العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 23-07-2017


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

"خرافة" إعادة إعمار سورية .. رضوان زيادة

الحياة

الخميس 20/7/2017

تزداد التقارير الصحافية التي تتحدث عن وعود يقطعها نظام بشار الأسد لكل من روسيا والصين بأن شركات هذين البلدين ستكون لهما الأولوية في جهود إعادة الإعمار، وأن استثماراتهما ستكون ببلايين الدولارات مقابل استمرار جهودهما في دعم نظام الأسد سياسياً وعسكرياً حتى يتجاوز "أزمته". لا بد من القول إن هذا النوع من الوعود "المعسولة" لم تعد تنطلي على أحد، فلا القيادة الصينية ولا الروسية بالغباء الذي يمكن أن يقنعهم أن "إعادة الإعمار" في سورية ممكنة أو أنها ستكون قريبة، ولعل الموقف الروسي الأخير في اتفاق التهدئة في الجنوب يصب في نفس القناعة الأميركية التي تولدت في نهاية عام 2015 أنه لا إمكانية لإنهاء النزاع في سورية ولا بد من العمل على "تجميده" و "احتوائه" لمنع اشتعاله إقليمياً.

لكن، لماذا يستمر نظام الأسد في بيع هذا النوع من الأوهام التي اعتاد على بيعها لقاعدته "المؤيدة" في الساحل السوري؟ ينبع الجواب في شكل كبير من حقيقة أن الأسد لم يعد يمتلك أية أوراق كي يراهن عليها، أو يساوم عليها، فكل ما راهن عليه تبخر يوماً بعد يوم من "انتهاء الأزمة" في سنتها الأولى إلى عودة "الاستقرار" قريباً إلى تحسن الوضع الاقتصادي إلى دحر الإرهاب وأخيراً "خرافة" إعادة الإعمار وبيع الوهم أن ذلك ممكن في الوقت القريب.

التحدي الرئيس في ما يتعلق بإعادة الإعمار في سورية هو انتهاء الصراع العسكري وبداية تحقيق الاستقرار السياسي من أجل بدء ما يسمى إعادة الاستقرار والأمل. وهو وفق كل السيناريوات المطروحة اليوم يحتاج إلى سنوات عدة إن لم نقل ربما إلى عقد من الزمان لتحقيقه، أولاً بسبب تعدد الأطراف الدولية والإقليمية الفاعلة وتنازع وتضارب مصالحها واستحالة توافقها على الحد الأدنى هو وقف الحرب في سورية، فهناك أطراف وعلى رأسها إيران ترى مصلحة حقيقية في استمرار الحرب بدل خروجها نهائياً من المعادلة السياسية في سورية لأنه ليست لديها أية قاعدة اجتماعية يمكن لها أن تدافع عن مصالحها.

ثانياً بسبب تعدد الميليشيات الداخلية، فانتشار الميليشيات المسلحة من الطرفين سواء من قبل نظام الأسد الذي أعطى الضوء الأخضر للميليشيات العراقية والإيرانية واللبنانية للعمل على الأراضي السورية. وأيضاً من طرف المعارضة المسلحة من جهة تعدد الفصائل وتفرقها. بالتالي فإن جلب الاستقرار وإعادة الأمان تبدو مسألة معقّدة وتحتاج للكثير من الجهود الدولية والمحلية. فعدد الميليشيات التي تقاتل إلى جانب النظام أصبح يعادل عدد الكتائب المتناحرة التي تقاتل باسم المعارضة وهو ما يعقد سيناريو الاستقرار في شكل يجعله مستحيلاً في ظل انعدام أي أفق لاستقدام قوات حفظ سلام دولية أو بروز جيش وطني يضمن السلام متفق عليه ومدعوم اجتماعياً وشعبياً.

التحدي الثاني هو تأمين الأموال اللازمة لمشاريع إعادة الإعمار خصوصاً مع الدمار الكبير الذي جرى في سورية والذي كان من أهم أسبابه الاستخدام المكثف لسلاح الجو من قبل نظام الأسد، فنحن نتحدث عن عشرات البلايين من الدولارات. هذه الموازنات الضخمة من المستحيل اليوم تحقيقها لدولة صغيرة نسبياً ومحدودة الموارد كسورية وليست ذات أهمية كبرى على الخريطة الدولية. كما أنه لا بد من أن نتذكر دوماً أنه بالنسبة الى إعادة الإعمار ليس المهم هو الدمار البنياني لسورية، بل الأهم هو دمار النسيج الاجتماعي السوري والذي باستمراره وعدم معالجته سيمنع عودة الاستقرار والأمل وأيضاً سيمنع عودة الوحدة السياسية بين الأطراف المجتمعية من أجل الاتفاق على سورية المستقبل.

التحدي الآخر هو العدد الكبير من المهجرين الذين تركوا بيوتهم وأحياءهم حيث نتحدث اليوم عن أكثر من ٨ ملايين لاجئ و ١٠ ملايين نازح داخلياً، بالتالي فإن ثلثي سكان سورية تقريباً هم من المهجرين عن بيوتهم الأصلية وعودة هؤلاء جميعاً الى بيوتهم وأحيائهم ومدنهم الأصلية سيحتاج إلى ما يمكن وصفه بالمعجزة.

بالتأكيد هنالك تحديات أخرى إنما هي أقل أهمية مثل إدارة التوقعات العالية للمواطنين السوريين من عملية إعادة الإعمار ونتائجها خلال المراحل المقبلة.

فالتحدي الرئيسي اليوم هو إعادة اللحمة للنسيج الاجتماعي السوري. فنظام الأسد خلال السنوات الست الماضية عمل في شكل رئيسي على تفريق وتفتيت السوريين والتحريض طائفياً بين الطوائف المختلفة ليستفيد من ذلك تحت مبدأ فرق تسد وأنّ بقاءه في الحكم هو الضمان الوحيد لوحدة سورية الأمر الذي لم يعد صالحاً للتصدير أبداً بعد اليوم بعدما تدمر النسيج الاجتماعي السوري بفعل ممارسات منهجية على مدى السنوات السبع الماضية. لذلك وجب على النظام السياسي الجديد خلق سياسات موازية ترافق إعادة الإعمار من أجل التخلص من الوعي والسياسات الطائفية السابقة بهدف إعادة اللحمة الوطنية للمجتمع السوري.

فالعمل بمبدأ العدالة الانتقالية خلال الفترة الانتقالية من خلال عملية محاسبة رؤوس النظام الملطخة أيديهم بالدماء وأيضاً عملية بناء وتقوية مؤسسات الدولة المختلفة وكذلك القيام بالتعويضات الضرورية كل ذلك ضروري من أجل تحقيق السلام المستدام من أهم هذه القيم الجمعية هو إيمان السوريين بوحدتهم وأنّ ما حدث بينهم في هذه الحرب كان بسبب سياسات مدبرة من نظام الأسد. فإنْ استطاع السوريون وضع سياسات التفرقة خلفهم والانطلاق لما سيجمعهم لبناء سورية جديدة فسيكون أمر لم يتكرر عبر التاريخ إلا في حالات نادرة مثل اليابان وألمانيا.

إنّ عملية بناء الوعي الجمعي للمجتمعات هي عملية تراكمية ومستمرة ولا تحصل بين ليلة وضحاها ولكن بالحالة السورية سيكون من الصعب جداً بل نوع من الترف التركيز على عملية بناء الوعي الجمعي في ظل الصراع العسكري وعدم الاستقرار السياسي. لذلك الأمر الأهم الآن لبدء عملية الوعي الجمعي هو وقف الحرب والبدء بعملية التسوية السياسية.

ففي حالتي ألمانيا واليابان نجحت عملية إعادة الإعمار في شكل كبير بينما في حالة العراق فشلت في شكل مطلق وليس فقط بالإعمار وإنما أيضاً في إعادة بناء النظام السياسي على أسس ديموقراطية. ودليل هذا الفشل الذريع في العراق هو سيطرة "داعش" على كبريات المدن العراقية الموصل خلال فترة وجيزة جداً. الاحتلال ليس هو العامل الحاسم لفشل أو نجاح مشروع إعادة الإعمار، بل إنّ العامل الحاسم في حالة اليابان وألمانيا كان في وحدة النخب وفي إنتاج حكومة قادرة على توحيد السوريين على هدف واحد وهو إعادة الإعمار وإعادة بناء سورية.

للأسف الشديد لا نجد اليوم قيادات في سورية عليها إجماع مجتمعي، وأيضاً ليس هناك تصور قريب لطريقة وآلية إنهاء هذه الحرب ولذلك، يبدو المستقبل السوري غامضاً أكثر من حالة العراق عام ٢٠٠٣ حيث تم الحفاظ وقتها على الحكومة المركزية. الآن نحن في سورية أسوأ من هذا الوضع بكثير بسبب غياب فكرة الحكومة المركزية في المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام وفي المقابل فإنّ المناطق الواقعة تحت سيطرة النظام تقع تحت حكم حكومة مركزية لكنها فاقدة للشرعية بسبب سياساتها الممنهجة لقتل وتعذيب السوريين.

سورية بالنسبة الى القانون الدولي لا تعتبر تحت الاحتلال في وضعها الحالي، فالأمم المتحدة ما زالت تصنف حكومة الأسد حكومة شرعية على رغم عدم شرعيتها بنظر غالبية السوريين، بالتالي فإن الوجود الروسي هو بطلب من الحكومة السورية. ولذلك أفضل حل بالنسبة الى سورية اليوم هو الدخول تحت الإدارة الانتقالية للأمم المتحدة كما جرى في حالة تيمور الشرقية، ففي الحالة السورية يمكن هذه الإدارة الأممية بالتعاون مع الإدارة السياسية الوطنية تهيئة الأجواء للانتخابات ومن ثم انتقال إدارة البلاد للقوى السورية المنتخبة. هذا الحل يعني بالطبع وجود قوات عسكرية أممية على الأراضي السورية (القبعات الزرق) لضمان حصول الانتخابات وتحقيق الأمن في الفترة الانتقالية. إنّما حتى هذا السيناريو يبدو غير متاح في الحالة السورية بسبب تعدد الفئات المتصارعة على الأراضي السورية، بالتالي لن تجد بلداناً ترغب بإرسال جنودها لهكذا مهمة في بلد تعد الأخطار فيه عالية جداً. وعلى رغم صعوبة حصول هذا الأمر يبدو بحسب المعطيات الراهنة أنّ هذا هو الحل الوحيد على الأرض بعد الاتفاق السياسي لإنهاء العنف والاقتتال، ومن دون هذا السيناريو لا يبدو أنّ الظروف مهيأة لإنهاء الحرب.

كاتب سوري وباحث في المركز العربي – واشنطن

=======================

اتفاق هامبورغ.. مسار بديل في سورية .. علي العبدالله

العربي الجديد

الاربعاء 19/7/2017

في ضوء الاستعصاء السياسي بشأن سورية، وقد عبر عنه الفشل المتكرّر لاجتماعات مساري أستانة وجنيف، والذي عكس رفض الولايات المتحدة مسار أستانة، على خلفية اعتبار نجاحه "انتصاراً" لروسيا وإيران والنظام السوري، ورفض روسيا الاتحادية مسار جنيف، على خلفية اعتبار نجاحه "انتصاراً" للولايات المتحدة والسعودية والمعارضة، وفي ضوء حاجة كل من الرئيسين الأميركي، دونالد ترامب، والروسي، فلاديمير بوتين، كلّ لاعتباراته الخاصة، إلى تحقيق تقدّم، ولو كان رمزياً، جاء اتفاق وقف إطلاق النار في جنوب غرب سورية، محافظات درعا، السويداء، القنيطرة، مساراً ثالثاً، وحلاً وسطاً يعبر عن تعارض مواقفهما إزاء أستانة وجنيف، ويلبي تطلع كل منهما إلى إنجاز ما.

عبرت الولايات المتحدة عن رفضها مسار أستانة من خلال المستوى المتدنّي لمشاركتها في اجتماعاته، حيث شاركت فيه مراقباً، ومن خلال تحفظها على نتائج تلك الاجتماعات، تحفظت على دور إيران ضامناً للاتفاق على مناطق خفض التوتر. وكان تأكيد مسؤوليها المتكرّر تمسّكها بمسار جنيف وبيان 2012 وقرار مجلس الأمن 2254 الذروة في هذا المجال.

عملت روسيا الاتحادية على عرقلة أي تقدّم يمكن أن يحصل في اجتماعات جنيف، من خلال تصريحات مسؤوليها الاستفزازية ضد المعارضة ومواقفها، ومن خلال شل الاجتماعات، عبر طرح جدول أعمالٍ لا يمسّ جوهر القضايا، ووضع لازمة توحيد وفد المعارضة على الطاولة، للتشكيك بتمثيل الهيئة العليا للمفاوضات، وكسر وحدانية تمثيلها المعارضة، وبالحلول التي تطرحها "الهيئة" لملفات التفاوض بالتالي، وسعيها إلى تحديد أسس الحل في مسار أستانة، وفرض محدّداتٍ تنطلق من رؤيتها لمتطلبات الحل السوري ومخرجاته على مسار جنيف.

