا أنفسهم، إلا أنهم أصرّوا على خدمة أجنداتٍ خارجية، وبالتالي تلوح فرصة اليوم لتصعيد العمل ضد التنظيمات الإرهابية وطردها من محافظة إدلب المكتظة بالمدنيين.

كرّرت إدلب ما قالته حلب والغوطة ودرعا من أن الثورة لم تنهزم، وهي يمكن أن ترفع رأسها إذا زال خطر براميل النظام وبندقية التنظيمات الإرهابية وأمراء الحرب. الشعب السوري ضحية هذه المعادلة منذ عام 2013، ولا خلاص فعليا للمناطق المحرّرة من النظام إلا بعودة الحراك المدني الذي سوف يغيّر مجرى المعادلة الحالية.

المظاهرات هي عينة من بلد يريد الروس والإيرانيون أن يعود بشار الأسد وأجهزته لحكمه. وقبلها كانت المناطق التي أخضعوها، بقوة السلاح والدمار، تحت ذريعة الإرهاب. ريف حمص، حلب، ريف دمشق، الغوطة، درعا، وهي مرشّحة للسير على خطى إدلب.

==========================

إدلب والمأزق الروسي

علي العبدالله

العربي الجديد

الاربعاء 19/9/2018

باتفاق الرئيسين، الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان، على معالجة ملف محافظة إدلب في سورية، في قمتهما في سوتشي أول من أمس الاثنين (17/9/2018)، جنّبا المحافظة حربا مدمرة، عبر حل وسط يلبّي تطلعات الدولتين ومصالحهما المرحلية. وقد أدّى اجتماع ثلاثة عوامل إلى إرباك الخطة الروسية للهجوم على محافظة إدلب: التحرّك الشعبي الذي شهدته مدن المحافظة وبلداتها وقراها وريفا حماة وحلب. الموقف التركي الرافض لأي عمل عسكري. الاعتراض الغربي، خصوصا الأميركي، القوي.

مهدت روسيا للعملية العسكرية في محافظة إدلب بحملةٍ إعلاميةٍ وعسكريةٍ ركزت فيها على ما أسمته "تحوّل المحافظة إلى معقل للإرهابيين"؛ أبرزت نشاطاتهم: إرسال طائرات مسيّرة، قالت مصادر قاعدة حميميم إنها أسقطت 47 طائرة منها في الأشهر الأخيرة، والقصف المدفعي والصاروخي الذي يستهدف مواقع النظام في الساحل السوري، وربطت العملية العسكرية بضرورة تأمين القاعدتين، الجوية والبحرية، ومواقع النظام عبر التصدّي للإرهابيين، وإنها قصفت مواقع إطلاق الطائرات المسيرة التابع لجبهة النصرة ودمّرته (قالت مصادر إعلامية إن القصف الروسي لم يستهدف مواقع المعارضة ومقارّها، ولا مستودعاتها، ولا تحصيناتها المنتشرة على كامل خطوط التماس، وإنما تركزت الغارات على أهداف مدنيّة؛ منازل ومزارع مأهولة بالسكان وسيارات وحافلات تنقل أهالي المنطقة النازحين الهاربين من القصف). وتحدثت روسيا عن التحضير لعملية تفجير كيماوي، تقوم بها هيئة تحرير الشام وحزب التحرير التركستاني، بالتنسيق مع أصحاب الخوذ البيضاء، تحت إشراف المخابرات البريطانية واتهام النظام بالعملية لتبرير قصفٍ غربي لمواقعه، وربطت بين القضاء عليهم وعودة الحياة الطبيعية والتوصل إلى تسويةٍ سياسيةٍ.

عوّلت روسيا على قمة طهران في تقديم غطاء سياسي للعملية العسكرية المرتقبة، لكنها فوجئت 

"أغفلت الحسابات الروسية نقاطا حسّاسة بالنسبة لتركيا، أولها أهمية محافظة إدلب الجيوسياسية" بموقف تركيا المتحفظ، وبتمسّكها بالإبقاء على خفض التصعيد في المحافظة، مع تقديم ضماناتٍ بعدم تعرّض قاعدة حميميم، أو مناطق سيطرة النظام في الساحل، لأية عمليات عسكرية، وهذا ما لا تقبله موسكو. واعتمد التحضير الروسي للعملية العسكرية على حسابات ميدانية وسياسية غير عقلانية، أساسها أن ما حصل في الغوطة الشرقية ومحافظتي درعا والقنيطرة زرع بذرة شك قوية بجدوى التصدّي للآلة العسكرية الروسية الكاسحة في أوساط فصائل المعارضة المسلحة؛ والخوف والرعب في حاضنة الثورة، وهذا قادها إلى تكرار ما فعلته في الهجوم على درعا بإرسال ضباط روس، لتلقي موافقات قادة الفصائل في إدلب وريفي حماة وحلب على الدخول في مصالحاتٍ مع النظام، والانخراط في صفوف الفيلق الخامس أو قوات النمر، المقرّبة من روسيا، كي تتحاشى مصير الذين رفضوا المصالحة في الغوطة الشرقية ودرعا، أي القتل والتدمير والتهجير القسري، وتحتفظ لفصائلها بدور في إدارة مناطقها. وأنه (ما حصل في الغوطة ودرعا والقنيطرة)، إن لجهة متانة الإصرار الروسي على إنهاء الصراع العسكري، أو لجهة تقييد حركة القوات الإيرانية ومليشياتها المذهبية فيهما، كافٍ للجم أي اعتراضٍ تركي، فتركيا لن تكون قادرةً على الاعتراض، في ضوء حاجتها إلى الغطاء الروسي، لبقائها في منطقتي "درع الفرات" و"غصن الزيتون"، وجود يحفظ لها موقعها على طاولة المفاوضات بشأن الحل النهائي في سورية، ما يتيح لها حماية مصالحها الوطنية، ولاحتواء الضغوط الأميركية المتصاعدة عليها، من جهة، وإغوائها، من جهة ثانية، بإضعاف غريمتها ومنافستها: إيران في سورية عن طريق تحديد جغرافية انتشارها وحجمه ونوعيته. واعتبرت ما حصل في محافظتي درعا والقنيطرة بتخلّي أميركا عن الفصائل المسلحة هناك بمثابة ضوء أخضر أميركي، عزّز هذا التقدير ما خلفه لقاء القمة بين الرئيسين الأميركي والروسي في هلسنكي من انطباع لدى الرئيس الروسي حول قبول واشنطن الدور الروسي في سورية، واستعدادها للتعاون معها في حل المشكلات الإقليمية والدولية، للتحرّك في كل الأرض السورية، باستثناء المنطقتين اللتين يسيطر عليهما حلفاؤها شمال شرق سورية ومحيط قاعدة التنف.

جاءت الضربة الأولى، والأقوى، للحسابات الروسية من الحراك الشعبي في مدن محافظة إدلب وريفي حماة الشمالي وحلب الشمالي والغربي (100 نقطة تظاهر)، وبلداتها وقراها، وما عكسته التظاهرات الكبيرة، بشعاراتها ومطالبها، من رفض قاطع للمطلب الروسي الدخول في المصالحة؛ والدعوة إلى الثبات في الأرض، ووضع الفصائل بحماية المدنيين، إجهاض الذريعة الروسية القائلة بأخذ المدنيين رهائن ودروعا بشرية، والتمسّك بأهداف الثورة في التغيير. وجاءت الضربة الثانية من تركيا، حيث رفضت أي عمل عسكري في المحافظة، اعتبرت الهجوم على إدلب هجوما عليها، وتحرّكت دوليا لحشد التأييد لموقفها، ونجحت في ذلك، حيث وجهت دول كثيرة تحذيراتٍ من الكارثة الإنسانية التي ستحصل، في حال تم الهجوم على المحافظة في ضوء الكثافة البشرية، وعدم وجود بدائل للمحافظة. وعزّزت موقفها بخطوتين ميدانيتين: حشد عسكري هجومي، 30 ألف جندي، بما في ذلك قوات خاصة، دبابات ومدافع ميدان عيار 155 مم، تذخير فصائل المعارضة ودفعها إلى رفع جاهزيتها، والاستنفار استعدادا لمعركة وشيكة. وجاءت الضربة الثالثة من الغرب، أميركا خصوصا، حيث تم توجيه تحذير أميركي فرنسي بريطاني ألماني، شديد اللهجة، للنظام من أي استخدام للأسلحة الكيماوية، وإنذار من ارتكاب مجازر بحقّ المدنيين، وتعزيز القوات الأميركية قدراتها التسليحية في شمال شرق سورية (حشد بحري كبير وأسلحة برية ثقيلة ورادارات ثابتة ومحمولة)، وإجراء مناورة بالذخيرة الحية في منطقة التنف، وحشد بحري كبير في المتوسط، وطرح بديل سياسي للتصوّر الروسي للحل على شكل "إعلان مبادئ"، سلم للمبعوث الأممي، ستيفان دي ميستورا، خلال اللقاء الذي جمعه بما تسمى "المجموعة المصغّرة لأصدقاء سورية (الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا والسعودية ومصر والأردن)، قائم على عملية سياسية، بإشراف الأمم المتحدة، تؤدي إلى المحاسبة والعدالة الانتقالية ومصالحة وطنية جدّية، وإصلاحات دستورية تتعلق بصلاحيات رئيس الجمهورية والوزارة والبرلمان، تحقق استقلال السلطات الثلاث، ولامركزية إدارية وانتخابات حرة ونزيهة؛ وربط إعادة الإعمار بالعملية السياسية، بالإضافة إلى التحرّك في مجلس الأمن، وتحويله إلى ساحة لنقد روسيا وتقريعها وكشف عزلتها دوليا. وقد زاد في حراجة الموقف الروسي تحذير الأمم المتحدة، ومنظماتها الحقوقية، من كارثة إنسانية، في حال شن عملية عسكرية في محافظة إدلب (مقتل مئات الآلاف ونزوح قرابة المليون مواطن).

أغفلت الحسابات الروسية نقاطا حسّاسة بالنسبة لتركيا، أولها أهمية محافظة إدلب الجيوسياسية، لقربها من الحدود التركية، والفرصة التي يتيحه لها بقاؤها منطقة خفض تصعيد تحت إشرافها، لحماية قواتها في منطقتي "درع الفرات" و"غصن الزيتون" من جهة، ولعب دور في التفاوض على الحل السياسي في سورية، من جهة ثانية، وارتباط ذلك باستمرار مسار أستانة الذي تعوّل 

"حدّد الموقف التركي مصير محافظة إدلب، والعملية العسكرية المرتقبة، مرحليا على الأقل" عليه روسيا كثيرا، في ضوء تهديد تركيا بانتهائه، في حال نفذت العملية العسكرية في محافظة إدلب، خصوصا وأنها تحتاج تركيا ورقة قوةٍ في وجه التحالف الغربي، من جهة ثالثة، وحاجة تركيا لإثبات صدقيّتها في الفضاء السنّي، عبر التمسّك بدعم المعارضة السورية، وإبراز وزنها العسكري والسياسي؛ وأنها ليست الطرف الضعيف في ثلاثي أستانة، من جهة رابعة. فالضغط العسكري على تركيا، وفرض أمر واقع في محافظة إدلب بشنّ عملية عسكرية واسعة، سيدفعها إلى إعادة العلاقات مع أميركا والاتحاد الأوروبي، ما يؤدّي إلى عزل روسيا، ونسف الحل السياسي الروسي في سورية، خصوصا وأنها تواجه تململا من إيران، في ضوء تفاهمات روسية أميركية وإسرائيلية حول الأخيرة في سورية، وهواجسها من تفاهم آخر أميركي روسي لتعويض النقص في معروض النفط عند تنفيذ العقوبات الأميركية على النفط الإيراني بداية شهر نوفمبر/ تشرين الثاني. ناهيك عن عدم رغبتها في استفزاز تركيا، شريكتها التجارية ورئتها المهمة في مواجهة العقوبات الأميركية، بالمشاركة في العملية العسكرية في محافظة إدلب، هذا ما عكسه تصريح مساعد وزير الخارجية الإيراني، حسين جابري أنصاري، عن تريث بلاده بخصوص العملية العسكرية في محافظة إدلب، علما أنها حشدت على خطوط التماس مع فصائل المعارضة المسلحة، ما يشير إلى رغبتها في قبض ثمن المشاركة من روسيا، وتحميل الأخيرة مسؤولية استفزاز تركيا بإطلاق العملية العسكرية.

حدّد الموقف التركي مصير محافظة إدلب، والعملية العسكرية المرتقبة، مرحليا على الأقل، فتمسّك تركيا بموقفها عزّز صمود فصائل المعارضة، وفتح لأميركا باب الدخول على الخط، للضغط على روسيا وإيران، ودعم تركيا بتعزيز موقفها عبر تبنّي مواقف سياسية تجهض أهداف روسيا، عبر رفض شرعية العملية السياسية التي تريد ولوجها في ضوء نتائج العملية العسكرية. لذا جاء اتفاق سوتشي ملبّيا مطالب الطرفين: منطقة عازلة ومنزوعة السلاح تبعد الفصائل، وتحدّ من قدرة هذه الفصائل على مهاجمة القاعدتين، ومناطق سيطرة النظام، نزع سلاح الفصائل الثقيل، فتح طريق حلب دمشق وحلب اللاذقية، مطالب روسيا، وبقاء محافظة إدلب منطقة خفض تصعيد تحت إشراف تركيا، مطالب تركيا، بعد القضاء على التنظيمات المتطرّفة.

==========================

مستقبل سوريا في قبضة الولايات المتحدة وروسيا

ماجد الكيالي

العرب اللندنية

الاثنين17/9/2018

ثمة حراكات سياسية ثنائية وجماعية محمومة تتعلّق بالصراع السوري، فبعد قمة طهران في 7 سبتمبر الجاري بين الرؤساء فلاديمير بوتين وحسن روحاني ورجب طيب أردوغان، ثمة حديث عن لقاء جديد بين الرئيسين الروسي والتركي في سوتشي اليوم (17 سبتمبر)، في حين شهدت إسطنبول يوم 14 سبتمبر اجتماعات لممثلين عن تركيا وروسيا وألمانيا وفرنسا، كما شهدت جنيف، في ذات اليوم، اجتماعاً لمجموعة السباعية الدولية، التي تضم الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وبريطانيا والسعودية ومصر والأردن، ناهيك عن اجتماع ضمّها مع المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا، الذي اجتمع أيضا مع ممثلي الدول الضامنة الثلاث (تركيا وإيران وروسيا) في جنيف، لبحث مسألة تشكيل اللجنة الدستورية.

