العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 23-05-2021


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

بين نتنياهو والأسد

 بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 20/5/2021

لم يكن نتنياهو في حاجة إلى صواريخ حماس ليعلن الحرب على الفلسطينيين. فالحرب قائمة أصلاً منذ نشوء الكيان الإسرائيلي كدولة احتلال استيطاني تفرغ الأرض من سكانها لتطابق الشعار الصهيوني «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض». ولم تكن صواريخ حماس قد بدأت باختراق «القبة الحديدية» الإسرائيلية، فتصيب أهدافاً في عمق الأراضي المحتلة منذ العام 1948، حين شجع نتنياهو، المأزوم سياسياً، حركة استيلاء مستوطنين على بيوت فلسطينيين في حي الشيخ جراح في القدس المحتلة، مشعلاً بذلك الفتيل الأول للحريق الكبير الذي سيتبعه. بل قد يمكن القول إنه، بذلك، قام باستدراج صواريخ حماس ليشن على قطاع غزة حربه المعدة سلفاً التي كان يهدد بها كل حين وحين في السنوات الماضية. ربما من هذا المنظور يمكن تفهم بعض اللوم الموجه لحركة حماس على وقوعها في فخ الاستدراج المذكور.

ولم يكن بشار الأسد في حاجة لظهور السلاح بين أيدي سوريين، بعد أشهر على بداية الثورة الشعبية السلمية في آذار 2011، ليشن حربه على سوريا والسوريين. فالحرب الأسدية على سوريا بدأت منذ العام 1980 على أقرب تقدير، حين ارتكبت قوات أبيه مجازر حماة وتدمر وجسر الشغور وحلب وغيرها، وزجت بعشرات الآلاف في السجون والمعتقلات الرهيبة، في حملة تأديبية لكل السوريين ظلت آثارها فاعلة حتى بداية ثورة 2011.

ومنذ اليوم الأول للثورة السلمية بدأت قواته بإطلاق النار على المتظاهرين السلميين فتقتل عدداً منهم لردع الآخرين، واستمرت أعداد القتلى اليوميين في التصاعد، من غير أن نحسب المعتقلين الذين تعرضوا لصنوف من التعذيب لا يحتملها بشر. بل إن الشرارة قد بدأت أصلاً، قبل ذلك، باعتقال أطفال درعا وتعريضهم لصنوف التعذيب.

 

كان شعاره المضمر «نتنياهو أو أحرق إسرائيل» على خطى شعار بشار المجرب الذي نجح في إحراق سوريا وتهجير نصف سكانه مع بقاء الأسد

أظهر نتنياهو استعداداً للمخاطرة بكل شيء ليستمر في الحكم، بما في ذلك افتعال حرب أهلية بين يهود وعرب من سكان المدن المختلطة داخل الخط الأخضر. فكان شعاره المضمر «نتنياهو أو أحرق إسرائيل» على خطى شعار بشار المجرب الذي نجح في إحراق سوريا وتهجير نصف سكانه مع بقاء الأسد الذي يستعد، بعد أيام، لتمديد حكمه في ولاية جديدة من سبع سنوات، بعد واحد وعشرين عاماً على وراثته للحكم من أبيه. طموح نتنياهو السياسي أكثر تواضعاً من نظيره، فعمر حكمه خمسة عشر عاماً فقط، وإذا نجح، بفضل الحرب الدائرة اليوم، في الانتخابات القادمة سيحكم أربع سنوات إضافية نظرياً، مع بقاء احتمال ألا يكمل ولايته الجديدة إلى نهايتها. وعلى أي حال سيبقى نتنياهو خاسراً في التنافس مع الأسد بعدد سنوات الحكم، لأنه بدأ متأخراً عنه بخمس سنوات، وليس من المحتمل أن يستمر في حكم إسرائيل بعد سقوط الأسد، على فرض أن هذا سيحدث يوماً ما.

من ناحية أخرى، نتنياهو مضطر لخوض انتخابات تلو انتخابات لتمديد حكمه، فيركض وراء إرضاء كل صوت انتخابي، في حين لا يحتاجها الأسد، لكنه يفعلها لإضفاء شيء من المرح على روتين أيامه وسنواته، ولمد لسانه إلى المجتمع الدولي، بخاصة بعدما صار يتنافس على الفوز بأصوات الناخبين، مع راكبين آخرين، فيفوز عليهما بالضربة القاضية، ويحصل على «تفويض شعبي» جديد يمده بالطاقة والحيوية. وهي فرصة للتأكد من مدى حب السوريين له وتمسكهم به مهما ساءت أحوالهم ومهما فعل بهم. هذه «النِعَم» الاستثنائية لا يحلم بمثلها نظيره الإسرائيلي الذي يتجرجر في المحاكم بتهم الفساد، في الوقت الذي يراكم فيه الأسد ثروات طائلة تبقى «فوق الشبهات» ببساطة لأنها غير موجودة رسمياً.

وإذا كان نتنياهو قد احتاج إلى شن الحرب لزيادة فرصه في الفوز في الانتخابات القادمة، فنظيره بشار لا يحتاج لشن حرب مماثلة على محافظة إدلب أو مناطق أخرى للفوز في الانتخابات الوشيكة. مع العلم أن الحرب على غزة ليست ضمانة لفوز نتنياهو، بل قد تشكل سبباً لسقوط مدوٍ، في حين أن الأسد لا يحتاج إلى فعل أي شيء. بل إن إمعانه في تجويع السوريين في مناطق سيطرته، وازدياد تبعيته لروسيا وإيران، لا يؤثران أبداً على «شعبيته» حتى أن منافسَيه على منصب الرئاسة قد يصوتان له في الانتخابات إثباتاً لولائهما بعد اهتزازه بسبب ترشيحهما لنفسيهما على مضض.

لكن بشار الأسد يحتاج شيئاً، مع ذلك، ليس طبعاً للفوز في الانتخابات، بل لإعادة تنشيط الخطاب الممانع الذي تعرض للصدأ تحت وطأة خطاب الحرب على الإرهاب. فكانت حرب نظيره نتنياهو على الفلسطينيين بمثابة هدية من السماء ليستعيد اللغو المألوف عن «العدو الإسرائيلي الغاشم» و«الكيان الصهيوني» وما إلى ذلك من عدة خطابية فقدت بريقها في سنوات العقد الذي مضى. حتى الغارات الجوية الإسرائيلية المتواصلة على الأراضي السورية، طوال السنوات الماضية، ما كان لها أن تفي بالغرض، بسبب الإحراج الذي كانت تؤدي إليه. أما اليوم فيعود الطبل والزمر الممانعان إلى نشاطهما المعتاد بفضل وحشية الجيش الإسرائيلي وجرائم المستوطنين ضد المدنيين الفلسطينيين.

=========================

وجهة نظر : في سورية وحدها يسمحون بتمرير الجريمة ثم ينددون بالمجرم ..!!!

زهير سالم*

مركز الشرق العربي

23/ 5/ 2021

في "قانون الأمن العام" السائد في العالم توصلت الحضارة الإنسانية إلى نظرية ما يسمى "الأمن الوقائي" . وتقوم هذه النظرية على الاهتمام بمنع الجريمة أكثر من التركيز على عقوبة المجرم .

قانون العقوبات في الشريعة الإسلامية يرفع الفقهاء عنوان "العقوبات روادع قبل الجريمة زواجر بعدها " أي أن الهدف من إشهار العقوبة الردع المسبق لمن تراوده نفسها على الجريمة، ثم الهدف من إيقاع العقوبة زجر كل من يفكر في ارتكاب جريمة ليرعوي ويزدجر ..

إلا أن سياسات " العالم المتحضر " وخلال عقد من الثورة ، نهجت في سورية الحبيبة غير هذا النهج، وتتابعت دول هذا العالم على سياسة إرخاء الطِّول للمجرم القاتل السفاح ليرتكب المزيد والمزيد من الجرائم الفظيعة والأشد فظاعة، والأكثر توحشا؛ تحت طائلة الوعيد - الكاذب - بالعقاب ..أو بالمحكمة الجنائية الدولية ..

بعد مليون شهيد، ومئات الآلاف من المعتقلين والمفقودين، وبعد تهجير أكثر من نصف الشعب السوري ، بذرعية " عدم التجانس" ما يزال بعض أصحاب السماجة يتحدثون عن " عدم الإفلات من العقاب"

إن ما صدر عن الخارجية الفرنسية بالتنديد بالانتخابات الأسدية، وأنها لا طائل منها ، ولا تعويل عليها ، ولا أثر قانونيا لها ؛ يندرج تحت هذا النوع من السماجة، السلوك المراوغ الكذوب، ولاسيما بعد أن سمحت الحكومة الفرنسية لوكر السفارة الأسدية بتمرير المسرحية البائسة على الأرض الفرنسية. كما سمحت لرفعت الأسد الذي يظل يتغيب عن المحاكمات الاقتصادية المرفوعة عليه بتعلة المرض، بأن يشارك في هذه المسرحية، بالأسلوب الدعائي الرخيص نفسه، حتى يعلق ولده فراس على هذه المشاركة ، فينشر صورة أبيه ويكتب تحتها: "دكتاتور ينتخب دكتاتور " حتى لتقول ( ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ ) كلمات يستشهد بها في الطيبين الأخيار كما في سياقها القرآني ، ويستشهد في السفلة الأشرار كما في السياق الذي نحن فيه ..

لا يهمنا كثيرا أن نستنكر الخداع الفرنسي،، ولا المراوغة الفرنسية، ونحن نعلم أن في كل مأساتنا السورية " في البدء كانت فرنسة " في البدء كان سايكس- بيكو ، وكان إنذار غورو ، وكان الاستعمار، وكانت ركلة الجنرال الفرنسي لضريح القائد البطل المسلم الإنسان صلاح الدين الأيوبي، وكانت الدويلات الطائفية ،وكان جيش الشرق، وكان قصف دمشق ومجلس النواب السوري الحر ، وكان حزب البعث، " حزب الطوائف" كما سماه أمينه العام الثاني - منيف الرزاز- وكان جاك شيراك الذي استقبل بشار في قصر الإليزية ، مذ كان غلاما ، وخلاف التقاليد الفرنسية التقليدية، وكان ساركوزي الذي تعهد بإعادة تأهيل الأسد بعد قتله رفيق الحريري ، ودعاه تحت عنوان المتوسطية إلى الإليزية من جديد ، ثم كان كل هذا النقيق الفرنسي في دولة زعموا أنها شهدت أول ثورة إنسانية ضد التعصب والجهل والانغلاق ...!!

لا يهمنا كثيرا منذ اليوم أن نستنكر الرواغ الفرنسي ولا الدولي بصوره المتغيرة المعبرة عن جوهر الموقف الدولي والإقليمي ، الناقم والناكر على السوريين حقهم في الحياة الحرة الكريمة كشعوب الأرض أجمعين..

الذي يهمنا في هذا الموقف، ومن هذا الدرس أن نعي أن الطريق الذي يسترسل فيه المسترسلون ...لن يقودنا إلا إلى مثل تيه بني إسرائيل وهذه عشرةٌ أولى قد مرت !!!

ثلاثة أيام تفصلنا عن الانتخابات الجريمة.

___________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

السوريون والمسألة الفلسطينية

نجيب الغضبان

العربي الجديد

الخميس 20/5/2021

أعادت المقاومة الباسلة التي أبداها الشعب الفلسطيني بمكوناته كافة، والتضامن العربي والإسلامي معه، ضد العدوان الإسرائيلي، أخيرا، في حي الشيخ جرّاح وبيت المقدس وغزة وداخل الخط الأخضر، القضية الفلسطينية، وخصوصا مركزية القدس، إلى مكانتها الطبيعية، لتذكّر العالم بمظلومية تاريخية فريدة على مدى أكثر من قرن. والحديث عن التعاطف السوري مع إخوتهم الفلسطينيين بصيغة "الجمع" مردّه تمييز بين مكونات الشعب السوري وأماكن وجوده، سواء في الداخل المُقسم أو الشتات، من ناحية، وللتمييز بين الموقفين الرسمي والشعبي، وهو تمايز هام قد لا يختلف كثيراً عن الحالة العربية، من ناحية ثانية. بدا التعاطف السوري واضحاً من خلال وسائل التواصل الاجتماعي لأولئك الذين يعانون الأمرّين في مناطق سيطرة النظام، وبعض أشكال التعبير المتاحة في الشمال الغربي الخارج عن سيطرة النظام، ومشاركة السوريين في الفعاليات في غير عاصمة دولية، خصوصاً في الأماكن التي فيها وجود سوري ملحوظ من المُهجّرين.

السوريون الذين عانوا من قهر وعنف ووحشية نظامهم التي اقتربت، لا بل وتجاوزت، في بعض ممارساتها وأشكالها، الظلم التاريخي الذي أوقعه الاستعمار الاستيطاني الصهيوني على الفلسطينيين. فعلى صعيد التهجير، فقد هجّرت إسرائيل نصف الشعب الفلسطيني في أثناء النكبة التي تمر ذكراها الـ73 هذه الأيام، وعلى مدى عشر سنوات هجّر النظام السوري نصف شعبه، بين نازح ولاجئ، واستحضر جيوشاً خارجية أضحت بحكم المحتل الأجنبي. أما على صعيد القتل، فقد تجاوزت الأعداد من ضحايا النظام السوري، حتى ولو تم النظر إليها كنسب مئوية، تلك التي طاولت الفلسطينيين العزّل. وأخيراً فقد تجاوزت وحشية النظام السوري كل أشكال العنف المعتمدة لقمع المعارضين، وذلك باستخدامه البراميل المتفجّرة والسلاح الكيميائي ضد شعبه، في سابقةٍ فريدةٍ لأي من الأنظمة السلطوية القائمة. زادت هذه المعطيات من تفهم السوريين لمعاناة إخوانهم الفلسطينيين منذ دخول المشروع الاستيطاني الصهيوني حيز التنفيذ.

تجاوزت الأعداد من ضحايا النظام السوري، حتى ولو تم النظر إليها كنسب مئوية، تلك التي طاولت الفلسطينيين العزّل

ترابط المصير بين الشعبين السوري والفلسطيني، لا يمكن فهمه إلا ضمن السياق التاريخي الطبيعي. في بدايات القرن المنصرم، ومع دخول المشروع الصهيوني مراحله الأولى، تكشفت رغبة أغلبية سكان مناطق بلاد الشام (سورية ولبنان والأردن وفلسطين) في العيش ضمن دولة مستقلة تحت حكم الأسرة الهاشمية التي وُعدت بمملكة عربية قبيل الثورة العربية. وعندما وصل إلى مسامع الأهالي في بلاد الشام الخبر المشؤوم عن وعد بلفور، كان هناك رفض قاطع من الأغلبية التي أدركت طبيعته الاستعمارية. ومن ضمن التوثيق التاريخي لهذا الموقف، يمكن ذكر العرائض التي قدّمها أعيان قرى بلاد الشام وحواضرها لما عُرف بلجنة "كينغ - كرين"، التي أرسلها الرئيس الأميركي ودرو ويلسون لاستقصاء آراء الأهالي، لتكون ضمن مدخلات تسويات ما بعد الحرب العالمية الأولى.

المحطة الثانية الهامة التي تظهر وحدة أهالي بلاد الشام تتجلى في مشاركة "سوريين" في الجهاد ضد الاستعمار البريطاني والعصابات الصهيونية في فلسطين، وكذا مشاركة أبناء المدن والقرى الفلسطينية ضد المستعمر الفرنسي في الإقليم الشمالي لبلاد الشام. المثال الأكثر شيوعاً قيادة الشيخ عز الدين القسام، الذي نال شرف الشهادة في أثناء ثورة 1936 على التراب الفلسطيني. ولذا، لم يكن غريباً أن يُعاد الاعتبار لدور هذا الشيخ الجليل، من مواليد الساحل السوري، بإحياء ذكراه، وبأن تتكنى باسمه الكتائب العسكرية التابعة لحركة حماس بعد أكثر من خمسين عاماً.

شهدت سورية ثلاثة انقلابات متتالية في عام 1948 وحده، بذرائع كثيرة، لعل أهمها ضرورات التصدّي للخطر الصهيوني التوسعي

وعلى الرغم من جهودٍ قامت بها الحركة الصهيونية والوكالة اليهودية في التواصل مع بعض قيادات الحركة الوطنية السورية لتحييدها عن القضية الفلسطينية، فقد كانت المشاركة الرسمية والشعبية الواضحة لسكان سورية، بعيد استقلالها، جلية في حرب 1948. ولم تقلل الهزيمة التي تعرّضت لها جيوش سبع دول عربية، ومنها سورية، من الجهود والتضحيات التي قدمتها جموع المتطوعين السوريين والعرب في تصدّيهم لمشروع استعماري غربي جديد. ولم يكن الرفض العربي لمشروع التقسيم، وقتها، تعنتاً كما حاول بعضهم تصويره، بل كان واقعياً، فلم يقبل منطق قيام دولة يهودية على مساحة أكثر من 53% من أرض فلسطين، منحتها لها الجمعية العامة للأمم المتحدة، في جلسة قاطعتها الدول العربية السبع الممثلة في الجمعية آنذاك، على الرغم من أن اليهود لم يكونوا يملكون أكثر من 8% من تلك الأراضي.

