العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 23-08-2020


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

قرار المحكمة الدولية الخاصة بلبنان أحبط السوريين أيضاً

بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 20/8/2020

قرأتُ على موقع فيسبوك، وهو الأكثر استخداماً بين وسائل التواصل الاجتماعي لدى السوريين، بوستات كثيرة من سوريين معارضين علقوا آمالاً كبيرة على قرار المحكمة الدولية الخاصة باغتيال رفيق الحريري وشخصيات لبنانية أخرى، في العام 2005، قبيل صدوره بفترة قصيرة. ثم صدر القرار الذي أحبط أصحاب تلك البوستات وغيرهم ممن كانوا يأملون بأن يشكل صدوره نقطة انعطاف في لبنان والمنطقة، سواء من حيث إنهاء عصر الإفلات من العقاب أو من حيث تداعياته نحو تحجيم حزب الله والدور الإقليمي لإيران وبخاصة في سوريا.

الواقع أن اهتمام السوريين باغتيال الحريري وتداعياته كان كبيراً في حينه، بالنظر إلى تداخل المجالين السوري ـ اللبناني، الأمر الذي يجعل ترقب قرار المحكمة مفهوماً وإن كان تعليق آمال كبيرة عليه يعود إلى هزيمة الثورة السورية و«صمود» نظام البراميل المتفجرة والسلاح الكيميائي على صدور السوريين، بحيث لم يبق لهؤلاء من بارقة أمل إلا بحدث خارجي لا يد لهم فيه كقرار المحكمة أو قانون قيصر قبله أو الثورة اللبنانية في تشرين الأول 2019 أو ما يمكن أن يتولد من تداعيات سياسية بعد الانفجار الرهيب في ميناء بيروت.

ما تغير لدى قسم من السوريين بين 14 شباط 2005 و18 آب 2020، هو أن معارضي النظام الكيماوي كانوا، في التاريخ الأول، يعدون بضعة آلاف، في حين أنهم الآن بالملايين. أما القسم الآخر المؤيد للنظام فمن المحتمل أن لا شيء يمكن أن يغير «ثباته المبدئي» وربما حجمه أيضاً. كان «الرأي العام» السوري في ذلك الوقت متطابقاً إلى حد كبير مع رأي النظام وتيار 8 آذار، مقابل المعارضين الذين تبنوا، عموماً، موقف تيار 14 آذار من الاغتيال فكانوا يتهمون نظام بشار الكيماوي بقرار الاغتيال، ولم يكن اسم حزب الله مطروحاً في تلك الفترة المبكرة باعتباره شريكاً له في القرار والتنفيذ. ربما لا يحتاج الأمر إلى التذكير بأن اتهام معارضين سوريين للنظام باغتيال الحريري ورفاقه والشخصيات اللبنانية الأخرى كان يعبر عنه في الجلسات الخاصة فقط، وليس في بيانات علنية، وبخاصة أن أحداً لم يكن يملك أدلة جنائية تسند هذا الاتهام، بقدر ما كان الأمر يتعلق بتحليل سياسي يشير إلى الجهة المجرمة، وهو ما كان حال تيار 14 آذار نفسه على أي حال. حتى حين أمر المحقق الدولي دتليف ميليس بتوقيف الضباط اللبنانيين الأربعة المعروفين بتبعيتهم أو قربهم لحزب الله ونظام الوصاية الأسدي، من منطلق الاشتباه بضلوعهم في عملية الاغتيال، بقي أمر وقوف النظام وراء قرار الاغتيال في حدود الاستدلال السياسي.

كانت حرب تموز 2006 التي أدت إلى دمار هائل في لبنان ضرورية لحزب الله والنظام الكيميائي معاً للتخلص من تداعيات الاغتيال، ولوأد الآثار المتبقية لـ«ربيع دمشق» في سوريا

أما نظام الأسد نفسه فقد عاش أوقاتاً عصيبة كان أبرز تجلياته في ظهور بشار الكيماوي، في خطاب له على أحد مدرجات جامعة دمشق، خريف العام 2005، بوجه شاحب يزخ عرقاً غزيراً (وربما بارداً) أرغمه على الاعتراف بأنه يعاني من وعكة صحية «خفيفة» في محاولة منه لاستباق ما يمكن أن تقوله وسائل الإعلام عن وضعه المضغوط. في حين استنفر النظام أنصاره ووسائل إعلامه في مواجهة العاصفة القادمة من لبنان وتهدد بالاندلاع داخل سوريا نفسها (الإعلان عن تجمع سياسي معارض باسم «إعلان دمشق» تم في تلك الفترة، وبعد أسابيع قليلة سيعلن عبد الحليم خدام انشقاقه).

حتى صحيفة «الدومري» ـ ابنة ما سمي بربيع دمشق ـ كانت تهاجم البطريرك صفير وقادة تيار 14 آذار في تلك الفترة قبل أن يقوم النظام بإغلاقها لأنه لم يتحمل «جرعة النقد» الموجه له فيها. واستنفر النظام نوعاً من «وطنية سورية» خاصة به يعبر عنها شعار «سوريا أولاً» قائمة على الوحدة في مواجهة «الخارج» المعادي، وبخاصة لبنان ودولاً عربية. لم ترتفع في تاريخ سوريا أعلام بذلك الحجم الكبير الذي ظهر فيه في مدن عديدة بعد اغتيال الحريري، وبخاصة بعد توجيه المحقق الدولي ميليس اتهامات صريحة للنظام وأدواته في اغتيالات الشخصيات اللبنانية.

حين ظهر بشار نفسه في خطاب موجه لمجلس شعبه المنتخب، الأسبوع الماضي، وقطع خطابه بالقول إنه بحاجة إلى الجلوس «دقيقة واحدة فقط» فخرج من القاعة إلى غرفة جانبية، فسر البعض هذه الحركة على أنها لعبة للفت الانتباه، بالنظر إلى معرفة السفّاح السوري بأن أحداً غير الموجودين في القاعة لن يهتم بخطابه، وبخاصة وسائل الإعلام العالمية التي تهمه أكثر مما قد يهمه جمهور مؤيديه. قد يكون هذا صحيحاً، ولكن هناك احتمالا آخر هو أن قرار المحكمة الدولية المرتقب آنذاك ربما كان يؤرقه خوفاً من شموله بالإدانة القضائية باعتباره صاحب القرار الأول أو الشريك لحزب الله، ومن ورائه إيران، في اغتيال الحريري ورفاقه والشخصيات اللبنانية الأخرى التي اغتالتها اليد الإجرامية نفسها.

15 سنة بين اغتيال الحريري وصدور قرار المحكمة اليوم، كانت حافلة بتغيرات عاصفة في كل من لبنان وسوريا. كانت حرب تموز 2006 التي أدت إلى دمار هائل في لبنان ضرورية لحزب الله والنظام الكيميائي معاً للتخلص من تداعيات الاغتيال، ولوأد الآثار المتبقية لـ«ربيع دمشق» في سوريا. لكن اندلاع ثورات الربيع العربي، في أواخر 2010، وتساقط الأنظمة في تونس ومصر وليبيا تباعاً، ووصول الموجة إلى سوريا في آذار 2011، أعاد النظام والحزب وكامل المحور الإيراني إلى مواقع دفاعية.

من المحتمل أن الانفجار شبه النووي الذي ضرب، في مطلع شهر آب الحالي، ميناء بيروت، وأدى إلى مقتل عشرات اللبنانيين وتشريد آلاف الأسر، هو عمل شبيه باغتيال رفيق الحريري تقف خلفه الجهة نفسها لترويع اللبنانيين قبيل صدور قرار المحكمة الدولية. هذا مجرد تحليل سياسي أيضاً لا يقوم على أدلة جنائية، فالمجرم بات معلوماً للقاصي والداني، في الحدثين.

=========================

موقفنا : دساتير الأزمات تعمق الأزمات .. لا تنقذ وطنا ولا تحل أزمة .. الذاهبون إلى دستورية جنيف على صدور ضحايا السارين يدوسون

زهير سالم*

مركز الشرق العربي

23/ 8 / 2020

ليس عبثا أن يتحدد الرابع والعشرين من آب موعدا للقاء القتلة مع المفرطين . فموعد اللقاء الحميمي بين أطراف الجريمة ، يجب أن يتم قريبا من ذكرى المجزرة التي كانت الأشد والأقسى على قلوب السوريين . قريبا من ذكرى مجزرة السارين التي تكرست وظلت جرحا يصيح على المدى . وخطْوأً فوق صدور الأطفال التي ما تزال في مخيلة كل سوري حر تحشرج بالسارين ، سيلتقي في الرابع والعشرين من آب أي بعد ثلاثة أيام من ذكرى الجريمة الأبشع ، القتلة المجرمون مع الأدعياء المساومين !! وزعموا من أجل أن يفصلوا لسورية دستورا جديدا أقل سوء أو ربما أكثر من دستور 2012 ، المعروف باسم دستور قدري جميل . وما ندري ماذا سيضيف السيد قدري جميل وأشياعه الحاضرون بقوة في اللجنة الدستورية العتيدة على النسخة الجديدة من دستورهم الجديد ؟!

يعلم كل السوريين ، وعلى اختلاف انتماءاتهم ومشاربهم وتوجهاتهم الدينية والمدنية ، أن مشكلتهم الأكبر لم تكن يوما مع نصوص الدستور ، ويعلم جميع السوريين - غير الأغبياء والعملاء - أن الفظائع والجرائم التي ارتكبت وما تزال ترتكب في سورية لا تغطيها شرعة في دستور ، ولا مادة في قانون . وأن المطلوب الأول لثورة كلفت السوريين مليون شهيد وخمسة عشر مليون مهجر ، الأخذُ على يد المجرمين ، وإعادة السلطة في سورية إلى يد " الإنسان " . وإذا كان لنا أن نعيد صياغة المطلب الثوري فنقول للعالم أجمع إن مطلبنا الأول في سورية هو "أنسنة السلطة " ، إخراجها من يد الموصوف بلغة الرئيس الأمريكي ترامب ، ووضعها بيد إنسان ، فقط إنسان ، وبعد ذلك سيسهل على السوريين كل شيء ، ولن يحتاجوا إلى بيدرسون ولا إلى جيفري ، ولا إلى جنيف ، ولا إلى 150 مشحون إليها ؛ فالسوريون هم دائما الأقدر على التعايش ، والأجمل في الإبداع فيه ..!!

في حديثه عن الحوار المرتقب غدا في جنيف بين عُوْد بشار الأسد وقشره ، يقول السيد بيدرسون لا تنتظروا المعجزة ..ونحن نقول له بل نحن ننتظر الكارثة . سيكون الحوار في جنيف غدا بين وكيلين لبيدرسون ولجيفري ومن ثم لترامب . لن يكون هناك ممثل واحد لثكالى وأرامل وأطفال سورية ، وهذا لا يجوز أن ننساه ، وما يجب أن تعرفوا أننا نعرفه فلا تنسوه ..

وحين سيكون الذاهبون إلى جنيف منشغلين بالبحث عن الطاسة الضايعة ، سيمد السيد الأمريكي جيفري خطوه على سكة أخرى مغايرة ، في زيارة للمنطقة تستغرق ستة أيام ، غير مبال بجنيف ولا بمن في جنيف ، ولا بما سيقال أو يقرر في جنيف ..فأي استخفاف وأي ازدراء للجنيفيين سيكون هذا ..؟!