الجدير بالذكر أن هذه الاجتماعات أتت مسنودة بمواقف جديدة، وبتحركات أو خطوات عملية لافتة على الأرض، إذ أقامت الولايات المتحدة عدة نقاط عسكرية جديدة لها في مناطق مختلفة شرقي الفرات التي تخضع لسيطرتها، علما أنها تساوي حوالي ثلث مساحة سوريا مع احتوائها على أهم موارد طبيعية لها، كما نظمت مناورة عسكرية مع فصائل عسكرية للمعارضة السورية في منطقة التنف، مع إعلانها عن خطة جديدة إزاء سوريا توضح فيه موقفها من حل الصراع السوري، الذي لا يقتصر على إنهاء تنظيم داعش وإنما هو يشمل، أيضاً، إنهاء نفوذ إيران، وإيجاد حل سياسي للصراع السوري.

وحتى ألمانيا فقد أعلنت صراحة عن رغبتها في الحضور عسكريا في سوريا، إلى جانب رفضها، مع فرنسا وبريطانيا، أي مشاركة في الإعمار أو حل مشكلة اللاجئين السوريين قبل فرض حل سياسي، مع مشاركتها في الاجتماع الرباعي في أنقرة والسباعي في جنيف.

أما بخصوص تركيا التي أضحت تبدو أكثر انغماسا في الصراع السوري (بعد إيران وروسيا)، من الناحيتين السياسية والعسكرية، فقد قامت بحشد قوات كبيرة في ريف إدلب، وأقامت نقاطا عسكرية جديدة، إضافة إلى تقديمها أسلحة وذخائر للفصائل العسكرية المعارضة المدعومة من قبلها، هذا مع إعلان رئيسها تصميمه على الحيلولة دون أي هجوم على إدلب يعيدها إلى سيطرة النظام.

بالمحصلة يبدو أن جملة هذه المواقف والتحركات السياسية والعسكرية، ولا سيما منها الموقف الأميركي، هي التي أوقفت أو فرملت الهجوم الروسي، أو هجوم النظام على إدلب، وليس الموقف التركي لوحده على أهميته.

بيد أن كل تلك التحركات السياسية والعسكرية المحمومة، لا تفيد بالضرورة بزيادة حدّة الصراع العسكري، بل قد تفيد بأن الأوضاع باتت ناضجة للتحول من مرحلة الصراع الدولي والإقليمي على سوريا، إلى مرحلة تقرير مستقبل سوريا، مع علمنا أنه طوال الفترة الماضية كانت سوريا مجالا للصراع بين أطراف دولية وإقليمية، وأن المسألة كانت قد خرجت وبشكل مبكر، من كونها حراكا شعبيا أو ثورة شعب، ضد نظام حكم سوريا قرابة نصف قرن.

إيران هي التي ستدفع الثمن من وجودها في سوريا، في مختلف الأحوال، وربما يشمل ذلك العراق ولبنان أيضا، وذلك من مختلف الأطراف (الولايات المتحدة وروسيا وتركيا والبلدان العربية خاصة الخليجية)

بيد أن الحديث عن الانتقال من مرحلة إلى مرحلة لا يعني أن الأطراف ذاتها، التي كانت مشاركة في هذا الصراع، وهي روسيا وإيران وتركيا والولايات المتحدة، إضافة إلى مداخلات من هذه الدولة العربية أو تلك، هي ذاتها التي ستقرّر مصير سوريا وشعبها ونظامها السياسي، وإن كان سيكون لها بعض التأثير في ذلك بحكم الواقع، ذلك أن العديد من الدول يمكن لها أن تشارك في حرب هنا أو معركة هناك، بهذا القدر أو ذاك، لكن فرض الاستقرار والإعمار وإعادة اللاجئين، هي مسائل تحتاج إلى دول لديها الإرادة على الحسم بالإضافة إلى القدرات والإمكانيات، المالية والاقتصادية والسياسية.

على ذلك ليس من المبالغة القول إن الولايات المتحدة ومعها روسيا، هما اللتان باتتا تتحكمان بالقرار المتعلّق بإنهاء الصراع في سوريا واستعادة الاستقرار وحتى تقرير شكل النظام السياسي في هذا البلد ربما.

ثمة هنا استدراكان، أولهما أنه لا يوجد مساواة بين الولايات المتحدة وروسيا، بل ثمة فرق كبير وهائل بين إمكانيات كل من الدولتين، ما يعني أن القرار بالحسم هو قرار أميركي بشكل رئيسي، ومن غير اليقيني اعتبار أن الولايات المتحدة حسمت قرارها بهذا الخصوص حتى الآن، رغم أن المؤشرات تبيّن أنها باتت تسير في هذا الاتجاه بعد وضعها خطة للتعامل مع الوضع السوري مؤخرا، تحولت إلى وثيقة إعلان مبادئ للدول المشاركة في الاجتماع السباعي المذكور أعلاه. أما روسيا فإن دورها على الأرجح سيكون ضمان الاستقرار والقيام بدور الوكيل في إيجاد المخرج المناسب للنظام للضغط عليه، أو إيجاد مخارج له للخروج من المشهد بأقل كلفة أو تبعات ممكنة.

أما ثاني تلك الاستدراكات فيتعلق بالطرفين الإقليميين المعنيين بالصراع السوري، إذ أن الولايات المتحدة لن تتسامح بأي حال مع تزايد نفوذ إيران في سوريا، سيما إذا كان له طابع عسكري، في حين أنها لا بد أن تأخذ باعتبارها المصالح التركية في هذا البلد، رغم التباينات بين الطرفين، التي لها علاقة بتحجيم الطموحات التركية أكثر من كونها محاولة لإنهاء النفوذ التركي. في المقابل لن يهم الولايات المتحدة إن كانت سوريا منطقة نفوذ روسية فهي كانت كذلك، وحتى عندما كانت على هذا النحو فإنها كانت في ظل نظام الأسد لا تتعارض مع المصالح الأميركية من مختلف النواحي، على ما شهدنا طوال العقود الماضية.

من كل ذلك يستنتج بأن إيران هي التي ستدفع الثمن من وجودها في سوريا، في مختلف الأحوال، وربما يشمل ذلك العراق ولبنان أيضا، وذلك من مختلف الأطراف (الولايات المتحدة وروسيا وتركيا والبلدان العربية خاصة الخليجية)، إلى هذه الدرجة أو تلك، ولعل هذا الوضع الحرج هو الذي يفسر المأزق الإيراني، لأن الثمن قد يكون في إيران ذاتها في حال كان ثمة ممانعة إيرانية لأي ترتيبات دولية في سوريا.

طبعا ثمة طرف إقليمي آخر في سوريا، وهو إسرائيل، إلا أن الأخيرة تأكدت أن مصالحها الأمنية باتت مضمونة، ويحسب حسابها من مختلف الأطراف، سيما من الولايات المتحدة وروسيا وحتى إيران، التي رضخت لإبعاد قواتها، والميليشيات التابعة لها مسافة 80 كلم عن الحدود الجنوبية لسوريا، بعد الضربات الإسرائيلية المتوالية التي وجهت إليها، من دون أن تقوم بأي ردّ، يتناسب مع ادعاءاتها بالمقاومة ومصارعة إسرائيل، التي تبينت أنها مجرد شعارات للتوظيف والاستهلاك والمزايدة.

==============================

هل خسرت روسيا الحرب في سورية؟

برهان غليون

العربي الجديد

الاثنين17/9/2018

خرج مئات آلاف المدنيين السوريين يوم الجمعة (14 سبتمبر/ أيلول 2018) في جمعة أطلقوا عليها اسم جمعة "لا بديل عن إسقاط النظام"، في مظاهرات حاشدة، رفعوا فيها أعلام الثورة الخضراء في أكثر من مائتي نقطة تظاهر في مدن إدلب، وسراقب، وأريحا، ومعرّة النعمان، وجسر الشغور، وبلدات كفر تخاريم، وبنش، والدانا، ودركوش، وتفتناز، وأطمة، ومعرّة النعسان، والهبيط، ومحبمل، وحزانو. وكذلك في أرياف حلب الغربية والشمالية والشرقية، في إعزاز، والباب، والأتارب، وجرابلس، وعندان، ومارع، وبلدات الأبزيمو، وباتبو، وأورم، ودارة عزة، وكفرنوران، والجينة، وفي ريف حماة، شمال المحافظة وغربها، في مدن قلعة المضيق، واللطامنة، وبلدات كفرزيتا وكفرنبودة وجبل شحشبو وبلدات وقرى أخرى. ويستحق المتظاهرون أن تذكر أسماء مدنهم وبلداتهم وقراهم بالاسم، لأن خروجهم بعد سبع سنوات من محاولة قتل الثورة السورية واغتيالها لا يعبر فقط عن هزيمة جميع محاولات خصوم الثورة لوأدها حيةً، وتشويه صورتها وشعاراتها ووصمها بالإسلامية والإرهاب، أي نزع روح التحرّر والتطلعات الإنسانية الأخلاقية والسياسية والمدنية عنها فحسب، وإنما أكثر من ذلك عن حقيقة أن جذوة الثورة لا تزال مشتعلة، وأنها يمكن أن تتحوّل إلى نار حارقة من جديد، وأن الوحوش الضارية في برّية العلاقات الدولية الموحشة والمتوحشة لن يستطيعوا أن "يسبعونها"، أو "يضبعونها"، ويفرضوا عليها الاستسلام، أو يأسروا روحها الحيّة.

"لا ينبغي للسوريين الذين يستعيدون في مسيرات الشمال ثقتهم بأنفسهم، ويجدّدون عهد ثورتهم، أن يستهينوا بخصومهم"

يشكّل تجدّد المسيرات الشعبية حدثا مهما في مسار الحرب والمفاوضات الدولية حول سورية. أولا لأنها تبرهن على حدود الحل العسكري الذي جاء الروس خصّيصا لإنجازه، بعد أن فشل فيه النظام والحرس الثوري الإيراني، فأمام مظاهرات إدلب، أي أمام تدخل شعبها بقوة وحيوية، وتنبه الرأي العام العالمي الرسمي إلى مخاطر اجتياح المنطقة، والثمن الإنساني غير المحتمل له، ومخاطر الانفجار الدولي على هامشه، وقبل ذلك في المنطقة، لم يبق أمام الروس إلا أن يعيدوا حساباتهم. وإذا أعاد الروس حساباتهم في معركة إدلب، كما هو ظاهر اليوم من تصريحات الوزير لافروف أخيرا، وادّعى فيها أنه "لا روسيا ولا النظام كانوا ينوون الهجوم على إدلب"، فهذا يعني أن إيران التي كانت تراهن على تحويل سورية إلى كتلة نار مشتعلة، ودفعها أكثر ما يمكن في اتجاه خصومها العرب والغربيين والأتراك أيضا، قد فقدت ورقتها، ولم يعد لديها في مواجهة الهجمات التي تستهدف وجودها في سورية ما يمكّنها من الاستمرار في اللعب والمقامرة.

كان رهان روسيا الرئيسي أن تستطيع، قبل نهاية العام، أن تنهي الحرب لصالحها، وصالح النظام وإيران، وتفرض سلام الأمر الواقع على الشعب السوري، وفي المعيّة على العالم، وفي مقدّمه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وكانت تأمل أن يمكنها ربح المعركة العسكرية والقضاء على "الإرهاب" في سورية، وتعني به الثورة وفصائلها، من إنهاء انخراطها الخاسر واستثماراتها السياسية والمادية والعسكرية المستمرّة فيها، والتفرّغ لقطف ثمار جهودها، صفقاتٍ وعقودا، والضغط على الدول الغربية والخليجية الغنية، لإجبارها على دفع فواتير إعادة الإعمار أو تحمّل نتائج الكارثة الإنسانية لمليون لاجئ ومهجّر جديد، وأوضاع مأساوية داخلية، وعمليات إرهابية مبرمجة في أكثر من منطقة. وقف زحفها على أبواب إدلب، مهما كانت التنازلات والتسويات المحتملة، مثل تأمين المعابر أو السيطرة على بعض المواقع الاستراتيجية لحماية قاعدتها العسكرية في حميميم، يعني أن "نقبها طلع على حجر"، كما يقول المثل السوري. وهذا يعني أن الحرب لن تنتهي كما كانت تخطط وتشتهي، وأن الحل العسكري، على الرغم من كل الجهود التي بذلتها موسكو لإنجاحه، وأهمها التضحية بالشعب السوري بأكمله لصالح طهران والنظام، وما يعنيه ذلك من خسارة سياسية وأخلاقية، والغرق فعلا في مستنقع البقاء من دون حل في سورية، وتحمل عبء نظام فاسد ومتهالك وحليف إيراني محاصر ومستكلب على الفريسة من دون حسابات، وبلد مدمر من دون أمل، ولا أفق، للخروج من الكارثة.

ليس الحديث عن ورطة روسية أمرا متخيّلا، هي حقيقة مرة. على روسيا اليوم أن تدير وضعا كارثيا من جميع النواحي الجيوستراتيجية والسياسية والاقتصادية والأخلاقية. وبدل أن تحصد من تدخلها الكثيف والمكلف في سورية مكاسب استراتيجية أو اقتصادية أو سياسية، كما كانت تتوقع، فتفرض على الغرب التعامل معها من مستوى الندّية، أي بوصفها قوةً كبرى، وشريكا سياسيا، ورفع العقوبات التي تنهك اقتصادها، والتفاوض معها على القضايا الاستراتيجية والأمنية في جوارها الأوروبي، والاعتراف بإنجازاتها في سورية ضد "الإرهاب"، تجد نفسها اليوم أمام أسوأ الحالات: واجب الدفاع عن سياسة إيرانية توسّعية وعدوانية هي نفسها لا تؤيدها، ولا تتفق مع مصالحها وسمعتها الدولية، وأمام الحفاظ على نظامٍ يحمل على كاهله عبء تدمير بلد كامل وتحطيم نسيجه الاجتماعي والاقتصادي، وأمام مسؤولية تشريد نصف أبنائه، ورميهم في المنافي ومخيمات اللجوء، مع انعدام أي حل لمشكلتهم في الأفق المنظور.

كان بإمكان روسيا ألا تقع في هذه المصيدة التي شجّعها على الدخول فيها الغربيون، وأغراها في الانزلاق إليها استهتارُها بالمجتمع الدولي، ودوسها على قراراته وتحدّيها أبسط قواعد التعاون الدولي. لكن، قبل هذا وذاك، الشراسة التي قرّرت فيها التعامل مع الشعب السوري، سواء برفضها الاعتراف به، وبحقوقه وتطلعاته، شعبا يستحق أن يسمع، ويحاور، ويشارك في تقرير مصيره، ثم استسهالها استخدام القوة لتحويله إلى حطام، ومشاركة الأسد وطهران في تدمير شروط حياته، وتهجيره، وإعدامه سياسيا وتغييبه عن الوجود.