كانت النكبة محطة هامة في تمايز الموقف الرسمي والشعبي السوري، والعربي عموماً، تجاه القضية الفلسطينية، فقد استغلت المؤسسة العسكرية الوليدة في سورية، كما في غيرها من الدول العربية، فشل الحكومات المدنية في الحرب الأولى مع إسرائيل للسيطرة المباشرة على السلطة، فقد شهدت سورية ثلاثة انقلابات متتالية في عام 1948 وحده، بذرائع كثيرة، لعل أهمها ضرورات التصدّي للخطر الصهيوني التوسعي. وقضت بدعة الحكم العسكري على تجربة ديمقراطية وليدة غير مثالية. وباسم مواجهة الخطر الخارجي، وأنه "لا صوت يعلو على صوت المعركة"، قمعت الأنظمة العسكرية، خصوصا بعد وصول حزب البعث عام 1963، المواطنين والحريات وحظرت الأحزاب السياسية، وطهرت المؤسسة العسكرية من الكوادر العسكرية المحترفة التي لم تكن تنتمي للجناح الأقلوي العلوي من حزب البعث. وكانت هذه الخلفية السبب الرئيس لكارثة عام 1967 التي حاول الحزب الحاكم التقليل منها بإعطائها تسمية "النكسة". وهي الهزيمة الكارثية التي خسرت فيها سورية هضبة الجولان الاستراتيجية، وتم تسويقها أنها تراجع مؤقت، وذلك لفشل الكيان الصهيوني في تحقيق أهدافه الحقيقية المتمثلة في إسقاط النظام التقدّمي المقاوم!

إدارة الأنظمة العربية الرسمية الصراع كان مصيرها الفشل في الحرب والسلم

وكانت المحطة التالية بعد وصول حافظ الأسد إلى الحكم على خلفية صراعه مع زملائه في الحزب بشأن المسؤولية عن الهزيمة. كانت قضية التعاطي مع آثار الهزيمة حاضرة في الصراع بين صلاح جديد، الذي كان يدعم فكرة الحرب الشعبية لتحرير الأراضي المحتلة، ودعم الحركة الوطنية الفلسطينية، ووزير الدفاع حافظ الأسد، الذي كانت لديه مقاربة مختلفة قائمة على تحقيق نوع من التوازن الاستراتيجي مع العدو الصهيوني، قبل التفكير في الإقدام على أي مواجهة. وبعد حرب 1973 التي أراد منها النظام السوري إعادة نوع من الشرعية والاعتبار لرأس نظامه الذي كان يرى سوريون كثيرون أنه المسؤول المباشر عن الهزيمة النكراء في 1967. تبنى النظام السوري مقولة: "السلام خيار استراتيجي". وعنت ترجمة هذا التوجه الدخول في مفاوضات غير مباشرة مع العدو الإسرائيلي، والتهدئة الكاملة على الجبهة السورية منذ ذلك الوقت. وانتهج النظام السوري استراتيجية السيطرة على القرارين الفلسطيني واللبناني، والضغط على الأردن، لتوظيف ذلك في "معركة" السلام. وبعد اعتراف العرب بمنظمة التحرير الفلسطينية في مؤتمر قمة الرباط عام 1974، حاول تقويض دورها على مدى السنوات اللاحقة، خصوصا بعد اندلاع الحرب الأهلية في لبنان. لقد ارتكب النظام السوري مجازر بحق الفلسطينيين في مخيم تل الزعتر وغيره، وكذا بحق الحركة الوطنية اللبنانية، باسم إحداث توازن بين المكونات اللبنانية، ولم تنجُ منه أي من القوى اللبنانية، ما خلا حركة أمل، وبعدها حزب الله الذي شكلته إيران في منتصف الثمانينيات. وبذل النظام السوري كل الجهود لتقويض قيادة حركة فتح، ورئيسها ياسر عرفات، بشتى الوسائل، ومنها دعم كل حركات التمرد ضد القيادة الشرعية، سواء من داخل حركة فتح أو من الحركات المنضوية في منظمة التحرير وخارجها.

ومع نهاية السبعينيات، كان هناك حراك شعبي ضد ممارسات النظام السوري، تم قمعه بحجة تواطئه مع العدو الصهيوني، وبلغ مداه في مجزرة حماه عام 1982، ذهب ضحيتها أكثر من ثلاثين ألف مدني. وهكذا تم تحييد الشعب السوري عن القضايا كافة، بما فيها التعبير عن التضامن مع الشعب الفلسطيني في التطورات اللاحقة، مثل الانتفاضة الأولى عام 1987، فالنظام هو المعني بالحرب والسلم نيابة عن الشعب السوري.

لم يكن غريباً أن تتراجع القضية الفلسطينية إلى أسوأ حالاتها مع ارتفاع وتيرة الثورة المضادّة، ووصول ترامب إلى الحكم في الولايات المتحدة

تزامن وصول بشار الأسد إلى الحكم مع اندلاع الانتفاضة الثانية، حيث وثّق النظام العلاقة مع إيران، وحزب الله، وشكّل ما سمّاه محور المقاومة. وللحقيقة، فقد استضاف النظام بعض الأنشطة والشخصيات الفلسطينية المرتبطة بحركة حماس والجهاد الإسلامي، لإعطاء هذا المحور مصداقية أمام الرأي العام، المحلي والعربي. وساعد هذا الاستثمار في دعم حزب الله النظام في الخروج من مأزق اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، خصوصا بعد العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006. كان هناك تطابق بين الموقفين الرسمي والشعبي، في أثناء هذا العدوان، حيث استقبل السوريون إخوانهم اللبنانيين، وكثير منهم من مؤيدّي حزب الله، في بيوتهم، وارتفعت شعبية أمين عام حزب الله حسن نصر الله إلى مصاف الأبطال في عيون السوريين، لأنه قصف إسرائيل رداً على عدوانها.

المحطة الأخيرة هي الربيع العربي وما تلاه. عندما انتفض الشعب السوري متأثراً بثورات الربيع العربي، خصوصا في تونس ومصر، كانت هناك لحظة أمل مع سقوط رؤوس أنظمة تونس ومصر وليبيا، بأن المنطقة متجهة إلى موجة ديمقراطية، ارتأت فيها إسرائيل تهديداً حقيقياً من ناحيتين: أنها سحبت ادّعاء الحكومة الإسرائيلية بأنها النظام الديمقراطي الوحيد في الغابة المتوحشة المدعوة الشرق الأوسط، وأن الأنظمة الديمقراطية الجديدة ستكون الأكثر قدرة على التعبير عن مصالح شعوبها في الداخل وفي القضايا المصيرية، وفي مقدمتها دعم الشعب الفلسطيني في تحقيق تطلعاته في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.

كانت الثورة المضادّة للربيع العربي كارثة على الشعوب العربية والقضية الفلسطينية. لقد دفع الشعب السوري ثمناً باهظاً لمطالبته بحقوقه، تمثلت بتهجير أكثر من نصف سكانه، وقيام النظام بحملة قتل واعتقال وتدمير ممنهج للمناطق التي خرجت عن سيطرته، جعلت الممارسات الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني تبدو إنسانيةً مقارنة بوحشية نظام الأسد وحلفائه. وحدة المواقف الشعبية للفلسطينيين والسوريين لم تكن لتؤثر عليها الأصوات النكرة من معارضين سوريين اعتقدوا أن خلاصهم يأتي من خلال إقامة علاقة مع الحكومة اليمينية العنصرية الإسرائيلية، كما لم يقلل من عدالة الثورة السورية وقوف "فصائل فلسطينية" موالية للنظام ضد ثورة الشعب السوري. لقد تمثل التضامن الفلسطيني بأجلى صوره في الدور المحوري الذي قام به فلسطينيو سورية في المشاركة الفعالة في الثورة، وتقديمهم تضحيات جسيمة ثمناً لموقفهم. كما يُذكر لقيادات "حماس" مغادرة الأراضي السورية، لكي لا تكون الحركة شاهدة زور على جرائم النظام السوري بحق شعبه.

المعركة ضد الاستبداد والاحتلال، والهيمنة الغربية الداعمة لهما، واحدة لا تتجزأ، ولو تنوعت أشكالها

لم يكن غريباً أن تتراجع القضية الفلسطينية إلى أسوأ حالاتها مع ارتفاع وتيرة الثورة المضادّة، ووصول ترامب إلى الحكم في الولايات المتحدة، وإمعان حكومة نتنياهو في التوسع الاستيطاني. وبالتأكيد، لم يساعد الانقسام الفلسطيني على وقف التدهور. كما كان هناك ارتياح كبير داخل الدوائر اليمينية والعسكرية الإسرائيلية لتدمير بشار الأسد بلاده وتقسيمها، فقد تم تحييد دولة عربية أخرى عن دائرة الصراع، بشكل يُسهّل الاستفراد بالشعب الفلسطيني.

وتقود التطورات الساخنة الماثلة حاليا إلى مجموعة من الاستنتاجات على صعيد الترابط بين مصائر السوريين والفلسطينيين: أولها، أن إدارة الأنظمة الرسمية الصراع (لا تُستثنى السلطة الفلسطينية نظاما عربيا إضافيا) كان مصيرها الفشل في الحرب والسلم. وتكفي هنا الإشارة إلى كيفية نجاح إسرائيل باللعب على المسارات السلمية، وذلك للاستفراد بكل طرفٍ على حدة، الأمر الذي أضعف الأطراف العربية كلها، بدءاً باتفاقية كامب ديفيد، ومروراً بأوسلو، وانتهاءً بما سميت "صفقة القرن". الثاني، أن تجاوز الحد الأدنى الذي قبله النظام الرسمي العربي، والمتمثل في المبادرة العربية للسلام لعام 2002، والتي تقبل السلام الكامل والشامل مع إسرائيل مقابل دولة فلسطينية على أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة، عاصمتها القدس الشرقية، وإنهاء احتلال الجولان، هذا التجاوز أقل ما يقال فيه إنه تخاذل واستسلام. الثالث، موضوع القدس يخص جميع العرب والمسلمين، بمن فيهم المكون المسيحي، ووجود إجماع حول عدم التفريط به هو السبيل الوحيد للحفاظ على المقدسات، من دون الحاجة للمزايدات. أخيراً، أظهر التعاطف السوري الواسع مع الشعب الفلسطيني الذي يقاوم العدوان الإسرائيلي على أراضيه كافة، أن الشعوب لم تحد عن بوصلتها السليمة: فالمعركة ضد الاستبداد والاحتلال، والهيمنة الغربية الداعمة لهما، واحدة لا تتجزأ، ولو تنوعت أشكالها. وكما برهنت تجربة الربيع العربي المستمرة، فإن الصمود والتقدم في أي من هذه المسارات داعمان ومحفزان للقضايا الأخرى.

=========================

هل يمكن لأية انتخابات مزوّرة أن تطوي ملف الجرائم؟

عقاب يحيى

سوريا تي في

الاربعاء 19/5/2021

بالأصل، ومنذ قيام هذا النظام الأحادي، الفئوي من قبل الطاغية الأكبر حافظ الأسد كان غير شرعي، ومفروضاً بقوة المؤسسة العسكرية، والأجهزة الأمنية، والفئات الطائفية حيث لم يستشر الشعب، أو يشارك باختيار من يريد، وإنما عبر ما يعرف باستفتاءات مزيّفة، ثم بما يعرف انتخابات المرشح الواحد وبنسب أسطورية معلنة سلفاً.

كان التوريث والإصرار عليه تكريساً لذلك العقل الأقلوي، القسري الذي عمل على تطويع البلد والشعب لصالح طغمة من العائلة، والفاسدين، والطائفيين، لذلك ورغم مسرحية ما يعرف بـ "خطاب القسم" الذي هدف إلى تمرير تلك الفضيحة برشّ بعض الوعود بالإصلاح، سرعان ما عاد إلى ذات النهج الذي فرضه الطاغية الأكبر بانتخابات شكلية، ثم رش بعض البهارات في السنوات الأخيرة بتقديم "مرشحين" آخرين ضمن حالة هزلية تمريرية.

ذلك المفروض في سنوات ما قبل الثورة بدا جزءاً صميماً من معظم نظم الاستبداد والشمولية والفساد، خاصة في الوطن العربي الذي لم يعرف، ولسنوات طويلة، تغييرات جوهرية في نظم الحكم باتجاه الانفتاح الديمقراطي كما جرى في أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية وعديد الدول الأفريقية.

الثورة السورية ثورة الحرية والكرامة والعدالة عرّت جوهر النظام وكشفت تركيبته القمعية، الأمنية، العنيفة وطبيعة البنية الأقلوية واستعدادها المفتوح حتى النهايات لارتكاب جرائم موصوفة تصل مستوى الإبادة بحقّ المطالبين بالحرية، وتدمير البلاد عملاً بالشعار المرفوع "الأسد أو نحرق البلد"، وفي حين كان النظام على وشك الانهيار بفعل مشاركة معظم الشعب السوري في التظاهر السلمي، واتساع حركة المنشقين من الضباط والعسكريين والمدنيين.. كان الاستنجاد بالميليشيات الطائفية الخارجية (أذرع إيران) وسيلة البقاء في السلطة، وقيام مقتلة للسوريين راح فيها مليون من الضحايا، ناهيك عن مئات آلاف المعتقلين والمفقودين.

أبسط قواعد القانون وشرائع الحكم كانت تعني في مثل الحالة السورية أن يقدّم رأس النظام استقالته، مخلياً المجال لتغيير سلمي يجنب البلاد الويلات التي عرفها، لكن العكس هو ما حصل، ففي عام 2014 أصرّت الطغمة الحاكمة على ترشيح رأس النظام لمدة رئاسية تمتدّ لسبع سنوات، ضاربة عرض الحائط بما يحدث للبلاد من دمار وتقتيل وتقطيع أوصال وبطريقة مسرحية مكررة، ووفق دستور مقولب لنظام يتجاوز فيه الرئيس الصلاحيات المعروفة في النظم الرئاسية إلى مطلقة ضمن طغمة أمنية لا تقيم اعتباراً لحياة وحقوق المواطن، ولا لمصير البلاد التي فقدت استقلاليتها باستقدام مختلف الاحتلالات الأجنبية وعلى رأسها التغلغل الإيراني بمشروعه الاختراقي للمجتمع السوري، وما يقوم به من تغييرات في مختلف المجالات لتحويل سوريا (بلد التعايش والتناغم والوحدة الوطنية) إلى "حسينية" مخبّأة في عباءة السيطرة على البلاد وتحويلها إلى ذراع إيراني يطبق سيطرته على عدد من العواصم العربية، ويوصل إيران إلى البحر المتوسط، ويحمي ذراعها الرئيس في لبنان والمنطقة "حزب الله"، إلى جانب الاحتلال الروسي الذي يعمل على تحويل سوريا إلى منطقة نفوذ واستثمار، ووضع اليد على مقدراتها الاقتصادية، وسيادتها الوطنية.

وثائق جرائم الحرب التي ارتكبها النظام ورأسه (المسؤول الأول عنها) جديرة أن تحوّله إلى محكمة الجنايات الدولية كأكبر مجرمي الحرب في التاريخ، وليس إعادة انتخابه وسط مواقف دولية باهتة لم تخرج ـ حتى الآن، على الأقل ـ عن الاستنكار اللفظي، والإعلان بعدم مشروعيتها وهي المواقف التي لا يقيم لها نظام الجريمة أي اعتبار طالما ظلّت لفظية، ولم تتحوّل إلى قرار دولي ينوع الشرعية عن النظام ورأسه، ويفتح المجال لتطبيق البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

المجتمع الدولي ممثلاً بالدول الكبيرة صاحبة الشأن والفعل، ومعها الهيئة الدولية، تعلم جميعها أن هذا النظام المجرم الذي استباح حق الحياة للمواطن السوري، واستخدم السلاح الكيماوي والبراميل، ومختلف الأسلحة الدمارية ضدّ الشعب، كان وما يزال ضدّ أي حلّ سياسي يستجيب لقرارات الهيئة الأممية التي وافقت عليه بالإجماع، منذ بيان جنيف (حزيران 2012) وحتى القرار 2254، وآخرها أعمال وجلسات ما يعرف باللجنة الدستورية التي كانت تعني بداهة أهمية صياغة دستور جديد بين الأطراف المعنية في النظام والمعارضة تمهيداً لإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية.

إنه أفرغ مفاوضات وجلسات اللجنة الدستورية من أي تقدم ولو جزئياً، وفوق ذلك يقدم على إجراء انتخابات رئاسية تضع تلك اللجنة في الأرشيف كغيرها من القرارات.

الأمر العجيب أن الجانب الروسي الذي شكل الداعم الرئيس للنظام على صعيد الهيئة الأممية، والذي عمل على فرض مناقشة اللجنة الدستورية بديلاً لترتيبات، أو "سلال" المفاوضات التي تترجم القرار 2254، نراه اليوم يتولى الدفاع عن انتخابات المجرم وما يقوم به من خرق صراح لألف باء المفاوضات وموقع اللجنة الدستورية فيها، محاولا الفصل الميكانيكي، الذرائعي المفضوح بين الحقيقة وما سيقوم به نظام الجريمة.

إننا نعي أن جميع صيغ البيانات، وأشكال الاستنكار المألوفة لن تقدّم الكثير في مجال منع، وإيقاف هذه المهزلة، وأنها ما لم ترتبط بموقف دولي صريح، واضح، وحازم يرفضها ولا يعترف بنتائجها، ويعمل على ترسيم ذلك الموقف بقرار دولي حاسم، فستمرّ كما مرّت الانتخابات السابقة، وهذا ما يملي على قوى المعارضة بجميع مواقعها وأطيافها وتشكيلاتها أن تصطفّ في خندق رافض وفق برنامج عملي للتحرّك في مختلف المجالات، وفي الأساس من ذلك التوجّه لقوى شعبنا في مختلف المناطق للتعبير عن رفضه، كما هي حال تحركات متصاعدة في عديد المناطق، وبالأخص منها المناطق التي تقع تحت سيطرة النظام. ـ الائتلاف الوطني لم يكتف بإصدار بيانات ومواقف رافضة وحسب، بل إنه قرر إطلاق حملة مركزة وشاملة سعياً لتحويل رأس النظام إلى محكمة الجنايات الدولية، وتشارك فيها عديد دوائر ومكاتب الائتلاف المختصة، وكذلك الجاليات السورية، خاصة جاليتنا في الولايات المتحدة الأميركية، والعمل باتجاهات ثلاث:

1 ـ التواصل مع فعاليات شعبنا في مختلف المناطق لتوحيد الحركة والخطوات، والاهتمام بالحراك الذي يجري في مناطق سيطرة النظام.