ودائما لن نمل من التأكيد ..

إن ما حصل في سورية لم يكن حربا أهلية . لم يكن حربا لا دينية ..ولا مذهبية ..ولا عرقية ..وعلى الرغم من الحرص الأسدي - الروسي - الأمريكي على توصيف الثورة السورية بالحرب الأهلية فإننا يجب ألا نمل من تكرار رفض ذلك ونفيه والتمرد عليه ومحاربة زاعميه ..ليست ثورة السنة ضد العلويين ، ولا ثورة المسلمين ضد المسيحيين ، ولا ثورة الكرد والعرب بعضهم ضد بعض .. بل هي ثورة المستضعفين ضد الظالمين والأحرار ضد المستبدين .

وعلى الرغم من قسوة الجراح وعمقها وبعد غورها فإن الإنسان السوري الأعرق في الحضارة ، يعرف كيف يميز بين المجرم وبين أداة الجريمة أو أدواتها ..ويعلم كيف يتعامل مع الأدوات بما يستحقون من شفقة .. أو من ازدراء ..

مطلبنا الأول : أن تعود سورية الوطن والدولة إلى أيدي أبنائها ..وأن يحاسب في سورية على الجريمة المجرم قبل الأداة ..

لا شراكة مع المجرمين . لا شراكة مع القتلة والمغتصبين . لا شركة مع الذين أبادوا شعبنا بالسارين وبالكلور وبالفراغي والارتجاجي والمشع وبغبي البراميل ..

لا لخدعة تعديل الدستور ولا للذاهبين إلى جنيف المتاجرين بدماء الأبرياء ..فالدساتير الوطنية لا تصاغ إلا في البحبوحة الوطنية . دساتير الأزمات تعمق الأزمات ، ولا تحل أزمة ..لقوم يعقلون ..

الله أكبر .. والنصر لإرادة الحرائر القابضين على جمر الثورة بثقة وإيمان ويقين

الله أكبر ..والنصر لدماء الشهداء ، وعذابات المعذبين ، ولتضحيات المضحين من المهجرين والمشردين

1لله أكبر .. وليسقط كل الطغاة والمستبدين و المجرمين ..وكل الخونة المتآمرين والمتواطئين والمفرطين ...

الله أكبر ..ولا أحد في جنيف ولا في الدستورية ولا في المعارضة البيدرسونية يمثل الشهداء ولا المعتقلين ولا المهجريين ، ولا السوريين على أرضهم يرتع في أديمهم الاستبداد والفساد والطاعون ..

ألا شاهت منهم الوجوه .. وقبح فيهم اللكع ومن يرجوه

____________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

محمود الجوابرة – أول شهداء ثورة الكرامة

إيمان محمد

سوريا تي في

الاربعاء 19/8/2020

تحتفي الشعوب بشهدائها، وتكرمهم، وتتناقل سير شجاعتهم وبطولاتهم، ويكتب التاريخ عنهم للأجيال القادمة، كيف كانوا شجعاناً عظماء، حين اختاروا درب الكرامة، قدموا دماءهم رخيصة في سبيل الحق، وفي سبيل النضال والحرية، تقدم هذه الشعوب خيرة شبابها، يتسابقون لنيل شرف الفداء للحق، ووضع حد للظلم والقهر، فلا بد من صوتٍ يغير مسار الصمت الخانق، ولا بد من دماء زكية تنزف، لتتحقق المطالب، فكيف بمن كانوا الأوائل في الثورة،  أوائل من جعلوا الشرارة تتقد، والصوت يعلو، وعدوى الحرية تنتشر، فلم تكن مطالبهم فقط لأجل سجن الأطفال الذين كتبوا على جدران المدارس واعتقلوا بسبب ذلك، بل كانت مطالبهم أعلى، بإسقاط النظام، وردّ قوات الأمن بعنف شديد، فاخترق رصاصه أجسادهم الطاهرة.

ولد محمود الجوابرة عام 1987 في  مدينة درعا  الأبية، سكن في درعا البلد، أول حي المنشية، وتوفي والده وهو لم يكمل الشهر من عمره، فعاش مع فقد الأب ظروفاً صعبة، وأحوالاً مادية ضيقة، لم تنل رغم ذلك من إبائه ولم يُسلم نفسه لاستبداد اليُتم والفقر والحاجة، فافتتح دكاناً صغيراً متواضعاً من بيته، يبيع فيه البسكويت والمواد الغذائية، وظل يسعى في طلب الرزق ويكافح، حتى تحسنت أحواله قليلاً وافتتح لاحقاً محلاً لبيع الألبسة في سوق فراس، فكان ذلك دلالة نفس أبية تأبى الاستسلام والركون إلى صعوبة الحياة، وتهميش المجتمع والافتقار إلى السند، وعرفه أصدقاؤه ومن حوله الكرام بالنخوة والشهامة طباعاً أصيلة في نفسه.

وكأن رموز ثورة الكرامة لهم ارتباط مع الرياضة، فكما كان عبد الباسط الساروت حارساً للمرمى، كان محمود الجوابرة لاعب كرة قدم، أحب الرياضة والتفت إليها، ووجد نفسه في خضرة ملاعبها، وفي إيقاظها روح المقاتل داخله، وتهذيب أخلاقه، فكان لاعباً في نادي الشعلة، أثبت نفسه وكفاءته، وكان حضوره جاداً ملتزماً فلعب في حوران في جميع مباريات الشباب، وكأن الرياضة ألهمته ليدرك مفاهيم الثورة وما احتاجته من انطلاق وقوة وبذل جهد لتحقيق الانتصار، فلم يتردد بأن يكون من أوائل المتظاهرين فيها.

يتحدث رفاقه عن يوم استشهاده، بتاريخ 18-3-2011 حين خرج ساهم محمود مع شباب الثورة بالتخطيط للمظاهرة، فخرجوا جميعاً من الجامع العمري في درعا، مطالبين بإسقاط النظام واتجهوا باتجاه حي الكرك ومعهم محمود، وكانت قوات الأمن متربصة بهم، ونية النظام منذ البداية قتل الشعب لا تفريقهم، ولا الحوار معهم إلا بلغة القتل والعنف، فأطلقت الرصاص الحي، واخترقت الرصاصة الأولى رقبة محمود فاستشهد على الفور، وكان أول شهداء الثورة السورية، وقال بعض من معه بأن الرصاصة ذاتها اخترقت جسد الشهيد حسام عياش، فكان ثاني الشهداء.

تسابقت أيدي الشباب الثائر لحمل جثمان محمود، كان بينهم أطفال أيضاً فكّروا في تلك اللحظات العصيبة، وبينما قوات الأمن تطلق نيرانها، أنّ لهم دورا ما وسط الزحام والتوتر وسير الناس في كل اتجاه، وثارت ثائرة درعا ومن فيها لمقتل شبابها، فكانت الهتافات في المسجد قبل التشييع غاضبة أيضاً، وكان الناس يهتفون "الموت ولا المذلة" "اللي بيقتل شعبه خاين"، ولم تتوقف من يومها درعا عن تقديم الشهداء، فعند تشييعه ومن معه، قتل رصاص الأمن من "الجوابرة" من أولاد أعمام محمود كثيرين، فشهدت درعا مجزرة لعائلة الجوابرة، ودفنوا جميعهم معاً في مقبرة بات اسمها مقبرة الشهداء.

عاش محمود خمسة وعشرين ربيعاً من عمره، لم يكن يتوقع غالباً أنها ستنتهي بثورة، وبأنه سيكون شهيدها الأول، ولم يخيل إليه أبداً أن قطرات دمائه ستشعل الأرض غضباً، وبأن صورته ستُعلّق في المحافل، وتوضع في الكتب، وتُروى في الحكايات والقصص البطولية، وسيذكره كل حر من أبناء الشعب السوري العظيم، ويربط اسمه بالشجاعة والبطولة والتضحية، ربما كان حلمه أن يكسب بطولة ما في ناديه، لكن كُتب له أن يكسب بطولة أسمى، وأن يرتبط بالثورة من يومها الأول، ويترك أثراً ممتداً امتداد تاريخ الثورة في ذاكرة السوريين، ويلهم الناس ويحركهم لضرورة أن يتخذوا الخطوة الأولى، مهما كان ثمنها غالياً، لأنها الخطوة التي ستقود إلى خطوات أخرى تنبثق منها وتعتمد عليها.

=========================

شرق الفرات بين أحجار رحى عديدة

علي العبدالله

العربي الجديد

الاربعاء 19/8/2020

لا يمكن قراءة اغتيال شخصيتين وازنتين في أكبر قبيلتين عربيتين في محافظة دير الزور في سورية، الشيخ علي الويس من قبيلة البكارة والشيخ مطشر الهفل من قبيلة العكيدات، بمعزل عن صراع القوى في سورية وعليها، وتركّز الصراع في هذه المرحلة في منطقة شرق الفرات، لما لها من أهميةٍ جيوسياسيةٍ واقتصادية، الموقع والموارد الطبيعية، نفط وغاز ومياه وطاقة كهربائية وزراعة وتربية مواشٍ، وقد تحولت ساحة رئيسة للصراع بين القوى الفاعلة، بمصالحها المتباينة وخططها للحل السياسي في سورية؛ وساحةً لاختبار الآليات والتكتيكات وممارسة الضغوط المتبادلة، وسعي كل قوة لدفع الأوضاع في سياقٍ يخدم مصالحها.