"على روسيا اليوم أن تدير وضعا كارثيا من جميع النواحي الجيوستراتيجية والسياسية والاقتصادية والأخلاقية"

كل ما كان يحتاج إليه الأميركي لا تصبح موسكو أداة في يد القوى الغربية والإسرائيلية لتقويض مستقبل سورية، والحكم على شعبها بالإعدام، ولا تخسر رهانها، بل بالعكس تربح صداقة الشعب السوري، واحترام العالم وتقديره، هو أن تكون وسيطا حياديا أو شبه حيادي، في دفع السوريين، من أنصار النظام ومن خصومه، إلى طريق الحوار والتفاوض والتفاهم على حلٍّ سياسي، لوقف الكارثة، واستعادة التواصل والبدء بحياة جديدة، أو الأخذ بيدهم لتشجيعهم على أخذ الخطوة الأولى في هذا الطريق. لو فعلت موسكو ذلك، لكانت الوحيدة الرابحة للحرب، أي للسلام، في الوقت الذي كانت فيه بالفعل الوحيدة التي تملك الأوراق العسكرية والسياسية والمعنوية لإنجاح هذا المشروع، وحماية سورية والسوريين، وكسب صداقتهما للأبد، موالين ومعارضين.

لكن موسكو اختارت الطريق الخطأ: تأديب الشعب السوري و"تربيته" بأقسى مما كان يفعل الأسد، حتى لا يفكّر بما دفعه إلى الثورة والاحتجاج، ولا يعود، في أي وقت قادم، إلى ما قام به في عام 2011، وتنهي إلى الأبد "وهم" المقاومة وحلم التحرّر والانتفاض على الاستبداد. قررت موسكو أن تكون شريكا للأسد وحامية له، وحولت اتفاقات خفض التصعيد إلى شرك للإيقاع بفصائل المقاتلين وسكان مناطق "المصالحة"، وتسليمهم مقيّدي اليديْن إلى أجهزة تعذيب الأسد وقتله. لم تحترم اتفاقا، ولا رعت عهدا، ولا احترمت التزاما. بدل أن تراهن على قوة الحق والمبادئ راهنت على حق القوة والاستعراض المدوّي لآلتها العسكرية وخداع العالم والاستهزاء بالرأي العام، للتغطية على القتل بالجملة والتدمير المنهجي، فصارت شريكا في جريمةٍ غير مسبوقة ضد الإنسانية، بدل أن تكون وسيطا مكرما للسلام.

هل كان وراء هذا الخطأ الروسي القاتل الطمع بالشعب السوري الضعيف، أو استضعافه، أم الاعتقاد بأن الغرب قدّم سورية لروسيا، تعويضا عن العراق وليبيا، الذي لم يكن الوزير لافروف يكفّ عن تذكير وفود المعارضة بدرسيْهما اللذيْن لن تنساهما موسكو أبدا، أم الوهم بأن روسيا هي القوة العظمى العالمية الثانية التي لا تقهر، والتي تستطيع أن تفرض إرادتها حتى على خصومها الغربيين، فما بالك بهشيم السوريين الذين طحنتهم، قبل أن تتدخل هي بأسطولها الجوي، براميل النظام المتفجرة وصواريخ الإيرانيين ومدفعياتهم، أم هو بكل بساطة الغرور، غرور القوة الإمبرطوري الذي أفقد الولايات المتحدة ريشها من قبل في فيتنام، ثم في أفغانستان، وحتى في الصومال والعراق؟

لا ينبغي، مع ذلك، للسوريين الذين يستعيدون في مسيرات الشمال ثقتهم بأنفسهم، ويجدّدون عهد ثورتهم، أن يستهينوا بخصومهم، فالغدر هو "الفضيلة" الوحيدة التي يشترك فيها أعداؤهم الرئيسيون الثلاث. وإذا لم نشأ أن نترك لهم فرصة الانقضاض من جديد عند أول تغير في ميزان القوى أو المواقف الدولية، يجب أن نحوّل المسيرات الشعبية إلى أبعد من التعبير عن استعادة نفس الثورة الأول، أو التأكيد على استمرارها، وأن ننطلق من هذا الانبعاث القويّ لروحها المتجدّدة لإعادة بناء مشروع التغيير الديمقراطي المنشود، لكن هذه المرة في بنيةٍ أكثر تماسكا وصلابةً ورشدا. لا ينبغي أن تكون انتفاضة الشمال السوري اليوم مجرّد "فزعة" على إدلب وشعبها، ولكن فرصة لإعادة بناء مشروع الثورة ومؤسساتها على أسسٍ جديدة وثابتة، أي مبدئية، وتصحيح الأخطاء العديدة التي ارتكبناها في المراحل السابقة، أو غضضنا النظر عنها، وأن نخوض بهذه المناسبة معركة الوضوح أو ال"غلاسنوت" داخل صفوف الثورة ذاتها، وتوضيح المواقف والإشكالات، ومواجهتها بجرأة وصراحة وحكمة معا.

"لا ينبغي أن تكون انتفاضة الشمال السوري اليوم مجرّد "فزعة" على إدلب وشعبها، ولكن فرصة لإعادة بناء مشروع الثورة ومؤسساتها"

ويحضرني، في خاتمة هذا المقال، ما خطر لي مباشرة، وأنا أشاهد أشرطة التظاهرات، وهي تستعيد وهج مسيرات درعا وحماة وحمص وحلب والغوطة والدير والقامشلي وغيرها، أنه لا ينبغي أن تكون مسيراتنا اليوم تكرارا "مملا" لمسيرات الماضي، ولا أن تُعيد إنتاج شعاراتها وأناشيدها، وتعطي الانطباع كما لو كنّا لا نزال نراوح في مكاننا منذ ثماني سنوات، وإنما يجب أن تكون شعاراتنا بنت المرحلة الراهنة، تنطلق من معاناتها، وترد على تحدّياتها الراهنة. يجب أن تصحح الانطباع السيئ الذي ولّدته هفواتنا وأخطاؤنا، فصارت أجهزة الإعلام العربية والأجنبية لا ترى في ثورة الحرية سوى صراعٍ بين نظامٍ مجرم وإرهابٍ وحشي، وأخرجت الشعب كليا من الدائرة. كل شعارات الثورة ينبغي أن تعيد، منذ الآن، تجسيد رواية الثورة الحقيقية، أي شعب حر مقابل نظام جائر، وأن تتصدّر قيم الكرامة والحرية والمدنية والتعدّدية والديمقراطية من جديد شعاراتنا.

إدلب المسيرات السلمية لم تعد إدلب المحافظة، إنها مصغّر كبير لسورية الحرّة بأكملها. هي، في الوقت نفسه، دمشق وحلب وحماة وحمص والدير والقامشلي والرّقة والحسكة ودرعا والبوكمال واللاذقية وطرطوس ومدن القلمون والقصير وغيرها. منها تستعيد الثورة مسيرتها، وفيها تجدّد شبابها، وتعود إلى شعبها.

==============================

من يحمي الدستور السوري من الاعتقال مجدّداً؟

سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاثنين17/9/2018

تتمتّع سورية اليوم بميزة استثنائية وفريدة، وتكاد تكون غير قابلة أن تتكرّر في أماكن أخرى، فالدولة "ذات السيادة" التي تدافع عنها روسيا في المحافل الدولية هي الدولة نفسها التي تجتاح جيوش لدول من كل أصقاع الدنيا أراضيها، وترفرف فوقها أعلام هذه الدول، وتتم صياغة نحو عشرات الدساتير لها، تحت مسميات ورشات العمل تارة، وبحوث درسيّة، وحوارات "طائفية" وقومية، أي متعدّدة الطوائف والقوميات، ومسوّدات دستورية، وأوراق أو "لا أوراق" دولية، ولتطلّ علينا أيضاً تسريباتٌ دستورية، وأخيراً لجنة دستورية تقرّ أسماءها دول احتلال وهيمنة وصراع على سورية. ويعرف المتابع للشأن السوري أن عدد الاجتماعات التي جرت لوضع دستور لسورية خارج سورية يفوق عدد الجلسات الأممية التي ناقشت المأساة السورية بعشرات المرّات، وربما بأضعاف ذلك، وكان ضحيتها نحو مليون شهيد سوري، وأكثر من نصف السكان شرّدوا نازحين ولاجئين.

"عدد الاجتماعات التي جرت لوضع دستور لسورية خارج سورية يفوق عدد الجلسات الأممية التي ناقشت المأساة السورية بعشرات المرّات"

وفي خطوةٍ يمكن قراءتها بأن الولايات المتحدة الأميركية، بعد نأي طويل، تعيد جدولة الأعمال على الساحة السورية في المرحلة المقبلة، من خلال ورقتها المسرّبة عبر الإعلام، (لا تزال غير موثوقة بالنسبة لي، لأنها مجرّد سرد تفاصيل مضمون اللاورقة)، والتي تأتي ضمن صياغةٍ ضعيفة، ومتكئةً على شروطٍ هي أقرب ما تكون إلى تأسيس منظمات مدنيةٍ منها إلى تأسيس حل للصراع في سورية، والذي لم يعد محلياً، أو حتى يمكن حصره في إطار العمل الداخلي لحكومة النظام القائمة، أو المزمع تشكيلها، فحيث تبنّت الوثيقة توصيف الحكومة التي تسعى إليها الدول المشاركة فيها أنها ليست راعيةً للإرهاب، وخالية من أسلحة الدمار الشامل، وتقطع علاقاتها مع إيران، ولا تهدّد جيرانها، وتخلق شروط عودة للاجئين، وتلاحق مجرمي الحرب وتعاقبهم، فهي لم تأت، في الوقت نفسه، على آليات الوصول إلى تلك الحكومة، في ظل حربٍ لا يزال النظام السوري وداعماه (إيران وروسيا) يقرعون طبولها في إدلب، ويهدّدون سلامة نحو أربعة ملايين مدني، ومئات آلاف المعتقلين مغيّبون في سجون النظام. وفي الجانب الآخر، لا تزال المعارضة تمثل كياناتها المصنّعة دولياً، وتزاول أدوارها الوظيفية، وفقاً لأجندة مشغّليها.

فحيث عكست الوثيقة، حسب الترجمة المسرّبة، ما يمكن تسميتها عناوين حوارية بين الأطراف، تمثّل الرؤية النهائية لما تريد هذه الدول تضمينه داخل العمل الأممي للجنة الدستورية، فإنها، في الوقت نفسه، لم تخرج عمّا كانت قد أصدرته في 24 يناير/ كانون الثاني من هذا العام تحت مسمى "اللاورقة" (نشرت في "العربي الجديد" في 27/1/2018)، وهدفت من خلالها آنذاك مع مجموعة العمل المصغّرة إلى تعطيل (وتنفيس) ما سمّي الحوار السوري في سوتشي، والذي دعت إليه موسكو، وعقد في 30 يناير/ كانون الثاني الماضي. وتقديم أوراق تفاوضية جديدة للمعارضة السورية، تنتج من خلالها مساراً تفاوضيا متواصلاً، ينهي مسلسل الجولات التي وصلت إلى تسع، إذا اعتبرنا ما جرى في فيينا واحدةً منها، أي أننا أمام صياغة متدنيّة عما كانت عليه في اللاورقة، وتحديداً في بند الإصلاح الدستوري، فحيث كانت اللاورقة تضع بنوداً واضحةً لعملية الإصلاح الدستوري (من الصلاحيات الرئاسية إلى البرلمان والقضاء ولامركزية الحكم والحقوق والحريات الأساسية، وإصلاح قطاع الأمن والانتخابات)، جاءت الوثيقة المسرّبة لتعيد البنود نفسها مسبوقةً ب"يجب وينبغي"، ما يضعنا أمام تساؤلاتٍ بشأن من تقع عليه هذه الأفعال الموجبة، وعن سبب تسريبها بدلاً من إعلانها، كما حدث في اجتماع يناير في باريس للمجموعة نفسها (الولايات المتحدة، فرنسا، لندن، السعودية، الأردن، مصر)، وانضمت لاحقاً ألمانيا، كما أعلنت روسيا في 14 سبتمبر/ أيلول عن استعدادها للبحث عن سبلٍ للتفاهم والتعاون معها، بعد أن كانت تقف على الجهة المعادية، كما سعت إلى ذلك تركيا، على الرغم من أن الأخيرتين كانتا وراء تجاهل المبعوث الأممي، ستيفان دي ميستورا، اللاورقة، وتغاضي هيئة التفاوض، حتى عن مناقشتها، على الرغم من أنها بشّرت بما يمكن تسميتها الجمهورية السورية الثالثة! ما يضعنا أمام سؤالٍ لماذا يتم تسريب الوثيقة عبر المعارضة التي رفضتها قبل نحو ثمانية أشهر، لتعيدها اليوم إلى الأضواء، وكأنها الحل السحري لمعضلة الدستور السوري، وكان يمكن لها أن تكون كذلك، لإجهاض مسار سوتشي على الأقل؟!

صحيحٌ أن التغيير الدستوري هو أحد أعمدة تغيير النظام الحالي، ومقدّمة مهمة للمرحلة ما بعد الانتقالية، إلا أنه قانونياً يتطلب أن يكون بأيدٍ سورية، وليس بأدواتٍ سورية مرتهنة، ويعتمد على مبدأ حق السوريين بتقرير مستقبلهم، وليس حق الدول المتصارعة بخطف ذلك المستقبل، ومصادرته بما يخدم طموحاتها المستقبلية، ويقوّض حق السوريين في اختيار نوع الحكم وآليته، ومن يحق له ذلك، أو يمنع عنه دستورياً. وفي الوقت نفسه، هذا لا يتناقض، مع حالة الحرب

"التغيير الدستوري هو أحد أعمدة تغيير النظام، ومقدّمة مهمة للمرحلة ما بعد الانتقالية، إلا أنه قانونياً يتطلب أن يكون بأيدٍ سورية" القائمة، من ضرورة وضع أسس للمبادئ الدستورية التي من شأنها أن تكون عامل جمع شتات سورية دولةً، والسوريين شعبا، لبدء المرحلة التأسيسية للدولة السورية الجديدة، بنية وشكلاً.

وضمن ذلك الجهد، يمكن أن نفهم مسؤولية اللجنة الدستورية (في شقّها المعارض) في الحفاظ على الخط الفاصل بين "صياغة المبادئ الأساسية"، ومنها ما جاء في "اللاورقة" كأفضل أنواع التدخل لمصلحة الشعب السوري، بعيداً عن الحروب الدائرة على حساب السوريين، وفي غير مصلحتهم، ولعقد التفاهمات البيْنية السورية - السورية، وبين "صناعة الدستور"، فالأولى مهمة معارضاتية، تأتي خطوةً ضرورية لصياغة محدّدات تحكم المرحلة الانتقالية، والثانية اعتداء سافر على حق السوريين الذي تكفله القوانين الدولية، وخصوصا في ظل لجنة دستورية على مقاس المحاصصات البيْنية بين معارضات، ونظام، وعلى أسسٍ غير معيارية أو تخصّصية، وبأسماء تمثل الدول التي تبنتّها لتكون ممثلتها في اللجنة، ما ينتج دستوراً لعلاقاتٍ دوليةٍ، تتقاطع على احتلال سورية، دولة وشعباً ودستوراً، أي ينتج دائرة تبريرات لنظام حكم جديد مرة أخرى "محكوم" من أطراف دولية بلباس سوري، ولكن غير "سورية".