2 ـ تكثيف اللقاءات والاتصالات مع الدول الشقيقة والصديقة لاتخاذ مواقف واضحة، ومساعدة الائتلاف في تقديم الوثائق والملفات لمحكمة الجنايات الدولية.

3 ـ قيم المكتب القانوني في الائتلاف، بالتعاون مع عديد الخبراء القانونيين، ونقابة المحامين الأحرار والإسراع في إكمال تقديم الملفات والوثائق التي تدين رأس النظام كمجرم حرب، والعمل لتقديمه إلى محكمة الجنايات الدولية.

=========================

قنصلية إيرانية في حلب.. رسالة لتركيا!

أحمد موفق زيدان

عربي 21

الثلاثاء 18/5/2021 

ظلت مدينة حلب السورية توأم إسطنبول طوال فترة حكم السلاطين العثمانيين، فمع كل خدمة تفد إلى إسطنبول كانت حلب المدينة الثانية التي تحظى بها على الفور. ولعل هذا مردّه إلى كونها المدينة الأبرز في العقلية العثمانية التاريخية قبل سيطرة محمد الفاتح على إسطنبول؛ إذ كانت حلب المدينة الأكبر والأشهر في بداية ظهور العثمانيين.

تلك المقدمة مفتاح لإدراك واستيعاب ما يعنيه فتح قنصلية إيرانية في حلب، حيث مرّ خبرها مرور الكرام دون تعليق أو اهتمام إعلامي، وسط زحمة انشغال العالم كله بالغارة الصهيونية على الأقصى، والهولوكوست الصهيوني المتجدد على غزة، وترافق إعلان افتتاح القنصلية على لسان وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف، مع إعلان الرئيس الإيراني حسن روحاني عن إطلاق سكة حديد من إيران مروراً بالعراق إلى سوريا فالمتوسط، وهو تهديد إيراني مباشر آخر ستكون له تداعياته على تركيا وأمنها لاحقاً.

إنّ المسافة بين حلب وغازي عنتاب تساوي تقريباً المسافة بين جلال آباد الأفغانية وبيشاور الباكستانية. مربط فرس الربط بين الحدثين والمكانين هو أن باكستان التي انضمت للتحالف الدولي عشية خلع حركة طالبان الأفغانية عن السلطة في تشرين الثاني/ نوفمبر 2001، ظلت تساير التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية في إسقاط حركة طالبان، وهي التي كانت تصفها بأمنها القومي، إلى أن وصلت السكين إلى الحلق الباكستاني بفتح الهند (عدوتها التقليدية) قنصلية هندية في جلال آباد، وهو ما شكل باعتقادي نقطة تحول كان لها ما بعدها في الموقف الباكستاني تجاه تعاونه وتنسيقه مع الأمريكي.

إذ رأت باكستان يومها أن وجود القنصلية غير مبرر مع انعدام وجود أي جالية هندية في  المدينة، ومن ثَمّ فمن الطبيعي أن تكون القنصلية وكرَ تجسس ومركزاً عملياتياً متقدماً للقوات الهندية للعبث في الأمن الباكستاني، لا سيما وأن الأذرع الهندية موجودة على الضفة الأخرى من الحدود، ممثلةً بأحزاب يسارية قومية أقرب إلى الهند، ومليشيات انفصالية بلوشية تحظى بعلاقات معها.

والأمر نفسه ينطبق اليوم على حلب، إذ إن إيران ليست بحاجة لقنصلية من حيث الخدمات القنصلية، نظراً لغياب أي جالية إيرانية فيها، باستثناء مليشيات طائفية عابرة للحدود ليست بحاجة لجوازات وتأشيرات سفر! مما يعني أن هذه القنصلية ستكون لها خدمات أمنية وعسكرية لتحريك أيادٍ داخل الحدود التركية، من خلال حزب العمال الكردستاني الذي يحظى بقيادات طائفية موالية لإيران أكثر مما هي موالية لشعاراتها وقاعدتها الاجتماعية.

لم تتردد باكستان في الوقوف بصمت وبهدوء ولكن بثبات ورسوخ ضد المخطط الجديد التي رأت فيها حصاراً لها، فزادت من جرعة الدعم لحركة طالبان الأفغانية وبدأت بالإفراج عن قياداتها، مع السماح لمقاتليها وقادتها بالدخول إلى الأراضي الباكستانية، والتحرك منها إلى داخل الأراضي الأفغانية، وهو الأمر الذي رأينا نتيجته بعد سنوات في انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان، مما يستتبع انسحاب كل من تلطى بها يوم دخل، وعلى رأسها الهند.

القنصلية الإيرانية في حلب رسالة مكتملة الأركان لتركيا بعد أن نجحت طهران في إبعاد تركيا عن ثلاثة أرباع الأراضي السورية، ودفعت بفائض كبير من اللاجئين والنازحين إلى أراضيها لتنشغل بهم تركيا خدماتياً وأمنياً. فقد تحولت المهمة الإيرانية اليوم لنقل المعركة بأشكال مختلفة إلى داخل تركيا لابتزازها في سوريا وربما خارج سوريا. قد يرى البعض مثل هذا التحليل بعيداً عن الواقع، ولكن جردة حسابات الممارسة الإيرانية البعيدة والقريبة تؤكد أن طهران التي نقلت المعركة اليمنية إلى داخل السعودية، لن تتردد في نقلها عبر أدواتها إلى داخل تركيا.

=========================

مسرحية الانتخابات الرئاسية والحل السياسي

مالك الحافظ

سوريا تي في

الثلاثاء 18/5/2021 

يُمثل إصرار النظام السوري على عقد الانتخابات الرئاسية في مناطق سيطرته ترسيخاً لواقع التقسيم غير المعلن في سوريا، فضلاً عن سعيه لتجاوز القرار الأممي 2254 حول الحل السياسي في سوريا.

يبدو أن الانتقال السياسي الذي أشار إليه القرار الأممي 2254 ستترجمه روسيا عبر مسرحية الانتخابات الرئاسية 2021

لعل ضغط النظام وحلفائه في لبنان على اللاجئين السوريين هناك من أجل مشاركتهم في التصويت بالانتخابات يُبرز أحد نوايا النظام التي سيُكشف عنها خلال فترة ما بعد الانتخابات، فالعودة لترويج إعادة اللاجئين لبلدهم "بغض النظر عن الظروف المناسبة" ستكون حاضرة طالما أن العقبة السياسية الأبرز تجاوزتها موسكو ودمشق من خلال إعادة الانتخاب "المنتظرة" للأسد لفترة رئاسية جديدة يمكن لها أن تتجاوز الفشل الذي وقعوا فيه الروس خلال مناسبتين دعوا من خلالها أطراف المجتمع الدولي لإعادة اللاجئين بوجود نظام الأسد وفي أصعب مراحله على الصعيدين السياسي والاقتصادي.

يبدو أن الانتقال السياسي الذي أشار إليه القرار الأممي 2254 ستترجمه روسيا عبر مسرحية الانتخابات الرئاسية 2021، فتسعى للقول بأن تثبيت حكم الأسد لسبع سنوات قادمة يُلزم الأطراف المتدخلة في الملف السوري الجلوس على طاولة التفاهم حول شكل الحل الذي تقدمه روسيا كـ "مادة خام" ويجري التعديل عليه وفق تناغم مصالح تلك الأطراف.

سيطوى ملف الانتخابات الرئاسية وتفتح بعده صفحة بيضاء يكتب الروس حروفها الأولى لبداية مرحلة جديدة، بعد رفع الأمم المتحدة المسؤولية عنها في أي دور ينظم مشهد المرحلة المقبلة في ظل الإصرار على عقد الانتخابات، وكذلك كان للولايات المتحدة موقف مشابه، بغض النظر عن أي مواقف رفض معلنة يمكن استخدامها للاستهلاك الإعلامي فقط.

ما تريده موسكو الدخول في مرحلة إعادة الإعمار، وهذا يتطلب مستويين من التحركات بعد إتمام الانتخابات، يكون المستوى الأول فيها التقارب أكثر مع الدول الأوروبية الرئيسية في حلف الناتو وبناء شراكة قائمة على تجديد ملف مكافحة الإرهاب في سوريا والتعاون من خلاله، وكذلك العمل على عقد شراكات أعمق مع الدول الخليجية وتركيا فضلا عن تقريب وجهات النظر بينهم ما يساعد في جعلهم بصف واحد يتماهى مصالحياً مع الاستراتيجية الروسية في سوريا.

بالمقابل فإن المستوى الثاني من التحرك الروسي يتمثل في تقديم أوراق جديدة تطرح للجانب الأميركي بغرض تقريبه أكثر من طاولة المفاوضات، لا سيما وأن العائق الأكبر أمام مرحلة إعادة الإعمار يتجلى من خلال عقوبات "قانون قيصر"، لذا فإن إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن المتشددة إعلاميا خلال حملة بايدن الانتخابية تجاه روسيا وتركيا ودول الخليج العربي، ستكون أمام أوراق روسية مُغرية، قد يمنح فيها الروس أوراق اعتماد جديدة للأسد أمام واشنطن من خلال صفقة سلام مع إسرائيل، مقابل دور ونفوذ إسرائيلي غير مباشر في الجنوب ومثله للولايات المتحدة في الشرق تحت غطاء الفيدرالية على النموذج الروسي الذي تتسيد فيه موسكو فعلياً المشهد بسوريا. في حين أن مخرجات القرار الأممي 2254 قد تُطوى صفحتها بشكل يتناسب وشكل المرحلة الجديدة بعد الانتخابات.

التغاضي عن فرض عقوبات جديدة على النظام السوري وداعميه، وتحويل آلية فرض العقوبات لشكل يتيح تحويلها إلى "عقوبات ذكية" هو أساس ما تنتظره موسكو قبل الانطلاق بمرحلة إعادة الإعمار، وهو ما ترى بإمكانية تحصيله بعد الانتهاء من الانتخابات الرئاسية ودفع عجلة الاستقرار وفق رأيها بتحقيق معادلة السلام مع إسرائيل مقابل حفظ سلطة الأسد والشروع في إعادة ترميم البنى التحتية المهدمة بالانطلاق من مبدأ العقوبات الذكية، بالتزامن مع الانتهاء من ملف مكافحة الإرهاب المشترك، والشروع لاحقاً بالعمل على رسم مخطط زمني لعودة اللاجئين السوريين.

اللجنة الدستورية أبرز تلك المُخرجات التي وُلدت قبل أوانها، وقد يُلغى دورها خلال الفترة المقبلة، في ظل عدم إنتاجية اللجنة التي كان يدعي الأسد بعدم اكتراث حكومته به طيلة الفترة الماضية، معتبرا أن أي حراك سياسي دستوري لا بد أن ينطلق من دمشق. 

ارتكبت المعارضة السورية أخطاء جسيمة خلال السنوات الماضية، إلا أن أخطاءها في التعامل مع إصرار النظام وحليفها الروسي على عقد الانتخابات كانت أخطاء لا تغتفر، ابتداء بالإعلان المشبوه حول مفوضية الانتخابات، وامتدادا بآلية التعاطي. مع هذا الملف وقراءة تبعاته السياسية. ويجب على المعارضة بدلا من إعلان رفض الانتخابات والاعتماد على الحملات الإعلامية التي لن تقدم بل ستؤخر، أن تعمل على وضع خطة عمل لمواجهة الواقع السياسي خلال الفترة المقبلة على سوريا، ووضع السبل الممكنة لمواجهة التهميش لكل القرارات ذات الصلة بتطبيق حل سياسي في سوريا، بدلاً من النحيب فيما بعد على اندثار اللجنة الدستورية وضياع كل ما بني "مهما كان حجمه" خلال السنوات الماضية.

=========================

المأتم الانتخابي السوري

عبد الباسط سيدا

العربي الجديد

الثلاثاء 18/5/2021 

كثيرة هي الطرائف التي قيلت للتعليق على سياسات نظام حافظ الأسد وممارساته، وفي نقدها على المستويين الداخلي والإقليمي؛ وهذه ظاهرة عامة، شملت، وتشمل، جميع الأنظمة الدكتاتورية التي لا يمتلك فيها الناس حق التعبير الحر عن آرائهم، وأفكارهم المغايرة للتوجهات الرسمية للسلطة. ومن بين تلك الطرائف أن أحدهم توجّه مجبراً للإدلاء بصوته في واحدٍ من الاستفتاءات التي كانت تنظم "لتجديد البيعة للقائد الملهم"، ولكنه كان قد صمّم بينه وبين نفسه ألا يمنح صوته لصالح التدوير، فوضع الإشارة المطلوبة على الدائرة الرمادية ووضع الظرف في الصندوق؛ ثم خرج من المركز الانتخابي، ليتوجّه إلى منزله. وفي الطريق هاجمته الكوابيس: ماذا سيحصل لك إذا اكتشفوا أمرك؟ ما هو المصير الذي ينتظر أسرتك في هذه الحال؟ أي مستقبل ضمنته لأولادك بهذا التصرّف؟ ... إلى آخر هذه الكوابيس والهواجس السوداوية؛ لذلك قرّر فجأة العودة إلى المركز، وتوجه إلى رئيسه مباشرة: أرجو عدم المؤاخذة، لم أفهم المطلوب. فربما كنت قد وضعت الإشارة على الدائرة الخطأ. هل في مقدوري تصحيح الخطأ؟ فأجابه رئيس المركز بكل عجرفة، وسلطوية: لقد صحّحنا نحن الخطأ، ولكن إياك أن ترتكب مثل هذه الأخطاء القاتلة ثانية.

كان الجميع على علمٍ بأن كل القرارات، وعلى جميع المستويات، لا تصبح سارية المفعول، من دون الضوء الأخضر من حافظ الأسد نفسه

لقد أسّس حافظ الأسد نظاماً دكتاتورياً شمولياً، واعتمد في ذلك على الجيش والأجهزة الأمنية وحزب البعث. ولكن الحلقة الأكثر أهمية كانت تتمثّل في الأجهزة الأمنية القمعية التي كانت تراقب كل شاردة وواردة في الجيش على وجه التحديد، والمجتمع السوري بصورة عامة، فقد كانت تتدخل في كل شيء، بدءاً من قبول الطلاب في كليات الجيش والشرطة، والبتّ في طلبات المتقدّمين إلى الوظائف بكل مستوياتها. هذا إلى جانب تقديم الاقتراحات بخصوص أسماء قيادات الفرق والشُعب والفروع الحزبية؛ وحتى أسماء أعضاء القيادة القُطرية، وأسماء الوزراء ورئيس الوزراء، ووضع قوائم أسماء أعضاء مجلس الشعب. وكانت عقيدة حافظ الأسد في الحكم تقوم على عدة مرتكزات، أهمها:

أولا، الاحتفاظ بواجهات الحكم، وعدم إجراء التغييرات فيها قدر الإمكان، وذلك لترسيخ مفهوم الاستقرار، وتكوين انطباعٍ كاذب لدى تلك الواجهات، ولدى الناس في الوقت ذاته، بأن هؤلاء يمتلكون القدرة على اتخاذ القرارات؛ في حين أن الجميع كان على علمٍ بأن كل القرارات، وعلى جميع المستويات، لا تصبح سارية المفعول، من دون الضوء الأخضر من حافظ الأسد نفسه.

ثانيا، الإصرار على تسويق القراءة السلطوية للأحداث والمواقف على مختلف المستويات، وتكرارها من دون كلل أو ملل عبر وسائل الإعلام، وفي الخطابات الرسمية، بغض النظر عن مدى مطابقتها الوقائع.

تمكّن حافظ الأسد من تدجين الأحزاب السياسية، الشيوعية منها والقومية العربية، بتدرجاتها المختلفة، وضمّها إلى "الجبهة الوطنية التقدّمية"

ثالثا، عدم إبداء المرونة أو الاستعداد للأخذ ببعض الإصلاحات بناء على مطالب الناس، ودعوات الإصلاح من القوى السياسية والمجتمعية، فهو كان يدرك أن النظام الشمولي يمهد الأرضية لانهياره بمجرّد أن سمح بتعديلاتٍ تتناقض مع طبيعته.

رابعا، اعتماد المظاهر الديمقراطية الشكلية في الحكم؛ والإيحاء بإشراك الأحزاب السياسية. وبالتناغم مع هذه التوجه، اعتمد نظام الإدارة المحلية. وسن التشريعات والقوانين الخاصة باختيار أعضاء مجالس البلدات والمدن والمحافظات. ولكن ذلك كله تحت إشراف وضبط صارمين من الأجهزة. كما أنه تمكّن من تدجين الأحزاب السياسية، الشيوعية منها والقومية العربية، بتدرجاتها المختلفة، وضمّها إلى "الجبهة الوطنية التقدّمية" التي شكلها بقيادة حزب البعث الذي حدّده قائداً للدولة والمجتمع، بموجب المادة الثامنة من دستوره، (دستور 1973) ليصبح هو "القائد الضرورة" الذي لا يستغنى عنه، باعتباره قائد الحزب القائد نفسه/ وقائد الجيش.

وكانت الاستفتاءات المتعاقبة التي جدّدت له باستمرار، بل كانت هناك أصوات تعلو وتطالب بضرورة "تجديد البيعة له إلى الأبد"، وهذا ما حصل في الواقع، لأنه ظل رئيساً مطلق الصلاحيات منذ انقلابه على رفاقه وأقرب المقرّبين إليه عام 1970، حتى يوم وفاته في صيف عام 2000. واللافت، الذي يدعو إلى التمعن، أن حافظ الأسد قد تمكن وهو في حياته من تحديد خليفته في النظام الجمهوري. وكان من الواضح أنه يعتمد في هذا المجال على واجهات حكمه التي ظلت تلازمه منذ بداياته، حتى وفاته، وهي الواجهات التي دينت بالفساد، ومارست التجاوزات، وأسهمت في إحباط فعاليات المجتمع المدني التي انطلقت بعد وصول بشار إلى الحكم، الذي وعد بالكثير في خطاب قسمه الشهير؛ ثم سرعان ما تبين أنه كان يلتزم سياسة "تمسكن حتى تتمكّن".