جاءت الاغتيالات في مناخ سياسي واجتماعي مشحون وظرف دقيق وحساس: إنهاء سيطرة الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) على منطقة شرق الفرات، تعديل القرار الأميركي من الانسحاب إلى تقليص عدد القوات والتموضع حول آبار النفط والغاز وعلى الحدود السورية العراقية، حماية المنطقة بحظر جوي أميركي، تفرد "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) بالتحكّم في المنطقة والاستئثار بمواردها الطبيعية، تصعيد روسي إيراني ضد الوجود الأميركي في سورية، تعزيز القدرات الروسية شرق الفرات بإرسال معدّات وجنود وزيادة عدد الدوريات، وفق إعلان قائد القوات الأميركية في الشرق الأوسط، الجنرال كينيث فرانكلين ماكنزي جونيور، مصحوباً باختباراتٍ لمدى ثبات قرار الإدارة الأميركية البقاء العسكري عبر الاحتكاك بالقوات الأميركية على الطرق، وفي المواقع العسكرية المتناثرة؛ وتكرار محاولات الوصول إلى حدود العراق؛ ومحاولة إبعاد الكرد عن الولايات المتحدة من خلال التركيز على عدم شرعية الوجود الأميركي، وما يرتبه انسحابهم المحتمل من مضاعفات على الكرد وقضيتهم، والدفع إلى إجراء مفاوضات بين النظام و"مجلس سوريا الديمقراطية" (مسد)، توقيع عقد نفطي بين قائد "قسد"، مظلوم عبدي، الذي بات يعتبر رجل أميركا في المنطقة، وشركة "دلتا كروسنت إنيرجي" الأميركية برعاية من وزارة الخارجية الأميركية، يتوقع رفع إنتاج المنطقة إلى 150 ألف برميل يوميا؛ ما يعني ثروة هائلة لمنطقة صغيرة سكانيا، تشكيل تجمعات وتحالفات محلية من عرب المنطقة، "التحالف العربي الديموقراطي في الجزيرة والفرات"، استعدادا للمساومة الكبرى على حكم المنطقة، سعي محموم من القوى الفاعلة شرق الفرات، الولايات المتحدة، روسيا، تركيا، إيران، النظام السوري، لاستقطاب العشائر العربية، وتشكيل أطر عسكرية من أبنائها ووضعهم في مواجهة بعضهم بعضا، مشاركة قوات التحالف الدولي في عمليات "قسد" في القرى والبلدات العربية واعتداؤها على المواطنين وممتلكاتهم، بذريعة ملاحقة خلايا "داعش" النائمة، ما أثار حفيظة العرب ضدها، رد "قسد" على احتجاجات العرب على سوء الخدمات وتهالك البنية التحتية واقتحام القرى واغتيال مطشر الهفل بإطلاق الرصاص على المحتجين وقتل وجرح عدد منهم. ظهور مؤشّرات على التصوّر الأميركي لمستقبل المنطقة، عكسته رعاية الخارجية الأميركية الحوار الكردي بين المجلس الوطني الكردي وحزب الاتحاد الديمقراطي وتحالف أحزاب الوحدة الوطنية الكردية، الموالية له، ومباركتها تشكيل "جبهة السلام والحرية" من المجلس الوطني الكردي والمجلس العربي في الجزيرة والفرات والمنظمة الآشورية الديمقراطية وتيار الغد، الدفع باتجاه إنهاء دور حزب العمال الكردستاني في الملف الكردي السوري، والمراهنة على قائد "قوات سوريا الديمقراطية"، مظلوم عبدي، لتحقيق هذا الهدف مع الضغط على قيادة "الحزب" في جبال قنديل لتسهيل العملية، ما يشي بفحوى التوجه الأميركي: تشكيل كيان سياسي شبه مستقل بتوافق القوى المحلية: العرب والكرد والسريان/ الكلدان، مع تحجيم الطموحات الكردية من خلال غض النظر عن السيطرة التركية على منطقة عفرين، ومنح تركيا موطئ قدم شرق الفرات، المنطقة الحدودية من تل أبيض إلى رأس العين (سري كانية، والسماح بدخول قوات روسية وأخرى تابعة للنظام السوري إلى المنطقة، واستخدام الاسم الجديد للمنطقة: شرق الفرات. 

لن يشهد ريف ديرالزور استقراراً ما لم تغيّر "قسد" سياستها وتلبي مطالب سكان المنطقة وعشائرها في شراكة حقيقية

لم تنجح محاولات روسيا استدراج الكرد للعمل معها ومع النظام السوري، فالوساطة بين قيادة "مجلس سوريا الديمقراطية" والنظام السوري لم تأت أكلها على خلفية التعارض الحاد بين موقف الطرفين وتناقضات الموقف الروسي: الإصرار على عودة سيطرة النظام على منطقة شرق الفرات والتحاق "قوات سوريا الديمقراطية" بجيش النظام كأفراد، وإدراج الحقوق الكردية في الدستور السوري، تغطية التحرّك التركي ضد الكرد غرب نهر الفرات وأجزاء من شرقه واستخدام الورقة الكردية للضغط على تركيا في الوقت نفسه، ما دفع الكرد إلى المراهنة على العلاقة مع الولايات المتحدة وتعليق آمال كبار عليها، خصوصا بعد طي قرار الانسحاب، وقد جاء التوقيع على اتفاقية تطوير حقول نفط المنطقة واستثمارها لتثير ردة فعل حادة وغاضبة من كل من روسيا وإيران وتركيا والنظام السوري، كل لحساباته الخاصة، خصوصا روسيا التي فقدت فرصة الاستثمار في نفط المنطقة وتوظيف عائداته في إعادة الإعمار، لاستكمال نصرها العسكري، كما فقدت ورقة مساومتها مع الكرد في ضوء ما ينطوي عليه اتفاق النفط من اعتراف سياسي بـ "قوات سوريا الديمقراطية" وقائدها، مظلوم عبدي، في مواجهة ضآلة ما يمكن أن تحصل عليه من خلال وساطة روسية مع النظام، وليغلق الباب أمام محاولاتها استدراج الكرد للتحول بعيدا عن الأميركيين. 

لم تنجح محاولات روسيا استدراج الكرد للعمل معها ومع النظام السوري

فجّرت عمليات الاغتيال غضبا كامنا بين أبناء العشائر العربية في محافظة دير الزور، تناغمت معه عشائر الرقة، غضب تراكم بفعل ممارسات "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) التسلطية والتمييزية: فرض الخدمة الإلزامية على شباب المحافظتين وسوقهم بالقوة، التمييز داخل "قوات سوريا الديمقراطية" بين الكرد وغير الكرد بالمناصب والقرارات والامتيازات، فرض وجود كفيل كردي للسماح بدخول العرب منطقة سيطرة "قسد"، فرض برامج تعليم حزبية، مصادرة أملاك الغائبين وإدارتها، الاستئثار بعائدات الموارد الطبيعية المالية الضخمة، وعدم إيلاء المطالب الخدمية والاقتصادية والإدارية للسكان العرب الاهتمام المناسب، حيث عكس سلوك قيادات "قسد" الميدانية تناقضا صارخا بين نظرية "الأمة الديمقراطية" التي تتبناها والممارسة العملية القائمة على التمييز والقسر، تناقض بين مستدعيات وشروط ممارسة كيان سياسي ديمقراطي وممارسة كيان سياسي عقائدي مغلق، بالإضافة إلى ما تثير الممارسات الثأرية والانتقامية بين الكرد والعرب، على خلفية المظلومية التاريخية والتنافس على الجغرافيا والتاريخ من سلبيات وكوارث، فكانت الاغتيالات "القشّة التي قصمت ظهر البعير"، والتي دفعت إلى فتح ملف الحقوق والواجبات والممارسات السياسية والميدانية والإدارية في المنطقة وعدم تنفيذ مشاريع من عائدات المنطقة، الغنية بثرواتها الطبيعية والزراعية، للنهوض بالواقع المعيشي والاقتصادي والخدمي من "الإدارة الذاتية"، والمطالبة بتسليم المنطقة لأصحابها لإدارة قراهم وبلداتهم وثرواتهم الطبيعية ووقف اعتقال المدنيين بذريعة الانتماء لـ "داعش"، والإفراج عن المعتقلين الأبرياء وإخراج النساء والأطفال من المخيمات، وتسليم القتلة للعدالة خلال شهر واحد، وإخراج قوات "قسد" منها، وأخذ المكون العربي دوره كاملا.

منطقة تحولت ساحةً لاختبار الآليات والتكتيكات وممارسة الضغوط المتبادلة، وسعي كل قوة إلى دفع الأوضاع في سياقٍ يخدم مصالحها

فتحت الاغتيالات ورد الفعل العشائري الحاد والعنيف، انشقاق بعض العرب عن "قسد" ومهاجمة قوى عشائرية لمواقع وحواجز "قسد" في جديد بكارة وجديد عكيدات وطردهم بعد الاستيلاء على أسلحتهم، فتحت الباب واسعا لاستثمار القوى المناوئة للدور الأميركي، وللموقع المهيمن لقوات سوريا الديمقراطية وقائدها مظلوم عبدي شرق الفرات، بما في ذلك تيار من داخل "قسد" يعارض توجهات مظلوم للابتعاد عن حزب العمال الكردستاني التركي، فتتالت الإدانات والتنديدات والدعوات إلى التصدّي ل "قسد" والأميركيين، بيانات من القوى السياسية والعشائرية الموالية لتركيا وإيران والنظام السوري، النظام شكل من بعض شيوخ العكيدات في مدينة دير الزور مجلس قبيلة وجناحا عسكريا للتحرّك ضد "قسد" شرق الفرات، والتجييش ضد "قسد" والدفع نحو صدام واسع بينها وبين العشائر العربية، بهدف استثمار التوتر، ودفعه إلى أقصاه بخلط الأوراق والاصطياد في الماء العكر، مع أن لا دلائل أكيدة على مسؤولية "قسد" عن عملية الاغتيالات التي اتهمت النظام وتركيا بالوقوف وراء الاغتيالات لإثارة الفتنة؛ وادّعت تناميا في التحاق شباب العشائر العربية بقواتها؛ وتأييد شيوخ عشائر عربية، البكير، لها، ورفضت طلب سحب قواتها من هناك.

لن تنتهي التوترات، ولن يشهد ريف دير الزور استقراراً ما لم تغيّر "قسد" سياستها وتلبي مطالب سكان المنطقة وعشائرها في شراكة حقيقية ودور فعلي في إدارة المنطقة وحصة مناسبة من مواردها الطبيعية.

=========================

أسطوانة مهاجمة قاعدة حميميم المشروخة

د. محمد عادل شوك

الايام السورية

الثلاثاء 18/8/2020

في كلّ مرّة ترغب فيها روسيا بالتهرّب من الوفاء بالتزاماتها مع تركيا، بخصوص إدلب، بموجب الاتفاق الملحق باتفاق أستانا، الذي بات يعرف ببرتوكول (الخامس من آذار/ 2020)، الذي أوقف إطلاق النار فيها، بعد قضم ما يقرب من (40%) من مساحتها، تعلن عن تعرّض قاعدة “حميميم” لهجوم بالطائرات المسيّرة، انطلاقًا من مناطق سيطرة الفصائل المسلحة في إدلب وريف اللاذقية.

وهي لا تفوِّت الفرصة في توجيه أصابع الاتهام إلى من تصفهم بالراديكاليين في إدلب، وأنّ ذلك تحدٍّ منهم لمقاومة تنفيذ الجيشين الروسي والتركي لهذا البرتوكول الإضافي.

ففي إحاطتها يوم الخميس: 13 آب/ أغسطس الجاري، تشير ماريا زخاروفا، المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، إلى أنّ فصائل المعارضة قد كثفوا “قصفهم للقوات الحكومية والبلدات والقرى المجاورة، وأنّهم قد استمروا في استفزازاتهم في الممر الأمني على طول الطريق السريع/ M4″، مشيرة إلى أنّ ” محاولاتهم تلك في مهاجمة قاعدة “حميميم” الجوية الروسية، تثير قلقاً خاصًا لدى حكومة بلادها “، ولفتت الأنظار إلى أنّه ” قد تمَّ صدّ آخر هجوم لهم بثلاث طائرات مسيّرة، في: 10 آب/ أغسطس الجاري”.

يرى المراقبون أنّه قد فات زخاروفا، أن تكلِّف نفسها عناء التفتيش عن أطراف أخرى، لا تريد المضي في بنود هذا البروتوكول، وتسعى جاهدة في أن تبقى الخطوات متعثِّرة عند بنده الثاني، حتى لا تجد نفسها ملزمة في الانتقال إلى بنديه الآخرين.

الأمر الذي استدعى بحسب قولها إيقاف الدوريات المشتركة مع الجانب التركي على طريق M4، وتلكؤ الانتقال إلى البندين (3- 4)، من هذا البرتوكول؛ لأنّه “لا يمكن تحقيق استقرار قويّ في منطقة خفض التصعيد في إدلب إلَّا بعد تحييد بؤرة الإرهاب هناك “.