وفي المحصلة، قد تكون عشرات الوثائق التي أعدّت في مراكز أبحاث، وورش عمل واجتماعات، كلها تمثل التوجه الصحيح في فصل السلطات، وتقليص صلاحيات الرئيس، واعتماد النظام البرلماني، وحكم المناطق أو الأقاليم وتمثيلها السياسي العادل، (في لعبة لغوية هدفها الهروب من مصطلح الفيدرالية)، وإصلاح أجهزة أمن الدولة وضمان الرقابة المدنيّة عليها، إلا أن في اللاورقة، وفي الوثيقة المسرّبة، لا ضمانات لتنفيذ البنود على الأرض، كما لا ضمانات لتوفير المناخ الذي يسمح بإعلان الدولة ذات السيادة التي يحكمها دستورها، وليس أجهزتها الأمنية هي التي تحكم الدستور، وتقوّض صلاحياته وتعتقله، وهو ما حدث عام 2011 وما قبله، ولا يزال يحدث.

==============================

وثيقة واشنطن بشأن الحل السوري… ما هو الموضوع وما هي القضية؟

ميسرة بكور

القدس العربي

الاثنين17/9/2018

لطالما أعتبر المجتمع الدولي بيان جنيف «واحد» الوثيقة الرسمية الأساسية التي يجب اعتمادها في أي تسوية للملف السوري، وأكدت عليها مجموعة من القرارات والوثائق الدولية على شكل توصيات أو بيانات أو قرارات صادرة عن الجمعية العامة أو مجلس الأمن، التي اعتُبر جميعها بيان جنيف «واحد» الصادر عن مجموعة العمل الدولية الخاصة بسوريا بتاريخ 30 يونيو/حزيران 2012، المرجع الوحيد لكل المعنيين الدوليين فيما يخص القضية السورية.

البيان الذي لم يأت من فراغ أو من الهواء بل كان نتيجة جهود دولية تؤسس لخطة أممية شاملة، شكلت النقاط الست التي وضعها الأمين العام السابق للأمم المتحدة، كوفي عنان، بوصفه مبعوثًا مشتركًا لمنظمتي الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية وذلك في مارس/آذار 2012، التي طالبت بوقف العنف والإفراج عن المعتقلين وحرية الصحافة ووقف العنف، وحرية تكوين المؤسسات وحق التظاهر السلمي على أنها حقوق مضمونة قانونيًّا.

طبعاً لا يفوتنا في معرض التذكير ببيان جنيف معارضة موسكو له، ومحاولتها تفسيره بما يخدم مشروعها في سوريا.

وبرغم موافقتها على البيانات والوثائق الأممية التي أكدت عليه كأساس لأي تسوية في سوريا، لكنها لم تألُ جهداً في عرقلة أي عملية سلام تقودها منظمة الأمم المتحدة تهدف لتنفيذ ما ورد في بيان جنيف وقرار مجلس الأمن الدولي رقم « 2254 « لأنها جميعا تصب في غير صالح حليفها تنظيم الأسد بدمشق.

هذا يجعلنا نفهم العراقيل التي مارستها روسيا بهذا الشأن من استخدام حق النقض الفيتو في مجلس الأمن إلى التدخل العسكري المباشر لصالح تنظيم الأسد، ويفسر لنا أيضاً الأسباب الحقيقية الكامنة وراء مماطلة روسيا في تنفيذ قرارات مجلس الأمن فيما يخص التحقيق في استخدام السلاح الكيميائي في سوريا. باختصار مكثف كل ما ورد نتيجته الحتمية تجريم الأسد ونظامه وبالتالي اسقاطه ومحاكمته.

في هذا المسعى الروسي « منع تطبيق بيان جنيف» كان اجتماع «فيينا «حيث التقى وزراء خارجية الولايات المتحدة وروسيا والسعودية وتركيا الجمعة (23 أكتوبر/ تشرين الأول 2015) في العاصمة النمساوية لإجراء محادثات حول سوريا، في الوقت الذي أصبحت فيه روسيا عنصراً مهماً فيها منذ أن بدأت غارات جوية لدعم حليفها الرئيس السوري بشار الأسد.

 

الرؤية الروسية

 

نتيجة اجتماع فيينا كانت أن الرؤية الروسية انتصرت، حيث قبل المجتمعون أن تمتد المرحلة الانتقالية إلى سنة ونصف، بعدما كانت السعودية وبعض الدول يصرون على أن تكون مدتها 6 أشهر فقط.

للتذكير: الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبل أن يوفد وزير خارجيته إلى فيينا، قد أعلن أن «الولايات المتحدة تريد التخلص من الأسد»، مندداً بما اعتبره «لعبة مزدوجة» يمارسها الغربيون مع «الإرهابيين» في سوريا

ثم كان من أمر موسكو أن استنبتت منصة الأستانة كبديل لجنيف ومخرجاته رغم أن الكثيرين لم يعتقدوا أن هذا المسعى الأستاني لن ينجح في اقصاء جنيف إلا انهم كانوا جميعا على خطأ حتى لو أن مجلس الأمن قد رحب به وأكد على جنيف، لكن النتيجة الماثلة بين أيدينا اليوم تفيد بما لا يدع مجالا للشك أن الأستانة استطاعت أن تجرف كل المواقف والقرارات الدولية حول ضرورة تنفيذ بيان جنيف حتى أنه مزق الفصائل المسلحة والنتيجة أن أخضعها بالعهود الكاذبة أو بالتهديد العسكري فكان أن سلمت ثلاث من أربع مناطق مما سمي بمناطق خفض التصعيد .

ومن نتائج الأستانة الروسي أن تركيا ولأسباب دولية انخرطت في المشروع الروسي وابتعدت عن الموقف الدولي.

واليوم ونتيجة مخرجات الأستانة فرضت موسكو إرادتها بمسح ملف جنيف من التداول وباتت المقاربة الروسية السائدة في أي نقاش حول سوريا.

 

الوثيقة كتبت في موسكو

 

وثيقة أمريكية تشترط على دمشق «مقاطعة نظام إيران»، تطالب بـ «تعديل صلاحيات الرئيس» وإصلاح أجهزة الأمن.

مما لا شك فيه أن الوثيقة وكل ما جاء فيها يمكن اختصارها بجملتين « أمن الكيان الصهيوني» وإعادة انتاج تنظيم الأسد بدمشق، وهنا ايضاً نستطيع القول أن الرؤية الروسية هي التي انتصرت بالوثيقة الصادرة عن واشنطن فهي حققت لموسكو كل ما تصبو له في سوريا.

على سبيل المثال لا خلاف بل اتفاق عميق على أن أمن الكيان الصهيوني لا يتقدم عليه مطلب أو مسعى روسي أو أمريكي.

وقد حققت الوثيقة هذا الأمر من خلال النص على «عدم رعاية دمشق للإرهاب أو توفير ملجأ آمن للإرهابيين» و«إزالة جميع أسلحة الدمار الشامل» و«قطع العلاقات مع النظام الإيراني وميليشياته» و«عدم تهديد الدول المجاورة» للتوضيح أن الإرهاب الذي عنته هذه الوثيقة يعني بشكل مباشر محاربة ما يسمونه «الجهاديين» وضمنا تنظيم حزب الله اللبناني ومنع وصول السلاح الإيراني له عبر الأراضي السورية، والأمر الأخطر أن الوثيقة ستمنع الدولة «السورية» من امتلاك أي سلاح نوعي يهدد امن الكيان الصهيوني على المدى البعيد .

بقية النقاط ترحب بها موسكو بل تتفق مع واشنطن فيها مثل «اعتماد نظام لامركزي» الأمر الذي طالبت به موسكو في دستورها المسرب وبما يخدم حليف الطرفين «المنظمات الانفصالية الكرية».

 

انتخابات حرة ونزيهة

 

ربما التحفظ الوحيد الذي يمكن أن تبديه موسكو في النقطة المتعلقة بإصدار قرار من مجلس الأمن بما يمكن الأمم المتحدة من توفير انتخابات حرة ونزيهة، لأن روسيا وتنظيم الأسد يتخوفان بشكل حقيقي من إجراء انتخابات سورية تحت إشراف كامل من الأمم المتحدة، خاصة إن جرت هذه الانتخابات في الداخل والخارج قبل عودة جميع من يحق لهم التصويت إلى سوريا الذين يتجاوز عددهم نصف المصوتين إن لم يكن أكثر، الأمر الذي يقلق تنظيم دمشق ، ويفسر لنا إصرار موسكو ومن خلفها تنظيم الأسد لضرورة عودة اللاجئين السوريين فورا تحت عناوين مشوهة تخدم روسيا والأسد والتي تدعي أن الحرب على الإرهاب انتهت أو أن الحرب الأهلية المزعومة قد انتهت والدولة السورية تسيطر على معظم الأراضي السورية.

أعتقد أن الجهود الروسية ستؤدي بالنتيجة لإزالة هذا المطلب، وتفرض إرادتها كما هو واضح من سر الأمور لصالح السفن الروسية.

ونعتقد أيضا أن هناك شرطا وضعته واشنطن قد يطيح بتنظيم الأسد لو وافق عليه وهو الشرط المتعلق بـ «قطع العلاقات مع النظام الإيراني وميليشياته».

أعتقد أن نظام الأسد لن يوافق على هذا المطلب لسببين إما لأنه غير قادر أصلا على ذلك وإما لأنه يتخوف من نتائج ابعاد إيران عنه. فيطرح على نفسه السؤال التالي ماذا لو أبعدت إيران، ثم خرجوا علي بعدها بشرط آخر، ما هي الضمانات التي ستقدمها واشنطن كعامل بناء الثقة من أجل تحقيق هذا الشرط» الاسفين» على سبيل المثال سيطرح مسألة التطبيع السياسي اولاً ومن ثم تقديم ضمانات لعدم ملاحقة عناصر النظام دولياً وانهاء العقوبات الاقتصادية على النظام وشركائه الاقتصاديين، والموافقة على دعم عودة اللاجئين دون شروط والمساهمة في مشروع إعادة إعمار كشروط أساسية لتنفيذ ما جاء بوثيقة واشنطن.

نعتقد أن الوثيقة تنسف وبشكل نهائي ما جاء في بيان جنيف وتنسجم للغاية مع الأطروحات الروسية في الملف السوري، ربما تكون المسمار الآخر الذي يدق في نعش الثورة السورية في سبيل تحقيق أمن الكيان الصهيوني الذي طالب علناً ببقاء الأسد ولكن دون إيران وهذا ما يوافق عليه الفرقاء الخليجيون دون تردد.

وكأني بهذه الوثيقة كتبت في موسكو وصدرت من واشنطن. علينا كسوريين أن نتمسك بضرورة تطبيق بيان جنيف وأن لا ننساق وراء وثائق تدس السم في العسل.

علينا التأكيد أن مشكلتنا في سوريا ليست مع الدستور وليست مع الدولة بل مع من هم فوق القانون وفوق الدولة

هذا هو الموضع وتلك هي القضية.

==============================

وداعاً الأستانة

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الاحد 16/9/2018

كان حلف الأستانة أول ضحايا الحشودات والتصعيد على الشمال المحرر، فقد بدا من لغة جسم المشاركين في قمة طهران أقطاب الحل الأستاني أن الماء والزيت لن يجتمعا اليوم، بعد أن حاول الأقطاب عبثاً الجمع بينهما عامين متتالين، وأن الكل قد وصل إلى لحظة الحقيقة، بعد أن كان يكابر كل واحد لظروفه الخاصة، وليس للظروف التي اجتمعوا من أجلها، وهي قضية السوريين، فكان التحرك العسكري التركي باتجاه الشمال السوري المحرر رد فعل طبيعي على انتزاع الجغرافيا كاملة من الثورة، بغية تحويل القضية السورية إلى مفاوضات عبثية فلسطينية، وربما أسوأ منها، إذ إن الفلسطينيين لا يزالون يتحكمون على الأقل بجغرافيا غزة والضفة الغربية، أما السوريون فلن يُسمح لهم بأن يعيشوا، ولو على أمتار مربعة، بعيداً عن الاحتلال والطائفيين.

‏ التحرك التركي جاء على محورين مهمين الأول تسيير الأرتال العسكرية من أسلحة خفيفة ومتوسطة وثقيلة، ورجال القوات الخاصة التركية باتجاه نقاط المراقبة التركية الاثنتي عشرة في داخل الشمال المحرر، التي قال عنها الرئيس التركي إن أي اعتداء عليها هو اعتداء على تركيا وأنقرة، وكان يرد بذلك على الطرفين الروسي والإيراني اللذين سعيا عابثين إلى ربط الوجود التركي في سوريا بموافقة العصابة الطائفية الحاكمة، وكان المحور الثاني سياسياً بامتياز حيث جاء التحرك التركي صوب أوروبا وأميركا متناسياً حجم الخلافات التي دبت أخيراً بينه وبين واشنطن، لقي ذلك كله تجاوباً أميركياً وأوروبياً سريعاً، بسبب مخاوف جدية لديهم جميعاً من قنبلة التشرد والعنف التي قد تنجم عن أي هجوم على محافظة إدلب والشمال المحرر التي تؤوي أكثر من أربعة ملايين شخص، ولذا فقد أدّى طلب روسيا عقد جلسة لمجلس الأمن الدولي إلى مفعول عكسي تماماً، حين رفض المشاركون بالإجماع تقريباً الهجوم على إدلب، ودعوا إلى وقف لإطلاق النار، مما أرغم روسيا على التراجع مجدداً، وبدأت تعزف على وتر التهدئة، وتحميل تركيا تبعات ملف تفكيك "الجماعات الإرهابية في إدلب" على حد وصفها.

أدركت موسكو أنها ارتكبت خطأ شنيعاً بالتصعيد مع الرئيس التركي الذي اتجه إلى خصومها في واشنطن، وبالتالي حرمها من الاستفراد بالحل السوري، لا سيما أن المندوبة الأميركية في مجلس الأمن نيكي هايلي وجدت الفرصة سانحة للتصعيد ضد روسيا، والمطالبة بتصحيح مسار الأستانة، فأميركا حين وافقت أو صمتت عن التدخل الروسي في سوريا كان الصمت على التدخل العسكري، وليس على الاستفراد بالحل السياسي، إذ إنها لن تسمح أن تكون بعيدة عن ثمار الحل السياسي، ولذا بدأت بالحشودات في المتوسط، وكذلك بدأت في تغيير مواقفها السابقة كالانسحاب من الشرقية، فعززت التواجد في مناطق الميليشيات الكردية هناك، وهو ما منح الأخيرة نفساً جديداً في التصعيد مع العصابة الطائفية في دمشق.