يمارس النظام السوري اليوم لعبة التضليل بكل مقوماتها في إطار مفاوضات جنيف، عبر اللجنة الدستورية التي لم ولن تصل إلى شيء

واستمر الابن على نهج أبيه، سواء من جهة تنظيم الاستفتاءات الصورية، ومن جهة الاستهتار بالسوريين، وسدّ الأبواب أمام أي عملية إصلاحٍ، كان من شأنها التخفيف من الاحتقانات، والإسهام في حل مشكلات السوريين بالتدريج؛ ولكنه استخدم شعار الإصلاح نفسه لمجرد التعمية، والتضليل، حتى تمكّن من تثبيت نفسه، وأبعد الخصوم المنافسين، وكانت وسيلته في ذلك كله الأجهزة الأمنية، وامتداداتها في الجيش.

أما في انتخابات 2014 فيبدو أنه قد التزم بتوجيهات رعاته الروس والإيرانيين، وهم الخبراء في الانتخابات الشكلية، على الرغم من تعدّدية المرشّحين، فأتاح المجال لمرشّحين آخرين كان كل همهما إبداء دعمها قيادة بشار الأسد. وها هي اليوم المسرحية ذاتها تتكرّر اليوم، وبصورة أكثر ابتذالاً. وربما يوحي المشهد العام بما هو لصالح النظام في هذه الانتخابات، فهو يسيطر على مناطق أوسع من البلاد مقارنة بانتخابات عام 2014. كما أنه تحرّر، بمساعدة الروس، من عقدة هيئة الحكم الانتقالي؛ وهو اليوم يمارس لعبة التضليل بكل مقوماتها في إطار مفاوضات جنيف، عبر اللجنة الدستورية التي لم ولن تصل إلى شيء، إذا ما استمرّت المعطيات الحالية على وضعيتها. كما أن انفتاح دول عربية عليه يخفّف نسبياً من عزلته، وربما يساهم في تخفيف أزمته الاقتصادية؛ ولكن الموقف الغربي الأميركي، والأوروبي تحديداً، الرافض الانتخابات، وعدم الاعتراف بنتائجها؛ لأنها لا تجري وفق الأطر التي حددها قرار مجلس الأمن 2245. بل تأتي بصورة قصدية للالتفاف على هذا القرار، وهو النهج الذي اعتمده بتوجيه من الروس منذ البداية. ويؤكد هذا الموقف أن تعويم النظام وتدويره لن يكونا من باب تحصيل حاصل.

التحرّكات الإقليمية تظل في خانة ترتيب الأوراق، وجمع النقاط، انتظاراً لتبلور معالم الموقف الأميركي

والأمر الذي أثار الانتباه أكثر من غيره ما أعلنه الرئيس الأميركي، جو بايدن، بخصوص ما يمثله النظام من خطورة على الشعب السوري، وعلى المنطقة، وعلى المصالح الاستراتيجية الأميركية نفسها. والسؤال هنا: هل يعد هذا الموقف خطوة أولى واضحة في موقف الإدارة الأميركية من النظام، ستتبعها خطواتٌ أخرى؟ أم أنها تأتي في سياق تبادل الرسائل مع الإيراني، ضمن المفاوضات الجارية حول الموضوع النووي؟

ولكن بالموازاة مع الموقف الغربي الملتزم بعدم التطبيع مع النظام الأسدي؛ يلاحظ وجود حركة إقليمية نشطة بين مختلف الأطراف. منها التواصل الأمني - السياسي التركي المصري، والتركي السعودي، والمباحثات الأمنية السعودية الإيرانية من جهة، والسعودية السورية من جهة ثانية، هذا إلى جانب تسريبات عن لقاءات بين مسؤولين إسرائيليين وممثلين عن النظام برعاية روسية. ولكن كل هذه التحرّكات تظل في خانة ترتيب الأوراق، وجمع النقاط، انتظاراً لتبلور معالم الموقف الأميركي الذي سيؤثر، بطبيعة الحال، في الموقف الأوروبي، ولن يكون بعيداً عن التفاهمات مع الجانب الإسرائيلي، خصوصا بعد تفجر الأوضاع في الاراضي الفلسطينية المحتلة.

في مقدمة المهام التي تنتظر البديل في سورية مهمة ترميم النسيج المجتمعي الوطني السوري الذي فتك به النظام ورعاته

وفي انتظار هذا التبلور، لا بد أن يسعى السوريون من أجل إعداد البديل المقنع للسوريين أولاً، ومن ثم للقوى الدولية والإقليمية. بديل يتوجه إلى جميع السوريين من دون أي استثناء؛ وبخطاب وطني جامع، يقطع بصورة جازمة، نهائية، مع خطاب الكراهية والأحقاد و"الثارات"، سواء المذهبية - الطائفية منها أم القوموية. خطاب يطمئن جميع السوريين، ويركز على القواسم المشتركة؛ ويشدّد على ضرورة احترام الخصوصيات والحقوق، وعلى الدولة المدنية الديمقراطية التعدّدية المحايدة دينياً وقومياً وأيديولوجيا. وفي مقدمة المهام التي تنتظر هذا البديل مهمة ترميم النسيج المجتمعي الوطني السوري الذي فتك به النظام ورعاته. وكذلك مهمة تأكيد دور سورية المفتاحي على صعيد التواصل والتفاهم بين مختلف القوى الإقليمية والدولية؛ والتعاون معها من أجل تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، وتوفير المقدّمات الفعلية لنهوض تنموي يوفر فرص التعليم والعمل للشباب، ويضمن مستقبلاً واعداً لأجيالنا المقبلة.

=========================

ممكنات بناء الوطنية السورية

عمر كوش

سوريا تي في

الاثنين 17/5/2021

ازدادت في الآونة الأخيرة وتيرة الكتابات والدراسات والبيانات التي تناولت الوطنية السورية، واتسم بعضها بالتعميم الشديد، وبعضها الآخر حاول التخصيص ضمن معطيات الوضع الراهن المرهق بحالات التشظي والانقسام على أرض الواقع، حيث يتوزع السوريون بين ثلاث مناطق تتحكم بها سلطات الأمر الواقع، بما فيها المناطق التي يسيطر عليها نظام الأسد، إلى جانب تناثر ملايين السوريين لاجئين ومهاجرين في بلدان الشتات.

وليس المجال هنا للإشادة أو للتقليل من شأن ما صدر عن الوطنية السورية، لكن المفارق هو أن يطرح سوريون كثر على أنفسهم سؤال الوطنية والهوية، بعد انقضاء أكثر من عشر سنوات على انطلاق ثورتهم وأكثر من 75 عاماً على جلاء المستعمر الفرنسي عن بلادهم، بحثاً عن إجابات قد تحمل وعوداً وآمالاً جديدة، وفي وقت أضحت فيه سوريتهم عرضة للتآكل والتشظي، نتيجة انقسامات ومشادات وصراعات ورهانات مختلفة، أحدثت شروخاً وتمزقات وانشطارات في الانتماء بين مكونات النسيج السوري، لدرجة أن أسئلة كثيرة باتت تطاول مفهوم هويتهم وأسباب تأزمها، وماهية الممكنات التي سيعاد عليها بناء وطنية سورية جديدة، وطبيعة مكوناتها ومركباتها، وسوى ذلك كثير.

الثورة شكلت مناسبة غير مسبوقة لوضع اللبنات الأولى لإعادة تشكيل الوطنية السورية من جديد

ويبدو أن سؤال الوطنية السورية يشي بأنها لم تكن صلبة في يوم من الأيام، منذ الإعلان عن تشكيل الدولة السورية بعد الجلاء الفرنسي، مروراً بما كان يسمى "الدولة الوطنية" أو دولة ما بعد الاستعمار، ووصولاً إلى الثورة السورية في 2011 وما بعدها، بل ويذهب بعضهم إلى القول بأنها كانت متحققة بالقوة والقسر وليس بالفعل، ثم جاءت الثورة السورية كي تكشف الغطاء عنها، فظهرت أزمتها وهشاشتها للعيان، مع أن الثورة شكلت مناسبة غير مسبوقة لوضع اللبنات الأولى لإعادة تشكيل الوطنية السورية من جديد، على أسس الاجماع الوطني العام للخلاص من استبداد نظام الأسد، ووفق المبادئ والقيم كانت تنادي به شعارات ومطالب شباب وشابات الثورة في مرحلتها السلمية، والتي كان يحذوها طموح بأن تكون سوريا وطناً نهائياً لجميع السوريين بمختلف تكويناتهم وانتماءاتهم، بناء على قيم الحرية والمواطنة والكرامة وسواها، وبضرورة إعادة تشكيل الوطنية السورية وفق مصالح السوريين وإرادة العيش المشترك لديهم، لكن الذي حدث بعد أن ضاعت الفرضة تماماً، وأُخرِجت الثورة عن مسارها السلمي لينتهي الأمر إلى مزيد من التشظي والتفتت الكارثي.

غير أن الأزمة التي اعترت الوطنية السورية ليست وليد المرحلة الراهنة، ذلك أن الدولة السورية لم تتشكل نتيجة سيرورة اجتماعية واقتصادية تكاملية نابعة من حاجات ومصالح ورغبات الناس في الداخل، بل كانت بدرجة كبيرة نتيجة سياسة تفكيك مفروضة من قوى الخارج الاستعمارية، لذلك اعتبر نزيه الأيوبي أن سوريا انبثقت بوصفها "فضالة دولة" أو "كدولة راسبة" من سوريا الطبيعية أو سوريا الكبرى أو بلاد الشام، ولم يترافق تشكيلها بعد جلاء الاستعمار الفرنسي بمساع كافية من طرف النخب السياسية وسلطات الدولة من أجل تمتين قيم العيش المشترك، بما يسهم في تشكيل هوية وطنية سورية جامعة، عبر صهر مختلف الانتماءات ما فوق الوطنية وما دونها في الانتماء الوطني السوري، والإفادة منها في ترسيخ إرادة في العيش المشترك والتوافق على عقد اجتماعي بين جميع مكونات المجتمع السوري التعددي، الذي تسمه علاقات وانتماءات إثنية ودينية مذهبية ومناطقية متنوعة.

ومع الانقلابات العسكرية بدأت مفاعيل أزمة وطنية عامة في الظهور، وأفضت شيئاً فشياً إلى تآكل قيم العيش المشترك والتضامن الاجتماعي، وخاصة بعد انقلاب الثامن آذار / مارس عام 1963 الذي أوصل حزب البعث إلى السلطة، وأعلن عن اعتلاء فئات، عسكرية ومدنية من الطبقة الوسطى والدنيا الريفية، سدة الحكم، وإزاحة الفئات البرجوازية المدنية التقليدية.

وأخذت الأزمة الوطنية العامة بالتفاقم مع انقلاب حافظ الأسد في 1970، الذي بنى نظاماً تسلطياً شمولياً، مارس فيه مختلف إشكال التغلّب الطائفي، وعمل على تفتيت مختلف أشكال الاجتماع المدني والسياسي، وصادر وقمع جميع أشكال الحراك السياسي والمدني والاجتماعي المخالفة له، أو تلك التي لا تصب في مصلحة نظامه، بوصفها مصلحة وطنية عليا، لتصبح سوريا مملكة له ومختزلة في شخصه وعائلته على حساب إقصاء السوريين وتكويناتهم، لأن السوري بالنسبة إليه لم يكن يعني أكثر من مجرد رقم في أعداد الرعايا، وبالتالي لم يعد يحس السوريون بأي وجود سياسي أو اجتماعي لهم بسبب ممارسات النظام الطاردة للاجتماع السوري، وفي ظل قوانين الطوارئ والأحكام العرفية، بوصفها القوانين والأحكام التي بقيت تشكل امتيازاً مطلقاً بيد نظام الأسد، وسيفاً مسلطاً على رقاب السوريين، أفراداً وجماعات.

ولعل تعامل نظام الأسد الوحشي مع الثورة السورية، أفضى إلى إدخال سوريا في أتون حروب وصراعات متعددة المفاعيل، وذات وجوه وأشكال متعددة، أهلية ودولية وإقليمية. وباتت القضية السورية لعبة تدار بين ساسة وأجهزة الدول الخائضة في الدم السوري، بينما غُيب السوريون، بفعل عوامل ذاتية وموضوعية، عن التأثير في مجريات قضيتهم، وباتوا مجرد أدوات بيد أجهزتها وساستها، الأمر الذي جعلهم خارج اللعبة، وخارج دائرة صنع القرار أو التأثير فيه.

ممكنات بناء الوطنية السورية تستلزم الأخذ بعين الاعتبار واقع السوريين المنقسم والمفتت وكيفيات تجاوزه

وبالنظر إلى غياب التوافق بين الدول والقوى المتحكمة بالوضع السوري، يغيب أي أفق لحل سياسي في سوريا على المدى المنظور، وبالتالي فإن من المرجح أن تسود حالة التفتت والانقسام في الجسد السوري، بالرغم من أن سلطات الأمر الواقع الثلاث لا تتمتع بأي شرعية شعبية، لا سلطة نظام الأسد وميليشياته، ولا الميليشيات والفصائل المسيطرة على مناطق شرقي الفرات أو غربه، كونها تمثل قوى مفروضة على السوريين في مناطق سيطرتها بقوة السلاح ودعم الدول الخائضة في الدم السوري، التي تمثل دول احتلال للأراضي السورية، وبالتالي فإن ممكنات بناء الوطنية السورية تستلزم الأخذ بعين الاعتبار واقع السوريين المنقسم والمفتت وكيفيات تجاوزه، والنظر في الأسباب التاريخية والراهنة التي أنتجت ارتكاسات وأزمات عديدة في الاجتماع السوري، والانصات لهموم وتطلعات مختلف التكوينات ولعلاقتها بالوطنية وتفهم طبيعة تفكيرها، وفتح نقاش وطني عام يهدف إلى تشكيل وعي تعاقدي يبنى على مصالح وتطلعات جميع التكوينات السورية، من خلال مؤتمر وطني جامع لكل المكونات والقوى، بغية تطوير وعي كياني يسهم في تشكيل قطب جاذب لوطنية سورية تعددية وديمقراطية لا تقوم على التغلّب أو المصادرة.

=========================

من القدس إلى العالم .. أسئلة ورسائل

حسان الأسود

العربي الجديد

الاثنين 17/5/2021

ليست معركة الصمود التي يخوضها شباب القدس وصباياها جديدة، إنّها جزء من سلسلة نضالات طويلة مستمرة منذ العام 1967، على الأقل. لكنّ الاستثمار السياسي لأطراف الصراع لم يكن دوماً في صالح هذه النضالات، فكثير من القوى التي دخلت على الخط عبر هذا التاريخ الطويل، والحافل بالهزائم الكبرى والانتصارات الجزئية البسيطة، كانت تسعى إلى خدمة مصالحها بالدرجة الأولى، ولتأكيد حضورها على الساحة الفلسطينية بالدرجة الثانية، باعتبار قضية فلسطين ليست كغيرها من القضايا الأخرى، إنّها قضيّة ذات أسهم مرتفعة القيمة، يمكن الاستثمار فيها بشكل مربح دوماً، وربّما كأفضل استثمار عند الأنظمة التي تحاول تصدير أزماتها واستبدادها بحق شعوبها خارج حدود بلادها.

لم تقتصر عمليات الاستثمار هذه على الأنظمة العربية شرقاً وغرباً، بل دخلت أنظمة إقليمية جديدة بعد الثورة الإسلامية في إيران، وتسلّم نظام الملالي مقاليد السلطة والحكم هناك. تكرّر الأمر بعد فوز حزب العدالة والتنمية في تركيا. تعدّى الأمر مروحة الدول هذه ولم ينحصر فيها، بل اتّسع ليشمل تنظيماتٍ وأحزاباً ومليشيات أيضاً، بدءاً بحزب الله اللبناني وانتهاءً بالحوثيين في اليمن، مروراً بالمليشيات العراقية. وعلى الرغم من اختلاف المواقف والمصالح والأيديولوجيات والخلفيات بين الأطراف المتدخلة، فالقاسم المشترك بينها هو التكسّب سياسياً على حساب فلسطين وأهلها.

في مناطق سيطرة حركة حماس التي ترفع شعار المقاومة، ضمن اصطفافٍ لا تخفيه في حلف عريض تقوده إيران، لا نجد النضال عفوياً شعبياً عميقاً

لكنّ المثير للانتباه حقاً، أنّ نضالات الفلسطينيين تكون على أشدها في المناطق التي ينعدم فيها وجود السلطة الفلسطينية، فالمفارقة العجيبة التي يسجلها التاريخ لنا - نحن العرب - أنّه كلما وجدت قوى ومؤسسات ومنظمات، يفترض بها دعم نضالنا الوطني التحرّري، قلّت فاعلية هذا النضال، وكُبحت نشاطاته وقُيّدت حركته. حتى في مناطق سيطرة حركة حماس التي ترفع شعار المقاومة، ضمن اصطفافٍ لا تخفيه في حلف عريض تقوده إيران، لا نجد النضال عفوياً شعبياً عميقاً، كما نشاهده في القدس. يبدو أنّ الأيديولوجيا تقتل بريق الأشياء ولمعانها.

أسئلة كثيرة تثيرها صواريخ المقاومة الفلسطينية المنطلقة من غزّة باتجاه مدن فلسطين المحتلّة. من بينها بلا شكّ أسئلة الجدوى السياسية، وأسئلة المشروعية الوطنية، وأسئلة الأثمان المدفوعة من دماء الفلسطينيين وحيواتهم، وأسئلة التعاطف العالمي وتعمّق الانكشاف العنصري الصهيوني، وعشرات الأسئلة الجوهرية الأخرى.