يرى المراقبون أنّه قد فات زخاروفا، أن تكلِّف نفسها عناء التفتيش عن أطراف أخرى، لا تريد المضي في بنود هذا البروتوكول، وتسعى جاهدة في أن تبقى الخطوات متعثِّرة عند بنده الثاني، حتى لا تجد نفسها ملزمة في الانتقال إلى بنديه الآخرين؛ لأنّ ذلك يعني الكثير من تفويت الفرص عليها، في تعقيد للمشهد، وتأزيم للأمور، في وقت باتت جلّ الأطراف تقول بضرورة وضع حدّ لمآسي الملف السوري، وهو في منتصف عامه التاسع، ولاسيّما في ظلّ مزيد من النداءات الإنسانية، بضرورة إعادة ( مليون وسبعمائة وخمسين ألف) إلى بيوتهم في جنوب وشرق إدلب.

تأتي هذه التصريحات، كتكرار في البحث عن ذرائع، تبرِّر فيها أيّ تصعيد عسكريّ تجاه إدلب، كما جرت عليه العادة في مرَّات أخرى سبقت، انطلاقًا من أنّ الأمن المستدام في إدلب مرهون بشرط نجاح وحيد، هو فصل المعارضة المعتدلة عن الراديكاليين، وذلك أمرٌ بحسب رأيّ روسيا لا يمكن تحقيقه إلَّا من خلال تحييدهم (أي القضاء عليهم)؛ ما يعني أنّ النية لديها هي التصعيد في إدلب، للمقايضة في ملفات أخرى عالقة مع الأتراك.

ويرى هؤلاء المراقبون أنّ على روسيا أن تتحلّى بشيء من الواقعية في التعامل مع الملف السوريّ عمومًا، ومع ورقة إدلب على وجه التحديد؛ فدونها وإدلب كثيرٌ من الحواجز الأمريكية، وعليها أن تسعى لجعل حزمة مساعيها في هذا الملف متسقة مع حزمة الضوابط الأمريكية، وحبذا لو أدركتْ أنّ تكرار معزوفة مهاجمة قاعدتها في “حميميم” بالطائرات المسيرة للمرة الألف، بات أسطوانة مشروخة؛ وعليها أن تنسج قصة أخرى غيرها، أكثر حبكة وتصديقًا.

=========================

يحدث في دمشق وجنيف

سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاثنين 17/8/2020

يتلاشى تدريجاً غطاء الأمان الطبي الشعبي الذي يقدّمه أطباء سورية لمحيطهم الاجتماعي، في ظل جائحة فيروس كورونا التي تلتهم السوريين كأحد أنواع الموت الذي يجول بينهم. وبينما كان ضجيج الموت عالياً في السنوات العشر الأخيرة في عموم البلاد، وتحت عيون كاميرات الإعلام واجتماعات المجتمع الدولي، وقرارات الأمم المتحدة غير النافذة لإنهاء الصراع في سورية، التي أصبحت تتشابه مع قراراتها الخمسين السابقة في ما يتعلق بالأراضي السورية المحتلة التي بقيت قيد الأدراج منذ عام 1977، أخذ "كوفيد 19" يتسلل بصمت إلى حيوات الشعب السوري، ويخطفها تحت جنح عقوبات النظام لمن تسوّل له نفسه إعلان إصابته، في عملية إنكار جديدة لحقائق ما يحدث على الأرض، التي تعوّد ممارستها في حربه على شعبه ومنعكساتها على واقعهم الاجتماعي والاقتصادي والحياتي.

واليوم تقع المحافظات جميعها، بدءاً من دمشق العاصمة، وصولاً إلى مناطق سورية خارج سلطة نظام الأسد، تحت استبداد الجائحة الفيروسية (كورونا)، وسط تغييب معلوماتٍ حقيقية، سواء عن الإصابات نفسها عدداً وتوزيعاً جغرافياً وأسباب انتقال العدوى، أو عن واقع القطاع الطبي وعدد ضحاياه، في الوقت الذي تنتشر فيه على صفحات سورية كثيرة "نعوات" لأهاليهم وأقربائهم، كذلك تنشر مجموعات أخرى أسماء أطباء غادرونا بسبب إصابتهم بالفيروس، ما يكذّب أرقام السلطة الحاكمة، ويؤكد تجاهلها أهم عوامل الحماية لأكثر القطاعات المؤثرة في حياة الناس، فحيث تفقد سورية شبكة أمانها من الأطباء الخبراء، يفقد - في الوقت نفسه - آلاف السوريين مع كل وفاة طبيب فرصة استطبابهم، ما يضع علامات استفهام كبيرة على تجاهل النظام حماية هذا القطاع.

الاستهتار الرسمي من النظام السوري باتباع وسائل الحماية من فيروس كورونا التي تتحمّلها الدولة عادة مشروع إعدام جماعي غير مكلف

صحيحٌ أن ممارسة الحرب على سورية لم تستثنِ أي شريحةٍ من المواطنين على مدار السنوات العشر، ولكن في ظل واقع عام دولي موبوء بالفيروس، يصبح الاستهتار باتباع وسائل الحماية التي تتحمّلها الدولة عادة مشروع إعدام جماعي غير مكلف، كما هو واقع الإعدامات التي نفذها النظام بحق أحياء ومدن مع سكانها، والأمر على الجهة المقابلة لمناطق خارج سيطرته لا يقل سوءاً عنه، ما يجعل كل السوريين يعيشون بين حكمين متشابهين، إدارة وعنفاً واستبداداً، ما يصعّب اختيار أفضل السيئين بينهما، وهو ما جعل التعاطف مع ثورة الكرامة يتناقص يوماً بعد آخر، بين مؤيديها قبل الحياديين تجاهها، في ظل تشابه البدلاء قولاً وفعلاً.

وفي خلال ذلك، نجح النظام السوري في تجنّب تنفيذ القرارات الدولية، وترك العقوبات الأميركية المفروضة عليه تقتصّ من شعبه، وتابع سياسة امتصاص شدّة العداء بمرور الزمن، وقد بدأت فعلياً نتائجها بالظهور، وهذا يبدو واضحاً من التصريحات الأميركية التي تلين شيئاً فشيئاً، على الرغم من التهويلات والتشبث بها حبل نجاة للمعارضة السورية، مخافة انتهاء دورها المرسوم.

النظام في حاجة إلى المساعدات الأممية، بسبب ما أوصل البلاد إليه من فقر وجوع باتا السمتين العامتين للسوريين

ولعل الشروط الأميركية الخمسة التي أعلنها المبعوث الأميركي الخاص إلى سورية، جيمس جيفري، في مؤتمر صحافي (عبر الفيديو الخميس، 14 أغسطس/ آب الحالي)، والتي تستمد رؤيتها من إجراءات الثقة التي طالب بها قرار مجلس الأمن 2254 الصادر عام 2015 تمثل ما يمكن القول إنها تراجع ضمني عن إلزام النظام بمقتضيات قانون قيصر الأميركي الذي بدأ العمل فيه منتصف شهر يونيو/ حزيران الماضي، الذي يقضي بإحالة كامل نشاطات النظام الاقتصادية، ومن يتعاون معه، إلى الجمود الكلي. ولكن ما تتضمنه هذه الشروط، وأولها وقف استخدام المجال الجوي لاستهداف المدنيين، في وقت أنهى فيه النظام استعادة خريطة سورية التي يريدها، وقتل منذ استصدار القرار الأممي آلافاً وشرّد ملايين بسبب هذا "الاستخدام" للمجال الجوي، أصبح متأخراً جداً، بعد أن سقط مئات آلاف من الضحايا السوريين، تحت وابل البراميل المتفجرة. ومن المفيد التذكير دائماً بأن النظام استخدم الجو في قصف المدنيين، لكن هذا القرار كان يجب أن يكون ملزماً منذ سنوات، لتجنب كل الكوارث وليس بعدها.

لم ينس جيفري العدالة التي يطالب بها السوريون لكنه أوردها من دون تحديد الجهة التي ستقوم بالمحاسبة العادلة لمرتكبي جرائم الحرب

أما ما بقي من الشروط، فهو تأكيد سيادة النظام في أن يكون وحده القادر على صناعة الحل السياسي، حيث الإفراج عن المعتقلين السياسيين، وهو مكرمة منه، يجري ترويجه عبر الإعلام يومياً، مع تجاهل أعداد المغيبين والمقتولين تحت التعذيب، ما يعني أن النظام قادر على تنفيذ جزئي وإعلاني، حيث تغيب الإحصائيات وشروط مراقبة تنفيذ هذا الشرط. والنظام اليوم في أشد الحاجة إلى المساعدات الأممية، بسبب ما أوصل البلاد إليه من فقر وجوع باتا السمتين العامتين للسوريين، حيث تجاوزت نسبة الفقراء 84% من السكان، وأصبح متوسط الدخل السنوي بين الأقل عالمياً. وعن شرط السماح بعودة اللاجئين الطوعية من دون ملاحقة، يمكن النظر إليه حلاً لقضية الدول المجاورة المثقلة بهموم اللاجئين، باعتبار أنها عودة تسبق توفير البيئة الآمنة التي أساسها سيادة القانون، وإبعاد حكم الأجهزة الأمنية عن رقاب السوريين.

على الرغم من أن العدالة التي يطالب بها السوريون لم ينسَها المبعوث الأميركي أيضاً، لكنه أوردها من دون تحديد الجهة التي ستقوم بالمحاسبة العادلة لمرتكبي جرائم الحرب، وما إذا كان هذا المطلب من بشار الأسد جزءاً من برنامجه الانتخابي القادم، أم يشمل "عمل الأسد الشرير" حسب تعبير جيفري؟ ومن هنا يمكن السؤال عن البديل الذي يمكن أن تصنعه جلسات اللجنة الدستورية المقبلة (24 أغسطس/ آب الحالي)، وعن البيئة الآمنة التي توفرها جنيف، كما يقول جيفري، فهل البيئة الآمنة التي ورد ذكرها في القرارات الدولية تعني تلك التي تحيط بمكان الاجتماع المنعقد، أم أنها البيئة الآمنة التي يجب أن يعيشها الشعب السوري، بكامل اختلافاته السياسية والقومية والمذهبية؟ وهل المجتمعون يملكون سلطة اتخاذ القرار، باعتبارهم يجتمعون في أكثر المدن الآمنة، ويقضون ما بقي من مساءاتهم في شوارعها؟ أم أنها مجرّد مراوغة جديدة، يجري فيها ترحيل رغبة السوريين بإنهاء مأساتهم إلى ما بعد تجديد ولاية الأسد المقبلة (2021)، كما كان الحال قبيل ولايته السابقة 2014، التي فاز فيها حسب ادعاء النظام بأكثر من 88% من الأصوات، وحينها كان أكثر من نصف الأرض السورية خارج سيطرته؟

=========================

الجزيرة السورية في انتظار مستقبلها

 عبد الباسط سيدا

القدس العربي

الاحد 16/8/2020

ما يجري في منطقة الجزيرة يذكرنا إلى حد بعيد بما جرى في سوريا قبل قرن مضى (عام 1920 تحديداً)، يوم دخل فيصل الأول بن الشريف حسين إلى دمشق برفقة ضباط من المخابرات والعسكر الإنكليز، ليكون ملكاً على سوريا.