جاء اتفاق وقف إطلاق النار في جنوب غرب سورية تجسيداً لرفض الإدارة الأميركية الجديدة الدور الروسي الكبير في سورية، من جهة، وتحفظها، من جهةٍ ثانية، على إشراك الدول

"استمرار التوافق الأميركي الروسي رهن قدرة ترامب على تجاوز العاصفة الداخلية" الإقليمية (تركيا وإيران) في الحل، ومنحها حصة في الكعكة السورية، ما يغريها للعب دور مستقل في ملفات الإقليم الأخرى، وتجسيداً لفشل موسكو في إرغام الأطراف الدولية الأخرى على قبول مبادرتها في أستانة، ودفعها إلى التخلي عن استراتيجياتها الخاصة، فقد كان بوتين بحاجةٍ إلى "نجاحٍ" يُعلن عنه يحوّل الانتباه عن فشل أستانة "المهين"، وفق مصدر دبلوماسي غربي، ويمنحه فرصة للمناورة لاستكمال مشروعه الساعي إلى احتلال روسيا موقع القوة العظمى الثانية في نظام ثنائي القطبية، عبر عقد صفقةٍ شاملةٍ مع الولايات المتحدة الأميركية.

وهذا جعل توافقهما واتفاقهما عرضةً للاهتزاز، إن لم يكن للفشل، والدخول في منعطفاتٍ خطرةٍ في ضوء عاملين رئيسين، أولهما ما تشهده العاصمة الأميركية من تطوراتٍ على صعيد ملف التحقيق في علاقة أركان حملة المرشح دونالد ترامب بمسؤولين روس، ابنه وصهره بشكل خاص، ودور الكرملين في نجاحه، وما ترتب عليها من ردود فعلٍ تجسّدت في تحرك نوابٍ في الكونغرس على مستويين: تمرير قانون يفرض عقوبات جديدة على روسيا، وطرح فكرة عزل الرئيس. ما سيضطر الإدارة الأميركية إلى التشدّد في تعاطيها مع موسكو في ملفاتٍ عالقةٍ بينهما، أوكرانيا وضم جزيرة القرم. ويثير شكوك روسيا في جدوى التوافق والاتفاق مع إدارةٍ مهدّدة بالعزل، ويدفعها إلى السعي إلى تعزيز موقعها التفاوضي، عبر فرض أمر واقع ميداني في مناطق (الحدود السورية العراقية، وشرق الفرات) سبق وألمحت واشنطن إلى أنها تريدها (المناطق) ضمن نطاق نفوذها، وتكريس نفوذها في سورية بغض النظر عن الاتفاق مع واشنطن.

بدأ ذلك بإنشاء قاعدة عسكرية في خربة رأس الوعر في البادية السورية، وهي موقع حسّاس جيوسياسياً، يبعد نحو 50 كيلومتراً عن دمشق، و85 كيلومتراً عن خط فك الاشتباك في الجولان المحتل، و110 كيلومترات عن جنوب الهضبة، ويبعد 96 كيلومتراً من الأردن و185 كيلومتراً من معسكر التنف التابع للجيش الأميركي في زاوية الحدود السورية ـ العراقية ـ الأردنية، وبمصادقة مجلس الدوما على البروتوكول الملحق باتفاقية نشر القوات الجوية الروسية في سورية الذي يسمح لموسكو بنشر قواتها الجوية في سورية 49 عاماً، مع إمكان تمديدها 25 عاماً إضافياً، واستثمار الاتفاق في تحرير قوات النظام وحلفائه من المليشيات الشيعية التابعة لإيران المرابطة في المنطقة، وزجها في معارك بادية شرق محافظة السويداء، المشمولة بالاتفاق، وبادية محافظة حمص، وجنوب غرب محافظة الرّقة، والغوطة الشرقية، وتقديم غطاء جوي لهذه القوات، واستغلال رغبة النظام وإيران في الاستمرار بالحل العسكري لإحداث تغييرٍ ميدانيٍّ كبير، لتوظيفه في المفاوضات مع واشنطن، ما يعني قطع الطريق على احتمال تطور التوافق، ومد الاتفاق إلى مناطق أخرى.

أما العامل الثاني فهو رد فعل القوى الإقليمية، خصوصاً إيران وتركيا وإسرائيل، على الاتفاق

"عبّرت تركيا عن عدم رضاها عن التوافق الأميركي الروسي، خوفاً من تطوره وامتداده ليشمل الحدود الشمالية" واستجابتها، السلبية والإيجابية، لمخرجاته، حيث عبرت إيران عن تحفظها عليه، وقال مساعد وزير الخارجية الإيراني في الشؤون العربية والأفريقية، حسين جابر أنصاري، في رده على سؤالٍ عمّا إذا كان الاتفاق بين أميركا وروسيا في جنوب غربي سورية سيترك أثراً على وجود القوات الإيرانية هناك: "وجود إيران بأي شكل وأي مستوى في الأزمة السورية، تم بطلبٍ من الحكومة، والتوافقات الحاصلة بين البلدين ليست مرهونة بأي طرف إقليمي ودولي"، ناهيك عن تحرّك المليشيات الشيعية التابعة لها، لتحقيق مكاسب ميدانية في البادية، وربط تقدمها بتقدم مليشيا الحشد الشعبي العراقي على الجانب الآخر من الحدود السورية العراقية، تحقيقاً لمشروع الطريق البري من إيران إلى لبنان، وباستعدادات حزب الله لشنّ هجومٍ على جرود عرسال انطلاقاً من القلمون الغربي.

وقد عبّرت تركيا عن عدم رضاها عن التوافق الأميركي الروسي، خوفاً من تطوره وامتداده ليشمل الحدود الشمالية، حيث المشروع الكردي الذي تخلت عن أولوياتها لمواجهته، والذي تخشى حصوله على مباركة الدولتين، بتصعيد ضغوطها على "قوات سورية الديمقراطية"، برفع لهجة مسؤوليها وتهديداتهم لها، وبتعزيز حشودها العسكرية على الحدود مع سورية قرب عفرين وتل أبيض والقامشلي، وتلويحها بإطلاق عمليةٍ بريةٍ بالتنسيق مع فصائل من الجيش السوري الحر، تحت اسم "سيف الفرات". وعبرت إسرائيل عن تحفظها على الدور الإيراني في سورية، واعتبرت "أن الاتفاق يرسّخ الوجود الإيراني في سورية"، وفق قول رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، خصوصاً بعد ما تسّرب عن اتفاق بين النظام وإيران، لإقامة قاعدة جوية إيرانية وسط سورية، تديرها قوة عسكرية إيرانية من خمسة آلاف جندي.

يبدو أن نجاح الاتفاق واستمرار التوافق الأميركي الروسي رهن قدرة ترامب على تجاوز العاصفة الداخلية، وحصوله على مباركة وزارة الدفاع (البنتاغون) الاتفاق الذي تم من دون مشاركته، وقدرة بوتين على لجم إيران، وتقليص دورها، ووضع حد لنفوذها، الثمن المطلوب لإغواء ترامب بمواصلة التعاون، وتوسيع التوافق ليصبح شاملاً، واستسلام تركيا وإسرائيل لمخرجات التوافق الأميركي الروسي ومترتباته.

========================

موقفنا : رئيس الحكومة اللبنانية يشرعن عملية قتل اللاجئين السوريين في عرسال .. " قتل دقيق ومدروس " .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 19 / 7 / 2017

آخر ما كان ينتظر من الرئيس سعد الحريري ، أن ينضم إلى جوقة ( حسن نصر الله – وميشيل عون – وبطرس الراعي ) في إطلاق يد الجيش الطائفي في لبنان في أديم المستضعفين من اللاجئين السوريين في جرود عرسال .

لو كان الجيش اللبناني ، جيشا لبنانيا بحق ، كما يزعم سيادة الرئيس الحريري ، لما سمح لعصابات حسن نصر الله ، أن تخترق الحدود الدولية ، وأن تشارك في تقتيل السوريين على أرضهم ، وأن تهجرهم من ديارهم.

ولا يمكن لغربال السيد رئيس الحكومة اللبنانية ومشايعيه أن يحجب الحقيقة الطائفية للجيش الذي لم يخض في تاريخه المخملي الدموي ، أي معركة ، غير تلك التي خاضها ضد مخيمات المستضعفين من اللاجئين الفلسطينيين والسوريين .

إن قرار السيد الحريري ؛ خذلان هؤلاء اللاجئين المستضعفين ، وإسلامهم لإرادة الشريرين حسن نصر الشيطان وميشيل عون ولأدواتهما العسكرية المتمثلة في الجيش الطائفي ، ولعصاباتهما الطائفية المقنعة تحت عنوان هذا الجيش يتحدى قبل أن يتحدى القانون الدولي ، ومبادئ حقوق الإنسان، قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يخذله ..)

لو كان هؤلاء المستضعفون في جرود عرسال ممن يرسمون على صدورهم صليب ميشيل عون ، وما كان لهم ليكونوا ، لما أطاع بطرس الراعي وميشيل عون فيهم ، كما يطيع فيهم اليوم السيد سعد الحريري والصامتون من ورائه ، وكأن أمر القتل والدم لا يعنيهم ..

ولو كان هؤلاء المستضعفون في جرود عرسال من أتباع الولي الفقيه ونصر الشيطان ، لما أطاع هؤلاء فيهم كما يطيع سعد الحريري والصامتون من ورائه وكأنهم ليس لهم من ولاية هؤلاء المستضعفين من شيء ..

إن الجرائم المتتالية التي ما تزال تحيق باللاجئين السوريين المستضعفين في سني العسرة هذه ستلحق عار التاريخ بكل الممارسين لها ، والمتواطئين عليها ، والصامتين عنها ..

وإن انخراط السيد سعد الحريري في المشروع الآثم لرؤوس الشر في لبنان نصر الشيطان وميشيل عون ستحمله ومحازبيه مسئولية الخزي التاريخي مضاعفا أضعافا كثيرة . لا عذر اليوم لمتواطئ ولصامت ، وستبقى الحقوق دينا ووفاء ..

نحذر من الجريمة الكبرى التي توعد بها رأس الشيطان في جرود عرسال ، والتي أعلن السيد الحريري موافقته عليه ، ودعمه لمنفذيها..

نستصرخ الضمير الإنساني لكل اللبنانيين الأحرار الذي لم تعتقل الطائفية المقيتة عقولهم ، ولم تخنق أصواتهم ، ولم تغرهم الحسابات السياسية الضيقة .. أن يرفعوا أصواتهم لوقف الجريمة ، والأخذ على أيدي القتلة المجرمين ..

نستصرخ إخوة الدين والعقيدة من اللبنانيين ، أوقفوا مجزرة جرود عرسال ، واعلموا أن بعد اليوم غدا ، وأن غدا لناظره قريب ..

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

======================

أسئلة التفاهم الأميركي - الروسي حول سورية .. أكرم البني

الحياة

الاربعاء 19/7/2017

ما إن بدأ عملياً تنفيذ ما بات يعرف بالتفاهم بين أميركا وروسيا حول وقف إطلاق النار في جنوب سورية وحظر المنطقة على المقاتلين الأجانب، حتى بدأت الأسئلة تثار عن جدية هذا التفاهم وجدواه وعما قد يترتب عليه من نتائج وطنية وتداعيات إقليمية.

ما سبب اختيار هذا الوقت بالذات لإعلان تفاهم كان متاحاً للطرفين منذ زمن طويل؟ هل لأن القوتين الأكثر تأثيراً في الصراع السوري، اكتفتا بما حصل من قتل وخراب وتشريد وباتت مصالحهما تتطلب إخماد هذه البؤرة من التوتر؟ أم أنه يقترن من جانب موسكو بالرد على أعباء باتت ترهقها بعد فشل لقاء الآستانة الأخير نتيجة تشدد الحليفين التركي والإيراني، وكأنها بذلك تريد تحذيرهما من وجود بديل قوي ومستعد لمشاركتها في إدارة الملف السوري؟ أم ربما كان محاولة من جانب زعيم الكرملين للتقرب من الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال لقائهما الأول في هامبورغ، ومغازلة مطلبه في الحد من تمدد طهران في المنطقة على أمل استمالته وتشجيعه على التعاون في ملفات أخرى تهم البلدين، في مقدمها المسألة الأوكرانية، وربما كبادرة استباقية لاحتواء السياسة الأميركية الجديدة تجاه الصراع السوري والتي بدأت تتحرر من انكفائها البليد في عهد أوباما، نحو نشاط نسبي تجلى بالضربة الصاروخية لمطار الشعيرات، والدعم المتواتر لقوات سورية الديموقراطية في معاركها ضد تنظيم داعش؟

صحيح أن توازنات القوى وتجارب بؤر التوتر المريرة تؤكد أن لا مخرج جدي لمحنة بلادنا من دون توافر إرادة دولية تحدوها سياسة أميركية حازمة، وصحيح أن شرعنة دور واشنطن في الجنوب السوري مكسب مريح لها، يمكّنها، ربطاً بحضورها في شمال البلاد، من تعزيز أوراقها وكلمتها في الصراع الدموي الدائر منذ سنوات، لكن ما الثمن؟ هل هو تسليم البيت الأبيض بشروط الكرملين ومنها الحفاظ على النظام القائم، بدليل التصريح الأميركي بقبوله مشاركة رموز السلطة المرتكبة في المرحلة انتقالية؟ أم يتعلق بتلبية حاجة أمنية إسرائيلية وبدرجة ثانية رغبة أردنية، في إبعاد القوات الإيرانية وميليشيا "حزب الله" مسافة آمنة عنهما، بما يعني فرض ما تمكن تسميته منطقة عازلة على طول الشريط الحدودي الفاصل؟!