هل يحتاج العالم أكثر من هذا الوضوح الصارخ عن معاناة شعبٍ سُلبت أرضه ومُنع حتى من حقّه في الصراخ وإظهار الألم؟

هل كانت وقفات صبايا القدس وشبابها، مصحوبة بالتغطية الإعلامية للقنوات والمجلات والجرائد ووسائل التواصل الاجتماعي كافية وحدها لصناعة نصر، ولو جزئي، في هذه الحالة؟ هل يمكن للتظاهرات والوقفات الاحتجاجيّة التي ينظمها الفلسطينيون والعرب والمسلمون في مدن وعواصم أوروبا وأميركا أن تغيّر من مزاج الرأي العام العالمي؟ وهل لتغيّر هذا المزاج أثر في اصطفاف الحكومات الغربية المنحاز كليّة للرواية الصهيونية؟ وهل يمكن أن نلحظ تغيراً في الخطاب والمواقف الرسمية من حقوق الشعب الفلسطيني في هذه الدول؟ هل يحتاج العالم لأكثر من هذا الوضوح الصارخ عن معاناة شعبٍ سُلبت أرضه ومُنع حتى من حقّه في الصراخ وإظهار الألم؟ أو ليس للثمن الباهظ الذي تدفعه إسرائيل من هيبتها وسمعتها، وأمن منشآتها وسكانها واستقرار اقتصادها، كافياً للقبول بمبدأ الرد العسكري عبر صواريخ حركتي حماس والجهاد الإسلامي؟ ما مشروعيّة السؤال المنطلق من مبدأ سدّ الذرائع، والقائل بوجوب عدم إتاحة الفرصة لإيران بغسل يديها من دماء السوريين والعراقيين واليمنيين واللبنانيين في بحر فلسطين، وعلى مذبح عدالة قضيتها، وهل يتوقف الفلسطينيون عن المقاومة بحجّة منع غيرهم من أن يستغل مقاومتهم؟ هل يملك الغزّيّون خياراً آخر مثلاً، وهم قابعون حبيسي القطاع بلا أفق سياسي تحت سيطرة حكم الحزب الواحد، وهل يبقى للحياة من قيمة عندما يكون للموت طعمٌ أقلّ مرارة من طعم الحياة؟ ألم يحن الأوان للقيادات الفلسطينية في السلطة وفي منظمة التحرير أن تعيد النظر في حساباتها واستراتيجياتها؟ ألم تكتفِ بعدُ من ذلّ المهانة وانعدام جدوى الانبطاح والاستسلام والخنوع؟ هل ينتظر حكّام دول العرب أكثر من هذا ليتحرّك فيهم ما بقي من شرف وضمير، إن لم نقل ما تفرضه اعتبارات السياسة ومصالح الدول؟ ألم يكن لوقفة الفلسطينيين، ومن ساندهم من الشعوب العربية، وقع الصاعقة على المطبّلين والمزمرين من دعاة التطبيع والساعين إليه مهرولين، من دون أدنى كرامة أو خجل؟

العلاقة بين الشعوب أكبر من كل الخطابات والشعارات، إنّها علاقة وجود أو عدم وجود، أدركها الأطفال، كما الشباب والكهول

الحقيقة أنّ الشعوب قالت كلمتها، فالقدس ما زالت وستبقى مهوى أفئدة ملايين العرب. تعبّر الشعوب عن ذاتها وعن مواقفها من دون حسابات في القضايا الكبرى، لا ينتظر المحكومون هنا إذن الحاكم للتعاطف مع أبناء جلدتهم، فلم يكن بعيداً عن الشباب السوري في المدن الثائرة أن يرفعوا علم فلسطين، ولا بدّ أنّ الأردنيين والمصريين وبقيّة العرب من المشرق والمغرب فعلوا ذلك، كلّ على طريقته. كذلك لم يكن مفاجئاً لنا - نحن السوريين - من معشر الثورة، سماع صوت عبد الباسط الساروت يصدح في أسواق القدس العتيقة، ولم يكن غير منتظرٍ أن يرفع شباب فلسطين من باحات الأقصى علم الثورة السورية، ولا أن تتلحفه صبايا القدس الشريف. وليس هذا من باب واحدةٍ بأختها أو هذه بتلك، أبداً، فالعلاقة بين الشعوب أكبر من كل الخطابات والشعارات، إنّها علاقة وجود أو عدم وجود، أدركها الأطفال، كما الشباب والكهول.لم يكن عبثاً أيضاً أن سلك حرس إيران الثوري وحزب الله طريق تحرير القدس من صنعاء إلى بغداد والموصل، مروراً بحلب وحمص ودمشق، وصولاً إلى بيروت، فحرثوا المدن والقرى بحرابهم شبراً شبراً من دون أن يصلوا إلى القدس. هم يدركون، كما ندرك نحن أيضاً، أنّ تحرير القدس يمرّ من كلّ العواصم والمدن والقرى العربية، لذلك كان حقدهم وهمجيتهم بلا حدود. ونحن ندرك ذلك جيداً، ولهذا وقف معنا - نحن السوريين - شباب المخيمات وصباياها من درعا إلى حندرات في حلب، مروراً بمخيمات اليرموك وفلسطين في دمشق، والرملة في اللاذقية، ومخيم حمص، وبقية المخيمات، كما وقف الفلسطينيون حيثما وُجدوا مع أشقائهم العرب في هذه العواصم السليبة. نحن، على الأقل، نعرف عمقنا الاستراتيجي، ونعرف أين نقف ساعة الحقيقة، بحثاً عن الحق ونصرة له.

لن يتوقّف أهل القدس، ولا بقية أهل فلسطين في الداخل وفي المهجر، عن النضال، على الرغم من هذا الاستثمار من الآخرين، فالقضية بالنسبة لهم هي قضية وجود أو لا وجود. كذلك لن تتوقف الشعوب العربية عن محاولاتها كسر القيد، فالجميع يدرك من هو العدو، وأين هو الطريق.

=========================

آل الأسد: صراع الإخوة

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 16/5/2021 

آخر أخبار دمشق، أن أجهزة مخابرات نظام الأسد، بدأت حملة لإزالة صور العميد ماهر الأسد قائد الفرقة الرابعة في مدينة دمشق وريفها، وشملت عمليات إزالة الصور مواقع وحواجز الفرقة الرابعة التي يقودها الشقيق الثالث المتبقي لرئيس النظام بشار الأسد، وأحد أهم المقربين إليه في العائلة، كما شملت الحملة رافعي صور ماهر على سياراتهم الخاصة، حيث طلب منهم إزالة الصور تحت المسؤولية، وترافقت الحملة الرسمية مع موجة معلنة في الإعلام الاجتماعي المؤيد للنظام، توجهت بالنقد إن لم نقل بالتشهير بالعميد ماهر، شملت اتهامه بالفساد، حسب ما قالت رسالة باسم حقيقي وصريح، «إن ماهر الأسد سبب 70 في المائة من الفساد القائم في البلد، ويشبح هو وعصابته على الناس، ويمتصون دماءهم»، وشدد تعليق ناشط معروف من المؤيدين في اللاذقية على قول إن ماهر الأسد «ليس مفروضاً من السماء... وليس له مسمى بالدستور»، و«إن كان شقيق الرئيس، فإنه لا يفترض، أن علينا أن نقدسه أو نبجله».

وإذا أمكن لنا، قول إن صراعات تتصاعد بين الشقيقين أو الشقيين كما يحلو لكثير من السوريين وصفهما، فإن هذا التقدير ليس غريباً أو غير واقعي. ففي تاريخ الإخوة من عائلة الأسد وقائع كثيرة، لعل الأهم فيها خلاف الأخوين الرئيس السابق حافظ وشقيقه اللواء رفعت قائد سرايا الدفاع في الثمانينات، وقد انتهى بتسوية، قامت على تسفير رفعت إلى المنفى، بعد أن كاد حافظ يقتله لولا تدخلات والدتهما. ومما يعزز هذا التقدير، أن رأس النظام بشار الأسد، خرج للتو من صراع شرس مع ابن خاله رامي مخلوف، أحد أقرب المقربين له، والوجه الاقتصادي الأبرز للنظام، ومدير القسم الرئيس لثروة آل الأسد، وكانت نهاية الصراع إبعاد رامي والسيطرة على القسم الأهم من أعماله وثروته في سوريا.

ولا شك، أن مجريات الحال السوري في السنوات الأخيرة، هيأت الظروف لتمايز المواقع والمصالح بين الشقيقين رغم كل ما يجمعهما. فالحرب التي يخوضها نظام الأسد ضد السوريين، غيرت قواعد كثير من العلاقات داخل النظام، سواء على مستوى الأشخاص أو الأجهزة الأمنية والعسكرية، خصوصاً إذا كان الأمر يتصل بشخص مثل ماهر الأسد وجهاز أمني عسكري مثل الفرقة الرابعة، حيث الشخص شريك في النظام الموروث، إضافة إلى أنه ضابط كبير في النظام، والفرقة الرابعة ليست جزءاً من الجهاز الأمني - العسكري للنظام، بل المعنية بالدفاع عنه، وهي صاحبة التأهيل والتسليح والميزانية الأعلى من غيرها، وكله أعطى قائدها كما أعطاها تميزاً ممتداً في كل الاتجاهات لدرجة صارت وكأنها كيان موازٍ للدولة السورية، بل هي قادرة على التأثير على الأخيرة في جوانب متعددة.

وإذا كانت تلك التطورات لفتت انتباه رأس النظام منذ سنوات، فقد كرر النظام محاولاته في وقف تمدد قوة ماهر الأسد والفرقة الرابعة إلى ما بعد الدور الأمني - العسكري، كما في موضوع المكتب الاقتصادي للفرقة الرابعة الذي كان يعني إجراءات تخصها (مثل عمليات الترفيق والخاوات وتلزيم التعفيش، إضافة إلى تصنيع المخدرات والاتجار بها) للحصول على أموال تتعلق ظاهراً بتمويل عملياتها ودعم ميزانيتها، بينما الجزء الأساسي منها يذهب إلى تراكم الثروة الشخصية لماهر الأسد.

وكان بين محاولات النظام لجم نشاط ماهر وفرقته الرابعة، حملة تكررت ضد المقربين منه، وأبرزها ملاحقة، ثم اعتقال، مدير مكتبه العميد غسان بلال وصاحب عدة مناصب أمنية وعسكرية، وبعض مساعديه من جانب المكتب الأمني في القصر الجمهوري، قبل أن يتدخل الروس في القضية، مما أدى إلى كف يد غسان بلال بصورة نهائية وترفيعه إلى رتبة لواء إيذاناً بوضعه خارج الخدمة، وإحالته على التقاعد أواسط عام 2019.

ولم تؤثر نهاية بلال وأزلامه على توجهات ماهر الأسد وفرقته ومشاريع تمددها، خصوصاً في ظل دعم إيراني واسع لماهر الأسد الموصوف بأنه «رجل إيران الأبرز»، مما جدد محاولات الروس تحجيمه، وكانت آخر المحاولات مطلع مايو (أيار) 2021، حيث أبلغ قائد قاعدة حميميم الجنرال فيتسلاف سبتكين، النظام، ضرورة وقف عمليات تهريب الوقود والمواد التي تدعمها الدولة اللبنانية والمخدرات عبر الحدود، التي تقوم بها أو تدعمها الفرقة الرابعة بين سوريا ولبنان، وطبقاً لمعلومات مسربة، فإن الموضوع جرى بحثه مؤخراً بين الشقيقين بشار وماهر.

ثمة نقطة أخيرة لا بد من إشارة إليها في سياق ما يبدو من صراع الأخوين بشار وماهر، وهو الدور الذي يمثله وجود أسماء الأسد في فضاء السياسة السورية، وهو يتعدى دورها في الحد من وجود ونفوذ أشخاص مقربين من بشار والاستيلاء على أموالهم على نحو ما ظهر دورها في صراع بشار ورامي مخلوف.

=========================

وجهة نظر : تمرير الانتخابات الأسدية موقف وبالموقف نرد عليه

زهير سالم*

مركز الشرق العربي

20/ 5/ 2021

- لن يكون لنا حديث عن مشروعية الانتخابات، وحقيقتها ومعناها فكل ذلك مما لا يخفى وما لا يحتاج إلى بيان ..

وإنما نحن هنا الساعة لنقول ...

- إن الانتخابات الأسدية في سورية، تجري تحت الرعاية الدولية والإقليمية، وما كانت هذه الكوميديا السوداء لتمر لولا موافقة بقية الدول الفاعلة في العالم وفي الإقليم عليها. ولن تغرنا الجعجعة ونحن نرى غبار طحينهم الأسود يجلل وجوههم.

- ونعتبر السماح بتمرير مهزلة الانتخابات، والسكوت عليها ، نوعا من التواطؤ المسبق، بين الأطراف الدولية والإقليمية ،على التجديد لمشروع القتل والتهجير والتدمير ...

- ونحن - جماهير هذه الثورة المباركة - نملك " اللا " الأكبر والأثقل والأبقى في صنع قرار اليوم، ورسم أفق الغد . فنضّر الله رجلا قال " لا " ورد على الموقف بموقف.

نعم نحن مطالبون بموقف جماهيري وموقف شرعي وسياسي أكثر وعيا وتقدما وتحديا يعلن : أن لا للتفريط بأهداف الثورة، ولا للمفرطين، ووفاء لدماء الشهداء وعذابات المعذبين، وآمال المؤملين..

- ونؤكد أن تمرير المهزلة - الجريمة، لن يمر بصمت ولا مبالاة، كما يتوقعون بل سيكون الضربة القاضية لكل "عنعنات" الحل السياسي، والقرارات الأممية ... من جنيف إلى أستانا إلى سوتشي... ولقد تكشفت جنيف السورية عن أسوأ مما تكشفت عنه أوسلو الفلسطينية، لقوم يتفكرون ..

- إن مهزلة الانتخابات التي ستجدد لبشار الأسد تدعونا لننبذ على سواء إلى كل شركاء الأسد في مؤسسات المعارضة الأكثر هشاشة من " صندوق التزوير " وبكلمة واحدة نقول لهؤلاء المستخفين بدماء شعبنا : اعتدلوا أو اعتزلوا ...اعتزلوا قبل أن يلحقكم عار الشراكة في كل جرائم الإثم؛ كل حرة انتهكت، وكل قطرة دماء أريقت، وكل صدر طفل أطفأ الحياة فيه غاز السارين .... وسنكون في يوم الدين أول الشهود عليكم بين أيدي أحكم الحاكمين.أنكم كنتم الشركاء والمدلسين .. وكنتم غطاء الإثم للجريمة الأكثر بشاعة في القرن الحادي والعشرين.

- وقد آن لهذا المسلسل المأساوي الكئيب أن يتوقف ، وآن للمخرجين والممثلين أن يغادروا ، فقد احترق المسرح فوق الرؤوس وتحت الأقدام . تهدمت أرضية المسرح وظهر وجه الملقن الكئيب..

 وآن لأحرار شعبنا أن يتميزوا بموقفهم وبكلمتهم ..

وكلمة الواحد بواحد ، وكلمة الألف بألف ..

وجواب الموقف موقف ، وليس كلامَ ليل يمحوه النهار .. وسيعلم الذين ظلموا، والذين خانوا، والذين هانوا ، أي منقلب ينقلبون ...

_____________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

أين فيلق القدس الإيراني من القدس؟

 د. فيصل القاسم

القدس العربي

الاحد 16/5/2021

لم تكن إيران وميليشياتها في وضع أسوأ إعلامياً وشعبياً مما هي عليه الآن بعد انتفاضة القدس الجديدة واندلاع المعارك بين إسرائيل وحركة حماس، فقد غصت مواقع التواصل الاجتماعي بالسخرية من عنتريات إيران وفيالقها وشعاراتها البالية، فبينما يخوض أهل القدس وحليفتها حركة حماس معارك ضارية مع قوات الاحتلال الإسرائيلي، تنشغل إيران بالمفاوضات مع أمريكا وإسرائيل لإعادة العمل بالاتفاق النووي الذي ألغاه الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، وكأنها تقول للفلسطينيين: «اتركونا بحالنا، الذي فينا يكفينا». لا بل إن وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف طالب المجتمع الدولي بحماية قطاع غزة من الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة. وهذا يجعلنا بشكل أتوماتيكي نتساءل: وماذا عما يسمى بفيلق القدس؟ أليس من مهمته الدفاع عن القدس، إم إنه خاض كل معاركه في سوريا والعراق واليمن ضد السوريين واليمنيين والعراقيين بعيداً عن القدس؟

لماذا تاه الفيلق المزعوم بين الرقة ودير الزور ولم يجد طريقه إلى زهرة المدائن؟

ويقول أحد المعلقين في فيسبوك ساخراً من الموقف الإيراني: «أبشركم بأن إيران أطلقت صاروخاً هائلاً على أهداف صهيونية لكن الصاروخ للأسف أخذ مسار الصاروخ الصيني (بطاريته هواوي) ويمكن أن يسقط في غابات الأمازون». ويضيف آخر: «وين «صواويخك» يا أوطى من نعل؟ عالسوريين فقط؟ على العرب فقط؟ يا تاجر الدم والمخدرات؟» ويتهكم معلق ساخراً من تجارة المخدرات الإيرانية: «لا تلوموا فيلق القدس فهو مشغول بحشو الرمان هذه الأيام». ويتساءل معلق لبناني: «أين طائرات الحوثي المسيرة التي تقصف السعودية عمال على بطال؟ أين صواريخه الإيرانية البالستية التي لم تترك مكاناً في السعودية إلا وطالته؟ فعلاً وين طائرات الحوثي المسيرة… ليش ما بتروح إلا على السعودية.. اغلطوا شي مرة يا بتوع الشيطان الأكبر وارسلوا واحدة لفلسطين إذا كنتم رجالاً فعلاً»؟ «أين صواريخ هيفا وما بعد هيفا» يتهكم أحدهم على عنتريات حسن نصرالله القديمة؟ ثم لماذا ألقى حزب الله القبض على الأشخاص الذين أطلقوا صواريخ على إسرائيل من جنوب لبنان فوراً وتبرأ من العملية بسرعة البرق؟ «سرعة نفي حزب الله لإطلاق الصواريخ على إسرائيل أسرع من هدف ريال مدريد في مرمى مانشستر ستي».