فالكل يعلم أن حزب العمال الكردستاني دخل الجزيرة عبر واجهة حزب الاتحاد الديمقراطي بعد مفاوضات وتنسيق كاملين مع ضباط مخابرات نظام بشار الأسد؛ وكان الهدف الأساس بالنسبة إلى النظام تكليفه بمهمة منع تفاعل المناطق الكردية مع الثورة السورية من خلال إيهام وتضليل الكرد بالشعارات الديماغوجية، وتغييب الناشطين الذين تفاعلوا مع الثورة، وكانوا معها منذ اليوم الأول.

ولم يكن لهذا الحزب أن ينجح في مساعيه لولا تعاون بعض الأحزاب الكردية السورية، وبتوجيهات من الأجهزة الأمنية على الأغلب، مع الحزب المعني الذي تمكن من السيطرة والتحكم بفعل المساعدات اللوجستية والدعم الكبير الذي حصل عليه من جانب النظام، وقد تمثل ذاك الدعم في السلاح والمال، فضلاً عن الإجراءات والتدابير الإدارية التي سمحت له بحرية التصرف في المناطق الكردية.

وبعد التوافق الأمريكي-الروسي حول موضوع شرق الفرات وغربه عام 2015، وتكفل كل جانب بترتيب الأوضاع ضمن منطقته، ووفق حساباته؛ وجدت الولايات المتحدة الأمريكية في قوات الحزب المعني ضالتها. فهي قوات منظمة، تمتلك نواة قوة عسكرية يمكنها تنفيذ المهام التي ستكلف بها في منطقة شرقي الفرات، وهي أقل كلفة من القوات الأمريكية على المستويين المادي والانتخابي بالنسبة إلى الإدارة الأمريكية التي كانت تتحسب لأمرين هما: التنافس الروسي والإنزعاج التركي.

فروسيا كانت هي الأخرى تريد استخدام قوات الحزب المعني، والاستفادة منها في معاركها ضمن منطقة حلب وغربي الفرات، وهي المعارك التي كانت تخوضها ضد فصائل المعارضة السورية تحت شعار: محاربة الإرهاب. في حين أنها تركت جبهة النصرة التي كانت تتذرع أصلاً بوجودها هناك لتسوغ حملاتها الجوية العنيفة على الفصائل العسكرية في شمال غربي سوريا. ولكن بعد موضوع عفرين، وانسحاب الروس من المنطقة قبل الهجوم التركي عليها، تغيرت المعطيات إلى حد ما، وباتت المنافسة الروسية على القوات المعنية أضعف.

أما العقبة التركية، فقد كانت تتمثل في الامتعاض التركي من اعتماد حليفتها الرئيسة في الناتو قوات تابعة لحزب العمال الكردستاني المصنف في خانة الإرهاب لدى الحليفتين. ولتخفيف حدة هذا الرفض، تم تسويق فكرة تشكيل قوات سوريا الديمقراطية التي ضمت قوات من سائر مكونات المنطقة، وتم التركيز على المكون العربي. ولكن رغم ذلك ظل التركيز سواء من الجانب التركي أم من جانب الفصائل المرتبطة به على أن الحزب المعني لديه أهداف انفصالية، وأن لديه “مشروعاً كردياً” لتشكيل دولة في شمال شرقي سوريا. وهو المشروع الذي لا يمتلك أي أمكانيات واقعية.

هذا في حين أن من يدقق في سياسات وممارسات حزب الاتحاد الديمقراطي، الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، منذ دخوله إلى الساحة السورية منذ بدايات الثورة السورية، يدرك بأن الكرد السوريين كانوا في مقدمة ضحاياه، ومن أكثرهم تضرراً. فقد هاجر بسببه أكثر من مليون كردي هرباً من حملات التجنيد “السفر برلكية”، بما في ذلك تجنيد القاصرين والقاصرات. كما أن قسماً كبيراً من الناس توجهوا إلى خارج وطنهم بحثاً عن تعليم معقول لأبنائهم وبناتهم، وذلك بعد أن فرض الحزب المذكور تحت شعار “تكريد” المناهج الدراسية مناهج أيديولوجية لا تتناسب أبداً مع طبيعة العصر وقيمه. هذا إلى جانب النقص المفزع في المؤهلات التربوية للمعلمين، فضلاً عن عدم وجود الاعتراف الرسمي بالشهادات التي تمنحها “الإدارة الذاتية” التابعة للحزب للمعني. وهذا مؤداه خلق جيل كامل من الأميين في واقع الحال.

بالإضافة إلى ذلك مارس الحزب المذكور سياسة التهديد والقمع والاعتقال بحق المخالفين لرأيه، والمعترضين على سياساته وممارساته؛ وتمكن من خلال “قوانين إدارته” من منع كل منظمات ومؤسسات المجتمع المدني غير الملتزمة بسياساته. كما استفاد بفعل الانفتاح الغربي عليه من التحكّم بأقنية الدعم الإغاثي وتوجيهها وفق حساباته الحزبية.

إلا أنه، ورغم كل أسباب القوة التي امتلكها، لم يتمكن الحزب المعني من كسب ود الناس، بل كان يتعرض باستمرار للانتقادات والاحتجاجات، خاصة بعد انكشاف الكثير من حالات الفساد، وعجز إدارة الحزب “الذاتية” عن تأمين الأولويات المعيشية الأساسية للناس، من مياه وكهرباء وخبز مقبول، ورعاية صحية مناسبة ولو في حدودها الدنيا.

“الإدارة الذاتية” تواجه حالياً أزمة وجودية بالمعنى الحقيقي للكلمة. فهي أصلاً لا تمتلك أية شرعية شعبية انتخابية. كما لا تمتلك شرعية رسمية على الصعيد الوطني، أو حتى من جانب النظام. ولا تمتلك أي اعتراف رسمي دولي، وإنما كل ما هناك علاقات نفعية، وظيفية زبائنية إذا صح التعبير.

هل ستتمكن الإدارة المعنية من تجاوز عقبة حزب العمال الكردستاني، وتحكّمه بكل شاردة وواردة عبر شبكة من الكوادر التابعين لقيادة قنديل مباشرة، هؤلاء الذين يراقبون المسؤولين على جميع المستويات في الإدارة المعنية ويوجهونهم؟ أم أن حزب الاتحاد الديمقراطي سيتمكن عبر قسد ومسد من تجاوز ارتباطه العضوي الكامل مع حزب العمال الكردستاني؟

هذا هو السؤال الجوهري الذي ربما يلقي الضوء على مغزى وأبعاد المباحثات الجارية حالياً بين مجموعة من الأحزاب بقيادة حزب الاتحاد الديمقراطي والمجلس الوطني الكردي.

أما الخطوة الأخرى اللافتة التي أثارت الكثير من اللغط وردود الأفعال، فقد تمثلت في الإعلان عن الاتفاق بين قسد، وشركة “دلتا كريسنت” للطاقة الأمريكية لتحديث آبار النفط واستثمار النفط في مناطق سيطرة قسد. فقد تساءل الكثيرون، وبمشروعية عن السند القانوني الذي تم اعتماده سواء من جانب قسد أم من جانب الشركة لعقد هكذا اتفاق، هذا مع العلم بأن النفط السوري منذ البدايات كان موضوعاً للسرقات، سواء من جانب آل الأسد، أم من جانب الفصائل التي سيطرت على مناطق النفط منذ بدايات الثورة السورية، بما فيها داعش. واليوم ما زال النفط السوري مادة للتجارة السوداء بين المافيات والشركات والقوى الدولية المتعددة الجنسيات، وحتى النظام.

أما أهالي المنطقة سواء في الحسكة أم دير الزور فهم لا يستفيدون من النفط، بل يعانون من أزمة طاقة خانقة، كما أنهم يشكون من التلوث البيئي الشديد الذي يتسبب في انتشار الأمراض السرطانية، وأمراض جهاز التنفس، ومن دون أن يمدهم المستفيدون من النفط السوري بأي مساعدة، أو رعاية طبية، تكون عادة ملزمة في العقود النفطية.

والسؤال هنا هو: ما الهدف من الإعلان عن مثل هذا الاتفاق الذي كان يمكن أن يكون سرياً، أو أن الأمور كان يمكن أن تتم من دون اتفاق أصلاً؟ هل هناك نية لإعطاء منطقة الجزيرة وضعية خاصة في إطار عملية إعادة هيكلة جديدة قد تخضع لها المنطقة في ضوء المصالح والاعتبارات المستجدة؟

هذا مع العلم أن الإعلان المشار إليه قد أثار ردود أفعال سلبية من جانب الموالين والمعارضين في الوقت ذاته؛ رغم معرفة الجميع بأن الجانب الأمريكي هو الذي يمتلك القرار والقوة، وهو الذي سرّب المعلومة لغاية تخصه هو.

واللافت في هذا السياق أن حملات التنديد بالاتفاق لم تتركز على حزب الاتحاد الديمقراطي وحده، بل امتدت لتشمل الكرد كمكون، الأمر الذي يستشف منه وجود إرادة محلية، إقليمية، وربما دولية، لتفجير العلاقة بين العرب والكرد، وهو أمر لن يكون في حال حدوثه لصالح الطرفين، ولا في صالح الوحدة الوطنية السورية المنشودة.

وهنا لا بد من الإشادة بخطوة الإعلان عن جبهة السلام والحرية التي جمعت بين مكونات عربية وكردية وسريانية – آشورية، فهي خطوة، رغم النواقص والملاحظات، في الاتجاه الصحيح من جهة تأكيد أهمية الوحدة الوطنية بين المكونات المجتمعية في الجزيرة، التي ستكون من دون شك نواة للوحدة الوطنية السورية الأعم.

تساؤلات كثيرة تُطرح في ظل الوضعية المعقدة للغاية التي نعيشها. وهي وضعية تستوجب المتابعة المستمرة الدقيقة. أما المواقف الارتجالية المتسرعة فلن تكون الحل بل المشكلة.

ويبقى المهم الأهم في هذا المجال، ويتمثل في ضرورة استمرارية الجهود للحفاظ على العلاقة الوطنية الطبيعية بين المكونين العربي والكردي، وأن تكرس جهود جميع السوريين المناهضين لحكم الفساد والاستبداد من أجل تأمين انتقال سياسي فعلي، يضع الحلول لجملة المشكلات الوطنية، بما فيها المعيشية التي باتت كابوساً يضيق الخناق على السوريين جميعاً ومن دون أي استنثاء.

الوضعية التي نعيشها تتطلب وجود عقلية وطنية استيعابية جامعة، لا تهيمن عليها الأحكام المسبقة، ولا توجهها الأوهام القومية أو الدينية والمذهبية أو الأيديولوجية؛ عقلية تعترف بالتنوع السوري، وتقر بحقوق الجميع على قاعدة وحدة الشعب والوطن الذي يستوعب الجميع من دون أي استثناء أو تمييز.

* كاتب وأكاديمي سوري

=========================

شرقي المتوسط.. ثروة تثير صراعاً دولياً ما حصة سوريا؟

سامر القطريب

سوريا تي في

الاحد 16/8/2020

يتصاعد النزاع شرقي حوض البحر الأبيض المتوسط، ليؤكد العلاقة الجدلية بين الاقتصاد والسياسة، مع دخول أطراف دولية وإقليمية إلى الساحة، فبحسب معطيات السياسة الدولية القائمة ما تعجز الدول عن تحقيقه في بقعة ما من العالم يمكن تحصيله بالضغط في مكان آخر، خاصة إذا كان ذلك المكان بيئة خصبة لنمو الأزمات.