مما لا شك فيه أن تفاهماً يرعاه الطرفان الأقوى عالمياً يمتلك حظاً وافراً من النجاح، بخاصة إن بقي مقتصراً على جبهة الجنوب، بينما يرجح أن تعترضه عوائق كبيرة ومقاومة جدية إن تقرر تعميمه في مختلف جبهات القتال، فأنّى لطهران أن تقف مكتوفة الأيدي تراقب كيف يلجم طموحها الإقليمي وتدمر نتائج جهودها السياسية وتدخلاتها العسكرية في المنطقة؟ أوليس أشبه بإعلان حرب تصريح أهم مسؤوليها بأنها غير معنية بالتفاهم بين روسيا وأميركا؟ أولا يحتمل أن تلجأ، إن شعرت بالحصار الشديد وبجدية العمل على تفكيك نفوذها المشرقي، إلى تحريك أدواتها وتوسل التعبئة المذهبية لإفشال هذا التفاهم أو إعاقة تنفيذه بالحد الأدنى، بما في ذلك افتعال حرب مع إسرائيل لخلط الأوراق؟

وأيضاً لماذا ترضى تركيا بما يترك لها من فتات، بخاصة مع تنامي قلقها من اقتران التفاهم الأميركي الروسي برؤية مشتركة تتفهم مظالم الأكراد السوريين وحقوقهم وتراهن على دورهم الرئيس في مواجهة الإرهاب الجهادي؟ ألا يرجح أن توظف أنقرة ما تمتلكه من أوراق للعبث أمنياً بالترتيبات المزمع إجراؤها لتنفيذ التفاهم؟ أولم يشجعها ذلك على مزيد من التنسيق مع خصمها الإيراني اللدود، لتوحيد جهودهما ضد من يحاول منازعتهما على ما حققتاه في سورية، بما في ذلك توسل ورقة اللاجئين السوريين على أراضيها للضغط على خصومها وابتزازهم؟

وبين من لا يعول على أي دور للتفاهم الأميركي - الروسي في كسر الاستعصاء القائم، مذكراً بتفاهم مماثل لم يصمد إلا أسابيع قليلة أمام استعار معارك حلب، وبين من يسخر من تفاؤل المبعوث الدولي دي ميستورا، حول انعكاس التفاهم بنتائج ايجابية طال انتظارها في مفاوضات جنيف، وبين من يعتبر ما حصل نقلة نوعية قد تخمد الصراع السوري عسكرياً لتطلقه سياسياً، مستقوياً بجدية إدارة البيت الأبيض الجديدة، وحالة الإنهاك المتزايد للقوى الداخلية، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، ثمة من يسأل محذراً: ألن يشكل ذلك التفاهم، وربطاً باتفاق مناطق خفض التوتر الذي ترعاه روسيا وإيران وتركيا، عنواناً لتقسيم البلاد وبداية لشرعنة مناطق النفوذ القائمة في ما درجت تسميته بدويلات تنازع سلطة قائمة في دمشق وحمص وحماه والساحل السوري على السيطرة، تبدأ بجبهة الجنوب، فالحكم الذاتي للأكراد في شمال البلاد وشرقها، فمدينة إدلب وأريافها، فمنطقة "داعش" في دير الزور وما حولها؟

لن تبقى المعادلات السياسية الداخلية وما يرتبط بها من توازنات بمنأى عن التأثر بهذا التفاهم، بخاصة إن تكلل تطبيقه بالنجاح وتضافرت الجهود لتعميمه، ليحضر السؤال: هل يصح من هذه القناة توقع صراعات خفية وربما معلنة بين مراكز قوة سلطوية تميل لدعم النفوذ الإيراني ضد أخرى تحبذ الدور الروسي في إدارة الصراع ورسم مستقبل البلاد؟ وهل يجوز الذهاب بعيداً مع المتفائلين في توقعاتهم بأن تفضي المناخات الأمنية والسياسية المرافقة لتعميم التفاهم، إلى تبديل الصورة النمطية للمشهد الدموي السوري، وإلى تفكيك الدوائر المحلية الضيقة المتمسكة بخيار العنف وقد باتت مجرد أدوات لأطراف خارجية تتصارع على تحسين مكاسبها وحصص النفوذ، ما يتيح بلورة قوى، سياسية وثقافية ومدنية، لها مصلحة في إنقاذ المجتمع السوري من المصير الأسوأ؟ أم علينا الاكتفاء بالحد الأدنى، وبأن أهم وجه لما حصل هو تخفيف معاناة الناس، بإيصال المساعدات الإنسانية للمحاصرين وفتح الباب لمعالجة قضية اللاجئين السوريين الذين ينتمون للمناطق التي يشملها التفاهم، ما يشجعهم على العودة لديارهم والتخلص من ظروف تشرد سمحت للآخرين بازدرائهم وإذلالهم والاستهتار بأرواحهم؟

========================

ماكرون والأخطاء نحو إسرائيل وسورية .. رندة تقي الدين

الحياة

الاربعاء 19/7/2017

دعوة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتانياهو للمشاركة في إحياء الذكرى الخامسة والسبعين لحوادث فيل ديف، عندما اعتقلت الشرطة الفرنسية لحكومة فيشي ١٣٠٠٠ يهودي فرنسي لإرسالهم الى مخيمات النازيين، خطأ تاريخي وسياسي.

كان الرئيس جاك شيراك أول من اعترف واعتذر ليهود فرنسا عن ارتكاب حكومة فيشي هذه الجريمة بحق اليهود. ولكنه لم يدع أي مسوؤل إسرائيلي الى حضور هذه الذكرى الأليمة في تاريخ فرنسا. ثم جاء الرئيسان اللذان تعاقبا بعد شيراك، نيكولا ساركوزي وفرانسوا هولاند، ولم يرتكبا خطأ ماكرون الذي يرتكب بإصراره على إظهار أنه مختلف عن أسلافه الخطأ بعد الآخر في بداية عهده. وخطابه الموجه الى نتانياهو يوم هذه الذكرى وقوله "إننا لن نستسلم لرسائل الكراهية ولمقاومة الصهيونية، لأنها نوع جديد من اللاسامية" يُحييان مسوؤلاً إسرائيلياً يعتمد الكراهية إزاء الفلسطينيين ويسيء معاملتهم وهو أول من يشجع على كراهية الفلسطينيين والعنصرية ضدهم وعزلهم ودفع سياسة المستوطنات على رغم إدانتها العالمية.

إضافة الى ذلك، إن نتانياهو دعا من باريس بوقاحته المعتادة، بعد الهجوم الإرهابي الذي استهدف صحيفة "شارلي ايبدو" في فرنسا، اليهود الفرنسيين الى مغادرة بلدهم والتوجه الى إسرائيل. واضح أن ماكرون يبحث عن دور على الصعيد الدولي، لكن بحثه يشير الى عدم خبرة ديبلوماسية. وينبغي عليه أن يستفيد أكثر مما سبق خلال عهود أسلافه الرؤساء، لأن الأهم ليس أن يقوم بما يختلف عنهم بل أن يستفيد من خبراتهم وحتى من أخطائهم.

وحتى الآن، لا يزال الرئيس الشاب يحظى بالتأييد ولكن عليه أن يتجنب الأخطاء في قيادة الديبلوماسية الفرنسية. فهو أيضاً، كما قال في مؤتمر صحافي مشترك مع دونالد ترامب، عازم على تغيير الرؤية الفرنسية إزاء الصراع في سورية. وهنا أيضاً الغموض المقلق إزاء مبادرته. فهو يقول: "لقد حاولنا سبع سنوات إغلاق السفارة في دمشق وعزل بشار الأسد وهذا لم ينفع، فعلينا أن نغير". ولكنه قال للمعارض رياض حجاب، كما قال في مؤتمر صحافي مشترك مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إن إعادة فتح السفارة في دمشق ليست على الأجندة في الوقت الحاضر. وأوضح الى جانب ترامب أنه سيتحدث مع ممثلي النظام السوري عبر مجموعة اتصال تضم الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن ودولاً عربية وممثلين عن النظام. ولكن مبادرته هذه غامضة. فالمفهوم منها حالياً أنه يريد إعادة دور لفرنسا من طريق روسيا، لأنها القوة النافذة في الصراع السوري.

لكن رغبة ماكرون تصطدم أيضاً بقوله خلال زيارة نتانياهو إنه سيكون في يقظة إزاء خطورة سياسة "حزب الله". ألا يعرف الرئيس الفرنسي أن الحليف الأساسي على الأرض في سورية لبشار الأسد هو "حزب الله" الذي يدفع من دماء مقاتلين شبان لبنانيين ثمن حماية بشار الأسد الذي يريد السيد ماكرون العودة الى التواصل معه؟ فأي دور فرنسي مع بوتين حليف الأسد وإيران و "حزب الله"؟ ولم تستطع فرنسا لعب دور مهم إلا في الحالات التي لم تكن تابعة لا لروسيا ولا للولايات المتحدة. بل كانت سياستها عاقلة ومنصفة من دون الاصطفاف الى جانب إسرائيل.

ربما استعصت تعقيدات الأوضاع في الشرق الأوسط جديدة على رئيس شاب ليست له خبرة في السياسة الدولية ومصر على أن يظهر كمختلف عن أسلافه بالشكل والمضمون. فهو يريد العودة الى رئاسة براقة على الطريقة الملكية بالشكل. كما دخل ساحة اللوفر يوم انتخابه أو قصر فرساي يوم استقبل بوتين سائراً وحده، في ظل فخامة يريدها لمنصبه الجديد على عكس هولاند الذي بدأ بمظهر الرئيس العادي. وماكرون أيضاً عازم على إبعاد الصحافة عنه وعدم التعاطي معها حتى في تنقلاته الى الخارج، حيث يقتصر على مؤتمرات صحافية ويحجب عن الصحافة الرئاسية المواكبة لقاءات معها. لكنه سرعان ما سيكتشف أنه في حاجة الى الاستفادة من خبرة أسلافه في صراعات المنطقة والتحالفات مع الدول الكبرى ومن التواصل مع إعلام هو في حاجة اليه.

========================

هل اهتم أحدٌ بجنيف 7؟ .. فاطمة ياسين

العربي الجديد

الثلاثاء 18/7/2017

يغيب مؤتمر جنيف ونتائجه عن العناوين الرئيسية في الصحف العربية والأجنبية. يبدو أن اسم المدينة الأكثر أمناً في العالم يجذب سياحاً، لكنه لم يعد جاذباً للمهتمين في الشأن السياسي، وتقلصت قدرتُه على زيادة عدد قرّاء المواقع الإخبارية، فالسوريون المفترض أن يهتموا بمتابعة مجريات المؤتمر يعرفون، سلفاً، مقرّرات هذه النسخة منه، والتي تحمل رقم 7، ومتأكدون أنها غير معدّة للتنفيذ في الوقت الحالي، خصوصاً أن الجميع منصرفٌ إلى متابعة الخطة الأميركية الروسية الجارية لعزل القطاع الجنوبي في سورية عن حمم النار والاقتتال، والتي يتوقع أن تكون بداية هدنةٍ شاملةٍ تمهد لحل متكامل، أو لتقسيم البلاد.

ليس الحل بالتأكيد انتقالاً سياسياً بالشكل الذي تنتظره المعارضة، وأعادت تكراره على لسان مندوبها، خالد خوجة، في أروقة جنيف، وقد صار يقيناً أن الوصول إلى ذلك يحتاج وقتاً طويلاً، بعد تصريحات الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، عقب لقائه نظيره الأميركي دونالد ترامب، مؤكداً ما قاله، في 21 من الشهر الماضي، إن بلاده لم تعد تعتبر رحيل الأسد شرطاً لحل الصراع، واعترف أن هناك "تغييراً فعلياً" في سياسة فرنسا تجاه سورية. ومن هنا، نستطيع استنتاج وجهة النظر الأميركية أيضاً التي يمثلها زائره ترامب..

يستمر الأسد الذي يحظى بدعم سياسي وعسكري غير محدود من الحليف الروسي في محاولات قضم أراضٍ تقع تحت سيطرة المعارضة، وتدعمه مليشيات إقليمية، ترى في غض الطرف الدولي فرصةً مهمة للتقدم ميدانياً، وأولوية النظام الحالية هي عزل الغوطة الشرقية المشمولة بقرار "خفض التوتر"، بهدف التمكّن من السيطرة عليها لاحقاً، وهو ينعم براحة بالٍ مؤقتة، متابعاً ما يجري في الشمال السوري، حيث الاقتتال بين الكتائب المعارضة يحدث متكرّراً، كالاشتباك الذي جرى، قبل أيام، بين أحرار الشام وهيئة تحرير الشام (المحسوبة على القاعدة) قرب الحدود التركية. يأتي هذا الاشتباك وغيره في سياق "حرب الآخرين" التي تجري على الأرض السورية منذ أكثر من ست سنوات، في وقتٍ لا يزال فيه الحل السياسي متوارياً خلف ساتر ضبابي، تحتضنه مدينة جنيف.