لا شك أن الإيرانيين يشعرون بحساسية الوضع في فلسطين، وهم يتابعون مواقع التواصل وردود الفعل العربية وسخريتها المرة من العنتريات الإيرانية، فراحوا يمررون عبر أبواقهم الخلفية كلاماً عن أن الصواريخ الفلسطينية التي تدك المدن الإسرائيلية هي صواريخ إيرانية.

انظروا إلى العواصم التي تهيمن عليها إيران: بغداد صارت بشهادة الأمم المتحدة أوسخ عاصمة في العالم، بينما صارت بيروت أكبر مزبلة في الشرق الأوسط،. أما دمشق فتحولت إلى خرابة، بينما عادت صنعاء إلى غياهب القرون الوسطى

ويقول الدكتور عبده اللقيس أحد المدافعين عن إيران في لبنان: «ما رأيكم بعد هذا التطور الصاروخي النوعي اللبناني منه والإيراني والذي مازال في بدايته؟ هل ما زال هناك من يسأل ماذا قدم فيلق القدس للقدس وأهلها؟ بعد أن كان الفلسطينيون يرشقون الصهاينة بالحجارة أصبحوا يرشقون كل المدن المحتلة بأفضل الصواريخ. وهل هناك من يجرؤ من الأعراب أو غيرهم على الادعاء بأنه ساهم في إيصالها للمقاومة؟ أم هل هناك من يجرؤ على تأييده لهذا النوع من الدفاع عن الشعب الفلسطيني غير قيادات محور المقاومة التي تفاخر بهذه الانجازات؟» لقد رد كثيرون على تصريح اللقيس بالقول إن الصواريخ أولاً صناعة فلسطينية وبعضها مسمى على اسم يحيى عياش خبير الصواريخ الراحل الشهير الذي اغتالته إسرائيل حتى لو كانت التقنية إيرانية، لكن التي تطلقها أياد فلسطينية، ناهيك عن أن التقنية ليست حكراً على إيران حيث إن إيران نفسها اقتبستها من الروس بعد انهيار الكتلة الشيوعية. ثم ألا تحارب كل الدول بأسلحة مستوردة أصلاً؟ ألم تقاتل فصائل المعارضة السورية النظام بأسلحة روسية مثلاً؟ والغريب في الأمر أن إيران تبتز حماس بقضية مدحها وتضخيم دورها مقابل تقنية الصواريخ وقضية الدعم المالي، وغالباً ما تطلب من الفلسطينيين تعداد مآثر إيران ودورها في المقاومة مقابل هذا الدعم

وتفرض عليهم ضرورة أن يذكروا اسم إيران في بياناتهم. إنه ابتزاز إيراني رسمي لحركة حماس.

على العموم، لم تنجح إيران ولن تنجح في لعبة العلاقات العامة لتلميع صورتها والاستفادة من الانتفاضة الفلسطينية الجديدة، فالشارع العربي بمعظمه يسخر منها. وقد أظهرت استفتاءات على موقع تويتر أن أكثر من خمسة وثمانين بالمائة من المصوتين لا يثقون بالموقف الإيراني من القضية الفلسطينية. «كيف للذين قتلوا وشردوا ملايين السوريين والعراقيين واللبنانيين واليمنيين أن ينصروا الفلسطينيين…شوية عقل يا رجالة؟ لا يضحكوا عليكم بشوية مفرقعات» يصيح أحد المعلقين…هل تريد إيران تحرير القدس وإعطاءها للفلسطينيين أم تريد إضافتها إلى مجموعة العواصم العربية التي تحتلها كدمشق وبغداد وبيروت وصنعاء….عندما تزعم إيران أنها تدعم الفلسطيني للقتال ضد إسرائيل، هل تفعل ذلك لمساعدته على تحرير أرضه، أم لتحرير القدس من الإسرائيلي وضمها إلى العواصم العربية الأربع الأخرى التي تحتلها ايران؟» وقد وصل الأمر ببعض المعلقين إلى تفضيل بقاء القدس تحت الاحتلال الإسرائيلي على تحريرها من قبل الإيراني. ويسخر هنا قائلاً: «انظروا إلى العواصم التي تهيمن عليها إيران: بغداد صارت بشهادة الأمم المتحدة أوسخ عاصمة في العالم، بينما صارت بيروت أكبر مزبلة في الشرق الأوسط،. أما دمشق فتحولت إلى خرابة، بينما عادت صنعاء إلى غياهب القرون الوسطى».

لماذا تريدون أن تضحكوا علينا ببضعة صواريخ أيها الإيرانيون وأنتم قتلتم وشردتم ملايين السوريين والعراقيين واللبنانيين واليمنيين. صواريخكم هذه لا يمكن أن تنسينا أن الاحتلال الصفيوني لا يقل سوءاً إن لم يكن أخطر من الاحتلال الصهيوني.

=========================

الأسد والمتاجرة بالقضية الفلسطينية

عبسي سميسم

العربي الجديد

الاحد 16/5/2021

لطالما اتسمت مواقف النظام السوري مما يجري في فلسطين المحتلة بالتناقض والمخاتلة والمتاجرة بالقضية الفلسطينية.

اكتسب نظام الأسد، الأب والابن، الجزء الأكبر من شرعيته أمام الجمهور السوري والعربي من خلال رفع شعارات الدفاع عن القضية، وشعارات المقاومة والصمود والتصدي بدون تنفيذ أي منها. بل على العكس قام خلال العقود الماضية بمنع كل أشكال المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، عبر الأراضي السورية. ووقّع النظام مع المحتل اتفاقاً تكفل من خلاله بحماية حدود إسرائيل من أية عمليات مقاومة.

ففي غمرة العدوان الإسرائيلي المستمر منذ أيام، استغلت وسائل إعلام النظام السوري الحدث للتغني بصمود الشعب الفلسطيني، وبانجازات المقاومة الفلسطينية، لكن من دون أي ذكر لحركة حماس أو أي من الفصائل التي تقود المقاومة ضد الاحتلال، وإنما اكتفت بكلام عام، واستعادة للشعارات التي يرفعها النظام نصرة لفلسطين بدون أي موقف فعلي. ولا يمكن إغفال أن النظام نفسه الذي يتغنّى بإنجازات المقاومة سبق أن دفع بقيادة حركة "حماس" إلى مغادرة الأراضي السورية في بداية الثورة السورية، إثر ضغوط عليها للاصطفاف إلى جانبه ضد الثورة.

وخلال أحداث الثورة السورية منذ عشر سنوات، عمل النظام على التنكيل بالفلسطينيين في سورية، ودمّر، بدون مبررات عسكرية، أكبر تجمعاتهم المتمثلة في مخيم اليرموك، بحجة محاربة تنظيم داعش، وأطبق عليهم حصاراً عبر منع الطعام عنهم ما تسبب في موت عدد منهم جوعاً. كما وضع الشباب الفلسطيني في سورية أمام أحد خيارين، إما محاربة المعارضة السورية أو الاتهام بالخيانة والاعتقال، ما دفع أكثر من نصف عدد الفلسطينيين الذين كانوا يقيمون في سورية إلى مغادرتها، فيما يعيش المتبقون ظروفاً سيئة بعد تدمير مخيماتهم في جنوب دمشق وغربها وفي محافظة درعا جنوب سورية.

طعن النظام القضية الفلسطينية في أكثر من مناسبة خلال العقود الماضية، التي ارتكب خلالها مجازر بحق فصائل المقاومة الفلسطينية، وأنشأ فرعاً أمنياً خاصاً تحت اسم فرع فلسطين مهمته اعتقال كل من ينتسب لفصيل مقاوم لإسرائيل من السوريين والفلسطينيين أو أية جنسيات أخرى.

والآن بينما تشهد الحدود مع لبنان والأردن تحركات شعبية لنصرة القدس وغزة، لم يسمح النظام بمثل هذه التظاهرات، بل لم تشهد جميع مناطق سيطرته تظاهرة واحدة للتضامن مع ما يجري في فلسطين.

=========================

رياح جديدة تهبّ على منطقة الشرق الأوسط

حسن نافعة

العربي الجديد

الاحد 16/5/2021

حين اندلعت "ثورات الربيع العربي" في نهاية عام 2010 وبداية عام 2011، بدا واضحا أن هناك رغبة شعبية عارمة في التخلص من نظم الفساد والاستبداد التي جثمت طويلا على صدور الشعوب العربية، مصحوبة بطموحات جارفة في إرساء دعائم نظم حكم أكثر ديمقراطية، وأقل فسادا واستبدادا، غير أن رياح التغيير التي هبت على العالم العربي في ذلك الوقت لم تتمكّن من مواصلة مسيرتها بما تشتهي سفن الشعوب، حيث اعترضت طريقها قوى مناهضة للتغيير في الداخل والخارج. وقد أفرز التفاعل بين القوى الراغبة في التغيير والقوى المناهضة له عن سلسلة من التحالفات الإقليمية اتسمت، في البداية، بقدرٍ كبيرٍ من السيولة قبل أن تستقر ملامحها لاحقا، ففي البداية، ظهر تحالف سعودي إماراتي قطري، مدعوم من تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، سعى إلى حماية النظام الحاكم في البحرين، ثم أصبح طرفا فاعلا في المحاولات الرامية إلى تغيير النظم الحاكمة في كل من ليبيا وسورية .. إلخ، غير أن تطور الأوضاع في المنطقة عموما، وفي مصر خصوصا، سيما عقب إطاحة الرئيس المنتخب، محمد مرسي، أثرت على تماسك هذا التحالف، حيث بدأت تظهر شروخ عميقة في مجلس التعاون الخليجي، ما لبثت أن انتهت بانفجاره من داخله. وهكذا راحت تتشكل في المنطقة بالتدريج، خصوصا بعد وصول ترامب إلى سدة السلطة في الولايات المتحدة، ثلاثة أحلاف متباينة التوجهات والأهداف: سعودي إماراتي، مدعوم عربيا من مصر والبحرين والأردن، وإقليميا من إسرائيل، ودوليا من الولايات المتحدة. إيراني سوري، مدعوم عربيا من حزب الله اللبناني وحركات المفاومة الفلسطينة المسلحة، ودوليا من روسيا والصين. قطري تركي، مدعوم من القوى المنشقة على النظامين الحاكمين في مصر وسورية، ومن بعض جماعات متصارعة على الحكم في ليبيا بعد سقوط نظام القذافي.

كان في وسع كل متأمل لمسار الأحداث في هذه المرحلة أن يلحظ بسهولة أن حركة التفاعلات بين هذه الأحلاف الثلاثة وداخلها أسهمت بدور كبير، ليس فقط في إشعال عدد من الحروب الأهلية والإقليمية والدولية، خصوصا في اليمن وسورية وليبيا والعراق، وإنما كادت تؤدّي، في الوقت نفسه، إلى غزو مسلح لدولة قطر، المحاصرة من السعودية والإمارات والبحرين ومصر. وإلى إحداث قطيعة شاملة بين تركيا والسعودية، خصوصا بعد وقوع حادث اغتيال الصحافي السعودي، جمال خاشقجي، داخل مبنى القنصلية السعودية في إسطنبول، بل وإلى إشعال فتيل مواجهة مسلحة بين مصر وتركيا على الساحة الليبية. ولا شك أن وصول ترامب إلى سدة السلطة في الولايات المتحدة، وما أعقب ذلك من انسحاب إدارته من الاتفاق النووي مع إيران، وتبنّيها سياسة الضغوط القصوى في مواجهة إيران، ثم الإعلان عن "صفقة القرن" التي استهدفت تصفية القضية الفلسطينية، كلها عوامل لعبت دورا حاسما، ليس فقط في تثبيت دعائم هذه الأحلاف، وإنما أيضا في رسم (وتحديد) أنماط التفاعلات وخطوطها المتبادلة فيما بينها. لذا كان من الطبيعي أن تفرز خسارة ترامب الانتخابات الرئاسية في نوفمبر/ تشرين الثاني 2020 تفاعلاتٍ من نوع جديد، من شأنها التأثير ليس فقط على قدرة هذه الأحلاف على التماسك، وإنما على قابليتها للاستمرار أيضا.

يتولد لدى أي مراقب شعورٌ قويٌّ بأن رياحا جديدة بدأت تهبّ على منطقة الشرق الأوسط، وبدأت تُحدث تغييراتٍ يمكن منذ الآن الإمساك ببعض أطرافها

لم يكن جو بايدن قد استقر رسميا في البيت الأبيض بعد، حين انعقدت قمة مجلس التعاون الخليجي التي أصدرت "بيان العلا" الذي وضع حدّا للحصار المفروض على قطر، والذي استمر أكثر من ثلاث سنوات. وفي تقديري أن هذا البيان كان بمثابة نقطة الانطلاق الرئيسية، ليس فقط لعملية تطبيع متسارعة للعلاقات السعودية القطرية، وإنما أيضا لعمليةٍ أكبر تستهدف إعادة صياغة مجمل العلاقات بين دول المنطقة، فما هي إلا أسابيع، أو شهور قليلة، حتى كانت تركيا قد بدأت تنفتح رسميا على دول عربية كثيرة، ناصبتها العداء فترة طويلة، في مقدمتها مصر والسعودية والإمارات، ثم راحت حركة التفاعلات، وما تنطوي علية إعادة صياغة للتحالفات في المنطقة، تواصل مسيرتها، إلى أن بلغت ذروتها بالإعلان عن اتصالات ومفاوضات رسمية تجري بين السعودية وإيران، عبر وساطة عراقية، وذلك قبل أن تفاجئنا صحيفة الغارديان البريطانية بالكشف عن اتصالاتٍ جرت في دمشق أخيرا بين كل من رئيس المخابرات السعودية، خالد الحميدان، ورئيس مكتب الأمن القومي المشرف على أجهزة المخابرات السورية، علي مملوك.

حين يصل زخم الاتصالات والتفاعلات بين خصوم الأمس إلى هذه الدرجة من الكثافة، من الطبيعي أن يتولد لدى أي مراقب شعورٌ قويٌّ بأن رياحا جديدة بدأت تهبّ على منطقة الشرق الأوسط، وأن هذه الرياح بدأت تُحدث بالفعل تغييراتٍ يمكن منذ الآن الإمساك ببعض أطرافها. ولكن قد يصعب، في الوقت نفسه، التكهن بالمدى الذي يمكن أن تصل إليه على المدى المنظور. ومع ذلك، قد لا يكون من المبالغ فيه أبدا، في تقديري على الأقل، التأكيد على أن المنطقة تبدو مقبلةً على تحولاتٍ جيواستراتيجية عميقة وبعيدة المدى.

مسار مفاوضات فيينا يشير إلى أن إدارة بايدن باتت مقتنعةً بأن عودتها إلى الاتفاق النووي مع إيران الوسيلة الوحيدة المتاحة أمامها

حمل وصول بايدن إلى السلطة في الولايات المتحدة مؤشّرات عديدة على تغييرات كبيرة محتملة في سياسة الولايات المتحدة الخارجية، بصفة عامة، وفي سياستها تجاه منطقة الشرق الأوسط، بصفة خاصة، أهمها احتمال العودة فعلا إلى الاتفاق الخاص بالبرنامج النووي الإيراني المبرم عام 2015. ومع ذلك، يبدو أن دولا عربية، في مقدمتها الإمارات، وربما السعودية أيضا، ظلت تراهن بعض الوقت على قدرة إسرائيل على عرقلة هذه العودة أو على الأقل ربطها بتعديلاتٍ جوهريةٍ، يراد إدخالها على هذا الاتفاق، تشمل برنامج إيران الصاروخي وسياساتها الإقليمية، غير أن هذا الرهان راح يتبدّد تدريجيا، بعد أن اتضح، بمرور الوقت، أن إيران والولايات المتحدة متنبهتان ومتحسبتان تماما للمحاولات الإسرائيلية المستميتة لقطع الطريق على العودة إلى الاتفاق النووي، ويدركان أن لهما معا مصلحة مباشرة في إفشالها. الأهم من ذلك أن كل الأطراف المعنية بالبرنامج النووي الإيراني بدأت تدرك يقينا أن إيران لن تقبل مطلقا بإدخال أي تعديلاتٍ على الاتفاق الأصلي. وبالتالي، لم يعد أمام الولايات المتحدة من خيار آخر سوى العودة بالاتفاق إلى النقطة التي كان عليها، حين قرّر ترامب الانسحاب منه. وواضح أن مسار المفاوضات في فيينا يشير إلى أن إدارة بايدن نفسها باتت مقتنعةً تماما بأن عودتها إلى الاتفاق النووي هو الوسيلة الوحيدة المتاحة أمامها، لضمان سلمية برنامج إيران النووي، وأن النكوص عن هذه العودة سوف يضعها لا محالة أمام خيارين، كلاهما مر وغير مقبول. الأول اقتراب إيران أكثر من صنع السلاح النووي، والثاني دخول الولايات المتحدة في حرب مباشرة وشاملة معها، لمنعها من التحول خلال فترة وجيزة إلى قوة نووية. وحين أدركت دول المنطقة أيضا هذه الحقيقة، لم يكن أمام الجميع من سبيل آخر سوى أن يسعى كل منها إلى إعادة صياغة سياستها الخارجية للتأقلم مع التغيرات التي طرأت على السياسة الخارجية الأميركية في العالم، وفي المنطقة، وهو ما يفسّر عمق التحولات التي بدأت تطرأ على حركة السياسة الخارجية لدول المنطقة، باستثناء إسرائيل طبعا.