‏ من المجزوم به الآن أن الوضع في الشمال المحرر بعد مؤتمر طهران ليس كما هو قبله، فحل الأستانة لم يعد مقبولاً أن يصل إلى إدلب، بعد أن ابتلع كل من وقف في طريقه من الغوطة إلى درعا، ولذا فقد أتت التظاهرات الشعبية العارمة التي اجتاحت الشمال السوري لتجدد الدورة الدموية للثورة السورية، وتمنعها من تعرضها لتجلطات قد تطيح بها وبمكتسباتها، كما حصل في مناطق أخرى من المحرر، قبل استيلاء العصابة عليها وبدعم الاحتلال، وترافق هذا مع صفعة قوية وجهتها الاستخبارات التركية بالقبض على الإرهابي التركي يوسف نازيك من قلب اللاذقية، معقل العصابة الطائفية، ونقلته إلى تركيا، ليعترف بدوره وبدور المخابرات السورية ورئيس العصابة الطائفية بشار الأسد في تفجير الريحانية، الذي أودى بـ 53 شخصاً، وجرح أكثر من 150 آخرين.

‏ ليس الحل بالأستانة، التي ثبت أنها لإعادة إنتاج الطاغية، ولقتل كل حلم ثوري في الشام، إنما الحل اليوم بجرأة كل الفصائل الثورية على طرح مشروع وطني حقيقي سوري يلم الجميع ولا يقصي أحداً، ويتعالى فيه الجميع على جراحات الماضي، ويقطعون بذلك الطريق على كل تخرصات دولية وإقليمية، ويكون انعكاساً حقيقياً لحاجة الثورة السورية التي طال انتظارها.;

==========================

لا بديل عن إسقاط نظام الأسد

براءة الحمدو (سورية)

العربي الجديد

الاحد 16/9/2018

بعد خفوت صوت السوريين، منذ أن تدخل الروس لصالح حكم الأسد أواخر 2015، عاد نبض الثورة إلى الشارع السوري، مُتزامناً مع التهديدات الثنائية المتمثلة في نظامي الأسد وبوتين معاً، لاجتياح مدينة إدلب عسكرياً، المدينة التي تعد المعقل السوري الأخير للثوار والمعارضة.

خرجت جموع السوريين في جمعة "خيارنا المقاومة"، وكانت الجمعة الثانية "لا بديل عن إسقاط نظام الأسد"، وشملت عدة مناطق في المدينة، تجاوز عددها 150 نقطة، مردّدةً الشعارات والنداءات لإحياءً روح الثورة والمقاومة الشعبية، فملأت الأرض بعدالتها وأحقّيتها ضدّ نظام شمولي، تسلّطي واستبدادي.

ما حدث في سورية لا يجهله أحد، وكيف استخدم بحقِّ الشعب كلّ صنوف الإجرام التقليدي والكيميائي، فمنْ قُتل قتل، ومنْ اعتقل اعتقل، بالإضافة إلى من شُرّدَ وهُجّر قسراً، والمحصلة تمزّق النسيج المجتمعي، وضياع هويته. ذلك كله وأكثر لا يمكن تجاوزه وطي صفحاته، ولا يمكن أن تمضي عجلة الزمن وكأنّ شيئاً لم يكن. ثأر الشعب السوري على جلّاده ما زال قائماً وحاضراً، ونتائج الثورة لم تأتِ أُكلها بعد، لأن النتائج المرجوّة والمأمولة تكون بزوال أسباب الثورة وتحقيق مطالبها في الحرية والكرامة، وإدانة جميع التسويات والمصالحات مع النظام وحلفائه.

نعم، لن نصالح ولن نسامح كلّ من تلوثت يداه بدماء السوريين، فنحن على العهد باقون. وعلى الرغم من فشل قمة طهران التي جمعت رؤساء الدول الثلاث (تركيا، روسيا، إيران)، في 7 سبتمر/ أيلول الجاري استكمالاً لاتفاق أستانة، للوصول إلى مخرجات وتفاهمات بشأن الملف السوري في مدينة إدلب، إلّا أنّ الهجوم العسكري قيد التجهيز والإعداد للتنفيذ (لا محالة )، ومسألة تأجيل الهجوم جاء بناءً على ضغط من الدول الأوروبية، بما فيها تركيا، فكارثة التهجير السكاني إثر الهجوم على إدلب يسبّب قلقاً ومأزقاً بالنسبة لدول أوروبا وتركيا، خصوصاً ما شهدته تركيا أخيرا من هبوط الليرة مقابل الدولار الأميركي.

وفي ختام القمة، أخذت تركيا على عاتقها حلّ التنظيمات غير المعتدلة، وفصلها عن ثوار إدلب. لكن خطورة هذا الفعل هي في انخراط تلك التنظيمات مع المدنيين، وبالتالي ستكون الخطوات التركية القادمة في إدلب توجيه ضربات محدودة على مواقع هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) بالتعاون مع الجبهة الوطنية للتحرير المدعومة من تركيا.

الحَكم هنا هو اللعب على عامل الزمن، إذ صرحت تركيا مرات عديدة إنها تريد الحفاظ على مكانتها في قلوب السوريين، كونها المخلص الإقليمي والاستراتيجي الوحيد. أما بالنسبة للنظيرين، الروسي والإيراني، فقد بديا متفقين على عودة كامل الأراضي السورية إلى سلطة الأسد. وفي الطرف الآخر، بدت مساعي المبعوث الأممي، ستيفان دي ميستورا، جارية على قدم وساق، وذلك في اجتماعاته مع المجموعة المصغرة، والتي ضمّت دولا عربية وغربية، لبحث آلية وصياغة الدستور السوري الجديد.

في النهاية، ومع جملة الأحداث المتسارعة التي تُحيق بالوضع السوري عامة، وما آلت إليه الثورة السورية خصوصا، نخلص إلى القول إنّ كل تدخلات الدول جاءت بشكل احتلال وشبه احتلال، سواء بما وافق نظام الأسد أو خالفه، وعلى ضوء تباين المصالح وتقاطعها، لم يبق أمام السوريين ولا بديل عن المقاومة الشعبية.

==========================

في سورية كنّا عايشين

خطيب بدلة

العربي الجديد

الاحد 16/9/2018

"كنّا عايشين". عبارة يتداولُها الناس الذين يمتلكون إحساساً بأن النظام السوري لم يكن ليُقْدِمَ على تدمير سورية، وقتل مليون إنسان، وتهجير نصف السكان، وتسليم ثلاثة أرباع البلاد للأجانب، لولا الثورة. يعني الثورة هي المسؤولة عن هذا كله! وقد كان ممكنا، برأيهم، تلافي الثورة، والإبقاء على الحكم الوراثي الذي هَنْدَسَهُ حافظ الأسد إلى ما شاء الله، لأننا، خلال ثلاثين سنة من حكم الأسد الأب، وإحدى عشر سنة من حكم الابن، كنّا عايشين.. واسم الله علينا.

وزادنا الإخوةُ المحايدون الذين يعيشون في ما تسمّى "مناطق المعارضة" مِنَ القصيد بيتاً، فقالوا إننا كنا ننعم، قبل الثورة، بحكم القانون، بينما السائدُ الآن هو المحاكم الشرعية التي يترأسها قضاةٌ جَهَلة. وهذا صحيحٌ من حيث المبدأ، ففي سورية، حقيقةً، قوانين "وضعية" محترمة، يعود بعضها إلى أيام الفرنسيين، وبعضها الآخر إلى فترة الاستقلال الرائعة التي انطلق فيها المجتمع السوري بكامل طاقاته نحو العُلا، قبل أن تبدأ مطارقُ الاستبداد بالنزول على يافوخه ابتداء من الوحدة مع مصر (1958).. ومنذ صبيحة الثامن من مارس/ آذار 1963، بدأت القوانين الإستثنائية والأحكام العرفية تفعل فعلها في تعطيل القوانين التي اكتسبها الشعبُ أيام الاستقلال.. وجاءت الأيام السوداء الفاحمة، في أواخر سنة 1970، فحافظ الأسد، لكي يضمن تأبيد حكمه، أطلق أيدي الموالين له في المجتمع السوري، أَن اسرقوا، وانهبوا، واجمعوا ما شئتم من الثروات، ولكن ضمن معادلةٍ بالغة الشدة والانضباط، أن تتركوا القانون ساريَ المفعول، ثم تدبروا أمركم في اختراع الأحابيل والثغرات التي تمكّنكم من مخالفته واختراقه.

لن أحكي لكم، الآن، عن السوريين الذين أجبرهم حافظُ على إضاعة أعمارهم في السجون والمعتقلات، من دون محاكمات، أو بموجب محاكماتٍ صورية.. ولكن دعونا نأخذ مثالاً ذا صلة بالأمور القانونية البحتة. كان حافظ يطبّق على الشعب السوري سياسة "شد الأحزمة على البطون"، ولأجل تحقيق هذه السياسة كان يُصدر القوانين، أو بالأصح يأمر أعضاء مجلس الشعب بإصدار القوانين التي تمنع استيراد أية سلعةٍ تنتمي إلى فصيلة "الرفاهية"، وفي مقدّمتها السيارات الخاصة، لكنه، في سنة 1993، أرخى يده قليلاً، وأصدر قانوناً يسمح باستيراد بعض السلع، منها الآليات الزراعية التي تلزم للإخوة الفلاحين، باعتباره راعي العمال والفلاحين والحرفيين، ومن تلك الآليات التي سَمح باستيرادها البيك أب (الوانيت).

دفعت هذه الثغرة الصغيرة في جدار "الأحزمة والبطون" أناساً كثيرين لشراء هذه البيك أبّات. ومن هنا، بدأت الحكاية، كما يقول الرواة، تحلو، وتمتع.. جمالُها يأتي من أن معظم الفلاحين، وقد أفقرهم نظام الأسد، ما كانوا يمتلكون المال لشراء هذه البيك أبّات. أما أبناء الطبقة الوسطى من الموظفين والعاملين في الصناعة والتجارة والمهن الحرّة فيتوفر لديهم ما يكفي للشراء، فكانوا يشترونها بالفعل، ويذهبون لتسجيلها في مديريات النقل. وكان هذا يتطّلب من المشتري (لكي يكون عملُه قانونياً) أن يثبت أنه مالك أو مستأجر مساحة زراعية معينة، أو أنه يملك عشرين خلية نحل، أو عشر بقراتٍ حلوباتٍ، مثلاً.

نشطت، في هاتيك الأيام، المكاتب العقارية الزراعية، وازداد الطلب على استئجار الأراضي الصالحة للزراعة، وخلايا النحل، والأغنام، والأبقار. ولكن مشكلةً كبيرة اعترضت هؤلاء المتحايلين على القانون، وهي أنَّ الأراضي الزراعية المتوفرة مساحتها محدودة، وعدد الحيوانات التي يمكن بيعها أو تأجيرها محدود، لكنهم لا يمكن أن يقفوا مكتوفي الأيدي أمام مشكلةٍ كهذه، فأصبح مالك الأرض يؤجرها لأكثر من شخص، ومالك الأبقار يتعاقد على بيعها مع عدد من الناس. وهكذا حتى أصبحت المساحات الزراعية المسجّلة في قيود الدوائر العقارية السورية أكبر من مساحة السعودية مع الربع الخالي، وفيها أبقارٌ أكثر من كل أبقار الوطن العربي!

==========================

موقفنا : بيان وتوضيح حول ما أطلقه المفتون عن موقف علماء المسلمين من ذكرى يوم عاشوراء

زهير سالم

22/ 9 / 2018

مركز الشرق العربي

في محل بيع الحوم يسألني اليوم شاب سوري يعرفني على استحياء ..

صحيح لماذا أهلنا وعلماؤنا في المساجد لم يحدثونا عن ذكرى يوم عاشوراء ، غير أنه يجب صيامه ؟ لماذا لم يحدثونا عن كربلاء وما كان فيها ؟ !

وكان سؤال الفتنة هذا قد طرحه المفتون على المنبر في حلب بقوله الملحون منذ ما يقرب من عشرين سنة ، وسمعته مسجلا يترقق في جنباته ماء الكذب والنفاق ..

فهمت من الشاب أن السؤال طرح عليه وعلى زملائه في جلسة من الجلسات التي يعمل فيها أعداء الإسلام بلا كلل بينما المسلمون في غمراتهم ساهون ..

قلت للشاب وأجيب جوابا عاما على كلام المفتون ..

أما حديث علماء المسلمين وخطبائهم - جزاهم الله كل خير - عن يوم عاشوراء بوصفه اليوم الذي نجّى الله فيه سيدنا موسى من الغرق ؛ فذلك لما ارتبط بهذه الذكرى من نسك شرعي في صيام رسول الله يوم عاشورا وفي أمره بصيامه وفي إلحاق يوم به ..

سألت الشاب

: متى قتل سيدنا عمر ؟

قال : لا أدري

قلت فما تاريخ مقتل سيدنا عثمان ؟

قال : لا أدري ..

قلت فمتى تم اغتيال سيدنا علي ؟

قال لا أدري ..

قلت وأنا أيضا لا أحفظ ..

ولم يحدثنا عن تلك الأيام الخطباء على المنابر ، ولم يدعونا إلى تطبير ولا إلى لطم ولا إلى شق الجيوب ..

أسأل عدو الله الأول مطلق هذه الشبهة أو مثير هذه الفتنة المفتون لو كان وراء إغفال هذه الذكرى الأليمة أي بعد طائفي نتن كما يزعم هو ومن اشتروه بثمن بخس.. لكان هؤلاء العلماء قد عظموا من ذكرى مقتل الفاروق عمر ، ويح الأمة يوم كسر باب الفتنة عليها ولم يبق له باب يغلق بمقتل عمر ، أو لعظموا يوم مقتل عثمان ..أواه على مجهز جيش العسرة ، واقف بئر أريس ، جامع القرآن ، ذي النورين عثمان ، أو لكانت لهم محطة يوم اغتيال علي رضي الله عن علي ، النائم في فراش الرسول ليلة الهجرة، ولي كل مؤمن ، عدو كل منافق ، الرجل الذي يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ، زوج البتول ، رضي الله عن الثلاثة وأرضاهم وكل واحد منهم أجلّ وأعظم عند الله والناس من الحسين وطبقة الحسين رضي الله عنهم أجمعين ..

قتل سيدنا عمر وهو في محراب رسول الله يصلي الفجر بالمسلمين لعن الله من قتله ومن دبر قتله ومن فرح بقتله أو رضي به ..

قتل سيدنا عثمان رضي الله عنه وهو عاكف على مصحفه ووقعت قطرة من دمه على قوله تعالى " فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ .." تسور المجرمون الفجار عليه داره وقتلوه اللهم العن قتلة سيدنا عثمان ومن فرح بقتله وأعان عليه ورضي به ..

وقتل سيدنا علي رضي الله عنه وهو في طريقه إلى المسجد ليصلي بالناس اللهم العن من اغتاله ومن دبر غيلته ومن فرح أو رضي بها إلى يوم الدين .