الراضون بما نتج عن جنيف يُعدون على أصابع اليد، وأولهم المبعوث الأممي الخاص، ستيفان دي ميستورا، الذي نجح في تحديد تاريخ سبتمبر/ أيلول المقبل موعداً لعقد الجولة المقبلة من سلسلة هذه المؤتمرات. والتفاؤل مفهوم، حيث تكاد مهمة المبعوث تنحصر بالحصول على موافقة الأطراف المتنازعة على الاستمرار في حضور المؤتمرات التالية، ما سيكفل له وظيفةً مستمرةً في الأمم المتحدة بصفة مبعوث أممي! وثانيهم مندوب النظام السوري، بشار الجعفري، الذي أكد أن لقاءه بالمبعوث الخاص كان "جولة مفيدة"، استلزمت منه تكرار عبارة "مكافحة الإرهاب" أمام المبعوث، ومجموعة صغيرة من الصحافيين، كانت تنتظره خارج قاعة الاجتماع. ومع أن الجعفري أكد لأحد الصحافيين أنه تحدّث "بإسهاب" عن الاعتداءات الأميركية والإسرائيلية على الأراضي السورية، لكنه لم يسرِّب نتائج هذا الحديث المسهب، وهو يتعامل مع الأوضاع منذ سنين بالأسلوب نفسه، وتبدو الأمور سهلةً بالنسبة له، ولا تحتاج بذل جهدٍ للابتكار، فقط التأكيد على رسالتين، واحدة موجهة إلى الخارج تقول بأولوية مكافحة الإرهاب، وأخرى إلى الداخل تطمئن المؤيدين بأن النظام لن يسمح بتكرار الاعتداءات على سورية، وإن كَذَب..

الأسد الذي يستفيد، منذ سبع سنوات، من عامل الوقت، ويسعى إلى نقل المدن المدمرة إلى سلطته، وإن كانت البيوت المهدّمة لا تنفع أهلها، فهي تنفعه في تحقيق القبول الدولي به على أنه أمرٌ واقع، لن يكون المستقبل خالصاً له، فحل كارثةٍ إنسانية بهذا الحجم يحتاج إلى إحراق كبش كبيرٍ لرشوة من فقدوا بيوتهم وأهاليهم، ولتسديد فاتورة زعماء العالم الذين انسحبوا من اللعبة طائعين، وسمحوا لروسيا بفرض هيمنتها فوق تلك البقعة المشتعلة من العالم.

========================

مآلات التفاوض.. أسد ميّت ومعارضة مهزومة .. سميرة المسالمة

العربي الجديد

الثلاثاء 18/7/2017

تمارس روسيا دورها في الصراع السوري، باعتبارها صاحبة صلاحيات مطلقة، وتتصرّف وكأنها انتزعت كامل القرار من النظام، الذي يعتبرها "حليفته"، على الرغم من محاولات إيران المستمرة زعزة هذه الثقة الروسية، سواء من تصريحات رسمية، تفيد أنها غير معنيةٍ بالاتفاقات التي يبرمها الجانب الروسي مع الأميركي، أو عبر تحركاتٍ لقواتها أو المليشيات "الشيعية" التابعة لها، كحزب الله اللبناني وعصائب الحق وكتائب أبو الفضل العباس وألوية زينبيون وفاطميون العراقية والأفغانية وغيرهم، على الأرض.

ويظهر من ذلك أن موسكو تتابع تركيب قطع اللوحة، بحسب المشهد الذي يعزّز حضورها دولة عظمى شريكة للولايات المتحدة الأميركية، وإنْ بنسبةٍ أقل من النصف، وتوضّح دورها في سورية للشعب الروسي، وللمنظومة الدولية، وللسوريين، من خلال حجم التلاعب في هذا الصراع، وقدرتها على تغيير مواقع كل اللاعبين فيه، سواء من السوريين أو من الدول المتصارعة على سورية، وخصوصاً إيران وتركيا.

منذ دخولها رسمياً إلى حيز العمل الميداني في الصراع على سورية، في العام 2015، استطاعت روسيا أن تصل بالحرب إلى أقصى درجات قسوتها، حيث استباح طيرانها كل المحرّمات، وكل ما استعصى سابقاً على النظام ومن يسانده (إيران ومليشياتها)، بحيث تمكّنت من رسم خريطة جديدة للصراع، بإعادة تموضع صداقاتها وعداواتها. هكذا، فبعد وقوفها على حافة الحرب مع تركيا، استدارت لتعقد صفقة صداقةٍ معها، على حساب الموقف التركي من استراتيجية "تحرير" المعارضة للمدن السورية، كما أعطت لإيران أدواراً بأحجام مختلفة، بدأت بإطلاق يدها في مناطق الريف الدمشقي، وانتهت إلى إخراجها من المنطقة الجنوبية

"لا تعني هزيمة المعارضة هزيمة المواطنين السوريين الذين نادوا بالحرية والكرامة والمواطنة والديمقراطية" لدمشق، درعا والقنيطرة والسويداء، حسب الاتفاق الروسي الأميركي الأخير، في وقتٍ استرجعت فيه حلب للنظام، وشهدت تهجير السكان والتغيير الديمغرافي الذي أشرفت عليه إيران، من حمص حتى ريف إدلب، مروراً بريف دمشق المجاور للحدود اللبنانية.

وقد تابعت روسيا، باهتمام ملحوظ، خلافات المعارضة البينيّة، وتمكّنت من دعم مجموعات منها، على حساب تصغير أدوار كيانات الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، والهيئة العليا للمفاوضات، منذ جولة مفاوضات جنيف 4 حتى جنيف 7، التي انتهت أخيراً، بنتائج غير مرئية للمعارضة (الهيئة العليا للتفاوض) التي أعلنت أن لا تقدم فيها، بينما خرجت موسكو من هذه الجولة بعدة "انتصارات":

أول هذه "الانتصارات" أنها فرضت بشكلٍ لا يقبل الشك أن الطريق إلى جنيف يبدأ من الدور الروسي الذي سمحت به الإدارة الأميركية بتصريحاتها عن أن مصير الأسد، وبالتالي، غدا مصير مطالب الثورة السورية بيد روسيا، أيضاً، سواء كانت روسيا موجودة على طاولة مفاوضات الأردن (اتفاق الجنوب)، أو في جولات أستانة، أو عبر وفد النظام للتفاوض في جنيف.

وقاربت روسيا أحجام المعارضات السورية من بعضها بعضاً، وإن كثر عدد وفد الهيئة العليا للتفاوض، إلا أن فعلها تضاءل، وأصبح أقل تأثيراً حتى إعلامياً، وبدأ السوريون يتابعون تصريحات منصّتي موسكو والقاهرة، لأنهما الأقرب إلى واقع الحدث على الأرض، وفي غرف التفاوض بين الوسيط الأممي من جهة وبينهم، وبين الوسيط مع وفد النظام من جهة ثانية، وهذا يعني أن رفض "الهيئة العليا للتفاوض" إشراك هاتين المنصتين سابقاً، وقبولها بهما اليوم، على الرغم من "المغمغات" في التصريحات حول ذلك، هو إقرار من الهيئة بواقعية مطالب المنصتين، أو بتنازل الهيئة عن مطالبها السابقة التي اشترطتها للشراكة مع غيرها من المعارضات، وهو الاحتمال الأكبر.

إضافة إلى ما ذكرت، أكدت موسكو عبر هذه الجولة أن كل ما ترفضه المعارضة (الهيئة العليا) في جولةٍ ما تقبله في جولاتٍ لاحقة، ولعل الحديث عن السلال الأربع (الحكم ـ الدستور ـ الانتخابات ـ محاربة الإرهاب) خير دليل على ذلك، إضافة إلى كل ما كانت المعارضة ترفضه، بدءاً من بيان جنيف، وحتى انسحابها من جنيف 4، وما تلا ذلك من خسائر بشرية، وفي مساحات المعارضة، وفي مطالبها وأهدافها.

وفي كل الأحوال، نجحت موسكو، ومن خلال ما سميت الجلسات التقنية، في استدراج "الهيئة

"هي هزيمة فقط لكل من فقد بوصلته، ومشى وفقاً لأجندةٍ لم تكن يوماً بين مطالب الثورة" العليا للتفاوض" لنقل خلافات وفدها الفكرية المخفية حول رؤيتها لسورية المستقبل من الخفاء إلى العلن، عبر رفض تيارات أيديولوجية معينة لفكرة المشروع الديمقراطي في بناء مستقبل سورية، وهو ما تجلى في حربٍ إعلامية وشعبية، شنّت على الدكتورة بسمة قضماني، لا تهدف منها فقط إزاحة امرأة علمانية من وفد التفاوض، بقدر ما تهدف، أيضاً، إلى إزاحة فكرة المشروع الديمقراطي من أذهان من يريد تمثيل الهيئة العليا للتفاوض، منعاً لتداوله على طاولة التفاوض، وبالتالي إنهاء فكرة التقارب مع المنصّات التي تعتبر الديمقراطية أساساً لبناء سورية الجديدة، ومنطلقاً لأي تقاربٍ حقيقيٍّ بين المنصّات، بغض النظر عن رأيي بهذه المنصة أو تلك.

أخيراً، تفاوض موسكو باسم النظام وليس عنه، في المحطات التي تقرّر مستقبل سورية فعلياً، وهو (النظام) عبر وفده الذي يتمثل في مؤتمر جنيف، ليس إلا صورة إعلامية ترغب من خلالها موسكو بإقناع العالم بوجوده، بينما هي تمارس دورها وريثاً لأسدٍ فقد قدرته على الدفاع عن نفسه، وعن غيره ممن في زمرته، وهذا هو معنى "الأسد الميت"، أو الآيل إلى الموت، الذي تحتاجه موسكو لتحكم باسمه، وتفاوض العالم من خلال جثته، وتضيف إليه معارضةً مهزومة، لم تستطع حماية تضحيات شعبها، من أجل سورية ديمقراطية، تضع حقوق المواطنة أولاً، بينما تبحث معارضتها في ما يبعد هذا الحق عن السوريين، تحت شعارات الأيديولوجيات التي تحكمها.

هزيمة المعارضة هنا، وليس فقط في حلب أو غيرها. هزيمتها هنا، وليس فقط على طاولة المفاوضات. وفي المحصلة، لا تعني هزيمة المعارضة هزيمة المواطنين السوريين الذين نادوا بالحرية والكرامة والمواطنة والديمقراطية، وبسورية لكل السوريين، وإنما هي هزيمة فقط لكل من فقد بوصلته، ومشى وفقاً لأجندةٍ لم تكن يوماً بين مطالب الثورة، عندما كانت ملكاً للسوريين فقط.

========================

هل ثمة مفاوضات سورية - سورية فعلاً؟ .. ماجد كيالي

الحياة

الثلاثاء 18/7/2017

قبل أيام انتهت الجولة السابعة من مفاوضات جنيف، مع إعلان ستيفان ديميستورا المبعوث الدولي إلى سورية موعد انعقاد الجولة الثامنة في أيلول (سبتمبر) المقبل، وتأكيده أنه سيعقد جولات أخرى لاحقاً، وقبلها كانت انتهت الجولة الخامسة من مفاوضات آستانة، من دون التوصل إلى أي اتفاق، ومع ذلك تم الإعلان عن التحضير لجولة سادسة. لكن، وعلى رغم كل ذلك، وكل التصريحات والمؤتمرات التي تعقد، والأوراق التي تقدم، هل ماجرى هو مفاوضات فعلاً؟ أو ما الذي يجري حقاً؟

بداية أود أن أؤكد أن المعارضة السورية، بغض النظر عن تقييمنا وضعها أو أداءها، لا تستطيع رفض المشاركة في العملية التفاوضية، فهي لا تستطيع مجابهة المجتمع الدولي الذي فرض هذا المسار، لأنها بذلك تكون كمن يقدم هدية مجانية للنظام، وتظهر كمن يفوّت عليه فرصة الصراع على المكانة والشرعية، والرأي العام، وضمن ذلك فرصة تعزيز خبراتها السياسية.

بيد أن كل ذلك لا يعني تغييب الفرق الكبير بين انخراط المعارضة في العملية التفاوضية من واقع معرفتها محدودية إمكانياتها ودورها، ومن واقع وعيها انسداد أفق هذه المفاوضات، بحكم طبيعة النظام وطبيعة الظرفين الدولي والإقليمي غير المواتيين، وبين الانخراط فيها مع توهّم أنها يمكن أن تنتزع على الطاولة، ومن خلال الاجتماعات، ما لم تستطع انتزاعه من النظام في الصراع على الأرض.