تتداخل الحدود البحرية "شرقي المتوسط"  بين مصر و"إٍسرائيل" وقبرص ولبنان وتركيا واليونان، لكن دولاً بعيدةً جغرافياً عن المنطقة المتنازع عليها، أصبحت تصرح يومياً وكأنها صاحبة حق في الثروة، في وقت يخشى فيه من تطور النزاع السياسي إلى عسكري بين الدول المتشاطئة، وسط استقطابات سياسية وأزمة اقتصادية عالمية حادة.

وتشير البيانات الصادرة عن هيئة المسح الجيولوجي الأميركية إلى احتمالية وجود نحو 122 تريليون متر مكعَّب من احتياطي الغاز في حوض شرقي المتوسط، إضافة إلى ما يقارب من 107 مليارات برميل من النفط القابل للاستخراج.

ويتجاوز احتياطي الغاز في شرقي المتوسط، احتياطي الغاز الطبيعي في روسيا التي تحتل المرتبة الأولى عالميا بـ احتياطي قدره 35 تريليون متر مكعب.

تركيا تحذر

تعتزم تركيا إصدار تراخيص للتنقيب عن الغاز في المنطقة في مكان ما بين جزيرة كريت اليونانية وقبرص خلال آب الجاري. ومع فشل الوساطة الألمانية في تحقيق اختراق للأزمة، حذر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، من أن أدنى هجوم ضد السفن المدنية التركية شرقي المتوسط "لن يبقى دون رد".

مؤكداً أن سفينة التنقيب "أوروتش رئيس" ستواصل أعمالها شرقي المتوسط حتى 23 من آب الجاري. وتابع قائلاً في معرض رده على سؤال حول محاولة فرقاطة يونانية التحرش بسفينة التنقيب "أوروتش رئيس"، "إن التطورات في شرق المتوسط "مضطربة".

وأضاف"هذا ما حدث الخميس (محاولة التحرش بسفينة أوروتش رئيس)، حيث قامت سفينة كمال رئيس بالرد اللازم على ذلك، وعقب ذلك انسحبوا (فرقاطة يونانية) إلى مينائهم.. لا يمكننا ترك ذلك بدون رد".

وتسعى اليونان وإدارة جنوب قبرص اليونانية إلى إبعاد تركيا وجمهورية شمال قبرص التركية، عن الثروات الطبيعية الموجودة في البحر المتوسط بحسب وكالة الأناضول. حيث  أنشأت مصر واليونان وإيطاليا وقبرص وإسرائيل "منتدى غاز شرق المتوسط" في كانون الثاني 2019 بهدف إنشاء سوق غاز إقليمي، وتسهيل عبور الغاز الطبيعي إلى أوروبا، مستبعدة تركيا من هذه الصفقة.

كما وقّعت اليونان ومصر "اتفاقية ترسيم مناطق الصلاحية البحرية"، في خطوة رفضتها أنقرة مؤكدة "بطلان الاتفاقية".

ومع تداخل المصالح الإقليمية والدولية في المنطقة، طالبت تركيا فرنسا بتجنب الخطوات التي من شأنها زيادة التوتر شرقي المتوسط، بعد أن أجرى الجيش الفرنسي تدريبات مع القوات اليونانية في المنطقة يوم الخميس الفائت، وهو ما بدا مغايراً لدعوة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للتهدئة.

 وكان ماكرون قد شدد مع نظيره الأميركي دونالد ترامب، على ضرورة خفض التوتر في منطقة شرق المتوسط بين تركيا واليونان. وكانت فرنسا قد قالت إنها ستنشر طائرتين من طراز "رافال" وستعزز وجودها في شرق المتوسط بالسفينة لافايت في إطار خطة لدعم وجودها العسكري بسبب عمليات التنقيب التركية.

 ماذا يقول القانون البحري؟

غالبا ما يكون صعباً ترسيم الحدود البحرية بين الدول ذوات السواحل المتقابلة أو المتجاورة كما هي الحال عليه شرق البحر المتوسط، بسبب تشابك الجروف القارية للدول. وقد اعتمدت اتفاقية 1958 على معيار خط الوسط  لتحديد الجرف القاري بالنسبة للدول المتقابلة ومعيار تساوي البعد بالنسبة للدول المتجاورة، إلا أن هذه المعايير غير إلزامية ويجوز للدول الاتفاق على ترسيم حدودها البحرية بالاتفاق فيما بينها، استناداً إلى مبدأ سيادة الدول.

صلاح زين الدين أستاذ القانون البحري في جامعة قطر، أوضح خلال حوار ضمن برنامج "مؤشر الحدث" على تلفزيون سوريا، أن الاتفاق المبدئي للنزاعات البحرية تفاهم مؤقت، ومن ثم يجب تطويره لاتفاق دائم ومن ثم يتم الترسيم النهائي للحدود بحسب مبادئ الأمم المتحدة، ويضيف أن النزاع الحالي بين دول شرق المتوسط له أسباب تاريخية واقتصادية وجغرافية، مشدداً على أن العامل السياسي غالب على النزاع "المعقد والمهم".

ولفت "زين الدين" إلى أن موقف مصر مستغرب لسببين الأول لأنها خسرت بالاتفاق مع اليونان مساحات واسعة من المنطقة البحرية التي كان من الممكن أن تكون تحت سيادتها، والثاني اتخاذ القرار بسرعة مدفوعة بالخلافات مع الحكومة التركية في ليبيا ومناطق أخرى، أي أنها أعطت الأولوية للدافع السياسي أكثر من أي أمر آخر.

ويضيف أن المرجعية يجب أن تكون قانونية وفق الأمم المتحدة والقانون الدولي وقانون البحار، مشيراً إلى أن الاتفاقيات قد تكون ثنائية وهي تراضٍ بين طرفين أو جماعية بين عدة دول، ولتكون صحيحة لا بد  من توافر شروط شكلية وموضوعية، فالاتفاق الثنائي يوقع من الأطراف بالتراضي وهو ملزم لطرفيه فقط ولا يلزم أطرافاً أخرى، أما الاتفاقات الدولية مثل قانون البحار فهو ملزم للجميع وكلاهما يرتب التزامات على أطرافه.

ويتابع " إذا لم تكن الاتفاقات الثنائية مرضية بسبب تضارب مصالح فالحل للنزاع البحري العودة للقانون الدولي لكن لابد من احترام سيادة الدول وحقوقها والأهم حسن النية التي تعد أساسية لتطبيق مبادئ القانون الدولي بحسب الأمم، اتفاقية عام 1982 نظمت حقوق كل دولة وتركيا لم توقع وأميركا أيضا على سبيل المثال لكن عدم توقيع الدول لايعني أنها لا تستطيع اللجوء للقانون لحل الأزمة من خلال أحكام الاتفاقية".

 بداية أزمة شرق المتوسط

ظهرت بوادر الأزمة عام 2003 عندما بدأت قبرص اليونانية توقيع اتفاقيات ثنائية لترسيم الحدود البحرية، ثم ازدادت هذه الاتفاقيات بين دول أخرى متشاطئة، وذهبت بنفس الاتجاه ثم تفاعلت الأزمة شرقي المتوسط.

ويقول سمير صالحة أستاذ العلاقات السياسية والدولية لتلفزيون سوريا ضمن برنامج "مؤشر الحدث"، إن الأزمة بين تركيا واليونان ليست تنافساً على الغاز والطاقة بل هي أزمة ثنائية وإقليمية بينها خلافات أخرى مثل جزيرة قبرص وجزر بحر إيجة  والجرف القاري، كما أن بعض اللاعبين يريدون أن يستفيدوا ليس فقط من التوتر التركي - اليوناني بل من التوتر التركي - المصري  أيضاً، في إشارة إلى السعودية والإمارات.

ويضيف صالحة أن تركيا تشعر بوجود حالة اصطفاف ضدها، بدأت في منتدى الطاقة السباعي الذي لم تدع إليه، إضافة إلى تزايد الخلاف مع البيان الخماسي في القاهرة و"اللافت فيه أنَّ دولاً ليس لديها شواطئ على للمتوسط تريد تصفية حسابات مع تركيا مثل فرنسا التي تحاول أن تقود المشهد سواء في إيجة أو شرق المتوسط".

 أزمة متعددة الأطراف

يقول د.علي باكير الباحث في العلاقات الدولية لـ موقع تلفزيون سوريا، إن حل الخلاف بين دول شرق المتوسط يتطلب حواراً وتفاوضاً، ومن دون ذلك لا يمكن استثمار الثروات في المنطقة، كما أنه لا يمكن استبعاد أو عزل أي من الدول الأطراف، خاصة إذا كانت الدولة كبيرة ولها أطول ساحل مثل تركيا على سبيل المثال، أو كـ القبارصة الأتراك، و بغض النظر عن وضع شمال قبرص القانوني، فالقبارصة الأتراك لهم حقوق في جزيرة قبرص وبالتالي لهم جزء من الغاز. خاصة أن هناك العديد من الدول خارج منطقة شرقي المتوسط تغذي الصراع وتدفع نحو التصادم ومنها فرنسا والإمارات والسعودية.

ويتابع باكير"مع تزايد التنافس شرقي المتوسط وازدياد التحريض الخارجي من دول ليس لها مصلحة هناك من الممكن حصول خطأ في الحسابات يؤدي بالانزلاق لصراع مسلح وهو أسوأ السيناريوهات، المؤشرات تقول إن لبنان أيضاً يدخل في عين العاصفة من خلال الدور الفرنسي بعد تفجير مرفأ بيروت وهذا الدور مدعوم من الإمارات، وهناك من يقول إن فرنسا لم تكن لترسل حاملة المروحيات "تونير" وعلى متنها 700 جندي إلى لبنان من دون ضوء أخضر إيراني أو من ميليشيا حزب الله لأن باريس تريد أن تضمن سلامة قواتها، هذا المحور هو الذي يقود الآن الحملة ضد تركيا شرق المتوسط، إذا ما صح هذا التحليل يعني أن لبنان دخل في المعادلة دون إغفال أن لبنان يعاني من مشكلات بسبب الترسيم غير القانوني الذي قامت به قبرص بشكل منفرد مع لبنان وإسرائيل وأدى إلى تداخل في الحقول 9-8-10 هناك مسعى أميركي لحل الخلاف اللبناني - الإسرائيلي الناجم عن خطوة قبرص، من الممكن أن يحصل سباق على لبنان لناحية إما ترسيم الحدود من جديد مع تركيا أو إدخال  لبنان في منتدى الغاز المصري وهذا سيعقد الأمور".

 روسيا تراقب

لـ روسيا أكبر مورد للغاز إلى أوروبا، والتي عززت وجودها على السواحل السورية مصالحها أيضاً، وهي موجودة في شركات التنقيب في لبنان ومن خلال حصص الغاز في مصر، وعبر التمويل في اليونان وقبرص، ولها أنابيب لنقل الغاز في تركيا وهي تبقي خياراتها مفتوحة وتراقب النزاع شرقي المتوسط.