وحدها إسرائيل في المنطقة ستقاوم بضراوة رياح التغيير القادمة

قد يكون من السابق لأوانه الجزم بأن العودة الأميركية إلى الاتفاق النووي الإيراني باتت مؤكدة أو وشيكة، أو أنها، إن تمت، ستساعد بالضرورة على حسم انتخابات الرئاسة المقبلة في إيران لصالح التيار الإصلاحي، غير أن هناك مؤشّرات عديدة ترجح التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران قبل نهاية شهر مايو/ أيار الحالي، بل وترجّح أيضا أن يكون لهذا الاتفاق تأثير إيجابي على الانتخابات الرئاسية في إيران، لصالح التيار المحافظ. وفي جميع الأحوال، سوف يكون من الصعب جدا على أي رئيس إيراني قادم، حتى لو انتمى إلى التيار المتشدد، عرقلة تنفيذ هذا الاتفاق أو رفضه، في حال التوصل إليه.

تفتح عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق الخاص بالبرنامج النووي الإيراني، وانفتاح كل من إيران وتركيا على الدول العربية المناوئة لسياساتها، بابا جديدا للأمل قد يؤدي إلى تهدئة الأوضاع في المنطقة، والتقدّم بجدّية نحو البحث عن تسوياتٍ متوازنةٍ ليس فقط للأزمات والحروب المشتعلة في اليمن والعراق وسورية وليبيا، وإنما للقضية الفلسطينية أيضا، فهل تستطيع الدول العربية الرئيسية انتهاز الفرصة لقيادة العالم العربي نحو صياغةٍ جديدةٍ وجماعيةٍ وواعيةٍ لعلاقة متوازنة مع كل من إيران وتركيا، بما يساعد على فتح الطريق نحو العمل على إيجاد تسوياتٍ سياسيةٍ لهذه الأزمات؟ سيتوقف هذا، في النهاية، على مدى استعداد الدول العربية، خصوصا التي ما تزال تراهن على إسرائيل، لإعادة صياغة علاقتها بالكيان الصهيوني الذي ينبغي التعامل معه باعتباره المصدر الرئيسي لتهديد أمن العالم العربي كله.

كان من الطبيعي أن تفرز خسارة ترامب الانتخابات الرئاسية تفاعلاتٍ من نوع جديد

وحدها إسرائيل في المنطقة التي ستقاوم بضراوة رياح التغيير القادمة، وبالتالي ستبذل كل ما في وسعها ليس فقط للحيلولة دون عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق الخاص بالبرنامج النووي الإيراني، وأيضا للحيلولة دون حدوث أي تقارب حقيقي بين الدول العربية وإيران، وبين الدول العربية وتركيا. فهل وصلت الرسالة؟ يلفت نظري مقال بعنوان "بدأ العد التنازلي لحرب إسرائيلية على إيران"، كتبه جون حنا John Hannah، كبير الباحثين في المعهد اليهودي للأمن القومي الأميركي، والمستشار السابق لنائب الرئيس الأميركي السابق، ديك تشيني، ونشرته مجلة "فورين أفيرز"، في 6 مايو/ أيار الحالي، خلاصته أن الزيارة التي قام بها الوفد الأمني الإسرائيلي إلى واشنطن قد فشلت، ومن ثم لم يعد أمام إسرائيل سوى شن الحرب على إيران، لمنعها من امتلاك السلاح النووي. ومعروف أن الهدف الرئيسي من زيارة هذا الوفد كان إقناع إدارة بايدن بعدم العودة إلى الاتفاق النووي.

لا تقرّر إسرائيل منفردة شن حرب على إيران، لكنها إذا كانت تعتقد أن الحرب على إيران خيارها الوحيد، فلماذا لا تتركها الدول العربية تذهب إليها منفردة؟ ولماذا تربط بعض الدول العربية مصيرها بإسرائيل؟

=========================

وجهة نظر : السبت العاشر من شوال 1442 ... يوم كئيب في تاريخ سورية الحديث ولطخة عار على جبين الشهباء حتى تغسل

زهير سالم*

مركز الشرق العربي

23/ 5/ 2021

تم يوم أمس السبت : الموافق 10/ شوال 1442 - المصادف 22/ 5 / 2021 افتتاح وكرا للجريمة والفساد والإثم والفجور في مدينة حلب الشهباء. تحت عنوان " القنصلية الإيرانية" !!

وقد تم افتتاح هذا الوكر المريب بحضور كلٍ من الأشأمين " جواد ظريف " و" فيصل المقداد" ..

نعتقد أن هذه القنصلية ستكون مركزا لإدارة الصراع بأشكاله ضد سورية والسوريين، على المستويات الإسلامية والقومية والاجتماعية والاقتصادية ..

ستكون هذه القنصلية مركزا لإدارة المعركة ضد الشعب السوري عن قرب، ووكرا للسيطرة على الأرض والمقدرات وعلى العقول والقلوب ..

وستكون وكرا لنشر الأضاليل والخرافة والجهل تحت مسميات "صاحب الزمان" الذي يزعمون أنه سيملؤها رشادا وعدلا بعد أن ملؤوها ظلما وفساد وجورا ..

وستكون - هذه القنصلية - وكرا لتنفيذ المخططات السليمانية بأبعادها كافة ، في مشروع لتغيير الهوية الدينية والقومية للشعب السوري، كما فعلوا ذلك في أقطار أخرى من بلاد المسلمين. وسيروجون من خلال هذه القنصلية الأساطير والأباطيل وسيرقص على صوت فحيحهم عملاء مأجورون قد عرفناهم بسيماهم منذ عقود.

ستكون القنصلية "الوكر " مركز لترويج الخنا والزنا تحت العنوان الذي تعرفون . وستكون مركزا لترويج أنواع المخدرات والسموم فهؤلاء المجرمون قد استفادوا جيدا من درس " حرب الأفيون "

إن استمرار بشار الأسد في تحويل الأرض السورية إلى "إقطاعات" يقدمها يوما للروسي ويوما للصفوي؛ يحتم على كل سوري حر أصيل أن يكون له موقف صلب حقيقي إزاء المؤامرة الكونية الكبرى التي ينفذها بشار الأسد على كل سورية وكل السوريين!!

ويوما بعد يوم تكتشف أمتنا أن المشروع الصفوي هو الأخطر على وجودها وعلى بقائها. لم يصغ الكثيرون جيدا لخطاب نصر الشيطان وهو يصرح منذ اليوم الأول لدخوله سورية أن حرب هؤلاء الأوغاد فيها " حرب وجود "

والمشروع الصفوي الطائفي القذر هو الأخطر لأننا بتنا نرى قيادات حقيقية كنا نقدر فيها الوعي والرشاد قد ابتلعت طعمه، وسارت في ركبه ، وباتت تزجي " تصلي وتسلم عليه " بينما لم يخدع صادق واحد من أبناء أمتنا بسمادير التطبيع مع الصهيوني ، ولا بأساطير السلام الكذوب...!! في السم المدسوس بالدسم ، والمحلى بالعسل يكمن الخطر الرهيب!!

أيها السوريون الأحرار الأصلاء ...

والرأي رأيكم فماذا تأمرون ...!!

_____________

*مدير مركز الشرق العربي

========================

مستقبل سورية بين الانقسام والوحدة

عمار ديوب

العربي الجديد

الاحد 16/5/2021

افتقار السوريين إلى دورٍ مُقرّرٍ في مستقبل بلادهم أصبح الواقعة التاريخية المؤلمة منذ عدّة سنوات. الخارج الإقليمي والدولي هو الذي يقرّر ذلك. الأسوأ هو غياب التوافق على تسوية بين هذه "الخوارج"، وهذا يعني أن أزمة السوريين مفتوحة إلى أمدٍ غير محدّد. عديدٌ من المثقفين السوريين يتمنّون العودة إلى ذلك الدور، بما يتجاوز انقسامات النظام والمعارضة، وكل أشكال الانقسام، وينطلق من إرادة وطنية متعالية عن هذا كله، ويؤسّس لمستقبلٍ لكل السوريين.

المثقفون والأسئلة

بدأ ذلك العديد من المثقفين يطرح أسئلة فكرية عن الأزمة الراهنة؛ فيجدها تتجاوز خندقات النظام والمعارضة، وتعود، برأيه، إلى بداية تأسيس الدولة السورية، حيث ليس من إقرارٍ نهائيٍّ بأنّ سورية الحالية، والواقعة تحت خمسة احتلالات، هي المبتدأ والمنتهى للسوريين، وبالتالي تتطلع كتل من السوريين إلى ما بعدها، كما الرؤية القومية أو الشيوعية أو الإسلامية. ومشكلتنا الآن لم تعد فقط في الرؤى الثلاث السابقة، بل في الاحتلالات الخمسة، والتي لا تكتفي برسم نفوذها وتوظيف سوريين أدواتٍ رخيصة في خدمتها، بل في أن سياسات تلك الاحتلالات تقسّم السوريين إلى خمسة شعوب، أو تحاول ذلك. على الرغم من كل كارثية هذا الوضع، فالعديد أعلاه يؤكد ضرورة انبثاق الإرادة الوطنية، وتوحيد سورية من جديد، دولةً ديمقراطيةً وعلمانيةً ومواطنية.

ما تراكم من ملفاتٍ على الساحة السورية منذ 2011 يؤكد أن طيّها غير ممكن من دون تسويةٍ سياسية شاملة

واقعياً، ما تراكم من ملفاتٍ على الساحة السورية منذ 2011 يؤكد أن طيّها غير ممكن من دون تسويةٍ سياسية شاملة، تأخذ بالاعتبار القرارات الدولية، ولا تتجاهل كتلة الموالين الرافضين كلّ ما يتعلق بالثورة أو المعارضة. الانقسام هذا، والذي يمكن توصيفه بانقساماتٍ طائفيةٍ ودينيةٍ وقوميةٍ وعشائريةٍ وجهوية، يتطلب بالضرورة مشروعاً يتجاوز مشاريعهم الانعزالية والتقسيمية، ولكن هذه الانقسامات ليست متخيَّلة أو مسائل فكرية، بل أصبحت قضايا واقعية، وتلوَّثت الثورة وتطوراتها اللاحقة بها، وارتُكبت مجازر ومعارك وحروب، وهناك "تبعيات" لقطاعات مجتمعية لدولٍ خارجية باسمها. لا تعبر الانقسامات عن كل الأفراد المنضوين في "الدول" السورية العديدة، ولكنها أصبحت قضية مفتوحة، وغير ممكن إغلاقُها من دون تجاوز سبب الانقسامات. يقتضي التجاوز تغيير النظام أو تغييراً كبيراً فيه، وكذلك ضرورة تغيير كل الرؤى الفكرية والسياسية للمعارضة المكرّسة. ما زالت المعارضة غير المكرسة لم تنجز برؤاها أو برامجها أو أطروحاتها الفكرة الأخيرة.

لا يفيد التفكير الرغبوي في طيّ الانقسامات، أو إخراج الاحتلالات، أو إنهاء النظام أو المعارضة المكرسة التابعة. التعقيدات هذه يجب مواجهتُها، فكيف يتحقق ذلك، وقد مات أكثر من نصف مليون، وعُطِبَ الملايين، وشُرِدَ في المنافي أكثر من نصف سكان سورية، والنصف الآخر يقبع تحت أنظمةٍ تمنع عنه أية حريات أو حقوق، ويعيشون في ظلِّها كالعبيد، وبالكاد يؤمِّنون قوت يومهم وتجديد البنية الفيزيولوجية؛ التي أصبحت مبتلاة بكل أصناف الضعف والمرض والتعب.

الثورة وهوية سورية

لم تواجه الثورة نظاماً بمفرده، بل واجهت إيران ومليشياتها ومنذ اليوم الأول. والآن، لا يجد الشعب السوري مشروعاً وطنياً يُلتفُّ حوله، لا من المعارضات ولا النظام. هذا واقع تراجيدي؛ فالسوريون يُقتلون ويُظلمون منذ عشر سنوات على الأقل وليس من أفقٍ لنهاية كارثتهم. لا أعتقد بجدوى القول إن مشكلات سورية الراهنة تعود إلى لحظة تأسيس سورية 1920، على الرغم من أن الاحتلال الفرنسي هو من اقتطعها من عالمها العربي، ومارس سياسات تمييزية ضد الأكثرية ولصالح الأقليات، وكذلك تأسست سورية بوصفها دولةً لصالح الطبقة الثرية في أثناء الاحتلال وبعده، ولاحقاً باعتبارها دولة لصالح الطبقة الوسطى التي توسَّلت أفكاراً اشتراكيةً كثيرة. أخضع الجنرال حافظ الأسد الأفكار الاشتراكية لسلطته، فكانت أيديولوجيته في قيادة الدولة، وتشكيل نظامٍ سياسي شمولي، اكتملت شموليته بعد 1982.

سيطر الفساد بعد السبعينيات على بنية الدولة، وكذلك النهب، وهذا دَمّرَ القطاع العام، وأعطى دفعة قوية للقطاع الخاص، وترافق ذلك مع استقرارٍ مديد، عاشته سورية؛ وإن كانت تعرّضت لحربٍ طائفية في الثمانينات، ولكنها تجاوزت ذلك بتشدٍّد شمولي إضافي من ناحية، والتأسيس للانقسام الطائفي من ناحية أخرى، والذي انفجر ما بعد اندلاع الثورة بعدة أعوام بشكلٍ واسع، حيث أعيد إنتاج الثورة بعيداً عن شعبيّتها ووطنيتها ونحو التطييف، وكان ذلك بفعلٍ واعٍ من النظام والإخوان المسلمين؛ حينها انفتحت سورية نحو مشكلةٍ طائفيةٍ جديدةٍ بإرث قديم، وكذلك نحو الخضوع للخارج، الإقليمي والعالمي.

"دويلات" سورية الفاشلة

يتجه الوضع السوري نحو أكثر من خيار، وأقواها راهناً تعزيز مناطق النفوذ، مع استنقاع كل مناطق "الدويلات"، حيث لا إعمار في مناطق قوات سورية الديمقراطية (قسد) أو هيئة تحرير الشام أو الجيوش "الوطنية" التابعة لتركيا أو النظام كذلك، وعكس ذلك نراقب انفجارات اجتماعية مستمرة في كافة هذه المناطق. الانفجارات لا تتَّسم ببعدٍ وطني جامع، على الرغم من أن مصلحتها الحقيقية تكمن في ذلك، ومسؤولية ذلك بسبب غياب البعد الوطني لدى النظام، والمعارضة، حيث لا يطرحان تأطيراً لاستيعاب هذه الانفجارات في مشروع وطني. النظام ما زال يمارس القمع، كما كان من قبل، والمعارضة ما زالت خاضعة لتركيا ودول أخرى، وبالتالي، تتكرّر الاحتجاجات وتندثر تباعاً. حصيلة الأمر هي مأسسة مناطق النفوذ، ولكن من دون إعمار أو عودة السكان الأصليين.

تؤكد التقارير الاقتصادية انهيار الوضع المعيشي لأكثر من 90% من السوريين، ودمار قطاعات واسعة من البنية التحتية للاقتصاد، وأن كلفة إعادة الإعمار تتجاوز الـ 500 مليار دولار، وهناك تقارير تتكلم عن ألف مليار. والأسوأ الهجرة الواسعة للصناعات الوطنية إلى الخارج وتوطُّنُها هناك. يتطلب هذا الوضع رؤيته بعمقٍ شديد. يجب التدقيق في مقارنة الوضع السوري مع أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية؛ فهناك كان مشروع مارشال، وقام الاتحاد السوفييتي بتنمية أوروبا الشرقية. أمّا سورية فليس هناك من مشاريع دولية تنتظرها في زمن العولمة ووباء كورونا والأزمة الرأسمالية العالمية الراهنة، هذا في حال بدأ الحل السياسي. المعارضة والنظام ينتهجان التبعية للخارج وعقلية الاستدانة منه للتنمية المحدودة الموظفة في اقتصاد ريعي، ولا يراكم عملاً تنموياً يعوّل عليه، وتعد الممارسات التي تعاملا فيها مع الشعب، الموالي والمعارض، مثالاً نموذجياً عمّا ينتظر الشعب مستقبلاً.

لا يجد الشعب السوري مشروعاً وطنياً يُلتفُّ حوله، لا من المعارضات ولا النظام

المعارضة الوطنية، وأية فعاليات سياسية، من غير المعارضة المكرسة، معنية بالوقوف طويلاً حول كيفية النهوض بسورية، المحتلة حالياً. لا يمكن لنظامٍ سياسيٍّ ديمقراطي أن يتأسّس في سورية من دون رؤية اقتصادية دقيقة لوضع الاقتصاد ولفقر الأكثرية المهمّشة، وأية رؤى لا تنطلق من إعادة الاعتبار للصناعة والزراعة أولاً، وتنمية الاقتصاد الوطني، ستذهب نحو تحويل الاقتصاد إلى التجارة والبنوك والعقارات ولصالح الخارج، ومرتبط به. وبالتالي، ستُدفع سورية نحو مزيدٍ من التبعية والتهتك الاجتماعي لبنيتها الاجتماعية التي هي أصلاً في حالة انقسامٍ كبرى من جرّاء السنوات العشر السابقة. لم تكن خطورة الانقسامات واضحة في 2011، ولكنها الآن جليّة الملامح، وتتطلب كثيرا من الشغل السياسي والحقوقي، وإنصاف الضحايا والمظلومين، ليكون ممكناً تجاوز الثارات والانقسامات وغرائز القطيع. إذاً، تعاني سورية من وضعٍ اقتصادي منهار وبنية اجتماعية متهتّكة ومخربة ومفقرة. السؤال أية قوى سياسية واجتماعية وثقافية قادرة على انتشال الوضع الاجتماعي مما هو فيه، والارتقاء به، إلى وعي حقوقي، يعطي القضاء والمحاكم دوراً مركزياً في المحاكمة وقبول الأحكام، وإعادة "تخييط" المجتمع السري، ونسج هوية مجتمعية، تتعالى على تلك الانقسامات "المعزَّزة بالقتل والنهب وكل أشكال الانتهاك والسيطرة الأيديولوجية لعقلية الانقسام؟ تبسيط الوضع السوري ليس صحيحاً، ولكن تركه يغرق في الانقسامات والتعفّن أكثر مما تمَّ هو جريمة يُدان فيها النظام والمعارضة، وكل من تدخل بالشأن السوري، وأولهم إيران ومليشياتها، وروسيا، وتقع مسؤولية الفاعلين "المهمشين في آخر القائمة.