وقتل سيدنا الحسين ، ثائرا ، بعد أن استخرجه القوم الذين خذلوا أباه ، وجربهم حتى ملّهم أخوه الأكبر الحسن رضي الله عنه ، من مأمنه ، وأسلموه لعدوهم ، وكان أعجب ما في أمره رضي الله عنه أنه أصغي للكذابين وأعرض عن نصح الناصحين وعلى رأسهم ابن عمه ترجمان القرآن عبد الله بن عباس ، وغيره من أهل الرأي والمشورة كثير . ونقول لعن الله قاتل سيدنا الحسين ولعن من استدعاه ثم قعد عن نصرته وخذله ولعن الله من فرح بمقتله إلى يوم الدين

أقول للمفتون ولمن استرقّ قلوبهم فأصغت إليه ولو كان في التذكير بيوم الذكرى هذا خير لذكّر علماء المسلمين بيوم وفاة رسول الله صلى الله وسلم عليه ، وترانا كأمة مختلفين في الاحتفاء بيوم المولد فما بالنا لم نحتف بيوم الوفاء .. وإنها لذكرى أليمة لانقطاع خبر السماء عن الأرض إلى يوم الدين ..

ثم أقول للمفتون ولمن شروه ولمن يقولون بقوله : إن الأمم الفارغة هي التي تظل تدور لتشغل جماهيرها بأحداث التاريخ يوم ولد فلان ويوم ختن ويوم فطم ويوم مات وذكر الأربعين لموته أو لمقتله كما يفعل هؤلاء الطغام في وقائع يزعمون أنها تتعلق بأئمتهم الاثني عشر ، الذين هم برآء منهم ومن افترائهم وكذبهم إلى يوم الدين ..

اللهم ولّ مفتون سورية ما تولى وجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن إنك سميع مجيب .

ــــــــــــ

*مدير مركز الشرق العربي

==============================

ماذا ينتظر إدلب؟

فاطمة ياسين

العربي الجديد

الاحد 16/9/2018

ترغب روسيا بأن تعود بالنظام السوري إلى نقطة ما قبل 15 مارس/ آذار عام 2011، مدجّجاً بكل قوته الأمنية، ومستعيداً سطوته على أكبر قدر ممكن من الأرض السورية، وقد أمّنت له كل الحماية المطلوبة في مجلس الأمن، وفي محافل الدبلوماسية الدولية، وانخرطت عمليا في الجبهات السورية، واقتربت من إعلان الشاطئ السوري روسياً بإرسال عدد كبير من القطع البحرية إليه. وقد يمضي وقت كبير، قبل أن تبدأ بالتحرّك عائدة إلى قواعدها الأصلية، وكان تأهيل النظام مرة أخرى عنوان كل حملاتها لاستعادة الأراضي التي خرجت عن سيطرته. وتعتقد روسيا أن حجم النظام يتناسب وحجم الأرض التي استعادها، والتي تمارس عليها أفرعه الأمنية عربدتها، وقد نجحت حتى الآن في تأمين قسمٍ مهم منها، ولم يبقَ إلا إدلب، وهي تخوض الآن غمار معركة دبلوماسية شرسة، قد تفوق تلك العسكرية المزمع خوضها في إدلب على جبهات عدة، منها تركيا والولايات المتحدة وحلفاؤها. وقد تكون هناك حربٌ خفيةٌ دائرةٌ بين روسيا وإيران ومليشياتها فوق الأرض السورية، لكن الاستعصاء الذي يرافق حملة إدلب حتى الآن يجبر روسيا على بذل أكثر من جهد، وكل شيء موضوعٌ على الرفّ، بانتظار اجتماع آخر بين الرئيسين، الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان، غداً الاثنين في سوتشي.

كان الروسي والإيراني يعوّلان كثيراً على القمة الثلاثية التي عقدت في طهران في السابع من شهر سبتمبر/ أيلول الجاري مع أردوغان، لانتزاع ما يُستعان عليه، لبدء هجومٍ على إدلب، ولتطبيق الضغط اللازم بما يشبه وضعه أمام الأمر الواقع، بدأ الطيران الروسي والبراميل السورية هجوماً على أطراف المحافظة، لكن القمة انتهت من دون أن يرضخ أردوغان للمساومة والضغوط، وبقي الحال معلقاً، ما شجع أميركا على تطوير موقفها من الهجوم على إدلب، فباشرت بالتهديد بضربات جوية مؤثرة في حالة وقوع أي هجوم كيميائي، لينتهي بالتهديد بضرباتٍ موجعة، إذا تم تنفيذ هجماتٍ ينجم عنها كوارث إنسانية، مهما كانت الأسلحة المستخدمة في هذا الهجوم. وسبقت ذلك كله تعزيزات تركية بالمدرعات والأسلحة في محيط إدلب، ونقاط المراقبة التسع المتفق عليها مسبقاً، لمراقبة التهدئة.

لم يعنِ الاعتراف التركي بأن بعض المليشيات الموجودة في إدلب منظماتٌ إرهابيةٌ ولم يمنح ضوءاً أخضر لأحد باستباحة إدلب، فقد جاء الاعتراف تحصيلاً لحاصل، والاجتماع المزمع عقده في سوتشي سيتم بين الرئيسين التركي والروسي، من دون ممثل عن الجانب الإيراني هذه المرة، وقد يكون هذا الاستبعاد مقصوداً، فما تريده روسيا من النظام يختلف عما يريده الإيرانيون، وتعطي تركيا بعزلها الجهات الإرهابية، وتسميتها شرعيةً للقوات الأخرى المسلحة والعاملة ضد النظام. وتأتي المظاهرات العارمة التي يقوم بها السكان المدنيون في إدلب مكملةً لهذا العزل، وداعمة له، ومن الممكن أن يشجّع كل الدول المهتمة على تطير موقفها من قضية إدلب، وصولاً إلى منع الهجوم الذي اكتملت عناصره العسكرية، ولم يبق إلا أن ينضج سياسياً، كما تريد له روسيا.

تأتي أهمية إدلب لروسيا من رغبتها بنظامٍ يفرش هيمنته على كل الجغرافيا السورية، ولا تستطيع روسيا أن تتحدّث عن نصر أو إعادة إعمار، ولا حتى عودة لاجئين، وقد ينتج عن معركة إدلب ملايين منهم، إلا بعد أن تعود إدلب، كما عاد غيرها من المدن، ومشكلة روسيا هي تركيا التي تتخوف من مأساة إنسانية كبرى، تتحمل وحدها تبعاتها، وأميركا التي تريد أن ترى إيران بعيدة عن المشهد، وانتصار آخر في إدلب قد يجعل أسهم إيران أعلى بكثير. لن يتغيّر هذا الموقف، ومن غير المتوقع أن ينتج شيء كثير عن لقاء بوتين وأردوغان. وإن حصل هجوم كبير وشامل على إدلب بعد ذلك، فإن جيش النظام ومن معه من حلفاء سيتحملون تكلفة عالية، وهو اختبار صعب لبوتين، لن يجد أدوات كثيرة لاجتيازه.

==========================

فلسطين شهيدة ومعذّبة في سورية

ميسون شقير

العربي الجديد

الاحد 16/9/2018

يقول محمود درويش في قصيدته الملحمية، مديح الظل العالي، مخاطبا الفلسطيني: "سقط السقوط وأنت تعلو فكرةً ويدا وشاما/ فتقمّص الأشياء كي تتقمّص الأشياء خطوتك الحراما/ واسحب ظلالك عن بلاط الحاكم العربي حتى لا يعلقها وساما".

وربما لم يتوقع درويش يوما أن يعلق هذا الحاكم الذي يتبجّح باسم القضية الفلسطينية أربعين عاما، والذي لا يزال يتاجر بها، أرواح اللاجئين الفلسطينيين في سماء معتقلاته الضيقة القاتلة، وأن يكون ثمن ممانعته الكاذبة قائمة طويلة من أهم الأسماء الفلسطينية ميتة تحت التعذيب في زنازينه القذرة، ومنهم المبرمج باسل الصفدي، المصنف ضمن أفضل مائة عقل في العالم، وقتله النظام في أقبيته، والمصور الفلسطيني نيراز سعيد، الحاصل على جائزة من الأمم المتحدة عام 2013 عن أفضل صورة، والذي أعلن النظام خبر استشهاده تحت التعذيب قبل أشهر. واليوم الشهيد تحت التعذيب الفنان الجميل اللاجئ الفلسطيني، محمد ديب محمود أبو الرز (أبو رام) الذي تملأ صورته صفحات "فيسبوك"، ويملأ صوته هذا الفضاء الأزرق بكثير من الأحمر والأسود المفجوع، ولعل قصيدة توفيق زياد "لوّع الجمال قلبي" التي غنّاها الشهيد محمد أبو الرز هي أصدق حقيقة له قالها قبل رحيله بسنوات، حين غنى: "لوّع الجمال قلبي/ حين نوى على الرحيل.. قلت يا جمالُ خذني/ فأنا دربي طويل".

لم يتخيّل أن يكون دربه بطول سنوات الموت تحت التعذيب في بلادٍ تموت أيضا تحت تعذيب أنظمة دكتاتورية فاشية عميلة، قتلت الشعب الفلسطيني وخذلته، وقدّم وجودها لإسرائيل دعما أهم من دعم كل القوى الاستعمارية. اليوم يستشهد الصوت الفلسطيني الذي غنّى فلسطينه المغتصبة، يستشهد أجمل الأصوات التي حملت وجع التغريب، واللجوء في طيات حنجرته المغرّدة، مغدورا للمرة الألف في زنازين الأسد الابن.

محمد محمود أبو الرز هو قائد فرقة بيسان الفلسطينية ومغنيها سابقاً، وهو عضو في منظمة

"لدى النظام السوري "أن تكون فلسطينا" جريمة لا تغتفر" "فدا" الفلسطينية التي أعلنت، أخيرا، أنه قضى تحت التعذيب في سجون النظام السوري، بعد أن أخبر النظام أهله بذلك. هو أحد أبناء مخيم خان الشيح في ريف دمشق، وهو من سكان حي الحجر الأسود في جنوب العاصمة، وقد اعتقله في عام 2013 عناصر حاجز الجيش السوري، المسمّى حاجز البطيخة، في أثناء محاولته الخروج من مخيم اليرموك، بعد تعرّض المخيم للقصف.

يقتل بشار الأسد محمد أبو الرز رئيس فرقة بيسان الفلسطينية الطالعة من حوافّ المخيمات الفلسطينية، ونعته في "فيسبوك"، كما الفنان السوري الملتزم سميح شقير قائلا: "أنعي إليكم جميعا الصوت الذي غنيت معه لفلسطين في أقبية النظام السوري. ترى ما الذي يمكن أن يفعله المغني كي يموت هكذا؟ أم مجرّد كلمة حرية كفيلة بهز أركان الدكتاتور. كان أبو الرز المغنّي الذي غنّى الشعر الفلسطيني، ابتداء من درويش إلى توفيق زياد مرورا بسميح القاسم، بصوت سماوي الحضور والألفة، صوت قادر على نقل الجرح الفلسطيني الطازج إلى آخر حدود الأرض. .. اليوم، وباسم الممانعة والمقاومة، يدير النظام السوري المناضل ظهره لإسرائيل التي تخترق دمشقه في كل ليلة، ويحرّر فلسطين عن طريق قتل أبنائها في سجونه، لعله يريحهم من حمل بلادهم الثقيل".

فلسطين الاسم الذي تربّينا في المسافة ما بين أحرفه، وكبرنا في هذه المسافة كما كبرت جراحنا وهزائمنا، وهو الاسم الذي تجذّر كشجرة مغروسة جنب القلب، عاصمة الهوية والشخصية العربية، تشنق للمرة الألف، لكن ليس في سجون الاحتلال الإسرائيلي فقط، بل في سجون الاحتلال الإيراني والروسي في دمشق، فقد نشرت مجموعة "العمل من أجل فلسطينيي سورية" تقريرا إحصائيا كشف عن أن 3542 فلسطينيا على الأقل لقوا حتفهم على يد قوات نظام بشار الأسد داخل الأراضي السورية منذ اندلاع الحرب في البلاد قبل حوالي ست سنوات. تمكّنت المنظمة من توثيق أسماء 1621 معتقلاً فلسطينياً في سجون النظام السوري منذ عام 2011، لكنها تتوقع أن يكون العدد الحقيقي أكبر بكثير، مضيفةً أن أعداد المعتقلين وأعداد ضحايا التعذيب أكبر مما تم الإعلان عنه، وذلك "بسبب غياب أي إحصاءات رسمية صادرة عن النظام السوري، بالإضافة إلى تخوّف بعض أهالي المعتقلين والضحايا من الإفصاح عن تلك الحالات خوفا من ردة فعل الأجهزة الأمنية في سورية". كما وثّق التقرير مقتل 465 فلسطينيا داخل هذه المعتقلات. وجاء فيه أن النّظام، حسب رواية الشهود، كان ولا يزال يُمارس بحقّ المعتقلين الفلسطينيين أقسى أنواع التّعذيب، لكونهم فلسطينيّين فقط، فلدى النظام السوري "أن تكون فلسطينا" جريمة لا تغتفر.

==========================

أبواب سورية المقفلة

رشا عمران

العربي الجديد

السبت 15/9/2018

من الأخبار الطريفة التي تم تناقلها أخيرا على مواقع التواصل الاجتماعي السورية، خبر إعلان وزارة الدفاع الروسية عفوا عاما عن جميع السوريين سوف يصدر قريبا في سورية! ليست الطرافة فقط في العفو العام الذي إن صدر فستكون فيه بنود مضافة ككل مرة، تستثني غالبية السوريين، أي سيكون منحةً وهبةً (رئاسية) تستعيد ذهنية الحظيرة التي لم تفارق مخيلة النظام يوما، فالمستعد للعودة إلى هذه الحظيرة هو من المشمولين بالعفو العام، ومن يرفض هذه الذهنية هو ممن توضع البنود المضافة، عادة، لأجلهم! ليست الطرافة إذا في العفو، وإنما في الإعلان الروسي عنها، إذ في الإعلان الروسي تأكيدٌ صريحٌ على وضع سورية تحت الوصاية الروسية، ومصطلح "وصاية" لطيف، كي لا نقول تحت "الاحتلال"، وهي مفردة تستفز إخوتنا في الوطن السوري السعيد الذين يرون في روسيا دولة حليفة، لا وصية ولا محتلة طبعا. وهم يغضّون النظر عن كل ما تفعله، ليس عن إجرامها بحق السوريين فقط، بل عن تولّيها الشؤون السياسية والعسكرية والمصالحات والمفاوضات في الداخل والخارج، وعن استثمارها سورية مائة عام، وعن تجنيد أطفال سورية في جيشها (العظيم) لتنشئة جيلٍ موال لها بالكامل، عن كل تصرّفاتها الكولونيالية التي يعتبرها الإخوة في الوطن تحالفا! الطرافة أيضا في أن وزارة الدفاع هي من أعلنت عن العفو، وهو إجراء عادة ما تختصّ به وزارات الداخلية. يؤكد هذا الخلط في الصلاحيات، مقصودا أم لا، مجددا أن الوصاية الروسية احتلال عسكري بالكامل، لا سياسيا ولا اقتصاديا على طريقة الاحتلالات الحديثة، لكن أشقاء الوطن لا يرون.