ويرى "باكير" أن مصلحة روسيا تقتضي ألا يتم تقويض دورها كمزود رئيسي للغاز إلى أوروبا، وأن يكون لها يد في الاطلاع وإدارة موارد الغاز التي ستصدر إلى أوروبا، ويضيف أنه ربما يكون لروسيا مصلحة في تقويض خط غاز "إيست ميد" على اعتبار أنه سينقل غاز شرقي المتوسط إلى أوروبا، كما قد يكون لها مصلحة في الاتفاق التركي – الليبي، إذا ما تم دعوتها للاستثمار، إذ يرجح أن الجانب اليوناني لن يقوم بدعوة شركات روسية بل سيدعو شركات أوروبية.

ويلفت أن روسيا تسيطر على الساحل السوري بالتالي سوريا خارج المعادلة حتى الآن، وزمام المبادرة بيد روسيا من هذه الناحية.

وقدرت الهيئة الجيولوجية الأميركية احتياطيات سوريا من الغاز الطبيعي في البحر المتوسط بـ 700 مليار متر مكعب، في حين أن إجمالي الاحتياطيات السورية من الغاز بعد إضافة العديد من الاكتشافات الجديدة بلغ 28 تريليون متر مكعب، وتوقع مركز فيريل للدراسات في برلين، أن تحتل سوريا المركز الثالث عالمياً في إنتاج الغاز فيما لو تمكنت من رفع قدرتها الإنتاجية إلى حدها الأقصى.

وبرأيّ باكير فإن"سوريا لم توقع على القانون الدولي للبحار، وعام 2011 عندما اندلعت الثورة كان الأمر شرق المتوسط يتبلور وبالتالي هي خارج الصراع وخارج ترسيم الحدود، لتبقى المبادرة بيد روسيا، فإذا أرادت سوريا الترسيم عليها أن تتعامل مع تركيا، وقبرص ولبنان وهناك مشكلات سياسية لبنانية - سورية وتركية - سورية مع نظام الأسد، وأعتقد أن النظام قد يفضل توقيع اتفاقية مع قبرص لكن ذلك غير متاح وهو ليس أولوية الآن، ولكن أعتقد أنه عندما تتعافى البلاد من سيطرة الأسد سيكون لها دورها وحقوقها".

عبث إسرائيلي في المنطقة

ضمنت "إسرائيل" حصة من الغاز بعد أن رسمت حدودها البحرية الاقتصادية مع مصر، وسطت على حقوق الفلسطينيين، كما وقعت إسرائيل اتفاقية لتصدير الغاز إلى مصر بقيمة 19.5 مليار دولار، إضافة إلى اتفاقية أخرى مع الأردن، وهي تسعى الآن إلى تأمين طرق تصدير الغاز والاستفادة منه.

ويشدد باكير أن إسرائيل مستفيدة من الدور المصري، ويهمها أن تقوم بتصدير الغاز إلى الخارج متفادية الدور التركي، "طبعاً إن الطريقة الأنجع والأقل كلفة لنقل الغاز إلى أوروبا هي عبر تركيا ولكن بسبب الخلاف الجيوسياسي بين الطرفين في المنطقة قررت إسرائيل الانضمام إلى المعسكر الذي يضم اليونان وقبرص ومصر وفرنسا والإمارات والسعودية، وأن تأخذ خطاً آخر لنقل الغاز هو "إيست ميد"، ولكن مشكلة هذا الخط أن تكلفته عالية ويمر في المنطقة التي رسمتها تركيا مع ليبيا"

=========================

شرق المتوسط: سكتت مدافع الإمبراطوريات واشتعلت حروب الغاز

 صبحي حديدي

القدس العربي

السبت 15/8/2020

لم يكن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد ولد بعد حين انضمت تركيا واليونان إلى حلف شمال الأطلسي، في العام 1952، بعد أربعة حروب بينهما: التركية/ اليونانية عام 1897، والبلقان الأولى 1912، والعالمية الأولى 1914، واليونانية/ التركية 1919. وحين عاد البلدان إلى الخصام، مع حالة الطوارئ في جزيرة قبرص وأعمال العنف بين القبارصة اليونان والقبارصة الأتراك، كان اردوغان يبلغ من العمر سنة واحدة. وهكذا، إذا صحّ أنّ طموحات أردوغان الإمبراطورية، والعثمانية على نحو أوضح حتى إذا كانت لا تتجاوز أضغاث الأحلام، لا حدود لها في عقليته وعقيدته وسياساته المحلية والإقليمية؛ فإنّ الصحيح الموازي هو أنه ليس المسؤول الأوّل عما صنع الحدّاد بين تركيا واليونان، وأنّ مسؤوليته الراهنة ضاربة الجذور في التاريخ العنفي بين البلدين، وليس ملفّ التنقيب التركي عن الغاز في شرق المتوسط سوى مظهر واحد راهن، في سجلّ حافل ثقيل وعتيق.

وأن يتفق امرؤ أو يختلف مع سياسات أردوغان العامة في المنطقة (وهي تمتدّ من جبال قنديل العراقية إلى صحراء ليبيا، مروراً بالشمال الشرقي السوري، ناهيك عن مسائل النزوح واللجوء والإسلام السياسي والاحتقانات داخل الحلف الأطلسي وعضوية الاتحاد الأوروبي…)؛ أمر لا يبدّل في شيء، كما يقتضي العقل وليس كما تستطيب الحماقة، حقيقة أنّ أردوغان يعمل لمصلحة بلده تركيا أوّلاً، ثمّ حزبه وجماعته وعقيدته تالياً. ثمة، بعد الاتفاق على هذه الخلاصة الموضوعية، أو هكذا يتوجب أن تبدو، عناصر قابلة للنقاش وللأخذ والردّ حول مشروعية أعمال أردوغان من زوايا تخصّ الالتزام بالقانون الدولي، على سبيل المثال؛ أو تحكيم بُعد أخلاقي كافٍ، في تقييم سيرورات تنفيذ تلك الأعمال؛ أو وضعها على محكّ مؤشرات تركية محلية صرفة، ذات أهمية فائقة، مثل طبائع الاستبداد التي تنطوي عليها «ديمقراطية» أردوغان والنظام الرئاسي الذي شرّعه استناداً إلى استفتاء شعبي.

ولعلّ فرادة شرق المتوسط، وربما مصدر أزماته المتعاقبة، أنه حوض شرقي وغربي في آن معاً، بدلالة عناصر التشابه والاختلاف بين شعوبه وبلدانه: ليبيا، مصر، لبنان، سوريا، دولة الاحتلال الإسرائيلي، تركيا، قبرص، اليونان؛ فضلاً عن عضوية، «شرفية» من نوع ما، تُمنح عادة للأردن والسلطة الوطنية الفلسطينية وجمهورية شمال قبرص التركية. على الصعيد الديمغرافي ثمة 100 مليون مصري و80 مليون تركي؛ وديانة الغالبية في اليونان وقبرص هي الأرثوذكسية الشرقية ويحدث أيضاً أنهما عضوان في الاتحاد الأوروبي، مقابل غالبية مسلمة في البلدان الأخرى، ويهودية في دولة الاحتلال. وخلال الربع الأوّل من القرن السادس عشر بات شرق المتوسط «بحيرة عثمانية»، قبل أن ينقلب في القرنين التاسع عشر والعشرين إلى ساحة صراع بين المصالح الاستعمارية الفرنسية والبريطانية؛ فتتردد على شطآنه أصداء الحروب الصليبية وغزوات الإمبراطوريات المختلفة، وما يصفه المؤرخ البريطاني الكلاسيكي إدوارد غيبون هكذا: «الساحل الذي ضجّ طويلاً بالسجالات العالمية بين المسيحية والإسلام خصوصاً، والتي تُستعاد اليوم على نحو أكثر اصطخاباً».

ومفردة «اليوم» في توصيف غيبون كانت تخص القرن الثامن عشر، لكنها تصلح أيضاً لتلمّس حال شرق المتوسط في هذه الأيام تحديداً، على خلفية حكاية التنقيب عن الغاز واتساع النفوذ التركي في ليبيا، مقابل اصطفافات مضادة في مصر واليونان وقبرص، ثمّ فرنسا إيمانويل ماكرون تحديداً رغم أنها لا تُحتسب ضمن مساحة شرق المتوسط.

 

لن يكون عسيراً على أيّ مدقق في مشاهد النزاع شرق المتوسط أن ينصت إلى أصداء مدافع المعارك القديمة، وأن يكتشف بيسر سوء تمويه الأبعاد الثقافية والحضارية خلف حروب المصالح بين المتصارعين

 

أولى عناصر المشهد، صانع التأزّم الحالي، يمكن أن تبدأ من عام 2010 حين كشفت «هيئة المسح الجيولوجي» الأمريكية النقاب عن خزان متوسطي من الغاز يبلغ 3455 مليار متر مكعب من الغاز، و1.7 مليار برميل من النفط؛ فكان طبيعياً أن تتعجل دول شرق المتوسط ترسيم حدودها البحرية، عبر اتفاقيات ثنائية بدأت بين مصر وقبرص منذ العام 2013، أعقبتها سلسلة اتفاقيات أخرى لعل التعاون اليونانيـ الإسرائيلي أخطرها. إلى هنا تبدو الحال طبيعية في سياق دفاع الدول عن مصالحها، لولا أنّ القاهرة احتضنت اجتماعاً في صيف 2019 ضمّ مصر واليونان ودولة الاحتلال وإيطاليا وقبرص والأردن والسلطة الوطنية الفلسطينية، دعا إلى تدشين «منتدى الشرق الأوسط» حول الغاز، واستُبعدت منه تركيا وجمهورية شمال قبرص وليبيا.

ولقد اتضح أنّ هذا التوجّه سياسي في الجوهر، وليس اقتصادياً فقط، لأنه إنما يردّ على التدخل التركي في ليبيا بطرائق غير عسكرية، أو هو يرحّل المواجهة العسكرية على الأرض الليبية إلى نزاع حول الغاز والنفط وترسيم الحدود. وكان طبيعياً أن يأتي الردّ التركي/ الليبي على هيئة تأسيس منطقة اقتصادية حصرية، تبدأ من سواحل تركيا الجنوبية وحتى سواحل الشمال الشرقي في ليبيا. هنا عاد شرق المتوسط إلى سابق عهده من حيث التجاذبات الإقليمية والدولية، فاستنفرت اليونان بعص القطع البحرية في المنطقة رداً على شروع سلاح البحرية التركية في مواكبة سفينة التنقيب قبالة سواحل جمهورية قبرص الشمالية، ووقع الاتحاد الأوروبي في حرج توسّط لم يعطِ ثماره بين أثينا وأنقرة إذْ أفسده اتفاق مفاجئ بين مصر واليونان أغضب تركيا، ودخل ماكرون على الخطّ فأعلن زيادة الوجود العسكري الفرنسي في شرق المتوسط…

الذرائع التركية تنطلق، أوّلاً، من أنّ أنقرة ليست في عداد الموقعين على ميثاق الأمم المتحدة حول قانون البحار لعام 1982، وبالتالي هي ليست ملزَمة بتطبيق أي من بنوده إذا كانت لا تتلاءم مع مصالحها الحيوية؛ وفي طليعتها، بالطبع، احتمال الكميات الهائلة من الغاز والنفط. كذلك تساجل أنقرة، ثانياً، بأنّ واقع الجزر اليونانية الصغيرة معقد للغاية، ومتناثر ومبعثر على نحو يبدو فيه تطبيق مبدأ المياه الإقليمية غير منطقي، كما في المثال الذي يحلو لوزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو أن يسوقه: جزيرة كاستيلوريزو اليونانية تبعد عن أثينا مسافة 500 كم، ولكنها تقع قبالة الأراضي التركية مباشرة؛ فكيف يمكن أن تكون لها مساحة سيادة يونانية تقارب 370 كم في كلّ اتجاه؟ وكيف يمكن لأية دولة ذات سيادة أن تقبل بهذا؟ ورغم أنّ الميثاق الأممي يُفرد معالجة خاصة لتعقيدات الجزر الصغيرة، فإنّ الشدّ والجذب من جانب أثينا وأنقرة يُبطل روحية أيّ علاج قانوني فوري، ويحيل النزاع بالضرورة إلى تحكيم دولي.