المعارضة الجديدة

ينتظر الوضع السوري تسوية إقليمية ودولية، وهذا بمثابة مفتاح الحل، ولكن أليس هناك مسؤولية على الطرف الأضعف في المعادلة؟ وأقصد المعارضة السورية، سيما أن النظام لم يعد يتحكّم بأمره، وهو لا يرى مستقبله إلا ضمن المنظارين، الإيراني والروسي، حيث ليس من إمكانية لاستمراريته من دون حماية حلفائه. يقع على عاتق المعارضة التصدّي للأمر. هذه مشكلة كبرى تقف أمام السوريين في هذه اللحظة، وسترافقهم في حال بُدِئَ العمل بتسوية "صفقة" وبحلٍّ سياسي. ما دام الأمر كذلك، فما العمل إذاً، وهل هذا يعني أننا لن نغادر حالة التبعية للخارج أو الدمار الذي أصبحت سورية عليه؟ من المفيد تأمل، ليس فقط مشروعي إعادة الإعمار المشار إليهما أعلاه مارشال وتنمية أوروبا الشرقية، فهناك كذلك تنميات تمّت إثر الثورات الاجتماعية، أبرز أمثلتها الصين وفيتنام، وكذلك كوبا بدرجة أضعف. هناك كذلك دول نشأت وتطوّرت ضمن حالة التبعية لأميركا، وفي إطار الحرب الباردة. الهند شقَّت طريقها الخاص في التطور، ولكنها تعاني من مشكلاتٍ كبرى في تطور مجتمعها، وهناك انقسامات دينية وسواها. الآن، كيف ستنهض سورية وكذلك اليمن وليبيا، وهناك العراق ولبنان؟ أليست حالة العراق الفاشلة جديرة بالتأمل العميق، وهو الذي احتلته عام 2003 أميركا التي أتت بنظامٍ سياسيٍّ لصالح إيران! والأخيرة ما زالت تَنهب موارده وتخرب بنيته الاجتماعية من خلال النظام السياسي الذي شكلته الولايات المتحدة. إضافة إلى ذلك كله، العراق مقسَّم بين عربٍ وكرد، وهناك محاولات لتقسيمه بين الشيعة والسنة، وهناك الوجود التركي.

إسرائيل لن تترك الجولان، وأميركا تجد شرق الفرات أرضاً وشعباً بلا سلطةٍ، وهناك التدخل التركي، والذي لن ينتهي من دون دورٍ سياسيٍّ مقرّر في العاصمة

حالة سورية أسوأ بكثير من العراق ولبنان، بل ومن اليمن وليبيا، فإذا كانت الأخيرات مطروحاتٍ دولياً للتسويات السياسية، وإجلاء الجيوش الأجنبية عنها، فإن حالة سورية ليست كذلك؛ فإسرائيل لن تترك الجولان، وأميركا تجد شرق الفرات أرضاً وشعباً بلا سلطةٍ، وهناك التدخل التركي، والذي لن ينتهي من دون دورٍ سياسيٍّ مقرّر في العاصمة، أي في كل سورية المستقبلية، أو وصول فئاتٍ، وتحديداً من الإسلاميين، للمشاركة في الحكم، ولخدمة مصالحها. وطبعاً لن نناقش احتمال تغيير النظام السياسي في تركيا في المرحلة الحالية، وهذا سيفتح باتجاه سياساتٍ جديدة، غير سياسات الرئيس أردوغان.

إذاً تقع على القوى الوطنية، وأيا كانت اتجاهاتها الفكرية والسياسية، مهامٌ مركبة، تتناول كافة أوجه الحياة في سورية، سيما أن العالم يشهد نظاماً دولياً متأزماً بشدّةٍ، والدول الأساسية فيه تحتل مناطق من سورية، وكذلك تفعلُ دول إقليمية. وبالتالي من الخفّة بمكان أن يتمحور السوريون في نقاشٍ طرفاه وسردياته النظام أو المعارضة. لم يعد ممكناً الاكتفاء بذلك، على الرغم من أن هذين الطرفين، وأولهما النظام، وثانيهما المعارضة المكرّسة، ورَّطا سورية بما آلت إليها أوضاعها حالياً، أي الاحتلالات الخارجية والدمار والمنافي والأزمة الاقتصادية العنيفة في الأعوام الأخيرة.

تشير حصيلة التحليل أعلاه إلى أنَّ الإرادة الوطنية المستقلة عن الخارج، وعن طرفي الصراع الداخلي، ستعبِّر عنها قوىً وشخصيات ومجموعات من داخل سورية ومن خارجها، وليست مصنّفة على المعارضة المكرسة أو النظام. الأزمة الاقتصادية، وعَقدٌ من الحرب والثورة، وغياب التسوية الخارجية، يشير هذا كله إلى ضرورة ذلك.

لا يمكن النهوض من الدمار بغير رؤيةٍ وطنيةٍ للاقتصاد وللأغلبية المفقرة، ورفض الشروط الدولية والإقليمية التي ستَرهن سورية لسياساتٍ ناهبة لثروات سورية

القوى الوطنية الجديدة، وهي لم تتبلور بعد، معنية بتلمس الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. المدخل السليم نحو ذلك إعلان إفلاسٍ كامل للنظام وللمعارضة، ومهما تفاوتت المسؤوليات. سيعني هذا الإعلان أن السوريين سيبحثون عن رؤى جديدة، وسياسات وبرامج جديدة، ترفض الانقسامات وسياسات النظام والمعارضة. هذا شرط أوّلي للقوى المأمولة، ومن دونها لا يمكن السير خطوة واحدة نحو طيّ الانقسامات، أو تجاوز هيمنة النظام والمعارضة المكرّسة. يقع على عاتق القوى سابقة الذكر، الوعي الدقيق لحالة الانقسام، والسعي نحو توحيد سورية من جديد، وهذا يقتضي الانطلاق من جملة مسائل، هنا محاولة لتكثيفها قدر الإمكان:

أوّلاً، كلفة آثار الحرب والدمار الاقتصادي عالية، ولن تتطوع دولةٌ أو دولٌ متعدّدة لتقديم خمسمائة مليار دولار للنهوض بها، وستكون المليارات المقدّمة هزيلة ومشروطة، ولن توظّف في قطاعات صناعية أو زراعية أو تعليمية، لتساهم بالنهوض العام. أيضاً، لا يمكن النهوض من الدمار بغير رؤيةٍ وطنيةٍ للاقتصاد وللأغلبية المفقرة، ورفض كل الشروط الدولية والإقليمية التي ستَرهن سورية لسياساتٍ ناهبة لثروات سورية، وهو ما بدأت به روسيا وإيران في ظل هذا النظام. طبعاً كل الاتفاقات مع روسيا وإيران يجب تعطيلها في أيّة تسويةٍ، أو إعادة النظر بها بشكلٍ كامل، لتكون عائداتها لصالح الدولة السورية المستقبلية. النهوض بالوضع الاقتصادي والاجتماعي، إضافة إلى الأخذ بالتباين بين المدن التي دُمرت والتي لم تدمر أو هُجِرَ سكانها أو ظلّوا فيها، فهذه الحيثية أساسية، ليكون بالإمكان إعادة التوازن إلى كل مدن سورية وبلداتها، وبما يعيد إعمار ما تدمَّر منها، وترميم ما أهمل منها، وهذا يشمل كل أوجه الحياة الاقتصادية والخدمية. إذاً لا بد من شفافية واضحة إزاء الواقع، وبغض النظر عن المسبب، وهو أولاً النظام وثانيهما الفصائل المسلحة سيما السلفية والجهادية منها، ولاحقاً الدول التي تدخلت بالشأن السوري. هذه قضايا تتطلب متابعة حقوقية دقيقة، ولقاءات بحثية كبيرة من أجل تحديد المسؤولية، ورفع القضايا أمام المحاكم.

ثانياً، الشكل السياسي الوحيد، والقادر على استيعاب الانقسامات المشار إليها أعلاه، وإيجاد علاقات اجتماعية وسياسية وطنية وعابرة لكل تلك الانقسامات، هو النظام الديمقراطي، المبني على مبدأ المواطنة وحقوق الإنسان، ورفض كل أشكال التمييز في المستوى السياسي للدولة، وبدءاً بالدستور وليس انتهاءً بقانون للأحوال الشخصية، يكون مدنياً. هذا يجب أن توافق عليه كل القوى السياسية على اختلاف إيديولوجياتها، ومهما ادّعت قدسية ما لمرجعياتها أو سياساتها؛ كأن يقول الليبرالي إن الليبرالية هي مستقبل سورية ومستند خلاصها من كل استبداد، وأن الدستور وكل العملية السياسية يجب أن تخضع لمبادئها، وكذلك قول الإسلامي أو الاشتراكي. هذا التوجه الفكري يعيد إنتاج الاستبداد عبر قدسية مرجعيته وواحدية رؤاه، وهو يطيح كل نضالات السوريين عبر ثورتهم أو عبر تاريخ نضالاتهم من أجل نظام سياسي جديد، ومجتمع جديد، ونهوض عام، وتحرّر من الاحتلالات وسواه كثير.

كلفة آثار الحرب والدمار الاقتصادي عالية، ولن تتطوع دولةٌ أو دولٌ متعدّدة لتقديم خمسمائة مليار دولار للنهوض بها

ثالثاً، تشكيل محاكم وفقاً لدستورٍ وقوانين جديدة، مهمَّتها متابعة كل القضايا التي تراكمت منذ خمسة عقود على أقل تقدير، وكذلك ما تمّ من مآس في السنوات العشر الأخيرة. يكون لهذه المحاكم الحق بمتابعة أيّة شخصياتٍ، كان لها دورٌ في مآسي سورية. إذاً لا بد من استقلال القضاء بشكل كامل، ومحاسبة أي شخصيات أمنية أو سياسية أو اقتصادية أو عشائرية أو نافذة، تريد شطب قضايا مرفوعة تجرّم تلك الشخصيات أو أفرادا تابعين لها؛ هذا يجب أن ينتهي، وهذا بالطبع ليس بسيطاً، فحجم الجرائم المرتكبة كارثيٌ، ولكن لا يمكن للسوريين أن يبنوا دولة خارج هذا الإطار.

رابعاً، النهوض بالتعليم، وإعادة إعمار البنية التحتية للعملية التعليمية برمتها، وترميم القابل للإعمار. وهنا يجب إجراء ورش فكرية وثقافية بقيادة شخصياتٍ مشهود لها بسعة المعرفة والأخلاق والوطنية. الهدف من ذلك إعادة كتابة المناهج الدراسية وتغيير أساليب التعليم، وإعادة التعليم إلى مجانيته وإلزاميته، ورفض السياسات التي تكرّس التعليم الخاص بديلا عن العام. الهدف من ذلك هو الإسراع بتشكيل ثقافة نقدية ووطنية وفي شؤون الحياة كافة، فما تراكم من أُميّة تعليمية أو ثقافية وسواها يجب طيّه نهائياً، والتخلص من أية أدلجة في العملية التعليمية. هنا يجب إبعاد التعليم الديني عن مؤسسات الدولة، وأن تكون تابعةً للمؤسسات الدينية، ومناهجها التعليمية تخضع لوزارة التربية والتعليم، بما فيها المواد الدينية التي يجب أن تتضمّن رؤىً وأفكاراً إصلاحية، وتتماشى مع عصرنا الحديث، ورفض كل رؤى تقليدية أو سلفية أو جهادية أو تمييزية بين البشر أو الأديان.

خامساً، إعادة تشكيل أجهزة الدولة القمعية والجيش، وأن تخضع بشكل حاسم لوزير الدفاع، أو وزيرٍ مختصٍّ بالشؤون الأمنية. أمّا الشرطة فيفترض أن تتبع لوزارة الداخلية، وألا يكون لها أية صلة بالأجهزة الأمنية. يُراد من الأجهزة الأمنية حماية الدولة والأفراد من الخارج أو من قوى إرهابية، رافضة دستور الدولة وقوانينها أو لمؤسساتها. وضمناً، يجب إبعاد كل من ولغ من قيادات تلك الأجهزة أو عناصرها بدماء السوريين، في العقود المنصرمة. المقصد ألّا يكون لهذه الأجهزة أية اعتبارات فوق حقوق كل أفراد المجتمع وواجباتهم، والأمر ذاته يسري على كل المسؤولين في الدولة، وبدءاً برئيس الجمهورية.

تجاوز الانقسامات يفترض بالضرورة علاقة متكاملة بين مركز الدولة، أي العاصمة، وبقية المدن، وهو ما يشار إليه باللامركزية الإدارية، ومركزية دور العاصمة في مختلف الشؤون السياسية في الدولة

الأفكار الخمس أعلاه تتقصَّد إنهاء كل أشكال التمايز بين السوريين، جديدِها وقديمِها؛ طبعاً ستظل قضية التمايز الطبقي الأخطر، والتي تتطلب نضالاتٍ مستقبليةً واسعة من الأكثرية المفقرة، ليتم إعادة توزيع الثروة عبر سياسات عادلة. في هذا، لا تُستبعد أيّة سياسات اقتصادية جذرية، وإعلاء دور النقابات في مختلف الشركات الخاصة وبالتأكيد العامة. تجاوز الانقسامات يفترض بالضرورة علاقة متكاملة بين مركز الدولة، أي العاصمة، وبقية المدن، وهو ما يشار إليه باللامركزية الإدارية، ومركزية دور العاصمة في مختلف الشؤون السياسية في الدولة، كاحتكار تمثيل العلاقات الخارجية أو المسائل الأمنية والعسكرية، والاقتصاد والثروات والعملة وسعر صرفها.

نهوض سورية

يتطلب نهوض سورية ما حاولت السطور أعلاه تلمُّسه، وهذا سيُواجَه بمختلف التعقيدات من "الدويلات التابعة"، وهذه تمتلك كل أدوات القمع والظلم والحرمان للمجموعات السورية المنضوية تحت سلطتها. حاول هذا النص إعطاء دورٍ كبير للقوى المأمولة ولإرادتها الوطنية، ولكن الدقيق أن القوى تلك يفترض أن تمتلك برنامجاً، حدّدْتُ بعض نقاطه، بما يمثل الأكثرية المفقرة والمهمشة. إن أية سياسات وبرامج نهضوية يجب أن تستقي أفكارها ورؤاها من الأفكار الاشتراكية والماركسية، وكذلك من الرؤى والسياسات التي أنصفت الطبقات المفقرة في أوروبا أو الدول الإسكندنافية، وكذلك من الدول التي ترسّخت فيها منظومة حقوق الإنسان ومبادئ المواطنة والعدالة الاجتماعية بعامة. هنا إشكالٌ كبيرٌ، ووجّه له نقد كثير، ويتعلق بأن الأنظمة القومية العربية تبنت الأيديولوجيا الاشتراكية، وكذلك الدول الاشتراكية، ولم تكن حصيلة تجربتها ديمقراطيةً، أو تطوّراً متواكباً في كل قطاعات المجتمع.

هذا صحيح، ولكن تجربة الصين تقول بحدوث تطورٍ نوعيٍّ في تاريخ هذا البلد والعالم، وحتى دول الاتحاد السوفييتي، وأوروبا الشرقية خطت خطوات كبيرة في إطار التصنيع والتقدّم الزراعي والعلمي بعامة. لا يوجد عاقل يريد تكرار التجارب تلك، والعيش تحت أنظمة استبدادية وشمولية، ولكن لا يمكن تغييب رؤية التطوّر في الجانب الاقتصادي والعلمي هناك. إذاً، هناك ضرورة لمشروع وطني، لا يكون رهينة للخارج ولا لاقتصاد السوق، أو أن يكون تابعاً للنظام العولمي الذي ينهب خيرات العالم، وقد أدخله في أزماتٍ كبرى، لم تخرج منها بعد، وتعدّ الثورات العربية في وجهها الأساسي موجّهة ضد السياسات الليبرالية المرتبطة بالعولمة المسيطرة على العالم.

هناك ضرورة لمشروع وطني، لا يكون رهينة للخارج ولا لاقتصاد السوق، أو أن يكون تابعاً للنظام العولمي الذي ينهب خيرات العالم

القوى المأمولة معنية بسياسات وبرنامج وطني، ينهض بسورية في المجالات كافة، وينهي كل أشكال الانقسام، وكذلك ما تراكم تاريخياً ولم تجد له حلاً حتى الساعة، أي الانقسامات الدينية والخوف من الآخر والكراهية، وسواه. تساهم النقاط الخمس أعلاه في ذلك، ولكن لا يمكن التحرّك من خلالها من المعارضة أو النظام، فالاثنتان لا تعيرانها اهتماماً. تأخر إجراء تسوية للوضع السوري يفترض النقاط السابقة، وكذلك إن بُدئَ بالتسوية السياسية، حيث لن تكون لصالح السوريين.

إذاً ليس من إمكانية إلى توحيد سورية من دون مشروع وطني يقطع بشكل حاسم مع أصل الانقسامات ويعلن عنها، ويحدّد سياساته الوطنية الجامعة إزاء السوريين كافة. مشروعنا هنا يتناقض من مصالح كبرى أصبح النظام والمعارضة يعملان وفقها، أي التبعية لهذه الدولة أو تلك، وهذا هَمّش أيّة رؤىً وطنية. تتناقض فكرة النص مع السائد المحلي والإقليمي والدولي؛ وهو مشروعٌ يمكن أن يوازي مشاريع وطنية في أكثر من بلد عربي، كليبيا واليمن، ووفقاً لمشكلات تلك الدول.

نهوض العرب في الدول الفاشلة، أو التي لم تفشل بعد، ينطلق من تعزيز ما ذكر أعلاه، وهذا سيكون الأساس للدول وللحركات السياسية والاجتماعية الجديدة.

=========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com