إذاً باب العودة إلى حضن الوطن وحظيرته مفتوح لمن يرغب، هذا ما أكّده كثيرون، حتى بعض المعارضين (الوطنيين)؛ وموضوع العودة إلى سورية يجب أن يكون هاجس الجميع، إذ لا ثورة تُنجز في الخارج، ولا تحريرَ من الاحتلال بطبيعة الحال، ووضع اللاجئين والمهجرين في المخيمات الحدودية لم يعد يحتمل المزيد، وضع كثيرين أيضا ممن يعيشون في بلاد اللجوء، وهم عاجزون عن الاندماج والاستمرار. ولكن للعودة شروط وضمانات لا يكفلها إعلان وزارة الدفاع الروسية، ولا يكفلها حتما منشورٌ على "فيسبوك" لمعارض وطني أو غير وطني. موضوع العودة يكفله المجتمع الدولي فقط، توافق هذا المجتمع على حلٍّ حاسمٍ ونهائيٍّ للقضية السورية هو ما يكفل هذه العودة، ويضمن سلامة العائدين من الأخطار المحتملة، ليس خطر الاعتقال والمعاقبة الأمنية هو الاحتمال الوحيد، بل خطر التشفّي الذي يظهر منذ الآن في خطاب أخوة الوطن، هذا التشفّي الذي يمكن أن يتحوّل، في أية لحظة، إلى انتقامٍ موصوفٍ، خصوصا مع فلتان الوضع الأمني وانتشار السلاح، انتقام من يشعر أنه منتصر على من يعتقد أنهم أدوات تنفيذ المؤامرة.

لا يزيد الإعلان الروسي السابق بطرافته عن الصور المتداولة على "فيسبوك" السوري لباب شرقي، الباب الدمشقيّ العتيق، بعد أن تم إغلاقه بالبلوكات وفتح نافذة حديدية في أعلاه، فالباب أحد بوابات دمشق القديمة السبع، وهو أشهرها، لما تتمتع به منطقته من وجود سياحي. والباب، لمن لا يعرفه، جزء من بواقي سور دمشق القديم، فإغلاقه لا يعزل أي شيء، فالشوارع خلفه مكشوفةٌ من الجانبين.. ما القصد من إغلاقه، إذا وضعت نافذة حديدية في أعلاه تشبه تماما النوافذ التي توضع على الأبواب الحديدية للسجون المعتمة؟! من فعل هذا وأغلق الباب ووضع النافذة هو نفسُه من حوّل سورية إلى سجن كبير، العقل نفسه والذهنية نفسها، العقل الذي يريد إغلاق أي منفذٍ مفتوح للسوريين، ولا مانع لديه من وضعهم جميعهم في المعتقلات في طريق تأديبهم للعودة إلى الحظيرة، هو العقل نفسُه الذي يتوعد الباقين في سورية بالاعتقال والموت، إذا ما عبّر أحدهم عن اعتراضه، والذي يتوعّد من يرغب في العودة بالاعتقال والموت إذا لم يسجل اسمه في سجل الحظيرة، العقل الذي أحرق سورية لأنها حلمت بأن تفتح على العالم، وأغرقها بالعتم والخوف، وحوّلها إلى سجنٍ ومقبرة، العقل نفسه الذي يرى في الاحتلال العسكري تحالفا، ويتحالف مع العقل الذي يرى في الحرية الفردية انحلالا، فيمعن في إغلاق كل البوابات التي أراد السوريون فتحها.

هل كان إغلاق باب شرقي عملا فرديا، وهل إعادته إلى وضعه نتيجة الرضوخ لاحتجاجات سكان المنطقة؟ يقيناً أن لا شيء يخص سورية يتم عفويا، فإعلان العفو المتناقل وإغلاق الباب ليسا سوى في إطار اختبار ردّات فعل السوريين بشأن ما يخطّط لسورية في المقبل من الأيام، إذا لم يخطئ ظنّي.

==========================

إدلب.. من المستبِد إلى المستعمِر

راتب شعبو

العربي الجديد

السبت 15/9/2018

يتم التعامل مع الوضع في إدلب (في سورية) على أنه مجرّد معضلة عسكرية، ومشكلة إنسانية أساسها الخوف على مصير المدنيين من القتل والتهجير، بمعزلٍ عن المسارات السياسية التي أفضت إليه. المعضلة الإدلبية التي هي تكثيف عميق للمعضلة السورية اليوم (قوى إسلامية تفرض سيطرتها بالقوة، نظام سياسي "استعماري" مرهون لحماته الخارجيين، إرادة شعبية مقهورة أمام قوى الأمر الواقع، وقوى خارجية تحدّد مصير السوريين وفق مصالحها)، هي أثر متبقٍ من ثورةٍ تاهت، منذ سنوات طويلة، حين دخلت أروقة الدول، وتوسّمت خيراً في مؤسساتٍ دولية، وظيفتها وأد الثورات، وليس مناصرتها. والحق إنه ليس من السهل الجزم في الإجابة على السؤال الثقيل: هل تستطيع ثورة، في هذا العصر، أن تنتصر من دون مناصرة دولية، وبالتالي هل كان للثورة السورية (أو غيرها) ألا تتوه؟

في كل حال، ينتظر الأهالي في إدلب ما يتقرّر بشأنهم في القمم واللقاءات التي لا حضور سورياً فيها. لا تتوقف النتيجة المرجّحة في إدلب اليوم على قرار الفصائل العسكرية الإسلامية التي نمت على حساب الثورة، ثم انحسرت تحت الضغط العسكري، وتجمّعت هناك: إذا قبلت هذه الفصائل الاستسلام، سوف تدخل قوات النظام وحلفائه إدلب، على الضد من إرادة النسبة الغالبة من الأهالي، كما تدخل جيوش الاحتلال؟ وإذا رفضت الاستسلام، فإنها سوف تخوض معركةً، تبدو محسومةً سلفاً، على الرغم من التكاليف المتوقعة، والنتيجة الراجحة ستكون دخول قوات النظام وحلفائه، بعد مزيدٍ من القتل والتدمير، كما يدخل المحتلون؟

طغت سياسة الخارج بالكامل على سياسة الداخل السوري، والعنصر السياسي السوري الوحيد

"منذ سنوات وضعت القوى الكبرى القطار السوري على سكّة نظام الأسد" المأخوذ في حسبان سياسة الخارج (كل الخارج بما في ذلك الدول التي سمّت نفسها "صديقة الشعب السوري")، هو إرادة نظام الأسد في الاستمرار بأي ثمن.

منذ سنوات، وضعت القوى الكبرى القطار السوري على سكّة نظام الأسد. ومنذ سنوات، تبدو مواقف الدول التي تزعم دعم الشعب السوري، مضطربةً، لأنها متناقضة داخلياً، بعد أن وضعت نفسها في موقفٍ يقول: ضد الأسد مع الأسد. هذا ما جعل القوى الحليفة للنظام أكثر فاعليةً وانسجاماً. الموقف التركي في قمة طهران، في السابع من سبتمبر/ أيلول الجاري، مع الرئيسين الروسي والإيراني، بدا كمن يُمسك العصا من المنتصف. مع بقاء الأسد وضد استرداد إدلب، (ليس رفضاً لنظام الأسد، بل خشية على المدنيين، وخوفاً من موجات النزوح). فيما بدا الموقفان، الروسي والإيراني، منسجمين أكثر مع الحقيقتين المتوافق عليهما دولياً، وتركيا ضمناً، أقصد الإبقاء على نظام الأسد، ومحاربة الإرهاب (اعتبرت تركيا هيئة تحرير الشام تنظيماً إرهابياً قبل أيام من القمّة المذكورة، بسبب رفض هذا التنظيم الطلب التركي حلّ نفسه). لذلك مال الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إلى الدعوة الأخلاقية، مستشهداً بالشاعر الفارسي المتصوّف، سعدي الشيرازي، وكانت النتيجة السياسية طلب هدنة، لم يوافق عليها حليفا نظام الأسد، وإن اعتبراها "فرصة أخيرة للمصالحات قبل المعركة"، (المصالحات تعني، بلغة نظام الأسد وحلفائه، الاستسلام والخضوع، ليس فقط بالمعنى السياسي، بل بالمعنى الحياتي العام، بكل ما ينطوي عليه ذلك من إذلال ومهانة وتحكّم حتى بحق الحياة). يبدو التشدّد الروسي الإيراني، وفق هذه الصورة، سلاحاً في يد تركيا، في سعيها إلى ترتيب الوضع في إدلب، لصالح النظام وحلفائه، من دون هجوم عسكري.

تظاهر الأهالي في إدلب، ضد الهجوم العسكري المرتقب، إدلبيون وغيرهم من السوريين الذين سبق أن هُجّروا إلى المدينة من مناطق سورية أخرى كانت خارجة عن سيطرة نظام الأسد. لم يعد للمظاهرات كبير وزن اليوم، بعد غرق الوضع السوري في المستنقع العسكري، وبعد أن دخلت محاربة الإرهاب على صميم لوحته. وفوق ذلك، تبدو هذه المظاهرات قليلة التأثير، لأنها بقيت، في خطابها وشعاراتها، ضمن حدود الإطار السياسي المفروض على المناطق التي خرجت فيها المظاهرات، سواء من الناحية التركية، أو من ناحية الفصائل الإسلامية بما في ذلك هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة). لم نجد في تلك المظاهرات أي تحدٍّ لقوى الأمر الواقع المسيطرة في مناطقها، ما يشي بأن المظاهرات لا تعكس بحرية الميول السياسية للناس، بل تعكس الواجهة الشعبية للقوى المسيطرة، بما يشبه مسيرات النظام.

إلى جانب ذلك، بلغ إنهاك المجتمع السوري حداً جعل السوريين في حدود دنيا من التضامن، فلم نجد من يتضامن مع أهالي المنطقة الشمالية في محنتهم، تماماً كما لم نجد تضامناً مع أهالي ريف حمص أو الغوطة الشرقية أو درعا الذين تعرّضوا للقصف، وجرى تهجيرهم عقب صفقات مفروضة أو هزائم عسكرية.

ليس لأهالي إدلب، أو للأهالي الذين جرى تهجيرهم من قبل إليها، منطقةٌ يختارون اللجوء إليها، مفضلين ذلك على أن يبقوا تحت رحمة النظام "المنتصر"، كما فعل الأهالي في غير مكان من سورية. ليس لإدلب إدلب أخرى. يقترح علينا الواقع السوري اليوم، إذن، أن نشهد علاقة 

"من الراجح أن تختار القوى الإسلامية في إدلب المواجهة المفتوحة مع قوات النظام وحلفائه" الرفض في تحولها إلى خضوع معلن. ولنا أن نتخيّل شكل العلاقة المنتظرة بين نظامٍ حكم يرى في المعارضة، أي معارضة، ما لا يقل عن "خيانة"، وبين أهال يرفضونه إلى حدٍّ تفضيل ترك بيوتهم وأرض أجدادهم وأرزاقهم على البقاء تحت سيطرته، ويجدون أنفسهم مرغمين الآن على قبوله، والسكوت أمامه قهراً. هذا المصير "الذليل والاحتلالي" المتصوّر هو في أساس قول المتظاهرين "الموت ولا المذلّة"، وفي أساس خروج المتظاهرين تحت عنوان "المقاومة خيارنا". إنهم يرفضون ما يتصوّرونه واقعاً قادماً، ويشيرون إلى الخيار الوحيد المتبقي أمام الناس إزاء قاهريهم وهو "المقاومة".

قد تكون المقاومة، بكل أشكالها، سبيلاً ناجعاً لكسر شوكة هذا النمط من الأنظمة، وحتى لو افترضنا أن إدلب يمكن أن تشكّل بدايةً لمقاومةٍ دعت إليها المظاهرات الأخيرة، فلا يبدو أنها مرشّحة لوصل ما انقطع، في لحظةٍ ما، من سياق الثورة السورية، أقصد الربط بين المقاومة والتحرّر، أن تكون المقاومة وسيلةً للتحرّر، وليس لاستبدال السلطات، بكلام آخر، أن تكون مقاومة وطنية وليست إسلامية، أو على الأقل ليست على الصورة الإسلامية التي عرضتها كل التنظيمات الإسلامية حتى الآن.

من الراجح أن تختار القوى الإسلامية في إدلب المواجهة المفتوحة مع قوات النظام وحلفائه. وسيكون هذا، في ضوء التوازنات العسكرية والسياسية المتوضعة اليوم، خياراً سيئاً لأنه يفتقد إلى عناصر النجاح أولاً، ولأنه ينطوي على تبعاتٍ كارثيةٍ على السكّان ثانياً. أما إذا أفلحت تركيا في إقناع هذه القوى بعدم خوض معركة، باتت فاقدةً، إلى حد كبير، المعنى السياسي السوري، فسوف نغدو عندها أمام حساباتٍ أخرى، أقلّ مأساوية.

==========================

أذناب المجوس ، وعقارب الباطنية وقتْلهم للنساء !؟

بقلم : يحيى حاج يحيى

تضرب العرب مثلاً لمن لايقتل النساء بقول حاتم الطائي في الجاهلية حين لطمته امرأة ، فامتنع عن الرد عليها : لو غير ذات سوار لطمتني ( وهو في جاهلية ) !

وامتناع أبي دجانة عن ضرب امرأة مشركة كانت تلبس لباس الرجال وتقاتل ، فشد عليها ، فولولت ، فقال : إني لأربأ أن أضرب امرأة بسيف النبي ! و( هذا في الإسلام )

وأما أذناب المجوس ، وعقارب الباطنية ،وهم يمثلون الاحتلال الداخلي لسورية ، فلا يعرفون أخلاق العرب في الجاهلية ولا مكارمهم في الإسلام !؟

ولا يزال سجلُهم الإجرامي يتضخم منذ انتفاضة الثمانين إلى يومنا هذا ! في قتل الحرائر العزلاوات !؟ بدءاً من قتل شفاء جولاق ، وخديجة عزت آغا في اللاذقية ، وغنية حمدو في أريافها ، واغتيال بنان علي الطنطاوي في ألمانيا و.... وإلى مئات بل آلاف النساء بعد انتفاضة ٢٠١١ في شتى محافظات سورية الجريحة تحت القصف !؟ وفي السجون !؟

==========================

النظام السوري في محكمة الحريري: رموز أثقل من الجثث!