منذ بيان جنيف 1 (2012)، الذي رفضته المعارضة ("المجلس الوطني" وقتها)، والذي جمد قسم منها وجوده في كيانها الرئيس ("الائتلاف") بسبب قبوله الانخراط في مفاوضات جنيف 2 (مطلع 2014)، مضت ثلاثة أعوام ونصف عام، من الجولة الثانية إلى السابعة، من دون تحقيق أي تقدم يذكر، على الأرض. بل يمكن التذكير هنا بناحيتين أساسيتين، أولاهما، أن وجهة نظر النظام هي التي تترسخ، وهو ما يظهر بتقديم هدف محاربة الإرهاب، والتشكيك بوحدانية مركز المعارضة، والترويج لضعف أهليتها وتمثيلها، الأمر الذي استمر من الجولة الثانية إلى الجولة السابعة، لمن يريد أن يلاحظ. وثانيتهما، أن أي تحول في الصراع السوري، من جهة التوافقات السياسية، إنما هو جرى من خارج العملية التفاوضية، ومن فوق إرادة السوريين (نظاماً ومعارضة)، هذا ما شهدناه في الدخول الروسي على خط الصراع المباشر (أيلول 2015)، وفي تكتيل الجهود الدولية في سورية للحرب على الإرهاب ("داعش" و "جبهة النصرة")، وتعزيز مكانة "قوات سورية الديموقراطية" في الشمال والشرق السوريين، ولا سيما في اتفاق "المناطق المنخفضة التصعيد"، بين روسيا وإيران وتركيا، وأخيراً في الاتفاق على منطقة آمنة في الجنوب بين الولايات المتحدة وروسيا، ما يحجم نفوذ إيران في هذه المنطقة، وضمن ذلك منع التواصل بين قواتها والميلشيات التابعة لها من طهران إلى لبنان، عبر الحدود العراقية ـ السورية.

المشكلة أن "الائتلاف"، بوصفه الأكثر تمثيلاً للمعارضة السورية، والكيان المعترف به، لم يعمل شيئاً يذكر، أو يتناسب، مع كل هذه التطورات والتحولات، فهو لم يستطع أن يعزز مكانته ككيان سياسي لكل السوريين، أو لمعظمهم، بحكم بنيته المنغلقة، التي تتحكم فيها جماعات صغيرة بارتهانات خارجية، وبحكم الخطابات الفئوية الضيقة الصادرة عنه، التي لا تتمثل مصالح كل السوريين وتطلعاتهم، والتي خرجت عن المقاصد الأساسية للثورة السورية المتعلقة بالحرية والكرامة والمواطنة والديموقراطية.

على سبيل المثال فقد شهدنا أن هذه المعارضة (المتمثلة في الائتلاف) لا تفعل شيئاً، مثلاً، بخصوص تلافي هذه الثغرات القاتلة، ولا تقطع تماماً مع الجماعات الإرهابية (النصرة أو هيئة تحرير الشام لاحقاً وأخواتها) على رغم أن هذه لا تعترف بالثورة السورية، وتشتغل ضدها، وتضر بشعبها، باستثناء بيان هنا وتصريح فردي هناك، للاستهلاك ووفقاً للظروف. هذا يشمل أن هذه المعارضة لم تبذل الجهود الكافية لتقديم رؤية وطنية وديموقراطية لحل المسألة الكردية، لقطع الطريق على النظام الذي يستثمر الخلاف بين المعارضة والقوة الرئيسة عند الكرد السوريين، مع الاختلاف مع بعض طروحاتها وممارساتها، بل إنها، بسبب ارتهاناتها الخارجية، اشتغلت على العكس، أي على تعظيم هذا الخلاف، في الوقت نفسه الذي سكتت فيه على جماعات المعارضة العسكرية (الإسلاموية)، التي ترفع أعلاماً خاصة بها بدل علم الثورة، والتي تجاهر برفضها للديموقراطية، وتنكل بالنشطاء السوريين، وحتى أنها لا تسمح بفتح مكتب للمعارضة، ولا بتوزيع جريدة، في المناطق التي تسيطر عليها.

وقد شهدنا، إضافة إلى ما تقدم، أن بعض المعارضة، او شخصيات مهمة فيها، أصدرت بياناً تدين فيه اتفاق التهدئة، أو "المنطقة الآمنة" في الجنوب، والتي تجنب ثلاث محافظات هي القنيطرة ودرعا والسويداء، مصير حلب المأساوي (العام الماضي)، وكأنها لا تدرك موازين القوى، ولا الظروف الإقليمية والدولية غير المواتية المحيطة بالصراع السوري، أو كأنها تتوهم أن لديها جيشا جراراً يمكن أن يجنب هذه المحافظات كارثة حلب، في حين أنها لا تستطيع حماية أي منطقة من القتل والحصار والتشريد. الأهم من كل ذلك أن هذا البيان صدر عن عقلية تتجاهل أهمية التعويض عن الخلل في موازين القوى، أو أهمية الحفاظ على الذات، بالاستناد إلى تضارب المواقف الدولية؛ ومثاله التوافق الروسي - الأميركي، الذي يحجم النفوذ الإيراني، فضلاً عن أن موقعي البيان لم يقولوا شيئاً يذكر عن مفاوضات آستانة، وتوافقاتها، ولا عن طريقة تشكيل وفدها، ولا عن التوافقات التي تمت فيها، ولا عن دورها في استبدال مسار جنيف بمسار آخر، مع تأكيدنا أن وجود المعارضة السورية العسكرية في آستانة هو مجرد وجود شكلي، إذ المفاوضات تجري بين الدول الثلاث المعنية، فقط.

ثمة كثير من التظلم لدى المعارضة السورية (الائتلاف ـ المجلس الوطني ـ الهيئة العليا للتفاوض) بكياناتها السياسية والعسكرية، نتيجة تجاهل القوى الدولية والإقليمية لها، وهذا صحيح ومرفوض، لكن ادعاء التظلم، وادعاء الحق، لا يكفيان إذ إن هذه المعارضة ينبغي قبل ذلك أن تتفحص مكانتها لدى مجتمعات السوريين في الداخل والخارج، وأن تشتغل لفتح اطاراتها لأوسع تمثيل للسوريين، بكل مكوناتهم وخلفياتهم وبغض النظر عن الاختلافات، كما عليها أن تتمثل مصالح كل السوريين أيضاً، ومن وجهة نظر المستقبل وليس الماضي.

للأسف، ثمة كثير من الأمور المتشابهة في المفاوضات السورية - السورية التي تذكر بالمفاوضات الفلسطينية -الإسرائيلية، فالمفاوضون الفلسطينيون، أيضاً، لم يدركوا حدود إمكانياتهم، ولا أدركوا استحالة التسوية مع إسرائيل في هذه الظروف. والمشكلة، أيضاً، أنهم لم يشتغلوا شيئاً، طوال ربع قرن من اتفاق أوسلو (1993)، سوى في المفاوضات، أي لم يشتغلوا على إعادة بناء كياناتهم، ولا على صوغ علاقاتهم البينية على أسس وطنية وكفاحية، ولا على صوغ خطابات سياسية جديدة، ولا على اجتراح أشكال نضالية أكثر ملاءمة لشعبهم ولإمكانياته ولقدرته على التحمل، ولا على جسر الفجوة بينهم وبين شعبهم في كل أماكن تواجده؛ وهذا ما جرى بالنسبة إلى المعارضة السورية، ايضاً، كأن لا أحد يتعلم إلا من كيسه ومن تجربته وبثمن باهظ يدفع ثمنه الشعب، السوري هنا والفلسطيني هناك.

فوق ذلك، تبدو المفاوضات بين السوريين مثل مفاوضات الفلسطينيين مع إسرائيل (مع الاحترام للمشاعر "القومية")، إذ ان المفاوضات هناك، أيضاً، بلا أفق سياسي، وبلا مرجعيات، وبلا جدول زمني. فوق ذلك فهناك، أيضاً، قرر المجتمع الدولي، أو الدول الكبرى المعنية، ترك المفاوضات لما يتوصل إليه المتفاوضون، أي تركوها تحت رحمة إسرائيل، التي تتحدث حيناً عن أولوية مكافحة الإرهاب، وضمان أمن إسرائيل، وحيناً أخر عن عدم أهلية الفلسطينيين للديموقراطية، أو لحكم أنفسهم بأنفسهم، ودليلها ما جرى في غزة، التي أسندت روايتها إلى انقسام الفلسطينيين.

قصارى القول، تشتغل المعارضة (في الائتلاف والهيئة العليا) كأنها دائرة منعزلة، وليس ككيان سياسي يمثل كل السوريين، ويفترض أن يعبر عن كل أصواتهم ومصالحهم وتطلعاتهم. وعلى رغم جهودها في المفاوضات، خلال السنوات الماضية، والأوراق التي قدمتها، إلا أنها تتصرف وكأنها تظن أن هذه الأوراق هي بمثابة جواز مرور، أو امتحان، من دون أن تنتبه أن الأمر يتعلق بموازين القوى، وبإرادات الأطراف الخارجيين المتحكمين بالصراع، بدليل أنها لا تجد حرجاً في حشد عشرات الأعضاء والمستشارين في وفدها إلى جنيف، من دون أي طائل، وهو أمر مخجل حقاً لشعب يدفع باهظاً من تضحياته ومعاناته.

يقول رياض حجاب، رئيس الهيئة العليا للمفاوضات": "الشعب السوري سئم من تكرر اجتماعات جنيف وتزامنها مع عمليات القصف الجوي والتصعيد العسكري، وأعتقد أن الوساطة الأممية أصبحت في حاجة إلى التقدم بمعطيات جديدة تتناسب مع عمق التحولات الإقليمية والدولية، وأن تركز على تخفيف معاناة السوريين." (الحياة"، 16/7) لكن المشكلة أن هذا الكلام الصحيح، يبقى مجرد كلام مع الأسف إذ إنه لا يترجم إلى أفعال.

========================

تخبّط أم خداع؟ .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاثنين 17/7/2017

لست ممن يصدّقون أن أميركا فاشلة إلى الحد الذي حال، نيفا وستة أعوام، بينها وبين انتهاج سياساتٍ تخدم مصالحها في سورية. ولا أصدّق أن الرئيس السابق، باراك أوباما، نجح في فرض سياساته الشخصية على مؤسسة بلاده العسكرية، ودهاقنة برلماني كونغرسها، وأساتذة جامعات ومراكز التفكير والبحث فيها، التي تستشار عادة قبل أي قرار، وتشارك فيه عند اتخاذه. لو كانت سياسات أميركا محكومةً بالقدر الذي يتحدث بعضنا عنه من الفشل والعجز حيال منطقةٍ هي الأهم استراتيجيا، والأغنى نفطيا وماليا في العالم، لما كانت الدولة الأعظم، ولما أمسكت، منذ قرن ونصف القرن، بمفاتيح السياسات والمصالح الدولية، وألزمت بقية العالم باحترام الأطر، التي تحدد أوضاع دوله المختلفة.

إذا كانت خطط واشنطن في سورية قد استهدفت تحويل ثورتها إلى بؤرة استقطابٍ واقتتالٍ ينخرط فيها خصومها الروس والإيرانيون، ومرتزقتهم والإرهابيون، وكانت قد حققت ما هدفت إليه، هل تكون خططها فاشلةً وسياساتها متخبطة؟. وإذا كانت قد قرّرت إطالة أمد الحرب إلى أن يتلاشى النظام العربي، ويفقد تماسكه ماديا ومعنويا، ليسهل تفكيك دوله، وإعادة تركيبها في صيغ جديدة، تنفيذاً لاستراتيجية "الفوضي الخلاقة" التي أعلنتها وزيرة خارجية بوش الابن، كوندوليزا رايس، عام 2003، وإذا كانت الحرب قد طالت بالفعل، وأدت إلى تفككٍ خطير في كيانات العرب المجتمعية والدولية في طول منطقتنا وعرضها، هل نعتبرها فاشلة، كما دأبنا على وصفها خلال عهد أوباما؟. وإذا كانت قد رسمت خطوطا حمراء ألزمت مختلف القوى بالامتناع عن لعب دورٍ يتعارض معها في سورية، وحظرت تزويد الجيش الحر بأي سلاح، يمكنه حسم الصراع من جهة، وتقييد أدوار من تورّطوا في المستنقع السوري من جهة أخرى، أين يكون فشلها وضعفها وتخبطها؟. هل تجرأ طرفٌ ما وأرسل أو أوصل صاروخا واحدا مضادا للطائرات إلى أي مقاتل من أي فصيل يحارب النظام وإيران وروسيا؟

يعترف اليوم من بيدهم القرار الأميركي في إدارة الرئيس دونالد ترامب بأن أوباما "حفر حفرة عميقة" لن يكون من السهل على من سيليه في الرئاسة الخروج منها، في كل ما يخص الشأن

"لا يتخبّط الأميركيون ولا يخادعون. إنهم ينتهجون استراتيجيات تتخطى سورية" السوري، أو إحداث تبدّل جدّي في سياسات واشنطن السورية. إذا كان هذا صحيحاً، هل نكون هنا أيضاً إزاء تخبط وفشل؟ وهل ما تقوم به العسكرتاريا الأميركية في شمال سورية والعراق، وما أقامه أوباما من علاقات تعاون مع حزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي) وقواته، وأشرف على تنفيذه في الأسابيع الأخيرة من ولايته، وأسس بواسطته قاعدة استراتيجية أميركية قوية في الشمال السوري، يسوّغ اتهامه بالفشل والتخبط وفقدان الاتجاه؟ إذا كان هدف سياسة واشنطن في شمال سورية والعراق يركز أساسا على حضور طويل الأمد يعوّضها عن فشلها في احتلال العراق، إبان عهد جورج بوش الابن، هل يكون أوباما الذي أسس هذا الحضور، وحول الصراع في سورية إلى فرصةٍ أمسك بقوة بها، أوصلت المنطقة إلى الهاوية التي تجد نفسها فيها، ونقلتها إلى طورٍ أخرج مصيرها من أيدي دولها وأبنائها، وشرع يهدّد كياناتها ويفتتها على أسس طائفية وفئوية، يعتمدها النظام الأسدي وإيران وحزب الله، وكذلك داعش وجبهة النصرة، أين يكون التخبط والضعف في سياسات البيت الأبيض الأوبامي؟.