وهكذا فإنّ مدافع الإمبراطوريات التي سكتت هنا، بعد تواريخ طويلة ودامية من الحروب والصراعات، أفسحت عرض مياه شرق المتوسط لحروب سفن التنقيب عن الغاز والنفط؛ على خلفية بالغة التشابك في المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية.

هنا موطن انتفاضات شعبية انطلقت ضد أنظمة استبداد وفساد تابعة، وهنا تمّت سيرورات تعطيلها أو محاربتها أو حتى وأدها، بفعل أطراف محلية كانت على وشك السقوط لولا مساندات خارجية إقليمية ودولية معلنة أو خفية؛ ولولا أنساق من التواطؤ المباشر أو غير المباشر، صنعتها قوى عظمى وسياسات كونية عابرة للبحار والمحيطات. ولن يكون عسيراً على أيّ مدقق في مشاهد النزاع شرق المتوسط أن ينصت إلى أصداء مدافع المعارك القديمة، وأن يكتشف بيسر سوء تمويه الأبعاد الثقافية والحضارية خلف حروب المصالح بين المتصارعين، المحليين والإقليميين والدوليين.

والمتوسط، في نهاية المطاف، بات منطقة قائمة في ذاتها؛ على نحو قد يحمل من الدلالات السياسية والاقتصادية والعسكرية والجغرافية والثقافية أكثر مما حملته أو تحمله مسميات مثل «الشرق الأوسط» أو «الشرق الأدنى» أو «جنوب شرق آسيا»… وليس عجيباً، والحال هذه، أنّ «منظمة الصحة العالمية» تُدرج في شرق المتوسط دولاً مثل إيران والعربية السعودية والعراق و… أفغانستان!

 

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

=========================

موقفنا : مجزرة الشعب السوري جريمة دولية ضد الإنسانية وكان العنوان الأول: دمروا سورية أبيدوا أهلها ..

زهير سالم*

مركز الشرق العربي

21/ 8/ 2020

وكانت مجزرة السارين في غوطة دمشق 21/ 8/ 2013 ، حلقة من حلقاتها ، وكان تحالف السارين الدولي .. حراميها وحاميها

( وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً )

ولقد وجدنا كل ما حدثنا عنه كتاب ربنا من طغيانهم وجبروتهم وإرهابهم وتماديهم واستهتارهم بكل القيم والأخلاق والمعايير والنظم حتى التي يدعونها .. حقا وصدقا، ووجدناهم أجرأ ما يكونون على دماء المستضعفين من أطفالنا ونسائنا وشيوخنا ، قتلونا وأباحوا قتلنا بكل سلاح . جربوا في لحم أطفالنا الحي مئات الأسلحة الاستراتيجية ، ثم أصموا آذان العالم وهم ينادون علينا : إرهابيون ..

ولقد ضم تحالف السارين في المشهد السوري ، كل إرهابيي العالم ، وكل النافذين في العالم ، وكل مالكي القوة والسطوة والقدرة في العالم .. ولا نستثني ، بل نضم إليهم من يستثني ، لتمرر الجريمة على أكتاف الجريمة في مسلسل للجرائم لا ينقطع ، ولا تنتهي حلقاته وقد أصبح عمره اليوم في شامنا الحبيب أكثر من نصف قرن ..

في سورية ليس بالكيماوي وحده يقتل الإنسان !!

 بل يقتل بالكيماوي والبيولوجي والعنقودي والفراغي والمهتز والمرتج والمشع والخارق والحارق ، يقتل بالسلاح الذكي وبالبرميل الغبي، ويقتل بالسوط والحجر والصعق والشبح والتجويع والتعطيش ..

وكلهم يعلم ، وكلهم يتابع ، وكلهم يستمتع بفيلم الرعب الذي استطال على مدى عشر سنين . وكلهم أشبع نهمته السادية ... فما زال يستمتع بمشاهد من شهادة قيصر كل يوم قبل المنام . فيبرد الغليل ، وتروق الأحلام ..

في سورية وعلى أبناء شعبها تكاتف إرهابيو المجتمع الدولي أوباما وبوتين ولفيفهما ودواعش صغار ، صُنعوا على عين ، وأسندت إليهم المهمة بإحكام ؛ وتحالف الجميع على الضحايا .و داسوا بأقدامهم الهمجية صدور أطفال كانت تحشرج وتلجلج بجرعة الغاز القاتل المبيد ...وعقدوا الصفقة المريبة مع الإرهابي المنفذ . وأكدوا معه ومع أدواته عقد العمل على التأبيد .

وكان مقتضى الصفقة أن يدعموا الإرهابي ليكمل المشوار ، وها هو يفعل . ومنذ أيام كان ترامب الذي خالف أوباما في كل الملفات ، غير ملف بشار الأسد ، يعرض التواصل على "الأنيمال " حسب وصفه ، لاستكمال المهمة المتفق عليها في الصفقة الأولى ، صفقة : تدمير سورية وإبادة أهلها الحقيقيين ...لتصير كما فلسطين إلى شراذم من الأدعياء والمكلفين ..وما أقبح الشراكة بين " المكلفين " !!

عشر سنوات من الدم المراق ، والعرض المنتهك ، والحقوق المسلوبة ، والدوران في دوامات الحقد والضغينة وكراهية الإنسان ، ولقد وجدنا فيها كل ما وعدنا ربنا حقا ..

وتمت كلمته صدقا وعدلا .. ( وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ ) لم يتوقفوا ولن يتوقفوا ..

ويوم نلقاه سيسألنا : فماذا عملتم فيما علمتم أيها المتضعضعون ؟!

العدل لصدور أطفال قطعها السارين ..

والخزي والعار لأعداء الإنسان ، مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية . الخزي والعار لكل من شارك في الجريمة على أرض الشام ، وكل من نفذ جريمة السارين ، أو شارك فيها ، أو دعمها ، أو تستر عليها ، أو استثمر فيها ، أو سكت عليها .. كذا جرحك يا شام ظل على الزمان فواحا ..

وإن مع اليوم غدا ..

وإن غدا لناظره بالحق لقريب ..

الله أكبر .. الله ربنا ولن يترنا أعمالنا ، ولا دماء شهدائنا ، ولا حشرجات صدور أطفالنا..

___________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

سورية .. السعودية والتدخل الروسي

بشير البكر

العربي الجديد

السبت 15/8/2020

مفاجأة من العيار الثقيل، فجّرها ضابط المخابرات والمستشار السابق لوزير الداخلية السعودي، سعد الجبري، أن الرياض أيدت التدخل العسكري الروسي في سورية، قبل أن يصبح أمرا واقعا في سبتمبر/ أيلول 2015، ويغيّر اتجاه الحدث السوري في صورة كلية، والدليل أنه حال دون سقوط النظام كما صرح بذلك أكثر من مرة وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، والذي قال لو لم نتدخل في اللحظة المناسبة لسقط النظام، ودخلت المعارضة دمشق في غضون أسبوعين.

وجاء في وثائق الدعوى القضائية التي رفعها الجبري ضد ولي العهد، محمد بن سلمان، في أميركا، أن السعودية وافقت على الحملة العسكرية الروسية في سورية، قبل وقت طويل من انطلاقها. وكشفت إحدى الوثائق عن عقد اجتماعين على الأقل بين الجبري ومدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية (سي آي إيه) السابق، جون برينان، أعرب خلالها الجانب الأميركي عن استيائه من "تشجيع السعودية التدخل الروسي" في سورية، وأعرب برينان عن قلقه من تشجيع محمد بن سلمان التدخل الروسي في سورية. وورد في الدعوى أن الجبري نقل رسالة برينان إلى بن سلمان الذي رد عليه بغضب.

مبعث المفاجأة ليس لأن بن سلمان أيد التدخل الروسي في سورية فقط، بل لأن السعودية تعاطت مع الوضع السوري بهذه الخفّة، وهي الدولة العربية المركزية التي كان السوريون يعوّلون عليها كي تعدل في موازين القوى بوجه التدخل الإيراني الذي يتجاوز في تهديده سورية والعراق ولبنان واليمن إلى بلدان الخليج. ويمكن تسجيل سلوك ولي العهد السعودي في خانة تدمير التوازن الاستراتيجي مع إيران لصالح حساباتٍ ذاتيةٍ أساسها الوصول إلى الحكم. وكما إنه كان يحسب أنه سوف يحقق نصرا سريعا في اليمن، فإنه كان يعتقد أن بإمكانه اللعب بالورقة السورية، ولذلك ليس لديه أي مشكلة أو مانع اليوم من استئناف علاقاتٍ طبيعية مع الأسد، على الرغم من أن الأخير رجل إيران.

الاستنتاج الأساسي بالنسبة للسوريين أن السعودية كانت تعارض سرّا سقوط نظام بشار الأسد، وذلك خلاف ما كانت تبديه، وكان هذا الأمر مثار شك لدى أوساط سياسية سورية، ومن ذلك الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية الذي لم يتمكّن من الحصول على موقف سعودي صريح وواضح من إسقاط نظام الحكم في دمشق. وكان الظن السائد أن الرياض لا تريد الخروج عن الخط الذي رسمته إدارة الرئيس السابق، باراك أوباما، إلا أنه جاء يوم وخرج شاهد من داخل البيت السعودي، ليكشف أن السعودية كانت تنسق مواقفها عن سورية مع روسيا، وليس مع أميركا. وهذا يستدعي مراجعة شاملة لكل تطورات الثورة السورية والموقف السعودي منها، ومطلوبٌ من السياسيين والعسكريين السوريين الذين كانوا في المواقع الأولى مراجعة تلك المرحلة وتقديم خلاصاتٍ عنها. وفي هذه المناسبة، من حق السوريين أن يعرفوا مقدار الدعم المادي والعسكري السعودي الرسمي للثورة السورية، وما هي القنوات التي سار فيها، وكيف تم توظيفه؟ وهنا يمكن فتح ملف "غرفة الموك" التي كانت تدير العمليات العسكرية ضد النظام من الأردن، وتضم غالبية فصائل درعا وريف دمشق وبعض فصائل ريف حلب، وكانت تلتزم بشروط الدول المشرفة عليها والممولة لها، ومنها السعودية، وأحد الشروط ينص على "عدم إقرار أو شن أية معركة أو عملية عسكرية إلا بموافقة من الغرفة عن طريق ممثلي الفصائل". وهذا يعني أن القرار في إدارة المواجهة مع النظام لم يكن للسوريين، ما يفسّر التراجع عن اقتحام العاصمة في صيف عام 2012، على الرغم من أن الفصائل العسكرية كانت قادرة على ذلك، وأصبح القصر الجمهوري تحت مرمى نيرانها.

=========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com