صبحي حديدي

القدس العربي

السبت 15/9/2018

القفص الخالي من المتهمين، في قاعة المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، التي أنشأتها الأمم المتحدة بقرار من مجلس الأمن الدولي لمحاكمة المسؤولين عن جريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري و22 آخرين، يوم 14 شباط (فبراير) 2005؛ ليس القيمة الرمزية الوحيدة التي تصنع مبتدأ (وقريباً: منتهى) هذه المحكمة العجيبة. ثمة، بادئ ذي بدء، عدد المتهمين بالتورط، الذين تمّ إطلاق سراحهم بعد احتجاز؛ أي اللواء جميل السيد (الذي بات اليوم، نائباً ينطق باسم الشعب اللبناني في دائرته الانتخابية)، والعميد الركن ريمون عازار، واللواء علي الحاج، العميد مصطفى حمدان. وثمة، تالياً، واقع المتهمين بالتنفيذ المباشر، في مستويات متنوعة؛ أي مصطفى بدر الدين (الذي قُتل في سوريا لاحقاً، «مجاهداً» باسم «حزب الله» اللبناني)، وسليم عياش، وحسين العنيسي، وأسعد صبرا، وحسن حبيب مرعي.

وفي حديث الأشخاص، دائماً، كان اللواء رستم غزالة، المسؤول الأول للاستخبارات العسكرية التابعة للنظام السوري في عموم الأراضي اللبنانية، والمتهم أيضاً بالتورط المباشر في التخطيط لاغتيال الحريري، وفي التنفيذ أيضاً؛ قد تمت تصفيته في نيسان (أبريل) 2015، بعد عقاب جسدي مبرّح قاتل، على يد أحد زملائه من ضباط النظام السوري، على الأراضي السورية هذه المرّة. قبله كان اللواء غازي كنعان، المسؤول السابق عن استخبارات النظام في لبنان، ووزير داخلية النظام بعدئذ، قد انتحر (أو انتُحر، حسب المفردة التي اشتقها بعض السوريين يومذاك) في تشرين الأول (أكتوبر) 2005؛ على خلفية ما كان يحمل من كنوز المعلومات حول قضية الاغتيال. وقبل غزالة أيضاً، كان اللواء آصف شوكت، رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية، قد قُتل ضمن مجموعة من الضباط خلال تفجير «خلية الازمة»؛ وكان، منطقياً، على اطلاع واسع حول عمليات النظام الكبرى والأشدّ خصوصية.

وهكذا، على نحو أو آخر، بدا أنّ نظام بشار الأسد، المتهم في الجريمة على قدم المساواة مع «حزب الله» حسب المدعي العام للمحكمة، نورمان فاريل؛ قد «نظّف البيت الداخلي»، وأسكت نهائياً ثلاثة أصوات كان مقدراً لها أن تكون حاسمة في المراحل الأخيرة من المحاكمة. وفي كلّ حال، خلال السنوات التي أعقبت تدخل «حزب الله» العسكري في سوريا لصالح النظام، انتفى الفصل الظاهري بين مصائر الطرفين وباتت العلاقة عضوية على الأصعدة العسكرية والأمنية والسياسية، بل والمذهبية أيضاً؛ في ميادين عديدة كان وجود الجنرال قاسم سليماني، و«الحرس الثوري» الإيراني، والميليشيات العراقية الشيعية في مناطق مختلفة من سوريا، يسبغ عليها صفة رسمية، أو عضوية بالاختيار تارة، وبالقوّة والإجبار طوراً. ولقد بدا أنّ قفص الاتهام في لاهاي كان خالياً من المتهمين، طافحاً في المقابل برموز هي أثقل من جثث المغيّبين من رجالات النظام أو «حزب الله.

قبل هذا الالتحام، كان الانسحاب العسكري للنظام السوري من لبنان هو العاقبة الأولى، الأبعد أثراً أيضاً، محلياً وإقليمياً ودولياً، وراء اغتيال الحريري. وفي أصل التأثير أنّ دخول النظام إلى لبنان، صيف 1976، كان النقلة السياسية والعسكرية الإقليمية الأهمّ في تاريخ «الحركة التصحيحية»، التسمية الرسمية للانقلاب الذي قاده حافظ الأسد في 16 تشرين الثاني (نوفمبر) 1970. انسحاب 2005 كان، استطراداً، يستكمل تلك النقلة ولكن نحو الوجهة المعاكسة إذا جاز القول، أي تجريد النظام السوري ـمن سلسلة ثمينة من المغانم والأوراق والقوى والحلفاء وهوامش المناورة الإقليمية. ومن الإنصاف القول إنّ انحطاط نفوذ النظام في لبنان كان قد بدأ مع سحب الملفّ اللبناني من يد عبد الحليم خدّام، نائب الأسد الأب آنذاك، وتسليمه إلى بشار الأسد كجزء من ترتيبات إعداد الفتى لخلافة أبيه (وبالطبع، غنيّ عن القول إنّ الانحطاط لم يبدأ لأنّ خدّام كان أرحم باللبنانيين من الأسد الوريث، بل على العكس تماماً: الأخير كان في طور التلقين وألعاب الهواة، وكان الأوّل أشدّ شراسة وأكثر تشدداً).

غير أنّ وفاة الأسد الأب، في حزيران (يونيو) 2000، خلقت مناسبة دراماتيكة لكي يصحو اللبنانيون على الحقيقة البسيطة التالية: وجود النظام السوري («الشرعي والمؤقت» بالنسبة إلى الرئيس اللبناني إميل لحود يومذاك، والمؤقت ولكن اللاشرعي الذي آن أوان إنهائه بالنسبة إلى معظم اللبنانيين)؛ ينبغي ألا يظلّ على حاله السابقة، بعد أن غاب الأسد، صانعه الأوّل، الأعلى دهاءً ومكيافيللية ودموية من وريثه في السلطة. هذه الحقيقة/ البديهية كانت تقبل، أو تصنع تلقائياً، ذلك الاستطراد البديهي الآخر: إذا تآكل وجود النظام السوري في لبنان ــ سواء نُظر إليه في مستوياته العسكرية والأمنية والسياسية والاقتصادية، أو في مستويات أخرى اجتماعية (العمالة السورية، التوترات بين الشعبين، انقسامات اللبنانيين…) أو حقوقية (اتفاق الطائف، القرارات الدولية…) ــ وكفّ عن كونه صانع أوراق القوّة؛ فمن المنطقي، والحال هذه، أن ينقلب إلى عبء على سلطة الوريث، أو ربما كعب آخيل الأخطر في الجسم الذي أطلّ منه الأسد الابن على الكون الخارجي، أي على الجوار الإقليمي والعالم بأسره.

ومن الإنصاف التذكير، كذلك، أنّ أولى إشارات الصحوة اللبنانية تلك، لم تأت من وليد جنبلاط، أو ميشيل عون (وكان، حينذاك، في صفّ كارهي النظام السوري!)، أو «الكتائب»، أو «القوّات اللبنانية»؛ وطبيعي، أيضاً، أنها لم تأتِ من الراحل الحريري نفسه، لأنه كان أحد أخلص حلفاء النظام السوري.

لقد جاءت، ليس دونما مفارقة في واقع الأمر، من مجلس المطارنة الموارنة، الذي أصدر بياناً لافتاً تماماً، في 20 أيلول (سبتمبر) من العام 2000، أي بعد أسابيع قليلة أعقبت توريث الأسد الابن.

في المقابل، توفرت جبهة لبنانية مضادة، تمثلت أساساً في بيان «اللقاء الإسلامي»، الذي ناهض بيان بكركي، ودافع عن شرعية وجود النظام السوري. والفارق بين البيانين لم يقتصر على انقسام حادّ بين «لا» و«نعم» لذلك الوجود؛ بل تجاوز اللونَين الأبيض والأسود إلى تدرّجات للرمادي، عديدة ومعقدة! صحيح أنّ الحال جبّت، في قليل أو كثير، فُرَص اشتعال الحرب الأهلية مجدداً؛ إلا أنها استولدت، على نحو نظير، سلسلة استقطابات سياسية واجتماعية ودينية ومذهبية، سوف تعيد إنتاج كوابيس، الحياة اليومية اللبنانية في حينه. كذلك فإنّ الاصطفاف المسيحي تبدّل مراراً، وحدث أنه استقر (أو بالأحرى: ركد كثيراً) في معادلة العماد عون وتياره المتحالف مع «حزب الله».

وحين اغتيل الحريري كان قد تحوّل إلى الشخصية الأهمّ في المعارضة اللبنانية، وباتت أوراق القوّة العديدة التي يملكها، داخلياً وعربياً ودولياً، بمثابة عوامل ضغط شديد على النظام السوري وحلفائه. وإذا كانت من يد للنظام السوري وراء اغتياله، فالأرجح أنّ «الدماغ» الذي خطّط لليد وحرّكها كان قد زانَ كفّتَي الربح والخسارة على النحو التالي: إذا كان الوجود العسكري والأمني للنظام السوري في لبنان سوف يتقلّص أو يضعف، أو حتى ينتهي بانسحاب تامّ ذات يوم؛ فإنّ الوجود السياسي ينبغي ألا ينحطّ إلى درجة تضع النظام على هامش المسألة اللبنانية، فيخسر الأسد وحلفاؤه آخر ما امتلكوا من أوراق قوّة.

والحال الراهنة العالقة في لبنان تعكس الكثير من ذلك التطلع، حتى إذا لم يكن للنظام السوري اليد الطولى في صناعة المشهد اللبناني الداخلي. وليست مآلات محكمة لاهاي والانقلابات الدراماتيكية التي شهدتها ملفاتها، قضاة وشهوداً ومتهمين، سوى بعض البرهان على أنّ حضور الرموز بدا أثقل بكثير من ركام الجثث التي خرت على مدار 13 سنة.

 

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

==========================

ما الحل في إدلب؟

رياض نعسان أغا

الاتحاد

السبت 15/9/2018

سؤال الحل في إدلب يقلق البشرية اليوم، صحيح أن الغالبية من القلقين لا يريدون رؤية مزيد من الدماء والضحايا الذين قد يزيد عددهم على مئات الآلاف وسيكون جلهم من الأطفال والنساء، لأن عدد السكان يقترب من أربعة ملايين إنسان، لكن المقلق لكثير من الدول هو توقع نزوح أكثر من مليوني إنسان باتجاه تركيا ومنها إلى أوروبا، وصحيح أن بضعة آلاف قد يموتون غرقاً في أمواج المتوسط كما مات آلاف قبلهم، لكن عشرات الآلاف سيصلون وستواجه تركيا ودول أوروبا موجات هجرة جديدة، ولن تتحمل الأمم المتحدة الأعباء الناتجة عن الحرب على إدلب، وستشعر الشعوب التي أثقلها إحساسها بالذنب على صمتها ثماني سنوات، وهي ترى الحرب على مجموعة إرهابية تختطف ملايين المدنيين قد صارت حرباً ضد الإنسانية، وستحمل روسيا مسؤولية ملف أسود هو أشد قسوة من الهولوكست، وسيذكر البشر موقف ولد أحمق رأى ذبابة تحوم حول رأس أبيه النائم وتزعجه، فسارع إلى صخرة رماها على رأس أبيه كي يقتل الذبابة.

ولقد أثبت سكان إدلب (وهم اليوم من كل أنحاء سوريا) أنهم يحاربون الإرهاب، ولا يريدون أن يكون ل«القاعدة» أو «النصرة» أو أية تنظيمات دينية متطرفة أي حضور في سوريا كلها، وكانت تظاهراتهم الكثيفة الأخيرة تعبيراً واضحاً عن خياراتهم الوطنية، وتظاهرات اليوم أشد جلاء بشعاراتها وشمولها، لكن الناس في إدلب مغلوبون على أمرهم إزاء من يدعم هذه التنظيمات ومن يوفر لها السلاح والذخائر والأموال، ومن يصر في الخفاء على بقائها، وجعلها ذريعة لاستمرار الحرب، ولا أحد يذكر أن السماء أمطرت ذهباً أو أسلحة أو ذخائر، وهذا ما يجعل الاتهام يشير إلى دور إيران الراعية الكبرى للإرهاب، والراغبة في استمرار الصراع المسلح، لأنه مبرر بقائها ونفوذها في سوريا، ولا ينسى أحد دور «حزب الله» في التحريض على تحويل ثورة الكرامة والحرية إلى صراعات دينية منذ أن دخل يبحث عن قتلة الحسين، وكان لصالح النظام أن تتحول القضية إلى صراع ضد الإرهاب بدل أن يكون الصراع ضد الاستبداد، وهذه الوصفة السحرية حققت للنظام نجاحاً مبهراً، وقد استجاب له العالم بعد نجاح فزاعة «داعش» الأسطورية التي كشف ترامب أسماء من قام بإنتاجها في مواجهة انتخابية مع هيلاري ثم باتهام صريح لإيران التي سماها مصدر الإرهاب في العالم. وسرعان ما نسي معظم قادة العالم وإعلامهم أن القضية السورية أصلاً هي قضية شعب طالب بحريته وكرامته، وليست قضية مكافحة إرهاب فقط.

والسؤال الإنساني، ما ذنب ملايين الناس في إدلب كي يتعرضوا لكل هذا الرعب اليومي من أجل حفنة إرهابيين جاؤوا مرتزقة من أصقاع الأرض، وكان يكفي أن يتوقف عنهم الدعم الذي يلقونه لينتهي حضورهم؟ الحل في إدلب هو أن يتم على صعيد دولي فضح جاد للجهات الداعمة للإرهاب، وإجبار المشغلين على إنهاء هذه الفواجع التي باتت مخزية، وأن يرفض العالم قتل الشعب السوري بكل أدوات القتل، فالتحذير بخطر قتل الشعب بسلاح كيماوي دعا أحد مسؤولي النظام ساخرا إلى طمأنة العالم بأنه سيقوم بقتل شعبه بأسلحة تقليدية، وقد عاد إلى استخدام البراميل المتفجرة المسموح بها، وعملياً بدأت الحرب في إدلب من قبيل انعقاد قمة طهران التي كان متوقعاً ألا تنجح كيميائياً، لاختلاف الرؤى والأهداف بين قادتها، فالسيد بوتين يريد أن يستعيد النظام إدلب كما استعاد حلب ركاماً ودماراً، وروحاني يريد أن تبقى الحرب مستمرة كي يبقى الجيش الفارسي وملحقاته من الميليشيات يحتلون سوريا كما يحتلون لبنان والعراق واليمن، وأردوغان يخشى أن يتمكن حزب «العمال» من إقامة دولة كردية جنوب تركيا، ويخشى من تدفق ملايين اللاجئين إلى بلاده، فأما السوريون فهم يريدون أن تبقى سورية دولة قوية متماسكة، ولا يقبلون أن يقتطع شبر منها، وألا يكون فيها محتلون، وأن يغادرها الفرس والروس معاً، وأن تنهض أمتهم العربية بدورها نحوهم. ولا يمكن أن يستمر الحال في إدلب كما هو الآن، لكن الحل ليس الحرب والدمار الشامل، ولا دخول النظام الذي يخشى الناس انتقامه منهم، الحل هو إيقاف دعم الإرهابيين، وإعلان هيئة حكم انتقالي، ومع ظهورها ينتهي الصراع العسكري، وسيذعن الجميع لبناء دولة ديمقراطية غير طائفية، ينتهي معها عصر الاستبداد.

==========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com