ثمّة ثوابت لم تحد واشنطن عنها قيد أنملة، طوال فترة الصراع السوري. وقد حققت في كل واحدةٍ منها نجاحاتٍ مفصلية، يتوّجها اليوم حضور عسكري مباشر، يزداد كثافةً وديناميةً في الجغرافيا السورية، يتجاهله، على الرغم من ذلك، من يصرّون على خرافةٍ ترى أن أميركا تهمل الشأن السوري، وتتركه لروسيا، وعلى عدم الاهتمام بما يقوله جنرالاتها بشأن تصميمهم على إبقاء قواتهم عشرين إلى ثلاثين عاما في سورية والعراق، وهي فترة استبعد أن يستمر الصراع السوري الراهن خلالها.

كان من المحال لأي دولةٍ، غير أميركا، تحويل ثورة داخلية ومحلية ضد نظام استبدادي إلى

"نجحت واشنطن في قلب ثورة شعب صغير ضد نظامه إلى بؤرةٍ كونيةٍ لصراعاتٍ جرّت إليه القوى الأخرى" بؤرة تستقطب وتكثف صراعات دولية وإقليمية وعربية وسورية، لم يكن أحد غير دهاقنتها يستطيع تحقيقه وإدامته، وصولا إلى إغراق إيران وروسيا والإرهاب الدولي في لججها، وقلبها إلى نقلة نوعية على طريق اقتتال شيعي/ سني متعاظم، بدأت ترعاه بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وتخلق صراعا دولياً جديداً ضد العالم الإسلامي، عبر عنه كبار كتابها واستراتيجييها، ما لبثت أن فجّرته وأدارته باسم بلدان الشمال المتقدمة، ليس من المحتم أن تنخرط مباشرةً فيه، كي تتحكّم به وتجني منافعه بالشروط التي ستحدّدها له، وأهمها تحوله إلى فوضى دموية كالتي تعيشها سورية: الساحة الراهنة لهذه السياسة وضحيتها.

لا يتخبط الأميركيون ولا يخادعون. إنهم ينتهجون استراتيجيات تتخطى سورية، نجحت في قلب ثورة شعب صغير ضد نظامه إلى بؤرةٍ كونيةٍ لصراعاتٍ جرّت إليه القوى الأخرى. إذا كان هذا هو الفشل، فكيف يكون النجاح؟. وكيف نخرج من محرقةٍ نجد أنفسنا فيها، لن نتخطّاها إطلاقا إذا ما واصلنا التجاهل بعد الصراع، الكوني ومتعدّد المستويات والجوانب، الدائر في بلادنا، ولا دور لنا فيه غير فشلنا في تخطّي متاهات غيابنا عن وعيه، في حين تخترق خيوطه منذ نيف وستة أعوام العالم كله، بقوةٍ لا مثيل لها، سنبقى ضحاياها ما دمنا عاجزين عن تخطي أوضاعنا الراهنة؟.

========================

انفجارات سورية محتملة .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الاثنين 17/7/2017

قد يكون من باب التكرار الممل للبعض، القيام بجردة لما أصاب السوريين من خسائر وآثار، وما لحقهم من كوارث في السنوات السبع الماضية، والتي عاشوا فيها ظروفاً وشروطاً شديدة الاستثنائية، خلقتها سياسة نظام الأسد، وتفاعلت معها سياسات محلية وإقليمية، أدت بالنتيجة إلى وصول السوريين إلى عمق كارثة، سوف يستغرق العالم وقتاً طويلاً لجمع تفاصيل، وقراءة نتائجها، ثم الوصول إلى تقييم ما حصل، ومعالجة آثاره في المستويات المختلفة، ليس في حياة السوريين وحدهم، إنما في محيط واسع من جوارهم في عالم لم يعد سوى "قرية كبيرة".

غير أنه وفي انتظار ذلك الجهد الكبير الذي سيبذل، وما يمكن أن يتمخض عنه من نتائج، لا بد من مقاربة لخلاصات ما حصل ويحصل في سوريا، وهذا لا يتجاوز خطأ فكرة التكرار الممل فقط، إنما يبين اتجاهات تطور الأوضاع السورية، ومآلاتها المحتملة.

إن الظاهر الأبرز فيما أصاب السوريين في السنوات السبع الماضية، جاء نتيجة سياسة النظام الدموية، والتي شارك فيها الإيرانيون وميليشياتهم والروس، وتمخضت عن قتل وجرح واعتقال وتشريد ملايين داخل سوريا وخارجها، وترافق معها تدمير واسع للممتلكات الخاصة أو استيلاء عليها، وكلاهما أمر لم تسلم منه الممتلكات العامة.

وساهمت عوامل متعددة في انتقال سياسة النظام الدموية إلى أطراف أخرى في معادلة الصراع. وكان الأقرب إلى تلك الممارسة جماعات التطرف والإرهاب لا سيما "داعش" و"النصرة" والأقرب إليهما من تنظيمات مسلحة رفعت شعارات "إسلامية"، ذهبت إلى ممارسة القتل والاعتقال والتهجير وتدمير الممتلكات والاستيلاء عليها.

وفي خلفية ما أصاب السوريين في السنوات الماضية، توسع ظاهرة التشبيح. ولأن الظاهرة كانت صفة لأهل النظام، وأحد مظاهر الحياة في مناطق سيطرته، فقد انتقلت إلى المناطق الخارجة عن سيطرته، وفي هذا لم يكن ثمة فارق كبير بين التشبيح في مناطق النظام أو مناطق سيطرة قوى التطرف والإرهاب، وفي مناطق سيطرة التشكيلات المسلحة المعتدلة، وفيها جميعاً، ولدت ظاهرة التشبيح عصابات إجرامية وأمراء حرب، صار لهم تأثير كارثي في حياة السوريين.

كما أن في خلفية ما أصاب السوريين، استمرار ظاهرة الفساد، وتصاعدها على نحو غير مسبوق باعتبار الفاسدين جزءاً من آليات السيطرة والضبط في مناطق سيطرة النظام وخارجها، وتحول جزء من الفاسدين إلى مافيات، يمتد نفوذها ومصالحها في سوريا وعبر حدودها إلى دول الجوار والأبعد منها، وليست ظاهرة تهريب السوريين إلا تعبيراً واضحاً عن وحدة تلك المافيا ونفوذها.

ولم تسلم بلدان اللجوء من ظواهر سلبية على حياة السوريين فيها؛ فإلى جانب السياسات الرسمية المقنعة بالظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية باعتبارها سبباً في منع وتقييد وصول السوريين إلى تلك البلدان، وفي تفسير سوء وتردي الممارسة حيال اللاجئين والتقصير في تلبية الاحتياجات الأساسية للاجئين، فتمت عمليات التضييق عليهم وحشرهم في مناطق وظروف تتعارض مع متطلبات العيش والاجتماع الإنساني البسيط، وشيوع سرقة وتبذير الموارد المحدودة المخصصة لهم من الدول والمنظمات الإنسانية المانحة، وفي ظل هذه السياسة، تقارب البؤس الذي يصيب السوريين في بلدان اللجوء مع ما يصيب أقرانهم من المقيمين في سوريا، ولعل الأقرب مثالاً في هذا المجال حالة السوريين في لبنان الذي يضيق على اللاجئين في دخولهم وإقامتهم وفي حركتهم، ومحدودية تلبية احتياجاتهم للغذاء والسكن والصحة والتعليم والعمل، وتقوم بعض قواته وميليشيات طائفية باقتحام مخيمات اللجوء، وتجرح وتعتقل، وتقتل معتقلين تحت التعذيب، وتدمر المخيمات على رؤوس سكانها، وتسعى إلى ترحيل السكان بما يخدم سياسات نظام الأسد.

ورغم أهمية ما يظهر من مآسٍ ومشكلات تصيب السوريين في حياتهم، فإن الأهم مما سبق، يبدو في الظروف السياسية، التي تحيط بمستقبل السوريين، وهي ظروف محاطة بتناقضات، تدفع القطاعات الأوسع من السوريين نحو الإحباط واليأس. وإذا كان مسار نظام الأسد وحلفائه، يعمل على استعادة القبضة الحديدية على سوريا والسوريين بكل الوسائل الممكنة، فإن المسار الآخر، لا يطرح خياراً مختلفاً في نتائجه، خاصة في ظل ما يبدو من طروحات حل سوري يقبل ببقاء الأسد ونظامه، مما يعني أن ترديات الحياة السورية مستمرة، وأنه لا أفق لمعالجة أي منها، خاصة في ظل نظام يعرف العالم كله أن لا حدود لوحشيته ودمويته وفساده، وإصراره على الاستمرار في ذات الطريق ولو بتعديلات شكلية طفيفة.

لقد أدت سياسات نظام الأسد في عهدي الأب والابن إلى خروج السوريين ثائرين عليه في مارس (آذار) من العام 2011 مطالبين بالحرية والتغيير نحو مستقبل أفضل، وقاد قمع النظام الدموي إلى ولادة تشكيلات مسلحة لمواجهة دمويته وإجرامه، وفتحت بوابات الصراع الدموي في سوريا الباب أمام مجيء قيادات وعناصر التنظيمات الإرهابية المتطرفة إلى سوريا، وانضمام سوريين إليها. ووسط تردي وتدهور الأداء في السياسة الدولية حول القضية السورية، اتسعت الكارثة السورية وتشعبت تفاعلاتها، مما يعني تصاعد احتمالات الانفجارات السورية. ولأن السوريين، لم يعودوا كما في السابق ضمن بلد واحد وفي ظل ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية واحدة، فإن احتمالات انفجاراتهم ستكون مختلفة... وهذا ينبغي أن يشكل دافعاً للعالم من أجل البحث عن سياق آخر لمعالجة القضية السورية، بدل الاستمرار في الطريق الحالي الذي لن يقود إلا إلى انفجارات وكوارث في أكثر من مكان.

========================

الأسد براغماتياً ديمقراطياً.. وحداثياً .. غازي دحمان

العربي الجديد

الاحد 16/7/2017

ما زال بعضهم يصّر على العزف خارج السرب الدولي، مستغرباً سبب قبول زعماء العالم الغربي بقاء رأس النظام السوري في السلطة، مدّعمين استغرابهم بأن بشار الأسد أكبر قاتل في العصر الحديث، وهذا سبب كاف لأن ينبذه زعماء العالم الحر، لا أن يتحسّر زعيم ليبرالي عولمي بوزن الرئيس الفرنسي، إمانويل ماكرون، على إغلاق سفارة بلاده في دمشق سبع سنوات، وانقطاع التواصل مع نظام الأسد وأجهزته.

يعرف الغرب تماما من قتل وبأي سلاح فعل، لديهم تقنيات تكنولوجية، تتيح لهم رصد كل مكالمة وكل أمر عسكري، وينتشر عملاؤهم وعيونهم في كل مكان، يعرفون أكثر مما نعرف، نحن أهل البلاد، ما يجري في حوارينا وأزقتنا، ولكن ليس من مهامهم إعلان موقف من القاتل.

عندهم أن بشار الأسد ليس خطرا على الخارج، قالها ماكرون، وقبله ردّد وزير خارجية روسيا هذه المعزوفة على أسماع نظرائه الغربيين، قبله كان عبد الفتاح السيسي يقتل أول تجربة ديمقراطية في تاريخ الدولة المصرية الحديثة، ويجتث بيئتها الحاضنة، وكأنه يعيش في عالمٍ لا رقيب فيه، ومع ذلك جرى دعمه وتكريمه.

عندهم أيضاً أن كل ما يفعله الأسد خيرٌ صاف، الرجل أجرى هندسة اجتماعية بالسكين لموازنة الأكثرية بالأقليات، وضمن بقاء الأقلية وسيطرتها مدى زمنيا طويلا، أنقذ البلد من موجة الإسلاموية إلى مائة سنة مقبلة، رحّل إلى أوروبا عمالة تحتاجها بإلحاح في الوقت الراهن، ثمّة مهنٌ كثيرةٌ ضرورية لمجتمعات أوروبا عافها الأوروبيون، إما لقلة مردوديتها أو لصعوبة العمل بها، دعك من صراخات بعض الشعبويين هؤلاء، ليسوا على إطلاع بالمعطيات، ولا يعرفون المخططات.

أثبت الأسد قدرة هائلة على إدارة مساكنة دولية على أرض سورية، فقد أرضى جميع

"لم يُجبر الأسد أحداً على القتال معه، من فعل ذلك فعله لأسبابه الخاصة" الأطراف، دولاً وجماعات وأحزابا، واستطاع منحهم ما يكفيهم من حصص وقواعد وممرات ومطارات. وشعر الكل معه بأنه أعظم من في العالم وأقوى من في الإقليم، وزَع عليهم ثروات سورية مثلما يشتهون ويحبّون، وفاض كرمه الذي تجاوز كرم حاتم الطائي الذي وقف عند ذبح حصانه للضيف، بأن منح صديقه فلاديمير بوتين سماء مفتوحة، وأرضاً عامرة باللحم الحي، ليجرّب عليها الأخير أسلحته، ويصنع دعايةً لمنتجاته القاتلة أمام الزبون وعلى الهواء مباشرة.

أثبت بشار الأسد أن الجغرافيا السورية رحبة، وتتسع لأشياء كثيرة، ولا تضيق إلا على السوري وحده، لا لشيءٍ سوى أنه لا يعرف استخدام المساحات بغير زراعة القمح ورعاية مواشيه، وملاعب لأولاده، فيما اكتشف الأسد أنها في عصر الصراعات الإستراتيجية وزمن العولمة وصراعات خطوط النفط والغاز ومشاريع طرق الحرير والسلام، تساوي أكثر من ذلك بكثير، وأثبت أن كل شيءٍ مسموح في جغرافية سورية، ووحدها حرية الشعب السوري الممنوعة، ليس من قلة حداثةٍ يفتقر لها الرجل، بل لأن حرية الجهلة جالبة للإرهاب، ومهدّدة وحدة التراب.

هل من قائل إن الأسد قاتل؟ نعم لكنه قتلٌ وظيفيٌّ هدفه تحديث الشعب، فالتحديث، في آخر نسخه، بات يعتمد القتل أداةً لإنجاز هذه المهمة، لم تعد مهمة الحاكم طرح أفكار ومشاريع تحديثية وصياغتها، ما دامت الأفكار ملقاةً على قارعة العالم بعد قرون من دخول الحداثة بوابة العالم، وتغلغلها في جنباته، خصوصا وأن الغرب علق في أزمة التحديث، إذ ليس شرطا أن تأتي عمليات التغيير السياسي بالتحديث الذي يتطابق مع الاغتراب أو التغرب، كما أن الديمقراطية يمكنها إيصال أشخاص إلى السلطة على تصادم مع الغرب، في حين أن قائمة الديكتاتوريين العرب، وإن كانت تمنع الديمقراطية، إلا أنها تطبق روشتية الغرب في التحديث والعولمة ونمط الحياة الغربي وسواها، ولا تستغربوا اقتران الحداثة بالقتل، الغرب نفسه كان قد دشّن حداثة اليابان بمذابح ناغازاكي وهيروشيما.

الأكثر من ذلك أن الأسد يمزج بين الحداثة والديمقراطية، فهو لم يجبر أحدا على الثورة ضده. استلم الرجل السلطة بالوراثة، وسمح للشعب بتجديد البيعة له كل سبع سنين، كما أنه لم يُجبر

"هل من قائل إن الأسد قاتل؟ نعم لكنه قتلٌ وظيفيٌّ هدفه تحديث الشعب" أحدا على القتال معه، من فعل ذلك فعله لأسبابه الخاصة، كان ديمقراطياً إلى أبعد الحدود، وغداً عندما تبرد الجراح، وينظر كلٌّ إلى الحدث من زاويته الخاصة، سيكتشف السوريون حجم إنجازات الأسد. كان الوصول إلى أوروبا وأميركا حلما لدى السوريين، لا يناله إلا أصحاب الثروات والمشاهير، وها هم السوريون يتجولون في أوروبا مثلما يتجولون في حواري مدنهم، حتى سكان المخيمات أغلبهم من أبناء الأرياف الذين ملّوا من رتابة الريف، وقيوده الاجتماعية وسنوات الجفاف القاهرة، وها هم اليوم يعيشون في المخيمات حياة المدن النشطة، وينعمون بالمساعدات الدولية، من دون انتظار السماء أمطرت أم لم تمطر، وحتى الموالون سيكتشفون أنهم تخلصوا من الزعران في قراهم ومدنهم، وحصلوا عوضاً عنهم على ساعاتٍ تزين حيطان بيوتهم.

كيف يفرّط العالم برئيسٍ كهذا، أدار كل هذه التوازنات، وحقق كل تلك النتائج المبهرة في زمنٍ ترتبك دول عظمى في إدارة صراعاتها على مساحةٍ صغيرة في بحر اليابان والمتجمد الشمالي، وتتهافت شعوبها على فرصة عملٍ تحسّن بها أوضاعها. فقط ممنوع على بشار استخدام الكيميائي، ونوع محدّد منه، وبالأصل لم يعد الرجل بحاجة لهذا النوع من السلاح. وباعتراف الأمم المتحدة، سبق أن استخدمه مائة وخمسين مرّة قبل ذلك، ما يعني أنه لو كان لعبة بلاي ستيشن تلك التي يعشقها الأسد أكثر شيء، لكان قد عافها وانتهى منها هذا الحداثي الديمقراطي.. والوسيم.

========================

لحظة سورية فارقة .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 15/7/2017

هل يمثل الاتفاق الروسي/ الأميركي بشأن المناطق مخفضة التصعيد في محافظات درعا والقنيطرة والسويداء خطوةً نحو تسوية الصراع الدولي والإقليمي في سورية، أم هو جزء من الاحتجاز الدولي القائم منذ ستة أعوام في سورية؟ للجواب على السؤال، علينا ملاحظة التالي:

ـ الاتفاق هو الأول بين الدولتين، لا يشاركهما فيه أحد ولا ينضوي في مساري جنيف وأستانة، فإن تلته خطوات أخرى، كما هو متوقع، كرّس مساراً جديداً، ستتولى واشنطن وموسكو تحريكه، لمصلحتهما حصراً.

ـ بينما رسم الاتفاق خطاً أحمر لإيران بموافقة روسيا في جنوب سورية، وضعت أميركا خطاً أحمر لتركيا شمالها، في تفاهمٍ بين العملاقين على تقليص قدرة الدولتين المعنيتين على تعطيل توافقهما.

ـ خلو الاتفاق من أي دور للنظام والمعارضة، ومن دور عربي، في سياق انفراد الدولتين بما ستقومان به من خطواتٍ، وتحييد الأطراف الأخرى. إذا كان الأردن قد استثني من الاستبعاد، فبسبب مجاورته المنطقة، والحاجة إلى جيشه المدرب الذي سيراقب تنفيذ الاتفاق، ومساحات شاسعة جنوب سورية وشرقها.

ـ أنجز الاتفاق بعد تشكل كيانين، هما الأسدي الذي تنقذه روسيا من الانهيار، وقرارها حاسم فيه، والكردي الذي تدعمه واشنطن، وقرارها مصيري بالنسبة إليه، بينما يجسّد الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية حالة فراغ وطني، لافتقاره إلى اعتراف داخلي فاعل به، وإلى علاقاتٍ دولية وإقليمية، كعلاقات الأسد بروسيا والكرد بأميركا، والتراجع الخطير في مكانته، وفشله في إقامة أوضاع ذاتية تقنع الدولتين الكبيرتين، بالتفاهم على تطبيق وثيقة جنيف وقرارات مجلس الأمن حول الحل السوري. من هنا أهمية الاتفاق على الجنوب، باعتباره أول خطوة مشتركة يقومان بها، غرضها إخراجه من الحرب إلى تهدئة مؤطرة في مشروع سياسي متفق على أسسه بينهما.

ـ منح الاتفاق مناطق خفض التصعيد ضرباً من استقلالية عبر فصلها بقوات أميركية/ روسية / أردنية عن النظام ومرتزقة إيران من جهة، وتمكينها من إدارة شؤونها بواسطة مجالس منتخبة ديمقراطياً، ستديرها بوصفها مناطق خاضعة للمعارضة، تعترف بها الدولتان، ستعالج في مرحلة تالية مشكلات سورية بالتعاون مع النظام. تفرض هذه الحقيقة على "الائتلاف" العمل لإقناع الشعب بانتخاب مجالس وطنية/ ديمقراطية تكون مستقلة، وتتبنّى مشروع الثورة الذي يطالب بالديمقراطية بديلاً وحيداً للأسدية، فإن توحدت وخضعت لقيادة مشتركة، غدت نواة سلطة ديمقراطية لكيانٍ ثالث، وطني ومعارض، مرجعيتها "الائتلاف" الذي يجب الإسراع إلى إصلاح أوضاعه، ليكون قادراً على مواجهة ما سيعترضها من صعوباتٍ كبيرة ومتنوعة. هل يبدأ "الائتلاف" بتركيز جهوده على خطط عملية، تهدف إلى إيصال وطنيين إلى المجالس، يوحّدهم برنامج سياسي مشترك يوضع لها، تصير معه جهة وطنية فاعلة تسهم، من موقع طليعي، بتمثيل شعبٍ قرّر التخلص من الأسد ونيل الحرية.

ـ بهذه المعاني، يمثل الاتفاق خطوة مهمة، سيقضي الوقوف ضدها على "الائتلاف" ممثلاً معترفاً به للسوريين. ولو كان صاحبا الاتفاق عازميْن علي تقسيم سورية، لما كان باستطاعة أحد إرغامهما على إقامة مجالس ديمقراطية منتخبة، هي سلطة موازية للأسد، بديله له في مناطقها.

أجيب الآن على سؤال البداية: نعم، سيخدم الاتفاق شعبنا السوري، إن تم التعامل معه فرصة جدية، لا شيء يمنعنا من دفعها في الاتجاه الذي نريده سياسياً اليوم، وتفاوضياً غداً، إلا إذا تمسّكنا بأوهامنا حول انتصارٍ صار في متناول أيدينا، وقدرتنا على تحقيق أهدافنا عبر خطوة واحدةٍ حاسمة، وتركنا المجالس للمذهبيين الذين دمروا الثورة لصالح النظام، وبدأت عناصرهم بالتشبيح في الجنوب، حيث قرّرت فرض "رسوم جمركية" على شاحنات نقل الخضار من حوران إلى دمشق، وعندما اعترض السائقون عليها، قيل لهم: "عم تدفعوا هونيك وبدكن تدفعوا هون، إذا بدكم تمروا".

بالمجالس الديمقراطية الموحدة، وبانتهاج خط وطني يخدم مصالح جميع السوريين أينما كانوا، سيكون الاتفاق مكسباً للثورة، والمدخل إلى حلٍّ يوقف إبادة شعبنا، ويأخذه تدريجياً، وخطوةً بعد أخرى، إلى الحرية. أما في حال أهمل "الائتلاف" وأطراف العمل الوطني هذه الفرصة، كما فوّتوا غيرها، وبقوا غارقين في النق وبكائيات الرفض، فإن ما ينتطرنا لن يكون فقط تقسيم وطننا الذي تمنعنا أوضاعنا الراهنة من المشاركة في تقرير مصيره، بل زواله من الوجود. عندئذٍ، سيكون الجواب: ليس اتفاق الجنوب، ولن يكون أي اتفاق آخر، لصالحنا، لأننا لا نستحق وطناً نواصل نحره بأيدينا، ونتهم غيرنا بقتله.

========================

لماذا حافظت إسرائيل على الدولة السورية؟ .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 15/7/2017

لا شك أن الطواغيت العرب وخاصة الذين صنعوا الدولة على مقاسهم، وسموها بأسمائهم أحياناً كسوريا الأسد مثلاً، ربطوا الدولة كلها بمصير الرئيس والنظام، بحيث إذا انهار النظام يجب أن تنهار معه الدولة كلها، لأن الطاغية العربي يعمل على طريقة لويس الرابع عشر الذي قال يوماً: "أنا الدولة والدولة أنا". إما أن يحكم حتى ينتقل من القصر إلى القبر أو أنه إذا اضطر إلى التخلي عن الحكم تحت ظروف معينة فلا بد من الانتقام من الدولة والشعب معاً بتدمير كل مؤسسات الدولة ومقوماتها كما فعل بشار الأسد في سوريا والقذافي في ليبيا وعلي عبدالله صالح في اليمن. وقد لاحظنا في سوريا مثلاً أن النظام أوعز لشبيحته ومؤيديه أن يكتبوا على جدران سوريا شعارهم الفاشي الشهير: "الأسد أو نحرق البلد" ليقولوا للسوريين إما أن تقبلوا بحكم الأسد أو أننا نحرق سوريا الدولة والوطن، لا بل نقوم بتهجير الشعب أيضاً. وهذا ما فعلوه عملياً، فقد دمروا أكثر من نصف البلد، وشردوا أكثر من نصف الشعب، وحطموا غالبية البنية التحتية للبلاد بالقصف الممنهج وخاصة عبر البراميل المتفجرة التي لم يشهد لها التاريخ مثيلاً ولا حتى على أيدي النازية والفاشية.

لقد قالها جنرالات سوريون كبار مرات ومرات إنهم لو وجدوا أنفسهم محاصرين داخل دمشق، فسيحرقون العاصمة عن بكرة أبيها. لكن هناك قوى دولية وإقليمية لا يمكن أن تسمح بسقوط الدولة السورية، ليس من أجل عيون السوريين والحفاظ على دولتهم أو ما تبقى منها، بل لأنه ليس من مصلحة قوى إقليمية ودولية كثيرة القضاء على الدولة السورية، فسوريا ليست ليبيا ولا اليمن البعيد عن إسرائيل، بل إن أمن إسرائيل مرتبط ارتباطاً وثيقاً ببقاء الدولة في الدول المجاورة وخاصة في سوريا. ولوعدنا إلى الوراء سنوات وتابعنا التصريحات الأمريكية تحديداً، لوجدنا أن كبار الاستراتيجيين والمسؤولين الأمريكيين أكدوا مرات ومرات بأنهم لن يسمحوا بسقوط الدولة ولا النظام في سوريا، لكن ليس لأنهم يحبون الشعب السوري ولا يريدونه أن يخسر دولته التي بناها على مدى عقود، بل لأن لا إسرائيل ولا أمريكا يمكن أن تسمح بوجود أفغانستان أو صومال أو ليبيا أخرى على حدود إسرائيل. بعبارة أخرى، فإن الدولة السورية ضرورة وجودية بالنسبة لإسرائيل قبل أن تكون ضرورة للسوريين أو الروس. وقد قالها رامي مخلوف الواجهة الاقتصادية لبشار الأسد في الأسابيع الأولى من الثورة عندما ذكّر إسرائيل بالاتفاق السري بينها وبين نظام الأسد، بأن أمن إسرائيل من أمن النظام. وقد كان مخلوف وقتها صريحاً إلى حد الفضيحة.

ورغم كل ما حصل في سوريا من دمار وخراب إلا أن الأمريكيين والروس والإسرائيليين عملوا المستحيل كي لا تنهار الدولة السورية.

لكن رب ضارة نافعة للسوريين بعد أن شاهدوا ما حل بالبلدان التي سقطت فيها الدولة كأفغانستان والصومال وليبيا. لا شك أن المصلحة الإسرائيلية والأمريكية بالحفاظ على الدولة السورية صب في نهاية المطاف في مصلحة الشعب السوري تحديداً، خاصة وأن فصائل المعارضة والجماعات التي تقاتل النظام لا تقل قذارة عن النظام في معاداة الدولة واستهدافها، فكما عمل النظام على تدمير البلد، لم تقصّر فصائل المعارضة في استهداف البنية التحتية ولا حتى البنى الحيوية والاستراتيجية في البلد بحجة إيذاء النظام، مع العلم أن المعارض الوطني يعلم علم اليقين أن الدولة شيء والنظام شيء آخر تماماً، حتى لو حاول النظام أن يربط الدولة بالنظام والحاكم كما فعل النظام السوري عندما أطلق اسم "سوريا الأسد" على سوريا. صحيح أن الدولة السورية ارتبطت منذ عام السبعين بنظام البعث الأسدي، لكن هذا لا يعني أن الدولة السورية صناعة أسدية بعثية، بل هي صناعة سورية وطنية ساهم في بنائها العديد من السوريين العظماء والوطنيين كفارس الخوري وأمثاله من السوريين الشرفاء. بعبارة أخرى، لقد فشل الكثير من المعارضين في التمييز بين الثابت والمتحول، فاستهدفوا الدولة على أنها هي والنظام صنوان، دون أن يعلموا أن النظام متحول والدولة ثابتة بغض النظر من يحكمها. لا بأس أن يستهدفوا النظام وينتقموا منه على اعتبار أنه مجرد عصابة اغتصبت الدولة، لكن من الخطأ الاستراتيجي أن يستهدفوا الدولة على اعتبار أنها هي والنظام شيء واحد، حتى لو بدت ذلك ظاهرياً. ولا شك أن بعض المغرضين من المعارضين تحجج باستهداف النظام كي يؤذي الدولة، فكان يبرر هجومه على مرافق الدولة ومؤسساتها مدعياً أنها أداة في يد النظام.

بكل الأحوال الآن وبعد أن شاهد السوريون ما حل بالبلدان التي سقطت فيها الدولة وتفكك جيشها، عليهم أن يحمدوا ربهم أن الدولة السورية رغم كل الخراب والتدمير الذي لحق بها إلا أنها مازالت موجودة وقابلة للترميم والإصلاح، خاصة وأن قوى المعارضة لم تقدم نموذجاً أفضل من الدولة التعيسة في سوريا. لقد تصرف معظم الفصائل في سوريا في الشمال والجنوب والوسط والشرق والغرب بعقلية العصابات والإقطاعيات والإمارات. وهل ثار السوريون أصلاً على النظام الفاشي ليقسموا بلدهم إلى إمارات ومقاطعات وغنائم بين الفصائل التي تدعي معارضة النظام؟ بالطبع لا. لقد لاحظنا كيف كان كل فصيل يتعامل مع المنطقة التي يسيطر عليها بعقلية العصابة أو الإمارة في أحسن الأحوال على اعتبار أنها غنيمة حرب. وقد شاهدنا أيضاً التناحر الكبير بين تلك الفصائل التي كانت تتنافس على الغنائم دون أي اهتمام ببناء دولة جديدة على أساس المواطنة والكرامة والحرية، أو تقديم نموذج أفضل من نموذج النظام. ولو كان السوريون قد وجدوا خياراً ثالثاً أقرب إلى دولة المواطنة الحديثة فلا شك أنهم كانوا سيركلون ما تبقى من الدولة السورية إلى مزبلة التاريح، لكنهم وجدوا أنفسهم بين بقايا دولة ولا دولة، فاختاروا بقايا الدولة على اللادولة. كم هم سخفاء أولئك الذين يقولون إن الجيش السوري والنظام حافظا على الدولة السورية! لا أبداً، فلو كان الأمر عائداً للنظام وفصائل المعارضة لما تركوا حجراً على حجر في الدولة السورية. وسيذكر التاريخ أن الذي منع سقوط الدولة السورية ليس النظام ولا جيش النظام ولا حتى حلفاء النظام، فالروس تدخلوا في سوريا بضوء أخضر إسرائيلي وأمريكي. ولو كانت سوريا بعيدة عن إسرائيل لسقطت الدولة منذ الشهر الأول. لكن قرب سوريا من اسرائيل منع سقوط الدولة بأمر اسرائيلي، مع الاعتراف طبعاً أن النوع الوحيد من "الدول" الذي يمكن أن تسمح به إسرائيل على حدودها هو نظام القمع والمخابرات والتشبيح ، فهذا النوع من الدول والانظمة هو الذي يحميها من الشعوب منذ نصف قرن.

كاتب واعلامي سوري

========================

آذار وبحار الدم - الحلقة (17) .. دستور حزب البعث يقول: (السيادة هي ملك الشعب وأنه وحده مصدر كل سلطة وقيادة) .. محمد فاروق الإمام

جاءت هذه الفقرة صريحة واضحة وبصورة رسمية في مبادئ الحزب الأساسية التي يضمها (الدستور) حين يعلن أن (السيادة هي ملك الشعب وانه وحده مصدر كل سلطة وقيادة) وأن نظام الحكم (هو نظام نيابي دستوري.. والسلطة التنفيذية مسؤولة أمام السلطة التشريعية التي ينتخبها الشعب مباشرة).. (والسلطة القضائية مصونة ومستقلة عن أية سلطة أخرى وتتمتع بحصانة مطلقة). وهذا يعني أن فصل السلطات:

(السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والسلطة القضائية.. مبدأ أساسي وقاعدة تبنى عليها ديمقراطية البعث. كما أن الحزب سيعمل على وضع دستور للدولة العربية يكفل.. للمواطنين العرب المساواة المطلقة أمام القانون والتعبير بملء الحرية عن إرادتهم واختيار ممثليهم اختياراً صادقاً..).

وفي عام 1950م.. عندما كانت المعركة على أشدها في سورية حول قضية الديمقراطية البرلمانية والحكم الفردي.. اتخذ الحزب موقفاً صلباً وقوياً ضد أية فكرة تنسب مسؤولية التأخير وسوء الأوضاع السياسية في العالم العربي إلى النظام الديمقراطي البرلماني. وكان يرى البعثيون في ذلك الحين أن البلاد العربية.. بما في ذلك سورية.. لن تعرف في الواقع من الديمقراطية ومن النظام الدستوري سوى النواحي السيئة. لهذا فإن هذا (التشويه).. مع خطورته.. يجب أن لا يسيء إلى مبدأ الديمقراطية نفسها.

وكمثل على ذلك فإن البعثيين كانوا ينظرون إلى كيفية تطبيق النظام البرلماني في البلاد الغربية.. الذي هو نتيجة -برأيهم- للمشاركة الفعلية للشعب في الحياة السياسية.. في حين أن النظام النيابي الدستوري في سورية قد أفرغ من محتواه الديمقراطي الحقيقي. وهكذا.. فإن الحزب طوال تلك الفترة كان يقود الحركة التي تدافع عن الديمقراطية النيابية.. ويرفض رفضاً قاطعاً أي شكل من أشكال النظام الدكتاتوري والحكم الفردي.

في الحقيقة، هذا الاتجاه العام والرسمي لحركة البعث، فيما يتعلق بتبني مفهوم الديمقراطية البرلمانية، قد خضع لبعض التحولات إثر وصول بعض الأحزاب أو العسكريين إلى قمة السلطة في بعض البلدان العربية والنامية فقد ابتدأ الحزب في توجيه الانتقادات للنظام الديمقراطي البرلماني وأخذ يميل إلى تأييد ما كان يسمى بـ(الديمقراطية الموجهة).

غير أن هذا المفهوم الجديد، لم يوضح أبداً، ولم يضع البعثيون مفهوماً محدداً وملموساً للديمقراطية السياسية، كما أنهم لم يوضحوا المحتوى الاجتماعي لمسألة الحرية. لهذا فعندما قامت الوحدة في عام 1958م بين سورية ومصر، لم يكن لحزب البعث فكرة واضحة عن الأسس ولا الشكل السياسي للنظام الديمقراطي الذي يجب أن تبنى عليه هذه الوحدة.

وقد حاول (التقرير العقائدي) الذي أقر في المؤتمر القومي السادس، أن يضع الخطوط العامة العريضة لمفهوم الديمقراطية المسمى بالشعبية، إذ يرى أن الديمقراطية البرلمانية على النمط البرجوازي والتي نقلتها الدول العربية عن الدول الغربية، بقيت ديمقراطية شكلية مقطوعة من جذورها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

لهذا فإن البرلمانية في مظاهرها الأساسية كانت مرآة للواقع المتخلف، شبه (القبلي) وشبه (الإقطاعي). فإخفاق البرلمانية إذن لا يتأتى من تطبيقها السيئ، بقدر ما هو يعبر عن الحقيقة الموضوعية خاصة. وهكذا فإن ظاهرة الانقلابات العسكرية أصبحت الوجه الآخر للديمقراطية البرلمانية الغربية في كثير من البلاد العربية.

ولا يمكن لهذا المفهوم للديمقراطية، (برأي التقرير العقائدي)، من أن يأخذ أبعاده الواسعة وفعاليته في التطبيق، إلا إذا اعتمد على تنظيم جماهيري وهذا التنظيم السياسي الطليعي يجب أن يقوم على مبدأين رئيسيين: المركزية الديمقراطية والقيادة الجماعية. وحزب البعث هو المهيأ أن يلعب دور المحرك لهذه الجماهير الشعبية.

وإذا كانت القوى السياسية التقدمية يجب أن لا تزول من حيث المبدأ، إلا أنها ملزمة على أن تكون تحت قيادة حزب واحد، وهو (دون أن يسمي حزب البعث) ضمن جبهة عريضة من خلالها يمكنها أن تمارس نشاطاتها السياسية. من أجل ذلك فإن المؤتمر القومي السادس يعتمد لأول مرة مبدأ (الحزب القائد) الذي يملك السلطة المركزية الدائمة في حكم البعث.

منيف الرزاز عضو القيادة القومية المنتخبة في هذا المؤتمر والأمين العام الثاني للبعث بعد ميشيل عفلق يتخذ موقفاً متناقضاً كلياً لهذه الخطوة العامة التي أقرها المؤتمر القومي السادس، ويتوسع في توضيح المفهوم القديم للديمقراطية البرلمانية للبعث في كتابه (الحرية..) حيث يعتبر الصفة الأولى والأساسية للديمقراطية تكمن في حرية التعبير السياسية والتمثيل الانتخابي للشعب حسب الأعراف البرلمانية المعروفة. (فلا مجال لحرية تعبير في حكم غير ديمقراطي، كما أن لا مجال لحكم ديمقراطي مع فقدان حرية التعبير).. (بل لقد أصبح مقياس الحرية المادي إنما يعتمد على وجود النظام النيابي).. (وأن بلداً محروماً من التمثيل النيابي بلد لا يمكن أن يقال إنه يتمتع بالحرية). والرزاز في سياق دفاعه عن حرية تأليف الأحزاب السياسية، يؤكد أن تعدد الأحزاب، إذا كان يعكس تناقضات موجودة في المجتمع، فهو يعبر أيضاً عن (حيوية الأمة). وهو يضيف: (أن حرية التكتل في أحزاب سياسية أساس من أسس الحرية السياسية الحديثة، لا وجود لها من دونها. وكبت هذه الحرية بإلغاء الأحزاب أو إلغاء تعدد الأحزاب لا يمكن أن يعني إلا وقف الحريات السياسية للشعب وللمواطنين وحصر الحياة السياسية في الحكم أو مجموعة الحكام).. (ولا يمكن لحياة سياسية أن تقوم في أي قطر من غير أن تتمثل هذه الحياة السياسية في أحزاب قائمة. وإذا انعدمت الحياة الحزبية فقد انعدمت مشاركة الشعب في رسم مصيره السياسي). من أجل ذلك يقف موقفاً عنيفاً ضد مبدأ (الحزب الواحد)، لأن (حكم الحزب الواحد لا يمكن أن يكون حكماً ديمقراطياً بطبيعته.. إنه تعبير عن حكم كتسلط بجهاز شعبي). وبكلمة واحدة، إن عدم وجود أحزاب سياسية متعددة في حكم ما، إنما (هو إلغاء تام للحياة السياسية للمواطنين وإحلال الدولة محل الشعب).

يتبع

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com